Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — النساء 4:103 – النساء 4:164
المحتويات
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
النساء 4:103
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [١٠٣]
﴿فَإذا قَضَيْتُمُ﴾ أيْ: أتْمَمْتُمْ ﴿الصَّلاةَ﴾ أيْ: صَلاةَ الخَوْفِ - عَلى ما فُصِّلَ - ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَداوِمُوا عَلى ذِكْرِهِ تَعالى في جَمِيعِ الأحْوالِ، فَإنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ والحَذَرِ مَعَ العَدُوِّ جَدِيرٌ بِالمُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، قالَهُ الرّازِيُّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمَرَ تَعالى بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ عَقِيبَ صَلاةِ الخَوْفِ، وإنْ كانَ مَشْرُوعًا مُرَغَّبًا فِيهِ أيْضًا بَعْدَ غَيْرِها، ولَكِنْ هُنا آكَدُ لِما وقَعَ فِيها مِنَ التَّخْفِيفِ في أرْكانِها، ومِنَ الرُّخْصَةِ في الذَّهابِ فِيها والإيابِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ يُوجَدُ في غَيْرِها كَما قالَ تَعالى (فِي الأشْهُرِ (p-١٥١٩)الحُرُمِ): ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] [التَّوْبَةِ: ٣٦] وإنَّ كانَ هَذا مَنهِيًّا عَنْهُ في غَيْرِها، ولَكِنْ فِيها آكَدُ لِشِدَّةِ حُرْمَتِها وعِظَمِها.
﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أيْ: سَكَنَتْ قُلُوبُكم بِالأمْنِ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: عَلى الحالَةِ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْرِفُونَها، فَلا تُغَيِّرُوا شَيْئًا مِن هَئْياتِها ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ أيْ: فَرْضًا مُوَقَّتًا، لا يَجُوزُ إخْراجُها عَنْ أوْقاتِها وإنْ لَزِمَها نَقائِصُ في رِعايَتِها.
* *
فَصْلٌ
فِي أحْكامٍ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ:
الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الخَوْفِ وصِفَتُها، وأنَّهُ لا يَجِبُ قَضاؤُها، وأنَّهُ يُطْلَبُ فِيها حَمْلُ السِّلاحِ إلّا لِعُذْرٍ.
الثّانِي: تَعَلَّقَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] مَن لَمْ يَرَ صَلاةَ الخَوْفِ بَعْدَهُ ﷺ زاعِمًا أنَّها خاصَّةً بِعَهْدِهِ ﷺ لِاشْتِراطِهِ كَوْنَهُ فِيهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ الأئِمَّةَ بَعْدَهُ نُوّابُهُ قُوّامٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ، فَيَتَناوَلُهم حُكْمُ الخِطابِ الوارِدِ لَهُ ﷺ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] [التَّوْبَةِ: ١٠٣] وقَدْ قالَ ﷺ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
(p-١٥٢٠)وعُمُومُ مَنطُوقِ هَذا الحَدِيثِ مُقَدَّمٌ عَلى ذَلِكَ المَفْهُومِ، وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُمْ، «عَنْ سَعِيدِ بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ (فِي غَزْوَةٍ ومَعَهُ حُذَيْفَةُ ): أيُّكم شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا، فَأمَرَهم حُذَيْفَةُ فَلَبِسُوا السِّلاحَ، ثُمَّ قالَ: إنْ هاجَمَكم هَيْجٌ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ القِتالُ، فَصَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والأُخْرى مُواجِهَةٌ العَدُوَّ، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ، فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وكانَتِ الغَزْوَةُ بِطَبَرِسْتانَ، قالَ بَعْضُهُمْ: وكانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَلَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ، فَحَلَّ مَحَلَّ الإجْماعِ».
ورَوى أبُو داوُدَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ صَلّى بِكابُلَ صَلاةَ الخَوْفِ.
الثّالِثُ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم (فِي نُزُولِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) (p-١٥٢١)قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ، فاسْتَقْبَلَنا المُشْرِكُونَ، عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وهم بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَصَلّى بِنا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ، فَقالُوا: قَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غَرَّتْهُمْ، ثُمَّ قالُوا: تَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأخْذِ السِّلاحِ، فَصَفَّنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا جَلَسُوا جَلَسَ الآخَرُونَ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ».
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشامٍ مِثْلَ هَذا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّهُ قالَ: «نَكَصَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهم مِنَ السُّجُودِ، ويَتَقَدَّمُ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ».
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ قالَ: «قالَ مُجاهِدٌ (فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ): نَزَلَتْ يَوْمَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُسْفانَ والمُشْرِكُونَ بِضَجْنانَ فَتَواقَفُوا، فَصَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الظُّهْرِ أرْبَعًا، رُكُوعَهم وسُجُودَهم وقِيامَهم مَعًا جَمِيعَهُمْ، فَهَمَّ بِهِمُ المُشْرِكُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلى أمْتِعَتِهِمْ ويُقاتِلُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ﴾ [النساء: ١٠٢] فَصَلّى النَّبِيُّ ﷺ العَصْرَ وصَفَّ أصْحابُهُ صَفَّيْنِ وكَبَّرَ بِهِمْ جَمِيعًا فَسَجَدَ الأوَّلُونَ بِسُجُودِهِ والآخِرُونَ قِيامٌ لَمْ يَسْجُدُوا، حَتّى قامَ النَّبِيُّ ﷺ والصَّفُّ الأوَّلُ، ثُمَّ كَبَّرَ بِهِمْ ورَكَعُوا جَمِيعًا، فَقَدَّمُوا الصَّفَّ الآخِرَ واسْتَأْخَرُوا، فَتَعاقَبُوا السُّجُودَ كَما فَعَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، وقَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ (p-١٥٢٢)صَلاةَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ».
وفِي هَذِهِ الأحادِيثِ أنَّ صَلاةَ الطّائِفَتَيْنِ مَعَ الإمامِ جَمِيعًا، واشْتِراكُهم في الحِراسَةِ، ومُتابَعَتِهِ في جَمِيعِ أرْكانِ الصَّلاةِ إلّا السُّجُودَ، فَتَسْجُدُ مَعَهُ طائِفَةٌ وتَنْتَظِرُ الأُخْرى حَتّى تَفْرَغَ الطّائِفَةُ الأُولى، ثُمَّ تَسْجُدُ، وإذا فَرَغُوا مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولى تَقَدَّمَتِ الطّائِفَةُ المُتَأخِّرَةُ مَكانَ الطّائِفَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وتَأخَّرَتِ المُتَقَدِّمَةُ.
(فَإنْ قُلْتَ): لا يَنْطْبِقُ ما في الآيَةِ عَلى هَذِهِ الرِّواياتِ الَّتِي حَكَتْ سَبَبَ نُزُولِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ قِيلَ في الآيَةِ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ [النساء: ١٠٢] الآيَةَ، وفي هَذِهِ الرِّواياتِ أنَّهم قامُوا جَمِيعًا مَعَهُ ﷺ في الصَّلاةِ، وإنَّما يَنْطَبِقُ ما فِيها عَلى ما رَواهُ الشَّيْخانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُواجِهَةٌ العَدُوَّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وقامُوا مَقامَ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وجاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً وهَؤُلاءِ رَكْعَةً».
وما رَوَياهُ عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، عَمَّنْ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ «أنَّ الطّائِفَةَ صَفَّتْ مَعَهُ وطائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ، فَقَضى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا، فَأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا وِجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ، فَأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، فَسَلَّمَ بِهِمْ».
(قُلْتُ): بِمُراجَعَةِ ما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّمَةِ مِن قاعِدَةِ سَبَبِ النُّزُولِ يَنْدَفِعُ الإشْكالُ.
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لِهَؤُلاءِ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، وهي العَصْرُ، فَأجْمِعُوا أمْرَكم فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً واحِدَةً، وإنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَقْسِمَ أصْحابَهُ (p-١٥٢٣)شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ وتَقُومُ طائِفَةٌ أُخْرى وراءَهُمْ، ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ، فَتَكُونُ لَهم رَكْعَةٌ ولِلنَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتانِ،» أخْرَجَهُ أصْحابُ السُّنَنِ.
ثُمَّ رَأيْتُ القُرْطُبِيَّ بَحَثَ في "تَفْسِيرِهِ" نَحْوَ ما سَبَقَ لِي؛ حَيْثُ قالَ: وما ذَكَرْناهُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ في قِصَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ لا يُلائِمُ تَفْرِيقَ القَوْمِ إلى طائِفَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ (بَعْدَ رِوايَةِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورِ) قُلْتُ: ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، فَلَعَلَّهُ ﷺ صَلّى بِهِمْ صَلاةً أُخْرى مُفْتَرِقِينَ. انْتَهى.
الرّابِعُ: ظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ التَّرْخِيصُ لِكُلِّ طائِفَةٍ بِرَكْعَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيها حالَ الرَّكْعَةِ الباقِيَةِ، وقَدْ رَوى النَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِذِي قَرَدٍ فَصَفَّ النّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ: صَفًّا خَلْفَهُ وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا رَكْعَةً».
وكَذا رَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ أيْضًا، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ صَلّى بِطَبَرِسْتانَ بِهَؤُلاءِ رَكْعَةً وبِهَؤُلاءِ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا.
ورَوى أحْمَدُ ومُسْلِمُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى نَبِيِّكم ﷺ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً،» فَهَذِهِ الأحادِيثُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِن صِفَةِ صَلاةَ الخَوْفِ الِاقْتِصارُ عَلى رَكْعَةٍ لِكُلِّ طائِفَةٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": وبِالِاقْتِصارِ عَلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ في الخَوْفِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ ومَن تَبِعَهُما، وقالَ بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ التّابِعِينَ، (p-١٥٢٤)ومِنهم مَن قَيَّدَ بِشِدَّةِ الخَوْفِ.
وقالَ الجُمْهُورُ: قَصْرُ الخَوْفِ قَصْرُ هَيْئَةٍ لا قَصْرُ عَدَدٍ، وتَأوَّلُوا هَذِهِ الأحادِيثَ بِأنَّ المُرادَ بِها رَكْعَةٌ مَعَ الإمامِ ولَيْسَ فِيها نَفْيُ الثّانِيَةِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُهُ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةَ: (ولَمْ يَقْضُوا رَكْعَةً) وكَذا قَوْلُهُ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الثّانِي: (وفِي الخَوْفِ رَكْعَةٌ).
وأمّا تَأْوِيلُهم قَوْلَهُ: (لَمْ يَقْضُوا) بِأنَّ المُرادَ مِنهُ لَمْ يُعِيدُوا الصَّلاةَ بَعْدَ الأمْنِ - فَبَعِيدٌ جِدًّا، كَذا في "نَيْلِ الأوْطارِ" نَعَمْ.
وقَعَ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ وقَدْ قَدَّمْناهُ: «ثُمَّ قَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً وهَؤُلاءِ رَكْعَةً»، وعِنْدَ أبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «ثُمَّ سَلَّمَ، وقامَ هَؤُلاءِ فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا ثُمَّ ذَهَبُوا، ورَجَعَ أُولَئِكَ إلى مَقامِهِمْ فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا».
وبِالتَّحْقِيقِ كُلُّ ما رُوِيَ هو مِن صُوَرِها الجائِزَةِ، ولَمّا ذَكَرَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ" هَدْيَهُ ﷺ في أدائِها، قالَ في آخِرِ صُورَةٍ: وتارَةً كانَ يُصَلِّي بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً فَتَذْهَبُ ولا تَقْضِي شَيْئًا، وتَجِيءُ الأُخْرى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ولا تَقْضِي شَيْئًا، فَيَكُونُ لَهُ ﷺ رَكْعَتانِ، ولَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، وهَذِهِ الأوْجُهُ كُلُّها يَجُوزُ الصَّلاةُ بِها.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوى في بابِ صَلاةِ الخَوْفِ فالعَمَلُ بِهِ جائِزٌ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: صَلاةُ الخَوْفِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَإنَّ العَدُوَّ تارَةً يَكُونُ تُجاهَ القِبْلَةِ، وتارَةً يَكُونُ في غَيْرِ صَوْبِها، ثُمَّ تارَةً يُصَلُّونَ جَماعَةً وتارَةً يَلْتَحِمُ الحَرْبُ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى الجَماعَةِ، بَلْ يُصَلُّونَ فُرادى مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةَ وغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها، ورِجالًا ورُكْبانًا، ولَهم أنَّ يَمْشُوا - والحالَةُ هَذِهِ - ويَضْرِبُوا الضَّرْبَ المُتَتابِعَ في مَتْنِ الصَّلاةِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: يُصَلُّونَ - والحالَةُ هَذِهِ - رَكْعَةً واحِدَةً لِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
قالَ المُنْذِرِيُّ: وبِهِ قالَ عَطاءٌ وجابِرٌ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ وقَتادَةُ وحَمّادٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ طاوُسٌ والضَّحّاكُ.
وقَدْ حَكى أبُو عاصِمٍ العَبّادِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ أنَّهُ يَرى رَدَّ الصُّبْحِ إلى رَكْعَةٍ في الخَوْفِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ أيْضًا، وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: أمّا عِنْدَ المُسايَفَةِ (p-١٥٢٥)فَيَجْزِيكَ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ تُومِئُ بِها إيماءً، فَإنْ لَمْ تَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ.
وقالَ آخَرُونَ: يَكْفِي تَكْبِيرَةٌ واحِدَةٌ، فَلَعَلَّهُ أرادَ رَكْعَةً واحِدَةً، كَما قالَهُ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأصْحابُهُ، وبِهِ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وكَعْبٌ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ، والسُّدِّيُّ.
ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ولَكِنِ الَّذِينَ حَكَوْهُ إنَّما حَكَوْهُ عَلى ظاهِرِهِ في الِاجْتِزاءِ بِتَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ، كَما هو مَذْهَبُ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأمِيرُ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ بُخْتٍ المَكِّيُّ حَتّى قالَ: فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّكْبِيرِ فَلا يَتْرُكُها في نَفْسِهِ، يَعْنِي بِالنِّيَّةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في "سُنَنِهِ" عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ دِينارٍ عَنْهُ، فاللَّهُ أعْلَمُ.
ومِنَ العُلَماءِ مَن أباحَ تَأْخِيرَ الصَّلاةِ لِعُذْرِ القِتالِ والمُناجَزَةِ، كَما أخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ الظُّهْرَ والعَصْرَ، فَصَلّاهُما بَعْدَ الغُرُوبِ، ثُمَّ صَلّى بَعْدَهُما المَغْرِبَ ثُمَّ العِشاءَ، وكَما قالَ بَعْدَها - يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ - حِينَ جَهَّزَ إلَيْهِمُ الجَيْشَ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ في أثْناءِ الطَّرِيقِ، فَقالَ مِنهم قائِلُونَ: لَمْ يُرِدْ مِنّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا تَعْجِيلَ المَسِيرِ، ولَمْ يُرِدْ مِنّا تَأْخِيرَ الصَّلاةِ عَنْ وقْتِها، فَصَلَّوُا الصَّلاةَ لِوَقْتِها في الطَّرِيقِ، وأخَّرَ آخَرُونَ مِنهم صَلاةَ العَصْرِ فَصَلَّوْها في بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ الغُرُوبِ، ولَمْ يُعَنِّفْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، فاحْتَجَّ في عُذْرِهِمْ في تَأْخِيرِ الصَّلاةِ لِأجْلِ الجِهادِ والمُبادَرَةِ إلى حِصارِ النّاكِثِينَ لِلْعَهْدِ مِنَ الطّائِفَةِ المَلْعُونَةِ اليَهُودِ.
وأمّا الجُمْهُورُ فَقالُوا: هَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِصَلاةِ الخَوْفِ فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ، فَلَمّا نَزَلَتْ نُسِخَ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ لِذَلِكَ، وهَذا أبْيَنُ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ الَّذِي رَواهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وأهْلُ السُّنَنِ، ولَكِنْ يُشْكَلُ عَلَيْهِ ما حَكاهُ البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ" حَيْثُ قالَ: (بابُ الصَّلاةِ عِنْدَ مُناهَضَةِ الحُصُونِ ولِقاءِ العَدُوِّ).
وقالَ الأوْزاعِيُّ: إنْ كانَ تَهَيَّأ الفَتْحُ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الصَّلاةِ صَلُّوا إيماءً، كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا (p-١٥٢٦)عَلى الإيماءِ أخَّرُوا الصَّلاةَ حَتّى يَنْكَشِفَ القِتالُ، أوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَلا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ ويُؤَخِّرُونَها حَتّى يَأْمَنُوا، وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُناهَضَةِ حِصْنَ تُسْتَرَ عِنْدَ إضاءَةِ الفَجْرِ، واشْتَدَّ اشْتِعالُ القِتالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الصَّلاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إلّا بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ، فَصَلَّيْنا ونَحْنُ مَعَ أبِي مُوسى، فَفُتِحَ لَنا، وقالَ أنَسٌ: وما يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاةِ الدُّنْيا وما فِيها. انْتَهى.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحَدِيثِ تَأْخِيرِ الصَّلاةِ يَوْمَ الأحْزابِ، ثُمَّ بِحَدِيثِ أمْرِهِ إيّاهم أنْ لا يُصَلُّوا العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ، وكَأنَّهُ كالمُخْتارِ لِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ولِمَن جَنَحَ لَهُ أنْ يَحْتَجَّ بِصَنِيعِ أبِي مُوسى وأصْحابِهِ يَوْمَ فَتْحِ تُسْتَرَ فَإنَّهُ يُشْتَهَرُ غالِبًا، وكانَ ذَلِكَ في إمارَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ولا أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ هَؤُلاءِ: وقَدْ كانَتْ صَلاةُ الخَوْفِ مَشْرُوعَةً في الخَنْدَقِ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ كانَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ في قَوْلِ جُمْهُورِ عُلَماءِ السِّيَرِ والمَغازِي، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، ومُوسى بْنُ عُقْبَةَ، والواقِدِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كاتِبُهُ، وخَلِيفَةُ بْنُ الخَيّاطِ، وغَيْرُهم.
وقالَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ: كانَتْ ذاتُ الرِّقاعِ بَعْدَ الخَنْدَقِ؛ لِحَدِيثِ أبِي مُوسى، وما قُدِّمَ إلّا في خَيْبَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-١٥٢٧)الحُكْمُ الخامِسُ: اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿طائِفَةٌ﴾ [النساء: ١٠٢] عَلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ اسْتِواءُ الفَرِيقَيْنِ في العَدَدِ، لَكِنْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ الَّتِي تَحْرُسُ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِها في ذَلِكَ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": الطّائِفَةُ تُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ حَتّى عَلى الواحِدِ، فَلَوْ كانُوا ثَلاثَةً ووَقَعَ لَهُمُ الخَوْفُ جازَ لِأحَدِهِمْ أنْ يُصَلِّيَ بِواحِدٍ ويَحْرُسَ واحِدٌ، ثُمَّ يُصَلِّي الآخَرُ، وهو أقَلُّ ما يُتَصَوَّرُ في صَلاةِ الخَوْفِ جَماعَةً.
السّادِسُ: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عِظَمِ أمْرِ الجَماعَةِ، بَلْ عَلى تَرْجِيحِ القَوْلِ بِمُوجِبِها؛ لِارْتِكابِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ لا تُغْتَفَرُ في غَيْرِها، ولَوْ صَلّى كُلُّ امْرِئٍ مُنْفَرِدًا لَمْ يَقَعِ الِاحْتِياجُ إلى مُعْظَمِ ذَلِكَ، أفادَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ".
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وما أحْسَنَ ما اسْتَدَلَّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى وُجُوبِ الجَماعَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، حَيْثُ اغْتُفِرَتْ أفْعالٌ كَثِيرَةٌ لِأجْلِ الجَماعَةِ، فَلَوْلا أنَّها واجِبَةٌ ما ساغَ ذَلِكَ.
السّابِعُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اخْتُلِفَ في المَأْمُورِ بِأخْذِ السِّلاحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فَقِيلَ: هُمُ الطّائِفَةُ الَّذِينَ يُواجِهُونَ العَدُوَّ، وهَذا ظاهِرٌ، وقِيلَ: بَلْ هُمُ الطّائِفَةُ المُصَلُّونَ، وأرادَ ما لا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلاةِ مِنَ الدِّرْعِ والخِنْجَرِ والسَّيْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لِلطّائِفَتَيْنِ، وهو قَوْلُ القاسِمِ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": والظّاهِرُ أنَّ المُخاطَبَ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ المُصَلُّونَ، إذْ مَن لَمْ يُصَلِّ إنَّما أُعِدَّ لِلْحَرَسِ، فالظّاهِرُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ أمْرِهِمْ بِذَلِكَ وتَنْبِيهِهِمْ عَلَيْهِ، وهم إنَّما أخَّرُوا الصَّلاةَ لِذَلِكَ، أمّا المُصَلُّونَ فَهم في مَظِنَّةِ طَرْحِ الأسْلِحَةِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا حَمْلَها في الصَّلاةِ، فَنُبِّهُوا عَلى أنَّهم لا يَنْبَغِي لَهم طَرْحُ الأسْلِحَةِ وإنْ كانُوا في الصَّلاةِ؛ لِضَرُورَةِ الخَوْفِ وخَشْيَةِ الغِرَّةِ، وأيْضًا فَصَنِيعُ الآيَةِ يُعْطِي ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فالظّاهِرُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِمْ، وحَيْثُ يُعادُ إلى غَيْرِ المُصَلِّينَ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ في صِحَّةِ العَوْدِ إلَيْهِمْ؛ بِدَلالَةِ قُوَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يُذْكَرُوا.
وناقَشَ (p-١٥٢٨)النّاصِرُ أيْضًا الزَّمَخْشَرِيَّ في جَعْلِهِ المَرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا﴾ [النساء: ١٠٢] غَيْرَ المُصَلِّينَ، فَقالَ: الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى السُّجُودِ هَهُنا الصَّلاةُ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْها بِالسُّجُودِ كَثِيرًا، والمُرادُ: فَإذا صَلَّتِ الطّائِفَةُ (أيْ: أتَمَّتْ صَلاتَها) فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم. انْتَهى.
الثّامِنُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ النَّظْمِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَأْتِيَ بِصَلاةِ الخَوْفِ عَلى جِهَةٍ يَكُونُ بِها حاذِرًا، غَيْرَ غافِلٍ عَنْ كَيْدِ العَدُوِّ، والَّذِي نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ في هَذا المَوْضِعِ هو وجْهُ الحَذَرِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَوْمَئِذٍ بِذاتِ الرِّقاعِ كانَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فالمُسْلِمُونَ كانُوا مُسْتَدْبِرِينَ القِبْلَةَ، ومَتى اسْتَقْبَلُوا القِبْلَةَ صارُوا مُسْتَدْبِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، فَلا جَرَمَ أُمِرُوا بِأنْ يَصِيرُوا طائِفَتَيْنِ: طائِفَةٌ في وجْهِ العَدُوِّ، وطائِفَةٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وأمّا حِينَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُسْفانَ وبِبَطْنِ نَخْلٍ فَإنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ أصْحابَهُ طائِفَتَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَدُوَّ كانَ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، والمُسْلِمُونَ كانُوا مُسْتَقْبِلِينَ لَها، فَكانُوا يَرَوْنَ العَدُوَّ حالَ كَوْنِهِمْ في الصَّلاةِ، فَلَمْ يَحْتاجُوا إلى الِاحْتِراسِ إلّا عِنْدَ السُّجُودِ، فَلا جَرَمَ لَمّا سَجَدَ الصَّفُّ الأوَّلُ بَقِيَ الصَّفُّ الثّانِي يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ وقامُوا تَأخَّرُوا وتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثّانِي وسَجَدُوا، وكانَ الصَّفُّ الأوَّلُ حالَ قِيامِهِمْ يَحْرُسُونَ الصَّفَّ الثّانِيَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] يَدُلُّ عَلى جَوازِ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.
والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أنّا لَوْ لَمْ نَحْمِلْها عَلى هَذا الوَجْهِ لَصارَ تَكْرارًا مَحْضًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ولَوَقَعَ فِعْلُ الرَّسُولِ بِعُسْفانَ وبِبَطْنِ نَخْلٍ عَلى خِلافِ نَصِّ القُرْآنِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
وقالَ الخَطابِيُّ: صَلاةُ الخَوْفِ أنْواعٌ صَلّاها النَّبِيُّ ﷺ في أيّامٍ مُخْتَلِفَةٍ وأشْكالٍ مُتَبايِنَةٍ، يُتَحَرّى في ذَلِكَ كُلِّهِ ما هو الأحْوَطُ لِلصَّلاةِ والأبْلَغُ في الحِراسَةِ، فَهي مَعَ اخْتِلافِ صُوَرِها مُتَّفِقَةُ المَعْنى. انْتَهى.
وأنْواعُها مُبَيَّنَةٌ في شُرُوحِ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَثَّهم تَعالى عَلى الجِهادِ بِقَوْلِهِ:
النساء 4:104
(p-١٥٢٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١٠٤]
﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ عَدُوِّكم بِالقِتالِ، بَلْ جِدُّوا فِيهِمْ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ، ثُمَّ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ ما تَجِدُونَ مِنَ الألَمِ بِالجَرْحِ والقَتْلِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] [آلِ عِمْرانَ: ١٤٠] ثُمَّ زادَ في تَقْرِيرِ الحُجَّةِ، وبَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلى بِالمُصابَرَةِ عَلى القِتالِ مِنَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ يَعْنِي: وتَأْمُلُونَ مِنَ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ واسْتِحْقاقِ الدَّرَجاتِ مِن جَنّاتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، كَما وعَدَكم إيّاهُ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ ما لا يَأْمُلُونَهُ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالجِهادِ مِنهُمْ، وأجْدَرُ بِإقامَةِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: فَلا يُكَلِّفُكم إلّا بِما يَعْلَمُ أنَّهُ سَبَبٌ لِصَلاحِكم في دِينِكم ودُنْياكُمْ، فَجِدُّوا في الِامْتِثالِ بِذَلِكَ؛ فَإنَّ فِيهِ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ: وُجُوبُ الجِهادِ، وأنَّهُ لا يَسْقُطُ لِما يَحْصُلُ مِنَ المَضَرَّةِ بِالجِراحِ ونَحْوِهِ، وأنَّ التَّجَلُّدَ وطَلَبَ ما يُقَوِّي لازِمٌ، وما يَحْصُلُ بِهِ الوَهَنُ لا يَجُوزُ فِعْلُهُ، وتَدُلُّ عَلى جَوازِ المُعارَضَةِ والحِجاجِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ﴾ وتَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْمُجاهِدِ أنْ يُجاهِدَ لِطَلَبِ الثَّوابِ لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ فَجَعَلَ هَذا سَبَبًا باعِثًا عَلى الجِهادِ، هَذا مَعْنى كَلامِ الحاكِمِ.
ونَظِيرُ هَذا: لَوْ صَلّى لِطَلَبِ الثَّوابِ أوِ السَّلامَةِ مِنَ العِقابِ، وقَدْ ذُكِرَ في ذَلِكَ خِلافٌ. فَعَنِ الرّاضِي بِاللَّهِ: يُجْزى ذَلِكَ، وقَوّاهُ الفَقِيهُ يَحْيى بْنُ أحْمَدَ، وعَنْ أبِي مُضَرٍ: لا يُجْزى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْوِ الوَجْهَ الَّذِي شُرِعَ الواجِبُ لَهُ. انْتَهى.
النساء 4:105
(p-١٥٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [١٠٥].
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] [١٠٦].
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] [١٠٧].
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] [١٠٨].
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] [١٠٩]
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩]
(p-١٥٣١)رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأُظِنَّ (أيِ: اتُّهِمَ) بِها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ.
فانْطَلَقُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ وإنَّ صاحِبَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فاعْذُرْ صاحِبَنا عَلى رُءُوسِ النّاسِ وجادِلْ عَنْهُ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ،» ثُمَّ قالَ تَعالى لِلَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ يُجادِلُونَ عَنِ الخائِنِينَ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ، يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يَعْنِي السّارِقَ والَّذِينَ جادَلُوا عَنِ السّارِقِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ ذَكَرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم (فِي هَذِهِ الآيَةِ) أنَّها نَزَلَتْ في سارِقِ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى اخْتِلافِ سِياقاتِهِمْ، وهي مُتَقارِبَةٌ.
وقَدْ رَوى هَذِهِ القِصَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ مُطَوَّلَةً، ورَواها عَنْهُ مِن طَرِيقِهِ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ" في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (p-١٥٣٢)«كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ (قالَ أبُو ذَرٍّ الخُشَنِيُّ: بَشِيرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، كَذا وقَعَ هُنا: بَشِيرٌ بِفَتْحِ الباءِ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما هو بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ) ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا، وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ لِبَعْضِ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، أوْ قالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا الخَبِيثُ، فَقالَ:
؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا وقالُوا: ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها!
قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ فاقَةٍ وحاجَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ بِالدَّرْمَكِ - ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ: دِرْعانِ وسَيْفانِ وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا.
(p-١٥٣٣)قالَ: فَتَحَسَّسْتُ في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى - فِيما نَراهُ - إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم.
قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ! ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ عَمِّي: يا ابْنَ أخِي! لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ.
قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْظُرُ في ذَلِكَ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا - أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ - يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ في غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ - ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ - تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ؟ قالَ: فَرَجَعْتُ، ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي (p-١٥٣٤)ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتَيْتُ عَمِّي رِفاعَةَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي أُبَيْرِقٍ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: إنَّهم إنْ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] قَوْلُهم لِلَبِيدِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرًا وأصْحابَهُ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ.
قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ، وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ، قالَ: يا ابْنَ أخِي! هو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ صَحِيحًا.
(p-١٥٣٥)فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]
فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ، رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ في الأبْطَحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانٍ، ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ.
ورَوى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، بِبَعْضِهِ، (p-١٥٣٦)ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْفَهانِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ إسْرائِيلَ.
ورَواهُ الحاكِمُ في كِتابِهِ "المُسْتَدْرَكِ" بِسَنَدِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ، أتَمَّ مِنهُ، وفِيهِ الشِّعْرُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخْرِجاهُ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "اللُّبابِ": وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ بِسَنَدِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ - فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدٍ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الآياتِ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١١٥] الآيَةَ، وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ». انْتَهى.
وأمّا إيضاحُ ألْفاظِ الآياتِ وثَمَراتِها فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأعْلَمَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ العِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ المُبَرَّأ عَنْ جِهاتِ الرَّيْبِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والظُّهُورِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ ﷺ ولَكِنْ لِيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ.
قُلْتُ: رَوى هَذا الأثَرَ البَيْهَقِيُّ في "المَدْخَلِ" وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ الفُرْسِ: في هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ الرَّأْيِ والقِياسِ، وتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَهُ (p-١٥٣٧)ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والرَّأْيَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما رَأيْتَ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: وقالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الوَحْيَ والِاجْتِهادَ مَعًا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: احْتَجَّ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ الأُصُولِ إلى أنَّهُ كانَ ﷺ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ألا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما أقْضِي بِنَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ، ولَعَلَّ أحَدَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها» .
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْها أيْضًا بِلَفْظِ: «جاءَ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ يَخْتَصِمانِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَوارِيثَ بَيْنَهُما قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ (أوْ قَدْ قالَ: لِحُجَّتِهِ) مِن بَعْضٍ، فَإنِّي أقْضِي بَيْنَكم عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ، يَأْتِي بِها إسْطامًا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَبَكى الرَّجُلانِ وقالَ كُلٌّ مِنهُما: حَقِّي لِأخِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما إذْ قُلْتُما، فاذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ بَيْنَكُما، ثُمَّ اسْتَهِما، ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ» .
وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ وزادَ: «إنِّي إنَّما أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي، فِيما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ» انْتَهى.
(p-١٥٣٨)قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن أجازَ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ الحُكْمَ إلى الِاجْتِهادِ، ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَيْفَ يَجْتَهِدُ؟! انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، وهم طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ مِن قَوْمِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، كَما تَقَدَّمَ مُفَسَّرًا.
قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى جَوازَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقالُوا: لَوْ لَمْ يَقَعْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ذَنْبٌ لَما أُمِرَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في "الشِّفا": إنَّ تَصَرُّفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأُمُورٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْها ولا أُمِرُوا بِها، ثُمَّ عُوتِبُوا بِسَبَبِها، أوْ أتَوْها عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ - إنَّما هي ذُنُوبٌ بِالإضافَةِ إلى عَلِيِّ مَنصِبِهِمْ وإلى كَمالِ طاعَتِهِمْ، لا أنَّها كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وأطالَ في هَذا المَقامِ وأطابَ.
ثُمَّ قالَ: وأيْضًا، فَإنَّ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ مَعْنًى آخَرَ لَطِيفًا أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو اسْتِدْعاءُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٢] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، كَما جُعِلَتْ ظُلْمًا لَها لِرُجُوعِ ضَرَرِها إلَيْهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا شَدِيدًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مالَ طَبْعُهُ قَلِيلًا إلى جانِبِ طُعْمَةَ - وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ طُعْمَةَ كانَ فاسِقًا - فاللَّهُ تَعالى عاتَبَ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِن إعانَةِ المُذْنِبِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَعْلَمُ مِنَ الظّالِمِ كَوْنَهُ ظالِمًا، ثُمَّ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ الظُّلْمِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ويُرَغِّبُهُ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ؟! اهـ.
وإنَّما قِيلَ: لِلْخائِنِينَ (p-١٥٣٩)(ويَخْتانُونَ) مَعَ أنَّ الخائِنَ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ هو ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَهُ وكُلَ مَن خانَ خِيانَتَهُ، كَما أنَّهُ إنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ ورُكُوبِ المَآثِمِ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ، كَما أسْلَفْنا.
قِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّها لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ؛ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يَسْتَتِرُونَ؛ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: وهو عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ - أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ الحَلِفَ الكاذِبَ ورَمِيَ البَرِيءِ وشَهادَةَ الزُّورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٠٩] الآيَةَ، المُجادَلَةُ: أشَدُّ المُخاصَمَةِ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنِ السّارِقِ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ؟!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآياتِ: وُجُوبُ الحُكْمِ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ ولا مَيْلٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَصُّبِ والمُجادَلَةِ عَنْ كُلِّ خائِنٍ وعاصٍ، ويَدُلُّ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الجَدَلِ بِالَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم عَلى إباحَةِ المُجادَلَةِ. انْتَهى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.
النساء 4:106
(p-١٥٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [١٠٥].
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] [١٠٦].
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] [١٠٧].
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] [١٠٨].
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] [١٠٩]
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩]
(p-١٥٣١)رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأُظِنَّ (أيِ: اتُّهِمَ) بِها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ.
فانْطَلَقُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ وإنَّ صاحِبَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فاعْذُرْ صاحِبَنا عَلى رُءُوسِ النّاسِ وجادِلْ عَنْهُ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ،» ثُمَّ قالَ تَعالى لِلَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ يُجادِلُونَ عَنِ الخائِنِينَ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ، يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يَعْنِي السّارِقَ والَّذِينَ جادَلُوا عَنِ السّارِقِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ ذَكَرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم (فِي هَذِهِ الآيَةِ) أنَّها نَزَلَتْ في سارِقِ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى اخْتِلافِ سِياقاتِهِمْ، وهي مُتَقارِبَةٌ.
وقَدْ رَوى هَذِهِ القِصَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ مُطَوَّلَةً، ورَواها عَنْهُ مِن طَرِيقِهِ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ" في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (p-١٥٣٢)«كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ (قالَ أبُو ذَرٍّ الخُشَنِيُّ: بَشِيرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، كَذا وقَعَ هُنا: بَشِيرٌ بِفَتْحِ الباءِ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما هو بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ) ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا، وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ لِبَعْضِ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، أوْ قالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا الخَبِيثُ، فَقالَ:
؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا وقالُوا: ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها!
قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ فاقَةٍ وحاجَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ بِالدَّرْمَكِ - ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ: دِرْعانِ وسَيْفانِ وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا.
(p-١٥٣٣)قالَ: فَتَحَسَّسْتُ في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى - فِيما نَراهُ - إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم.
قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ! ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ عَمِّي: يا ابْنَ أخِي! لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ.
قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْظُرُ في ذَلِكَ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا - أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ - يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ في غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ - ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ - تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ؟ قالَ: فَرَجَعْتُ، ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي (p-١٥٣٤)ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتَيْتُ عَمِّي رِفاعَةَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي أُبَيْرِقٍ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: إنَّهم إنْ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] قَوْلُهم لِلَبِيدِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرًا وأصْحابَهُ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ.
قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ، وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ، قالَ: يا ابْنَ أخِي! هو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ صَحِيحًا.
(p-١٥٣٥)فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]
فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ، رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ في الأبْطَحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانٍ، ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ.
ورَوى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، بِبَعْضِهِ، (p-١٥٣٦)ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْفَهانِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ إسْرائِيلَ.
ورَواهُ الحاكِمُ في كِتابِهِ "المُسْتَدْرَكِ" بِسَنَدِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ، أتَمَّ مِنهُ، وفِيهِ الشِّعْرُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخْرِجاهُ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "اللُّبابِ": وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ بِسَنَدِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ - فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدٍ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الآياتِ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١١٥] الآيَةَ، وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ». انْتَهى.
وأمّا إيضاحُ ألْفاظِ الآياتِ وثَمَراتِها فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأعْلَمَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ العِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ المُبَرَّأ عَنْ جِهاتِ الرَّيْبِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والظُّهُورِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ ﷺ ولَكِنْ لِيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ.
قُلْتُ: رَوى هَذا الأثَرَ البَيْهَقِيُّ في "المَدْخَلِ" وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ الفُرْسِ: في هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ الرَّأْيِ والقِياسِ، وتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَهُ (p-١٥٣٧)ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والرَّأْيَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما رَأيْتَ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: وقالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الوَحْيَ والِاجْتِهادَ مَعًا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: احْتَجَّ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ الأُصُولِ إلى أنَّهُ كانَ ﷺ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ألا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما أقْضِي بِنَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ، ولَعَلَّ أحَدَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها» .
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْها أيْضًا بِلَفْظِ: «جاءَ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ يَخْتَصِمانِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَوارِيثَ بَيْنَهُما قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ (أوْ قَدْ قالَ: لِحُجَّتِهِ) مِن بَعْضٍ، فَإنِّي أقْضِي بَيْنَكم عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ، يَأْتِي بِها إسْطامًا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَبَكى الرَّجُلانِ وقالَ كُلٌّ مِنهُما: حَقِّي لِأخِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما إذْ قُلْتُما، فاذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ بَيْنَكُما، ثُمَّ اسْتَهِما، ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ» .
وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ وزادَ: «إنِّي إنَّما أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي، فِيما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ» انْتَهى.
(p-١٥٣٨)قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن أجازَ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ الحُكْمَ إلى الِاجْتِهادِ، ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَيْفَ يَجْتَهِدُ؟! انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، وهم طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ مِن قَوْمِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، كَما تَقَدَّمَ مُفَسَّرًا.
قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى جَوازَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقالُوا: لَوْ لَمْ يَقَعْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ذَنْبٌ لَما أُمِرَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في "الشِّفا": إنَّ تَصَرُّفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأُمُورٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْها ولا أُمِرُوا بِها، ثُمَّ عُوتِبُوا بِسَبَبِها، أوْ أتَوْها عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ - إنَّما هي ذُنُوبٌ بِالإضافَةِ إلى عَلِيِّ مَنصِبِهِمْ وإلى كَمالِ طاعَتِهِمْ، لا أنَّها كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وأطالَ في هَذا المَقامِ وأطابَ.
ثُمَّ قالَ: وأيْضًا، فَإنَّ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ مَعْنًى آخَرَ لَطِيفًا أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو اسْتِدْعاءُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٢] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، كَما جُعِلَتْ ظُلْمًا لَها لِرُجُوعِ ضَرَرِها إلَيْهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا شَدِيدًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مالَ طَبْعُهُ قَلِيلًا إلى جانِبِ طُعْمَةَ - وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ طُعْمَةَ كانَ فاسِقًا - فاللَّهُ تَعالى عاتَبَ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِن إعانَةِ المُذْنِبِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَعْلَمُ مِنَ الظّالِمِ كَوْنَهُ ظالِمًا، ثُمَّ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ الظُّلْمِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ويُرَغِّبُهُ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ؟! اهـ.
وإنَّما قِيلَ: لِلْخائِنِينَ (p-١٥٣٩)(ويَخْتانُونَ) مَعَ أنَّ الخائِنَ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ هو ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَهُ وكُلَ مَن خانَ خِيانَتَهُ، كَما أنَّهُ إنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ ورُكُوبِ المَآثِمِ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ، كَما أسْلَفْنا.
قِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّها لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ؛ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يَسْتَتِرُونَ؛ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: وهو عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ - أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ الحَلِفَ الكاذِبَ ورَمِيَ البَرِيءِ وشَهادَةَ الزُّورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٠٩] الآيَةَ، المُجادَلَةُ: أشَدُّ المُخاصَمَةِ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنِ السّارِقِ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ؟!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآياتِ: وُجُوبُ الحُكْمِ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ ولا مَيْلٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَصُّبِ والمُجادَلَةِ عَنْ كُلِّ خائِنٍ وعاصٍ، ويَدُلُّ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الجَدَلِ بِالَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم عَلى إباحَةِ المُجادَلَةِ. انْتَهى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.
النساء 4:107
(p-١٥٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [١٠٥].
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] [١٠٦].
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] [١٠٧].
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] [١٠٨].
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] [١٠٩]
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩]
(p-١٥٣١)رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأُظِنَّ (أيِ: اتُّهِمَ) بِها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ.
فانْطَلَقُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ وإنَّ صاحِبَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فاعْذُرْ صاحِبَنا عَلى رُءُوسِ النّاسِ وجادِلْ عَنْهُ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ،» ثُمَّ قالَ تَعالى لِلَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ يُجادِلُونَ عَنِ الخائِنِينَ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ، يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يَعْنِي السّارِقَ والَّذِينَ جادَلُوا عَنِ السّارِقِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ ذَكَرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم (فِي هَذِهِ الآيَةِ) أنَّها نَزَلَتْ في سارِقِ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى اخْتِلافِ سِياقاتِهِمْ، وهي مُتَقارِبَةٌ.
وقَدْ رَوى هَذِهِ القِصَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ مُطَوَّلَةً، ورَواها عَنْهُ مِن طَرِيقِهِ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ" في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (p-١٥٣٢)«كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ (قالَ أبُو ذَرٍّ الخُشَنِيُّ: بَشِيرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، كَذا وقَعَ هُنا: بَشِيرٌ بِفَتْحِ الباءِ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما هو بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ) ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا، وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ لِبَعْضِ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، أوْ قالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا الخَبِيثُ، فَقالَ:
؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا وقالُوا: ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها!
قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ فاقَةٍ وحاجَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ بِالدَّرْمَكِ - ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ: دِرْعانِ وسَيْفانِ وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا.
(p-١٥٣٣)قالَ: فَتَحَسَّسْتُ في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى - فِيما نَراهُ - إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم.
قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ! ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ عَمِّي: يا ابْنَ أخِي! لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ.
قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْظُرُ في ذَلِكَ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا - أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ - يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ في غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ - ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ - تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ؟ قالَ: فَرَجَعْتُ، ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي (p-١٥٣٤)ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتَيْتُ عَمِّي رِفاعَةَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي أُبَيْرِقٍ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: إنَّهم إنْ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] قَوْلُهم لِلَبِيدِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرًا وأصْحابَهُ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ.
قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ، وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ، قالَ: يا ابْنَ أخِي! هو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ صَحِيحًا.
(p-١٥٣٥)فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]
فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ، رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ في الأبْطَحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانٍ، ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ.
ورَوى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، بِبَعْضِهِ، (p-١٥٣٦)ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْفَهانِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ إسْرائِيلَ.
ورَواهُ الحاكِمُ في كِتابِهِ "المُسْتَدْرَكِ" بِسَنَدِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ، أتَمَّ مِنهُ، وفِيهِ الشِّعْرُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخْرِجاهُ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "اللُّبابِ": وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ بِسَنَدِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ - فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدٍ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الآياتِ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١١٥] الآيَةَ، وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ». انْتَهى.
وأمّا إيضاحُ ألْفاظِ الآياتِ وثَمَراتِها فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأعْلَمَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ العِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ المُبَرَّأ عَنْ جِهاتِ الرَّيْبِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والظُّهُورِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ ﷺ ولَكِنْ لِيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ.
قُلْتُ: رَوى هَذا الأثَرَ البَيْهَقِيُّ في "المَدْخَلِ" وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ الفُرْسِ: في هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ الرَّأْيِ والقِياسِ، وتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَهُ (p-١٥٣٧)ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والرَّأْيَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما رَأيْتَ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: وقالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الوَحْيَ والِاجْتِهادَ مَعًا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: احْتَجَّ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ الأُصُولِ إلى أنَّهُ كانَ ﷺ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ألا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما أقْضِي بِنَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ، ولَعَلَّ أحَدَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها» .
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْها أيْضًا بِلَفْظِ: «جاءَ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ يَخْتَصِمانِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَوارِيثَ بَيْنَهُما قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ (أوْ قَدْ قالَ: لِحُجَّتِهِ) مِن بَعْضٍ، فَإنِّي أقْضِي بَيْنَكم عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ، يَأْتِي بِها إسْطامًا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَبَكى الرَّجُلانِ وقالَ كُلٌّ مِنهُما: حَقِّي لِأخِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما إذْ قُلْتُما، فاذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ بَيْنَكُما، ثُمَّ اسْتَهِما، ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ» .
وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ وزادَ: «إنِّي إنَّما أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي، فِيما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ» انْتَهى.
(p-١٥٣٨)قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن أجازَ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ الحُكْمَ إلى الِاجْتِهادِ، ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَيْفَ يَجْتَهِدُ؟! انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، وهم طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ مِن قَوْمِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، كَما تَقَدَّمَ مُفَسَّرًا.
قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى جَوازَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقالُوا: لَوْ لَمْ يَقَعْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ذَنْبٌ لَما أُمِرَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في "الشِّفا": إنَّ تَصَرُّفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأُمُورٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْها ولا أُمِرُوا بِها، ثُمَّ عُوتِبُوا بِسَبَبِها، أوْ أتَوْها عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ - إنَّما هي ذُنُوبٌ بِالإضافَةِ إلى عَلِيِّ مَنصِبِهِمْ وإلى كَمالِ طاعَتِهِمْ، لا أنَّها كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وأطالَ في هَذا المَقامِ وأطابَ.
ثُمَّ قالَ: وأيْضًا، فَإنَّ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ مَعْنًى آخَرَ لَطِيفًا أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو اسْتِدْعاءُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٢] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، كَما جُعِلَتْ ظُلْمًا لَها لِرُجُوعِ ضَرَرِها إلَيْهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا شَدِيدًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مالَ طَبْعُهُ قَلِيلًا إلى جانِبِ طُعْمَةَ - وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ طُعْمَةَ كانَ فاسِقًا - فاللَّهُ تَعالى عاتَبَ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِن إعانَةِ المُذْنِبِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَعْلَمُ مِنَ الظّالِمِ كَوْنَهُ ظالِمًا، ثُمَّ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ الظُّلْمِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ويُرَغِّبُهُ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ؟! اهـ.
وإنَّما قِيلَ: لِلْخائِنِينَ (p-١٥٣٩)(ويَخْتانُونَ) مَعَ أنَّ الخائِنَ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ هو ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَهُ وكُلَ مَن خانَ خِيانَتَهُ، كَما أنَّهُ إنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ ورُكُوبِ المَآثِمِ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ، كَما أسْلَفْنا.
قِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّها لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ؛ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يَسْتَتِرُونَ؛ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: وهو عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ - أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ الحَلِفَ الكاذِبَ ورَمِيَ البَرِيءِ وشَهادَةَ الزُّورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٠٩] الآيَةَ، المُجادَلَةُ: أشَدُّ المُخاصَمَةِ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنِ السّارِقِ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ؟!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآياتِ: وُجُوبُ الحُكْمِ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ ولا مَيْلٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَصُّبِ والمُجادَلَةِ عَنْ كُلِّ خائِنٍ وعاصٍ، ويَدُلُّ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الجَدَلِ بِالَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم عَلى إباحَةِ المُجادَلَةِ. انْتَهى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.
النساء 4:108
(p-١٥٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [١٠٥].
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] [١٠٦].
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] [١٠٧].
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] [١٠٨].
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] [١٠٩]
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩]
(p-١٥٣١)رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأُظِنَّ (أيِ: اتُّهِمَ) بِها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ.
فانْطَلَقُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ وإنَّ صاحِبَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فاعْذُرْ صاحِبَنا عَلى رُءُوسِ النّاسِ وجادِلْ عَنْهُ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ،» ثُمَّ قالَ تَعالى لِلَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ يُجادِلُونَ عَنِ الخائِنِينَ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ، يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يَعْنِي السّارِقَ والَّذِينَ جادَلُوا عَنِ السّارِقِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ ذَكَرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم (فِي هَذِهِ الآيَةِ) أنَّها نَزَلَتْ في سارِقِ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى اخْتِلافِ سِياقاتِهِمْ، وهي مُتَقارِبَةٌ.
وقَدْ رَوى هَذِهِ القِصَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ مُطَوَّلَةً، ورَواها عَنْهُ مِن طَرِيقِهِ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ" في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (p-١٥٣٢)«كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ (قالَ أبُو ذَرٍّ الخُشَنِيُّ: بَشِيرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، كَذا وقَعَ هُنا: بَشِيرٌ بِفَتْحِ الباءِ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما هو بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ) ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا، وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ لِبَعْضِ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، أوْ قالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا الخَبِيثُ، فَقالَ:
؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا وقالُوا: ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها!
قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ فاقَةٍ وحاجَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ بِالدَّرْمَكِ - ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ: دِرْعانِ وسَيْفانِ وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا.
(p-١٥٣٣)قالَ: فَتَحَسَّسْتُ في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى - فِيما نَراهُ - إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم.
قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ! ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ عَمِّي: يا ابْنَ أخِي! لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ.
قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْظُرُ في ذَلِكَ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا - أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ - يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ في غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ - ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ - تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ؟ قالَ: فَرَجَعْتُ، ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي (p-١٥٣٤)ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتَيْتُ عَمِّي رِفاعَةَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي أُبَيْرِقٍ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: إنَّهم إنْ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] قَوْلُهم لِلَبِيدِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرًا وأصْحابَهُ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ.
قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ، وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ، قالَ: يا ابْنَ أخِي! هو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ صَحِيحًا.
(p-١٥٣٥)فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]
فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ، رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ في الأبْطَحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانٍ، ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ.
ورَوى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، بِبَعْضِهِ، (p-١٥٣٦)ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْفَهانِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ إسْرائِيلَ.
ورَواهُ الحاكِمُ في كِتابِهِ "المُسْتَدْرَكِ" بِسَنَدِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ، أتَمَّ مِنهُ، وفِيهِ الشِّعْرُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخْرِجاهُ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "اللُّبابِ": وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ بِسَنَدِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ - فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدٍ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الآياتِ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١١٥] الآيَةَ، وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ». انْتَهى.
وأمّا إيضاحُ ألْفاظِ الآياتِ وثَمَراتِها فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأعْلَمَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ العِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ المُبَرَّأ عَنْ جِهاتِ الرَّيْبِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والظُّهُورِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ ﷺ ولَكِنْ لِيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ.
قُلْتُ: رَوى هَذا الأثَرَ البَيْهَقِيُّ في "المَدْخَلِ" وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ الفُرْسِ: في هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ الرَّأْيِ والقِياسِ، وتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَهُ (p-١٥٣٧)ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والرَّأْيَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما رَأيْتَ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: وقالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الوَحْيَ والِاجْتِهادَ مَعًا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: احْتَجَّ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ الأُصُولِ إلى أنَّهُ كانَ ﷺ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ألا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما أقْضِي بِنَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ، ولَعَلَّ أحَدَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها» .
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْها أيْضًا بِلَفْظِ: «جاءَ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ يَخْتَصِمانِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَوارِيثَ بَيْنَهُما قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ (أوْ قَدْ قالَ: لِحُجَّتِهِ) مِن بَعْضٍ، فَإنِّي أقْضِي بَيْنَكم عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ، يَأْتِي بِها إسْطامًا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَبَكى الرَّجُلانِ وقالَ كُلٌّ مِنهُما: حَقِّي لِأخِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما إذْ قُلْتُما، فاذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ بَيْنَكُما، ثُمَّ اسْتَهِما، ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ» .
وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ وزادَ: «إنِّي إنَّما أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي، فِيما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ» انْتَهى.
(p-١٥٣٨)قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن أجازَ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ الحُكْمَ إلى الِاجْتِهادِ، ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَيْفَ يَجْتَهِدُ؟! انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، وهم طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ مِن قَوْمِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، كَما تَقَدَّمَ مُفَسَّرًا.
قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى جَوازَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقالُوا: لَوْ لَمْ يَقَعْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ذَنْبٌ لَما أُمِرَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في "الشِّفا": إنَّ تَصَرُّفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأُمُورٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْها ولا أُمِرُوا بِها، ثُمَّ عُوتِبُوا بِسَبَبِها، أوْ أتَوْها عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ - إنَّما هي ذُنُوبٌ بِالإضافَةِ إلى عَلِيِّ مَنصِبِهِمْ وإلى كَمالِ طاعَتِهِمْ، لا أنَّها كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وأطالَ في هَذا المَقامِ وأطابَ.
ثُمَّ قالَ: وأيْضًا، فَإنَّ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ مَعْنًى آخَرَ لَطِيفًا أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو اسْتِدْعاءُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٢] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، كَما جُعِلَتْ ظُلْمًا لَها لِرُجُوعِ ضَرَرِها إلَيْهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا شَدِيدًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مالَ طَبْعُهُ قَلِيلًا إلى جانِبِ طُعْمَةَ - وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ طُعْمَةَ كانَ فاسِقًا - فاللَّهُ تَعالى عاتَبَ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِن إعانَةِ المُذْنِبِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَعْلَمُ مِنَ الظّالِمِ كَوْنَهُ ظالِمًا، ثُمَّ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ الظُّلْمِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ويُرَغِّبُهُ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ؟! اهـ.
وإنَّما قِيلَ: لِلْخائِنِينَ (p-١٥٣٩)(ويَخْتانُونَ) مَعَ أنَّ الخائِنَ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ هو ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَهُ وكُلَ مَن خانَ خِيانَتَهُ، كَما أنَّهُ إنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ ورُكُوبِ المَآثِمِ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ، كَما أسْلَفْنا.
قِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّها لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ؛ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يَسْتَتِرُونَ؛ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: وهو عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ - أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ الحَلِفَ الكاذِبَ ورَمِيَ البَرِيءِ وشَهادَةَ الزُّورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٠٩] الآيَةَ، المُجادَلَةُ: أشَدُّ المُخاصَمَةِ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنِ السّارِقِ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ؟!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآياتِ: وُجُوبُ الحُكْمِ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ ولا مَيْلٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَصُّبِ والمُجادَلَةِ عَنْ كُلِّ خائِنٍ وعاصٍ، ويَدُلُّ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الجَدَلِ بِالَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم عَلى إباحَةِ المُجادَلَةِ. انْتَهى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.
النساء 4:109
(p-١٥٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [١٠٥].
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] [١٠٦].
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] [١٠٧].
