Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — البقرة 2:64 – البقرة 2:165
المحتويات
- البقرة 2:64
- البقرة 2:65
- البقرة 2:66
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:69
- البقرة 2:70
- البقرة 2:71
- البقرة 2:72
- البقرة 2:73
- البقرة 2:74
- البقرة 2:75
- البقرة 2:76
- البقرة 2:77
- البقرة 2:78
- البقرة 2:79
- البقرة 2:80
- البقرة 2:81
- البقرة 2:82
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:86
- البقرة 2:87
- البقرة 2:88
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:92
- البقرة 2:93
- البقرة 2:94
- البقرة 2:95
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:99
- البقرة 2:100
- البقرة 2:101
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:107
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:110
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:162
- البقرة 2:163
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
البقرة 2:64
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ والتَّوَلِّي قالَ الأصْفَهانِيُّ: أصْلُهُ الإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأمْرِ والدِّينِ. انْتَهى. وهو هُنا الإعْراضُ المُتَكَلَّفُ بِما يُفْهِمُهُ التَّفَعُّلُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. وذَلِكَ لِأنَّ النُّفُوسَ إذا تَوَطَّنَتْ عَلى أمْرِ اللَّهِ فَرَأتْ مَحاسِنَهُ فَرَجَعَتْ بِذَلِكَ إلى نَحْوٍ مِنَ الفِطَرِ الأُولى لَمْ تَرْجِعْ عَنْهُ إلّا بِمُنازَعَةٍ مِنَ الهَوى شَدِيدَةٍ. (p-٤٦٣)ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِمْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ البُعْدِ أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ التَّأْكِيدِ العَظِيمِ عَنِ الوَفاءِ بِهِ ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ تَوَلِّيكم أنَّهُ لَوْلا ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ مُسْتَعْلٍ ﴿عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِالعَفْوِ والتَّوْبَةِ والإكْرامِ بِالهِدايَةِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ بِالعُقُوبَةِ وتَأبُّدِ الغَضَبِ، وأيْضًا فَلَمّا (p-٤٦٤)كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَدَعُوا الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ عُقِّبَتْ تِلْكَ بِآيَةِ المِيثاقِ إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ المُنَجِّي الإيمانَ في الجُمْلَةِ بَلِ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما أخَذَ عَلَيْهِمْ بِهِ المِيثاقَ إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ المُنَجِّي الإيمانَ في الجُمْلَةِ بَلِ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما أخَذَ عَلَيْهِمْ بِهِ المِيثاقَ، وهو جَمِيعُ ما آتاهم في التَّوْراةِ إيمانًا مَصْحُوبًا بِالقُوَّةِ، ومِمّا آتاهم صِفَةُ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ والأمْرُ بِاتِّباعِهِما، فَهو مِمّا أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِهِ العَهْدُ وقَدْ كَفَرُوا بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ لَهم إيمانٌ ولا عَمَلٌ، لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ ما أتى مِنهُ سُبْحانَهُ زَنْذَقَةٌ.
البقرة 2:65
ثُمَّ جاءَتْ قِصَّةُ المُعْتَدِينَ في السَّبْتِ مُؤَكِّدَةً لِذَلِكَ إذْ كانَ حاصِلُها أنَّهم لَمّا ضَيَّعُوا أمْرًا واحِدًا مِن أوامِرِهِ واسْتَخَفُّوا بِهِ وهو تَحْرِيمُ السَّبْتِ عَذَّبَهم بِعَذابٍ لَمْ يُعَذِّبْ بِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ فَقالَ: ولَقَدْ وأقْرَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يُقالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ العَفْوِ الحافِظِ لَهم مِنَ الخُسْرانِ قَرَّعَهم بِحَلافَةٍ أُخْرى لَهم خَذَلَ بِها فَرِيقًا مِنهم حَتّى غَلَبَهُمُ الخُسْرانُ فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم مُقْسِمًا عَلى أنَّهم بِها عالِمُونَ ولَها مُسْتَحْضِرُونَ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن عُهُودِنا وما ذَكَرْنا مِنَ الإيقاعِ بِمَن نَقَضَ مِن شَدِيدِ وعِيدِنا ومِنَ التَّهْدِيدِ عَلى ذَلِكَ بِضَرْبِ الذِّلَّةِ وما تَبِعَها مِن أنْواعِ النَّكالِ ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ وعِزَّتِي لَقَدْ ﴿عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ أيْ تَعَمَّدُوا العُدْوانَ ﴿مِنكم في السَّبْتِ﴾ بِأنِ اسْتَحَلُّوهُ وأصْلُ السَّبْتِ القَطْعُ لِلْعَمَلِ ونَحْوِهِ ﴿فَقُلْنا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اعْتِدائِهِمْ أنْ قُلْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.
(p-٤٦٥)﴿لَهم كُونُوا﴾ بِإرادَتِنا ﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ مَطْرُودِينَ، جَمْعُ خاسِئٍ مِنَ الخَسْءِ وهو طَرْدٌ بِكُرْهٍ واسْتِخْباثٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِيَوْمِ الجُمْعَةِ فَأبَوْا إلّا السَّبْتَ، فَألْزَمَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ وجَعَلَهُ لَهم مِحْنَةً وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ العَمَلَ، فاصْطادُوا عَلى تَهَيُّبٍ وخَوْفٍ مِنَ العُقُوبَةِ، فَلَمّا طالَ زَمَنُ عَفْوِهِ عَنْهم وحَمْلِهِ سُبْحانَهُ فَتَجاهَرُوا بِالمَعْصِيَةِ مَسَخَ مِنهم مَن عَصى بِالمُباشَرَةِ ومَن سَكَتَ عَنِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
البقرة 2:66
﴿فَجَعَلْناها﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِنا إنَّهم كانُوا قِرَدَةً كَما قُلْنا، فَجَعَلْنا هَذِهِ العُقُوبَةَ ﴿نَكالا﴾ أيْ قَيْدًا مانِعًا ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ مِنَ المَعاصِي مِن أهْلِ عالَمِها الشّاهِدِينَ لَها ﴿وما خَلْفَها﴾ مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم، رُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، (p-٤٦٦)والنَّكالُ إبْداءُ العُقُوبَةِ لِمَن يَتَّعِظُ بِها، واليَدُ ما بِهِ تَظْهَرُ أعْيانُ الأشْياءِ وصُوَرُها أعْلاها وأدْناها، فَلِذَلِكَ ثُنِّيَتْ لِأنَّها يَدٌ عُلْيا هي اليُمْنى ويَدٌ دُنْيا هي اليُسْرى، والخَلْفُ ما يُخْلِفُهُ المُتَوَجِّهُ في تَوَجُّهِهِ فَيَنْطَمِسُ عَنْ حَواسِّ إقْبالِهِ شُهُودُهُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
وقالَ ﴿ومَوْعِظَةً﴾ مِنَ الوَعْظِ وهو دَعْوَةُ الأشْياءِ بِما فِيها مِنَ العِبْرَةِ لِلِانْقِيادِ لِلْإلَهِ الحَقِّ بِما يُخَوِّفُها في مُقابَلَةِ التَّذْكِيرِ بِما يُرْجِيها ويَبْسُطُها ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقَدْ أشْعَرَ هَذا أنَّ التَّقْوى عِصْمَةٌ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ وأنَّ النِّقَمَ تَقَعُ في غَيْرِهِمْ وعْظًا لَهم.
البقرة 2:67
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى قَساوَتَهم في حُقُوقِهِ عامَّةً ثُمَّ خاصَّةً أتْبَعَهُ بَيانَ جَساوَتِهِمْ في مَصالِحِ أنْفُسِهِمْ لِيَنْتُجَ أنَّهم أسْفَهُ النّاسِ فَقالَ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يَأْمُرُكم (p-٤٦٧)أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ لِتَعْرِفُوا بِها أمْرَ القَتِيلِ الَّذِي أعْياكم أمْرُهُ، وتاؤُها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ الحَقِيقِيِّ بَلْ لِأنَّها واحِدَةٌ مِنَ الجِنْسِ فَتَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى. ولَمّا كانَ مِن حَقِّهِمُ المُبادَرَةُ إلى الِامْتِثالِ والشُّكْرِ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَيَّنَ فَظاظَتَهم عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ مُعَظِّمًا لَها بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْهم ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ أيْ مَكانَ هَزْءٍ ومَهْزُوءًا بِنا حِينَ نَسْألُكَ عَنْ قَتِيلٍ فَتَأْمُرُنا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَجَمَعُوا إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن إساءَتِهِمْ سُوءَ الأدَبِ عَلى مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِالمُعْجِزَةِ فَرَدُّ كَلامِهِ كُفْرٌ، فَذَكَّرَهم بِما رَأوْا مِنهُ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ المُنافِي لِلْهُزْءِ بِأنْ قالَ ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ﴾ أيْ أعْتَصِمُ بِمَن لا كُفْءَ لَهُ مِن ﴿أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فَإنَّهُ لا يَسْتَهْزِئُ إلّا جاهِلٌ، والعَوْذُ اللَّجاءُ مِن (p-٤٦٨)مُتَخَوِّفٍ لِكافٍ يَكْفِيهِ، والجَهْلُ التَّقَدُّمُ في الأُمُورِ المُنْبَهِمَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
البقرة 2:68
﴿قالُوا﴾ تَمادِيًا في الغِلْظَةِ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ فَكانَ تَخْصِيصُهم لَهُ بِالإضافَةِ غايَةً في الجَفاءِ ”يُبَيِّنْ“ مِنَ التَّبْيِينِ وهو اقْتِطاعُ الشَّيْءِ، والمَعْنى مِمّا يُلابِسُهُ ويُداخِلُهُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. والمُرادُ المُبالَغَةُ في البَيانِ بِما يُفْهِمُهُ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ ”لَنا ما هي“ تِلْكَ البَقَرَةُ ”قالَ إنَّهُ يَقُولُ“ . ولَمّا كانُوا يَتَعَنَّتُونَ أكَّدَ فَقالَ ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ﴾ أيْ مُسِنَّةٌ فَرَضَتْ سِنَّها أيْ قَطَعَتْها ﴿ولا بِكْرٌ﴾ أيْ فَتِيَّةٌ صَغِيرَةٌ ﴿عَوانٌ﴾ أيْ نِصْفٌ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وبَيَّنَ هَذا الخَبَرَ بِقَوْلِهِ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ سِنَّيِ الفارِضِ والبِكْرِ ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ فَإنَّ الِاعْتِراضَ عَلى مَن يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ كُفْرٌ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَلْ سَألُوا بَيانَ اللَّوْنِ بَعْدَ بَيانِ السِّنِّ بِأنْ
البقرة 2:69
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ تَمادِيًا في الجَفاءِ بِعَدَمِ الِاعْتِرافِ (p-٤٦٩)بِالإحْسانِ ﴿يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ بَعْدَ بَيانِ سِنِّها، واللَّوْنُ تَكَيُّفُ ظاهِرِ الأشْياءِ في العَيْنِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿قالَ﴾ وأكَّدَ لِما مَضى مِن تَلَدُّدِهِمْ فَقالَ ﴿إنَّهُ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٦٨] وأكَّدَ إشارَةً إلى مَزِيدِ تَعَنُّتِهِمْ فَقالَ ﴿إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾ وأكَّدَ شِدَّةَ صُفْرَتِها بِالعُدُولِ عَنْ فاقِعَةٍ إلى قَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِاللَّوْنِ ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ أيْ خالِصٌ في صُفْرَتِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: نَعْتُ تَخْلِيصٍ لِلَّوْنِ الأصْفَرِ بِمَنزِلَةِ قانِئٍ في الأحْمَرِ فَهي إذًا مُتَوَسِّطَةُ اللَّوْنِ بَيْنَ الأسْوَدِ والأبْيَضِ كَما كانَتْ مُتَوَسِّطَةَ السِّنِّ،
﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ أيْ تُبْهِجُ نُفُوسَهم بِأنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلَيْها خُيِّلَ إلَيْكَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها - قالَهُ وهْبٌ
البقرة 2:70
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالإجابَةِ في كُلِّ ما سَألْتَهُ ﴿يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا تَكْرِيرَهم لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّ البَقَرَ﴾ أيِ المَوْصُوفَ بِما قَدَّمْتُهُ ﴿تَشابَهَ﴾ أيْ وقَعَ تَشابُهُهُ ﴿عَلَيْنا﴾ وذَكَرَ الفِعْلَ لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ حُرُوفُهُ أقَلُّ مِن حُرُوفِ واحِدِهِ فَإنَّ العَرَبَ تُذَكِّرُهُ (p-٤٧٠)نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ؛ ثُمَّ أدْرَكَتْهُمُ العِنايَةُ فَقالُوا ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وأكَّدُوا لَمّا أوْجَبَ تَوَقُّفُهم مِن ظَنِّ عِنادِهِمْ وقَدَّمُوا التَّبَرُّكَ بِالمَشِيئَةِ لِذَلِكَ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ أيْ إلى المُرادِ فَتَبَرَّكُوا بِما لا تَكُونُ بَرَكَةٌ إلّا بِهِ
البقرة 2:71
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها﴾ أيْ هَذِهِ البَقَرَةُ الَّتِي أطَلْتُمُ التَّعَنُّتَ في أمْرِها ﴿بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ مِنَ الذُّلِّ وهو حُسْنُ الِانْقِيادِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ ثُمَّ وصَفَ الذَّلُولَ بِقَوْلِهِ ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ مِنها إثارَتُها بِالحَرْثِ كُلَّ وقْتٍ مِنَ الإثارَةِ قالَ الحَرالِّيُّ: وهي إظْهارُ الشَّيْءِ مِنَ الثَّرى، كَأنَّها تُخْرِجُ الثَّرى مِن مُحْتَوى اليُبْسِ؛ ولَمّا كانَ الذُّلُّ وصْفًا لازِمًا عَبَّرَ في وصْفِها بِانْتِفائِهِ بِالِاسْمِ المُبالَغِ فِيهِ، أيْ لَيْسَ الذُّلُّ وصْفًا لازِمًا لَها لا أنَّها بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنها ذُلٌّ أصْلًا، فَإنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ كانَتْ وحْشِيَّةً لا يُقْدَرُ عَلَيْها أصْلًا.
(p-٤٧١)ولَمّا كانَ لا يَتِمُّ وصْفُها بِانْتِفاءِ الذُّلِّ إلّا بِنَفْيِ السَّقْيِ عَنْها وكانَ أمْرًا يَتَجَدَّدُ لَيْسَ هو صِفَةً لازِمَةً كالذُّلِّ عَبَّرَ فِيهِ بِالفِعْلِ وأصْحَبَهُ لا عَطْفًا عَلى الوَصْفِ لا عَلى تُثِيرُ لِئَلّا يَفْسُدَ المَعْنى فَقالَ واصِفًا لِلْبَقَرَةِ ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنها سَقْيُهُ بِالسّانِيَةِ كُلَّ وقْتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إثْباتُ ”لا“ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى حَذْفِها قَبْلَ ”تُثِيرُ“، فَيَكُونُ الفِعْلانِ المَنفِيّانِ تَفْسِيرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ لِلذَّلُولِ، وحَذَفَ ”لا“ قَبْلَ ”تُثِيرُ“ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ مَعَها وصْفٌ لِذَلُولٍ فَيَفْسَدَ المَعْنى، والمُرادُ أنَّها لَمْ تُذَلَّلْ بِحَرْثٍ ولا سَقْيٍ ومَعْلُومٌ مِنَ القُدْرَةِ عَلى ابْتِياعِها وتَسَلُّمِها لِلذَّبْحِ أنَّها لَيْسَتْ في غايَةِ الإباءِ كَما آذَنَ بِهِ الوَصْفُ بِذَلُولٍ، كُلُّ ذَلِكَ لِما في التَّوَسُّطِ مِنَ الجَمْعِ لِأشْتاتِ الخَيْرِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أيْ مِنَ العُيُوبِ ﴿لا شِيَةَ﴾ أيْ عَلامَةَ (p-٤٧٢)﴿فِيها﴾ تَخالِفُ لَوْنَها بَلْ هي صَفْراءُ كُلُّها حَتّى قَرْنُها وظِلْفُها ﴿قالُوا الآنَ﴾ أيْ في هَذا الحَدِّ مِنَ الزَّمانِ الكائِنِ الفاصِلِ بَيْنَ الماضِي والآتِي ﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ المُسْتَقِرِّ البَيِّنِ مِن بَيانِ وصْفِ البَقَرَةِ فَحَصَّلُوها ﴿فَذَبَحُوها﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَمّا تَقَدَّمَ كُلُّهُ أنَّهم ذَبَحُوها ﴿وما كادُوا﴾ أيْ قارَبُوا قَبْلَ هَذِهِ المُراجَعَةِ الأخِيرَةِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً ما لَأجْزَأتْهم لَكِنَّهم شَدَّدُوا في السُّؤالِ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي أنَّهم كُلِّفُوا بِالأسْهَلِ فَشَدَّدُوا فَنُسِخَ بِالأشَقِّ، وهو دَلِيلُ جَوازِ النَّسْخِ قَبْلَ الفِعْلِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ لَمّا كانَ السَّبْتُ إنَّما وجَبَ عَلَيْهِمْ (p-٤٧٣)وابْتُلُوا بِالتَّشْدِيدِ فِيهِ بِاقْتِراحِهِمْ لَهُ وسُؤالِهِمْ إيّاهُ بَعْدَ إبائِهِمْ لِلْجُمْعَةِ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى
﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ تَعْقِيبَهُ بِقِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي ما شَدَّدَ عَلَيْهِمْ في أمْرِها إلّا لِتَعَنُّتِهِمْ فِيهِ وإبائِهِمْ لِذَبْحِ أيِّ بَقَرَةٍ تَيَسَّرَتْ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ ما اسْتَخَفُّوا بِهِ السَّبْتَ المُسارَعَةُ إلى إزْهاقِ ما لا يُحْصى مِنَ الأرْواحِ المَمْنُوعِينَ مِنها مِنَ الحِيتانِ وكانَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ التَّعَنُّتُ والتَّباطُؤُ عَنْ إزْهاقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ أُمِرُوا بِها تَلاهُ بِها، ومِن أحاسِنِ المُناسَباتِ أنَّ في كُلٍّ مِن آيَتَيِ القِرْدَةِ والبَقَرَةِ تَبْدِيلُ حالِ الإنْسانِ بِمُخالَطَةِ لَحْمِ بَعْضِ الحَيَواناتِ العُجْمِ، فَفي الأُولى إخْراسُهُ بَعْدَ نُطْقِهِ بِلَحْمِ السَّمَكِ، وفي الثّانِيَةِ إنْطاقُهُ بَعْدَ خَرْسِهِ بِالمَوْتِ بِلَحْمِ البَقَرِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ لَحْمِ البَقَرِ بِهَذا الأمْرِ لِإيقاظِهِمْ مِن رَقْدَتِهِمْ وتَنْبِيهِهِمْ مِن غَفْلَتِهِمْ عَنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِيَنْزِعَ مِن قُلُوبِهِمُ التَّعَجُّبَ مِن خُوارِ العِجْلِ الَّذِي عَبَدُوهُ. وقالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ: وفي ذَلِكَ تَشامٌّ بَيْنَ أحْوالِهِمْ في اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ وفي طَلَبِهِمْ ذَلِكَ، وفي كُلِّ ذَلِكَ مُناسَبَةٌ بَيْنَ طِباعِهِمْ وطِباعِ البَقَرَةِ المَخْلُوقَةِ لِلْكَدِّ وعَمَلِ الأرْضِ الَّتِي مَعَها التَّعَبُ والذُّلُّ والتَّصَرُّفُ فِيما هو مِنَ الدُّنْيا تَوَغُّلًا فِيها وفِيهِ نَسَمَةُ مَطْلَبِهِمْ ما تُنْبِتُ الأرْضُ الَّذِي هو (p-٤٧٤)أثَرُ الحَرْثِ - يَعْنِي الَّذِي أُبْدِلُوا الحِطَّةَ بِهِ وهو حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، فَكَأنَّهم بِذَلِكَ أرْضِيُّونَ تُرابِيُّونَ لا تَسْمُو طِباعُ أكْثَرِهِمْ إلى الأُمُورِ الرُّوحانِيَّةِ العُلْوِيَّةِ، فَإنَّ جِبِلَّةَ كُلِّ نَفْسٍ تُناسِبُ ما تَنْزِعُ إلَيْهِ وتَلْهَجُ بِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ [الشورى: ١١] - انْتَهى. ولَمّا قُسِّمَتِ القِصَّةُ شَطْرَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَتَيْنِ: نِعْمَةِ العَفْوِ عَنِ التَّوَقُّفِ عَنِ الأمْرِ ونِعْمَةِ البَيانِ لِلْقاتِلِ بِالأمْرِ الخارِقِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهم بِذَلِكَ تَقْرِيعَيْنِ: أحَدُهُما بِإساءَةِ الأدَبِ في الرَّمْيِ بِالِاسْتِهْزاءِ والتَّوَقُّفِ عَنِ الِامْتِثالِ والثّانِي عَلى قَتْلِ النَّفْسِ وما تَبِعَهُ، ولَوْ رُتِّبَتْ تَرْتِيبَها في الوُجُودِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وقُدِّمَ الشَّطْرُ الأنْسَبُ لِقِصَّةِ السَّبْتِ؛ أتْبَعَهُ الآخَرُ.
(p-٤٧٥)وقالَ الحَرالِّيُّ: قَدَّمَ نَبَأ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذِكْرِ تَدارُئِهِمْ في القَتِيلِ ابْتِداءً بِأشْرَفِ القَصْدَيْنِ مِن مَعْنى التَّشْرِيعِ الَّذِي هو القائِمُ عَلى أفْعالِ الِاعْتِداءِ وأقْوالِ الخُصُومَةِ. انْتَهى.
البقرة 2:72
فَقالَ تَعالى ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا إذْ، وأسْنَدَ القَتْلَ إلى الكُلِّ والقاتِلُ واحِدٌ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ العَرَبِ، لِأنَّ عادَةَ القَبِيلَةِ المُدافِعَةِ عَنْ أحَدِهِمْ فَقالَ ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ تَوْبِيخًا لَهم وإشارَةً إلى أنَّ المَوْجُودِينَ مِنهم راضُونَ بِما مَضى مِن أسْلافِهِمْ وأنَّ مَن ودَّ شَيْئًا كانَ مِن عُمْلَتِهِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا القَتْلَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُشِيرًا إلى إخْفائِهِ بِالإدْغامِ ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أيْ تَدافَعْتُمْ فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنكم يَرُدُّ القَتْلَ إلى الآخَرِ فَكانَ لَكم بِذَلِكَ ثَلاثَةُ آثامٍ: إثْمُ الكَبِيرَةِ، وإثْمُ الإصْرارِ (p-٤٧٦)وإثْمُ الِافْتِراءِ بِالدَّفْعِ؛ قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القَسامَةِ في التَّوْراةِ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى ما أذْكُرُهُ عَنْها قَرِيبًا.
ولَمّا كانَ فِعْلُهم في المُدارَةِ فِعْلَ غافِلٍ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ قالَ يَحْكِي حالَهم إذْ ذاكَ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مُخْرِجٌ﴾ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ وفي تَقْدِيمِهِ أيْضًا زِيادَةُ تَبْكِيتٍ لَهم بِتَوَقُّفِهِمْ في ذَبْحِ بَقَرَةٍ أُمِرُوا بِذَبْحِها لِمَصْلَحَةٍ لَهم عَظِيمَةٍ بَعْدَ مُبادَرَةِ بَعْضِهِمْ إلى قَتْلِ إنْسانٍ مِثْلِهِ بَعْدَ النَّهْيِ الشَّدِيدِ عَنْهُ وقالَ مُنَبِّهًا بِالِالتِفاتِ إلى أُسْلُوبِ العَظَمَةِ عَلى ما في الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ مِنها
البقرة 2:73
﴿فَقُلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿اضْرِبُوهُ﴾ (p-٤٧٧)وأضْمَرَ ذِكْرَ البَقَرَةِ ولَمْ يُظْهِرْ دَلالَةً عَلى اتِّحادِ هَذا الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ القِصَّةِ الَّذِي جُعِلَ ثانِيًا بِالشِّقِّ الَّذِي قَبْلَهُ في أنَّهُما قِصَّةٌ واحِدَةٌ فَقالَ ﴿بِبَعْضِها﴾ قالَ الإمامُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كِتابِ الحُجَّةِ: قُلْنا اضْرِبُوا المَقْتُولَ بِبَعْضِ البَقَرَةِ فَضَرَبُوهُ بِهِ فَحَيِيَ، يَعْنِي والدَّلِيلُ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الإحْياءِ العَظِيمِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ ﴿يُحْيِي اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿المَوْتى﴾ مَثَلَ هَذا الإحْياءِ الَّذِي عُويِنَ وشُوهِدَ. انْتَهى. رُوِيَ أنَّهم لَمّا ضَرَبُوهُ قامَ وقالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ لِابْنَيْ عَمِّهِ ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا فَأُخِذا وقُتِلا ولَمْ يُوَرَّثْ قاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وهَذِهِ الخارِقَةُ كَما أخْبَرَ نَبِيَّنا ﷺ ذِراعُ الشّاةِ المَسْمُومَةِ بِأنَّهُ مَسْمُومٌ لَمّا سَمَّتْهُ اليَهُودِيَّةُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِها هَذِهِ الآيَةُ، وجُعِلَ هَذا التَّنْبِيهُ عَلى البَعْثِ في قِصَصِهِمْ، لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما ساغَ مَعَهُ عَدُّهم مُنْكِرِينَ وهو قَوْلُهم لِلْمُشْرِكِينَ: دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ، أوْ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ مَقْصُودٌ بِهِ حَثُّ العَرَبِ عَلى سُؤالِ مَنِ (p-٤٧٨)اسْتَنْصَحُوهم في السُّؤالِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ العِلْمِ الأوَّلِ، فَهو مُلْزِمٌ لَهم بِاعْتِقادِ البَعْثِ أوِ اعْتِقادِ كَذِبِ اليَهُودِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ لِأنَّ الإحْياءَ مِن أخَصِّ الآياتِ بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ كَما أنَّ الإرْزاقَ أخَصُّ الآياتِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ فِيما يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الآياتِ الشّاهِدَةِ لَهُ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَحْصُلَ لَكم عَقْلٌ فَيُرْشِدُكم إلى اعْتِقادِ البَعْثِ وغَيْرِهِ مِمّا تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:74
ولَمّا كانَ حُصُولُ المَعْصِيَةِ مِنهم بَعْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الخارِقَةِ مُسْتَبْعَدَ (p-٤٧٩)التَّصَوُّرِ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ مِنَ القَسْوَةِ وهي اشْتِدادُ التَّصَلُّبِ والتَّحَجُّرِ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ ولَمّا كانَتْ لَهم حالاتٌ يُطِيعُونَ فِيها أتى بِالجارِّ فَقالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما تَقَدَّمَ وصْفُهُ مِنَ الخَوارِقِ في المُراجَعاتِ وغَيْرِها تَذْكِيرًا لَهم بِطُولِ إمْهالِهِ لَهم سُبْحانَهُ (p-٤٨٠)مَعَ تَوالِي كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، وتَحْذِيرًا مِن مِثْلِ ما أحَلَّ بِأهْلِ السَّبْتِ ﴿فَهِيَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَسْوَتِها أنْ كانَتْ ﴿كالحِجارَةِ﴾ الَّتِي هي أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ حالِها، فَإنَّ القَلْبَ أحْيى حَيٍّ والحَجَرَ أجْمَدُ جامِدٍ، ولَمْ يُشَبِّهْها بِالحَدِيدِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ولِأنَّهُ قَدْ يَلِينُ.
ولَمّا كانَتِ القُلُوبُ بِالنَّظَرِ إلى حَياتِها ألْيَنَ لَيِّنٍ وبِالنَّظَرِ إلى ثَباتِها عَلى حالَةٍ أصْلَبَ شَيْءٍ كانَتْ بِحَيْثُ تُحَيِّرُ النّاظِرَ في أمْرِها فَقالَ ﴿أوْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هي كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى بَهْمِ الأمْرِ وخُفْيَتِهِ فَيَقَعُ الإبْهامُ والإيهامُ. انْتَهى.
