Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — قريش 106:1 – الإخلاص 112:4
المحتويات
- قريش 106:1
- قريش 106:2
- قريش 106:3
- قريش 106:4
- الماعون 107:1
- الماعون 107:2
- الماعون 107:3
- الماعون 107:4
- الماعون 107:5
- الماعون 107:6
- الماعون 107:7
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:2
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:3
- الكافرون 109:4
- الكافرون 109:5
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:2
- النصر 110:3
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:3
- المسد 111:4
- المسد 111:5
- الإخلاص 112:1
- الإخلاص 112:2
- الإخلاص 112:3
- الإخلاص 112:4
قريش 106:1
(p-٦٢٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
(p-٦٢٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]
﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] قالَ ابْنُ هِشامٍ: إيلافِ قُرَيْشٍ إلْفُهُمُ الخُرُوجَ إلى الشّامِ في تِجارَتِهِمْ. وكانَتْ لَهم خَرْجَتانِ: خَرْجَةٌ في الشِّتاءِ وخَرْجَةٌ في الصَّيْفِ. قالَ: أخْبَرَنِي أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ألِفْتُ الشَّيْءَ إلْفًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا، في مَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَنِي لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلَ إدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُّحى في لَوْنِها يَتَوَضَّحُ
والإيلافُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ألْفٌ مِنَ الإبِلِ أوِ البَقَرِ أوِ الغَنَمِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ويُقالُ: آلَفَ فُلانٌ إيلافًا، قالَ الكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
؎بِعامٍ يَقُولُ لَهُ المُؤْلِفُو ∗∗∗ نَ هَذا المُعِيمُ لَنا المُرْجِلُ
(p-٦٢٧٠)والمُعِيمُ العامُ الَّذِي قَلَّ فِيهِ اللَّبَنُ. والإيلافُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ القَوْمُ ألْفًا يُقالُ: آلَفَ القَوْمُ إيلافًا. قالَ الكُمَيْتُ:
؎وآلُ مُزَيْقِياءَ غَداةَ لاقَوْا ∗∗∗ بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ مُؤْلِفِينا
والإيلافُ أيْضًا أنْ يُؤْلِفَ الشَّيْءَ فَيَأْلَفُهُ ويَلْزَمُهُ، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيّاهُ إيلافًا. والإيلافُ أيْضًا أنْ تُصَيِّرَ ما دُونَ الألْفِ ألْفًا، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيلافًا. انْتَهى. ولِوُرُودِ الإيلافِ بِهَذِهِ المَعانِي، ظَهَرَ سِرُّ إبْدالِهِ بِالمُقَيَّدِ مِنهُ بَعْدَ إطْلاقِهِ، مَعَ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّقْرِيرِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ ألِفُوا بُصْرى واليَمَنَ، يَخْتَلِفُونَ إلى هَذِهِ في الشِّتاءِ وإلى تِلْكَ في الصَّيْفِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لَهم رِحْلَتانِ: الصَّيْفُ إلى الشّامِ والشِّتاءُ إلى اليَمَنِ في التِّجارَةِ، إذا كانَ الشِّتاءُ امْتَنَعَ الشّامُ مِنهم لِمَكانِ البَرْدِ. وكانَتْ رِحْلَتُهم في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ. والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. واللّامُ في قَوْلِ ﴿لإيلافِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] أيْ: فَلْيَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ. ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ. والبَيْتُ هو الكَعْبَةُ المُشَرَّفَةُ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ أيْ جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَ الرِّحْلَتَيْنِ فَـ (مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأطْعَمَهم لِإزالَةِ الجُوعِ عَنْهم أوْ بَدَلِيَّةٌ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] أيْ: مِمّا يَخافُ مِنهُ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الحَرَمِ مِنَ الغاراتِ والحُرُوبِ والقِتالِ والأُمُورِ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ يَخافُ بَعْضُها بَعْضًا؛ فَأمِنُوا مِن ذَلِكَ لِمَكانِ الحَرَمِ وقَرَأ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]
(p-٦٢٧١)تَنْبِيهٌ:
زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ اللّامَ في "لِإيلافِ" مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قالَ الشِّهابُ: وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ، والمَعْنى: أهْلَكَهم ولَمْ يُسَلِّطْ عَلى أهْلِ حَرَمِهِ لِيَبْقَوْا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، أوْ أهْلَكَ مَن قَصَدَهم لِيَعْتَبِرَ النّاسُ ولا يَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، فَيَتِمُّ لَهُمُ الأمْنُ في الإقامَةِ والسَّفَرِ. أوْ هي لامُ العاقِبَةِ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في رَدِّهِ: وأمّا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ مَن حَكَيْنا قَوْلَهُ أنَّهُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] فَإنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ "لِإيلافِ" بَعْضَ "ألَمْ تَرَ"، وأنْ لا تَكُونَ سُورَةً مُنْفَصِلَةً مِن "ألَمْ تَرَ"؛ وفي إجْماعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُما سُورَتانِ تامَّتانِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرى، ما يُبَيِّنُ عَنْ فَسادِ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ مَن قالَ ذَلِكَ. ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] لَمْ تَكُنْ "ألَمْ تَرَ" تامَّةً حَتّى تُوصَلَ بِقَوْلِهِ: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ"، لِأنَّ الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِانْقِضاءِ الخَبَرِ الَّذِي ذُكِرَ. انْتَهى.
قريش 106:2
(p-٦٢٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
(p-٦٢٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]
﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] قالَ ابْنُ هِشامٍ: إيلافِ قُرَيْشٍ إلْفُهُمُ الخُرُوجَ إلى الشّامِ في تِجارَتِهِمْ. وكانَتْ لَهم خَرْجَتانِ: خَرْجَةٌ في الشِّتاءِ وخَرْجَةٌ في الصَّيْفِ. قالَ: أخْبَرَنِي أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ألِفْتُ الشَّيْءَ إلْفًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا، في مَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَنِي لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلَ إدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُّحى في لَوْنِها يَتَوَضَّحُ
والإيلافُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ألْفٌ مِنَ الإبِلِ أوِ البَقَرِ أوِ الغَنَمِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ويُقالُ: آلَفَ فُلانٌ إيلافًا، قالَ الكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
؎بِعامٍ يَقُولُ لَهُ المُؤْلِفُو ∗∗∗ نَ هَذا المُعِيمُ لَنا المُرْجِلُ
(p-٦٢٧٠)والمُعِيمُ العامُ الَّذِي قَلَّ فِيهِ اللَّبَنُ. والإيلافُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ القَوْمُ ألْفًا يُقالُ: آلَفَ القَوْمُ إيلافًا. قالَ الكُمَيْتُ:
؎وآلُ مُزَيْقِياءَ غَداةَ لاقَوْا ∗∗∗ بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ مُؤْلِفِينا
والإيلافُ أيْضًا أنْ يُؤْلِفَ الشَّيْءَ فَيَأْلَفُهُ ويَلْزَمُهُ، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيّاهُ إيلافًا. والإيلافُ أيْضًا أنْ تُصَيِّرَ ما دُونَ الألْفِ ألْفًا، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيلافًا. انْتَهى. ولِوُرُودِ الإيلافِ بِهَذِهِ المَعانِي، ظَهَرَ سِرُّ إبْدالِهِ بِالمُقَيَّدِ مِنهُ بَعْدَ إطْلاقِهِ، مَعَ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّقْرِيرِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ ألِفُوا بُصْرى واليَمَنَ، يَخْتَلِفُونَ إلى هَذِهِ في الشِّتاءِ وإلى تِلْكَ في الصَّيْفِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لَهم رِحْلَتانِ: الصَّيْفُ إلى الشّامِ والشِّتاءُ إلى اليَمَنِ في التِّجارَةِ، إذا كانَ الشِّتاءُ امْتَنَعَ الشّامُ مِنهم لِمَكانِ البَرْدِ. وكانَتْ رِحْلَتُهم في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ. والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. واللّامُ في قَوْلِ ﴿لإيلافِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] أيْ: فَلْيَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ. ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ. والبَيْتُ هو الكَعْبَةُ المُشَرَّفَةُ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ أيْ جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَ الرِّحْلَتَيْنِ فَـ (مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأطْعَمَهم لِإزالَةِ الجُوعِ عَنْهم أوْ بَدَلِيَّةٌ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] أيْ: مِمّا يَخافُ مِنهُ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الحَرَمِ مِنَ الغاراتِ والحُرُوبِ والقِتالِ والأُمُورِ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ يَخافُ بَعْضُها بَعْضًا؛ فَأمِنُوا مِن ذَلِكَ لِمَكانِ الحَرَمِ وقَرَأ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]
(p-٦٢٧١)تَنْبِيهٌ:
زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ اللّامَ في "لِإيلافِ" مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قالَ الشِّهابُ: وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ، والمَعْنى: أهْلَكَهم ولَمْ يُسَلِّطْ عَلى أهْلِ حَرَمِهِ لِيَبْقَوْا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، أوْ أهْلَكَ مَن قَصَدَهم لِيَعْتَبِرَ النّاسُ ولا يَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، فَيَتِمُّ لَهُمُ الأمْنُ في الإقامَةِ والسَّفَرِ. أوْ هي لامُ العاقِبَةِ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في رَدِّهِ: وأمّا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ مَن حَكَيْنا قَوْلَهُ أنَّهُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] فَإنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ "لِإيلافِ" بَعْضَ "ألَمْ تَرَ"، وأنْ لا تَكُونَ سُورَةً مُنْفَصِلَةً مِن "ألَمْ تَرَ"؛ وفي إجْماعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُما سُورَتانِ تامَّتانِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرى، ما يُبَيِّنُ عَنْ فَسادِ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ مَن قالَ ذَلِكَ. ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] لَمْ تَكُنْ "ألَمْ تَرَ" تامَّةً حَتّى تُوصَلَ بِقَوْلِهِ: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ"، لِأنَّ الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِانْقِضاءِ الخَبَرِ الَّذِي ذُكِرَ. انْتَهى.
قريش 106:3
(p-٦٢٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
(p-٦٢٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]
﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] قالَ ابْنُ هِشامٍ: إيلافِ قُرَيْشٍ إلْفُهُمُ الخُرُوجَ إلى الشّامِ في تِجارَتِهِمْ. وكانَتْ لَهم خَرْجَتانِ: خَرْجَةٌ في الشِّتاءِ وخَرْجَةٌ في الصَّيْفِ. قالَ: أخْبَرَنِي أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ألِفْتُ الشَّيْءَ إلْفًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا، في مَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَنِي لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلَ إدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُّحى في لَوْنِها يَتَوَضَّحُ
والإيلافُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ألْفٌ مِنَ الإبِلِ أوِ البَقَرِ أوِ الغَنَمِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ويُقالُ: آلَفَ فُلانٌ إيلافًا، قالَ الكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
؎بِعامٍ يَقُولُ لَهُ المُؤْلِفُو ∗∗∗ نَ هَذا المُعِيمُ لَنا المُرْجِلُ
(p-٦٢٧٠)والمُعِيمُ العامُ الَّذِي قَلَّ فِيهِ اللَّبَنُ. والإيلافُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ القَوْمُ ألْفًا يُقالُ: آلَفَ القَوْمُ إيلافًا. قالَ الكُمَيْتُ:
؎وآلُ مُزَيْقِياءَ غَداةَ لاقَوْا ∗∗∗ بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ مُؤْلِفِينا
والإيلافُ أيْضًا أنْ يُؤْلِفَ الشَّيْءَ فَيَأْلَفُهُ ويَلْزَمُهُ، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيّاهُ إيلافًا. والإيلافُ أيْضًا أنْ تُصَيِّرَ ما دُونَ الألْفِ ألْفًا، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيلافًا. انْتَهى. ولِوُرُودِ الإيلافِ بِهَذِهِ المَعانِي، ظَهَرَ سِرُّ إبْدالِهِ بِالمُقَيَّدِ مِنهُ بَعْدَ إطْلاقِهِ، مَعَ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّقْرِيرِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ ألِفُوا بُصْرى واليَمَنَ، يَخْتَلِفُونَ إلى هَذِهِ في الشِّتاءِ وإلى تِلْكَ في الصَّيْفِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لَهم رِحْلَتانِ: الصَّيْفُ إلى الشّامِ والشِّتاءُ إلى اليَمَنِ في التِّجارَةِ، إذا كانَ الشِّتاءُ امْتَنَعَ الشّامُ مِنهم لِمَكانِ البَرْدِ. وكانَتْ رِحْلَتُهم في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ. والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. واللّامُ في قَوْلِ ﴿لإيلافِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] أيْ: فَلْيَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ. ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ. والبَيْتُ هو الكَعْبَةُ المُشَرَّفَةُ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ أيْ جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَ الرِّحْلَتَيْنِ فَـ (مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأطْعَمَهم لِإزالَةِ الجُوعِ عَنْهم أوْ بَدَلِيَّةٌ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] أيْ: مِمّا يَخافُ مِنهُ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الحَرَمِ مِنَ الغاراتِ والحُرُوبِ والقِتالِ والأُمُورِ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ يَخافُ بَعْضُها بَعْضًا؛ فَأمِنُوا مِن ذَلِكَ لِمَكانِ الحَرَمِ وقَرَأ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]
(p-٦٢٧١)تَنْبِيهٌ:
زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ اللّامَ في "لِإيلافِ" مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قالَ الشِّهابُ: وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ، والمَعْنى: أهْلَكَهم ولَمْ يُسَلِّطْ عَلى أهْلِ حَرَمِهِ لِيَبْقَوْا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، أوْ أهْلَكَ مَن قَصَدَهم لِيَعْتَبِرَ النّاسُ ولا يَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، فَيَتِمُّ لَهُمُ الأمْنُ في الإقامَةِ والسَّفَرِ. أوْ هي لامُ العاقِبَةِ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في رَدِّهِ: وأمّا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ مَن حَكَيْنا قَوْلَهُ أنَّهُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] فَإنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ "لِإيلافِ" بَعْضَ "ألَمْ تَرَ"، وأنْ لا تَكُونَ سُورَةً مُنْفَصِلَةً مِن "ألَمْ تَرَ"؛ وفي إجْماعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُما سُورَتانِ تامَّتانِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرى، ما يُبَيِّنُ عَنْ فَسادِ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ مَن قالَ ذَلِكَ. ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] لَمْ تَكُنْ "ألَمْ تَرَ" تامَّةً حَتّى تُوصَلَ بِقَوْلِهِ: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ"، لِأنَّ الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِانْقِضاءِ الخَبَرِ الَّذِي ذُكِرَ. انْتَهى.
قريش 106:4
(p-٦٢٦٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
(p-٦٢٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]
﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] قالَ ابْنُ هِشامٍ: إيلافِ قُرَيْشٍ إلْفُهُمُ الخُرُوجَ إلى الشّامِ في تِجارَتِهِمْ. وكانَتْ لَهم خَرْجَتانِ: خَرْجَةٌ في الشِّتاءِ وخَرْجَةٌ في الصَّيْفِ. قالَ: أخْبَرَنِي أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ألِفْتُ الشَّيْءَ إلْفًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا، في مَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَنِي لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلَ إدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُّحى في لَوْنِها يَتَوَضَّحُ
والإيلافُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ألْفٌ مِنَ الإبِلِ أوِ البَقَرِ أوِ الغَنَمِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ويُقالُ: آلَفَ فُلانٌ إيلافًا، قالَ الكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
؎بِعامٍ يَقُولُ لَهُ المُؤْلِفُو ∗∗∗ نَ هَذا المُعِيمُ لَنا المُرْجِلُ
(p-٦٢٧٠)والمُعِيمُ العامُ الَّذِي قَلَّ فِيهِ اللَّبَنُ. والإيلافُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ القَوْمُ ألْفًا يُقالُ: آلَفَ القَوْمُ إيلافًا. قالَ الكُمَيْتُ:
؎وآلُ مُزَيْقِياءَ غَداةَ لاقَوْا ∗∗∗ بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ مُؤْلِفِينا
والإيلافُ أيْضًا أنْ يُؤْلِفَ الشَّيْءَ فَيَأْلَفُهُ ويَلْزَمُهُ، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيّاهُ إيلافًا. والإيلافُ أيْضًا أنْ تُصَيِّرَ ما دُونَ الألْفِ ألْفًا، يُقالُ: آلَفْتُهُ إيلافًا. انْتَهى. ولِوُرُودِ الإيلافِ بِهَذِهِ المَعانِي، ظَهَرَ سِرُّ إبْدالِهِ بِالمُقَيَّدِ مِنهُ بَعْدَ إطْلاقِهِ، مَعَ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّقْرِيرِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ ألِفُوا بُصْرى واليَمَنَ، يَخْتَلِفُونَ إلى هَذِهِ في الشِّتاءِ وإلى تِلْكَ في الصَّيْفِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لَهم رِحْلَتانِ: الصَّيْفُ إلى الشّامِ والشِّتاءُ إلى اليَمَنِ في التِّجارَةِ، إذا كانَ الشِّتاءُ امْتَنَعَ الشّامُ مِنهم لِمَكانِ البَرْدِ. وكانَتْ رِحْلَتُهم في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ. والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. واللّامُ في قَوْلِ ﴿لإيلافِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] أيْ: فَلْيَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ. ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ. والبَيْتُ هو الكَعْبَةُ المُشَرَّفَةُ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ أيْ جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَ الرِّحْلَتَيْنِ فَـ (مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأطْعَمَهم لِإزالَةِ الجُوعِ عَنْهم أوْ بَدَلِيَّةٌ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] أيْ: مِمّا يَخافُ مِنهُ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الحَرَمِ مِنَ الغاراتِ والحُرُوبِ والقِتالِ والأُمُورِ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ يَخافُ بَعْضُها بَعْضًا؛ فَأمِنُوا مِن ذَلِكَ لِمَكانِ الحَرَمِ وقَرَأ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]
(p-٦٢٧١)تَنْبِيهٌ:
زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ اللّامَ في "لِإيلافِ" مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قالَ الشِّهابُ: وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ، والمَعْنى: أهْلَكَهم ولَمْ يُسَلِّطْ عَلى أهْلِ حَرَمِهِ لِيَبْقَوْا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، أوْ أهْلَكَ مَن قَصَدَهم لِيَعْتَبِرَ النّاسُ ولا يَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، فَيَتِمُّ لَهُمُ الأمْنُ في الإقامَةِ والسَّفَرِ. أوْ هي لامُ العاقِبَةِ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في رَدِّهِ: وأمّا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ مَن حَكَيْنا قَوْلَهُ أنَّهُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] فَإنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ "لِإيلافِ" بَعْضَ "ألَمْ تَرَ"، وأنْ لا تَكُونَ سُورَةً مُنْفَصِلَةً مِن "ألَمْ تَرَ"؛ وفي إجْماعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُما سُورَتانِ تامَّتانِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرى، ما يُبَيِّنُ عَنْ فَسادِ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ مَن قالَ ذَلِكَ. ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] لَمْ تَكُنْ "ألَمْ تَرَ" تامَّةً حَتّى تُوصَلَ بِقَوْلِهِ: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ"، لِأنَّ الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِانْقِضاءِ الخَبَرِ الَّذِي ذُكِرَ. انْتَهى.
الماعون 107:1
(p-٦٢٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الماعُونِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها سَبْعٌ.
(p-٦٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٧ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيْ: بِثَوابِ اللَّهِ وعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ عاقِلٍ. والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، عَلى أنَّ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، أنْ لَمْ تَعْرِفْهُ أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا. يُقالُ: دَفَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ: دَفَعْتُ عَنْهُ وظَلَمْتُهُ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] أيْ: لا يَحُثُّ غَيْرَهُ مِن ذَوِي اليَسارِ عَلى إطْعامِ المُحْتاجِ وسَدِّ خُلَّتِهِ، بَلْ يَبْخَلُ بِسَعْيِهِ عِنْدَ الأغْنِياءِ لِإغاثَةِ البُؤَساءِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ -كَما قالَهُ الرّاغِبُ- فَهو ظاهِرٌ، وإلّا فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: بَذْلُ طَعامِ المِسْكِينِ. واخْتِيارُهُ عَلى الإطْعامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ (p-٦٢٧٤)كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الِامْتِنانِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهِ عَلى ما يُذْكَرُ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ عِلْمُ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ، فَما أشَدَّهُ مِن كَلامٍ! وما أخْوَفَهُ مِن مَقامٍ! وما أبْلَغَهُ في التَّحْذِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وإنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها عَلى ضَعْفِ الإيمانِ ورَخاوَةِ عَقْدِ اليَقِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لاهُونَ يَتَغافَلُونَ عَنْها وذَلِكَ بِاللَّهْوِ عَنْها والتَّشاغُلِ بِغَيْرِها، وتَضْيِيعِها أحْيانًا وتَضْيِيعِ وقْتِها أُخْرى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَوَيْلٌ لَهُمْ، أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَثِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ الَّذِي إنْ صَلَّوْا غَفَلُوا عَنْ صَلاتِهِمْ لِاحْتِجابِهِمْ عَنْ حَقِيقَتِها بِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ حُضُورِهِمْ. و(المُصَلِّينَ) مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أشْرَفَ أفْعالِهِمْ وصُوَرَ حَسَناتِهِمْ سَيِّئاتٌ وذُنُوبٌ، لِعَدَمِ ما هي بِهِ مُعْتَبِرَةٌ مِنَ الحُضُورِ والإخْلاصِ، وأُورِدَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِي يَكْذِبُ هو الجِنْسُ.
﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] أيْ: يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ رَغْبَةً في ثَوابٍ، ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما يُصَلُّونَها لِيَراهُمُ المُؤْمِنُونَ فَيَظُنُّوهم مِنهم فَيَكُفُّوا عَنْهم. وأصْلُ المُراءاةِ أنْ تَرى غَيْرَكَ ويَراكَ، أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ عِنْدَ النّاسِ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ، أوْضَحَهُ الشِّهابُ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] أيْ: ما يُعانُ بِهِ الخَلْقُ ويُصْرَفُ في مَعُونَتِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأمْتِعَةِ وكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، لِكَوْنِ الجَهْلِ حاكِمًا عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْثارِ بِالمَنافِعِ وحِرْمانِهِمْ عَنِ النَّظَرِ التَّوْحِيدِيِّ (p-٦٢٧٥)وعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ بِالجَزاءِ؛ فَلا مَحَبَّةَ لَهم لِلْحَقِّ لِلرُّكُونِ إلى العالَمِ الفانِي، ولا عَدالَةَ في أنْفُسِهِمْ لِلِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ والبُعْدِ عَنِ الفَضائِلِ، فَلا يُعاوِنُونَ أحَدًا فَلَنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، قالَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهٌ:
المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآياتِ أوَّلًا وبِالذّاتِ المُنافِقُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ويَدْخُلُ فِيها ثانِيًا وبِالعَرْضِ كُلُّ مَن وُجِدَ فِيهِمْ تِلْكَ الخِلالُ الذَّمِيمَةُ اعْتِبارًا بِالعُمُومِ؛ فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ونَظِيرُها في المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا حَضَرُوا، ويَتْرُكُونَها إذا غابُوا، ويَمْنَعُونَهُمُ العارِيَةَ بُغْضًا لَهُمْ، وهو الماعُونُ.
الماعون 107:2
(p-٦٢٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الماعُونِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها سَبْعٌ.
(p-٦٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٧ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيْ: بِثَوابِ اللَّهِ وعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ عاقِلٍ. والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، عَلى أنَّ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، أنْ لَمْ تَعْرِفْهُ أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا. يُقالُ: دَفَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ: دَفَعْتُ عَنْهُ وظَلَمْتُهُ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] أيْ: لا يَحُثُّ غَيْرَهُ مِن ذَوِي اليَسارِ عَلى إطْعامِ المُحْتاجِ وسَدِّ خُلَّتِهِ، بَلْ يَبْخَلُ بِسَعْيِهِ عِنْدَ الأغْنِياءِ لِإغاثَةِ البُؤَساءِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ -كَما قالَهُ الرّاغِبُ- فَهو ظاهِرٌ، وإلّا فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: بَذْلُ طَعامِ المِسْكِينِ. واخْتِيارُهُ عَلى الإطْعامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ (p-٦٢٧٤)كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الِامْتِنانِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهِ عَلى ما يُذْكَرُ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ عِلْمُ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ، فَما أشَدَّهُ مِن كَلامٍ! وما أخْوَفَهُ مِن مَقامٍ! وما أبْلَغَهُ في التَّحْذِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وإنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها عَلى ضَعْفِ الإيمانِ ورَخاوَةِ عَقْدِ اليَقِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لاهُونَ يَتَغافَلُونَ عَنْها وذَلِكَ بِاللَّهْوِ عَنْها والتَّشاغُلِ بِغَيْرِها، وتَضْيِيعِها أحْيانًا وتَضْيِيعِ وقْتِها أُخْرى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَوَيْلٌ لَهُمْ، أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَثِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ الَّذِي إنْ صَلَّوْا غَفَلُوا عَنْ صَلاتِهِمْ لِاحْتِجابِهِمْ عَنْ حَقِيقَتِها بِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ حُضُورِهِمْ. و(المُصَلِّينَ) مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أشْرَفَ أفْعالِهِمْ وصُوَرَ حَسَناتِهِمْ سَيِّئاتٌ وذُنُوبٌ، لِعَدَمِ ما هي بِهِ مُعْتَبِرَةٌ مِنَ الحُضُورِ والإخْلاصِ، وأُورِدَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِي يَكْذِبُ هو الجِنْسُ.
﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] أيْ: يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ رَغْبَةً في ثَوابٍ، ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما يُصَلُّونَها لِيَراهُمُ المُؤْمِنُونَ فَيَظُنُّوهم مِنهم فَيَكُفُّوا عَنْهم. وأصْلُ المُراءاةِ أنْ تَرى غَيْرَكَ ويَراكَ، أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ عِنْدَ النّاسِ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ، أوْضَحَهُ الشِّهابُ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] أيْ: ما يُعانُ بِهِ الخَلْقُ ويُصْرَفُ في مَعُونَتِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأمْتِعَةِ وكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، لِكَوْنِ الجَهْلِ حاكِمًا عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْثارِ بِالمَنافِعِ وحِرْمانِهِمْ عَنِ النَّظَرِ التَّوْحِيدِيِّ (p-٦٢٧٥)وعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ بِالجَزاءِ؛ فَلا مَحَبَّةَ لَهم لِلْحَقِّ لِلرُّكُونِ إلى العالَمِ الفانِي، ولا عَدالَةَ في أنْفُسِهِمْ لِلِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ والبُعْدِ عَنِ الفَضائِلِ، فَلا يُعاوِنُونَ أحَدًا فَلَنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، قالَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهٌ:
المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآياتِ أوَّلًا وبِالذّاتِ المُنافِقُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ويَدْخُلُ فِيها ثانِيًا وبِالعَرْضِ كُلُّ مَن وُجِدَ فِيهِمْ تِلْكَ الخِلالُ الذَّمِيمَةُ اعْتِبارًا بِالعُمُومِ؛ فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ونَظِيرُها في المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا حَضَرُوا، ويَتْرُكُونَها إذا غابُوا، ويَمْنَعُونَهُمُ العارِيَةَ بُغْضًا لَهُمْ، وهو الماعُونُ.
الماعون 107:3
(p-٦٢٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الماعُونِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها سَبْعٌ.
(p-٦٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٧ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيْ: بِثَوابِ اللَّهِ وعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ عاقِلٍ. والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، عَلى أنَّ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، أنْ لَمْ تَعْرِفْهُ أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا. يُقالُ: دَفَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ: دَفَعْتُ عَنْهُ وظَلَمْتُهُ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] أيْ: لا يَحُثُّ غَيْرَهُ مِن ذَوِي اليَسارِ عَلى إطْعامِ المُحْتاجِ وسَدِّ خُلَّتِهِ، بَلْ يَبْخَلُ بِسَعْيِهِ عِنْدَ الأغْنِياءِ لِإغاثَةِ البُؤَساءِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ -كَما قالَهُ الرّاغِبُ- فَهو ظاهِرٌ، وإلّا فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: بَذْلُ طَعامِ المِسْكِينِ. واخْتِيارُهُ عَلى الإطْعامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ (p-٦٢٧٤)كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الِامْتِنانِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهِ عَلى ما يُذْكَرُ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ عِلْمُ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ، فَما أشَدَّهُ مِن كَلامٍ! وما أخْوَفَهُ مِن مَقامٍ! وما أبْلَغَهُ في التَّحْذِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وإنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها عَلى ضَعْفِ الإيمانِ ورَخاوَةِ عَقْدِ اليَقِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لاهُونَ يَتَغافَلُونَ عَنْها وذَلِكَ بِاللَّهْوِ عَنْها والتَّشاغُلِ بِغَيْرِها، وتَضْيِيعِها أحْيانًا وتَضْيِيعِ وقْتِها أُخْرى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَوَيْلٌ لَهُمْ، أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَثِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ الَّذِي إنْ صَلَّوْا غَفَلُوا عَنْ صَلاتِهِمْ لِاحْتِجابِهِمْ عَنْ حَقِيقَتِها بِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ حُضُورِهِمْ. و(المُصَلِّينَ) مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أشْرَفَ أفْعالِهِمْ وصُوَرَ حَسَناتِهِمْ سَيِّئاتٌ وذُنُوبٌ، لِعَدَمِ ما هي بِهِ مُعْتَبِرَةٌ مِنَ الحُضُورِ والإخْلاصِ، وأُورِدَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِي يَكْذِبُ هو الجِنْسُ.
﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] أيْ: يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ رَغْبَةً في ثَوابٍ، ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما يُصَلُّونَها لِيَراهُمُ المُؤْمِنُونَ فَيَظُنُّوهم مِنهم فَيَكُفُّوا عَنْهم. وأصْلُ المُراءاةِ أنْ تَرى غَيْرَكَ ويَراكَ، أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ عِنْدَ النّاسِ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ، أوْضَحَهُ الشِّهابُ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] أيْ: ما يُعانُ بِهِ الخَلْقُ ويُصْرَفُ في مَعُونَتِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأمْتِعَةِ وكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، لِكَوْنِ الجَهْلِ حاكِمًا عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْثارِ بِالمَنافِعِ وحِرْمانِهِمْ عَنِ النَّظَرِ التَّوْحِيدِيِّ (p-٦٢٧٥)وعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ بِالجَزاءِ؛ فَلا مَحَبَّةَ لَهم لِلْحَقِّ لِلرُّكُونِ إلى العالَمِ الفانِي، ولا عَدالَةَ في أنْفُسِهِمْ لِلِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ والبُعْدِ عَنِ الفَضائِلِ، فَلا يُعاوِنُونَ أحَدًا فَلَنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، قالَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهٌ:
المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآياتِ أوَّلًا وبِالذّاتِ المُنافِقُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ويَدْخُلُ فِيها ثانِيًا وبِالعَرْضِ كُلُّ مَن وُجِدَ فِيهِمْ تِلْكَ الخِلالُ الذَّمِيمَةُ اعْتِبارًا بِالعُمُومِ؛ فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ونَظِيرُها في المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا حَضَرُوا، ويَتْرُكُونَها إذا غابُوا، ويَمْنَعُونَهُمُ العارِيَةَ بُغْضًا لَهُمْ، وهو الماعُونُ.
الماعون 107:4
(p-٦٢٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الماعُونِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها سَبْعٌ.