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] [١٠٨].
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] [١٠٩]
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩]
(p-١٥٣١)رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأُظِنَّ (أيِ: اتُّهِمَ) بِها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ.
فانْطَلَقُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ وإنَّ صاحِبَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فاعْذُرْ صاحِبَنا عَلى رُءُوسِ النّاسِ وجادِلْ عَنْهُ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ،» ثُمَّ قالَ تَعالى لِلَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ يُجادِلُونَ عَنِ الخائِنِينَ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ، يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يَعْنِي السّارِقَ والَّذِينَ جادَلُوا عَنِ السّارِقِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ ذَكَرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم (فِي هَذِهِ الآيَةِ) أنَّها نَزَلَتْ في سارِقِ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى اخْتِلافِ سِياقاتِهِمْ، وهي مُتَقارِبَةٌ.
وقَدْ رَوى هَذِهِ القِصَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ مُطَوَّلَةً، ورَواها عَنْهُ مِن طَرِيقِهِ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ" في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (p-١٥٣٢)«كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ (قالَ أبُو ذَرٍّ الخُشَنِيُّ: بَشِيرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، كَذا وقَعَ هُنا: بَشِيرٌ بِفَتْحِ الباءِ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما هو بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ) ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا، وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ لِبَعْضِ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، أوْ قالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا الخَبِيثُ، فَقالَ:
؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا وقالُوا: ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها!
قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ فاقَةٍ وحاجَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ بِالدَّرْمَكِ - ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ: دِرْعانِ وسَيْفانِ وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا.
(p-١٥٣٣)قالَ: فَتَحَسَّسْتُ في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى - فِيما نَراهُ - إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم.
قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ! ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ عَمِّي: يا ابْنَ أخِي! لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ.
قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْظُرُ في ذَلِكَ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا - أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ - يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ في غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ - ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ - تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ؟ قالَ: فَرَجَعْتُ، ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي (p-١٥٣٤)ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتَيْتُ عَمِّي رِفاعَةَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي أُبَيْرِقٍ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: إنَّهم إنْ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] قَوْلُهم لِلَبِيدِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرًا وأصْحابَهُ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ.
قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ، وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ، قالَ: يا ابْنَ أخِي! هو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ صَحِيحًا.
(p-١٥٣٥)فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]
فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ، رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ في الأبْطَحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانٍ، ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ.
ورَوى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، بِبَعْضِهِ، (p-١٥٣٦)ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْفَهانِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ إسْرائِيلَ.
ورَواهُ الحاكِمُ في كِتابِهِ "المُسْتَدْرَكِ" بِسَنَدِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ، أتَمَّ مِنهُ، وفِيهِ الشِّعْرُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخْرِجاهُ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "اللُّبابِ": وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ بِسَنَدِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ - فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدٍ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الآياتِ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١١٥] الآيَةَ، وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ». انْتَهى.
وأمّا إيضاحُ ألْفاظِ الآياتِ وثَمَراتِها فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأعْلَمَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ العِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ المُبَرَّأ عَنْ جِهاتِ الرَّيْبِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والظُّهُورِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ ﷺ ولَكِنْ لِيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ.
قُلْتُ: رَوى هَذا الأثَرَ البَيْهَقِيُّ في "المَدْخَلِ" وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ الفُرْسِ: في هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ الرَّأْيِ والقِياسِ، وتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَهُ (p-١٥٣٧)ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والرَّأْيَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما رَأيْتَ.
ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: وقالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الوَحْيَ والِاجْتِهادَ مَعًا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: احْتَجَّ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ الأُصُولِ إلى أنَّهُ كانَ ﷺ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ألا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما أقْضِي بِنَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ، ولَعَلَّ أحَدَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها» .
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْها أيْضًا بِلَفْظِ: «جاءَ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ يَخْتَصِمانِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَوارِيثَ بَيْنَهُما قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ (أوْ قَدْ قالَ: لِحُجَّتِهِ) مِن بَعْضٍ، فَإنِّي أقْضِي بَيْنَكم عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ، يَأْتِي بِها إسْطامًا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَبَكى الرَّجُلانِ وقالَ كُلٌّ مِنهُما: حَقِّي لِأخِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما إذْ قُلْتُما، فاذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ بَيْنَكُما، ثُمَّ اسْتَهِما، ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ» .
وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ وزادَ: «إنِّي إنَّما أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي، فِيما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ» انْتَهى.
(p-١٥٣٨)قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن أجازَ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ الحُكْمَ إلى الِاجْتِهادِ، ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَيْفَ يَجْتَهِدُ؟! انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، وهم طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ مِن قَوْمِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، كَما تَقَدَّمَ مُفَسَّرًا.
قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى جَوازَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقالُوا: لَوْ لَمْ يَقَعْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ذَنْبٌ لَما أُمِرَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في "الشِّفا": إنَّ تَصَرُّفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأُمُورٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْها ولا أُمِرُوا بِها، ثُمَّ عُوتِبُوا بِسَبَبِها، أوْ أتَوْها عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ - إنَّما هي ذُنُوبٌ بِالإضافَةِ إلى عَلِيِّ مَنصِبِهِمْ وإلى كَمالِ طاعَتِهِمْ، لا أنَّها كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وأطالَ في هَذا المَقامِ وأطابَ.
ثُمَّ قالَ: وأيْضًا، فَإنَّ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ مَعْنًى آخَرَ لَطِيفًا أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو اسْتِدْعاءُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٢] انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، كَما جُعِلَتْ ظُلْمًا لَها لِرُجُوعِ ضَرَرِها إلَيْهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا شَدِيدًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مالَ طَبْعُهُ قَلِيلًا إلى جانِبِ طُعْمَةَ - وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ طُعْمَةَ كانَ فاسِقًا - فاللَّهُ تَعالى عاتَبَ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِن إعانَةِ المُذْنِبِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَعْلَمُ مِنَ الظّالِمِ كَوْنَهُ ظالِمًا، ثُمَّ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ الظُّلْمِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ويُرَغِّبُهُ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ؟! اهـ.
وإنَّما قِيلَ: لِلْخائِنِينَ (p-١٥٣٩)(ويَخْتانُونَ) مَعَ أنَّ الخائِنَ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ هو ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَهُ وكُلَ مَن خانَ خِيانَتَهُ، كَما أنَّهُ إنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ ورُكُوبِ المَآثِمِ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ، كَما أسْلَفْنا.
قِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّها لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ؛ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يَسْتَتِرُونَ؛ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: وهو عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ - أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ الحَلِفَ الكاذِبَ ورَمِيَ البَرِيءِ وشَهادَةَ الزُّورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٠٩] الآيَةَ، المُجادَلَةُ: أشَدُّ المُخاصَمَةِ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنِ السّارِقِ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ؟!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ.
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآياتِ: وُجُوبُ الحُكْمِ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ ولا مَيْلٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَصُّبِ والمُجادَلَةِ عَنْ كُلِّ خائِنٍ وعاصٍ، ويَدُلُّ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الجَدَلِ بِالَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم عَلى إباحَةِ المُجادَلَةِ. انْتَهى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.
النساء 4:110
(p-١٥٤٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١١٠]
﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أيْ: قَبِيحًا مُتَعَدِّيًا، يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ، كَما في القِصَّةِ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ فَيَخُصُّها بِالمَعْصِيَةِ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لِذُنُوبِهِ كائِنَةً ما كانَتْ ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ: مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ لِطُعْمَةَ وقَوْمِهِ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ؛ لِما أنَّ مُشاهَدَةَ التّائِبِ لِآثارِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ نِعْمَةٌ زائِدَةٌ.
النساء 4:111
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١١١]
﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَلْيَتَحَرَّزْ عَنْ تَعْرِيضِها لِلْعِقابِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
النساء 4:112
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [١١٢]
﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ الخَطِيئَةُ الذَّنْبُ، أوْ ما تُعِمَّدَ مِنهُ، والإثْمُ الذَّنْبُ أيْضًا، وأنْ يَعْمَلَ ما لا يَحِلُّ لَهُ، كَذا في "القامُوسِ".
قالَ الرّاغِبُ: الإثْمُ أعَمُّ مِنَ العُدْوانِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو فِعْلٌ مُبَطِّئٌ عَنِ الثَّوابِ.
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ﴿بَرِيئًا﴾ أيْ: مِمّا رَماهُ بِهِ، كَما اتَّهَمَ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِصَنِيعِهِمُ القَبِيحِ ذَلِكَ الرَّجُلَ الصّالِحَ، وهو لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ - كَما تَقَدَّمَ - وقَدْ كانَ بَرِيئًا ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يُبْهَتُ مِنهُ ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا فاحِشًا؛ لِأنَّهُ بِكَسْبِ الإثْمِ آثِمٌ، وبِرَمْيِ البَرِيءِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
النساء 4:113
(p-١٥٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [١١٣]
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ بِإعْلامِكَ ما هم عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وتَنْبِيهِكَ عَلى الحَقِّ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ بِرَمْيِ البَرِيءِ والمُجادَلَةِ عَنِ الخائِنِينَ، يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، يَعْنِي بِذَلِكَ لَمّا أثْنَوْا عَلى بَنِي أُبَيْرِقٍ ولامُوا قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ في كَوْنِهِ اتَّهَمَهم وهم صُلَحاءُ بُرَآءُ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَما أنْهَوْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ.
﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِأنَّ وبالَهُ عَلَيْهِمْ ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّكَ إنَّما عَمِلْتَ بِظاهِرِ الحالِ، وما كانَ يَخْطُرُ بِبالِكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
ولَمّا أنْزَلَ تَعالى فَصْلَ القَضِيَّةِ وجَلّاها لِرَسُولِهِ ﷺ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِتَأْيِيدِهِ إيّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ: القُرْآنَ والسُّنَّةَ ﴿وعَلَّمَكَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ والشَّرائِعِ ﴿ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أيْ: قَبْلَ نُزُولِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ [الشورى: ٥٢] [الشُّورى: مِنَ الآيَةِ ٥٢] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] [القَصَصِ: ٨٦] ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ أيْ: فِيما عَلَّمَكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ.
قالَ الرّازِيُّ: هَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيهِ حِينَ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
النساء 4:114
(p-١٥٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١١٤]
﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ أيْ: مُسارَرَتِهِمْ، والسِّياقُ - وإنْ دَلَّ عَلى مُناجاةِ بَعْضِ قَوْمِ ذَلِكَ السّارِقِ مَعَ بَعْضٍ - إلّا أنَّها في المَعْنى عامَّةٌ، والمُرادُ: لا خَيْرَ فِيما يَتَناجى فِيهِ النّاسُ ويَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الحَدِيثِ، ثُمَّ اسْتَثْنى النَّجْوى في أعْمالِ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ - بِخُفْيَةٍ عَنِ الحاضِرِينَ - بِصَدَقَةٍ لِيُعْطِيَها سِرًّا، يَسْتُرُ بِهِ عارَ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.
﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِطاعَةِ اللَّهِ - وأعْمالُ البِرِّ كُلُّها مَعْرُوفٌ - وسِرُّ التَّناجِي فِيهِ أنْ لا يَأْنَفَ المَأْمُورُ عَنْ قَبُولِهِ لَوْ جَهَرَ بِهِ.
﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الإصْلاحَ بَيْنَ المُتَبايِنَيْنِ المُتَخاصِمَيْنِ لِيَتَراجَعا إلى ما كانا فِيهِ مِنَ الأُلْفَةِ والِاجْتِماعِ، عَلى ما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ وأمَرَ بِهِ، وسِرُّ النَّجْوى فِيهِ أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أوَّلًا رُبَّما لَمْ يَتِمَّ.
قالَ المَهايِمِيُّ: قِيلَ في الحَصْرِ: الخَيْرُ إمّا نَفْعٌ جُسْمانِيٌّ وهو في الأمْرِ بِالصَّدَقَةِ، أوْ رُوحانِيٌّ وهو في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وإمّا دَفْعٌ وهو في الإصْلاحِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الخَيْرُ إمّا نَفْعٌ مُتَعَدٍّ مِنَ المَأْمُورِ وهو الصَّدَقَةُ، أوْ لازِمٌ لَهُ وهو المَعْرُوفُ، أوْ دَفْعُ ضَرَرٍ مُتَعَدٍّ أوْ لازِمٍ لَهُ وهو الإصْلاحُ، وإنَّما تَتِمُّ خَيْرِيَّتُها إذا ابْتُغِيَ بِها رِضاءُ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ﴾ أيْ: طَلَبَ ﴿مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ يُساوِي أجْرَ الفاعِلِ أوْ يَفُوقُهُ.
وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى /التَّرْغِيبِ في الصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ أكَّدَ تَعالى التَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ وأنَّ النِّيَّةَ فِيها شَرْطٌ لِنَيْلِ الثَّوابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٥٤٣)﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ وعَلى أنَّ كَلامَ الإنْسانِ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ما كانَ في هَذا ونَحْوِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدِهِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قالَ: دَخَلْنا عَلى سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ نَعُودُهُ فَدَخَلَ عَلَيْنا سَعِيدُ بْنُ حَسّانَ، فَقالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ: الحَدِيثُ الَّذِي كُنْتَ حَدَّثْتَنِيهِ عَنْ أُمِّ صالِحٍ ارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ صالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ.
فَقالَ سُفْيانُ: أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ في كِتابِهِ يَقُولُ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] [النَّبَأِ: ٣٨] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] إلَخْ [العَصْرِ: ١ - ٢] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ ابْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسّانَ بِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ أقْوالَ الثَّوْرِيِّ إلى آخِرِها.
ثُمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ خُنَيْسٍ. قُلْتُ: هو مَقْبُولٌ - كَما في "التَّقْرِيبِ" لِابْنِ حَجَرٍ - فَحُسِّنَ حَدِيثُهُ.
(p-١٥٤٤)ورَوى الجَماعَةُ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ فَيُنْمِي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا» .
وقالَتْ: لَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ النّاسُ إلّا في ثَلاثٍ: في الحَرْبِ، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، وحَدِيثِ المَرْأةِ زَوْجَها.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ.
قالَ: وفَسادُ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
النساء 4:115
(p-١٥٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [١١٥]
﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أيْ: يُخالِفُهُ ويُعادِيهِ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أيِ: اتَّضَحَ لَهُ الحَقُّ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ، وهو الدِّينُ القَيِّمُ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَجْعَلُهُ والِيًا مُرَجِّحًا ما تَوَلّاهُ مِنَ المَشاقَّةِ ومُتابَعَةِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ فَنُزَيِّنُهُ لَهُ تَزَيُّنَ الكُفْرِ عَلى الكَفَرَةِ؛ اسْتِدْراجًا لَهُ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] [القَلَمِ: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] [الصَّفِّ: ٥] وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] [الأنْعامِ: ١١٠].
﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: نُدْخِلْهُ إيّاها ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ وجَعَلَ النّارَ مَصِيرَهُ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ مَن خَرَجَ عَنِ الهُدى لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلّا النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] [سُورَةِ الصّافّاتِ: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] [الكَهْفِ: ٥٣].
(p-١٥٤٦)قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُلازِمٌ لِلصِّفَةِ الأُولى، ولَكِنْ قَدْ تَكُونُ المُخالَفَةُ لِنَصِّ الشّارِعِ، وقَدْ تَكُونُ لِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فِيما عُلِمَ اتِّفاقُهم عَلَيْهِ تَحْقِيقًا، فَإنَّهُ قَدْ ضُمِنَتْ لَهُمُ العِصْمَةُ في اجْتِماعِهِمْ مِنَ الخَطَأِ؛ تَشْرِيفًا لَهم وتَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِمْ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في ذَلِكَ، ومِنَ العُلَماءِ مَنِ ادَّعى تَواتُرَ مَعْناها، والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الِاحْتِجاجِ عَلى كَوْنِ الإجْماعِ حُجَّةً تَحْرُمُ مُخالَفَتُهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، بَعْدَ التَّرَوِّي والفِكْرِ الطَّوِيلِ، وهو مِن أحْسَنِ الِاسْتِنْباطاتِ وأقْواها، وإنْ كانَ بَعْضُهم قَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ فاسْتَبْعَدَ الدَّلالَةَ مِنها عَلى ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ ﷺ كَبِيرَةٌ، وقَدْ تَبْلُغُ إلى الكُفْرِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ الجَهْلَ عُذْرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ ودَلَّتْ عَلى أنَّ مُخالَفَةَ الإجْماعِ كَبِيرَةٌ، وأنَّهُ دَلِيلٌ كالكِتابِ والسُّنَّةِ، لَكِنْ إنَّما يَكُونُ كَبِيرَةً إذا كانَ نَقْلُهُ قَطْعِيًّا لا أُحادِيًّا. انْتَهى.
وقالَ المُهايِمِيُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى حُرْمَةِ مُخالَفَةِ الإجْماعِ؛ لِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَتَّبَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى مُشاقَّةِ الرَّسُولِ ومُخالَفَةِ الإجْماعِ، فَهو إمّا لِحُرْمَةِ أحَدِهِما وهو باطِلٌ؛ إذْ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ وأكَلَ الخُبْزَ اسْتَوْجَبَ الحَدَّ، إذْ لا دَخْلَ لِأكْلِ الخُبْزِ فِيهِ، أوْ لِحُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما وهو أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ حَرامٌ وإنْ لَمْ يُضَمَّ إلَيْها غَيْرُها، أوْ لِحُرْمَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو المَطْلُوبُ. انْتَهى.
ونَقَلَ الخَفاجِيُّ قِصَّةَ اسْتِدْلالِ الشّافِعِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الإمامِ المُزَنِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ يَوْمًا فَجاءَهُ شَيْخٌ عَلَيْهِ لِباسُ صُوفٍ وبِيَدِهِ عَصًا، فَلَمّا رَآهُ ذا مَهابَةٍ اسْتَوى جالِسًا - وكانَ مُسْتَنِدًا لِأُسْطُوانَةٍ - فاسْتَوى وسَوّى ثِيابَهُ، فَقالَ لَهُ: ما الحُجَّةُ في دِينِ اللَّهِ؟ قالَ: كِتابُهُ. قالَ: وماذا؟ قالَ: سُنَّةُ نَبِيِّهِ. قالَ: وماذا؟ قالَ: اتِّفاقُ الأُمَّةِ. قالَ: مِن أيْنَ هَذا الأخِيرُ؟ أهْوَ في كِتابِ اللَّهِ؟ فَتَدَبَّرَ ساعَةً ساكِتًا، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ: أجَّلْتُكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ، فَإنْ جِئْتَ بِآيَةٍ وإلّا فاعْتَزِلِ النّاسَ.
(p-١٥٤٧)فَمَكَثَ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَخْرُجُ، وخَرَجَ في اليَوْمِ الثّالِثِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَجاءَهُ الشَّيْخُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ وجَلَسَ، وقالَ: حاجَتِي، فَقالَ: نَعَمْ، أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ - إلى آخِرِ الآيَةِ، لَمْ يُصْلِهِ جَهَنَّمَ عَلى خِلافِ المُؤْمِنِينَ إلّا واتِّباعُهم فَرْضٌ، قالَ: صَدَقْتَ، وقامَ وذَهَبَ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قَرَأْتُ القُرْآنَ في يَوْمٍ، وفي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتّى ظَفِرْتُ بِها.
وأوْرَدَ الرّاغِبُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا حُجَّةَ فِيها عَلى ما ذَكَرَهُ بِأنَّ كُلَّ مَوْصُوفٍ عُلِّقَ بِهِ حُكْمٌ فالأمْرُ بِاتِّباعِهِ يَكُونُ في مَأْخَذِ ذَلِكَ الوَصْفِ، فَإذا قِيلَ: اقْتَدِ بِالمُصَلِّي فالمُرادُ في صِلاتِهِ، فَكَذا سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِهِ سَبِيلَهم في الإيمانِ لا غَيْرُ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى اتِّباعِهِمْ في غَيْرِهِ.
ورُدَّ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِما يَأْباهُ الشَّرْطُ الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّهُ إذا كانَ مَأْلُوفُ الصّائِمِينَ الِاعْتِكافَ تَناوَلَ الأمْرُ بِاتِّباعِهِمْ ذَلِكَ أيْضًا، فَكَذَلِكَ يَتَناوَلُ ما هو مُقْتَضى الإيمانِ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَسَبِيلُ المُؤْمِنِينَ - وإنْ فُسِّرَ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ - يَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ، الكُلَّ والبَعْضَ، عَلى أنَّ الجَزاءَ مُرَتَّبٌ عَلى كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الشَّرْطِ، لا عَلى المَجْمُوعِ، لِلْقَطْعِ بِأنَّ مُجَرَّدَ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ كافِيَةٌ في اسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ مَعْنًى، عَلى أنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا يَخْلُو مِنِ اتِّباعِ سَبِيلٍ البَتَّةَ. انْتَهى.
ورَأيْتُ لِلْإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ في كِتابِهِ "الفُرْقانِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ" مَقالَةً بَدِيعَةً في هَذِهِ الآيَةِ والإجْماعِ، أجالَ فِيها جَوادُ قَلَمِهِ وأجادَ، وأطالَ وأطابَ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ما يُسَمِّيهِ ناسٌ الفُرُوعَ والشَّرْعَ والفِقْهَ فَهَذا قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ أحْسَنَ بَيانٍ، فَما بَقِيَ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ أوْ نَهى عَنْهُ أوْ حَلَّلَهُ أوْ حَرَّمَهُ إلّا بَيَّنَ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] [المائِدَةِ: ٣].
(p-١٥٤٨)وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] [يُوسُفَ: ١١١] وقالَ تَعالى: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] [النَّحْلِ: ٨٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] [الشُّورى: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] [التَّوْبَةِ: ١١٥] فَقَدْ بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ ما يَتَّقُونَهُ، كَما قالَ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] [الأنْعامِ: ١١٩] وقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] [النِّساءِ: ٥٩] وهو الرَّدُّ إلى كِتابِ اللَّهِ، (p-١٥٤٩)أوْ إلى سُنَّةِ الرَّسُولِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] شَرْطٌ، والفِعْلُ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ، فَأيُّ شَيْءٍ تَنازَعُوا فِيهِ رُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ بَيانُ اللَّهِ والرَّسُولِ فاصِلًا لِلنِّزاعِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالرَّدِّ إلَيْهِ.
وقَدْ جاءَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَرَكَتْكم عَلى البَيْضاءِ لَيْلُها كَنَهارِها لا يَزِيغُ عَنْها بَعْدِي إلّا هالِكٌ» وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَلامٌ نَحْوُ هَذا.
والحاصِلُ أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ وافِيانِ بِجَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ، وأمّا إجْماعُ الأُمَّةِ فَهو في نَفْسِهِ حَقٌّ، لا تَجْتَمِعُ الأُمَّةُ عَلى ضَلالَةٍ، وكَذَلِكَ القِياسُ الصَّحِيحُ حَقٌّ، فَإنَّ اللَّهَ بَعَثَ رُسُلَهُ بِالعَدْلِ، وأنْزَلَ (p-١٥٥٠)المِيزانَ مَعَ الكِتابِ، والمِيزانُ يَتَضَمَّنُ العَدْلَ وما يُعْرَفُ بِهِ العَدْلُ، وقَدْ فَسَّرُوا إنْزالَ ذَلِكَ بِأنْ أُلْهِمَ العِبادُ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ، واللَّهُ ورَسُولُهُ يُسَوِّي بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ ويُفَرِّقُ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ، وهَذا هو القِياسُ الصَّحِيحُ، وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، وبَيَّنَ بِالقِياسِ الصَّحِيحِ - وهي الأمْثالُ المَضْرُوبَةُ - ما بَيَّنَهُ مِنَ الحَقِّ، لَكِنَّ القِياسَ الصَّحِيحَ يُطابِقُ النَّصَّ، فَإنَّ المِيزانَ يُطابِقُ الكِتابَ، واللَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَحْكُمَ بِالعَدْلِ، فَهو أنْزَلَ الكِتابَ، وإنَّما أنْزَلَ الكِتابَ بِالعَدْلِ، قالَ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] [المائِدَةِ: ٤٩]، ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] [المائِدَةِ: ٤٢].
وأمّا إجْماعُ الأُمَّةِ فَهو حَقٌّ، لا تَجْتَمِعُ الأُمَّةُ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - عَلى ضَلالَةٍ، كَما وصَفَها اللَّهُ بِذَلِكَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] وهَذا وصْفٌ لَهم بِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ ويَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، فَلَوْ قالَتِ الأُمَّةُ في الدِّينِ بِما هو ضَلالٌ لَكانَتْ لَمْ تَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ في ذَلِكَ، ولَمْ تَنْهَ عَنِ المُنْكَرِ فِيهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] [البَقَرَةِ: ١٤٣] والوَسَطُ العَدْلُ الخِيارُ، وقَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ شُهَداءَ عَلى النّاسِ (p-١٥٥١)وأقامَ شَهادَتَهم مَقامَ شَهادَةِ الرَّسُولِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنازَةٍ فَأثْنَوْا عَلَيْها خَيْرًا فَقالَ: وجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنازَةٍ فَأثْنَوْا عَلَيْها شَرًّا، فَقالَ: وجَبَتْ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما قَوْلُكَ وجَبَتْ؟ قالَ: هَذِهِ الجِنازَةُ أثْنَيْتُمْ عَلَيْها خَيْرًا، فَقُلْتُ: وجَبَتْ لَها الجَنَّةُ، وهَذِهِ الجِنازَةُ أثْنَيْتُمْ عَلَيْها شَرًّا، فَقُلْتُ: وجَبَتْ لَها النّارُ؛ أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ» .
فَإذا كانَ الرَّبُّ قَدْ جَعَلَهم شُهَداءَ لَمْ يَشْهَدُوا بِباطِلٍ، فَإذا شَهِدُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِشَيْءٍ فَقَدْ أمَرَ بِهِ، وإذا شَهِدُوا أنَّ اللَّهَ نَهى عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ نَهى عَنْهُ، ولَوْ كانُوا يَشْهَدُونَ بِباطِلٍ أوْ خَطَأٍ لَمْ يَكُونُوا شُهَداءَ اللَّهِ في الأرْضِ.
وقالَ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] [لُقْمانَ: ١٥] والأُمَّةُ مُنِيبَةٌ إلى رَبِّها؛ فَيَجِبُ اتِّباعُ سَبِيلِها.
وقالَ تَعالى: (p-١٥٥٢)﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] [التَّوْبَةِ: ١٠٠] فَرَضِيَ عَمَّنِ اتَّبَعَ السّابِقِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مُتابِعَهم عامِلٌ بِما يُرْضِي اللَّهَ، واللَّهُ لا يَرْضى إلّا بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾
والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا جَرَّدَ الكَلامَ في أُصُولِ الفِقْهِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الإجْماعِ، كَما كانَ يَسْمَعُ هو وغَيْرُهُ مِن مالِكٍ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مُتَّبِعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ كَما أنَّ مُشاقَّ الرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ يُوجِبُ الوَعِيدَ بِمُجَرَّدِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الوَصْفُ الآخَرُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ لَكانَ لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وهُنا لِلنّاسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
قِيلَ: اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هو بِمُجَرَّدِهِ مُخالَفَةُ الرَّسُولِ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ.
وقِيلَ: بَلْ مُخالَفَةُ الرَّسُولِ مُسْتَقِلَّةٌ بِالذَّمِّ، فَكَذَلِكَ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ مُسْتَقِلٌّ بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: بَلِ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يُوجِبُ الذَّمَّ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ.
لَكِنْ هَذا لا يَقْتَضِي مُفارَقَتَهُ لِلْأوَّلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، فَكُلُّ مُتابِعٍ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هو في نَفْسِ الأمْرِ مُشاقٌّ لِلرَّسُولِ، وكَذَلِكَ مُشاقُّ الرَّسُولِ مُتَّبِعٌ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا كَما في طاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، فَإنَّ طاعَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ وطاعَةَ الرَّسُولِ واجِبَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِلذَّمِّ، وهُما مُتَلازِمانِ، فَإنَّهُ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ.
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، ومَن أطاعَ أمِيرِي فَقَدْ أطاعَنِي، ومَن عَصانِي فَقَدْ عَصى اللَّهَ، ومَن عَصى أمِيرِي فَقَدْ عَصانِي» .
(p-١٥٥٣)ثُمَّ قالَ تَقِيُّ الدِّينَ رَحِمَهُ اللَّهُ (بَعْدَ ثَلاثَةِ أوْراقٍ):
ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلى مَوْرِدِ النِّزاعِ، فَإنَّ الذَّمَّ فِيها لِمَن جَمَعَ الأمْرَيْنِ، وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، أوْ لِمَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ الَّتِي بِها كانُوا مُؤْمِنِينَ - وهي مُتابَعَةُ الرَّسُولِ - وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، أوْ إنَّ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ هو الِاسْتِدْلالُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، فَهَذا ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: لا تَدُلُّ عَلى مَحَلِّ النِّزاعِ.
وآخَرُونَ يَقُولُونَ: بَلْ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وتَكَلَّفُوا لِذَلِكَ ما تَكَلَّفُوهُ، كَما قَدْ عُرِفَ كَلامُهُمْ، ولَمْ يُجِيبُوا عَنْ أسْئِلَةِ أُولَئِكَ بِأجْوِبَةٍ شافِيَةٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ الوَسَطُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيمِ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ، ولَكِنْ مَعَ تَحْرِيمِ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى، وهو يَدُلُّ عَلى ذَمِّ كُلٍّ مِن هَذا وهَذا، كَما تَقَدَّمَ، لَكِنْ لا يَنْفِي تَلازُمَهُما، كَما ذُكِرَ في طاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ.
وحِينَئِذٍ يَقُولُ: الذَّمُّ إمّا أنْ يَكُونَ حَقًّا لِمُشاقَّةِ الرَّسُولِ فَقَطْ، أوْ بِاتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ فَقَطْ، أوْ أنْ يَكُونَ الذَّمُّ لا يَلْحَقُ بِواحِدٍ مِنهُما، بَلْ بِهِما إذا اجْتَمَعا، أوْ يَلْحَقُ الذَّمُّ بِكُلٍّ مِنهُما وإنِ انْفَرَدَ عَنِ الآخَرِ، أوْ بِكُلٍّ مِنهُما لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْآخَرِ، والأوَّلانِ باطِلانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُؤَثِّرُ أحَدَهُما فَقَطْ كانَ ذِكْرُ الآخَرِ ضائِعًا لا فائِدَةَ فِيهِ، وكَوْنُ الذَّمِّ لا يَلْحَقُ بِواحِدٍ مِنهُما باطِلٌ قَطْعًا، فَإنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ مُوجِبَةٌ لِلْوَعِيدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنِ اتَّبَعَهُ، ولُحُوقُ الذَّمِّ بِكُلٍّ مِنها - وإنِ انْفَرَدَ عَنِ الآخَرِ - لا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، فَإنَّ الوَعِيدَ فِيها إنَّما هو عَلى المَجْمُوعِ.
بَقِيَ القِسْمُ الآخَرُ: وهو أنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ يَقْتَضِي الوَعِيدَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ، كَما يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ ومُخالَفَةِ القُرْآنِ والإسْلامِ، فَيُقالُ: مَن خالَفَ القُرْآنَ والإسْلامَ أوْ مَن خَرَجَ عَنِ القُرْآنِ والإسْلامِ فَهو مِن أهْلِ النّارِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] فَإنَّ الكُفْرَ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُصُولِ يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ بِغَيْرِهِ، فَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ كَفَرَ بِالجَمِيعِ، ومَن كَفَرَ بِالمَلائِكَةِ كَفَرَ بِالكُتُبِ والرُّسُلِ، فَكانَ كافِرًا بِاللَّهِ، إذْ كَذَّبَ رُسُلَهُ وكُتُبَهُ.
(p-١٥٥٤)وكَذَلِكَ إذا كَفَرَ بِاليَوْمِ الآخِرِ كَذَّبَ الكُتُبَ والرُّسُلَ فَكانَ كافِرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] [آلِ عِمْرانَ: ٧١] ذَمَّهم عَلى الوَصْفَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما مُقْتَضٍ لِلذَّمِّ، وهُما مُتَلازِمانِ، ولِهَذا نَهى عَنْهُما جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فَإنَّهُ مَن لَبَسَ الحَقَّ بِالباطِلِ فَغَطّاهُ بِهِ، فَغَلِطَ بِهِ، لَزِمَ أنَّ يَكْتُمَ الحَقَّ الَّذِي تَبَيَّنَ أنَّ هَذا باطِلٌ، إذْ لَوْ بَيَّنَهُ زالَ الباطِلُ الَّذِي لَبَسَ بِهِ الحَقَّ، فَهَكَذا مُشاقَّةُ الرَّسُولِ واتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، مَن شاقَّهُ فَقَدِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، وهَذا ظاهِرٌ، ومَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ فَقَدْ شاقَّهُ أيْضًا، فَإنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ مَدْخَلًا في الوَعِيدِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ مُؤَثِّرٌ في الذَّمِّ، فَمَن خَرَجَ عَنْ إجْماعِهِمْ فَقَدِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ قَطْعًا، والآيَةُ تُوجِبُ ذَمَّ ذَلِكَ.
وإذا قِيلَ: هي إنَّما ذَمَّتَهُ مَعَ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ، قُلْنا: لِأنَّهُما مُتَلازِمانِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَإنَّهُ يَكُونُ مَنصُوصًا عَنِ الرَّسُولِ، فالمُخالِفُ لَهم مُخالِفٌ لِلرَّسُولِ، كَما أنَّ المُخالِفَ لِلرَّسُولِ مُخالِفٌ لِلَّهِ، ولَكِنْ هَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ، وهَذا هو الصَّوابُ، فَلا يُوجَدُ مَسْألَةٌ قَطُّ مُجْمَعٌ عَلَيْها إلّا وفِيها بَيانٌ مِنَ الرَّسُولِ، ولَكِنْ قَدْ يَخْفى ذَلِكَ عَلى بَعْضِ النّاسِ، ويَعْلَمُ الإجْماعَ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ، كَما أنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِالنَّصِّ مَن لَمْ يَعْرِفْ دَلالَةَ النَّصِّ، وهو دَلِيلٌ ثانٍ مَعَ النَّصِّ، كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ الإجْماعُ دَلِيلٌ آخَرُ، كَما يُقالُ: قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، وما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ فَعَنِ الرَّسُولِ أُخِذَ، فالكِتابُ والسُّنَّةُ كِلاهُما مَأْخُوذٌ عَنْهُ، ولا تُوجَدُ مَسْألَةٌ يَتَّفِقُ الإجْماعُ عَلَيْها إلّا وفِيها نَصٌّ، وقَدْ كانَ بَعْضُ النّاسِ يَذْكُرُ فِيها الإجْماعَ بِلا نَصٍّ كالمُضارَبَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المُضارَبَةُ كانَتْ مَشْهُورَةً بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، لا سِيَّما قُرَيْشٌ، فَإنَّ الأغْلَبَ كانَ عَلَيْهِمُ التِّجارَةُ، وكانَ أصْحابُ الأمْوالِ يَدْفَعُونَها إلى العُمّالِ.
(p-١٥٥٥)ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ سافَرَ بِمالِ غَيْرِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَما سافَرَ بِمالِ خَدِيجَةَ، والعِيرُ الَّتِي كانَ فِيها أبُو سُفْيانَ كانَ أكْثَرُها مُضارَبَةً مَعَ أبِي سُفْيانَ وغَيْرِهِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أقَرَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ أصْحابُهُ يُسافِرُونَ بِمالِ غَيْرِهِمْ مُضارَبَةً، ولَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، والسُّنَّةُ قَوْلُهُ وفِعْلُهُ وإقْرارُهُ، فَلَمّا أقَرَّها كانَتْ ثابِتَةً بِالسُّنَّةِ.
والأثَرُ المَشْهُورُ فِيها عَنْ عُمَرَ الَّذِي رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ - ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ - لَمّا أرْسَلَ أبُو مُوسى بِمالٍ أقْرَضَهُ لِابْنَيْهِ واتَّجَرا فِيهِ ورَبِحا، وطَلَبَ عُمَرُ أنْ يَأْخُذَ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِكَوْنِهِ خَصَّهُما بِذَلِكَ دُونَ سائِرِ الجَيْشِ، فَقالَ لَهُ أحَدُهُما: لَوْ خَسِرَ المالُ لَكانَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ يَكُونُ الرِّبْحُ وعَلَيْنا الضَّمانُ؟ فَقالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ: اجْعَلْهُ مُضارَبَةً، فَجَعَلَهُ مُضارَبَةً.
(p-١٥٥٦)وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ المُضارَبَةَ كانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، والعَهْدُ بِالرَّسُولِ قَرِيبٌ، لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَهُ، فَعُلِمَ أنَّها كانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهم عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ، كَما كانَتِ الفِلاحَةُ وغَيْرُها مِنَ الصِّناعاتِ كالخِياطَةِ والخِرازَةِ، وعَلى هَذا فالمَسائِلُ المُجْمَعُ عَلَيْها قَدْ تَكُونُ طائِفَةٌ مِنَ المُجْتَهِدِينَ لَمْ يَعْرِفُوا فِيها نَصًّا فَقالُوا فِيها بِاجْتِهادِ الرَّأْيِ المُوافِقِ لِلنَّصِّ، لَكِنْ كانَ النَّصُّ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.
وابْنُ جَرِيرٍ وطائِفَةٌ يَقُولُونَ: لا يَنْعَقِدُ الإجْماعُ إلّا مِن نَصٍّ نَقَلُوهُ عَنِ الرَّسُولِ، مَعَ قَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ القِياسِ، ونَحْنُ لا نَشْتَرِطُ أنْ يَكُونُوا كُلُّهم عَلِمُوا النَّصَّ فَنَقَلُوهُ بِالمَعْنى، كَما نُقِلَ الأخْبارُ، ولَكِنِ اسْتَقْرَيْنا مَوارِدَ الإجْماعِ فَوَجَدْنا كُلَّها مَنصُوصَةً.
وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ لَمْ يَعْلَمِ النَّصَّ وقَدْ وافَقَ الجَماعَةَ، كَما أنَّهُ قَدْ يَحْتَجُّ بِقِياسٍ وفِيها إجْماعٌ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيُوافِقُ الإجْماعَ، وكَما يَكُونُ في المَسْألَةِ نَصٌّ خاصٌّ وقَدِ اسْتَدَلَّ فِيها بِعُمُومٍ، كاسْتِدْلالِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلاقِ: ٤] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى نَزَلَتْ بَعْدَ الطُّولى، أيْ: بَعْدَ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (p-١٥٥٧)يَقْتَضِي انْحِصارَ الأجَلِ في ذَلِكَ، فَلَوْ أوْجَبَ عَلَيْها أنْ تَعْتَدَّ بِأبْعَدِ الأجَلَيْنِ لَمْ يَكُنْ أجْلُها أنْ تَضَعَ حَمْلَها. وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما أدْخَلُوها في عُمُومِ الآيَتَيْنِ، وجاءَ النَّصُّ الخاصُّ في قِصَّةِ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ بِما يُوافِقُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وكَذَلِكَ لَمّا تَنازَعُوا في المُفَوِّضَةِ إذا ماتَ زَوْجُها هَلْ لَها مَهْرُ المِثْلِ، أفْتى ابْنُ مَسْعُودٍ فِيها بِرَأْيِهِ أنَّ لَها مَهْرُ المِثْلِ، ثُمَّ رَوَوْا حَدِيثَ بِرْوَعَ بِنْتِ واشِقٍ بِما يُوافِقُ ذَلِكَ، وقَدْ خالَفَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وغَيْرُهُما، فَقالُوا: لا مَهْرَ لَها.
فَثَبَتَ أنَّ بَعْضَ المُجْتَهِدِينَ قَدْ يُفْتِي بِعُمُومٍ أوْ قِياسٍ، ويَكُونُ في الحادِثَةِ نَصٌّ خاصٌّ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيُوافِقُهُ، ولا يَعْلَمُ مَسْألَةً واحِدَةً اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا نَصَّ فِيها، بَلْ عامَّةُ ما تَنازَعُوا فِيهِ كانَ بَعْضُهم يَحْتَجُّ فِيهِ بِالنُّصُوصِ وأُولَئِكَ يَحْتَجُّونَ بِنَصٍّ، كالمُتَوَفّى عَنْها الحامِلُ هَؤُلاءِ احْتَجُّوا بِشُمُولِ الآيَتَيْنِ (p-١٥٥٨)لَها، والآخَرُونَ قالُوا: إنَّما تَدْخُلُ في آيَةِ الحَمْلِ فَقَطْ، وإنَّ آيَةَ الشُّهُورِ في غَيْرِ الحامِلِ، كَما أنَّ آيَةَ القُرُوءِ في غَيْرِ الحامِلِ.
وكَذَلِكَ لَمّا تَنازَعُوا في الحَرامِ احْتَجَّ مَن جَعَلَهُ يَمِينًا بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] [التَّحْرِيمِ: ١ - ٢].
وكَذَلِكَ تَنازَعُوا في المَبْتُوتَةِ هَلْ لَها نَفَقَةٌ أوْ سُكْنى، احْتَجَّ هَؤُلاءِ بِحَدِيثِ فاطِمَةَ وبِأنَّ السُّكْنى الَّتِي في القُرْآنِ لِلرَّجْعِيَّةِ، وأُولَئِكَ قالُوا: بَلْ هي لَهُما. ودَلالاتُ النُّصُوصِ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، فَخَصَّ اللَّهُ بِفَهْمِها بَعْضَ النّاسِ، كَما قالَ عَلِيٌّ: إلّا فَهْمًا (p-١٥٥٩)يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ.
وقَدْ يَكُونُ النَّصُّ بَيِّنًا ويَذْهَلُ المُجْتَهِدُ عَنْهُ، كَتَيَمُّمِ الجُنُبِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ في القُرْآنِ في آيَتَيْنِ، ولَمّا احْتَجَّ أبُو مُوسى عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ قالَ الحاضِرُ: ما دَرى عَبْدُ اللَّهِ ما يَقُولُ، إلّا أنَّهُ قالَ: لَوْ أرْخَصْنا لَهم في هَذا لَأوْشَكَ أحَدُهم إذا وجَدَ البَرْدَ أنْ يَتَيَمَّمَ.
وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وفاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وجابِرٌ: إنَّ المُطْلَقَةَ في القُرْآنِ هي الرَّجْعِيَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلاقِ: ١] وأيُّ أمْرٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ الثَّلاثَةِ؟
وقَدِ احْتَجَّ طائِفَةٌ عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البَقَرَةِ: ١٩٦] واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن مَنَعَ (p-١٥٦٠)الفَسْخَ.
وآخَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّما أمَرَ بِالإتْمامِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ أمْرُ الشّارِعِ أنْ يُتَمَّ، وكَذَلِكَ في الفَسْخِ قالُوا: مَن فَسَخَ العُمْرَةَ إلى غَيْرِ حَجٍّ فَلَمْ يُتِمَّها، أمّا إذا فَسَخَها لِيَحُجَّ مِن عامِهِ فَهَذا قَدْ أتى بِما تَمَّ مِمّا شُرِعَ فِيهِ؛ فَإنَّهُ شَرَعَ ﷺ أصْحابَهُ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ.
وتَنازَعُوا في الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣] ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ اسْتِقْصائِهِ.
وأمّا مَسْألَةٌ مُجَرَّدَةٌ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يُسْتَدَلُّ فِيها بِنَصٍّ جَلِيٍّ ولا خَفِيٍّ فَهَذا ما أعْرِفُهُ.
والجَدُّ لَمّا قالَ أكْثَرُهُمْ: إنَّهُ أبٌ اسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] [الأعْرافِ: ٢٧] (p-١٥٦١)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ كانَتِ الجِنُّ تَظُنُّ أنَّ الإنْسَ تُسَمِّي أبا الأبِ جَدًّا لَما قالَتْ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣] [الجِنِّ: ٣] نَقُولُ: إنَّما هو أبٌ، لَكِنْ أبٌ أبْعَدُ مِن أبٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وزَيْدٍ أنَّهُما احْتَجّا بِقِياسٍ، فَمَنِ ادَّعى إجْماعَهم عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِالرَّأْيِ والقِياسِ مُطْلَقًا فَقَطْ غَلِطَ، ومَنِ ادَّعى أنَّ مِنَ المَسائِلِ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ أحَدٌ مِنهم إلّا بِالرَّأْيِ والقِياسِ فَقَدْ غَلِطَ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم يَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ، فَمَن رَأى دَلالَةَ الكِتابِ ذَكَرَها، ومَن رَأى دَلالَةَ المِيزانِ ذَكَرَها، والدَّلائِلُ الصَّحِيحَةُ لا تَتَناقَضُ، لَكِنْ قَدْ يَخْفى وجْهُ اتِّفاقِهِما أوْ ضَعْفُ أحَدِهِما عَلى بَعْضِ العُلَماءِ.
ولِلصَّحابَةِ فَهْمٌ في القُرْآنِ يَخْفى عَلى أكْثَرِ المُتَأخِّرِينَ، كَما أنَّ لَهم مَعْرِفَةً بِأُمُورٍ مِنَ السُّنَّةِ وأحْوالِ الرَّسُولِ لا يَعْرِفُها أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّهم شَهِدُوا التَّنْزِيلَ وعايَنُوا الرَّسُولَ، وعَرَفُوا مِن أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ ما يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى مُرادِهِمْ ما لَمْ يَعْرِفْهُ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَطَلَبُوا الحُكْمَ مِمّا اعْتَقَدُوهُ مِن إجْماعٍ أوْ قِياسٍ.
ومَن قالَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ الإجْماعَ مُسْتَنَدُ مُعْظَمِ الشَّرِيعَةِ فَقَدْ أخْبَرَ عَنْ حالِهِ؛ فَإنَّهُ لِنَقْصِ مَعْرِفَتِهِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ احْتاجَ إلى ذَلِكَ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: إنْ أكْثَرَ الحَوادِثِ يُحْتاجُ فِيها إلى القِياسِ لِعَدَمِ دَلالَةِ النُّصُوصِ عَلَيْها، فَإنَّما هَذا مِن قَوْلِ مَن لا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ ودَلالَتِهِما عَلى الأحْكامِ.
وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّهُ ما مِن مَسْألَةٍ إلّا وقَدْ تَكَلَّمَ فِيها الصَّحابَةُ أوْ في نَظِيرِها، فَإنَّهُ لَمّا فُتِحَتِ البِلادُ وانْتَشَرَ الإسْلامُ حَدَثَتْ جَمِيعُ أجْناسِ الأعْمالِ، فَتَكَلَّمُوا فِيها بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما تَكَلَّمَ بَعْضُهم بِالرَّأْيِ في مَسائِلَ قَلِيلَةٍ، والإجْماعُ لَمْ يَكُنْ يَحْتَجُّ بِهِ عامَّتُهم ولا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ؛ إذْ هم أهْلُ الإجْماعِ، فَلا إجْماعَ قَبْلَهم. لَكِنْ لَمّا جاءَ التّابِعُونَ كَتَبَ عُمَرُ إلى شُرَيْحٍ: اقْضِ بِما في كِتابِ اللَّهِ، فَإنْ لَمْ تَجِدْ فَبِما في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنْ لَمْ تَجِدْ فَبِما قَضى بِهِ الصّالِحُونَ قَبْلَكَ، وفي رِوايَةٍ: فَبِما أجْمَعَ (p-١٥٦٢)عَلَيْهِ النّاسُ، فَقَدَّمَ عُمَرُ الكِتابَ ثُمَّ السُّنَّةَ، وكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ مِثْلَ ما قالَ عُمَرُ، قَدَّمَ الكِتابَ ثُمَّ السُّنَّةَ، ثُمَّ الإجْماعَ، وكَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ كانَ يُفْتِي بِما في الكِتابِ، ثُمَّ بِما في السُّنَّةِ، ثُمَّ بِسُنَّةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ؛ لِقَوْلِهِ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ» .
وهَذِهِ الآثارُ ثابِتَةٌ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وهم مِن أشْهَرِ الصَّحابَةِ بِالفُتْيا والقَضاءِ، وهَذا هو الصَّوابُ.
ولَكِنْ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ قالُوا: يَبْدَأُ المُجْتَهِدُ يَنْظُرُ أوَّلًا في الإجْماعِ، فَإنْ وجَدَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ، وإنْ وجَدَ نَصًّا خالَفَهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِنَصٍّ لَمْ يَبْلُغْهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الإجْماعُ نَسْخُهُ.
والصَّوابُ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإجْماعَ إذا خالَفَهُ نَصٌّ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعَ الإجْماعِ نَصٌّ مَعْرُوفٌ بِهِ أنَّ ذاكَ مَنسُوخٌ، فَأمّا أنْ يَكُونَ النَّصُّ المُحْكَمُ قَدْ ضَيَّعَتْهُ الأُمَّةُ وحَفِظَتِ النَّصَّ المَنسُوخَ - فَهَذا لا يُوجَدُ قَطُّ، وهو نِسْبَةُ الأُمَّةِ إلى حِفْظِ ما نُهِيَتْ عَنِ اتِّباعِهِ وإضاعَةِ ما أُمِرَتْ بِاتِّباعِهِ، وهي مَعْصُومَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
ومَعْرِفَةُ الإجْماعِ قَدْ تَتَعَذَّرُ كَثِيرًا أوْ غالِبًا، فَمَنِ الَّذِي يُحِيطُ بِأقْوالِ المُجْتَهِدِينَ؟ بِخِلافِ النُّصُوصِ، فَإنَّ مَعْرِفَتَها مُمْكِنَةٌ مُتَيَسِّرَةٌ، وهم إنَّما كانُوا يَقْضُونَ بِالكِتابِ أوَّلًا؛ لِأنَّ السُّنَّةَ لا تَنْسَخُ الكِتابَ، فَلا يَكُونُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَنسُوخٌ بِالسُّنَّةِ، بَلْ إنَّ كانَ فِيهِ مَنسُوخٌ كانَ في القُرْآنِ ناسِخُهُ، فَلا يُقَدَّمُ غَيْرُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ طَلَبَهُ في السُّنَّةِ، ولا يَكُونُ في السُّنَّةِ شَيْءٌ مَنسُوخٌ إلّا والسُّنَّةُ نَسَخَتْهُ، لا يَنْسَخُ السُّنَّةَ إجْماعٌ ولا غَيْرُهُ، ولا تُعارَضُ السُّنَّةُ بِإجْماعٍ وأكْثَرِ ألْفاظِ الآثارِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فالطّالِبُ قَدْ لا يَجِدُ مَطْلُوبَهُ في السُّنَّةِ مَعَ أنَّهُ فِيها، وكَذَلِكَ (p-١٥٦٣)فِي القُرْآنِ، فَيَجُوزُ لَهُ إذا لَمْ يَجِدْهُ في القُرْآنِ أنْ يَطْلُبَهُ في السُّنَّةِ، وإذا كانَ في السُّنَّةِ لَمْ يَكُنْ ما في السُّنَّةِ مُعارِضًا لِما في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ الإجْماعُ الصَّحِيحُ لا يُعارِضُ كِتابًا ولا سُنَّةً. انْتَهى كَلامُهُ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
النساء 4:116
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [١١٦]
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ مُطَوَّلًا، قالُوا: تَكْرِيرُها إمّا تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا أوْ لِتَكْمِيلِ قِصَّةَ طُعْمَةَ، وقَدْ مَرَّ مَوْتُهُ كافِرًا.
أوْ: إنَّ لَها سَبَبًا آخَرَ في النُّزُولِ، عَلى ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ شَيْخٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ، إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ، ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المَعاصِيَ جَراءَةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ، فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَنَزَلَتْ».
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الوَجْهَ الأخِيرَ قالَ: لِأنَّ التَّأْكِيدَ - مَعَ بُعْدِ عَهْدِهِ - لا يَقْتَضِي تَخَصُّصَ هَذا المَوْضِعِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ.
وأغْرَبَ المَهايِمِيُّ حَيْثُ جَعَلَها مُشِيرَةً إلى شِقَّيِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، حَيْثُ قالَ: ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ وعِيدَ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ جازِمٌ دُونَ مُخالَفَةِ الإجْماعِ؛ لِأنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ دَلِيلُ تَكْذِيبِهِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ، إذْ خَلْقُ المُعْجِزاتِ لا يَكُونُ إلّا لِكامِلِ القُدْرَةِ، ولا يَكُونُ إلّا لِإلَهٍ، فَإذا نَفاها عَنِ اللَّهِ فَقَدْ أثْبَتَ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ. ومُخالَفَةُ الإجْماعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَغْفُورَةً؛ لِأنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ، إذْ لا تَنْتَهِي إلى الشِّرْكِ. وكُلُّ هَذِهِ المُناسَباتِ دالَّةٌ - دُونَ ذَلِكَ قَطْعًا - عَلى دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ قَطْعًا، سَواءٌ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ.
(p-١٥٦٤)وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ أنْواعِ الضَّلالَةِ وأبْعَدُها عَنِ الصَّوابِ والِاسْتِقامَةِ، وإنَّما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ [النساء: ٤٨] لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقِصَّةِ أهْلِ الكِتابِ، ومَنشَأُ شِرْكِهِمْ كانَ نَوْعَ افْتِراءٍ، وهو دَعْوى التَّبَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] قالَهُ القاضِي.
وفِي (السَّمِينِ): خُتِمَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ [النساء: ٤٨] وهَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ لِأنَّ الأُولى في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ وهم عِنْدَهم عِلْمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وأنَّ شَرِيعَتَهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كابَرُوا في ذَلِكَ وافْتَرَوْا عَلى اللَّهِ، وهَذِهِ في شَأْنِ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ ولا عِنْدَهم عِلْمٌ، فَناسَبَ وصْفَهم بِالضَّلالِ، وأيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ هُنا ذِكْرُ الهُدى وهو ضِدُّ الضَّلالِ. انْتَهى.
النساء 4:117
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [١١٧]
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ ما يَعْبُدُ مُشْرِكُو مَكَّةَ ونَحْوُهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ الرّازِيُّ: (يَدْعُونَ) بِمَعْنى (يَعْبُدُونَ) لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا فَإنَّهُ يَدْعُوهُ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلَيْهِ. انْتَهى.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأصْحابُ السُّنَنِ وغَيْرُهُمْ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ (p-١٥٦٥)أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الدُّعاءَ هو العِبادَةُ» ورَواهُ أبُو يَعْلى عَنِ البَراءِ، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ بِلَفْظِ: «الدُّعاءَ مُخُّ العِبادَةِ» .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إناثًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: يَعْنِي أوْثانًا، وعَلَيْهِ فَمَرْجِعُ التَّسْمِيَةِ بِالإناثِ كَوْنُ أسْماءِ غالِبِها مُؤَنَّثَةً، كَمَناةَ والعُزّى واللّاتِ ونَحْوِها؛ ولِأنَّهم كانُوا يُلْبِسُونَها أنْواعَ الحُلِيِّ ويُزَيِّنُونَها عَلى هَيْئاتِ النِّسْوانِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ نَحْوُ ما لِعائِشَةَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَنى المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ بَعْضَهم كانَ يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ويَقُولُونَ عَنْها: بَناتُ اللَّهِ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلْمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وإنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. قالَ: فاتَّخَذُوهُنَّ أرْبابًا وصَوَّرُوهُنَّ جِوارِيَ فَحَكَوْا وقَلَّدُوا وقالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَناتِ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونُ المَلائِكَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا التَّفْسِيرُ شَبِيهٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] [النَّجْمِ: ٢٧] الآياتِ، وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] [الزُّخْرُفِ: ١٩].... الآيَةَ، وقالَ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] [الصّافّاتِ: ١٣٧] انْتَهى.
وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧]
(p-١٥٦٦)الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ.