(p-٤٨١)وهَذا الإبْهامُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرّائِينَ لَهم مِنَ الآدَمِيِّينَ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ خَلْقِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ خَلْقِهِ وزادَ ”أشَدَّ“ مَعَ صِحَّةِ بِناءِ أفْعَلَ مِن قَسى لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ القَسْوَةِ فَقالَ ﴿أشَدُّ قَسْوَةً﴾ لِأنَّها لا تَلِينُ لِما حَقُّهُ أنْ يُلِينَها والحَجَرُ يَلِينُ لِما حَقُّهُ أنْ يُلِينَهُ وكُلُّ وصْفٍ لِلْحَيِّ يُشابِهُ بِهِ ما دُونَهُ أقْبَحُ فِيهِ مِمّا دُونَهُ مِن حَيْثُ إنَّ الحَيَّ مُهَيَّأٌ لِضِدِّ تِلْكَ المُشابَهَةِ بِالإدْراكِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الحِجارَةَ تَنْفَعِلُ بِالمُزاوَلَةِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُشِيرًا إلى مَزِيدِ قَسْوَتِهِمْ وجَلافَتِهِمْ بِالتَّأْكِيدِ - قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ وزادَ في التَّأْكِيدِ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لَما يَتَفَجَّرُ﴾ أيْ يَتَفَتَّحُ بِالسِّعَةِ (p-٤٨٢)والكَثْرَةِ ﴿مِنهُ الأنْهارُ﴾ ذَكَرَ الكَثِيرَ مِن ذَلِكَ وتَذْكِيرًا بِالحَجْرِ المُتَفَجِّرِ لَهم مِنهُ الأنْهارُ بِضَرْبِ العَصا ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو دُونَهُ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ﴾ أيْ يَسِيرًا بِتَكَلُّفٍ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ والتَّفَعُّلُ مِنَ التَّشَقُّقِ وهو تَفَعُّلُ صِيغَةِ التَّكَلُّفِ مِنَ الشَّقِّ وهو مَصِيرُ الشَّيْءِ في الشَّقَّيْنِ أيْ ناحِيَتَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾ الَّذِي هو دُونَ النَّهْرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذا ما هو أنْزَلُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ يَنْتَقِلُ مِن مَكانِهِ مِن أعْلى الجَبَلِ إلى أسْفَلِهِ لِأمْرِ المَلِكِ الأعْلى لَهُ بِذَلِكَ وقُلُوبُكم لا تَنْقادُ لِشَيْءٍ مِنَ الأوامِرِ فَجَعَلَ الأمْرَ في حَقِّ القُلُوبِ لِما فِيها مِنَ العَقْلِ كالإرادَةِ في حَقِّ الحِجارَةِ لِما لَها مِنَ الجَمادِيَّةِ وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِالحِجارَةِ المُتَهافِتَةِ مِنَ الطُّورِ (p-٤٨٣)عِنْدَ تَجَلِّي الرَّبِّ. قالَ الحَرالِّيُّ: والخَشْيَةُ وجَلُ نَفْسِ العالِمِ مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَما أعْمالُكم - أوْ: فَما أعْمالُهم، عَلى قِراءَةِ الغَيْبِ - مِمّا يُرْضِي اللَّهَ ؟ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وما﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قُلُوبِكم أيْ قَسَتْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿بِغافِلٍ﴾ والغَفْلَةُ فَقْدُ الشُّعُورِ بِما حَقُّهُ أنْ يُشْعَرَ بِهِ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فانْتَظِرُوا عَذابًا مِثْلَ عَذابِ أصْحابِ السَّبْتِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، ولَمْ أرَ ذِكْرَ قِصَّةِ البَقَرَةِ في التَّوْراةِ فَلَعَلَّهُ مِمّا أخْفَوْهُ لِبَعْضِ نَجاساتِهِمْ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ (p-٤٨٤)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] والَّذِي رَأيْتُ فِيها مِمّا يُشْبِهُ ذَلِكَ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنْهُ أنَّهُ قالَ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنها ما نَصُّهُ: فَإذا وجَدْتُمْ قَتِيلًا في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكم مَطْرُوحًا لا يُعْرَفُ قاتِلُهُ، يَخْرُجُ أشْياخُكم وقُضاتُكم ويَذْرَعُونَ ما بَيْنَ القَتِيلِ والقَرْيَةِ، فَأيَّةُ قَرْيَةٍ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ القَتِيلِ يَأْخُذْ أشْياخُ تِلْكَ القَرْيَةِ عِجْلًا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ عَمَلٌ ولَمْ يُحْرَثْ بِهِ حَرْثٌ، فَيُنْزِلْ أشْياخُ تِلْكَ القَرْيَةِ العِجْلَ إلى الوادِي الَّذِي لَمْ يُزْرَعْ ولَمْ يُحْرَثْ فِيهِ حَرْثٌ يَذْبَحُونَ العِجْلَ في ذَلِكَ الوادِي ويَتَقَدَّمُ الأحْبارَ بَنُو لاوى الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ رَبُّكم أنْ يَخْدِمُوا ويُبارِكُوا اسْمَ الرَّبِّ وعَنْ قَوْلِهِمْ يَقْضِي كُلَّ قَضاءٍ ويَضْرِبُ كُلَّ مَضْرُوبٍ، وجَمِيعُ أشْياخِ تِلْكَ القَرْيَةِ القَرِيبَةِ مِنَ القَتِيلِ يَغْسِلُونَ أيْدِيَهم فَوْقَ العِجْلِ المَذْبُوحِ في الوادِي ويَحْلِفُونَ ويَقُولُونَ: ما سَفَكَتْ أيْدِينا هَذا الدَّمَ وما رَأيْنا مَن قَتَلَهُ فاغْفِرْ يا رَبُّ لِآلِ إسْرائِيلَ شَعْبِكَ الَّذِينَ خَلَّصْتَ، ولا تُؤاخِذْ شَعْبَكَ بِالدَّمِ الزَّكِيِّ، ويَغْفِرُ لَهم عَلى الدَّمِ وأنْتُمْ فافْحَصُوا عَنِ الدَّمِ واقْضُوا بِالحَقِّ وأبْعِدُوا عَنْكُمُ الإثْمَ واعْمَلُوا الحَسَناتِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ رَبِّكم. انْتَهى. وهو كَما تَرى يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فَرْعَ هَذا الأصْلِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ العَظِيمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:75
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ قُلُوبَهم صارَتْ مِن كَثْرَةِ المَعاصِي وتَوالِي التَّجَرُّؤِ عَلى بارِئِها مَحْجُوبَةً بِالرَّيْنِ كَثِيفَةَ الطَّبْعِ بِحَيْثُ إنَّها أشَدُّ قَسْوَةً مِن (p-٤٨٥)الحِجارَةِ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بُعْدُهم عَنِ الإيمانِ فالتَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ يُؤَيِّسُهم مِن فَلاحِهِمْ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا كانَ يَشْتَدُّ حِرْصُهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ إيمانِهِمْ في مَعْرِضِ التَّنْكِيتِ عَلَيْهِمْ والتَّبْكِيتِ لَهم مُنْكِرًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ بَعْدَما قَرَّرَ أنَّهُ تَكَرَّرَ مِن كُفْرانِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ والطَّمَعُ تَعَلُّقُ البالِ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ لَهُ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكم وقَدْ سَمِعْتُمْ ما اتَّفَقَ لِأسْلافِهِمْ مِنَ الكَثافَةِ وهم (p-٤٨٦)راضُونَ بِذَلِكَ وإلّا لَآمَنُوا بِمُجَرَّدِ هَذا الإخْبارِ عَنْ هَذِهِ القِصَصِ مِن هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَحْصُلُ التَّحْقِيقُ بِأنَّهُ لا مُعْلِمَ لَهُ بِها إلّا اللَّهُ مُعْتَرِفِينَ ”لَكم وقَدْ“ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿كانَ فَرِيقٌ﴾ أيْ ناسٌ يَقْصِدُونَ الفُرْقَةَ والشَّتاتَ ﴿مِنهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الفَرْقِ وهو اخْتِصاصٌ بِرَأْيِ وُجْهَةٍ عَمَّنْ حَقُّهُ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ ويَكُونَ مَعَهُ. انْتَهى. و﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ المُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، والكَلامُ قالَ الحَرالِّيُّ: هو إظْهارُ ما في الباطِنِ عَلى الظّاهِرِ لِمَن يَشْهَدُ ذَلِكَ الظّاهِرَ بِكُلِّ نَحْوٍ مَن أنْحاءِ الإظْهارِ. انْتَهى.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أيْ يُزِيلُونَهُ عَنْ وجْهِهِ بِرَدِّهِ عَلى حَرْفِهِ، وفي ذِكْرِ الفَرِيقِ مَعَ المَعْطُوفاتِ عَلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِعَظِيمِ تَهَكُّمِهِمْ في العِصْيانِ (p-٤٨٧)بِأنَّهم كانُوا بَعْدَما وُصِفَ مِن أحْوالِهِمُ الخَبِيثَةِ فِرَقًا في الكُفْرِ والعُدْوانِ والتَّبَرُّؤِ مِن جِلْبابِ الحَياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِيَةً لِما يَأْتِي مِن أمْرِ الفَسْخِ مُشِيرًا إلى أنَّ تَحْرِيفَهم لَمْ يَكُنْ في مَحَلِّ إشْكالٍ لِكَوْنِهِ مُدْرَكًا بِالبَدِيهَةِ، وأثْبَتَ الجارَّ لِاخْتِلافِ أحْوالِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَذا مَعَ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى جِبِلّاتِ إبائِهِمْ وإلى أنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى اللَّهِ لَمْ يَنْبَغِ لِعِبادِ اللَّهِ أنْ يَطْمَعُوا في صَلاحِهِ لَهم، لِأنَّهُ إذا اجْتَرَأ عَلى العالِمِ بِالخَفِيّاتِ كانَ عَلى غَيْرِهِ أجْرَأ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم مَعَ العَقْلِ حامِلُونَ لِلْعِلْمِ فاهِمُونَ لَهُ غَيْرُ غافِلِينَ بَلْ مُتَعَمِّدُونَ.
البقرة 2:76
ولَمّا كانَ الكَلامُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَهم لِجَرْأتِهِمْ عَلى اللَّهِ (p-٤٨٨)إذا سَمِعُوا كِتابَكم حَرَّفُوهُ وإذا حَدَّثُوا عِبادَ اللَّهِ لا يَكادُونَ يَصْدُقُونَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قالُوا﴾ نِفاقًا مِنهم ﴿آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿إلى بَعْضٍ قالُوا﴾ لائِمِينَ لَهم ظَنًّا مِنهم جَهْلًا بِاللَّهِ لَمّا وجَدُوا كَثِيرًا مِن أسْرارِهِمْ وخَفِيِّ أخْبارِهِمْ مِمّا هو في كِتابِهِمْ مِنَ الدَّقائِقِ وغَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ مَعَ اجْتِهادِهِ في إخْفائِها أنَّ بَعْضَهم أفْشاها فَعُلِمَتْ مِن قِبَلِهِ ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ مِنَ التَّحْدِيثِ وهو تَكْرارُ حَدَثِ القَوْلِ أيْ واقِعِهِ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ﴾ ذُو الجَلالِ والجَمالِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ العِلْمِ القَدِيمِ الَّذِي أتاكم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكم أوْ بِما عُذِّبَ بِهِ بَعْضُكم. والفَتْحُ قالَ الحَرالِّيُّ تَوْسِعَةُ الضَّيِّقِ حِسًّا ومَعْنًى (p-٤٨٩)﴿لِيُحاجُّوكُمْ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ والمُحاجَّةُ تَثْبِيتُ القَصْدِ والرَّأْيِ بِما يُصَحِّحُهُ. ولَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ إفْشاءَهم لِمِثْلِ هَذا مِن فِعْلِ مَن لا يَفْعَلُ قالُوا إنْكارًا مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ يَتَطَمَّعُونَ، أيْ أفَلا يَكُونُ لَكم عَقْلٌ لِيَرُدَّكم ذَلِكَ عَنْ تَعْلِيقِ الأمَلِ بِإيمانِهِمْ.
البقرة 2:77
ولَمّا كانَ ظَنُّهم هَذا أقْبَحَ الفَسادِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ لَمْ يَقْدِرْ غَيْرُهُ أنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِعِبارَةٍ تَعْجِزُ الخَلائِقُ عَنْ مُماثَلَتِها وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ مُوَبِّخًا لَهم ﴿أوَلا﴾ أيْ ألا يَعْلَمُونَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنِ اللَّهِ لِما قامَ عَلَيْهِ مِن دَلِيلِ الإعْجازِ أوَلا ﴿يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ يُخْفُونَ مِن قَوْلِهِمْ لِأصْحابِهِمْ ومِن غَيْرِهِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ (p-٤٩٠)مِن ذَلِكَ فَيُخْبِرُ بِهِ أوْلِياءَهُ.
البقرة 2:78
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا الفَرِيقَ الَّذِي هو مِن أعْلاهم كُفْرًا وأعْتاهم أمْرًا عَطَفَ عَلَيْهِ قِسْمًا أعْتى مِنهُ وأفَظَّ لِأنَّ العالِمَ يُرْجى لَفْتُهُ عَنْ رَأْيِهِ أوْ تَخْجِيلُهُ بِالحِجاجِ بِخِلافِ المُقَلِّدِ العاتِي الكَثِيفِ الجافِي فَقالَ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ مَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ومَن يُحْسِنُها وهو غَلِيظُ الطَّبْعِ بَعِيدٌ عَنِ الفَهْمِ، لِأنَّ الأُمِّيَّ في اللُّغَةِ مَن لا يَكْتُبُ أوْ مَن عَلى خِلْقَةِ الأُمَّةِ لَمْ يَتَعَلَّمِ الكِتابَةَ وهو باقٍ عَلى جِبِلَّتِهِ وحالِ وِلادَتِهِ والغَبِيُّ الجِلْفُ الجافِي القَلِيلُ الكَلامِ، فالمَعْنى أنَّهم قِسْمانِ: كَتَبَةٌ وغَيْرُ كَتَبَةٍ، (p-٤٩١)وهُمُ المُرادُ بِالأُمِّيِّينَ، وهَؤُلاءِ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يُحْسِنُونَ الكِتابَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّمُوا القِراءَةَ تَلْقِينًا ولا يَفْهَمُونَ المَعانِيَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قِسْمانِ: عُلَماءُ نَحارِيرُ عارِفُونَ بِالمَعانِي، وجَهَلَةٌ غَبِيُّونَ لا حَظَّ لَهم مِنَ التَّوْراةِ إلّا القِراءَةُ الخالِيَةُ عَنِ التَّدَبُّرِ المَقْرُونَةُ بِالتَّمَنِّي ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ بِخِلافِ القِسْمِ الَّذِي أكَّدَ فِيهِ كَوْنَهم مِن أهْلِ العِلْمِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ سَلْبَ العِلْمِ عَنْهم رَأْسًا أبْرَزَ الِاسْتِثْناءَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا في صُورَةِ المُتَّصِلِ فَقالَ: ﴿إلا أمانِيَّ﴾ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي تَقْدِيرُ الوُقُوعِ فِيما يَتَرامى إلَيْهِ الأمَلُ، ويُقالُ إنَّ مَعْناهُ يَجْرِي في التِّلاوَةِ لِلَّفْظِ كَأنَّها تَقْدِيرٌ بِالإضافَةِ لِمَن يَتَحَقَّقُ لَهُ المَعْنى - قالَهُ الحَرالِّيُّ. أيْ إنْ كانَتِ (p-٤٩٢)الأمانِيُّ مِمّا يَصِحُّ وصْفُهُ بِالعِلْمِ فَهي لَهم لا غَيْرُها مِن جَمِيعِ أنْواعِهِ. ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ما هم إلّا يُقَدِّرُونَ تَقْدِيراتٍ لا عِلْمَ لَهم بِها؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ تَأْكِيدًا لِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم.
البقرة 2:79
ولَمّا أثْبَتَ لِهَذا الفَرِيقِ القَطْعَ عَلى اللَّهِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ وكانَ هَذا مَعْلُومَ الذَّمِّ مَحْتُومَ الإثْمِ سُبِّبَ عَنْهُ الذَّمَّ والإثْمَ بِطَرِيقِ الأُولى لِفَرِيقٍ هو أرَدَؤُهم وأضَرُّهم لِعِبادِ اللَّهِ وأعْداهم فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ﴾ والوَيْلُ جِماعُ الشَّرِّ كُلِّهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ أيْ مِنهم ومِن غَيْرِهِمُ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِهِمْ لا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ وأشارَ إلى قُبْحِ هَذا الكَذِبِ وبُعْدِ رُتْبَتِهِ في الخُبْثِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ لِما كَتَبُوهُ كَذِبًا وبُهْتانًا ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ ثُمَّ بَيَّنَ بِالعِلَّةِ الحامِلَةِ لَهم عَلى ذَلِكَ خَساسَتَهم وتَرامِيَهم إلى النَّجاسَةِ ودَناءَتَهم فَقالَ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا الكَذِبِ الَّذِي صَنَعُوهُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ (p-٤٩٣)لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِن ذَلِكَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَجِدُونَ كَسْبَهُ مِمّا اشْتَرَوْهُ بِهِ، وجَرَّدَ الفِعْلَ لِوُضُوحِ دَلالَتِهِ عَلى الخُبْثِ بِقَرِينَةِ ما تَقَدَّمَ وإذا كانَ المُجَرَّدُ كَذَلِكَ كانَ غَيْرُهُ أوْلى قالَ الحَرالِّيُّ: والكَسْبُ ما يَجْرِي مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ والعَمَلِ والآثارِ عَلى إحْساسٍ بِمُنَّةٍ فِيهِ وقُوَّةٍ عَلَيْهِ. انْتَهى. وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِما شَرُفَ بِهِ كِتابُنا مِن أنَّهُ لِإعْجازِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ مِن عِنْدِهِ بِما يَدُسُّهُ فِيهِ فَيُلَبِّسُ بِهِ - فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْنا والفَضْلُ.
البقرة 2:80
ولَمّا أرْشَدَ الكَلامُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَحَرَّفُوا كَثِيرًا في كِتابِ اللَّهِ وزادُوا ونَقَصُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ ما بَيَّنَ بِهِ جَرْأتَهم وجَفاهم وعَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الجَرائِمِ الَّتِي هم أعْلَمُ النّاسِ بِأنَّ بَعْضَها مُوجِبٌ لِلْخُلُودِ في النّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا (p-٤٩٤)لَنْ تَمَسَّنا﴾ مِنَ المَسِّ وهو مُلاقاةُ ظاهِرِ الشَّيْءِ ظاهِرَ غَيْرِهِ ﴿النّارُ﴾ أيِ المُعَدَّةُ في الآخِرَةِ ﴿إلا أيّامًا﴾ ولَمّا كانَ مُرادُهم بِذَلِكَ أنَّهم لا يُخَلَّدُونَ فِيها وكانَ جَمْعُ القِلَّةِ وإنْ كانَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ رُبَّما اسْتُعِيرَ لِلْكَثْرَةِ فَدَلَّ عَلى ما لا آخِرَ لَهُ أوْ ما يَعْسُرُ عَدُّهُ زادُوا المَعْنى تَأْكِيدًا وتَصْرِيحًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَعْدُودَةً﴾ أيْ مُنْقَضِيَةً، لِأنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: والعَدُّ اعْتِبارُ الكَثْرَةِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، واقْتَصَرَ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرِدِ لِكِفايَتِهِ (p-٤٩٥)فِي هَذا المَعْنى بِخِلافِ ما في آلِ عِمْرانَ.
ولَمّا ادَّعَوْا ذَلِكَ ادَّعَوْا أنَّ المُسْلِمِينَ يُخَلِّفُونَهم بَعْدَ ذَلِكَ فِيها، رَوى البُخارِيُّ في الجِزْيَةِ والمُغازِي والطِّبِّ، والدّارِمِيُّ في أوَّلِ المُسْنَدِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شاةٌ فِيها سُمٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اجْمَعُوا لِي مَن كانَ هَهُنا مِن يَهُودَ، فَجَمَعُوا لَهُ فَقالَ: إنِّي سائِلُكم عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْهُ ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أبُوكم ؟ قالُوا فُلانٌ، فَقالَ: كَذَبْتُمْ، بَلْ أبُوكم فُلانٌ، قالُوا: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، وإنْ كَذَبْنا عَرَفْتَ كَذِبَنا كَما عَرَفْتَهُ في أبِينا، فَقالَ لَهم: مَن أهْلُ النّارِ ؟ قالُوا: نَكُونُ فِيها يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونا فِيها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اخْسَؤُوا فِيها ! واللَّهِ لا نَخْلُفُكم فِيها أبَدًا، ثُمَّ قالَ: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ ؟ فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، قالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشّاةِ سُمًّا ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ ؟ قالُوا: أرَدْنا إنْ كُنْتَ كاذِبًا أنْ نَسْتَرِيحَ مِنكَ، وإنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ "» ولَمّا ادَّعَوْا ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فِيماذا نَرُدُّ عَلَيْهِمْ ؟ فَقالَ ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أتَّخَذْتُمْ﴾ في ذَلِكَ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَهْدًا فَلَنْ﴾ (p-٤٩٦)أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ يُوفِي بِعَهْدِهِ، لِأنَّهُ ﴿يُخْلِفَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿عَهْدَهُ أمْ﴾ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأنْتُمْ ﴿تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ومَعْنى الإنْكارِ في الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لَيْسَ واحِدٌ مِنَ الأمْرَيْنِ واقِعًا، لا اتَّخَذْتُمْ عَهْدًا ولا قُلْتُمْ ذَلِكَ جَهْلًا، بَلْ قُلْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ خِلافَهُ.
البقرة 2:81
ولَمّا انْتَفى الأمْرانِ عُلِمَ أنَّ الكائِنَ غَيْرُ ما ادَّعَوْهُ فَصَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ أيْ لَتَمَسَّنَّكم عَلى خِلافِ ما زَعَمْتُمُوهُ، فَإنَّ بَلى كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى تَقْرِيرٍ يُفْهَمُ مِن إضْرابٍ عَنْ نَفْيٍ كَأنَّها بَلْ وُصِلَتْ بِها الألِفُ إثْباتًا لِما أُضْرِبُ (p-٤٩٧)عَنْ نَفْيِهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ونَعَمْ جَوابٌ لِكَلامٍ لا جَحَدَ فِيهِ. ولَمّا أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا قالُوهُ مِنَ القَضاءِ في الأعْيانِ قاضِيًا عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ عَلَّلَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ هم بِهِ مُتَلَبِّسُونَ مُعْلِمًا بِأنَّ مِن حَقِّ الجاهِلِ بِالغَيْبِ الحُكْمَ عَلى الأوْصافِ الَّتِي ناطَ عَلّامُ الغُيُوبِ بِها الأحْكامَ فَقالَ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أيْ عَمَلًا مِن حَقِّهِ أنْ يَسُوءَ ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِ خارِجًا عَنِ الخَطِيئَةِ بَلْ كانَتْ غامِرَةً لِكُلِّ ما سِواها مِن أعْمالِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلْكُفْرِ الهادِمِ لِأساسِ الأعْمالِ الَّذِي لا يَتَأتّى بَقاءُ الأعْمالِ بِدُونِهِ. ولَمّا كانَ إفْرادُ الضَّمِيرِ أنَصَّ عَلى جَزاءِ كُلِّ فَرْدٍ والحُكْمُ بِالنَّكالِ عَلى الكُلِّ أنْكَأ وأرْوَعَ وأقْبَحَ وأفْظَعَ وأدَلَّ عَلى القُدْرَةِ أفْرَدَ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ آتِيًا بِالفاءِ دَلِيلًا أنَّ أعْمالَهم سَبَبُ دُخُولِهِمُ النّارَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾
(p-٤٩٨)ولَمّا بانَ بِهَذا ما لَهم ولِكُلِّ مَن شارَكَهم في هَذا الوَصْفِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما لِمَنِ ادَّعَوْا أنَّهم يَخْلُفُونَهم في النّارِ ولِكُلِّ مَن شارَكَهم في وصْفِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالوَحْدانِيَّةِ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانًا لِأنَّ قُلُوبَهم مُطَمْئِنَةٌ بِذَلِكَ ﴿أُولَئِكَ﴾ العالُو المَراتِبِ الشَّرِيفُو المَناقِبِ، ولَمْ يَأْتِ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى أنَّ سَبَبَ سَعادَتِهِمْ إنَّما هو الرَّحْمَةُ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لا غَيْرُهم ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾
البقرة 2:82
ولَمّا انْتَفى الأمْرانِ عُلِمَ أنَّ الكائِنَ غَيْرُ ما ادَّعَوْهُ فَصَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ أيْ لَتَمَسَّنَّكم عَلى خِلافِ ما زَعَمْتُمُوهُ، فَإنَّ بَلى كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى تَقْرِيرٍ يُفْهَمُ مِن إضْرابٍ عَنْ نَفْيٍ كَأنَّها بَلْ وُصِلَتْ بِها الألِفُ إثْباتًا لِما أُضْرِبُ (p-٤٩٧)عَنْ نَفْيِهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ونَعَمْ جَوابٌ لِكَلامٍ لا جَحَدَ فِيهِ. ولَمّا أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا قالُوهُ مِنَ القَضاءِ في الأعْيانِ قاضِيًا عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ عَلَّلَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ هم بِهِ مُتَلَبِّسُونَ مُعْلِمًا بِأنَّ مِن حَقِّ الجاهِلِ بِالغَيْبِ الحُكْمَ عَلى الأوْصافِ الَّتِي ناطَ عَلّامُ الغُيُوبِ بِها الأحْكامَ فَقالَ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أيْ عَمَلًا مِن حَقِّهِ أنْ يَسُوءَ ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِ خارِجًا عَنِ الخَطِيئَةِ بَلْ كانَتْ غامِرَةً لِكُلِّ ما سِواها مِن أعْمالِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلْكُفْرِ الهادِمِ لِأساسِ الأعْمالِ الَّذِي لا يَتَأتّى بَقاءُ الأعْمالِ بِدُونِهِ. ولَمّا كانَ إفْرادُ الضَّمِيرِ أنَصَّ عَلى جَزاءِ كُلِّ فَرْدٍ والحُكْمُ بِالنَّكالِ عَلى الكُلِّ أنْكَأ وأرْوَعَ وأقْبَحَ وأفْظَعَ وأدَلَّ عَلى القُدْرَةِ أفْرَدَ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ آتِيًا بِالفاءِ دَلِيلًا أنَّ أعْمالَهم سَبَبُ دُخُولِهِمُ النّارَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾
(p-٤٩٨)ولَمّا بانَ بِهَذا ما لَهم ولِكُلِّ مَن شارَكَهم في هَذا الوَصْفِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما لِمَنِ ادَّعَوْا أنَّهم يَخْلُفُونَهم في النّارِ ولِكُلِّ مَن شارَكَهم في وصْفِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالوَحْدانِيَّةِ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانًا لِأنَّ قُلُوبَهم مُطَمْئِنَةٌ بِذَلِكَ ﴿أُولَئِكَ﴾ العالُو المَراتِبِ الشَّرِيفُو المَناقِبِ، ولَمْ يَأْتِ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى أنَّ سَبَبَ سَعادَتِهِمْ إنَّما هو الرَّحْمَةُ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لا غَيْرُهم ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾
البقرة 2:83
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى أنَّهم مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرُوا ما تَعْلَمُونَ في كِتابِكم مِن حالِ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً مُحِيطَةً، واذْكُرُوا إذْ ﴿أخَذْنا﴾ بِما لَنا مِن تِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي أشْهَدْناكم كَثِيرًا مِنها مِيثاقَكم، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِطُولِ الفَصْلِ بِذِكْرِ وصْفٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم. فَقالَ: ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: ”نِعْمَتِي“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] لِأنَّ الكُلَّ في مُخاطَبَتِهِمْ وبَيانِ أُمُورِهِمْ. (p-٢)ولَمّا كانَ الدِّينُ إنَّما هو الأدَبُ مَعَ الخالِقِ والخَلْقِ ذَكَرَ المُعاهَدَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ مُرَتِّبًا لَهُ عَلى الأحَقِّ فالأحَقِّ، فَقالَ ذاكِرًا لَهُ في صِيغَةِ الخَبَرِ مُرِيدًا بِهِ النَّهْيَ والأمْرَ وهو أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَأنَّهُ وقَعَ امْتِثالُهُ ومَضى ودَلَّ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ بِعَطْفِ ”وقُولُوا“ عَلَيْهِ،
﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ المُنْعِمَ الأوَّلَ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لِتَكُونُوا مُحْسِنِينَ بِذَلِكَ إحْسانًا هو الإحْسانُ كُلُّهُ، ”و“ أحْسِنُوا أوْ تُحْسِنُونَ، ”بِالوالِدَيْنِ“ ولَوْ كانا كافِرَيْنِ. قالَ الحَرالِّيُّ: تَثْنِيَةُ والِدٍ مِنَ الوِلادَةِ لِاسْتِبْقاءِ ما يُتَوَقَّعُ ذَهابُهُ بِظُهُورِ صُورَةٍ مِنهُ تَخْلُفُ صُورَةَ نَوْعِهِ انْتَهى. ”إحْسانًا“: عَظِيمًا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، لِكَوْنِهِما في الرُّتْبَةِ الثّانِيَةِ لِجَعْلِهِما سُبْحانَهُ السَّبَبَ في نِعْمَةِ الإيجادِ الأوَّلِ والمُباشِرَيْنِ لِلتَّرْبِيَةِ.
وغَيَّرَ السِّياقَ فَلَمْ يَقُلْ: ولا تُحْسِنُونَ إلّا إلى الوالِدَيْنِ، إفْهامًا لِأنَّ الإحْسانَ إلَيْهِما يُشْرِكُهُما فِيهِ مِن بَعْدِهِما، لَوْ جُبِرَ فَواتُ هَذا الحَصْرِ بِتَقْدِيمِهِما إيذانًا بِالِاهْتِمامِ،
﴿وذِي القُرْبى﴾ وهُمُ المُتَوَسِّلُونَ بِالوالِدَيْنِ لِما لَهم مِن أكِيدِ الوُصْلَةِ (p-٣)﴿واليَتامى﴾ لِضَعْفِهِمْ، واليُتْمُ قالَ الحَرالِّيُّ: فَقْدُ الأبِ حِينَ الحاجَةِ، ولِذَلِكَ أثْبَتَهُ مُثْبَتٌ في الذِّكْرِ إلى البُلُوغِ، وفي البِنْتِ إلى الثُّيُوبَةِ لِبَقاءِ حاجَتِها بَعْدَ البُلُوغِ، والقُرْبى فُعْلى مِنَ القَرابَةِ وهو قُرْبٌ في النَّسَبِ الظّاهِرِ أوِ الباطِنِ انْتَهى.
﴿والمَساكِينِ﴾ لِكَسْرِهِمْ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ وُسْعُ النّاسِ عامَّةً بِالإحْسانِ بِالفِعْلِ مُمْكِنًا أمَرَ بِجَعْلِ (p-٤)ذَلِكَ بِالقَوْلِ فَقالَ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْشاءُ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ﴾ عامَّةً،
﴿حُسْنًا﴾ أيْ: حَسَنًا بِالتَّحْرِيكِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ كالبُخْلِ والبَخَلِ، وذَلِكَ بِأنْ يَأْمُرُوهم بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ويَنْهَوْهم عَمّا نَهى عَنْهُ. ولَمّا أمَرَهم بِما إنِ امْتَثَلُوهُ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم ذَكَرَ أعْظَمَ جامِعٍ عَلى اللَّهِ مِنَ الأعْمالِ فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ تَمامُ الجَمْعِ ودَوامُهُ، فَقالَ: ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ هَذِهِ المَحاسِنِ في غايَةِ البُعْدِ فَكَيْفَ إذا كانَتْ بِعَهْدٍ فَكَيْفَ إذا كانَ مِنَ اللَّهِ أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي، فَقالَ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: عَنْ ذَلِكَ أوْ عَنْ كَثِيرٍ مِنهُ، وأشارَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لِحُسْنِها لا يُعْرَضُ عَنْها إلّا بِعِلاجٍ بَيْنَ الفِطْرَةِ الأُولى والأمارَةُ،
﴿إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم (p-٥)﴿مُعْرِضُونَ﴾ عادَتُكم ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنكم عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ، والإعْراضُ صَرْفُ الشَّيْءِ إلى العَرْضِ الَّتِي هي النّاحِيَةُ.