(p-٦٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٧ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيْ: بِثَوابِ اللَّهِ وعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ عاقِلٍ. والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، عَلى أنَّ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، أنْ لَمْ تَعْرِفْهُ أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا. يُقالُ: دَفَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ: دَفَعْتُ عَنْهُ وظَلَمْتُهُ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] أيْ: لا يَحُثُّ غَيْرَهُ مِن ذَوِي اليَسارِ عَلى إطْعامِ المُحْتاجِ وسَدِّ خُلَّتِهِ، بَلْ يَبْخَلُ بِسَعْيِهِ عِنْدَ الأغْنِياءِ لِإغاثَةِ البُؤَساءِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ -كَما قالَهُ الرّاغِبُ- فَهو ظاهِرٌ، وإلّا فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: بَذْلُ طَعامِ المِسْكِينِ. واخْتِيارُهُ عَلى الإطْعامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ (p-٦٢٧٤)كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الِامْتِنانِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهِ عَلى ما يُذْكَرُ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ عِلْمُ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ، فَما أشَدَّهُ مِن كَلامٍ! وما أخْوَفَهُ مِن مَقامٍ! وما أبْلَغَهُ في التَّحْذِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وإنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها عَلى ضَعْفِ الإيمانِ ورَخاوَةِ عَقْدِ اليَقِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لاهُونَ يَتَغافَلُونَ عَنْها وذَلِكَ بِاللَّهْوِ عَنْها والتَّشاغُلِ بِغَيْرِها، وتَضْيِيعِها أحْيانًا وتَضْيِيعِ وقْتِها أُخْرى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَوَيْلٌ لَهُمْ، أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَثِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ الَّذِي إنْ صَلَّوْا غَفَلُوا عَنْ صَلاتِهِمْ لِاحْتِجابِهِمْ عَنْ حَقِيقَتِها بِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ حُضُورِهِمْ. و(المُصَلِّينَ) مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أشْرَفَ أفْعالِهِمْ وصُوَرَ حَسَناتِهِمْ سَيِّئاتٌ وذُنُوبٌ، لِعَدَمِ ما هي بِهِ مُعْتَبِرَةٌ مِنَ الحُضُورِ والإخْلاصِ، وأُورِدَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِي يَكْذِبُ هو الجِنْسُ.
﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] أيْ: يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ رَغْبَةً في ثَوابٍ، ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما يُصَلُّونَها لِيَراهُمُ المُؤْمِنُونَ فَيَظُنُّوهم مِنهم فَيَكُفُّوا عَنْهم. وأصْلُ المُراءاةِ أنْ تَرى غَيْرَكَ ويَراكَ، أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ عِنْدَ النّاسِ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ، أوْضَحَهُ الشِّهابُ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] أيْ: ما يُعانُ بِهِ الخَلْقُ ويُصْرَفُ في مَعُونَتِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأمْتِعَةِ وكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، لِكَوْنِ الجَهْلِ حاكِمًا عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْثارِ بِالمَنافِعِ وحِرْمانِهِمْ عَنِ النَّظَرِ التَّوْحِيدِيِّ (p-٦٢٧٥)وعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ بِالجَزاءِ؛ فَلا مَحَبَّةَ لَهم لِلْحَقِّ لِلرُّكُونِ إلى العالَمِ الفانِي، ولا عَدالَةَ في أنْفُسِهِمْ لِلِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ والبُعْدِ عَنِ الفَضائِلِ، فَلا يُعاوِنُونَ أحَدًا فَلَنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، قالَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهٌ:
المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآياتِ أوَّلًا وبِالذّاتِ المُنافِقُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ويَدْخُلُ فِيها ثانِيًا وبِالعَرْضِ كُلُّ مَن وُجِدَ فِيهِمْ تِلْكَ الخِلالُ الذَّمِيمَةُ اعْتِبارًا بِالعُمُومِ؛ فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ونَظِيرُها في المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا حَضَرُوا، ويَتْرُكُونَها إذا غابُوا، ويَمْنَعُونَهُمُ العارِيَةَ بُغْضًا لَهُمْ، وهو الماعُونُ.
الماعون 107:5
(p-٦٢٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الماعُونِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها سَبْعٌ.
(p-٦٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٧ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيْ: بِثَوابِ اللَّهِ وعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ عاقِلٍ. والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، عَلى أنَّ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، أنْ لَمْ تَعْرِفْهُ أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا. يُقالُ: دَفَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ: دَفَعْتُ عَنْهُ وظَلَمْتُهُ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] أيْ: لا يَحُثُّ غَيْرَهُ مِن ذَوِي اليَسارِ عَلى إطْعامِ المُحْتاجِ وسَدِّ خُلَّتِهِ، بَلْ يَبْخَلُ بِسَعْيِهِ عِنْدَ الأغْنِياءِ لِإغاثَةِ البُؤَساءِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ -كَما قالَهُ الرّاغِبُ- فَهو ظاهِرٌ، وإلّا فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: بَذْلُ طَعامِ المِسْكِينِ. واخْتِيارُهُ عَلى الإطْعامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ (p-٦٢٧٤)كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الِامْتِنانِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهِ عَلى ما يُذْكَرُ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ عِلْمُ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ، فَما أشَدَّهُ مِن كَلامٍ! وما أخْوَفَهُ مِن مَقامٍ! وما أبْلَغَهُ في التَّحْذِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وإنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها عَلى ضَعْفِ الإيمانِ ورَخاوَةِ عَقْدِ اليَقِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لاهُونَ يَتَغافَلُونَ عَنْها وذَلِكَ بِاللَّهْوِ عَنْها والتَّشاغُلِ بِغَيْرِها، وتَضْيِيعِها أحْيانًا وتَضْيِيعِ وقْتِها أُخْرى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَوَيْلٌ لَهُمْ، أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَثِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ الَّذِي إنْ صَلَّوْا غَفَلُوا عَنْ صَلاتِهِمْ لِاحْتِجابِهِمْ عَنْ حَقِيقَتِها بِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ حُضُورِهِمْ. و(المُصَلِّينَ) مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أشْرَفَ أفْعالِهِمْ وصُوَرَ حَسَناتِهِمْ سَيِّئاتٌ وذُنُوبٌ، لِعَدَمِ ما هي بِهِ مُعْتَبِرَةٌ مِنَ الحُضُورِ والإخْلاصِ، وأُورِدَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِي يَكْذِبُ هو الجِنْسُ.
﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] أيْ: يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ رَغْبَةً في ثَوابٍ، ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما يُصَلُّونَها لِيَراهُمُ المُؤْمِنُونَ فَيَظُنُّوهم مِنهم فَيَكُفُّوا عَنْهم. وأصْلُ المُراءاةِ أنْ تَرى غَيْرَكَ ويَراكَ، أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ عِنْدَ النّاسِ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ، أوْضَحَهُ الشِّهابُ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] أيْ: ما يُعانُ بِهِ الخَلْقُ ويُصْرَفُ في مَعُونَتِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأمْتِعَةِ وكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، لِكَوْنِ الجَهْلِ حاكِمًا عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْثارِ بِالمَنافِعِ وحِرْمانِهِمْ عَنِ النَّظَرِ التَّوْحِيدِيِّ (p-٦٢٧٥)وعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ بِالجَزاءِ؛ فَلا مَحَبَّةَ لَهم لِلْحَقِّ لِلرُّكُونِ إلى العالَمِ الفانِي، ولا عَدالَةَ في أنْفُسِهِمْ لِلِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ والبُعْدِ عَنِ الفَضائِلِ، فَلا يُعاوِنُونَ أحَدًا فَلَنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، قالَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهٌ:
المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآياتِ أوَّلًا وبِالذّاتِ المُنافِقُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ويَدْخُلُ فِيها ثانِيًا وبِالعَرْضِ كُلُّ مَن وُجِدَ فِيهِمْ تِلْكَ الخِلالُ الذَّمِيمَةُ اعْتِبارًا بِالعُمُومِ؛ فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ونَظِيرُها في المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا حَضَرُوا، ويَتْرُكُونَها إذا غابُوا، ويَمْنَعُونَهُمُ العارِيَةَ بُغْضًا لَهُمْ، وهو الماعُونُ.
الماعون 107:6
(p-٦٢٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الماعُونِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها سَبْعٌ.
(p-٦٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٧ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيْ: بِثَوابِ اللَّهِ وعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ عاقِلٍ. والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، عَلى أنَّ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، أنْ لَمْ تَعْرِفْهُ أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا. يُقالُ: دَفَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ: دَفَعْتُ عَنْهُ وظَلَمْتُهُ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] أيْ: لا يَحُثُّ غَيْرَهُ مِن ذَوِي اليَسارِ عَلى إطْعامِ المُحْتاجِ وسَدِّ خُلَّتِهِ، بَلْ يَبْخَلُ بِسَعْيِهِ عِنْدَ الأغْنِياءِ لِإغاثَةِ البُؤَساءِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ -كَما قالَهُ الرّاغِبُ- فَهو ظاهِرٌ، وإلّا فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: بَذْلُ طَعامِ المِسْكِينِ. واخْتِيارُهُ عَلى الإطْعامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ (p-٦٢٧٤)كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الِامْتِنانِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهِ عَلى ما يُذْكَرُ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ عِلْمُ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ، فَما أشَدَّهُ مِن كَلامٍ! وما أخْوَفَهُ مِن مَقامٍ! وما أبْلَغَهُ في التَّحْذِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وإنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها عَلى ضَعْفِ الإيمانِ ورَخاوَةِ عَقْدِ اليَقِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لاهُونَ يَتَغافَلُونَ عَنْها وذَلِكَ بِاللَّهْوِ عَنْها والتَّشاغُلِ بِغَيْرِها، وتَضْيِيعِها أحْيانًا وتَضْيِيعِ وقْتِها أُخْرى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَوَيْلٌ لَهُمْ، أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَثِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ الَّذِي إنْ صَلَّوْا غَفَلُوا عَنْ صَلاتِهِمْ لِاحْتِجابِهِمْ عَنْ حَقِيقَتِها بِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ حُضُورِهِمْ. و(المُصَلِّينَ) مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أشْرَفَ أفْعالِهِمْ وصُوَرَ حَسَناتِهِمْ سَيِّئاتٌ وذُنُوبٌ، لِعَدَمِ ما هي بِهِ مُعْتَبِرَةٌ مِنَ الحُضُورِ والإخْلاصِ، وأُورِدَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِي يَكْذِبُ هو الجِنْسُ.
﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] أيْ: يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ رَغْبَةً في ثَوابٍ، ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما يُصَلُّونَها لِيَراهُمُ المُؤْمِنُونَ فَيَظُنُّوهم مِنهم فَيَكُفُّوا عَنْهم. وأصْلُ المُراءاةِ أنْ تَرى غَيْرَكَ ويَراكَ، أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ عِنْدَ النّاسِ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ، أوْضَحَهُ الشِّهابُ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] أيْ: ما يُعانُ بِهِ الخَلْقُ ويُصْرَفُ في مَعُونَتِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأمْتِعَةِ وكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، لِكَوْنِ الجَهْلِ حاكِمًا عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْثارِ بِالمَنافِعِ وحِرْمانِهِمْ عَنِ النَّظَرِ التَّوْحِيدِيِّ (p-٦٢٧٥)وعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ بِالجَزاءِ؛ فَلا مَحَبَّةَ لَهم لِلْحَقِّ لِلرُّكُونِ إلى العالَمِ الفانِي، ولا عَدالَةَ في أنْفُسِهِمْ لِلِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ والبُعْدِ عَنِ الفَضائِلِ، فَلا يُعاوِنُونَ أحَدًا فَلَنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، قالَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهٌ:
المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآياتِ أوَّلًا وبِالذّاتِ المُنافِقُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ويَدْخُلُ فِيها ثانِيًا وبِالعَرْضِ كُلُّ مَن وُجِدَ فِيهِمْ تِلْكَ الخِلالُ الذَّمِيمَةُ اعْتِبارًا بِالعُمُومِ؛ فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ونَظِيرُها في المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا حَضَرُوا، ويَتْرُكُونَها إذا غابُوا، ويَمْنَعُونَهُمُ العارِيَةَ بُغْضًا لَهُمْ، وهو الماعُونُ.
الماعون 107:7
(p-٦٢٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الماعُونِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها سَبْعٌ.
(p-٦٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٧ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيْ: بِثَوابِ اللَّهِ وعِقابِهِ، فَلا يُطِيعُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ مَن سِيقَ لَهُ الكَلامُ والتَّعْجِيبُ مِنهُ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ عاقِلٍ. والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى العِلْمِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، عَلى أنَّ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ، أنْ لَمْ تَعْرِفْهُ أوْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو الَّذِي يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا. يُقالُ: دَفَعْتُ فُلانًا عَنْ حَقِّهِ: دَفَعْتُ عَنْهُ وظَلَمْتُهُ.
﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] أيْ: لا يَحُثُّ غَيْرَهُ مِن ذَوِي اليَسارِ عَلى إطْعامِ المُحْتاجِ وسَدِّ خُلَّتِهِ، بَلْ يَبْخَلُ بِسَعْيِهِ عِنْدَ الأغْنِياءِ لِإغاثَةِ البُؤَساءِ.
قالَ الشِّهابُ: إنْ كانَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ -كَما قالَهُ الرّاغِبُ- فَهو ظاهِرٌ، وإلّا فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: بَذْلُ طَعامِ المِسْكِينِ. واخْتِيارُهُ عَلى الإطْعامِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ (p-٦٢٧٤)كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الِامْتِنانِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإذا كانَ حالُ مَن تَرَكَ حَثَّ غَيْرِهِ عَلى ما يُذْكَرُ، فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ عِلْمُ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ، يَعْنِي أنَّهُ لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ، فَما أشَدَّهُ مِن كَلامٍ! وما أخْوَفَهُ مِن مَقامٍ! وما أبْلَغَهُ في التَّحْذِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وإنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها عَلى ضَعْفِ الإيمانِ ورَخاوَةِ عَقْدِ اليَقِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لاهُونَ يَتَغافَلُونَ عَنْها وذَلِكَ بِاللَّهْوِ عَنْها والتَّشاغُلِ بِغَيْرِها، وتَضْيِيعِها أحْيانًا وتَضْيِيعِ وقْتِها أُخْرى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَوَيْلٌ لَهُمْ، أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَثِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ الَّذِي إنْ صَلَّوْا غَفَلُوا عَنْ صَلاتِهِمْ لِاحْتِجابِهِمْ عَنْ حَقِيقَتِها بِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ حُضُورِهِمْ. و(المُصَلِّينَ) مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أشْرَفَ أفْعالِهِمْ وصُوَرَ حَسَناتِهِمْ سَيِّئاتٌ وذُنُوبٌ، لِعَدَمِ ما هي بِهِ مُعْتَبِرَةٌ مِنَ الحُضُورِ والإخْلاصِ، وأُورِدَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِي يَكْذِبُ هو الجِنْسُ.
﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ [الماعون: ٦] أيْ: يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ رَغْبَةً في ثَوابٍ، ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما يُصَلُّونَها لِيَراهُمُ المُؤْمِنُونَ فَيَظُنُّوهم مِنهم فَيَكُفُّوا عَنْهم. وأصْلُ المُراءاةِ أنْ تَرى غَيْرَكَ ويَراكَ، أُرِيدَ بِهِ العَمَلُ عِنْدَ النّاسِ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ، أوْضَحَهُ الشِّهابُ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] أيْ: ما يُعانُ بِهِ الخَلْقُ ويُصْرَفُ في مَعُونَتِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأمْتِعَةِ وكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، لِكَوْنِ الجَهْلِ حاكِمًا عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْثارِ بِالمَنافِعِ وحِرْمانِهِمْ عَنِ النَّظَرِ التَّوْحِيدِيِّ (p-٦٢٧٥)وعَدَمِ اعْتِقادِهِمْ بِالجَزاءِ؛ فَلا مَحَبَّةَ لَهم لِلْحَقِّ لِلرُّكُونِ إلى العالَمِ الفانِي، ولا عَدالَةَ في أنْفُسِهِمْ لِلِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ والبُعْدِ عَنِ الفَضائِلِ، فَلا يُعاوِنُونَ أحَدًا فَلَنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، قالَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهٌ:
المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآياتِ أوَّلًا وبِالذّاتِ المُنافِقُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ويَدْخُلُ فِيها ثانِيًا وبِالعَرْضِ كُلُّ مَن وُجِدَ فِيهِمْ تِلْكَ الخِلالُ الذَّمِيمَةُ اعْتِبارًا بِالعُمُومِ؛ فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ونَظِيرُها في المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يُراؤُونَ النّاسَ بِصَلاتِهِمْ إذا حَضَرُوا، ويَتْرُكُونَها إذا غابُوا، ويَمْنَعُونَهُمُ العارِيَةَ بُغْضًا لَهُمْ، وهو الماعُونُ.
الكوثر 108:1
(p-٦٢٧٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَوْثَرِ
مَكِّيَّةٌ، ويُقالُ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثٌ.
(p-٦٢٧٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيِ: الخَيْرَ الكَثِيرَ مِنَ القُرْآنِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ والدِّينِ الحَقِّ والهُدى وما فِيهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الكَوْثَرِ، فَقالَ: هو الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: إنّا كُنّا نَسْمَعُ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ؟ فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قالَ الإمامُ: أيْ: فاجْعَلْ صَلاتَكَ لِرَبِّكَ وحْدَهُ، وانْحَرْ ذَبِيحَتَكَ مِمّا هو نُسُكٌ لَكَ لِلَّهِ وحْدَهُ، فَإنَّهُ هو مُرَبِّيكَ ومُسْبِغٌ نِعَمَهُ عَلَيْكَ دُونَ سِواهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مُبْغِضُكَ يا مُحَمَّدُ، وعَدُوُّكَ هو الأبْتَرُ، يَعْنِي الأقَلَّ الأذَلَّ المُنْقَطِعَ دابِرُهُ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ.
رَوى ابْنُ إسْحاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ قالَ: «كانَ العاصُ بْنُ وائِلٍ إذا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (دَعُوهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ. فَإذا هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ)؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ».
(p-٦٢٧٨)وعَنْ عَطاءٍ قالَ: «نَزَلَتْ في أبِي لَهَبٍ، وذَلِكَ حِينَ ماتَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ أبُو لَهَبٍ إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ اللَّيْلَةَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ السُّورَةَ». وقالَ شَمِرُ بْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، مِمَّنْ ذُكِرَ وغَيْرِهِمْ.
وقالَ الإمامُ: كانَ المُسْتَهْزِئُونَ مِن قُرَيْشٍ كالعاصِ بْنِ وائِلٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأبِي لَهَبٍ وأمْثالِهِمْ، إذا رَأوْا أبْناءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمُوتُونَ، يَقُولُونَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، أيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُ ذِكْرٌ في أوْلادِهِ مِن بَعْدِهِ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيْبًا يَلْمِزُونَهُ بِهِ ويُنَفِّرُونَ بِهِ النّاسَ مِن أتْباعِهِ، وكانُوا إذا رَأوْا ضَعْفَ المُسْلِمِينَ وفَقْرَهم وقِلَّتَهم يَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ ويُهَوِّنُونَ أمْرَهُمْ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ مَغْمَزًا في الدِّينِ، ويَأْخُذُونَ القِلَّةَ والضَّعْفَ دَلِيلًا عَلى أنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِحَقٍّ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَنَشَأ مَعَ الغِنى والقُوَّةِ شَأْنُ السُّفَهاءِ مَعَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ أوْ مَكانٍ غَلَبَ فِيهِ الجَهْلُ. وكانَ المُنافِقُونَ إذا رَأوْا ما فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الشِّدَّةِ والبَأْساءِ يُمَنُّونَ أنْفُسَهم بِغَلَبَةِ إخْوانِهِمُ القُدَماءِ مِنَ الجاحِدِينَ، ويَنْتَظِرُونَ السُّوءَ بِالمُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وخُلُوِّ أيْدِيهِمْ مِنَ المالِ. وكانَ الضُّعَفاءُ مِن حَدِيثِي العَهْدِ بِالإسْلامِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، تَمُرُّ بِنُفُوسِهِمْ خَواطِرُ السُّوءِ عِنْدَما تَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَلْقاتُ الضِّيقِ؛ فَأرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُمَحِّصَ مِن نُفُوسِ هَؤُلاءِ، ويُبَكِّتَ الآخَرِينَ، لِيُؤَكِّدَ لَهُ الوَعْدَ بِأنَّهُ هو الفائِزُ وأنَّ مُتَّبِعَهُ هو الظّافِرُ، وإنَّ عَدُوَّهُ هو الخائِبُ الأبْتَرُ الَّذِي يُمْحى ذِكْرُهُ ويُعْفى أثَرُهُ.
تَنْبِيهٌ:
لَمّا رُوِيَ مِن سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا رَوَيْناهُ، ذَهَبَ إمامُ اللُّغَةِ ابْنُ جِنِّي إلى تَأْوِيلِ الكَوْثَرِ بِالذُّرِّيَّةِ الكَثِيرَةِ، وهو مَعْنًى بَدِيعٌ فِيهِ مُناسَبَةٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ.
قالَ ابْنُ جِنِّي في (شَرْحِ دِيوانِ المُتَنَبِّي ) في قَوْلِهِ يَمْدَحُ طاهِرَ بْنَ الحُسَيْنِ العَلَوِيَّ:
؎وأبْهَرُ آياتِ التِّهامِيِّ أنَّهُ أبُوكَ وأجْدى ما لَكَمَ مِن مَناقِبَ
(p-٦٢٧٩)وفِي جُمْلَةِ ما أمْلاهُ عَلِيٌّ أبُو الفَضْلِ العَرُوضِيُّ: «أنَّ قُرَيْشًا وأعْداءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، فَإذا ماتَ اسْتَرَحْنا مِنهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾» أيِ: العَدَدَ الكَثِيرَ، ولَسْتَ الأبْتَرَ الَّذِي قالُوهُ. ومُرادُهُ بِالعَدَدِ الكَثِيرِ الذُّرِّيَّةُ وهو أوْلادُ فاطِمَةَ. قالَ العَرُوضِيُّ: فَإنْ قِيلَ: الإنْسانُ بِالأبْناءِ والآباءِ والأُمَّهاتِ. قُلْنا: هَذا خِلافُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، ولا خِلافَ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعِيسى أبٌ. انْتَهى.
وقَدْ بَسَطْنا أدِلَّةَ انْتِسابِ الأسْباطِ إلى أجْدادِهِمْ في كِتابِ (شَرَفُ الأسْباطِ) بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَراجِعْهُ.
الكوثر 108:2
(p-٦٢٧٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَوْثَرِ
مَكِّيَّةٌ، ويُقالُ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثٌ.
(p-٦٢٧٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيِ: الخَيْرَ الكَثِيرَ مِنَ القُرْآنِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ والدِّينِ الحَقِّ والهُدى وما فِيهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الكَوْثَرِ، فَقالَ: هو الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: إنّا كُنّا نَسْمَعُ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ؟ فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قالَ الإمامُ: أيْ: فاجْعَلْ صَلاتَكَ لِرَبِّكَ وحْدَهُ، وانْحَرْ ذَبِيحَتَكَ مِمّا هو نُسُكٌ لَكَ لِلَّهِ وحْدَهُ، فَإنَّهُ هو مُرَبِّيكَ ومُسْبِغٌ نِعَمَهُ عَلَيْكَ دُونَ سِواهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مُبْغِضُكَ يا مُحَمَّدُ، وعَدُوُّكَ هو الأبْتَرُ، يَعْنِي الأقَلَّ الأذَلَّ المُنْقَطِعَ دابِرُهُ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ.
رَوى ابْنُ إسْحاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ قالَ: «كانَ العاصُ بْنُ وائِلٍ إذا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (دَعُوهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ. فَإذا هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ)؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ».
(p-٦٢٧٨)وعَنْ عَطاءٍ قالَ: «نَزَلَتْ في أبِي لَهَبٍ، وذَلِكَ حِينَ ماتَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ أبُو لَهَبٍ إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ اللَّيْلَةَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ السُّورَةَ». وقالَ شَمِرُ بْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، مِمَّنْ ذُكِرَ وغَيْرِهِمْ.
وقالَ الإمامُ: كانَ المُسْتَهْزِئُونَ مِن قُرَيْشٍ كالعاصِ بْنِ وائِلٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأبِي لَهَبٍ وأمْثالِهِمْ، إذا رَأوْا أبْناءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمُوتُونَ، يَقُولُونَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، أيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُ ذِكْرٌ في أوْلادِهِ مِن بَعْدِهِ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيْبًا يَلْمِزُونَهُ بِهِ ويُنَفِّرُونَ بِهِ النّاسَ مِن أتْباعِهِ، وكانُوا إذا رَأوْا ضَعْفَ المُسْلِمِينَ وفَقْرَهم وقِلَّتَهم يَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ ويُهَوِّنُونَ أمْرَهُمْ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ مَغْمَزًا في الدِّينِ، ويَأْخُذُونَ القِلَّةَ والضَّعْفَ دَلِيلًا عَلى أنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِحَقٍّ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَنَشَأ مَعَ الغِنى والقُوَّةِ شَأْنُ السُّفَهاءِ مَعَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ أوْ مَكانٍ غَلَبَ فِيهِ الجَهْلُ. وكانَ المُنافِقُونَ إذا رَأوْا ما فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الشِّدَّةِ والبَأْساءِ يُمَنُّونَ أنْفُسَهم بِغَلَبَةِ إخْوانِهِمُ القُدَماءِ مِنَ الجاحِدِينَ، ويَنْتَظِرُونَ السُّوءَ بِالمُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وخُلُوِّ أيْدِيهِمْ مِنَ المالِ. وكانَ الضُّعَفاءُ مِن حَدِيثِي العَهْدِ بِالإسْلامِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، تَمُرُّ بِنُفُوسِهِمْ خَواطِرُ السُّوءِ عِنْدَما تَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَلْقاتُ الضِّيقِ؛ فَأرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُمَحِّصَ مِن نُفُوسِ هَؤُلاءِ، ويُبَكِّتَ الآخَرِينَ، لِيُؤَكِّدَ لَهُ الوَعْدَ بِأنَّهُ هو الفائِزُ وأنَّ مُتَّبِعَهُ هو الظّافِرُ، وإنَّ عَدُوَّهُ هو الخائِبُ الأبْتَرُ الَّذِي يُمْحى ذِكْرُهُ ويُعْفى أثَرُهُ.
تَنْبِيهٌ:
لَمّا رُوِيَ مِن سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا رَوَيْناهُ، ذَهَبَ إمامُ اللُّغَةِ ابْنُ جِنِّي إلى تَأْوِيلِ الكَوْثَرِ بِالذُّرِّيَّةِ الكَثِيرَةِ، وهو مَعْنًى بَدِيعٌ فِيهِ مُناسَبَةٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ.
قالَ ابْنُ جِنِّي في (شَرْحِ دِيوانِ المُتَنَبِّي ) في قَوْلِهِ يَمْدَحُ طاهِرَ بْنَ الحُسَيْنِ العَلَوِيَّ:
؎وأبْهَرُ آياتِ التِّهامِيِّ أنَّهُ أبُوكَ وأجْدى ما لَكَمَ مِن مَناقِبَ
(p-٦٢٧٩)وفِي جُمْلَةِ ما أمْلاهُ عَلِيٌّ أبُو الفَضْلِ العَرُوضِيُّ: «أنَّ قُرَيْشًا وأعْداءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، فَإذا ماتَ اسْتَرَحْنا مِنهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾» أيِ: العَدَدَ الكَثِيرَ، ولَسْتَ الأبْتَرَ الَّذِي قالُوهُ. ومُرادُهُ بِالعَدَدِ الكَثِيرِ الذُّرِّيَّةُ وهو أوْلادُ فاطِمَةَ. قالَ العَرُوضِيُّ: فَإنْ قِيلَ: الإنْسانُ بِالأبْناءِ والآباءِ والأُمَّهاتِ. قُلْنا: هَذا خِلافُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، ولا خِلافَ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعِيسى أبٌ. انْتَهى.
وقَدْ بَسَطْنا أدِلَّةَ انْتِسابِ الأسْباطِ إلى أجْدادِهِمْ في كِتابِ (شَرَفُ الأسْباطِ) بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَراجِعْهُ.
الكوثر 108:3
(p-٦٢٧٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَوْثَرِ
مَكِّيَّةٌ، ويُقالُ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثٌ.
(p-٦٢٧٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيِ: الخَيْرَ الكَثِيرَ مِنَ القُرْآنِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ والدِّينِ الحَقِّ والهُدى وما فِيهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الكَوْثَرِ، فَقالَ: هو الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: إنّا كُنّا نَسْمَعُ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ؟ فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قالَ الإمامُ: أيْ: فاجْعَلْ صَلاتَكَ لِرَبِّكَ وحْدَهُ، وانْحَرْ ذَبِيحَتَكَ مِمّا هو نُسُكٌ لَكَ لِلَّهِ وحْدَهُ، فَإنَّهُ هو مُرَبِّيكَ ومُسْبِغٌ نِعَمَهُ عَلَيْكَ دُونَ سِواهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مُبْغِضُكَ يا مُحَمَّدُ، وعَدُوُّكَ هو الأبْتَرُ، يَعْنِي الأقَلَّ الأذَلَّ المُنْقَطِعَ دابِرُهُ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ.
رَوى ابْنُ إسْحاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ قالَ: «كانَ العاصُ بْنُ وائِلٍ إذا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (دَعُوهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ. فَإذا هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ)؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ».
(p-٦٢٧٨)وعَنْ عَطاءٍ قالَ: «نَزَلَتْ في أبِي لَهَبٍ، وذَلِكَ حِينَ ماتَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ أبُو لَهَبٍ إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ اللَّيْلَةَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ السُّورَةَ». وقالَ شَمِرُ بْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، مِمَّنْ ذُكِرَ وغَيْرِهِمْ.
وقالَ الإمامُ: كانَ المُسْتَهْزِئُونَ مِن قُرَيْشٍ كالعاصِ بْنِ وائِلٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأبِي لَهَبٍ وأمْثالِهِمْ، إذا رَأوْا أبْناءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمُوتُونَ، يَقُولُونَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، أيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُ ذِكْرٌ في أوْلادِهِ مِن بَعْدِهِ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيْبًا يَلْمِزُونَهُ بِهِ ويُنَفِّرُونَ بِهِ النّاسَ مِن أتْباعِهِ، وكانُوا إذا رَأوْا ضَعْفَ المُسْلِمِينَ وفَقْرَهم وقِلَّتَهم يَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ ويُهَوِّنُونَ أمْرَهُمْ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ مَغْمَزًا في الدِّينِ، ويَأْخُذُونَ القِلَّةَ والضَّعْفَ دَلِيلًا عَلى أنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِحَقٍّ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَنَشَأ مَعَ الغِنى والقُوَّةِ شَأْنُ السُّفَهاءِ مَعَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ أوْ مَكانٍ غَلَبَ فِيهِ الجَهْلُ. وكانَ المُنافِقُونَ إذا رَأوْا ما فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الشِّدَّةِ والبَأْساءِ يُمَنُّونَ أنْفُسَهم بِغَلَبَةِ إخْوانِهِمُ القُدَماءِ مِنَ الجاحِدِينَ، ويَنْتَظِرُونَ السُّوءَ بِالمُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وخُلُوِّ أيْدِيهِمْ مِنَ المالِ. وكانَ الضُّعَفاءُ مِن حَدِيثِي العَهْدِ بِالإسْلامِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، تَمُرُّ بِنُفُوسِهِمْ خَواطِرُ السُّوءِ عِنْدَما تَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَلْقاتُ الضِّيقِ؛ فَأرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُمَحِّصَ مِن نُفُوسِ هَؤُلاءِ، ويُبَكِّتَ الآخَرِينَ، لِيُؤَكِّدَ لَهُ الوَعْدَ بِأنَّهُ هو الفائِزُ وأنَّ مُتَّبِعَهُ هو الظّافِرُ، وإنَّ عَدُوَّهُ هو الخائِبُ الأبْتَرُ الَّذِي يُمْحى ذِكْرُهُ ويُعْفى أثَرُهُ.
