I'rab Al Quran li Al Darwish — الصافات 37:24 – الصافات 37:85
المحتويات
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:67
- الصافات 37:68
- الصافات 37:69
- الصافات 37:70
- الصافات 37:71
- الصافات 37:72
- الصافات 37:73
- الصافات 37:74
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:79
- الصافات 37:80
- الصافات 37:81
- الصافات 37:82
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:85
الصافات 37:24
الإعراب:
(وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل ويا حرف تنبيه أو المنادى محذوف وويلنا مصدر لا فعل له من لفظه أو منادى وجملة النداء مقول قولهم وجملة هذا يوم الدين يحتمل أن تكون من تتمة مقولهم ويحتمل أن يتم الوقف على ويلنا والجملة مستأنفة فتكون من قول الملائكة لهم وهذا مبتدأ ويوم الدين خبره. (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) هذا مبتدأ ويوم الفصل خبر ويحتمل أن تكون الجملة من تتمة مقولهم ويكون قوله تكذبون التفاتا من التكلم إلى الخطاب والذي صفة ليوم وكنتم كان واسمها وبه متعلقان بتكذبون وجملة تكذبون خبر كنتم.
(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ) خطاب من الله تعالى للملائكة أو خطاب بعضهم لبعض. واحشروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة واسم الموصول عبارة عن المشركين ومفعول ظلموا محذوف تقديره أنفسهم وأزواجهم عطف على الموصول أو مفعول معه وما عطف أيضا أو مفعول معه وكان واسمها وجملة يعبدون خبرها.
(مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) من دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والفاء عاطفة واهدوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به والى صراط الجحيم متعلقان باهدوهم. (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) وقفوهم عطف على ما تقدم أي واحبسوهم عند الصراط وإن واسمها ومسؤولون خبرها والجملة تعليل للأمر.
(ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ) الجملة مقول قول محذوف أي ويقال توبيخا لهم. وما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وجملة لا تناصرون حالية ولا نافية وتناصرون فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه والأصل لا تتناصرون أي لا ينصر بعضكم بعضا. (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) بل حرف إضراب وعطف وهم مبتدأ واليوم ظرف متعلق بمستسلمون ومستسلمون خبر هم أي قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز.
الفوائد:
يجوز في المضارع المبدوء بتاءين زائدتين الإدغام والفكّ ونورد هنا مناقشة بين علماء العربية نورد خلاصتها لفائدتها وطرافتها فقد ذكر ابن مالك في شرح الكافية وتبعه ابنه في شرح الخلاصة انك إذا أدغمت التاء الأولى في الثانية اجتلبت همزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالتاء المسكنة للادغام فتقول في تتجلى اتجلى ورد ابن هشام في أوضح المسالك وتبعه الشيخ خالد الأزهري عليهما بقولهما: «وفيه نظر فإنه لم يخلق الله أحدا من الفصحاء فيما نعلم أدخل همزة وصل في أول الفعل المضارع وإنما ادغام هذا النوع في الوصل دون الابتداء قال الحوفي: فإن وقف ابتدئ بالإظهار، ولا يجوز إدخال ألف الوصل عليه لأن ألف الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، وذكر الناظم- أي ابن مالك- في بعض كتبه هذه المسألة على الصواب فقال: يجوز ادغام تاء المضارعة في تاء أخرى بعد مد أو حركة نحو ولا تيمموا وتكاد تميز» .
ورد عليهما بعض العلماء فقال: في هذا النقد نظر لأن ابن مالك وابنه من أجلّ علماء العربية وقد ذكرا أنه يجوز الإدغام في الابتداء وتجتلب همزة الوصل لتعذر الابتداء بالساكن ولا يخلو حالهما من أمرين إما أن يكون استندا فيه إلى فهم ذلك من لغة العرب أو استنباط ذلك منها لعدم ما يناقضه وينافيه وعلى كل لا يحسن الرد عليهما بمجرد عدم العلم بأن الله لم يخلق همزة وصل في أول الفعل المضارع لأنهما مثبتان والراد عليهما ناف والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ولا تظن بهما أنهما أقدما على ما ذهبا إليه بمجرد التشهي من غير استناد إلى شيء يعتمدان عليه ويستندان إليه لأن سوء الظن بالأئمة غير لائق كيف وقد نقل الثقات أن ابن مالك قال: طالعت الصحاح فلم أستفد منه إلا ثلاث مسائل ولا يضرهما عدم ذكرهما المستند في ذلك صريحا وإن ذكراه تلويحا، قال ابن المصنف: ومنهم من يدغم ويسكن أوله ويدخل عليه همزة وصل فيقول اتجلى لأنهما ثقتان مؤتمنان وقد ذكر صاحب القاموس في فصل الجيم من باب النون لما تكلم على جيان: «ومنها إماما العربية ابن مالك وأبو حيان» .
الصافات 37:25
الإعراب:
(وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل ويا حرف تنبيه أو المنادى محذوف وويلنا مصدر لا فعل له من لفظه أو منادى وجملة النداء مقول قولهم وجملة هذا يوم الدين يحتمل أن تكون من تتمة مقولهم ويحتمل أن يتم الوقف على ويلنا والجملة مستأنفة فتكون من قول الملائكة لهم وهذا مبتدأ ويوم الدين خبره. (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) هذا مبتدأ ويوم الفصل خبر ويحتمل أن تكون الجملة من تتمة مقولهم ويكون قوله تكذبون التفاتا من التكلم إلى الخطاب والذي صفة ليوم وكنتم كان واسمها وبه متعلقان بتكذبون وجملة تكذبون خبر كنتم.
(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ) خطاب من الله تعالى للملائكة أو خطاب بعضهم لبعض. واحشروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة واسم الموصول عبارة عن المشركين ومفعول ظلموا محذوف تقديره أنفسهم وأزواجهم عطف على الموصول أو مفعول معه وما عطف أيضا أو مفعول معه وكان واسمها وجملة يعبدون خبرها.
(مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) من دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والفاء عاطفة واهدوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به والى صراط الجحيم متعلقان باهدوهم. (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) وقفوهم عطف على ما تقدم أي واحبسوهم عند الصراط وإن واسمها ومسؤولون خبرها والجملة تعليل للأمر.
(ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ) الجملة مقول قول محذوف أي ويقال توبيخا لهم. وما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وجملة لا تناصرون حالية ولا نافية وتناصرون فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه والأصل لا تتناصرون أي لا ينصر بعضكم بعضا. (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) بل حرف إضراب وعطف وهم مبتدأ واليوم ظرف متعلق بمستسلمون ومستسلمون خبر هم أي قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز.
الفوائد:
يجوز في المضارع المبدوء بتاءين زائدتين الإدغام والفكّ ونورد هنا مناقشة بين علماء العربية نورد خلاصتها لفائدتها وطرافتها فقد ذكر ابن مالك في شرح الكافية وتبعه ابنه في شرح الخلاصة انك إذا أدغمت التاء الأولى في الثانية اجتلبت همزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالتاء المسكنة للادغام فتقول في تتجلى اتجلى ورد ابن هشام في أوضح المسالك وتبعه الشيخ خالد الأزهري عليهما بقولهما: «وفيه نظر فإنه لم يخلق الله أحدا من الفصحاء فيما نعلم أدخل همزة وصل في أول الفعل المضارع وإنما ادغام هذا النوع في الوصل دون الابتداء قال الحوفي: فإن وقف ابتدئ بالإظهار، ولا يجوز إدخال ألف الوصل عليه لأن ألف الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، وذكر الناظم- أي ابن مالك- في بعض كتبه هذه المسألة على الصواب فقال: يجوز ادغام تاء المضارعة في تاء أخرى بعد مد أو حركة نحو ولا تيمموا وتكاد تميز» .
ورد عليهما بعض العلماء فقال: في هذا النقد نظر لأن ابن مالك وابنه من أجلّ علماء العربية وقد ذكرا أنه يجوز الإدغام في الابتداء وتجتلب همزة الوصل لتعذر الابتداء بالساكن ولا يخلو حالهما من أمرين إما أن يكون استندا فيه إلى فهم ذلك من لغة العرب أو استنباط ذلك منها لعدم ما يناقضه وينافيه وعلى كل لا يحسن الرد عليهما بمجرد عدم العلم بأن الله لم يخلق همزة وصل في أول الفعل المضارع لأنهما مثبتان والراد عليهما ناف والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ولا تظن بهما أنهما أقدما على ما ذهبا إليه بمجرد التشهي من غير استناد إلى شيء يعتمدان عليه ويستندان إليه لأن سوء الظن بالأئمة غير لائق كيف وقد نقل الثقات أن ابن مالك قال: طالعت الصحاح فلم أستفد منه إلا ثلاث مسائل ولا يضرهما عدم ذكرهما المستند في ذلك صريحا وإن ذكراه تلويحا، قال ابن المصنف: ومنهم من يدغم ويسكن أوله ويدخل عليه همزة وصل فيقول اتجلى لأنهما ثقتان مؤتمنان وقد ذكر صاحب القاموس في فصل الجيم من باب النون لما تكلم على جيان: «ومنها إماما العربية ابن مالك وأبو حيان» .
الصافات 37:26
الإعراب:
(وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل ويا حرف تنبيه أو المنادى محذوف وويلنا مصدر لا فعل له من لفظه أو منادى وجملة النداء مقول قولهم وجملة هذا يوم الدين يحتمل أن تكون من تتمة مقولهم ويحتمل أن يتم الوقف على ويلنا والجملة مستأنفة فتكون من قول الملائكة لهم وهذا مبتدأ ويوم الدين خبره. (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) هذا مبتدأ ويوم الفصل خبر ويحتمل أن تكون الجملة من تتمة مقولهم ويكون قوله تكذبون التفاتا من التكلم إلى الخطاب والذي صفة ليوم وكنتم كان واسمها وبه متعلقان بتكذبون وجملة تكذبون خبر كنتم.
(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ) خطاب من الله تعالى للملائكة أو خطاب بعضهم لبعض. واحشروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة واسم الموصول عبارة عن المشركين ومفعول ظلموا محذوف تقديره أنفسهم وأزواجهم عطف على الموصول أو مفعول معه وما عطف أيضا أو مفعول معه وكان واسمها وجملة يعبدون خبرها.
(مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) من دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والفاء عاطفة واهدوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به والى صراط الجحيم متعلقان باهدوهم. (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) وقفوهم عطف على ما تقدم أي واحبسوهم عند الصراط وإن واسمها ومسؤولون خبرها والجملة تعليل للأمر.
(ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ) الجملة مقول قول محذوف أي ويقال توبيخا لهم. وما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وجملة لا تناصرون حالية ولا نافية وتناصرون فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه والأصل لا تتناصرون أي لا ينصر بعضكم بعضا. (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) بل حرف إضراب وعطف وهم مبتدأ واليوم ظرف متعلق بمستسلمون ومستسلمون خبر هم أي قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز.
الفوائد:
يجوز في المضارع المبدوء بتاءين زائدتين الإدغام والفكّ ونورد هنا مناقشة بين علماء العربية نورد خلاصتها لفائدتها وطرافتها فقد ذكر ابن مالك في شرح الكافية وتبعه ابنه في شرح الخلاصة انك إذا أدغمت التاء الأولى في الثانية اجتلبت همزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالتاء المسكنة للادغام فتقول في تتجلى اتجلى ورد ابن هشام في أوضح المسالك وتبعه الشيخ خالد الأزهري عليهما بقولهما: «وفيه نظر فإنه لم يخلق الله أحدا من الفصحاء فيما نعلم أدخل همزة وصل في أول الفعل المضارع وإنما ادغام هذا النوع في الوصل دون الابتداء قال الحوفي: فإن وقف ابتدئ بالإظهار، ولا يجوز إدخال ألف الوصل عليه لأن ألف الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، وذكر الناظم- أي ابن مالك- في بعض كتبه هذه المسألة على الصواب فقال: يجوز ادغام تاء المضارعة في تاء أخرى بعد مد أو حركة نحو ولا تيمموا وتكاد تميز» .
ورد عليهما بعض العلماء فقال: في هذا النقد نظر لأن ابن مالك وابنه من أجلّ علماء العربية وقد ذكرا أنه يجوز الإدغام في الابتداء وتجتلب همزة الوصل لتعذر الابتداء بالساكن ولا يخلو حالهما من أمرين إما أن يكون استندا فيه إلى فهم ذلك من لغة العرب أو استنباط ذلك منها لعدم ما يناقضه وينافيه وعلى كل لا يحسن الرد عليهما بمجرد عدم العلم بأن الله لم يخلق همزة وصل في أول الفعل المضارع لأنهما مثبتان والراد عليهما ناف والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ولا تظن بهما أنهما أقدما على ما ذهبا إليه بمجرد التشهي من غير استناد إلى شيء يعتمدان عليه ويستندان إليه لأن سوء الظن بالأئمة غير لائق كيف وقد نقل الثقات أن ابن مالك قال: طالعت الصحاح فلم أستفد منه إلا ثلاث مسائل ولا يضرهما عدم ذكرهما المستند في ذلك صريحا وإن ذكراه تلويحا، قال ابن المصنف: ومنهم من يدغم ويسكن أوله ويدخل عليه همزة وصل فيقول اتجلى لأنهما ثقتان مؤتمنان وقد ذكر صاحب القاموس في فصل الجيم من باب النون لما تكلم على جيان: «ومنها إماما العربية ابن مالك وأبو حيان» .
