I'rab Al Quran li Al Darwish — الضحى 93:1 – العلق 96:16
المحتويات
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
الضحى 93:1
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:2
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:3
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:4
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:5
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:6
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:7
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:8
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:9
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:10
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الضحى 93:11
اللغة:
(سَجى) سكن وركد ظلامه وفي المختار: «وقد سجى الشيء من باب سما سكن ودام وقوله تعالى: والليل إذا سجى أي دام وسكن ومنه البحر الساجي وطرف ساج أي ساكن وسجّى الميت تسجية أي مدّ عليه ثوبا» قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج
والساج أيضا: الطيلسان الأخضر وجمعه سيجان، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة.
(وَدَّعَكَ) قرأ العامة بتشديد الدال من التوديع وهو مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أياما فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه وقيل إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له:
يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت، وقرىء بالتخفيف من قولهم ودعه أي تركه. وقد اختلف في دع بمعنى اترك هل يتصرف فيأتي منه الماضي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول؟ قال الجوهري: أميت ماضيه وقال غيره: ربما جاء في الضرورة وهو المشهور ولكن حيث جاء في القرآن ما ودعك وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين» أي تركهم، وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
(قَلى) أبغض وفي المصباح: «قليته قليا وقلوته قلوا من بابي ضرب وقتل وهو الإنضاح في المقلى وهي مفعل بالكسر وقد يقال مقلاة بالهاء اللحم وغيره مقلى بالياء ومقلو بالواو والفاعل قلّاء بالتشديد لأنه صنعة كالعطّار والنجّار وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمدّ إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وفي حديث عن عائشة أن رجلا استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إيذنوا له فبئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه الناس- اتّقاء فحشه.
وقال ابن خالويه: «يقال قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل وليس في كلام العرب فعل بفتح الماضي والمستقبل فيه مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى وجبى يجبى وسلى يسلى وأبى يأبى وغسى يغسى وركن يركن عن الشيباني وأما قوله قلوب البسر والسويق فبالواو والمصدر القلو وأما القلو فالحمار» ولعل رواية الشيباني التي اعتمد عليها ابن خالويه مما انفرد به إذ لم يرد في جميع معاجم اللغة التي بأيدينا إلا ما أورده صاحب المصباح ونص عبارة التاج: على أن قليه في البغض كرضيه يرضاه وفي الحديث: «وجدت الناس أخبر تقله» بالهاء للسكت ولفظه لفظ الأمر ومعناه الناس أي من خبرهم أبغضهم والمعنى وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
(فَآوى) قرأ العامة آوى بألف بعد الهمزة رباعيا من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: فأوى ثلاثيا، وفي المصباح: «أوى إلى منزله يأوي من باب ضرب أويا أقام وربما عدّي بنفسه فقيل أوى منزله والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه وآويت زيدا بالمدّ في التعدّي ومنهم من يجعله مما يستعمل لازما ومتعديا فيقول: أويته وزان ضربته ومنهم من يستعمل الرباعي لازما أيضا وردّه جماعة» .
(عائِلًا) فقيرا وهي قراءة العامة، يقال عال زيد من باب سار أي افتقر وأعال كثرت عياله وقرىء عيّلا بكسر الياء المشددة كسيّد وهذه المادة لها أصلان واوي ويائي، أما الواوي فقد قال في القاموس فيه:
عال أي جار ومال عن الحق والميزان نقص وجار أو زاد يعول ويعيل وأمرهم اشتد وتفاقم والشيء فلانا غلبه وثقل عليه وأهمّه والفريضة في الحساب زادت وارتفعت وعلتها أنا وأعلتها وعال فلان عولا وعيالة كثر عياله كأعول وأعيل وعياله عولا وعئولا وعيالة كفاهم ومانهم كأعالهم وعيّلهم وأعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعوّل والاسم العول والعولة والعويل وعليه أدلّ وحمل كعوّل وفلان حرص كأعال وأعيل والقوس صوّتت وعيل عوله ثكلته أمه وصبري غلب فهو معول كعال فيهما وعيل ما هو عائله غلب ما هو غالبه يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه والعول كل ما عالك والمستعان به وقوت العيال وعوّل عليه معوّلا اتكل واعتمد والاسم كعنب وعيّلك ككيّس وكتاب من تتكفل بهم واويه يائية والجمع عالة» واستدرك شارحه فقال: «قال الصاغاني في التكملة:
العيال جمع عيّل كجياد جمع جيد وهو من يلزم الإنفاق عليه ويكون اسما للواحد كما ذكره الحريري في مقاماته وذكره المطرزي في شرحه» .