تَنْبِيهٌ:
لَمّا رُوِيَ مِن سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا رَوَيْناهُ، ذَهَبَ إمامُ اللُّغَةِ ابْنُ جِنِّي إلى تَأْوِيلِ الكَوْثَرِ بِالذُّرِّيَّةِ الكَثِيرَةِ، وهو مَعْنًى بَدِيعٌ فِيهِ مُناسَبَةٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ.
قالَ ابْنُ جِنِّي في (شَرْحِ دِيوانِ المُتَنَبِّي ) في قَوْلِهِ يَمْدَحُ طاهِرَ بْنَ الحُسَيْنِ العَلَوِيَّ:
؎وأبْهَرُ آياتِ التِّهامِيِّ أنَّهُ أبُوكَ وأجْدى ما لَكَمَ مِن مَناقِبَ
(p-٦٢٧٩)وفِي جُمْلَةِ ما أمْلاهُ عَلِيٌّ أبُو الفَضْلِ العَرُوضِيُّ: «أنَّ قُرَيْشًا وأعْداءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، فَإذا ماتَ اسْتَرَحْنا مِنهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾» أيِ: العَدَدَ الكَثِيرَ، ولَسْتَ الأبْتَرَ الَّذِي قالُوهُ. ومُرادُهُ بِالعَدَدِ الكَثِيرِ الذُّرِّيَّةُ وهو أوْلادُ فاطِمَةَ. قالَ العَرُوضِيُّ: فَإنْ قِيلَ: الإنْسانُ بِالأبْناءِ والآباءِ والأُمَّهاتِ. قُلْنا: هَذا خِلافُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ ومِن ذُرِّيَّتِهِ، ولا خِلافَ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعِيسى أبٌ. انْتَهى.
وقَدْ بَسَطْنا أدِلَّةَ انْتِسابِ الأسْباطِ إلى أجْدادِهِمْ في كِتابِ (شَرَفُ الأسْباطِ) بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَراجِعْهُ.
الكافرون 109:1
(p-٦٢٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها سِتٌّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهَذِهِ السُّورَةِ وبِ"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ».
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهِما في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ بِضْعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً أوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ"».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ الحارِثِ بْنِ جِبِلَّةَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي. قالَ: إذا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فاقْرَأْ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، فَإنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ».
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ «أنَّها تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ». قالَ في (اللُّبابِ): ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ القُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهي مِن الِاعْتِقادِ، وذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ رُبُعَ القُرْآنِ عَلى هَذا التَّقْسِيمِ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الإخْلاصِ سِرٌّ آخَرُ.
(p-٦٢٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٦ ] ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ الجاحِدُونَ لِلْحَقِّ، الَّذِي وضَحَتْ حُجَّتُهُ واتَّضَحَتْ مَحَجَّتُهُ.
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] أيْ: مِنَ الآلِهَةِ والأوْثانِ الآنَ.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] أيِ: الآنَ.
﴿ولا أنا عابِدٌ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما مَضى.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما تَسْتَقْبِلُونَ أبَدًا ﴿ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيِ: الآنَ وفِيما أسْتَقْبِلُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الخِطابَ مِنَ اللَّهِ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أشْخاصٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وسَبَقَ لَهم ذَلِكَ في السّابِقِ مِن عِلْمِهِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُؤَيِّسَهم مِنَ الَّذِينَ طَمِعُوا فِيهِ وحَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم. وإنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ كائِنٌ مِنهُ ولا مِنهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وآيَسَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَعَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، ومِن أنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، فَكانُوا كَذَلِكَ لَمْ يُفْلِحُوا ولَمْ يَنْجَحُوا، إلى أنْ قُتِلَ بَعْضُهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، وهَلَكَ بَعْضٌ قَبْلَ ذَلِكَ كافِرًا. ثُمَّ رَوى رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينا قالَ: لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ (p-٦٢٨٢)والعاصُ بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! هَلُمَّ، فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، ونُشْرِكُكَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا، كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا في يَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وخُذْ مِنهُ بِحَظِّكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ السُّورَةَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]» انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالًا كَما أنَّ الأُولَيَيْنِ لِنَفْسِها اسْتِقْبالًا، قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ما عَبَدْتُ)؛ لِيُوافِقَ (ما عَبَدْتُمْ)؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وإيثارُ (ما) في "ما أعْبُدُ" عَلى (مَن)؛ لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي. وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى (الَّذِي)، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.
وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ثانِيًا تَأْكِيدًا لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا. انْتَهى.
ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] نَفْيُ الفِعْلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ، فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ وكَوْنَهُ قابِلًا لِذَلِكَ، ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ الإمْكانِ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
واخْتارَ الإمامُ كَوْنَ "ما" في الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً وفِيما بَعْدَها مَصْدَرِيَّةً، قالَ: فَمَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الِاخْتِلافُ التّامُّ في المَعْبُودِ، ومَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ تَمامُ الِاخْتِلافِ في العِبادَةِ، فَلا (p-٦٢٨٣)مَعْبُودُنا واحِدٌ ولا عِبادَتُنا واحِدَةٌ؛ لِأنَّ مَعْبُودِي ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والشَّفِيعِ، المُتَعالِي عَنِ الظُّهُورِ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، الباسِطُ فَضْلَهُ لِكُلِّ مَن أخْلَصَ لَهُ، الآخِذُ قَهْرَهُ بِناصِيَةِ كُلِّ مَن نابَذَ المُبَلِّغِينَ الصّادِقِينَ عَنْهُ، والَّذِي تَعْبُدُونَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِبادَتِي مُخْلِصَةٌ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِبادَتُكم مَشُوبَةٌ بِالشِّرْكِ مَصْحُوبَةٌ بِالغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا تُسَمّى عَلى الحَقِيقَةِ عِبادَةً. فَأيْنَ هي مِن عِبادَتِي؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] والمَعْنى أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا، كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينِي الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكُمْ، فَلا مُشارَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ فَوَرِثَ اليَهُودُ مِنَ النَّصارى وبِالعَكْسِ، إذا كانَ بَيْنَهُما نَسَبٌ أوْ سَبَبٌ يُتَوارَثُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ -ما عَدا الإسْلامَ- كُلَّها كالشَّيْءِ الواحِدِ في البُطْلانِ. وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومَن وافَقَهُ إلى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصارى مِنَ اليَهُودِ، وبِالعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى»» .
الكافرون 109:2
(p-٦٢٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها سِتٌّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهَذِهِ السُّورَةِ وبِ"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ».
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهِما في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ بِضْعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً أوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ"».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ الحارِثِ بْنِ جِبِلَّةَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي. قالَ: إذا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فاقْرَأْ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، فَإنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ».
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ «أنَّها تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ». قالَ في (اللُّبابِ): ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ القُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهي مِن الِاعْتِقادِ، وذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ رُبُعَ القُرْآنِ عَلى هَذا التَّقْسِيمِ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الإخْلاصِ سِرٌّ آخَرُ.
(p-٦٢٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٦ ] ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ الجاحِدُونَ لِلْحَقِّ، الَّذِي وضَحَتْ حُجَّتُهُ واتَّضَحَتْ مَحَجَّتُهُ.
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] أيْ: مِنَ الآلِهَةِ والأوْثانِ الآنَ.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] أيِ: الآنَ.
﴿ولا أنا عابِدٌ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما مَضى.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما تَسْتَقْبِلُونَ أبَدًا ﴿ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيِ: الآنَ وفِيما أسْتَقْبِلُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الخِطابَ مِنَ اللَّهِ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أشْخاصٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وسَبَقَ لَهم ذَلِكَ في السّابِقِ مِن عِلْمِهِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُؤَيِّسَهم مِنَ الَّذِينَ طَمِعُوا فِيهِ وحَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم. وإنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ كائِنٌ مِنهُ ولا مِنهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وآيَسَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَعَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، ومِن أنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، فَكانُوا كَذَلِكَ لَمْ يُفْلِحُوا ولَمْ يَنْجَحُوا، إلى أنْ قُتِلَ بَعْضُهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، وهَلَكَ بَعْضٌ قَبْلَ ذَلِكَ كافِرًا. ثُمَّ رَوى رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينا قالَ: لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ (p-٦٢٨٢)والعاصُ بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! هَلُمَّ، فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، ونُشْرِكُكَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا، كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا في يَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وخُذْ مِنهُ بِحَظِّكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ السُّورَةَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]» انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالًا كَما أنَّ الأُولَيَيْنِ لِنَفْسِها اسْتِقْبالًا، قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ما عَبَدْتُ)؛ لِيُوافِقَ (ما عَبَدْتُمْ)؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وإيثارُ (ما) في "ما أعْبُدُ" عَلى (مَن)؛ لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي. وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى (الَّذِي)، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.
وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ثانِيًا تَأْكِيدًا لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا. انْتَهى.
ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] نَفْيُ الفِعْلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ، فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ وكَوْنَهُ قابِلًا لِذَلِكَ، ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ الإمْكانِ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
واخْتارَ الإمامُ كَوْنَ "ما" في الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً وفِيما بَعْدَها مَصْدَرِيَّةً، قالَ: فَمَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الِاخْتِلافُ التّامُّ في المَعْبُودِ، ومَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ تَمامُ الِاخْتِلافِ في العِبادَةِ، فَلا (p-٦٢٨٣)مَعْبُودُنا واحِدٌ ولا عِبادَتُنا واحِدَةٌ؛ لِأنَّ مَعْبُودِي ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والشَّفِيعِ، المُتَعالِي عَنِ الظُّهُورِ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، الباسِطُ فَضْلَهُ لِكُلِّ مَن أخْلَصَ لَهُ، الآخِذُ قَهْرَهُ بِناصِيَةِ كُلِّ مَن نابَذَ المُبَلِّغِينَ الصّادِقِينَ عَنْهُ، والَّذِي تَعْبُدُونَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِبادَتِي مُخْلِصَةٌ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِبادَتُكم مَشُوبَةٌ بِالشِّرْكِ مَصْحُوبَةٌ بِالغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا تُسَمّى عَلى الحَقِيقَةِ عِبادَةً. فَأيْنَ هي مِن عِبادَتِي؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] والمَعْنى أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا، كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينِي الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكُمْ، فَلا مُشارَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ فَوَرِثَ اليَهُودُ مِنَ النَّصارى وبِالعَكْسِ، إذا كانَ بَيْنَهُما نَسَبٌ أوْ سَبَبٌ يُتَوارَثُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ -ما عَدا الإسْلامَ- كُلَّها كالشَّيْءِ الواحِدِ في البُطْلانِ. وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومَن وافَقَهُ إلى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصارى مِنَ اليَهُودِ، وبِالعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى»» .
الكافرون 109:3
(p-٦٢٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها سِتٌّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهَذِهِ السُّورَةِ وبِ"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ».
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهِما في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ بِضْعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً أوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ"».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ الحارِثِ بْنِ جِبِلَّةَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي. قالَ: إذا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فاقْرَأْ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، فَإنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ».
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ «أنَّها تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ». قالَ في (اللُّبابِ): ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ القُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهي مِن الِاعْتِقادِ، وذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ رُبُعَ القُرْآنِ عَلى هَذا التَّقْسِيمِ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الإخْلاصِ سِرٌّ آخَرُ.
(p-٦٢٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٦ ] ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ الجاحِدُونَ لِلْحَقِّ، الَّذِي وضَحَتْ حُجَّتُهُ واتَّضَحَتْ مَحَجَّتُهُ.
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] أيْ: مِنَ الآلِهَةِ والأوْثانِ الآنَ.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] أيِ: الآنَ.
﴿ولا أنا عابِدٌ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما مَضى.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما تَسْتَقْبِلُونَ أبَدًا ﴿ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيِ: الآنَ وفِيما أسْتَقْبِلُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الخِطابَ مِنَ اللَّهِ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أشْخاصٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وسَبَقَ لَهم ذَلِكَ في السّابِقِ مِن عِلْمِهِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُؤَيِّسَهم مِنَ الَّذِينَ طَمِعُوا فِيهِ وحَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم. وإنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ كائِنٌ مِنهُ ولا مِنهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وآيَسَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَعَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، ومِن أنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، فَكانُوا كَذَلِكَ لَمْ يُفْلِحُوا ولَمْ يَنْجَحُوا، إلى أنْ قُتِلَ بَعْضُهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، وهَلَكَ بَعْضٌ قَبْلَ ذَلِكَ كافِرًا. ثُمَّ رَوى رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينا قالَ: لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ (p-٦٢٨٢)والعاصُ بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! هَلُمَّ، فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، ونُشْرِكُكَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا، كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا في يَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وخُذْ مِنهُ بِحَظِّكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ السُّورَةَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]» انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالًا كَما أنَّ الأُولَيَيْنِ لِنَفْسِها اسْتِقْبالًا، قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ما عَبَدْتُ)؛ لِيُوافِقَ (ما عَبَدْتُمْ)؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وإيثارُ (ما) في "ما أعْبُدُ" عَلى (مَن)؛ لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي. وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى (الَّذِي)، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.
وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ثانِيًا تَأْكِيدًا لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا. انْتَهى.
ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] نَفْيُ الفِعْلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ، فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ وكَوْنَهُ قابِلًا لِذَلِكَ، ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ الإمْكانِ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
واخْتارَ الإمامُ كَوْنَ "ما" في الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً وفِيما بَعْدَها مَصْدَرِيَّةً، قالَ: فَمَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الِاخْتِلافُ التّامُّ في المَعْبُودِ، ومَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ تَمامُ الِاخْتِلافِ في العِبادَةِ، فَلا (p-٦٢٨٣)مَعْبُودُنا واحِدٌ ولا عِبادَتُنا واحِدَةٌ؛ لِأنَّ مَعْبُودِي ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والشَّفِيعِ، المُتَعالِي عَنِ الظُّهُورِ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، الباسِطُ فَضْلَهُ لِكُلِّ مَن أخْلَصَ لَهُ، الآخِذُ قَهْرَهُ بِناصِيَةِ كُلِّ مَن نابَذَ المُبَلِّغِينَ الصّادِقِينَ عَنْهُ، والَّذِي تَعْبُدُونَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِبادَتِي مُخْلِصَةٌ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِبادَتُكم مَشُوبَةٌ بِالشِّرْكِ مَصْحُوبَةٌ بِالغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا تُسَمّى عَلى الحَقِيقَةِ عِبادَةً. فَأيْنَ هي مِن عِبادَتِي؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] والمَعْنى أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا، كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينِي الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكُمْ، فَلا مُشارَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ فَوَرِثَ اليَهُودُ مِنَ النَّصارى وبِالعَكْسِ، إذا كانَ بَيْنَهُما نَسَبٌ أوْ سَبَبٌ يُتَوارَثُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ -ما عَدا الإسْلامَ- كُلَّها كالشَّيْءِ الواحِدِ في البُطْلانِ. وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومَن وافَقَهُ إلى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصارى مِنَ اليَهُودِ، وبِالعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى»» .
الكافرون 109:4
(p-٦٢٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها سِتٌّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهَذِهِ السُّورَةِ وبِ"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ».
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهِما في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ بِضْعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً أوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ"».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ الحارِثِ بْنِ جِبِلَّةَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي. قالَ: إذا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فاقْرَأْ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، فَإنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ».
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ «أنَّها تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ». قالَ في (اللُّبابِ): ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ القُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهي مِن الِاعْتِقادِ، وذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ رُبُعَ القُرْآنِ عَلى هَذا التَّقْسِيمِ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الإخْلاصِ سِرٌّ آخَرُ.
(p-٦٢٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٦ ] ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ الجاحِدُونَ لِلْحَقِّ، الَّذِي وضَحَتْ حُجَّتُهُ واتَّضَحَتْ مَحَجَّتُهُ.
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] أيْ: مِنَ الآلِهَةِ والأوْثانِ الآنَ.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] أيِ: الآنَ.
﴿ولا أنا عابِدٌ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما مَضى.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما تَسْتَقْبِلُونَ أبَدًا ﴿ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيِ: الآنَ وفِيما أسْتَقْبِلُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الخِطابَ مِنَ اللَّهِ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أشْخاصٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وسَبَقَ لَهم ذَلِكَ في السّابِقِ مِن عِلْمِهِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُؤَيِّسَهم مِنَ الَّذِينَ طَمِعُوا فِيهِ وحَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم. وإنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ كائِنٌ مِنهُ ولا مِنهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وآيَسَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَعَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، ومِن أنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، فَكانُوا كَذَلِكَ لَمْ يُفْلِحُوا ولَمْ يَنْجَحُوا، إلى أنْ قُتِلَ بَعْضُهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، وهَلَكَ بَعْضٌ قَبْلَ ذَلِكَ كافِرًا. ثُمَّ رَوى رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينا قالَ: لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ (p-٦٢٨٢)والعاصُ بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! هَلُمَّ، فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، ونُشْرِكُكَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا، كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا في يَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وخُذْ مِنهُ بِحَظِّكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ السُّورَةَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]» انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالًا كَما أنَّ الأُولَيَيْنِ لِنَفْسِها اسْتِقْبالًا، قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ما عَبَدْتُ)؛ لِيُوافِقَ (ما عَبَدْتُمْ)؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وإيثارُ (ما) في "ما أعْبُدُ" عَلى (مَن)؛ لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي. وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى (الَّذِي)، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.
وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ثانِيًا تَأْكِيدًا لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا. انْتَهى.
ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] نَفْيُ الفِعْلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ، فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ وكَوْنَهُ قابِلًا لِذَلِكَ، ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ الإمْكانِ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
واخْتارَ الإمامُ كَوْنَ "ما" في الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً وفِيما بَعْدَها مَصْدَرِيَّةً، قالَ: فَمَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الِاخْتِلافُ التّامُّ في المَعْبُودِ، ومَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ تَمامُ الِاخْتِلافِ في العِبادَةِ، فَلا (p-٦٢٨٣)مَعْبُودُنا واحِدٌ ولا عِبادَتُنا واحِدَةٌ؛ لِأنَّ مَعْبُودِي ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والشَّفِيعِ، المُتَعالِي عَنِ الظُّهُورِ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، الباسِطُ فَضْلَهُ لِكُلِّ مَن أخْلَصَ لَهُ، الآخِذُ قَهْرَهُ بِناصِيَةِ كُلِّ مَن نابَذَ المُبَلِّغِينَ الصّادِقِينَ عَنْهُ، والَّذِي تَعْبُدُونَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِبادَتِي مُخْلِصَةٌ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِبادَتُكم مَشُوبَةٌ بِالشِّرْكِ مَصْحُوبَةٌ بِالغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا تُسَمّى عَلى الحَقِيقَةِ عِبادَةً. فَأيْنَ هي مِن عِبادَتِي؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] والمَعْنى أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا، كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينِي الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكُمْ، فَلا مُشارَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ فَوَرِثَ اليَهُودُ مِنَ النَّصارى وبِالعَكْسِ، إذا كانَ بَيْنَهُما نَسَبٌ أوْ سَبَبٌ يُتَوارَثُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ -ما عَدا الإسْلامَ- كُلَّها كالشَّيْءِ الواحِدِ في البُطْلانِ. وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومَن وافَقَهُ إلى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصارى مِنَ اليَهُودِ، وبِالعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى»» .
الكافرون 109:5
(p-٦٢٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها سِتٌّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهَذِهِ السُّورَةِ وبِ"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ».
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهِما في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ بِضْعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً أوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ"».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ الحارِثِ بْنِ جِبِلَّةَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي. قالَ: إذا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فاقْرَأْ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، فَإنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ».
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ «أنَّها تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ». قالَ في (اللُّبابِ): ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ القُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهي مِن الِاعْتِقادِ، وذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ رُبُعَ القُرْآنِ عَلى هَذا التَّقْسِيمِ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الإخْلاصِ سِرٌّ آخَرُ.
(p-٦٢٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٦ ] ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ الجاحِدُونَ لِلْحَقِّ، الَّذِي وضَحَتْ حُجَّتُهُ واتَّضَحَتْ مَحَجَّتُهُ.
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] أيْ: مِنَ الآلِهَةِ والأوْثانِ الآنَ.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] أيِ: الآنَ.
﴿ولا أنا عابِدٌ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما مَضى.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما تَسْتَقْبِلُونَ أبَدًا ﴿ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيِ: الآنَ وفِيما أسْتَقْبِلُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الخِطابَ مِنَ اللَّهِ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أشْخاصٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وسَبَقَ لَهم ذَلِكَ في السّابِقِ مِن عِلْمِهِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُؤَيِّسَهم مِنَ الَّذِينَ طَمِعُوا فِيهِ وحَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم. وإنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ كائِنٌ مِنهُ ولا مِنهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وآيَسَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَعَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، ومِن أنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، فَكانُوا كَذَلِكَ لَمْ يُفْلِحُوا ولَمْ يَنْجَحُوا، إلى أنْ قُتِلَ بَعْضُهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، وهَلَكَ بَعْضٌ قَبْلَ ذَلِكَ كافِرًا. ثُمَّ رَوى رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينا قالَ: لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ (p-٦٢٨٢)والعاصُ بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! هَلُمَّ، فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، ونُشْرِكُكَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا، كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا في يَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وخُذْ مِنهُ بِحَظِّكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ السُّورَةَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]» انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالًا كَما أنَّ الأُولَيَيْنِ لِنَفْسِها اسْتِقْبالًا، قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ما عَبَدْتُ)؛ لِيُوافِقَ (ما عَبَدْتُمْ)؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وإيثارُ (ما) في "ما أعْبُدُ" عَلى (مَن)؛ لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي. وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى (الَّذِي)، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.
وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ثانِيًا تَأْكِيدًا لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا. انْتَهى.
ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] نَفْيُ الفِعْلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ، فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ وكَوْنَهُ قابِلًا لِذَلِكَ، ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ الإمْكانِ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
واخْتارَ الإمامُ كَوْنَ "ما" في الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً وفِيما بَعْدَها مَصْدَرِيَّةً، قالَ: فَمَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الِاخْتِلافُ التّامُّ في المَعْبُودِ، ومَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ تَمامُ الِاخْتِلافِ في العِبادَةِ، فَلا (p-٦٢٨٣)مَعْبُودُنا واحِدٌ ولا عِبادَتُنا واحِدَةٌ؛ لِأنَّ مَعْبُودِي ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والشَّفِيعِ، المُتَعالِي عَنِ الظُّهُورِ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، الباسِطُ فَضْلَهُ لِكُلِّ مَن أخْلَصَ لَهُ، الآخِذُ قَهْرَهُ بِناصِيَةِ كُلِّ مَن نابَذَ المُبَلِّغِينَ الصّادِقِينَ عَنْهُ، والَّذِي تَعْبُدُونَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِبادَتِي مُخْلِصَةٌ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِبادَتُكم مَشُوبَةٌ بِالشِّرْكِ مَصْحُوبَةٌ بِالغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا تُسَمّى عَلى الحَقِيقَةِ عِبادَةً. فَأيْنَ هي مِن عِبادَتِي؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] والمَعْنى أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا، كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينِي الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكُمْ، فَلا مُشارَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ فَوَرِثَ اليَهُودُ مِنَ النَّصارى وبِالعَكْسِ، إذا كانَ بَيْنَهُما نَسَبٌ أوْ سَبَبٌ يُتَوارَثُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ -ما عَدا الإسْلامَ- كُلَّها كالشَّيْءِ الواحِدِ في البُطْلانِ. وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومَن وافَقَهُ إلى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصارى مِنَ اليَهُودِ، وبِالعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى»» .
الكافرون 109:6
(p-٦٢٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها سِتٌّ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهَذِهِ السُّورَةِ وبِ"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ».
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِهِما في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ بِضْعًا وعِشْرِينَ مَرَّةً أوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ"».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنِ الحارِثِ بْنِ جِبِلَّةَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي. قالَ: إذا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فاقْرَأْ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، فَإنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ».
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ «أنَّها تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ». قالَ في (اللُّبابِ): ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ القُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهي مِن الِاعْتِقادِ، وذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ رُبُعَ القُرْآنِ عَلى هَذا التَّقْسِيمِ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الإخْلاصِ سِرٌّ آخَرُ.
(p-٦٢٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٦ ] ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ الجاحِدُونَ لِلْحَقِّ، الَّذِي وضَحَتْ حُجَّتُهُ واتَّضَحَتْ مَحَجَّتُهُ.
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] أيْ: مِنَ الآلِهَةِ والأوْثانِ الآنَ.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] أيِ: الآنَ.
﴿ولا أنا عابِدٌ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيْ: فِيما مَضى.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما تَسْتَقْبِلُونَ أبَدًا ﴿ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] أيْ: فِيما أسْتَقْبِلُ ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] أيِ: الآنَ وفِيما أسْتَقْبِلُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الخِطابَ مِنَ اللَّهِ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أشْخاصٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وسَبَقَ لَهم ذَلِكَ في السّابِقِ مِن عِلْمِهِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُؤَيِّسَهم مِنَ الَّذِينَ طَمِعُوا فِيهِ وحَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم. وإنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ كائِنٌ مِنهُ ولا مِنهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وآيَسَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَعَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، ومِن أنْ يُفْلِحُوا أبَدًا، فَكانُوا كَذَلِكَ لَمْ يُفْلِحُوا ولَمْ يَنْجَحُوا، إلى أنْ قُتِلَ بَعْضُهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، وهَلَكَ بَعْضٌ قَبْلَ ذَلِكَ كافِرًا. ثُمَّ رَوى رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينا قالَ: لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ (p-٦٢٨٢)والعاصُ بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! هَلُمَّ، فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، ونُشْرِكُكَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا، كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا في يَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وخُذْ مِنهُ بِحَظِّكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ السُّورَةَ، وفي رِوايَةٍ: وأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]» انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالًا كَما أنَّ الأُولَيَيْنِ لِنَفْسِها اسْتِقْبالًا، قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ما عَبَدْتُ)؛ لِيُوافِقَ (ما عَبَدْتُمْ)؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وإيثارُ (ما) في "ما أعْبُدُ" عَلى (مَن)؛ لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي. وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى (الَّذِي)، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.
وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ثانِيًا تَأْكِيدًا لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا. انْتَهى.
ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الإمامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] نَفْيُ الفِعْلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ، فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ وكَوْنَهُ قابِلًا لِذَلِكَ، ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ الإمْكانِ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
واخْتارَ الإمامُ كَوْنَ "ما" في الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً وفِيما بَعْدَها مَصْدَرِيَّةً، قالَ: فَمَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الِاخْتِلافُ التّامُّ في المَعْبُودِ، ومَفادُ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ تَمامُ الِاخْتِلافِ في العِبادَةِ، فَلا (p-٦٢٨٣)مَعْبُودُنا واحِدٌ ولا عِبادَتُنا واحِدَةٌ؛ لِأنَّ مَعْبُودِي ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ المُنَزَّهُ عَنِ النِّدِّ والشَّفِيعِ، المُتَعالِي عَنِ الظُّهُورِ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، الباسِطُ فَضْلَهُ لِكُلِّ مَن أخْلَصَ لَهُ، الآخِذُ قَهْرَهُ بِناصِيَةِ كُلِّ مَن نابَذَ المُبَلِّغِينَ الصّادِقِينَ عَنْهُ، والَّذِي تَعْبُدُونَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِبادَتِي مُخْلِصَةٌ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِبادَتُكم مَشُوبَةٌ بِالشِّرْكِ مَصْحُوبَةٌ بِالغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا تُسَمّى عَلى الحَقِيقَةِ عِبادَةً. فَأيْنَ هي مِن عِبادَتِي؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] والمَعْنى أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا، كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينِي الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكُمْ، فَلا مُشارَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ فَوَرِثَ اليَهُودُ مِنَ النَّصارى وبِالعَكْسِ، إذا كانَ بَيْنَهُما نَسَبٌ أوْ سَبَبٌ يُتَوارَثُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ -ما عَدا الإسْلامَ- كُلَّها كالشَّيْءِ الواحِدِ في البُطْلانِ. وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومَن وافَقَهُ إلى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصارى مِنَ اليَهُودِ، وبِالعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى»» .
النصر 110:1
(p-٦٢٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّصْرِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثٌ.
وهِيَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ، لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي».
(p-٦٢٨٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣]
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: لِدِينِهِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ "والفَتْحُ" أيْ: فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ لَهُ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ وضَعَّفَ أمْرَهم في التَّمَسُّكِ بِعَقائِدِهِمُ الباطِلَةِ.
﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] أيْ: ورَأيْتَ النّاسَ مِن صُنُوفِ العَرَبِ وقَبائِلِها عِنْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ، وهو دِينُكَ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ لِزَوالِ ذَلِكَ الغِطاءِ الَّذِي كانَ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وهو غِطاءُ قُوَّةِ الباطِلِ فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ أفْواجًا طَوائِفَ وجَماعاتٍ لا آحادًا، كَما كانَ في بَدْءِ الأمْرِ أيّامَ الشِّدَّةِ؛ إذْ حَصَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وهو لا رَيْبَ حاصِلٌ.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] أيْ: فَنَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ أنْ يُهْمِلَ الحَقَّ ويَدَعَهُ لِلْباطِلِ يَأْكُلُهُ، وعَنْ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ في تَأْيِيدِهِ، ولْيَكُنْ هَذا التَّنْزِيهُ بِواسِطَةِ حَمْدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، والحَكِيمُ الَّذِي إذا أمْهَلَ الكافِرِينَ لِيَمْتَحِنَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، فَلَنْ يُضِيعَ أجْرَ العامِلِينَ ولا يُصْلِحَ عَمَلَ المُفْسِدِينَ. والبَصِيرُ بِما في قُلُوبِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ، فَلا يَذْهَبُ عَلَيْهِ رِياءُ المُفْسِدِينَ، والبَصِيرُ بِما في قُلُوبِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ، فَلا يَذْهَبُ عَلَيْهِ رِياءُ المُرائِينَ ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] أيِ: اسْألْهُ أنْ يَغْفِرَ لَكَ ولِأصْحابِكَ ما كانَ مِنَ القَلَقِ والضَّجَرِ والحُزْنِ، لِتَأخُّرِ زَمَنِ النَّصْرِ والفَتْحِ. والِاسْتِغْفارُ إنَّما يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ الخالِصَةِ. والتَّوْبَةُ مِنَ القَلَقِ إنَّما تَكُونُ بِتَكْمِيلِ الثِّقَةِ بِوَعْدِ اللَّهِ، وتَغْلِيبِ هَذِهِ الثِّقَةِ عَلى خَواطِرِ النَّفْسِ الَّتِي تُحْدِثُها الشَّدائِدُ، وهو وإنْ كانَ مِمّا يَشُقُّ عَلى نُفُوسِ البَشَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ نَفْسَ نَبِيِّهِ ﷺ قَدْ تَبْلُغُ ذَلِكَ الكَمالَ؛ (p-٦٢٨٦)فَلِذَلِكَ أمَرَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ تُقارِبُهُ قُلُوبُ الكُمَّلِ مِن أصْحابِهِ وأتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. واللَّهُ يَتَقَبَّلُ مِنهم.
﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] أيْ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَزالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ كَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ، لِأنَّهُ رَبٌّ يُرَبِّي النُّفُوسَ بِالمِحَنِ، فَإذا وجَدَتِ الضَّعْفَ أنْهَضَها إلى طَلَبِ القُوَّةِ، وشَدَّدَ هَمَّها بِحُسْنِ الوَعْدِ، ولا يَزالُ بِها حَتّى تَبْلُغَ الكَمالَ، وهي في كُلِّ مَنزِلَةٍ تَتُوبُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وهو سُبْحانَهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَها فَهو التَّوّابُ الرَّحِيمُ. وكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إذا حَصَلَ الفَتْحُ وتَحَقَّقَ النَّصْرُ وأقْبَلَ النّاسُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، فَقَدِ ارْتَفَعَ الخَوْفُ وزالَ مُوجَبُ الحُزْنِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَسْبِيحُ اللَّهِ وشُكْرُهُ والنُّزُوعُ إلَيْهِ عَمّا كانَ مِن خَواطِرِ النَّفْسِ، فَلَنْ تَعُودَ الشِّدَّةُ تَأْخُذُ نُفُوسَ المُخْلِصِينَ ما دامُوا عَلى تِلْكَ الكَثْرَةِ في ذَلِكَ الإخْلاصِ. ومِن هَذا أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الأمْرَ قَدْ تَمَّ ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يَسِيرَ إلى رَبِّهِ، فَقالَ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: ««إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ»» . هَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ الإمامُ في تَفْسِيرِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُرادُ بِالفَتْحِ هاهُنا فَتْحُ مَكَّةَ قَوْلًا واحِدًا؛ فَإنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانَتْ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ، يَقُولُونَ: إنْ ظَهَرَ عَلى قَوْمِهِ فَهو نَبِيٌّ. فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، فَلَمْ تَمْضِ سَنَتانِ حَتّى اسْتَوْسَقَتْ جَزِيرَةُ العَرَبِ إيمانًا، ولَمْ يَبْقَ في سائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ إلّا مُظْهِرٌ لِلْإسْلامِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) «عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ: كُنّا بِماءٍ مَمَرَّ النّاسِ، وكانَ يَمُرُّ بِنا الرُّكْبانُ فَنَسْألُهُمْ: ما لِلنّاسِ؟ ما لِلنّاسِ؟ ما هَذا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهُ أوْحى إلَيْهِ، أوْ أوْحى اللَّهُ بِكَذا، فَكُنْتُ أحْفَظُ ذَلِكَ الكَلامَ وكَأنَّما يُغَزّى في صَدْرِي. وكانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ بِإسْلامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وقَوْمَهُ، فَإنَّهُ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ. فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ أهْلِ الفَتْحِ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِمْ وبَدَرَ أبِي قَوْمِي بِإسْلامِهِمُ.... الحَدِيثَ».
(p-٦٢٨٧)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إذا حَمَلْنا الفَتْحَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، فَلِلنّاسِ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ. ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سَنَةَ عَشْرٍ، ورُوِيَ أنَّهُ ««عاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبْعِينَ يَوْمًا»»؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ التَّوْدِيعِ.
ثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهو وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وأنْ يَفْتَحَها عَلَيْهِ. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ إذْ لا يُقالُ فِيما وقَعَ: "إذا جاءَ" و: إذا وقَعَ، وإذا صَحَّ القَوْلُ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ وُجِدَ مَخْبَرُهُ بَعْدَ حِينٍ مُطابِقًا لَهُ؛ والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ. انْتَهى.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): ولِأبِي يَعْلى، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، في حَجَّةِ الوَداعِ «فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ الوَداعُ»»
ثُمَّ قالَ: وسُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ الكَشّافِ: أنَّ سُورَةَ النَّصْرِ نَزَلَتْ في حِجَّةِ الوَداعِ أيّامَ التَّشْرِيقِ، فَكَيْفَ صُدِّرَتْ بِـ: (إذا) الدّالَّةُ عَلى الِاسْتِقْبالِ؟ فَأجَبْتُ بِضَعْفِ ما نَقَلَهُ. وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فالشَّرْطُ لَمْ يَتَكَمَّلْ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ النّاسِ أفْواجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ، فَبَقِيَّةُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ.
وقَدْ أوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤالَ، وأجابَ بِجَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ (إذا) قَدْ تَرِدُ بِمَعْنى (إذْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ [الجمعة: ١١] الآيَةَ.
ثانِيهُما: أنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمٌ. وفي كُلٍّ مِنَ الجَوابَيْنِ نَظَرٌ لا يَخْفى. انْتَهى كَلامُهُ.
الثّالِثُ: قالَ الشِّهابُ: المُرادُ (بِالنّاسِ) العَرَبُ. فَـ (ال) عَهْدِيَّةٌ. أوِ المُرادُ الِاسْتِغْراقُ (p-٦٢٨٨)العُرْفِيُّ والمُرادُ عَبَدَةُ الأصْنامِ مِنهُمْ؛ لِأنَّ نَصارى تَغْلِبَ لَمْ يُسْلِمُوا في حَياتِهِ ﷺ وأعْطَوُا الجِزْيَةَ.
الرّابِعُ: رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «ما صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلّا يَقُولُ فِيها: «سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»»
وفِيهِ عَنْها أيْضًا: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأوَّلُ القُرْآنَ».
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مَعْنى (يَتَأوَّلُ القُرْآنَ)، يَجْعَلُ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والِاسْتِغْفارِ، في أشْرَفِ الأوْقاتِ والأحْوالِ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الهُدى) كَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] «لِأنَّهُ كانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفارَ في خَواتِمِ الأُمُورِ؛ فَيَقُولُ إذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ: «أسْتَغْفِرُ اللَّهَ» ثَلاثًا». «وإذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قالَ: «غُفْرانَكَ»» ووَرَدَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ عِنْدَ انْقِضاءِ المَناسِكِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩] الآيَةَ.
النصر 110:2
(p-٦٢٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّصْرِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثٌ.
وهِيَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ، لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي».
(p-٦٢٨٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣]
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: لِدِينِهِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ "والفَتْحُ" أيْ: فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ لَهُ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ وضَعَّفَ أمْرَهم في التَّمَسُّكِ بِعَقائِدِهِمُ الباطِلَةِ.
﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] أيْ: ورَأيْتَ النّاسَ مِن صُنُوفِ العَرَبِ وقَبائِلِها عِنْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ، وهو دِينُكَ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ لِزَوالِ ذَلِكَ الغِطاءِ الَّذِي كانَ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وهو غِطاءُ قُوَّةِ الباطِلِ فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ أفْواجًا طَوائِفَ وجَماعاتٍ لا آحادًا، كَما كانَ في بَدْءِ الأمْرِ أيّامَ الشِّدَّةِ؛ إذْ حَصَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وهو لا رَيْبَ حاصِلٌ.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] أيْ: فَنَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ أنْ يُهْمِلَ الحَقَّ ويَدَعَهُ لِلْباطِلِ يَأْكُلُهُ، وعَنْ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ في تَأْيِيدِهِ، ولْيَكُنْ هَذا التَّنْزِيهُ بِواسِطَةِ حَمْدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، والحَكِيمُ الَّذِي إذا أمْهَلَ الكافِرِينَ لِيَمْتَحِنَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، فَلَنْ يُضِيعَ أجْرَ العامِلِينَ ولا يُصْلِحَ عَمَلَ المُفْسِدِينَ. والبَصِيرُ بِما في قُلُوبِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ، فَلا يَذْهَبُ عَلَيْهِ رِياءُ المُفْسِدِينَ، والبَصِيرُ بِما في قُلُوبِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ، فَلا يَذْهَبُ عَلَيْهِ رِياءُ المُرائِينَ ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] أيِ: اسْألْهُ أنْ يَغْفِرَ لَكَ ولِأصْحابِكَ ما كانَ مِنَ القَلَقِ والضَّجَرِ والحُزْنِ، لِتَأخُّرِ زَمَنِ النَّصْرِ والفَتْحِ. والِاسْتِغْفارُ إنَّما يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ الخالِصَةِ. والتَّوْبَةُ مِنَ القَلَقِ إنَّما تَكُونُ بِتَكْمِيلِ الثِّقَةِ بِوَعْدِ اللَّهِ، وتَغْلِيبِ هَذِهِ الثِّقَةِ عَلى خَواطِرِ النَّفْسِ الَّتِي تُحْدِثُها الشَّدائِدُ، وهو وإنْ كانَ مِمّا يَشُقُّ عَلى نُفُوسِ البَشَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ نَفْسَ نَبِيِّهِ ﷺ قَدْ تَبْلُغُ ذَلِكَ الكَمالَ؛ (p-٦٢٨٦)فَلِذَلِكَ أمَرَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ تُقارِبُهُ قُلُوبُ الكُمَّلِ مِن أصْحابِهِ وأتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. واللَّهُ يَتَقَبَّلُ مِنهم.
﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] أيْ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَزالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ كَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ، لِأنَّهُ رَبٌّ يُرَبِّي النُّفُوسَ بِالمِحَنِ، فَإذا وجَدَتِ الضَّعْفَ أنْهَضَها إلى طَلَبِ القُوَّةِ، وشَدَّدَ هَمَّها بِحُسْنِ الوَعْدِ، ولا يَزالُ بِها حَتّى تَبْلُغَ الكَمالَ، وهي في كُلِّ مَنزِلَةٍ تَتُوبُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وهو سُبْحانَهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَها فَهو التَّوّابُ الرَّحِيمُ. وكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إذا حَصَلَ الفَتْحُ وتَحَقَّقَ النَّصْرُ وأقْبَلَ النّاسُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، فَقَدِ ارْتَفَعَ الخَوْفُ وزالَ مُوجَبُ الحُزْنِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَسْبِيحُ اللَّهِ وشُكْرُهُ والنُّزُوعُ إلَيْهِ عَمّا كانَ مِن خَواطِرِ النَّفْسِ، فَلَنْ تَعُودَ الشِّدَّةُ تَأْخُذُ نُفُوسَ المُخْلِصِينَ ما دامُوا عَلى تِلْكَ الكَثْرَةِ في ذَلِكَ الإخْلاصِ. ومِن هَذا أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الأمْرَ قَدْ تَمَّ ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يَسِيرَ إلى رَبِّهِ، فَقالَ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: ««إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ»» . هَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ الإمامُ في تَفْسِيرِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُرادُ بِالفَتْحِ هاهُنا فَتْحُ مَكَّةَ قَوْلًا واحِدًا؛ فَإنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانَتْ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ، يَقُولُونَ: إنْ ظَهَرَ عَلى قَوْمِهِ فَهو نَبِيٌّ. فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، فَلَمْ تَمْضِ سَنَتانِ حَتّى اسْتَوْسَقَتْ جَزِيرَةُ العَرَبِ إيمانًا، ولَمْ يَبْقَ في سائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ إلّا مُظْهِرٌ لِلْإسْلامِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) «عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ: كُنّا بِماءٍ مَمَرَّ النّاسِ، وكانَ يَمُرُّ بِنا الرُّكْبانُ فَنَسْألُهُمْ: ما لِلنّاسِ؟ ما لِلنّاسِ؟ ما هَذا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهُ أوْحى إلَيْهِ، أوْ أوْحى اللَّهُ بِكَذا، فَكُنْتُ أحْفَظُ ذَلِكَ الكَلامَ وكَأنَّما يُغَزّى في صَدْرِي. وكانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ بِإسْلامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وقَوْمَهُ، فَإنَّهُ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ. فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ أهْلِ الفَتْحِ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِمْ وبَدَرَ أبِي قَوْمِي بِإسْلامِهِمُ.... الحَدِيثَ».
(p-٦٢٨٧)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إذا حَمَلْنا الفَتْحَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، فَلِلنّاسِ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ. ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سَنَةَ عَشْرٍ، ورُوِيَ أنَّهُ ««عاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبْعِينَ يَوْمًا»»؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ التَّوْدِيعِ.
ثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهو وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وأنْ يَفْتَحَها عَلَيْهِ. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ إذْ لا يُقالُ فِيما وقَعَ: "إذا جاءَ" و: إذا وقَعَ، وإذا صَحَّ القَوْلُ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ وُجِدَ مَخْبَرُهُ بَعْدَ حِينٍ مُطابِقًا لَهُ؛ والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ. انْتَهى.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): ولِأبِي يَعْلى، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، في حَجَّةِ الوَداعِ «فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ الوَداعُ»»
ثُمَّ قالَ: وسُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ الكَشّافِ: أنَّ سُورَةَ النَّصْرِ نَزَلَتْ في حِجَّةِ الوَداعِ أيّامَ التَّشْرِيقِ، فَكَيْفَ صُدِّرَتْ بِـ: (إذا) الدّالَّةُ عَلى الِاسْتِقْبالِ؟ فَأجَبْتُ بِضَعْفِ ما نَقَلَهُ. وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فالشَّرْطُ لَمْ يَتَكَمَّلْ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ النّاسِ أفْواجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ، فَبَقِيَّةُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ.
وقَدْ أوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤالَ، وأجابَ بِجَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ (إذا) قَدْ تَرِدُ بِمَعْنى (إذْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ [الجمعة: ١١] الآيَةَ.
ثانِيهُما: أنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمٌ. وفي كُلٍّ مِنَ الجَوابَيْنِ نَظَرٌ لا يَخْفى. انْتَهى كَلامُهُ.
الثّالِثُ: قالَ الشِّهابُ: المُرادُ (بِالنّاسِ) العَرَبُ. فَـ (ال) عَهْدِيَّةٌ. أوِ المُرادُ الِاسْتِغْراقُ (p-٦٢٨٨)العُرْفِيُّ والمُرادُ عَبَدَةُ الأصْنامِ مِنهُمْ؛ لِأنَّ نَصارى تَغْلِبَ لَمْ يُسْلِمُوا في حَياتِهِ ﷺ وأعْطَوُا الجِزْيَةَ.
الرّابِعُ: رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «ما صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلّا يَقُولُ فِيها: «سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»»
وفِيهِ عَنْها أيْضًا: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأوَّلُ القُرْآنَ».
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مَعْنى (يَتَأوَّلُ القُرْآنَ)، يَجْعَلُ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والِاسْتِغْفارِ، في أشْرَفِ الأوْقاتِ والأحْوالِ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الهُدى) كَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] «لِأنَّهُ كانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفارَ في خَواتِمِ الأُمُورِ؛ فَيَقُولُ إذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ: «أسْتَغْفِرُ اللَّهَ» ثَلاثًا». «وإذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قالَ: «غُفْرانَكَ»» ووَرَدَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ عِنْدَ انْقِضاءِ المَناسِكِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩] الآيَةَ.
النصر 110:3
(p-٦٢٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّصْرِ
مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثٌ.
وهِيَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ، لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي».
(p-٦٢٨٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣]
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: لِدِينِهِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ "والفَتْحُ" أيْ: فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ لَهُ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ وضَعَّفَ أمْرَهم في التَّمَسُّكِ بِعَقائِدِهِمُ الباطِلَةِ.
﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] أيْ: ورَأيْتَ النّاسَ مِن صُنُوفِ العَرَبِ وقَبائِلِها عِنْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ، وهو دِينُكَ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ لِزَوالِ ذَلِكَ الغِطاءِ الَّذِي كانَ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وهو غِطاءُ قُوَّةِ الباطِلِ فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ أفْواجًا طَوائِفَ وجَماعاتٍ لا آحادًا، كَما كانَ في بَدْءِ الأمْرِ أيّامَ الشِّدَّةِ؛ إذْ حَصَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وهو لا رَيْبَ حاصِلٌ.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] أيْ: فَنَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ أنْ يُهْمِلَ الحَقَّ ويَدَعَهُ لِلْباطِلِ يَأْكُلُهُ، وعَنْ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ في تَأْيِيدِهِ، ولْيَكُنْ هَذا التَّنْزِيهُ بِواسِطَةِ حَمْدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، والحَكِيمُ الَّذِي إذا أمْهَلَ الكافِرِينَ لِيَمْتَحِنَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، فَلَنْ يُضِيعَ أجْرَ العامِلِينَ ولا يُصْلِحَ عَمَلَ المُفْسِدِينَ. والبَصِيرُ بِما في قُلُوبِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ، فَلا يَذْهَبُ عَلَيْهِ رِياءُ المُفْسِدِينَ، والبَصِيرُ بِما في قُلُوبِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ، فَلا يَذْهَبُ عَلَيْهِ رِياءُ المُرائِينَ ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] أيِ: اسْألْهُ أنْ يَغْفِرَ لَكَ ولِأصْحابِكَ ما كانَ مِنَ القَلَقِ والضَّجَرِ والحُزْنِ، لِتَأخُّرِ زَمَنِ النَّصْرِ والفَتْحِ. والِاسْتِغْفارُ إنَّما يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ الخالِصَةِ. والتَّوْبَةُ مِنَ القَلَقِ إنَّما تَكُونُ بِتَكْمِيلِ الثِّقَةِ بِوَعْدِ اللَّهِ، وتَغْلِيبِ هَذِهِ الثِّقَةِ عَلى خَواطِرِ النَّفْسِ الَّتِي تُحْدِثُها الشَّدائِدُ، وهو وإنْ كانَ مِمّا يَشُقُّ عَلى نُفُوسِ البَشَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ نَفْسَ نَبِيِّهِ ﷺ قَدْ تَبْلُغُ ذَلِكَ الكَمالَ؛ (p-٦٢٨٦)فَلِذَلِكَ أمَرَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ تُقارِبُهُ قُلُوبُ الكُمَّلِ مِن أصْحابِهِ وأتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. واللَّهُ يَتَقَبَّلُ مِنهم.
﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] أيْ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَزالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ كَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ، لِأنَّهُ رَبٌّ يُرَبِّي النُّفُوسَ بِالمِحَنِ، فَإذا وجَدَتِ الضَّعْفَ أنْهَضَها إلى طَلَبِ القُوَّةِ، وشَدَّدَ هَمَّها بِحُسْنِ الوَعْدِ، ولا يَزالُ بِها حَتّى تَبْلُغَ الكَمالَ، وهي في كُلِّ مَنزِلَةٍ تَتُوبُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وهو سُبْحانَهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَها فَهو التَّوّابُ الرَّحِيمُ. وكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إذا حَصَلَ الفَتْحُ وتَحَقَّقَ النَّصْرُ وأقْبَلَ النّاسُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، فَقَدِ ارْتَفَعَ الخَوْفُ وزالَ مُوجَبُ الحُزْنِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَسْبِيحُ اللَّهِ وشُكْرُهُ والنُّزُوعُ إلَيْهِ عَمّا كانَ مِن خَواطِرِ النَّفْسِ، فَلَنْ تَعُودَ الشِّدَّةُ تَأْخُذُ نُفُوسَ المُخْلِصِينَ ما دامُوا عَلى تِلْكَ الكَثْرَةِ في ذَلِكَ الإخْلاصِ. ومِن هَذا أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الأمْرَ قَدْ تَمَّ ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يَسِيرَ إلى رَبِّهِ، فَقالَ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: ««إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ»» . هَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ الإمامُ في تَفْسِيرِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُرادُ بِالفَتْحِ هاهُنا فَتْحُ مَكَّةَ قَوْلًا واحِدًا؛ فَإنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانَتْ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ، يَقُولُونَ: إنْ ظَهَرَ عَلى قَوْمِهِ فَهو نَبِيٌّ. فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، فَلَمْ تَمْضِ سَنَتانِ حَتّى اسْتَوْسَقَتْ جَزِيرَةُ العَرَبِ إيمانًا، ولَمْ يَبْقَ في سائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ إلّا مُظْهِرٌ لِلْإسْلامِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في (صَحِيحِهِ) «عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ: كُنّا بِماءٍ مَمَرَّ النّاسِ، وكانَ يَمُرُّ بِنا الرُّكْبانُ فَنَسْألُهُمْ: ما لِلنّاسِ؟ ما لِلنّاسِ؟ ما هَذا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهُ أوْحى إلَيْهِ، أوْ أوْحى اللَّهُ بِكَذا، فَكُنْتُ أحْفَظُ ذَلِكَ الكَلامَ وكَأنَّما يُغَزّى في صَدْرِي. وكانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ بِإسْلامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وقَوْمَهُ، فَإنَّهُ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ. فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ أهْلِ الفَتْحِ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِمْ وبَدَرَ أبِي قَوْمِي بِإسْلامِهِمُ.... الحَدِيثَ».
(p-٦٢٨٧)الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: إذا حَمَلْنا الفَتْحَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، فَلِلنّاسِ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ. ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سَنَةَ عَشْرٍ، ورُوِيَ أنَّهُ ««عاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبْعِينَ يَوْمًا»»؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ التَّوْدِيعِ.
ثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهو وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وأنْ يَفْتَحَها عَلَيْهِ. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ إذْ لا يُقالُ فِيما وقَعَ: "إذا جاءَ" و: إذا وقَعَ، وإذا صَحَّ القَوْلُ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ وُجِدَ مَخْبَرُهُ بَعْدَ حِينٍ مُطابِقًا لَهُ؛ والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ. انْتَهى.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): ولِأبِي يَعْلى، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، في حَجَّةِ الوَداعِ «فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ الوَداعُ»»
ثُمَّ قالَ: وسُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ الكَشّافِ: أنَّ سُورَةَ النَّصْرِ نَزَلَتْ في حِجَّةِ الوَداعِ أيّامَ التَّشْرِيقِ، فَكَيْفَ صُدِّرَتْ بِـ: (إذا) الدّالَّةُ عَلى الِاسْتِقْبالِ؟ فَأجَبْتُ بِضَعْفِ ما نَقَلَهُ. وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فالشَّرْطُ لَمْ يَتَكَمَّلْ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ النّاسِ أفْواجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ، فَبَقِيَّةُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ.
وقَدْ أوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤالَ، وأجابَ بِجَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ (إذا) قَدْ تَرِدُ بِمَعْنى (إذْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ [الجمعة: ١١] الآيَةَ.
ثانِيهُما: أنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمٌ. وفي كُلٍّ مِنَ الجَوابَيْنِ نَظَرٌ لا يَخْفى. انْتَهى كَلامُهُ.
الثّالِثُ: قالَ الشِّهابُ: المُرادُ (بِالنّاسِ) العَرَبُ. فَـ (ال) عَهْدِيَّةٌ. أوِ المُرادُ الِاسْتِغْراقُ (p-٦٢٨٨)العُرْفِيُّ والمُرادُ عَبَدَةُ الأصْنامِ مِنهُمْ؛ لِأنَّ نَصارى تَغْلِبَ لَمْ يُسْلِمُوا في حَياتِهِ ﷺ وأعْطَوُا الجِزْيَةَ.
الرّابِعُ: رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «ما صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلّا يَقُولُ فِيها: «سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»»
وفِيهِ عَنْها أيْضًا: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأوَّلُ القُرْآنَ».
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مَعْنى (يَتَأوَّلُ القُرْآنَ)، يَجْعَلُ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والِاسْتِغْفارِ، في أشْرَفِ الأوْقاتِ والأحْوالِ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (الهُدى) كَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] «لِأنَّهُ كانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفارَ في خَواتِمِ الأُمُورِ؛ فَيَقُولُ إذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ: «أسْتَغْفِرُ اللَّهَ» ثَلاثًا». «وإذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قالَ: «غُفْرانَكَ»» ووَرَدَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ عِنْدَ انْقِضاءِ المَناسِكِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩] الآيَةَ.
المسد 111:1
(p-٦٢٨٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَسَدِ
ويُقالُ سُورَةُ أبِي لَهَبٍ، مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]
﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ أيْ: خَسِرَتْ يَداهُ، وخَسِرَ هو. واليَدانِ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ والنَّفْسِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، أوْ مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. وجُمْلَةُ "وتَبَّ" مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها، أوِ المُرادُ بِالأُولى خُسْرانُهُ في نَفْسِهِ وذاتِهِ؛ لِأنَّ سَعْيَ المَرْءِ لِإصْلاحِ نَفْسِهِ وعَمَلِهِ. فَأخْبَرَ بِأنَّ مَحْرُومٌ مِنهُما، كَما تُشِيرُ لَهُ الآيَتانِ بَعْدُ: أعْنِي هَلاكَ عَمَلِهِ وهَلاكَ نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُ قَوْلَهُ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ: "وتَبَّ" فَإنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: عَمّا سَيُحَقِّقُ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ.
وأبُو لَهَبٍ أحَدُ عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ، واسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، وقَدِ اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ وعُرِفَ بِها لِوَلَدٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: لَهَبٌ؛ أوْ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّ مَآلَهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ، فَوافَقَتْ حالُهُ كُنْيَتَهُ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ بِها.
(p-٦٢٩١)قالَ الرُّواةُ: كانَ أبُو لَهَبٍ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأذِيَّةً لَهُ وبُغْضَةً لَهُ وازْدِراءً بِهِ وتَنَقُّصًا لَهُ ولِدَعْوَتِهِ، وماتَ عَلى كُفْرِهِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ ولَمْ يَحْضُرْها، بَلْ أرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمّا بَلَغَهُ ما جَرى لِقُرَيْشٍ ماتَ غَمًّا؛ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا ونادى: «يا بَنِي فِهْرٍ! يا بَنِي عَدِيٍّ !» - (لِبُطُونٍ مِن قُرَيْشٍ)- حَتّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا: نَعَمْ. ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدَّيْلِيِّ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي المَجازِ وهو يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ! قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا» والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. ووَراءَهُ رَجُلٌ وضِيءُ الوَجْهِ أحْوَلُ، ذُو غَدِيرَتَيْنِ، يَقُولُ: إنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ. يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَألْتُ عَنْهُ فَقالُوا: هَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ. وفي رِوايَةٍ لَهُ: يَتْبَعُهُ مِن خَلْفِهِ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ! هَذا يُرِيدُ مِنكم أنْ تَسْلَخُوا اللّاتَ والعُزّى وحُلَفاءَكم مِنَ الجِنِّ، إلى ما جاءَ بِهِ مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ. فَلا تَسْمَعُوا لَهُ ولا تَتَّبِعُوهُ».
﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَهُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ وخُسْرانِهِ. فَكَسْبُهُ هو عَمَلُهُ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: ولَدُهُ؛ لِقَرْنِ الأوْلادِ بِالأمْوالِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وكانَتِ العَرَبُ تُعِدُّ أوْلادَها لِلنّائِباتِ كالأمْوالِ، فَنَفى إغْناءَهُما عَنْهُ حِينَ حَلَّ بِهِ التِّبابُ.
(p-٦٢٩٢)قالَ الشِّهابُ: والَّذِي صَحَّحَهُ أهْلُ الأثَرِ أنَّ أوْلادَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، ثَلاثَةٌ: مُتْعَبٌ وعُتْبَةُ وهُما أسْلَما، «وعُتَيْبَةُ -(مُصَغَّرًا) - وهَذا هو الَّذِي دَعا النَّبِيَّ ﷺ لِما جاهَرَ بِإيذائِهِ وعَداوَتِهِ، ورَدَّ ابْنَتَهُ وطَلَّقَها؛ وقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَأكَلَهُ السَّبُعُ في خَرْجَةٍ خَرَجَها إلى الشّامِ». وفِيهِ يَقُولُ حَسّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎مَن يُرْجِعُ العامَ إلى أهْلِهِ فَما أُكَيْلُ السَّبُعِ بِالرّاجِعِ
ثُمَّ قالَ: ولَهَبٌ هو أحَدُ هَؤُلاءِ فِيما قِيلَ، قالَ الثَّعالِبِيُّ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الأسَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلْبٌ. ولَمّا أُضِيفَ إلى اللَّهِ، كانَ أعْظَمَ أفْرادِهِ.
﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أيْ: تَوَقُّدٍ واشْتِعالٍ، وهي نارُ الآخِرَةِ، جَزاءَ ما كانَ يَأْتِيهِ مِن مُقاوَمَةِ الحَقِّ ومُجاهَدَتِهِ.
﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أيْ: وسَيَصْلاها مَعَهُ امْرَأتُهُ أيْضًا: فَـ "امْرَأتُهُ" مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في "سَيَصْلى" أوْ عَلى الِابْتِداءِ، و"فِي جِيدِها" الخَبَرُ. وقُرِئَ: (حَمّالَةَ) بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ، وبِالرَّفْعِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ. إنَّما قِيلَ لَها ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ تَحْطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِالنَّمائِمِ المُفْسِدِ بَيْنَ النّاسِ، يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَهُمْ، أيْ: يُوقِدُ بَيْنَهم ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ:
؎البِيضُ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ
يَمْدَحُها بِأنَّها مِنَ البِيضِ الوُجُوهِ وأنَّها بَرِيئَةٌ مِن أنْ تُصْطادَ عَلى سُوءٍ ولُؤْمِ فِيها، ومِن أنْ تَمْشِيَ بِالسِّعايَةِ والنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ. وإنَّما جَعَلَ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةُ الشَّرِّ. ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ، إذا أغْرى بِهِ.
(p-٦٢٩٣)قالَ الشِّهابُ: وهي اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ لَطِيفَةٌ، كاسْتِعارَةِ حَطَبِ جَهَنَّمَ لِلْأوْزارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَتْ زَوْجَتُهُ مِن ساداتِ نِساءِ قُرَيْشٍ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ وعَمَّةُ مُعاوِيَةَ، وكانَتْ عَوْنًا لِزَوْجِها عَلى كُفْرِهِ وجُحُودِهِ وعِنادِهِ.
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] قالَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: في عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، أيْ: أنَّها في تَكْلِيفِ نَفْسِها المَشَقَّةَ الفادِحَةَ، لِلْإفْسادِ بَيْنَ النّاسِ وتَأْرِيثِ نِيرانِ العَداوَةِ بَيْنَهُمْ، بِمَنزِلَةِ حامِلِ الحَطَبِ الَّذِي في عُنُقِهِ حَبْلٌ خَشِنٌ، يَشُدُّ بِهِ ما حَمَلَهُ إلى عُنُقِهِ، حَتّى يَسْتَقِلَّ بِهِ. وهَذِهِ أشْنَعُ صُورَةٍ تَظْهَرُ بِها امْرَأةٌ تَحْمِلُ الحَطَبَ، وفي عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، تَشُدُّ بِهِ الحَطَبَ إلى كاهِلِها، حَتّى تَكادَ تَخْتَنِقُ بِهِ.