الرّابِعُ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: إناثًا يَعْنِي مَوْتى، قالَ الحَسَنُ: الإناثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، إمّا خَشَبَةٌ يابِسَةٌ وإمّا حَجَرٌ يابِسٌ. رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ.
وفِي "القامُوسِ وشَرْحِهِ": الإناثُ جَمْعُ الأُنْثى، وهو خِلافُ الذَّكَرِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والمَواتُ الَّذِي هو خِلافُ الحَيَوانِ، كالشَّجَرِ والحَجَرِ والخَشَبِ، عَنِ اللِّحْيانِي. وعَنِ الفَرّاءِ: تَقُولُ العَرَبُ: اللّاتُ والعُزّى وأشْباهُهُما مِنَ الآلِهَةِ المُؤَنَّثَةِ. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ أبُو البَقاءَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إناثًا﴾ هو جَمْعُ أُنْثى عَلى (فِعالٍ) ويُرادُ بِهِ كُلُّ ما لا رُوحٌ فِيهِ مِن صَخْرَةٍ وشَمْسٍ ونَحْوِهِما.
ويُقْرَأُ (أُنْثى) عَلى الإفْرادِ، ودَلَّ الواحِدُ عَلى الجَمْعِ.
ويُقْرَأُ (أُنُثًا) مِثْلَ رُسُلٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُفْرَدَةً مِثْلَ: "امْرَأةٌ جُنُبٌ" ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أنِيثٍ كَقَلِيبٍ وقُلُبٍ، وقَدْ قالُوا: "حَدِيدٌ أنِيثٌ" مِن هَذا المَعْنى.
ويُقْرَأُ (أُثُنًا) والواحِدُ وثَنٌ وهو الصَّنَمُ وأصْلُهُ وثَنٌ، في الجَمْعِ كَما في الواحِدِ، إلّا أنَّ الواوَ قُلِبَتْ هَمْزَةً لَمّا انْضَمَّتْ ضَمًّا لازِمًا وهو مِثْلُ: (أسَدٍ وأُسُدٍ) ويُقْرَأُ بِالواوِ عَلى الأصْلِ جَمْعًا، ويُقْرَأُ بِسُكُونِ الثّاءِ مَعَ الهَمْزَةِ والواوِ. انْتَهى.
قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَعَلَّهُ تَعالى ذَكَرَها بِهَذا الِاسْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم يَعْبُدُونَ ما يُسَمُّونَهُ إناثًا؛ لِأنَّهُ يَنْفَعِلُ ولا يَفْعَلُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا غَيْرَ مُنْفَعِلٍ؛ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَناهِي جَهْلِهِمْ وفَرْطِ حَماقَتِهِمْ.
﴿وإنْ يَدْعُونَ﴾ أيْ: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ وهو إبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - لِطاعَتِهِمْ لَهُ في عِبادَتِها، وإذا أطاعُوهُ فِيما سَوَّلَ لَهم فَقَدْ عَبَدُوهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] [يس: ٦٠] وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] [سَبَأٍ: ٤١] والمَرِيدُ المُتَمَرِّدُ العاتِي الطّاغِي.
النساء 4:118
(p-١٥٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [١١٨]
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (شَيْطانًا) أيْ: أبْعَدَهُ اللَّهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، فَأرادَ إبْعادَ مَن أُبْعِدَ بِسَبَبِهِ ﴿وقالَ﴾ حِينَ أُبْعِدَ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أبْعَدْتَنِي بِسَبَبِهِمْ، أيْ: لَأجْعَلَنَّ لِي مِنهم ﴿نَصِيبًا﴾ أيْ: حَظًّا ﴿مَفْرُوضًا﴾ أيْ: مَقْطُوعًا ومُقَدَّرًا مِن عِبادَتِهِمْ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَكَ، أوْ يُراءُوا فِيها، أوْ يُعْجَبُوا بِها، أوْ يُتْلِفُوها في المَظالِمِ، أوْ يُحْبِطُوها بِالكُفْرِ بَعْدَها.
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ﴾ إلَخْ .. عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ: أيْ: شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ الصّادِرِ عَنْهُ عِنْدَ اللَّعْنِ.
ولَقَدْ بَرْهَنَ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ غايَةُ الضَّلالِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَها يَنْفَعِلُ ولا يَفْعَلُ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا، وذَلِكَ يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ غايَةَ المُنافاةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ وهو أفْظَعُ الضَّلالِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ لا يَكادُ يَعْلَقُ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والهُدى، فَتَكُونُ طاعَتُهُ ضَلالًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ.
والثّانِي: أنَّهُ مَلْعُونٌ لِضَلالِهِ، فَلا تَسْتَتْبِعُ مُطاوَعَتُهُ سِوى اللَّعْنِ والضَّلالِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في غايَةِ السَّعْيِ في إهْلاكِهِمْ وإضْلالِهِمْ، فَمُوالاةُ مَن هَذا شَأْنُهُ غايَةُ الضَّلالِ، فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ.
النساء 4:119
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [١١٩]
﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أيْ: عَنِ الهُدى ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أيِ: الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ وبُلُوغِ الآمالِ، قالَ الرّازِيُّ: إنَّ الشَّيْطانَ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ (p-١٥٦٨)وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِنَ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبِ ما يُورِثُ شَيْئَيْنِ: الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمُ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ، قالَ ﷺ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنَتانِ: الحِرْصُ والأمَلُ» .
والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يَقْدَمُ عَلى التَّوْبَةِ ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.
﴿ولآمُرَنَّهُمْ﴾ أيْ: عَلى خِلافِ أمْرِكَ إضْلالًا لَهم ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ: فَلَيُقَطِّعُنَّها ويَشُقُّنَّها سِمَةً وعَلامَةً لِلْبَحائِرِ والسَّوائِبِ لِيُحَرِّمُوها بَعْدَما أحْلَلْتَها.
قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّبْتِيكُ: هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا ثُمَّ تُسَيَّبُ، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها، فَأعْفَوْا ظَهْرَها مِنَ الرُّكُوبِ والحَمْلِ والذَّبْحِ، ولا يَرُدُّونَها عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى، وإذا لَقِيَها المُعْيى المُنْقَطِعُ بِهِ لَمْ يَرْكَبْها، وسَوَّلَ لَهم إبْلِيسُ أنَّ هَذا قُرْبَةٌ وهي البَحِيرَةُ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: بَحَرَ النّاقَةَ والشّاةَ يَبْحَرُها: شَقَّ أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ، وقَلَّ بِنِصْفَيْنِ طُولًا.
﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَثِيرِينَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] [الرُّومِ: ٣٠] عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا، أيْ: لا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ، (p-١٥٦٩)ودَعُوا النّاسَ عَلى فِطْرَتِهِمْ.
كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُولَدُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تَجِدُونَ بِها مِن جَدْعاءَ؟»
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم» .
(p-١٥٧٠)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ وبَحَرَ البَحِيرَةَ» .
ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدَفَ، أبُو خُزاعَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ خَصْيَ الدَّوابِّ، وقالَ أنَسٌ: مِنهُ الخَصا.
وقَدْ رَوى ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإخْصاءِ.
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنْهُ بِلَفْظِ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ».
ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُخْصى أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ».
ورَوى (p-١٥٧١)البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وخِصاءِ البَهائِمِ».
وقالَ الحَسَنُ: عَنى بِالآيَةِ الوَشْمَ (بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ) أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الوَشْمِ».
وفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ قالَ: ألا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]»
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": فَيُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الخِصاءِ والوَشْمِ وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الوَصْلِ في الشَّعْرِ، والتَّفَلُّجِ: وهو تَفْرِيقُ الأسْنانِ، والتَّنْمِيصِ: وهو نَتْفُ الشَّعْرِ في الوَجْهِ. انْتَهى.
(p-١٥٧٢)قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: ويُلْحَقُ بِالوَشْرِ ما يُفْعَلُ في الخَدِّ مِنَ الشُّرَطِ لِلزِّينَةِ.
وحَكى الزَّجّاجُ عَنْ بَعْضِهِمْ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ لِيَرْكَبُوها ويَأْكُلُوها، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّرَةً لِلنّاسِ يَنْتَفِعُونَ بِها، فَعَبَدَها المُشْرِكُونَ فَغَيَّرُوا خَلْقَ اللَّهِ، ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَ الآيَةِ يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ المَعانِي؛ إذْ كُلُّها مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، فَلا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلَيْها.
قالَ البَيْضاوِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ وجْهِهِ وصُورَتِهِ، أوْ صِفَتِهِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما قِيلَ مِن فَقْءِ عَيْنِ الحامِي، وخِصاءِ العَبِيدِ، والوَشْمِ والوَشْرِ، واللِّواطِ، والسَّحْقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وتَغْيِيرِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي الإسْلامُ، واسْتِعْمالِ الجَوارِحِ والقُوى فِيما لا يَعُودُ عَلى النَّفْسِ كَمالًا، ولا يُوجِبُ لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى زُلْفى. انْتَهى.
وهَذِهِ الجُمَلُ المَحْكِيَّةُ عَنِ اللَّعِينِ مِمّا نَطَقَ بِهِ لِسانُهُ مَقالًا أوْ حالًا، وما فِيها مِنَ (اللّاماتِ) كُلُّها لِلْقَسَمِ، والمَأْمُورُ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ النَّظْمِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى عَنْ مُتابَعَتِهِ فَقالَ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِإيثارِ ما يَدْعُو إلَيْهِ، مُجاوِزًا وِلايَةَ اللَّهِ بِتَرْكِ ما يَدْعُو إلَيْهِ ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا لِمَصِيرِهِ إلى النّارِ المُؤَبَّدَةِ عَلَيْهِ.
النساء 4:120
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [١٢٠]
﴿يَعِدُهُمْ﴾ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ ﴿ويُمَنِّيهِمْ﴾ أيْ: ما لا يَنالُونَهُ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ باطِلًا وضَلالًا، وإيهامَ نَفْعٍ مِمّا لَيْسَ فِيهِ إلّا الضَّرَرُ.
النساء 4:121
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [١٢١]
﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: أوْلِياءُ الشَّيْطانِ ﴿مَأْواهُمْ﴾ مَصِيرُهم ومَآلُهم يَوْمَ القِيامَةِ (p-١٥٧٣)﴿جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ مَعْدَلًا ومَفَرًّا.
النساء 4:122
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ والأتْقِياءِ ومَآلَهم مِنَ الكَرامَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ [١٢٢]
﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهم ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: عَمِلَتْ جَوارِحُهم بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الخَيْراتِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ غُرَفِها ومَساكِنِها ﴿الأنْهارُ﴾ أنْهارُ الخَمْرِ والماءِ واللَّبَنِ والعَسَلِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُقِيمِينَ في الجَنَّةِ، لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ مِنها ﴿أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ صِدْقًا واقِعًا لا مَحالَةَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ وعْدُ اللَّهِ حَقًّا ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ وعْدًا وخْيَرًا، وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنهُ قِيلًا، لا إلَهَ إلّا هو لا رَبَّ سِواهُ.
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: «إنَّ أصْدَقَ الحَدِيثِ كَلامُ اللَّهِ، وخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالَةٍ في النّارِ» .
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ مُعارَضَةُ المَواعِيدِ الشَّيْطانِيَّةِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ الصّادِقِ لِأوْلِيائِهِ، والمُبالِغَةُ في تَوْكِيدِهِ؛ تَرْغِيبًا لِلْعِبادِ في تَحْصِيلِهِ، و(القِيلُ) مَصْدَرٌ، كالقالِ والقَوْلِ.
النساء 4:123
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [١٢٣]
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى شَهَواتِكم وأمانِيِّكم أيُّها المُشْرِكُونَ أنْ تَنْفَعَكُمُ الأصْنامُ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ولا عَلى شَهَواتِ اليَهُودِ والنَّصارى حَيْثُ قالُوا: (p-١٥٧٤)﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [المائِدَةِ: ١٨] ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: ٨٠] .
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ:
النساء 4:124
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [١٢٤]
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و(مِنَ) الأُولى زائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، وصِفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أيْ: شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِهِمْ قَدْرُ نَقِيرٍ، وهو النُّقْرَةُ الَّتِي عَلى ظَهْرِ النَّواةِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في نَفْيِ الظُّلْمِ، ووَعْدٌ بِتَوْفِيَةِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، والرّاجِعُ فِي: " ولا يُظْلِمُونَ " لِعُمّالِ السُّوءِ وعُمّالِ الصّالِحاتِ جَمِيعًا، وجازَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ دَلِيلًا عَلى ذِكْرِهِ عِنْدَ الآخَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ تَمَنِّي أهْلِ الكِتابِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] [البَقَرَةِ: ٨١] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٨٢] عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]
* *
(p-١٥٧٥)تَنْبِيهٌ:
ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣] لِلْمُشْرِكِينَ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١٢٣] أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ - هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ ونَظْمُها الكَرِيمُ كَما بَيَّنّا.
ورَواهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، قالَ الأوَّلانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: (السُّوءُ) هَهُنا هو الشِّرْكُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١٢٣] هو الكافِرُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧]
ولَمّا كانَ لِعُمُومِ هَذا الخِطابِ رَوْعَةٌ، وأيُّ رَوْعَةٍ، أشْفَقَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ لِأجْلِهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ قالَ: أُخْبِرْتُ «أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الفَلاحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فَكُلُّ سُوءٍ عَمِلْنا جُزِينا بِهِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا أبا بَكْرٍ، ألَسْتَ تَمْرَضُ ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تَحْزَنُ؟ ألَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْواءُ قالَ: بَلى، قالَ: هو مِمّا تُجْزَوْنَ بِهِ»
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَدِّدُوا وقارِبُوا، فَإنَّ في كُلِّ ما يُصابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفّارَةٌ، حَتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، والنَّكْبَةِ يُنْكَبُها» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، (p-١٥٧٦)وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: إنَّهُما سَمِعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ ولا سَقَمٍ ولا حَزَنٍ، حَتّى الهَمِّ يُهِمُّهُ - إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْ سَيِّئاتِهِ» أخْرَجاهُ.
ورَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) قالَ: نَعَمْ، ومَن يَعْمَلْ حَسَنَةً يُجْزَ بِها عَشْرًا، فَهَلَكَ مَن غَلَبَ واحِدَتُهُ عَشَراتِهِ» .
النساء 4:125
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ [١٢٥]
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى فَلَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِواهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ، أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ (p-١٥٧٧)عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها وقَبُولِها ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا، أيْ: تارِكًا لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، ومُقْبِلٌ عَلى الحَقِّ بِكُلِّيَّتِهِ، لا يَصُدُّهُ عَنْهُ صادٌّ، ولا يَرُدُّهُ عَنْهُ رادٌّ.
قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَطَ حُصُولَ النَّجاةِ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ بِكَوْنِ الإنْسانِ مُؤْمِنًا - شَرَحَ الإيمانَ وبَيَّنَ فَضْلَهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ المُشْتَمِلُ عَلى إظْهارِ كَمالِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّرْغِيبِ في دِينِ الإسْلامِ.
أُمًّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّ دِينَ الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرَيْنِ: الِاعْتِقادُ، والعَمَلُ.
أمّا الِاعْتِقادُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ هو الِانْقِيادُ والخُضُوعُ، والوَجْهُ أحْسَنُ أعْضاءِ الإنْسانِ، فالإنْسانُ إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ وعُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ - فَقَدْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.
وأمّا العَمَلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ الحَسَناتِ وتَرْكُ السَّيِّئاتِ، فَتَأمَّلْ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ (p-١٥٧٨)المُخْتَصَرَةِ واحْتِوائِها عَلى جَمِيعِ المَقاصِدِ والأغْراضِ.
وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ أنَّهُ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وما أسْلَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَمالَ الإيمانِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَفْوِيضِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى الخالِقِ، وإظْهارِ التَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَعِينُونَ بِالأصْنامِ ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والدَّهْرِيَّةُ والطَّبِيعِيُّونَ يَسْتَعِينُونَ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ والطَّبائِعِ وغَيْرِها.
واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ في دَفْعِ عِقابِ الآخِرَةِ عَنْهُمْ: إنَّهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَجَمِيعُ الفِرَقِ اسْتَعانُوا بِغَيْرِ اللَّهِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ فَضِيلَةِ الإسْلامِ فَهو أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ إنَّما دَعا الخَلْقَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كُلِّ الخَلْقِ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنْعامِ: ١٩] وما كانَ يَدْعُو إلى عِبادَةِ فَلَكٍ ولا طاعَةِ كَوْكَبٍ، ولا سَجْدَةٍ لِصَنَمٍ، ولا اسْتِعانَةٍ بِطَبِيعَةٍ، بَلْ كانَ دَيْدَنُهُ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ والإعْراضَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، وهَكَذا دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ، ﷺ.
ثُمَّ إنَّ شَرْعَ إبْراهِيمَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الكُلِّ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ لا يَفْتَخِرُونَ بِشَيْءٍ كافْتِخارِهِمْ بِالِانْتِسابِ إلى إبْراهِيمَ، وأمّا اليَهُودُ والنَّصارى فَلا شَكَّ في كَوْنِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ شَرْعُ مُحَمَّدٍ مَقْبُولًا عِنْدَ الكُلِّ.
﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ أيْ: صَفِيًّا خالِصَ المَحَبَّةِ لَهُ، وإظْهارُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ- في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ، وسِرُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ التَّرْغِيبُ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَبْلَغًا مُصَحِّحًا لِتَسْمِيَتِهِ خَلِيلًا (p-١٥٧٩)حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ اتِّباعُ طَرِيقَتِهِ أهَمَّ ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ، وأشْرَفَ ما يَرْمُقُ نَحْوَهُ أحْداقُ الأُمَمِ، فَإنَّ دَرَجَةَ الخُلَّةِ أرْفَعُ مَقاماتِ المَحَبَّةِ، وما ذاكَ إلّا لِكَثْرَةِ طاعَتِهِ لِرَبِّهِ، كَما وصَفَهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] [النَّجْمِ: ٣٧].
قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ: أيْ: قامَ بِجَمِيعِ ما أُمِرَ بِهِ، وفي كُلِّ مَقامٍ مِن مَقاماتِ العِبادَةِ، فَكانَ لا يَشْغَلُهُ أمْرٌ جَلِيلٌ عَنْ حَقِيرٍ، ولا كَبِيرٌ عَنْ صَغِيرٍ، وقالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] [البَقَرَةِ: ١٢٤] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] [النَّحْلِ: ١٢٠] الآيَةَ.
والخَلِيلُ لُغَةً: الصَّدِيقُ المُخْتَصُّ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَلِيلُ: الصّادِقُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو المُحِبُّ الَّذِي لا خَلَلَ في مَحَبَّتِهِ، وبِهِ فَسَّرَ الآيَةَ، أيْ: أحَبَّهُ مَحَبَّةً تامَّةً لا خَلَلَ فِيها.
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الخَلِيلُ مِن أصْفى المَوَدَّةِ وأصَحِّها، قالَ: ولا أزِيدُ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأنَّها في القُرْآنِ. انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: ذَكَرُوا في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ وُجُوهًا:
مِنها أنَّ خَلِيلَ الإنْسانِ هو الَّذِي يَدْخُلُ في خِلالِ أُمُورِهِ وأسْرارِهِ، والَّذِي دَخَلَ حُبُّهُ في خِلالِ أجْزاءِ قَلْبِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ هو الغايَةُ في المَحَبَّةِ، قِيلَ: لَمّا أطْلَعَ اللَّهُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلَكُوتِ الأعْلى والأسْفَلِ، ودَعا القَوْمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ النَّجْمِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ سُلِّمَ لِلنِّيرانِ، ووَلَدُهُ لِلْقُرْبانِ، ومالُهُ لِلضِّيفانِ - جَعَلَهُ اللَّهُ إمامًا لِلْخَلْقِ، ورَسُولًا إلَيْهِمْ، وبَشَّرَهُ بِأنَّ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ في ذُرِّيَّتِهِ، فَلِهَذِهِ الِاخْتِصاصاتِ سَمّاهُ خَلِيلًا؛ لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ لِإيصالِ الخَيْراتِ والمَنافِعِ إلَيْهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: (لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ ... إلَخْ مَنزَعٌ كَلامِيٌّ لا سَلَفِيٌّ).
(p-١٥٨٠)ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: وعِنْدِي وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ إذا كانَ مُضِيئًا مُشْرِقًا عُلْوِيًّا قَلِيلَ التَّعَلُّقِ بِالذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ والأحْوالِ الجَسَدانِيَّةِ، ثُمَّ انْضافَ إلى مِثْلِ هَذا الجَوْهَرِ المُقَدِّسِ الشَّرِيفِ أعْمالٌ تَزِيدُهُ صِقالَةً عَنِ الكُدُوراتِ الجُسْمانِيَّةِ، وأفْكارٌ تَزِيدُهُ اسْتِنارَةً بِالمَعارِفِ القُدْسِيَّةِ والجَلايا الإلَهِيَّةِ -صارَ مِثْلُ هَذا الإنْسانِ مُتَوَغِّلًا في عالَمِ القُدْسِ والطَّهارَةِ، مُتَبَرِّئًا عَنْ عَلائِقِ الجِسْمِ والحِسِّ، ثُمَّ لا يَزالُ هَذا الإنْسانُ يَتَزايَدُ في هَذِهِ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لا يَرى إلّا اللَّهَ، ولا يَسْمَعُ إلّا اللَّهَ، ولا يَتَحَرَّكُ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَسْكُنُ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَمْشِي إلّا بِاللَّهِ، فَكَأنَّ نُورَ جَلالِ اللَّهِ قَدْ سَرى في جَمِيعِ قُواهُ الجُسْمانِيَّةِ، وتَخَلَّلَ فِيها وغاصَ في جَواهِرِها، وتَوَغَّلَ في ماهِيّاتِها، فَمِثْلُ هَذا الإنْسانِ هو المَوْصُوفُ حَقًّا بِأنَّهُ خَلِيلٌ؛ لِما أنَّهُ تَخَلَّلَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ في جَمِيعِ قُواهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: «اللَّهُمَّ! اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وفي عَصَبِي نُورًا» انْتَهى.
(p-١٥٨١)قالَ الإمامُ العَلّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ "الجَوابُ الكافِي": الخُلَّةُ تَتَضَمَّنُ كَمالَ المَحَبَّةِ ونِهايَتَها، بِحَيْثُ لا يَبْقى في القَلْبِ سَعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، وهي مَنصِبٌ لا يَقْبَلُ المُشارَكَةَ بِوَجْهٍ ما، وهَذا المَنصِبُ خاصَّةٌ لِلْخَلِيلَيْنِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما - إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ، كَما قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا» .
وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِن أهْلِ الأرْضِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا، ولَكِنَّ صاحِبَكم خَلِيلُ اللَّهِ» .
وفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنِّي أبْرَأُ إلى كُلِّ خَلِيلٍ مِن خُلَّتِهِ» .
ولَمّا سَألَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - (p-١٥٨٢)الوَلَدَ، فَأُعْطِيَهُ، فَتَعَلَّقَ حُبُّهُ بِقَلْبِهِ، فَأخَذَ مِنهُ شُعْبَةً، غارَ الحَبِيبُ عَلى خَلِيلِهِ أنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِهِ، فَأُمِرَ بِذَبْحِهِ، وكانَ الأمْرُ في المَنامِ لِيَكُونَ تَنْفِيذُ المَأْمُورِ بِهِ أعْظَمَ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ ذَبْحَ الوَلَدِ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ ذَبْحُهُ مِن قَلْبِهِ؛ لِيَخْلُصَ القَلْبُ لِلرَّبِّ، فَلَمّا بادَرَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى الِامْتِثالِ، وقَدَّمَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلى مَحَبَّةِ ولَدِهِ حَصَلَ المَقْصُودُ، فَرُفِعَ الذَّبْحُ وفُدِيَ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى ما أمَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ أبْطَلَهُ رَأْسًا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يُبْقِيَ بَعْضَهُ أوْ بَدَلَهُ، كَما أبْقى شَرِيعَةَ الفِداءِ، وكَما أبْقى اسْتِحْبابَ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ المُناجاةِ، وكَما أبْقى الخَمْسَ الصَّلَواتِ بَعْدَ رَفْعِ الخَمْسِينَ، وأبْقى ثَوابَها، وقالَ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] [ق: ٢٩]، هي خَمْسٌ في الفِعْلِ وخَمْسُونَ في الأجْرِ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ قُدِّسَ سِرُّهُ: وأمّا ما يَظُنُّهُ بَعْضُ الظّانِّينَ أنَّ المَحَبَّةَ أكْمَلُ مِنَ الخُلَّةِ وأنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ حَبِيبُ اللَّهِ - فَمِن جَهْلِهِ، فَإنَّ المَحَبَّةَ عامَّةٌ والخُلَّةَ خاصَّةٌ، والخُلَّةُ نِهايَةُ المَحَبَّةِ، وقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيلٌ غَيْرُ رَبِّهِ، مَعَ إخْبارِهِ بِحُبِّهِ لِعائِشَةَ ولِأبِيها ولِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِمْ.
وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ: ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: ٢٢٢] و: ﴿يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] و: ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] [البَقَرَةِ: ١٩٥] (p-١٥٨٣)و: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] [آلِ عِمْرانَ: ٧٦] و: ﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] [المُمْتَحَنَةِ: ٨] وخُلَّتُهُ خاصَّةٌ بِالخَلِيلَيْنِ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - والشّابُّ التّائِبُ حَبِيبُ اللَّهِ، وإنَّما هَذا عَنْ قِلَّةِ العِلْمِ والفَهْمِ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ. انْتَهى.
وقَدْ تَمَسَّكَ مَن زَعَمَ أنَّ المَحَبَّةَ أصْفى مِنَ الخُلَّةِ بِما رَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «جَلَسَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتّى إذا دَنا مِنهم سَمِعَهم يَتَذاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وإذا بَعْضُهم يَقُولُ: عَجَبًا إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِن خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإبْراهِيمَ خَلِيلُهُ. وقالَ آخَرُ: ماذا بِأعْجَبَ مِن أنْ كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا. وقالَ الآخَرُ: فَعِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ. وقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ.
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وقالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكم وتَعَجُّبَكُمْ، إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وهو كَذَلِكَ، ومُوسى كَلِيمُهُ، وعِيسى رُوحُهُ وكَلِمَتُهُ، وآدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ، وهو كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ قالَ: ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ وأوَّلُ مُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ مَن يُحَرِّكُ حَلَقَةَ الجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي ويُدْخِلُنِيها ومَعِيَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ، ولِبَعْضِهِ شَواهِدُ في الصِّحاحِ وغَيْرِها. انْتَهى.
قُلْتُ: ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا في جامِعِهِ في فَضائِلِهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
(p-١٥٨٤)وظاهِرٌ أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ - لا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ المَحَبَّةِ أرْفَعُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُورَدْ لِلتَّفاضُلِ بَيْنَهُما، وإنَّما سِيقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ ما بَعْدَها لِلتَّعْرِيفِ بِقَدْرِهِ الجَسِيمِ، وفَضْلِهِ العَظِيمِ، وبَيانِ خَصائِصِهِ الَّتِي لَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلُ في مَخْلُوقٍ، وما يُدانُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن حَقِّهِ الَّذِي هو أرْفَعُ الحُقُوقِ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١] [المُدَّثِّرِ: ٣١].
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ قالَ: "لَمّا اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ألْقى في قَلْبِهِ الوَجَلَ، حَتّى إنَّ خَفَقانَ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِن بَعِيدٍ كَما يُسْمَعُ خَفَقانُ الطَّيْرِ في الهَواءِ" وهَكَذا جاءَ في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المِرْجَلِ - إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها - مِنَ البُكاءِ.
النساء 4:126
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [١٢٦]
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِبَيانِ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا، لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ خَيْرًا وشَرًّا.
وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِهِ كَما هو دَأْبُ الآدَمِيِّينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ الخُلَّةَ لا تُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ.
(p-١٥٨٥)وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اصْطِفاءَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – لِلْخُلَّةِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى، أيْ: لَهُ تَعالى ما فِيهِما جَمِيعًا، يَخْتارُ مِنهُما ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ يَعْنِي عالِمًا عِلْمَ إحاطَةٍ، لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن عِبادِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ [سبإ: ٣] [يُونُسَ: ٦١].
النساء 4:127
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [١٢٧]
﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ أيْ: ويَسْألُونَكَ الإفْتاءَ في النِّساءِ، والإفْتاءُ تَبْيِينُ المُبْهَمِ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ ذَكَرُوا في (ما) وُجُوهًا: المُخْتارُ مِنها أنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالعَطْفِ عَلى المُبْتَدَأِ، وهو لَفْظُ الجَلالَةِ، أيْ: والمَتْلُوُّ في الكِتابِ يُفْتِيكم فِيهِنَّ أيْضًا، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ فِي: " يُفْتِيكم " وساغَ لِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ والجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ المَتْلُوُّ في الكِتابِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]
قالَ الرّازِيُّ: وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم كانُوا قَدْ سَألُوا عَنْ (p-١٥٨٦)أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِن أحْوالِ النِّساءِ، فَما كانَ مِنها غَيْرَ مُبَيَّنِ الحُكْمِ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُفْتِيهِمْ فِيها، وما كانَ مِنها مُبَيَّنَ الحُكْمِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ المَتْلُوَّةَ تُفْتِيهِمْ فِيها، وجَعَلَ دَلالَةَ الكِتابِ عَلى هَذا الحُكْمِ إفْتاءً مِنَ الكِتابِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ في المَشْهُورِ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ بَيَّنَ لَنا هَذا الحُكْمَ، وكَما جازَ هَذا جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ أفْتى بِكَذا.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ ودَوامِها، و(فِي الكِتابِ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا فِيهِ.
﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى (مِن) لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وقِيلَ: مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ: النِّساءِ اليَتامى.
﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أيْ: ما وجَبَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها – قالَتْ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ، هو ولِيُّها ووارِثُها، فَأشْرَكَتْهُ في مالِهِ حَتّى في العِذْقِ، فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها، ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلَها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وعَنْها أيْضًا قالَتْ: وقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: (p-١٥٨٧)﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.
وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ، وأنَّ الجارَّ المُقَدَّرَ مَعَ (أنْ) هُنا هو (عَنْ) وقَدْ تَأوَّلَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، أيْ: تَقْدِيرُ (عَنْ) و(فِي) فَقالَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ والغَنِيَّةِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: والمَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ أوْضَحُ في أنَّ الآيَةَ الأُولى - أيِ: الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ - نَزَلَتْ في الغَنِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَقْصُودُ أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ في حِجْرِهِ يَتِيمَةٌ يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُها فَتارَةً يَرْغَبُ في أنْ يَتَزَوَّجَها فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُمْهِرَها أُسْوَةَ أمْثالِها مِنَ النِّساءِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَعْدِلْ إلى غَيْرِها مِنَ النِّساءِ، فَقَدْ وسَّعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - وهَذا المَعْنى في الآيَةِ الأُولى الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ - وتارَةً لا يَكُونُ لَهُ فِيها رَغْبَةٌ لِدَمامَتِها عِنْدَهُ - أوْ في نَفْسِ الأمْرِ - فَنَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَعْضُلَها عَنِ الأزْواجِ خَشْيَةَ أنْ يُشْرِكُوهُ في مالِهِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَها، كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ الآيَةَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةِ فَيُلْقِي عَلَيْها ثَوْبَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَتَزَوَّجَها أبَدًا، فَإنْ كانَتْ (p-١٥٨٨)جَمِيلَةً وهَوِيَها تَزَوَّجَها وأكَلَ مالَها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً مَنَعَها الرِّجالَ أبَدًا حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ ورِثَها، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ ونَهى عَنْهُ.
تَنْبِيهٌ: ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ، أيْ: أنَّ حَرْفَ الجَرِّ المُقَدَّرِ مَعَ (أنْ) هو (عَنْ) و(فِي) وأنَّ كُلًّا مِنهُما مُرادٌ مِنها عَلى سَبِيلِ البَدَلِ لِصَلاحِيَّتِها لَهُما بِالِاعْتِبارَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.
قالَ الخَفاجِيُّ: مِثْلُهُ لا يُعَدُّ لَبْسًا بَلْ إجْمالًا، كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. انْتَهى.
قُلْتُ: وهَذا بِناءً عَلى أنَّ اللَّبْسَ هو أنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلى غَيْرِ المُرادِ، والإجْمالَ أنْ لا تَتَّضِحَ الدَّلالَةُ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إيرادُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَحْتَمِلُ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمُ الفَرْقَ بَيْنَهُما فَقالَ:
؎والفَرْقُ بَيْنَ اللَّبْسِ والإجْمالِ مِمّا بِهِ يُهْتَمُّ في الأقْوالِ
؎فاللَّفْظُ إنْ أفْهَمْ غَيْرَ القَصْدِ ∗∗∗ فاحْكم عَلى اسْتِعْمالِهِ بِالرَّدِّ
؎لِأنَّهُ اللَّبْسُ. وأمّا المُجْمَلُ ∗∗∗ فَرُبَّما يَفْهَمُهُ مَن يَعْقِلُ
؎وذاكَ أنْ لا تَفْهَمَ المُخالِفا ∗∗∗ ولا سِواهُ بَلْ تَصِيرُ واقِفًا
؎وحُكْمُهُ القَبُولُ في المَوارِدِ ∗∗∗ فاحْفَظْهُ نَظْمًا أعْظَمُ الفَوائِدِ
﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ عَطْفٌ (عَلى يَتامى النِّساءِ) وما يُتْلى في حَقِّهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] إلَخْ، وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَهُمْ، كَما لا يُوَرِّثُونَ الرِّجالَ القُوّامَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الآيَةِ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ ولا البَناتِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي سَهْمٍ سَهْمَهُ، فَقالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، وكَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ بِالجَرِّ، عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وما يُتْلى في حَقِّهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٥٨٩)﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] [النِّساءِ: ٢] ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: كَما أنَّها إذا كانَتْ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ نَكَحْتَها واسْتَأْثَرْتَ بِها كَذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنْ ذاتَ مالٍ وجِمالٍ فانْكَحْها واسْتَأْثِرْ بِها، والخِطابُ لِلْوُلاةِ أوْ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
اسْتُنْبِطَ مِن الآيَةِ أحْكامٌ:
الأوَّلُ: جَوازُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأنَّ اليَتِيمَ: الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، وفي الحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ» رَواهُ أبُو داوُدَ.
وعَنِ الأصَمِّ: أرادَ البَوالِغَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، وسَمّاهُنَّ بِاليُتْمِ لِقُرْبِ عَهْدِهِنَّ بِاليُتْمِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ الحَقِيقَةُ، قالُوا: قَدْ يُطْلَقُ اليَتِيمُ عَلى البالِغَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ في نَفْسِها، فَإنْ سَكَتَتْ فَهو إذْنُها، وإنْ أبَتْ فَلا جَوازَ عَلَيْها» رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ، والِاسْتِئْمارُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ البالِغَةِ، وقَدْ ورَدَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأيامى النِّسْوَةَ الأرامِلَ اليَتامى
(p-١٥٩٠)فَسَمّى البالِغاتِ يَتامى؛ لِانْفِرادِهِنَّ عَنِ الأزْواجِ، وكُلُّ شَيْءٍ مُنْفَرِدٌ لا نَظِيرَ لَهُ يُقالُ لَهُ يَتِيمٌ، كَقَوْلِهِمْ: "دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ" وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ:
الأوَّلُ: جَوازُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ لِجَمِيعِ الأوْلِياءِ، وهَذا مَذْهَبُ الهادَوِيَّةِ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ.
الثّانِي: لِلنّاصِرِ والشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْأبِ والجَدِّ.
والثّالِثُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْأبِ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، ومَرْوِيٌّ عَنِ القاسِمِ.
دَلِيلُ الأوَّلَيْنِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وهي نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَتِيمَةِ يَنْكِحُها ولِيُّها ولا يُقْسِطُ لَها في المَهْرِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يُقْسِطُوا في المَهْرِ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] واليُتْمُ الحَقِيقِيُّ مَعَ الصِّغَرِ، وغَيْرُهُ مَجازٌ، وأدْنى الأوْلِياءِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ النِّكاحُ ابْنُ العَمِّ، فَإذا صَحَّ فِيهِ صَحَّ.
وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي قَوْلُهُ ﷺ: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ» الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، والإذْنُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البُلُوغِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والدّارَقُطْنِيُّ أنَّ قُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةِ أخِيهِ - وكانَ وصِّيَها - مِمَّنْ أبَتْهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «هِيَ يَتِيمَةٌ ولا تُنْكَحُ إلّا بِإذْنِها» كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ.
وتَخْرِيجُ الأحادِيثِ مِن زِيادَتِي، وما نَقَلَهُ مِن أنَّ الإذْنَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البُلُوغِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ؛ إذْ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ بِمَنطُوقِهِ ولا مَفْهُومِهِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": وفي حَدِيثِ: «لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتّى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ»: ظاهِرُ الحَدِيثِ اشْتِراطُ رِضاءِ المُزَوَّجَةِ بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا، صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً. انْتَهى.
قالَ التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ": وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَجُوزُ نِكاحُ اليَتِيمَةِ حَتّى تَبْلُغَ.
وقالَ (p-١٥٩١)أحْمَدُ وإسْحاقُ: إذا بَلَغَتِ اليَتِيمَةُ سَبْعَ سِنِينَ فَزُوِّجَتْ فَرَضِيَتْ فالنِّكاحُ جائِزٌ، ولا خِيارَ لَها إذا أدْرَكَتْ، واحْتَجّا بِحَدِيثِ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ». وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهي امْرَأةٌ. انْتَهى.
الحُكْمُ الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى طَرَفَيِ العَقْدِ واحِدٌ في النِّكاحِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾
وقَدْ رَوى ابْنُ سَعْدٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ، أنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ قارِظٍ قالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إنَّهُ قَدْ خَطَبَنِي غَيْرُ واحِدٍ، فَزَوِّجْنِي أيَّهم رَأيْتَ، قالَ: وتَجْعَلِينَ ذَلِكَ إلَيَّ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، قالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ، قالابْنُ أبِي ذِئْبٍ: فَجازَ نِكاحُهُ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، ووَكِيعٌ، والبَيْهَقِيُّ أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً وهو ولِيُّها، فَأمَرَ أبْعَدَ مِنهُ، فَزَوَّجَهُ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: امْرَأةٌ خَطَبَها ابْنُ عَمٍّ لَها، لا رَجُلَ لَها غَيْرُهُ، قالَ: فَلْتُشْهِدْ أنَّ فُلانًا خَطَبَها، وإنِّي أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ نَكَحْتُهُ، ولْتَأْمُرْ رَجُلًا مِن عَشِيرَتِها.
(p-١٥٩٢)أخْرَجَ هَذِهِ الآثارَ الثَّلاثَةَ البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ" تَعْلِيقًا في (بابِ إذا كانَ الوَلِيُّ هو الخاطِبَ) أيْ: هَلْ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ أوْ يَحْتاجُ إلى ولِيٍّ آخَرَ.
قالَ ابْنُ المُنِيرِ: ذَكَرَ في التَّرْجَمَةِ ما يَدُلُّ عَلى الجَوازِ والمَنعِ مَعًا؛ لِيَكِلَ الأمْرَ في ذَلِكَ إلى نَظَرِ المُجْتَهِدِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن صَنِيعِهِ أنَّهُ يَرى الجَوازَ، فَإنَّ الآثارَ الَّتِي فِيها أمْرُ الوَلِيِّ غَيْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهُ - لَيْسَ فِيها التَّصْرِيحُ بِالمَنعِ مِن تَزْوِيجِهِ نَفْسَهُ.
ثُمَّ قالَ: وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ الأوْزاعِيُّ ورَبِيعَةُ والثَّوْرِيُّ ومالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأكْثَرُ أصْحابِهِ: يُزَوِّجُ الوَلِيُّ نَفْسَهُ، ووافَقَهم أبُو ثَوْرٍ.
وعَنْ مالِكٍ: لَوْ قالَتِ الثَّيِّبُ لِوَلِيِّها: زَوِّجْنِي بِمَن رَأيْتَ، فَزَوَّجَها مِن نَفْسِهِ أوْ مِمَّنِ اخْتارَ لَزِمَها ذَلِكَ، ولَوْ لَمْ تَعْلَمْ عَيْنَ الزَّوْجِ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهُما السُّلْطانُ أوْ ولِيٌّ آخَرُ مِثْلُهُ، أوْ أقْعَدُ مِنهُ، ووافَقَهُ زُفَرُ وداوُدُ، وحُجَّتُهم أنَّ الوِلايَةَ شَرْطٌ في العَقْدِ، فَلا يَكُونُ النّاكِحُ مُنْكِحًا، كَما لا يَبِيعُ مِن نَفْسِهِ. انْتَهى.
الحُكْمُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأوْلِياءِ التَّصَرُّفُ في المالِ؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ.
﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ لا سِيَّما في حَقِّ الضُّعَفاءِ مِن حِفْظِ أمْوالِهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِهِمْ والإقْساطِ لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ فَيَجْزِيكم بِهِ.
النساء 4:128
(p-١٥٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [١٢٨]
﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ أيْ: زَوْجِها ﴿نُشُوزًا﴾ أيْ: تَجافِيًا عَنْها وتَرَفُّعًا عَنْ صُحْبَتِها، بِتَرْكِ مُضاجَعَتِها والتَّقْصِيرِ في نَفَقَتِها ﴿أوْ إعْراضًا﴾ أيْ: تَطْلِيقًا، أوْ أنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها ومُجالَسَتَها؛ كَراهَةً لَها أوْ لِطُمُوحِ عَيْنِهِ إلى أجْمَلَ مِنها.
﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ: لا إثْمَ ﴿عَلَيْهِما﴾ حِينَئِذٍ ﴿أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ بِحَطِّ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ أوِ النَّفَقَةِ، أوْ هِبَةِ شَيْءٍ مِن مالِها أوْ قَسْمِها؛ طَلَبًا لِبَقاءِ الصُّحْبَةِ إنْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ، وإلّا فَعَلى الزَّوْجِ أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها أوْ يُفارِقَها.
قالَ في "الإكْلِيلِ": الآيَةُ أصْلٌ في هِبَةِ الزَّوْجَةِ حَقَّها مِنَ القَسْمِ وغَيْرِهِ، اسْتَدَلَّ بِهِ مَن أجازَ لَها بَيْعَ ذَلِكَ.
﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ والنُّشُوزِ والإعْراضِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَلِ الطَّلاقُ بَغِيضٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ» .
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ حَثٌّ عَلى الصَّبْرِ عَلى نَفْسِ الصُّحْبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ وسُوءِ العِشْرَةِ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُصُومَةِ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَما أنَّ الخُصُومَةَ شَرٌّ مِنَ الشُّرُورِ، وقَدْ كانَ مِن كَرَمِ (p-١٥٩٤)أخْلاقِهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُكْرِمُ صَواحِبَ خَدِيجَةَ بَعْدَ مَوْتِها، وعَنْهُ ﷺ: «إنَّهُ مِن أبَرِّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ» وهَذا فِيهِ صَبْرٌ، وفي الصَّبْرِ ما لا يُحْصَرُ مِنَ (p-١٥٩٥)المَحاسِنِ والفَضائِلِ، والصُّلْحُ فِيهِ مِن أنْواعِ التَّرْغِيبِ.
رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «مَن أصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ اسْتَوْجَبَ ثَوابَ شَهِيدٍ»، وعَنْ أنَسٍ: «مَن أصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أعْطاهُ اللَّهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ» . انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عامٌّ في كُلِّ صُلْحٍ، أصْلٌ فِيهِ.
وفِي الحَدِيثِ: «الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا صُلْحًا أحَلَّ حَرامًا أوْ حَرَّمَ حَلالًا» واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أجازَ الصُّلْحَ عَلى الإنْكارِ والمَجْهُولِ.
﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ بَيانٌ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ، أيْ: جُعِلَتْ حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، لا تَنْفَكُّ عَنْهُ أبَدًا، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِالنُّشُوزِ والإعْراضِ وحُقُوقِها مِنَ الرَّجُلِ، ولا الرَّجُلُ في إمْساكِها مَعَ القِيامِ بِحُقُوقِها عَلى ما يَنْبَغِي، إذا كَرِهَها أوْ أحَبَّ غَيْرَها، والجُمْلَةُ الأُولى لِلتَّرْغِيبِ في المُصالَحَةِ، والثّانِيَةُ لِتَمْهِيدِ العُذْرِ في المُشاحَّةِ، ولِلْحَثِّ عَلى الصُّلْحِ، فَإنَّ شُحَّ نَفْسِ الرَّجُلِ وعَدَمَ مَيْلِها عَنْ حالَتِها الجِبِلِّيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِمالَةٍ مِمّا يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى بَذْلِ بَعْضِ حُقُوقِها إلَيْهِ لِاسْتِمالَتِهِ، وكَذا شُحُّ نَفْسِها بِحُقُوقِها مِمّا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى أنْ يَقْتَنِعَ مِن قِبَلِها بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، ولا يُكَلِّفَها بَذْلَ الكَثِيرِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الصُّلْحِ.
﴿وإنْ تُحْسِنُوا﴾ في العِشْرَةِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ ونَقْصَ الحَقِّ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن تَحَمُّلِ المَشاقِّ في ذَلِكَ ﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم ويُثِيبُكم.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي خِطابِ الأزْواجِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ رِعايَةِ حُقُوقِهِنَّ بِالإحْسانِ، ولَفْظِ (التَّقْوى) المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِ النُّشُوزِ والإعْراضِ مِمّا يُتَوَقّى مِنهُ، وتَرْتِيبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ - مِن لُطْفِ الِاسْتِمالَةِ والتَّرْغِيبِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ما لا يَخْفى.
وما قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ الآيَةِ هو زُبْدَةُ ما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ، صَحابَةً وتابِعِينَ في مَعْناها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا.
وفِي البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ في هَذِهِ الآيَةِ (p-١٥٩٦)قالَتِ: «الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ المُسِنَّةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ عَلِيٌّ: يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُ المَرْأةُ، فَتَنْبُو عَيْنُهُ عَنْها مِن دَمامَتِها أوْ كِبَرِها، أوْ سُوءِ خُلُقِها، أوْ قَذَذِها، فَتَكْرَهُ فِراقَهُ، فَإنْ وضَعَتْ لَهُ مِن مَهْرِها شَيْئًا حَلَّ لَهُ، وإنْ جَعَلَتْ لَهُ مِن أيّامِها فَلا حَرَجَ.
وكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ - أيْضًا - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الشّابَّةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: أُنْزِلَ في سَوْدَةَ وأشْباهِها: ﴿وإنِ امْرَأةٌ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ «أنَّ سَوْدَةَ كانَتِ امْرَأةً قَدْ أسَنَّتْ، فَفَرَقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وضَنَّتْ بِمَكانِها مِنهُ، وعَرَفَتْ مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عائِشَةَ ومَنزِلَتِها مِنهُ، فَوَهَبَتْ يَوْمَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعائِشَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ».
ورَوى نَحْوَهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى الحاكِمُ، عَنْ عُرْوَةَ، «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لَهُ: يا ابْنَ أُخْتِي! كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في القَسْمِ مِن مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مَن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها (p-١٥٩٧)فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ - حِينَ أسَنَّتْ وفَرَقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -: يا رَسُولَ اللَّهِ! يَوْمِي هَذا لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها، قالَتْ: نَقُولُ في ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وفي أشْباهِها أُراهُ قالَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ».
وكَذَلِكَ رَواهُ أبُو داوُدَ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ««لَمّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لَها بِيَوْمِ سَوْدَةَ»».
ولا يَخْفى أنَّ قَبُولَهُ ﷺ ذَلِكَ مِن سَوْدَةَ إنَّما هو لِتَتَأسّى بِهِ أُمَّتُهُ في مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ وجَوازِهِ، فَهو أفْضَلُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ القِصَّةِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَزَمَ عَلى طَلاقِ سَوْدَةَ - باطِلٌ وسُوءُ فَهْمٍ مِنَ القِصَّةِ، إذْ لَمْ يُرْوَ عَزْمُهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ، لا في الصِّحاحِ ولا في السُّنَنِ ولا في المَسانِيدِ، غايَةُ ما رُوِيَ في السُّنَنِ أنَّ سَوْدَةَ خَشِيَتِ الفِراقِ لِكِبَرِها وتَوَهَّمَتْهُ، وجَلِيٌّ أنَّ لِلنِّساءِ في بابِ الغَيْرَةِ أوْهامًا مُنَوَّعَةً، فَتَقَدَّمَتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِقَبُولِ لَيْلَتِها لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ مِنها.
وما رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ بَعْضِ المَعاجِمِ مِن كَوْنِهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْها بِطَلاقِها، ثُمَّ ناشَدَتْهُ فَراجَعَها - فَهو (زِيادَةٌ عَنْ إرْسالِهِ وغَرابَتِهِ كَما قالَهُ) فِيهِ نَكارَةٌ لا تَخْفى.
لَطِيفَةٌ:
حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا أنَّ عِمْرانَ بْنَ حِطّانَ الخارِجِيَّ كانَ مِن أدَمِّ بَنِي آدَمَ، وامْرَأتُهُ مِن أجْمَلِهِمْ، فَأجالَتْ في وجْهِهِ نَظَرَها يَوْمًا، ثُمَّ تابَعَتِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ: ما لَكِ؟ قالَتْ: حَمَدْتُ اللَّهَ عَلى أنِّي وإيّاكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، قالَ: كَيْفَ؟ قالَتْ: لِأنَّكَ رُزِقْتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، ورُزِقْتُ مِثْلَكَ فَصَبَرْتُ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عِبادَهُ الشّاكِرِينَ والصّابِرِينَ. انْتَهى.
(p-١٥٩٨)قُلْتُ: عِمْرانُ المَذْكُورُ مِمَّنْ خَرَّجَ لَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ولَمّا ماتَ سُئِلَتْ زَوْجَتُهُ عَنْ تَرْجَمَتِهِ؟ فَقالَتْ: أوْجِزُ أمْ أُطْنِبُ؟ فَقِيلَ: أوْجِزِي، فَقالَتْ: ما قَدَّمْتُ لَهُ طَعامًا بِالنَّهارِ، وما مَهَّدْتُ لَهُ فِراشًا بِاللَّيْلِ، تَعْنِي أنَّهُ كانَ صَوّامًا قَوّامًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
النساء 4:129
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١٢٩]
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ أيْ: تُساوُوا بَيْنَهُنَّ في جَمِيعِ الوُجُوهِ، بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَيْلٌ ما إلى جانِبِ إحْداهُنَّ، في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، فَإنَّهُ - وإنْ وقَعَ القَسْمُ الصُّورِيُّ لَيْلَةً ولَيْلَةً - فَلا بُدَّ مِنَ التَّفاوُتِ في المَحَبَّةِ والشَّهْوَةِ والجِماعِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.
﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أيْ: عَلى إقامَةِ العَدْلِ، وبالَغْتُمْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَيْلَ يَقَعُ بِلا اخْتِيارٍ في القَلْبِ.
عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ! هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ» يَعْنِي القَلْبَ، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ أيْ: إذا مِلْتُمْ إلى واحِدَةٍ مِنهُنَّ فَلا تُبالِغُوا في المَيْلِ إلَيْها، وقالَ المَهايِمِيُّ: (p-١٥٩٩)فَلا تَمِيلُوا، أيْ: عَنِ امْرَأةٍ كُلَّ المَيْلِ فَتَتْرُكُوا المُسْتَطاعَ مِنَ القِسْطِ.
﴿فَتَذَرُوها﴾ أيِ: الَّتِي مِلْتُمْ عَنْها ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، لا تَكُونُ في إحْدى الجِهَتَيْنِ، لا ذاتَ زَوْجٍ ولا مُطَلَّقَةً.
ورَوى أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِدْقَيْهِ ساقِطٌ» .
كَذا رَأيْتُهُ في (ابْنِ كَثِيرٍ) شِدْقَيْهِ، بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ دالٍ.
ورِوايَةُ أصْحابِ السُّنَنِ المَنقُولَةُ: وشِقُّهُ (بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ قافٍ) ساقِطٌ، وفي رِوايَةٍ: مائِلٌ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ أيْ: نُفُوسَكم بِالتَّسْوِيَةِ والقِسْمَةِ والعَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ ﴿وتَتَّقُوا﴾ الحَيْفَ والجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما سَلَفَ مِن مَيْلِكم.
النساء 4:130
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ [١٣٠]
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيِ: الزَّوْجُ والمَرْأةُ بِالطَّلاقِ، بِأنْ لَمْ يَتَّفِقِ الصُّلْحُ بَيْنَهُما، فاخْتارُوا الفُرْقَةَ (p-١٦٠٠)﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا﴾ أيْ: مِنهُما، أيْ: يَجْعَلُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الآخَرِ ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ أيْ: غِناهُ وجُودِهِ وقُدْرَتِهِ، وفِيهِ زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ رَغْمًا لِصاحِبِهِ، وتَسْلِيَةٌ لَهُما بَعْدَ الطَّلاقِ.
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا﴾ أيْ: واسْعَ الفَضْلِ ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأقْدارِهِ وشَرْعِهِ.
النساء 4:131
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [١٣١]
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى كَمالِ سَعَتِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ أيْ: كَيْفَ لا يَكُونُ واسِعًا ولَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ والأرْزاقِ وغَيْرِهِما؟ فَلَهُ أنْ يُعْطِيَ ما شاءَ مِنهُما لِمَن شاءَ مِن عَبِيدِهِ، وعَلى هَذا فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، أوْ أتى بِها تَمْهِيدًا لِما بَعْدَها مِنَ العَمَلِ بِوَصِيَّتِهِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُ مالِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والحاكِمُ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ - والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ يَتَناوَلُ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ - ﴿وإيّاكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (الَّذِينَ).
﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وصَّيْنا كُلًّا مِنكم ومِنهم بِالتَّقْوى، وهي عِبادَتُهُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، والمَعْنى: أنَّ وصِيَّتَهُ قَدِيمَةٌ ما زالَ يُوصِي اللَّهُ بِها عِبادَهُ، ولَسْتُمْ بِها مَخْصُوصِينَ؛ لِأنَّهم بِالتَّقْوى يُسْعَدُونَ عِنْدَهُ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: فَهو مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ، لا يَضُرُّهُ كُفْرُكُمْ؛ لِغِناهُ المُطْلَقِ، فَما الوَصِيَّةُ إلّا لِفَلاحِكُمْ؛ رَحْمَةً بِكُمْ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] [إبْراهِيمَ: ٨] وقالَ تَعالى: (p-١٦٠١)﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] [التَّغابُنِ: ٦].
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عَنْ عِبادِهِ ﴿حَمِيدًا﴾ أيْ: مَحْمُودًا في ذاتِهِ، حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ.
النساء 4:132
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [١٣٢]
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ذَكَرَهُ ثالِثًا، إمّا لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا حَمِيدًا؛ فَإنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَدُلُّ بِحاجَتِها عَلى غِناهُ، وبِما أفاضَ عَلَيْها مِنَ الوُجُودِ وأنْواعِ الخَصائِصِ والكِمالاتِ عَلى كَوْنِهِ حَمِيدًا، وإمّا تَمْهِيدًا لِلاحِقِهِ "مَنِ" الشَّرْطِيَّةِ، وهو بَيانُ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، أيْ: لَهُ سُبْحانَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ خَلْقًا ومِلْكًا، فَهو قادِرٌ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ، فَإنْ عَصَيْتُمُوهُ - أيُّها النّاسُ - فَهو قادِرٌ عَلى إعْدامِكم وإفْنائِكم بِالكُلِّيَّةِ، وعَلى أنْ يُوجِدَ قَوْمًا آخَرِينَ يَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ وتَعْظِيمِهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ في هَذا المَقامِ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِتَقْرِيرِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ في سِياقِها، كَما بَيَّنا.