الصافات 37:27
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:28
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:29
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:30
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:31
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:32
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:33
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:34
الإعراب:
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الواو استئنافية وأقبل فعل ماض وبعضهم فاعل وعلى بعض متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية أي يتلاومون وينحي بعضهم باللائمة على بعض. (قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وجملة كنتم خبرها وكان واسمها وجملة تأتوننا خبرها وتأتوننا فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن اليمين حال من فاعل تأتونا واليمين إما أن يراد بها الجارحة تعبيرا بها عن القوة وأما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يؤكدون حلفهم بأن يتصافحوا باليمين ويتماسحوا بها. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا ويرجع إليها في المطولات وخلاصة المعنى إنكم غررتم بنا وأضللتمونا. (قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا أحد أجوبة المتبوعين الخمسة وأولها وهو إضراب ابطالي لما ادعاه التابعون أي انكم لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات. وقالوا فعل وفاعل وبل إضراب ابطالي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو اسمها ومؤمنين خبرها.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهذا هو الجواب الثاني وهو مبني على افتراض أنهم أضلوهم فهم لم يجبروهم عليه. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنا خبرها المقدم وعليكم حال ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا اسم كان محلا. (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) بل إضراب ابطالي أيضا وكنتم كان واسمها وقوما خبرها وطاغين نعت لقوما وهو الجواب الثالث. (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) وهذا هو الجواب الرابع والفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعلينا جار ومجرور متعلقان بحق وقول ربنا فاعل وان واسمها واللام المزحلقة وذائقون خبرها والجملة الاسمية تعليل لما تقدم ومفعول ذائقون محذوف أي العذاب والفاعل مستتر تقديره نحن.
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) الفاء عاطفة وأغويناكم فعل وفاعل ومفعول به وهذا هو الجواب الخامس وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها وغاوين خبرها. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والرؤساء المتبوعين، وان واسمها ويومئذ ظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يتساءلون ويتلاومون ويتخاصمون، وفي العذاب متعلقان بمشتركون ومشتركون خبر انهم.
(إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على فعله وجملة نفعل خبر إنا وبالمجرمين متعلقان بنفعل.
الصافات 37:35
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:36
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:37
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:38
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:39
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:40
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:41
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:42
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:43
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:44
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:45
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:46
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:47
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:48
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:49
اللغة:
(بِكَأْسٍ) : يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر وعلى الخمر مجازا مشهور وهي مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها وتجمع على كئوس وأكؤس وكاسات وكئاس، يقول الأعشى: ورب كأس شربتها مع لذة أو لأجل لذة فضرتني فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ليعلم الناس أني مجرب للأمور، وكنى عن ذلك بقوله: «أتيت المعيشة من بابها» وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق الاستعارة المكنية واثبات الباب تخييل ومن هذا المعنى أخذ أبو نواس قوله المشهور:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ويروى عن الأخفش: «كل كأس في القرآن فهي الخمر» وقال أبو حيان: «الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة ولا يسمى كأسا إلا وفيه خمر وإلا فقدح وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله» .
(مَعِينٍ) : قال أبو حيان: «اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف» أي من شراب معين أو نهر معين ظاهر للعيون أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء وسنتبسط في هذه الكلمة لأنها تستعمل اليوم كثيرا لشكل هندسي فنقول: جاء في معاجم اللغة في مادة معن ما يلي: معن يمعن من باب فتح الماء ومعن يمعن من باب ظرف معنا ومعونا: جرى جريا سهلا فهو معين ومعن الفرس: تباعد في عدوه ومعن المطر الأرض تتابع عليها فأرواها ومعن يمعن من باب شرب معنا المكان أو النبت: روي من الماء والمعين الماء الجاري ويقال ماء معين أي جار وفي مادة عين «الماء المعين: الظاهر الذي تراه العين جاريا على وجه الأرض وعين معيونة لها مادة غزيرة من الماء» أما الشكل الهندسي فالأرجح إنه المعين بضم الميم وتشديد الياء المكسورة فهو اسم فاعل من عين المضعفة الياء وهو في الهندسة شكل مسطح متساوي الأضلاع الأربعة المستقيمة المحيطة به غير قائم الزوايا.
(غَوْلٌ) : ما يغتال العقول يقال غاله يغوله غولا إذا أفسده، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب وفي أمثالهم «الغضب غول الحلم» ، وغالته الخمر: شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه والغول مصدر والصداع والسكر وبعد المفازة والمشقة وما انهبط من الأرض والتراب الكثير.
(يُنْزَفُونَ) : بالبناء للمجهول من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها وفي أمثالهم «أجبن من المنزوف ضرطا» .
وقصة هذا المثل: ان رجلين خرجا في فلاة فلاحت لهما شجرة فقال أحدهما: أرى قوما قد رصدونا فقال الآخر: إنما هي عشرة فظنه يقول عشرة فجعل يقول وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات ويروى من وجه آخر أن نسوة لم يكن لهن رجل فزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة فإذا أتينه بصبوح ونبهنه قال: لو نبهتنني لعاديه فلما رأين ذلك قلن إن صاحبنا لشجاع تعالين حتى نجربه فأتينه فأيقظنه فقال كعادته فقلن هذه نواصي الخيل فجعل يقول الخيل الخيل ويضرط حتى مات وفيه أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا.
وفي الصحاح: «نزفت ماء البئر إذا نزحته كله ونزفت هي يتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله» .
(قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ويجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي قاصرات أطرافهن كمنطلق اللسان وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله وسيأتي الفرق بينهما في الاعراب.
(عِينٌ) : نجل العيون جمع عيناء والنجل جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة.
الإعراب:
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وجملة لا إله إلا الله مقول قول محذوف أي قولوا لا إله إلا الله وقد تقدم إعراب كلمة التوحيد مفصلا وجملة يستكبرون خبر كانوا وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) ويقولون عطف على يستكبرون والهمزة للاستفهام الانكاري وان واسمها واللام المزحلقة وتاركو خبر إن ولشاعر متعلقان بتاركوا أي لأجل شاعر ومجنون صفة.
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) إضراب ابطالي وجاء فعل وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاء وصدق المرسلين عطف على جاء بالحق.
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) إن واسمها وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة واللام المزحلقة وذائقو العذاب خبر ان والأليم صفة.
(وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وما نافية وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر وما مفعول به ثان وهو على حذف مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم تعملون صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى من الواو في تجزون والمخلصين صفة لعباد الله. (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) كلام مستأنف لتقرير ما أعد لعباد الله المخلصين وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ورزق مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة لرزق ونائب الفاعل مستتر تقديره وقته أو معلوم ما يتميز به من خصائص منها الديمومة ومحض اللذة وطيب الطعم، وحسن الرداء والمنظر وجملة لهم رزق معلوم خبر أولئك. (فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) فواكه بدل أو عطف بيان للرزق بدل كل من كل وسيأتي المزيد من مزايا هذا البدل في باب البلاغة والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومكرمون خبر. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلقان بمكرمون أو هو خبر ثان أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال. (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) على سرر متعلقان بمتقابلين ومتقابلين حال أو كلاهما حال وفي الكلام تصوير لمجالس الشراب سيأتي المزيد منه في باب البلاغة.
(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الجملة صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو جملة مستأنفة وعليهم متعلقان بيطاف وبكأس ناب مناب المفعول المطلق وقد تقدم بحث ذلك مفصلا ومن معين لصفة لكأس. قال الضحاك كل كأس في القرآن فهي الخمر.
(بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) وبيضاء صفة ثانية لكأس ولذة صفة ثالثة لكأس وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي ذات لذة أو هي تأنيث اللذ يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك رجل طب أي طبيب، قال:
لذّ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
فاللذ وصف واللذة مؤنثة وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس واسم للشيء اللذيذ والصرخد موضع بالشام ينسب إليه الشراب والحدثان مصدر كالحدث إلا أنه يدل على التجدد والتكرر يقول:
ورب شيء لذيذ يعني النوم طعمه كطعم الشراب تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) الجملة صفة رابعة لكأس ولا نافية وفيها خبر مقدم وغول مبتدأ مؤخر ولا عطف وهم مبتدأ وعنها متعلقان بينزفون وجملة ينزفون خبر هم وهو مبني للمجهول. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر والطرف مضاف إليه مرفوع المحل على أن قاصرات صفة مشبهة أو منصوب المحل على أن قاصرات اسم فاعل وعين صفة لقاصرات الطرف (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) صفة ثانية لقاصرات وإذا اعتبرت قاصرات صفة كانت صفة ثالثة وكأن واسمها وبيض خبرها ومكنون صفة وسيأتي بحث هذا التشبيه في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله «إنكم لذائقو العذاب الأليم» فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب وانه بلغ أقصى آماده وحدوده.
2- الإيجاز:
وفي قوله: «فواكه» وإبداله من رزق إيجاز قصر دل على أنهم قد بلغوا غاية ما يتمناه المتمني ويغتبط به المغتبط، فالفواكه مساوية للرزق فهي تشبه الخبز واللحم لأن أكلهم لا لإقامة الصحة وحفظها وإنما هو للتلذذ والتفكه فأجسامهم هناك محكمة لا يعتورها وهن ولا يتطرق إليها ضعف أو فتور.
وهناك إيجاز آخر بقوله معلوم فقد نابت هذه الكلمة عن الأوقات والمدد واندرجت فيها العشايا والأصائل والبكر، كما نابت عن الطعوم المتفاوتة والروائح المتباينة التي تختلف في المظهر وتتفق في طيبها وتفاوح أرجها المسكر.
3- التجسيد:
والصورة الفنية الرائعة تبدو في قوله «على سرر متقابلين» وليس أشهى للشاربين في أويقات الصبوح أو الغبوق وفي البكر والأماسي من أن يتقابلوا فالتقابل أتم للسرور وأدعى إلى الحبور وسيأتي أيضا تبادلهم للأحاديث والمتع.
4- الإيجاز أيضا:
وفي وصف الخمر إيجاز بليغ وهو قوله «لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقد جمعت هاتان الكلمتان جميع عيوب خمر أهل الناس التي حرمت بسببها من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك.
5- التشبيه المرسل:
وفي قوله «كأنهن بيض مكنون» تشبيه مرسل والمراد بالبيض هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي جعلته في كن والعرب تشبه المرأة به في لونه وهو بياض مشرب بعض صفرة وهو الذي نطلق عليه اليوم اللون الكافوري. وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق:
خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
والثاني في الصيانة والستر لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر. هذا وهو من التشبيهات التي رغب المحدثون عنها اليوم وإن كانت بديعة في ذاتها لأن البيئة لم تعد تستسيغ تلك التشبيهات.
التشبيه بين البيئات المختلفة:
ولإيضاخ الفرق بين البيئات نقول كان العرب يستحسنون تشبيه الأصابع والبنان بدودة تكون في الرمل وتسمى جماعتها بنات النقا فمن ذلك قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فقد شبه البنانة بالأسروعة أي دودة الرمل. وقال ذو الرمة:
خزاعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مرارا وتظهر
فهي كأحسن البنان لينا وبياضا وطولا واستواء ودقة وحمرة رأس كأنه ظفر قد تخضب. إلا أن النفس ما لبثت أن اجتوت هذا التشبيه فعدل أبو نواس عنه بقوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
وابن الرومي أيضا بقوله:
سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصريّ الدلالي رصافي
أشار بقضبان هي الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي
أو قول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
وهكذا يختلف التشبيه باختلاف البيئات. وسيأتي المزيد من هذا البحث الهام وحسبنا الآن ما قدمناه.
الصافات 37:50
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:51
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:52
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:53
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:54
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:55
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:56
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:57
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:58
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:59
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:60
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:61
الإعراب:
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة والجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض والبيت للفرزدق يقول ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه. وأقبل بعضهم فعل وفاعل وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بأقبل وجملة يتساءلون حالية والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع وتلك عادة الله في أخباره. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) قال قائل فعل وفاعل ومنهم صفة لقائل أي من أهل الجنة وإن واسمها وجملة كان خبرها وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول ولي خبر كان مقدم وقرين اسمها مؤخر أي كان لي في الدار العاجلة صاحب. (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) جملة يقول صفة لقرين والهمزة للاستفهام الانكاري وإن واسمها واللام المزحلقة ومن المصدقين خبر إن والجملة مقول القول.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة متنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وكنا فعل ماض ناقص ونا اسمها وترابا خبرها وعظاما عطف على ترابا والهمزة للاستفهام وإن واسمها واللام المزحلقة ومدينون خبر إن أي مجزيون ومحاسبون. (قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) قال فعل ماض ناقص والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل من أهل الجنة أي قال لإخوانه وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومطلعون خبره والاستفهام معناه الأمر أي تعالوا تنطلع من كوى الجنان لنطّلع على حال أهل النار. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) الفاء عاطفة واطلع فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على ذلك القائل، فرآه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أي رأى قرينه وفي سواء الجحيم متعلقان برآه أي في وسطها ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال ولعله أولى أي مرتطما في وسط جهنم.
(قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال فعل ماض وفاعل مستتر وتالله التاء حرف قسم وجر وهو مع مجروره متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإن مخففة من الثقيلة ولك أن تعملها فيكون اسمها محذوفا أي انك وجملة كدت خبرها ويجوز أن تهملها فتكون جملة كدت جواب القسم لا محل لها وقد سبق أن قلنا أن إن إذا خففت فالأكثر أن تدخل على كاد كما تدخل على كان ونحوه واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتردين فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت الياء تبعا لسنة المصحف.
(وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ونعمة مبتدأ وربي مضاف إليه وخبر المبتدأ محذوف وجوبا والتقدير موجودة واللام واقعة في جواب لولا وكان واسمها ومن المحضرين خبرها أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين وما نافية حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وميتين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) إلا أداة حصر والاستثناء مفرغ وموتتنا مفعول مطلق وقيل هو استثناء منقطع فينصب على الاستثناء والأولى صفة أي الموتة التي في الدنيا والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمعذبين الباء حرف جر زائد ومعذبين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والفوز خبر هو والجملة خبر إن، أو خبر إن والعظيم صفة للفوز.
(لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) يحتمل أن يكون من كلامه ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات ويحتمل أن يكون من كلام بعضهم لبعض وقيل يبعد الاحتمال الثاني قوله فليعمل العاملون فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا. وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيعمل وهذا مضاف إليه والفاء الفصيحة أي إن تبين حقيقة حال أهل الجنة فليعمل، واللام لام الأمر ويعمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والعاملون فاعل.
الصافات 37:62
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:63
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:64
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:65
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:66
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:67
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:68
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:69
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:70
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:71
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:72
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:73
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:74
اللغة:
(نُزُلًا) : النزل بضمتين أو بضم النون وسكون الزاي: المنزل وما هيء للضيف والجمع أنزال والنزل أيضا بضمتين: الطعام ذو البركة والمنزل والقوم النازلون وريع ما يزرع ونماؤه والعطاء والفضل وقد استعير للحاصل من الشيء وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم.
(الزَّقُّومِ) : قال في القاموس: «الزقم اللقم والتزقّم التلقم وأزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه والزقوم كتنور: الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل وطعام أهل النار» وقال في الأساس: «تقول: من أنكر أن يقوم أطعمه الله الزقوم، ويقال: إن أهل إفريقية يسمون الزبد بالتمر: زقوما وهو من قولهم:
أنه ليزقم اللقم، ويتزقمها ويزدقمها: يبتلعها وبات يتزقّم اللبن إذا أفرط في شربه» . وفي الخازن: والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهية وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وسيأتي المزيد من الحديث عن شجرة الزقوم في باب البلاغة.
(طَلْعُها) : الطلع حقيقة اسم لثمر النخيل في أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما سيأتي في باب البلاغة، والطلع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود وما يبدو من ثمرته في أول ظهورها.
(شوبا) : بفتح الشين وهو مصدر على أصله وقيل يراد به اسم المفعول ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم، قال الزجاج:
المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض والفعل منه شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط.
(حَمِيمٍ) : ماء حار وهو المقصود هنا ويطلق على الماء البارد فهو من الأضداد.
الإعراب:
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجملة مقول قول محذوف يعود إلى ذكر الرزق المعلوم أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ والتهكم أذلك خير نزلا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وذلك مبتدأ وخير خبر ونزلا تمييز لخير وأم حرف عطف وشجرة الزقوم عطف على ذلك وقال الزمخشري: «وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا» . (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) إن واسمها وجملة جعلنا خبر وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به أول وفتنة للظالمين مفعول به ثان وللظالمين صفة لفتنة أي ابتلاء وتعذيبا ومحنة لهم لأنهم قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته. (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) إن واسمها وشجرة خبرها وجملة تخرج صفة لشجرة وفي أصل الجحيم متعلقان بتخرج. (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) طلعها مبتدأ وجملة التشبيه خبر وكأن واسمها ورؤوس الشياطين خبر كأن.
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) الفاء عطف وان واسمها واللام المزحلقة وآكلون خبر إن ومنها متعلقان بآكلون فمالئون الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب ومالئون معطوف على آكلون ومنها متعلقان بمالئون والبطون مفعول مالئون لشدة جوعهم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان حرف مشبه بالفعل ولهم خبرها المقدم وعليها متعلقان بمحذوف حال واللام المزحلقة وشوبا اسمها المؤخر ومن حميم صفة لشوبا. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وان واسمها واللام المزحلقة والى الجحيم خبرها. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ)
الجملة تعليل لما سبق من ابتلائهم بأفانين العذاب، وان واسمها وجملة ألفوا خبرها وآباءهم مفعول ألفوا الأول وضالين مفعول ألفوا الثاني. (فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) الفاء تعليلية وهم مبتدأ وعلى آثارهم متعلقان بيهرعون وجملة يهرعون خبر هم والاهراع السير الشديد بحثّ وانزعاج. وفي المصباح هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وضل فعل ماض مبني على الفتح وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وأكثر الأولين فاعل.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا ومنذرين مفعول به. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر والمنذرين بفتح الذال مفعول به. (إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء بمعنى لكن لأن الاستثناء منقطع وعباد الله مستثنى والمخلصين صفة.
البلاغة:
حفلت هذه الآيات بضروب من البلاغة سنبسط القول فيها وسننقل لك خلاصات وافية لما أورده أساطين البلاغة في صددها فأول ما فيها من فنون:
1- التشبيه برؤوس الشياطين:
وهو تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين وهو تشبيه خيالي وقد سبق ذكره فيما قدمناه من أقسام التشبيه، ونورد لك هنا خلاصة ما قاله ابن رشيق فيه:
«واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن وتشبيه قبيح فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك» قال الرماني: «وشرح ذلك ما تقع عليه الحاسة أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما لم يؤلف» ثم انتقل ابن رشيق إلى التشبيه الوارد في الآية فقال:
«قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» فقال قوم إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها رؤوس الشياطين» والأستن كما يقول المجد:
«الأستن والأستان بفتح الهمزة وسكون السين فيهما، أصول الشجر يغشو في منابته فإذا نظر إليه الناظر شبهه بشخوص الناس» إلى أن يقول: «والأجود الأعرف انه شبه بما لا يشك انه منكر وقبيح لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن» .
فصل رائع للجاحظ:
وكم كنا نتمنى أن يكون كتاب «نظم القرآن» موجود بين أيدينا لنطلع على الفصل الرائع الذي كتبه الجاحظ بصدد هذا التشبيه ولكن الكتاب فقد مع ما فقد من آثارنا العربية فلا بد لنا من أن ننقل شذرات منه وردت في كتبه الأخرى، فقد جاء في كتاب الحيوان ما نصه: «وليس ان الناس رأوا شيطانا قط على صورة ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهيته وقد أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتقريع إلى ما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين أن رؤوس الشياطين نبات ينبت باليمن» .
وتعرض الجاحظ لهذا التشبيه مرة أخرى فقال: «فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم فقال أهل الطعن والخلاف: لس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على أن التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها، وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف ونحن لم نعافيها ولا صوّرها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟ قلنا: وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور رؤوسها لنا صادق بيده ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا: لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطيّر له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء وقرناء وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطيّر له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح» .
لقد فصل الجاحظ في المقال وجوه التشبيه وتصرف الأسلوب القرآني في المشبه به ووجه الشبه ينتزعه من غير مدرك بالحس اعتمادا على ثبوته في الإدراك عن طريق العادة والعرف وتناقل الناس له، وقد أجاز الجاحظ مثل هذا التشبيه وبين وجهته وناقش آراء غيره في التشبيه في ضرورة الاعتماد على الحس البصري لتصوير المعنى في الذهن، ومنذ ذلك العهد أو قبله بقليل اهتم الناس بهذين النوعين من التشبيه وتابعوهما في القرآن وفي البيان عامة ودارت بحوث البلاغة حول هذه النقطة وتفرعت من هذين النوعين أنواع أخرى، وهكذا كان لهذه الآبة ومثلها أثر في تنبيه الناس إلى التشبيه، فبحثه فيها أبو عبيدة وجدّد الجاحظ البحث وتوسّع فيه وظلت الآية على رأس الشواهد في التشبيه المعنوي في كتب النقد والبلاغة بعدهما.
ورفض الجاحظ تفسير اللغويين الحسي، وهو يتفق ووجهة نظر أهل الظاهر في التفسير ويعارض وجهة أهل النظر من المتكلمين والمعتزلة أيضا وقد فسر أولئك رؤوس الشياطين برؤوس نبات ينبت باليمن أو شجر كريه المنظر أو حيات قبيحة الشكل وكلها مدلولات مادية لكلمة شيطان قد يكون لها أصل من الواقع وقد تكون من ابتكار هؤلاء، وهي على الحالين لا تبلغ في أثرها في النفس مبلغ صورة الشيطان التي تثب إلى الخيال وتجمع كل سمات الفزع والقبح وإن تكن غير واضحة وضوح النبات والشجر والحيات وهذا الغموض يضفي عليها مزيدا من التخويف.
لهذا كان تفسير الجاحظ أكثر إدراكا لمرمى التعبير القرآني في النفوس وهو إدراك له قيمته من الوجهة النقدية ذلك هو أثر الأدب في النفس وهي لفتات جاءت عابرة في كتب الأقدمين وأولاها النقد الحديث عنايته، وهو يذكر أمثلة من التشبيه بالحيوان في القرآن وذلك لغلبة صفة ما في كل نوع منها أراد السياق إبرازها فيضرب الله مثلا بالعنكبوت في وهن البيت وضعفه والحمار في الجهل والغفلة وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة والقرد في القبح والتشويه ونذاله النفس.
ولعل هذه الآية أو قل هذا التشبيه هو الذي حدا بأبي عبيدة إلى تأليف كتابه «مجاز القرآن» الذي لم نطلع عليه ولكن ذكره ابن النديم صاحب «الفهرس» والخطيب صاحب «تاريخ بغداد» وابن الأنباري في «نزهة الألباء» وياقوت في «إرشاد الأريب» وابن خلكان في «الوفيات» والسيوطي في «بغية الوعاة» ويذكر ياقوت أن أبا عبيدة ألف كتاب «المجاز» عام ثمانية وثمانين ومائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر على لسان أبي عبيدة:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ثم دخل علي رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا قال: لا، قال هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال: إني كنت مشتاقا إليك وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت:
هات، قال: قال الله عز وجل: «طلعها كأنه رؤوس الشياطين» وانما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا مما لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز» .
وعبارة السمين بهذا الصدد: «قوله: كأنه رؤوس الشياطين، فيه وجهان أحدهما أنه حقيقة وأن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الاستن وهو شجر مرّ منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به وقيل الشياطين: صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقي والثاني أنه من باب التمثيل والتخيل وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره، والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئبين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات» .
أما الزمخشري فقد جمع بين الأقوال كلها ولكنه قدم ما هو أولى فقال بأسلوبه الممتع: «والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجر الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير فيقولون في القبيح الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدروا هوله كما أنهم اعتقدوا في الملك انه خير محض لا شرّ فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» وهذا تشبيه تخييلي، وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا، وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا مرا منتنا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به.
2- سر العطف ب «ثم» :
وفي قوله «ثم ان لهم عليها لشوبا من حميم» سر لطيف المأخذ، دقيق المسلك، قلّ من يتفطن إليه، فإن في معنى التراخي وجهين:
أحدهما: انهم يملئون البطون من شجر الزقوم وهو حارّ يحرق بطونهم ويزيد في عطشهم وغلتهم فلا يسقون إلا بعد ملي تعذيبا بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر من العطش وهو الشراب المشوب بالحميم، والوجه الثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أوغل في الكراهة وأبعد في البشاعة فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ومعنى الثاني انه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي اسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يملئوا بطونهم ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك واضح المفهوم.
الصافات 37:75
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:76
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:77
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:78
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:79
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:80
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:81
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:82
الإعراب:
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونادانا نوح فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والفاء عاطفة واللام جواب قسم محذوف وجواب كل من القسين محذوف، لدلالة السياق عليه والتقدير والله لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد أن استنزف ألف سنة إلا خمسين عاما بين أظهرهم فلم يزدادوا إلا عتوا واستكبارا ونفورا فأجبناه أحسن إجابة فو الله لنعم المجيبون نحن. ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والمجيبون فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن وهذه هي الأولى من قصص ست ستأتي تباعا.
(وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الكرب جار ومجرور متعلقان بنجيناه العظيم نعت للكرب. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وجعلنا عطف على نجيناه وذريته مفعول به وهم ضمير فصل لا محل له والباقين مفعول جعلنا الثاني. (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) الواو عاطفة وتركنا فعل وفاعل وعليه صفة للمفعول المحذوف أي ثناء كائنا عليه وفي الآخرين في موضع نصب مفعول به ثان لتركنا وقيل في إعراب هذه الآية غير ذلك. (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء وعلى نوح خبر متعلق بمحذوف صفة لسلام أو متعلق بما تعلق به الأول وجملة سلام على نوح في العالمين مفسرة لتركنا. وقال السمين: «قوله سلام على نوح مبتدأ وخبر وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر لتركنا أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام وقيل ثم قول مقدر أي فقلنا سلام وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقيل سلط تركنا على ما بعده، قال الزمخشري:
وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك سورة أنزلناها وهذا الذي قاله قول الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا انه ضمن معنى القول بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله وهو أيضا من أقوالهم» .
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف وجملة نجزي خبر إنا وفاعل نجزي مستتر تقديره نحن والمحسنين مفعول به لنجزي والجملة تعليل لمجازاة نوح بتلك التكرمة السامية وهي خلود ذكره وتسليم العالمين عليه أبد الدهر. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل للإحسان بالإيمان تنويها بشأن الإيمان وتشريفا له وحثا على الازدياد منه. وان واسمها ومن عبادنا خبرها والمؤمنين نعت لعبادنا. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي لأن نجاتهم حصلت قبل غرق الباقين ولكن بينهما تراخيا.