قالَ السَّمِينُ: ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِ: إلّا قَلِيلٌ - بِالرَّفْعِ، وفِيهِ أقْوالٌ، أصَحُّها رَفْعُهُ عَلى الصِّفَةِ بِتَأْوِيلِ إلّا وما بَعْدَها بِمَعْنى غَيْرَ. انْتَهى. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ هَذا الإعْرابِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ذَكَرَ ما يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ، قالَ في السِّفْرِ الثّانِي مِنها لَمّا ذَكَرَ أمْرَ المُناجاةِ وحُضُورَهم عِنْدَ الجَبَلِ، وقالَ اللَّهُ جَمِيعَ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها: أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أصَعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ، لا تَكُونُ لَكَ آلِهَةٌ غَيْرِي، لا تَعْمَلُنَّ شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ الَّتِي مِمّا في السَّماءِ فَوْقُ وفي الأرْضِ مِن تَحْتُ ومِمّا في الماءِ أسْفَلَ الأرْضِ، لا تَسْجُدُنَّ لَها ولا تَعْبُدُنَّها، لِأنِّي أنا الرَّبُّ، إلَهُكَ إلَهٌ غَيُورٌ، أُجازِي الأبْناءَ بِذُنُوبِ (p-٦)الآباءِ إلى ثَلاثَةِ أحْقابٍ وأرْبَعَةٍ مِن أعْدائِي، وأُثْبِتُ النِّعْمَةَ إلى ألْفِ حُقُبٍ لِأحِبّائِي وحافِظِي وصايايَ، لا تُقْسِمُ بِالرَّبِّ إلَهِكَ كَذِبًا، لِأنَّ الرَّبَّ لا يُزَكِّي مَن حَلَفَ بِاسْمِهِ كَذِبًا، أكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ لِيَطُولَ عُمُرُكَ في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَها الرَّبُّ إلَهُكَ، لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرِقْ، لا تَشْهَدْ عَلى صاحِبِكَ شَهادَةَ زُورٍ، لا تَتَمَنَّ بِنْتَ صاحِبِكَ، ولا تَشْتَهِيَنَّ امْرَأةَ صاحِبِكَ ولا كُلَّ شَيْءٍ لِصاحِبِكَ، وكانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَسْمَعُونَ الأصْواتَ ويَرَوْنَ المَصابِيحَ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ السِّفْرِ الثّالِثِ: لا تَسْرِقُوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تَحْلِفُوا بِاسْمِي كَذِبًا، ولا تُنَجِّسُوا اسْمُ الرَّبِّ إلَهِكم، أنا الرَّبُّ ولَيْسَ غَيْرِي، لا تَظْلِمَنَّ صاحِبَكَ، ولا تَشْتُمَنَّ الأخْرَسَ، ولا تَضَعْ عَثْرَةً بَيْنَ يَدَيِ الضَّرِيرِ، اتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ، لا تَحِيفُوا في القَضاءِ، ولا تَأْثَمُوا، ولا تُحابِيَنَّ المِسْكِينَ ولا تُحابِ الكَبِيرَ أيْضًا بَلِ اقْضِ بِالبِرِّ والعَدْلِ، لا تَبْغَضْ أخاكَ في قَلْبِكَ بَلْ بَكِّتْ صاحِبَكَ (p-٧)ووَبِّخْهُ بِالحَقِّ لِكَيْلا يَلْزَمَكَ خَطِيئَةٌ في سَبَبِهِ، ولا تَحْقِدَنَّ عَلى أحَدٍ بَلْ أحْبِبْ صاحِبَكَ كَما تُحِبُّ نَفْسَكَ، ولا تَتَطَيَّرُوا بِسَنْحِ الطَّيْرِ، ولا يَكُونَنَّ فِيكم عَرّافٌ، ولا تُطَوِّلُنَّ شَعْرَ رُؤُوسِكم، ولا تَحْلِقُوا عَنافِقَ لِحاكم، ولا تَخْدِشُوا وُجُوهَكم عَلى المَيِّتِ، ولا تَكْتُبُوا عَلى لُحُومِكم بِالإبَرِ، أنا اللَّهُ رَبُّكم، لا تَتَّبِعُوا العَرّافِينَ والقافَةَ ولا تَنْطَلِقُوا إلَيْهِمْ ولا تَسْألُوهم عَنْ شَيْءٍ لِئَلّا تَتَنَجَّسُوا بِهِمْ، أكْرِمِ الشَّيْخَ وقُمْ إلَيْهِ إذا رَأيْتَهُ، وأكْرِمْ مَن هو أكْبَرُ مِنكَ، واتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ، أنا اللَّهُ رَبُّكم، وإذا سَكَنَ بَيْنَكُمُ الَّذِي يُقْبِلُ إلَيَّ فَلا تَظْلِمُوهُ بَلْ أنْزِلُوهُ مَنزِلَةَ أحَدِكم وصَيِّرُوهُ مِنكم، الَّذِينَ يُقْبِلُونَ إلَيَّ ويَسْكُنُونَ مَعَكم أحِبُّوهم كَما تُحِبُّونَ أنْفُسَكم لِأنَّكم كُنْتُمْ سُكّانًا بِأرْضِ مِصْرَ، أنا اللَّهُ رَبُّكم، لا تَأْثَمُوا في القَضاءِ ولا تَأْثَمُوا في الأوْزانِ والمَكايِيلِ بَلِ اتَّخِذُوا مِيزانَ الحَقِّ واتَّخِذُوا مَكايِيلَ الحَقِّ، أنا اللَّهُ رَبُّكُمُ الَّذِي أخْرَجَكم مِن أرْضِ مِصْرَ احْفَظُوا جَمِيعَ وصايايَ: وأحْكامِي بِها، أنا الرَّبُّ ولَيْسَ غَيْرِي.
وقالَ في الثّانِي: ومَن تَبِعَ العَرّافِينَ والقافَةَ وضَلَّ بِهِمْ أُنْزِلُ (p-٨)بِهِ غَضَبِي الشَّدِيدَ وأُهْلِكُهُ مِن شَعْبِي، وأيُّ: رَجُلٍ شَتَمَ والِدَيْهِ يُقْتَلُ قَتْلًا ودَمُهُ في عُنُقِهِ؛ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: وأيُّ: رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ صارَ عَرّافًا أوْ مُنَجِّمًا يُقْتَلانِ قَتْلًا، ويَكُونُ قَتْلُهُما الرَّجْمَ بِالحِجارَةِ، ودَمُهُما في أعْناقِهِما؛ وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ: وكُلُّ مَن ضَرَبَ رَجُلًا فَماتَ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ومَن ضَرَبَ أباهُ وأُمَّهُ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ومَن سَرَقَ إنْسانًا فَوُجِدَ مَعَهُ يُرِيدُ بَيْعَهُ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ومَن شَتَمَ أباهُ وأُمَّهُ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ثُمَّ قالَ: ولا يُؤَذَّنُ السّاكِنُ بَيْنَكم ولا تَعُقُّوهم تُحْوِجُوهم، لِأنَّكم كُنْتُمْ سُكّانًا بِأرْضِ مِصْرَ، ولا تُؤْذُوا الأرامِلَ والأيْتامَ، فَإنْ آذَيْتُمُوهم فَصَلَّوْا بَيْنَ يَدَيَّ أسْمَعُ صَلاتَهم وأسْتَجِيبُ لَهم فَيَشْتَدُّ غَضَبِي وأقْتُلُكم في الحَرْبِ وتَكُونُ نِساؤُكم أرامِلَ وبَنُوكم يَصِيرُونَ يَتامى، وإنْ أسْلَفْتَ رِزْقَكَ لِلْمِسْكِينِ الَّذِي مَعَكَ مِن شَعْبِي فَلا تَكُونَنَّ لَهُ كالغَرِيمِ، ولا تَأْخُذَنَّ مِنهُ رِبًا؛ ثُمَّ قالَ: ولا تَقْبَلُنَّ الرَّشْوَةَ، فَإنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أبْصارَ الحُكَماءِ في القَضاءِ وتَرُدُّ فَلْجَ الصّالِحِينَ.
البقرة 2:84
ولَمّا كانَ أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ القَتْلَ تَلاهُ بِالتَّذْكِيرِ بِما أخَذَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ العَهْدِ، وقَرَنَ بِهِ الإخْراجَ مِنَ الدِّيارِ لِأنَّ المالَ عَدِيلُ الرُّوحِ والمَنزِلَ أعْظَمُ المالِ وهو لِلْجَسَدِ كالجَسَدِ لِلرُّوحِ، فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ (p-٩)يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ أيْ: لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ،
﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ بِإخْراجِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ المُتَواصِلِينَ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ،
﴿مِن دِيارِكُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وأصْلُها ما أدارَتْهُ العَرَبُ مِنَ البُيُوتِ كالحَلْقَةِ اسْتِحْفاظًا لِما تَحْوِيهِ مِن أمْوالِها. انْتَهى.
ولَمّا كانُوا قَدْ نَكَصُوا عِنْدَ حُقُوقِ الأمْرِ فَلَمْ يَقْبَلُوا ما أتاهم مِنَ الخَيْرِ حَتّى خافُوا الدَّمارَ بِسُقُوطِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ أيْ: بِذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ لَيٍّ وتَوَقُّفٍ، والإقْرارُ إظْهارُ الِالتِزامِ بِما خَفِيَ أمْرُهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بِلُزُومِهِ وتُعايِنُونَ تِلْكَ الآياتِ الكِبارَ المُلْجِئَةَ لَكم إلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى مِمّا يُصَدِّقُ هَذا (p-١٠)عَنِ التَّوْراةِ آنِفًا ما فِيهِ كِفايَةٌ لِلْمُوَفَّقِ، وسَيَأْتِي في المائِدَةِ بَقِيَّتُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
البقرة 2:85
ولَمّا كانَ هَذا بِما أكَّدَ بِهِ مِن ذِكْرِ المِيثاقِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ وإضافَةِ الجِنايَةِ إلى نَفْسِ الجانِي جَدِيرًا بِالبُعْدِ مِنهُ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ الحَقِيرُونَ المَقْدُورُ عَلَيْهِمُ المَجْهُولُونَ الَّذِينَ لا يُعْرَفُ لَهُمُ اسْمٌ يُنادَوْنَ بِهِ، أوِ المَوْجُودُونَ الآنَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ البَيانَ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَقالَ: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى هَذا العَهْدِ الوَثِيقِ،
﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾ أيْ: ناسًا هم أشِقّاءُ لَكم فَهم جَدِيرُونَ مِنكم بِالإحْسانِ لا بِالإخْراجِ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾
ولَمّا كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ الأوَّلِ أنْ يَقَعُوا في (p-١١)ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ العُدْوانِ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَظاهَرُونَ﴾ أيْ: تَتَعاوَنُونَ، مِنَ التَّظاهُرِ، وهو تَكَلُّفُ المُظاهَرَةِ وهي تُسانِدُ القُوَّةَ كَأنَّهُ اسْتِنادُ ظَهْرٍ إلى ظَهْرٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ﴾ أيْ: مُصاحِبِينَ لِلْإثْمِ وهو أسْوَأُ الِاعْتِداءِ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ أوْ حالٍ، ويُقالُ لِكَذُوبٍ: أثُومٌ، لِاعْتِدائِهِ بِالقَوْلِ عَلى غَيْرِهِ، والإثْمُ: الخَمْرُ لِما يَقَعُ بِها مِنَ العَداوَةِ والعَدْوى، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿والعُدْوانِ﴾ أيْ: والِامْتِلاءُ في مُجاوَزَةِ الحُدُودِ،
﴿وإنْ يَأْتُوكُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعاوَنْتُمْ أوْ عاوَنْتُمْ عَلَيْهِمْ،
﴿أُسارى﴾ جَمْعُ أسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، وأصْلُهُ المَشْدُودُ بِالأسْرِ، وهو القَدُّ وهو ما يُقَدُّ، أيْ: يُقْطَعُ مِنَ السَّيْرِ،
﴿تُفادُوهُمْ﴾ أيْ: تُخَلِّصُوهم بِالمالِ، مِنَ الفِداءِ وهو الفِكاكُ بَعِوَضٍ، و﴿تُفادُوهُمْ﴾ مِنَ المُفاداةِ وهي الِاسْتِواءُ في العِوَضَيْنِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ أكَّدَ تَحْرِيمَ الإخْراجِ بِزِيادَةِ الضَّمِيرِ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في قَوْلِهِ: (p-١٢)﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ مِنَ التَّحْرِيمِ، وهو تَكْرارُ الحِرْمَةِ بِالكَسْرِ وهي المَنعُ مِنَ الشَّيْءِ لِدِنايَتِهِ، والحُرْمَةُ بِالضَّمِّ المَنعُ مِنَ الشَّيْءِ لِعُلُوِّهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ يُظَنُّ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْفِداءِ عَيْنِهِ فَقالَ: ﴿إخْراجُهُمْ﴾ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الأحْكامِ فَقالَ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ أيِ: التَّوْراةُ وهو المُوجِبُ لِلْمُفاداةِ،
﴿وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو المُحَرَّمُ لِلْقَتْلِ والإخْراجِ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ الأمْرَ العَظِيمَ الشَّناعَةِ،
﴿مِنكم إلا خِزْيٌ﴾ ضِدَّ ما قَصَدْتُمْ بِفِعْلِكم مِنَ العِزِّ، والخِزْيُ إظْهارُ القَبائِحِ الَّتِي يُسْتَحى مِن إظْهارِها عُقُوبَةً، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ تَعْجِيلًا لِلْعُقُوبَةِ لَهُ في الدّارِ الَّتِي جَعَلَها مَحَطَّ قَصْدِهِ. (p-١٣)وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِأنْواعِ الذُّلِّ والقَتْلِ فَما دُونَهُ،
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ هي فِعالَةٌ تُفْهَمُ فِيها التّاءُ المُبالَغَةَ والغَلَبَةَ، وهو قِيامُ أمْرٍ مُسْتَعْظَمٍ، والقِيامُ هو الِاسْتِقْلالُ بِأعْباءَ ثَقِيلَةٍ،
﴿يُرَدُّونَ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ، والرَّدُّ هو الرُّجُوعُ إلى ما كانَ مِنهُ بَدْءُ المَذْهَبِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ لِأنَّهُ الخِزْيُ الأعْظَمُ.
ولَمّا كانَتِ المُواجَهَةُ بِالتَّهْدِيدِ أدَلَّ عَلى الغَضَبِ التَفَتَ إلَيْهِمْ في قِراءَةِ الجَماعَةِ فَعَطَفَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما قَصَدْتُمُوهُ في ذَلِكَ فَهو يُجازِيكم بِما تَسْتَحِقُّونَ، قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً،
﴿بِغافِلٍ عَمّا﴾ أيْ: عَنْ شَيْءٍ بِما،
﴿تَعْمَلُونَ﴾ مِن ذَلِكَ ومِن غَيْرِهِ، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ بِالغَيْبِ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي.
البقرة 2:86
(p-١٤)ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ”وضَرَبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ“ - ”ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ“، كانَتْ فَذْلَكَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ،
﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أيْ: لَجُّوا فَأخَذُوا،
﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ عَلى خَساسَتِها،
﴿بِالآخِرَةِ﴾ مَعَ نَفاسَتِها، والدُّنْيا فُعْلى مِنَ الدُّنُوِّ وهو الأنْزَلُ رُتْبَةً، في مُقابَلَةِ عُلْيا، ولِأنَّهُ لَزِمَتْها العاجِلَةُ صارَتْ في مُقابَلَةِ الأُخْرى اللّازِمَةِ لِلْعُلُوِّ، فَفي الدُّنْيا نُزُولُ قَدْرٍ وتَعَجُّلٌ، وفي الأُخْرى عُلُوُّ قَدْرٍ وتَأخُّرٌ، فَتَقابَلَتا عَلى ما يُفْهَمُ تَقابُلَيْنِ مِن مَعْنى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، قالَهُ الحَرالِّيُّ. [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِكاكِ، ذِكْرُ الدُّنْيا أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ العُلْيا ثانِيًا، وذِكْرُ الآخِرَةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ العاجِلَةِ أوَّلًا ] .
﴿فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ لا ﴿يُخَفَّفُ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ وهو (p-١٥)مَصِيرُ الثَّقِيلِ والمُسْتَفِلِّ إلى حالِ الطّافِي المُسْتَعْلِي كَحالِ ما بَيْنَ الحَجَرِ والهَواءِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿عَنْهُمُ العَذابُ﴾ في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ،
﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ وهو أيْضًا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى خِذْلانِ مَن غَزا لِأجْلِ المَغْنَمِ أوْ غَلَّ، وقَدْ ورَدَ في كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، مِنها ما رَواهُ مالِكٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما ظَهَرَ الغُلُولُ في قَوْمٍ إلّا ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ»، وهو أيْضًا شَرْعٌ قَدِيمٌ؛ فَفي سِفْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ لَمّا فَتَحَ مَدِينَةَ أرِيحا بَعْدَ مَوْتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ إلى مَدِينَةِ عايٍ ثَلاثَةَ آلافِ مُقاتِلٍ لِيَفْتَحُوها، فَقَتَلَ مِنهم أهْلُ عايٍ جَماعَةً وهَزَمُوهم، فاضْطَرَبَتْ قُلُوبُهم وصارَتْ كالماءِ، فَسَجَدَ يُوشَعُ عَلى الأرْضِ أمامَ تابُوتِ الرَّبِّ هو ومَشْيَخَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: انْهَضْ قائِمًا، وأخْبَرَهُ أنَّ قَوْمَهُ قَدْ غَلُّوا فَلا يَقْدِرُونَ الآنَ أنْ يَثْبُتُوا لِأعْدائِهِمْ حَتّى يُنَحُّوا الحَرامَ عَنْهم، وقالَ اللَّهُ لَهُ: وإذا كانَ غَدٌ فَقَدِّمُوا أسْباطَكم لِيَقْتَرِعُوا، والسِّبْطُ الَّذِي تُصِيبُهُ قُرْعَةُ الرَّبِّ تَتَقَدَّمُ عَشائِرُهُ، والعَشِيرَةُ الَّتِي تُصِيبُها القُرْعَةُ تَتَقَدَّمُ بُيُوتاتُها، والبَيْتُ الَّذِي يُصِيبُهُ قُرْعَةُ الرَّبِّ (p-١٦)ويُصابُ الحَرامُ عِنْدَهُ يُحَرَّقُ بِالنّارِ هو وكُلُّ شَيْءٍ لَهُ، لِأنَّهُ تَعَدّى عَلى أمْرِ الرَّبِّ ولِأنَّهُ أثِمَ بِإسْرائِيلَ؛ فَفَعَلَ ما أمَرَهُ الرَّبُّ، فَأصابَتِ القُرْعَةُ عاجارَ بْنَ كَرْمى مِن سِبْطِ يَهُودا، فَأحْضَرَهُ وبَنِيهِ وبَناتِهِ ومَواشِيَهُ وخَيْمَتَهُ وكُلَّ مَن كانَ لَهُ، فَأصْعَدَهم إلى غَوْرِ عاجارَ، ورَجَمَهم جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ بِالحِجارَةِ، وأحْرَقُوهم بِالنّارِ، وجَعَلُوا فَوْقَهُ تَلًّا مِنَ الحِجارَةِ الكِبارِ إلى اليَوْمِ، ولِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُ ذَلِكَ المَوْضِعِ غَوْرَ عاجارَ إلى اليَوْمِ، ثُمَّ أتَوْا مِنَ الغَدِ إلى عايٍ فَقَتَلُوا جَمِيعَ مَن فِيها مِن بَنِي آدَمَ الذُّكُورِ والإناثِ وأحْرَقُوها.
البقرة 2:87
ولَمّا بَيَّنَ لَهم أنَّهم نَقَضُوا العُهُودَ فَأحاطَتْ بِهِمُ الخَطايا فاسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في النّارِ تَوَقَّعَ السّائِلُ الإخْبارَ عَنْ سَبَبِ وُقُوعِهِمْ في ذَلِكَ هَلْ هو جَهْلٌ أوْ عِنادٌ فَبَشَّعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِما افْتَتَحَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ (p-١٧)بِاللّامِ الَّتِي هي تَوْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ، و”قَدْ“ هي لِوُقُوعِ مُرْتَقَبٍ مِمّا كانَ خَبَرًا أوْ مِمّا سَيَكُونُ عَلَمًا، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿آتَيْنا﴾ [أيْ-٢ ]: بِعَظَمَتِنا ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ: نَقَضْتُمْ تِلْكَ العُهُودَ مَعَ أنَّ عِنْدَكم فِيها كِتابَ اللَّهِ التَّوْراةَ تَدْرُسُونَهُ كُلَّ حِينٍ، فَلَمْ نَدَعُكم هَمَلًا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ ضَبَطْنا أمْرَكم بِالكِتابِ،
﴿وقَفَّيْنا﴾ مِنَ التَّقْفِيَةِ وهي مُتابَعَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كَأنَّهُ يَتْلُو قَفاهُ، وقَفاءُ الصُّورَةِ مِنها خَلْفُها المُقابِلُ لِلْوَجْهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ مُوسى،
﴿بِالرُّسُلِ﴾ أيْ: ثُمَّ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى الضَّبْطِ بِالكِتابِ الَّذِي تَرَكَهُ فِيكم مُوسى بَلْ واتَرْنا مِن بَعْدِهِ إرْسالَ الرُّسُلِ (p-١٨)مُواتَرَةً، وجَعَلْنا بَعْضَهم في قَفاءِ بَعْضٍ لِيُجَدِّدُوا لَكم أمْرَ الدِّينِ ويُؤَكِّدُوا عَلَيْكُمُ العُهُودَ والرِّسالَةُ انْبِعاثُ أمْرٍ مِنَ المُرْسَلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ،
﴿وآتَيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ،
﴿عِيسى﴾ اسْمٌ مُعَرَّبٌ، أصْلُهُ يَسُوعُ،
﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الَّذِي أرْسَلْناهُ لِنَسْخِ بَعْضِ التَّوْراةِ وتَجْدِيدِ ما دَرَسَ مِن بَقِيَّتِها،
﴿البَيِّناتِ﴾ مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا مِرْيَةَ فِيها لِذِي عَقْلٍ، والبَيِّنَةُ مِنَ القَوْلِ والكَوْنُ ما لا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ لِوُضُوحِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿وأيَّدْناهُ﴾ أيْ: (p-١٩)قَوَّيْناهُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ، مِنَ التَّأْيِيدِ وهو مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ، كَأنَّهُ يَأْخُذُ مَعَهُ بِيَدِهِ في الشَّيْءِ الَّذِي يُقَوِّيهِ فِيهِ، كَأخْذِ قُوَّةِ المُظاهَرَةِ مِنَ الظَّهْرِ، لِأنَّ الظَّهْرَ مَوْضِعُ قُوَّةِ الشَّيْءِ في ذاتِهِ، واليَدُ مَوْضِعُ قُوَّةِ تَناوُلِهِ لِغَيْرِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ أيِ: الرُّوحُ الطّاهِرُ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما أيَّدْنا بِهِ غَيْرَهُ مِن أُولِي العَزْمِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والرُّوحُ لَمْحَةٌ مِن لَمَحاتِ أمْرِ اللَّهِ، وأمْرُ اللَّهِ قَيُّومِيَّتُهُ في كُلِّيَّةِ خَلْقِهِ مُلْكًا ومَلَكُوتًا، فَما هو قِوامُ الخَلْقِ كُلِّهِ مُلْكًا ومَلَكُوتًا هو الأمْرُ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وما هو قِوامُ صُورَةٍ مِن جُمْلَةِ الخَلْقِ هو الرُّوحُ الَّذِي هو لَمْحَةٌ مِن ذَلِكَ الأمْرِ؛ ولِقِيامِ عالَمِ المَلَكُوتِ وخُصُوصًا جُمْلَةَ العَرْشِ بِعالَمِ المُلْكِ وخُصُوصًا أمْرَ الدِّينِ الباقِي سَمّاهُمُ اللَّهُ رُوحًا، ومِن أخَصِّهِمْ رُوحُ القُدُسِ، والقُدُسُ: (p-٢٠)(p-٢١)الطَّهارَةُ العَلِيَّةُ الَّتِي لا يَلْحَقُها تَنَجُّسٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، ومِن أخَصِّ الرُّوحِ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِن رُوحِ الأمْرِ الدِّينِيِّ، وإسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِن رُوحِ النَّفْخِ الصُّورِيِّ، انْتَهى. وقَدْ كانَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرُّوحِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ لِكَثْرَةِ ما أحْيا مِنَ المَوْتى؛ والمَعْنى: فَعَلْنا بِكم يا بَنِي إسْرائِيلَ ذَلِكَ ولَمْ تَزالُوا في عَهْدِ جَمِيعِ مَن ذُكِرَ ناقِضِينَ لِلْعُهُودِ، فَلا أحَدَ أحَقَّ مِنكم بِالخُلُودِ في النّارِ، ثُمَّ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَلَمْ تُصَدِّقُوهُ.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِنَ الإنْجِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالبَيِّناتِ مَعَ تَأْيِيدِهِ بِرُوحِ القُدُسِ مُسْتَخْلَصًا مِنَ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ وقَدْ جَمَعَتْ بَيْنَ ألْفاظِها، قالَ مَتّى - ومُعْظَمُ السِّياقِ لَهُ-: فَلَمّا سَمِعَ يَسُوعُ أنَّ يُوحَنّا -يَعْنِي: يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ- قَدْ أُسْلِمَ يَعْنِي: خَذَلَهُ أصْحابُهُ- مَضى إلى الجَلِيلِ وتَرَكَ النّاصِرَةَ وجاءَ وسَكَنَ كَفْرَناحُومَ الَّتِي عَلى ساحِلِ البَحْرِ في تُخُومِ زابِلُونَ وبَغْتالِيمَ لِيُكْمِلَ ما قِيلَ في أشْعَيا النَّبِيِّ إذْ يَقُولُ: أرْضُ زابِلُونَ أرْضُ بَغْتالِيمَ طَرِيقُ البَحْرِ عَبْرَ الأُرْدُنِّ جَلِيلُ الأُمَمِ الشَّعْبُ الجالِسُ في الظُّلْمَةِ أبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا الجُلُوسُ في الكُورَةِ وظِلالِ المَوْتِ نُورًا أشْرَقَ عَلَيْهِمْ، ومِن ذَلِكَ الزَّمانِ يَسُوعُ يَكْرِزُ ويَقُولُ: تُوبُوا فَقَدِ اقْتَرَبَتْ مَلَكُوتُ السَّماواتِ. وقالَ مُرْقُسُ: ومِن بَعْدِ حَبْسِ يُوحَنّا وافى يَسُوعُ إلى الجَلِيلِ يَكْرِزُ بِإنْجِيلِ (p-٢٢)مَلَكُوتِ اللَّهِ قائِلًا: قَدْ كَمُلَ الزَّمانُ وقَرُبَتْ مَلَكُوتُ اللَّهِ ! فَتُوبُوا وآمِنُوا بِالإنْجِيلِ. قالَ مَتّى: وكانَ يَمْشِي عَلى بَحْرِ الجَلِيلِ فَأبْصَرَ أخَوَيْنِ سَمْعانَ الَّذِي يُدْعى بُطْرُسَ وأنْدُراوُسَ أخاهُ يُلْقِيانِ شِباكَهُما في البَحْرِ لِأنَّهُما كانا صَيّادَيْنِ، فَقالَ لَهُما: اتَّبِعانِي أجْعَلْكُما تَكُونانِ صَيّادِيَّ النّاسِ، ولِلْوَقْتِ تَرَكا شِباكَهُما وتَبِعاهُ؛ وجازَ مِن هُناكَ فَرَأى أخَوَيْنِ آخَرَيْنِ يَعْقُوبَ بْنَ زَبَدِيَّ ويُوحَنّا أخاهُ في سَفِينَةٍ مَعَ أبِيهِما زَبَدِيَّ يُصْلِحُونَ شِباكَهم فَدَعاهُما، فَلِلْوَقْتِ تَرَكا السَّفِينَةَ وأباهُما زَبَدِيَّ وتَبِعاهُ، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا بَعْدَ قِصَّةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا الآتِيَةِ في آلِ عِمْرانَ: هَذا كانَ في بَيْتِ عَيْنا في عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كانَ يُوحَنّا يُعَمِّدُ، ومِنَ الغَدِ نَظَرَ يَسُوعَ مُقْبِلًا إلَيْهِ فَقالَ: هَذا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العالَمِ ! هَذا ذَلِكَ الَّذِي قُلْتُ مِن أجْلِهِ: إنَّهُ يَأْتِي وهو كانَ قَبَلِي لِأنَّهُ أقْدَمُ مِنِّي وأنا لَمْ أكُنْ أعْرِفُهُ لَكِنْ لِيَظْهَرَ لِإسْرائِيلَ، مِن أجْلِ هَذا جِئْتُ أنا لِأُعَمِّدَ بالَما؛ وشَهِدَ يُوحَنّا وقالَ: إنِّي رَأيْتُ الرُّوحَ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ مِثْلَ حَمامَةٍ وحَلَّ عَلَيْهِ ولَمْ أعْرِفْهُ، لَكِنَّ مَن أرْسَلَنِي لِأُعَمِّدَ بالَما هو الَّذِي قالَ: الَّذِي تَرى الرُّوحَ يَنْزِلُ ويَثْبُتُ عَلَيْهِ هو يُعَمَّدُ بِرُوحِ القُدُسِ، وأنا عايَنْتُ (p-٢٣)وشَهِدْتُ: وفي الغَدِ كانَ يُوحَنّا واقِفًا واثْنانِ مِن تَلامِيذِهِ فَنَظَرَ يَسُوعَ فَقالَ: هَذا حَمَلُ اللَّهِ ! فَسَمِعَ تِلْمِيذاهُ كَلامَهُ فَتَبَعًا يَسُوعَ، فالتَفَتَ يَسُوعُ فَرَآهُما يَتْبَعانِهِ فَقالَ لَهُما: ماذا تُرِيدانِ ؟ قالا لَهُ: رَبِّي -الَّذِي تَأْوِيلُهُ يا مُعَلِّمُ- أيْنَ تَكُونُ ؟ فَقالَ لَهُما: تَعالَيا لِتَنْظُرا، فَأتَيا وأبْصَرا مَوْضِعَهُ أيْنَ يَكُونُ، وأقاما عِنْدَهُ يَوْمَهُما ذَلِكَ وكانَ نَحْوَ عَشْرِ ساعاتٍ، وإنَّ واحِدًا مِنَ اللَّذَيْنِ سَمِعا مِن يُوحَنّا وتَبِعا يَسُوعَ كانَ أنْدُراوُسَ أخا سَمْعانَ وإنَّهُ أبْصَرا ولا سَمْعانَ أخاهُ وقالَ لَهُ: قَدْ وجَدْنا مَسِيا -الَّذِي تَأْوِيلُهُ المَسِيحُ- فَجاءَ بِهِ إلى يَسُوعَ؛ فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ يَسُوعُ، قالَ لَهُ: أنْتَ سَمْعانُ بْنُ يُونا[نَ ] الَّذِي يُدْعى الصَّفا، الَّذِي تَأْوِيلُهُ بُطْرُسُ، ومِنَ الغَدِ أرادَ الخُرُوجَ إلى الجَلِيلِ فَلَقِيَ فِيلِيسُ ناتانايِيلَ، وقالَهُ لَهُ: الَّذِي كَتَبَ مُوسى مِن أجْلِهِ في النّامُوسِ والأنْبِياءِ وجَدْناهُ وهو يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النّاصِرَةِ، فَقالَ لَهُ ناتانايِيلُ: هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ النّاصِرَةِ شَيْءٌ فِيهِ صَلاحٌ ؟ فَقالَ لَهُ فِيلِيسُ: تَعالَ وانْظُرْ، فَلَمّا رَأى يَسُوعُ ناتانايِيلَ مُقْبِلًا إلَيْهِ قالَ: مِن أجْلِهِ هَذا حَقًّا إسْرائِيلِيٌّ لا غِشَّ فِيهِ، فَقالَ لَهُ ناتانايِيلُ: مِن أيْنَ تَعْرِفُنِي ؟ فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: قَبْلَ أنْ يَدْعُوَكَ فِيلِيسُ وأنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ رَأيْتُكَ، فَقالَ لَهُ: يا مُعَلِّمُ ! أنْتَ هو مَلِكُ إسْرائِيلَ، قالَ لَهُ يَسُوعُ: لِأنِّي قُلْتُ لَكَ (p-٢٤)إنِّي رَأيْتُكَ تَحْتَ التِّينَةِ آمَنتَ سَوْفَ تُعايِنُ ما هو أعْظَمُ مِن هَذا، وقالَ لَهُ: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكم، إنَّكم مِنَ الآنِ تَرَوْنَ السَّماءَ مُفَتَّحَةً، ومَلائِكَةَ اللَّهِ يَنْزِلُونَ ويَصْعَدُونَ عَلى ابْنِ البَشَرِ. وفي اليَوْمِ الثّالِثِ كانَ عَرْشٌ في قانا الجَلِيلِ وكانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُناكَ ودُعِيَ يَسُوعُ وتَلامِيذُهُ إلى العَرْشِ وكانَ الخَمْرُ قَدْ فَرَغَ، فَقالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: لَيْسَ لَهم خَمْرٌ، فَقالَ لَها يَسُوعُ: ما لِيَ ولَكِ أيَّتُها المَرْأةُ لَمْ تَأْتِ ساعَتِي بَعْدُ ؟ فَقالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدّامِ: افْعَلُوا ما يَأْمُرُكم بِهِ، وكانَ هُناكَ سِتَّةُ أجاجِينَ مِن حِجارَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِتَطْهِيرِ اليَهُودِ تَسَعُ كُلُّ واحِدَةٍ مَطَرَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، فَقالَ لَهم يَسُوعُ: امْلَأُوا الأجاجِينَ ماءً، فَمَلَأُوها إلى فَوْقُ، وقالَ لَهُمُ: اغْرِفُوا الآنَ وناوِلُوا رَئِيسَ السُّقاةِ، فَلَمّا ذاقَ رَئِيسُ السُّقاةِ ذَلِكَ الماءَ المُتَحَوِّلَ خَمْرًا لَمْ يَعْلَمْ مِن أيْنَ هو، فَدَعا رَئِيسُ السُّقاةِ العَرِيسَ وقالَ لَهُ: كُلُّ إنْسانٍ إنَّما يَأْتِي بِالشَّرابِ الجَيِّدِ أوَّلًا فَإذا سَكِرُوا عِنْدَ ذَلِكَ يَأْتِي بِالدُّونِ وأنْتَ أبْقَيْتَ الجَيِّدَ إلى الآنِ ! هَذِهِ الآيَةُ الأُولى الَّتِي فَعَلَها يَسُوعُ في قانا الجَلِيلِ وأظْهَرَ مَجْدَهُ وآمَنَ بِهِ تَلامِيذُهُ.