قالَ الرّازِيُّ: إذا كانَ الدَّلِيلُ الواحِدُ دَلِيلًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ يَحْسُنُ ذِكْرُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أحَدِ تِلْكَ المَدْلُولاتِ، ثُمَّ يُذْكَرُ مَرَّةً أُخْرى لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى الثّانِي، ثُمَّ ثالِثًا لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى المَدْلُولِ الثّالِثِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ عِنْدَ إعادَةِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يَخْطُرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجْلى، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرِيرَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.
وأيْضًا فَإذا أعَدْتَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وفَرَّعْتَ عَلَيْهِ في كُلِّ مَرَّةٍ إثْباتَ صِفَةٍ أُخْرى مِن صِفاتِ جَلالِ اللَّهِ - تَنَبَّهَ الذِّهْنُ حِينَئِذٍ لِكَوْنِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ دالًّا عَلى أسْرارٍ شَرِيفَةٍ ومَطالِبَ جَلِيلَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجْتَهِدُ الإنْسانُ في التَّفَكُّرِ فِيها والِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِها وصِفاتِها عَلى صِفاتِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ (p-١٦٠٢)الغَرَضُ الكُلِّيُّ مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ صَرْفُ العُقُولِ والأفْهامِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وكانَ هَذا التَّكْرِيرُ مِمّا يُفِيدُ حُصُولَ هَذا المَطْلُوبِ ويُؤَكِّدُهُ - لا جَرَمَ كانَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ. انْتَهى.
﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ أيْ: رَبًّا حافِظًا تَوَكَّلَ بِالقِيامِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ.
النساء 4:133
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [١٣٣]
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ: يُفْنِكم ويَسْتَأْصِلْكم بِالمَرَّةِ ﴿أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أيْ: ويُوجِدْ دُفْعَةً مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ، أوْ خَلْقًا آخَرِينَ مَكانَ الإنْسِ، يَعْنِي أنَّ إبْقاءَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ إنَّما هو لِكَمالِ غِناهُ عَنْ طاعَتِكُمْ، ولِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ بِالبالِغَةِ بِإفْنائِكُمْ، لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: إهْلاكِكم بِالمَرَّةِ وتَخْلِيقِ غَيْرِكم ﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] [إبْراهِيمَ: ١٩] فَفِيهِ (p-١٦٠٣)تَقْرِيرٌ لِغِناهُ وقُدْرَتِهِ، وتَهْدِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ، قالَ بَعْضَ السَّلَفِ: ما أهْوَنَ العِبادَ عَلى اللَّهِ إذا أضاعُوا أمْرَهُ!
النساء 4:134
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [١٣٤]
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُجاهِدُ لِلْغَنِيمَةِ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: فَما لَهُ يَطْلُبُ أخَسَّهُما، فَلْيَطْلُبْهُما، أوِ الأشْرَفَ مِنهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] [البَقَرَةِ: ٢٠٠ - ٢٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] [الشُّورى: ٢٠] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] [الإسْراءِ: ١٨] الآيَةَ.
قالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالآيَةِ مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى خالِقِهِمْ، ولا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، وكانُوا يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى لِيُعْطِيَهم مِن خَيْرِ الدُّنْيا ويَصْرِفَ عَنْهم شَرَّها.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ويُجازِي كُلًّا بِحَسَبِ قَصْدِهِ.
النساء 4:135
(p-١٦٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [١٣٥]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: مُقْتَضى إيمانِكُمُ المُبالَغَةُ والِاجْتِهادُ في القِيامِ بِالعَدْلِ والِاسْتِقامَةِ؛ إذْ بِهِ انْتِظامُ أمْرِ الدّارَيْنِ المُوجِبِ لِثَوابِهِما، ومِن أشَدِّهِ القِيامُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، فَكُونُوا: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ أيْ: مُقِيمِينَ لِلشَّهادَةِ بِالحَقِّ، مُؤَدِّينَ لَها لِوَجْهِهِ تَعالى ﴿ولَوْ﴾ كانَتِ الشَّهادَةُ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فاشْهَدُوا عَلَيْها بِأنْ تُقِرُّوا بِالحَقِّ عَلَيْها ولا تَكْتُمُوهُ ﴿أوِ﴾ عَلى ﴿الوالِدَيْنِ﴾ أيِ: الأُصُولِ ﴿والأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأوْلادِ والإخْوَةِ وغَيْرِهِمْ، فَلا تُراعِهِمْ فِيها بَلِ اشْهَدْ بِالحَقِّ وإنْ عادَ ضَرَرُها عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الحَقَّ حاكِمٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ.
﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيْ: مَن تَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ﴿غَنِيًّا﴾ يُبْتَغى في العادَةِ رِضاهُ ويُتَّقى سُخْطُهُ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ غالِبًا، أوْ يُخافُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ أنْ يُلْجَأ الأمْرُ إلى أنْ يُعْطى ما يَكْفِيهِ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ أيْ: مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وأعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهُما، فَلَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها؛ لِأنَّهُ أنْظَرُ لِعِبادِهِ مِن كُلِّ ناظِرٍ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ أيْ: إرادَةَ العُدُولِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو مُصْلِحُ أُمُورِكُمْ، وأُمُورِ المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ، لَوْ نَظَرْتُمْ ونَظَرُوا إلَيْهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا يَحْمِلَنَّكُمُ الهَوى والعَصَبِيَّةُ وبُغْضُ النّاسِ إلَيْكم عَلى تَرْكِ العَدْلِ في شُؤُونِكُمْ، بَلِ الزَمُوا العَدْلَ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] [المائِدَةِ: ٨].
ومِن هَذا قَوْلُ (p-١٦٠٥)«عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ لَمّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُصُ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ ثِمارَهم وزُرُوعَهُمْ، فَأرادُوا أنْ يُرْشُوهُ لِيَرْفُقَ بِهِمْ، فَقالَ: واللَّهِ! لَقَدْ جِئْتُكم مِن عِنْدِ أحَبِّ الخَلْقِ إلَيَّ، ولَأنْتُمْ أبْغَضُ إلَيَّ مِن أعْدادِكم مِنَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، وما يَحْمِلُنِي حُبِّي إيّاهُ وبُغْضِي لَكم عَلى أنْ لا أعْدِلَ فِيكُمْ، فَقالُوا: بِهَذا قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ».
﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ أيْ: تُحَرِّفُوا ألْسِنَتَكم عَنِ الشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: عَنْها بِكَتْمِها ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البَقَرَةِ: ٢٨٣].
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: لِهَذِهِ الآيَةِ ثَمَراتٌ هي أحْكامٌ:
الأوَّلُ: وُجُوبُ العَدْلِ (p-١٦٠٦)عَلى القُضاةِ والوُلاةِ، وأنْ لا يَعْدِلَ عَنِ القِسْطِ لِأمْرٍ تَمِيلُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وشَهَواتُ القُلُوبِ مِن غِنًى أوْ فَقْرٍ أوْ قَرابَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الدَّنِيءُ والشَّرِيفُ والقَرِيبُ والبَعِيدُ.
ويُرْوى أنَّ عُمَرَ أقامَ حَدًّا عَلى ولَدٍ لَهُ، فَذاكَرَهُ في حَقِّ القَرابَةِ، فَقالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَهِدْتَ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ أباكَ كانَ يُقِيمُ عَلَيْكَ الحُدُودَ.
الحُكْمُ الثّانِي: أنَّهُ يَجِبُ الإقْرارُ عَلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ولا يَكْتُمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ والمُرادُ بِالشَّهادَةِ عَلى النَّفْسِ الإقْرارُ، وهَذا ظاهِرٌ.
وقِيلَ المَعْنى: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا ومَضَرَّةً عَلى أنْفُسِكم وآبائِكم بِأنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ عَلى سُلْطانٍ ظالِمٍ.
وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنِ الفُقَهاءِ إذا خَشِيَ مَضَرَّةً دُونَ القَتْلِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الشَّهادَةُ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: يَجِبُ لِأنَّهُ لا يَحْفَظُ مالَهُ بِتَلَفِ مالِ غَيْرِهِ.
وعَنِ الشّافِعِيَّةِ والمُتَكَلِّمِينَ - وصُحِّحَ لِلْمَذْهَبِ - أنَّهُ لا يَجِبُ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ أمْرٌ بِمَعْرُوفِ، وشَرْطُهُ أنْ لا يُؤَدِّيَ إلى مُنْكَرٍ، ولَكِنْ إنَّما يَسْقُطُ عَنْهُ أداءُ الشَّهادَةِ بِحُصُولِ الظَّنِّ لِمَضَرَّتِهِ، لا بِمُجَرَّدِ الخَشْيَةِ.
وقَدْ قالَ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ في "الإفادَةِ": عَلى الشّاهِدِ أنْ يَشْهَدَ وإنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَخْشاهُ مَظْنُونٌ، ولَعَلَّهُ غَيْرُ كائِنٍ، يُؤَوَّلُ عَلى أنَّ مُرادَهُ مُجَوَّزٌ لا أنَّهُ قَدْ ظَنَّ حُصُولَ المَضَرَّةِ، وهَذا يَجُوزُ لَهُ الشَّهادَةُ مَعَ الخَشْيَةِ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ في "شَرْحِ الإبانَةِ": يَجُوزُ إذا كانَ قَتْلُهُ إعْزازًا لِلدِّينِ، كالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أمّا لَوْ كَتَمَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلا إشْكالَ في عِصْيانِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ أيْ: تَشْهَدُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ كَما أمَرَكُمْ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ أخْذَ الأُجْرَةِ عَلى تَأْدِيَةِ الشَّهادَةِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقِمْها لِلَّهِ، وقَدِ اسْتَثْنى أهْلُ الفِقْهِ صُوَرًا جَوَّزُوا أخْذَ الأُجْرَةِ عَلى تَأْدِيَةِ الشَّهادَةِ، مِنها: إذا طُلِبَ إلى مَوْضِعٍ؛ لِأنَّ الخُرُوجَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ، ومِنها: إذا كانَ غَيْرُهُ يَشْهَدُ ويَحْصُلُ بِهِ الحَقُّ، فَإنَّ شَهادَتَهُ غَيْرُ لازِمَةٍ. انْتَهى.
النساء 4:136
(p-١٦٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [١٣٦]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى إيمانِكم ﴿بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ عَلى الرُّسُلِ، بِمَعْنى الكُتُبِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أيْ: خَرَجَ عَنِ الهُدى وبَعُدَ عَنِ القَصْدِ كُلَّ البُعْدِ، أمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَظاهِرٌ، وأمّا بِالمَلائِكَةِ؛ فَلِأنَّهُمُ المُقَرَّبُونَ إلَيْهِ، وأمّا بِالكُتُبِ؛ فَلِأنَّها الهادِيَةُ إلَيْهِ، وأمّا بِالرُّسُلِ؛ فَلِأنَّهُمُ الدّاعُونَ، وأمّا بِاليَوْمِ الآخِرِ؛ فَلِأنَّ فِيهِ نَفْعَ إقامَتِهِ وضَرَرَ تَرْكِهِ، فَإذا أنْكَرَ لَزِمَ إنْكارُ النَّفْعِ الحَقِيقِيِّ والضَّرَرِ الحَقِيقِيِّ فَهو الضَّلالُ البَعِيدُ، ثُمَّ الكُفْرُ بِالمَلائِكَةِ كُفْرٌ بِمَظاهِرِ باطِنِهِ، وبِالكُتُبِ كُفْرٌ بِمَظاهِرِ صِفَةِ كَلامِهِ، وبِالرُّسُلِ كُفْرٌ بِأتَمِّ مَظاهِرِهِ، وبِاليَوْمِ الآخِرِ كُفْرٌ بِدَوامِ رُبُوبِيَّتِهِ وعَدْلِهِ.
ثُمَّ الكُفْرُ بِالمَلائِكَةِ يَدْعُو إلى الإيمانِ بِالشَّياطِينِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ إلى الإيمانِ بِكُتُبِ الكَفَرَةِ، وبِالرُّسُلِ إلى تَقْلِيدِ الآباءِ، وبِاليَوْمِ الآخِرِ إلى الِاجْتِراءِ عَلى القَبائِحِ، وكُلُّ ذَلِكَ ضَلالٌ بَعِيدٌ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإيمانِ ورَغَّبَ فِيهِ بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الإيمانِ، فَقالَ:
النساء 4:137
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ [١٣٧]
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وعُهِدَ (p-١٦٠٨)مِنهُمُ ازْدِيادُ الكُفْرِ والإصْرارُ عَلَيْهِ، يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يُحْدِثُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المَغْفِرَةَ ويَسْتَوْجِبُونَ اللُّطْفَ، مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذا دَيْدَنُهم قُلُوبٌ قَدْ ضَرِيَتْ بِالكُفْرِ ومُرِّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ أهْوَنَ شَيْءٍ عِنْدَهم وأدْوَنَهُ، حَيْثُ يَبْدُو لَهم فِيهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ بَعْدَ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهم - لَمْ يَقْبَلْ مِنهم ولَمْ يَغْفِرْ لَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، حَيْثُ هو بَذْلٌ لِلطّاقَةِ واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، ولَكِنَّهُ اسْتِبْعادٌ لَهُ واسْتِغْرابٌ، وإنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يَكُونُ، وهَكَذا نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ، ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَإنَّهُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ، والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الفِسْقِ، فَكَذا هُنا.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ اليَهُودُ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ وبِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بَعْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ أُورِدَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، ثُمَّ كافِرِينَ بِالعِجْلِ، ثُمَّ مُؤْمِنِينَ بِالعَوْدِ، ثُمَّ كافِرِينَ بِعِيسى، بَلْ هم إمّا مُؤْمِنُونَ بِمُوسى وغَيْرِهِ، أوْ كُفّارٌ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى والإنْجِيلِ.
والجَوابُ: أنَّ هَذا إنَّما يَرِدُ لَوْ أُرِيدَ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ لِلْمَوْجُودِينَ وقْتَ البَعْثَةِ، أمّا لَوْ أُرِيدَ جِنْسٌ ونَوْعٌ بِاعْتِبارِ عَدِّ ما صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهُ صَدَرَ مِن كُلِّهِمْ فَلا إيرادَ، والمَقْصُودُ حِينَئِذٍ اسْتِبْعادُ إيمانِهِمْ لِما اسْتَقَرَّ مِنهم ومِن أسْلافِهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ آخَرُونَ: المُرادُ المُنافِقُونَ، فالإيمانُ الأوَّلُ إظْهارُهُمُ الإسْلامَ، وكُفْرُهم بَعْدَ ذَلِكَ هو نِفاقُهُمْ، وكَوْنُ باطِنِهِمْ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِمْ. والإيمانُ الثّانِي هو أنَّهم كُلَّما لَقُوا جَمْعًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا إنّا مُؤْمِنُونَ، والكُفْرُ الثّانِي هو أنَّهُمْ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] [البَقَرَةِ: ١٤].
وازْدِيادُهم في الكُفْرِ هو جِدُّهم واجْتِهادُهم في اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ، (p-١٦٠٩)وإظْهارُ الإيمانِ قَدْ يُسَمّى إيمانًا، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] [البَقَرَةِ: ٢٢١].
قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَيْسَ المُرادُ بَيانَ هَذا العَدَدِ، بَلِ المُرادُ تَرَدُّدُهُمْ، كَما قالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]
الرّابِعُ: قالَ قَوْمٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُسْلِمِينَ فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ تارَةً والكُفْرَ تارَةً أُخْرى، عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] [آلِ عِمْرانَ: ٧٢].
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم بَلَغُوا في ذَلِكَ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِالإسْلامِ.
نَقَلَ هَذِهِ الوُجُوهَ الزَّمَخْشَرِيُّ والرّازِيُّ وغَيْرُهُما، وكُلُّها مِمّا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الآيَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى: قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُرْتَدِّ ثَلاثًا، ولا تُقْبَلُ في الرّابِعَةِ.
وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ في (تَفْسِيرِهِ): دَلَّتْ عَلى أنَّ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ تُقْبَلُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ إيمانًا بَعْدَ كُفْرٍ تَقَدَّمَهُ إيمانٌ.
(p-١٦١٠)وأقُولُ: دَلالَتُها عَلى ذَلِكَ في صُورَةِ عَدَمِ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، وأمّا مَعَهُ فَلا، كَما لا يَخْفى.
ثُمَّ قالَ: وعَنْ إسْحاقَ: إذا ارْتَدَّ في الدُّفْعَةِ الثّالِثَةِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وهي رِوايَةُ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. انْتَهى.
وذَهَبَتِ الحَنابِلَةُ إلى أنَّ مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، كَما أسْلَفْنا ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ [آل عمران: ٨٦] [آلِ عِمْرانَ: ٨٦] الآيَةَ، وقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] [آلِ عِمْرانَ: ٩٠]، وذَكَرْنا ثَمَّةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَتِلْكَ الآيَةِ، وأنَّ ظاهِرَهُما يَشْهَدُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ إسْحاقُ وأحْمَدُ، وأمّا الوُجُوهُ المَسُوقَةُ هُنا فَهي مِن تَأْوِيلِ أكْثَرِ العُلَماءِ القائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ المُرْتَدِّ، وإنْ تَكَرَّرَتْ، وبَعْدُ: فالمَقامُ دَقِيقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ نَصًّا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما ضِدّانِ مُتَنافِيانِ، فَإذا قَبِلَ أحَدُهُما التَّفاوُتَ قَبِلَهُ الآخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النساء 4:138
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [١٣٨]
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ مِن بابِ التَّهَكُّمِ ﴿بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فَإنَّهم آمَنُوا بِالظّاهِرِ وكَفَرُوا بِالباطِنِ، ويَدُلُّ عَلى مُقارَنَةِ إيمانِهِمْ لِلْكُفْرِ تَرْجِيحُهم جانِبَ الكَفَرَةِ في المَحَبَّةِ إذْ هُمْ:
النساء 4:139
(p-١٦١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [١٣٩]
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: يَتَّخِذُونَهم أنْصارًا مُجاوِزِينَ مُوالاةَ المُؤْمِنِينَ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيْ: أيَطْلُبُونَ بِمُوالاتِهِمُ القُوَّةَ والغَلَبَةَ، وهَذا إنْكارٌ لِرَأْيِهِمْ وإبْطالٌ لَهُ، وبَيانٌ لِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، ولِذا عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَهُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، فَلا نُصْرَةَ لَهم مِنَ الكُفّارِ، والنُّصْرَةُ والظَّفَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] [المُنافِقُونَ: ٨].
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّهْيِيجُ عَلى طَلَبِ العِزَّةِ مِن جَنابِ اللَّهِ، والإقْبالُ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، والِانْتِظامُ في جُمْلَةِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ.
ويُناسِبُ هُنا أنْ نَذْكُرَ الحَدِيثَ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدَ، عَنْ أبِي رَيْحانَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَنِ انْتَسَبَ إلى تِسْعَةِ آباءٍ كُفّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وكَرَمًا، فَهو عاشِرُهم في النّارِ» تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ.
وأبُو رَيْحانَةَ هَذا هو أزْدِيٌّ واسْمُهُ (شَمْعُونُ) بِالمُعْجَمَةِ فِيما قالَهُ البُخارِيُّ، وقالَ غَيْرُهُ: بِالمُهْمَلَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحاكِمُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ، قالَ: والمَنهِيُّ عَنْهُ مُوالاتُهم في الدِّينِ فَقَطْ، وقَدْ ذَكَرَ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - مَعْنى هَذا، وهِيَ: أنْ تُحِبَّهُ لِما هو عَلَيْهِ، وهَذا ظاهِرٌ، وهو يَرْجِعُ إلى الرِّضا بِالكُفْرِ، وما أحَبَّهُ لِأجْلِهِ.
(p-١٦١٢)فَأمّا الخِلْطَةُ فَلَيْسَتْ مُوالاةً، وقَدْ جَوَّزَ العُلَماءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - نِكاحَ الفاسِقَةِ، وكَذَلِكَ الإحْسانُ، فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ مَن أطْعَمَ الأُسارى، وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنهُمُ الوَصِيَّةَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ، وكَذَلِكَ الِاغْتِمامُ بِغَمِّهِ في أمْرٍ، كاغْتِمامِ المُسْلِمِينَ لَغَلَبِ فارِسَ لِلرُّومِ، كَذا في تَفْسِيرِ بَعْضِ الزَّيْدِيَّةِ.
النساء 4:140
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [١٤٠]
﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا في مَجالِسِهِمْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِ القُرْآنِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] [الأنْعامِ: ٦٨] وهَذِهِ الآيَةُ مِن سُورَةِ الأنْعامِ وهي مَكِّيَّةٌ، فامْتَنَعَ المُسْلِمُونَ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ، ولَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ كانُوا يَجْلِسُونَ مَعَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وكانَ اليَهُودُ يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ يَعْنِي في سُورَةِ الأنْعامِ.
﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها﴾ يَعْنِي يُجْحَدُ بِها ﴿ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُنَزَّلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ خُوطِبَ بِهِ خاصَّةً - مُنَزَّلٌ عَلى الأُمَّةِ، وأنَّ مَدارَ الإعْراضِ عَنْهم هو العِلْمُ بِخَوْضِهِمْ في الآياتِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ تارَةً بِالرُّؤْيَةِ وأُخْرى بِالسَّماعِ، وأنَّ المُرادَ بِالإعْراضِ إظْهارُ المُخالَفَةِ بِالقِيامِ عَنْ مَجالِسِهِمْ، لا الإعْراضُ بِالقَلْبِ أوْ بِالوَجْهِ فَقَطْ.
﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ أيْ: إذا قَعَدْتُمْ مَعَهُمْ، دَلَّ عَلى رِضاكم بِالكُفْرِ (p-١٦١٣)بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها، فَتَكُونُونَ مِثْلَهم في الكُفْرِ واسْتِتْباعِ العَذابِ، فاجْتِماعُكم بِهِمْ هَهُنا سَبَبُ اجْتِماعِكم في جَهَنَّمَ، كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهم لَمّا شارَكُوهم في الكُفْرِ، واجْتَمَعُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ في الدُّنْيا - جَمَعَهُمُ اللَّهُ في عَذابِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: اعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ في تَحْرِيمِ القُعُودِ والمُخالَطَةِ إذا كانَ ذَلِكَ يُوهِمُ بِأنَّ القاعِدَ راضٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ يَحْرُمُ إذا خَشِيَ الِافْتِتانَ، ولا خِلافَ أنَّهُ يَجُوزُ القُعُودُ لِلتَّنْكِيرِ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لَهم.
قالَ الحاكِمُ: ولِذَلِكَ يَحْضُرُ العُلَماءُ مَعَ أهْلِ الضَّلالَةِ يُناظِرُونَهُمْ، ولَهم بِذَلِكَ الثَّوابُ العَظِيمُ، وأمّا إذا خَلا عَمّا ذَكَرْنا - وكانَ لا يُوهِمُ بِالرِّضا ولا يُفْتَتَنُ ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ - فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن أوْجَبَ المِثْلَ؛ لِظاهِرِ الآيَةِ.
قالَ الحاكِمُ: رُوِيَ أنَّ قَوْمًا أُخِذُوا عَلى شَرابٍ في عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَأمَرَ بِضَرْبِهِمُ الحَدَّ، فَقِيلَ: فِيهِمْ صائِمٌ، فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ حَدِيثِ: «لا يَحِلُّ لِعَيْنٍ تَرى اللَّهَ يُعْصى فَتَطْرِفُ حَتّى تُغَيِّرَ وتَنْتَقِلَ» .
وقالَ أبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ: إنْ أنْكَرَ بِقَلْبِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وجازَ لَهُ القُعُودُ، يَعْنِي مَعَ عَجْزِهِ عَنِ الإنْكارِ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ، وعَدَمِ تَأْثِيرِ ذَلِكَ.
أقُولُ: ما قالاهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، فَلا عِبْرَةَ بِهِ.
وقالَ القاضِي والحاكِمُ: أمّا لَوْ كانَ لَهُ حَقٌّ في تِلْكَ البُقْعَةِ فَلَهُ أنْ لا يُفارِقَ، كَمَن يَحْضُرُ الجَنائِزَ مَعَ النَّوْحِ، أوِ الوَلائِمَ، فَيَسْمَعُ المُنْكَرَ فَيَسَعُهُ أنْ يَقْعُدَ، والنَّكِيرُ عَلى قَدْرِ الإمْكانِ واجِبٌ عَلَيْهِ.
(p-١٦١٤)وعَنِ الحَسَنِ: لَوْ تَرَكْنا الحَقَّ لِلْباطِلِ لَبَطَلَ الشَّرْعُ، وقَدْ كانَ خَرَجَ إلى جِنازَةٍ خَرَجَتِ النِّساءُ فِيها فَلَمْ يَرْجِعْ، ورَجَعَ ابْنُ سِيرِينَ. انْتَهى.
أقُولُ: مَن لَهُ حَقٌّ في البُقْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفارِقَ كَغَيْرِهِ؛ إذْ لَيْسَ في مُفارَقَتِهِ ضَياعُ حَقِّهِ، وعُمُومُ الآيَةِ يَشْمَلُهُ، ولا تَخْصِيصَ إلّا بِمُخَصِّصٍ، والمَسْألَةُ المَقِيسُ عَلَيْها غَيْرُ ما نَحْنُ فِيهِ، عَلى ما فِيها مِنَ الخِلافِ، كَما حَكى، ولا قِياسَ مَعَ النَّصِّ، وقَدْ حَكى الحاكِمُ أقْوالًا كُلُّها تَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ الآيَةِ، ولا مُسْتَنَدَ فِيها إلّا الرَّأْيُ والِاحْتِمالُ، فَلِذا أعْرَضْنا عَنْها.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: تَحْرِيمُ القُعُودِ في المَجْلِسِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، فَإذا أظْهَرَ الكَراهَةَ جازَ القُعُودُ في مَكانٍ آخَرَ، وإنْ قَرُبَ، وإمّا إذا خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ جازَ القُعُودُ بِمَفْهُومِ الآيَةِ. ثُمَّ إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] [الأنْعامِ: ٦٩] وهو مَرْدُودٌ، فَإنَّ مِنَ التَّقْوى اجْتِنابَ مَجالِسِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِها.
قالَ الحاكِمُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الرّاضِيَ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالرَّسُولِ والدِّينِ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ ودَلَّتْ عَلى أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ.
وقالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن جَلَسَ في مَجْلِسِ مَعْصِيَةٍ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ مَعَهم في الوِزْرِ سَواءً، ويَنْبَغِي أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ إذا تَكَلَّمُوا بِالمَعْصِيَةِ أوْ عَمِلُوا بِها، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَقُومَ عَنْهم حَتّى لا يَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ كُلُّ مُحْدِثٍ في الدِّينِ، وكُلُّ مُبْتَدِعٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقالَ في "فَتْحِ البَيانِ": وفي هَذِهِ الآيَةِ - بِاعْتِبارِ عُمُومِ لَفْظِها الَّذِي هو المُعْتَبَرُ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ - دَلِيلٌ عَلى اجْتِنابِ كُلِّ مَوْقِفٍ يَخُوضُ فِيهِ أهْلُهُ بِما يُفِيدُ التَّنْقِيصَ والِاسْتِهْزاءَ، (p-١٦١٥)لِلدَّلالَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِن أُسَراءِ التَّقْلِيدِ الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا آراءَ الرِّجالِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يَبْقَ في أيْدِيهِمْ سِوى (قالَ إمامُ مَذْهَبِنا): كَذا و(قالَ فُلانٌ مِن أتْباعِهِ بِكَذا) أوْ إذا سَمِعُوا مَن يَسْتَدِلُّ عَلى تِلْكَ المَسْألَةِ بِآيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ أوْ بِحَدِيثٍ نَبَوِيٍّ سَخِرُوا مِنهُ، ولَمْ يَرْفَعُوا إلى ما قالَهُ رَأْسًا، ولا بالُوا بِهِ بالَةً، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِأمْرٍ فَظِيعٍ وخَطْبٍ شَنِيعٍ، وخالَفَ مَذْهَبَ إمامِهِمُ الَّذِي نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مُعَلِّمِ الشَّرائِعِ، مَعَ أنَّ الأئِمَّةَ - الَّذِينَ انْتَسَبَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ إلَيْهِمْ - بُرَآءُ مِن فِعْلِهِمْ، فَإنَّهم قَدْ صَرَّحُوا في مُؤَلَّفاتِهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ تَقْلِيدِهِمُ. انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ": قالَ ابْنُ الفُرْسِ: واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ اجْتِنابِ أهْلِ المَعاصِي والأهْواءِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أصْلٌ لِما يَفْعَلُهُ المُصَنِّفُونَ مِنَ الإحالَةِ عَلى ما ذُكِرَ في مَكانٍ آخَرَ، والتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
النساء 4:141
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [١٤١]
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ [النساء: ١٣٩] وإمّا صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: يَنْتَظِرُونَ بِكم ما يَتَجَدَّدُ لَكم مِن ظَفَرٍ أوْ هَزِيمَةٍ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: نَصْرٌ وتَأْيِيدٌ وظَفَرٌ وغَنِيمَةٌ ﴿قالُوا﴾ لَكُمْ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أيْ: مُظاهِرِينَ لَكُمْ، فَلَنا دَخْلٌ في فَتْحِكُمْ، فَلْيَكُنْ لَنا شَرِكَةٌ في غَنِيمَتِكم ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أيْ: إدالَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأحْيانِ - كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ - فَإنَّ الرُّسُلَ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَها العاقِبَةُ ﴿قالُوا﴾ أيِ: الكَفَرَةُ؛ تَوَدُّدًا إلَيْهِمْ، ومُصانَعَةً لَهُمْ؛ لِيَحْظَوْا عِنْدَهم ويَأْمَنُوا كَيْدَهم (p-١٦١٦)لِضَعْفِ إيمانِهِمْ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكم ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكُمْ، وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ حَتّى انْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا لَكُنْتُمْ نُهْبَةً لِلنَّوائِبِ، وتَسْمِيَةُ (ظَفَرِ المُسْلِمِينَ) فَتْحًا و(ما لِلْكافِرِينَ) نَصِيبًا؛ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ.
قالَ في "الِانْتِصافِ": وهَذا مِن مَحاسِنِ نُكَتِ القُرْآنِ، فَإنَّ الَّذِي كانَ يَتَّفِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ: اسْتِئْصالٌ لِشَأْفَةِ الكُفّارِ، واسْتِيلاءٌ عَلى أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأرْضٍ لَمْ يَطَؤُها، وأمّا ما كانَ يَتَّفِقُ لِلْكُفّارِ فَمِثْلُ الغَلَبَةِ والقُدْرَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ شَأْنُها أنْ تُسَمّى فَتْحًا، فالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُما أيْضًا مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ مَحَبَّةِ نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وكَراهَةِ أنْ تَكُونَ اليَدُ عَلَيْهِمْ، وتَحْرِيمِ خِذْلانِهِمْ، وإنَّ المُنافِقَ لا سَهْمَ لَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّهم طَلَبُوا لَمّا مُنِعُوا، فَقالُوا: ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ ثُمَّ قالَ: يَجُوزُ التَّأْلِيفُ مِنَ الغَنِيمَةِ لِلْمُنافِقِينَ، كَما فَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتّى أعْطى الواحِدَ مِنهم مِائَةَ ناقَةٍ، والواحِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ الشّاةَ أوِ البَعِيرَ.
﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: حُكْمًا يَلِيقُ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنكم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أيْ: فَلا يَغْتَرُّ المُنافِقُونَ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ في الدُّنْيا لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهادَةِ؛ لِما لَهُ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ، فَيَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْفَعُهم ظَواهِرُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ رَدٌّ عَلى المُنافِقِينَ فِيما أمَّلُوهُ ورَجَوْهُ وانْتَظَرُوهُ مِن زَوالِ دَوْلَةِ المُؤْمِنِينَ، وفِيما سَلَكُوهُ مِن مُصانَعَتِهِمُ الكافِرِينَ خَوْفًا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنهُمْ، إذا هم ظَهَرُوا عَلى المُؤْمِنِينَ فاسْتَأْصَلُوهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] [المائِدَةِ: ٥٢] أيْ: لَنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَأْصِلُوهم بِالكُلِّيَّةِ، وإنْ حَصَلَ (p-١٦١٧)لَهم ظَفَرٌ حِينًا ما، أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وهَذا التَّأْوِيلُ رُوعِيَ فِيهِ سابِقُ الآيَةِ ولاحِقُها، وأنَّ السِّياقَ في (المُنافِقِينَ) وهو جَيِّدٌ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن حَمْلِ (الكافِرِينَ) عَلى يَهُودِ المَدِينَةِ، ومَن وقَفَ مَعَ عُمُومِها قالَ: المُرادُ بِالسَّبِيلِ الحُجَّةُ، وتَسْمِيَتُها (سَبِيلًا) لِكَوْنِها مُوَصِّلًا لِلْغَلَبَةِ، أوِ المُرادُ: ما دامَ المُؤْمِنُونَ عامِلِينَ بِالحَقِّ غَيْرَ راضِينَ بِالباطِلِ ولا تارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] [الشُّورى: ٣٠] قالَ: فَلا يُرادُ أنَّهُ قَدْ يُدالُ لِلْكافِرِينَ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَنْكِحُ مُؤْمِنَةً، وأنَّهُ لا يَلِي عَلى مُؤْمِنَةٍ في نِكاحٍ ولا سَفَرٍ، وأنَّ الكافِرَ لا يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِ، وهَذا قَوْلُ الهادِي في "الأحْكامِ" والنَّفْسِ الزَّكِيَّةِ والرّاضِي بِاللَّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وأحْمَدَ.
وقالَ في "المُنْتَخَبِ" والمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ والحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ: لَهُ الشُّفْعَةُ؛ لِعُمُومِ أدِلَّةِ الشُّفْعَةِ، وبِالقِياسِ عَلى رَدِّ المَعِيبِ فِيما شَرى مِن مُسْلِمٍ.
ويُسْتَدَلُّ بِأنَّ المُرْتَدَّ تَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ المُسْلِمَةُ، والخِلافُ: هَلْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ كَما يَقُولُ الحَنَفِيَّةُ، أوْ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ كَما يَقُولُ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والشّافِعِيَّةُ؟ وكَذَلِكَ بَيْعُ العَبْدِ المُسْلِمِ مِنَ الذِّمِّيِّ أجازَهُ الحَنَفِيَّةُ ومَنَعَهُ المُؤَيَّدُ والشّافِعِيَّةُ، لَكِنْ عَلى الأوَّلِ يُجْبَرُ عَلى بَيْعِهِ فَلا يَسْتَخْدِمُهُ، قِيلَ: والأمَةُ مُجْمَعٌ عَلى تَحْرِيمِ بَيْعِها مِنَ الكافِرِ إذا كانَتْ مُسْلِمَةً.
ولا خِلافَ أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِأُمُورٍ مِنها: الدَّيْنُ يَثْبُتُ لِلْكافِرِ عَلى المُؤْمِنِ، ومِنها: أنَّهُ يُنْفِقُ المُؤْمِنُ عَلى أبَوَيْهِ الكافِرَيْنِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وإذا خُصَّ العُمُومُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الأُصُولِيُّونَ: هَلْ تَبْقى دَلالَتُهُ عَلى الباقِي حَقِيقَةً أمْ مَجازًا؟ انْتَهى.
وزادَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المُسْلِمَ، وإنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ.
النساء 4:142
(p-١٦١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [١٤٢]
﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ مِن إظْهارِ الإيمانِ وإبِطانِ الكُفْرِ، واللَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِي الدِّماءِ والأمْوالِ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ.
﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ﴾ أيْ: أتَوْها ﴿قامُوا كُسالى﴾ أيْ: مُتَثاقِلِينَ كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ في أشْرَفِ الأعْمالِ وأفْضَلِها وخَيْرِها وهي الصَّلاةُ، إذا قامُوا إلَيْها قامُوا وهم كُسالى عَنْها؛ لِأنَّهم لا نِيَّةَ لَهم فِيها، ولا إيمانَ لَهم بِها ولا خَشْيَةَ، ولا يَعْقِلُونَ مَعْناها.
كَما رَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُكْرَهُ أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ إلى الصَّلاةِ وهو كَسْلانُ، ولَكِنْ يَقُومُ إلَيْها طَلْقَ الوَجْهِ، عَظِيمَ الرَّغْبَةِ، شَدِيدَ الفَرَحِ، فَإنَّهُ يُناجِي اللَّهَ، وإنَّ اللَّهَ تُجاهَهُ يَغْفِرُ لَهُ، ويُجِيبُهُ إذا دَعاهُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ انْتَهى.
قالَ الحاكِمُ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِن عَلاماتِ المُنافِقِ الكَسَلَ في الصَّلاةِ، والكَسَلُ: التَّثاقُلُ عَنِ الشَّيْءِ لِمَشَقَّتِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ في صِفَةِ ظَواهِرِهِمْ كَما قالَ: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ [التوبة: ٥٤] [التَّوْبَةِ: ٥٤].
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ بَواطِنِهِمُ الفاسِدَةِ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَقْصِدُونَ بِصَلاتِهِمُ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ لِيَحْسَبُوهم مُؤْمِنِينَ، لا لِإخْلاصِ ومُطاوِعَةِ أمْرِ اللَّهِ، ولِهَذا يَتَخَلَّفُونَ كَثِيرًا عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُرَوْنَ فِيها – غالبًا - كَصَلاةِ العِشاءِ في وقْتِ العَتَمَةِ، وصَلاةِ الصُّبُحِ في (p-١٦١٩)وقْتِ الغَلَسِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أثْقَلَ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ العِشاءُ والفَجْرُ، ولَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لَأتَوْهُما ولَوْ حَبْوًا، ولَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنّاسِ، ثُمَّ أنْطَلِقَ مَعِي بِرِجالٍ مَعَهم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم بِالنّارِ» وفي رِوايَةٍ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أوْ مِرْماتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشاءَ، ولَوْلا ما في البُيُوتِ مِنَ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ لَحَرَّقْتُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم» .
ورَوى الحافِظُ وأبُو يَعْلى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أحْسَنَ الصَّلاةَ حَيْثُ يَراهُ النّاسُ، وأساءَها حَيْثُ يَخْلُو - فَتِلْكَ اسْتِهانَةٌ اسْتَهانَ بِها رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ ولا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم إنَّما يُصَلُّونَ رِياءً ما دامَ مَن يَرْقُبُهُمْ، فَإذا خَلَوْا بِأنْفُسِهِمْ لَمْ يُصَلُّوا. وتَأْوِيلُ (الذِّكْرِ) بِالصَّلاةِ رُوِيَ في غَيْرِما آيَةٍ عَنِ السَّلَفِ.
الثّانِي: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في صَلاتِهِمْ إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم لا يَخْشَعُونَ ولا يَدْرُونَ ما يَقُولُونَ، بَلْ هم في صَلاتِهِمْ ساهُونَ لاهُونَ.
وقَدْ رَوى الإمامُ مالِكٌ، عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تِلْكَ صَلاةُ (p-١٦٢٠)المُنافِقِ، تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ، تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطانِ، قامَ فَنَقَرَ أرْبَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيها إلّا قَلِيلًا» وكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالتَّهْلِيلِ والتَّسْبِيحِ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا في النُّدْرَةِ، عَلى أنَّ الذِّكْرَ بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ مِنهُ وعَلَيْهِ، فَمِن عَلاماتِ النِّفاقِ اسْتِغْراقُ الأوْقاتِ بِحَدِيثِ الدُّنْيا، وقِلَّةُ ذِكْرِهِ تَعالى بِتَحْمِيدٍ أوْ تَهْلِيلٍ أوْ تَسْبِيحٍ، كَما أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرًا.
النساء 4:143
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [١٤٣]
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (يُراءُونَ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِمَعُونَةِ المَقامِ، أوْ إلى (المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ) فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ، أيْ: مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيِّرِينَ قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ والهَوى، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يُذادُ ويُدْفَعُ، فَلا يُقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، كَأنَّ المَعْنى: كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ.
﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا مُنْضَمِّينَ إلى المُؤْمِنِينَ ولا إلى الكافِرِينَ، لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عَنْ دِينِهِ وحُجَّتِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا إلى الصَّوابِ والهُدى.
رَوى الشَّيْخانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: (p-١٦٢١)«مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً» (العائِرَةُ المُتَحَيِّرَةُ المُتَرَدِّدَةُ لا تَدْرِي لِأيِّ الغَنْمَيْنِ تَتْبَعُ).
النساء 4:144
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [١٤٤]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ هَذا نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ، يَعْنِي مُصاحَبَتَهم ومُصادَقَتَهم ومُناصَحَتَهُمْ، وإسْرارَ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ، وإفْشاءَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ الباطِنَةِ إلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] [آلِ عِمْرانَ: ٢٨]أيْ: يُحَذِّرُكم عُقُوبَتَهُ في ارْتِكابِكم نَهْيَهُ، ولِهَذا قالَ هَهُنا: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً عَلَيْكم في عِقابِكم بِمُوالاتِكم إيّاهُمْ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ لِلْكافِرِينَ.
قالَ الحاكِمُ: وهي المُوالاةُ في الدِّينِ والنُّصْرَةُ فِيهِ، لا المُخالَفَةُ والإحْسانُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحانَ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ، فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وأنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها بِأنْ يُقالَ: (أتَجْعَلُونَ.... إلَخْ) لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِ ذَلِكَ، وتَهْوِيلِ أمْرِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَلى العاقِلِ إرادَتَهُ، فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] [البَقَرَةِ: ١٠٨].
(p-١٦٢٢)لَطِيفَةٌ:
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ حُجَّةٌ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ التّابِعِينَ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هو مِنَ (السَّلِيطِ) وهو دُهْنُ الزَّيْتِ لِإضاءَتِهِ، أيْ: فَإنَّ الحُجَّةَ مِن شَأْنِها أنْ تَكُونَ نَيِّرَةً، وفي "البَصائِرِ" إنَّما سَمّى الحُجَّةَ سُلْطانًا لِما يَلْحَقُ مِنَ الهُجُومِ عَلى القُلُوبِ، لَكِنَّ أكْثَرَ تَسَلُّطِهِ عَلى أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ.
النساء 4:145
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [١٤٥]
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾ قُرِئَ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِها: ﴿الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أيِ: الطَّبَقِ الَّذِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والدَّرَكُ كالدَّرَجِ إلّا أنَّهُ يُقالُ بِاعْتِبارِ الهُبُوطِ، والدَّرَجُ بِاعْتِبارِ الصُّعُودِ، وإنَّما عُوقِبُوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ، إذْ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ وخِداعًا لِلْمُسْلِمِينَ.
قالَ الرّازِيُّ: وبِسَبَبِ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُمْكِنُهُمُ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ الكُفّارَ بِذَلِكَ، فَكانَتْ تَتَضاعَفُ المِحْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ - فَلِهَذِهِ الأسْبابِ عُوقِبُوا بِذَلِكَ.
ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] [غافِرٍ: ٤٦] وعَنِ المُنافِقِينَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيُّهُما أشَدُّ عَذابًا؟
فَأجابَ: بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ أشَدَّ العَذابِ إنَّما يَكُونُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الفَرِيقانِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ - عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ - إنَّ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ لَتُلْقى مِن شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيها سَبْعِينَ عامًا وما تُفْضِي (p-١٦٢٣)إلى قَرارِها» .
وكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: أكْثِرُوا ذِكْرَ النّارِ، فَإنَّ حَرَّها شَدِيدٌ، وإنَّ قَعْرَها بَعِيدٌ، وإنَّ مَقامِعَها حَدِيدٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» .
﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ: يُنْقِذُهم مِمّا هم فِيهِ، ويُخْرِجُهم مِن ألِيمِ العَذابِ.
النساء 4:146
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١٤٦]
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ النِّفاقِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ: أعْمالَهم ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: وثِقُوا بِهِ بِتَرْكِ مُوالاةِ الكُفّارِ ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ تَرَدُّدٌ، ولَمْ يُرِيدُوا بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ سُبْحانَهُ، لا رِياءَ النّاسِ كَما كانُوا قَبْلُ.
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ، أيْ: لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ بِهَذِهِ الأُمُورِ لا يَكُونُونَ في دَرْكٍ مِنَ النّارِ فَضْلًا عَنِ الأسْفَلِ، بَلْ مَعَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِلا نِفاقٍ، أيْ: مَعَهم في دَرَجاتِ الجِنانِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوابًا وافِرًا في الجَنَّةِ، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ ويُساهِمُونَهُمْ، وحُذِفَتِ (الياءُ) في الخَطِّ هُنا اتِّباعًا لِللَّفْظِ؛ لِسُكُونِها وسُكُونِ اللّامِ بَعْدَها، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] [القَمَرِ: ٦] و﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] [العَلَقِ: ١٨]، و﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١] [ق: ٤١] (p-١٦٢٤)ونَحْوُها، فَإنَّ الحَذْفَ في الجَمِيعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَجاءَ الرَّسْمُ تابِعًا لِللَّفْظِ، والقُرّاءُ يَقِفُونَ عَلَيْهِ دُونَ ياءٍ اتِّباعًا لِلْخَطِّ الكَرِيمِ، إلّا يَعْقُوبَ والكِسائِيَّ وحَمْزَةَ فَإنَّهم يَقِفُونَ بِالياءِ نَظَرًا إلى الأصْلِ، كَذا في "الفَتْحِ".
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: مَنِ المُنافِقُ؟ قُلْتُ: هو في الشَّرِيعَةِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ وأبْطَنَ الكُفْرَ، وأمّا تَسْمِيَتُهُ مَنِ ارْتَكَبَ ما يَفْسُقُ بِهِ بِـ(المُنافِقِ) فَلِلتَّغْلِيظِ، كَقَوْلِهِ: مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ جَهارًا.
ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صامَ وإنْ صَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» .
وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنِ المُنافِقُ؟ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ.
وقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: نَدْخُلُ عَلى السُّلْطانِ ونَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ فَإذا خَرَجْنا تَكَلَّمْنا بِخِلافِهِ، فَقالَ: كُنّا نَعُدُّهُ مِنَ النِّفاقِ. انْتَهى كَلامُهُ.
أقُولُ: قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ (فَلِلتَّغْلِيظِ) يُوجَدُ مِثْلُهُ لِثُلَّةٍ مِن شُرّاحِ الحَدِيثِ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ بَحَثَ فِيهِ بَعْضُ مُحَقِّقِي مَشايِخِنا بِقَوْلِهِ: هَذا الجَوابُ لا يَرْتَضِيهِ مَن عَرَفَ قَدْرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ (p-١٦٢٥)عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَأنَّهم غَفَلُوا عَمّا يَسْتَلْزِمُهُ هَذا الجَوابُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ أدْنى عالِمٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وهو الإخْبارُ بِخِلافِ الواقِعِ لِأجْلِ الزَّجْرِ. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: عَلَيْكَ أنْ تُقِرَّ الأحادِيثَ كَما ورَدَتْ؛ لِتَنْجُو مِن مَعَرَّةِ الخَطَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
النساء 4:147
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ [١٤٧]
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: هو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهُمْ، لا شَيْءٌ آخَرُ، فَيَكُونُ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِن إثابَتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ.
و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِكُمْ؟ أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟ أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟ أمْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا؟ أمْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟ كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ كُفْرُكُمْ، فَإذا زالَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والشُّكْرِ انْتَفى التَّعْذِيبُ لا مَحالَةَ.
وتَقْدِيمُ (الشُّكْرِ) عَلى (الإيمانِ) لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ، فَإنَّ النّاظِرَ يُدْرِكُ أوَّلًا ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، ثُمَّ يَتَرَقّى إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ فَيُؤْمِنُ بِهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ الشُّكْرُ مِنهُ تَعالى المُجازاةُ والثَّناءُ الجَمِيلُ، كَما في "القامُوسِ" ويَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ القَيِّمِ حَيْثُ يَقُولُ في "الكافِيَةِ الشّافِيَةِ":
؎وهُوَ الشَّكُورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهم لَكِنْ يُضاعِفُهُ بِلا حِسْبانِ
؎ما لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ واجِبٌ ∗∗∗ هو أوْجَبَ الأجْرَ العَظِيمَ الشّانِ
؎كَلّا ولا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضائِعٌ ∗∗∗ إنْ كانَ بِالإخْلاصِ والإحْسانِ
؎إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ والحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ
النساء 4:148
(p-١٦٢٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [١٤٨]
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ إلّا جَهْرَ المَظْلُومِ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ، أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ ويَذْكُرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، حَتّى إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ أنْواعَ الظُّلْمِ كَثِيرَةٌ.
فَما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ هُنا مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِنهُ فَلَيْسَ المُرادُ حَصْرَ مَعْنى الآيَةِ فِيهِ، بَلِ القَصْدُ تَنْبِيهُ المُسْتَمِعِ عَلى النَّوْعِ.
فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ يَقُولُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا؛ فَإنَّهُ قَدْ أرْخَصَ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ.
ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ إسْحاقَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي في رَجُلٍ أضافَ رَجُلًا فَأساءَ قِراهُ، فَتَحَوَّلَ عَنْهُ، فَجَعَلَ يُثْنِي عَلَيْهِ بِما أوْلاهُ، فَرَخَّصَ لَهُ أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِما أوْلاهُ.
وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: وهو الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلا يُحْسِنُ ضِيافَتَهُ فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: أساءَ ضِيافَتِي ولَمْ يُحْسِنْ.
وفِي رِوايَةٍ: هو الضَّيْفُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ، فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِصاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رَوى الجَماعَةُ (سِوى النَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ ) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ تَبْعَثُنا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلا يَقْرُونَنا فَما تَرى؟ فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأمَرُوا لَكم بِما يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فاقْبَلُوا، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنهم حَقَّ الضَّيْفِ (p-١٦٢٧)الَّذِي يَنْبَغِي لَهم» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنِ المِقْدامِ بْنِ أبِي كَرِيمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أيُّما مُسْلِمٍ ضافَ قَوْمًا فَأصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإنَّ حَقًّا عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُهُ حَتّى يَأْخُذَ بِقِرى لَيْلَتِهِ مِن زَرْعِهِ ومالِهِ» .
ورَوى هو وأبُو داوُدَ عَنْهُ أيْضًا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإنْ أصْبَحَ بِفِنائِهِ مَحْرُومًا كانَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإنْ شاءَ اقْتَضاهُ وإنْ شاءَ تَرَكَهُ» .
ومِن هَذا القَبِيلِ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ لِي جارًا يُؤْذِينِي، فَقالَ لَهُ: أخْرِجْ مَتاعَكَ فَضَعْهُ عَلى الطَّرِيقِ فَأخَذَ الرَّجُلُ مَتاعُهُ فَطَرَحَهُ عَلى الطَّرِيقِ، فَكُلُّ مَن مَرَّ بِهِ قالَ: ما لَكَ؟ قالَ: جارِي يُؤْذِينِي، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ أخْزِهِ. قالَ: فَقالَ الرَّجُلُ: ارْجِعْ إلى مَنزِلِكَ، واللَّهِ لا أُوذِيكَ أبَدًا». ورَواهُ أبُو داوُدَ في كِتابِ الأدَبِ.
وقالَ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ مالِكٍ الجَزْرِيُّ - في هَذِهِ الآيَةِ -: هو الرَّجُلُ يَشْتُمُكَ فَتَشْتُمُهُ، ولَكِنْ إنِ افْتَرى عَلَيْكَ فَلا تَفْتَرْ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] [الشُّورى: ٤١].
وقالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ، مِن كُفْرٍ أوْ نَحْوِهِ، فَهو مُباحٌ لَهُ.
وسُئِلَ المُرْتَضى عَنْها فَقالَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ ذَلِكَ ولا يُجِيزُهُ لِفاعِلِهِ إلّا مَن ظُلِمَ، وذَلِكَ مِثْلَ ما كانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ وفِعْلِهِمْ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العِقابِ والضَّرْبِ لِيَشْتُمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَتَبَرَّءُوا مِنهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَمّارٌ، فَخَلَّوْهُ وصَلَبُوا صاحِبَهُ، فَأُطْلِقَ لِمَن فَعَلَ بِهِ هَكَذا أنْ يَتَكَلَّمَ بِما لَيْسَ في قَلْبِهِ، وفي عَمّارٍ (p-١٦٢٨)وصاحِبِهِ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] [النَّحْلِ: ١٠٦] فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً لِما في قَلْبِ عَمّارٍ مِن شِحْنَةٍ بِالإيمانِ. انْتَهى.
وكُلُّ هَذا مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ بِعُمُومِها، وما نَقَلَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ الفَرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ أنْ: " إلّا " بِمَعْنى (لا) يَعْنِي: ولا مَن ظُلِمَ - فَهَذا مِن تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ؛ فَإنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلامِ الَّذِي هو مِنَ السُّوءِ في جانِبٍ مِن ظُلْمِهِ، ويُؤَيِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ، عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ»» وأمّا مَن لَمْ يُظْلَمْ فَجَهْرُهُ بِالسُّوءِ داخِلٌ في الغِيبَةِ المَحْظُورَةِ.
فَوائِدُ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: أفادَتِ الآيَةُ جَوازَ الجَهْرِ بِالدُّعاءِ عَلى الظّالِمِ والجَهْرِ بِمُساوِيهِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ مَن جَهَرَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ مُكْرَهًا لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأنَّهُ مَظْلُومٌ، وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ حُكْمِ لَفْظِ (الكُفْرِ) مَعَ الظُّلْمِ - فَكَذا يَلْزَمُ في سائِرِ الأحْكامِ مِنَ البَيْعِ والعَتاقِ والطَّلاقِ والإقْرارِ، ثُمَّ قالَ: والمَحَبَّةُ هَهُنا بِمَعْنى الإباحَةِ، لا أنَّ ذَلِكَ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى.
أقُولُ: هَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.
ثُمَّ قالَ: وتَسْمِيَتُهُ سُوءًا؛ لِكَوْنِهِ يَسُوءُ المَقُولَ فِيهِ، وإلّا فَلَيْسَ بِقَبِيحٍ في هَذِهِ الحالِ.
ثُمَّ قالَ: وقَوْلُ مَن قالَ (إلّا) هُنا بِمَعْنى (الواوِ) أيْ: ومَن ظُلِمَ، مِثْلُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
فَخِلافُ الظّاهِرِ. انْتَهى.
وقَدْ نُقِلَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حِكَمٌ ونَوادِرُ بَدِيعَةٌ، قالَ الشَّعْبِيُّ: يُعْجِبُنِي الرَّجُلُ إذا سِيمَ (p-١٦٢٩)هَوْنًا دَعَتْهُ الأنَفَةُ إلى المُكافَأةِ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، فَبَلَغَ كَلامُهُ الحَجّاجَ فَقالَ: لِلَّهِ دَرُّهُ! أيُّ رَجُلٍ بَيْنَ جَنْبَيْهِ! وتَمَثَّلَ:
؎ولا خَيْرَ في عِرْضِ امْرِئٍ لا يَصُونُهُ ∗∗∗ ولا خَيْرَ في حِلْمِ امْرِئٍ ذُلَّ جانِبُهُ
وقالَ أعْرابِيٌّ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أتَخافُ عَلَيَّ جَناحًا إنْ ظَلَمَنِي رَجُلٌ فَظَلَمْتُهُ؟ فَقالَ لَهُ: العَفْوُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، فَقالَ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]
وقالَ المُتَنَبِّي:
؎مِنَ الحِلْمِ أنْ تَسْتَعْمِلَ الجَهْلَ دُونَهُ ∗∗∗ إذا اتَّسَعَتْ في الحِلْمِ طُرْقُ المَظالِمِ
لَطِيفَةٌ:
الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ إمّا مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌ، فَعَلى الأوَّلِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ: إلّا جَهَرَ مَن ظُلِمَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.