الصافات 37:83
اللغة:
(شِيعَتِهِ) : في المختار: «الشيعة أتباع الرجل وأنصاره» وفي المصباح: «الشيعة: الأتباع والأنصار وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ثم صارت الشيعة اسما لجماعة مخصوصة والجمع شيع سدرة وسدر والأشياع جمع الجمع» وفي الأساس: «شيّعته يوم رحيله وشايعتك على كذا: تابعتك عليه وتشايعوا على الأمر وهم شيعته وشيعه وأشياعه وهذا الغلام شيع أخيه: ولد بعده، وآتيك غدا أو شيعه قال:
قال الخليط: غدا تصدّعنا ... أو شيعه أفلا تشيّعنا
وأقمت عنده شهرا أو شيع شهر وكان معه مائة رجل أو شيع ذلك ونزلوا موضع كذا أو شيعه، وشاع الحديث والسر وأشاعه صاحبه ورجل مشياع مذياع وقطرت قطرة من اللبن في الماء فتشيع فيه: تفرق، وأشاعت الناقة بولها وأشاعت به وجاءت الخيل شوائع:
متفرقة، وتشايعت الإبل وله صهم في الدار شائع ومشاع وشيّع بالإبل وشايع بها: صاح بها ومنه قيل لنفاخ الراعي: الشياع وشايع بهم الدليل فأبصروا الهدى: نادى بهم. ومن المجاز شيعنا شهر رمضان بصوم الستة وشيّعت النار بالحطب وأعطني شياعا كما تقول: شبابا لما تشيّع به وتشبّ، وشيّع هذا بهذا: قوه به، قال الراعي:
إليك يقطع أجواز الفلاة بنا ... نصّ تشيعه الصّهب المراسيل
ورجل مشيّع القلب: للشجاع، وقد شيّع قلبه بما يركب كلّ هول وشاع في رأسه الشيب وشاعكم الله تعالى بالسلام وشاعكم السلام قال:
ألا يا نخلة في ذات عرق ... برود الظل شاعكم السلام»
لمحة عن الشيعة:
وقول صاحب المصباح: «اسم لجماعة مخصوصة» يقصد الشيعة أقدم الفرق الإسلامية وقد ظهروا بمذهبهم السياسي في آخر عصر عثمان ونما وترعرع في عهد علي وقوام هذا المذهب أن الإمامة ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز لنبي إغفالها وتفويضها إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويجب أن يكون معصوما عن الكبائر والصغائر وان علي بن أبي طالب كان هو الخليفة المختار من النبي وانه أفضل الصحابة. ولها فرق كثيرة يرجع إليها في الملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والنحل لابن حزم.
(فَراغَ) : مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته، وفي المختار: «راغ الثعلب من باب قال وروغانا بفتحتين والاسم منه الرواغ بالفتح وأراغ وارتاغ أي طلب وأراد، وراغ إلى كذا مال إليه سرا وحاد، وقوله تعالى: «فراغ عليهم ضربا باليمين أي أقبل وقال الفراء: مال عليهم. وفلان يراوغ في الأمر مراوغة» .
(يَزِفُّونَ) : يسرعون في المشي من زفيف النعام ويزفون من أزفّ إذا دخل في الزفيف أو من أزفّه إذا حمله على الزفيف أي يزف بعضهم بعضا، وفي الأساس: «زف العروس إلى زوجها وهذه ليلة الزّفاف، وزف الظليم وزفزف وزفت الريح وزفزفت زفيفا وزفزفة وهي سرعة الهبوب والطيران مع صوت، وريح زفزف، وزفزفته الريح حرّكته وبات مزفزفا، وأنشدني سلامة بن عياش الينبعي بمكة يوم الصّدر:
فبتّ مزفزفا قد أنشبتني ... رسيسة ورد بينهم أحاحا
لعلمي أن صرف البين يضحي ... ينيل العين قرّتها لماحا
ومن المجاز: زفوا إليه: أسرعوا ويقال للطائش الحلم: قد زفّ رأله، وجئته زفة أو زفتين مرة أو مرتين وهي المرة من الزفيف كما أن المرة من المرور» .
(وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) : صرعه على شقه فوقع أحد جنبيه على الأرض تواضعا على مباشرة الأمر بصبر وجلد وفي المصباح: «والجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما فتكون الجبهة بين جبينين وجمعه جبن بضمتين مثل بريد وبرد وأجبنة مثل أسلحة» وفي القاموس: «تله تلا من باب قتل فهو متلول وتليل صرعه أو ألقاه على عنقه وخده» .
(الْجَحِيمِ) : النار الشديدة الوقود وقيل كل نار على نار وجمر فوق جمر فهي جحيم، وفي القاموس: «الجحيم النار الشديدة التأجج وكل نار بعضها فوق بعض كالجحمة وتضم، وكل نار عظيمة في مهواة والمكان الشديد الحر كالجاحم، وجحمها كمنعها أوقدها فجحمت ككرمت جحوما وكفرح جحما وجحيما اضطرب والجاحم الجمر الشديد الاشتعال» .
الإعراب:
(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ) الواو عاطفة عطفت القصة الثانية على القصة الأولى ولك أن تجعلها استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصة إبراهيم بعد قصة نوح. وان حرف مشبه بالفعل ومن شيعته خبرها المقدم واللام المزحلقة وإبراهيم اسمها المؤخر.
(إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) لك أن تعلق الظرف بفعل محذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بما في الشيعة من معنى الاشتقاق فهو معمول له لما فيه من معنى المتابعة، وجملة جاء في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل مستتر تقديره هو يعود على إبراهيم وربه مفعول به وبقلب متعلقان بجاء وسليم صفة. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ) الظرف الثاني بدل من الظرف الأول وأجاز أبو البقاء أن يكون ظرفا لسليم أو لجاء وجملة قال في محل جر بالإضافة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو ولأبيه متعلقان بقال وماذا تقدم اعرابها كثيرا فما مبتدأ وذا اسم موصول خبر أو هي بكاملها اسم استفهام في محل نصب مفعول مقدم لتعبدون وجملة تعبدون لا محل لها على الأول وجملة ماذا مقول القول على الثاني.
(أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وإفكا في نصبه أوجه أحدها أنه مفعول من أجله أي أتريدون آلهة دون الله إفكا فآلهة مفعول به ودون الله ظرف متعلق بتريدون وقدمت معمولات الفعل اهتماما به لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل وبهذا الوجه بدأ الزمخشري والجلال والثاني أنه مفعول به بتريدون ويكون آلهة بدلا منه جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسره بها والثالث انه حال من فاعل تريدون أي أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك. (فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وما اسم استفهام للانكار والتوبيخ أي ليس لكم سبب ولا عذر يحملكم على الظن وهو في محل رفع مبتدأ وظنكم خبره وبرب العالمين متعلقان بظنكم وفي البيضاوي: «والمعنى إنكار ما يوجب ظنا فضلا عن قطع يصدّ عن عبادته أو يجوز الإشراك به أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإلزام وهي كالحجة على ما قبله» .
(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) الفاء عاطفة ونظر فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ونظرة مفعول مطلق وفي النجوم متعلق بنظر، قيل الكلام على حذف مضاف أي في علم النجوم ولم يقل إلى النجوم مع أن النظر إنما يتعدى بإلى لأن «في» تأتي بمعنى «إلى» لقوله تعالى «فردوا أيديهم في أفواههم» أي إليها وقيل إن نظر ضمن معنى فكر وهو يتعدى بفي. (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعل مستتر وإني إن واسمها وسقيم خبرها وإن وما في حيزها في محل نصب مقول القول وسيأتي الكلام في تجويز الكذب على إبراهيم.
(فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) الفاء عاطفة وتولوا فعل ماض وفاعل وعنه متعلقان بتولوا ومدبرين حال من الواو في تولوا. (فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ) الفاء عاطفة وراغ فعل ماض وفاعل والى آلهتهم متعلقان براغ فقال عطف على راغ والهمزة للاستفهام ولا نافية وتأكلون فعل مضارع مرفوع وفاعل وجملة الاستفهام مقول القول.
(ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ) ما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وجملة لا تنطقون في محل نصب على الحال وجملة مالكم مقول قول محذوف والتقدير فلم ينطقوا فقال مالكم لا تنطقون. (فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فلم يجيبوا فراغ وعليهم جار ومجرور متعلقان براغ وضربا مصدر واقع موقع الحال أي فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل مقدر أي يضرب ضربا والجملة في محل نصب على الحال وباليمين متعلقان بضربا أو بعامله.
(فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) الفاء عاطفة وأقبلوا فعل ماض والواو فاعل وإليه متعلقان بأقبلوا وجملة يزفون في محل نصب على الحال من فاعل أقبلوا ويجوز تعلق إليه به. (قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وما مفعول به وجملة تنحتون صلة والعائد محذوف، ويجوز أن تكون ما مصدرية أي نحتكم، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة أي منحوتكم، وقيل استفهامية للتوبيخ أي وأي شيء تعملون. (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الواو حالية والله مبتدأ وجملة خلقكم خبر والكاف مفعول به والواو عاطفة وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية وقيل هي استفهامية للتوبيخ أي وأي شيء تعملون وقيل هي نافية أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون شيئا، وسيأتي مزيد بحث في هذا التركيب الذي شجر فيه الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، وجملة والله خلقكم حال ومعناها أتعبدون الأصنام على حالة تنافي ذلك وهي أن الله خالقكم وخالقهم جميعا ويجوز أن تكون الواو استئنافية والجملة مستأنفة.
(قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) قالوا فعل وفاعل وابنوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وله متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به، فألقوه عطف على ابنوا وهو فعل أمر والواو فاعل والهاء مفعول به وفي الجحيم متعلقان بألقوه.
(فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ) الفاء عاطفة وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم عطف على فأرادوا وهو فعل وفاعل ومفعول به أول والأسفلين مفعول به ثان لجعلناهم. (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) الواو عاطفة على محذوف تقديره فخرج من النار سالما وقال، وان واسمها وذاهب خبرها والى ربي متعلقان بذاهب والسين حرف استقبال ويهدين فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء والنون للوقاية وياء الضمير المحذوفة لرعاية الفواصل مفعول به أي سيهديني وسيأتي معنى ذهابه إلى ربه في باب الفوائد. (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وقد تقدمه له نظائر وهب فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ولي متعلقان بهب ومن الصالحين صفة لمفعول به محذوف أي ولدا من الصالحين. (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)
الفاء عاطفة على محذوف تقديره فاستجبنا له، وبشرناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وبغلام متعلقان ببشرناه وحليم صفة وفي الكلام إيجاز سيأتي في باب البلاغة.
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) الفاء استئنافية ولما حينية أو رابطة وبلغ فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو والظرف متعلق بمحذوف حال وعبارة الزمخشري: «فإن قلت بم يتعلق معه؟ قلت: لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ أو بالسعي أو بمحذوف فلا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي ولا بالسعي. لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه فبقي أن يكون بيانا كأنه لما قال فلما بلغ السعي أي الحد الذي يقدر فيه على السعي قيل مع من فقال مع أبيه والمعنى في اختصاص الأب انه أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده» . (قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى) جملة قال لا محل لها لأنها جواب لما ويا حرف نداء وبني منادى مضاف لياء المتكلم وان واسمها وجملة أرى خبرها وفي المنام متعلقان بأرى وإن واسمها وجملة أذبحك خبرها وأن وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى الحلمية، فانظر الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت وماذا ترى يجوز أن تكون ماذا مركبة استفهامية فتكون منصوبة بتري وما بعدها في محل نصب بانظر لأنها معلقة له ويجوز أن تكون ما استفهامية وذا موصولة فتكون ماذا مبتدأ وخبرا والجملة معلقة أيضا وأن تكون ماذا بمعنى الذي فتكون معمولا لأنظر وترى فعل مضارع من الرأي لا من رؤية العين ولا المتعدية إلى مفعولين بل كقولك هو يرى رأي الخوار.
(قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) يا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم المعوض عنها بالتاء وقد تقدم القول فيها وافيا مرارا والتاء في محل جر لأن المعوض عنه كذلك وافعل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وما اسم موصول مفعول افعل وجملة تؤمر صلة والعائد محذوف تقديره ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف في قولك أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ويجوز أن تكون ما مصدرية أي أمرك على إضافة المصدر للمفعول والسين حرف استقبال وتجدني فعل مضارع مرفوع والنون للوقاية والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والياء مفعول به ومن الصابرين في موضع المفعول الثاني. (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وأسلما فعل ماض والألف فاعل أي استسلما وخضعا وانقادا لأمر الله، وتله الواو عاطفة وتله فعل ماض وفاعل مستتر تقديره هو أي إبراهيم والهاء مفعول به وللجبين متعلقان بمحذوف حال وجواب لما محذوف تقديره ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما أو كان ما كان مما تنطق به الحال. وقال الكوفيون والأخفش الجواب وتله للجبين بزيادة الواو وقيل وناديناه بزيادة الواو أيضا والأول أرجح. (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ) الواو عاطفة وناديناه فعل وفاعل ومفعول به وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ويا حرف نداء وإبراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم.
(قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) قد حرف تحقيق وصدقت فعل وفاعل والرؤيا مفعول به وإن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على عامله وجملة نجزي المحسنين خبر إن وجملة إنا تعليل لما منّ عليهما من الفرج بعد الشدة والرجاء بعد اليأس.
(إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والبلاء خبر هو أو خبر إن والمبين نعت للبلاء.
(وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الواو عاطفة وفديناه فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على ناديناه وبذبح جار ومجرور متعلقان بفديناه والذبح اسم ما يذبح كبشا كان أم وعلا وعظيم صفة لذبح.
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) تقدم إعراب نظير هذه الآية ومفعول تركنا محذوف وفي الآخرين صفة لهذا المحذوف أي ثناء حسنا. (سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ) سلام مبتدأ وعلى إبراهيم خبر وساغ الابتداء بالنكرة لما فيها من معنى الدعاء وجملة سلام على إبراهيم مقول قول محذوف أي يقال له هذا في الآخرين.
(كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) كذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) إن واسمها ومن عبادنا خبر والمؤمنين صفة والجملة تعليلية لا محل لها.
(وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) الواو حرف عطف وبشرناه فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناه ونبيا حال من إسحق ومن الصالحين صفة لنبيا أو حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ لأن كل نبي لا بد أن يكون صالحا. (وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ) وباركنا عطف على ما تقدم وعليه متعلقان بباركنا وعلى إسحق عطف على عليه (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) من ذريتهما خبر مقدم ومحسن مبتدأ مؤخر وظالم عطف على محسن ولنفسه متعلقان بظالم ومبين صفة لظالم.
البلاغة:
انطوت هذه الآية على فنون شتى نورد أهمها فيما يلي:
1- في قوله «فقال إني سقيم» فن الرمز والإيماء وهو أن يريد المتكلم إخفاء أمر ما في كلامه فيرمز في ضمنه رمزا إما تعمية للمخاطب وتبرئة لنفسه وتنصلا من التبعة وإما ليهتدي بواسطته إلى طريق استخراج ما أخفاه في كلامه وقد كان قوم إبراهيم نجّامين فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم التنجيم على انه يسقم فقال: إني سقيم أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الأسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى فقال ذلك ليوجسوا خوفا ويتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ففعل بالأصنام ما فعل، وقد يوهم ظاهر الكلام أنه ارتكب بذلك جريرة الكذب والأنبياء معصومون عنه والصحيح أن الكذب حرام إلا إذا عرض عنه وورّى، ولقد نوى ابراهيم أن من في عنقه الموت سقيم ومنه المثل: «كفى بالسلامة داء» وقال لبيد:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألا منها الإصباح والإمساء
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء
يصف لبيد قوته زمن الشباب ثم ضعف حال المشيب بتتابع الأزمان عليه وانه طلب فسحة الأجل فكانت سبب اضمحلاله. والقناة الرمح استعارها لإقامته أو قوته على طريق الاستعارة التصريحية والليونة، والغمز ترشيح للاستعارة والغمز الجس باليد، ومات رجل فالتف عليه الناس وقالوا مات وهو صحيح فقال أعرابي أصحيح من الموت في عنقه وقيل أراد بقوله إني سقيم النفس لكفركم، على أن بعض الناس قد جوزه في المكيدة في الحرب والتقية وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين وسيأتي المزيد من هذه القصة الفريدة في باب الفوائد.
2- الإيجاز:
في قوله «فبشرناه بغلام حليم» إيجاز قصر وقد تقدم تعريفه، فقد انطوت هذه البشارة الموجزة على ثلاث: أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وانه يكون حليما، وأي حلم أدل على ذلك من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فلم يضطرب ولم يتخاذل ولم يعترض على مشيئة أبيه بل قال: «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» ثم استسلم لذلك ولم يكن ليدور له في خلد أن الله سيفديه وسيهيئ له كبش الفداء.
الفوائد:
1- من هو الذبيح؟
اختلف المفسرون في المأمور بذبحه فعن ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين انه إسماعيل وحجتهم فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين» وقال له أعرابي يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لمّا حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحنّ أحد ولده فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له: أفديناك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل، واحتجوا أيضا بأن الله وصفه بالصبر دون إسحق في قوله تعالى: «وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلّ من الصابرين» وهو صبره على الذبح، وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وغيرهم أنه إسحق وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، والحجة فيه أن الله تعالى أخبر خليله ابراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدا ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف الذي جاء فيه: «من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله» وقال الزجاج: «الله أعلم أيهما الذبيحين» وهذا مذهب ثالث وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى ولعل هذا أولى فإن هذه المسأله ليست من العقائد التي كلفنا بمعرفتها فهيي مما ينفع علمه ولا يضر جهله والله أعلم. هذا وللمفسرين والمؤرخين كلام طويل في قصة الذبح يرجع إليها في المطولات.
2- مناقشة بين أهل السنة والمعتزلة:
وهناك مناقشة يجدر بنا تلخيصها بين أهل السنة والمعتزلة لطرافتها ولعلاقتها الوثيقة بالإعراب فقد تساءل الزمخشري حول قوله تعالى: «والله خلقكم وما تعملون» فقال: «كيف يكون الشيء الواحد لله تعالى معمولا لهم، وأجاب بأن هذا كما يقال عمل النجار الباب فالمراد عمل شكله لا جوهره وكذلك الأصنام جواهرها مخلوقة لله تعالى وأشكالها وصورها معمولة لهم فإن قلت: ما منعك أن تكون ما مصدرية لا موصولة ويكون المعنى والله خلقكم وعملكم كما يقول المجبرة» وأجاب: بأن «أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بالحجج العقلية أن معنى الآية يأباه فإن الله تعالى احتج عليهم بأنه خلق العابد والمعبود فكيف يعبد المخلوق المخلوق على أن العابد فيهما هو الذي عمل صورة المعبود» قال: ولو قلت والله خلقكم وعملكم لم يكن للكلام طباق وشيء آخر وهو أن قوله وما تعملون شرحه في قوله أتعبدون ما تنحتون ولا يقال في أن ما هذه موصولة فالتفرقة بينهما تعسف وتعصب» قال: «فإن قلت اجعلها موصولة ومعناها وما تعملونه من أعمالكم وحينئذ توافق الأولى في أنها موصولة فلا يلزمني التفرقة بينهما» وأجاب «بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق وذلك أنك وان جعلتها موصولة فهي واقعة عندك على المصدر الذي هو جوهر الضم وفي ذلك فكّ للنظم وتبتير كما لو جعلتها مصدرية» .
وتعقبه ابن المنير فقال: «يتعين حملها على المصدرية وذلك انهم لم يعبدوا هذه الأصنام من حيث كونها حجارة ليست مصورة فلو كان كذلك لم يتعاونوا في تصويرها ولا اختصوا بعبادتهم حجرا دون حجر فدل أنهم إنما يعبدونها باعتبار أشكالها وصورها التي هي أثر عملهم ففي الحقيقة انهم عبدوا عملهم وصلحت الحجة عليهم بأنهم مثله مع أن المعبود كسب العابد وعمله فقد ظهر أن الحجة قائمة عليهم على تقدير أن تكون ما مصدرية أوضح قيام وأبلغه فإذا ثبت ذلك فليتتبع كلامه بالإبطال أما قوله: إنها موصولة وان المراد بعملهم لها عمل أشكالها فمخالف للظاهر فإنه مفتقر إلى حذف مضاف في موضع اليأس يكون تقديره: والله خلقكم وما تعملون شكله وصورته بخلاف توجيه أهل السنة فإنه غير مفتقر إلى حذف البتة ثم إذا جعل المعبود نفس الجوهر فكيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من عمل العابد مع موافقته على أن جواهر الأصنام ليست من عملهم فما هو من عملهم وهو الشكل ليس معبودا لهم على هذا التأويل وما هو معبودهم وهو جوهر الصنم ليس من عملهم فلم يستقر له قرار في أن المعبود على تأويله من عمل العابد وعلى ما قررناه يتضح، واما قوله ان المطابقة تنفكّ على تأويل أهل السنة بين ما ينحتون وما يعملون فغير صحيح فإن لنا أن نحمل الأولى على المصدرية وانهم في الحقيقة انما عبدوا نحتهم لأن هذه الأصنام وهي حجارة قبل النحت لم يكونوا يعبدونها فلما عملوا فيها النحت عبدوها ففي الحقيقة ما عبدوا سوى نحتهم الذي هو عملهم فالمطابقة إذن حاصلة والإلزام على هذا أبلغ وأمتن ولو كان كما قال لقامت لهم الحجة ولقالوا كما يقول الزمخشري مكافحين لقوله والله خلقكم وما تعملون: لا ولا كرامة ولا يخلق الله ما نعمل نحن لأنا علمنا التشكيل والتصوير وهذا لم يخلقه الله، وكانوا يجدون الذريعة إلى اقتحام الحجة» .
3- معنى الذهاب إلى ربه:
اختلف في معنى قوله «إني ذاهب إلى ربي سيهدين» والأكثرون على أن هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة أي إني مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه سيهديني سواء السبيل وفي سين الاستقبال إيذان بأن الفعل واقع لا محالة.
الصافات 37:84
اللغة:
(شِيعَتِهِ) : في المختار: «الشيعة أتباع الرجل وأنصاره» وفي المصباح: «الشيعة: الأتباع والأنصار وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ثم صارت الشيعة اسما لجماعة مخصوصة والجمع شيع سدرة وسدر والأشياع جمع الجمع» وفي الأساس: «شيّعته يوم رحيله وشايعتك على كذا: تابعتك عليه وتشايعوا على الأمر وهم شيعته وشيعه وأشياعه وهذا الغلام شيع أخيه: ولد بعده، وآتيك غدا أو شيعه قال:
قال الخليط: غدا تصدّعنا ... أو شيعه أفلا تشيّعنا
وأقمت عنده شهرا أو شيع شهر وكان معه مائة رجل أو شيع ذلك ونزلوا موضع كذا أو شيعه، وشاع الحديث والسر وأشاعه صاحبه ورجل مشياع مذياع وقطرت قطرة من اللبن في الماء فتشيع فيه: تفرق، وأشاعت الناقة بولها وأشاعت به وجاءت الخيل شوائع:
متفرقة، وتشايعت الإبل وله صهم في الدار شائع ومشاع وشيّع بالإبل وشايع بها: صاح بها ومنه قيل لنفاخ الراعي: الشياع وشايع بهم الدليل فأبصروا الهدى: نادى بهم. ومن المجاز شيعنا شهر رمضان بصوم الستة وشيّعت النار بالحطب وأعطني شياعا كما تقول: شبابا لما تشيّع به وتشبّ، وشيّع هذا بهذا: قوه به، قال الراعي:
إليك يقطع أجواز الفلاة بنا ... نصّ تشيعه الصّهب المراسيل
ورجل مشيّع القلب: للشجاع، وقد شيّع قلبه بما يركب كلّ هول وشاع في رأسه الشيب وشاعكم الله تعالى بالسلام وشاعكم السلام قال:
ألا يا نخلة في ذات عرق ... برود الظل شاعكم السلام»
لمحة عن الشيعة:
وقول صاحب المصباح: «اسم لجماعة مخصوصة» يقصد الشيعة أقدم الفرق الإسلامية وقد ظهروا بمذهبهم السياسي في آخر عصر عثمان ونما وترعرع في عهد علي وقوام هذا المذهب أن الإمامة ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز لنبي إغفالها وتفويضها إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويجب أن يكون معصوما عن الكبائر والصغائر وان علي بن أبي طالب كان هو الخليفة المختار من النبي وانه أفضل الصحابة. ولها فرق كثيرة يرجع إليها في الملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والنحل لابن حزم.
(فَراغَ) : مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته، وفي المختار: «راغ الثعلب من باب قال وروغانا بفتحتين والاسم منه الرواغ بالفتح وأراغ وارتاغ أي طلب وأراد، وراغ إلى كذا مال إليه سرا وحاد، وقوله تعالى: «فراغ عليهم ضربا باليمين أي أقبل وقال الفراء: مال عليهم. وفلان يراوغ في الأمر مراوغة» .
(يَزِفُّونَ) : يسرعون في المشي من زفيف النعام ويزفون من أزفّ إذا دخل في الزفيف أو من أزفّه إذا حمله على الزفيف أي يزف بعضهم بعضا، وفي الأساس: «زف العروس إلى زوجها وهذه ليلة الزّفاف، وزف الظليم وزفزف وزفت الريح وزفزفت زفيفا وزفزفة وهي سرعة الهبوب والطيران مع صوت، وريح زفزف، وزفزفته الريح حرّكته وبات مزفزفا، وأنشدني سلامة بن عياش الينبعي بمكة يوم الصّدر:
فبتّ مزفزفا قد أنشبتني ... رسيسة ورد بينهم أحاحا
لعلمي أن صرف البين يضحي ... ينيل العين قرّتها لماحا
ومن المجاز: زفوا إليه: أسرعوا ويقال للطائش الحلم: قد زفّ رأله، وجئته زفة أو زفتين مرة أو مرتين وهي المرة من الزفيف كما أن المرة من المرور» .
(وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) : صرعه على شقه فوقع أحد جنبيه على الأرض تواضعا على مباشرة الأمر بصبر وجلد وفي المصباح: «والجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما فتكون الجبهة بين جبينين وجمعه جبن بضمتين مثل بريد وبرد وأجبنة مثل أسلحة» وفي القاموس: «تله تلا من باب قتل فهو متلول وتليل صرعه أو ألقاه على عنقه وخده» .