وقالَ أيْضًا: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في أبِي لَهَبٍ وفي زَوْجَتِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِيَكُونَ مَثَلًا يَعْتَبِرُ بِهِ مَن يُعادِي ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ؛ مُطاوَعَةً لِهَواهُ وإيثارًا لِما ألِفَهُ مِنَ العَقائِدِ والعَوائِدِ والأعْمالِ، واغْتِرارًا بِما عِنْدَهُ مِنَ الأمْوالِ، وبِما لَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ أوْ مِنَ المَنزِلَةِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، وأنَّهُ لا تُغْنِي عَنْهُ أمْوالُهُ ولا أعْمالُهُ شَيْئًا، وسَيَصْلى ما يَصْلى. نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
المسد 111:2
(p-٦٢٨٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَسَدِ
ويُقالُ سُورَةُ أبِي لَهَبٍ، مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]
﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ أيْ: خَسِرَتْ يَداهُ، وخَسِرَ هو. واليَدانِ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ والنَّفْسِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، أوْ مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. وجُمْلَةُ "وتَبَّ" مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها، أوِ المُرادُ بِالأُولى خُسْرانُهُ في نَفْسِهِ وذاتِهِ؛ لِأنَّ سَعْيَ المَرْءِ لِإصْلاحِ نَفْسِهِ وعَمَلِهِ. فَأخْبَرَ بِأنَّ مَحْرُومٌ مِنهُما، كَما تُشِيرُ لَهُ الآيَتانِ بَعْدُ: أعْنِي هَلاكَ عَمَلِهِ وهَلاكَ نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُ قَوْلَهُ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ: "وتَبَّ" فَإنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: عَمّا سَيُحَقِّقُ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ.
وأبُو لَهَبٍ أحَدُ عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ، واسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، وقَدِ اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ وعُرِفَ بِها لِوَلَدٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: لَهَبٌ؛ أوْ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّ مَآلَهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ، فَوافَقَتْ حالُهُ كُنْيَتَهُ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ بِها.
(p-٦٢٩١)قالَ الرُّواةُ: كانَ أبُو لَهَبٍ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأذِيَّةً لَهُ وبُغْضَةً لَهُ وازْدِراءً بِهِ وتَنَقُّصًا لَهُ ولِدَعْوَتِهِ، وماتَ عَلى كُفْرِهِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ ولَمْ يَحْضُرْها، بَلْ أرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمّا بَلَغَهُ ما جَرى لِقُرَيْشٍ ماتَ غَمًّا؛ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا ونادى: «يا بَنِي فِهْرٍ! يا بَنِي عَدِيٍّ !» - (لِبُطُونٍ مِن قُرَيْشٍ)- حَتّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا: نَعَمْ. ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدَّيْلِيِّ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي المَجازِ وهو يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ! قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا» والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. ووَراءَهُ رَجُلٌ وضِيءُ الوَجْهِ أحْوَلُ، ذُو غَدِيرَتَيْنِ، يَقُولُ: إنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ. يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَألْتُ عَنْهُ فَقالُوا: هَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ. وفي رِوايَةٍ لَهُ: يَتْبَعُهُ مِن خَلْفِهِ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ! هَذا يُرِيدُ مِنكم أنْ تَسْلَخُوا اللّاتَ والعُزّى وحُلَفاءَكم مِنَ الجِنِّ، إلى ما جاءَ بِهِ مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ. فَلا تَسْمَعُوا لَهُ ولا تَتَّبِعُوهُ».
﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَهُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ وخُسْرانِهِ. فَكَسْبُهُ هو عَمَلُهُ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: ولَدُهُ؛ لِقَرْنِ الأوْلادِ بِالأمْوالِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وكانَتِ العَرَبُ تُعِدُّ أوْلادَها لِلنّائِباتِ كالأمْوالِ، فَنَفى إغْناءَهُما عَنْهُ حِينَ حَلَّ بِهِ التِّبابُ.
(p-٦٢٩٢)قالَ الشِّهابُ: والَّذِي صَحَّحَهُ أهْلُ الأثَرِ أنَّ أوْلادَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، ثَلاثَةٌ: مُتْعَبٌ وعُتْبَةُ وهُما أسْلَما، «وعُتَيْبَةُ -(مُصَغَّرًا) - وهَذا هو الَّذِي دَعا النَّبِيَّ ﷺ لِما جاهَرَ بِإيذائِهِ وعَداوَتِهِ، ورَدَّ ابْنَتَهُ وطَلَّقَها؛ وقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَأكَلَهُ السَّبُعُ في خَرْجَةٍ خَرَجَها إلى الشّامِ». وفِيهِ يَقُولُ حَسّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎مَن يُرْجِعُ العامَ إلى أهْلِهِ فَما أُكَيْلُ السَّبُعِ بِالرّاجِعِ
ثُمَّ قالَ: ولَهَبٌ هو أحَدُ هَؤُلاءِ فِيما قِيلَ، قالَ الثَّعالِبِيُّ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الأسَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلْبٌ. ولَمّا أُضِيفَ إلى اللَّهِ، كانَ أعْظَمَ أفْرادِهِ.
﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أيْ: تَوَقُّدٍ واشْتِعالٍ، وهي نارُ الآخِرَةِ، جَزاءَ ما كانَ يَأْتِيهِ مِن مُقاوَمَةِ الحَقِّ ومُجاهَدَتِهِ.
﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أيْ: وسَيَصْلاها مَعَهُ امْرَأتُهُ أيْضًا: فَـ "امْرَأتُهُ" مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في "سَيَصْلى" أوْ عَلى الِابْتِداءِ، و"فِي جِيدِها" الخَبَرُ. وقُرِئَ: (حَمّالَةَ) بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ، وبِالرَّفْعِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ. إنَّما قِيلَ لَها ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ تَحْطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِالنَّمائِمِ المُفْسِدِ بَيْنَ النّاسِ، يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَهُمْ، أيْ: يُوقِدُ بَيْنَهم ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ:
؎البِيضُ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ
يَمْدَحُها بِأنَّها مِنَ البِيضِ الوُجُوهِ وأنَّها بَرِيئَةٌ مِن أنْ تُصْطادَ عَلى سُوءٍ ولُؤْمِ فِيها، ومِن أنْ تَمْشِيَ بِالسِّعايَةِ والنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ. وإنَّما جَعَلَ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةُ الشَّرِّ. ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ، إذا أغْرى بِهِ.
(p-٦٢٩٣)قالَ الشِّهابُ: وهي اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ لَطِيفَةٌ، كاسْتِعارَةِ حَطَبِ جَهَنَّمَ لِلْأوْزارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَتْ زَوْجَتُهُ مِن ساداتِ نِساءِ قُرَيْشٍ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ وعَمَّةُ مُعاوِيَةَ، وكانَتْ عَوْنًا لِزَوْجِها عَلى كُفْرِهِ وجُحُودِهِ وعِنادِهِ.
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] قالَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: في عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، أيْ: أنَّها في تَكْلِيفِ نَفْسِها المَشَقَّةَ الفادِحَةَ، لِلْإفْسادِ بَيْنَ النّاسِ وتَأْرِيثِ نِيرانِ العَداوَةِ بَيْنَهُمْ، بِمَنزِلَةِ حامِلِ الحَطَبِ الَّذِي في عُنُقِهِ حَبْلٌ خَشِنٌ، يَشُدُّ بِهِ ما حَمَلَهُ إلى عُنُقِهِ، حَتّى يَسْتَقِلَّ بِهِ. وهَذِهِ أشْنَعُ صُورَةٍ تَظْهَرُ بِها امْرَأةٌ تَحْمِلُ الحَطَبَ، وفي عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، تَشُدُّ بِهِ الحَطَبَ إلى كاهِلِها، حَتّى تَكادَ تَخْتَنِقُ بِهِ.
وقالَ أيْضًا: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في أبِي لَهَبٍ وفي زَوْجَتِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِيَكُونَ مَثَلًا يَعْتَبِرُ بِهِ مَن يُعادِي ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ؛ مُطاوَعَةً لِهَواهُ وإيثارًا لِما ألِفَهُ مِنَ العَقائِدِ والعَوائِدِ والأعْمالِ، واغْتِرارًا بِما عِنْدَهُ مِنَ الأمْوالِ، وبِما لَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ أوْ مِنَ المَنزِلَةِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، وأنَّهُ لا تُغْنِي عَنْهُ أمْوالُهُ ولا أعْمالُهُ شَيْئًا، وسَيَصْلى ما يَصْلى. نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
المسد 111:3
(p-٦٢٨٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَسَدِ
ويُقالُ سُورَةُ أبِي لَهَبٍ، مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]
﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ أيْ: خَسِرَتْ يَداهُ، وخَسِرَ هو. واليَدانِ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ والنَّفْسِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، أوْ مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. وجُمْلَةُ "وتَبَّ" مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها، أوِ المُرادُ بِالأُولى خُسْرانُهُ في نَفْسِهِ وذاتِهِ؛ لِأنَّ سَعْيَ المَرْءِ لِإصْلاحِ نَفْسِهِ وعَمَلِهِ. فَأخْبَرَ بِأنَّ مَحْرُومٌ مِنهُما، كَما تُشِيرُ لَهُ الآيَتانِ بَعْدُ: أعْنِي هَلاكَ عَمَلِهِ وهَلاكَ نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُ قَوْلَهُ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ: "وتَبَّ" فَإنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: عَمّا سَيُحَقِّقُ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ.
وأبُو لَهَبٍ أحَدُ عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ، واسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، وقَدِ اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ وعُرِفَ بِها لِوَلَدٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: لَهَبٌ؛ أوْ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّ مَآلَهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ، فَوافَقَتْ حالُهُ كُنْيَتَهُ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ بِها.
(p-٦٢٩١)قالَ الرُّواةُ: كانَ أبُو لَهَبٍ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأذِيَّةً لَهُ وبُغْضَةً لَهُ وازْدِراءً بِهِ وتَنَقُّصًا لَهُ ولِدَعْوَتِهِ، وماتَ عَلى كُفْرِهِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ ولَمْ يَحْضُرْها، بَلْ أرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمّا بَلَغَهُ ما جَرى لِقُرَيْشٍ ماتَ غَمًّا؛ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا ونادى: «يا بَنِي فِهْرٍ! يا بَنِي عَدِيٍّ !» - (لِبُطُونٍ مِن قُرَيْشٍ)- حَتّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا: نَعَمْ. ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدَّيْلِيِّ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي المَجازِ وهو يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ! قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا» والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. ووَراءَهُ رَجُلٌ وضِيءُ الوَجْهِ أحْوَلُ، ذُو غَدِيرَتَيْنِ، يَقُولُ: إنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ. يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَألْتُ عَنْهُ فَقالُوا: هَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ. وفي رِوايَةٍ لَهُ: يَتْبَعُهُ مِن خَلْفِهِ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ! هَذا يُرِيدُ مِنكم أنْ تَسْلَخُوا اللّاتَ والعُزّى وحُلَفاءَكم مِنَ الجِنِّ، إلى ما جاءَ بِهِ مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ. فَلا تَسْمَعُوا لَهُ ولا تَتَّبِعُوهُ».
﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَهُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ وخُسْرانِهِ. فَكَسْبُهُ هو عَمَلُهُ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: ولَدُهُ؛ لِقَرْنِ الأوْلادِ بِالأمْوالِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وكانَتِ العَرَبُ تُعِدُّ أوْلادَها لِلنّائِباتِ كالأمْوالِ، فَنَفى إغْناءَهُما عَنْهُ حِينَ حَلَّ بِهِ التِّبابُ.
(p-٦٢٩٢)قالَ الشِّهابُ: والَّذِي صَحَّحَهُ أهْلُ الأثَرِ أنَّ أوْلادَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، ثَلاثَةٌ: مُتْعَبٌ وعُتْبَةُ وهُما أسْلَما، «وعُتَيْبَةُ -(مُصَغَّرًا) - وهَذا هو الَّذِي دَعا النَّبِيَّ ﷺ لِما جاهَرَ بِإيذائِهِ وعَداوَتِهِ، ورَدَّ ابْنَتَهُ وطَلَّقَها؛ وقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَأكَلَهُ السَّبُعُ في خَرْجَةٍ خَرَجَها إلى الشّامِ». وفِيهِ يَقُولُ حَسّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎مَن يُرْجِعُ العامَ إلى أهْلِهِ فَما أُكَيْلُ السَّبُعِ بِالرّاجِعِ
ثُمَّ قالَ: ولَهَبٌ هو أحَدُ هَؤُلاءِ فِيما قِيلَ، قالَ الثَّعالِبِيُّ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الأسَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلْبٌ. ولَمّا أُضِيفَ إلى اللَّهِ، كانَ أعْظَمَ أفْرادِهِ.
﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أيْ: تَوَقُّدٍ واشْتِعالٍ، وهي نارُ الآخِرَةِ، جَزاءَ ما كانَ يَأْتِيهِ مِن مُقاوَمَةِ الحَقِّ ومُجاهَدَتِهِ.
﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أيْ: وسَيَصْلاها مَعَهُ امْرَأتُهُ أيْضًا: فَـ "امْرَأتُهُ" مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في "سَيَصْلى" أوْ عَلى الِابْتِداءِ، و"فِي جِيدِها" الخَبَرُ. وقُرِئَ: (حَمّالَةَ) بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ، وبِالرَّفْعِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ. إنَّما قِيلَ لَها ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ تَحْطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِالنَّمائِمِ المُفْسِدِ بَيْنَ النّاسِ، يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَهُمْ، أيْ: يُوقِدُ بَيْنَهم ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ:
؎البِيضُ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ
يَمْدَحُها بِأنَّها مِنَ البِيضِ الوُجُوهِ وأنَّها بَرِيئَةٌ مِن أنْ تُصْطادَ عَلى سُوءٍ ولُؤْمِ فِيها، ومِن أنْ تَمْشِيَ بِالسِّعايَةِ والنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ. وإنَّما جَعَلَ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةُ الشَّرِّ. ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ، إذا أغْرى بِهِ.
(p-٦٢٩٣)قالَ الشِّهابُ: وهي اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ لَطِيفَةٌ، كاسْتِعارَةِ حَطَبِ جَهَنَّمَ لِلْأوْزارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَتْ زَوْجَتُهُ مِن ساداتِ نِساءِ قُرَيْشٍ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ وعَمَّةُ مُعاوِيَةَ، وكانَتْ عَوْنًا لِزَوْجِها عَلى كُفْرِهِ وجُحُودِهِ وعِنادِهِ.
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] قالَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: في عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، أيْ: أنَّها في تَكْلِيفِ نَفْسِها المَشَقَّةَ الفادِحَةَ، لِلْإفْسادِ بَيْنَ النّاسِ وتَأْرِيثِ نِيرانِ العَداوَةِ بَيْنَهُمْ، بِمَنزِلَةِ حامِلِ الحَطَبِ الَّذِي في عُنُقِهِ حَبْلٌ خَشِنٌ، يَشُدُّ بِهِ ما حَمَلَهُ إلى عُنُقِهِ، حَتّى يَسْتَقِلَّ بِهِ. وهَذِهِ أشْنَعُ صُورَةٍ تَظْهَرُ بِها امْرَأةٌ تَحْمِلُ الحَطَبَ، وفي عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، تَشُدُّ بِهِ الحَطَبَ إلى كاهِلِها، حَتّى تَكادَ تَخْتَنِقُ بِهِ.
وقالَ أيْضًا: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في أبِي لَهَبٍ وفي زَوْجَتِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِيَكُونَ مَثَلًا يَعْتَبِرُ بِهِ مَن يُعادِي ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ؛ مُطاوَعَةً لِهَواهُ وإيثارًا لِما ألِفَهُ مِنَ العَقائِدِ والعَوائِدِ والأعْمالِ، واغْتِرارًا بِما عِنْدَهُ مِنَ الأمْوالِ، وبِما لَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ أوْ مِنَ المَنزِلَةِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، وأنَّهُ لا تُغْنِي عَنْهُ أمْوالُهُ ولا أعْمالُهُ شَيْئًا، وسَيَصْلى ما يَصْلى. نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
المسد 111:4
(p-٦٢٨٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَسَدِ
ويُقالُ سُورَةُ أبِي لَهَبٍ، مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]
﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ أيْ: خَسِرَتْ يَداهُ، وخَسِرَ هو. واليَدانِ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ والنَّفْسِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، أوْ مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. وجُمْلَةُ "وتَبَّ" مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها، أوِ المُرادُ بِالأُولى خُسْرانُهُ في نَفْسِهِ وذاتِهِ؛ لِأنَّ سَعْيَ المَرْءِ لِإصْلاحِ نَفْسِهِ وعَمَلِهِ. فَأخْبَرَ بِأنَّ مَحْرُومٌ مِنهُما، كَما تُشِيرُ لَهُ الآيَتانِ بَعْدُ: أعْنِي هَلاكَ عَمَلِهِ وهَلاكَ نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُ قَوْلَهُ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ: "وتَبَّ" فَإنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: عَمّا سَيُحَقِّقُ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ.
وأبُو لَهَبٍ أحَدُ عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ، واسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، وقَدِ اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ وعُرِفَ بِها لِوَلَدٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: لَهَبٌ؛ أوْ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّ مَآلَهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ، فَوافَقَتْ حالُهُ كُنْيَتَهُ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ بِها.
(p-٦٢٩١)قالَ الرُّواةُ: كانَ أبُو لَهَبٍ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأذِيَّةً لَهُ وبُغْضَةً لَهُ وازْدِراءً بِهِ وتَنَقُّصًا لَهُ ولِدَعْوَتِهِ، وماتَ عَلى كُفْرِهِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ ولَمْ يَحْضُرْها، بَلْ أرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمّا بَلَغَهُ ما جَرى لِقُرَيْشٍ ماتَ غَمًّا؛ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا ونادى: «يا بَنِي فِهْرٍ! يا بَنِي عَدِيٍّ !» - (لِبُطُونٍ مِن قُرَيْشٍ)- حَتّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا: نَعَمْ. ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدَّيْلِيِّ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي المَجازِ وهو يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ! قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا» والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. ووَراءَهُ رَجُلٌ وضِيءُ الوَجْهِ أحْوَلُ، ذُو غَدِيرَتَيْنِ، يَقُولُ: إنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ. يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَألْتُ عَنْهُ فَقالُوا: هَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ. وفي رِوايَةٍ لَهُ: يَتْبَعُهُ مِن خَلْفِهِ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ! هَذا يُرِيدُ مِنكم أنْ تَسْلَخُوا اللّاتَ والعُزّى وحُلَفاءَكم مِنَ الجِنِّ، إلى ما جاءَ بِهِ مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ. فَلا تَسْمَعُوا لَهُ ولا تَتَّبِعُوهُ».
﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَهُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ وخُسْرانِهِ. فَكَسْبُهُ هو عَمَلُهُ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: ولَدُهُ؛ لِقَرْنِ الأوْلادِ بِالأمْوالِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وكانَتِ العَرَبُ تُعِدُّ أوْلادَها لِلنّائِباتِ كالأمْوالِ، فَنَفى إغْناءَهُما عَنْهُ حِينَ حَلَّ بِهِ التِّبابُ.
(p-٦٢٩٢)قالَ الشِّهابُ: والَّذِي صَحَّحَهُ أهْلُ الأثَرِ أنَّ أوْلادَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، ثَلاثَةٌ: مُتْعَبٌ وعُتْبَةُ وهُما أسْلَما، «وعُتَيْبَةُ -(مُصَغَّرًا) - وهَذا هو الَّذِي دَعا النَّبِيَّ ﷺ لِما جاهَرَ بِإيذائِهِ وعَداوَتِهِ، ورَدَّ ابْنَتَهُ وطَلَّقَها؛ وقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَأكَلَهُ السَّبُعُ في خَرْجَةٍ خَرَجَها إلى الشّامِ». وفِيهِ يَقُولُ حَسّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎مَن يُرْجِعُ العامَ إلى أهْلِهِ فَما أُكَيْلُ السَّبُعِ بِالرّاجِعِ
ثُمَّ قالَ: ولَهَبٌ هو أحَدُ هَؤُلاءِ فِيما قِيلَ، قالَ الثَّعالِبِيُّ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الأسَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلْبٌ. ولَمّا أُضِيفَ إلى اللَّهِ، كانَ أعْظَمَ أفْرادِهِ.
﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أيْ: تَوَقُّدٍ واشْتِعالٍ، وهي نارُ الآخِرَةِ، جَزاءَ ما كانَ يَأْتِيهِ مِن مُقاوَمَةِ الحَقِّ ومُجاهَدَتِهِ.
﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أيْ: وسَيَصْلاها مَعَهُ امْرَأتُهُ أيْضًا: فَـ "امْرَأتُهُ" مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في "سَيَصْلى" أوْ عَلى الِابْتِداءِ، و"فِي جِيدِها" الخَبَرُ. وقُرِئَ: (حَمّالَةَ) بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ، وبِالرَّفْعِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ. إنَّما قِيلَ لَها ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ تَحْطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِالنَّمائِمِ المُفْسِدِ بَيْنَ النّاسِ، يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَهُمْ، أيْ: يُوقِدُ بَيْنَهم ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ:
؎البِيضُ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ
يَمْدَحُها بِأنَّها مِنَ البِيضِ الوُجُوهِ وأنَّها بَرِيئَةٌ مِن أنْ تُصْطادَ عَلى سُوءٍ ولُؤْمِ فِيها، ومِن أنْ تَمْشِيَ بِالسِّعايَةِ والنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ. وإنَّما جَعَلَ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةُ الشَّرِّ. ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ، إذا أغْرى بِهِ.
(p-٦٢٩٣)قالَ الشِّهابُ: وهي اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ لَطِيفَةٌ، كاسْتِعارَةِ حَطَبِ جَهَنَّمَ لِلْأوْزارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَتْ زَوْجَتُهُ مِن ساداتِ نِساءِ قُرَيْشٍ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ وعَمَّةُ مُعاوِيَةَ، وكانَتْ عَوْنًا لِزَوْجِها عَلى كُفْرِهِ وجُحُودِهِ وعِنادِهِ.
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] قالَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: في عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، أيْ: أنَّها في تَكْلِيفِ نَفْسِها المَشَقَّةَ الفادِحَةَ، لِلْإفْسادِ بَيْنَ النّاسِ وتَأْرِيثِ نِيرانِ العَداوَةِ بَيْنَهُمْ، بِمَنزِلَةِ حامِلِ الحَطَبِ الَّذِي في عُنُقِهِ حَبْلٌ خَشِنٌ، يَشُدُّ بِهِ ما حَمَلَهُ إلى عُنُقِهِ، حَتّى يَسْتَقِلَّ بِهِ. وهَذِهِ أشْنَعُ صُورَةٍ تَظْهَرُ بِها امْرَأةٌ تَحْمِلُ الحَطَبَ، وفي عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، تَشُدُّ بِهِ الحَطَبَ إلى كاهِلِها، حَتّى تَكادَ تَخْتَنِقُ بِهِ.
وقالَ أيْضًا: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في أبِي لَهَبٍ وفي زَوْجَتِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِيَكُونَ مَثَلًا يَعْتَبِرُ بِهِ مَن يُعادِي ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ؛ مُطاوَعَةً لِهَواهُ وإيثارًا لِما ألِفَهُ مِنَ العَقائِدِ والعَوائِدِ والأعْمالِ، واغْتِرارًا بِما عِنْدَهُ مِنَ الأمْوالِ، وبِما لَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ أوْ مِنَ المَنزِلَةِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، وأنَّهُ لا تُغْنِي عَنْهُ أمْوالُهُ ولا أعْمالُهُ شَيْئًا، وسَيَصْلى ما يَصْلى. نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
المسد 111:5
(p-٦٢٨٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَسَدِ
ويُقالُ سُورَةُ أبِي لَهَبٍ، مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]
﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ أيْ: خَسِرَتْ يَداهُ، وخَسِرَ هو. واليَدانِ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ والنَّفْسِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، أوْ مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. وجُمْلَةُ "وتَبَّ" مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها، أوِ المُرادُ بِالأُولى خُسْرانُهُ في نَفْسِهِ وذاتِهِ؛ لِأنَّ سَعْيَ المَرْءِ لِإصْلاحِ نَفْسِهِ وعَمَلِهِ. فَأخْبَرَ بِأنَّ مَحْرُومٌ مِنهُما، كَما تُشِيرُ لَهُ الآيَتانِ بَعْدُ: أعْنِي هَلاكَ عَمَلِهِ وهَلاكَ نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ يَقُولُ قَوْلَهُ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ: "وتَبَّ" فَإنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: عَمّا سَيُحَقِّقُ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ.
وأبُو لَهَبٍ أحَدُ عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ، واسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، وقَدِ اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ وعُرِفَ بِها لِوَلَدٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: لَهَبٌ؛ أوْ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّ مَآلَهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ، فَوافَقَتْ حالُهُ كُنْيَتَهُ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ بِها.
(p-٦٢٩١)قالَ الرُّواةُ: كانَ أبُو لَهَبٍ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأذِيَّةً لَهُ وبُغْضَةً لَهُ وازْدِراءً بِهِ وتَنَقُّصًا لَهُ ولِدَعْوَتِهِ، وماتَ عَلى كُفْرِهِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ ولَمْ يَحْضُرْها، بَلْ أرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمّا بَلَغَهُ ما جَرى لِقُرَيْشٍ ماتَ غَمًّا؛ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا ونادى: «يا بَنِي فِهْرٍ! يا بَنِي عَدِيٍّ !» - (لِبُطُونٍ مِن قُرَيْشٍ)- حَتّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا: نَعَمْ. ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدَّيْلِيِّ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ في سُوقِ ذِي المَجازِ وهو يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ! قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا» والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. ووَراءَهُ رَجُلٌ وضِيءُ الوَجْهِ أحْوَلُ، ذُو غَدِيرَتَيْنِ، يَقُولُ: إنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ. يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَألْتُ عَنْهُ فَقالُوا: هَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ. وفي رِوايَةٍ لَهُ: يَتْبَعُهُ مِن خَلْفِهِ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ! هَذا يُرِيدُ مِنكم أنْ تَسْلَخُوا اللّاتَ والعُزّى وحُلَفاءَكم مِنَ الجِنِّ، إلى ما جاءَ بِهِ مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ. فَلا تَسْمَعُوا لَهُ ولا تَتَّبِعُوهُ».
﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَهُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ وخُسْرانِهِ. فَكَسْبُهُ هو عَمَلُهُ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: ولَدُهُ؛ لِقَرْنِ الأوْلادِ بِالأمْوالِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وكانَتِ العَرَبُ تُعِدُّ أوْلادَها لِلنّائِباتِ كالأمْوالِ، فَنَفى إغْناءَهُما عَنْهُ حِينَ حَلَّ بِهِ التِّبابُ.
(p-٦٢٩٢)قالَ الشِّهابُ: والَّذِي صَحَّحَهُ أهْلُ الأثَرِ أنَّ أوْلادَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، ثَلاثَةٌ: مُتْعَبٌ وعُتْبَةُ وهُما أسْلَما، «وعُتَيْبَةُ -(مُصَغَّرًا) - وهَذا هو الَّذِي دَعا النَّبِيَّ ﷺ لِما جاهَرَ بِإيذائِهِ وعَداوَتِهِ، ورَدَّ ابْنَتَهُ وطَلَّقَها؛ وقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَأكَلَهُ السَّبُعُ في خَرْجَةٍ خَرَجَها إلى الشّامِ». وفِيهِ يَقُولُ حَسّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎مَن يُرْجِعُ العامَ إلى أهْلِهِ فَما أُكَيْلُ السَّبُعِ بِالرّاجِعِ
ثُمَّ قالَ: ولَهَبٌ هو أحَدُ هَؤُلاءِ فِيما قِيلَ، قالَ الثَّعالِبِيُّ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الأسَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلْبٌ. ولَمّا أُضِيفَ إلى اللَّهِ، كانَ أعْظَمَ أفْرادِهِ.
﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أيْ: تَوَقُّدٍ واشْتِعالٍ، وهي نارُ الآخِرَةِ، جَزاءَ ما كانَ يَأْتِيهِ مِن مُقاوَمَةِ الحَقِّ ومُجاهَدَتِهِ.
﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أيْ: وسَيَصْلاها مَعَهُ امْرَأتُهُ أيْضًا: فَـ "امْرَأتُهُ" مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في "سَيَصْلى" أوْ عَلى الِابْتِداءِ، و"فِي جِيدِها" الخَبَرُ. وقُرِئَ: (حَمّالَةَ) بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ، وبِالرَّفْعِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ. إنَّما قِيلَ لَها ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ تَحْطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِالنَّمائِمِ المُفْسِدِ بَيْنَ النّاسِ، يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَهُمْ، أيْ: يُوقِدُ بَيْنَهم ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ:
؎البِيضُ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ
يَمْدَحُها بِأنَّها مِنَ البِيضِ الوُجُوهِ وأنَّها بَرِيئَةٌ مِن أنْ تُصْطادَ عَلى سُوءٍ ولُؤْمِ فِيها، ومِن أنْ تَمْشِيَ بِالسِّعايَةِ والنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ. وإنَّما جَعَلَ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةُ الشَّرِّ. ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ، إذا أغْرى بِهِ.
(p-٦٢٩٣)قالَ الشِّهابُ: وهي اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ لَطِيفَةٌ، كاسْتِعارَةِ حَطَبِ جَهَنَّمَ لِلْأوْزارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكانَتْ زَوْجَتُهُ مِن ساداتِ نِساءِ قُرَيْشٍ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ وعَمَّةُ مُعاوِيَةَ، وكانَتْ عَوْنًا لِزَوْجِها عَلى كُفْرِهِ وجُحُودِهِ وعِنادِهِ.
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] قالَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: في عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، أيْ: أنَّها في تَكْلِيفِ نَفْسِها المَشَقَّةَ الفادِحَةَ، لِلْإفْسادِ بَيْنَ النّاسِ وتَأْرِيثِ نِيرانِ العَداوَةِ بَيْنَهُمْ، بِمَنزِلَةِ حامِلِ الحَطَبِ الَّذِي في عُنُقِهِ حَبْلٌ خَشِنٌ، يَشُدُّ بِهِ ما حَمَلَهُ إلى عُنُقِهِ، حَتّى يَسْتَقِلَّ بِهِ. وهَذِهِ أشْنَعُ صُورَةٍ تَظْهَرُ بِها امْرَأةٌ تَحْمِلُ الحَطَبَ، وفي عُنُقِها حَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ، تَشُدُّ بِهِ الحَطَبَ إلى كاهِلِها، حَتّى تَكادَ تَخْتَنِقُ بِهِ.
وقالَ أيْضًا: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في أبِي لَهَبٍ وفي زَوْجَتِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِيَكُونَ مَثَلًا يَعْتَبِرُ بِهِ مَن يُعادِي ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ؛ مُطاوَعَةً لِهَواهُ وإيثارًا لِما ألِفَهُ مِنَ العَقائِدِ والعَوائِدِ والأعْمالِ، واغْتِرارًا بِما عِنْدَهُ مِنَ الأمْوالِ، وبِما لَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ أوْ مِنَ المَنزِلَةِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، وأنَّهُ لا تُغْنِي عَنْهُ أمْوالُهُ ولا أعْمالُهُ شَيْئًا، وسَيَصْلى ما يَصْلى. نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
الإخلاص 112:1
(p-٦٢٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الإخْلاصِ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلى سَرِيَّةٍ. وكانَ يَقْرَأُ لِأصْحابِهِ في صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ (قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ). فَلَمّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: سَلُوهُ لِأيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ. فَسَألُوهُ. فَقالَ: لِأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وأنا أُحِبُّ أنْ أقْرَأ بِها. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّهُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في قِصَّةٍ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ! انْسُبْ لَنا رَبَّكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ».