والثّانِي: قَوْلُ الزَّجّاجِ: المَصْدَرُ هَهُنا بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ المُجاهِرَ بِالسُّوءِ إلّا مَن ظُلِمَ، وعَلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ فالمَعْنى: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَجْهَرَ بِظُلامَتِهِ.
(p-١٦٣٠)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ فِيهِ وعْدٌ لِلْمَظْلُومِ بِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ شَكْواهُ ودُعاءَهُ ويَعْلَمُ ظُلْمَ ظالِمِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] [إبْراهِيمَ: ٤٢] ووَعِيدٌ لَهُ أيْضًا بِأنْ يَتَعَدّى في الجَهْرِ المَأْذُونِ فِيهِ، بَلْ لِيَقُلِ الحَقَّ ولا يَقْذِفْ بَرِيئًا بِسُوءٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ عاصِيًا لِلَّهِ بِذَلِكَ.
ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ بَعْدَما جَوَّزَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ وجَعَلَهُ مَحْبُوبًا حَثًّا عَلى الأحَبِّ إلَيْهِ والأفْضَلِ عِنْدَهُ، وإلّا دَخَلَ في الكَرَمِ والتَّخَشُّعِ والعُبُودِيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
النساء 4:149
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [١٤٩]
﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ أيْ: طاعَةً وبِرًّا ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ: تَعْمَلُوهُ سِرًّا ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ أيْ: تَتَجاوَزُوا ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ أيْ: ظُلْمٍ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أيْ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ بِالعَفْوِ مَعَ القُدْرَةِ، فَثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ الحَثُّ عَلى العَفْوِ، وأنْ لا يَجْهَرَ أحَدٌ لِأحَدٍ بِسُوءٍ، وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الِانْتِصارِ؛ حَمْلًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وإنَّما كانَ المَقْصُودُ العَفْوَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَها في ذِكْرِ السُّوءِ والجَهْرِ بِهِ، فَمُقْتَضى السِّياقِ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا مَن ظُلِمَ، فَإنْ عَفا المَظْلُومُ عَنْهُ ولَمْ يَدْعُ عَلى ظالِمِهِ ويَتَظَلَّمْ مِنهُ - فَإنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ قَدِيرٌ، وإنَّما ذَكَرَ قَبْلَهُ إبْداءَ الخَيْرِ وإخْفاءَهُ تَوْطِئَةً لِلْعَفْوِ عَنِ السُّوءِ؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن مَدْحِ حالَيِ الخَيْرِ: السِّرِّ والعَلانِيَةِ أنَّ السُّوءَ لَيْسَ كَذَلِكَ جَهْرًا وإخْفاءً، فَيَنْبَغِي العَفْوُ عَنْهُ وتَرْكُهُ، وإنَّما عُطِفَ (العَفْوُ) بِـ(أوْ) مَعَ دُخُولِهِ في الخَيْرِ بِقِسْمَيْهِ لِلِاعْتِدادِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى مَنزِلَتِهِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخَيْرِ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ حِينَئِذٍ هو المَقْصُودُ وأنَّهُ مِن قَبِيلِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البَقَرَةِ: ٩٨] لِأنَّ مِثْلَهُ يُعْطَفُ بِالواوِ لا بِـ(أوْ) ولِذا حُمِلَ الخَيْرُ (p-١٦٣١)عَلى الطّاعَةِ والبِرِّ مِمّا هو عِبادَةٌ وقُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ؛ لِتَغايُرِ العَفْوِ، فالمُرادُ بِالتَّوْطِئَةِ ذِكْرُ ما هو مُناسِبٌ وقُدِّمَ عَلَيْهِ، كَذا في "العِنايَةِ".
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَدَ في الأثَرِ: «أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحانَكَ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحانَكَ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ» .
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بَعَفْوٍ إلّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلّا رَفَعَهُ الِلَّهُ» .
وقالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ مَعاقِدَ الخَيْرِ عَلى كَثْرَتِها مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ مَعَ الخَلْقِ مَحْصُورٌ في قِسْمَيْنِ: إيصالُ نَفْعٍ إلَيْهِمْ، ودَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهُمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ، فَدَخَلَ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ جَمِيعُ أنْواعِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ.
ثُمَّ نَزَلَ في اليَهُودِ إلى أواخِرِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى:
النساء 4:150
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [١٥٠]
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي كَعْبًا وأصْحابَهُ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: في الإيمانِ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ مِنَ الرُّسُلِ ﴿ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ مِنهُمْ، كَما قالُوا: نُؤْمِنُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ونَكْفُرُ بِما وراءَ ذَلِكَ، وما ذاكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ في الإيمانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِكُلِّ نَبِيٍّ يَأْتِي مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ، ونَصْرِهِ، ومَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ؛ لِأنَّهم لَمّا تَساوَوْا في المُعْجِزاتِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، والقِيامِ بِالخَيْراتِ في أنْفُسِهِمْ - كانَ الكُفْرُ بِواحِدٍ مِنهم كُفْرًا بِالكُلِّ، بَلْ وبِاللَّهِ (p-١٦٣٢)إذْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ صَدَّقَ الكاذِبَ بِخَلْقِ المُعْجِزاتِ، كَذا في "التَّبْصِيرِ".
﴿ويُرِيدُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ بِبَعْضٍ والكُفْرِ بِبَعْضٍ ﴿سَبِيلا﴾ دِينًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهم قَطْعًا.
النساء 4:151
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [١٥١]
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا ثابِتًا لا رَيْبَ فِيهِ، فَلا عِبْرَةَ بِمَنِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَرْعِيًّا؛ إذْ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لَآمَنُوا بِنَظِيرِهِ، وبِمَن هو أوْضَحُ دَلِيلًا وأقْوى بُرْهانًا مِنهُ.
﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهانُونَ بِهِ، وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، أيْ: كَما اسْتَهانُوا بِمَن كَفَرُوا بِهِ إمّا لِعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِيما جاءَهم بِهِ مِنَ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، وإقْبالِهِمْ عَلى جَمْعِ حُطامِ الدُّنْيا، وإمّا بِكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن أحْبارِهِمْ في عَهْدِهِ ﷺ حَيْثُ حَسَدُوهُ عَلى ما أتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ العَظِيمَةِ، وخالَفُوهُ وكَذَّبُوهُ وعادُوهُ وقاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ الدُّنْيَوِيَّ المَوْصُولَ بِالذُّلِّ الأُخْرَوِيِّ، وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
النساء 4:152
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١٥٢]
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ كُلِّهِمْ ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ، ولا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ ويَكْفُرُوا بِآخَرِينَ - كَما فَعَلَهُ الكَفَرَةُ.
﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ أيْ: يُعْطِيهِمْ ﴿أُجُورَهُمْ﴾ (p-١٦٣٣)ثَوابَ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ في الآخِرَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ أيْ: لِما فَرَطَ مِنهم ﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما جُبِلَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِنَ اللَّجاجِ والعِنادِ والبُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بِقَوْلِهِ.
النساء 4:153
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [١٥٣]
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَعْبٌ وأصْحابُهُ ﴿أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى جُمْلَةً في الألْواحِ، مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهم إلى طَلَبِ ذَلِكَ بَعْدَما وُضِّحَتِ البَراهِينُ عَلى نُبُوَّتِكَ، لا سِيَّما بِإعْجازِ ما نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الفُرْقانِ، إلّا أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى سُؤالِهِمْ هو التَّعَنُّتُ والكُفْرُ، كَما قالَ قَبْلَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ نَظِيرَ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] [الإسْراءِ: ٩٠] الآياتِ.
ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِمّا سَألُوكَ ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيِ: النّارُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: جَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ وعُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ؛ إذْ لا يَرَوْنَ آيَةً إلّا يَطْلُبُونَ أكْبَرَ مِنها، حَتّى يَرَوْا آيَةً مُلْجِئَةً إلى الإيمانِ، بِحَيْثُ لا يُفِيدُ الإيمانُ مَعَها، فَلا يَكادُونَ يُؤْمِنُونَ إيمانًا يُفِيدُهم أصْلًا، ولا يُبْعِدُ مِنهُمُ الكُفْرَ - بَعْدَ رُؤْيَةِ الآياتِ، فَإنَّهم رَأوْا آياتِ مُوسى.
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: إلَهًا وعَبَدُوهُ (p-١٦٣٤)﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ القاطِعَةُ عَلى نَفْيِ الشِّرْكِ، ثُمَّ تابُوا عَنْهُ.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَرَكْناهم ولَمْ نَسْتَأْصِلْهم ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً وتَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلى إهْلاكِ مَن خالَفَهُ، وفي ذَلِكَ بِشارَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِنَصْرِهِ، وإنْ بالَغُوا في العِنادِ والإلْحادِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآياتِ لَمْ يَنْقادُوا لِأوامِرِ مُوسى، كَما قالَ تَعالى:
النساء 4:154
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [١٥٤]
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ أيِ: الجَبَلَ لِيَتَحَمَّلُوا التَّكْلِيفَ ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أخْذِ مِيثاقِهِمْ؛ لِيَخافُوا فَلا يَنْقُضُوهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الِالتِزامِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ، وظَهَرَ مِنهم إباءٌ عَلى ما جاءَهم بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- رَفَعَ اللَّهُ عَلى رُءُوسِهِمْ جَبَلًا، ثُمَّ أُلْزِمُوا فالتَزَمُوا وسَجَدُوا، وجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إلى ما فَوْقَ رُءُوسِهِمْ؛ خَشْيَةَ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١] [الأعْرافِ: ١٧١] الآيَةَ.
﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ أيِ: ادْخُلُوا بابَ إيلِياءَ مُطَأْطِئِينَ - عِنْدَ الدُّخُولِ - رُءُوسَكُمْ، فَخالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ إيضاحُ هَذِهِ الآياتِ مُفَصَّلًا.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ أيْ: وصَّيْناهم بِحِفْظِ السَّبْتِ والتِزامِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مادامَ مَشْرُوعًا لَهم.
﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا، فَخالَفُوا وعَصَوْا وتَحَيَّلُوا عَلى ارْتِكابِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، كَما هو مَبْسُوطٌ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] [الأعْرافِ: ١٦٣] (p-١٦٣٥)الآياتِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما أوْجَبَ لَعْنَهم وطَرْدَهم ومَسْخَهم مِن مُخالَفَتِهِمْ بِقَوْلِهِ:
النساء 4:155
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [١٥٥]
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ (ما) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ نَكِرَةٌ تامَّةٌ، و(نَقْضِهِمْ) بَدَلٌ مِنها، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا مِنَ اللَّعْنِ والمَسْخِ وغَيْرِهِما مِنَ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ عَلى أعْقابِهِمْ.
﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ والمُعْجِزاتِ الَّتِي شاهَدُوها عَلى يَدِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ.
قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: وهو أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَدٌّ لِبابِ الإيمانِ عَنْهم وعَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ سَبَبُ الإيمانِ، ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ مَعْصُومِينَ مَن كُلِّ نَقِيصَةٍ، ومُبَرَّئِينَ مَن كُلِّ رَزِيَّةٍ، لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ لا يُؤَدُّونَهُ - قالَ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ: كَبِيرٍ ولا صَغِيرٍ أصْلًا، وهَذا الحَرْفُ لِكَوْنِهِ في سِياقِ طَعْنِهِمْ في القُرْآنِ - الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ - وقَعَ التَّعْبِيرُ فِيهِ بِأبْلَغِ مِمّا في آلِ عِمْرانَ؛ لِأنَّ هَذا مَعَ جَمْعِ الكَثْرَةِ وتَنْكِيرِ الحَقِّ عُبِّرَ فِيهِ بِالمَصْدَرِ المُفْهِمِ لِأنَّ الِاجْتِراءَ عَلى القَتْلِ صارَ لَهم خُلُقًا وصِفَةً راسِخَةً، بِخِلافِ ما مَضى فَإنَّهُ بِالمُضارِعِ الَّذِي رُبَّما دَلَّ عَلى العُرُوضِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ وهو إسْنادُهم عَظائِمَهم إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ (أغْلَفَ) أيْ: هي مُغَشّاةٌ (p-١٦٣٦)بِأغْشِيَةٍ جِبِلِّيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] [فُصِّلَتْ: ٥] أيْ: فَلا ذَنْبَ لَنا؛ لِأنَّ قُلُوبَنا خُلِقَتْ بَعِيدَةً عَنْ فَهْمِ ما يَقُولُ الأنْبِياءُ، وذَلِكَ سَبَبُ قَتْلِهِمْ ورَدِّ قَوْلِهِمْ، وهَذا بَعْدَ أنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ويَشْهَدُونَ لَهُ بِالرِّسالَةِ، وبِأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، ويَصِفُونَهُ بِأشْهَرِ صِفاتِهِ ويَتَرَقَّبُونَ إتْيانَهُ، لا جَرَمَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ (وقَدْ كَذَبُوا) لِأنَّهم وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ كَسائِرِ الوِلْدانِ فَلَمْ تَكُنْ قُلُوبُهم في الأصْلِ غُلْفًا - ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: لَيْسَ كُفْرُهم وعَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ لِكَوْنِها غُلْفًا بِحَسَبِ الجِبِلَّةِ - بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ؛ حَيْثُ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ خَلَقَها أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ مُتَمَكِّنَةً مِنِ اخْتِيارِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلَمّا أعْرَضُوا بِما هَيَّأ قُلُوبَهم لَهُ مِن قَبُولِ النَّقْصِ عَنِ الخَيْرِ، واخْتارُوا الشَّرَّ بِاتِّباعِ شَهَواتِهِمُ النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وتَرَكُوا ما تَدْعُو إلَيْهِ عُقُولُهم - طَبَعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَها قاسِيَةً مَحْجُوبَةً، ولِذا سُبِّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، أوْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا لا يُعْبَأُ بِهِ؛ لِتَمَرُّنِ قُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ.
النساء 4:156
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [١٥٦]
﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو عَطْفٌ عَلى (قَوْلِهِمْ) وإعادَةُ الجارِّ لِطُولِ ما بَيْنَهُما، وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى (بِكُفْرِهِمْ) فَيَكُونُ هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن أسْبابِ الطَّبْعِ، وقِيلَ: هَذا المَجْمُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ الكُفْرِ لِلْإيذانِ بِتَكَرُّرِ كُفْرِهِمْ؛ حَيْثُ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذا في أبِي السُّعُودِ.
(p-١٦٣٧)﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ أيْ: مَعَ قَوْلِهِمُ الَّذِي يَجْتَرِئُونَ بِهِ عَلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بَعْدَ ظُهُورِ كَراماتِها وإرْهاصاتِ ولَدِها ومُعْجِزاتِهِ، يَبْهَتُونَها بِهِ.
النساء 4:157
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [١٥٧]
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾
قالَ أبُو السُّعُودِ: نَظْمُ قَوْلِهِمْ هَذا في سِلْكِ سائِرِ جِناياتِهِمُ الَّتِي نُعيِتْ عَلَيْهِمْ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ كَذِبًا - بَلْ لِتَضَمُّنِهِ لِابْتِهاجِهِمْ بِقَتْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، فَإنَّ وصْفَهم لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ إنَّما هو بِطْرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] [الحِجْرِ: ٦] ولِإنْبائِهِ عَنْ ذِكْرِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَجْهِ القَبِيحِ، عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ وضْعٌ لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جِهَتِهِ تَعالى؛ مَدْحًا لَهُ، ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ، وإظْهارًا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ، ونِهايَةِ وقاحَتِهِمْ في افْتِخارِهِمْ بِذَلِكَ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ عِيسى بِالمَسِيحِ؛ لِأنَّهُ مُسِحَتْ عَنْهُ القُوَّةُ الذَّمِيمَةُ مِنَ الجَهْلِ والشَّرَهِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، كَما أنَّ الدَّجّالَ مُسِحَتْ عَنْهُ القُوَّةُ المَحْمُودَةُ مِنَ العِلْمِ والعَقْلِ والحِلْمِ والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ. وقالَ شِمْرٌ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] [مَرْيَمَ: ٣١] أوْ لِأنَّ اللَّهَ مَسَحَ عَنْهُ الذُّنُوبَ.
وذَكَرَ المَجْدُ في كِتابِهِ (p-١٦٣٨)"البَصائِرِ" في اشْتِقاقِهِ سِتَّةً وخَمْسِينَ قَوْلًا، وتَطَرَّقَ شارِحُ القامُوسِ لِبَعْضِها، فانْظُرْهُ.
﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا يَصِحُّ لَهُمُ الفَخْرُ بِقَتْلِهِ؛ لِأنَّهم ما قَتَلُوهُ، ولا مُتَمَسِّكَ لَهم فِيما يَزْعُمُونَهُ مِن صَلْبِهِمْ إيّاهُ؛ لِأنَّهم ما صَلَبُوهُ ولَكِنْ قَتَلُوا وصَلَبُوا مَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن قَتْلِهِ، وسَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ.
﴿ما لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِقَتْلِهِ ﴿مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ يَتَّبِعُونَ فِيهِ الظَّنَّ الَّذِي تَخَيَّلُوهُ ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أيْ: قَتْلًا يَقِينًا، بِمَعْنى مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ فَعَلُوهُ شاكِّينَ فِيهِ، أوِ المَعْنى: انْتَفى قَتْلُهُ انْتِفاءً يَقِينًا، بِمَعْنى انْتِفائِهِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ.
قالَ البُرْهانَ البِقاعِيُّ: وهو أوْلى لِقَوْلِهِ:
النساء 4:158
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [١٥٨]
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ، وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ، أيِ: اليَقِينُ إنَّما هو في رَفْعِهِ إلَيْهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ: لا يَبْعُدُ رَفْعُهُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عَزِيزٌ لا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُهُ، وحَكِيمٌ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ رَفْعَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يَرْفَعَهُ، وهي حِفْظُهُ لِتَقْوِيَةِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ انْتِهائِهِ إلى غايَةِ الضَّعْفِ بِظُهُورِ الدَّجّالِ، فَيَقْتُلُهُ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
* *
تَنْبِيهٌ:
لا خَفاءَ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لِتَكْذِيبِ اليَهُودِ في دَعْوى الصَّلْبِ الَّتِي تابَعَهم عَلَيْها أكْثَرُ النَّصارى، ولِتَبْرِئَةِ ساحَةِ مَقامِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا تَوَهَّمُوهُ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن مَباحِثِ الأُمَّتَيْنِ، ومَعارِكِ الفِرْقَتَيْنِ - أرَدْتُ بَسْطَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ؛ انْتِهاجًا لِلْحَقِّ، وأخْذًا بِناصِرِ الصِّدْقِ، ورَدَّ أباطِيلِ المُكَذِّبِينَ، وتَزْيِيفَ أقْوالِ المُلْحِدِينَ.
نُورِدُ أوَّلًا ما زَعَمُوهُ ورَوَوْهُ مِمّا نَفاهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ، ثُمَّ بُطْلانَ المَرْوِيِّ عِنْدَهم وتَهافُتَهُ بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ، (p-١٦٣٩)ثُمَّ ما رَواهُ أئِمَّةُ سَلَفِنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في هَذِهِ القِصَّةِ، ثُمَّ رَدَّ زَعْمِهِمْ أنَّ إلْقاءَ الشُّبَهِ سَفْسَطَةٌ، ثُمَّ سُقُوطَ دَعْواهُمُ التَّواتُرَ في الصَّلْبِ، ثُمَّ تَزْيِيفَ تَفْسِيرِ بَعْضِ النَّصارى لِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مُطابِقَةٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ عَلى زَعْمِهِ، مَعَ ذِكْرِ مَن رَفَضَ عَقِيدَةَ الصَّلْبِ مِن فِرَقِ النَّصارى، وذِكْرِ ما رُوِيَ في إنْجِيلٍ خامِسٍ يُوافِقُ عَقِيدَةَ المُسْلِمِينَ، ويُطابِقُ هَذِهِ الآيَةَ، ونَخْتِمُ هَذِهِ المَباحِثَ بِما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في هَذِهِ الآيَةِ، وأبْدَعَ - عَلى عادَتِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ - فَهَذِهِ المُطالِبُ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُها لِكُلِّ طالِبٍ؛ إذْ تَفَرَّعَتْ إلى مَباحِثَ فائِقَةٍ، وفَوائِدَ شائِقَةٍ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:
ذِكْرُ ما زَعَمُوهُ ورَوَوْهُ مِمّا نَفاهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ:
جاءَ في الفَصْلِ الثّانِي والعِشْرِينَ مِن إنْجِيلِ لُوقا ما نَصُّهُ:
٢ - كانَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ يَلْتَمِسُونَ كَيْفَ يَقْتُلُونَ يَسُوعَ لَكِنَّهم كانُوا يَخافُونَ مِنَ الشَّعْبِ.
٣٨ - أيْ: لِأنَّ الشَّعْبَ كُلَّهم كانُوا يُبَكِّرُونَ إلَيْهِ في الهَيْكَلِ (وهُوَ الكَنِيسَةُ) لِيَسْتَمِعُوهُ.
(p-١٦٤٠)٣٧ - وكانَ في النَّهارِ يُعَلِّمُ في الهَيْكَلِ وفي اللَّيْلِ يَخْرُجُ ويَبِيتُ في الجَبَلِ الَّذِي يُدْعى جَبَلَ الزَّيْتُونِ.
كَما ذَكَرَ لُوقا قَبْلَ الفَصْلِ.
٣ - فَدَخَلَ الشَّيْطانُ في يَهُوذا المُلَقَّبِ بِالأسْخَرْيُوطِيِّ وهو أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
٤ - فَمَضى وفاوَضَ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ والوُلاةَ كَيْفَ يُسْلِمُهُ إلَيْهِمْ.
٥ - فَفَرِحُوا وعاهَدُوهُ أنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً.
٦ - فَواعَدَهم وكانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسْلِمَهُ إلَيْهِمْ بِمَعْزِلٍ عَنِ الجَمِيعِ.
٧ - وبَلَغَ يَوْمُ الفَطِيرِ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْبَحَ فِيهِ الفِصْحُ.
٨ - فَأرْسَلَ بُطْرُسُ ويُوحَنّا قائِلًا: امْضِيا فَأعِدّا لَنا الفِصْحَ لِنَأْكُلَ.
٩ - فَقالا لَهُ: أيْنَ تُرِيدُ أنْ نُعِدَّ.
١٠ - فَقالَ لَهُما: إذا دَخَلْتُما المَدِينَةَ يَلْقاكُما رَجُلٌ حامِلٌ جَرَّةَ ماءٍ، فاتَّبِعاهُ إلى البَيْتِ الَّذِي يَدْخُلُهُ.
(p-١٦٤١)١١ - وقُولا لِرَبِّ البَيْتِ: المُعَلِّمُ يَقُولُ لَكَ: أيْنَ المَنزِلُ الَّذِي آكُلُ فِيهِ الفِصْحَ مَعَ تَلامِيذِي؟
١٢ - فَهو يُرِيكُما غُرْفَةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً، فَأعِدّا هُناكَ.
١٣ - فانْطَلَقا فَوَجَدا كَما قالَ لَهُما وأعَدّا الفِصْحَ.
١٤ - ولَمّا كانَتِ السّاعَةُ اتَّكَأ هو والرُّسُلُ الِاثْنا عَشَرَ مَعَهُ.
١٥ - فَقالَ لَهُمْ: لَقَدِ اشْتَهَيْتُ شَهْوَةً أنْ آكُلَ هَذا الفِصْحَ مَعَكم قَبْلَ أنْ أتَألَّمَ.
١٦ - فَإنِّي أقُولُ لَكُمْ: إنِّي لا آكُلُهُ بَعْدُ حَتّى يَتِمَّ في مَلَكُوتِ اللَّهِ.
١٧ - ثُمَّ تَناوَلَ كَأْسًا وشَكَرَ وقالَ: خُذُوا فاقْتَسِمُوا بَيْنَكم.
١٨ - فَإنِّي أقُولُ لَكُمْ: إنِّي لا أشْرَبُ مِن عَصِيرِ الكَرْمَةِ حَتّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللَّهِ.
١٩ - وأخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ وكَسَرَ وأعْطاهم قائِلًا: هَذا هو جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ لِأجْلِكُمُ، اصْنَعُوا هَذا لِذِكْرِي.
(p-١٦٤٢)٢٠ - وكَذَلِكَ الكاسَ مِن بَعْدِ العَشاءِ قائِلًا: هَذِهِ هي الكَأْسُ، العَهْدُ الجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ مِن أجْلِكم.
٢١ - ومَعَ ذَلِكَ فَها! إنَّ يَدَ الَّذِي يُسْلِمُنِي مَعِيَ عَلى المائِدَةِ.
٢٢ - وابْنُ البَشَرِ ماضٍ كَما هو مَحْدُودٌ، ولَكِنَّ الوَيْلَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يُسْلِمُهُ.
٢٣ - فَطَفِقُوا يَسْألُونَ بَعْضُهم بَعْضًا: مَن كانَ مِنهم مُزْمِعًا أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
٢٤ - ووَقَعَتْ بَيْنَهم مُجادَلَةٌ في أيِّهِمْ يُحْسَبُ الأكْبَرَ.
٢٥ - فَقالَ لَهُمْ: إنَّ مُلُوكَ الأُمَمِ يَسُودُونَهم والمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ يُدْعَوْنَ مُحْسِنِينَ.
٢٦ - وأمّا أنْتُمْ فَلَسْتُمْ كَذَلِكَ، ولَكِنْ لِيَكُنِ الأكْبَرُ فِيكم كالأصْغَرِ، والَّذِي يَتَقَدَّمُ كالَّذِي يَخْدُمُ.
٢٨ - وأنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُّمْ مَعِيَ في تَجارِبِي.
(p-١٦٤٣)٢٩ - فَأنا أُعِدُّ لَكُمُ المَلَكُوتَ كَما أعَدَّهُ لِي أبِي.
٣٠ - لِتَأْكُلُوا وتَشْرَبُوا عَلى مائِدَتِي في مَلَكُوتِي وتَجْلِسُوا عَلى كَراسِيٍّ تَدِينُونَ أسْباطَ بَنِي إسْرائِيلَ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
٣١ - وقالَ يَسُوعُ: سَمْعانُ سَمْعانُ هو ذا الشَّيْطانُ سَألَ أنْ يُغَرْبِلَكم مِثْلَ الحِنْطَةِ.
٣٢ - لَكِنِّي صَلَّيْتُ مِن أجْلِكَ لِئَلّا يَنْقُصَ إيمانُكَ وأنْتَ مَتى رَجَعْتَ فَثَبِّتْ إخْوَتَكَ.
٣٣ - فَقالَ لَهُ: أنا مُسْتَعِدٌّ أنْ أمْضِيَ مَعَكَ إلى السِّجْنِ وإلى المَوْتِ.
٣٤ - قالَ: إنِّي أقُولُ لَكَ يا بُطْرُسُ إنَّهُ لا يَصِيحُ الدِّيكُ اليَوْمَ حَتّى تُنْكِرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ أنَّكَ تَعْرِفُنِي.
٣٩ - ثُمَّ خَرَجَ ومَضى عَلى عادَتِهِ إلى جَبَلِ الزَّيْتُونِ وتَبِعَهُ التَّلامِيذُ.
٤٠ - فَلَمّا انْتَهى إلى المَكانِ قالَ لَهُمْ: صَلُّوا لِئَلّا تَدْخُلُوا في تَجْرِبَةٍ.
٤١ - ثُمَّ فَصَلَ عَنْهم نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وخَرَّ عَلى رُكْبَتَيْهِ وصَلّى.
(p-١٦٤٤)٤٢ - قائِلًا: يا رَبِّ إنْ شِئْتَ فَأجِزْ عَنِّي هَذِهِ الكَأْسَ لِكَيْ لا تَكُنْ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَتُكَ.
٤٣ - وتَراءى لَهُ مَلاكٌ مِنَ السَّماءِ يُشَدِّدُهُ.
٤٤ - ولَمّا أخَذَ في النِّزاعِ أطالَ في الصَّلاةِ وصارَ عَرَقُهُ كَقَطَراتِ دَمٍ نازِلَةٍ عَلى الأرْضِ.
٤٥ - ثُمَّ قامَ مِنَ الصَّلاةِ وجاءَ إلى تَلامِيذِهِ فَوَجَدَهم نِيامًا مِنَ الحُزْنِ.
٤٦ - فَقالَ لَهُمْ: ما بالُكم نائِمِينَ، قُومُوا فَصَلُّوا؛ لِئَلّا تَدْخُلُوا في تَجْرِبَةٍ.
٤٧ - وفِيما هو يَتَكَلَّمُ وإذا بِجَمْعٍ يَتَقَدَّمُهُمُ المُسَمّى يَهُوذا أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَدَنا مِن يَسُوعَ لِيُقَبِّلَهُ.
٤٨ - فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: يا يَهُوذا أبِقُبْلَةٍ تُسْلِمُ ابْنَ البَشَرِ.
٤٩ - فَلَمّا رَأى الَّذِينَ حَوْلَهُ ما سَيَحْدُثُ قالُوا لَهُ: أنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ.
٥٠ - وضَرَبَ أحَدُهم عَبْدَ رَئِيسِ الكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذُنَهُ اليُمْنى.
(p-١٦٤٥)٥١ - فَأجابَ يَسُوعُ وقالَ: قِفُوا لا تَزِيدُوا، ثُمَّ لَمَسَ أُذُنَهُ فَأبْرَأهُ.
٥٢ - ثُمَّ قالَ يَسُوعُ لِلَّذِينَ جاؤُوا إلَيْهِ مِن رُؤَساءِ الكَهَنَةِ ووُلاةِ الهَيْكَلِ والشُّيُوخِ: كَأنَّما خَرَجْتُمْ إلى لِصٍّ بِسُيُوفٍ وعِصِيٍّ.
٥٣ - إنِّي كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ مَعَكم في الهَيْكَلِ ولَمْ تَمُدُّوا عَلَيَّ أيْدِيَكُمْ، ولَكِنَّ هَذِهِ ساعَتُكم وهَذا سُلْطانُ الظُّلْمَةِ.
حِينَئِذٍ تَرَكَهُ تَلامِيذُهُ وهَرَبُوا.
٥٤ - فارْتَمَوْا عَلى يَسُوعَ فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وقادُوهُ إلى بَيْتِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ.
وكانَ الكَتَبَةُ والرُّؤَساءُ مُجْتَمَعِينَ، وهُناكَ أعْطى يَهُوذا الحِوارِيَّ الثَّلاثِينَ دِرْهَمًا الَّتِي أخَذَها رِشْوَةً عَلى تَسْلِيمِالمَسِيحِ.
وكانَ بُطْرُسُ يَتْبَعُهُ مِن بَعِيدٍ...
٥٤ – فَجَلَسَ داخِلًا مَعَ الخُدّامِ لِيَنْظُرَ الغايَةَ. ٥٥ - وأضْرَمُوا نارًا في وسَطِ الدّارِ وجَلَسُوا حَوْلَها فَجَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهم.
٥٦ - فَرَأتْهُ جارِيَةٌ جالِسًا عِنْدَ الضَّوْءِ فَتَفَرَّسَتْ فِيهِ ثُمَّ قالَتْ: إنَّ هَذا أيْضًا كانَ مَعَهُ.
(p-١٦٤٦)٥٧ - فَكَفَرَ أمامَ الجَمِيعِ وأنْكَرَهُ قائِلًا: إنِّي لَسْتُ أعْرِفُهُ.
٥٨ - وبَعْدَ قَلِيلٍ رَآهُ آخَرُ فَقالَ: أنْتَ أيْضًا مِنهُمْ، فَأخَذَ بُطْرُسُ يَحْلِفُ: لا أعْرِفُ هَذا الرَّجُلَ ولَسْتُ مِنهم.
٥٩ - وبَعْدَ نَحْوِ ساعَةٍ أكَّدَ عَلَيْهِ آخَرُ قائِلًا: في الحَقِيقَةِ هَذا أيْضًا كانَ مَعَهُ فَإنَّهُ جَلِيلِي.
٦٠ - فَقالَ بُطْرُسُ: يا رَجُلُ لا أدْرِي ما تَقُولُ.
قالَ مُفَسِّرُوهُمْ: إنَّ خَطَأ بُطْرُسَ هَذا كانَ ثَقِيلًا: لِأنَّ المَسِيحَ قالَ: مَن يُنْكِرُنِي أمامَ النّاسِ أُنْكِرُهُ أمامَ أبِي الَّذِي في السَّماواتِ.
٦٠ - وفي الحالِ بَيْنَما هو يَتَكَلَّمُ صاحَ الدِّيكُ.
٦١ - فالتَفَتَ يَسُوعُ ونَظَرَ إلى بُطْرُسَ فَتَذَّكَّرُ كَلامَهُ إذْ قالَ: إنَّكَ قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرّاتٍ.
٦٢ - فَخَرَجَ بُطْرُسُ وبَكى بُكاءً مُرًّا.
٦٣ - وكانَ الرِّجالُ الَّذِينَ قَبَضُوا عَلَيْهِ يَهْزَءُونَ بِهِ ويَضْرِبُونَهُ.
(p-١٦٤٧)٦٤ - وغَطَّوْهُ وطَفِقُوا يَلْطِمُونَهُ ويَسْألُونَهُ قائِلِينَ: تَنَبَّأْ مَنِ الَّذِي ضَرَبَكَ.
٦٥ - وأشْياءَ أُخَرَ كانُوا يَقُولُونَها عَلَيْهِ مُجْدِفِينَ.
٦٦ - ولَمّا كانَ النَّهارُ اجْتَمَعَ شُيُوخُ الشَّعْبِ ورُؤَساءُ الكَهَنَةِ عَلَيْهِ لِيُمِيتُوهُ، وأحْضَرُوهُ إلى مَحْفَلِهِمْ.
٦٧ - وقالُوا: إنْ كُنْتَ أنْتَ المَسِيحَ فَقُلْ لَنا، فَقالَ لَهُمْ: إنْ قُلْتُ لَكم لا تُؤْمِنُونَ.
٦٨ - وإنْ سَألْتُكم لا تُجِيبُونِي ولا تُطْلِقُونِي.
٦٩ - ولَكِنْ - مِنَ الآنِ - يَكُونُ ابْنُ البَشَرِ جالِسًا عَنْ يَمِينِ قُدْرَةِ اللَّهِ.
٧٠ - فَقالَ الجَمِيعُ: أفَأنْتَ ابْنُ اللَّهِ، فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ تَقُولُونَ إنِّي أنا هو.
٧١ – فَقالُوا: ما حاجَتُنا إلى شَهادَةٍ إنّا قَدْ سَمِعْنا مِن فَمِهِ.
فَأوْثَقُوهُ، وأمّا يَهُوذا الأسْخَرْيُوطِيُّ الدّافِعُ لَمّا رَأى يَسُوعَ قَدْ دِينَ نَدِمَ ومَضى، فَأعادَ الثَّلاثِينَ الفِضَّةَ إلى رُؤَساءِ الكَهَنَةِ قائِلًا: لَقَدْ أخْطَأْتُ بِتَسْلِيمِي دَمًا زَكِيًّا، فَقالُوا لَهُ: ما عَلَيْنا أنْتَ أخْبِرْهُ، فَطَرَحَ الفِضَّةَ في الهَيْكَلِ وذَهَبَ فَخَنَقَ نَفْسَهُ، وأمّا رُؤَساءُ الكَهَنَةِ فَأخَذُوا الفِضَّةَ وقالُوا: لا يَحِلُّ لَنا أنْ نَضَعَها في بَيْتِ التَّقْدِمَةِ؛ لِأنَّها ثَمَنُ دَمٍ.
(p-١٦٤٨)١ - ثُمَّ ذَهَبَ جَمِيعُ جُمْهُورِهِمْ ومَضَوْا بِيَسُوعَ إلى بِيَلاطُسَ.
٢ - وطَفِقُوا يَشْكُونَهُ قائِلِينَ: إنّا وجَدْنا هَذا يُفْسِدُ أُمَّتَنا ويَمْنَعُ مِن أداءِ الجِزْيَةِ لِقَيْصَرَ، ويَدَّعِي أنَّهُ هو المَسِيحُ المَلِكُ.
٣ - فَسَألَهُ بِيَلاطُسُ قائِلًا: هَلْ أنْتَ مِلْكُ اليَهُودِ؟ فَأجابَهُ قائِلًا: أنْتَ قُلْتَ.
٤ - فَقالَ بِيَلاطُسُ لِرُؤَساءِ الكَهَنَةِ ولِلْجُمُوعِ: إنِّي لَمْ أجِدْ عَلى هَذا الرَّجُلِ عِلَّةً.
٥ - فَلَجُّوا وقالُوا: إنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ؛ إذْ يَعْلَمُ في اليَهُودِيَّةِ كُلِّها مُبْتَدِئًا مِنَ الجَلِيلِ إلى هَهُنا.
٦ - فَلَمّا سَمِعَ بِيَلاطُسُ ذِكْرَ الجَلِيلِ سَألَ: هَلِ الرَّجُلُ جَلِيلِيٌّ.
٧ - ولَمّا عَلِمَ أنَّهُ مِن إيالَةِ هِيرُودُسَ أرْسَلَهُ إلى هِيرُودُسَ وكانَ في تِلْكَ الأيّامِ في أُورْشَلِيمَ.
٨ - فَلَمّا رَأى هيرؤدس يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا؛ لِأنَّهُ مِن زَمانٍ طَوِيلٍ كانَ يَشْتَهِي أنْ يَراهُ لِسَماعِهِ عَنْهُ أشْياءَ كَثِيرَةً، ويَرْجُو أنْ يُعايِنَ آيَةً يَصْنَعُها.
(p-١٦٤٩)٩ - فَسَألَهُ بِكَلامٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ.
١٠ - وكانَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ واقِفِينَ يَشْكُونَهُ بِلَجاجَةٍ.
١١ - فازْدَراهُ هِيرُودُسُ مَعَ جُنُودِهِ وهَزَأ بِهِ وألْبَسَهُ ثَوْبًا لامِعًا ورَدَّهُ إلى بِيَلاطُسَ.
١٢ - وتَصادَقَ هِيرُودُسُ وبِيَلاطُسُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَدْ كانا مِن قَبْلُ مُتَعادِيَيْنِ.
١٣ - فَدَعا بِيَلاطُسَ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ والعُظَماءَ والشَّعْبَ.
١٤ - وقالَ لَهُمْ: قَدْ قَدَّمْتُمْ إلَيَّ هَذا الرَّجُلَ كَأنَّهُ يَفْتِنُ الشَّعْبَ، وها أنا قَدْ فَحَصْتُهُ أمامَكم فَلَمْ أجِدْ عَلى هَذا الرَّجُلِ عِلَّةً مِمّا تَشْكُونَهُ بِهِ.
١٥ - ولا هِيرُودُسُ أيْضًا؛ لِأنِّي أرْسَلْتُكم إلَيْهِ وهو ذا لَمْ يُصْنَعْ بِهِ شَيْءٌ مِن حُكْمِ المَوْتِ.
١٦ - فَأنا أُؤَدِّبُهُ وأُطْلِقُهُ.
١٧ - وكانَ لا بُدَّ لَهُ أنْ يُطْلِقَ لَهم في كُلِّ عِيدٍ رَجُلًا.
(p-١٦٥٠)١٨ - فَصاحُوا كُلُّهم جُمْلَةً قائِلِينَ: ارْفَعْ هَذا وأطْلِقْ لَنا بَرْأبا.
١٩ - كانَ ذاكَ قَدْ أُلْقِيَ في السِّجْنِ لِأجْلِ فِتْنَةٍ حَدَثَتْ في المَدِينَةِ وقَتْلٍ.
٢٠ - فَناداهم بِيَلاطُسَ مَرَّةً أُخْرى وهو يُرِيدُ أنْ يُطْلِقَ يَسُوعَ.
٢١ - فَصَرَخُوا قائِلِينَ: اصْلُبْهُ، اصْلُبْهُ.
٢٢ - فَقالَ لَهم مَرَّةً ثالِثَةً: وأيُّ شَرٍّ صَنَعَ هَذا؟ إنِّي لَمْ أجِدْ عَلَيْهِ عِلَّةً لِلْمَوْتِ فَأنا أُؤَدِّبُهُ وأُطْلِقُهُ.
٢٣ - فَألَحُّوا عَلَيْهِ بِأصْواتٍ عالِيَةٍ طالِبِينَ أنْ يُصْلَبَ واشْتَدَّتْ أصْواتُهم.
٢٤ - فَحَكَمَ بِيَلاطُسُ أنْ يُجْرى مَطْلَبُهم.
٢٥ - فَأطْلَقَ لَهُمُ الَّذِي طَلَبُوهُ ذاكَ الَّذِي أُلْقِيَ في السِّجْنِ لِأجْلِ فِتْنَةٍ، وجَلَدَ يَسُوعَ بِالسِّياطِ وأسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ.
قالَ مُفَسِّرُوهُمْ: ولِذا يَظْهُرُ أنَّ اللِّصَّيْنِ اللَّذَيْنِ صُلِبا مَعَهُ جُلِدا أيْضًا، والجَلّادُونَ كانُوا سِتِّينَ نَفَرًا، وأرْشاهُمُ اليَهُودُ لِيُمِيتُوهُ بِالجَلْدِ؛ خَشْيَةَ أنْ يُطْلِقَهُ بِيَلاطُسُ، ونَزَعُوا ثِيابَهُ وألْبَسُوهُ لِباسًا (p-١٦٥١)قِرْمِزِيًّا وضَفَّرُوا إكْلِيلًا مِن شَوْكِ العَوْسَجِ ووَضَعُوهُ عَلى رَأْسِهِ، وأنْشَبُوا في رَأْسِهِ عُنْفًا أشْواكَهُ الحادَّةَ، ومِن هُنا أخَذَتِ الكَنِيسَةُ العادَةَ عَلى إبْقاءِ إكْلِيلًا مِن شَعْرٍ في رَأْسِ الكَهَنَةِ؛ تِذْكارًا لِإكْلِيلِ المَسِيحِ الشَّوْكِيِّ، ثُمَّ جَثَوْا عَلى رُكَبِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ وقائِلِينَ: السَّلامُ يا مَلِكَ اليَهُودِ، وتَناوَلُوا قَصَبَةً يَضْرِبُونَ بِها رَأسَهُ، ولَمّا هَزَءُوا بِهِ نَزَعُوا ذَلِكَ اللِّباسَ وألْبَسُوهُ ثِيابَهُ واسْتاقُوهُ لِيُصْلَبَ، وكانَ يَتَقَدَّمُهُ مُبَوِّقٌ يَدْعُو الشَّعْبَ إلى هَذا المَنظَرِ بِحَسَبِ عادَةِ اليَهُودِ، وخَشَبَةُ الصَّلْبِ عَلى مَنكِبَيْهِ.
٣٢ - وانْطُلِقَ مَعَهُ بِآخَرَيْنِ مُجْرِمَيْنِ لِيُقْتَلا.
ولَمّا بَلَغُوا إلى المَكانِ المُسَمّى الجُمْجُمَةَ صَلَبُوهُ هُناكَ هو والمُجْرِمَيْنِ، أحَدُهُما عَنِ اليَمِينِ والآخَرُ عَنِ اليَسارِ.....
وناوَلُوهُ خَلًّا مَخْلُوطًا بِمَرارَةٍ أوْ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِعَلْقَمٍ بَعْدَ أنْ طَلَبَ الماءَ، فَذاقَهُ ولَمْ يَشْرَبْ.
ولَمّا صَلَبُوهُ بِالمَسامِيرِ وبِالحِبالِ مَعَها، وكانَتِ المَسامِيرُ في راحَةِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ - ضَرَبُوا جَنْبَهُ بِالحَرْبَةِ فَنَفَذَتْ مِن صَدْرِهِ، وفي الصَّلِيبِ مَحَلٌّ يَسْنِدُ إلَيْهِ رِجْلَيْهِ، واقْتَسَمُوا ثِيابَهُ بِالقُرْعَةِ وهي ثَلاثَةٌ: القَمِيصُ والرِّداءُ والجُبَّةُ، ولَمْ يَكُنْ يَلْبَسُ السِّرْوالَ كَعادَةِ تِلْكَ البِلادِ، وجَلَسُوا هُناكَ يَحْرُسُونَهُ؛ لِئَلّا يَسْرِقَهُ أحَدٌ.
وكانَ الشَّعْبُ واقِفِينَ يَنْظُرُونَ، والرُّؤَساءُ يَسْخَرُونَ مِنهُ مَعَهم قائِلِينَ: قَدْ خَلَّصَ آخَرِينَ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إنْ كانَ هو مَسِيحَ اللَّهِ المُخْتارَ.
(p-١٦٥٢)٣٦ - وكانَ الجُنْدُ أيْضًا يَهْزَءُونَ بِهِ.
٣٧ - وقائِلِينَ: إنْ كُنْتَ أنْتَ مَلِكَ اليَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ.
٣٨ - وكانَ عُنْوانٌ فَوْقَهُ مَكْتُوبًا بِالحُرُوفِ اليُونانِيَّةِ واللّاتِينِيَّةِ والعِبْرانِيَّةِ: هَذا هو مَلِكُ اليَهُودِ.
٤٤ – ولَمّا كانَ نَحْوَ السّاعَةِ السّادِسَةِ حَدَثَتْ ظُلْمَةٌ عَلى الأرْضِ كُلِّها إلى السّاعَةِ التّاسِعَةِ.
٤٥ - وأظْلَمَتِ الشَّمْسُ وانْشَقَّ حِجابُ الهَيْكَلِ مِن وسَطِهِ.
٤٦ - ونادى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قائِلًا: إيلُ إيلُ لِمَ شَبَقْتَنِي؟ أيْ: إلَهِي إلَهِي لِماذا تَرَكْتَنِي؟ فَكانَ أُناسٌ مِنَ القائِمِينَ يَقُولُونَ: دَعُوا نَنْظُرْ هَلْ يَأْتِي إيلِيا فَيُخَلِّصُهُ، ثُمَّ صَرَخَ أيْضًا بِصَوْتٍ عالٍ وأسْلَمَ الرُّوحَ.
٤٧ - فَلَمّا رَأى قائِدُ المِئَةِ ما حَدَثَ مَجَّدَ اللَّهَ قائِلًا: في الحَقِيقَةِ كانَ هَذا الرَّجُلُ صِدِّيقًا.
٤٨ - وكُلُّ الجُمُوعِ الَّذِينَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى هَذا المَنظَرِ، لَمّا عايَنُوا ما حَدَثَ - رَجَعُوا وهم يَقْرَعُونَ صُدُورَهم.
(p-١٦٥٣)٤٩ - وكانَ جَمِيعُ مَعارِفِهِ والنِّساءُ اللَّواتِي تَبِعْنَهُ مِنَ الجَلِيلِ واقِفِينَ مِن بَعِيدٍ يَنْظُرُونَ ذَلِكَ.
٥٠ - وإذا بِرَجُلٍ اسْمُهُ يُوسُفُ وهو صالِحٌ صِدِّيقٌ.
٥١ - ولَمْ يَكُنْ مُوافِقًا لِرَأْيِهِمْ وعَمَلِهِمْ.
٥٢ - فَدَنا إلى بِيَلاطُسَ وسَألَهُ جَسَدَ يَسُوعَ فَأعْطاهُ إيّاهُ.
٥٣ - فَأنْزَلَهُ ولَفَّهُ في كَتّانٍ ووَضَعَهُ في قَبْرٍ مَنحُوتٍ لَمْ يَكُنْ وُضِعَ فِيهِ أحَدٌ.
٥٤ - وكانَ يَوْمَ التَّهْيِئَةِ أيِ: الجُمُعَةِ، وقَدْ أخَذَ السَّبْتُ يَلُوحُ .....
وفِي يَوْمِ السَّبْتِ اجْتَمَعَ عُظَماءُ الكَهَنَةِ عِنْدَ بِيَلاطُسَ قائِلِينَ لَهُ: قَدْ تَذَكَّرْنا أنَّ ذاكَ المُضِلَّ كانَ يَقُولُ وهو حَيٌّ: إنِّي أقُومُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَمُرْ أنْ يَحْرُسُوا القُبُورَ حَتّى اليَوْمِ الثّالِثِ؛ لِئَلّا يَأْتِيَ تَلامِيذُهُ فَيَسْرِقُوهُ لَيْلًا ويَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إنَّهُ قامَ مِن بَيْنِ الأمْواتِ، فَتَكُونُ الضَّلالَةُ الأخِيرَةُ شَرًّا مِنَ الأُولى، فَأمَرَ لَهم بِجُنُودٍ يَحْرُسُونَ وحَصَّنُوا القَبْرَ وخَتَمُوا الحَجَرَ مَعَ الجُنُودِ.
وفِي عَشِيَّةِ السَّبْتِ المُسْفِرِ صَباحُهُ عَنِ الأحَدِ أتَتْ مَرْيَمُ المِجْدَلِيَّةُ ومَرْيَمُ الأُخْرى لِتَنْظُرَ القَبْرَ.
قالَ مُفَسِّرُوهُمْ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ أتْعَبَتِ العُلَماءَ في تَفْسِيرِها والتَّوْفِيقِ بَيْنَ أجْزائِها وبَيْنَ أقْوالِ باقِي الإنْجِيلِيِّينَ. انْتَهى.
(p-١٦٥٤)وإذا بِزَلْزَلَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ صارَتْ؛ لِأنَّ مَلَكَ الرَّبِّ انْحَدَرَ مِنَ السَّماءِ، وكانَ المَلَكُ جِبْرِيلُ ظَهَرَ بِهَيْئَةِ شابٍّ وجاءَ فَدَحْرَجَ الحَجَرَ عَنْ بابِ القَبْرِ وجَلَسَ فَوْقَهُ، وكانَ مَنظَرُهُ كالبَرْقِ ولِباسُهُ أبْيَضَ كالثَّلْجِ، ومِنَ الخَوْفِ مِنهُ اضْطَرَبَ الحُرّاسُ وصارُوا كالأمْواتِ.
فَقالَ لِلنِّسْوَةِ: لا تَخَفْنَ، فَقَدْ عَرَفْتُ أنَّكُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ المَصْلُوبَ، إنَّهُ لَيْسَ هَهُنا، فَإنَّهُ قَدْ قامَ.
وقالَ لُوقا:
٥٥ - كانَتِ النِّساءُ اللَّواتِي أتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الجَلِيلِ يَتْبَعْنَ، فَأبْصَرْنَ القَبْرَ وكَيْفَ وُضِعَ فِيهِ جَسَدُهُ.
٥٦ - ثُمَّ رَجَعْنَ وأعْدَدْنَ حَنُوطًا وأطْيابًا، وفي السَّبْتِ قَرَرْنَ عَلى حَسَبِ الوَصِيَّةِ.
١ - وفي أوَّلِ الأُسْبُوعِ باكِرًا جِدًّا أتَيْنَ إلى القَبْرِ وهُنَّ يَحْمِلْنَ الحَنُوطَ الَّذِي أعْدَدْناهُ.
٢ - فَوَجَدْنَ الحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ عَنِ القَبْرِ.
٣ - فَدَخَلْنَ فَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ يَسُوعَ.
٤ - وبَيْنَما هُنَّ مُتَحَيِّراتٌ في ذَلِكَ إذا بِرَجُلَيْنِ قَدْ وقَفا عِنْدَهُنَّ بِلِباسٍ بَرّاقٍ.
(p-١٦٥٥)٥ - وإذْ كُنَّ خائِفاتٍ ونَكَّسْنَ وُجُوهَهُنَّ إلى الأرْضِ قالا لَهُنَّ: لِماذا تَطْلُبْنَ الحَيَّ بَيْنَ الأمْواتِ؟!
٦ - إنَّهُ لَيْسَ هَهُنا لَكِنَّهُ قامَ، اذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وهو في الجَلِيلِ.
٧ - إذْ قالَ: إنَّهُ يَنْبَغِي لِابْنِ البَشَرِ أنْ يُسْلِمَ إلى أيْدِي أُناسٍ خَطَأةٍ ويُصْلَبَ ويَقُومَ في اليَوْمِ الثّالِثِ.
فَذَكَرْنَ كَلامَهُ.
ورَجَعْنَ مِنَ القَبْرِ وأخْبَرْنَ الأحَدَ عَشَرَ وجَمِيعَ الباقِينَ بِهَذا كُلِّهِ.
وقُلْنَ لَهُمْ: قَدْ أخَذُوا يَسُوعَ مِنَ القَبْرِ ولا نَعْلَمُ أيْنَ وضَعُوهُ.
١٠ - ومَرْيَمُ المِجْدَلِيَّةُ وحَنَّةُ ومَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وأُخَرُ مَعَهُنَّ هُنَّ اللَّواتِي أخْبَرْنَ الرُّسُلَ بِهَذا.
فَكانَ عِنْدَهم هَذا الكَلامُ كالهَذَيانِ ولَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ.
(p-١٦٥٦)١٢ - فَقامَ بُطْرُسُ وأسْرَعَ إلى القَبْرِ وتَطَلَّعَ فَرَأى الأكْفانَ مَوْضُوعَةً عَلى حِدَةٍ فانْصَرَفَ مُتَعَجِّبًا في نَفْسِهِ مِمّا كانَ.
١٣ - وإنَّ اثْنَيْنِ مِنهم كانا سائِرَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى قَرْيَةٍ اسْمُها عِمّاوُسُ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورَشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً.
١٤ - وكانا يَتَحادَثانِ عَنْ تِلْكَ الحَوادِثِ كُلِّها.
١٥ - وفِيما هُما يَتَحادَثانِ ويَتَساءَلانِ دَنا مِنهُما يَسُوعُ نَفْسُهُ وكانَ يَسِيرُ مَعَهُما.
١٦ - ولَكِنْ أمْسَكَتْ أعْيُنُهُما عَنْ مَعْرِفَتِهِ.
١٧ - فَقالَ لَهُما: ما هَذا الكَلامُ الَّذِي تَتَحاوَرانِ فِيهِ وأنْتُما سائِرانِ مُكْتَئِبَيْنِ.
١٨ - فَأجابَ أحَدُهُما: أفَأنْتَ غَرِيبٌ في أُورَشَلِيمَ ولَمْ تَعْلَمْ ما حَدَثَ بِها في هَذِهِ الأيّامِ.
١٩ - فَقالَ لَهُما: وما هُوَ؟ قالا لَهُ: ما يَخُصُّ يَسُوعَ النّاصِرِيَّ الَّذِي كانَ رَجُلًا نَبِيًّا ذا قُوَّةٍ في العَمَلِ والقَوْلِ أمامَ اللَّهِ والشَّعْبِ كُلِّهِ.
(p-١٦٥٧)٢٠ - وكَيْفَ أسْلَمَهُ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ وحُكّامُنا لِقَضاءِ المَوْتِ وصَلَبُوهُ.
٢١ - واليَوْمُ هو اليَوْمُ الثّالِثُ لِحُدُوثِ ذَلِكَ.
٢٢ - إلّا أنَّ نِساءً مِنّا أدْهَشْنَنا؛ لِأنَّهُنَّ بَكَّرْنَ إلى القَبْرِ.
٢٣ - فَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَهُ فَأتَيْنَ وقُلْنَ: إنَّهُنَّ رَأيْنَ مَظْهَرَ مَلائِكَةٍ قالُوا: إنَّهُ حَيٌّ.
٢٤ - فَمَضى قَوْمٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَنا إلى القَبْرِ فَوَجَدُوا كَما قالَتِ النِّساءُ لَكِنَّهم لَمْ يَرَوْهُ.