وأما اليائي فقال صاحب القاموس: «عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل والجمع عالة وعيّل وعيلى كسكرى والاسم العيلة والمعيل الأسد والنمر والذئب لأنه يعيل صيدا أي يلتمس وعالني الشيء عيلا ومعيلا أعوزني وفي مشيه تمايل واختال وتبختر كتعيّل» إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
الإعراب:
(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) الواو حرف قسم وجر والضحى مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والليل منسوق على الضحى وأجاز ابن هشام أن تكون الواو في والليل عاطفة أو قسمية قال «والصواب الأول وإلا لاحتاج كل إلى الجواب» وإذا ظرف لمجرد الظرفية متعلق بفعل القسم وقد تقدمت له نظائر وجملة سجى في محل جر بإضافة الظرف إليها وما حرف نفي وهو جواب القسم والجملة لا محل لها وودعك فعل ماض ومفعول به وربك فاعل، وما قلى عطف على ما ودعك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) الواو عاطفة واللام لام الابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة والآخرة مبتدأ وخير خير ولك متعلقان بخير ومن الأولى متعلقان بخير أيضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) الواو عاطفة واللام للابتداء وهي مؤكدة لمضمون الجملة أيضا وجملة سوف يعطيك خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنت وإنما لم تكن واو قسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكوّنة من المبتدأ والخبر فتعين تقدير مبتدأ وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى، ومن المفيد أن ننقل لك سؤالا للزمخشري وجوابه قال: «فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة» وسوف حرف استقبال ويعطيك ربك فعل مضارع مرفوع ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر والفاء عاطفة وترضى فعل مضارع معطوف على يعطيك. وقيل اللام للقسم وأنه إذا حصل فصل بين اللام والفعل امتنعت النون وثبتت لام القسم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) كلام مستأنف مسوق لتعداد أياديه ونعمه عليه والغرض من تعدادها تقوية قلبه صلّى الله عليه وسلم وتشجيعه على السير في طريقه التي اختارها الله وهي طريق محمودة العواقب سليمة المغاب. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدك فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول ويتيما مفعول به ثان والفاء حرف عطف وآوى عطف على قوله ألم يجدك أي وجدك ويجوز أن يكون الوجود بمعنى المصادفة لا بمعنى العلم فتكون الكاف مفعولا به ويتيما تعرب حالا من المفعول به. وذلك أن أباه مات وهو جنين وقبل ولادته بشهرين وقيل بل بعد ولادته بشهرين وقيل بسبعة أشهر وقيل بتسعة وقيل بثمانية وعشرين شهرا والمشهور الأول، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين وقيل خمس سنين وقيل ست سنين وقيل سبع سنين وقيل ثمان سنين وقيل تسع سنين وقيل اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، ومات جدّه وهو ابن ثمان وكان عبد المطلب قد وصّى أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب من أم واحدة فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد جده إلى أن بعثه الله نبيا. ووجدك معطوف وضالا مفعول به ثان أو حال، وأحسن ما قيل في معنى الضلال هو خلوّه من الشريعة فهداه بإنزالها إليه فالمراد بضلاله كونه من غير شريعة وليس المراد به الانحراف عن الحق والتعسف في مهامه الضلال ويؤيد هذا المعنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» وهناك أقوال كثيرة أربت على العد ضربنا صفحا عنها ويرجع إليها في المطولات، وسيأتي مزيد من معنى الضلال في باب البلاغة، ووجدك عائلا فأغنى منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال الفراء «لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه وتلك حقيقة الغنى» . وفي الحديث «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال صلّى الله عليه وسلم:
«جعل رزقي تحت ظل رمحي» (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) الفاء الفصيحة وأما حرف شرط وتفصيل واليتيم مفعول به مقدم لتقهر والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتقهر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وهذا تعليم سام أكده النبي بقوله: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) منسوق على ما قبله والأولى أن يكون السائل أعم من أن يسأل المال أو العلم ليوافق التفصيل التعديد ويطابقه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) منسوق أيضا وبنعمة متعلقان بحدّث والفاء غير مانعة لأنها بمثابة الزائدة والنعمة أعمّ من أن تشمل الدين والغنى والإيواء وما أفاء عليه من الغنائم وأتاح له من النصر والتحدّث بها مندوب إليه لحفز الهمم ودفع النفوس إلى التأسّي والاقتداء، وما أجمل ما يروى عنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي صلّى الله عليه وسلم فرآه رثّ الثياب فقال له صلّى الله عليه وسلم: ألك مال؟ قال: نعم فقال له صلّى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» وفي الحديث أيضا «إن رجلا سأله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعمل البرّ وأخفيه عن المخلوقين ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: لك في ذلك أجران أجر السر وأجر العلانية» .
البلاغة:
1- في قوله: «والليل إذا سجى» مجاز عقلي حيث أسند السكون إلى الليل، وقد تقدم في المجاز العقلي أنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، ومن روائعه قول أبي الطيب في مديح كافور:
أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم
ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
فإسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي لأن العز لا يخضب السيوف ولكنه سبب القوة وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم ففي العبارة مجاز عقلي علاقته السببية وفي الآية إسناد السجو إلى ضمير الليل غير حقيقي وإنما المراد أصحابه فهم الذين يسكنون.
2- وفي قوله «وجدك ضالا فهدى» استعارة تصريحية شبّه الشريعة بالهدى وعدم وجودها بالضلال وحذف المشبه وأبقى المشبه به وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا.
3- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه.
4- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
الشرح 94:1
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
الشرح 94:2
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
الشرح 94:3
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
الشرح 94:4
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
الشرح 94:5
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
الشرح 94:6
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
الشرح 94:7
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
الشرح 94:8
اللغة:
(وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة.
(أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس:
وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا
وقال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما»
والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك.
وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» .
والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور.
(فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» .
الإعراب:
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه صلّى الله عليه وسلم وذكره إياها فلما أنزل الله تبارك وتعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق:
ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب
ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج صلّى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» .
وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» .
وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا
ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: 1- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. 2- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. 3- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان:
فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له صلّى الله عليه وسلم وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها.
البلاغة:
في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته صلّى الله عليه وسلم من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره صلّى الله عليه وسلم من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
التين 95:1
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
التين 95:2
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
التين 95:3
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
التين 95:4
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
التين 95:5
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
التين 95:6
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
التين 95:7
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
التين 95:8
الإعراب:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال:
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس.
البلاغة:
في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
العلق 96:1
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:2
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:3
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:4
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:5
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:6
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:7
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:8
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:9
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:10
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:11
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:12
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:13
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:14
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:15
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.
العلق 96:16
اللغة:
(العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة.
(لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» .
(الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» .
الإعراب:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال- حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال:
«كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله:
ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)
كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت:
أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله:
أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد.
البلاغة:
1- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها.
2- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي صلّى الله عليه وسلم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا.
الفوائد:
1- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا
2- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله عزّ وجلّ:
«اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.