(p-٦٢٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: الخَبَرُ الحَقُّ المُؤَيَّدُ بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يُرْتابُ فِيهِ، وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالقِصَّةِ أوِ الحَدِيثِ أوِ الشَّأْنِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ، مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِهِ الإيذانُ بِأنَّهُ مِنَ الشُّهْرَةِ والنَّباهَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُهُ كُلُّ أحَدٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كُلُّ مُشِيرٍ، وإلَيْهِ يَعُودُ كُلُّ ضَمِيرٍ "اللَّهُ أحَدٌ" أيْ: واحِدٌ في الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: "أحَدٌ" بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: (الأحَدُ) في أسْمائِهِ تَعالى الفَرْدُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وحْدَهُ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ آخَرُ. والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ. وأصْلُهُ: (وحَدَ)؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَحْدَةِ.
وفِي (المِصْباحِ): يَكُونُ (أحَدٌ) مُرادِفًا (لِواحِدٍ) في مَوْضِعَيْنِ سَماعًا: أحَدُهُما: وصْفُ اسْمِ البارِئِ تَعالى، فَقالَ: هو الواحِدُ وهو الأحَدُ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالأحَدِيَّةِ، فَلا يُشْرِكُهُ فِيها غَيْرُهُ. ولِهَذا لا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا يُقالُ: (رَجُلٌ أحَدٌ)، ولا: (دِرْهَمٌ أحَدٌ)، ونَحْوَ ذَلِكَ.
والمَوْضِعُ الثّانِي: أسْماءُ العَدَدِ لِلْغَلَبَةِ وكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَيُقالُ: أحَدٌ وعِشْرُونَ، وواحِدٌ وعِشْرُونَ. وفي غَيْرِ هَذَيْنِ يَقَعُ الفَرْقُ بَيْنَهُما في الِاسْتِعْمالِ، بِأنَّ (الأحَدَ) لِنَفْيِ ما يُذْكَرُ مَعَهُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الجَحْدِ، لِما فِيهِ العُمُومُ، نَحْوَ: (ما قامَ أحَدٌ). أوْ مُضافًا نَحْوَ: (ما قامَ أحَدُ الثَّلاثَةِ). و(الواحِدُ) اسْمٌ لِمُفْتَتَحِ العَدَدِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ، مُضافًا وغَيْرَ مُضافٍ. فَيُقالُ: (جاءَنِي واحِدٌ مِنَ القَوْمِ). انْتَهى.
(p-٦٢٩٦)وقالَ الأزْهَرِيُّ: الواحِدُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، مَعْناهُ أنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ الشَّيْءُ بِأنَّهُ واحِدٌ. فَأمّا أحَدٌ فَلا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ لِخُلُوصِ هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَهُ جَلَّ ثَناؤُهُ.
قالَ الإمامُ: ونُكِّرَ الخَبَرُ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ واحِدٌ، لا بِأنَّهُ لا واحِدَ سِواهُ. فَإنَّ الوَحْدَةَ تَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ، تَقُولُ: (لا أحَدَ في الدّارِ)، بِمَعْنى لا واحِدَ مِنَ النّاسِ فِيها. والَّذِي كانَ يَزْعُمُهُ المُخاطَبُونَ هو التَّعَدُّدُ في ذاتِهِ، فَأرادَ نَفْيَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أحَدٌ. وهو تَقْرِيرٌ لِخِلافِ ما يَعْتَقِدُ بِهِ أهْلُ الأصْلَيْنِ مِنَ المَجُوسِ، وما يَعْتَقِدُهُ القائِلُونَ بِالثَّلاثَةِ، مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ. وسَيَأْتِي لِابْنِ تَيْمِيَةَ كَلامٌ آخَرُ في سِرِّ إيثارِهِ بِالتَّنْكِيرِ.
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] أيِ: الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، ويُقْصَدُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ. إذْ يَنْتَهِي إلَيْهِ مُنْتَهى السُّؤْدُدِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في (المَقْصِدِ الأسْنى). وهَكَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّمَدُ عِنْدَ العَرَبِ هو السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ، الَّذِي لا أحَدَ فَوْقَهُ، وكَذَلِكَ تُسَمّى أشْرافُها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
قالَ الشِّهابُ: فَهو (فَعَلٌ) بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وصَمَدَ بِمَعْنى قَصَدَ. فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ وإلى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الصَّمَدِ لِلسَّلَفِ أقْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، قَدْ يُظَنُّ أنَّها مُخْتَلِفَةٌ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّها صَوابٌ والمَشْهُورُ مِنها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الصَّمَدَ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ.
والأوَّلُ هو قَوْلُ أكْثَرِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
والثّانِي قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ وجُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ.
(p-٦٢٩٧)ثُمَّ تَوَسَّعَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَأْخَذِ ذَلِكَ واشْتِقاقِهِ والمَأْثُورِ فِيهِ، إلى أنْ قالَ:
وإنَّما أدْخَلَ اللّامَ في "الصَّمَدُ" ولَمْ يُدْخِلْها في "أحَدٌ" لِأنَّهُ لَيْسَ في المَوْجُوداتِ ما يُسَمّى أحَدًا في الإثْباتِ مُفْرَدًا غَيْرَ مُضافٍ، ولَمْ يُوصَفْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْيانِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ. وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ اللَّهِ في النَّفْيِ وفي الإضافَةِ وفي العَدَدِ المُطْلَقِ، وأمّا اسْمُ الصَّمَدِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ، كَما تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَقُلْ: صَمَدٌ، بَلْ قالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فَبَيَّنَ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ هو الصَّمَدَ دُونَ ما سِواهُ؛ فَإنَّهُ المُسْتَوْجِبُ لِغايَتِهِ عَلى الكَمالِ، والمَخْلُوقُ وإنْ كانَ صَمَدًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الصَّمَدِيَّةِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ، فَإنَّهُ يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّجْزِئَةَ، وهو أيْضًا مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَلَيْسَ أحَدٌ يَصْمُدُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَصْمُدُ هو عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، ولَيْسَ في المَخْلُوقاتِ إلّا ما يَقْبَلُ أنْ يَتَجَزَّأ ويَتَفَرَّقَ ويَنْقَسِمَ ويَنْفَصِلَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ الصَّمَدِيَّةِ وكَمالُها لَهُ وحْدَهُ واجِبَةٌ لازِمَةٌ، لا يُمْكِنُ عَدَمُ صَمَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما لا يُمْكِنُ تَثْنِيَةُ أحَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ. وتَعْرِيَةُ الجُمْلَةِ عَلى العاطِفِ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى، بَيَّنَ أوَّلًا أُلُوهِيَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَتْبِعَةَ لِكافَّةِ نُعُوتِ الكَمالِ، ثُمَّ أحَدِيَّتَهُ المُوجِبَةَ تَنَزُّهَهُ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ والتَّرْكِيبِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها، ثُمَّ صَمَدِيَّتَهُ المُقْتَضِيَةَ لِاسْتِغْنائِهِ الذّاتِيِّ عَمّا سِواهُ، وافْتِقارِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ في وُجُودِها وبَقائِها وسائِرِ أحْوالِها؛ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإرْشادًا لَهم إلى سَنَنِهِ الواضِحِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ ما يَنْدَرِجُ فِيما تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَصِيبًا عَلى إبْطالِ زَعْمِ المُفْتَرِينَ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ النَّفْيُ عَلى صِيغَةِ الماضِي، أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ولَدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُجانِسُهُ شَيْءٌ لِيُمْكِنَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ"، ولا يَفْتَقِرُ إلى (p-٦٢٩٨)ما يُعِينُهُ أوْ يَخْلُفُهُ؛ لِاسْتِحالَةِ الحاجَةِ والفَناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وقَدْ شَمِلَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِن تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِنَ الوِلادَةِ كُلَّ أفْرادِها، سَواءً سَمَّوْها حِسِّيَّةً أوْ عَقْلِيَّةً، كَما تَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ الصّابِئُونَ مِن تَوَلُّدِ العُقُولِ العَشَرَةِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ الَّتِي هم مُضْطَرِبُونَ فِيها، هَلْ هي جَواهِرُ أوْ أعْراضٌ؟ وقَدْ يَجْعَلُونَ العُقُولَ بِمَنزِلَةِ الذُّكُورِ والنُّفُوسَ بِمَنزِلَةِ الإناثِ، ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ آباءَهم وأُمَّهاتِهِمْ وآلِهَتَهم وأرْبابَهُمُ القَرِيبَةَ، وذَلِكَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمُ، الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] وكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ أنَّ النُّفُوسَ هي المَلائِكَةُ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَفْيٌ لِإحاطَةِ النَّسَبِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ والِدٌ كانَ مِنهُ، وهو الآخِرُ الَّذِي لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْهُ ولَدٌ يَكُونُ عَنْهُ. قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] يُصَرِّحُ بِبُطْلانِ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ أرْبابِ الأدْيانِ مِن أنَّ ابْنًا لِلَّهِ يَكُونُ إلَهًا، ويُعْبَدُ عِبادَةَ الإلَهِ، ويُقْصَدُ فِيهِ الإلَهُ، بَلْ لا يَسْتَحِي الغالُونَ مِنهم أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ والِدَتِهِ بِأُمِّ الإلَهِ القادِرَةِ؛ فَإنَّ المَوْلُودَ حادِثٌ ولا يَكُونُ إلّا بِمِزاجٍ، وهو لا يَسْلَمُ مِن عاقِبَةِ الفَناءِ، ودَعْوى أنَّهُ أزَلِيٌّ مَعَ أبِيهِ، مِمّا لا يُمْكِنُ تَعْقِلُهُ؛ فَهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] أيْ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يُكافِئُهُ أيْ: يُماثِلُهُ مِن صاحِبَةٍ أوْ غَيْرِها. وقالَ الإمامُ: الكُفُؤُ مَعْناهُ المُكافِئُ والمُماثِلُ في العَمَلِ والقُدْرَةِ. وهو نَفْيٌ لِما يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الوَثَنِيِّينَ في الشَّيْطانِ مَثَلًا. فَقَدْ نَفى بِهَذِهِ السُّورَةِ (p-٦٢٩٩)جَمِيعَ أنْواعِ الإشْراكِ، وقَرَّرَ جَمِيعَ أُصُولِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكُفُؤُ والكَفِئُ والكِفاءُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ، وهو المِثْلُ والشَّبَهُ.
وقُرِئَ: "كُفُوًا" بِضَمِّ الكافِ والفاءِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. وقُرِئَ بِتَسْكِينِ الفاءِ وهَمْزِها، وهُما قِراءَتانِ مَعْرُوفَتانِ، ولُغَتانِ مَشْهُورَتانِ. و"لَهُ" صِلَةٌ لِـ: "كُفُوًا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ حَقَّها التَّأخُّرُ عَنْهُ؛ لِلِاهْتِمامِ بِها، لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ تَعالى. وأمّا تَأْخِيرُ اسْمِ كانَ فَلِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
فَوائِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ:
الأُولى: قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ المَأْمُورُ: "قُلْ" مِن شَأْنِهِ إذا امْتَثَلَ أنْ يَتَلَفَّظَ بِالمَقُولِ وحْدَهُ، فَلِمَ كانَتْ "قُلْ" مِنَ المَتْلُوِّ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ في القِراءَةِ؟ قُلْتُ: المَأْمُورُ بِهِ سَواءً كانَ مُعَيَّنًا أمْ لا، مَأْمُورٌ بِالإقْرارِ بِالمَقُولِ، فَأثْبَتَ القَوْلَ لِيَدُلَّ عَلى إيجابِ مَقُولِهِ ولُزُومِ الإقْرارِ بِهِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ.
الثّانِيَةُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] مِن أهْلِ الكَلامِ المُحْدَثِ مَن يَقُولُ: الرَّبُّ- تَعالى- جِسْمٌ. كَبَعْضِ الَّذِينَ وافَقُوا هِشامَ بْنَ الحَكَمِ ومُحَمَّدَ بْنَ كِرامٍ وغَيْرَهُما، قالُوا: هو صَمَدٌ، والصَّمَدُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ. وهَذا إنَّما يَكُونُ في الأجْسامِ المُصْمَتَةِ، فَإنَّها لا جَوْفَ لَها، كَما في الجِبالِ والصُّخُورِ وما يُصْنَعُ مِن عَوامِيدِ الحِجارَةِ؛ ولِهَذا قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ الَّذِي لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. ونَفْيُ هَذا لا يُعْقَلُ إلّا عَمّا هو جِسْمٌ.
وقالُوا: أصْلُ الصَّمَدِ: الِاجْتِماعُ، ومِنهُ تَصْمِيدُ المالِ. وهَذا إنَّما يَعْقِلُ في الجِسْمِ المُجْتَمَعِ. وأمّا النُّفاةُ فَقالُوا: الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ، وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ.
وقالُوا أيْضًا: الأحَدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ والِانْقِسامَ. وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والتَّجَزُّؤُ والِانْقِسامُ. وقالُوا: إذا قُلْتُمْ: هو جِسْمٌ كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا (p-٦٣٠٠)مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ أوْ مِنَ المادَّةِ والصُّورَةِ. وما كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مِن غَيْرِهِ كانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ صَمَدٌ، والصَّمَدُ الغَنِيُّ عَمَّنْ سِواهُ، فالمُرَكَّبُ لا يَكُونُ صَمَدًا. انْتَهى.
وقالَ الرّازِيُّ: قَدِ اسْتَدَلَّ القَوْمُ مِن جُهّالِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وهَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يُنافِي كَوْنَهُ جِسْمًا. فَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّمَدِ هَذا المَعْنى، ولِأنَّ الصَّمَدَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صِفَةُ الأجْسامِ المُتَضاغِطَةِ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فَإذَنْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى مَجازِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ، يَكُونُ عَدِيمَ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في وُجُودِهِ وبَقائِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ. انْتَهى.
وأقُولُ: التَّصْحِيحُ في تَأْوِيلِ الصَّمَدِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو ما حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ العَرَبِ في مَعْناهُ. وإذا تَحَقَّقَ هَذا، فَلا يُعَوَّلُ عَلى هَذا الثّانِي ولا لَوازِمِهِ.
الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ، يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يُماثِلَهُ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ الثّابِتَةِ لَهُ، وهَذانِ النَّوْعانِ يَجْمَعانِ التَّنْزِيهَ الواجِبَ لِلَّهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ دَلَّتْ عَلى النَّوْعَيْنِ، فَقَوْلُهُ: "أحَدٌ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَنْفِي المُماثَلَةَ والمُشارَكَةَ. وقَوْلُهُ: (صَمَدٌ) يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ، فالنَّقائِصُ جِنْسُها مَنفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما اخْتَصَّ بِهِ المَخْلُوقُ فَهو مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْها. بِخِلافِ ما يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ، ويُوصَفُ العَبْدُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِثْلَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والرَّحْمَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَقائِصَ بَلْ ما ثَبَتَ لِلَّهِ مِن هَذِهِ المَعانِي، فَإنَّهُ يَثْبُتُ لِلَّهِ عَلى وجْهٍ لا يُقارِبُهُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُماثِلَهُ فِيهِ، بَلْ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ لا يُماثِلُ ما خَلَقَهُ في الدُّنْيا وإنِ اتَّفَقا في الِاسْمِ، فَكِلاهُما مَخْلُوقٌ. فالخالِقُ تَعالى أبْعَدُ في مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ مِنَ المَخْلُوقاتِ إلى المَخْلُوقِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا رَؤُوفًا رَحِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَزِيزًا مَلِكًا جَبّارًا مُتَكَبِّرًا، وسَمّى أيْضًا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ بِهَذِهِ الأسْماءِ، مَعَ العِلْمِ أنَّهُ لَيْسَ المُسَمّى بِهَذِهِ الأسْماءِ مِنَ المَخْلُوقِينَ مُماثِلًا لِلْخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
(p-٦٣٠١)الرّابِعَةُ: قَدَّمْنا ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن أنَّ ««سُورَةَ الإخْلاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»» .
وقَدْ ذَكَرُوا في ذَلِكَ وُجُوهًا، مِنها ما قالَهُ أبُو العَبّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ثُلُثٌ مِنها لِلْأحْكامِ، وثُلُثٌ مِنها وعْدٌ ووَعِيدٌ، وثُلُثٌ مِنها الأسْماءُ والصِّفاتُ. وهَذِهِ السُّورَةُ جَمَعَتِ الأسْماءَ والصِّفاتِ. وقالَ الغَزالِيُّ في (جَواهِرِ القُرْآنِ): مُهِمّاتُ القُرْآنِ هي مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ الآخِرَةِ ومَعْرِفَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَهَذِهِ المَعارِفُ الثَّلاثَةُ هي المُهِمَّةُ، والباقِي تَوابِعُ. وسُورَةُ الإخْلاصِ تَشْتَمِلُ عَلى واحِدَةٍ مِنَ الثَّلاثِ، وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وتَقْدِيسُهُ وتَوْحِيدُهُ عَنْ مُشارِكٍ في الجِنْسِ والنَّوْعِ. وهو المُرادُ بِنَفْيِ الأصْلِ والفَرْعِ والكُفُؤِ.
قالَ: والوَصْفُ بِالصَّمَدِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لا يُقْصَدُ في الوُجُودِ لِلْحَوائِجِ سِواهُ. نَعَمْ، لَيْسَ فِيها حَدِيثُ الآخِرَةِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَلِذَلِكَ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، أيْ: ثُلُثَ الأُصُولِ مِنَ القُرْآنِ كَما قالَ: ««الحَجُّ عَرَفَةُ»» أيْ: هو الأصْلُ والباقِي تَبَعٌ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في سُنَّةِ الفَجْرِ والوِتْرِ بِسُورَتَيِ الإخْلاصِ والكافِرُونَ»» وهُما الجامِعَتانِ لِتَوْحِيدِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَوْحِيدِ المَعْرِفَةِ والإرادَةِ، وتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والقَصْدِ؛ فَسُورَةُ الإخْلاصِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والمَعْرِفَةِ، وما يَجِبُ إثْباتُهُ لِلرَّبِّ تَعالى مِنَ الأحَدِيَّةِ المُنافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. والصَّمَدِيَّةِ المُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ والوالِدِ الَّذِي هو مِن لازِمِ الصَّمَدِيَّةِ وغِناهُ وأحَدِيَّتُهُ، ونَفْيِ الكُفُؤِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ والمَثِيلِ والنَّظِيرِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتَ كُلِّ كَمالٍ لَهُ، ونَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، ونَفْيَ إثْباتِ شَبِيهٍ أوْ مِثْلٍ لَهُ في كَمالِهِ ونَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وهَذِهِ الأُصُولُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الِاعْتِقادِيِّ الَّذِي يُبايِنُ صاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلالِ والشِّرْكِ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَدارُهُ عَلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، والإنْشاءُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإباحَةٌ. والخَبَرُ نَوْعانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ، وخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ؛ فَأخْلَصَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ الخَبَرَ عَنْهُ (p-٦٣٠٢)وعَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ فَعَدَلَتْ ثُلُثَ القُرْآنِ، وخَلَّصَتْ قارِئَها المُؤْمِنَ مِنَ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ، كَما خَلَّصَتْ سُورَةُ "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" مِنَ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ الإرادِيِّ القَصْدِيِّ. ولَمّا كانَ العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ وهو إمامُهُ وقائِدُهُ وسائِقُهُ والحاكِمُ عَلَيْهِ ومُنْزِلُهُ مَنازِلَهُ، كانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، والأحادِيثُ بِذَلِكَ تَكادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، و﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ، وفي التِّرْمِذِيِّ: مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَرْفَعُهُ: ««"إذا زُلْزِلَتِ" تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ و"قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ»» رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ.
ولَمّا كانَ الشِّرْكُ العَمَلِيُّ الإرادِيُّ أغْلَبَ عَلى النُّفُوسِ لِأجْلِ مُتابَعَتِها هَواها، وكَثِيرٌ مِنها تَرْتَكِبُهُ مَعَ عِلْمِها بِمُضِرَّتِهِ وبُطْلانِهِ، لِما لَها فِيهِ مِن نَيْلِ الأغْراضِ، وإزالَتُهُ وقَلْعُهُ مِنها أصْعَبُ وأشَدُّ مِن قَلْعِ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ وإزالَتِهِ؛ لِأنَّ هَذا يَزُولُ بِالعِلْمِ والحُجَّةِ، ولا يُمْكِنُ صاحِبُهُ أنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ، بِخِلافِ شِرْكِ الإرادَةِ والقَصْدِ، فَإنَّ صاحِبَهُ يَرْتَكِبُ ما يَدُلُّهُ العِلْمُ عَلى بُطْلانِهِ وضَرَرِهِ لِأجْلِ غَلَبَةِ هَواهُ واسْتِيلاءِ سُلْطانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى نَفْسِهِ؛ فَجاءَ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّكْرارِ في سُورَةِ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" المُتَضَمِّنَةِ لِإزالَةِ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ ما يَجِيءُ مِثْلُهُ في سُورَةِ: "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ".
ولَمّا كانَ القُرْآنُ شَطْرَيْنِ: شَطْرًا في الدُّنْيا وأحْكامِها ومُتَعَلِّقاتِها والأُمُورِ الواقِعَةِ فِيها مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِها، وشَطْرًا في الآخِرَةِ وما يَقَعُ فِيها، وكانَتْ سُورَةُ "إذا زُلْزِلَتِ" قَدْ أخْلَصَتْ مِن أوَّلِها وآخِرِها لِهَذا الشَّطْرِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إلّا الآخِرَةَ، وما يَكُونُ مِن أحْوالِ الأرْضِ وسُكّانِها، كانَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ فَأحْرِ بِهَذا الحَدِيثِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦٣٠٣)الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: سُورَةُ "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" أكْثَرُهم عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقَدْ ذَكَرَ في أسْبابِ نُزُولِها سُؤالَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وسُؤالَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، ولا مُنافاةَ؛ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَها بِمَكَّةَ أوَّلًا، ثُمَّ لَمّا سُئِلَ نَحْوَ ذَلِكَ أنْزَلَها مَرَّةً أُخْرى، وهَذا مِمّا ذَكَرَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ. وقالُوا: إنَّ الآيَةَ أوِ السُّورَةَ قَدْ تَنْزِلُ مَرَّتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ فَما يُذْكَرُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ المُتَعَدِّدَةِ قَدْ يَكُونُ جَمِيعُهُ حَقًّا، والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا حَدَثَ سَبَبٌ يُناسِبُها، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، لِيُعْلِمَهُ أنَّها تَتَضَمَّنُ جَوابَ ذَلِكَ السَّبَبِ، وإنْ كانَ الرَّسُولُ يَحْفَظُها قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ومَواضِعَ أُخَرَ مِنهُ تَحْقِيقُ البَحْثِ في مَعْنى النُّزُولِ بِما يَدْفَعُ المُنافاةَ في أمْثالِ هَذا، فَراجِعْهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ تَفاسِيرُ عَلى حِدَةٍ، مِن أمْثَلِها كِتابانِ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ: أحَدُهُما في تَفْسِيرِها، والثّانِي في سِرِّ كَوْنِها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فاحْتَفِظْ بِهِما. واللَّهُ الهادِي.
الإخلاص 112:2
(p-٦٢٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الإخْلاصِ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلى سَرِيَّةٍ. وكانَ يَقْرَأُ لِأصْحابِهِ في صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ (قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ). فَلَمّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: سَلُوهُ لِأيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ. فَسَألُوهُ. فَقالَ: لِأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وأنا أُحِبُّ أنْ أقْرَأ بِها. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّهُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في قِصَّةٍ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ! انْسُبْ لَنا رَبَّكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ».
(p-٦٢٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: الخَبَرُ الحَقُّ المُؤَيَّدُ بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يُرْتابُ فِيهِ، وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالقِصَّةِ أوِ الحَدِيثِ أوِ الشَّأْنِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ، مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِهِ الإيذانُ بِأنَّهُ مِنَ الشُّهْرَةِ والنَّباهَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُهُ كُلُّ أحَدٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كُلُّ مُشِيرٍ، وإلَيْهِ يَعُودُ كُلُّ ضَمِيرٍ "اللَّهُ أحَدٌ" أيْ: واحِدٌ في الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: "أحَدٌ" بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: (الأحَدُ) في أسْمائِهِ تَعالى الفَرْدُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وحْدَهُ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ آخَرُ. والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ. وأصْلُهُ: (وحَدَ)؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَحْدَةِ.
وفِي (المِصْباحِ): يَكُونُ (أحَدٌ) مُرادِفًا (لِواحِدٍ) في مَوْضِعَيْنِ سَماعًا: أحَدُهُما: وصْفُ اسْمِ البارِئِ تَعالى، فَقالَ: هو الواحِدُ وهو الأحَدُ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالأحَدِيَّةِ، فَلا يُشْرِكُهُ فِيها غَيْرُهُ. ولِهَذا لا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا يُقالُ: (رَجُلٌ أحَدٌ)، ولا: (دِرْهَمٌ أحَدٌ)، ونَحْوَ ذَلِكَ.
والمَوْضِعُ الثّانِي: أسْماءُ العَدَدِ لِلْغَلَبَةِ وكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَيُقالُ: أحَدٌ وعِشْرُونَ، وواحِدٌ وعِشْرُونَ. وفي غَيْرِ هَذَيْنِ يَقَعُ الفَرْقُ بَيْنَهُما في الِاسْتِعْمالِ، بِأنَّ (الأحَدَ) لِنَفْيِ ما يُذْكَرُ مَعَهُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الجَحْدِ، لِما فِيهِ العُمُومُ، نَحْوَ: (ما قامَ أحَدٌ). أوْ مُضافًا نَحْوَ: (ما قامَ أحَدُ الثَّلاثَةِ). و(الواحِدُ) اسْمٌ لِمُفْتَتَحِ العَدَدِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ، مُضافًا وغَيْرَ مُضافٍ. فَيُقالُ: (جاءَنِي واحِدٌ مِنَ القَوْمِ). انْتَهى.
(p-٦٢٩٦)وقالَ الأزْهَرِيُّ: الواحِدُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، مَعْناهُ أنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ الشَّيْءُ بِأنَّهُ واحِدٌ. فَأمّا أحَدٌ فَلا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ لِخُلُوصِ هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَهُ جَلَّ ثَناؤُهُ.
قالَ الإمامُ: ونُكِّرَ الخَبَرُ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ واحِدٌ، لا بِأنَّهُ لا واحِدَ سِواهُ. فَإنَّ الوَحْدَةَ تَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ، تَقُولُ: (لا أحَدَ في الدّارِ)، بِمَعْنى لا واحِدَ مِنَ النّاسِ فِيها. والَّذِي كانَ يَزْعُمُهُ المُخاطَبُونَ هو التَّعَدُّدُ في ذاتِهِ، فَأرادَ نَفْيَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أحَدٌ. وهو تَقْرِيرٌ لِخِلافِ ما يَعْتَقِدُ بِهِ أهْلُ الأصْلَيْنِ مِنَ المَجُوسِ، وما يَعْتَقِدُهُ القائِلُونَ بِالثَّلاثَةِ، مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ. وسَيَأْتِي لِابْنِ تَيْمِيَةَ كَلامٌ آخَرُ في سِرِّ إيثارِهِ بِالتَّنْكِيرِ.
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] أيِ: الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، ويُقْصَدُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ. إذْ يَنْتَهِي إلَيْهِ مُنْتَهى السُّؤْدُدِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في (المَقْصِدِ الأسْنى). وهَكَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّمَدُ عِنْدَ العَرَبِ هو السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ، الَّذِي لا أحَدَ فَوْقَهُ، وكَذَلِكَ تُسَمّى أشْرافُها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
قالَ الشِّهابُ: فَهو (فَعَلٌ) بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وصَمَدَ بِمَعْنى قَصَدَ. فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ وإلى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الصَّمَدِ لِلسَّلَفِ أقْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، قَدْ يُظَنُّ أنَّها مُخْتَلِفَةٌ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّها صَوابٌ والمَشْهُورُ مِنها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الصَّمَدَ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ.
والأوَّلُ هو قَوْلُ أكْثَرِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
والثّانِي قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ وجُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ.
(p-٦٢٩٧)ثُمَّ تَوَسَّعَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَأْخَذِ ذَلِكَ واشْتِقاقِهِ والمَأْثُورِ فِيهِ، إلى أنْ قالَ:
وإنَّما أدْخَلَ اللّامَ في "الصَّمَدُ" ولَمْ يُدْخِلْها في "أحَدٌ" لِأنَّهُ لَيْسَ في المَوْجُوداتِ ما يُسَمّى أحَدًا في الإثْباتِ مُفْرَدًا غَيْرَ مُضافٍ، ولَمْ يُوصَفْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْيانِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ. وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ اللَّهِ في النَّفْيِ وفي الإضافَةِ وفي العَدَدِ المُطْلَقِ، وأمّا اسْمُ الصَّمَدِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ، كَما تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَقُلْ: صَمَدٌ، بَلْ قالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فَبَيَّنَ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ هو الصَّمَدَ دُونَ ما سِواهُ؛ فَإنَّهُ المُسْتَوْجِبُ لِغايَتِهِ عَلى الكَمالِ، والمَخْلُوقُ وإنْ كانَ صَمَدًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الصَّمَدِيَّةِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ، فَإنَّهُ يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّجْزِئَةَ، وهو أيْضًا مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَلَيْسَ أحَدٌ يَصْمُدُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَصْمُدُ هو عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، ولَيْسَ في المَخْلُوقاتِ إلّا ما يَقْبَلُ أنْ يَتَجَزَّأ ويَتَفَرَّقَ ويَنْقَسِمَ ويَنْفَصِلَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ الصَّمَدِيَّةِ وكَمالُها لَهُ وحْدَهُ واجِبَةٌ لازِمَةٌ، لا يُمْكِنُ عَدَمُ صَمَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما لا يُمْكِنُ تَثْنِيَةُ أحَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ. وتَعْرِيَةُ الجُمْلَةِ عَلى العاطِفِ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى، بَيَّنَ أوَّلًا أُلُوهِيَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَتْبِعَةَ لِكافَّةِ نُعُوتِ الكَمالِ، ثُمَّ أحَدِيَّتَهُ المُوجِبَةَ تَنَزُّهَهُ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ والتَّرْكِيبِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها، ثُمَّ صَمَدِيَّتَهُ المُقْتَضِيَةَ لِاسْتِغْنائِهِ الذّاتِيِّ عَمّا سِواهُ، وافْتِقارِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ في وُجُودِها وبَقائِها وسائِرِ أحْوالِها؛ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإرْشادًا لَهم إلى سَنَنِهِ الواضِحِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ ما يَنْدَرِجُ فِيما تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَصِيبًا عَلى إبْطالِ زَعْمِ المُفْتَرِينَ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ النَّفْيُ عَلى صِيغَةِ الماضِي، أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ولَدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُجانِسُهُ شَيْءٌ لِيُمْكِنَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ"، ولا يَفْتَقِرُ إلى (p-٦٢٩٨)ما يُعِينُهُ أوْ يَخْلُفُهُ؛ لِاسْتِحالَةِ الحاجَةِ والفَناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وقَدْ شَمِلَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِن تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِنَ الوِلادَةِ كُلَّ أفْرادِها، سَواءً سَمَّوْها حِسِّيَّةً أوْ عَقْلِيَّةً، كَما تَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ الصّابِئُونَ مِن تَوَلُّدِ العُقُولِ العَشَرَةِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ الَّتِي هم مُضْطَرِبُونَ فِيها، هَلْ هي جَواهِرُ أوْ أعْراضٌ؟ وقَدْ يَجْعَلُونَ العُقُولَ بِمَنزِلَةِ الذُّكُورِ والنُّفُوسَ بِمَنزِلَةِ الإناثِ، ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ آباءَهم وأُمَّهاتِهِمْ وآلِهَتَهم وأرْبابَهُمُ القَرِيبَةَ، وذَلِكَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمُ، الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] وكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ أنَّ النُّفُوسَ هي المَلائِكَةُ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَفْيٌ لِإحاطَةِ النَّسَبِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ والِدٌ كانَ مِنهُ، وهو الآخِرُ الَّذِي لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْهُ ولَدٌ يَكُونُ عَنْهُ. قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] يُصَرِّحُ بِبُطْلانِ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ أرْبابِ الأدْيانِ مِن أنَّ ابْنًا لِلَّهِ يَكُونُ إلَهًا، ويُعْبَدُ عِبادَةَ الإلَهِ، ويُقْصَدُ فِيهِ الإلَهُ، بَلْ لا يَسْتَحِي الغالُونَ مِنهم أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ والِدَتِهِ بِأُمِّ الإلَهِ القادِرَةِ؛ فَإنَّ المَوْلُودَ حادِثٌ ولا يَكُونُ إلّا بِمِزاجٍ، وهو لا يَسْلَمُ مِن عاقِبَةِ الفَناءِ، ودَعْوى أنَّهُ أزَلِيٌّ مَعَ أبِيهِ، مِمّا لا يُمْكِنُ تَعْقِلُهُ؛ فَهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] أيْ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يُكافِئُهُ أيْ: يُماثِلُهُ مِن صاحِبَةٍ أوْ غَيْرِها. وقالَ الإمامُ: الكُفُؤُ مَعْناهُ المُكافِئُ والمُماثِلُ في العَمَلِ والقُدْرَةِ. وهو نَفْيٌ لِما يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الوَثَنِيِّينَ في الشَّيْطانِ مَثَلًا. فَقَدْ نَفى بِهَذِهِ السُّورَةِ (p-٦٢٩٩)جَمِيعَ أنْواعِ الإشْراكِ، وقَرَّرَ جَمِيعَ أُصُولِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكُفُؤُ والكَفِئُ والكِفاءُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ، وهو المِثْلُ والشَّبَهُ.