(الْجَحِيمِ) : النار الشديدة الوقود وقيل كل نار على نار وجمر فوق جمر فهي جحيم، وفي القاموس: «الجحيم النار الشديدة التأجج وكل نار بعضها فوق بعض كالجحمة وتضم، وكل نار عظيمة في مهواة والمكان الشديد الحر كالجاحم، وجحمها كمنعها أوقدها فجحمت ككرمت جحوما وكفرح جحما وجحيما اضطرب والجاحم الجمر الشديد الاشتعال» .
الإعراب:
(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ) الواو عاطفة عطفت القصة الثانية على القصة الأولى ولك أن تجعلها استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصة إبراهيم بعد قصة نوح. وان حرف مشبه بالفعل ومن شيعته خبرها المقدم واللام المزحلقة وإبراهيم اسمها المؤخر.
(إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) لك أن تعلق الظرف بفعل محذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بما في الشيعة من معنى الاشتقاق فهو معمول له لما فيه من معنى المتابعة، وجملة جاء في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل مستتر تقديره هو يعود على إبراهيم وربه مفعول به وبقلب متعلقان بجاء وسليم صفة. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ) الظرف الثاني بدل من الظرف الأول وأجاز أبو البقاء أن يكون ظرفا لسليم أو لجاء وجملة قال في محل جر بالإضافة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو ولأبيه متعلقان بقال وماذا تقدم اعرابها كثيرا فما مبتدأ وذا اسم موصول خبر أو هي بكاملها اسم استفهام في محل نصب مفعول مقدم لتعبدون وجملة تعبدون لا محل لها على الأول وجملة ماذا مقول القول على الثاني.
(أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وإفكا في نصبه أوجه أحدها أنه مفعول من أجله أي أتريدون آلهة دون الله إفكا فآلهة مفعول به ودون الله ظرف متعلق بتريدون وقدمت معمولات الفعل اهتماما به لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل وبهذا الوجه بدأ الزمخشري والجلال والثاني أنه مفعول به بتريدون ويكون آلهة بدلا منه جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسره بها والثالث انه حال من فاعل تريدون أي أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك. (فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وما اسم استفهام للانكار والتوبيخ أي ليس لكم سبب ولا عذر يحملكم على الظن وهو في محل رفع مبتدأ وظنكم خبره وبرب العالمين متعلقان بظنكم وفي البيضاوي: «والمعنى إنكار ما يوجب ظنا فضلا عن قطع يصدّ عن عبادته أو يجوز الإشراك به أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإلزام وهي كالحجة على ما قبله» .
(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) الفاء عاطفة ونظر فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ونظرة مفعول مطلق وفي النجوم متعلق بنظر، قيل الكلام على حذف مضاف أي في علم النجوم ولم يقل إلى النجوم مع أن النظر إنما يتعدى بإلى لأن «في» تأتي بمعنى «إلى» لقوله تعالى «فردوا أيديهم في أفواههم» أي إليها وقيل إن نظر ضمن معنى فكر وهو يتعدى بفي. (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعل مستتر وإني إن واسمها وسقيم خبرها وإن وما في حيزها في محل نصب مقول القول وسيأتي الكلام في تجويز الكذب على إبراهيم.
(فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) الفاء عاطفة وتولوا فعل ماض وفاعل وعنه متعلقان بتولوا ومدبرين حال من الواو في تولوا. (فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ) الفاء عاطفة وراغ فعل ماض وفاعل والى آلهتهم متعلقان براغ فقال عطف على راغ والهمزة للاستفهام ولا نافية وتأكلون فعل مضارع مرفوع وفاعل وجملة الاستفهام مقول القول.
(ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ) ما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وجملة لا تنطقون في محل نصب على الحال وجملة مالكم مقول قول محذوف والتقدير فلم ينطقوا فقال مالكم لا تنطقون. (فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فلم يجيبوا فراغ وعليهم جار ومجرور متعلقان براغ وضربا مصدر واقع موقع الحال أي فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل مقدر أي يضرب ضربا والجملة في محل نصب على الحال وباليمين متعلقان بضربا أو بعامله.
(فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) الفاء عاطفة وأقبلوا فعل ماض والواو فاعل وإليه متعلقان بأقبلوا وجملة يزفون في محل نصب على الحال من فاعل أقبلوا ويجوز تعلق إليه به. (قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وما مفعول به وجملة تنحتون صلة والعائد محذوف، ويجوز أن تكون ما مصدرية أي نحتكم، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة أي منحوتكم، وقيل استفهامية للتوبيخ أي وأي شيء تعملون. (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الواو حالية والله مبتدأ وجملة خلقكم خبر والكاف مفعول به والواو عاطفة وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية وقيل هي استفهامية للتوبيخ أي وأي شيء تعملون وقيل هي نافية أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون شيئا، وسيأتي مزيد بحث في هذا التركيب الذي شجر فيه الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، وجملة والله خلقكم حال ومعناها أتعبدون الأصنام على حالة تنافي ذلك وهي أن الله خالقكم وخالقهم جميعا ويجوز أن تكون الواو استئنافية والجملة مستأنفة.
(قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) قالوا فعل وفاعل وابنوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وله متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به، فألقوه عطف على ابنوا وهو فعل أمر والواو فاعل والهاء مفعول به وفي الجحيم متعلقان بألقوه.
(فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ) الفاء عاطفة وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم عطف على فأرادوا وهو فعل وفاعل ومفعول به أول والأسفلين مفعول به ثان لجعلناهم. (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) الواو عاطفة على محذوف تقديره فخرج من النار سالما وقال، وان واسمها وذاهب خبرها والى ربي متعلقان بذاهب والسين حرف استقبال ويهدين فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء والنون للوقاية وياء الضمير المحذوفة لرعاية الفواصل مفعول به أي سيهديني وسيأتي معنى ذهابه إلى ربه في باب الفوائد. (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وقد تقدمه له نظائر وهب فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ولي متعلقان بهب ومن الصالحين صفة لمفعول به محذوف أي ولدا من الصالحين. (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)
الفاء عاطفة على محذوف تقديره فاستجبنا له، وبشرناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وبغلام متعلقان ببشرناه وحليم صفة وفي الكلام إيجاز سيأتي في باب البلاغة.
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) الفاء استئنافية ولما حينية أو رابطة وبلغ فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو والظرف متعلق بمحذوف حال وعبارة الزمخشري: «فإن قلت بم يتعلق معه؟ قلت: لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ أو بالسعي أو بمحذوف فلا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي ولا بالسعي. لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه فبقي أن يكون بيانا كأنه لما قال فلما بلغ السعي أي الحد الذي يقدر فيه على السعي قيل مع من فقال مع أبيه والمعنى في اختصاص الأب انه أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده» . (قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى) جملة قال لا محل لها لأنها جواب لما ويا حرف نداء وبني منادى مضاف لياء المتكلم وان واسمها وجملة أرى خبرها وفي المنام متعلقان بأرى وإن واسمها وجملة أذبحك خبرها وأن وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى الحلمية، فانظر الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت وماذا ترى يجوز أن تكون ماذا مركبة استفهامية فتكون منصوبة بتري وما بعدها في محل نصب بانظر لأنها معلقة له ويجوز أن تكون ما استفهامية وذا موصولة فتكون ماذا مبتدأ وخبرا والجملة معلقة أيضا وأن تكون ماذا بمعنى الذي فتكون معمولا لأنظر وترى فعل مضارع من الرأي لا من رؤية العين ولا المتعدية إلى مفعولين بل كقولك هو يرى رأي الخوار.
(قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) يا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم المعوض عنها بالتاء وقد تقدم القول فيها وافيا مرارا والتاء في محل جر لأن المعوض عنه كذلك وافعل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وما اسم موصول مفعول افعل وجملة تؤمر صلة والعائد محذوف تقديره ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف في قولك أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ويجوز أن تكون ما مصدرية أي أمرك على إضافة المصدر للمفعول والسين حرف استقبال وتجدني فعل مضارع مرفوع والنون للوقاية والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والياء مفعول به ومن الصابرين في موضع المفعول الثاني. (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وأسلما فعل ماض والألف فاعل أي استسلما وخضعا وانقادا لأمر الله، وتله الواو عاطفة وتله فعل ماض وفاعل مستتر تقديره هو أي إبراهيم والهاء مفعول به وللجبين متعلقان بمحذوف حال وجواب لما محذوف تقديره ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما أو كان ما كان مما تنطق به الحال. وقال الكوفيون والأخفش الجواب وتله للجبين بزيادة الواو وقيل وناديناه بزيادة الواو أيضا والأول أرجح. (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ) الواو عاطفة وناديناه فعل وفاعل ومفعول به وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ويا حرف نداء وإبراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم.
(قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) قد حرف تحقيق وصدقت فعل وفاعل والرؤيا مفعول به وإن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على عامله وجملة نجزي المحسنين خبر إن وجملة إنا تعليل لما منّ عليهما من الفرج بعد الشدة والرجاء بعد اليأس.
(إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والبلاء خبر هو أو خبر إن والمبين نعت للبلاء.
(وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الواو عاطفة وفديناه فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على ناديناه وبذبح جار ومجرور متعلقان بفديناه والذبح اسم ما يذبح كبشا كان أم وعلا وعظيم صفة لذبح.
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) تقدم إعراب نظير هذه الآية ومفعول تركنا محذوف وفي الآخرين صفة لهذا المحذوف أي ثناء حسنا. (سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ) سلام مبتدأ وعلى إبراهيم خبر وساغ الابتداء بالنكرة لما فيها من معنى الدعاء وجملة سلام على إبراهيم مقول قول محذوف أي يقال له هذا في الآخرين.
(كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) كذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) إن واسمها ومن عبادنا خبر والمؤمنين صفة والجملة تعليلية لا محل لها.
(وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) الواو حرف عطف وبشرناه فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناه ونبيا حال من إسحق ومن الصالحين صفة لنبيا أو حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ لأن كل نبي لا بد أن يكون صالحا. (وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ) وباركنا عطف على ما تقدم وعليه متعلقان بباركنا وعلى إسحق عطف على عليه (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) من ذريتهما خبر مقدم ومحسن مبتدأ مؤخر وظالم عطف على محسن ولنفسه متعلقان بظالم ومبين صفة لظالم.
البلاغة:
انطوت هذه الآية على فنون شتى نورد أهمها فيما يلي:
1- في قوله «فقال إني سقيم» فن الرمز والإيماء وهو أن يريد المتكلم إخفاء أمر ما في كلامه فيرمز في ضمنه رمزا إما تعمية للمخاطب وتبرئة لنفسه وتنصلا من التبعة وإما ليهتدي بواسطته إلى طريق استخراج ما أخفاه في كلامه وقد كان قوم إبراهيم نجّامين فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم التنجيم على انه يسقم فقال: إني سقيم أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الأسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى فقال ذلك ليوجسوا خوفا ويتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ففعل بالأصنام ما فعل، وقد يوهم ظاهر الكلام أنه ارتكب بذلك جريرة الكذب والأنبياء معصومون عنه والصحيح أن الكذب حرام إلا إذا عرض عنه وورّى، ولقد نوى ابراهيم أن من في عنقه الموت سقيم ومنه المثل: «كفى بالسلامة داء» وقال لبيد:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألا منها الإصباح والإمساء
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء
يصف لبيد قوته زمن الشباب ثم ضعف حال المشيب بتتابع الأزمان عليه وانه طلب فسحة الأجل فكانت سبب اضمحلاله. والقناة الرمح استعارها لإقامته أو قوته على طريق الاستعارة التصريحية والليونة، والغمز ترشيح للاستعارة والغمز الجس باليد، ومات رجل فالتف عليه الناس وقالوا مات وهو صحيح فقال أعرابي أصحيح من الموت في عنقه وقيل أراد بقوله إني سقيم النفس لكفركم، على أن بعض الناس قد جوزه في المكيدة في الحرب والتقية وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين وسيأتي المزيد من هذه القصة الفريدة في باب الفوائد.
2- الإيجاز:
في قوله «فبشرناه بغلام حليم» إيجاز قصر وقد تقدم تعريفه، فقد انطوت هذه البشارة الموجزة على ثلاث: أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وانه يكون حليما، وأي حلم أدل على ذلك من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فلم يضطرب ولم يتخاذل ولم يعترض على مشيئة أبيه بل قال: «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» ثم استسلم لذلك ولم يكن ليدور له في خلد أن الله سيفديه وسيهيئ له كبش الفداء.
الفوائد:
1- من هو الذبيح؟
اختلف المفسرون في المأمور بذبحه فعن ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين انه إسماعيل وحجتهم فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين» وقال له أعرابي يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لمّا حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحنّ أحد ولده فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له: أفديناك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل، واحتجوا أيضا بأن الله وصفه بالصبر دون إسحق في قوله تعالى: «وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلّ من الصابرين» وهو صبره على الذبح، وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وغيرهم أنه إسحق وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، والحجة فيه أن الله تعالى أخبر خليله ابراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدا ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف الذي جاء فيه: «من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله» وقال الزجاج: «الله أعلم أيهما الذبيحين» وهذا مذهب ثالث وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى ولعل هذا أولى فإن هذه المسأله ليست من العقائد التي كلفنا بمعرفتها فهيي مما ينفع علمه ولا يضر جهله والله أعلم. هذا وللمفسرين والمؤرخين كلام طويل في قصة الذبح يرجع إليها في المطولات.