٢٥ - فَقالَ لَهُما: يا قَلِيلَيِ الفَهْمِ وبَطِيئَيِ القَلْبِ في الإيمانِ بِكُلِّ ما نَطَقَتْ بِهِ الأنْبِياءُ.
٢٦ - أما كانَ يَنْبَغِي لِلْمَسِيحِ أنْ يَتَألَّمَ هَذِهِ الآلامَ ثُمَّ يَدْخُلَ إلى مَجْدِهِ.
٢٧ - ثُمَّ أخَذَ يُفَسِّرُ لَهُما مِن مُوسى ومِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ ما يَخْتَصُّ بِهِ في الأسْفارِ كُلِّها.
٢٨ - فَلَمّا اقْتَرَبُوا مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانا يَقْصِدانِها تَظاهَرَ بِأنَّهُ مُنْطَلِقٌ إلى مَكانٍ أبْعَدَ.
٢٩ - فَألْزَماهُ قائِلَيْنِ: امْكُثْ مَعَنا؛ لِأنَّ المَساءَ مُقْبِلٌ، وقَدْ مالَ النَّهارُ، فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُما.
(p-١٦٥٨)٣٠ - ولَمّا اتَّكَأ مَعَهُما أخَذَ خُبْزًا وبارَكَ وكَسَرَ وناوَلَهُما.
٣١ - فانْفَتَحَتْ أعْيُنُهُما وعَرَفاهُ فَغابَ عَنْهُما.
٣٢ - فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أما كانَتْ قُلُوبُنا مُضْطَرِمَةً فِينا حِينَ كانَ يُخاطِبُنا في الطَّرِيقِ ويَشْرَحُ لَنا الكُتُبَ.
٣٤ - وقاما في تِلْكَ السّاعَةِ ورَجَعا إلى أُورَشَلِيمَ فَوَجَدا الأحَدَ عَشَرَ والَّذِينَ مَعَهم مُجْتَمَعِينَ.
وهم يَقُولُونَ: لَقَدْ قامَ يَسُوعُ في الحَقِيقَةِ وتَراءى لِسِمْعانَ.
٣٥ - فَأخَذا يُخْبِرانِ بِما حَدَثَ في الطَّرِيقِ وكَيْفَ عَرَفاهُ عِنْدَ كَسْرِ الخُبْزِ.
٣٦ - وبَيْنَما هم يَتَحَدَّثُونَ بِهَذِهِ وقَفَ يَسُوعُ في وسَطِهِمْ وقالَ لَهُمُ: السَّلامُ لَكُمْ، أنا هو لا تَخافُوا.
٣٧ - فاضْطَرَبُوا وخافُوا وظَنُّوا أنَّهم يَرَوْنَ رُوحًا.
(p-١٦٥٩)٣٨ - فَقالَ لَهُمْ: ما بالُكم مُرْتَعِدِينَ ولِماذا ثارَتِ الأوْهامُ في قُلُوبِكُمْ؟!
٣٩ - انْظُرُوا يَدَيَّ ورِجْلَيَّ إنِّي أنا هو جُسُّونِي وانْظُرُوا فَإنَّ الرُّوحَ لا لَحْمَ لَهُ ولا عِظامَ كَما تَرَوْنَ لِي.
٤٠ - ثُمَّ أراهم يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ.
٤١ - وإذْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بَعْدُ مِنَ الفَرَحِ ومُتَعَجِّبِينَ قالَ: أعِنْدَكم هَهُنا طَعامٌ.
٤٢ - فَأعْطَوْهُ قِطْعَةً مِن سَمَكٍ مَشْوِيٍّ وشَهْدَ عَسَلٍ.
٤٣ - فَأخَذَ وأكَلَ أمامَهم.
ثُمَّ أخَذَ الباقِيَ وأعْطاهم.
وبَعْدَ مُفاوَضَتِهِ مَعَهم.
٥٠ - خَرَجَ بِهِمْ إلى بَيْتِ عَنْيا ورَفَعَ يَدَيْهِ وبارَكَهم.
٥١ - وفِيما هو يُبارِكُهُمُ انْفَرَدَ عَنْهم وصَعِدَ إلى السَّماءِ.
(p-١٦٦٠)هَذا ما جاءَ في إنْجِيلِ لُوقا مَمْزُوجًا بِبَعْضِ تَفاسِيرِهِمْ، وإنَّما آثَرْتُ النَّقْلَ عَنْهُ لِزَعْمِهِمْ أنَّ كَلامَهُ أصَحُّ وأفْصَحُ، وأشَدُّ انْسِجامًا مِن كَلامِ باقِي مُؤَلِّفِي العَهْدِ الجَدِيدِ، كَما في "ذَخِيرَةِ الألْبابِ" مِن كُتُبِهِمْ.
* *
فَصْلٌ
فِي بُطْلانِ ما رَوَوْهُ وتَهافُتِهِ بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ
اعْلَمْ أنَّ في كُتُبِهِمُ المَوْجُودَةِ مِنَ التَّضارُبِ في هَذِهِ القِصَّةِ ما يَقْضِي بِالعَجَبِ ويُبَرْهِنُ عَلى عَدَمِ الوُثُوقِ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] [النِّساءِ: ١٥٧].
قالَ البُرْهانُ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في "تَفْسِيرِهِ" بَعْدَ (أنْ ساقَ أزْيَدَ مِمّا سُقْناهُ عَنْ أناجِيلِهِمْ، وقالَ: أحْسَنُ ما رُدَّ عَلى الإنْسانِ بِما يَعْتَقِدُهُ) ما نَصُّهُ: فَقَدْ بانَ لَكَ أنَّ أناجِيلَهم كُلَّها اتَّفَقَتْ عَلى أنَّ عِلْمَهم في أمْرِهِ انْتَهى إلى واحِدٍ، وهو الأسْخَرْيُوطِيُّ، وأمّا غَيْرُهُ مِنَ الأعْداءِ فَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، وإنَّهُ إنَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَقُلْ بِلِسانِهِ إنَّهُ هُوَ، وأنَّ الوَقْتَ كانَ لَيْلًا، وأنَّ عِيسى نَفْسَهُ قالَ لِأصْحابِهِ: كُلُّكم تَشُكُّونَ فِيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وأنَّ تَلامِيذَهُ كُلَّهم هَرَبُوا فَلَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اتَّفَقَ في أمْرِهِ، وإنَّ بُطْرُسَ إنَّما تَبِعَهُ مِن بَعِيدٍ، وإنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ خَنْقُ نَفْسِهِ، وإنَّ النّاقِلَ لِأنَّ المَلَكَ قالَ إنَّهُ قامَ مِنَ الأمْواتِ إنَّما هو نِسْوَةٌ كُنَّ عِنْدَ القَبْرِ في مَدًى بَعِيدٍ، وما يَدْرِي النِّسْوَةُ المَلَكَ مِن غَيْرِهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تُفِيدُ غَيْرَ الظَّنِّ، وأمّا الآياتُ الَّتِي وقَعَتْ فَعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِها لا يَضُرُّنا التَّصْدِيقُ بِها.... وتَكُونُ لِجَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ بِصَلْبِ مَن يَظُنُّونَهُ المَسِيحَ، وهَذا كُلُّهُ يُصادِقُ القُرْآنَ في أنَّهم في شَكٍّ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَصْلُوبَ - إنْ صَحَّ أنَّهم صَلَبُوهُ - مَن ظَنُّوهُ إيّاهُ، هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ.
(p-١٦٦١)قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ خَنَقَ نَفْسَهُ، فالظّاهِرُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَرَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوا أنَّهُ خَنَقَ نَفْسَهُ: فَجَزَمُوا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقالَ العَلّامَةُ خَيْرُ الدِّينِ الآلُوسِيُّ في "الجَوابِ الفَسِيحِ": اعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ هَذا النَّصْرانِيُّ مِن أنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ماتَ بِجَسَدِهِ، وأقامَ عَلى الصَّلِيبِ إلى وقْتِ الغُرُوبِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، ثُمَّ أُنْزِلَ ودُفِنَ، وأقامَ في القَبْرِ إلى صَبِيحَةِ يَوْمِ الأحَدِ، ثُمَّ انْبَعَثَ حَيًّا بِلاهُوتِهِ وتَراءى لِلنِّسْوَةِ اللّاتِي جِئْنَ إلى قَبْرِهِ زائِراتٍ، وظَهَرَ بَعْدُ لِحَوارِيِّيهِ .... إلى آخِرِ ما قالَهُ - هو ما أجْمَعَ عَلَيْهِ النَّصارى.
ويَرُدُّ ذَلِكَ العَقْلُ والنَّقْلُ، وإنْ صَدَّقَتْهُمُ اليَهُودُ في قَتْلِهِ، فاسْتَمِعْ مِنَ المَنقُولِ ما يُتْلى عَلَيْكَ بِأُذُنٍ واعِيَةٍ، وخُذْ ما يَأْتِيكَ مِنَ المَعْقُولِ بِالدَّلائِلِ الهادِيَةِ، عَلى أنَّ المَقْتُولَ هو الشَّبَهُ، وأنَّ الحالَ عِنْدَ صالِبِيهِ اشْتَبَهَ، وأنَّ المَسِيحَ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ القَتْلِ إلَيْهِ؛ لِشَرَفِهِ عِنْدَهُ ومَكانَتِهِ لَدَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى في بَيانِ حالِ اليَهُودِ: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] الآيَةَ.
وفِي الإنْجِيلِ أنَّ رَئِيسَ الكَهَنَةِ أقْسَمَ عَلى المَأْخُوذِ بِاللَّهِ أأنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؟ فَقالَ لَهُ: أنْتَ قُلْتَ، ولَمْ يُجِبْهُ بِأنَّهُ المَسِيحُ، فَلَوْ كانَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو المَسِيحَ لَقالَ لَهُ: نَعَمْ، ولَمْ يُوَرِّ ولَمْ يَتَلَعْثَمْ، وهو مُحَلَّفٌ بِاللَّهِ، لا سِيَّما وهو بِزَعْمِهِمُ الإلَهُ، الَّذِي نَزَلَ لِخَلاصِ عِبادِهِ بِإفْداءِ نَفْسِهِ ودُخُولِ الجَحِيمِ ولَأْواهُ.
وقالَ لُوقا في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن إنْجِيلِهِ.
٢٨ - إنَّ المَسِيحَ صَعِدَ قَبْلَ الصَّلْبِ إلى جَبَلِ الخَلِيلِ ومَعَهُ بُطْرُسُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا.
٢٩ - فَبَيْنَما هو يُصَلِّي إذْ تَغَيَّرَ مَنظَرُ وجْهِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ وابْيَضَّتْ ثِيابُهُ وصارَتْ تَلْمَعُ كالبَرْقِ.
(p-١٦٦٢)٣٠ - وإذا مُوسى بْنُ عِمْرانَ وإيلِيا.
٣١ - قَدْ ظَهَرا لَهُ وجاءَتْ سَحابَةٌ فَأظَلَّتْهم.
٣٢ - وأمّا الَّذِينَ كانُوا مَعَ المَسِيحِ فَوَقَعَ عَلَيْهِمُ النَّوْمُ فَنامُوا.
وهَذا مِن أوْضَحِ الدَّلالَةِ عَلى رَفْعِهِ وحُصُولِ الشَّبَهِ الَّذِي نَقُولُ بِهِ؛ إذْ لا مَعْنى لِظُهُورِ مُوسى وإيلِيا ووُقُوعِ النَّوْمِ عَلى أصْحابِهِ إلّا رَفْعُهُ، ألا تَرى أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْمَعُونَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ إيلِيا يَأْتِي، فَلَمّا رَفَعُوهُ عَلى الخَشَبَةِ - كَما في الأناجِيلِ - قالُوا: دَعُوهُ حَتّى نَرى أنَّ إيلِيا يَأْتِي فَيُخَلِّصُهُ، فَصارُوا في شَكٍّ يُرِيدُونَ تَحْقِيقَهُ، فَإنْ أتى إيلِيا فَما رَفَعُوهُ هو المَسِيحُ، وإنْ لَمْ يَأْتِ فَهو غَيْرُهُ كَما في ظَنِّهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَأْتِ ازْدادُوا رِيبَةً في أمْرِهِ، ومَن رَآهُ الحَوارِيُّونَ بَعْدَ يَقَظَتِهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَوْرًا مِن أطْوارِ رُوحِهِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ، وتَشَكُّلُ الرُّوحِ بَعْدَ المَوْتِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، لا سِيَّما وقَدْ صَدَرَتْ عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزاتٌ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، كَإحْياءِ المَوْتى، وكَثْرَةِ الخُبْزِ والحِيتانِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ، والأبْرَصِ.
وقالَ يُوحَنّا التِّلْمِيذُ:
١ - كانَ يَسُوعُ مَعَ تَلامِيذِهِ بِالبُسْتانِ فَجاءَ اليَهُودُ في طَلَبِهِ.
(p-١٦٦٣)٤ - فَخَرَجَ إلَيْهِمْ يَسُوعُ وقالَ لَهُمْ: مَن تُرِيدُونَ؟
قالُوا: يَسُوعُ (وقَدْ خَفِيَ شَخْصُهُ عَنْهُمْ) قالَ: أنا يَسُوعُ، وفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ أنْكَرُوا صُورَتَهُ.
فانْظُرْ - أيُّها العاقِلُ - كَيْفَ اعْتَرَفَ هُنا أنَّهُ يَسُوعُ لَمّا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى حِراسَتَهُ مِنهُمْ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنالُوهُ بِسُوءٍ، وكَيْفَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ المَسِيحُ لَمّا سَألَهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَدَمُ اعْتِرافِهِ هُناكَ واعْتِرافُهُ هُنا دَلِيلٌ واضِحٌ أيْضًا عَلى أنَّ ما قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو الحَقُّ.
ثُمَّ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى عَدَمِ قَتْلِهِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأناجِيلُ مِنِ اخْتِلافِ المَبانِي والمَعانِي والمَقاصِدِ والِاضْطِرابِ في حِكايَةِ هَذِهِ الواقِعَةِ والتَّناقُضِ في ألْفاظِها، كَدَعْواهُمُ الأُلُوهِيَّةَ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – (عِنْدَ صَلْبِهِ بِزَعْمِهِمْ): إلَهِي! إلَهِي! لِمَ تَرَكْتَنِي، وقَوْلِهِ كَما في الفَصْلِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن إنْجِيلِ مَتّى: يا أبَتاهُ إنَّ كانَ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَفُوتَنِي هَذِهِ الكَأْسُ - أيِ: المَوْتُ - ولا بُدَّ لِي أنْ أشْرَبَها فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ، وقامَ يُصَلِّي، وقَوْلِهِ لِرَئِيسِ الكَهَنَةِ: إنَّكم مِنَ الآنَ لا تَرَوْنَ ابْنَ الإنْسانِ حَتّى تَرَوْنَهُ جالِسًا عَنْ يَمِينِ القُوَّةِ وآتِيًا في سَحابِ السَّماءِ، يُرِيدُ بِالقُوَّةِ البارِئَ تَعالى شَأْنُهُ.
وفِي الفَصْلِ السّابِعِ مِن إنْجِيلِ يُوحَنّا: إنَّ الفُرَيْسِيِّينَ ورُؤَساءَ الكَهَنَةِ أرْسَلُوا شُرَطًا لِيَقْبِضُوا عَلى المَسِيحِ (يَعْنِي لِيَقْتُلُوهُ كَما قالَ مُفَسِّرُوهُمْ) قالَ: أنا ماكِثٌ أيْضًا مَعَكم زَمانًا، ثُمَّ (p-١٦٦٤)أنْطَلِقُ إلى مَن أرْسَلَنِي وتَطْلُبُونِي فَلا تَجِدُونِي، وحَيْثُما أكُنْ فَلا تَسْتَطِيعُونَ إلَيَّ سَبِيلًا، قالَ اليَهُودُ في ذَواتِهِمْ: فَإلى أيْنَ؟ هَذا عَتِيدٌ أنْ يَنْطَلِقَ حَتّى لا نَجِدَهُ نَحْنُ؟ قالَ مُفَسِّرُوهم أيْ: يَصْعَدُ إلى السَّماءِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لَوْ أرَدْنا ذِكْرَهُ والتَّنْقِيرَ عَنْهُ لَطالَ البَحْثُ.
ثُمَّ نَقَلَ خَيْرُ الدِّينِ نَحْوًا مِمّا أسْلَفْناهُ عَنْ أناجِيلِهِمْ، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَأجِلْ في تَناقُضِها قِداحَ فِكْرِكَ، وفي تَهافُتِها خُيُولَ ذِهْنِكَ؛ لِتَرى في هَذِهِ القِصَّةِ ما يَدُلُّكَ عَلى وُقُوعِ الشَّبَهِ ونَجاةِ المَسِيحِ عَقْلًا ونَقْلًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] ولِيَتَبَيَّنَ لَكَ عُبُودِيَّتُهُ ورِسالَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ مِنَ العِباراتِ، ولْنَزِدْكَ في البَيانِ وُضُوحًا بِما نُنَبِّهُكَ عَلَيْهِ بِكَلِماتٍ يَسِيرَةٍ مَقْدُوحًا ومَشْرُوحًا.
مِنها: قَوْلُهم إنَّهُ صُلِبَ قَبْلَ غُرُوبِ يَوْمِ الجُمُعَةِ ودُفِنَ مَساءَها، ولَمّا جاءَتِ النِّسْوَةُ عَشِيَّةَ السَّبْتِ المُسْفِرِ صَباحُهُ عَنِ الأحَدِ وجَدْنَهُ فارِغًا، وقَدْ قامَ مِنهُ المَدْفُونُ، مَعَ أنَّ النَّصارى يَزْعُمُونَ - كَما في أناجِيلِهِمْ - أنَّهُ يَبْقى في قَبْرِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، كَما بَقِيَ يُونانُ - أيْ: يُونُسُ - في بَطْنِ الحُوتِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها، فَما هَذا إلّا دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِلافِ والتَّهافُتِ في الأمْرِ.
ومِنها: سُؤالُهُ اليَهُودَ مَرَّتَيْنِ مَن تَطْلُبُونَ؟ وهم يَقُولُونَ: يَسُوعُ النّاصِرِيُّ، فَلَمْ يَعْرِفُوهُ وهو يَقُولُ لَهُمْ: أنا.
ومِنها: أنَّ يَهُوذا ارْتَشى لِيَدُلَّهم عَلَيْهِ، وجَعَلَ العَلامَةَ عَلى تَعْيِينِهِ لَهم تَقْبِيلَ يَدِهِ، فَلَوْ كانَ مَعْلُومًا لَهم لَعَرَفُوهُ بِلا دَلالَةٍ وبِلا سُؤالٍ، مَعَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وفي غالِبِ الأيّامِ في هَيْكَلِهِمْ.
ومِنها: أنَّهُ لَمّا أقْسَمَ عَلَيْهِ رَئِيسُ الكَهَنَةِ أنَّهُ هو المَسِيحُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: أنا المَسِيحُ، بَلْ قالَ لَهُ: أنْتَ قُلْتَ.
(p-١٦٦٥)ومِنها: إنْكارُ بُطْرُسَ لَهُ وهو مِن أعْظَمِ رُسُلِهِ، وإنْكارُهُ كُفْرٌ.
ومِنها: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ الوالِي: أنْتَ هُوَ؟ لَمْ يَرُدَّ لَهُ جَوابًا، فَلَوْ كانَ هو لاعْتَرَفَ وأقَرَّ.
ومِنها: أنَّهُ لَمّا كانَ أخْذُهُ لَيْلًا، وقَدْ شُوِّهَتْ صُورَتُهُ وتَغَيَّرَتْ مَحاسِنُهُ بِالضَّرْبِ والنَّكالِ، فَهي حالَةٌ تُوجِبُ اللَّبْسَ بَيْنَ الشَّيْءِ وخِلافِهِ، فَكَيْفَ بَيْنَ الشَّيْءِ وشَبَهِهِ؟ فَمِن أيْنَ يَحْصُلُ القَطْعُ بِأنَّهُ هُوَ؟ لا سِيَّما والنَّصارى قَدْ حَكَمُوا أنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةَ التَّحَوُّلِ مِن صُورَةٍ إلى صُورَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَسِيحَ ذَهَبَ في الجَماعَةِ الَّذِينَ أطْلَقَهُمُ الأعْوانُ، وكانَ المُتَكَلِّمُ مَعَهم تِلْمِيذٌ أرادَ أنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ وِقايَةً لِلْمَسِيحِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الشَّبَهَ، وأتْباعُ الأنْبِياءِ يَفْدُونَ أنْفُسَهم لِأنْبِيائِهِمْ، وهَذا فَدى نَفْسَهُ لِإلَهِهِ بِزَعْمِ النَّصارى.
ومِنها: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ الأعْوانَ ارْتَشَوْا عَلى إطْلاقِهِ كَما ارْتَشى يَهُوذا عَلى الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وأخَذُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ يُرِيدُ أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ لِلْمَسِيحِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ عَدَمُ اعْتِرافِهِ بِأنَّهُ المَسِيحُ.
ومِنها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا: أنا ماكِثٌ مَعَكم زَمانًا، ثُمَّ أنْطَلِقُ إلى مَن أرْسَلَنِي، فَتَطْلُبُونِي فَلا تَجِدُونِي، وحَيْثُما أكُنْ فَلا تَسْتَطِيعُونَ إلَيَّ سَبِيلًا، فَهَذا صَرِيحٌ في أنَّهم سَيَطْلُبُونَهُ ولا يَجِدُونَهُ ولا يَنالُونَ مِنهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ سَيَصْعَدُ إلى السَّماءِ، ومِثْلُهُ في الفَصْلِ الثّانِي عَشَرَ مِن "إنْجِيلِ يُوحَنّا" ما لَفْظُهُ: قالَ لَهُ الجُمُوعُ: نَحْنُ سَمِعْنا مِنَ النّامُوسِ أنَّ المَسِيحَ يَمْكُثُ إلى الأبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ أنْتَ أنَّ ابْنَ البَشَرِ سَوْفَ يَرْتَفِعُ مَن هو هَذا ابْنُ البَشَرِ؟
قالَ لَهم يَسُوعُ: إنَّ النُّورَ مَعَكم زَمانًا آخَرَ يَسِيرًا، امْشُوا ما دامَ لَكُمُ النُّورُ؛ لِئَلّا يُدْرِكَكُمُ الظَّلامُ، ومَن يَمْشِ في الظَّلامِ فَلا يَدْرِ أيْنَ يَذْهَبُ، آمِنُوا بِالنُّورِ ما دامَ لَكُمُ النُّورُ، قالَ يَسُوعُ هَذا، وذَهَبَ مُتَوارِيًا عَنْهُمُ. انْتَهى.
فَفِي هَذا الكَلامِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ مُؤَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٨].
مِنها: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِعِيسى: إنَّ المَسِيحَ المَذْكُورَ في العَهْدِ القَدِيمِ يَمْكُثُ إلى الأبَدِ.
(p-١٦٦٦)أيْ: فَإنْ كُنْتَ أنْتَ المَسِيحَ فَأنْتَ لا تَمُوتُ في هَذا الزَّمانِ، بَلْ تَبْقى إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولَمْ يُكَذِّبْهم في نَقْلِهِمْ ذَلِكَ، والمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ رُفِعَ حَيًّا إلى السَّماءِ وهو الآنَ حَيٌّ فِيها، وسَيَنْزِلُ آخِرَ الزَّمانِ عِنْدَ قُرْبِ السّاعَةِ، ويَقْتُلُ الدَّجّالَ ويَحْكُمُ بِالشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويُتَوَفّى ويُدْفَنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَهو حَيٌّ إلى الأبَدِ، يَعْنِي إلى قُرْبِ قِيامِ السّاعَةِ، ونُزُولُهُ ومَوْتُهُ مِن أماراتِ السّاعَةِ الكُبْرى، وفي هَذا القَوْلِ دَلالاتٌ ظاهِراتٌ أيْضًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ابْنُ البَشَرِ، يَعْنِي لا تَظُنُّوا أنِّي أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ وإنْ أحْيَيْتُ المَوْتى؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ لِلْإيمانِ بِنُبُوَّتِهِ.
ثانِيها: لَوْ كانَ إلَهًا لَما تَوارى مِنهم خائِفًا مِن قَتْلِهِمْ لَهُ؛ لِأنَّ الإلَهَ هو خالِقٌ لَهم ولِعَمَلِهِمْ، وعالِمٌ بِزَمَنِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَفِرُّ وهو يَعْلَمُ وقْتَ مَوْتِهِ؟ وهو خالِقُ المَوْتِ والحَياةِ؟!
ثُمَّ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى شَبَهَهُ عَلى شَيْطانٍ أوْ مارِدٍ مِن مَرَدَةِ الجِنِّ لِيُخَلِّصَ نَبِيَّهُ ورَسُولَهُ مِن أيْدِي أعْدائِهِ، ويَرْفَعُهُ إلَيْهِ مَحْفُوظًا مُكْرَمًا، كَما أجْرى عَلى يَدَيْهِ إحْياءَ المَوْتى، وخَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، لا سِيَّما وهو بِزَعْمِهِمْ إلَهُ العالَمِ وخالِقُ الإنْسِ والجِنِّ وبَنِي آدَمَ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو لِإثْباتِ أنْواعِ الإهانَةِ والعَذابِ - عَلى ما زَعَمُوا - لِرَبِّ الأرْبابِ، مَعَ وُجُودِ التَّناقُضِ فِيما نَقَلَتْهُ أناجِيلُهم في هَذا الفَصْلِ والبابِ.
؎عَجَبًا لِلْمَسِيحِ بَيْنَ النَّصارى وإلى أيِّ والِدٍ نَسَبُوهُ
؎أسْلَمُوهُ إلى اليَهُودِ وقالُوا ∗∗∗ إنَّهم بَعْدَ ضَرْبِهِ صَلَبُوهُ
؎فَإذا كانَ ما يَقُولُونَ حَقًّا ∗∗∗ وصَحِيحًا فَأيْنَ كانَ أبُوهُ؟
؎حِينَ خَلّى ابْنَهُ رَهِينَ الأعادِي ∗∗∗ أتَراهم أرْضَوْهُ أمْ أغْضَبُوهُ؟
؎فَلَئِنْ كانَ راضِيًا بِأذاهم ∗∗∗ فاحْمَدُوهم لِأنَّهم عَذَّبُوهُ
؎ولَئِنْ كانَ ساخِطًا فاتْرُكُوهُ ∗∗∗ واعْبُدُوهم لِأنَّهم غَلَبُوهُ
وفِي كِتابِ "الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ" ما نَصُّهُ: وفي الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ شَهِيدًا عَلى صَلْبِهِ مِن (p-١٦٦٧)كَلامِ عامُوصَ النَّبِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَلى لِسانِهِ: ثَلاثَةُ ذُنُوبٍ أقْبَلُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والرّابِعَةُ لا أقْبَلُها، بَيْعُهُمُ الرَّجُلَ الصّالِحَ - حُجَّةٌ عَلَيْكم لا لَكُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: بَيْعُهم إيّايَ، ولا قالَ: بَيْعُهم إلَهًا مُتَساوِيًا مَعِيَ.
ويَجْرِي تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ:
إمّا أنْ يَكُونَ عَنى بِالمَبِيعِ عِيسى كَما تَزْعُمُونَ فَقُولُوا حِينَئِذٍ إنَّهُ (الرَّجُلُ الصّالِحُ) كَما قالَ عامُوصُ، ولَيْسَ بِالإلَهِ المَعْبُودِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِالمَبِيعِ غَيْرَهُ وهو الَّذِي شُبِّهَ لِلْيَهُودِ فابْتاعُوهُ وصَلَبُوهُ، ويَلْزَمُكم وقْتَئِذٍ إنْكارُ صَلُوبِيَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ لا ونُصُوصُ الإنْجِيلِ والكُتُبِ النَّصْرانِيَّةِ مُتَضافِرَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ الصَّلْبِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُقُوعِ الشَّبَهِ عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: يُوجَدُ في الإنْجِيلِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَعِدَ إلى جَبَلِ الجَلِيلِ ومَعَهُ بُطْرُسُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي إذْ تَغَيَّرَ مَنظَرُ وجْهِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وابْيَضَّتْ ثِيابُهُ فَصارَتْ تَلْمَعُ كالبَرْقِ، وإذا بِمُوسى بْنُ عِمْرانَ وإيلِيا قَدْ ظَهَرا لَهُ، وجاءَتْ سَحابَةٌ فَأظَلَّتْهُمْ، فَوَقَعَ النَّوْمُ عَلى الَّذِينَ مَعَهُ، فَأيُّ مانِعٍ يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ في اليَوْمِ الَّذِي طَلَبَتْهُ فِيهِ اليَهُودُ، وإنَّما قَدِ اخْتَلَفْتُمْ في نَقْلِها كَما اخْتَلَفْتُمْ وتَناقَضْتُمْ في غَيْرِ ذَلِكَ، وغَيَّرْتُمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ.
وظُهُورُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وتَظْلِيلُ السَّحابَةِ، ووُقُوعُ النَّوْمِ عَلى التَّلامِيذِ - يَكُونُ حِينَئِذٍ دَلِيلًا ظاهِرًا عَلى الرَّفْعِ إلى السَّماءِ وعَدَمِ الصَّلْبِ، وإلّا فَلا مَعْنى لِظُهُورِ هَذِهِ الآياتِ.
وثانِيها: ما في الإنْجِيلِ أيْضًا أنَّ المَصْلُوبَ قَدِ اسْتَسْقى اليَهُودَ فَأعْطَوْهُ خَلًّا مُضافًا بِمُرٍّ، فَذاقَهُ ولَمْ يَشْرَبْهُ، فَنادى: إلَهِي إلَهِي لِمَ خَذَلْتَنِي؟ والأناجِيلُ كُلُّها مُصَرِّحَةٌ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، ويَقُولُ لِلتَّلامِيذِ: إنِّي لِي طَعامًا لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، ومَن يَصْبِرُ عَلى العَطَشِ والجُوعِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً كَيْفَ يُظْهِرُ الحاجَةَ والمَذَلَّةَ لِأعْدائِهِ بِسَبَبِ عَطَشِ يَوْمٍ واحِدٍ؟! هَذا لا يَفْعَلُهُ أدْنى النّاسِ فَكَيْفَ بِخَواصِّ الأنْبِياءِ؟! أوْ كَيْفَ بِالرَّبِّ عَلى ما تَدَّعُونَهُ؟! فَيَكُونُ حِينَئِذٍ المُدَّعِي لِلْعَطَشِ غَيْرَهُ، وهو الَّذِي شُبِّهَ لَكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: إلَهِي إلَهِي لِمَ خَذَلْتَنِي وتَرَكَتْنِي؟ هو كَلامٌ يَقْتَضِي عَدَمَ الرِّضا بِالقَضاءِ، وعَدَمَ (p-١٦٦٨)التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ المَصْلُوبُ غَيْرَهُ، لا سِيَّما وأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما نَزَلَ لِيُؤْثِرَ العالَمَ عَلى نَفْسِهِ، ويُخَلِّصَهُ مِنَ الشَّيْطانِ ورِجْسِهِ، فَكَيْفَ تَرْوُونَ عَنْهُ ما يُؤَدِّي إلى خِلافِ ذَلِكَ، مَعَ رِوايَتِكم في تَوْراتِكم أنَّ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ومُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَمّا حَضَرَهُمُ المَوْتُ كانُوا مُسْتَبْشِرِينَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، فَرِحِينَ بِانْقِلابِهِمْ إلى سَعْيِهِمْ، لَمْ يَجْزَعُوا مِنَ المَوْتِ ولَمْ يَسْتَقِيلُوا مِنهُ، ولَمْ يَهابُوا مَذاقَهُ، مَعَ أنَّهم عَبِيدُهُ، والمَسِيحُ بِزَعْمِكم ولَدٌ ورَبٌّ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أثْبَتَ مِنهُمْ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّ المَصْلُوبَ غَيْرُهُ، وهو الَّذِي شُبِّهَ لَكم.
* *
فَصْلٌ
فِيما رُوِيَ عَنْ سَلَفِنا الكِرامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ الإمامُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في (تَفْسِيرِهِ) هُنا ما نَصُّهُ: وكانَ مِن خَبَرِ اليَهُودِ - عَلَيْهِمْ لَعائِنُ اللَّهِ وسَخَطُهُ وغَضَبُهُ وعِقابُهُ - أنَّهُ لَمّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ بِالبَيِّناتِ والهُدى حَسَدُوهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ، الَّتِي كانَ يُبْرِئُ بِها الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ، ويُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا يُشاهَدُ طَيَرانُهُ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها، وأجْراها عَلى يَدَيْهِ، ومَعَ هَذا كَذَّبُوهُ، وخالَفُوهُ، وسَعَوْا في أذاهُ بِكُلِّ ما أمْكَنَهُمْ، حَتّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُساكِنُهم في بَلْدَةٍ بَلْ يُكْثِرُ السِّياحَةَ هو وأُمُّهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهم ذَلِكَ حَتّى سَعَوْا إلى مَلِكِ دِمَشْقَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وكانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ، وكانَ يُقالُ لِأهْلِ مِلَّتِهِ اليُونانُ، وأنْهَوْا إلَيْهِ أنَّ في بَيْتِ المَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النّاسَ ويُضِلُّهم ويُفْسِدُ عَلى المَلِكِ رَعاياهُ، فَغَضِبَ المَلِكُ مِن هَذا، وكَتَبَ إلى نائِبِهِ بِالقُدْسِ أنْ يَحْتاطَ عَلى هَذا المَذْكُورِ، وأنْ يَصْلُبَهُ ويَضَعَ الشَّوْكَ عَلى رَأْسِهِ، ويَكُفَّ أذاهُ عَنِ النّاسِ، فَلَمّا وصَلَ الكِتابُ (p-١٦٦٩)امْتَثَلَ والِي بَيْتِ المَقْدِسِ ذَلِكَ، وذَهَبَ هو وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أوْ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وقَيْلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا.
وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَحَصَرُوهُ هُنالِكَ، فَلَمّا أحَسَّ بِهِمْ، وأنَّهُ لا مَحالَةَ مِن دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ خُرُوجِهِ إلَيْهِمْ - قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ فانْتُدِبَ لِذَلِكَ شابٌّ مِنهُمْ، فَكَأنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأعادَها ثانِيَةً وثالِثَةً، وكُلُّ ذَلِكَ لا يُنْتَدَبُ إلّا ذَلِكَ الشّابُّ، فَقالَ: أنْتَ هُوَ، وألْقى اللَّهَ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى حَتّى كَأنَّهُ هُوَ، وفُتِحَتْ رَوْزَنَةٌ مِن سَقْفِ البَيْتِ، وأخَذَتْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ فَرُفِعَ إلى السَّماءِ، وهو كَذَلِكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] الآيَةَ.
فَلَمّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ، فَلَمّا رَأى أُولَئِكَ النَّفَرُ ذَلِكَ الشّابَّ ظَنُّوا أنَّهُ عِيسى فَأخَذُوهُ في اللَّيْلِ وصَلَبُوهُ ووَضَعُوا الشَّوْكَ عَلى رَأْسِهِ، وأظْهَرَ اليَهُودُ أنَّهم سَعَوْا في صَلْبِهِ وتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وسَلَّمَ لَهم طَوائِفُ مِنَ النَّصارى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، ما عَدا مَن كانَ في البَيْتِ مَعَ المَسِيحِ فَإنَّهم شاهَدُوا رَفْعَهُ.
وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَّ اليَهُودُ أنَّ المَصْلُوبَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، حَتّى ذَكَرُوا أنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ المَصْلُوبِ وبَكَتْ، ويُقالُ: إنَّهُ خاطَبَها، واللَّهُ أعْلَمُ.
وهَذا كُلُّهُ مِنِ امْتِحانِ اللَّهِ عِبادَهُ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ الأمْرَ وجَلّاهُ وبَيَّنَهُ وأظْهَرَهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ الكَرِيمِ، المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ والبَيِّناتِ، والدَّلائِلِ الواضِحاتِ، فَقالَ تَعالى وهو أصْدَقُ القائِلِينَ، ورَبُّ العالَمِينَ المُطَّلِعُ عَلى السَّرائِرِ والضَّمائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ، العالِمُ بِما كانَ وما يَكُونُ، وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] أيْ: رَأوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إيّاهُ ولِهَذا قالَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] (p-١٦٧٠)يَعْنِي بِذَلِكَ مَنِ ادَّعى أنَّهُ قَتَلَهُ مِنَ اليَهُودِ ومَن سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ مِن جُهّالِ النَّصارى، كُلُّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ وحَيْرَةٍ وضَلالٍ وسُعُرٍ ولِهَذا قالَ: ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] أيْ: وما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ هو بَلْ شاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ أيْ: مَنِيعَ الجَنابِ لا يُرامُ جَنابُهُ، ولا يُضامُ مَن لاذَ بِبابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أيْ: في جَمِيعِ ما يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُها، ولَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والحُجَّةُ الدّامِغَةُ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ، والأمْرُ القَدِيمُ.
قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرْفَعَ عِيسى إلى السَّماءِ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ، وفي البَيْتِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ، يَعْنِي فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِن عَيْنٍ في البَيْتِ ورَأْسُهُ يَقْطُرُ ماءً، فَقالَ: إنَّ مِنكم مَن يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أنْ آمَنَ بِي، قالَ: ثُمَّ قالَ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكانِي ويَكُونُ مَعِيَ في دَرَجَتِي؟ فَقامَ شابٌّ مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ فَقامَ ذَلِكَ الشّابُّ، فَقالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ فَقامَ الشّابُّ فَقالَ: أنا، فَقالَ: هو أنْتَ ذاكَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى، ورُفِعَ عِيسى مِن رَوْزَنَةٍ في البَيْتِ إلى السَّماءِ.
قالَ: وجاءَ الطَّلَبُ مِنَ اليَهُودِ فَأخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ صَلَبُوهُ، فَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ، وافْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ:
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللَّهُ فِينا ما شاءَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ وهَؤُلاءِ اليَعْقُوبِيَّةُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ فِينا ابْنُ اللَّهِ ما شاءَ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ النَّسْطُورِيَّةُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ المُسْلِمُونَ. فَتَظاهَرَتِ الكافِرَتانِ عَلى المُسْلِمَةِ فَقَتَلُوها، فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ طامِسًا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ».
وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ النَّسائِيُّ، عَنْ أبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ، نَحْوَهُ.
وكَذا ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكانِي وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟
(p-١٦٧١)وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ القُمِّيُّ، عَنْ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: أتى عِيسى ومَعَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، فَأحاطُوا بِهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ صَوَّرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كُلَّهم عَلى صُورَةِ عِيسى، فَقالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونا، لَتَبْرُزُنَّ لَنا عِيسى أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْرِي نَفْسَهُ مِنكُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، وقالَ: أنا عِيسى، وقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلى صُورَةِ عِيسى، فَأخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، فَمِن ثَمَّ شُبِّهَ لَهم فَظَنُّوا أنَّهم قَدْ قَتَلُوا عِيسى، وظَنَّتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ أنَّهُ عِيسى، ورَفَعَ اللَّهُ عِيسى مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
ثَمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ وهْبٍ نَحْوُ هَذا القَوْلِ، وهو ما حَدَّثَنِي المُثَنّى، حَدَّثَنا إسْحاقُ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أنَّهُ سَمِعَ وهْبًا يَقُولُ: إنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ خارِجٌ مِنَ الدُّنْيا جَزِعَ مِنَ المَوْتِ، وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعا الحَوارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهم طَعامًا فَقالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ فَإنَّ لِي إلَيْكم حاجَةً، فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشّاهم وقامَ يَخْدُمُهُمْ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ أخَذَ يَغْسِلُ أيْدِيَهُمْ، ويُوَضِّئُهم بِيَدِهِ، ويَمْسَحُ أيْدِيَهم بِثِيابِهِ فَتَعاظَمُوا ذَلِكَ وتَكارَهُوهُ.
فَقالَ: ألا مَن رَدَّ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ شَيْئًا مِمّا أصْنَعُ فَلَيْسَ مِنِّي، ولا أنا مِنهُ، فَأقَرُّوهُ حَتّى إذا فَرَغَ مِن ذَلِكَ قالَ: أمّا ما صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ مِمّا خَدَمْتُكم عَلى الطَّعامِ وغَسَلْتُ أيْدِيَكم بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكم بِي أُسْوَةٌ، فَإنَّكم تَرَوْنَ أنِّي خَيْرُكم فَلا يَتَعاظَمُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ولْيَبْذُلْ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْسَهُ كَما بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ، وأمّا حاجَتِي اللَّيْلَةَ الَّتِي اسْتَعَنْتُكم عَلَيْها فَتَدْعُونَ اللَّهَ لِي، وتَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ أنْ يُؤَخِّرَ أجَلِي، فَلَمّا نَصَبُوا أنْفُسَهم لِلدُّعاءِ، وأرادُوا أنْ يَجْتَهِدُوا، أخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهم ويَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ! أما تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً واحِدَةً تُعِينُونِي فِيها؟! فَقالُوا: واللَّهِ ما نَدْرِي ما لَنا، لَقَدْ كُنّا نَسْمُرُ فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، (p-١٦٧٢)وما نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرًا، وما نُرِيدُ دُعاءً إلّا حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَقالَ: يُذْهَبُ بِالرّاعِي وتَتَفَرَّقُ الغَنَمُ، وجَعَلَ يَأْتِي بِكَلامٍ نَحْوِ هَذا يَنْعى نَفْسَهُ.
ثُمَّ قالَ: الحَقَّ، لَيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولَيَبِيعَنِّي أحَدُكم بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ ولَيَأْكُلَنَّ ثَمَنِي، فَخَرَجُوا فَتَفَرَّقُوا، وكانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ، وأخَذُوا شَمْعُونَ أحَدَ الحَوارِيِّينَ وقالُوا: هَذا مِن أصْحابِهِ فَجَحَدَ وقالَ: ما أنا بِصاحِبِهِ، فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أخَذَهُ آخَرُونَ فَجَحَدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتَ دِيكٍ فَبَكى وأحْزَنَهُ.
فَلَمّا أصْبَحَ أتى أحَدُ الحَوارِيِّينَ إلى اليَهُودِ، فَقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلى المَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَأخَذَها ودَلَّهم عَلَيْهِ، وكانَ شُبِّهَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأخَذُوهُ فاسْتَوْثَقُوا مِنهُ، ورَبَطُوهُ بِالحَبْلِ، وجَعَلُوا يَقُودُونَهُ ويَقُولُونَ لَهُ: أنْتَ كُنْتَ تُحْيِي المَوْتى وتَنْتَهِرُ الشَّيْطانَ، وتُبْرِئُ المَجْنُونَ، أفَلا تُنْجِي نَفْسَكَ مِن هَذا الحَبْلِ؟ ويَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ويُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتّى أتَوْا بِهِ الخَشَبَةَ الَّتِي أرادُوا أنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْها، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وصَلَبُوا ما شُبِّهَ لَهم فَمَكَثَ سَبْعًا.
ثُمَّ إنَّ أُمَّهُ والمَرْأةَ الَّتِي كانَ يُداوِيها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأبْرَأها اللَّهُ مِنَ الجُنُونِ - جاءَتا تَبْكِيانِ حَيْثُ المَصْلُوبُ، فَجاءَهُما عِيسى فَقالَ: عَلامَ تَبْكِيانِ؟ فَقالَتا عَلَيْكَ، فَقالَ: إنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إلَيْهِ، ولَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرًا، وإنَّ هَذا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ، فَأْمُرا الحَوارِيِّينَ أنْ يَلْقَوْنِي إلى مَكانِ كَذا وكَذا، فَلَقَوْهُ إلى ذَلِكَ المَكانِ أحَدَ عَشَرَ، وفَقَدَ الَّذِي كانَ باعَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ اليَهُودَ، فَسَألَ عَنْهُ أصْحابَهُ فَقالَوا: إنَّهُ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ، فاخْتَنَقَ وقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقالَ: لَوْ تابَ لَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ سَألَهم عَنْ غُلامٍ يَتَّبِعُهم يُقالُ لَهُ يُحَنّى، فَقالَ: هو مَعَكم فانْطَلِقُوا فَإنَّهُ َيُصْبِحُ كُلُّ إنْسانٍ يُحَدِّثُ بِلُغَةِ قَوْمٍ، فَلْيُنْذِرْهم ولْيَدْعُهم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: سِياقٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: صَلَبُوا رَجُلًا شُبِّهَ بِعِيسى، ورَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِيسى إلى السَّماءِ حَيًّا.
* *
(p-١٦٧٣)فَصْلٌ
فِي رَدِّ زَعْمِ النَّصارى أنَّ إلْقاءَ الشَّبَهِ يُفْضِي إلى السَّفْسَطَةِ
قالَ خَيْرُ الدِّينِ في "الجَوابِ الفَسِيحِ" قالَ النَّصارى: القَوْلُ بِإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلٌ يُفْضِي إلى السَّفْسَطَةِ، والدُّخُولِ في الجَهالاتِ، وما لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ؛ لِأنّا إذا جَوَّزْنا ذَلِكَ فَيَنْبَغِي إذا رَأى الإنْسانُ ولَدَهُ أوْ زَوْجَتَهُ لَمْ يَثِقْ بِأنَّهُ ولَدُهُ أوْ زَوْجَتُهُ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَعارِفِ، لا يَثِقُ الإنْسانُ بِأحَدٍ مِنهم ولا يَسْكُنُ إلَيْهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ يَقْطَعُ بِأنَّ ولَدَهُ هو ولَدُهُ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن مَعارِفِهِ هُوَ، مِن غَيْرِ شَكٍّ ولا رِيبَةٍ، بَلِ القَوْلُ بِالشَّبَهِ يَمْنَعُ مِنَ الوُثُوقِ بِمَدِينَةِ الإنْسانِ ووَطَنِهِ إذا دَخَلَهُ، ولَعَلَّهُ مَكانٌ آخَرُ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ، بَلْ إذا غَمَّضَ الإنْسانُ عَيْنَيْهِ عَنْ صَدِيقِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَحْظَةً، ثُمَّ فَتَحَها، يَنْبَغِي أنْ لا يَقْطَعَ بِأنَّهُ صَدِيقُهُ؛ لِجَوازِ إلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الضَّرُورَةِ، فالقَوْلُ بِإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى غَيْرِ عِيسى خِلافُ الضَّرُورَةِ، كالقَوْلِ بِأنَّ الواحِدَ نِصْفُ العَشَرَةِ مَثَلًا، فَلا يُسْمَعُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا تَهْوِيلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ، بَلِ البَراهِينُ القاطِعَةُ، والأدِلَّةُ السّاطِعَةُ قائِمَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ وجُمْلَةَ أجْزاءِ العالَمِ، وإنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَما مِن شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في العالَمِ إلّا هو قادِرٌ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِ؛ لِتَعَذُّرِ خَلْقِهِ في نَفْسِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ الإنْسانِ مُسْتَحِيلًا، بَلْ جُمْلَةُ العالَمِ، وهو مُحالٌ بِالضَّرُورَةِ.
وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ مِثْلٍ لِكُلِّ شَيْءٍ في العالَمِ، فَجَمِيعُ صِفاتِ جَسَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَها أمْثالٌ في حَيِّزِ الإمْكانِ في العَدَمِ، يُمْكِنُ خَلْقُها في مَحَلٍّ آخَرَ غَيْرِ جَسَدِ المَسِيحِ، فَيَحْصُلُ الشَّبَهُ قَطْعًا، فالقَوْلُ بِالشَّبَهِ قَوْلٌ بِأمْرٍ مُمْكِنٍ، لا بِما هو خِلافُ الضَّرُورَةِ، ويُؤْنِسُ ذَلِكَ أنَّ التَّوْراةَ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ جَمِيعَ ما لِلْحَيَّةِ في عَصا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أعْظَمُ مِنَ الشُّبَهِ، فَإنَّ جَعْلَ حَيَوانٍ يُشْبِهُ حَيَوانًا، وإنْسانٍ يُشْبِهُ إنْسانًا - أقْرَبُ مِن (p-١٦٧٤)جَعْلِ نَباتٍ يُشْبِهُ حَيَوانًا، وقَلْبُ العَصا مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ اليَهُودُ والنَّصارى، كَما أجْمَعُوا عَلى قَلْبِ النّارِ بَرْدًا وسَلامًا، وعَلى قَلْبِ لَوْنِ يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى انْقِلابِ الماءِ خَمْرًا وزَيْتًا لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإذا جَوَّزُوا مِثْلَ هَذا فَيَجُوزُ إلْقاءُ الشَّبَهِ مِن غَيْرِ اسْتِحالَةٍ.
عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ خُولِفَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى الأغْلَبِيَّةَ في خَلْقِهِ مِن ماءٍ واحِدٍ، ونَفْخِ جِبْرِيلَ في جَيْبِ مَرْيَمَ، فَجَعْلُ شَبَهِهِ عَلى غَيْرِهِ لَيْسَ بِأبْعَدَ مِنَ العادَةِ مِن خَلْقِهِ، عَلى أنَّ إحْياءَهُ لِلْمَوْتى، وإبْراءَهُ لِلْأبْرَصِ والأكْمَهِ أعْظَمُ مِن إلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى غَيْرِهِ، عَلى أنَّ عُرُوجَهُ إلى السَّماءِ بِناسُوتِهِ وخَرْقَ السَّماءِ والتِئامَها لَيْسَ بِأهْوَنَ مِن ذَلِكَ، عَلى أنَّ رَدَّ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ، ومَشْيَ عِيسى وحَوارِيِّهِ عَلى الماءِ، وسائِرَ مُعْجِزاتِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - لَيْسَ بِأهْوَنَ مِمّا هُنالِكَ، وإذا صَحَّ عِنْدَ النَّصارى انْقِلابُ الخُبْزِ إلى جَسَدِ المَسِيحِ، والخَمْرِ إلى دَمِهِ في العَشاءِ السِّرِّيِّ - لِمَ لا يُمْكِنُ أنْ يُوقِعَ شَبَهَهُ عَلى أحَدِهِمْ؟! كَما لا يَخْفى.
وثانِيها: أنَّ الإنْجِيلَ ناطِقٌ بِأنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَأ بَيْنَ ظَهَرانَيِ اليَهُودِ، وحَضَرَ مِرارًا عَدِيدَةً في مَواسِمِهِمْ وأعْيادِهِمْ وهَياكِلِهِمْ، يَعِظُهم ويُعَلِّمُهم ويُناظِرُهُمْ، ويَتَعَجَّبُونَ مِن بَراعَتِهِ وكَثْرَةِ تَحْصِيلِهِ، حَتّى إنَّهم (كَما في الإنْجِيلِ) يَقُولُونَ: ألَيْسَ هَذا ابْنَ يُوسُفَ؟ ألَيْسَتْ أُمُّهُ مَرْيَمَ ؟ ألَيْسَ إخْوَتُهُ عِنْدَنا؟ فَمِن أيْنَ لَهُ هَذِهِ الحِكْمَةُ؟ وإذًا، كانَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ والمَعْرِفَةِ عِنْدَهم.
وقَدْ نَصَّ الإنْجِيلُ عَلى أنَّهم عِنْدَ إرادَةِ الصَّلْبِ لَمْ يُحَقِّقُوهُ، حَتّى دَفَعُوا لِتِلْمِيذِهِ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا لِيَدُلَّهم عَلَيْهِ، فَما حاجَتُهم حِينَئِذٍ أنْ يَكْتَرُوا رَجُلًا مِن تَلامِيذِهِ لِيُعَرِّفَهم شَخْصَهُ؟ لَوْلا وُقُوعُ الشَّبَهِ الَّذِي نَقُولُ بِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ - كَما تَقَدَّمَ في الأناجِيلِ - أُخِذَ في حِنْدِسٍ مِنَ اللَّيْلِ المُظْلِمِ في حالَةٍ شُوِّهَتْ صُورَتُهُ، وغُيِّرَتْ مَحاسِنُهُ وهَيْئَتُهُ بِالضَّرْبِ والسَّحْبِ وأنْواعِ النَّكالِ المُوجِبَةِ لِتَغَيُّرِ الحالِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُوجِبُ اللَّبْسَ بَيْنَ الشَّيْءِ وخِلافِهِ، فَكَيْفَ بَيْنَ الشَّيْءِ وشَبَهِهِ؟! حَتّى إنَّ رَئِيسَ الكَهَنَةِ عِنْدَ إحْضارِهِ أقْسَمَ عَلَيْهِ هَلْ هو يَسُوعُ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ، ولَوْ كانَ هو لَأجابَهُ، فَمِن أيْنَ لِلنَّصارى واليَهُودِ القَطْعُ بِأنَّ المَصْلُوبَ هو عَيْنُ عِيسى (p-١٦٧٥)عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ شَبَهِهِ؟ بَلْ إنَّما يَحْصُلُ الظَّنُّ والتَّخْمِينُ كَما قالَ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ: ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾
رابِعُها: قَدْ تَقَدَّمَ في الأناجِيلِ أنَّهُ لَمّا جاءَ اليَهُودُ إلى مَحَلِّهِ خَرَجَ إلَيْهِمْ وقالَ: مَن تُرِيدُونَ؟ قالُوا: يَسُوعُ، وقَدْ خَفِيَ شَخْصُهُ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وهم يُنْكِرُونَ صُورَتَهُ، وهَذا دَلِيلُ الشَّبَهِ، ورَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا سِيَّما وقَدْ نَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ عَنْ بَعْضِ النَّصارى القَوْلَ بِأنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةَ التَّحَوُّلِ مِن صُورَةٍ إلى صُورَةٍ.
خامِسُها: قَوْلُ مَتّى في (الفَصْلِ الخامِسِ والعِشْرِينَ) مِن (إنْجِيلِهِ) ما لَفْظُهُ: حِينَئِذٍ قالَ لَهم يَسُوعُ: كُلُّكم تَشُكُّونَ فِيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ أنِّي أضْرِبُ الرّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرافُ الرَّعِيَّةِ، ولَكِنْ بَعْدَ قِيامِي أسْبِقُكم إلى الجَلِيلِ، فَأجابَ بُطْرُسُ وقالَ لَهُ: وإنْ شَكَّ فِيكَ الجَمِيعُ فَأنا لا أشُكُّ أبَدًا، قالَ لَهُ يَسُوعُ: الحَقُّ أقُولُ لَكَ، إنَّكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرّاتٍ. انْتَهى.
فَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالشَّكِّ، بَلْ خَيْرُهم بُطْرُسُ الَّذِي هو خَلِيفَةٌ عَلَيْهِمْ شَكَّ، فَقَدِ انْخَرَمَتِ الثِّقَةُ بِأقْوالِهِمْ، وصَحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]
سادِسُها: إنَّ في (الفَصْلِ السّابِعِ والعِشْرِينَ) مِن (إنْجِيلِ مَتّى) ما لَفْظُهُ: حِينَئِذٍ لَمّا رَأى يَهُوذا الَّذِي أسْلَمَهُ أنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ ورَدَّ الثَّلاثِينَ مِنَ الفِضَّةِ إلى رُؤَساءِ الكَهَنَةِ والشُّيُوخِ قائِلًا: قَدْ أخْطَأْتُ إذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا، فَقالُوا: ما عِلْمُنا، أنْتَ أبْصَرُ، فَطَرَحَ الفِضَّةَ في الهَيْكَلِ وانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضى وخَنَقَ نَفْسَهُ. انْتَهى.