وبَعْدَ هَذا انْحَدَرَ إلى كَفْرَناحُومَ هو وأُمُّهُ وإخْوَتُهُ وتَلامِيذُهُ فَأقامُوا هُناكَ أيّامًا يَسِيرَةً؛ ثُمَّ قالَ: وعَلِمَ السَّيِّدُ يَسُوعُ أنَّ الفِرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أنَّهُ قَدِ اتَّخَذَ تَلامِيذَ كَثِيرَةً، وأنَّهُ يُعَمِّدُ أكْثَرَ مِن يُوحَنّا إذْ لَيْسَ هو يُعَمِّدُ بَلْ (p-٢٥)تَلامِيذُهُ فَتَرَكَ اليَهُودِيَّةَ ومَضى إلى الجَلِيلِ، وكانَ قَدْ أزْمَعَ أنْ يَعْبُرَ عَلى مَوْضِعِ السّامِرَةِ، فَأقْبَلَ إلى مَدِينَةِ السّامِرَةِ الَّتِي تُسَمّى بِسُوخارَ إلى جانِبِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَ يَعْقُوبُ وهَبَها لِيُوسُفَ ابْنِهِ وكانَ هُناكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ وكانَ يَسُوعُ قَدْ عَيِيَ مِن تَعَبِ الطَّرِيقِ، فَجَلَسَ عَلى البِئْرِ في سِتِّ ساعاتٍ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ السُّمْرَةِ تَسْتَقِي ماءً، فَقالَ لَها يَسُوعُ: أعْطِينِي أشْرَبُ -وكانَ تَلامِيذُهُ قَدْ دَخَلُوا إلى المَدِينَةِ لِيَبْتاعُوا لَهم طَعامًا- فَقالَتْ لَهُ تِلْكَ المَرْأةُ: كَيْفَ وأنْتَ يَهُودِيٌّ تَسْتَقِي الماءَ وأنا امْرَأةٌ سامِرِيَّةٌ واليَهُودُ لا يَخْتَلِطُونَ بِالسّامِرَةِ ! أجابَ يَسُوعُ وقالَ لَها: لَوْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ عَطِيَّةَ اللَّهِ ومَن هَذا الَّذِي قالَ لَكِ: ناوِلِينِي أشْرَبُ، لَكُنْتِ أنْتِ تَسْألِينَهُ أنْ يُعْطِيَكِ ماءَ الحَياةِ ! قالَتِ المَرْأةُ: يا سَيِّدُ ! إنَّهُ لا دَلْوَ لَكَ والبِئْرُ عَمِيقَةٌ فَمِن أيْنَ لَكَ ماءُ الحَياةِ ؟ لَعَلَّكَ أعْظَمُ مِن أبِينا يَعْقُوبَ الَّذِي أعْطانا هَذِهِ البِئْرَ ومِنها شَرِبَ هو وبَنُوهُ وماشِيَتُهُ ! فَقالَ لَها: كُلُّ مَن يَشْرَبُ مِن هَذا الماءِ يَعْطَشُ أيْضًا، فَأمّا مَن يَشْرَبُ مِنَ الماءِ الَّذِي أُعْطِيهِ لا يَعْطَشُ إلى الأبَدِ، قالَتِ المَرْأةُ: يا سَيِّدُ ! أعْطِنِي مِن هَذا الماءِ لِئَلّا أعْطَشَ، ولا أجِيءَ، ولا أسْتَقِيَ مِن ها هُنا، فَقالَ: انْطَلِقِي وادْعِي زَوْجَكِ وتَعالَيْ إلى ها هُنا، قالَتْ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، قالَ لَها: حَسَنًا قُلْتِ: (p-٢٦)إنَّهُ لا بَعْلَ لِي، لِأنَّهُ قَدْ كانَ لَكِ خَمْسَةُ بُعُولَةٍ والَّذِي هو لَكِ الآنَ لَيْسَ هو زَوْجُكِ، أمّا هَذا فَحَقًّا قُلْتِ، قالَتْ: يا سَيِّدُ ! إنِّي أرى أنَّكَ نَبِيٌّ، آباؤُنا سَجَدُوا في هَذا الجَبَلِ وأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ يارُوشَلِيمُ المَكانُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ فِيهِ، قالَ: أيَّتُها المَرْأةُ ! آمِنِي بِهِ، إنَّهُ سَتَأْتِي ساعَةٌ لا في هَذا الجَبَلِ ولا في يَرُوشَلِيمَ يَسْجُدُونَ لِلْأبِ، أنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِما لا تَعْلَمُونَ ونَحْنُ نَسْجُدُ لِما نَعْلَمُ، لَكِنْ سَتَأْتِي ساعَةٌ وهي الآنَ لِكَيْما السّاجِدُونَ المُحِقُّونَ يَسْجُدُونَ بِالرُّوحِ والحَقِّ، والرَّبُّ إنَّما يُرِيدُ مِثْلَ هَؤُلاءِ السّاجِدِينَ، والَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ بِالرُّوحِ والحَقِّ يَنْبَغِي أنْ يَسْجُدُوا، قالَتِ المَرْأةُ: قَدْ عَلِمْتُ أنَّ مَسِيا الَّذِي هو المَسِيحُ يَأْتِي، فَإذا جاءَ ذاكَ فَهو يُعَلِّمُنا كُلَّ شَيْءٍ، فَقالَ: أنا هو الَّذِي أُكَلِّمُكِ، وفي هَذا جاءَ تَلامِيذُهُ وتَعَجَّبُوا مِن كَلامِهِ مَعَ امْرَأةٍ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: ماذا تُرِيدُ ولِمَ تُكَلِّمُها فَتَرَكَتِ المَرْأةُ جَرَّتَها ومَضَتْ إلى المَدِينَةِ وقالَتْ لِلنّاسِ: تَعالَوُا انْظُرُوا رَجُلًا أعْلَمَنِي كُلَّ ما فَعَلْتُ، لَعَلَّ هَذا هو المَسِيحُ، فَخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وأقْبَلُوا نَحْوَهُ؛ وفي هَذا سَألَهُ تَلامِيذُهُ قائِلِينَ: يا مُعَلِّمُ ! كُلْ، فَقالَ: إنَّ لِي طَعامًا لا تَعْرِفُونَهُ أنْتُمْ، فَقالُوا فِيما بَيْنَهم: لَعَلَّ إنْسانًا وافاهُ (p-٢٧)بِشَيْءٍ فَطَعِمَهُ، فَقالَ: طَعامِي أنا أنْ أعْمَلَ مَسَرَّةَ، مَن أرْسَلَنِي وأُتِمَّ عَمَلَهُ، ألَيْسَ أنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الحَصادَ يَأْتِي بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وأنا قائِلٌ لَكم: ارْفَعُوا أعْيُنَكم وانْظُرُوا إلى الكُورِ قَدِ ابْيَضَّتْ وبَلَغَتِ الحَصادَ، والَّذِي يَحْصُدُ يَأْخُذُ الأُجْرَةَ ويَجْمَعُ ثِمارَ الحَياةِ الدّائِمَةِ، والزّارِعُ والحاصِدُ يَفْرَحانِ مَعًا، لِأنَّهُ في هَذا تُوجَدُ كَلِمَةُ الحَقِّ، إنَّ واحِدًا يَزْرَعُ وآخَرَ يَحْصُدُ، أنا أسْألُكم تَحْصُدُونَ شَيْئًا لَيْسَ أنْتُمْ تَعِبْتُمْ فِيهِ بَلْ آخَرُونَ تَعِبُوا فِيهِ وأنْتُمْ دَخَلْتُمْ عَلى تَعَبِ أُولَئِكَ؛ فَآمَنَ بِهِ في تِلْكَ المَدِينَةِ سامِرِيُّونَ كَثِيرُونَ مِن أجْلِ كَلِمَةِ تِلْكَ المَرْأةِ، ولَمّا صارَ إلَيْهِ السّامِرِيُّونَ طَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يُقِيمَ عِنْدَهم، فَمَكَثَ عِنْدَهم يَوْمَيْنِ فَآمَنَ بِهِ كَثِيرٌ، وكانُوا يَقُولُونَ لِلْمَرْأةِ: لَسْنا مِن أجْلِ قَوْلِكِ نُؤْمِنُ بِهِ لَكِنّا قَدْ سَمِعْنا وعَلِمْنا أنَّ هَذا هو المَسِيحُ بِالحَقِيقَةِ مُخَلِّصُ العالَمِ.
وبَعْدَ يَوْمَيْنِ خَرَجَ يَسُوعُ إلى الجَلِيلِ ومَضى مِن هُناكَ، لِأنَّهُ شَهِدَ أنَّ النَّبِيَّ لا يُكْرَمُ في مَدِينَتِهِ، ولَمّا صارَ إلى الجَلِيلِ قَبِلَهُ الجَلِيلِيُّونَ، لِأنَّهم عايَنُوا كُلَّ ما عَمِلَ بِايَرُوشَلِيمَ في العِيدِ؛ ثُمَّ جاءَ يَسُوعُ حَيْثُ صَنَعَ الماءَ خَمْرًا وكانَ في كَفْرَناحُومَ عِنْدَ المَلِكِ ابْنٌ مَرِيضٌ فَسَمِعَ أنَّ يَسُوعَ قَدْ جاءَ مِن يَهُودا إلى الجَلِيلِ، فَمَضى إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَنْزِلَ ويُبْرِئَ ولَدَهُ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ قارَبَ المَوْتَ، فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: إنْ لَمْ تُعايِنُوا الآياتِ الأعاجِيبَ لا تُؤْمِنُونَ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: انْزِلْ يا سَيِّدُ (p-٢٨)قَبْلَ أنْ يَمُوتَ فَتايَ، قالَ لَهُ يَسُوعُ: امْضِ فابْنُكَ حَيٌّ، فَآمَنَ الرَّجُلُ بِالكَلِمَةِ الَّتِي قالَها يَسُوعُ ومَضى، وفِيما هو ماضٍ اسْتَقْبَلَهُ غِلْمانُهُ وبَشَّرُوهُ بِأنَّ ابْنَهُ قَدْ عاشَ، فَسَألَهم: في أيِّ وقْتٍ ؟ فَقالُوا لَهُ: أمْسُ في السّاعَةِ السّابِعَةِ تَرَكَتْهُ الحُمّى، فَعَلِمَ أبُوهُ أنَّهُ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي قالَ لَهُ يَسُوعُ فِيها: إنَّ ابْنَكَ قَدْ حَيِيَ، فَآمَنَ هو وبَيْتُهُ بِأسْرِهِ؛ وهَذِهِ أيْضًا آيَةٌ ثانِيَةٌ عَمِلَها يَسُوعُ لَمّا جاءَ مِن يَهُودا إلى الجَلِيلِ. قالَ مُرْقُسُ: فَأقْبَلَ إلى كَفْرَناحُومَ وبَقِيَ يُعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، فَتَعَجَّبُوا مِن تَعْلِيمِهِ لِأنَّهُ كانَ كالمُسَلَّطِ. قالَ مَتّى: وكانَ يَسُوعُ يَطُوفُ في كُلِّ الجَلِيلِ ويُعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ ويُبْرِئُ كُلَّ بَرَصٍ ووَجَعٍ في الشَّعْبِ، فَخَرَجَ خَبَرُهُ في جَمِيعِ الشّامِ فَقَدِمَ إلَيْهِ كُلُّ مَن بِهِ أصْنافُ الأمْراضِ والأوْجاعِ المُخْتَلِفَةِ والَّذِينَ بِهِمُ الشَّياطِينُ والمُعْتَرِّينَ في رُؤُوسِ الأهِلَّةِ والمُخْلَعِينَ فَأبْرَأهم، وتَبِعَهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الجَلِيلِ والعَشْرَةِ المُدُنِ ويَرُوشَلِيمَ واليَهُودِيَّةِ وعَبْرَ الأُرْدُنِّ، فَلَمّا أبْصَرَ الجَمِيعَ صَعِدَ إلى الجَبَلِ وجَلَسَ، وجاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ وفَتَحَ فاهُ يُعَلِّمُهم قائِلًا: طُوبى لِلْمَساكِينِ بِالرُّوحِ ! فَإنَّ لَهم مَلَكُوتَ السَّماواتِ، طُوبى لِلْحَزانى ! فَإنَّهم يُعَزَّوْنَ، (p-٢٩)طُوبى لِلْمُتَواضِعِينَ ! فَإنَّهم يَرِثُونَ الأرْضَ، طُوبى لِلْجِياعِ والعِطاشِ مِن أجْلِ البِرِّ ! فَإنَّهم يَشْبَعُونَ، طُوبى لِلرُّحَماءِ ! فَإنَّهم يُرْحَمُونَ، طُوبى لِلنَّقِيَّةِ قُلُوبُهم ! فَإنَّهم يُعايِنُونَ اللَّهَ، طُوبى لِفاعِلِي السَّلامَةِ ! فَإنَّهم بَنِي اللَّهِ يُدْعَوْنَ، طُوبى لِلْمَطْرُودِينَ مِن أجْلِ البِرِّ ! فَإنَّ لَهم مَلَكُوتَ السَّماواتِ، طُوبى [لَكُمْ-٣ ] إذا طَرَدُوكم وعَيَّرُوكم، وقالُوا فِيكم كُلَّ كَلِمَةِ شَرٍّ مِن أجْلِي؛ افْرَحُوا وتَهَلَّلُوا، فَإنَّ أجْرَكم عَظِيمٌ في السَّماواتِ، لِأنَّ هَكَذا طَرَدُوا الأنْبِياءَ الَّذِينَ قَبْلَكم.
وقالَ لُوقا: هَكَذا كانَ آباؤُكم يَصْنَعُونَ بِالأنْبِياءِ الوَيْلُ لَكم أيُّها الأغْنِياءُ ! لِأنَّكم قَدْ أخَذْتُمْ عَزاكم، الوَيْلُ لَكم أيُّها الشَّباعى الآنَ ! فَإنَّكم سَتَجُوعُونَ؛ الوَيْلُ لَكم أيُّها الضّاحِكُونَ الآنَ ! فَإنَّكم سَتَبْكُونَ وتَحْزَنُونَ، الوَيْلُ لَكم إذا قالَ النّاسُ فِيكم قَوْلًا حَسَنًا ! لِأنَّ آباءَهم كَذَلِكَ فَعَلُوا بِالأنْبِياءِ الكَذَبَةِ يَعْنِي: المُتَنَبِّئِينَ- وفِيهِ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي لا يَجُوزُ إطْلاقُها في شَرْعِنا حَمَلُ اللَّهِ والأبُ، وقَوْلُهُ: بَنِي اللَّهِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ تَأْوِيلُ مِثْلِ هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ وأنَّهُ يُرَدُّ إلى المُحْكَمِ عَلى أوْضَحِ وجْهٍ مِثْلَ الألْفاظِ الَّتِي ورَدَتْ في شَرْعِنا ورَدَدْناها إلى المُحْكَمِ، وضَلَّ بِها مَن حَمَلَها عَلى ظاهِرِها مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ واللَّهُ المُوَفِّقَ. (p-٣٠)ولَمّا كانَ هَذا حالَهم مَعَ الرُّسُلِ مَعَ أُنْسِهِمْ بِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ بِأحْوالِهِمْ واتِّصالِهِمْ بِاللَّهِ وكَمالِهِمْ عَلِمَ أنَّهم في مُنابِذَتِهِمْ لَهم عَبِيدُ الهَوى وأسْرى الشَّهَواتِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿أفَكُلَّما﴾ أيْ: أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِن نَقْضِ العُهُودِ مَعَ مُواتَرَةِ الرُّسُلِ ووُجُودِ الكِتابِ فَكُلَّما ﴿جاءَكم رَسُولٌ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ رَبِّكم ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ (p-٣١)مِنَ الهَوى وهو نُزُوعُ النَّفْسِ لِسُفْلِ شَهْوَتِها في مُقابَلَةِ مُعْتَلى الرُّوحِ لِمُنْبَعَثِ انْبِساطِهِ، كَأنَّ النَّفْسَ ثَقِيلُ الباطِنِ بِمَنزِلَةِ الماءِ والتُّرابِ، والرُّوحَ خَفِيفُ الباطِنِ بِمَنزِلَةِ الهَواءِ والنّارِ، وكَأنَّ العَقْلَ مُتَّسَعُ الباطِنِ بِمَنزِلَةِ اتِّساعِ النُّورِ في كُلِّيَّةِ الكَوْنِ عُلُوًّا وسُفْلًا، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
وقَدْ دُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الباطِلُ بِالتَّعْبِيرِ بِالهَوى والنَّفْسِ ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أيْ: طَلَبْتُمُ الكِبْرَ وأوْجَدْتُمُوهُ بِما لَكم مِنَ الرِّئاسَةِ عَلى قَوْمِكم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مَيْلًا إلى سُنَّةِ إبْلِيسَ مَعَ إعْطائِكُمُ العَهْدَ قَبْلَ ذَلِكَ عَلى الدَّوامِ عَلى اتِّباعِهِ ﴿فَفَرِيقًا﴾ أيْ: (p-٣٢)فَتَسَبَّبَ عَنْ طَلَبِكُمُ الكِبْرَ أنَّكم فَرِيقًا،
﴿كَذَّبْتُمْ﴾ كَعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ،
﴿وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أيْ: قَتَلْتُمْ ولَمْ تَنْدَمُوا عَلى قَتْلِهِمْ بَلْ عَزَمْتُمْ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ كُلَّما جاءَكم أحَدٌ مِنهم بِما يُخالِفُ الهَوى وهم لَمْ يُبْعَثُوا إلّا لِصَرْفِ الأنْفُسِ عَنِ الهَوى؛ لِأنَّ دَعْوَةَ الرَّسُولِ إلى الأعْلى الَّذِي هو ضِدُّ هَوى النَّفْسِ؛ والظّاهِرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ المُسْتَقْبَلَةِ إلى قَتْلِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ بِالسُّمِّ في خَيْبَرَ كَما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ الماضِي آنِفًا.
البقرة 2:88
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَخازِيَهم حَتّى خَتَمَها بِعَظِيمِ ما ارْتَكَبُوا مِنَ الرُّسُلِ مِنَ القَتْلِ المَعْنَوِيِّ بِالتَّكْذِيبِ والحِسِّيِّ بِإزْهاقِ الرُّوحِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم أتَوْا بِالبَيِّناتِ والآياتِ المُعْجِزاتِ فَأرْشَدَ المَقامُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ فَقالُوا لِلْأنْبِياءِ لَمّا أتَوْهم أُمُورًا كَثِيرَةً يَعْجَبُ مِن صُدُورِها عَنْ عاقِلٍ وأتَوْا في الجَوابِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وقَتْلِهِمْ مِنَ التَّناقُضاتِ بِما لا يَرْضاهُ عالِمٌ ولا جاهِلٌ عَطَفَ (p-٣٣)عَلَيْهِ أوْ عَلى ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] قَوْلَهُ: بَيانًا لِشِدَّةِ بُهْتِهِمْ وقُوَّةِ عِنادِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ في جَوابِ ما كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِمْ مِن جَواهِرِ العِلْمِ الَّتِي هي أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ،
﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ أغْلَفَ وهو المُغَشّى الذَّكَرِ بِالقُلْفَةِ الَّتِي هي جِلْدَتُهُ، كَأنَّ الغُلْفَةَ في طَرَفَيِ المَرْءِ: ذَكَرِهِ وقَلْبِهِ، حَتّى يُتِمَّ اللَّهُ كَلِمَتَهُ في طَرَفَيْهِ بِالخِتانِ والإيمانِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. فالمَعْنى: عَلَيْها أغْطِيَةٌ فَهي لا تَفْهَمُ ما تَقُولُونَ. فَكانَ المُرادُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهم أعْلَمُ (p-٣٤)النّاسِ أنَّ ما يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِأهْلٍ لِأنْ يُوَجَّهُ إلَيْهِ الفَهْمُ، ولِذَلِكَ أضْرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا مِن أنْ هُناكَ غُلْفًا حَقِيقَةً بَلْ ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلسَّعادَةِ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ الأُولى القَوِيمَةِ لا غُلْفَ عَلى قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ اللَّعْنَ إبْعادٌ في المَعْنى والمَكانَةِ إلى أنْ يَصِيرَ المَلْعُونُ بِمَنزِلَةِ النَّعْلِ في أسْفَلِ القامَةِ يُلاقِي بِهِ ضَرَرَ المُوطى، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أعْظَمُ الذُّنُوبِ ما تَكُونُ عُقُوبَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها الإلْزامَ بِذُنُوبٍ أشَدَّ مِنها، فَأعْقَبَ اسْتِكْبارَهُمُ اللَّعْنَ كَما كانَ في حَقِّ إبْلِيسَ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فانْتَظَمَ صَدْرُ هَذِهِ السُّورَةِ إظْهارَ الشَّيْطَنَتَيْنِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ الَّذِي انْخَتَمَ بِهِ القُرْآنُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] لِيَتَّصِلَ طَرَفاهُ، فَيَكُونُ خَتْمًا لا أوَّلَ (p-٣٥)لَهُ ولا آخِرَ؛ والفاتِحَةُ مُحِيطَةٌ بِهِ لا يُقالُ: هي أوَّلُهُ ولا آخِرُهُ، ولِذَلِكَ خَتَمَ بَعْضُ القُرّاءِ بِوَصْلِهِ حَتّى لا يَتَبَيَّنَ لَهُ طَرَفٌ، كَما قالَتِ العَرَبِيَّةُ لَمّا سُئِلَتْ عَنْ بَنِيها: هم كالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها، ولَمّا أخْبَرَ بِلَعْنِهِمْ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ فَوَصَفَهُ بِالقِلَّةِ وأكَّدَهُ بِما إيذانًا بِأنَّهُ مَغْمُورٌ بِالكُفْرِ لا غِناءَ لَهُ.
البقرة 2:89
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن جَلافَتِهِمْ ما خَتَمَهُ بِلَعْنِهِمْ وكانَ قَدْ قَدَّمَ ذِكْرَ كِتابِهِمْ مِرارًا وأشارَ إلى الإنْجِيلِ بِإيتاءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَيِّناتِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَهم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي مَقْصُودُ السُّورَةِ وصْفُهُ بِالهُدى وبِهَذا الرَّسُولِ الآتِي بِهِ دَلِيلًا عَلى إغْراقِهِمْ في الكُفْرِ، لِأنَّهم مَعَ اسْتِفْتاحِهِمْ بِهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلى مَن يُعادِيهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ بِهِ وإشْهادِهِمْ أنْفُسَهم بِالسُّرُورِ بِمَجِيئِهِ كانُوا أبْعَدَ النّاسِ مِن دَعَوْتِهِ تَمادِيًا في الكُفْرِ (p-٣٦)وتَقَيُّدًا بِالضَّلالِ؛ فَكانَ هَذا الدَّلِيلُ أبْيَنَ مِنَ الأوَّلِ عِنْدَ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ﴾ أيْ: جامِعٌ لِجَمِيعِ الهُدى لِعَظَمَتِهِ لِكَوْنِهِ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ المُحَبِّباتِ لَهم في اتِّباعِهِ قَوْلَهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] عَلى لِسانِ نَبِيٍّ يَعْرِفُونَ صِحَّةَ أمْرِهِ بِأُمُورٍ يَشْهَدُ بِها كِتابُهم، وبِتَصْدِيقِ هَذا الكِتابِ لَهُ بِإعْجازِ نَظْمِهِ وتَصْدِيقِ مَعْناهُ لِكِتابِهِمْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ ودَلَّ ما بَعْدُ عَلى أنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وفي ذَلِكَ قاصِمَةٌ لَهم لِأنَّ كِتابَهم يَكُونُ شاهِدًا عَلى كُفْرِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ شَهادَةَ كِتابِهِمْ أتْبَعَهُ شَهادَتَهم لِئَلّا يُحَرِّفُوا مَعْنى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكانُوا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم كانُوا، ولَمّا كانَ اسْتِفْتاحُهم في بَعْضِ الزَّمانِ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ مَجِيئِهِ،
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أيْ: يَسْألُونَ اللَّهَ الفَتْحَ بِالِاسْمِ الآتِي بِهِ تَيَمُّنًا بِذِكْرِهِ،
﴿عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في غَفْلَةٍ عَنْهُ بَلْ كانُوا أعْلَمَ النّاسِ بِهِ، وقَدْ وطَّنُوا (p-٣٧)أنْفُسَهم عَلى تَصْدِيقِهِ، ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمُ ﴿ما عَرَفُوا﴾ أيْ: مِن صِدْقِهِ بِما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِ في كِتابِهِمْ،
﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ اعْتِلالًا بِأنْواعٍ مِنَ العِلَلِ البَيِّنَةِ الكَذِبِ، مِنها زَعْمُهم أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدُوُّهم وهو الآتِي بِهِ؛ قالَ الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيّا حاجَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ، فَلَمّا اتَّجَهَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ قالَ: أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ مِنَ السَّماءِ ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وهو ولِيُّهُ -وفِي رِوايَةٍ: وسَألَهُ عَمَّنْ يَهْبِطُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ، فَقالَ: جِبْرِيلُ- فَقالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، ولَوْ كانَ غَيْرُهُ لَآمَنّا بِكَ».