2- مناقشة بين أهل السنة والمعتزلة:
وهناك مناقشة يجدر بنا تلخيصها بين أهل السنة والمعتزلة لطرافتها ولعلاقتها الوثيقة بالإعراب فقد تساءل الزمخشري حول قوله تعالى: «والله خلقكم وما تعملون» فقال: «كيف يكون الشيء الواحد لله تعالى معمولا لهم، وأجاب بأن هذا كما يقال عمل النجار الباب فالمراد عمل شكله لا جوهره وكذلك الأصنام جواهرها مخلوقة لله تعالى وأشكالها وصورها معمولة لهم فإن قلت: ما منعك أن تكون ما مصدرية لا موصولة ويكون المعنى والله خلقكم وعملكم كما يقول المجبرة» وأجاب: بأن «أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بالحجج العقلية أن معنى الآية يأباه فإن الله تعالى احتج عليهم بأنه خلق العابد والمعبود فكيف يعبد المخلوق المخلوق على أن العابد فيهما هو الذي عمل صورة المعبود» قال: ولو قلت والله خلقكم وعملكم لم يكن للكلام طباق وشيء آخر وهو أن قوله وما تعملون شرحه في قوله أتعبدون ما تنحتون ولا يقال في أن ما هذه موصولة فالتفرقة بينهما تعسف وتعصب» قال: «فإن قلت اجعلها موصولة ومعناها وما تعملونه من أعمالكم وحينئذ توافق الأولى في أنها موصولة فلا يلزمني التفرقة بينهما» وأجاب «بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق وذلك أنك وان جعلتها موصولة فهي واقعة عندك على المصدر الذي هو جوهر الضم وفي ذلك فكّ للنظم وتبتير كما لو جعلتها مصدرية» .
وتعقبه ابن المنير فقال: «يتعين حملها على المصدرية وذلك انهم لم يعبدوا هذه الأصنام من حيث كونها حجارة ليست مصورة فلو كان كذلك لم يتعاونوا في تصويرها ولا اختصوا بعبادتهم حجرا دون حجر فدل أنهم إنما يعبدونها باعتبار أشكالها وصورها التي هي أثر عملهم ففي الحقيقة انهم عبدوا عملهم وصلحت الحجة عليهم بأنهم مثله مع أن المعبود كسب العابد وعمله فقد ظهر أن الحجة قائمة عليهم على تقدير أن تكون ما مصدرية أوضح قيام وأبلغه فإذا ثبت ذلك فليتتبع كلامه بالإبطال أما قوله: إنها موصولة وان المراد بعملهم لها عمل أشكالها فمخالف للظاهر فإنه مفتقر إلى حذف مضاف في موضع اليأس يكون تقديره: والله خلقكم وما تعملون شكله وصورته بخلاف توجيه أهل السنة فإنه غير مفتقر إلى حذف البتة ثم إذا جعل المعبود نفس الجوهر فكيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من عمل العابد مع موافقته على أن جواهر الأصنام ليست من عملهم فما هو من عملهم وهو الشكل ليس معبودا لهم على هذا التأويل وما هو معبودهم وهو جوهر الصنم ليس من عملهم فلم يستقر له قرار في أن المعبود على تأويله من عمل العابد وعلى ما قررناه يتضح، واما قوله ان المطابقة تنفكّ على تأويل أهل السنة بين ما ينحتون وما يعملون فغير صحيح فإن لنا أن نحمل الأولى على المصدرية وانهم في الحقيقة انما عبدوا نحتهم لأن هذه الأصنام وهي حجارة قبل النحت لم يكونوا يعبدونها فلما عملوا فيها النحت عبدوها ففي الحقيقة ما عبدوا سوى نحتهم الذي هو عملهم فالمطابقة إذن حاصلة والإلزام على هذا أبلغ وأمتن ولو كان كما قال لقامت لهم الحجة ولقالوا كما يقول الزمخشري مكافحين لقوله والله خلقكم وما تعملون: لا ولا كرامة ولا يخلق الله ما نعمل نحن لأنا علمنا التشكيل والتصوير وهذا لم يخلقه الله، وكانوا يجدون الذريعة إلى اقتحام الحجة» .
3- معنى الذهاب إلى ربه:
اختلف في معنى قوله «إني ذاهب إلى ربي سيهدين» والأكثرون على أن هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة أي إني مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه سيهديني سواء السبيل وفي سين الاستقبال إيذان بأن الفعل واقع لا محالة.
الصافات 37:85
اللغة:
(شِيعَتِهِ) : في المختار: «الشيعة أتباع الرجل وأنصاره» وفي المصباح: «الشيعة: الأتباع والأنصار وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ثم صارت الشيعة اسما لجماعة مخصوصة والجمع شيع سدرة وسدر والأشياع جمع الجمع» وفي الأساس: «شيّعته يوم رحيله وشايعتك على كذا: تابعتك عليه وتشايعوا على الأمر وهم شيعته وشيعه وأشياعه وهذا الغلام شيع أخيه: ولد بعده، وآتيك غدا أو شيعه قال:
قال الخليط: غدا تصدّعنا ... أو شيعه أفلا تشيّعنا
وأقمت عنده شهرا أو شيع شهر وكان معه مائة رجل أو شيع ذلك ونزلوا موضع كذا أو شيعه، وشاع الحديث والسر وأشاعه صاحبه ورجل مشياع مذياع وقطرت قطرة من اللبن في الماء فتشيع فيه: تفرق، وأشاعت الناقة بولها وأشاعت به وجاءت الخيل شوائع:
متفرقة، وتشايعت الإبل وله صهم في الدار شائع ومشاع وشيّع بالإبل وشايع بها: صاح بها ومنه قيل لنفاخ الراعي: الشياع وشايع بهم الدليل فأبصروا الهدى: نادى بهم. ومن المجاز شيعنا شهر رمضان بصوم الستة وشيّعت النار بالحطب وأعطني شياعا كما تقول: شبابا لما تشيّع به وتشبّ، وشيّع هذا بهذا: قوه به، قال الراعي:
إليك يقطع أجواز الفلاة بنا ... نصّ تشيعه الصّهب المراسيل
ورجل مشيّع القلب: للشجاع، وقد شيّع قلبه بما يركب كلّ هول وشاع في رأسه الشيب وشاعكم الله تعالى بالسلام وشاعكم السلام قال:
ألا يا نخلة في ذات عرق ... برود الظل شاعكم السلام»
لمحة عن الشيعة:
وقول صاحب المصباح: «اسم لجماعة مخصوصة» يقصد الشيعة أقدم الفرق الإسلامية وقد ظهروا بمذهبهم السياسي في آخر عصر عثمان ونما وترعرع في عهد علي وقوام هذا المذهب أن الإمامة ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز لنبي إغفالها وتفويضها إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويجب أن يكون معصوما عن الكبائر والصغائر وان علي بن أبي طالب كان هو الخليفة المختار من النبي وانه أفضل الصحابة. ولها فرق كثيرة يرجع إليها في الملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والنحل لابن حزم.
(فَراغَ) : مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته، وفي المختار: «راغ الثعلب من باب قال وروغانا بفتحتين والاسم منه الرواغ بالفتح وأراغ وارتاغ أي طلب وأراد، وراغ إلى كذا مال إليه سرا وحاد، وقوله تعالى: «فراغ عليهم ضربا باليمين أي أقبل وقال الفراء: مال عليهم. وفلان يراوغ في الأمر مراوغة» .
(يَزِفُّونَ) : يسرعون في المشي من زفيف النعام ويزفون من أزفّ إذا دخل في الزفيف أو من أزفّه إذا حمله على الزفيف أي يزف بعضهم بعضا، وفي الأساس: «زف العروس إلى زوجها وهذه ليلة الزّفاف، وزف الظليم وزفزف وزفت الريح وزفزفت زفيفا وزفزفة وهي سرعة الهبوب والطيران مع صوت، وريح زفزف، وزفزفته الريح حرّكته وبات مزفزفا، وأنشدني سلامة بن عياش الينبعي بمكة يوم الصّدر:
فبتّ مزفزفا قد أنشبتني ... رسيسة ورد بينهم أحاحا
لعلمي أن صرف البين يضحي ... ينيل العين قرّتها لماحا
ومن المجاز: زفوا إليه: أسرعوا ويقال للطائش الحلم: قد زفّ رأله، وجئته زفة أو زفتين مرة أو مرتين وهي المرة من الزفيف كما أن المرة من المرور» .
(وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) : صرعه على شقه فوقع أحد جنبيه على الأرض تواضعا على مباشرة الأمر بصبر وجلد وفي المصباح: «والجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما فتكون الجبهة بين جبينين وجمعه جبن بضمتين مثل بريد وبرد وأجبنة مثل أسلحة» وفي القاموس: «تله تلا من باب قتل فهو متلول وتليل صرعه أو ألقاه على عنقه وخده» .
(الْجَحِيمِ) : النار الشديدة الوقود وقيل كل نار على نار وجمر فوق جمر فهي جحيم، وفي القاموس: «الجحيم النار الشديدة التأجج وكل نار بعضها فوق بعض كالجحمة وتضم، وكل نار عظيمة في مهواة والمكان الشديد الحر كالجاحم، وجحمها كمنعها أوقدها فجحمت ككرمت جحوما وكفرح جحما وجحيما اضطرب والجاحم الجمر الشديد الاشتعال» .
الإعراب:
(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ) الواو عاطفة عطفت القصة الثانية على القصة الأولى ولك أن تجعلها استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصة إبراهيم بعد قصة نوح. وان حرف مشبه بالفعل ومن شيعته خبرها المقدم واللام المزحلقة وإبراهيم اسمها المؤخر.
(إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) لك أن تعلق الظرف بفعل محذوف تقديره اذكر ولك أن تعلقه بما في الشيعة من معنى الاشتقاق فهو معمول له لما فيه من معنى المتابعة، وجملة جاء في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل مستتر تقديره هو يعود على إبراهيم وربه مفعول به وبقلب متعلقان بجاء وسليم صفة. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ) الظرف الثاني بدل من الظرف الأول وأجاز أبو البقاء أن يكون ظرفا لسليم أو لجاء وجملة قال في محل جر بالإضافة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو ولأبيه متعلقان بقال وماذا تقدم اعرابها كثيرا فما مبتدأ وذا اسم موصول خبر أو هي بكاملها اسم استفهام في محل نصب مفعول مقدم لتعبدون وجملة تعبدون لا محل لها على الأول وجملة ماذا مقول القول على الثاني.
(أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وإفكا في نصبه أوجه أحدها أنه مفعول من أجله أي أتريدون آلهة دون الله إفكا فآلهة مفعول به ودون الله ظرف متعلق بتريدون وقدمت معمولات الفعل اهتماما به لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل وبهذا الوجه بدأ الزمخشري والجلال والثاني أنه مفعول به بتريدون ويكون آلهة بدلا منه جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسره بها والثالث انه حال من فاعل تريدون أي أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك. (فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وما اسم استفهام للانكار والتوبيخ أي ليس لكم سبب ولا عذر يحملكم على الظن وهو في محل رفع مبتدأ وظنكم خبره وبرب العالمين متعلقان بظنكم وفي البيضاوي: «والمعنى إنكار ما يوجب ظنا فضلا عن قطع يصدّ عن عبادته أو يجوز الإشراك به أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإلزام وهي كالحجة على ما قبله» .
(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) الفاء عاطفة ونظر فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ونظرة مفعول مطلق وفي النجوم متعلق بنظر، قيل الكلام على حذف مضاف أي في علم النجوم ولم يقل إلى النجوم مع أن النظر إنما يتعدى بإلى لأن «في» تأتي بمعنى «إلى» لقوله تعالى «فردوا أيديهم في أفواههم» أي إليها وقيل إن نظر ضمن معنى فكر وهو يتعدى بفي. (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعل مستتر وإني إن واسمها وسقيم خبرها وإن وما في حيزها في محل نصب مقول القول وسيأتي الكلام في تجويز الكذب على إبراهيم.
(فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) الفاء عاطفة وتولوا فعل ماض وفاعل وعنه متعلقان بتولوا ومدبرين حال من الواو في تولوا. (فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ) الفاء عاطفة وراغ فعل ماض وفاعل والى آلهتهم متعلقان براغ فقال عطف على راغ والهمزة للاستفهام ولا نافية وتأكلون فعل مضارع مرفوع وفاعل وجملة الاستفهام مقول القول.
(ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ) ما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وجملة لا تنطقون في محل نصب على الحال وجملة مالكم مقول قول محذوف والتقدير فلم ينطقوا فقال مالكم لا تنطقون. (فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فلم يجيبوا فراغ وعليهم جار ومجرور متعلقان براغ وضربا مصدر واقع موقع الحال أي فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل مقدر أي يضرب ضربا والجملة في محل نصب على الحال وباليمين متعلقان بضربا أو بعامله.
(فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) الفاء عاطفة وأقبلوا فعل ماض والواو فاعل وإليه متعلقان بأقبلوا وجملة يزفون في محل نصب على الحال من فاعل أقبلوا ويجوز تعلق إليه به. (قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وما مفعول به وجملة تنحتون صلة والعائد محذوف، ويجوز أن تكون ما مصدرية أي نحتكم، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة أي منحوتكم، وقيل استفهامية للتوبيخ أي وأي شيء تعملون. (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الواو حالية والله مبتدأ وجملة خلقكم خبر والكاف مفعول به والواو عاطفة وما يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية وقيل هي استفهامية للتوبيخ أي وأي شيء تعملون وقيل هي نافية أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون شيئا، وسيأتي مزيد بحث في هذا التركيب الذي شجر فيه الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، وجملة والله خلقكم حال ومعناها أتعبدون الأصنام على حالة تنافي ذلك وهي أن الله خالقكم وخالقهم جميعا ويجوز أن تكون الواو استئنافية والجملة مستأنفة.
(قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) قالوا فعل وفاعل وابنوا فعل أمر والواو فاعل والجملة مقول القول وله متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به، فألقوه عطف على ابنوا وهو فعل أمر والواو فاعل والهاء مفعول به وفي الجحيم متعلقان بألقوه.
(فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ) الفاء عاطفة وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم عطف على فأرادوا وهو فعل وفاعل ومفعول به أول والأسفلين مفعول به ثان لجعلناهم. (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) الواو عاطفة على محذوف تقديره فخرج من النار سالما وقال، وان واسمها وذاهب خبرها والى ربي متعلقان بذاهب والسين حرف استقبال ويهدين فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء والنون للوقاية وياء الضمير المحذوفة لرعاية الفواصل مفعول به أي سيهديني وسيأتي معنى ذهابه إلى ربه في باب الفوائد. (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وقد تقدمه له نظائر وهب فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ولي متعلقان بهب ومن الصالحين صفة لمفعول به محذوف أي ولدا من الصالحين. (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)
الفاء عاطفة على محذوف تقديره فاستجبنا له، وبشرناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وبغلام متعلقان ببشرناه وحليم صفة وفي الكلام إيجاز سيأتي في باب البلاغة.
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) الفاء استئنافية ولما حينية أو رابطة وبلغ فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو والظرف متعلق بمحذوف حال وعبارة الزمخشري: «فإن قلت بم يتعلق معه؟ قلت: لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ أو بالسعي أو بمحذوف فلا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي ولا بالسعي. لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه فبقي أن يكون بيانا كأنه لما قال فلما بلغ السعي أي الحد الذي يقدر فيه على السعي قيل مع من فقال مع أبيه والمعنى في اختصاص الأب انه أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده» . (قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى) جملة قال لا محل لها لأنها جواب لما ويا حرف نداء وبني منادى مضاف لياء المتكلم وان واسمها وجملة أرى خبرها وفي المنام متعلقان بأرى وإن واسمها وجملة أذبحك خبرها وأن وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى الحلمية، فانظر الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت وماذا ترى يجوز أن تكون ماذا مركبة استفهامية فتكون منصوبة بتري وما بعدها في محل نصب بانظر لأنها معلقة له ويجوز أن تكون ما استفهامية وذا موصولة فتكون ماذا مبتدأ وخبرا والجملة معلقة أيضا وأن تكون ماذا بمعنى الذي فتكون معمولا لأنظر وترى فعل مضارع من الرأي لا من رؤية العين ولا المتعدية إلى مفعولين بل كقولك هو يرى رأي الخوار.
(قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) يا حرف نداء وأبت منادى مضاف إلى ياء المتكلم المعوض عنها بالتاء وقد تقدم القول فيها وافيا مرارا والتاء في محل جر لأن المعوض عنه كذلك وافعل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وما اسم موصول مفعول افعل وجملة تؤمر صلة والعائد محذوف تقديره ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف في قولك أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ويجوز أن تكون ما مصدرية أي أمرك على إضافة المصدر للمفعول والسين حرف استقبال وتجدني فعل مضارع مرفوع والنون للوقاية والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والياء مفعول به ومن الصابرين في موضع المفعول الثاني. (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وأسلما فعل ماض والألف فاعل أي استسلما وخضعا وانقادا لأمر الله، وتله الواو عاطفة وتله فعل ماض وفاعل مستتر تقديره هو أي إبراهيم والهاء مفعول به وللجبين متعلقان بمحذوف حال وجواب لما محذوف تقديره ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما أو كان ما كان مما تنطق به الحال. وقال الكوفيون والأخفش الجواب وتله للجبين بزيادة الواو وقيل وناديناه بزيادة الواو أيضا والأول أرجح. (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ) الواو عاطفة وناديناه فعل وفاعل ومفعول به وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه ويا حرف نداء وإبراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم.
(قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) قد حرف تحقيق وصدقت فعل وفاعل والرؤيا مفعول به وإن واسمها وكذلك نعت لمصدر محذوف مقدم على عامله وجملة نجزي المحسنين خبر إن وجملة إنا تعليل لما منّ عليهما من الفرج بعد الشدة والرجاء بعد اليأس.
(إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) إن واسمها واللام المزحلقة وهو مبتدأ أو ضمير فصل والبلاء خبر هو أو خبر إن والمبين نعت للبلاء.
(وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الواو عاطفة وفديناه فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على ناديناه وبذبح جار ومجرور متعلقان بفديناه والذبح اسم ما يذبح كبشا كان أم وعلا وعظيم صفة لذبح.
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) تقدم إعراب نظير هذه الآية ومفعول تركنا محذوف وفي الآخرين صفة لهذا المحذوف أي ثناء حسنا. (سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ) سلام مبتدأ وعلى إبراهيم خبر وساغ الابتداء بالنكرة لما فيها من معنى الدعاء وجملة سلام على إبراهيم مقول قول محذوف أي يقال له هذا في الآخرين.
(كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) كذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) إن واسمها ومن عبادنا خبر والمؤمنين صفة والجملة تعليلية لا محل لها.
(وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) الواو حرف عطف وبشرناه فعل وفاعل ومفعول به وبإسحاق متعلقان ببشرناه ونبيا حال من إسحق ومن الصالحين صفة لنبيا أو حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ لأن كل نبي لا بد أن يكون صالحا. (وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ) وباركنا عطف على ما تقدم وعليه متعلقان بباركنا وعلى إسحق عطف على عليه (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) من ذريتهما خبر مقدم ومحسن مبتدأ مؤخر وظالم عطف على محسن ولنفسه متعلقان بظالم ومبين صفة لظالم.
البلاغة:
انطوت هذه الآية على فنون شتى نورد أهمها فيما يلي:
1- في قوله «فقال إني سقيم» فن الرمز والإيماء وهو أن يريد المتكلم إخفاء أمر ما في كلامه فيرمز في ضمنه رمزا إما تعمية للمخاطب وتبرئة لنفسه وتنصلا من التبعة وإما ليهتدي بواسطته إلى طريق استخراج ما أخفاه في كلامه وقد كان قوم إبراهيم نجّامين فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم التنجيم على انه يسقم فقال: إني سقيم أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الأسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى فقال ذلك ليوجسوا خوفا ويتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ففعل بالأصنام ما فعل، وقد يوهم ظاهر الكلام أنه ارتكب بذلك جريرة الكذب والأنبياء معصومون عنه والصحيح أن الكذب حرام إلا إذا عرض عنه وورّى، ولقد نوى ابراهيم أن من في عنقه الموت سقيم ومنه المثل: «كفى بالسلامة داء» وقال لبيد:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألا منها الإصباح والإمساء
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء
يصف لبيد قوته زمن الشباب ثم ضعف حال المشيب بتتابع الأزمان عليه وانه طلب فسحة الأجل فكانت سبب اضمحلاله. والقناة الرمح استعارها لإقامته أو قوته على طريق الاستعارة التصريحية والليونة، والغمز ترشيح للاستعارة والغمز الجس باليد، ومات رجل فالتف عليه الناس وقالوا مات وهو صحيح فقال أعرابي أصحيح من الموت في عنقه وقيل أراد بقوله إني سقيم النفس لكفركم، على أن بعض الناس قد جوزه في المكيدة في الحرب والتقية وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين وسيأتي المزيد من هذه القصة الفريدة في باب الفوائد.
2- الإيجاز:
في قوله «فبشرناه بغلام حليم» إيجاز قصر وقد تقدم تعريفه، فقد انطوت هذه البشارة الموجزة على ثلاث: أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وانه يكون حليما، وأي حلم أدل على ذلك من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فلم يضطرب ولم يتخاذل ولم يعترض على مشيئة أبيه بل قال: «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» ثم استسلم لذلك ولم يكن ليدور له في خلد أن الله سيفديه وسيهيئ له كبش الفداء.
الفوائد:
1- من هو الذبيح؟
اختلف المفسرون في المأمور بذبحه فعن ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين انه إسماعيل وحجتهم فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين» وقال له أعرابي يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لمّا حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحنّ أحد ولده فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له: أفديناك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل، واحتجوا أيضا بأن الله وصفه بالصبر دون إسحق في قوله تعالى: «وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلّ من الصابرين» وهو صبره على الذبح، وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وغيرهم أنه إسحق وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، والحجة فيه أن الله تعالى أخبر خليله ابراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدا ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف الذي جاء فيه: «من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله» وقال الزجاج: «الله أعلم أيهما الذبيحين» وهذا مذهب ثالث وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى ولعل هذا أولى فإن هذه المسأله ليست من العقائد التي كلفنا بمعرفتها فهيي مما ينفع علمه ولا يضر جهله والله أعلم. هذا وللمفسرين والمؤرخين كلام طويل في قصة الذبح يرجع إليها في المطولات.
2- مناقشة بين أهل السنة والمعتزلة:
وهناك مناقشة يجدر بنا تلخيصها بين أهل السنة والمعتزلة لطرافتها ولعلاقتها الوثيقة بالإعراب فقد تساءل الزمخشري حول قوله تعالى: «والله خلقكم وما تعملون» فقال: «كيف يكون الشيء الواحد لله تعالى معمولا لهم، وأجاب بأن هذا كما يقال عمل النجار الباب فالمراد عمل شكله لا جوهره وكذلك الأصنام جواهرها مخلوقة لله تعالى وأشكالها وصورها معمولة لهم فإن قلت: ما منعك أن تكون ما مصدرية لا موصولة ويكون المعنى والله خلقكم وعملكم كما يقول المجبرة» وأجاب: بأن «أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بالحجج العقلية أن معنى الآية يأباه فإن الله تعالى احتج عليهم بأنه خلق العابد والمعبود فكيف يعبد المخلوق المخلوق على أن العابد فيهما هو الذي عمل صورة المعبود» قال: ولو قلت والله خلقكم وعملكم لم يكن للكلام طباق وشيء آخر وهو أن قوله وما تعملون شرحه في قوله أتعبدون ما تنحتون ولا يقال في أن ما هذه موصولة فالتفرقة بينهما تعسف وتعصب» قال: «فإن قلت اجعلها موصولة ومعناها وما تعملونه من أعمالكم وحينئذ توافق الأولى في أنها موصولة فلا يلزمني التفرقة بينهما» وأجاب «بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق وذلك أنك وان جعلتها موصولة فهي واقعة عندك على المصدر الذي هو جوهر الضم وفي ذلك فكّ للنظم وتبتير كما لو جعلتها مصدرية» .
وتعقبه ابن المنير فقال: «يتعين حملها على المصدرية وذلك انهم لم يعبدوا هذه الأصنام من حيث كونها حجارة ليست مصورة فلو كان كذلك لم يتعاونوا في تصويرها ولا اختصوا بعبادتهم حجرا دون حجر فدل أنهم إنما يعبدونها باعتبار أشكالها وصورها التي هي أثر عملهم ففي الحقيقة انهم عبدوا عملهم وصلحت الحجة عليهم بأنهم مثله مع أن المعبود كسب العابد وعمله فقد ظهر أن الحجة قائمة عليهم على تقدير أن تكون ما مصدرية أوضح قيام وأبلغه فإذا ثبت ذلك فليتتبع كلامه بالإبطال أما قوله: إنها موصولة وان المراد بعملهم لها عمل أشكالها فمخالف للظاهر فإنه مفتقر إلى حذف مضاف في موضع اليأس يكون تقديره: والله خلقكم وما تعملون شكله وصورته بخلاف توجيه أهل السنة فإنه غير مفتقر إلى حذف البتة ثم إذا جعل المعبود نفس الجوهر فكيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من عمل العابد مع موافقته على أن جواهر الأصنام ليست من عملهم فما هو من عملهم وهو الشكل ليس معبودا لهم على هذا التأويل وما هو معبودهم وهو جوهر الصنم ليس من عملهم فلم يستقر له قرار في أن المعبود على تأويله من عمل العابد وعلى ما قررناه يتضح، واما قوله ان المطابقة تنفكّ على تأويل أهل السنة بين ما ينحتون وما يعملون فغير صحيح فإن لنا أن نحمل الأولى على المصدرية وانهم في الحقيقة انما عبدوا نحتهم لأن هذه الأصنام وهي حجارة قبل النحت لم يكونوا يعبدونها فلما عملوا فيها النحت عبدوها ففي الحقيقة ما عبدوا سوى نحتهم الذي هو عملهم فالمطابقة إذن حاصلة والإلزام على هذا أبلغ وأمتن ولو كان كما قال لقامت لهم الحجة ولقالوا كما يقول الزمخشري مكافحين لقوله والله خلقكم وما تعملون: لا ولا كرامة ولا يخلق الله ما نعمل نحن لأنا علمنا التشكيل والتصوير وهذا لم يخلقه الله، وكانوا يجدون الذريعة إلى اقتحام الحجة» .
3- معنى الذهاب إلى ربه:
اختلف في معنى قوله «إني ذاهب إلى ربي سيهدين» والأكثرون على أن هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة أي إني مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه سيهديني سواء السبيل وفي سين الاستقبال إيذان بأن الفعل واقع لا محالة.