فَهَذِهِ الأناجِيلُ لَيْسَتْ قاطِعَةً في صَلْبِهِ، بَلْ فِيها اخْتِلافاتٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَهُوذا كَذِبَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: (هُوَ هَذا) ويَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ ويُقَرِّبُهُ ظُهُورُ نَدَمِهِ بَعْدَ هَذا، ولا سِيَّما (p-١٦٧٦)وهُوَ مِن جُمْلَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ المَسِيحُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والسَّعِيدُ لا يَتِمُّ مِنهُ مِثْلُ هَذا الفَسادِ العَظِيمِ، فَيَلْزَمُ إمّا أنَّ يَهُوذا ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ كَوْنَ المَسِيحِ ما شَهِدَ لَهم بِالسَّعادَةِ الدّائِمَةِ، أوْ أنَّ أناجِيلَهم مُحَرَّفَةٌ مُبَدَّلَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ أحَدَ أتْباعِ المَسِيحِ باعَ نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ وِقايَةً لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وادَّعى أنَّهُ هُوَ، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في أتْباعِ الأنْبِياءِ، حَيْثُ يُرِيدُونَ أنْ يَفْدُوا أنْفُسَهم بَدَلَ أنْبِيائِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الأعْوانَ أخَذُوا عَلَيْهِ رِشْوَةً وأطْلَقُوهُ، وأخَذُوا بَدَلَهُ، كَما أنَّ يَهُوذا - مَعَ أنَّهُ صَدِيقُهُ ورَسُولُهُ - أخَذَ رِشْوَةً ودَلَّهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ شَيْطانًا عَلى صُورَتِهِ وصَلَبُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَلَكَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ - كَما تَقَدَّمَ في إنْجِيلِ لُوقا بِزَعْمِهِمْ - صارَ فِداءً لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هَذا الَّذِي نَزَلَ إنَّما نَزَلَ لِرَفْعِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نازِلًا لِتَقْوِيَتِهِ لَقَوّاهُ، فَلَمّا لَمْ نَرَ أنَّهُ قَوّاهُ فَيَقْتَضِي أنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، أوْ فَدى نَفْسَهُ لَهُ.
وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: ومِنَ الأدِلَّةِ عَلى رَفْعِهِ وصَلْبِ شَبَهِهِ ما في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن "إنْجِيلِ لُوقا" ما لَفْظُهُ: إنَّ المَسِيحَ صَعِدَ إلى جَبَلٍ لِيُصَلِّيَ، وأخَذَ بُطْرُسَ ويُوحَنّا ويَعْقُوبَ مَعَهُ، وفِيما هو يُصَلِّي صارَتْ هَيْئَتُهُ ووَجْهُهُ مُتَغَيِّرَةً، ولِباسُهُ مُضِيئًا لامِعًا.... إلَخْ.
فَهَذا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى رَفْعِهِ وحُصُولِ الشَّبَهِ الَّذِي نَقُولُ بِهِ، إذْ لا مَعْنى لِظُهُورِ مُوسى وإيلِياءَ، ووُقُوعِ النَّوْمِ عَلى أصْحابِهِ، وتَغَيُّرِ وجْهِهِ وإضاءَةِ لِباسِهِ إلّا رَفْعُهُ ....
ورُؤْيَتُهم لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما هو مِن تَطَوُّرِ رُوحِهِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لَهُ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ، وهَذا مِن أحْكامِ الرُّوحِ والنَّفْسِ.
ولَئِنْ قُلْنا: إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ بِالوَجْهِ التّامِّ، غَيْرَ أنّا نَتَنَزَّلُ ونَقُولُ: ما دامَ في هَذِهِ المَرَّةِ تَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ ووَجْهُهُ ولِباسُهُ، واجْتَمَعَ بِالأنْبِياءِ وسَمِعَ مِنَ الغَمامَةِ هَذا الصَّوْتَ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِرَفْعِهِ ومِقْياسًا ومَبْدَأً لِتَقْوِيَتِهِ وإيناسًا، واليَهُودُ لَمْ يَتَحَقَّقُوا مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ هو المَسِيحُ، بَلِ اعْتَمَدُوا عَلى قَوْلِ يَهُوذا كَما تَقَدَّمَ لَكَ، ويَهُوذا قَوْلُهُ قَوْلٌ فَرْدٌ، وغَيْرُ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ؛ لِلِاحْتِمالاتِ والأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها لَكَ، فَلَمْ يَبْقَ في قَوْلِ الفِرْقَتَيْنِ حُجَّةٌ (p-١٦٧٧)أنَّ المَصْلُوبَ هو المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا شَبَهُهُ، وأناجِيلُهم حالُها مَعْلُومٌ لَدَيْكَ، وبَيانُ اشْتِباهِهِمُ المَحْكِيِّ لَكَ في القُرْآنِ لا يَخْفى عَلَيْكَ. انْتَهى.
وهُنا سُؤالٌ يُورِدُهُ بَعْضُ النَّصارى وهُوَ: أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا كانَ لَمْ يُصْلَبْ حَقِيقَةً، وإنَّما صُلِبَ رَجُلٌ أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، ورُفِعَ هو إلى السَّماءِ، فَلِمَ لَمْ يُخْبِرِ الحَوارِيِّينَ بِذَلِكَ قَبْلَ رَفْعِهِ أوْ بَعْدَهُ؟
والجَوابُ: أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ أُناسًا سَيَفْتَرُونَ عَلَيْهِ ويَقُولُونَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَأُبْهِمَ الأمْرُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدُلَّ عَلى كَوْنِهِ عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ، لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ولا دَفْعِ ضُرٍّ، بِخِلافٍ ما لَوْ أخْبَرَ بِأنَّهُ لا يُصْلَبْ، أوْ لَمْ يُصْلَبْ، وأنَّ المَصْلُوبَ شَبَهُهُ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِشُبْهَةِ أُولَئِكَ الجَماعَةِ، ولِعَدَمِ كَوْنِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِنَ المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ في الأصْلِ، إذْ لَوِ اعْتَقَدَ أحَدٌ قَبْلَ إرْسالِ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِصَلْبِ عِيسى لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا ورَدَ نَبِيُّنا الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى أبانَ خَطَأ النَّصارى في الوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: اعْتِقادُ أنَّ عِيسى إلَهٌ.
والآخَرُ: اعْتِقادُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ وصُلِبَ.
وأبانَ أنَّهُ عَبْدٌ مِن عَبِيدِ اللَّهِ تَعالى، تَوَلّاهُ بِالرِّسالَةِ، واصْطَفاهُ، وحَفِظَهُ مِن أيْدِي أعْدائِهِ وحَماهُ، كَذا في "مُنْيَةِ الأذْكِياءِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ".
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
النساء 4:159
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِحَ اليَهُودِ وقَبائِحَ أفْعالِهِمْ، وشَرَحَ أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيَّنَ أنَّهُ ما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ المَقْصُودُ، وأنَّهُ حَصَلَ لِعِيسى أعْظَمُ المَناصِبِ وأجَلُّ المَراتِبِ - بَيَّنَ تَعالى تَحْقِيقَ ما أثْبَتَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ القَطْعِ بِكَذِبِهِمْ، مُثْبِتًا أنَّهم في مُبالَغَتِهِمْ في عَداوَتِهِ سَيَكُونُونَ مِن أتْباعِهِ المُصَدِّقِينَ بِجَمِيعِ أمْرِهِ، الَّذِي مِنهُ التَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مُؤَكِّدًا لَهُ أشَدَّ تَأْكِيدٍ لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لَهُ بِقَوْلِهِ:
(p-١٧١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [١٥٩]
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أيْ: ما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُدْرِكُ نُزُولَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ الزَّمانِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: لا يَمُوتُ حَتّى يَنْزِلَ في آخِرِ الزَّمانِ يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ دِينَ الإسْلامِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ. إشارَةٌ إلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ كانَ قَدْ أيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْبِياءَ كانُوا يُجَدِّدُونَ دِينَهُ زَمانًا طَوِيلًا - فالنَّبِيُّ الَّذِي يَنْسَخُ شَرِيعَةَ مُوسى - وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ - هو الَّذِي يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ العَرَبِيَّ في تَجْدِيدِ شَرِيعَتِهِ، وتَمْهِيدِ أمْرِهِ، والذَّوْدِ عَنْ دِينِهِ، ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وأتْباعِ مُسْتَكْثَرَةٍ. أمْرٌ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ، فاقْصُرُوا أيُّها اليَهُودُ.
فَمَعْنى الآيَةِ إذَنْ - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى شَكٍّ إلّا وهو يُوقِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِهِ، بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ ما قُتِلَ وما صُلِبَ، ويُؤْمِنُ بِهِ عِنْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ، أفادَهُ البِقاعِيُّ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشَكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، ويَفِيضَ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ، حَتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الواحِدَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾»
(p-١٧١٢)وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ (قَبْلَ مَوْتِهِ): مَوْتَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُها أبُو هُرَيْرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ.
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا مَرْفُوعًا ولَفْظُهُ: «يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَمْحُو الصَّلِيبَ، وتُجْمَعُ لَهُ الصَّلاةُ، ويُعْطى المالَ حَتّى لا يُقْبَلَ، ويَضَعُ الخَراجَ، ويَنْزِلُ الرَّوْحاءَ فَيَحُجُّ مِنها أوْ يَعْتَمِرُ أوْ يَجْمَعُهُما».
قالَ: وتَلا أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فَزَعَمَ حَنْظَلَةُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسى، فَلا أدْرِي هَذا كُلُّهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أوْ شَيْءٌ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
ورَواهُ أحْمَدُ أيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وفِيهِ: «ويُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ المِلَلَ كُلَّها (p-١٧١٣)غَيْرَ الإسْلامِ، ويَمْكُثُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفّى، ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» .
وفِي حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنارَةِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ» .
وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا الأحادِيثَ المُتَواتِرَةَ في نُزُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ، وأبِي أُمامَةَ، والنَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ومُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ، وأبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وفِيها دِلالَةٌ عَلى صِفَةِ نُزُولِهِ ومَكانِهِ مِن أنَّهُ بِالشّامِ، بَلْ بِدِمَشْقَ عِنْدَ المَنارَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ إقامَةِ صَلاةِ الصُّبْحِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ بُنِيَتْ في هَذِهِ الأعْصارِ - في سَنَةِ إحْدى وأرْبَعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ - مَنارَةٌ لِلْجامِعِ الأُمَوِيِّ، بَيْضاءُ مِن حِجارَةٍ مَنحُوتَةٍ، عِوَضًا عَنِ المَنارَةِ الَّتِي هُدِمَتْ بِسَبَبِ الحَرِيقِ المَنسُوبِ إلى صَنِيعِ النَّصارى - عَلَيْهِمْ لَعائِنُ اللَّهِ المُتَتابِعَةُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ - وكانَ أكْثَرُ عِمارَتِها مِن أمْوالِهِمْ، وقَوِيَتِ الظُّنُونُ أنَّها هي الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْها المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهَذا إخْبارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ – بِذَلِكَ. انْتَهى.
قُلْتُ: وقَدِ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ المَنارَةُ بِمِئْذَنَةِ عِيسى.
وذَكَرَ الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ في "تارِيخِهِ" عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ نُزُولِهِ يُدْفَنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في حُجْرَتِهِ، فاللَّهُ أعْلَمُ.
والتَّأْوِيلُ المَذْكُورُ في الآيَةِ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والعَوْفِيِّ، كِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-١٧١٤)ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ خاصَّةً، وبِهِ إلى الحَسَنِ: يَعْنِي النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ.
وبِهِ إلَيْهِ قالَ: إنَّ اللَّهَ رَفَعَ إلَيْهِ عِيسى، وهو باعِثُهُ - قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ - مَقامًا يُؤْمِنُ بِهِ البَرُّ والفاجِرُ.
وكَذا قالَ قَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُ واحِدٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ هو الحَقُّ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، والضَّحّاكِ، وجُوَيْبِرٍ أنَّ المَعْنى: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِ ذَلِكَ الكِتابِيِّ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ، حِينَ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ، ذَهابًا إلى أنَّهُ إذا عايَنَ عَلِمَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن نَزَلَ بِهِ المَوْتُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ في دِينِهِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَمُوتُ اليَهُودِيُّ حَتّى يَشْهَدَ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، ولَوْ عُجِلَ بِالسِّلاحِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولِيَكُونَ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم - بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعاجَلَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهُمُ. انْتَهى.
قالَ الأصْبَهانِيُّ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ وإلْحاقِ مِيمِ الجَمْعِ.
والأسانِيدُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ في هَذا التَّأْوِيلِ كُلُّها صَحِيحَةٌ، كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وثَمَّةَ وجْهٍ آخَرَ: وهو أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ- والثّانِيَ: لِلْكِتابِيِّ. رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَمُوتُ النَّصْرانِيُّ ولا اليَهُودِيُّ حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ (p-١٧١٥)وتَلا الآيَةَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى هَذِهِ الأقْوالِ بِالصِّحَّةِ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ - بَعْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا شَكَّ أنَّ هَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن سِياقِ الآيِ في تَقْرِيرِ بُطْلانِ ما ادَّعَتْهُ اليَهُودُ مِن قَتْلِ عِيسى وصَلْبِهِ، وتَسْلِيمِ مَن سَلَّمَ لَهم مِنَ النَّصارى الجَهَلَةِ ذَلِكَ. فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما شُبِّهَ لَهم فَقَتَلُوا الشَّبَهَ، وهم لا يَتَبَيَّنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وإنَّهُ باقٍ حَيٌّ، وإنَّهُ سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ المُتَواتِرَةُ، فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلالَةِ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ (يَعْنِي لا يَقْبَلُها مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الأدْيانِ، بَلْ لا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ).
فَأخْبَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ حِينَئِذٍ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ واحِدٌ مِنهم.
ثُمَّ قالَ: فَأمّا مَن فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المَعْنى: أنَّ كُلَّ كِتابِيٍّ لا يَمُوتُ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى أوْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَهَذا هو الواقِعُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ عِنْدَ احْتِضارِهِ يَنْجَلِي لَهُ ما كانَ جاهِلًا بِهِ فَيُؤْمِنُ بِهِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إيمانًا نافِعًا لَهُ، إذا كانَ قَدْ شاهَدَ المَلَكَ، كَما قالَ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] [النِّساءِ: ١٨]، وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] الآيَةَ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ﴾ أيْ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] أيْ: عَلى أهْلِ الكِتابِ: ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمُ الَّتِي شاهَدَها مِنهم قَبْلَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ، (p-١٧١٦)وبَعْدَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ.
قالَ قَتادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ، وأقَرَّ بِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] [المائِدَةِ: ١١٦].
النساء 4:160
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [١٦٠]
﴿فَبِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو جامِعٌ لِتَفْصِيلِ نَقْضِ المِيثاقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ بَعْدَ أنْ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ.
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تَلَبَّسُوا بِاليَهُودِيَّةِ، وفِيهِ تَعْظِيمُ ظُلْمِهِمْ أيْضًا؛ إذْ صَدَرَ عَنْهم بَعْدَما ادَّعَوْا أنَّهم مِن أهْلِ التَّوْراةِ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ.
﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا التَّحْرِيمُ قَدْ يَكُونُ قَدَرِيًّا، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى قَيَّضَهم لِأنْ تَأوَّلُوا في كِتابِهِمْ، وحَرَّفُوا وبَدَّلُوا أشْياءَ كانَتْ حَلالًا لَهُمْ، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ تَضْيِيقًا وتَنَطُّعًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ أشْياءَ كانَتْ حَلالًا لَهم قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ﴾ [آل عمران: ٩٣] [آلِ عِمْرانَ: ٩٣]. أيْ: ما عَدا ما كانَ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ مِن لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ أشْياءَ كَثِيرَةً في التَّوْراةِ، كَما قالَ في سُورَةِ الأنْعامِ: (p-١٧١٧)﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] [الأنْعامِ: ١٤٦] أيْ: إنَّما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِطُغْيانِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ رَسُولَهم واخْتِلافِهِمْ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ظُلْمَهم ذَكَرَ مَجامِعَ مِن جُزْئِيّاتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أوْضَحَ مِنهُ ولا أسْهَلَ ولا أعْظَمَ ﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: ناسًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا كَثِيرًا، فَهم صَدُّوا النّاسَ وصَدُّوا أنْفُسَهم عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وهَذِهِ سَجِيَّةٌ لَهم مُتَّصِفُونَ بِها مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ وحَدِيثِهِ، ولِهَذا كانُوا أعْداءَ الرُّسُلِ، وقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الأنْبِياءِ، وكَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ.
النساء 4:161
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [١٦١]
﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: في التَّوْراةِ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ.
﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ وجِيعًا يَخْلُصُ إلى قُلُوبِهِمْ.
النساء 4:162
(p-١٧١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١٦٢]
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ أيِ: الثّابِتُونَ في العِلْمِ المُسْتَبْصِرُونَ فِيهِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
قالَ الرّازِيُّ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ: الثّابِتُونَ فِيهِ، وهم في الحَقِيقَةِ المُسْتَدِلُّونَ؛ لِأنَّ المُقَلِّدَ يَكُونُ بِحَيْثُ إذا شُكِّكَ يَشُكُّ، وأمّا المُسْتَدِلُّ فَإنَّهُ لا يَتَشَكَّكُ البَتَّةَ، فالرّاسِخُونَ هُمُ المُسْتَدِلُّونَ ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ اللّاحِقِينَ بِهِمْ في الرُّسُوخِ بِصُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ؛ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى كِمالاتِ المُنَزَّلِ عَلَيْكَ، وأنَّهُ صَدَّقَ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بِهِ أيْضًا ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَكَذا هو في مَصاحِفِ الأئِمَّةِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ارْتِفاعُ (الرّاسِخُونَ) عَلى الِابْتِداءِ، و﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ و﴿والمُقِيمِينَ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ؛ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ، وهو بابٌ واسِعٌ قَدْ كَسَرَهُ سِيبَوَيْهِ عَلى أمْثِلَةٍ وشَواهِدَ. ولا يُلْتَفَتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ. ورُبَّما التَفَّتْ إلَيْهِ مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِنانِ، وغَبِيَ عَلَيْهِ أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهُمُ في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ، مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً لِيَسُدَّها مَن بَعْدَهُمْ، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمْ.
(p-١٧١٩)وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى: ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: يُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةِ وهُمُ الأنْبِياءُ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (والمُقِيمُونَ) بِالواوِ، وهي قِراءَةُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ.
وجُوِّزَ عَطْفُ (المُقِيمِينَ) عَلى الضَّمِيرِ في (مِنهُمْ) وعَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ في و(إلَيْكَ) والكِتابُ أُنْزِلَ لِلنَّبِيِّ ولِأتْباعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] [يُونُسَ: ٥٧] كَذا في حَواشِي الشُّذُورِ.
وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: (كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً) إلى رَدِّ ما نُقِلَ أنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا فُرِغَ مِنَ المُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، أرى شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، ولَوْ كانَ المُمْلِي مَن هُذَيْلٍ والكاتِبُ مِن قُرَيْشٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذا.
قالَ الحافِظُ السَّخاوِيُّ: هَذا الأثَرُ ضَعِيفٌ، والإسْنادُ فِيهِ اضْطِرابٌ وانْقِطاعٌ؛ لِأنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جُعِلَ لِلنّاسِ إمامًا يَقْتَدُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يَرى فِيهِ لَحْنًا ويَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها؟! وقَدْ كَتَبَ مَصاحِفَ سَبْعَةً ولَيْسَ فِيها اخْتِلافٌ قَطُّ، إلّا فِيما هو مِن وُجُوهِ القِراءاتِ، وإذا لَمْ يُقِمْهُ هو ومَن باشَرَ الجَمْعَ، كَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ؟!
(p-١٧٢٠)وتَأوَّلَ قَوْمٌ اللَّحْنَ في كَلامِهِ (عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ) بِأنَّ المُرادَ الرَّمْزُ والإيماءُ كَما في قَوْلِهِ:
؎مَنطِقٌ رائِعٌ وتَلُحْنَ أحْيا نًا وخَيْرُ الكَلامِ ما كانَ لَحْنًا
(p-١٧٢١)أيِ: المُرادُ بِهِ الرَّمْزُ، بِحَذْفِ بَعْضِ الحُرُوفِ خَطًّا، كَألِفِ (الصّابِرِينَ) مِمّا يَعْرِفُهُ القُرّاءُ إذا رَأوْهُ، وكَذا زِيادَةُ بَعْضِ الحُرُوفِ، كَذا في "عِنايَةِ الرّاضِي".
﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ رَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ أوْ عَلى الضَّمِيرِ فِي: " يُؤْمِنُونَ " أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ تَجْرِي في " المُقِيمِينَ " عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ. ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَعْنِي: والمُصَدِّقُونَ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ وبِالثَّوابِ والعِقابِ، وإنَّما قُدِّمَ الإيمانُ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ وما يُصَدِّقُهُ مِنِ اتِّباعِ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ، لِأنَّهُ لِبَيانِ حالِ أهْلِ الكِتابِ وإرْشادِهِمْ، وهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ذَلِكَ ويَتْرُكُونَ بَعْضَهُ، فَبَيَّنَ لَهم ما يَلْزَمُهم ويَجِبُ عَلَيْهِمْ.
﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ؛ لِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الإيمانِ الصَّحِيحِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
لَطِيفَةٌ:
فِي الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ الإعْرابِ، أحْسَنُها ما اعْتَمَدَهُ أبُو السُّعُودِ، مِن أنَّ جُمْلَةَ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ إلَخْ ... خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وأنَّ جُمْلَةَ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ﴾ إلَخْ ... حالٌ مِنَ " المُؤْمِنُونَ " مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِمْ، أوِ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ.
قالَ: وهَذا أنْسَبُ بِتَجاوُبِ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ؛ حَيْثُ أُوعِدَ الأوَّلُونَ بِالعَذابِ الألِيمِ، ووُعِدَ الآخِرُونَ بِالأجْرِ العَظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٦١] لَكِنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا.
وأمّا ما جَنَحَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ﴾ إلَخْ .. خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، فَفي كَمالِ السَّدادِ، خَلا أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِتَقابُلِ الطَّرَفَيْنِ.
النساء 4:163
(p-١٧٢٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [١٦٣]
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُ أنَّهم لا يَسْألُونَ اسْتِرْشادًا، ولَكِنْ لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، وبَيَّنَ أنْواعًا مِن فَضائِحِهِمْ - أشارَ إلى رَدِّ شُبْهَتِهِمْ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وأمْرُهُ في الوَحْيِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ولَمْ يُنْزَلْ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابٌ بِتَمامِهِ مِثْلَ ما أُنْزِلَ عَلى مُوسى، وإذا لَمْ يَكُنْ هَذا مِن شَرْطِ النُّبُوَّةِ - وضَحَ أنَّ سُؤالَهم مَحْضُ تَعَنُّتٍ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: بَدَأ بِنُوحٍ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الأحْكامَ، والحَلالَ والحَرامَ، وفي "العِنايَةِ" بَدَأ بِهِ تَهْدِيدًا لَهُمْ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ عُوقِبَ قَوْمُهُ، لا أنَّهُ أوَّلُ مُشَرِّعٍ كَما تُوُهِّمَ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن قَبْلَ نُوحٍ لَمْ يَكُنْ يُوحى لَهُ كَما أُوحِيَ لِنَبِيِّنا ﷺ لا أنَّهُ غَيْرُ مُوحًى إلَيْهِ أصْلًا كَما قِيلَ. انْتَهى.
﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾
النساء 4:164
(p-١٧٢٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [١٦٤]
﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ.
﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ أيْ: لَمْ نُسَمِّهِمْ لَكَ في القُرْآنِ، وقَدْ أحْصى بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنْبِياءَ اليَهُودِ والنَّصارى ورُسُلَهم فَوَجَدَ عَدَدَهم لا يَتَجاوَزُ الخَمْسِينَ.
رُوِيَ في عِدَّتِهِمْ أحادِيثُ تُكُلِّمَ في أسانِيدِها، مِنها:
حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ: «إنَّ الأنْبِياءَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، والرُّسُلَ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وخالَفَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ فَذَكَرَهُ في "مَوْضُوعاتِهِ" واتَّهَمَ بِهِ إبْراهِيمَ بْنَ هاشِمٍ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ واحِدٍ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ يَعْنِي خاطَبَهُ مُخاطَبَةً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ؛ لِأنَّ تَأْكِيدَ (كَلَّمَ) بِالمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ الكَلامِ، وأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ بِلا شَكٍّ، لِأنَّ أفْعالَ المَجازِ لا تُؤَكَّدُ بِالمَصادِرِ، فَلا يُقالُ: أرادَ الحائِطُ يَسْقُطُ إرادَةً، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كَلامًا في مَحَلٍّ، فَسَمِعَ مُوسى ذَلِكَ الكَلامَ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ما يُوصَلُ إلى الإنْسانِ كَلامًا، بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ، لَكِنْ لا تُحَقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، وإذا حُقِّقَ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: (تَكْلِيمًا) عَلى أنَّ مُوسى قَدْ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ حَقِيقَةً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ بَعْضُهُمْ: كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّكْلِيمِ وشَرَّفَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - فَكَذَلِكَ إنْزالُ التَّوْراةِ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَمْ يَكُنْ قادِحًا في نُبُوَّةِ مَن أنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابَهُ مُنَجَّمًا مِنَ الأنْبِياءِ، كَذا في "اللُّبابِ".
* *
تَنْبِيهٌ:
يَحْسُنُ في هَذا المَقامِ إيرادُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ الكِرامِ في مَسْألَةِ الكَلامِ؛ فَإنَّها مِن أعْظَمِ مَسائِلِ الدِّينِ، وقَدْ تَحَيَّرَتْ فِيها آراءُ أهْلِ الأهْواءِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ، واضْطَرَبَتْ فِيها الأقْوالُ، وكَثُرَتْ بِسَبَبِها الأهْوالُ، وأثارَتْ فِتَنًا، وجَلَبَتْ مِحَنًا، وكَمْ سَجَنَتْ إمامًا، وبَكَّتْ (p-١٧٢٤)أقْوامًا، وتَشَعَّبَتْ فِيها المَذاهِبُ، واخْتَلَفَتْ فِيها المَشارِبُ، ولَمْ يَثْبُتْ إلّا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، المُقْتَفِينَ لِأثَرِ الرَّسُولِ ﷺ وصَحابَتِهِ الكِرامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
فَنَقُولُ: قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ - عَلَيْهِ رَحْمَةُ الرَّحِيمِ السَّلامِ - في كِتابِهِ إلى جَماعَةِ العارِفِ عَدِيِّ بْنِ مُسافِرٍ ما نَصُّهُ:
فَصْلٌ
ومِن ذَلِكَ الِاقْتِصادُ في السُّنَّةِ واتِّباعُها كَما جاءَتْ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، مِثْلُ الكَلامِ في القُرْآنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَإنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وأهْلِ السُّنَّةِ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدا وإلَيْهِ يَعُودُ، هَكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ - وكانَ مِنَ التّابِعِينَ الأعْيانِ - قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ النّاسَ يَقُولُونَ ذَلِكَ: القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو هَذا القُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ ويَكْتُبُونَهُ في مَصاحِفِهِمْ، وهو كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ غَيْرِهِ - وإنْ تَلاهُ العِبادُ وبَلَّغُوهُ بِحَرَكاتِهِمْ وأصْواتِهِمْ - فَإنَّ الكَلامَ لِمَن قالَهُ مُبْتَدِئًا، لا لِمَن قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] [التَّوْبَةِ: ٦] وهَذا القُرْآنُ في المَصاحِفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] [البُرُوجِ: ٢١ - ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] [البَيِّنَةِ: ٢ - ٣] وقالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] [الواقِعَةِ: ٧٧ - ٧٨].
والقُرْآنُ: كَلامُ اللَّهِ بِحُرُوفِهِ ونَظْمِهِ ومَعانِيهِ. كُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ في القُرْآنِ وفي كَلامِ اللَّهِ، وإعْرابُ الحُرُوفِ هو مِن تَمامِ الحُرُوفِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (p-١٧٢٥)«مَن قَرَأ القُرْآنَ فَأعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» .
وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: حِفْظُ إعْرابِ القُرْآنِ أحَبُّ إلَيْنا مِن حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ.
ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: والتَّصْدِيقُ بِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ ويُنادِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصَوْتٍ،» إلى أمْثالِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كانَ عَلَيْها سَلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّةُ السُّنَّةِ.
وقالَ أئِمَّةُ السُّنَّةِ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ حَيْثُ تُلِيَ، وحَيْثُ كُتِبَ، فَلا يُقالُ لِتِلاوَةِ العَبْدِ بِالقُرْآنِ: إنَّها مَخْلُوقَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ القُرْآنُ المُنَزَّلُ، ولا يُقالُ: غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ أفْعالُ العِبادِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ قَطُّ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ: إنَّ أصْواتَ العِبادِ بِالقُرْآنِ قَدِيمَةٌ، بَلْ أنْكَرُوا عَلى عَلى مَن قالَ: ( لَفْظُ العَبْدِ بِالقُرْآنِ مَخْلُوقٌ).
وأمّا مَن قالَ: إنَّ المِدادَ قَدِيمٌ - فَهَذا مِن أجْهَلِ النّاسِ وأبْعَدِهِمْ عَنِ السُّنَّةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] [الكَهْفِ: ١٠٩] فَأخْبَرَ أنَّ المِدادَ يَكْتُبُ بِهِ كَلِماتِهِ.
وكَذَلِكَ مَن قالَ: (لَيْسَ القُرْآنُ في المُصْحَفِ، وإنَّما في المُصْحَفِ مِدادٌ ووَرَقٌ وحِكايَةٌ وعِبارَةٌ) فَهو مُبْتَدِعٌ ضالٌّ، بَلِ القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ هو ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، والكَلامُ في المُصْحَفِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ لَهُ خاصَّةٌ يَمْتازُ بِها عَنْ سائِرِ الأشْياءِ.
وكَذَلِكَ مَن زادَ عَلى السُّنَّةِ فَقالَ: إنَّ ألْفاظَ العِبادِ وأصْواتَهم قَدِيمَةٌ - مُبْتَدِعٌ ضالٌّ، كَمَن قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ - فَإنَّهُ أيْضًا مُبْتَدِعٌ مُنْكِرٌ لِلسُّنَّةِ، وكَذَلِكَ مَن زادَ وقالَ: إنَّ المِدادَ قَدِيمٌ - فَهو ضالٌّ، كَمَن قالَ: لَيْسَ في المَصاحِفِ كَلامُ اللَّهِ.
وأمّا مَن زادَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الجُهّالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الوَرَقَ والجِلْدَ والوَتَدَ وقِطْعَةً مِنَ الحائِطِ كَلامُ اللَّهِ - فَهو بِمَنزِلَةِ مَن يَقُولُ: ما تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالقُرْآنِ ولا هو كَلامُهُ، هَذا الغُلُوُّ مِن جانِبِ الإثْباتِ يُقابِلُ التَّكْذِيبَ مِن جانِبِ النَّفْيِ، وكِلاهُما خارِجٌ عَنِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.
وكَذَلِكَ إفْرادُ الكَلامِ في النُّقْطَةِ والشَّكْلَةِ بِدْعَةٌ، نَفْيًا وإثْباتًا، وإنَّما حَدَثَتْ (p-١٧٢٦)هَذِهِ البِدْعَةُ مِن مِائَةِ سَنَةٍ أوْ أكْثَرَ بِقَلِيلٍ.
فَإنَّ مَن قالَ: إنَّ المِدادَ الَّذِي تُنْقَطُ بِهِ الحُرُوفُ وتُشْكَلُ بِهِ قَدِيمٌ - فَهو ضالٌّ جاهِلٌ.
ومَن قالَ: إنَّ إعْرابَ حُرُوفِ القُرْآنِ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ - فَهو ضالٌّ مُبْتَدِعٌ.
بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: هَذا القُرْآنُ العَرَبِيُّ هو كَلامُ اللَّهِ، وقَدْ دَخَلَ في ذَلِكَ حُرُوفُهُ بِإعْرابِها، كَما دَخَلَتْ مَعانِيهِ، ويُقالُ: وما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ جَمِيعُهُ كَلامُ اللَّهِ، فَإنْ كانَ المُصْحَفُ مَنقُوطًا مَشْكُولًا أُطْلِقَ عَلى ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ جَمِيعِهِ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، فَإنْ كانَ غَيْرَ مَنقُوطٍ ولا مَشْكُولٍ - كالمَصاحِفِ القَدِيمَةِ الَّتِي كَتَبَها الصَّحابَةُ - كانَ أيْضًا ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ هو كَلامُ اللَّهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تُلْقى الفِتْنَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِأمْرٍ مُحْدَثٍ ونِزاعٍ لَفْظِيٍّ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُحْدَثَ في الدِّينِ ما لَيْسَ مِنهُ.
وسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ رَجُلَيْنِ تَباحَثا فَقالَ أحَدُهُما: القُرْآنُ حَرْفٌ وصَوْتٌ، وقالَ الآخَرُ: لَيْسَ هو بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وقالَ أحَدُهُما: النُّقَطُ الَّتِي في المُصْحَفِ والشَّكْلُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ الآخَرُ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ، فَما الصَّوابُ في ذَلِكَ؟
فَأجابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، هَذِهِ المَسْألَةُ يَتَنازَعُ فِيها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، ويَخْلِطُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ، فالَّذِي قالَ: إنَّ القُرْآنَ حَرْفٌ وصَوْتٌ، إنْ أرادَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي يُقْرَأُ لِلْمُسْلِمِينَ هو كَلامُ اللَّهِ، الَّذِي نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، وأنَّ جِبْرَئِيلَ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، والنَّبِيَّ ﷺ سَمِعَهُ مِن جِبْرَئِيلَ، والمُسْلِمُونَ سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] [النَّحْلِ: ١٠٢] وقالَ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] [الأنْعامِ: ١١٤] - فَقَدْ أصابَ في ذَلِكَ.
(p-١٧٢٧)فَإنَّ هَذا مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، والدَّلائِلُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ.
ومَن قالَ: إنَّ القُرْآنَ العَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمِ اللَّهُ بِهِ، وإنَّما هو كَلامُ جِبْرَئِيلَ أوْ غَيْرِهِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ المَعْنى القائِمِ بِذاتِ اللَّهِ، كَما يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ كُلّابٍ والأشْعَرِيُّ ومَن وافَقَهُما - فَهو قَوْلٌ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
فَإنَّ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعْنًى واحِدٌ قائِمٌ بِالذّاتِ، وإنَّ مَعْنى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ واحِدٌ، وإنَّهُ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَبَعَّضُ، وإنَّهُ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَرَبِيَّةِ كانَ قُرْآنًا، وبِالعِبْرانِيَّةِ كانَ تَوْراةً، وبِالسُّرْيانِيَّةِ كانَ إنْجِيلًا، فَيَجْعَلُونَ مَعْنى آيَةِ الكُرْسِيِّ وآيَةِ الدَّيْنِ، و: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [الإخْلاصِ: ١] و: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ: ١] والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وغَيْرَهُما - مَعْنًى واحِدًا، وهَذا قَوْلٌ فاسِدٌ بِالعَقْلِ والشَّرْعِ، وهو قَوْلٌ أحْدَثَهُ ابْنُ كُلّابٍ، لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ.
وإنْ أرادَ قائِلٌ بِالحَرْفِ والصَّوْتِ أنَّ الأصْواتَ المَسْمُوعَةَ مِنَ القُرّاءِ، والمِدادَ الَّذِي في المَصاحِفِ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ - أخْطَأ وابْتَدَعَ، وقالَ ما يُخالِفُ العَقْلَ والشَّرْعَ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكم» فَبَيَّنَ أنَّ الصَّوْتَ صَوْتُ القارِئِ، والكَلامَ كَلامُ البارِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] [التَّوْبَةِ: ٦].
فالقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ (p-١٧٢٨)كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ غَيْرِهِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ.
وفِي السُّنَنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى النّاسِ في المَوْقِفِ فَقالَ: ألا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلى قَوْمِهِ؟ فَإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي» .
قالُوا لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] هَذا كَلامُكَ أمْ كَلامُ صاحِبِكَ؟ فَقالَ: لَيْسَ بِكَلامِي ولا كَلامِ صاحِبِي، ولَكِنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
والنّاسُ إذا بَلَّغُوا كَلامَ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» - يَعْلَمُونَ أنَّ الحَدِيثَ الَّذِي يُسْمِعُونَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ تَكَلَّمَ بِهِ بِصَوْتِهِ وبِحُرُوفِهِ ومَعانِيهِ، والمُحَدِّثُ بَلَّغَهُ عَنْهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لا بِصَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فالقُرْآنُ أوْلى أنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ، إذا بَلَّغَتْهُ الرُّسُلُ عَنْهُ، وقَرَأهُ النّاسُ بِأصْواتِهِمْ، واللَّهُ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ بِحُرُوفِهِ ومَعانِيهِ بِصَوْتِ نَفْسِهِ، ونادى مُوسى بِصَوْتِ نَفْسِهِ، كَما ثَبَتَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ السَّلَفِ، وصَوْتُ العَبْدِ لَيْسَ هو صَوْتَ الرَّبِّ، ولا مِثْلَ صَوْتِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاتِهِ، ولا في صِفاتِهِ، ولا في أفْعالِهِ.
وقَدْ نَصَّ أئِمَّةُ الإسْلامِ - أحْمَدُ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأئِمَّةِ - عَلى ما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ مِن أنَّ اللَّهَ يُنادِي بِصَوْتٍ، وإنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ تَكَلَّمَ بِحُرُوفٍ وصَوْتٍ، لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ كَلامًا لِغَيْرِهِ، لا جِبْرَئِيلَ ولا غَيْرِهِ، وأنَّ العِبادَ يَقُولُونَهُ بِأصْواتِ أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فالصَّوْتُ المَسْمُوعُ مِنَ العَبْدِ صَوْتُ القارِئِ، والكَلامُ كَلامُ البارِي.
وكَثِيرٌ مِنَ الخائِضِينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يُمَيِّزُ (p-١٧٢٩)بَيْنَ صَوْتِ العَبْدِ وصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ يَجْعَلُ هَذا هو هَذا، فَيَنْفِيهِما جَمِيعًا، ويُثْبِتُهُما جَمِيعًا، فَإذا نَفى الحَرْفَ والصَّوْتَ نَفى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ العَرَبِيُّ كَلامَ اللَّهِ، وأنْ يَكُونَ مُنادِيًا لِعِبادِهِ بِصَوْتِهِ، وأنْ يَكُونَ القُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ كَلامَ اللَّهِ، كَما نَفى أنْ يَكُونَ صَوْتُ العَبْدِ صِفَةً لِلَّهِ، ثُمَّ جَعَلَ كَلامَ اللَّهِ المُتَنَوِّعَ شَيْئًا واحِدًا، لا فَرْقَ بَيْنَ القَدِيمِ والحادِثِ، وهَذا مُصِيبٌ في هَذا الفَرْقِ دُونَ ذاكَ الثّانِي، الَّذِي فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الإلْحادِ والتَّعْطِيلِ؛ حَيْثُ جَعَلَ كَلامَ اللَّهِ المُتَنَوِّعَ شَيْئًا واحِدًا لا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإذا أثْبَتَ جَعَلَ صَوْتَ الرَّبِّ هو صَوْتَ العَبْدِ، أوْ سَكَتَ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما، مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الحُرُوفَ مُتَعاقِبَةٌ في الوُجُودِ، مُقْتَرِنَةٌ في الذّاتِ، قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةُ الأعْيانِ، فَجَعَلَ عَيْنَ صِفَةِ الرَّبِّ تَحُلُّ في العَبْدِ، ويَتَّحِدُ بِصِفَتِهِ، فَقالَ في نَوْعٍ مِنَ الحُلُولِ والِاتِّحادِ يُفْضِي إلى نَوْعٍ مِنَ التَّعْطِيلِ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ نَفْيَ الفَرْقِ والمُبايَنَةِ بَيْنَ الخالِقِ وصِفاتِهِ والمَخْلُوقِ وصِفاتِهِ - خَطَأٌ وضَلالٌ، لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، بَلْ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ صَوْتِ الرَّبِّ وصَوْتِ العَبْدِ، ومُتَّفِقُونَ أنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حُرُوفِهِ ومَعانِيهِ، وأنَّهُ يُنادِي عِبادَهُ بِصَوْتِهِ، ومُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ الأصْواتَ المَسْمُوعَةَ مِنَ القُرّاءِ أصْواتُ العِبادِ، وعَلى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِن أصْواتِ العِبادِ، ولا مِدادِ المَصاحِفِ قَدِيمًا، بَلِ القُرْآنُ مَكْتُوبٌ في مَصاحِفِ المُسْلِمِينَ، مَقْرُوءٌ بِألْسِنَتِهِمْ، مَحْفُوظٌ بِقُلُوبِهِمْ، وهو كَلامُ اللَّهِ، والصَّحابَةُ كَتَبُوا المَصاحِفَ لَمّا كَتَبُوها بِغَيْرِ شَكْلٍ ولا نَقْطٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَرَبًا لا يَلْحَنُونَ، ثُمَّ لَمّا حَدَثَ اللَّحْنُ نَقَطَ النّاسُ المَصاحِفَ وشَكَلُوها.
فَإنْ كُتِبَتْ بِلا شَكْلٍ ولا نَقْطٍ جازَ، وإنْ كُتِبَتْ بِنَقْطٍ وشَكْلٍ جازَ، ولَمْ يُكْرَهْ في أظْهَرِ قَوْلَيِ العُلَماءِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ. وحُكْمُ النَّقْطِ والشَّكْلِ حُكْمُ الحُرُوفِ، فَإنَّ الشَّكْلَ يَبَيِّنُ إعْرابَ القُرْآنِ، كَما يُبَيِّنُ النَّقْطُ الحُرُوفَ، والمِدادُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الحُرُوفُ ويُكْتَبُ بِهِ الشَّكْلُ والنُّقَطُ مَخْلُوقٌ، وكَلامُ اللَّهِ العَرَبِيُّ الَّذِي أنْزَلَهُ وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِالشَّكْلِ والنُّقَطِ وبِغَيْرِ شَكْلٍ ونَقْطٍ - لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وحُكْمُ الإعْرابِ حُكْمُ الحُرُوفِ، لَكِنَّ الإعْرابَ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بَلْ هو تابِعٌ لِلْحُرُوفِ المَنقُوطَةِ، والشَّكْلَ والنَّقْطَ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بَلْ هو تابِعٌ لِلْحُرُوفِ (p-١٧٣٠)المَرْسُومَةِ، فَلِهَذا لا يُحْتاجُ لِتَجْرِيدِهِما وإفْرادِهِما بِالكَلامِ، بَلِ القُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ هو كَلامُ اللَّهِ: مَعانِيهِ وحُرُوفُهُ وإعْرابُهُ.
واللَّهُ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ العَرَبِيِّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ والنّاسُ يَقْرَؤُونَهُ بِأفْعالِهِمْ وأصْواتِهِمْ، والمَكْتُوبُ في مَصاحِفِ المُسْلِمِينَ هو كَلامُ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ العَرَبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى نَبِيِّهِ، سَواءٌ كُتِبَ بِشَكْلٍ ونَقْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَكْلٍ ونَقْطٍ، والمِدادُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ القُرْآنُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ بَلْ هو مَخْلُوقٌ، والقُرْآنُ الَّذِي كُتِبَ في المُصْحَفِ بِالمِدادِ هو كَلامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، والمَصاحِفُ يَجِبُ احْتِرامُها بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ فِيها، واحْتِرامُ النَّقْطِ والشَّكْلِ - إذا كُتِبَ المُصْحَفُ مُشْكَلًا مَنقُوطًا - كاحْتِرامِ الحُرُوفِ بِاتِّفاقِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، كَما أنَّ حُرْمَةَ إعْرابِ القُرْآنِ كَحُرْمَةِ حُرُوفِهِ المَنقُوطَةِ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ.
ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: حِفْظُ إعْرابِ القُرْآنِ أحَبُّ إلَيْنا مِن حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ، واللَّهُ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ بِحُرُوفِهِ ومَعانِيهِ، فَجَمِيعُهُ كَلامُ اللَّهِ.
فَلا يُقالُ: بَعْضُهُ كَلامُ اللَّهِ وبَعْضُهُ لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو سُبْحانَهُ نادى مُوسى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسى، فَإنَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ نادى مُوسى في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النازعات: ١٥] ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] [النّازِعاتِ: ١٥ - ١٦] والنِّداءُ لا يَكُونُ إلّا صَوْتًا بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١٦٣ - ١٦٤] فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ إيحائِهِ إلى النَّبِيِّينَ وبَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسى، فَمَن قالَ: إنَّ مُوسى لَمْ يَسْمَعْ صَوْتًا بَلْ أُلْهِمَ مَعْناهُ - لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُوسى وغَيْرِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: (p-١٧٣١)﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] [البَقَرَةِ: ٢٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] [الشُّورى: ٥١] فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الإيحاءِ والتَّكَلُّمِ مِن وراءِ حِجابٍ، كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى، فَمَن سَوّى بَيْنَ هَذا وهَذا كانَ ضالًّا.
وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وغَيْرُهُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ، وهو يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ [طه: ١١] [طه: ١١] فَناداهُ حِينَ أتاها ولَمْ يُنادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] [الأعْرافِ: ٢٢] فَهو سُبْحانَهُ ناداهُما حِينَ ذاقا الشَّجَرَةَ، ولَمْ يُنادِهِما قَبْلَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] [الأعْرافِ: ١١] بَعْدَ أنْ خَلَقَ آدَمَ وصَوَّرَهُ، ولَمْ يَأْمُرْهم قَبْلَ ذَلِكَ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] فَأخْبَرَ أنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] (p-١٧٣٢)بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ.
ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، يُخْبِرُ أنَّهُ تَكَلَّمَ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، ونادى في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ إلى الصَّفا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] [البَقَرَةِ: ١٥٨] قالَ: نَبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ بَدَأ بِالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ.
والسَّلَفُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدَأ وإلَيْهِ يَعُودُ، فَظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ مُرادَهم أنَّهُ قَدِيمُ العَيْنِ.
ثُمَّ قالَتْ طائِفَةٌ: هو مَعْنًى واحِدٌ، وهو الأمْرُ بِكُلِّ مَأْمُورٍ والنَّهْيُ عَنْ كُلِّ مَنهِيٍّ، والخَبَرُ بِكُلِّ مُخْبَرٍ، إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَرَبِيَّةِ كانَ قُرْآنًا، وإنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعِبْرانِيَّةِ كانَ تَوْراةً، وإنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ كانَ إنْجِيلًا، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والعَقْلِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: هو حُرُوفٌ وأصْواتٌ قَدِيمَةُ الأعْيانِ، لازِمَةٌ لِذاتِ اللَّهِ، لَمْ تَزَلْ لازِمَةً لِذاتِهِ، وأنَّ الباءَ والسِّينَ والمِيمَ مَوْجُودَةٌ مُقْتَرِنَةٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ مَعًا، أزَلًا وأبَدًا، لَمْ تَزَلْ ولا تَزالُ، لَمْ يَسْبِقْ مِنها شَيْءٌ شَيْئًا، وهَذا أيْضًا مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والعَقْلِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ اللَّهَ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وإنَّهُ في الأزَلِ كانَ مُتَكَلِّمًا بِالنِّداءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى، وإنَّما تَجَدَّدَ اسْتِماعُ مُوسى، لا أنَّهُ ناداهُ حِينَ أتى الوادِيَ المُقَدَّسَ، بَلْ ناداهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِما لا يَتَناهى، ولَكِنْ تِلْكَ السّاعَةَ سَمِعَ النِّداءَ، وهَؤُلاءِ وافَقُوا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ في أصْلِ قَوْلِهِمْ، فَإنَّ أصْلَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الرَّبَّ لا تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ، فَلا يَقُومُ بِهِ كَلامٌ ولا فِعْلٌ بِاخْتِيارِهِ ومَشِيئَتِهِ، وقالُوا: هَذِهِ حَوادِثُ، والرَّبُّ لا تَقُومُ بِهِ الحَوادِثُ، فَخالَفُوا صَحِيحَ المَنقُولِ وصَرِيحَ المَعْقُولِ.
(p-١٧٣٣)واعْتَقَدُوا أنَّهم بِهَذا يَرُدُّونَ عَلى الفَلاسِفَةِ ويُثْبِتُونَ حُدُوثَ العالَمِ، وأخْطَأُوا في ذَلِكَ، فَلا لِلْإسْلامِ نَصَرُوا ولا لِلْفَلاسِفَةِ كَسَرُوا، وادَّعَوْا أنَّ الرَّبَّ لَمْ يَكُنْ قادِرًا في الأزَلِ عَلى كَلامٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ، ولا فِعْلٍ يَفْعَلُهُ، وأنَّهُ صارَ قادِرًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا، بِغَيْرِ أمْرٍ حَدَثَ، أوْ يُغَيِّرُونَ العِبارَةَ فَيَقُولُونَ: لَمْ يَزَلْ قادِرًا، لَكِنْ يَقُولُونَ: إنَّ المَقْدُورَ كانَ مُمْتَنِعًا، وإنَّ الفِعْلَ صارَ مُمْكِنًا لَهُ، بَعْدَ أنْ صارَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ، مِن غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، وقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولُوا: كانَ قادِرًا في الأزَلِ عَلى ما يُمْكِنُ، فِيما لا يَزالُ عَلى ما لا يُمْكِنُ في الأزَلِ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ حَيْثُ يُثْبِتُونَهُ قادِرًا في حالِ كَوْنِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ مُمْتَنِعًا عِنْدَهُمْ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَوْعِ الكَلامِ والفِعْلِ، وبَيْنَ عَيْنَيْهِ كَما لَمْ يُفَرِّقِ الفَلاسِفَةُ بَيْنَ هَذا وهَذا، بَلِ الفَلاسِفَةُ ادَّعَوْا أنَّ مَفْعُولَهُ المُعَيَّنَ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ، فَضَلُّوا في ذَلِكَ وخالَفُوا صَرِيحَ المَعْقُولِ وصَحِيحَ المَنقُولِ.
فَإنَّ الأدِلَّةَ لا تَدُلُّ عَلى قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنَ العالَمِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما سِوى اللَّهِ مَخْلُوقٌ حادِثٌ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، إذْ هو فاعِلٌ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الدَّلائِلُ القَطْعِيَّةُ، والفاعِلُ بِمَشِيئَتِهِ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن مَفْعُولِهِ لازِمًا، بِصَرِيحِ العَقْلِ واتِّفاقِ عامَّةِ العُقَلاءِ، بَلْ وكُلُّ فاعِلٍ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن مَفْعُولِهِ لازِمًا لِذاتِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ مُقارَنَةُ مَفْعُولِهِ المُعَيَّنِ لَهُ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّهُ فاعِلٌ بِغَيْرِ إرادَةٍ، فَكَيْفَ بِالفاعِلِ بِالإرادَةِ؟! وما يُذْكَرُ بِأنَّ المَعْلُولَ يُقارِنُ عِلَّتَهُ إنَّما يَصِحُّ فِيما كانَ مِنَ العِلَلِ يَجْرِي مَجْرى الشُّرُوطِ، فَإنَّ الشَّرْطَ لا يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المَشْرُوطِ، بَلْ قَدْ يُقارِنُهُ، كَما تُقارِنُ الحَياةُ العِلْمَ، وأمّا ما كانَ فاعِلًا - سَواءٌ سَمِّيَ عِلَّةً أوْ لَمْ يُسَمَّ - فَلا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى الفِعْلِ المُعَيَّنِ. والفِعْلُ المُعَيَّنُ لا يَجُوزُ أنْ يُقارِنَهُ شَيْءٌ مِن مَفْعُولاتِهِ، ولا يَعْرِفُ العُقَلاءُ فاعِلًا قَطُّ يَلْتَزِمُهُ مَفْعُولٌ مُعَيَّنٌ. وقَوْلُ القائِلِ (حَرَّكْتُ يَدِي فَتَحَرَّكَ الخاتَمُ) هو مِن بابِ الشُّرُوطِ لا مِن بابِ الفاعِلِينَ.
ولِأنَّهُ لَوْ كانَ العالَمُ قَدِيمًا لَكانَ فاعِلُهُ مُوجِبًا بِذاتِهِ في الأزَلِ، ولَمْ يَتَأخَّرْ عَنْهُ مُوجِبُهُ ومُقْتَضاهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا مِنَ الحَوادِثِ، وهَذا خِلافُ المُشاهَدَةِ، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ قادِرًا عَلى الكَلامِ والفِعْلِ، بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا (p-١٧٣٤)إذا شاءَ، فاعِلًا لِما يَشاءُ، ولَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ، مَنعُوتًا بِنُعُوتِ الجَلالِ والإكْرامِ، والعالَمُ فِيهِ مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ ما دَلَّ عَلى عِلْمِ الرَّبِّ، وفِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ ما دَلَّ عَلى مَشِيئَتِهِ، وفِيهِ مِنَ الإحْسانِ ما دَلَّ عَلى رَحْمَتِهِ، وفِيهِ مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ ما دَلَّ عَلى حِكْمَتِهِ، وفِيهِ مِنَ الحَوادِثِ ما دَلَّ عَلى قُدْرَةِ الرَّبِّ تَعالى، مَعَ أنَّ الرَّبَّ مُسْتَحِقٌّ لِصِفاتِ الكَمالِ لِذاتِهِ - فَإنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِكُلِّ كَمالٍ مُمْكِنٍ لِلْوُجُودِ، لا نَقْصَ فِيهِ، مُنَزَّهٍ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وهو سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِ، فَهو مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ، مُنَزَّهٌ فِيها عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ، ومُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ مُطْلَقًا، فَإنَّ وصْفَهُ بِها مِن أعْظَمِ الأباطِيلِ، وكَمالَهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، لا يَسْتَفِيدُهُ مَن غَيْرِهِ، بَلْ هو المُنْعِمُ عَلى خَلْقِهِ بِالخَلْقِ والإنْشاءِ، وما جَعَلَهُ فِيهِمْ مِن صِفاتِ الأحْياءِ، وخالِقُ صِفاتِ الكَمالِ أحَقُّ بِها مَن لا كُفُؤَ لَهُ فِيها.
وأصْلُ اضْطِرابِ النّاسِ في مَسْألَةِ كَلامِ اللَّهِ أنَّ الجَهْمِيَّةَ والمُعْتَزِلَةَ لَمّا ناظَرَتِ الفَلاسِفَةَ في مَسْألَةِ حُدُوثِ العالَمِ - اعْتَقَدُوا أنَّ ما يَقُومُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ المُتَعاقِبَةِ لا يَكُونُ إلّا حادِثًا؛ بِناءً عَلى أنَّ ما لا يَتَناهى لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ، والتَزَمُوا أنَّ الرَّبَّ كانَ في الأزَلِ غَيْرَ قادِرٍ عَلى الفِعْلِ والكَلامِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُمْتَنَعًا عَلَيْهِ، وكانَ مُعَطَّلًا عَنْ ذَلِكَ، وقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ قادِرًا في الأزَلِ عَلى الفِعْلِ فِيما لا يَزالُ، مَعَ امْتِناعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في الأزَلِ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ حَيْثُ يَصِفُونَهُ بِالقُدْرَةِ في حالِ امْتِناعِ المَقْدُورِ لِذاتِهِ. إذْ كانَ الفِعْلُ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ لَهُ أوَّلًا، والأزَلُ لا أوَّلَ لَهُ، والجَمْعُ بَيْنَ إثْباتِ الأوَّلِيَّةِ ونَفْيِها جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، ولَمْ يَهْتَدُوا إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما يَسْتَلْزِمُ الأوَلِيَّةَ والحُدُوثَ وهو الفِعْلُ المُعَيَّنُ والمَفْعُولُ المُعَيَّنُ، وبَيْنَ ما لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو نَوْعُ الفِعْلِ والكَلامِ، بَلْ هَذا يَكُونُ دائِمًا، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن آحادِهِ حادِثًا كَما يَكُونُ دائِمًا في المُسْتَقْبَلِ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن آحادِهِ فانِيًا بِخِلافِ خالِقٍ يَلْزَمُهُ مَخْلُوقُهُ المُعَيَّنُ دائِمًا، فَإنَّ هَذا هو الباطِلُ في صَرِيحِ العَقْلِ وصَحِيحِ النَّقْلِ، ولِهَذا اتَّفَقَتْ فِطَرُ العُقَلاءِ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، لَمْ يُنازِعْ فِيهِ إلّا شِرْذِمَةٌ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ، كابْنِ سِينا (p-١٧٣٥)وأمْثالِهِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ المُمْكِنَ المَفْعُولَ قَدْ يَكُونُ قَدِيمًا واجِبَ الوُجُودِ بِغَيْرِهِ، فَخالَفُوا في ذَلِكَ جَماهِيرَ العُقَلاءِ، مَعَ مُخالَفَتِهِمْ لِسَلَفِهِمْ، أرِسْطُو وأتْباعِهِ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، وإنْ قالُوا بِقِدَمِ الأفْلاكِ، وأرِسْطُو أوَّلُ مَن قالَ بِقَدَمِها مِنَ الفَلاسِفَةِ المَشّائِينَ؛ بِناءً عَلى إثْباتِ عِلَّةِ غايَةٍ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ، بِتَحَرُّكِ الفَلَكِ لِلنِّسْبَةِ بِها، لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ فاعِلًا مُبْتَدِعًا، ولَمْ يُثْبِتُوا مُمْكِنًا قَدِيمًا واجِبًا بِغَيْرِهِ.