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حُسَيْنٍ المَكِّيُّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الأشْعَرِيِّ «أنْ نَفَرًا مِن أحْبارِ يَهُودٍ جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: خَبِّرْنا عَنْ أرْبَعٍ نَسْألُكَ عَنْهُنَّ، فَإنْ فَعَلْتَ اتَّبَعْناكَ وصَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكم بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقُهُ لَئِنْ أنا أخْبَرْتُكم بِذَلِكَ لَتُصَدِّقُنِّي، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاسْألُوا عَمّا بَدا لَكم ! (p-٣٨)قالُوا: فَأخْبِرْنا: كَيْفَ يُشْبِهُ الوَلَدُ أُمَّهُ وإنَّما النُّطْفَةُ مِنَ الرَّجُلِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضاءُ غَلِيظَةٌ ونُطْفَةَ المَرْأةِ صَفْراءُ رَقِيقَةٌ فَأيَّتُهُما عَلَتْ صاحِبَتَها كانَ الشَّبَهُ لَها ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالُوا: فَأخْبِرْنا عَنْ كَيْفَ نَوْمِكَ ؟ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ نَوْمَ الَّذِي تَزْعُمُونَ أنِّي لَسْتُ بِهِ تَنامُ عَيْنُهُ وقَلْبُهُ يَقْظانُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَكَذَلِكَ نَوْمِي، تَنامُ عَيْنِي وقَلْبِي يَقْظانُ، قالُوا: فَأخْبِرْنا عَمّا حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ أحَبُّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ ألْبانَ الإبِلِ ولُحُومَها وأنَّهُ اشْتَكى شَكْوى فَعافاهُ اللَّهُ مِنها فَحَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ شُكْرًا لِلَّهِ فَحَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ قالُوا: فَأخْبِرْنا عَنِ الرُّوحِ، قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ هَلْ تَعْلَمُونَ جِبْرِيلَ وهو الَّذِي يَأْتِينِي ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ ولَكِنَّهُ يا مُحَمَّدُ لَنا عَدُوٌّ، وهو مَلَكٌ إنَّما يَأْتِي بِالشِّدَّةِ وسَفْكِ الدِّماءِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاتَّبَعْناكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ (p-٣٩)مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]» وأصْلُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ في خَلْقِ آدَمَ والهِجْرَةِ والتَّفْسِيرِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -مِن رِواياتٍ جَمَعَتْ بَيْنَ ألْفاظِها- قالَ: «أقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أيْ: في الهِجْرَةِ إلى أنْ قالَ: فَأقْبَلَ يَسِيرُ حَتّى نَزَلَ إلى جانِبِ دارِ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَيُحَدِّثُ أهْلَهُ إذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وهو في نَخْلٍ لِأهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهم، فَعَجِلَ أنْ يَضَعَ الَّتِي يَخْتَرِفُ لَهم فِيها فَجاءَ وهي مَعَهُ، (p-٤٠)فَسَمِعَ مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أهْلِهِ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: أيُّ بُيُوتِ أهْلِنا أقْرَبُ، فَذَكَرَ نُزُولَهُ عَلى أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قالَ: فَلَمّا جاءَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ ! وقَدْ عَلِمَتْ يَهُودٌ أنِّي سَيِّدُهم وابْنُ سَيِّدِهِمْ وأعْلَمُهم وابْنُ أعْلَمِهِمْ فادْعُهم فَسَلْهم عَنِّي قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا أنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَإنَّهم إنْ يَعْلَمُوا أنِّي قَدْ أسْلَمْتُ قالُوا فِيَّ ما لَيْسَ فِيَّ، وفي رِوايَةٍ: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَقْدِمُ النَّبِيِّ ﷺ وهو في أرْضٍ يَخْتَرِفُ فَأتاهُ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ ؟ وما أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ ؟ ومِن أيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الوَلَدُ إلى أبِيهِ ومِن أيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إلى أخْوالِهِ ؟ -وفِي رِوايَةٍ: وما يَنْزِعُ الوَلَدُ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ ؟- فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ: فَنارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ: فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ -وفِي رِوايَةٍ الحُوتِ-، وأمّا الشَّبَهُ في الوَلَدِ فَإنَّ الرَّجُلَ إذا غَشِيَ المَرْأةَ فَسَبَقَها ماؤُهُ كانَ (p-٤١)الشَّبَهُ لَهُ، وإذا سَبَقَتْ كانَ الشَّبَهُ لَها -وفِي رِوايَةٍ: وإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْ- قالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، إنْ عَلِمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم بَهَتُونِي عِنْدَكَ، فَأرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ -وفِي رِوايَةٍ: فَجاءَتِ اليَهُودُ ودَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ البَيْتَ- فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ ! ويْلَكُمُ اتَّقُوا اللَّهَ، فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّكم لَتَعْلَمُونِ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ وأنِّي جِئْتُكم بِحَقٍّ فَأسْلِمُوا، قالُوا: ما نَعْلَمُهُ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ وقالَها ثَلاثَ مِرارٍ، قالَ: فَأيُّ رَجُلٍ فِيكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ قالُوا: ذاكَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا وأعْلَمُنا وابْنُ أعْلَمِنا وأخْيَرُنا وابْنُ أخَيْرِنا، قالَ: أفَرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ قالُوا: حاشا لِلَّهِ ! ما كانَ لِيُسْلِمَ -وفِي رِوايَةٍ: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ- قالَ: يا ابْنَ سَلامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ جاءَ بِحَقٍّ، قالُوا: كَذَبْتَ، وقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا، ووَقَعُوا فِيهِ فانْتَقَصُوهُ، قالَ: فَهَذا الَّذِي كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأخْرَجَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،» ولِلْواحِدِيِّ في أسْبابِ النُّزُولِ «عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ آتِي (p-٤٢)اليَهُودَ عِنْدَ دِراسَتِهِمُ التَّوْراةَ فَأعْجَبُ مِن مُوافَقَةِ القُرْآنِ التَّوْراةَ ومُوافَقَةِ التَّوْراةِ القُرْآنَ، فَقالُوا: يا عُمَرُ ! ما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْنا مِنكَ، قُلْتُ: ولِمَ ؟ قالُوا: لِأنَّكَ تَأْتِينا وتَغْشانا، قُلْتُ: إنَّما أجِيءُ لِأعْجَبِ مِن تَصْدِيقِ كِتابِ اللَّهِ بَعْضُهُ بَعْضًا ومُوافِقَةِ التَّوْراةِ القُرْآنَ ومُوافِقَةِ القُرْآنِ التَّوْراةَ، فَبَيْنا أنا عِنْدَهم ذاتَ يَوْمٍ إذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَ ظَهْرِي فَقالُوا: إنَّ هَذا صاحَبُكَ فَقُمْ إلَيْهِ، فالتَفَتُّ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ خَوْخَةً مِنَ المَدِينَةِ، فَأقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِن كِتابٍ أتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ سَيِّدُهم: قَدْ نَشَدَكم بِاللَّهِ فَأخْبِرُوهُ، فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا فَأخْبِرْهُ، فَقالَ سَيِّدُهم: نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلْتُ: فَإنِّي أهْلَكُكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَمَّ تَتَّبِعُوهُ، فَقالُوا: إنَّ لَنا عَدُوًّا مِنَ المَلائِكَةِ وسِلْمًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَقُلْتُ: مَن عَدُوُّكم ومَن سِلْمُكم ؟ قالُوا: عَدُوُّنا جِبْرِيلُ، قُلْتُ: ومَن سِلْمُكم ؟ قالُوا: مِيكائِيلُ، قُلْتُ: فَإنِّي أشْهَدُ ما يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أنْ يُعادِيَ سِلْمَ مِيكائِيلَ، وما يَحِلُّ لِمِيكائِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ جِبْرِيلَ، وإنَّهُما جَمِيعًا ومَن مَعَهُما أعْداءٌ لِمَن عادُوا وسِلْمٌ لِمَن سالَمُوا، ثُمَّ قُمْتُ فاسْتَقْبَلَنِي -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فَقالَ: يا ابْنَ الخَطّابِ ألا أُقْرِئُكَ آياتٍ ؟ فَقَرَأ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] حَتّى بَلَغَ ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما جِئْتُكَ إلّا أُخْبِرُكَ بِقَوْلِ اليَهُودِ فَإذا اللَّطِيفُ (p-٤٣)الخَبِيرُ قَدْ سَبَقَنِي بِالخَبَرِ ! قالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأيْتُنِي في دِينِ اللَّهِ أشَدَّ مِن حَجَرٍ،» انْتَهى.
وقَدْ سَألْتُ بَعْضَ فُضَلاءِ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في زَمانِنا عَنْ عَداوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَسْمَحْ بِالتَّصْرِيحِ وقالَ: ما يُعْطى ذَلِكَ.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ أيْضًا إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ شَيْخُنا البُوصَيْرِيُّ: وهو مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ وفِيهِ: أنَّهُ قالَ لَهم: وكَيْفَ مَنزِلَتُهُما مِن رَبِّهِما ؟ قالُوا: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وإنِّي أشْهَدُ أنَّهُما ورَبَّهُما سِلْمٌ لِمَن سالَمُوا وحَرْبٌ لِمَن حارَبُوا.
البقرة 2:90
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِهَذا أنَّهم أعْتى النّاسِ وأشَدُّهم تَدْلِيسًا وبُهْتًا بَلْ كَذِبًا وفِسْقًا كانُوا أحَقَّ النّاسِ بِوَصْفِ الكُفْرِ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ،
﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] فَأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ لِيَعُمَّ وإشْعارًا بِصَلاحِ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم. ولَمّا اسْتَحَقُّوا بِهَذا وُجُوهَ المَذامِّ كُلِّها وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿بِئْسَما﴾ فَأتى بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ لِلْمَذامِّ المُقابِلَةِ لِنِعَمِ الجامِعَةِ لِوُجُوهِ المَدائِحِ كُلِّها أيْ: (p-٤٤)بِئْسَ شَيْءٌ ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: حُظُوظَهم، فَقَدَّمُوها وآثَرُوها فَكانَ ذَلِكَ عَيْنٌ فَأخْبَرَها عَكْسَ ما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ مِن بَيْعِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْها بِتَعَبُّدِهِمْ لِلَّهِ بِإيثارِ ما يُرْضِيهِ عَلى هَوى أنْفُسِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ عَيْنَ تَحْصِيلِها وتَقْدِيمِها، ثُمَّ فَسَّرَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى المُبْهَمِ المَأْخُوذِ في إحْرازِ النَّفْسِ فَقالَ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ أيْ: يَسْتُرُوا عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ عِلْمَهم،
﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، أيِ: اشْتَرَوْا أنْفُسَهم فَأبْقَوْها لَهم عَلى زَعْمِهِمْ بِالكُفْرِ ولَمْ يَجْعَلُوها تابِعَةً؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اشْتَرَوْا“ بِمَعْنى: باعُوا، لِأنَّهم بَذَلُوها لِلشَّيْطانِ بِالكُفْرِ كَما بَذَلَ المُؤْمِنُونَ أنْفُسَهم لِلَّهِ بِالإيمانِ.
ثُمَّ عَلَّلَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ: حَسَدًا وظُلْمًا لِأنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ في بَنِي إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو اشْتِدادٌ في (p-٤٥)طَلَبِ شَيْءٍ ما، انْتَهى.
وأصْلُهُ: مُطْلَقُ الطَّلَبِ والإرادَةِ، كَأنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ مَجْبُولًا عَلى النُّقْصانِ ومَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ والعِصْيانِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ وأعانَ كانَ مَذْمُومًا عَلى مُطْلَقِ الإرادَةِ، لِأنَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا تَكُونَ لَهُ خِيرَةٌ ولا إرادَةٌ بَلْ تَكُونُ إرادَتُهُ تابِعَةً لِإرادَةِ مَوْلاهُ كَما هو شَأْنُ العَبْدِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ثُمَّ عَلَّلَ بَغْيَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ﴾ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ وفي صِيغَةِ ”يُنَزِّلُ“ إشْعارٌ بِتَمادِي ما يَغِيظُهم فِيما يُسْتَقْبَلُ، وبُشْرى لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ حَسَدُوهم، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿فَباءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا لِأجْلِ ذَلِكَ،
﴿بِغَضَبٍ﴾ في حَسَدِهِمْ لِهَذا النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهِ مِنَ العَرَبِ،
﴿عَلى غَضَبٍ﴾ كانُوا اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ عِنادًا، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِوَصْفِهِمْ تَعْمِيمًا (p-٤٦)وإشارَةً إلى أنَّهُ سَيُؤْمِنُ بَعْضُهم فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم راسِخُونَ في هَذا الوَصْفِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ،
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مِنَ الإهانَةِ وهي الإطْراحُ إذْلالًا واحْتِقارًا.
البقرة 2:91
ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الدَّلِيلَ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْخُلُودِ في النّارِ بِكُفْرِهِمْ بِالكِتابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالآتِي بِهِ أقامَ دَلِيلًا آخَرَ عَلى ذَلِكَ أبْيَنَ مِنهُ وذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عُهُودَ كِتابِهِمْ،
﴿آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ (p-٤٧)الأمْرُ كُلُّهُ مُطْلَقًا، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ مِنَ الكُتُبِ والصُّحُفِ.
ولَمّا رَفَعَ مِقْدارَهم بِالدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِما أسْنَدَ إلى هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ،
﴿قالُوا﴾ تَسْفِيلًا لِأنْفُسِهِمْ،
﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ فَأسْقَطُوا اسْمَ مَن يُتَشَرَّفُ بِذِكْرِهِ ويُتَبَرَّكُ بِاسْمِهِ وخَصُّوا بَعْضَ ما أنْزَلَهُ، ثُمَّ عَجِبَ مِن دَعْواهم هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَكْفُرُونَ﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ ﴿بِما وراءَهُ﴾ أيْ: وراءَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ، وهو يَشْمَلُ ما قَبْلَ التَّوْراةِ وما بَعْدَها، لِأنَّ وراءَ يُرادُ بِها تارَةً خَلْفَ وتارَةً قُدّامَ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ ورائِي، صَحَّ أنْ يُرادَ في المَكانِ الَّذِي أُوارِيهِ أنا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن خَلْفِي فَيَكُونُ أمامِي، وأنْ يُرادَ في المَكانِ الَّذِي هو مُتَوارٍ عَنِّي فَيَكُونُ خَلْفِي. وقالَ الحَرالِّيُّ: وراءَ ما لا يَنالُهُ الحِسُّ ولا العِلْمُ حَيْثُ ما كانَ مِنَ المَكانِ، فَرُبَّما اجْتَمَعَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وراءَ مِن حَيْثُ إنَّهُ (p-٤٨)لا يُعْلَمُ ويَكُونُ أمامًا في المَكانِ، انْتَهى.
﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي وراءَهُ هو: ﴿الحَقُّ﴾ الواصِلُ إلى أقْصى غاياتِهِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ ”ألْ“، قالَ الحَرالِّيُّ: فَأنْهاهُ لِغايَةِ الحَقِّ بِكَلِمَةِ ”ال“ لِأنَّ ما ثَبَتَ ولا زَوالَ لَهُ لِانْتِهائِهِ هو: ”الحَقُّ“، وما ثَبَتَ وقْتًا ما ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ تَكْمِلَةً أوْ يَقْبَلُ زِيادَةً فَإنَّما هو ”حَقٌّ“ مُنَكَّرُ اللَّفْظِ، فَإنْ بَيْنَ المَعْرُوفِ بِكَلِمَةِ ”ال“ وبَيْنَ المُنَكَّرِ أشَدَّ التَّفاوُتِ في المَعْنى، انْتَهى.
﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ فَصَحَّ أنَّهم كافِرُونَ بِما عِنْدَهم، لِأنَّ المُكَذِّبَ بِالمُصَدِّقِ لِشَيْءٍ مُكَذِّبٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ. (p-٤٩)ثُمَّ كَشَفَ سِتْرَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ بِأبْيَنِ نَقْضٍ فَقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ﴾ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ دَعْواكم هَذِهِ أنْ يُقالَ لَكم: لِمَ ﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ مَعَ أنَّ كِتابَكم مُحَرِّمٌ لِمُطْلَقِ القَتْلِ فَكَيْفَ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ ! ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم بِهَذا القَتْلِ إنَّما هو بِطْرِيقِ الرِّضى بِقَتْلِ أسْلافِهِمْ بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا الجارَّ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِنهم في بَعْضِ الأزْمانِ الماضِيَةِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وفي صِيغَةِ المُضارِعِ تَصْوِيرٌ لِشَناعَةِ هَذا القَتْلِ بِتِلْكَ الحالِ الفَظِيعَةِ ورَمْزٌ إلى أنَّهم لَوْ قَدَرُوا الآنَ فَعَلُوا فِعْلَهم، لَأنَّ التَّقْدِيرَ: وتُصِرُّونَ عَلى قَتْلِهِمْ مِن بَعْدُ؛ وفِيهِ إيماءٌ إلى حِرْصِهِمْ عَلى قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْذِيرًا مِنهم، ولَقَدْ صَدَقَ هَذا الإيماءُ الواقِعُ، فَقَدْ عَزَمَ بَنُو النَّضِيرِ عَلى أنْ يُلْقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، وسَمَّهُ أهْلُ خَيْبَرَ، ثُمَّ أوْرَدَ مَضْمُونَ دَعْواهم بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إشْعارًا بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ (p-٥٠)لا يَصْدُرُ مِن مُتَلَبِّسٍ بِالإيمانِ.
البقرة 2:92
ولَمّا دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ في دَعْوى الإيمانِ بِما فَعَلُوا بَعْدَ مُوسى مِمّا اسْتَحَقُّوا بِهِ الخُلُودَ في النّارِ أقامَ دَلِيلًا آخَرَ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ في التَّوْحِيدِ والبُعْدِ عَنِ الإشْراكِ وهو في النُّسَخِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ، وقَدْ نَقَضُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِاتِّخاذِ العِجْلِ في أيّامِ مُوسى وبِحَضْرَةِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما هو مَنصُوصٌ الآنَ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنها فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ مِنَ الآياتِ.
ولَمّا كانَ كُفْرُهم مَعَ ذَلِكَ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ عَبَّرَ عَنْهُ بِأداتِهِ مُصَوِّرًا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى أظْهَرِ البَيانِ ومُوَبِّخًا لَهم فَقالَ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ أيْ: مَعَ العِلاجِ لِفِطَرِكُمُ الأُولى وعُقُولِكُمُ السَّلِيمَةِ ﴿العِجْلَ﴾ ونَبَّهَ بِالجارِّ (p-٥١)عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ في بَعْضِ زَمَنِ البَعْدِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ مُفارَقَةِ مُوسى لَكم إلى الطُّورِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى،
﴿فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿ظالِمُونَ﴾ أيْ: لَمْ تَزْعُمُوا أنَّهُ إلَهُكم عَلى جَهْلٍ مِنكم بَلْ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ إلَيْكم أنَّ إلَهَكم إنَّما هو اللَّهُ الَّذِي أنْقَذَكم مِنَ العُبُودِيَّةِ وأراكم مِنَ العَجائِبِ الخَوارِقِ ما لا يَقْبَلُ شَكًّا وسَمِعْتُمْ كَلامَهُ فَعَلِمْتُمْ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا يُشْبِهُ الجِسْمَ، فَلَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الظُّلْمَ -وهُوَ المَشْيُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ خَبْطَ عَشْواءَ- وصْفٌ لَكم لازِمٌ.
البقرة 2:93
(p-٥٢)ثُمَّ ذَكَرَ أمْرًا آخَرَ هو أبْيَنُ في عِنادِهِمْ وأنَّهم إنَّما هم مَعَ الهَوى فَقالَ مُقْبِلًا عَلى خِطابِهِمْ لِأنَّهُ أشَدُّ في التَّقْرِيعِ: ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ وأظْهَرَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَصْوِيرًا لِمَزِيدِ جُرْأتِهِمْ،
﴿مِيثاقَكُمْ﴾ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ،
﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: الجَبَلَ العَظِيمَ الَّذِي جَعَلْناهُ زاجِرًا لَكم عَنِ الرِّضى بِالإقامَةِ في حَضِيضِ الجَهْلِ ورافِعًا إلى أوْجِ العِلْمِ، وقُلْنا لَكم وهو فَوْقَكم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ في هَذا الكِتابِ العَظِيمِ ﴿بِقُوَّةٍ﴾
ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ السَّماعِ القَبُولَ ومَن سَمِعَ فَلَمْ يَقْبَلْ كانَ كَمَن لَمْ يَسْمَعْ قالَ: ﴿واسْمَعُوا﴾ وإلّا دَفَنّاكم بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكْفِي غَيْرَكم في التَّأْدِيبِ رَفْعُ الدِّرَّةِ والسَّوْطِ عَلَيْهِ فَيَنْبَعِثُ لِلتَّعَلُّمِ الَّذِي أكْثَرُ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ تَتَحَمَّلُ فِيهِ المَشاقَّ الشَّدِيدَةَ لِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ ولَها بِهِ مِنَ الفَخارِ؛ (p-٥٣)ولَمّا ضَلُّوا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ الكُبْرى وشِيكًا مَعَ كَوْنِها مُقْتَضِيَةً لِلثَّباتِ عَلى الإيمانِ بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ الَّذِي لا يَنْقُضُهُ ذُو مُرُوءَةٍ فَكانَ ضَلالُهم بَعْدَهُ مُنْبِئًا عَنْ أنَّ العِنادَ لَهم طَبْعٌ لازِمٌ فَكانُوا كَأنَّهم عِنْدَ إعْطاءِ العَهْدِ عاصُونَ قالَ مُتَرْجِمًا عَنْ أغْلَبِ أحْوالِ أكْثَرِهِمْ في مَجْمُوعِ أزْمانِهِمْ وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٤] مُؤْذِنًا بِالغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ خِطابِهِمْ بَعْدَ إفْحامِهِمْ بِالمُواجَهَةِ في تَقْرِيعِهِمْ حَيْثُ ناقَضُوا ما قالَ لَهم مِنَ السَّماعِ النّافِعِ لَهم فَأخْبَرُوا أنَّهم جَعَلُوهُ ضارًّا،
﴿قالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ: بِآذانِنا،
﴿وعَصَيْنا﴾ أيْ: وعَمِلْنا بِضِدِّ ما سَمِعْنا؛ وساقَهُ لِغَرابَتِهِ مَساقَ جَوابِ سائِلٍ كَأنَّهُ قالَ: رَفَعَ الطُّورَ فَوْقَهم أمْرٌ هائِلٌ جِدًّا (p-٥٤)مُقْتَضٍ لِلْمُبادَرَةِ إلى إعْطاءِ العَهْدِ ظاهِرًا وباطِنًا والثَّباتِ عَلَيْهِ فَما فَعَلُوا ؟ فَقِيلَ: بادَرُوا إلى خِلافِ ذَلِكَ،
﴿وأُشْرِبُوا﴾ فَأعْظَمَ الأمْرَ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ ثُمَّ إلى قُلُوبِهِمْ، وهو مِنَ الإشْرابِ وهو مُداخَلَةُ نافِذَةٍ سائِغَةٍ كالشَّرابِ وهو الماءُ المُداخِلُ كُلِّيَّةَ الجِسْمِ لِلَطافَتِهِ ونُفُوذِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
وقالَ الكَشّافُ: وخَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ؛ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ: حُبَّهُ وحَذَفَهُ لِلْإيذانِ بِشِدَّةِ التَّمَكُّنِ بِحَيْثُ صارَ المُضافُ هو المُضافُ إلَيْهِ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ اسْتَحَقَّ الإبْعادَ عَنْ مَقامِ الأُنْسِ.
قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في المِفْتاحِ البابِ الثّامِنِ في وُجُوهِ بَيانِ الإقْبالِ والإعْراضِ في القُرْآنِ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَرْبُوبٍ يُخاطَبُ بِحَسَبِ ما (p-٥٥)فِي وُسْعِهِ لَقِنُهُ ويُنْفى عَنْهُ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ لَقِنُهُ فَلِكُلِّ سِنٍّ مِن أسْنانِ القُلُوبِ خِطابُ إقْبالٍ بِحَسَبِ لَقِنِهِ، ورُبَّما كانَ لَهُ إباءٌ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ فَيَقَعُ عَنْهُ الإعْراضُ بِحَسَبِ بادِي ذَلِكَ الإباءِ، ورُبَّما تَلافَتْهُ النِّعْمَةُ فَعادَ الإقْبالُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ ما دُونَ صَفاءِ الإقْبالِ الأوَّلِ، ورُبَّما تَناسَقَتِ الإقْبالاتُ مُتَرَتِّبَةً فَيَعْلُو البَيانُ والإفْهامُ بِحَسَبِ رُتْبَةِ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ الإقْبالُ، ويَشْتَدُّ الإدْبارُ بِحَسَبِ بادِي الإدْبارِ، ورُبَّما تَراجَعَ لَفَفُ البَيانِ فِيها بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَخِطابُ الإقْبالِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أعْظَمُ إفْهامٍ في القُرْآنِ،
﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] الآيَةَ،
﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧] الآيَةَ؛ تَفاوُتُ الخِطابَيْنِ بِحَسَبِ تَفاوُتِ المُخاطَبِينَ،
﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] أعْرَضَ عَنْهُما الخِطابَ ونَفى عَنْهم ما لَيْسَ في حالِهِمْ رُؤْيَتُهُ.
﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ خاطَبَهم وأمَرَهم، فَلَمّا عَصَوْا أعْرَضَ وجْهُ الخِطابِ عَنْهم ثُمَّ تَلافاهم بِخِطابِ لِسانِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ لَهم، واسْتَمَرَّ إعْراضُهُ هو تَعالى عَنْهم في تَمادِي الخِطابِ،
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] تَنَزَّلَ الخِطابُ في الرُّتْبَتَيْنِ لِيُبَيِّنَ لِلْأعْلى ما يُبَيِّنُهُ لِلْأدْنى،
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] (p-٥٦)وهَذا البابُ عَظِيمُ النَّفْعِ في الفَهْمِ لِمَنِ اسْتَوْضَحَ بَيانَهُ والتِفافَ مَوارِدِهِ في القُرْآنِ، انْتَهى.
والدَّلِيلُ الوُجُودِيُّ عَلى إشْرابِهِمْ حُبَّ العِجْلِ مُسارَعَتُهم إلى عِبادَةِ ما يُشْبِهُهُ في عَدَمِ الضَّرِّ والنَّفْعِ والصُّورَةِ، فَفي السِّفْرِ الرّابِعِ مِنَ التَّوْراةِ في قِصَّةِ بالاقَ مَلِكِ الأمُورانِيِّينَ الَّذِي اسْتَنْجَدَ بِلْعامَ بْنَ بَعُورَ ما نَصُّهُ: وسَكَنَ بَنُو إسْرائِيلَ ساطِيمَ، وبَدَأ الشَّعْبُ أنْ يَسْفَحَ بِبَناتِ مَوابَ ودَعَيْنَ الشَّعْبَ إلى ذَبائِحِ آلِهَتِهِمْ وأكَلَ الشَّعْبُ مِن ذَبائِحِهِمْ وسَجَدُوا لِآلِهَتِهِمْ وكَمَّلَ بَنُو إسْرائِيلَ العِبادَةَ بِعَلْيُونَ الصَّنَمِ واشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ مَعَ وقاحَتِهِمْ بِادِّعاءِ الإيمانِ والِاخْتِصاصِ بِالجِنانِ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ مُؤَكِّدًا لِذَمِّهِمْ بِالتَّعْبِيرِ بِما وُضِعَ لِمَجامِعِ الذَّمِّ فَقالَ: (p-٥٧)﴿قُلْ بِئْسَما﴾ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا الشَّيْءُ الَّذِي ﴿يَأْمُرُكم بِهِ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿إيمانُكُمْ﴾ هَذا الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ؛ وأوْضَحَ هَذا التَّهَكُّمَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّشْكِيكِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ عَلى ما زَعَمْتُمْ، فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّهم إمّا كاذِبُونَ في دَعْواهم، وإمّا أنَّهم أجْهَلُ الجَهَلَةِ حَيْثُ عَمِلُوا ما لا يُجامِعُهُ الإيمانُ وهم لا يَعْلَمُونَ.
البقرة 2:94
(p-٥٨)ولَمّا نَهَضَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّهُ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ غَيْرُ النّارِ وذَلِكَ نَقِيضُ دَعْواهم أنَّها لَهم فَقَطْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] وتَفْسِيرُهم ذَلِكَ بِأنَّها سَبْعَةُ أيّامٍ وأنّا نَخْلُفُهم فِيها خَتَمَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ بَدِيهِيٍّ فَقالَ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ﴾ وقَدَّمَ الجارَّ إشْعارًا بِالِاخْتِصاصِ؛ فَقالَ: ﴿لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيْ: كَما زَعَمْتُمْ، ومَيَّزَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وبَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً﴾ ولَمّا ذَكَرَ الخُلُوصَ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾ أيْ: سائِرُهم لا يُشْرِكُكم فِيها أحَدٌ مِنهم مِنَ الخُلُوصِ وهو تَصْفِيَةُ الشَّيْءِ مِمّا يُمازِجُهُ في خِلْقَتِهِ مِمّا هو دُونَهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ عَلى صَلاحِ حالِ العَبْدِ مَعَ رَبِّهِ وعِمارَةِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ورَجائِهِ لِلِقائِهِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فَعَلى قَدْرِ نَفْرَةِ النَّفْسِ مِنَ المَوْتِ يَكُونُ ضَعْفُ مَنالِ النَّفْسِ مَعَ المَعْرِفَةِ الَّتِي بِها تَأْنَسُ بِرَبِّها فَتَتَمَنّى لِقاءَهُ وتُحِبُّهُ، ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ، يَقَعُ ذَلِكَ لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ (p-٥٩)الكَشْفِ حالَ الغَرْغَرَةِ، ولِخاصَّةِ المُؤْمِنِينَ في مَهَلِ الحَياةِ لِأنَّهم لَوْ كُشِفَ لَهُمُ الغِطاءُ لَمْ يَزْدادُوا يَقِينًا، فَما هو لِلْمُؤْمِنِ بَعْدَ الكَشْفِ مِن مَحَبَّةِ لِقاءِ اللَّهِ فَهو لِلْمُوقِنِ في حَياتِهِ ويَقَظَتِهِ، لِكَمالِ الكَشْفِ لَهُ مَعَ وُجُودِ حِجابِ المَلِكِ الظّاهِرِ؛ ولِذَلِكَ ما ماتَ نَبِيٌّ حَتّى يُخَيَّرَ فَيَخْتارُ لِقاءَ اللَّهِ، لِتَكُونَ وِفادَتُهُ عَلى اللَّهِ وِفادَةَ مُحِبٍّ مُبادِرٍ، ولِتَقاصُرِ المُؤْمِنِ عَنْ يَقِينِ النَّبِيِّ يَتَوَلّى اللَّهُ الخِيَرَةَ في لِقائِهِ، لِأنَّهُ ولِيُّهُ، ومِنهُ ما ورَدَ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ ولا بُدَّ لَهُ مِنهُ»؛ فَفي ضِمْنِ ذَلِكَ اخْتِيارُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ لِقاءَهُ، لِأنَّهُ ولِيُّهُ يَخْتارُ لَهُ فِيما لا يَصِلُ إلَيْهِ إدْراكُهُ، انْتَهى. (p-٦٠)ثُمَّ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مُعْتَقَدِينَ لِلصِّدْقِ في دَعْواكم خُلُوصَها لَكم، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقالَ لَهم فَما تَمَنَّوْهُ ؟ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ؛ إخْبارًا بِالغَيْبِ قَطْعًا لِلْعِنادِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ادِّعاءَهُمُ الخُلُوصَ أعْظَمُ مِنَ ادِّعائِهِمُ الوِلايَةَ كَما في سُورَةِ الجُمُعَةِ: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ في عَدَمِ التَّمَنِّي فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ﴾ وهو مِنَ التَّقْدِمَةِ وهي وضْعُ الشَّيْءِ قُدّامًا وهو جِهَةُ القَدَمِ الَّذِي هو الأمَمُ والتُّجاهُ أيْ: قُبالَةَ الوَجْهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وعَبَّرَ بِاليَدِ الَّتِي بِها أكْثَرُ الأفْعالِ إشارَةً إلى أنَّ أفْعالَهم لِقَباحَتِها كَأنَّها خالِيَةٌ عَنِ القَصْدِ فَقالَ: (p-٦١)﴿أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الظُّلْمِ وإلى ذَلِكَ أشارَ قَوْلُهُ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَلِكَ ؟ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ،
﴿عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: كُلُّهم حَيْثُ أظْهَرَ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْحُكْمِ وتَعْمِيمًا وتَهْدِيدًا.