وقُرِئَ: "كُفُوًا" بِضَمِّ الكافِ والفاءِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. وقُرِئَ بِتَسْكِينِ الفاءِ وهَمْزِها، وهُما قِراءَتانِ مَعْرُوفَتانِ، ولُغَتانِ مَشْهُورَتانِ. و"لَهُ" صِلَةٌ لِـ: "كُفُوًا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ حَقَّها التَّأخُّرُ عَنْهُ؛ لِلِاهْتِمامِ بِها، لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ تَعالى. وأمّا تَأْخِيرُ اسْمِ كانَ فَلِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
فَوائِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ:
الأُولى: قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ المَأْمُورُ: "قُلْ" مِن شَأْنِهِ إذا امْتَثَلَ أنْ يَتَلَفَّظَ بِالمَقُولِ وحْدَهُ، فَلِمَ كانَتْ "قُلْ" مِنَ المَتْلُوِّ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ في القِراءَةِ؟ قُلْتُ: المَأْمُورُ بِهِ سَواءً كانَ مُعَيَّنًا أمْ لا، مَأْمُورٌ بِالإقْرارِ بِالمَقُولِ، فَأثْبَتَ القَوْلَ لِيَدُلَّ عَلى إيجابِ مَقُولِهِ ولُزُومِ الإقْرارِ بِهِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ.
الثّانِيَةُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] مِن أهْلِ الكَلامِ المُحْدَثِ مَن يَقُولُ: الرَّبُّ- تَعالى- جِسْمٌ. كَبَعْضِ الَّذِينَ وافَقُوا هِشامَ بْنَ الحَكَمِ ومُحَمَّدَ بْنَ كِرامٍ وغَيْرَهُما، قالُوا: هو صَمَدٌ، والصَّمَدُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ. وهَذا إنَّما يَكُونُ في الأجْسامِ المُصْمَتَةِ، فَإنَّها لا جَوْفَ لَها، كَما في الجِبالِ والصُّخُورِ وما يُصْنَعُ مِن عَوامِيدِ الحِجارَةِ؛ ولِهَذا قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ الَّذِي لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. ونَفْيُ هَذا لا يُعْقَلُ إلّا عَمّا هو جِسْمٌ.
وقالُوا: أصْلُ الصَّمَدِ: الِاجْتِماعُ، ومِنهُ تَصْمِيدُ المالِ. وهَذا إنَّما يَعْقِلُ في الجِسْمِ المُجْتَمَعِ. وأمّا النُّفاةُ فَقالُوا: الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ، وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ.
وقالُوا أيْضًا: الأحَدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ والِانْقِسامَ. وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والتَّجَزُّؤُ والِانْقِسامُ. وقالُوا: إذا قُلْتُمْ: هو جِسْمٌ كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا (p-٦٣٠٠)مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ أوْ مِنَ المادَّةِ والصُّورَةِ. وما كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مِن غَيْرِهِ كانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ صَمَدٌ، والصَّمَدُ الغَنِيُّ عَمَّنْ سِواهُ، فالمُرَكَّبُ لا يَكُونُ صَمَدًا. انْتَهى.
وقالَ الرّازِيُّ: قَدِ اسْتَدَلَّ القَوْمُ مِن جُهّالِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وهَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يُنافِي كَوْنَهُ جِسْمًا. فَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّمَدِ هَذا المَعْنى، ولِأنَّ الصَّمَدَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صِفَةُ الأجْسامِ المُتَضاغِطَةِ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فَإذَنْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى مَجازِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ، يَكُونُ عَدِيمَ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في وُجُودِهِ وبَقائِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ. انْتَهى.
وأقُولُ: التَّصْحِيحُ في تَأْوِيلِ الصَّمَدِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو ما حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ العَرَبِ في مَعْناهُ. وإذا تَحَقَّقَ هَذا، فَلا يُعَوَّلُ عَلى هَذا الثّانِي ولا لَوازِمِهِ.
الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ، يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يُماثِلَهُ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ الثّابِتَةِ لَهُ، وهَذانِ النَّوْعانِ يَجْمَعانِ التَّنْزِيهَ الواجِبَ لِلَّهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ دَلَّتْ عَلى النَّوْعَيْنِ، فَقَوْلُهُ: "أحَدٌ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَنْفِي المُماثَلَةَ والمُشارَكَةَ. وقَوْلُهُ: (صَمَدٌ) يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ، فالنَّقائِصُ جِنْسُها مَنفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما اخْتَصَّ بِهِ المَخْلُوقُ فَهو مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْها. بِخِلافِ ما يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ، ويُوصَفُ العَبْدُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِثْلَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والرَّحْمَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَقائِصَ بَلْ ما ثَبَتَ لِلَّهِ مِن هَذِهِ المَعانِي، فَإنَّهُ يَثْبُتُ لِلَّهِ عَلى وجْهٍ لا يُقارِبُهُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُماثِلَهُ فِيهِ، بَلْ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ لا يُماثِلُ ما خَلَقَهُ في الدُّنْيا وإنِ اتَّفَقا في الِاسْمِ، فَكِلاهُما مَخْلُوقٌ. فالخالِقُ تَعالى أبْعَدُ في مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ مِنَ المَخْلُوقاتِ إلى المَخْلُوقِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا رَؤُوفًا رَحِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَزِيزًا مَلِكًا جَبّارًا مُتَكَبِّرًا، وسَمّى أيْضًا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ بِهَذِهِ الأسْماءِ، مَعَ العِلْمِ أنَّهُ لَيْسَ المُسَمّى بِهَذِهِ الأسْماءِ مِنَ المَخْلُوقِينَ مُماثِلًا لِلْخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
(p-٦٣٠١)الرّابِعَةُ: قَدَّمْنا ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن أنَّ ««سُورَةَ الإخْلاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»» .
وقَدْ ذَكَرُوا في ذَلِكَ وُجُوهًا، مِنها ما قالَهُ أبُو العَبّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ثُلُثٌ مِنها لِلْأحْكامِ، وثُلُثٌ مِنها وعْدٌ ووَعِيدٌ، وثُلُثٌ مِنها الأسْماءُ والصِّفاتُ. وهَذِهِ السُّورَةُ جَمَعَتِ الأسْماءَ والصِّفاتِ. وقالَ الغَزالِيُّ في (جَواهِرِ القُرْآنِ): مُهِمّاتُ القُرْآنِ هي مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ الآخِرَةِ ومَعْرِفَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَهَذِهِ المَعارِفُ الثَّلاثَةُ هي المُهِمَّةُ، والباقِي تَوابِعُ. وسُورَةُ الإخْلاصِ تَشْتَمِلُ عَلى واحِدَةٍ مِنَ الثَّلاثِ، وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وتَقْدِيسُهُ وتَوْحِيدُهُ عَنْ مُشارِكٍ في الجِنْسِ والنَّوْعِ. وهو المُرادُ بِنَفْيِ الأصْلِ والفَرْعِ والكُفُؤِ.
قالَ: والوَصْفُ بِالصَّمَدِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لا يُقْصَدُ في الوُجُودِ لِلْحَوائِجِ سِواهُ. نَعَمْ، لَيْسَ فِيها حَدِيثُ الآخِرَةِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَلِذَلِكَ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، أيْ: ثُلُثَ الأُصُولِ مِنَ القُرْآنِ كَما قالَ: ««الحَجُّ عَرَفَةُ»» أيْ: هو الأصْلُ والباقِي تَبَعٌ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في سُنَّةِ الفَجْرِ والوِتْرِ بِسُورَتَيِ الإخْلاصِ والكافِرُونَ»» وهُما الجامِعَتانِ لِتَوْحِيدِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَوْحِيدِ المَعْرِفَةِ والإرادَةِ، وتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والقَصْدِ؛ فَسُورَةُ الإخْلاصِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والمَعْرِفَةِ، وما يَجِبُ إثْباتُهُ لِلرَّبِّ تَعالى مِنَ الأحَدِيَّةِ المُنافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. والصَّمَدِيَّةِ المُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ والوالِدِ الَّذِي هو مِن لازِمِ الصَّمَدِيَّةِ وغِناهُ وأحَدِيَّتُهُ، ونَفْيِ الكُفُؤِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ والمَثِيلِ والنَّظِيرِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتَ كُلِّ كَمالٍ لَهُ، ونَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، ونَفْيَ إثْباتِ شَبِيهٍ أوْ مِثْلٍ لَهُ في كَمالِهِ ونَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وهَذِهِ الأُصُولُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الِاعْتِقادِيِّ الَّذِي يُبايِنُ صاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلالِ والشِّرْكِ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَدارُهُ عَلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، والإنْشاءُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإباحَةٌ. والخَبَرُ نَوْعانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ، وخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ؛ فَأخْلَصَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ الخَبَرَ عَنْهُ (p-٦٣٠٢)وعَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ فَعَدَلَتْ ثُلُثَ القُرْآنِ، وخَلَّصَتْ قارِئَها المُؤْمِنَ مِنَ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ، كَما خَلَّصَتْ سُورَةُ "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" مِنَ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ الإرادِيِّ القَصْدِيِّ. ولَمّا كانَ العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ وهو إمامُهُ وقائِدُهُ وسائِقُهُ والحاكِمُ عَلَيْهِ ومُنْزِلُهُ مَنازِلَهُ، كانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، والأحادِيثُ بِذَلِكَ تَكادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، و﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ، وفي التِّرْمِذِيِّ: مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَرْفَعُهُ: ««"إذا زُلْزِلَتِ" تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ و"قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ»» رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ.
ولَمّا كانَ الشِّرْكُ العَمَلِيُّ الإرادِيُّ أغْلَبَ عَلى النُّفُوسِ لِأجْلِ مُتابَعَتِها هَواها، وكَثِيرٌ مِنها تَرْتَكِبُهُ مَعَ عِلْمِها بِمُضِرَّتِهِ وبُطْلانِهِ، لِما لَها فِيهِ مِن نَيْلِ الأغْراضِ، وإزالَتُهُ وقَلْعُهُ مِنها أصْعَبُ وأشَدُّ مِن قَلْعِ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ وإزالَتِهِ؛ لِأنَّ هَذا يَزُولُ بِالعِلْمِ والحُجَّةِ، ولا يُمْكِنُ صاحِبُهُ أنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ، بِخِلافِ شِرْكِ الإرادَةِ والقَصْدِ، فَإنَّ صاحِبَهُ يَرْتَكِبُ ما يَدُلُّهُ العِلْمُ عَلى بُطْلانِهِ وضَرَرِهِ لِأجْلِ غَلَبَةِ هَواهُ واسْتِيلاءِ سُلْطانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى نَفْسِهِ؛ فَجاءَ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّكْرارِ في سُورَةِ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" المُتَضَمِّنَةِ لِإزالَةِ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ ما يَجِيءُ مِثْلُهُ في سُورَةِ: "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ".
ولَمّا كانَ القُرْآنُ شَطْرَيْنِ: شَطْرًا في الدُّنْيا وأحْكامِها ومُتَعَلِّقاتِها والأُمُورِ الواقِعَةِ فِيها مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِها، وشَطْرًا في الآخِرَةِ وما يَقَعُ فِيها، وكانَتْ سُورَةُ "إذا زُلْزِلَتِ" قَدْ أخْلَصَتْ مِن أوَّلِها وآخِرِها لِهَذا الشَّطْرِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إلّا الآخِرَةَ، وما يَكُونُ مِن أحْوالِ الأرْضِ وسُكّانِها، كانَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ فَأحْرِ بِهَذا الحَدِيثِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦٣٠٣)الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: سُورَةُ "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" أكْثَرُهم عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقَدْ ذَكَرَ في أسْبابِ نُزُولِها سُؤالَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وسُؤالَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، ولا مُنافاةَ؛ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَها بِمَكَّةَ أوَّلًا، ثُمَّ لَمّا سُئِلَ نَحْوَ ذَلِكَ أنْزَلَها مَرَّةً أُخْرى، وهَذا مِمّا ذَكَرَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ. وقالُوا: إنَّ الآيَةَ أوِ السُّورَةَ قَدْ تَنْزِلُ مَرَّتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ فَما يُذْكَرُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ المُتَعَدِّدَةِ قَدْ يَكُونُ جَمِيعُهُ حَقًّا، والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا حَدَثَ سَبَبٌ يُناسِبُها، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، لِيُعْلِمَهُ أنَّها تَتَضَمَّنُ جَوابَ ذَلِكَ السَّبَبِ، وإنْ كانَ الرَّسُولُ يَحْفَظُها قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ومَواضِعَ أُخَرَ مِنهُ تَحْقِيقُ البَحْثِ في مَعْنى النُّزُولِ بِما يَدْفَعُ المُنافاةَ في أمْثالِ هَذا، فَراجِعْهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ تَفاسِيرُ عَلى حِدَةٍ، مِن أمْثَلِها كِتابانِ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ: أحَدُهُما في تَفْسِيرِها، والثّانِي في سِرِّ كَوْنِها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فاحْتَفِظْ بِهِما. واللَّهُ الهادِي.
الإخلاص 112:3
(p-٦٢٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الإخْلاصِ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلى سَرِيَّةٍ. وكانَ يَقْرَأُ لِأصْحابِهِ في صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ (قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ). فَلَمّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: سَلُوهُ لِأيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ. فَسَألُوهُ. فَقالَ: لِأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وأنا أُحِبُّ أنْ أقْرَأ بِها. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّهُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في قِصَّةٍ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ! انْسُبْ لَنا رَبَّكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ».
(p-٦٢٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: الخَبَرُ الحَقُّ المُؤَيَّدُ بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يُرْتابُ فِيهِ، وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالقِصَّةِ أوِ الحَدِيثِ أوِ الشَّأْنِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ، مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِهِ الإيذانُ بِأنَّهُ مِنَ الشُّهْرَةِ والنَّباهَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُهُ كُلُّ أحَدٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كُلُّ مُشِيرٍ، وإلَيْهِ يَعُودُ كُلُّ ضَمِيرٍ "اللَّهُ أحَدٌ" أيْ: واحِدٌ في الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: "أحَدٌ" بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: (الأحَدُ) في أسْمائِهِ تَعالى الفَرْدُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وحْدَهُ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ آخَرُ. والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ. وأصْلُهُ: (وحَدَ)؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَحْدَةِ.
وفِي (المِصْباحِ): يَكُونُ (أحَدٌ) مُرادِفًا (لِواحِدٍ) في مَوْضِعَيْنِ سَماعًا: أحَدُهُما: وصْفُ اسْمِ البارِئِ تَعالى، فَقالَ: هو الواحِدُ وهو الأحَدُ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالأحَدِيَّةِ، فَلا يُشْرِكُهُ فِيها غَيْرُهُ. ولِهَذا لا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا يُقالُ: (رَجُلٌ أحَدٌ)، ولا: (دِرْهَمٌ أحَدٌ)، ونَحْوَ ذَلِكَ.
والمَوْضِعُ الثّانِي: أسْماءُ العَدَدِ لِلْغَلَبَةِ وكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَيُقالُ: أحَدٌ وعِشْرُونَ، وواحِدٌ وعِشْرُونَ. وفي غَيْرِ هَذَيْنِ يَقَعُ الفَرْقُ بَيْنَهُما في الِاسْتِعْمالِ، بِأنَّ (الأحَدَ) لِنَفْيِ ما يُذْكَرُ مَعَهُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الجَحْدِ، لِما فِيهِ العُمُومُ، نَحْوَ: (ما قامَ أحَدٌ). أوْ مُضافًا نَحْوَ: (ما قامَ أحَدُ الثَّلاثَةِ). و(الواحِدُ) اسْمٌ لِمُفْتَتَحِ العَدَدِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ، مُضافًا وغَيْرَ مُضافٍ. فَيُقالُ: (جاءَنِي واحِدٌ مِنَ القَوْمِ). انْتَهى.
(p-٦٢٩٦)وقالَ الأزْهَرِيُّ: الواحِدُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، مَعْناهُ أنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ الشَّيْءُ بِأنَّهُ واحِدٌ. فَأمّا أحَدٌ فَلا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ لِخُلُوصِ هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَهُ جَلَّ ثَناؤُهُ.
قالَ الإمامُ: ونُكِّرَ الخَبَرُ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ واحِدٌ، لا بِأنَّهُ لا واحِدَ سِواهُ. فَإنَّ الوَحْدَةَ تَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ، تَقُولُ: (لا أحَدَ في الدّارِ)، بِمَعْنى لا واحِدَ مِنَ النّاسِ فِيها. والَّذِي كانَ يَزْعُمُهُ المُخاطَبُونَ هو التَّعَدُّدُ في ذاتِهِ، فَأرادَ نَفْيَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أحَدٌ. وهو تَقْرِيرٌ لِخِلافِ ما يَعْتَقِدُ بِهِ أهْلُ الأصْلَيْنِ مِنَ المَجُوسِ، وما يَعْتَقِدُهُ القائِلُونَ بِالثَّلاثَةِ، مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ. وسَيَأْتِي لِابْنِ تَيْمِيَةَ كَلامٌ آخَرُ في سِرِّ إيثارِهِ بِالتَّنْكِيرِ.
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] أيِ: الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، ويُقْصَدُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ. إذْ يَنْتَهِي إلَيْهِ مُنْتَهى السُّؤْدُدِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في (المَقْصِدِ الأسْنى). وهَكَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّمَدُ عِنْدَ العَرَبِ هو السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ، الَّذِي لا أحَدَ فَوْقَهُ، وكَذَلِكَ تُسَمّى أشْرافُها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
قالَ الشِّهابُ: فَهو (فَعَلٌ) بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وصَمَدَ بِمَعْنى قَصَدَ. فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ وإلى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الصَّمَدِ لِلسَّلَفِ أقْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، قَدْ يُظَنُّ أنَّها مُخْتَلِفَةٌ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّها صَوابٌ والمَشْهُورُ مِنها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الصَّمَدَ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ.
والأوَّلُ هو قَوْلُ أكْثَرِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
والثّانِي قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ وجُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ.
(p-٦٢٩٧)ثُمَّ تَوَسَّعَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَأْخَذِ ذَلِكَ واشْتِقاقِهِ والمَأْثُورِ فِيهِ، إلى أنْ قالَ:
وإنَّما أدْخَلَ اللّامَ في "الصَّمَدُ" ولَمْ يُدْخِلْها في "أحَدٌ" لِأنَّهُ لَيْسَ في المَوْجُوداتِ ما يُسَمّى أحَدًا في الإثْباتِ مُفْرَدًا غَيْرَ مُضافٍ، ولَمْ يُوصَفْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْيانِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ. وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ اللَّهِ في النَّفْيِ وفي الإضافَةِ وفي العَدَدِ المُطْلَقِ، وأمّا اسْمُ الصَّمَدِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ، كَما تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَقُلْ: صَمَدٌ، بَلْ قالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فَبَيَّنَ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ هو الصَّمَدَ دُونَ ما سِواهُ؛ فَإنَّهُ المُسْتَوْجِبُ لِغايَتِهِ عَلى الكَمالِ، والمَخْلُوقُ وإنْ كانَ صَمَدًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الصَّمَدِيَّةِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ، فَإنَّهُ يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّجْزِئَةَ، وهو أيْضًا مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَلَيْسَ أحَدٌ يَصْمُدُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَصْمُدُ هو عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، ولَيْسَ في المَخْلُوقاتِ إلّا ما يَقْبَلُ أنْ يَتَجَزَّأ ويَتَفَرَّقَ ويَنْقَسِمَ ويَنْفَصِلَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ الصَّمَدِيَّةِ وكَمالُها لَهُ وحْدَهُ واجِبَةٌ لازِمَةٌ، لا يُمْكِنُ عَدَمُ صَمَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما لا يُمْكِنُ تَثْنِيَةُ أحَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ. وتَعْرِيَةُ الجُمْلَةِ عَلى العاطِفِ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى، بَيَّنَ أوَّلًا أُلُوهِيَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَتْبِعَةَ لِكافَّةِ نُعُوتِ الكَمالِ، ثُمَّ أحَدِيَّتَهُ المُوجِبَةَ تَنَزُّهَهُ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ والتَّرْكِيبِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها، ثُمَّ صَمَدِيَّتَهُ المُقْتَضِيَةَ لِاسْتِغْنائِهِ الذّاتِيِّ عَمّا سِواهُ، وافْتِقارِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ في وُجُودِها وبَقائِها وسائِرِ أحْوالِها؛ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإرْشادًا لَهم إلى سَنَنِهِ الواضِحِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ ما يَنْدَرِجُ فِيما تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَصِيبًا عَلى إبْطالِ زَعْمِ المُفْتَرِينَ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ النَّفْيُ عَلى صِيغَةِ الماضِي، أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ولَدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُجانِسُهُ شَيْءٌ لِيُمْكِنَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ"، ولا يَفْتَقِرُ إلى (p-٦٢٩٨)ما يُعِينُهُ أوْ يَخْلُفُهُ؛ لِاسْتِحالَةِ الحاجَةِ والفَناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وقَدْ شَمِلَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِن تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِنَ الوِلادَةِ كُلَّ أفْرادِها، سَواءً سَمَّوْها حِسِّيَّةً أوْ عَقْلِيَّةً، كَما تَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ الصّابِئُونَ مِن تَوَلُّدِ العُقُولِ العَشَرَةِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ الَّتِي هم مُضْطَرِبُونَ فِيها، هَلْ هي جَواهِرُ أوْ أعْراضٌ؟ وقَدْ يَجْعَلُونَ العُقُولَ بِمَنزِلَةِ الذُّكُورِ والنُّفُوسَ بِمَنزِلَةِ الإناثِ، ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ آباءَهم وأُمَّهاتِهِمْ وآلِهَتَهم وأرْبابَهُمُ القَرِيبَةَ، وذَلِكَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمُ، الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] وكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ أنَّ النُّفُوسَ هي المَلائِكَةُ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَفْيٌ لِإحاطَةِ النَّسَبِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ والِدٌ كانَ مِنهُ، وهو الآخِرُ الَّذِي لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْهُ ولَدٌ يَكُونُ عَنْهُ. قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] يُصَرِّحُ بِبُطْلانِ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ أرْبابِ الأدْيانِ مِن أنَّ ابْنًا لِلَّهِ يَكُونُ إلَهًا، ويُعْبَدُ عِبادَةَ الإلَهِ، ويُقْصَدُ فِيهِ الإلَهُ، بَلْ لا يَسْتَحِي الغالُونَ مِنهم أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ والِدَتِهِ بِأُمِّ الإلَهِ القادِرَةِ؛ فَإنَّ المَوْلُودَ حادِثٌ ولا يَكُونُ إلّا بِمِزاجٍ، وهو لا يَسْلَمُ مِن عاقِبَةِ الفَناءِ، ودَعْوى أنَّهُ أزَلِيٌّ مَعَ أبِيهِ، مِمّا لا يُمْكِنُ تَعْقِلُهُ؛ فَهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] أيْ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يُكافِئُهُ أيْ: يُماثِلُهُ مِن صاحِبَةٍ أوْ غَيْرِها. وقالَ الإمامُ: الكُفُؤُ مَعْناهُ المُكافِئُ والمُماثِلُ في العَمَلِ والقُدْرَةِ. وهو نَفْيٌ لِما يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الوَثَنِيِّينَ في الشَّيْطانِ مَثَلًا. فَقَدْ نَفى بِهَذِهِ السُّورَةِ (p-٦٢٩٩)جَمِيعَ أنْواعِ الإشْراكِ، وقَرَّرَ جَمِيعَ أُصُولِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكُفُؤُ والكَفِئُ والكِفاءُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ، وهو المِثْلُ والشَّبَهُ.
وقُرِئَ: "كُفُوًا" بِضَمِّ الكافِ والفاءِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. وقُرِئَ بِتَسْكِينِ الفاءِ وهَمْزِها، وهُما قِراءَتانِ مَعْرُوفَتانِ، ولُغَتانِ مَشْهُورَتانِ. و"لَهُ" صِلَةٌ لِـ: "كُفُوًا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ حَقَّها التَّأخُّرُ عَنْهُ؛ لِلِاهْتِمامِ بِها، لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ تَعالى. وأمّا تَأْخِيرُ اسْمِ كانَ فَلِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
فَوائِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ:
الأُولى: قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ المَأْمُورُ: "قُلْ" مِن شَأْنِهِ إذا امْتَثَلَ أنْ يَتَلَفَّظَ بِالمَقُولِ وحْدَهُ، فَلِمَ كانَتْ "قُلْ" مِنَ المَتْلُوِّ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ في القِراءَةِ؟ قُلْتُ: المَأْمُورُ بِهِ سَواءً كانَ مُعَيَّنًا أمْ لا، مَأْمُورٌ بِالإقْرارِ بِالمَقُولِ، فَأثْبَتَ القَوْلَ لِيَدُلَّ عَلى إيجابِ مَقُولِهِ ولُزُومِ الإقْرارِ بِهِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ.
الثّانِيَةُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] مِن أهْلِ الكَلامِ المُحْدَثِ مَن يَقُولُ: الرَّبُّ- تَعالى- جِسْمٌ. كَبَعْضِ الَّذِينَ وافَقُوا هِشامَ بْنَ الحَكَمِ ومُحَمَّدَ بْنَ كِرامٍ وغَيْرَهُما، قالُوا: هو صَمَدٌ، والصَّمَدُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ. وهَذا إنَّما يَكُونُ في الأجْسامِ المُصْمَتَةِ، فَإنَّها لا جَوْفَ لَها، كَما في الجِبالِ والصُّخُورِ وما يُصْنَعُ مِن عَوامِيدِ الحِجارَةِ؛ ولِهَذا قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ الَّذِي لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. ونَفْيُ هَذا لا يُعْقَلُ إلّا عَمّا هو جِسْمٌ.
وقالُوا: أصْلُ الصَّمَدِ: الِاجْتِماعُ، ومِنهُ تَصْمِيدُ المالِ. وهَذا إنَّما يَعْقِلُ في الجِسْمِ المُجْتَمَعِ. وأمّا النُّفاةُ فَقالُوا: الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ، وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ.
وقالُوا أيْضًا: الأحَدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ والِانْقِسامَ. وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والتَّجَزُّؤُ والِانْقِسامُ. وقالُوا: إذا قُلْتُمْ: هو جِسْمٌ كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا (p-٦٣٠٠)مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ أوْ مِنَ المادَّةِ والصُّورَةِ. وما كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مِن غَيْرِهِ كانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ صَمَدٌ، والصَّمَدُ الغَنِيُّ عَمَّنْ سِواهُ، فالمُرَكَّبُ لا يَكُونُ صَمَدًا. انْتَهى.
وقالَ الرّازِيُّ: قَدِ اسْتَدَلَّ القَوْمُ مِن جُهّالِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وهَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يُنافِي كَوْنَهُ جِسْمًا. فَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّمَدِ هَذا المَعْنى، ولِأنَّ الصَّمَدَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صِفَةُ الأجْسامِ المُتَضاغِطَةِ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فَإذَنْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى مَجازِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ، يَكُونُ عَدِيمَ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في وُجُودِهِ وبَقائِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ. انْتَهى.
وأقُولُ: التَّصْحِيحُ في تَأْوِيلِ الصَّمَدِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو ما حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ العَرَبِ في مَعْناهُ. وإذا تَحَقَّقَ هَذا، فَلا يُعَوَّلُ عَلى هَذا الثّانِي ولا لَوازِمِهِ.
الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ، يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يُماثِلَهُ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ الثّابِتَةِ لَهُ، وهَذانِ النَّوْعانِ يَجْمَعانِ التَّنْزِيهَ الواجِبَ لِلَّهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ دَلَّتْ عَلى النَّوْعَيْنِ، فَقَوْلُهُ: "أحَدٌ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَنْفِي المُماثَلَةَ والمُشارَكَةَ. وقَوْلُهُ: (صَمَدٌ) يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ، فالنَّقائِصُ جِنْسُها مَنفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما اخْتَصَّ بِهِ المَخْلُوقُ فَهو مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْها. بِخِلافِ ما يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ، ويُوصَفُ العَبْدُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِثْلَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والرَّحْمَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَقائِصَ بَلْ ما ثَبَتَ لِلَّهِ مِن هَذِهِ المَعانِي، فَإنَّهُ يَثْبُتُ لِلَّهِ عَلى وجْهٍ لا يُقارِبُهُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُماثِلَهُ فِيهِ، بَلْ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ لا يُماثِلُ ما خَلَقَهُ في الدُّنْيا وإنِ اتَّفَقا في الِاسْمِ، فَكِلاهُما مَخْلُوقٌ. فالخالِقُ تَعالى أبْعَدُ في مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ مِنَ المَخْلُوقاتِ إلى المَخْلُوقِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا رَؤُوفًا رَحِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَزِيزًا مَلِكًا جَبّارًا مُتَكَبِّرًا، وسَمّى أيْضًا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ بِهَذِهِ الأسْماءِ، مَعَ العِلْمِ أنَّهُ لَيْسَ المُسَمّى بِهَذِهِ الأسْماءِ مِنَ المَخْلُوقِينَ مُماثِلًا لِلْخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
(p-٦٣٠١)الرّابِعَةُ: قَدَّمْنا ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن أنَّ ««سُورَةَ الإخْلاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»» .