وهم - وإنْ كانُوا أجْهَلَ بِاللَّهِ وأكْفَرَ مِن مُتَأخَّرِيهِمْ - فَهم يُسَلِّمُونَ لِجُمْهُورِ العُقَلاءِ أنَّ ما كانَ مُمْكِنًا بِذاتِهِ فَلا يَكُونُ إلّا مُحْدَثًا مَسْبُوقًا بِالعَدَمِ، فاحْتاجُوا أنْ يَقُولُوا: كَلامُهُ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ.
وطائِفَةٌ وافَقَتْهم عَلى امْتِناعِ وُجُودِ ما لا نِهايَةَ لَهُ، لَكِنْ قالُوا: تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ، فَقالُوا: إنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، بَلْ ولا كانَ الكَلامُ مَقْدُورًا لَهُ، ثُمَّ صارَ مُتَكَلِّمًا بِلا حُدُوثِ حادِثٍ، بِكَلامٍ يَقُومُ بِهِ، وهو قَوْلُ الهاشِمِيَّةِ والكَرّامِيَّةِ وغَيْرِهِمْ.
وطائِفَةٌ قالَتْ: إذا كانَ القُرْآنُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَلا يَكُونُ إلّا قَدِيمَ العَيْنِ، لازِمًا لِذاتِ الرَّبِّ، فَلا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: هو مَعْنًى واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَبَعَّضُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حُرُوفٌ وأصْواتٌ مُقْتَرِنَةٌ لازِمَةٌ لِلَّذّاتِ، وهَؤُلاءِ أيْضًا وافَقُوا الجَهْمِيَّةَ والمُعْتَزِلَةَ في أصْلِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ ومَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ لا تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ، وأنَّهُ لَمْ يَسْتَوِ عَلى عَرْشِهِ بَعْدَ أنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ولَنْ يَأْتِيَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَمْ يُنادِ مُوسى حِينَ ناداهُ، ولا تُغْضِبُهُ المَعاصِي ولا تُرْضِيهِ الطّاعاتُ، ولا تُفْرِحُهُ تَوْبَةُ التّائِبِينَ، وقالُوا في قَوْلِهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] [التَّوْبَةِ: ١٠٥] ونَحْوِ ذَلِكَ: أنَّهُ لا يَراها إذا وُجِدَتْ، بَلْ إمّا أنَّهُ لَمْ يَزَلْ رائِيًا لَها، وإمّا أنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، بَلْ تَعَلَّقَ مَعْدُومٌ.
إلى أمْثالِ هَذِهِ المَقالاتِ الَّتِي خالَفُوا فِيها نُصُوصَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مَعَ مُخالَفَةِ صَرِيحِ العَقْلِ، والَّذِي ألْجَأهم لِذَلِكَ مُوافَقَتُهم لِلْجَهْمِيَّةِ عَلى أصْلِ قَوْلِهِمْ: في أنَّهُ سُبْحانَهُ (p-١٧٣٦)لا يَقْدِرُ في الأزَلِ عَلى الفِعْلِ والكَلامِ، وخالَفُوا السَّلَفَ والأئِمَّةَ في قَوْلِهِمْ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ، ثُمَّ افْتَرَقُوا أحْزابًا أرْبَعَةً كَما تَقَدَّمَ: الخِلْقِيَّةُ، والحُدُوثِيَّةُ، والِاتِّحادِيَّةُ والِاقْتِرانِيَّةُ.
وشَرٌّ مِن هَؤُلاءِ الصّائِبَةُ والفَلاسِفَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ لا بِكَلامٍ قائِمٍ بِذاتِهِ، ولا بِكَلامٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، لا قَدِيمِ النَّوْعِ ولا قَدِيمِ العَيْنِ، ولا حادِثٍ ولا مَخْلُوقٍ، بَلْ كَلامُهُ عِنْدَهم ما يَفِيضُ عَلى نُفُوسِ الأنْبِياءِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَلَّمَ مُوسى مِن سَماءِ عَقْلِهِ.
وقَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ دُونَ الجُزْئِيّاتِ، فَإنَّهُ إنَّما يَعْلَمُها عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ، ويَقُولُونَ - مَعَ ذَلِكَ -: إنَّهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُهُ، وقَوْلُهُمْ: (يَعْلَمُ نَفْسَهُ ومَفْعُولاتِهِ) حَقٌّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] [المُلْكِ: ١٤] لَكِنَّ قَوْلَهم مَعَ ذَلِكَ: (إنَّهُ لا يَعْلَمُ الأعْيانَ المُعَيَّنَةَ) جَهْلٌ وتَناقُضٌ، فَإنَّ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ مُعَيَّنَةٌ، والأفْلاكَ مُعَيَّنَةٌ، وكُلَّ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٌ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُعَيَّناتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنَ المَوْجُوداتِ، إذِ الكُلِّيّاتُ إنَّما تَكُونُ كُلِّيّاتٍ في الأذْهانِ لا في الأعْيانِ، فَمَن لَمْ يَعْلَمْ إلّا الكُلِّيّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنَ المَوْجُوداتِ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وهم إنَّما ألْجَأهم إلى هَذا الإلْحادِ فِرارُهم مِن تَجَدُّدِ الأحْوالِ لِلْبارِي تَعالى، إنَّ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الحَوادِثَ تَقُومُ بِالقَدِيمِ، وإنَّ الحَوادِثَ لا أوَّلَ لَها، لَكِنْ نَفَوْا ذَلِكَ عَنِ البارِي؛ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا صِفَةَ لَهُ، بَلْ هو وُجُودٌ مُطَلَّقٌ، وقالُوا: إنَّ العِلْمَ نَفْسُ عَيْنِ العالِمِ، والقُدْرَةَ نَفْسُ عَيْنِ القادِرِ، والعِلْمَ والعالِمَ شَيْءٌ واحِدٌ، والمُرِيدَ والإرادَةَ شَيْءٌ واحِدٌ، فَجَعَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ هي الأُخْرى، وجَعَلُوا الصِّفاتِ هي المَوْصُوفَ.
ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلِ العِلْمُ كُلُّ المَعْلُومِ، كَما يَقُولُهُ الطُّوسِيُّ صاحِبُ "شَرْحِ الإشاراتِ" فَإنَّهُ أنْكَرَ عَلى ابْنِ سِينا إثْباتَهُ لِعِلْمِهِ بِنَفْسِهِ وما يَصْدُرُ عَنْ نَفْسِهِ، وابْنُ سِينا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، لَكِنَّهُ تَناقَضَ مَعَ ذَلِكَ؛ حَيْثُ نَفى قِيامَ الصِّفاتِ بِهِ، وجَعَلَ الصِّفَةَ عَيْنَ المَوْصُوفِ، وكُلَّ صِفَةٍ هي الأُخْرى، ولِهَذا كانَ هَؤُلاءِ هم أوْغَلَ في الِاتِّحادِ والإلْحادِ مِمَّنْ يَقُولُ: مَعانِي الكَلامِ شَيْءٌ واحِدٌ.
لَكِنَّهم (p-١٧٣٧)ألْزَمُوا قَوْلَهم لِأُولَئِكَ فَقالُوا: إذا جازَ أنْ تَكُونَ المَعانِي المُتَعَدِّدَةُ شَيْئًا واحِدًا جازَ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هو القُدْرَةَ، والقُدْرَةُ عَلى الإرادَةِ، فاعْتَرَفَ حُذّاقُ أُولَئِكَ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ لا جَوابَ عَنْهُ، ثُمَّ قالُوا: وإذا جازَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ هي الأُخْرى جازَ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ هي المَوْصُوفَ.
فَجاءَ ابْنُ عَرَبِيٍّ وابْنُ سَبْعِينَ والقَوْنَوِيُّ ونَحْوُهم فَقالُوا: إذا جازَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ هي الأُخْرى، والصِّفَةُ هي المَوْصُوفُ - جازَ أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ الواجِبُ القَدِيمُ الخالِقُ هو المَوْجُودَ المُمْكِنَ المُحْدَثَ المَخْلُوقَ.
فَقالُوا: إنَّ وُجُودَ كُلِّ مَخْلُوقٍ هو عَيْنُ وُجُودِ الخالِقِ، وقالُوا: الوُجُودُ واحِدٌ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الواحِدِ بِالنَّوْعِ والواحِدِ بِالعَيْنِ، كَما لَمْ يُفَرِّقْ أُولَئِكَ بَيْنَ الكَلامِ الواحِدِ بِالعَيْنِ والكَلامِ الواحِدِ بِالنَّوْعِ، وكانَ مُنْتَهى أمْرِ أهْلِ الإلْحادِ في الكَلامِ إلى هَذا التَّعْطِيلِ والكُفْرِ والِاتِّحادِ، الَّذِي قالَهُ أهْلُ الوَحْدَةِ والحُلُولِ والِاتِّحادِ في الخالِقِ والمَخْلُوقاتِ، كَما أنَّ الَّذِينَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَوْعِ الكَلامِ وعَيْنِهِ، وقالُوا: هو يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ قَدِيمٍ - قالُوا أوَّلًا: إنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ولا تَسْبِقُ الباءُ السِّينَ، بَلْ لَمّا نادى مُوسى فَقالَ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] كانَتِ الهَمْزَةُ والنُّونُ وما بَيْنَهُما مَوْجُودًا في الأزَلِ، يُقارِنُ بَعْضُها بَعْضًا، لَمْ تَزَلْ ولا تَزالُ لازِمَةً لِذاتِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ فَرِيقٌ مِنهُمْ: إنَّ ذَلِكَ القَدِيمَ هو نَفْسُ الأصْواتِ المَسْمُوعَةِ مِنَ القُرّاءِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ المَسْمُوعُ صَوْتانِ: قَدِيمٌ ومُحْدَثٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: أشْكالُ المِدادِ قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: مَحَلُّ المِدادِ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: المِدادُ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ.
وأكْثَرُهم يَتَكَلَّمُونَ بِلَفْظِ القَدِيمِ، ولا يَفْهَمُونَ مَعْناهُ، بَلْ مِنهم مَن يَظُنُّ أنَّهُ قَدِيمٌ في عِلْمِهِ، ومِنهم مَن يَظُنُّ أنَّ مَعْناهُ مُتَقَدِّمٌ عَلى غَيْرِهِ، ومِنهم مَن يَظُنُّ أنَّ مَعْنى اللَّفْظِ أنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ومِنهم مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ ما يَقُولُ، فَصارَ هَؤُلاءِ حُلُولِيَّةً اتِّحادِيَّةً في الصِّفاتِ. ومِنهم مَن يَقُولُ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، وكانَ مُنْتَهى أمْرِ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ إلى التَّعْطِيلِ.
والصَّوابُ في هَذا البابِ وغَيْرِهِ مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها: أنَّهُ (p-١٧٣٨)سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ، وأنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ كَلِماتِهِ لا نِهايَةَ لَها، وأنَّهُ نادى مُوسى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسى، وإنَّما ناداهُ حِينَ أتى، لَمْ يُنادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأنَّ صَوْتَ الرَّبِّ لا يُماثِلُ أصْواتَ العِبادِ، كَما أنَّ عِلْمَهُ لا يُماثِلُ عِلْمَهُمْ، وقُدْرَتَهُ لا تُماثِلُ قُدْرَتَهُمْ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ بائِنٌ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، لَيْسَ في مَخْلُوقاتِهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ وصِفاتِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ، ولا في ذاتِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّ أقْوالَ أهْلِ التَّعْطِيلِ والِاتِّحادِ الَّذِينَ عَطَّلُوا الذّاتَ أوِ الصِّفاتِ أوِ الكَلامَ أوِ الأفْعالَ - باطِلَةٌ، وأقْوالَ أهْلِ الحُلُولِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالحُلُولِ في الذّاتِ والصِّفاتِ – باطِلَةٌ.
وهَذِهِ الأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ بَسَطْناها في "الواجِبِ الكَبِيرِ" واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
(وقالَ تَقِيُّ الدِّينَ أيْضًا في مَقالَةٍ لَهُ في هَذا البَحْثِ): أوَّلُ مَن أظْهَرَ إنْكارَ التَّكْلِيمِ والمُخالَّةَ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ في أوائِلِ المِائَةِ الثّانِيَةِ، وأمَرَ عُلَماءُ الإسْلامِ كالحَسَنِ البَصْرِيِّ وغَيْرِهِ بِقَتْلِهِ، فَضَحّى بِهِ خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، أمِيرُ العِراقِ بِواسِطَ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ ضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحاياكُمْ، فَإنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، إنَّهُ زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ولَمْ يُكَلِّمْ مُوسى تَكْلِيمًا، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ.
وأخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ الجَهْمُ بْنُ صَفْوانَ، فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ نافَقَ المُسْلِمِينَ فَأقَرَّ بِلَفْظِ الكَلامِ، وقالَ: كَلامُهُ يُخْلَقُ في مَحَلٍّ كالهَواءِ ووَرَقِ الشَّجَرِ، ودَخَلَ بَعْضُ أهْلِ الكَلامِ أوِ الجَدَلِ - مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الإسْلامِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ونَحْوِهِمْ - في بَعْضِ مَقالَةِ الصّابِئَةِ والمُشْرِكِينَ، مُتابَعَةً لِلْجَعْدِ والجَهْمِ.
وكانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أنَّ الصّابِئَةَ في الخَلْقِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ السَّماواتِ مَخْلُوقَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، كَما أخْبَرَتْ بِذَلِكَ الرُّسُلُ وكُتُبُ اللَّهِ تَعالى. ومِنهم مَنِ ابْتَدَعَ فَقالَ: بَلْ هي قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ، لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً بِوُجُودِ الأوَّلِ واجِبِ الوُجُودِ بِنَفْسِهِ، ومِنهم مَن قَدْ يُنْكِرُ الصّانِعَ بِالكُلِّيَّةِ، ولَهم مَقالاتٌ كَثِيرَةُ الِاضْطِرابِ في الخَلْقِ والبَعْثِ والمَبْدَأِ والمَعادِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى (p-١٧٣٩)يَجْمَعُهُمْ، والظُّنُونُ لا تَجْمَعُ النّاسَ في مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي تَعْجِزُ الآراءُ عَنْ دَرْكِ حَقائِقِها إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وهم إنَّما يُناظِرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِالقِياسِ المَأْخُوذِ مُقَدَّماتِهِ مِنَ الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ، وقُوى الطَّبائِعِ المَوْجُودَةِ في التُّرابِ والماءِ والهَواءِ والحَيَوانِ والمَعْدِنِ والنَّباتِ، ويُرِيدُونَ بِهَذِهِ المُقَدِّماتِ السُّفْلِيَّةِ أنْ يَنالُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ، وعِلْمَ ما فَوْقَ السَّماواتِ، أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ، وهَذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، اعْتَرَفَ أساطِينُهم بِأنَّ هَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وأنَّهم لا سَبِيلَ لَهم إلى إدْراكِ اليَقِينِ، وأنَّهم إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ.
فَلَمّا كانَ حالُ هَذِهِ الصّائِبَةِ المُبْتَدِعَةِ الضّالَّةِ ومَن أضَلُّوهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وكانَ قَدِ اتَّصَلَ كَلامُهم بِبَعْضِ مَن لَمْ يَهْتَدِ بِهُدى اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ مِن أهْلِ الكَلامِ والجَدَلِ - صارُوا يُرِيدُونَ أنْ يَأْخُذُوا مَآخِذَهُمْ، كَما أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لَتَأْخُذُنَّ مَأْخَذَ الأُمَمِ قَبْلَكم شِبْرًا بِشِبْرٍ وذِراعًا بِذِراعٍ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فارِسُ والرُّومُ؟ قالَ: ومَنِ النّاسُ إلّا فارِسُ والرُّومُ؟»
فاحْتَجُّوا عَلى حُدُوثِ العالَمِ بِنَحْوٍ مِن مَسالِكِ هَذِهِ الصّابِئَةِ، وهو الكَلامُ في الأجْسامِ والأعْراضِ، بِأنْ تُثْبَتَ الأعْراضُ، ثُمَّ يُثْبَتَ لُزُومُها لِلْأجْسامِ، ثُمَّ حُدُوثُها، ثُمَّ يُقالُ: ما لا يَسْبِقُ الحَوادِثَ فَهو حادِثٌ، واعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الجَدَلِ عَلى هَذا في إثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ. فَلَمّا رَأوْا أنَّ الأعْراضَ الَّتِي هي الصِّفاتُ تَدُلُّ عِنْدَهم عَلى حُدُوثِ المَوْصُوفِ الحامِلِ لِلْأعْراضِ - التَزَمُوا نَفْيَها عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَها مُسْتَلْزِمٌ حُدُوثَهُ، وبُطْلانُ دَلِيلِ حُدُوثِ العالَمِ الَّذِي اعْتَقَدُوا أنْ لا دَلِيلَ سِواهُ، بَلْ رُبَّما اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُ أحَدٍ إلّا بِهِ - (p-١٧٤٠)مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وهَؤُلاءِ يُخالِفُونَ الصّابِئَةَ الفَلاسِفَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِدَمِ العالَمِ، وبِأنَّ النُّبُوَّةَ كَمالٌ يَفِيضُ عَلى نَفْسِ النَّبِيِّ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُتَكَلِّمِينَ أكْثَرُ حَقًّا وأتْبَعُ لِلْأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ؛ لِما تَنَوَّرَتْ بِهِ قُلُوبُهم مِن نُورِ الإسْلامِ والقُرْآنِ، وإنْ كانُوا قَدْ ضَلُّوا في كَثِيرٍ مِمّا جاءَ بِهِ الرُّسُلُ، لَكِنْ هم خَيْرٌ مِن أُولَئِكَ مِن وُجُوهٍ أُخْرى وافَقُوا فِيها، فَوافَقُوا أُولَئِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
كَما وافَقُوهم عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لَهُ ولا قُدْرَةَ ولا صِفَةَ مِنَ الصِّفاتِ، ورَأوْا أنَّ إثْباتَهُ مُتَكَلِّمًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جِسْمًا، والجِسْمُ حادِثٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى حُدُوثِ المَوْصُوفِ، بَلْ هو عِنْدَهم أدَلُّ عَلى حُدُوثِ المُتَكَلِّمِ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْتَقِرُ مِنَ المَخارِجِ إلى ما لا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، ولِأنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْتِيبِ والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ما لَيْسَ في غَيْرِهِ، ولَمّا رَأوْا أنَّ الرُّسُلَ اتَّفَقَتْ عَلى أنَّهُ مُتَكَلِّمٌ، والقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِن إثْباتِ ذَلِكَ - صارُوا تارَةً يَقُولُونَ: مُتَكَلِّمٌ مَجازًا لا حَقِيقَةً، وهَذا قَوْلُهُمُ الأوَّلُ لَمّا كانُوا في بِدْعَتِهِمْ عَلى الفِطْرَةِ، قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوا في المُعانَدَةِ والجُحُودِ، ثُمَّ إنَّهم رَأوْا هَذا شَنِيعًا فَقالُوا: بَلْ هو مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً.
ورُبَّما حَكى بَعْضُ مُتَكَلِّمِيهِمُ الإجْماعَ، ولَيْسَ عِنْدَهم كَذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ وأصْلُهُ عِنْدَ مَن عَرَفَهُ وابْتَدَعَهُ: إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ، وقالُوا: المُتَكَلِّمُ مَن فَعَلَ الكَلامَ، ولَوْ في مَحَلٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، فَفَسَّرُوا المُتَكَلِّمَ في اللُّغَةِ بِمَعْنًى لا يُعْرَفُ في لُغَةِ العَرَبِ ولا غَيْرِهِمْ، لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وهو أحَدُ قَوْلَيِ الصّابِئَةِ الَّذِينَ يُوافِقُونَ الرُّسُلَ في حُدُوثِ العالَمِ، وهو وإنْ كَفَرَ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَلَيْسَ هو في الكُفْرِ مِثْلَ القَوْلِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ لا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مُعَيَّنًا، وأنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامَ الَّذِي خَلَقَهُ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أهْلُ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
ونَشَأ بَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم فُرُوعُ الصّابِئَةِ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ أتْباعِ الرُّسُلِ - الخِلافُ، فَكَفَرَ هَؤُلاءِ بِبَعْضِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن وصْفِ اللَّهِ بِالكَلامِ والتَّكْلِيمِ، واخْتَلَفُوا في كِتابِ اللَّهِ، فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، واتَّبَعَ المُؤْمِنُونَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ مِن أنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ، وأنَّهُ (p-١٧٤١)كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا، وأنَّهُ يَتَكَلَّمُ، ولَمْ يُحَرِّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ كَما فَعَلَ الأوَّلُونَ، بَلْ رَدُّوا تَحْرِيفَ أُولَئِكَ بِبَصائِرِ الإيمانِ، الَّذِي عَلِمُوا بِهِ مُرادَ الرُّسُلِ مِن إخْبارِهِمْ بِرِسالَةِ اللَّهِ وكَلامِهِ. وتَبِعُوا هَذا القُرْآنَ والحَدِيثَ وإجْماعَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وسائِرِ أتْباعِ الأنْبِياءِ، وعَلِمُوا أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ أخْبَثُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى.
حَتّى كانَ ابْنُ المُبارَكِ إمامُ المُسْلِمِينَ يَقُولُ: إنّا لَنَحْكِي كَلامَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نَحْكِيَ كَلامَ الجَهْمِيَّةِ. وكانَ قَدْ كَثُرَ ظُهُورُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم فُرُوعُ المُشْرِكِينَ، ومَنِ اتَّبَعَهم مِن مُبَدِّلَةِ الصّابِئِينَ، ثُمَّ مُبَدِّلَةِ اليَهُودِ والنَّصارى في أوائِلِ المِائَةِ الثّانِيَةِ وأوائِلِ الثّالِثَةِ، في إمارَةِ أبِي العَبّاسِ المُلَقَّبِ بِالمَأْمُونِ بِسَبَبِ تَعْرِيبِ كُتُبِ الرُّومِ المُشْرِكِينَ الصّابِئِينَ، الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ النَّصارى، ومَن أشْبَهَهم مِن فارِسَ والهِنْدِ، وظَهَرَتْ عُلُومُ الصّابِئِينَ المُنَجِّمِينَ ونَحْوِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ أهْلَ الكَلامِ المُبْتَدَعِ في الإسْلامِ هم مِن فُرُوعِ الصّابِئِينَ، كَما يُقالُ: المُعْتَزِلَةُ مَخانِيثُ الفَلاسِفَةِ. فَظَهَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ في أهْلِ العِلْمِ والكَلامِ، وفي أهْلِ السَّيْفِ والإمارَةِ، وصارَ في أهْلِها مِنَ الخُلَفاءِ والأُمَراءِ والوُزَراءِ والقُضاةِ والفُقَهاءِ - ما امْتَحَنُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، ولَمْ يُبَدِّلُوا ويَبْتَدِعُوا، وذَلِكَ لِقُصُورٍ وتَفْرِيطٍ مِن أكْثَرِهِمْ في مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ.
* *
فَصْلٌ
فَجاءَ قَوْمٌ مِن مُتَكَلِّمِي الصِّفاتِيَّةِ الَّذِينَ نَصَرُوا أنَّ اللَّهَ لَهُ عِلْمٌ وقُدْرَةٌ وبَصَرٌ وحَياةٌ بِالمَقايِيسِ العَقْلِيَّةِ المُطابِقَةِ لِلنُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِالجَواهِرِ فَجَعَلُوها أعْراضًا وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِالرَّبِّ فَلَمْ يُسَمُّوها أعْراضًا؛ لِأنَّ العَرَضَ ما لا يَدُومُ وما لا يَبْقى، أوْ ما يَقُومُ بِمُتَحَيِّزٍ أوْ جِسْمٍ، وصِفاتُ الرَّبِّ لازِمَةٌ دائِمَةٌ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ الأعْراضِ القائِمَةِ بِالأجْسامِ، وهَؤُلاءِ - أهْلُ الكَلامِ القِياسِيِّ مِنَ الصِّفاتِيَّةِ - فارَقُوا أُولَئِكَ المُبْتَدِعَةَ المُعَطِّلَةَ الصّابِئَةَ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِمْ، وأثْبَتُوا الصِّفاتِ الَّتِي قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالقِياسِ العَقْلِيِّ عَلَيْها، كالصِّفاتِ (p-١٧٤٢)السَّبْعِ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ والسَّمْعُ والبَصَرُ والكَلامُ، ولَهم نِزاعٌ في السَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ، هَلْ هو مِنَ الصِّفاتِ العَقْلِيَّةِ أوِ الصِّفاتِ النَّبَوِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ؟
ولَهُمُ اخْتِلافٌ في البَقاءِ والقِدَمِ، وفي الإدْراكِ الَّذِي هو إدْراكُ المَشْمُوماتِ والمَذُوقاتِ والمَلْمُوساتِ، ولَهم أيْضًا اخْتِلافٌ في الصِّفاتِ السَّمْعِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ؟ كالوَجْهِ واليَدِ، فَأكْثَرُ مُتَقَدِّمِيهِمْ أوْ كُلُّهم يُثْبِتُها، وكَثِيرٌ مِن مُتَأخَّرِيهِمْ لا يُثْبِتُها، وأمّا ما لا يَرِدُ إلّا في الحَدِيثِ فَأكْثَرُهم لا يُثْبِتُها.
ثُمَّ مِنهم مَن يَصْرِفُ النُّصُوصَ عَنْ دَلالَتِها لِأجْلِ ما عارَضَها مِنَ القِياسِ العَقْلِيِّ عِنْدَهُ، ومِنهم مَن يُفَوِّضُ مَعْناها، ولَيْسَ الغَرَضُ هُنا تَفْصِيلَ مَقالاتِ النّاسِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِسائِرِ الصِّفاتِ، وإنَّما المَقْصُودُ القَوْلُ في رِسالَةِ اللَّهِ وكَلامِهِ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ، فَكانَ هَؤُلاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الوِراثَةِ النَّبَوِيَّةِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بِما مَلَكُوهُ مِنَ الطُّرُقِ الصّائِبَةِ في أمْرِ الخالِقِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَصارَ في مَذْهَبِهِمْ في الرِّسالَةِ تَرْكِيبٌ مِنَ الوِراثَتَيْنِ، لَبَسُوا حَقَّ ورَثَةِ الأنْبِياءِ بِباطِلِ ورَثَةِ أتْباعِ الصّابِئَةِ، كَما كانَ في مَذْهَبِ أهْلِ الكَلامِ المَحْضِ المُبْتَدَعِ كالمُعْتَزِلَةِ تَرْكِيبٌ، ولَيْسَ بَيْنَ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ وبَيْنَ الأثارَةِ الصّابِئَةِ، لَكِنَّ أُولَئِكَ أشَدُّ اتِّباعًا لِلْأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ وأقْرَبُ إلى مَذاهِبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ونَحْوِهِمْ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ولِهَذا وافَقَهم في بَعْضِ ما ابْتَدَعُوهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الفِقْهِ والحَدِيثِ والتَّصَوُّفِ، لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَثْرَةُ الحَقِّ الَّذِي يَقُولُونَهُ وظُهُورُ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَهم.
الثّانِي: لَبْسُهم ذَلِكَ بِمَقايِيسَ عَقْلِيَّةٍ بَعْضُها مَوْرُوثٌ عَنِ الصّابِئَةِ، وبَعْضُها مِمّا ابْتُدِعَ في الإسْلامِ، واسْتِيلاءُ ما في ذَلِكَ مِنَ الشُّبَهاتِ عَلَيْهِمْ، وظَنُّهم أنَّهُ لَمْ يَكُنِ التَّمَسُّكُ بِالأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ مِن أهْلِ العَقْلِ والعِلْمِ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ.
الثّالِثُ: ضَعُفَ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ الدّافِعَةِ لِهَذِهِ الشُّبَهاتِ والمُوَضِّحَةِ لِسَبِيلِ الهُدى عِنْدَهم.
الرّابِعُ: العَجْزُ والتَّفْرِيطُ الواقِعُ في المُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ والحَدِيثِ، تارَةً يَرَوْنَ ما يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ، وتارَةً يَكُونُونَ كالأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ، ويُعْرِضُونَ عَنْ بَيانِ دَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ.
فَلَمّا كانَ هَذا مِنهاجَهُمْ، وقالُوا: إنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ وإجْماعِ (p-١٧٤٣)السَّلَفِ.
ولَمّا رَأوْا أنَّهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي قَرَّرُوهُ في الصِّفاتِ، ورَأوْا أنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ وبَيْنَ القِياسِ العَقْلِيِّ لا يَسْتَقِيمُ إلّا أنْ يَجْعَلُوا القُرْآنَ مَعْنًى قائِمًا بِنَفْسِ اللَّهِ تَعالى كَسائِرِ الصِّفاتِ، كَما جَعَلَهُ الأوَّلُونَ مِن بابِ المَصْنُوعاتِ المَخْلُوقاتِ، لا قَدِيمًا كَسائِرِ الصِّفاتِ، ورَأوْا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مَخْلُوقًا أوْ قَدِيمًا - فَإنَّ إثْباتَ قِسْمٍ ثالِثٍ قائِمٍ بِاللَّهِ يَقْتَضِي حُلُولَ الحَوادِثِ بِذاتِهِ، وهو دَلِيلٌ عَلى حُدُوثِ المَوْصُوفِ، ويَبْطُلُ لِدَلالَةِ حُدُوثِ العالَمِ، ثُمَّ رَأوْا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعانِيَ كَثِيرَةً، بَلْ إمّا مَعْنًى واحِدًا عِنْدَ طائِفَةٍ، أوْ مَعانِيَ أرْبَعَةً عِنْدَ طائِفَةٍ، والتَزَمُوا عَلى هَذا أنَّ حَقِيقَةَ الكَلامِ هي المَعْنى القائِمُ بِالنَّفْسِ، وأنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ لَيْسَتْ مِن حَقِيقَةِ الكَلامِ، بَلْ دالَّةٌ عَلَيْهِ، فَتَسَمّى بِاسْمِهِ إمّا مَجازًا عِنْدَ طائِفَةٍ أوْ حَقِيقَةً بِطْرِيقِ الِاشْتِراكِ عِنْدَ طائِفَةٍ، وإمّا مَجازًا في كَلامِ اللَّهِ حَقِيقَةً في غَيْرِهِ عِنْدَ طائِفَةٍ.
وخالَفَهُمُ الأوَّلُونَ وبَعْضُ مَن يَسْتَنُّ أيْضًا، وقالُوا: لا حَقِيقَةَ لِلْكَلامِ إلّا الحُرُوفُ والأصْواتُ، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ مَعْنًى إلّا العِلْمُ ونَوْعُهُ، أوِ الإرادَةُ ونَوْعُها، فَصارَ النِّزاعُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، وادَّعى هَؤُلاءِ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ والخَبَرَ صِفاتٌ لِلْكَلامِ إضافِيَّةٌ، لَيْسَتْ أنْواعًا لَهُ وأقْسامًا، وأنَّ كَلامَ اللَّهِ مَعْنًى واحِدٌ، إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَرَبِيَّةِ فَهو قُرْآنٌ، وبِالعِبْرِيَّةِ فَهو تَوْراةٌ، وبِالسُّرْيانِيَّةِ فَهو إنْجِيلٌ.
وقالَ لَهم أكْثَرُ النّاسِ: هَذا مَعْلُومُ الفَسادِ بِالضَّرُورَةِ، كَما قالَ الأوَّلُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلامَ في الهَواءِ فَصارَ مُتَكَلِّمًا بِهِ، وإنَّ المُتَكَلِّمَ مَن أحْدَثَ الكَلامَ ولَوْ في ذاتٍ غَيْرِ ذاتِهِ. وقالَ لَهم أكْثَرُ النّاسِ: إنَّ هَذا مَعْلُومُ الفَسادِ بِالضَّرُورَةِ.
وقالَ الجُمْهُورُ مِن جَمِيعِ الطَّوائِفِ: إنَّ الكَلامَ اسْمٌ لِللَّفْظِ والمَعْنى جَمِيعًا، كَما أنَّ الإنْسانَ المُتَكَلِّمَ اسْمٌ لِلرُّوحِ والجِسْمِ جَمِيعًا، وإنَّهُ إذا أُطْلِقَ عَلى أحَدِهِما فَبِقَرِينَةٍ، وإنَّ مَعانِيَ الكَلامِ مُتَنَوِّعَةٌ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في العِلْمِ والإرادَةِ كَتَنَوُّعِ ألْفاظِهِ، وإنْ كانَتِ المَعانِي أقْرَبَ إلى الِاتِّحادِ والِاجْتِماعِ، والألْفاظُ أقْرَبَ إلى التَّعَدُّدِ والتَّفَرُّقِ، والتَزَمَ هَؤُلاءِ أنَّ حُرُوفَ القُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ المَعْنى الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ مَخْلُوقًا.
وفَرَّقُوا بَيْنَ كِتابِ اللَّهِ وكَلامِهِ، فَقالُوا: كِتابُ اللَّهِ هو الحُرُوفُ وهو مَخْلُوقٌ، وكَلامُ اللَّهِ (p-١٧٤٤)هُوَ مَعْناها غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وهَؤُلاءِ والأوَّلُونَ مُتَّفِقُونَ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ الَّذِي قالَ الأوَّلُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ أيْنَ خُلِقَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ؟ هَلْ خُلِقَتْ في الهَواءِ أوْ في نَفْسِ جِبْرَئِيلَ، أوْ أنَّ جِبْرَئِيلَ هو الَّذِي أحْدَثَها أوْ مُحَمَّدٌ؟!
وأمّا جُمْهُورُ الأُمَّةِ وأهْلُ الحَدِيثِ والفِقْهِ والتَّصَوُّفِ فَعَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وما جاءَ عَنْهم مِنَ الكُتُبِ والأثارَةِ مِنَ العِلْمِ، وهُمُ المُتَّبِعُونَ لِلرِّسالَةِ اتِّباعًا مَحْضًا، لَمْ يَشُوبُوهُ بِما يُخالِفُهُ مِن مَقالَةِ الصّابِئِينَ، وهو أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كَلامُ اللَّهِ، لا يَجْعَلُونَ بَعْضَهُ كَلامَ اللَّهِ وبَعْضَهُ لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ.
والقُرْآنُ هو القُرْآنُ الَّذِي يَعْلَمُ المُسْلِمُونَ أنَّهُ القُرْآنُ، حُرُوفُهُ ومَعانِيهِ، والأمْرُ والنَّهْيُ هو اللَّفْظُ والمَعْنى جَمِيعًا، ولِهَذا كانَ الفُقَهاءُ المُصَنِّفُونَ في أُصُولِ الفِقْهِ مِن جَمِيعِ الطَّوائِفِ - الحَنَفِيَّةِ والمالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ والحَنْبَلِيَّةِ - إذا لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ مَذاهِبِ الأئِمَّةِ والفُقَهاءِ، إذا تَكَلَّمُوا في الأمْرِ والنَّهْيِ - ذَكَرُوا ذَلِكَ، وخالَفُوا مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ هو المَعْنى المُجَرَّدُ.
ويَعْلَمُونَ أهْلُ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ، أهْلُ السُّنَّةِ والحَدِيثِ، وعامَّةُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم جَماهِيرُ أهْلِ القِبْلَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] [البَقَرَةِ: ١ - ٢] ونَحْوَ ذَلِكَ هو كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ غَيْرِهِ، وكَلامُ اللَّهِ هو ما تَكَلَّمَ بِهِ، لا ما خَلَقَهُ في غَيْرِهِ ولَمْ يَتَكَلَّمْ هو بِهِ.
(وسُئِلَ تَقِيُّ الدِّينِ أيْضًا): ما تَقُولُ السّادَةُ العُلَماءَ الجَهابِذَةُ أئِمَّةُ الدِّينِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ - فِيمَن يَقُولُ: الكَلامُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، والقَوْلُ غَيْرُ القائِلِ، والقُرْآنُ والمَقْرُوءُ والقارِئُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَهُ مَعْنًى، بَيِّنُوا لَنا ذَلِكَ بَيانًا شافِيًا لِيَصِلَ إلى ذِهْنِ الحاذِقِ والبَلِيدِ، أثابَكُمُ اللَّهُ بِمَنِّهِ.
(فَأجابَ رَحِمَهُ اللَّهُ): الحَمْدُ لِلَّهِ، مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، والقَوْلَ غَيْرُ القائِلِ، وأرادَ أنَّهُ مُبائِنٌ لَهُ ومُنْفَصِلٌ عَنْهُ - فَهَذا خَطَأٌ وضَلالٌ، وهو مَن يَقُولُ: إنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ لا تَقُومُ بِهِ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ لا القُرْآنُ ولا غَيْرُهُ، ويُوهِمُونَ النّاسَ بِقَوْلِهِمُ: العِلْمُ غَيْرُ العالِمِ، والقُدْرَةُ غَيْرُ القادِرِ، والكَلامُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: وما كانَ (p-١٧٤٥)غَيْرَ اللَّهِ فَهو مَخْلُوقٌ، وهَذا تَلْبِيسٌ مِنهُمْ، فَإنَّ لَفْظَ (الغَيْرِ) يُرادُ بِهِ ما يَجُوزُ مُبائَنَتُهُ لِلْآخَرِ ومُفارَقَتُهُ لَهُ، وعَلى هَذا فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عِلْمُ اللَّهِ غَيْرُهُ ولا كَلامُهُ غَيْرُهُ، ولا يُقالُ: إنَّ الواحِدَ مِنَ العَشَرَةِ غَيْرُها، وأمْثالَ ذَلِكَ.
وقَدْ يُقالُ بِلَفْظِ (الغَيْرِ) ما لَيْسَ هو الآخَرَ، وعَلى هَذا فَتَكُونُ الصِّفَةُ غَيْرَ المَوْصُوفِ، ولَكِنْ عَلى هَذا المَعْنى لا يَكُونُ ما هو غَيْرُ ذاتِ اللَّهِ المَوْصُوفَةِ بِصِفاتِهِ – مَخْلُوقًا؛ لِأنَّ صِفاتِهِ لَيْسَتْ هي الذّاتَ، لَكِنْ قائِمَةً بِالذّاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الذّاتُ المُقَدَّسَةُ المَوْصُوفَةُ بِصِفاتِ كَمالِهِ، ولَيْسَ الِاسْمُ اسْمًا لِذاتٍ لا صِفاتِ لَها، بَلْ يَمْتَنِعُ وُجُودُ ذاتٍ لا صِفاتِ لَها، والصَّوابُ في مِثْلِ هَذا أنْ يُقالَ: الكَلامُ صِفَةُ المُتَكَلِّمِ، والقَوْلُ صِفَةُ القائِلِ، وكَلامُ اللَّهِ لَيْسَ مُبائِنًا مِنهُ، بَلْ أسْمَعَهُ لِجِبْرَئِيلَ ونَزَّلَهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَلامَ اللَّهِ فارَقَ ذاتَهُ وانْتَقَلَ إلى غَيْرِهِ. بَلْ يُقالُ - كَما قالَ السَّلَفُ -: إنَّهُ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدا وإلَيْهِ يَعُودُ.
فَقَوْلُهم (مِنهُ بَدا) رَدٌّ عَلى مَن قالَ (إنَّهُ مَخْلُوقٌ في بَعْضِ الأجْسامِ، ومِن ذَلِكَ المَخْلُوقِ ابْتَدَأ) فَبَيَّنُوا أنَّ اللَّهَ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ، ومِنهُ بَدا، لا مِن بَعْضِ المَخْلُوقاتِ.
(وإلَيْهِ يَعُودُ) أيْ: فَلا يَبْقى في الصُّدُورِ مِنهُ آيَةٌ، ولا في المَصاحِفِ حَرْفٌ.
وأمّا القُرْآنُ فَهو كَلامُ اللَّهِ، فَمَن قالَ: إنَّ القُرْآنَ الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ - فَخَطَؤُهُ وتَلْبِيسُهُ كَخَطَأِ مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ.
وكَذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ لَهُ مَقْرُوءٌ غَيْرُ القُرْآنِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ - فَخَطَؤُهُ ظاهِرٌ.
وكَذَلِكَ: إنَّ القُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ غَيْرُ المَقْرُوءِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ - فَقَدْ أخْطَأ، وإنْ أرادَ بِالقُرْآنِ مَصْدَرَ (قَرَأ يَقْرَأُ قِراءَةً وقُرْآنًا) وقالَ: أرَدْتُ القِراءَةَ غَيْرَ المَقْرُوءِ، فَلَفْظُ القِراءَةِ مُجْمَلٌ، قَدْ يُرادُ بِالقِراءَةِ القُرْآنُ، وقَدْ يُرادُ بِالقِراءَةِ المَصْدَرُ، فَمَن جَعَلَ القِراءَةَ الَّتِي هي المَصْدَرُ، قالَ: القارِئُ غَيْرُ المَقْرُوءِ، كَما يُجْعَلُ التَّكَلُّمُ الَّذِي فَعَلَهُ غَيْرَ الكَلامِ الَّذِي هو يَقُولُ، وأرادَ بِـ(الغَيْرِ) أنَّهُ لَيْسَ هو إيّاهُ - فَقَدْ صَدَقَ، فَإنَّ الكَلامَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ الإنْسانُ يَتَضَمَّنُ فِعْلًا كالحَرَكَةِ، ويَتَضَمَّنُ ما يَقْتَرِنُ بِالفِعْلِ مِنَ الحُرُوفِ (p-١٧٤٦)والمَعانِي، ولِهَذا يُجْعَلُ القَوْلُ قَسِيمًا لِلْفِعْلِ تارَةً، وقَسِيمًا مِنهُ أُخْرى.
فالأوَّلُ كَما يُقالُ: الإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ-: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ - أوْ حَدَّثَتْ - بِهِ أنْفُسُها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَكَلَّمْ» .
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] [فاطِرٍ: ١٠]. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ [يونس: ٦١] [يُونُسَ: ٦١]. وأمْثالُ ذَلِكَ فِيما يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ.
وأمّا دُخُولُ القَوْلِ في العَمَلِ فَفي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] [الحِجْرِ: ٩٢ - ٩٣] وقَدْ فَسَّرُوهُ بِقَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
ولَمّا سُئِلَ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: الإيمانُ بِاللَّهِ» (p-١٧٤٧)مَعَ قَوْلِهِ: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً، والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ، أفْضَلُها وأعْلاها قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ» ونَظائِرُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ.
وقَدْ تُنُوزِعَ فِيمَن حَلَفَ لا يَعْمَلُ عَمَلًا، إذا قالَ قَوْلًا كالقِراءَةِ، هَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ؛ بِناءً عَلى هَذا، فَهَذِهِ الألْفاظُ الَّتِي فِيها إجْمالٌ واشْتِباهٌ إذا فُصِّلَتْ مَعانِيها وإلّا وقَعَ فِيها نِزاعٌ واضْطِرابٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
انْتَهى كَلامُ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الإمامِ أحْمَدَ في كِتابِ "الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ": سَألْتُ أبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ (لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ): لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ، فَقالَ أبِي: بَلى، تَكَلَّمَ - جَلَّ ثَناؤُهُ – بِصَوْتٍ. هَذِهِ الأحادِيثُ نَرْوِيها كَما جاءَتْ.
وقالَ أبِي: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إذا تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى سُمِعَ لَهُ صَوَّتَ (p-١٧٤٨)كَمَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفْوانِ.
قالَ: وهَذِهِ الجَهْمِيَّةُ تُنْكِرُهُ، وهَؤُلاءِ كُفّارٌ يُرِيدُونَ أنْ يُمَوِّهُوا عَلى النّاسِ. ثُمَّ قالَ: حَدَّثَنا المُحارِبِيُّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: إذا تَكَلَّمَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالوَحْيِ سَمِعَ صَوْتَهُ أهْلُ السَّماءِ فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا.
وقالَ السَّفارِينِيُّ في "شَرْحِ العَقِيدَةِ": رُوِيَ في إثْباتِ الحَرْفِ والصَّوْتِ أحادِيثُ تَزِيدُ عَلى أرْبَعِينَ حَدِيثًا، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ غالِبَها، واحْتَجَّ بِهِ.
وأخْرَجَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا في "شَرْحِ البُخارِيِّ " واحْتَجَّ بِها البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ، عَلى أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ، وقَدْ صَحَّحُوا هَذا الأصْلَ واعْتَقَدُوهُ، واعْتَمَدُوا عَلى ذَلِكَ، مُنَزِّهِينَ اللَّهَ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، مِن شُبَهاتِ الحُدُوثِ وسِماتِ النَّقْصِ، كَما قالُوا في سائِرِ الصِّفاتِ، مُعْتَمِدِينَ عَلى ما صَحَّ عِنْدَهم مِن صاحِبِ الشَّرِيعَةِ، المَعْصُومِ في أقْوالِهِ، الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ﷺ.
وقالَ الإمامُ الواسِطِيُّ ابْنُ شَيْخِ الحَرَمَيْنِ الشّافِعِيِّ في "عَقِيدَتِهِ": إنَّنِي كُنْتُ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ مُتَحَيِّرًا في ثَلاثِ مَسائِلَ: مَسْألَةُ الصِّفاتِ، ومَسْألَةُ الفَوْقِيَّةِ، ومَسْألَةُ الحَرْفِ والصَّوْتِ في القُرْآنِ المَجِيدِ. وكُنْتُ مُتَحَيِّرًا في الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ المَوْجُودَةِ في كُتُبِ أهْلِ العَصْرِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، مِن تَأْوِيلِ الصِّفاتِ وتَحْرِيفِها، أوْ إمْرارِها والوُقُوفِ فِيها، أوْ إثْباتِها بِلا تَأْوِيلٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَمْثِيلٍ، فَأجِدُ النُّصُوصَ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ناطِقَةً مُبَيِّنَةً لِحَقائِقِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وكَذَلِكَ في إثْباتِ العُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ، وكَذَلِكَ في الحَرْفِ والصَّوْتِ، ثُمَّ أجِدُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ في كُتُبِهِمْ، مِنهم مَن تَأوَّلَ الِاسْتِواءَ بِالقَهْرِ والِاسْتِيلاءِ، وتَأوَّلَ (p-١٧٤٩)النُّزُولَ بِنُزُولِ الأمْرِ، وتَأوَّلَ اليَدَيْنِ بِالنِّعْمَتَيْنِ والقُدْرَتَيْنِ، وتَأوَّلَ القَدَمَ بِقَدَمِ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وأمْثالُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أجِدُهم مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ كَلامَ اللَّهِ مَعْنًى قائِمًا بِالذّاتِ، بِلا حَرْفٍ ولا صَوْتٍ، ويَجْعَلُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ المَعْنى القائِمِ.
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذِهِ الأقْوالِ أوْ بَعْضِها قَوْمٌ لَهم في صَدْرِي مَنزِلَةٌ، مِثْلُ بَعْضِ فُقَهاءِ الأشْعَرِيَّةِ الشّافِعِيِّينَ؛ لِأنِّي عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - عَرَفْتُ فَرائِضَ دِينِي وأحْكامَهُ، فَأجِدُ مِثْلَ هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ يَذْهَبُونَ إلى مِثْلِ هَذِهِ الأقْوالِ، وهم شُيُوخِي، ولِي فِيهِمُ الِاعْتِقادُ التّامُّ؛ لِعِلْمِهِمْ وفَضْلِهِمْ، ثُمَّ إنَّنِي مَعَ ذَلِكَ أجِدُ في قَلْبِي مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ حَزازاتٌ لا يَطْمَئِنُّ قَلْبِي إلَيْها، وأجِدُ الكَدَرَ والظُّلْمَةَ مِنها، وأجِدُ ضِيقَ الصَّدْرِ، وعَدَمَ انْشِراحِهِ مَقْرُونًا بِها، فَكُنْتُ كالمُتَحَيِّرِ المُضْطَرِبِ في تَحَيُّرِهِ، المُتَمَلْمِلِ مِن قَلْبِهِ في تَقَلُّبِهِ وتَغَيُّرِهِ، وكُنْتُ أخافُ مِن إطْلاقِ القَوْلِ بِإثْباتِ العُلُوِّ والِاسْتِواءِ والنُّزُولِ؛ مَخافَةَ الحَصْرِ والتَّشْبِيهِ.
ومَعَ ذَلِكَ فَإذا طالَعْتُ النُّصُوصَ الوارِدَةَ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ أجِدُها نُصُوصًا تُشِيرُ إلى حَقائِقِ هَذِهِ المَعانِي، وأجِدُ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ صَرَّحَ بِها، مُخْبِرًا عَنْ رَبِّهِ، واصِفًا لَهُ بِها، ثُمَّ لا أجِدُ شَيْئًا يَعْقُبُ تِلْكَ النُّصُوصَ ويُؤَوِّلُها كَما تَأوَّلَها هَؤُلاءِ الفُقَهاءُ المُتَكَلِّمُونَ.
ثُمَّ قالَ: والَّذِينَ أوَّلُوا ما أوَّلُوا هو أنَّهم ما فَهِمُوا في صِفاتِ الرَّبِّ إلّا ما يَلِيقُ بِالمَخْلُوقِينَ، فَلِذَلِكَ حَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وعَطَّلُوا ما وصَفَ الحَقُّ بِهِ نَفْسَهُ، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي كُلُّها ثابِتَةٌ لَهُ - كَما يَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ، لا عَلى ما نَعْقِلُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِينَ - لَسَلِمُوا مِنَ التَّشْبِيهِ والتَّأْوِيلِ المُؤَدِّي إلى التَّعْطِيلِ.
ثُمَّ قالَ: ومَسْألَةُ الحَرْفِ والصَّوْتِ تُساقُ هَذا المَساقَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ المَجِيدِ بِجَمِيعِ حُرُوفِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] [الأعْرافِ: ١] وقالَ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ [ق: ١] [ق: ١]، وكَذَلِكَ (p-١٧٥٠)جاءَ في الحَدِيثِ: فَيُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ.
وفِي الحَدِيثِ: «لا أقُولُ: (الم) حَرْفٌ، ولَكِنْ ألِفٌ حَرْفٌ، ولامٌ حَرْفٌ، ومِيمٌ حَرْفٌ» .
فَهَؤُلاءِ ما فَهِمُوا (p-١٧٥١)مِن كَلامِ اللَّهِ إلّا ما فَهِمُوهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ، قالُوا: إذا قُلْنا بِالحَرْفِ فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى القَوْلِ بِالجَوارِحِ واللُّهُواتِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْنا بِالصَّوْتِ أدّى ذَلِكَ إلى الحَلْقِ والحَنْجَرَةِ، فَعَمِلُوا بِهَذا مِنَ التَّخْبِيطِ كَما عَمِلُوا فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ.
والتَّحْقِيقُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ بِالحُرُوفِ كَما يَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ فَإنَّهُ قادِرٌ، والقادِرُ لا يَحْتاجُ إلى جَوارِحٍ ولا إلى لُهُواتِ، وكَذَلِكَ لَهُ صَوْتٌ يَلِيقُ بِهِ يُسْمَعُ، ولا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ الصَّوْتُ المُقَدَّسُ إلى الحَلْقِ والخَنْجَرَةِ، فَكَلامُ اللَّهِ كَما يَلِيقُ بِهِ، وصَوْتُهُ كَما يَلِيقُ بِهِ، ولا نَنْفِي الحَرْفَ والصَّوْتَ عَنْ كَلامِهِ سُبْحانَهُ؛ لِافْتِقارِهِما مِنّا إلى الجَوارِحِ واللُّهُواتِ، فَإنَّهُما في جَنابِ الحَقِّ لا يَفْتَقِرانِ إلى ذَلِكَ، وهَذا يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ لَهُ، ويَسْتَرِيحُ الإنْسانُ بِهِ مِنَ التَّعَسُّفِ والتَّكَلُّفِ بِقَوْلِهِ: هَذا عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الَّذِي يَقْرَؤُهُ القارِئُ هو عَيْنُ قِراءَةِ اللَّهِ وعَيْنُ تَكَلُّمِهِ هُوَ؟ قُلْنا: لا، بَلِ القارِئُ يُؤَدِّي كَلامَ اللَّهِ، والكَلامُ إنَّما يُنْسَبُ إلى مَن قالَهُ مُبْتَدِئًا، لا إلى مَن قالَهُ مُؤَدِّيًا مُبَلِّغًا.
ولَفْظُ القارِئِ في غَيْرِ القُرْآنِ مَخْلُوقٌ، وفي القُرْآنِ لا يَتَمَيَّزُ اللَّفْظُ المُؤَدِّي عَنِ الكَلامِ المُؤَدّى عَنْهُ، ولِهَذا مَنَعَ السَّلَفُ مِن قَوْلِ: (لَفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوقٌ) لِأنَّهُ لا يَتَمَيَّزُ، كَما مَنَعُوا عَنْ قَوْلِ: (لَفْظِي بِالقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ) فَإنَّ لَفْظَ العَبْدِ في غَيْرِ التِّلاوَةِ مَخْلُوقٌ وفي التِّلاوَةِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ كَيْلا يُؤَدِّيَ الكَلامُ في ذَلِكَ إلى القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ. وما أمَرَّ السَّلَفُ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ يَجِبُ السُّكُوتُ عَنْهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ في "العِنايَةِ": القِراءَةُ المَشْهُورَةُ في الآيَةِ رَفْعُ الجَلالَةِ الشَّرِيفَةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِها في الشَّواذِّ. انْتَهى.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَهْ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ: (وكَلَّمَ اللَّهَ مُوسى تَكْلِيمًا) فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما قَرَأ هَذا إلّا كافِرٌ. قَرَأْتُ عَلى الأعْمَشِ، وقَرَأ الأعْمَشُ عَلى يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى (p-١٧٥٢)أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾»
وإنَّما اشْتَدَّ غَضَبُ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى مَن قَرَأ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ حَرَّفَ لَفْظَ القُرْآنِ ومَعْناهُ، وكانَ هَذا مِنَ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ يُكَلِّمُ أحَدًا مِن خَلْقِهِ، كَما رُوِّيناهُ عَنْ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ قَرَأ عَلى بَعْضِ المَشايِخِ: (وكَلَّمَ اللَّهَ مُوسى تَكْلِيمًا) فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ الخَنا! كَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] [الأعْرافِ: ١٤٣] يَعْنِي أنَّ هَذا لا يَحْتَمِلُ التَّحْرِيفَ ولا التَّأْوِيلَ.