البقرة 2:95
(p-٥٨)ولَمّا نَهَضَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّهُ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ غَيْرُ النّارِ وذَلِكَ نَقِيضُ دَعْواهم أنَّها لَهم فَقَطْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] وتَفْسِيرُهم ذَلِكَ بِأنَّها سَبْعَةُ أيّامٍ وأنّا نَخْلُفُهم فِيها خَتَمَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ بَدِيهِيٍّ فَقالَ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ﴾ وقَدَّمَ الجارَّ إشْعارًا بِالِاخْتِصاصِ؛ فَقالَ: ﴿لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيْ: كَما زَعَمْتُمْ، ومَيَّزَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وبَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً﴾ ولَمّا ذَكَرَ الخُلُوصَ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾ أيْ: سائِرُهم لا يُشْرِكُكم فِيها أحَدٌ مِنهم مِنَ الخُلُوصِ وهو تَصْفِيَةُ الشَّيْءِ مِمّا يُمازِجُهُ في خِلْقَتِهِ مِمّا هو دُونَهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ عَلى صَلاحِ حالِ العَبْدِ مَعَ رَبِّهِ وعِمارَةِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ورَجائِهِ لِلِقائِهِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فَعَلى قَدْرِ نَفْرَةِ النَّفْسِ مِنَ المَوْتِ يَكُونُ ضَعْفُ مَنالِ النَّفْسِ مَعَ المَعْرِفَةِ الَّتِي بِها تَأْنَسُ بِرَبِّها فَتَتَمَنّى لِقاءَهُ وتُحِبُّهُ، ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ، يَقَعُ ذَلِكَ لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ (p-٥٩)الكَشْفِ حالَ الغَرْغَرَةِ، ولِخاصَّةِ المُؤْمِنِينَ في مَهَلِ الحَياةِ لِأنَّهم لَوْ كُشِفَ لَهُمُ الغِطاءُ لَمْ يَزْدادُوا يَقِينًا، فَما هو لِلْمُؤْمِنِ بَعْدَ الكَشْفِ مِن مَحَبَّةِ لِقاءِ اللَّهِ فَهو لِلْمُوقِنِ في حَياتِهِ ويَقَظَتِهِ، لِكَمالِ الكَشْفِ لَهُ مَعَ وُجُودِ حِجابِ المَلِكِ الظّاهِرِ؛ ولِذَلِكَ ما ماتَ نَبِيٌّ حَتّى يُخَيَّرَ فَيَخْتارُ لِقاءَ اللَّهِ، لِتَكُونَ وِفادَتُهُ عَلى اللَّهِ وِفادَةَ مُحِبٍّ مُبادِرٍ، ولِتَقاصُرِ المُؤْمِنِ عَنْ يَقِينِ النَّبِيِّ يَتَوَلّى اللَّهُ الخِيَرَةَ في لِقائِهِ، لِأنَّهُ ولِيُّهُ، ومِنهُ ما ورَدَ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ ولا بُدَّ لَهُ مِنهُ»؛ فَفي ضِمْنِ ذَلِكَ اخْتِيارُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ لِقاءَهُ، لِأنَّهُ ولِيُّهُ يَخْتارُ لَهُ فِيما لا يَصِلُ إلَيْهِ إدْراكُهُ، انْتَهى. (p-٦٠)ثُمَّ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مُعْتَقَدِينَ لِلصِّدْقِ في دَعْواكم خُلُوصَها لَكم، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقالَ لَهم فَما تَمَنَّوْهُ ؟ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ؛ إخْبارًا بِالغَيْبِ قَطْعًا لِلْعِنادِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ادِّعاءَهُمُ الخُلُوصَ أعْظَمُ مِنَ ادِّعائِهِمُ الوِلايَةَ كَما في سُورَةِ الجُمُعَةِ: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ في عَدَمِ التَّمَنِّي فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ﴾ وهو مِنَ التَّقْدِمَةِ وهي وضْعُ الشَّيْءِ قُدّامًا وهو جِهَةُ القَدَمِ الَّذِي هو الأمَمُ والتُّجاهُ أيْ: قُبالَةَ الوَجْهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وعَبَّرَ بِاليَدِ الَّتِي بِها أكْثَرُ الأفْعالِ إشارَةً إلى أنَّ أفْعالَهم لِقَباحَتِها كَأنَّها خالِيَةٌ عَنِ القَصْدِ فَقالَ: (p-٦١)﴿أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الظُّلْمِ وإلى ذَلِكَ أشارَ قَوْلُهُ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَلِكَ ؟ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ،
﴿عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: كُلُّهم حَيْثُ أظْهَرَ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْحُكْمِ وتَعْمِيمًا وتَهْدِيدًا.
البقرة 2:96
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ أثْبَتَ لَهم ما هو فَوْقَ ذَلِكَ مِن تَمَنِّي الضِّدِّ الدّالِّ عَلى عِلْمِهِمْ بِسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّهُمْ﴾ أيْ: بِما تَعْلَمُ مِن أحْوالِهِمْ مِمّا مِنهُ الوِجْدانُ، وهو إحْساسُ الباطِنِ بِما هو فِيهِ والإصابَةُ أيْضًا لِما لَهُ عُلْقَةُ الباطِنِ، كَأنَّهُ فِيهِ: ﴿أحْرَصَ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الحِرْصِ، (p-٦٢)وهُوَ طَلَبُ الِاسْتِغْراقِ فِيما يَخْتَصُّ فِيهِ الحَظُّ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ وهم قاطِعُونَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو يَوْمٌ مِنها عَنْ كَدَرٍ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّها وإنْ كانَتْ في غايَةِ الكَدَرِ خَيْرٌ لَهم مِمّا بَعْدَ المَوْتِ ﴿ومِنَ﴾ أيْ: وأحْرَصُ مِن ﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ الَّذِينَ لا بَعْثَ عِنْدَهم عَلى الحَياةِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهم صائِرُونَ إلى العَذابِ الدّائِمِ بِالسَّيِّئاتِ المُحِيطَةِ والشِّرْكِ. قالَ الحَرالِّيُّ: إسْنادُ الأمْرِ المُخْتَصِّ بِواحِدٍ إلى مَن لَيْسَ لَهُ مَعَهُ أمْرٌ، انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ مِقْدارَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ﴾ مِنَ الوِدِّ وهو صِحَّةُ نُزُوعِ النَّفْسِ لِلشَّيْءِ المُسْتَحِقِّ نُزُوعُها لَهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿أحَدُهُمْ﴾ أيْ: أحَدُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ بِجَمِيعِ أصْنافِهِمْ، أوْ مِنَ اليَهُودِ خاصَّةً، أوْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَتَكُونُ وِدادَةُ اليَهُودِ مِن بابِ الأوْلى. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو نَحْوٌ مِن خِطابِ القُرْآنِ لا يَصِلُ إلَيْهِ إبْلاغُ الخَلْقِ،
﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ مِنَ التَّعْمِيرِ وهو تَمادِي العُمُرِ كَأنَّهُ تَكْرارٌ، والعُمُرُ أمَدُ ما بَيْنَ بُدُوِّ الشَّيْءِ (p-٦٣)وانْقِطاعِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿ألْفَ سَنَةٍ﴾ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ أوْ ما بَعْدَهُ، والألْفُ كَمالُ العَدَدِ بِكَمالِ ثالِثَةِ رُتْبَةٍ؛ والسَّنَةُ أمَدُ تَمامِ دَوْرَةِ الشَّمْسِ وتَمامُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ دَوْرَةَ القَمَرِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وهَذا المَعْنى وإنْ كانَ مَوْجُودًا في الحَوْلِ والعامِ والحَجَّةِ غَيْرَ أنَّ مَأْخَذَ الِاشْتِقاقِ مُلاحَظٌ في الجُمْلَةِ، فَلِبَلاغَةِ القُرْآنِ لا يُطْلَقُ واحِدٌ مِن هَذِهِ الألْفاظِ إلّا فِيما يُناسِبُ السِّياقَ مِن أصْلِ اشْتِقاقِ هَذِهِ الألْفاظِ، فَهَذا السِّياقُ لَمّا كانَ المُرادُ بِهِ ذَمَّهم بِتَهالُكِهِمْ عَلى بَقائِهِمْ في الدُّنْيا عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ عِلْمًا مِنهم بِأنَّها ولَوْ كانَتْ أسْوَأ الأحْوالِ خَيْرٌ لَهم مِمّا بَعْدَ المَوْتِ لِتَحَقُّقِ شَقائِهِمْ عَبَّرَ بِما مِنهُ الإسْناتُ وهو القَحْطُ وسُوءُ الزَّمانِ، أوْ ما مِنهُ الدَّوَرانُ الَّذِي فِيهِ كَدٌّ وتَعَبٌ إنْ كانَ أصْلُها مِن سَنا يَسْنُو إذا دارَ حَوْلَ البِئْرِ. قالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: وقَدْ تُسَمّى السَّنَةُ دارًا؛ فَفي الخَبَرِ: إنَّ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ ألْفَ دارٍ؛ أيْ: سَنَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّ العِلْمَ بِتَنْزِيلِ الكَلامِ ووَضْعِ الألْفاظِ في مَواضِعِها اللّائِقَةِ بِها يَفْتَحُ بابًا مِنَ العِلْمِ بِإعْجازِ القُرْآنِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
﴿وما هُوَ﴾ أيْ: تَعْمِيرُهُ،
﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ والزَّحْزَحَةُ: إبْعادُ الشَّيْءِ المُسْتَثْقَلِ المُتَرامِي لِما يَبْعُدُ عَنْهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿مِنَ العَذابِ﴾ (p-٦٤)أيْ: زَحْزَحَةً مُبْتَدَأةً مِنَ العَذابِ، وعَبَّرَ بِمِن دُونَ عَنْ إعْلامًا بِأنَّهم لَمْ يُفارِقُوا العَذابَ دُنْيا ولا آخِرَةَ، وإنْ لَمْ يُحِسُّوا بِهِ في الدُّنْيا، ثُمَّ فَسَّرَ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ إنَّما تُزَحْزِحُهُ الطّاعَةُ المَقْرُونَةُ بِالإيمانِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَفْرِقَةٌ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهم يَعْمَلُونَ في أعْمارِهِمُ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ المُحِيطَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
البقرة 2:97
ولَمّا ذَكَرَ عَداوَتَهم لِأخَصِّ البَشَرِ واجْتِراءَهم عَلَيْهِ بِالتَّكْذِيبِ (p-٦٥)والقَتْلِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِعَداوَتِهِمْ لِأكْمَلِ الخَلْقِ وأخَصِّهِمْ حَسَدًا لِنُزُولِ هَذا الذِّكْرِ عَلَيْهِ عِبارَةً ثُمَّ إشارَةً بِما رَمَزَهُ إلى نَصْبِهِمْ لِقَتْلِهِ وأنْهى ذَلِكَ بِأنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم مِنَ العَذابِ، لِأنَّهُ بَصِيرٌ بِأعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لَهُ ذَكَرَ ما هو مِن دَقِيقِ أعْمالِهِمْ في عَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ بِعَداوَتِهِمْ لِخَواصِّ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَيْرٌ مَحْضٌ لا حامِلَ أصْلًا عَلى بُغْضِهِمْ إلّا الكُفْرُ، وبُدِئَ بِذِكْرِ المُنَزِّلِ لِلْقُرْآنِ، لِأنَّ عَداوَتَهم لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ لِأجْلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ عَداوَةٌ لِمُنَزِّلِهِ، لِأنَّهُ سَبَبُ ما كانَتِ العَداوَةُ لِأجْلِهِ، فَقالَ آمِرًا لَهُ ﷺ إعْلامًا بِما أبْصَرَهُ مِن خَفِيِّ مَكْرِهِمُ القاضِي بِضُرِّهِمْ: ”قُلْ“ أوْ يُقالُ -وهُوَ أحْسَنُ وأبَيْنُ وأمَتْنُ-: ولَمّا أمَرَهُ ﷺ بِما دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ في ادِّعائِهِمْ خُلُوصَ الآخِرَةِ لَهم وأخْبَرَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن عَذابِهِمْ أمَرَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ، فَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى الأوَّلِ يَكُونُ مَنسُوقًا عَلى ﴿قُلْ﴾ [البقرة: ٩٤] الأُولى بِغَيْرِ عاطِفٍ إشْعارٌ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الدَّلِيلَيْنِ كافٍ فِيما سِيقَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى الثّانِي الَّذِي خَصَّهُ يَكُونُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: لِمَ لا يُزَحْزِحُهُمُ التَّعْمِيرُ عَنِ العَذابِ ؟ ﴿قُلْ﴾ (p-٦٦)أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّ دارَ المُلْكِ خالِصَةٌ لَهم وهم يُعادُونَ خَواصَّ جُنْدِهِ،
﴿مَن﴾ وهي اسْمٌ مُبْهَمٌ يَشْمَلُ الذَّواتَ العاقِلَةَ آحادًا وجُمُوعًا واسْتِغْراقًا، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾: أيْ: فَإنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، لِأنَّهُ لا يَبْلُغُ ضُرَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولِعَداوَتِهِ بِعَداوَتِهِ لَهُ لِلَّهِ الَّذِي خَصَّهُ بِقُرْبِهِ واخْتِيارِهِ لِرِسالَتِهِ، فَكَفَرَ حِينَئِذٍ هَذا المُعادِي لَهُ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ؛ وجِبْرِيلُ؛ قالَ الحَرالِّيُّ: يُقالُ: هو اسْمُ عُبُودِيَّةٍ، لِأنَّ ”إيلَ“ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في المَلَأِ الأعْلى وهو يَدُ بَسْطٍ لِرُوحِ اللَّهِ في القُلُوبِ بِما يُحَيِّيها اللَّهُ بِهِ مِن رُوحِ أمْرِهِ إرْجاعًا إلَيْهِ في هَذِهِ الدّارِ قَبْلَ إرْجاعِ رُوحِ الحَياةِ بِيَدِ القَبْضِ مِن عِزْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، انْتَهى.
ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الخَبَرَ المَحْذُوفَ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فَإنَّهُ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ،
﴿نَـزَّلَهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ، لِحَسَدِهِمْ لِلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، الآتِي بِما يَنْفَعُهُمُ، الدّاعِي إلى ما يُصْلِحُهم (p-٦٧)فَيَرْفَعُهم، ولَمّا كانَ المُرادُ تَحْقِيقَ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وأنَّهُ أمَرَ بِإبْلاغِهِ جَمَعَ بَيْنَ ﴿قُلْ﴾ وبَيْنَ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: وهو أكْمَلُ القُلُوبِ، دُونَ أنْ يُقالَ: عَلى قَلْبِي، المُطابِقِ لِقُلْ؛ وأداةُ الِاسْتِعْلاءِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُنَزَّلَ تَمَكَّنَ في القَلْبِ فَصارَتْ مَجامِعُهُ مَغْمُورَةً بِهِ، فَكانَ مُظْهِرًا لَهُ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ إنْكارُ ما أُذِنَ فِيهِ، والنّازِلُ بِهِ لَمْ يَتَعَدَّ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِهِ؛ والإذْنُ: رَفْعُ المَنعِ وإيتاءُ المُكْنَةِ كَوْنًا وخَلْقًا ما لَمْ يَمْنَعْهُ حُكْمُ تَصْرِيفٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِن كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أعْظَمُها كِتابُهم، فَكانُوا أحَقَّ النّاسِ بِالإيمانِ بِهِ وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَقَّ المَلائِكَةِ بِمَحَبَّتِهِمْ لَهُ (p-٦٨)لِإنْزالِهِ، وكانَ كُفْرُهم بِهِ كُفْرًا بِما عِنْدَهم، فَلا وجْهَ لِعَداوَتِهِمْ لَهُ؛ والبَيْنُ حَدٌّ فاصِلٌ في حِسٍّ أوْ مَعْنى، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿وهُدًى﴾ إلى كُلِّ خَيْرٍ، لِأنَّهُ بَيانٌ ما وقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ،
﴿وبُشْرى﴾ أيْ: بِبَيانِ الثَّوابِ،
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَهُمُ الإيمانُ وصْفٌ لازِمٌ، فَلا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كُتُبِ اللَّهِ ولا بَيْنَ رُسُلِهِ، بَلْ حَيْثُما قادَهُمُ الحَقُّ انْقادُوا؛ فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ.
﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] ولا مَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ؛ فَلَوْ أنَّهم مُؤْمِنُونَ لَما عادَوْا مَن نَزَلَ بِهِ بُشْرى لَهم ولَكِنَّهم كَفَرَةٌ فَهم في العَذابِ، والآخِرَةُ لَيْسَتْ لَهم بَلْ عَلَيْهِمْ.
البقرة 2:98
ولَمّا كانَتْ عَداوَةُ واحِدٍ مِنَ الحِزْبِ لِكَوْنِهِ مِن ذَلِكَ الحِزْبِ عَداوَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ الحِزْبِ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ لِعَداوَتِهِ واحِدًا مِن أوْلِيائِهِ لِكَوْنِهِ مِن أوْلِيائِهِ،
﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ (p-٦٩)النّازِلِينَ بِأمْرِهِ،
﴿ورُسُلِهِ﴾ مِنَ البَشَرِ وغَيْرِهِمْ، وخَصَّ مِن بَيْنِهِمْ بِالذِّكْرِ مَن حَباهُ بِالفَضْلِ فَقالَ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ فَإنَّهُ قَدْ كَفَرَ فَأهْلَكَ نَفْسَهُ بِكُفْرِهِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ المَلِكَ الأعْلى ﴿عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ حَيْثُ أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ، وعَبَّرَ بِالوَصْفِ اللّازِمِ صَرْفًا لِلْخِطابِ عَمَّنْ يَتَّعِظُ مِنهم فَيَرْجِعُ فَلا تَلْحَقُهُ المُعاداةُ لِذَلِكَ؛ ومِيكالُ: يُقالُ: هو اسْمُ عُبُودِيَّةٍ أيْضًا وهو يَدُ بَسْطٍ لِلْأرْزاقِ المُقِيمَةِ لِلْأجْسامِ كَما أنَّ إسْرافِيلَ يَدُ بَسْطٍ لِلْأرْواحِ الَّتِي بِها الحَياةُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
البقرة 2:99
ولَمّا فَرَغَ مِن تَرْغِيبِهِمْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِهِمْ وفي جِبْرِيلَ بِأنَّهُ الآتِي بِهِ بِإذْنِ اللَّهِ ومِن تَرْهِيبِهِمْ مِن عَداوَتِهِ أتْبَعَهُ مَدْحَ هَذا القُرْآنِ، وأنَّهُ واضِحُ الأمْرِ لِمُرِيدِ الحَقِّ وإنْ كَفَرَ بِهِ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ فاسِقٌ أيْ: خارِجٌ عَمّا يُعْرَفُ مِنَ الحَقِّ فَإنَّهُ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ فَقالَ تَعالى عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] أوْ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٩٢] أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَقَدْ بانَ بِهَذا الَّذِي نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ خالِصَةً لَهم وأنَّهم (p-٧٠)مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ لِكُفْرِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا﴾: بِعَظْمَتِنا في ذَلِكَ وغَيْرِهِ،
﴿إلَيْكَ﴾ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ،
﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ في الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِكَ وصِحَّةِ أمْرِكَ، والبَيِّنَةُ الدَّلالَةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ القِصَّةِ الصّادِقَةِ والكاذِبَةِ، فَفَسَقُوا بِكُفْرِهِمْ بِها،
﴿وما يَكْفُرُ بِها﴾ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ﴿إلا الفاسِقُونَ﴾ الَّذِينَ الفِسْقُ لَهم صِفَةٌ لازِمَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الفِسْقَ إذا اسْتُعْمِلَ في نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي وقَعَ عَلى أعْظَمِهِ مِن كَفْرٍ وغَيْرِهِ، (p-٧١)وفِي ذَلِكَ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكِتابِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ.
البقرة 2:100
ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا رَدَّهم لِلرُّسُلِ لِأمْرِهِمْ بِمُخالَفَةِ الهَوى في قَوْلِهِ: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ [البقرة: ٨٧] وأتْبَعَهُ بِما يُلائِمُهُ إلى أنْ خَتَمَ بِأنَّ آياتِ هَذا الرَّسُولِ مِنَ الأمْرِ البَيِّنِ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ كِتابُهم وقَدْ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِاتِّباعِهِ كَما أرْشَدَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ثانِيًا كُفْرَهم بِما أتى بِهِ الرُّسُلُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ﴾ أيْ: طَرَحَهُ مُحْتَقِرًا لَهُ،
﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: ناسٌ شَأْنُهُمُ السَّعْيُ في الفُرْقَةِ، ولَمّا كانَ هَذا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ لِتَرَدُّدِ التَّنْوِينِ بَيْنَ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ رَدَّ احْتِمالَ التَّقْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ: ولَيْسَ الفَرِيقُ الكافِرُ بِالنَّبْذِ أقَلَّهم بَلْ ﴿أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ حالًا ولا مَآلًا.
البقرة 2:101
ثُمَّ أتْبَعَ هَذا الإنْكارَ ذِكْرَ الكِتابِ والرَّسُولِ كَما فَعَلَ في الإنْكارِ الأوَّلِ غَيْرَ أنَّهُ صَرَّحَ هُنا بِما طَواهُ هُناكَ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ مُحِيطَةٌ دَعَوْتُهُ بِما أشْعَرَ بِهِ الِاسْمُ الأعْظَمُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ والأمْرِ،
﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ لِكَوْنِهِ (p-٧٢)أتى بِكِتابٍ مُحَقَّقٍ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِإعْجازِ نَظْمِهِ وتَصْدِيقِ مَعْناهُ لِكِتابِهِمْ،
﴿نَبَذَ﴾ أيْ: رَمى رَمْيَ اسْتِخْفافٍ،
﴿فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الأوَّلَ،
﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ فِيهِ المِيثاقَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ أسْوَأ النَّبْذِ بِجَعْلِهِ لِاسْتِخْفافِهِمْ بِهِ،
﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ بِهِ وإنْ حَلَّوْهُ بِالذَّهَبِ ووَضَعُوهُ عَلى الكَراسِيِّ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وأشْعَرَ بِعِنادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾
البقرة 2:102
ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ جارِيَةً بِأنَّهُ ما أماتَ أحَدٌ سُنَّةً إلّا زادَ في خِذْلانِهِ بِأنْ أحْيا عَلى يَدِهِ بِدْعَةً أعْقَبَهم نَبْذَهم لِكَلامِ اللَّهِ أُولى الأوْلِياءِ إقْبالُهم عَلى كَلامِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ هم أعْدى الأعْداءِ فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو﴾: أيْ: تَقْرَأُ أوْ تَتْبَعُ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِ وفُشُوِّهِ، (p-٧٣)واسْتِمْرارِهِ،
﴿الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ﴾ أيْ: زَمَنَ مُلْكِ ﴿سُلَيْمانَ﴾ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي هو كَفْرٌ، قالَ الحَرالِّيُّ: مِن حَيْثُ إنَّ حَقِيقَتَهُ أمْرٌ يَبْطُلُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، ويَظْهَرُ أثَرُهُ فِيما قُصِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّمْرِيضِ ونَحْوِهِ بِالِاقْتِصارِ بِهِ مِن دُونِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو كُفْرٌ، انْتَهى. وكَأنَّ السِّحْرَ كانَ في تِلْكَ الأيّامِ ظاهِرًا عالِيًا عَلى ما يُفْهِمُهُ التَّعْبِيرُ بِـ”عَلى“، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُضَمَّنَ ”تَتْلُوَ“ تَكْذِبُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: تَتْلُو كَذِبًا عَلى مُلْكِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ ما رَواهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ، وكَذا ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ أحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِيُّ في كِتابِ الزِّينَةِ: ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «أنَّهُ لَمّا ماتَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَدَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبَتْ أصْنافَ السِّحْرِ: مَن كانَ يُحِبُّ أنْ يَبْلُغَ كَذا فَلْيَفْعَلْ كَذا، وجَعَلُوهُ في كِتابٍ ثُمَّ خَتَمُوهُ بِخاتَمِ سُلَيْمانَ وكَتَبُوا في عُنْوانِهِ: هَذا كِتابُ آصَفَ بْنِ بَرْخِيا الصِّدِّيقِ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن ذَخائِرِ (p-٧٤)كُنُوزِ العِلْمِ، ثُمَّ دَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ؛ فاسْتَخْرَجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ أحْدَثُوا ما أحْدَثُوا، فَلَمّا عَثَرُوا عَلَيْهِ قالُوا: ما كانَ مُلْكُ سُلَيْمانَ إلّا بِهَذا، فَأفْشَوُا السِّحْرَ في النّاسِ؛ فَلَيْسَ هو في أحَدٍ أكْثَرَ مِنهُ في يَهُودٍ»، انْتَهى.
وسُلَيْمانُ -عَلى ما ذُكِرَ في أوَّلِ إنْجِيلِ مَتّى أثْناءَ إنْجِيلِ لُوقا- هو ابْنُ داوُدَ بْنِ لَسّى بْنِ عُونِيدَ بْنِ باعازَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَصُونَ بْنِ عَمِينادابَ بْنِ أرامَ بْنِ يُورامَ بْنِ حَصَرُونَ بْنِ فارِضِ بْنِ يَهُودا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والحاصِلُ أنَّهم مَعَ تَرْكِهِمْ لِلْكُتُبِ المُصَدِّقَةِ لِما مَعَهُمُ، الكَفِيلَةِ بِكُلِّ هُدًى وبَرَكَةٍ، الآتِيَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُتَحَبَّبِ إلى عِبادِهِ بِكُلِّ جَمِيلٍ، عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ الَّذِينَ هم أصْدَقُ النّاسِ وأنْصَحُهم وأهْداهم، لا سِيَّما هَذا الكِتابَ المُعْجِزَ الَّذِينَ كانُوا يَتَباشَرُونَ بِقُرْبِ زَمَنِ صاحِبِهِ، اتَّبَعُوا السِّحْرَ الَّذِي هو أضَرُّ الأشْياءِ وأبْشَعُها، الآتِي بِهِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ هم أعْدى الأعْداءِ وأفْظَعُها، وأعْجَبُ ما في ذَلِكَ أنَّهم نَسَبُوا السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذِبًا وفُجُورًا وكَفَّرُوهُ بِهِ ثُمَّ كانُوا هم أشَدَّ النّاسِ تَطَلُّبًا لَهُ ومُصاحَبَةً عِلْمًا وعَمَلًا وأكْثَرَ ما يُوجَدُ فِيهِمْ، فَكانُوا بِذَلِكَ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ؛ ومِنَ المَحاسِنِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ (p-٧٥)آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] وما بَعْدَهُ في الكُتُبِ والأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ كانَتْ فَذْلَكَتُهُ أنَّ الكَفَرَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ نَبَذُوا ذَلِكَ كُلَّهُ ونابَذُوهُ وأقْبَلُوا عَلى السِّحْرِ الَّذِي كانَ إبْطالُهُ مِن أوَّلِ مُعْجِزاتِ نَبِيِّهِمْ وأعْظَمِها؛ فَهو أشَدُّ شَيْءٍ مُنافاةً لِشَرْعِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهم في الدّارَيْنِ ولا يَنْفَعُهم.
ولَمّا اعْتَقَدَ أهْلُ الكِتابِ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ السِّحْرَ مِنهُ، وأنَّ انْتِظامَ مُلْكِهِ عَلى الإنْسِ والجِنِّ والطَّيْرِ والوَحْشِ والرِّيحِ إنَّما كانَ بِهِ، نَفى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: يُقالُ: هو مِنَ السَّلامَةِ، فَإنَّهُ مِن سَلامَةِ صَدْرِهِ مِن تَعَلُّقِهِ بِما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُلْكِهِ ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] (p-٧٦)وهُوَ واحِدُ كَمالٍ في مُلْكِ العالَمِ المَشْهُودِ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ وما مِنها مِنَ المَخْلُوقاتِ، انْتَهى. أيْ: ما وقَعَ مِنهُ كُفْرٌ ما فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ بِالسِّحْرِ الَّذِي هو أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ آياتِ الأنْبِياءِ،
﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾
ثُمَّ بَيَّنَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾ أيِ: المُضْطَرِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إلى سِنِّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿السِّحْرَ﴾ أيِ: الَّذِي ولَّدُوهُ هم بِما يُزَيِّنُونَهُ مِن حالِهِ لِيُعْتَقَدَ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ، كَما أنَّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم يُعَلِّمُونَ النّاسَ الحَقَّ بِما يُبَيِّنُونَهُ مِن أمْرِهِ، والسِّحْرُ: قالَ الحَرالِّيُّ: هو قَلْبُ الحَواسِّ في مُدْرِكاتِها عَنِ الوَجْهِ المُعْتادِ لَها في صِحَّتِها عَنْ سَبَبٍ باطِلٍ لا يَثْبُتُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقالَ الكَرْمانِيُّ: أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ صادِرٌ عَنْ نَفْسٍ شِرِّيرَةٍ لا تَتَعَذَّرُ مُعارَضَتُهُ، وقالَ الأصْفَهانِيُّ: اخْتَلَفُوا في تَعَلُّمِهِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حَرامٌ، الثّانِي: أنَّهُ مَكْرُوهٌ، الثّالِثُ: أنَّهُ مُباحٌ، والحَقُّ أنَّهُ إنْ كانَ تَعَلُّمُهُ لِلْعَمَلِ فَهو حَرامٌ، وإنْ كانَ لِتَوَقِّيهِ وعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِهِ فَهو مُباحٌ، وقالَ: والمُرادُ بِالسِّحْرِ: ما يُسْتَعانُ (p-٧٧)فِي تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى الشَّيْطانِ مِمّا لا يَسْتَقِلُّ بِهِ الإنْسانُ، وذَلِكَ لا يَسْتَتِبُّ إلّا لِمَن يُناسِبُهُ في الشَّرارَةِ وخُبْثِ النَّفْسِ، فَإنَّ التَّناسُبَ شَرْطٌ في التَّضامِّ والتَّعاوُنِ وبِهَذا يُمَيَّزُ السّاحِرُ عَنِ الوَلِيِّ والنَّبِيِّ؛ وأمّا ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحِيَلِ بِمَعُونَةِ الآلاتِ والأدْوِيَةِ أوْ يُرِيهِ صاحِبُ خِفَّةِ اليَدِ فَغَيْرُ حَرامٍ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلى التَّجَوُّزِ لِما فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ لِما خَفِيَ سَبَبُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما﴾ أيْ: واتَّبَعُوا أوْ ويُعَلِّمُونَ ما،
﴿أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إنْباءٌ بِأنَّ هَذا التَّخْيِيلَ ضَرْبانِ؛ مُودَعٌ في الكَوْنِ هو أمْرُ الشَّياطِينِ، ومُنَزَّلٌ مِن غَيْبٍ هو المُتَعَلَّمُ مِنَ المَلَكَيْنِ؛ وقالَ: ﴿بِبابِلَ﴾ تَحْقِيقًا لِنُزُولِهِما إلى الأرْضِ،
﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَلَكَيْنِ، كَأنَّهُما لَمّا كانا مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِما لا يَحْتاجانِ إلى أحَدٍ (p-٧٨)وُصِفا أيْضًا بِكَوْنِهِما مَلِكَيْنِ، بِكَسْرِ اللّامِ، وعِبارَةُ الحَرالِّيِّ: مَلَكانِ جُعِلا مَلِكَيْنِ في الأرْضِ، والآيَةُ مِن إظْهارِ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ أفْضَلِ الخَلِيفَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نَصِيحَةَ المَلَكَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ فَأنْبَأ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما كَفَرَ المَلَكانِ كَما كَفَرَ الشَّياطِينُ فَإنَّهُما ما ﴿يُعَلِّمانِ﴾ وزِيادَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أحَدٍ﴾ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: عَلى صُورَةِ الِاخْتِبارِ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ نَبَأ مَن يَخْتارُ السِّحْرَ لِما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ العاجِلِ عَلى أمْرِ النُّبُوَّةِ فَيَكْفُرُ، ومَن يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ لِئَلّا يَقَعَ فِيهِ وهو لا يَشْعُرُ ثُمَّ يَتْرُكُهُ إقْبالًا عَلى دِينِ اللَّهِ؛ ووَحَّدَ والمُخْبَرُ عَنْهُ اثْنانِ لِأنَّها مَصْدَرٌ وهو لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وأصْلُ مَعْناها مِن فَتْنِ الذَّهَبِ وهو تَسْخِيرُهُ لِيَظْهَرَ جَوْهَرُهُ ويَتَخَلَّصَ طَيِّبُهُ مِن خَبِيثِهِ، انْتَهى.
﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ بِالعَمَلِ بِما نُعَلِّمَكَهُ، فَإنَّ العَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، أوْ بِاعْتِقادِ أنَّهُ حَقٌّ مُغْنٍ عَمّا جاءَ عَنِ اللَّهِ، أوْ مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ،
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ مُخالَفَةً لِلْمَلَكَيْنِ في النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وذَكَرَ الفُرْقَةَ في أشَدِّ الِاتِّصالِ لِيُفْهَمَ مِنهُ ما دُونَهُ فَقالَ: ﴿بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ والمَرْءُ: اسْمُ سِنٍّ مِن أسْنانِ (p-٧٩)الطَّبْعِ يُشارِكُ الرَّجُلُ بِهِ المَرْأةَ ويَكُونُ لَهُ فِيهِ فَضْلٌ ما ويُسَمّى مَعْناهُ: المَرْوَةُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ القَرِيبَ لِلضَّرَرِ رَدَّهُ إلَيْهِ تَرْقِيَةً لِلذِّهْنِ الثّاقِبِ إلى أعْلى المَراتِبِ وصَوْنًا لَهُ عَنِ اعْتِقادِهِ ما لا يُناسِبُ فَقالَ: ﴿وما هم بِضارِّينَ﴾ وهو مِنَ الضَّرِّ -بِالفَتْحِ والضَّمِّ- وهو ما يُؤْلِمُ الظّاهِرَ مِنَ الجِسْمِ وما يَتَّصِلُ بِمَحْسُوسِهِ، في مُقابَلَةِ الأذى وهو إيلامُ النَّفْسِ وما يَتَّصِلُ بِأحْوالِها، وتُشْعِرُ الضَّمَّةُ في الضُّرِّ بِأنَّهُ عَنْ عُلُوٍّ وقَهْرٍ، والفَتْحَةُ بِأنَّهُ ما يَكُونُ عَنْ مُماثِلٍ ونَحْوِهِ، وقَلَّ ما يَكُونُ عَنِ الأدْنى إلّا أذى، ومِنهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿بِهِ مِن أحَدٍ﴾ ولَمّا أكَّدَ اسْتِغْراقَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّأْكِيدِ تَلاهُ بِمِعْيارِ العُمُومِ فَقالَ: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفُؤَ لَهُ، وفِيهِ إعْلامٌ لَهم بِأنَّ ضَرَرَهُ (p-٨٠)لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الضَّرَرُ الضَّعِيفُ حَيْثُ سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ إنَّما هو كَضَرَرِ غَيْرِهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي قَدْ تَخْفى فَيُضافُ الأمْرُ في ضَرَرِها إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ تُعْرَفُ فَيُضافُ الضَّرَرُ إلَيْها كَما كانَ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ مِن إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، والعِلْمُ حاصِلٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ في الجَمِيعِ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام: ٩٧] في سُورَةِ الأنْعامِ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ وإنْ كانَ لِلْعامِلِ بِهِ نَفْعٌ عَلى زَعْمِهِ فَضُرُّهُ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِ أتْبَعَهُ قِسْمًا آخَرَ لَيْسَ لِلْعامِلِ بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ الضُّرِّ؛ فَلَيْسَ الحامِلُ عَلى تَعَلُّمِهِ إلّا إيثارًا لِلَّحاقِ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ فَقالَ: ﴿ويَتَعَلَّمُونَ﴾ أيْ: مِنَ السِّحْرِ الَّذِي ولَّدَهُ الشَّياطِينُ لا مِنَ المَلَكَيْنِ،
﴿ما يَضُرُّهُمْ﴾ لِأنَّ مُجَرَّدَ العَمَلِ بِهِ كُفْرٌ أوْ مَعْصِيَةٌ ثُمَّ حَقَّقَ أنَّهُ ضَرَرٌ كُلُّهُ لا شائِبَةَ لِلنَّفْعِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ (p-٨١)لِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَهُ أصْلًا، والنَّفْعُ وصُولُ مَوافِقِ الجِسْمِ الظّاهِرِ وما يَتَّصِلُ بِهِ في مُقابَلَةِ الضُّرِّ، ولِذَلِكَ يُخاطَبُ بِهِ الكُفّارُ كَثِيرًا لِوُقُوعِ مَعْنَيَيْهِما في الظّاهِرِ الَّذِي هو مَقْصِدُهم مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ أتْبَعُهُ ما يُعْرَفُ أنَّهُمُ ارْتَكَبُوهُ عَلى عِلْمٍ فَقالَ مُحَقِّقًا مُؤَكِّدًا: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ بَيانًا لِأنَّهم أسْفَهُ النّاسِ،
﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ أيْ: آثَرَهُ عَلى ما يَعْلَمُ نَفْعَهُ مِنَ الإيمانِ،
﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ﴾ الباقِيَةِ الباقِي نَفْعُها،
﴿مِن خَلاقٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ مُوافِقٍ أصْلًا، والخَلاقُ: الحَظُّ اللّائِقُ لِمَن يُقَسَّمُ لَهُ النَّصِيبُ مِنَ الشَّيْءِ كَأنَّهُ مُوازِنٌ بِهِ خَلْقَ نَفْسِهِ وخَلْقَ جِسْمِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ جَمَعَ لَهُمُ المَذامَّ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا﴾ أيْ: باعُوا عَلى وجْهِ اللَّجاجَةِ،
﴿بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا أحاطَ بِهِمْ فاجْتُثَّتْ نُفُوسُهم مِن أصْلِها فَأوْجَبَ لَهُمُ الخُلُودَ في النّارِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ إثْباتِ العِلْمِ لَهم: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ لَهم قابِلِيَّةٌ لِتَلَقِّي وارِداتِ (p-٨٢)الحَقِّ، إشارَةً إلى أنَّ هَذا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ، فَعِلْمُهُمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الجُرْأةَ عَلى هَذا عَدَمٌ بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ.
البقرة 2:103
ولَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِمْ فِيما ارْتَكَبُوهُ مِنَ المَضارِّ أتْبَعَهُ ما في الإعْراضِ عَنْهُ مِنَ المَنافِعِ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ: بِما دُعُوا إلَيْهِ مِن هَذا القُرْآنِ، ومِنَ اعْتِقادِ أنَّ الفاعِلَ في كُلِّ شَيْءٍ إنَّما هو اللَّهُ لا السِّحْرُ،
﴿واتَّقَوْا﴾ ما يَقْدَحُ في الإيمانِ مِنَ الوُقُوفِ مَعَ ما كانَ حَقًّا فَنُسِخَ مِنَ التَّوْراةِ فَصارَ باطِلًا، ومِنَ الإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَكُنْ حَقًّا أصْلًا مِنَ السِّحْرِ لَأُثِيبُوا خَيْرًا مِمّا تَرَكُوا، لِأنَّ مَن تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ؛ هَكَذا الجَوابُ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِما يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ والشَّرَفَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْصُرُ عَنْهُ الأذْهانُ مِن بَلاغاتِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ صِيغَةُ مَفْعَلَةٍ مِنَ الثَّوابِ، وهو الجَزاءُ بِالخَيْرِ، وفي الصِّيغَةِ (p-٨٣)إشْعارٌ بِعُلُوٍّ وثَباتٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ، وشَرَّفَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، وزادَها شَرَفًا بِقَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ﴾ مَعَ حَذْفِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ.
قالَهُ الحَرالِّيُّ: وسَوّى بَيْنَ هَذِهِ المَثُوبَةِ ومَضْمُونِ الرِّسالَةِ في كَوْنِهِما مِن عِنْدِ اللَّهِ تَشْرِيفًا لِهَذِهِ المَثُوبَةِ وإلْحاقًا لَها بِالنَّمَطِ العَلِيِّ مِن عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ومُضاءِ كَلِمَتِهِ، انْتَهى. وهَذِهِ المَثُوبَةُ عامَّةٌ لِما يَحْصُلُ في الدُّنْيا والأُخْرى مِنَ الخَيْراتِ الَّتِي مِنها ما يُعْطِيهِ اللَّهُ لِصالِحِي عِبادِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ بِأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى عَلى حَسَبِ ما تُعْطِيهِ مَفْهُوماتُها مِنَ المَنافِعِ، ومِن ذَلِكَ وارِداتُ الآثارِ كَكَوْنِ الفاتِحَةِ شِفاءً وآيَةِ الكُرْسِيِّ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن مَنافِعِ القُرْآنِ والأذْكارِ والتَّبَرُّكِ بِآثارِ الصّالِحِينَ ونَحْوِهِ.
ثُمَّ أكَّدَ الخَبَرَ بِأنَّ عِلْمَهم جَهْلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِرُتْبَةٍ مِنَ العِلْمِ أعْلى وأشْرَفَ مِنَ الرُّتْبَةِ الَّتِي كانَتْ تَصْرِفُهم عَنْ أخْذِ السِّحْرِ، لِأنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ تُزَهِّدُ في عِلْمِ ما هو (p-٨٤)شَرٌّ وهَذِهِ تُرَغِّبُ في مَنالِ ما هو خَيْرٌ؛ وفِيهِ بُشْرى لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِما في كِيانِها مِن قَبُولِ هَذا العِلْمِ الَّذِي هو عِلْمُ الأسْماءِ ومَنافِعُ القُرْآنِ يَكُونُ لَهم عِوَضًا مِن عِلْمِ السِّيمِيا الَّذِي هو بابٌ مِنَ السِّحْرِ، وعَساهُ أنْ يَكُونَ مِن نَحْوِ المُنَزَّلِ عَلى المَلَكَيْنِ، قالَ ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ بابًا مِنَ السِّحْرِ، زادَ ما زادَ» .
وحَقِيقَةُ السِّيمِيا أمْرٌ مِن أمْرِ اللَّهِ أظْهَرَ آثارَهُ في العالَمِ الأرْضِيِّ عَلى سَبِيلِ أسْماءٍ وأرْواحٍ خَبِيثَةٍ مِن مَواطِنِ الفِتَنِ في العُلْوِيّاتِ مِنَ النَّيِّراتِ والكَواكِبِ والصُّوَرِ، وما أبْداهُ مِنهُ في عُلُومٍ وأعْمالٍ لا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنهُ مَعَ اسْمِهِ تَعالى، بَلْ يُشْتَرَطُ في صِحَّتِهِ إخْلاؤُهُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ وذِكْرِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ وصَرْفِ التَّحَنُّثاتِ والوُجْهَةِ إلى ما دُونَهُ، فَهو لِذَلِكَ كُفْرٌ مَوْضُوعٌ فِتْنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن شاءَ أنْ يَفْتِنَهُ بِهِ، حَتّى كانَتْ فِتْنَةَ اسْمِ السِّيمِيا مَن هَدى الِاسْمَ بِمَنزِلَةِ اسْمِ اللّاتِ والعُزّى مِن هِدايَةِ اسْمِ اللَّهِ العَزِيزِ، ولِلَّهِ كُلِّيَّةُ الخَلْقِ والأمْرِ هُدًى وإضْلالًا إظْهارًا لِكَلِمَتِهِ الجامِعَةِ الشّامِلَةِ لِمُتَقابِلاتِ الأزْواجِ الَّتِي مُنْتَهاها قِسْمَةٌ إلى دارَيْنِ: دارِ نُورٍ رَحِمانِيٍّ مِنَ اسْمِهِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، ودارِ نارٍ انْتِقامِيٍّ مِنَ اسْمِهِ الجَبّارِ المُنْتَقِمِ،
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]
ولَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ مِنَ المَضَرَّةِ في السِّحْرِ ونَحْوِهِ كانَ مِنَ المَثُوبَةِ لِمَن (p-٨٥)آمَنَ واتَّقى مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سُورَةُ الفَلَقِ والنّاسِ والمُعَوِّذَتانِ حِرْزًا وإبْطالًا وتَلَقُّفًا لِما يَأْفِكُ سِحْرُ السّاحِراتِ عِوَضًا دائِمًا باقِيًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن عَصا مُوسى، فَهُما عَصا هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي تَلَقَّفَ ما يَأْفِكُ سِحْرُ السّاحِراتِ عِوَضًا دائِمًا بِما فِيهِما مِنَ التَّعْوِيذِ الجامِعِ لِلْعَوَذَةِ مِن شَرِّ الفَلَقِ الَّذِي مِن لَمْحَةٍ مِنهُ كانَ السِّحْرُ مُفَرِّقًا، فَهُما عُوذَتانِ مِن وراءِ ما وراءَ السِّحْرِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ مِن مَثُوبَةِ الدَّفْعِ مَعَ ما أُوتُوا مِن مَثُوبَةِ النَّفْعِ، ويَكادُ أنْ لا يَقِفَ مَن جاءَهُ هَذِهِ الآيَةُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عِنْدَ غايَةٍ مِن مَنالِ الخَيْراتِ ووُجُوهِ الكَراماتِ، انْتَهى.
البقرة 2:104
ولَمّا كانَ مِنَ الحَقِّ كَما قالَ الحَرالِّيُّ إجْراءُ الأُمُورِ عَلى حُكْمِ ما أثْبَتَها الحَقُّ لِأنَّها بِذَلِكَ حَقٌّ هو مِثالٌ لِلْحَقِّ المُبِينِ وصَرْفُها إلى مَن لَمْ يُثْبِتْها الحَقُّ في حَيِّزِهِ إفْكٌ وقَلْبٌ عَنْ وجْهِهِ فَهو خَيالٌ باطِلٌ هو في بابِ الرَّأْيِ: بِمَنزِلَةِ السِّحْرِ في الحِسِّ فَهو خَيالٌ لِما صِحَّةُ النِّسْبَةِ فِيهِ مِثالٌ أتْبَعَ الآياتِ الذّامَّةَ لِلسِّحْرِ الحَقِيقِيِّ التَّنْبِيهَ عَلى السِّحْرِ المَجازِيِّ الَّذِي حِيلُوا بِهِ الخَيْرَ وقَصَدُوا بِهِ الشَّرَّ لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا عَنِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ الأوْلى فَقالَ مُلْتَفِتًا عَنْ ذِكْرِهِمْ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي هو أخَصُّ مِن: ”يا بَنِي إسْرائِيلَ“ الأخَصِّ مِن: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ (p-٨٦)آمَنُوا﴾، أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ صَدَّقُوا إقْرارَكم بِهِ بِأنَّ: ﴿لا تَقُولُوا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿راعِنا﴾ الَّتِي تَقْصِدُونَ بِها الرِّعايَةَ والمُراقَبَةَ لِمَقْصِدِ الخَيْرِ وخَفْضِ الجانِبِ، فاغْتَنَمَها اليَهُودُ لِمُوافَقَةِ كَلِمَةٍ سَيِّئَةٍ عِنْدَهم فَصارُوا يَلْوُونَ بِها ألْسِنَتَهم ويَقْصِدُونَ بِها الرُّعُونَةَ وهي إفْراطُ الجَهالَةِ فَنَهاهم عَنْ مُوافَقَتِهِمْ في القَوْلِ مَنعًا لِلصَّحِيحِ المُوافِقِ في الصُّورَةِ لِشَبَهِهِ مِنَ القَبِيحِ وعَوَّضَهم مِنها ما لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَسادٌ فَقالَ: ﴿وقُولُوا انْظُرْنا﴾ فَأبْقى المَعْنى وصَرَفَ اللَّفْظَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفِيهِ إلْزامٌ بِتَصْحِيحِ الصُّوَرِ لِتُطابِقَ تَصْحِيحَ المَقاصِدِ ولِيَقَعَ الفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ كَما وقَعَ الفَرْقُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فَهي آيَةُ فُرْقانٍ خاصَّةٌ بِالعَرَبِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: (p-٨٧)وهَذا النَّهْيُ اخْتَصَّ بِهَذا الوَقْتِ، قالَ الواحِدِيُّ: لِإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ المُخاطَبَةِ بِهَذا اللَّفْظِ الآنَ وقالَ: ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ: قُولُوا ما أمَرْتُكم بِهِ وامْتَثِلُوا جَمِيعَ أوامِرِي ولا تَكُونُوا كاليَهُودِ في حَمْلِهِمُ السَّماعَ عَلى حَقِيقَتِهِ وقَوْلُهم: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وعَطْفُ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ مُرْشِدٌ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنَّ السَّماعَ أيِ: القَبُولُ إيمانٌ، ولِلسّامِعِينَ نَعِيمٌ كَرِيمٌ والإعْراضُ كَفْرٌ ولِلْكافِرِينَ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾
البقرة 2:105
ولَمّا أرْشَدَ خَتَمَ الآيَةَ إلى العِلَّةِ الحامِلَةِ عَلى الِامْتِثالِ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُطْلَقًا ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودِ والنَّصارى،
﴿ولا﴾ مِن ﴿المُشْرِكِينَ﴾ بِأيِّ نَوْعٍ كانَ مِن أنْواعِ (p-٨٨)الشِّرْكِ بُغْضًا فِيكم حَسَدًا لَكم ﴿أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِلسَّماعِ عِلَّتانِ حامِلَتانِ عَلَيْهِ داعِيَتانِ إلَيْهِ: إحْداهُما: أُخْرَوِيَّةٌ وهي النَّعِيمُ لِلْمُطِيعِ والعَذابُ لِلْعاصِي، والأُخْرى دُنْيَوِيَّةٌ وهي مُخالَفَةُ الأعْداءِ، فَإنَّهم ما يَوَدُّونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم شَيْءٌ لَكم فِيهِ خَيْرٌ فَضْلًا عَنْ أنْ تَمْتَثِلُوهُ، ومُخالَفَةُ الأعْداءِ مِنَ الأغْراضِ العَظِيمَةِ لِلْمُتَمَكِّنِينَ في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِن ذَوِي الأدَواتِ الكامِلَةِ، ولَمْ يَعْطِفْ ﴿ما يَوَدُّ﴾ لِأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم عَذابٌ ألِيمٌ لِأنَّهم يَوَدُّونَ لَكم خَيْرًا؛ فَسَماعُكم مِن جُمْلَةِ عَذابِهِمْ، لِأنَّهُ واقِعٌ عَلى خِلافِ وِدادَتِهِمْ مَعَ ما يُدَّخَرُ لَهم في الآخِرَةِ بِكُفْرِهِمْ وتَمَنِّيهِمْ كُفْرَكم، ولا يَخْفى ما فِيها وفي الَّتِي بَعْدَها مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَوَدُّونَ أتْبَعَهُ التَّعْرِيفَ بِأنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ، رَضِيَ مَن رَضِيَ وسَخِطَ مَن سَخِطَ فَقالَ مُعَلِّقًا الأمْرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ (p-٨٩)الجامِعِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: ما يَوَدُّونَ، والحالُ أنَّ ذا الأسْماءَ الحُسْنى ﴿يَخْتَصُّ﴾ ولَمّا كانَ المُنَزِّلُ أتَمَّ الرَّحْمَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الهِدايَةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ مُخْتَصًّا أيْ: مُنْفَرِدًا بِها مِن بَيْنِ النّاسِ، ولَوْ كانَ عِنْدَ غَيْرِهِ بِمَحَلِّ الِاحْتِقارِ كَما كانَ العَرَبُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ لِما كانُوا يَرَوْنَ مِن جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ وجَفائِهِمْ واخْتِلالِ أحْوالِهِمْ؛ و”الِاخْتِصاصُ“: عِنايَةٌ تُعِينُ المُخْتَصَّ لِمَرْتَبَةٍ يَنْفَرِدُ بِها دُونَ غَيْرِهِ، و”الرَّحْمَةُ“: نِحْلَةُ ما يُوافِي المَرْحُومَ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، أدْناهُ كَشْفُ الضُّرِّ وكَفُّ الأذى، وأعْلاهُ الِاخْتِصاصُ بِرَفْعِ الحِجابِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ إذا فَعَلَهُ لَمْ يَبْقَ مِن رَحْمَتِهِ ما يَسَعُ غَيْرَ المُخْتَصِّ نَفاهُ بِقَوْلِهِ مُصَدِّرًا لَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أيْضًا عاطِفًا عَلى ما أفْهَمَهُ الِاخْتِصاصُ مِن نَحْوِ أنْ يُقالَ (p-٩٠)تَعْرِيضًا بِاليَهُودِ: فاللَّهُ بِمَن يَزْوِي عَنْهُ الرَّحْمَةَ عَلِيمٌ،
﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ والرَّحْمَةِ فَلا كُفُؤَ لَهُ،
﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُحْصَرُ بِحَدٍّ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ عَدٍّ.
البقرة 2:106
ولَمّا حَرَّمَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] بَعْدَ حِلِّهِ، وكانَ ذَلِكَ مِن بابِ النَّسْخِ وأنْهى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالوَصْفِ بِالفَضْلِ العَظِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ الَّذِي مِن مُقْتَضاهُ نَقْلُ ما يَكُونُ مِنَ المَنافِعِ مِن مُلْكٍ أوْ دِينٍ أوْ قُوَّةٍ أوْ عِلْمٍ مِن ناسٍ إلى ناسٍ، وكانَ اليَهُودُ يَرَوْنَ أنَّ دِينَهم لا يُنْسَخُ، فَكانَ النَّسْخُ لِذَلِكَ مِن مَطاعِنِهِمْ في هَذا الدِّينِ وفي كَوْنِ هَذا الكِتابِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، لِأنَّهُ عَلى زَعْمِهِمْ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ، قالُوا: لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ البَدا -أيْ: بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا- وهو أنْ يَبْدُوَ الشَّيْءُ، أيْ: يَظْهَرُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، هَذا مَعَ أنَّ النَّسْخَ في كِتابِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَإنَّ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالدُّخُولِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ مُقاتَلَةِ الجَبّارِينَ، فَلَمّا أبَوْا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ دُخُولَها ومَنَعَهم مِنهُ ومِنَ القِتالِ بِالقُدْرَةِ والأمْرِ، كَما سَتَراهُ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ في سُورَةِ المائِدَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ (p-٩١)تَعالى، وأمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، كَما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ ويَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] واخْتارُوا السَّبْتَ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وأحَلَّ لَهم جَمِيعَ اللُّحُومِ والشُّحُومِ، فَلَمّا اتَّخَذُوا العِجْلَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ؛ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَعاطِيهِمْ مِنَ النَّسْخِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وتَحْرِيمِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ وتَحْلِيلِهِمْ لَهم ما شاؤُوا مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَ عَدُّ جُمْلَةٍ مِنها أُصُولًا وفُرُوعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ولَمّا «قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، قالَ: ألَيْسُوا يُحِلُّونَ لَهم ويُحَرِّمُونَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهم لَهُمْ“»، كَما هو مُبَيَّنٌ في السِّيرَةِ في وِفادَةِ عَدِيٍّ؛ وكَما فَعَلُوا في إبْدالِ الرَّجْمِ في الزِّنا بِالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ؛ وفي اتِّباعِ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ مَعَ أنَّ فِيهِ إبْطالٌ كَثِيرٌ مِن شَرْعِهِمْ؛ وفي نَبْذِ فَرِيقٍ مِنهم كِتابَ اللَّهِ؛ وفي قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وفي اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ مَعَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ -وكُلِّ ما شاكَلَهُ في كَثِيرٍ مِن فُصُولِ التَّوْراةِ- وفِيما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ تَعالى جَوابًا عَنْ طَعْنِهِمْ (p-٩٢)سابِقًا لَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ مُعَلِّمًا أنَّهُ قَدْ ألْبَسَ العَرَبَ المَحْسُودِينَ ما كانَ قَدْ زُيِّنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ دُهُورًا فابْتَذَلُوهُ ودَنَّسُوا مُحَيّاهُ ورَذَّلُوهُ وغَيَّرُوهُ وبَدَّلُوهُ إشارَةً إلى أنَّ الحَسَدَ لِكَوْنِهِ اعْتِراضًا عَلى المُنْعِمِ يَكُونُ سَبَبًا لِإلْباسِ المَحْسُودِ ثَوْبَ الحاسِدِ: ﴿ما نَنْسَخْ﴾، والنَّسْخُ قالَ الحَرالِّيُّ: نَقْلُ بادٍ مِن أثَرٍ أوْ كِتابٍ ونَحْوِهِ مِن مَحَلِّهِ بِمُعاقَبٍ يُذْهِبُهُ، أوْ بِاقْتِباسٍ يُغْنِي عَنْ غَيْبَتِهِ وهو وارِدُ الظُّهُورِ في المَعْنَيَيْنِ في مَوارِدِ الخِطابِ؛ والمُعاقَبَةُ في هَذا أظْهَرُ، انْتَهى. وساقَها بِغَيْرِ عَطْفٍ لِشِدَّةِ التِباسِها بِما قَبْلَها لِاخْتِصاصِنا لِأجْلِ التَّمْشِيَةِ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ نَسْخَ جَمِيعِ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ بِكِتابِنا فَلِما فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالِانْفِرادِ بِالذِّكْرِ وعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ والتَّخْفِيفِ لِلْأحْمالِ الَّتِي كانَتْ، وإنْ كانَ المُرادُ نَسْخَ ما شُرِعَ لَنا فَلِلنَّظَرِ في المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِحَسَبِ ما حَدَثَ (p-٩٣)مِنَ الأسْبابِ،
﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: فَنَرْفَعُ حُكْمَها، أوْ تِلاوَتَها بَعْدَ إنْزالِها، أوْ نَأْمُرُ بِذَلِكَ عَلى أنَّها مِنَ النَّسْخِ [عَلى ] قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، سَواءٌ كانَتْ في شَرْعِ مَن قَبْلُ كاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ لَمْ تَكُنْ؛ وفي صِيغَةِ نَفْعَلُ إشْعارٌ بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ رُبَّما نُسِخَ عَنْهم ما لَمْ يُعَوَّضُوا بِهِ مَثَلًا ولا خَيْرًا، فَفي طَيِّهِ تَرْغِيبٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا في كِتابِهِمُ الخاصِّ بِهِمْ وأنْ يَكُونَ لَهم عِنْدَ النَّسْخِ حُسْنُ قَبُولٍ فَرَحًا بِجَدِيدٍ أوِ اغْتِباطًا بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ، لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ تَناسُخِ الآياتِ مُقابِلَ حالِ الآبِينَ مِن قَبُولِهِ المُسْتَمْسِكِينَ بِالسّابِقِ المُتَقاصِرِينَ عَنْ خَيْرٍ لاحِقٍ وجَدَتْهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. ”أوْ ننسأها“ أيْ: نُؤَخِّرُها، أيْ: نَتْرُكُ إنْزالَها عَلَيْكم أصْلًا، وكَذا مَعْنى ﴿أوْ نُنْسِها﴾ مِن أنْسى في قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، أيْ: نَأْمُرُ بِتَرْكِ إنْزالِها (p-٩٤)﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ كَما فَعَلْنا في: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وغَيْرِها، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ فَنَزِيلُ حُكْمَها أوْ لَفْظَها عاجِلًا كَما فَعَلْنا في ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ”أوْ ننسأها“ بِأنْ نُؤَخِّرَ نَسْخَها أوْ نَتْرُكُهُ عَلى قِراءَةِ ”نَنْسَها“ زَمَنًا ثُمَّ نَنْسَخُها كالقِبْلَةِ ﴿نَأْتِ﴾ عِنْدَ نَسْخِها ﴿بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والنَّسْءُ: تَأْخِيرٌ عَنْ وقْتٍ إلى وقْتٍ، فَفِيهِ مَدارٌ بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ بِخِلافِ النَّسْخِ، لِأنَّ النَّسْخَ مُعَقِّبٌ لِلسّابِقِ والنُّسْءَ مُداوِلٌ لِلْمُؤَخَّرِ، وهو نَمَطٌ مِنَ الخِطابِ عَلِيٌّ خَفِيُّ المَنحى، لَمْ يَكَدْ يَتَّضِحُ مَعْناهُ لِأكْثَرِ العُلَماءِ إلّا لِلْأئِمَّةِ مِن آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِخَفاءِ الفُرْقانِ بَيْنَ ما شَأْنُهُ المُعاقَبَةُ وما شَأْنُهُ المُداوَلَةُ، ومِن أمْثالِهِ ما وقَعَ في النَّسْءِ مِن نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الأضاحِيِّ فَتَقَبَّلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا نَسْخًا، وإنَّما كانَ إنْساءً وتَأْخِيرًا لِحُكْمِ (p-٩٥)الِاسْتِمْتاعِ بِها بَعْدَ ثَلاثٍ إلى وقْتِ زَوالِ الدّافَّةِ الَّتِي كانَتْ دَفَّتْ عَلَيْهِمْ مِنَ البَوادِي، فَلَمْ يُلَقَّنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى فَسَّرَهُ فَقالَ: «إنَّما نَهَيْتُكم مِن أجْلِ الدّافَّةِ»، فَفي مُتَّسَعِ فِقْهِهِ أنَّ أحْكامًا تُؤَخَّرُ فَتُشابِهُ النَّسْخَ مِن وجْهٍ ثُمَّ تُعادُ فَتُخالِفُهُ مِن هَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ إنَّ حِكْمَةَ المَنسُوخِ مُنْقَطِعَةٌ وحِكْمَةَ المُنْسَأِ مُتَراجِعَةٌ، ومِنهُ المُقاتَلَةُ لِلْعَدُوِّ عِنْدَ وِجْدانِ المِنَّةِ والقُوَّةِ والمُهادَنَةُ عِنْدَ الضَّعْفِ عَنِ المُقاوَمَةِ هو مِن أحْكامِ المُنْسَأِ، وكُلُّ ما شَأْنُهُ أنْ يَمْتَنِعَ في وقْتٍ لِمَعْنًى ما ثُمَّ يَعُودُ في وقْتٍ لِزَوالِ ذَلِكَ المَعْنى فَهو مِنَ المُنْسَأِ الَّذِي أهْمَلَ عِلْمَهُ أكْثَرُ النّاظِرِينَ ورُبَّما أضافُوا أكْثَرَهُ إلى نَمَطِ النَّسْخِ لِخَفاءِ الفُرْقانِ بَيْنَهُما؛ فَبِحَقٍّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جَوامِعِ آيِ الفُرْقانِ، فَهَذا حُكْمُ النَّسْءِ والإنْساءِ وهو في العِلْمِ بِمَنزِلَةِ تَعاقُبِ الفُصُولِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ المُتَعاقِبَةِ في وجْهِ المُتَداوَلَةِ في الجُمْلَةِ.