وقَدْ ذَكَرُوا في ذَلِكَ وُجُوهًا، مِنها ما قالَهُ أبُو العَبّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ثُلُثٌ مِنها لِلْأحْكامِ، وثُلُثٌ مِنها وعْدٌ ووَعِيدٌ، وثُلُثٌ مِنها الأسْماءُ والصِّفاتُ. وهَذِهِ السُّورَةُ جَمَعَتِ الأسْماءَ والصِّفاتِ. وقالَ الغَزالِيُّ في (جَواهِرِ القُرْآنِ): مُهِمّاتُ القُرْآنِ هي مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ الآخِرَةِ ومَعْرِفَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَهَذِهِ المَعارِفُ الثَّلاثَةُ هي المُهِمَّةُ، والباقِي تَوابِعُ. وسُورَةُ الإخْلاصِ تَشْتَمِلُ عَلى واحِدَةٍ مِنَ الثَّلاثِ، وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وتَقْدِيسُهُ وتَوْحِيدُهُ عَنْ مُشارِكٍ في الجِنْسِ والنَّوْعِ. وهو المُرادُ بِنَفْيِ الأصْلِ والفَرْعِ والكُفُؤِ.
قالَ: والوَصْفُ بِالصَّمَدِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لا يُقْصَدُ في الوُجُودِ لِلْحَوائِجِ سِواهُ. نَعَمْ، لَيْسَ فِيها حَدِيثُ الآخِرَةِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَلِذَلِكَ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، أيْ: ثُلُثَ الأُصُولِ مِنَ القُرْآنِ كَما قالَ: ««الحَجُّ عَرَفَةُ»» أيْ: هو الأصْلُ والباقِي تَبَعٌ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في سُنَّةِ الفَجْرِ والوِتْرِ بِسُورَتَيِ الإخْلاصِ والكافِرُونَ»» وهُما الجامِعَتانِ لِتَوْحِيدِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَوْحِيدِ المَعْرِفَةِ والإرادَةِ، وتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والقَصْدِ؛ فَسُورَةُ الإخْلاصِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والمَعْرِفَةِ، وما يَجِبُ إثْباتُهُ لِلرَّبِّ تَعالى مِنَ الأحَدِيَّةِ المُنافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. والصَّمَدِيَّةِ المُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ والوالِدِ الَّذِي هو مِن لازِمِ الصَّمَدِيَّةِ وغِناهُ وأحَدِيَّتُهُ، ونَفْيِ الكُفُؤِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ والمَثِيلِ والنَّظِيرِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتَ كُلِّ كَمالٍ لَهُ، ونَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، ونَفْيَ إثْباتِ شَبِيهٍ أوْ مِثْلٍ لَهُ في كَمالِهِ ونَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وهَذِهِ الأُصُولُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الِاعْتِقادِيِّ الَّذِي يُبايِنُ صاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلالِ والشِّرْكِ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَدارُهُ عَلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، والإنْشاءُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإباحَةٌ. والخَبَرُ نَوْعانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ، وخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ؛ فَأخْلَصَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ الخَبَرَ عَنْهُ (p-٦٣٠٢)وعَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ فَعَدَلَتْ ثُلُثَ القُرْآنِ، وخَلَّصَتْ قارِئَها المُؤْمِنَ مِنَ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ، كَما خَلَّصَتْ سُورَةُ "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" مِنَ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ الإرادِيِّ القَصْدِيِّ. ولَمّا كانَ العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ وهو إمامُهُ وقائِدُهُ وسائِقُهُ والحاكِمُ عَلَيْهِ ومُنْزِلُهُ مَنازِلَهُ، كانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، والأحادِيثُ بِذَلِكَ تَكادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، و﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ، وفي التِّرْمِذِيِّ: مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَرْفَعُهُ: ««"إذا زُلْزِلَتِ" تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ و"قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ»» رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ.
ولَمّا كانَ الشِّرْكُ العَمَلِيُّ الإرادِيُّ أغْلَبَ عَلى النُّفُوسِ لِأجْلِ مُتابَعَتِها هَواها، وكَثِيرٌ مِنها تَرْتَكِبُهُ مَعَ عِلْمِها بِمُضِرَّتِهِ وبُطْلانِهِ، لِما لَها فِيهِ مِن نَيْلِ الأغْراضِ، وإزالَتُهُ وقَلْعُهُ مِنها أصْعَبُ وأشَدُّ مِن قَلْعِ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ وإزالَتِهِ؛ لِأنَّ هَذا يَزُولُ بِالعِلْمِ والحُجَّةِ، ولا يُمْكِنُ صاحِبُهُ أنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ، بِخِلافِ شِرْكِ الإرادَةِ والقَصْدِ، فَإنَّ صاحِبَهُ يَرْتَكِبُ ما يَدُلُّهُ العِلْمُ عَلى بُطْلانِهِ وضَرَرِهِ لِأجْلِ غَلَبَةِ هَواهُ واسْتِيلاءِ سُلْطانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى نَفْسِهِ؛ فَجاءَ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّكْرارِ في سُورَةِ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" المُتَضَمِّنَةِ لِإزالَةِ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ ما يَجِيءُ مِثْلُهُ في سُورَةِ: "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ".
ولَمّا كانَ القُرْآنُ شَطْرَيْنِ: شَطْرًا في الدُّنْيا وأحْكامِها ومُتَعَلِّقاتِها والأُمُورِ الواقِعَةِ فِيها مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِها، وشَطْرًا في الآخِرَةِ وما يَقَعُ فِيها، وكانَتْ سُورَةُ "إذا زُلْزِلَتِ" قَدْ أخْلَصَتْ مِن أوَّلِها وآخِرِها لِهَذا الشَّطْرِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إلّا الآخِرَةَ، وما يَكُونُ مِن أحْوالِ الأرْضِ وسُكّانِها، كانَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ فَأحْرِ بِهَذا الحَدِيثِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦٣٠٣)الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: سُورَةُ "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" أكْثَرُهم عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقَدْ ذَكَرَ في أسْبابِ نُزُولِها سُؤالَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وسُؤالَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، ولا مُنافاةَ؛ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَها بِمَكَّةَ أوَّلًا، ثُمَّ لَمّا سُئِلَ نَحْوَ ذَلِكَ أنْزَلَها مَرَّةً أُخْرى، وهَذا مِمّا ذَكَرَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ. وقالُوا: إنَّ الآيَةَ أوِ السُّورَةَ قَدْ تَنْزِلُ مَرَّتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ فَما يُذْكَرُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ المُتَعَدِّدَةِ قَدْ يَكُونُ جَمِيعُهُ حَقًّا، والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا حَدَثَ سَبَبٌ يُناسِبُها، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، لِيُعْلِمَهُ أنَّها تَتَضَمَّنُ جَوابَ ذَلِكَ السَّبَبِ، وإنْ كانَ الرَّسُولُ يَحْفَظُها قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ومَواضِعَ أُخَرَ مِنهُ تَحْقِيقُ البَحْثِ في مَعْنى النُّزُولِ بِما يَدْفَعُ المُنافاةَ في أمْثالِ هَذا، فَراجِعْهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ تَفاسِيرُ عَلى حِدَةٍ، مِن أمْثَلِها كِتابانِ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ: أحَدُهُما في تَفْسِيرِها، والثّانِي في سِرِّ كَوْنِها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فاحْتَفِظْ بِهِما. واللَّهُ الهادِي.
الإخلاص 112:4
(p-٦٢٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الإخْلاصِ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلى سَرِيَّةٍ. وكانَ يَقْرَأُ لِأصْحابِهِ في صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ (قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ). فَلَمّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: سَلُوهُ لِأيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ. فَسَألُوهُ. فَقالَ: لِأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وأنا أُحِبُّ أنْ أقْرَأ بِها. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّهُ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في قِصَّةٍ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ! انْسُبْ لَنا رَبَّكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ».
(p-٦٢٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: الخَبَرُ الحَقُّ المُؤَيَّدُ بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يُرْتابُ فِيهِ، وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالقِصَّةِ أوِ الحَدِيثِ أوِ الشَّأْنِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ، مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِهِ الإيذانُ بِأنَّهُ مِنَ الشُّهْرَةِ والنَّباهَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُهُ كُلُّ أحَدٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كُلُّ مُشِيرٍ، وإلَيْهِ يَعُودُ كُلُّ ضَمِيرٍ "اللَّهُ أحَدٌ" أيْ: واحِدٌ في الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: "أحَدٌ" بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: (الأحَدُ) في أسْمائِهِ تَعالى الفَرْدُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وحْدَهُ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ آخَرُ. والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ. وأصْلُهُ: (وحَدَ)؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَحْدَةِ.
وفِي (المِصْباحِ): يَكُونُ (أحَدٌ) مُرادِفًا (لِواحِدٍ) في مَوْضِعَيْنِ سَماعًا: أحَدُهُما: وصْفُ اسْمِ البارِئِ تَعالى، فَقالَ: هو الواحِدُ وهو الأحَدُ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالأحَدِيَّةِ، فَلا يُشْرِكُهُ فِيها غَيْرُهُ. ولِهَذا لا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا يُقالُ: (رَجُلٌ أحَدٌ)، ولا: (دِرْهَمٌ أحَدٌ)، ونَحْوَ ذَلِكَ.
والمَوْضِعُ الثّانِي: أسْماءُ العَدَدِ لِلْغَلَبَةِ وكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَيُقالُ: أحَدٌ وعِشْرُونَ، وواحِدٌ وعِشْرُونَ. وفي غَيْرِ هَذَيْنِ يَقَعُ الفَرْقُ بَيْنَهُما في الِاسْتِعْمالِ، بِأنَّ (الأحَدَ) لِنَفْيِ ما يُذْكَرُ مَعَهُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الجَحْدِ، لِما فِيهِ العُمُومُ، نَحْوَ: (ما قامَ أحَدٌ). أوْ مُضافًا نَحْوَ: (ما قامَ أحَدُ الثَّلاثَةِ). و(الواحِدُ) اسْمٌ لِمُفْتَتَحِ العَدَدِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ، مُضافًا وغَيْرَ مُضافٍ. فَيُقالُ: (جاءَنِي واحِدٌ مِنَ القَوْمِ). انْتَهى.
(p-٦٢٩٦)وقالَ الأزْهَرِيُّ: الواحِدُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، مَعْناهُ أنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ الشَّيْءُ بِأنَّهُ واحِدٌ. فَأمّا أحَدٌ فَلا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى؛ لِخُلُوصِ هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَهُ جَلَّ ثَناؤُهُ.
قالَ الإمامُ: ونُكِّرَ الخَبَرُ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ واحِدٌ، لا بِأنَّهُ لا واحِدَ سِواهُ. فَإنَّ الوَحْدَةَ تَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ، تَقُولُ: (لا أحَدَ في الدّارِ)، بِمَعْنى لا واحِدَ مِنَ النّاسِ فِيها. والَّذِي كانَ يَزْعُمُهُ المُخاطَبُونَ هو التَّعَدُّدُ في ذاتِهِ، فَأرادَ نَفْيَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أحَدٌ. وهو تَقْرِيرٌ لِخِلافِ ما يَعْتَقِدُ بِهِ أهْلُ الأصْلَيْنِ مِنَ المَجُوسِ، وما يَعْتَقِدُهُ القائِلُونَ بِالثَّلاثَةِ، مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ. وسَيَأْتِي لِابْنِ تَيْمِيَةَ كَلامٌ آخَرُ في سِرِّ إيثارِهِ بِالتَّنْكِيرِ.
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] أيِ: الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، ويُقْصَدُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ. إذْ يَنْتَهِي إلَيْهِ مُنْتَهى السُّؤْدُدِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في (المَقْصِدِ الأسْنى). وهَكَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّمَدُ عِنْدَ العَرَبِ هو السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ، الَّذِي لا أحَدَ فَوْقَهُ، وكَذَلِكَ تُسَمّى أشْرافُها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
قالَ الشِّهابُ: فَهو (فَعَلٌ) بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وصَمَدَ بِمَعْنى قَصَدَ. فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ وإلى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الصَّمَدِ لِلسَّلَفِ أقْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، قَدْ يُظَنُّ أنَّها مُخْتَلِفَةٌ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّها صَوابٌ والمَشْهُورُ مِنها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الصَّمَدَ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ.
والأوَّلُ هو قَوْلُ أكْثَرِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
والثّانِي قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ وجُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ.
(p-٦٢٩٧)ثُمَّ تَوَسَّعَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَأْخَذِ ذَلِكَ واشْتِقاقِهِ والمَأْثُورِ فِيهِ، إلى أنْ قالَ:
وإنَّما أدْخَلَ اللّامَ في "الصَّمَدُ" ولَمْ يُدْخِلْها في "أحَدٌ" لِأنَّهُ لَيْسَ في المَوْجُوداتِ ما يُسَمّى أحَدًا في الإثْباتِ مُفْرَدًا غَيْرَ مُضافٍ، ولَمْ يُوصَفْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْيانِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ. وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ اللَّهِ في النَّفْيِ وفي الإضافَةِ وفي العَدَدِ المُطْلَقِ، وأمّا اسْمُ الصَّمَدِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ، كَما تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَقُلْ: صَمَدٌ، بَلْ قالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فَبَيَّنَ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ هو الصَّمَدَ دُونَ ما سِواهُ؛ فَإنَّهُ المُسْتَوْجِبُ لِغايَتِهِ عَلى الكَمالِ، والمَخْلُوقُ وإنْ كانَ صَمَدًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الصَّمَدِيَّةِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ، فَإنَّهُ يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّجْزِئَةَ، وهو أيْضًا مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَلَيْسَ أحَدٌ يَصْمُدُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَصْمُدُ هو عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، ولَيْسَ في المَخْلُوقاتِ إلّا ما يَقْبَلُ أنْ يَتَجَزَّأ ويَتَفَرَّقَ ويَنْقَسِمَ ويَنْفَصِلَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ الصَّمَدِيَّةِ وكَمالُها لَهُ وحْدَهُ واجِبَةٌ لازِمَةٌ، لا يُمْكِنُ عَدَمُ صَمَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما لا يُمْكِنُ تَثْنِيَةُ أحَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ. وتَعْرِيَةُ الجُمْلَةِ عَلى العاطِفِ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى، بَيَّنَ أوَّلًا أُلُوهِيَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَتْبِعَةَ لِكافَّةِ نُعُوتِ الكَمالِ، ثُمَّ أحَدِيَّتَهُ المُوجِبَةَ تَنَزُّهَهُ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ والتَّرْكِيبِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها، ثُمَّ صَمَدِيَّتَهُ المُقْتَضِيَةَ لِاسْتِغْنائِهِ الذّاتِيِّ عَمّا سِواهُ، وافْتِقارِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ في وُجُودِها وبَقائِها وسائِرِ أحْوالِها؛ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإرْشادًا لَهم إلى سَنَنِهِ الواضِحِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ ما يَنْدَرِجُ فِيما تَقَدَّمَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَصِيبًا عَلى إبْطالِ زَعْمِ المُفْتَرِينَ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ النَّفْيُ عَلى صِيغَةِ الماضِي، أيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ولَدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُجانِسُهُ شَيْءٌ لِيُمْكِنَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ"، ولا يَفْتَقِرُ إلى (p-٦٢٩٨)ما يُعِينُهُ أوْ يَخْلُفُهُ؛ لِاسْتِحالَةِ الحاجَةِ والفَناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وقَدْ شَمِلَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِن تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِنَ الوِلادَةِ كُلَّ أفْرادِها، سَواءً سَمَّوْها حِسِّيَّةً أوْ عَقْلِيَّةً، كَما تَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ الصّابِئُونَ مِن تَوَلُّدِ العُقُولِ العَشَرَةِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ الَّتِي هم مُضْطَرِبُونَ فِيها، هَلْ هي جَواهِرُ أوْ أعْراضٌ؟ وقَدْ يَجْعَلُونَ العُقُولَ بِمَنزِلَةِ الذُّكُورِ والنُّفُوسَ بِمَنزِلَةِ الإناثِ، ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ آباءَهم وأُمَّهاتِهِمْ وآلِهَتَهم وأرْبابَهُمُ القَرِيبَةَ، وذَلِكَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمُ، الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] وكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ أنَّ النُّفُوسَ هي المَلائِكَةُ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] نَفْيٌ لِإحاطَةِ النَّسَبِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ والِدٌ كانَ مِنهُ، وهو الآخِرُ الَّذِي لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْهُ ولَدٌ يَكُونُ عَنْهُ. قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] يُصَرِّحُ بِبُطْلانِ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ أرْبابِ الأدْيانِ مِن أنَّ ابْنًا لِلَّهِ يَكُونُ إلَهًا، ويُعْبَدُ عِبادَةَ الإلَهِ، ويُقْصَدُ فِيهِ الإلَهُ، بَلْ لا يَسْتَحِي الغالُونَ مِنهم أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ والِدَتِهِ بِأُمِّ الإلَهِ القادِرَةِ؛ فَإنَّ المَوْلُودَ حادِثٌ ولا يَكُونُ إلّا بِمِزاجٍ، وهو لا يَسْلَمُ مِن عاقِبَةِ الفَناءِ، ودَعْوى أنَّهُ أزَلِيٌّ مَعَ أبِيهِ، مِمّا لا يُمْكِنُ تَعْقِلُهُ؛ فَهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] أيْ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يُكافِئُهُ أيْ: يُماثِلُهُ مِن صاحِبَةٍ أوْ غَيْرِها. وقالَ الإمامُ: الكُفُؤُ مَعْناهُ المُكافِئُ والمُماثِلُ في العَمَلِ والقُدْرَةِ. وهو نَفْيٌ لِما يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الوَثَنِيِّينَ في الشَّيْطانِ مَثَلًا. فَقَدْ نَفى بِهَذِهِ السُّورَةِ (p-٦٢٩٩)جَمِيعَ أنْواعِ الإشْراكِ، وقَرَّرَ جَمِيعَ أُصُولِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكُفُؤُ والكَفِئُ والكِفاءُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ، وهو المِثْلُ والشَّبَهُ.
وقُرِئَ: "كُفُوًا" بِضَمِّ الكافِ والفاءِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. وقُرِئَ بِتَسْكِينِ الفاءِ وهَمْزِها، وهُما قِراءَتانِ مَعْرُوفَتانِ، ولُغَتانِ مَشْهُورَتانِ. و"لَهُ" صِلَةٌ لِـ: "كُفُوًا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ حَقَّها التَّأخُّرُ عَنْهُ؛ لِلِاهْتِمامِ بِها، لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ تَعالى. وأمّا تَأْخِيرُ اسْمِ كانَ فَلِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
فَوائِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ:
الأُولى: قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ المَأْمُورُ: "قُلْ" مِن شَأْنِهِ إذا امْتَثَلَ أنْ يَتَلَفَّظَ بِالمَقُولِ وحْدَهُ، فَلِمَ كانَتْ "قُلْ" مِنَ المَتْلُوِّ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ في القِراءَةِ؟ قُلْتُ: المَأْمُورُ بِهِ سَواءً كانَ مُعَيَّنًا أمْ لا، مَأْمُورٌ بِالإقْرارِ بِالمَقُولِ، فَأثْبَتَ القَوْلَ لِيَدُلَّ عَلى إيجابِ مَقُولِهِ ولُزُومِ الإقْرارِ بِهِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ.
الثّانِيَةُ: قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] مِن أهْلِ الكَلامِ المُحْدَثِ مَن يَقُولُ: الرَّبُّ- تَعالى- جِسْمٌ. كَبَعْضِ الَّذِينَ وافَقُوا هِشامَ بْنَ الحَكَمِ ومُحَمَّدَ بْنَ كِرامٍ وغَيْرَهُما، قالُوا: هو صَمَدٌ، والصَّمَدُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ. وهَذا إنَّما يَكُونُ في الأجْسامِ المُصْمَتَةِ، فَإنَّها لا جَوْفَ لَها، كَما في الجِبالِ والصُّخُورِ وما يُصْنَعُ مِن عَوامِيدِ الحِجارَةِ؛ ولِهَذا قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ الَّذِي لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. ونَفْيُ هَذا لا يُعْقَلُ إلّا عَمّا هو جِسْمٌ.
وقالُوا: أصْلُ الصَّمَدِ: الِاجْتِماعُ، ومِنهُ تَصْمِيدُ المالِ. وهَذا إنَّما يَعْقِلُ في الجِسْمِ المُجْتَمَعِ. وأمّا النُّفاةُ فَقالُوا: الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ، وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والِانْقِسامُ.
وقالُوا أيْضًا: الأحَدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ والِانْقِسامَ. وكُلُّ جِسْمٍ في العالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ والتَّجَزُّؤُ والِانْقِسامُ. وقالُوا: إذا قُلْتُمْ: هو جِسْمٌ كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا (p-٦٣٠٠)مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ أوْ مِنَ المادَّةِ والصُّورَةِ. وما كانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مِن غَيْرِهِ كانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ صَمَدٌ، والصَّمَدُ الغَنِيُّ عَمَّنْ سِواهُ، فالمُرَكَّبُ لا يَكُونُ صَمَدًا. انْتَهى.
وقالَ الرّازِيُّ: قَدِ اسْتَدَلَّ القَوْمُ مِن جُهّالِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وهَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يُنافِي كَوْنَهُ جِسْمًا. فَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّمَدِ هَذا المَعْنى، ولِأنَّ الصَّمَدَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صِفَةُ الأجْسامِ المُتَضاغِطَةِ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فَإذَنْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى مَجازِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ، يَكُونُ عَدِيمَ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في وُجُودِهِ وبَقائِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ. انْتَهى.
وأقُولُ: التَّصْحِيحُ في تَأْوِيلِ الصَّمَدِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو ما حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ العَرَبِ في مَعْناهُ. وإذا تَحَقَّقَ هَذا، فَلا يُعَوَّلُ عَلى هَذا الثّانِي ولا لَوازِمِهِ.
الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ، يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يُماثِلَهُ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ الثّابِتَةِ لَهُ، وهَذانِ النَّوْعانِ يَجْمَعانِ التَّنْزِيهَ الواجِبَ لِلَّهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ دَلَّتْ عَلى النَّوْعَيْنِ، فَقَوْلُهُ: "أحَدٌ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَنْفِي المُماثَلَةَ والمُشارَكَةَ. وقَوْلُهُ: (صَمَدٌ) يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ، فالنَّقائِصُ جِنْسُها مَنفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما اخْتَصَّ بِهِ المَخْلُوقُ فَهو مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْها. بِخِلافِ ما يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ، ويُوصَفُ العَبْدُ بِما يَلِيقُ بِهِ مِثْلَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والرَّحْمَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَقائِصَ بَلْ ما ثَبَتَ لِلَّهِ مِن هَذِهِ المَعانِي، فَإنَّهُ يَثْبُتُ لِلَّهِ عَلى وجْهٍ لا يُقارِبُهُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُماثِلَهُ فِيهِ، بَلْ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ لا يُماثِلُ ما خَلَقَهُ في الدُّنْيا وإنِ اتَّفَقا في الِاسْمِ، فَكِلاهُما مَخْلُوقٌ. فالخالِقُ تَعالى أبْعَدُ في مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ مِنَ المَخْلُوقاتِ إلى المَخْلُوقِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا رَؤُوفًا رَحِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَزِيزًا مَلِكًا جَبّارًا مُتَكَبِّرًا، وسَمّى أيْضًا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ بِهَذِهِ الأسْماءِ، مَعَ العِلْمِ أنَّهُ لَيْسَ المُسَمّى بِهَذِهِ الأسْماءِ مِنَ المَخْلُوقِينَ مُماثِلًا لِلْخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
(p-٦٣٠١)الرّابِعَةُ: قَدَّمْنا ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن أنَّ ««سُورَةَ الإخْلاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»» .
وقَدْ ذَكَرُوا في ذَلِكَ وُجُوهًا، مِنها ما قالَهُ أبُو العَبّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ثُلُثٌ مِنها لِلْأحْكامِ، وثُلُثٌ مِنها وعْدٌ ووَعِيدٌ، وثُلُثٌ مِنها الأسْماءُ والصِّفاتُ. وهَذِهِ السُّورَةُ جَمَعَتِ الأسْماءَ والصِّفاتِ. وقالَ الغَزالِيُّ في (جَواهِرِ القُرْآنِ): مُهِمّاتُ القُرْآنِ هي مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ الآخِرَةِ ومَعْرِفَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَهَذِهِ المَعارِفُ الثَّلاثَةُ هي المُهِمَّةُ، والباقِي تَوابِعُ. وسُورَةُ الإخْلاصِ تَشْتَمِلُ عَلى واحِدَةٍ مِنَ الثَّلاثِ، وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وتَقْدِيسُهُ وتَوْحِيدُهُ عَنْ مُشارِكٍ في الجِنْسِ والنَّوْعِ. وهو المُرادُ بِنَفْيِ الأصْلِ والفَرْعِ والكُفُؤِ.
قالَ: والوَصْفُ بِالصَّمَدِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لا يُقْصَدُ في الوُجُودِ لِلْحَوائِجِ سِواهُ. نَعَمْ، لَيْسَ فِيها حَدِيثُ الآخِرَةِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَلِذَلِكَ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، أيْ: ثُلُثَ الأُصُولِ مِنَ القُرْآنِ كَما قالَ: ««الحَجُّ عَرَفَةُ»» أيْ: هو الأصْلُ والباقِي تَبَعٌ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في سُنَّةِ الفَجْرِ والوِتْرِ بِسُورَتَيِ الإخْلاصِ والكافِرُونَ»» وهُما الجامِعَتانِ لِتَوْحِيدِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَوْحِيدِ المَعْرِفَةِ والإرادَةِ، وتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والقَصْدِ؛ فَسُورَةُ الإخْلاصِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والمَعْرِفَةِ، وما يَجِبُ إثْباتُهُ لِلرَّبِّ تَعالى مِنَ الأحَدِيَّةِ المُنافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. والصَّمَدِيَّةِ المُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ والوالِدِ الَّذِي هو مِن لازِمِ الصَّمَدِيَّةِ وغِناهُ وأحَدِيَّتُهُ، ونَفْيِ الكُفُؤِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ والمَثِيلِ والنَّظِيرِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتَ كُلِّ كَمالٍ لَهُ، ونَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، ونَفْيَ إثْباتِ شَبِيهٍ أوْ مِثْلٍ لَهُ في كَمالِهِ ونَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وهَذِهِ الأُصُولُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الِاعْتِقادِيِّ الَّذِي يُبايِنُ صاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلالِ والشِّرْكِ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَدارُهُ عَلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، والإنْشاءُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإباحَةٌ. والخَبَرُ نَوْعانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ، وخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ؛ فَأخْلَصَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ الخَبَرَ عَنْهُ (p-٦٣٠٢)وعَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ فَعَدَلَتْ ثُلُثَ القُرْآنِ، وخَلَّصَتْ قارِئَها المُؤْمِنَ مِنَ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ، كَما خَلَّصَتْ سُورَةُ "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" مِنَ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ الإرادِيِّ القَصْدِيِّ. ولَمّا كانَ العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ وهو إمامُهُ وقائِدُهُ وسائِقُهُ والحاكِمُ عَلَيْهِ ومُنْزِلُهُ مَنازِلَهُ، كانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، والأحادِيثُ بِذَلِكَ تَكادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، و﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ، وفي التِّرْمِذِيِّ: مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَرْفَعُهُ: ««"إذا زُلْزِلَتِ" تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ و"قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ»» رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ.
ولَمّا كانَ الشِّرْكُ العَمَلِيُّ الإرادِيُّ أغْلَبَ عَلى النُّفُوسِ لِأجْلِ مُتابَعَتِها هَواها، وكَثِيرٌ مِنها تَرْتَكِبُهُ مَعَ عِلْمِها بِمُضِرَّتِهِ وبُطْلانِهِ، لِما لَها فِيهِ مِن نَيْلِ الأغْراضِ، وإزالَتُهُ وقَلْعُهُ مِنها أصْعَبُ وأشَدُّ مِن قَلْعِ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ وإزالَتِهِ؛ لِأنَّ هَذا يَزُولُ بِالعِلْمِ والحُجَّةِ، ولا يُمْكِنُ صاحِبُهُ أنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ، بِخِلافِ شِرْكِ الإرادَةِ والقَصْدِ، فَإنَّ صاحِبَهُ يَرْتَكِبُ ما يَدُلُّهُ العِلْمُ عَلى بُطْلانِهِ وضَرَرِهِ لِأجْلِ غَلَبَةِ هَواهُ واسْتِيلاءِ سُلْطانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى نَفْسِهِ؛ فَجاءَ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّكْرارِ في سُورَةِ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" المُتَضَمِّنَةِ لِإزالَةِ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ ما يَجِيءُ مِثْلُهُ في سُورَةِ: "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ".
ولَمّا كانَ القُرْآنُ شَطْرَيْنِ: شَطْرًا في الدُّنْيا وأحْكامِها ومُتَعَلِّقاتِها والأُمُورِ الواقِعَةِ فِيها مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِها، وشَطْرًا في الآخِرَةِ وما يَقَعُ فِيها، وكانَتْ سُورَةُ "إذا زُلْزِلَتِ" قَدْ أخْلَصَتْ مِن أوَّلِها وآخِرِها لِهَذا الشَّطْرِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إلّا الآخِرَةَ، وما يَكُونُ مِن أحْوالِ الأرْضِ وسُكّانِها، كانَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ فَأحْرِ بِهَذا الحَدِيثِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦٣٠٣)الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: سُورَةُ "قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" أكْثَرُهم عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقَدْ ذَكَرَ في أسْبابِ نُزُولِها سُؤالَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وسُؤالَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، ولا مُنافاةَ؛ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَها بِمَكَّةَ أوَّلًا، ثُمَّ لَمّا سُئِلَ نَحْوَ ذَلِكَ أنْزَلَها مَرَّةً أُخْرى، وهَذا مِمّا ذَكَرَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ. وقالُوا: إنَّ الآيَةَ أوِ السُّورَةَ قَدْ تَنْزِلُ مَرَّتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ فَما يُذْكَرُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ المُتَعَدِّدَةِ قَدْ يَكُونُ جَمِيعُهُ حَقًّا، والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا حَدَثَ سَبَبٌ يُناسِبُها، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، لِيُعْلِمَهُ أنَّها تَتَضَمَّنُ جَوابَ ذَلِكَ السَّبَبِ، وإنْ كانَ الرَّسُولُ يَحْفَظُها قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ومَواضِعَ أُخَرَ مِنهُ تَحْقِيقُ البَحْثِ في مَعْنى النُّزُولِ بِما يَدْفَعُ المُنافاةَ في أمْثالِ هَذا، فَراجِعْهُ.
ولِهَذِهِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ تَفاسِيرُ عَلى حِدَةٍ، مِن أمْثَلِها كِتابانِ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ: أحَدُهُما في تَفْسِيرِها، والثّانِي في سِرِّ كَوْنِها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فاحْتَفِظْ بِهِما. واللَّهُ الهادِي.