قُلْتُ: وحاصِلُهُ تَأْخِيرُ الحِلِّ كَما ذَكَرَ أوِ الحُرْمَةِ كَما في المُتْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ إلى وقْتٍ آخَرَ، وذَلِكَ هو مَدْلُولُ النَّسْءِ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَتَعارَفُهُ كَما سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ في سُورَةِ بَراءَةٍ عِنْدَ ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قالَ: وأمّا النِّسْيانُ والتَّنْسِيَةُ فَمَعْناهُ أخْفى مِنَ النَّسِيءِ وهو ما يُظْهِرُهُ اللَّهُ (p-٩٦)مِنَ البَياناتِ عَلى سَبِيلِ إدْخالِ النِّسْيانِ عَلى مَن لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُنْسَأ كالسُّنَنِ الَّتِي أبْداها النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَنْسِيَتِهِ كَما ورَدَ مِن قَوْلِهِ: «إنِّي لَأُنَسّى لِأسُنَّ» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إفْصاحِ القَوْلِ فِيهِ: «بِئْسَما لِأحَدِكم أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ، بَلْ هو نُسِّيَ»، ومِنهُ قِيامُهُ مِنَ اثْنَتَيْنِ وسَلامُهُ مِنَ اثْنَتَيْنِ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ سُنَّةَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، وكانَتْ تِلْكَ الصَّلاةُ بِسَهْوِها لَيْسَتْ بِدُونِها مِن غَيْرِ سَهْوٍ بَلْ هي مِثْلُها أوْ خَيْرٌ؛ ومِن نَحْوِهِ مَنامُهُ عَنِ الصَّلاةِ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ تَوْقِيتَ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ كَما كانَ قَدْ أظْهَرَها (p-٩٧)بِالوَقْتِ الزَّمانِيِّ، فَصارَ لَها وقْتانِ: وقْتُ نُورٍ عَيانِيٌّ مِن مَدارِها مَعَ الشَّمْسِ، ووَقْتُ نُورٍ وِجْدانِيٌّ مِن مَدارِها مَعَ الذِّكْرِ، ولِصِحَّةِ وُقُوعِها لِلْوَقْتَيْنِ كانَتِ المُوَقَّتَةُ بِالذِّكْرِ أداءً بِحَسَبِهِ، قَضاءً بِحَسَبِ فَوْتِ الوَقْتِ الزَّمانِيِّ؛ فَلِلَّهِ تَعالى عَلى [هَذِهِ ] الأُمَّةِ فَضْلٌ عَظِيمٌ فِيما يُكْمِلُ لَها عَلى طَرِيقِ النَّسْخِ وعَلى سَبِيلِ النَّسْءِ وعَلى جِهَةِ النِّسْيانِ الَّذِي لَيْسَ عَنْ تَراخٍ ولا إهْمالٍ وإنَّما يُوقِعُهُ إجْبارًا مَعَ إجْماعِ العَزْمِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ إنْباءٌ بِأنَّ ما وقَعَ مِنَ الأمْرِ بَعْدَ هَذا النِّسْيانِ خَيْرٌ مِن مَوْقِعِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي كانَ يَقَعُ عَلى إجْماعٍ ورِعايَةٍ لِتَسْتَوِيَ أحْوالُ هَذِهِ الأُمَّةِ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِ أنْفُسِها، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اخْتِصاصِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ العَظِيمِ، انْتَهى. واسْتَدَلَّ سُبْحانَهُ عَلى إتْيانِهِ بِذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ، والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ التّامَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعِلْمِ أيْ: ولَيْسَ هو كَغَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ إذا أمَرَ بِشَيْءٍ خافَ غائِلَةَ أتْباعِهِ ورَعاياهُ في نَقْضِهِ، واسْتَدَلَّ عَلى القُدْرَةِ بِأنَّ لَهُ جَمِيعَ المُلْكِ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ (p-٩٨)أمْرٌ؛ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا الكِتابَ وأكَّدَ أمْرَهُ مِرارًا وكانَ ناسِخًا لِفُرُوعِ شَرِيعَتِهِمْ ولا سِيَّما ما فِيها مِنَ الآصارِ والأغْلالِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ مِن أعْظَمِ ضَلالِهِمْ وغَيِّهِمْ ومِحالِهِمُ، ادِّعاؤُهم أنَّ النَّسْخَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ، فَمَنَعُوا مِن: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] مِمّا هو مَوْجُودٌ في كِتابِهِمْ كَما أمَرَ آنِفًا، ومِمّا سَوَّغُوهُ لِأنْفُسِهِمْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، ولَزِمَ مِن ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ أتاهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم، وفَعَلُوا خِلافَ حالِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِما أُنْزِلَ إلى نَبِيِّهِمْ وما أُنْزِلَ إلى غَيْرِهِ، وضَمَّنَ ذَلِكَ عَيْبَهم بِالقَدْحِ في الدِّينِ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ اليَوْمَ والنَّهْيِ عَنْهُ غَدًا، وأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما تَغَيَّرَ لِأنَّهُ عالِمٌ بِالعَواقِبِ، ولا يَخْلُو إمّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مَصْلَحَةٌ فَلا يَنْهى عَنْهُ بَعْدُ، أوْ مَفْسَدَةٌ فَلا يَأْمُرُ بِهِ اليَوْمَ، وجَوابُهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ تَعْرِيضًا بِغَباوَتِهِمْ إلى خِطابِ أعْلَمِ الخَلْقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الحائِزَ لِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ،
﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيرُ المُشارُ فِيهِ لِلتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، فَيَخْلُقُ بِقُدْرَتِهِ مِنَ الأسْبابِ ما يَصِيرُ الشَّيْءُ في وقْتٍ مَصْلَحَةً، وفي وقْتٍ آخَرَ مَفْسَدَةً لِحِكَمٍ ومَصالِحَ دَبَّرَها لِتَصَرُّمِ هَذا العالَمِ، ويَقْضِي هَذا الكَوْنَ بِشُمُولِ عِلْمِهِ بِكُلِّ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ. (p-٩٩)ولَوْ أرادَ لَجَعَلَ الأمْرَ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ والنّاسَ عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ،
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ﴿لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] ولَكِنَّهُ مالِكُ المُلْكِ ومَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَتَصَرَّفُ عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ، لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا يَسُوغُ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وهَلْ يَجُوزُ أنْ يَعْتَرِضَ العَبْدُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أصْلًا مِنَ الرِّقِّ عَلى السَّيِّدِ الثّابِتِ السُّؤْدُدِ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أصْلًا فَلا يَلْزَمُهُ الأمْرُ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما هو كالدَّلِيلِ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ الجامِعَ لِأنْواعِ العَظَمَةِ،
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَفْعَلُ في ذَواتِهِما وأحْوالِهِما ما يَشاءُ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَهو بِما هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُفَصِّلُ الآياتِ، وهو بِما لَهُ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُدَبِّرُ الأمْرَ، انْتَهى.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن إظْهارِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ وعَظَمَتِهِ بِالِاسْمِ العَلَمِ الَّذِي هو [أعْظَمُ ] مِن مَظْهَرِ [العَظَمَةِ ] في نَنْسَخُ ونَنْسَأُ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَقَّ عِلْمِهِ غَيْرُهُ فَتَهَيَّأتْ قُلُوبُ السّامِعِينَ وصَغَتْ لَفَتَ الخِطابَ إلَيْهِمْ تَرْهِيبًا في إشارَةٍ إلى تَرْغِيبٍ فَقالَ: ﴿وما لَكم (p-١٠٠)مِن دُونِ اللَّهِ﴾ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ العَظَمَةِ،
﴿مِن ولِيٍّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَكم، وهو مِنَ الوِلايَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ وهي القِيامُ بِالأمْرِ عَنْ وُصْلَةٍ واصِلَةٍ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ فَأقْبِلُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم إلَيْهِ ولا تَلْفِتُوها عَنْهُ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ لِلَّذِينِ آمَنُوا ولَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ المُؤْمِنِينَ مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ إذا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِما أرادَ كائِنًا ما كانَ لِئَلّا تُلَقَّنَ بَواطِنُهم عَنِ اليَهُودِ نَحْوًا مِمّا لُقِّنَتْ ظَواهِرُ ألْسِنَتِهِمْ، بِأنْ تَسْتَمْسِكَ بِسابِقِ فُرْقانِها فَتَتَثاقَلَ عَنْ قَبُولِ لاحِقِهِ ومُكَمِّلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَبَعًا لِكَثْرَةِ أهْلِ الكِتابِ في إبائِها نَسْخُ ما لَحِقَهُ التَّغْيِيرُ مِن أحْكامِ كِتابِها، أفادَهُ الحَرالِّيُّ وقالَ: وهو في الحَقِيقَةِ خِطابٌ جامِعٌ لِتَفْصِيلِ ما يَرِدُ مِنَ النَّسْخِ في تَفاصِيلِ الأحْكامِ والأحْوالِ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ المُتَقَدِّمِ في صَدْرِ السُّورَةِ المُشْتَمِلِ عَلى جامِعِ ضَرْبِ الأمْثالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما﴾ [البقرة: ٢٦] الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي فُسْطاطُ القُرْآنِ (p-١٠١)الجامِعَةُ لِجَمِيعِ ما تَفَصَّلَ فِيهِ؛ وهي سَنامُ القُرْآنِ، وسَنامُ الشَّيْءِ أعْلاهُ؛ وهي سَيِّدَةُ سُوَرِ القُرْآنِ؛ فَفِيها لِذَلِكَ جَوامِعُ يَنْتَظِمُ بَعْضُها بِبَعْضٍ أثَّرَ تَفاصِيلُهُ خِلالَها في سِنامِيَّةِ مَعانِيها وسِيادَةِ خِطابِها نَحْوًا مِنَ انْتِظامِ آيِ سُورَةِ الفاتِحَةِ المُنْتَظِمَةِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ وقَعَ أثْناءَها لِيَكُونَ بَيْنَ المُحِيطِ الجامِعِ والِابْتِداءِ الجامِعِ مُشاكَلَةً ما، انْتَهى.
البقرة 2:107
ولَمّا حَرَّمَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] بَعْدَ حِلِّهِ، وكانَ ذَلِكَ مِن بابِ النَّسْخِ وأنْهى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالوَصْفِ بِالفَضْلِ العَظِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ الَّذِي مِن مُقْتَضاهُ نَقْلُ ما يَكُونُ مِنَ المَنافِعِ مِن مُلْكٍ أوْ دِينٍ أوْ قُوَّةٍ أوْ عِلْمٍ مِن ناسٍ إلى ناسٍ، وكانَ اليَهُودُ يَرَوْنَ أنَّ دِينَهم لا يُنْسَخُ، فَكانَ النَّسْخُ لِذَلِكَ مِن مَطاعِنِهِمْ في هَذا الدِّينِ وفي كَوْنِ هَذا الكِتابِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، لِأنَّهُ عَلى زَعْمِهِمْ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ، قالُوا: لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ البَدا -أيْ: بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا- وهو أنْ يَبْدُوَ الشَّيْءُ، أيْ: يَظْهَرُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، هَذا مَعَ أنَّ النَّسْخَ في كِتابِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَإنَّ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالدُّخُولِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ مُقاتَلَةِ الجَبّارِينَ، فَلَمّا أبَوْا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ دُخُولَها ومَنَعَهم مِنهُ ومِنَ القِتالِ بِالقُدْرَةِ والأمْرِ، كَما سَتَراهُ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ في سُورَةِ المائِدَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ (p-٩١)تَعالى، وأمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، كَما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ ويَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] واخْتارُوا السَّبْتَ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وأحَلَّ لَهم جَمِيعَ اللُّحُومِ والشُّحُومِ، فَلَمّا اتَّخَذُوا العِجْلَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ؛ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَعاطِيهِمْ مِنَ النَّسْخِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وتَحْرِيمِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ وتَحْلِيلِهِمْ لَهم ما شاؤُوا مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَ عَدُّ جُمْلَةٍ مِنها أُصُولًا وفُرُوعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ولَمّا «قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، قالَ: ألَيْسُوا يُحِلُّونَ لَهم ويُحَرِّمُونَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهم لَهُمْ“»، كَما هو مُبَيَّنٌ في السِّيرَةِ في وِفادَةِ عَدِيٍّ؛ وكَما فَعَلُوا في إبْدالِ الرَّجْمِ في الزِّنا بِالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ؛ وفي اتِّباعِ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ مَعَ أنَّ فِيهِ إبْطالٌ كَثِيرٌ مِن شَرْعِهِمْ؛ وفي نَبْذِ فَرِيقٍ مِنهم كِتابَ اللَّهِ؛ وفي قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وفي اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ مَعَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ -وكُلِّ ما شاكَلَهُ في كَثِيرٍ مِن فُصُولِ التَّوْراةِ- وفِيما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ تَعالى جَوابًا عَنْ طَعْنِهِمْ (p-٩٢)سابِقًا لَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ مُعَلِّمًا أنَّهُ قَدْ ألْبَسَ العَرَبَ المَحْسُودِينَ ما كانَ قَدْ زُيِّنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ دُهُورًا فابْتَذَلُوهُ ودَنَّسُوا مُحَيّاهُ ورَذَّلُوهُ وغَيَّرُوهُ وبَدَّلُوهُ إشارَةً إلى أنَّ الحَسَدَ لِكَوْنِهِ اعْتِراضًا عَلى المُنْعِمِ يَكُونُ سَبَبًا لِإلْباسِ المَحْسُودِ ثَوْبَ الحاسِدِ: ﴿ما نَنْسَخْ﴾، والنَّسْخُ قالَ الحَرالِّيُّ: نَقْلُ بادٍ مِن أثَرٍ أوْ كِتابٍ ونَحْوِهِ مِن مَحَلِّهِ بِمُعاقَبٍ يُذْهِبُهُ، أوْ بِاقْتِباسٍ يُغْنِي عَنْ غَيْبَتِهِ وهو وارِدُ الظُّهُورِ في المَعْنَيَيْنِ في مَوارِدِ الخِطابِ؛ والمُعاقَبَةُ في هَذا أظْهَرُ، انْتَهى. وساقَها بِغَيْرِ عَطْفٍ لِشِدَّةِ التِباسِها بِما قَبْلَها لِاخْتِصاصِنا لِأجْلِ التَّمْشِيَةِ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ نَسْخَ جَمِيعِ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ بِكِتابِنا فَلِما فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالِانْفِرادِ بِالذِّكْرِ وعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ والتَّخْفِيفِ لِلْأحْمالِ الَّتِي كانَتْ، وإنْ كانَ المُرادُ نَسْخَ ما شُرِعَ لَنا فَلِلنَّظَرِ في المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِحَسَبِ ما حَدَثَ (p-٩٣)مِنَ الأسْبابِ،
﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: فَنَرْفَعُ حُكْمَها، أوْ تِلاوَتَها بَعْدَ إنْزالِها، أوْ نَأْمُرُ بِذَلِكَ عَلى أنَّها مِنَ النَّسْخِ [عَلى ] قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، سَواءٌ كانَتْ في شَرْعِ مَن قَبْلُ كاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ لَمْ تَكُنْ؛ وفي صِيغَةِ نَفْعَلُ إشْعارٌ بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ رُبَّما نُسِخَ عَنْهم ما لَمْ يُعَوَّضُوا بِهِ مَثَلًا ولا خَيْرًا، فَفي طَيِّهِ تَرْغِيبٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا في كِتابِهِمُ الخاصِّ بِهِمْ وأنْ يَكُونَ لَهم عِنْدَ النَّسْخِ حُسْنُ قَبُولٍ فَرَحًا بِجَدِيدٍ أوِ اغْتِباطًا بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ، لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ تَناسُخِ الآياتِ مُقابِلَ حالِ الآبِينَ مِن قَبُولِهِ المُسْتَمْسِكِينَ بِالسّابِقِ المُتَقاصِرِينَ عَنْ خَيْرٍ لاحِقٍ وجَدَتْهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. ”أوْ ننسأها“ أيْ: نُؤَخِّرُها، أيْ: نَتْرُكُ إنْزالَها عَلَيْكم أصْلًا، وكَذا مَعْنى ﴿أوْ نُنْسِها﴾ مِن أنْسى في قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، أيْ: نَأْمُرُ بِتَرْكِ إنْزالِها (p-٩٤)﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ كَما فَعَلْنا في: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وغَيْرِها، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ فَنَزِيلُ حُكْمَها أوْ لَفْظَها عاجِلًا كَما فَعَلْنا في ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ”أوْ ننسأها“ بِأنْ نُؤَخِّرَ نَسْخَها أوْ نَتْرُكُهُ عَلى قِراءَةِ ”نَنْسَها“ زَمَنًا ثُمَّ نَنْسَخُها كالقِبْلَةِ ﴿نَأْتِ﴾ عِنْدَ نَسْخِها ﴿بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والنَّسْءُ: تَأْخِيرٌ عَنْ وقْتٍ إلى وقْتٍ، فَفِيهِ مَدارٌ بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ بِخِلافِ النَّسْخِ، لِأنَّ النَّسْخَ مُعَقِّبٌ لِلسّابِقِ والنُّسْءَ مُداوِلٌ لِلْمُؤَخَّرِ، وهو نَمَطٌ مِنَ الخِطابِ عَلِيٌّ خَفِيُّ المَنحى، لَمْ يَكَدْ يَتَّضِحُ مَعْناهُ لِأكْثَرِ العُلَماءِ إلّا لِلْأئِمَّةِ مِن آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِخَفاءِ الفُرْقانِ بَيْنَ ما شَأْنُهُ المُعاقَبَةُ وما شَأْنُهُ المُداوَلَةُ، ومِن أمْثالِهِ ما وقَعَ في النَّسْءِ مِن نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الأضاحِيِّ فَتَقَبَّلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا نَسْخًا، وإنَّما كانَ إنْساءً وتَأْخِيرًا لِحُكْمِ (p-٩٥)الِاسْتِمْتاعِ بِها بَعْدَ ثَلاثٍ إلى وقْتِ زَوالِ الدّافَّةِ الَّتِي كانَتْ دَفَّتْ عَلَيْهِمْ مِنَ البَوادِي، فَلَمْ يُلَقَّنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى فَسَّرَهُ فَقالَ: «إنَّما نَهَيْتُكم مِن أجْلِ الدّافَّةِ»، فَفي مُتَّسَعِ فِقْهِهِ أنَّ أحْكامًا تُؤَخَّرُ فَتُشابِهُ النَّسْخَ مِن وجْهٍ ثُمَّ تُعادُ فَتُخالِفُهُ مِن هَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ إنَّ حِكْمَةَ المَنسُوخِ مُنْقَطِعَةٌ وحِكْمَةَ المُنْسَأِ مُتَراجِعَةٌ، ومِنهُ المُقاتَلَةُ لِلْعَدُوِّ عِنْدَ وِجْدانِ المِنَّةِ والقُوَّةِ والمُهادَنَةُ عِنْدَ الضَّعْفِ عَنِ المُقاوَمَةِ هو مِن أحْكامِ المُنْسَأِ، وكُلُّ ما شَأْنُهُ أنْ يَمْتَنِعَ في وقْتٍ لِمَعْنًى ما ثُمَّ يَعُودُ في وقْتٍ لِزَوالِ ذَلِكَ المَعْنى فَهو مِنَ المُنْسَأِ الَّذِي أهْمَلَ عِلْمَهُ أكْثَرُ النّاظِرِينَ ورُبَّما أضافُوا أكْثَرَهُ إلى نَمَطِ النَّسْخِ لِخَفاءِ الفُرْقانِ بَيْنَهُما؛ فَبِحَقٍّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جَوامِعِ آيِ الفُرْقانِ، فَهَذا حُكْمُ النَّسْءِ والإنْساءِ وهو في العِلْمِ بِمَنزِلَةِ تَعاقُبِ الفُصُولِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ المُتَعاقِبَةِ في وجْهِ المُتَداوَلَةِ في الجُمْلَةِ.
قُلْتُ: وحاصِلُهُ تَأْخِيرُ الحِلِّ كَما ذَكَرَ أوِ الحُرْمَةِ كَما في المُتْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ إلى وقْتٍ آخَرَ، وذَلِكَ هو مَدْلُولُ النَّسْءِ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَتَعارَفُهُ كَما سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ في سُورَةِ بَراءَةٍ عِنْدَ ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قالَ: وأمّا النِّسْيانُ والتَّنْسِيَةُ فَمَعْناهُ أخْفى مِنَ النَّسِيءِ وهو ما يُظْهِرُهُ اللَّهُ (p-٩٦)مِنَ البَياناتِ عَلى سَبِيلِ إدْخالِ النِّسْيانِ عَلى مَن لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُنْسَأ كالسُّنَنِ الَّتِي أبْداها النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَنْسِيَتِهِ كَما ورَدَ مِن قَوْلِهِ: «إنِّي لَأُنَسّى لِأسُنَّ» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إفْصاحِ القَوْلِ فِيهِ: «بِئْسَما لِأحَدِكم أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ، بَلْ هو نُسِّيَ»، ومِنهُ قِيامُهُ مِنَ اثْنَتَيْنِ وسَلامُهُ مِنَ اثْنَتَيْنِ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ سُنَّةَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، وكانَتْ تِلْكَ الصَّلاةُ بِسَهْوِها لَيْسَتْ بِدُونِها مِن غَيْرِ سَهْوٍ بَلْ هي مِثْلُها أوْ خَيْرٌ؛ ومِن نَحْوِهِ مَنامُهُ عَنِ الصَّلاةِ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ تَوْقِيتَ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ كَما كانَ قَدْ أظْهَرَها (p-٩٧)بِالوَقْتِ الزَّمانِيِّ، فَصارَ لَها وقْتانِ: وقْتُ نُورٍ عَيانِيٌّ مِن مَدارِها مَعَ الشَّمْسِ، ووَقْتُ نُورٍ وِجْدانِيٌّ مِن مَدارِها مَعَ الذِّكْرِ، ولِصِحَّةِ وُقُوعِها لِلْوَقْتَيْنِ كانَتِ المُوَقَّتَةُ بِالذِّكْرِ أداءً بِحَسَبِهِ، قَضاءً بِحَسَبِ فَوْتِ الوَقْتِ الزَّمانِيِّ؛ فَلِلَّهِ تَعالى عَلى [هَذِهِ ] الأُمَّةِ فَضْلٌ عَظِيمٌ فِيما يُكْمِلُ لَها عَلى طَرِيقِ النَّسْخِ وعَلى سَبِيلِ النَّسْءِ وعَلى جِهَةِ النِّسْيانِ الَّذِي لَيْسَ عَنْ تَراخٍ ولا إهْمالٍ وإنَّما يُوقِعُهُ إجْبارًا مَعَ إجْماعِ العَزْمِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ إنْباءٌ بِأنَّ ما وقَعَ مِنَ الأمْرِ بَعْدَ هَذا النِّسْيانِ خَيْرٌ مِن مَوْقِعِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي كانَ يَقَعُ عَلى إجْماعٍ ورِعايَةٍ لِتَسْتَوِيَ أحْوالُ هَذِهِ الأُمَّةِ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِ أنْفُسِها، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اخْتِصاصِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ العَظِيمِ، انْتَهى. واسْتَدَلَّ سُبْحانَهُ عَلى إتْيانِهِ بِذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ، والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ التّامَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعِلْمِ أيْ: ولَيْسَ هو كَغَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ إذا أمَرَ بِشَيْءٍ خافَ غائِلَةَ أتْباعِهِ ورَعاياهُ في نَقْضِهِ، واسْتَدَلَّ عَلى القُدْرَةِ بِأنَّ لَهُ جَمِيعَ المُلْكِ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ (p-٩٨)أمْرٌ؛ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا الكِتابَ وأكَّدَ أمْرَهُ مِرارًا وكانَ ناسِخًا لِفُرُوعِ شَرِيعَتِهِمْ ولا سِيَّما ما فِيها مِنَ الآصارِ والأغْلالِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ مِن أعْظَمِ ضَلالِهِمْ وغَيِّهِمْ ومِحالِهِمُ، ادِّعاؤُهم أنَّ النَّسْخَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ، فَمَنَعُوا مِن: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] مِمّا هو مَوْجُودٌ في كِتابِهِمْ كَما أمَرَ آنِفًا، ومِمّا سَوَّغُوهُ لِأنْفُسِهِمْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، ولَزِمَ مِن ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ أتاهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم، وفَعَلُوا خِلافَ حالِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِما أُنْزِلَ إلى نَبِيِّهِمْ وما أُنْزِلَ إلى غَيْرِهِ، وضَمَّنَ ذَلِكَ عَيْبَهم بِالقَدْحِ في الدِّينِ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ اليَوْمَ والنَّهْيِ عَنْهُ غَدًا، وأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما تَغَيَّرَ لِأنَّهُ عالِمٌ بِالعَواقِبِ، ولا يَخْلُو إمّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مَصْلَحَةٌ فَلا يَنْهى عَنْهُ بَعْدُ، أوْ مَفْسَدَةٌ فَلا يَأْمُرُ بِهِ اليَوْمَ، وجَوابُهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ تَعْرِيضًا بِغَباوَتِهِمْ إلى خِطابِ أعْلَمِ الخَلْقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الحائِزَ لِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ،
﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيرُ المُشارُ فِيهِ لِلتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، فَيَخْلُقُ بِقُدْرَتِهِ مِنَ الأسْبابِ ما يَصِيرُ الشَّيْءُ في وقْتٍ مَصْلَحَةً، وفي وقْتٍ آخَرَ مَفْسَدَةً لِحِكَمٍ ومَصالِحَ دَبَّرَها لِتَصَرُّمِ هَذا العالَمِ، ويَقْضِي هَذا الكَوْنَ بِشُمُولِ عِلْمِهِ بِكُلِّ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ. (p-٩٩)ولَوْ أرادَ لَجَعَلَ الأمْرَ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ والنّاسَ عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ،
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ﴿لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] ولَكِنَّهُ مالِكُ المُلْكِ ومَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَتَصَرَّفُ عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ، لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا يَسُوغُ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وهَلْ يَجُوزُ أنْ يَعْتَرِضَ العَبْدُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أصْلًا مِنَ الرِّقِّ عَلى السَّيِّدِ الثّابِتِ السُّؤْدُدِ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أصْلًا فَلا يَلْزَمُهُ الأمْرُ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما هو كالدَّلِيلِ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ الجامِعَ لِأنْواعِ العَظَمَةِ،
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَفْعَلُ في ذَواتِهِما وأحْوالِهِما ما يَشاءُ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَهو بِما هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُفَصِّلُ الآياتِ، وهو بِما لَهُ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُدَبِّرُ الأمْرَ، انْتَهى.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن إظْهارِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ وعَظَمَتِهِ بِالِاسْمِ العَلَمِ الَّذِي هو [أعْظَمُ ] مِن مَظْهَرِ [العَظَمَةِ ] في نَنْسَخُ ونَنْسَأُ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَقَّ عِلْمِهِ غَيْرُهُ فَتَهَيَّأتْ قُلُوبُ السّامِعِينَ وصَغَتْ لَفَتَ الخِطابَ إلَيْهِمْ تَرْهِيبًا في إشارَةٍ إلى تَرْغِيبٍ فَقالَ: ﴿وما لَكم (p-١٠٠)مِن دُونِ اللَّهِ﴾ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ العَظَمَةِ،
﴿مِن ولِيٍّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَكم، وهو مِنَ الوِلايَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ وهي القِيامُ بِالأمْرِ عَنْ وُصْلَةٍ واصِلَةٍ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ فَأقْبِلُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم إلَيْهِ ولا تَلْفِتُوها عَنْهُ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ لِلَّذِينِ آمَنُوا ولَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ المُؤْمِنِينَ مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ إذا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِما أرادَ كائِنًا ما كانَ لِئَلّا تُلَقَّنَ بَواطِنُهم عَنِ اليَهُودِ نَحْوًا مِمّا لُقِّنَتْ ظَواهِرُ ألْسِنَتِهِمْ، بِأنْ تَسْتَمْسِكَ بِسابِقِ فُرْقانِها فَتَتَثاقَلَ عَنْ قَبُولِ لاحِقِهِ ومُكَمِّلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَبَعًا لِكَثْرَةِ أهْلِ الكِتابِ في إبائِها نَسْخُ ما لَحِقَهُ التَّغْيِيرُ مِن أحْكامِ كِتابِها، أفادَهُ الحَرالِّيُّ وقالَ: وهو في الحَقِيقَةِ خِطابٌ جامِعٌ لِتَفْصِيلِ ما يَرِدُ مِنَ النَّسْخِ في تَفاصِيلِ الأحْكامِ والأحْوالِ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ المُتَقَدِّمِ في صَدْرِ السُّورَةِ المُشْتَمِلِ عَلى جامِعِ ضَرْبِ الأمْثالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما﴾ [البقرة: ٢٦] الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي فُسْطاطُ القُرْآنِ (p-١٠١)الجامِعَةُ لِجَمِيعِ ما تَفَصَّلَ فِيهِ؛ وهي سَنامُ القُرْآنِ، وسَنامُ الشَّيْءِ أعْلاهُ؛ وهي سَيِّدَةُ سُوَرِ القُرْآنِ؛ فَفِيها لِذَلِكَ جَوامِعُ يَنْتَظِمُ بَعْضُها بِبَعْضٍ أثَّرَ تَفاصِيلُهُ خِلالَها في سِنامِيَّةِ مَعانِيها وسِيادَةِ خِطابِها نَحْوًا مِنَ انْتِظامِ آيِ سُورَةِ الفاتِحَةِ المُنْتَظِمَةِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ وقَعَ أثْناءَها لِيَكُونَ بَيْنَ المُحِيطِ الجامِعِ والِابْتِداءِ الجامِعِ مُشاكَلَةً ما، انْتَهى.
البقرة 2:108
ولَمّا كانَ رَسَخَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ مَمْلَكَتِهِ وما أظْهَرَ لِذاتِهِ المُقَدَّسِ مِنَ العِظَمِ بِتَكْرِيرِ اسْمِهِ العَلَمِ وإثْباتِ أنَّ ما سِواهُ عَدَمٌ فَتَأهَّلَتِ القُلُوبُ لِلْوَعْظِ صَدَعَها بِالتَّأْدِيبِ بِالإنْكارِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿أمْ﴾ أيْ: أتُرِيدُونَ أنْ تَرُدُّوا أمْرَ خالِقِكم في النَّسْخِ أمْ ﴿تُرِيدُونَ أنْ﴾ تَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ بِأنَّ ﴿تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ أنْ يَجْعَلَ لَكم إلَهًا غَيْرَهُ ﴿كَما سُئِلَ مُوسى﴾ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ سُؤالُهم ذَلِكَ في زَمَنٍ يَسِيرٍ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا الزَّمانِ؛ إذْ قالَ قَوْمُهُ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ وقَدْ مَرُّوا بِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وقالُوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ (p-١٠٢)واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] وكانُوا يَتَعَنَّتُونَ عَلَيْهِ في أحْكامِ اللَّهِ بِأنْواعِ التَّعَنُّتاتِ كَما تَقَدَّمَ، و”الإرادَةُ“ في الخَلْقِ نُزُوعُ النَّفْسِ لِبادٍ تَسْتَقْبِلُهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما قَدَّرْتُهُ قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيَكْفُرُوا فَإنَّهُ مَن سَألَ ذَلِكَ فَقَدْ تَبَدَّلَ الكُفْرَ بِالإيمانِ،
﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ أيْ: يَأْخُذُ الكُفْرَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ بِالإعْراضِ عَنِ الآياتِ وسُؤالِ غَيْرِها أوِ التَّمَسُّكِ بِما نُسِخَ مِنهُ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ اسْتِجْلابًا لِمَن زَلَّ بِسُؤالِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلى الرُّجُوعِ بِالتَّوْبَةِ لِيَزُولَ عَنْهُ الِاسْتِمْرارُ فَيَزُولُ الضَّلالُ،
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: عَدَلَهُ ووَسَطَهُ فَلَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ وإنْ كانَ في بَيِّناتٍ مِنهُ، فَإنَّ مَن حادَ عَنِ السَّواءِ أوْشَكَ أنْ يَبْعُدَ بُعْدًا لا سَلامَةَ مَعَهُ،
﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وكَثِيرًا ما كانَ يَتَزَلْزَلُ طَوائِفُ مِنَ النّاسِ عِنْدَ تَبَدُّلِ الآياتِ وتَناسِي الأحْكامِ وبِحَسَبِ ما يَقَعُ في النَّفْسِ مِن تَثاقُلٍ عَنْهُ أوْ تَحامُلٍ عَلى قَبُولِهِ (p-١٠٣)يَلْحَقُهُ مِن هَذا الضَّلالِ عَنْ سَواءِ هَذا السَّبِيلِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الخِطابَ لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ المُعَرَّفِينَ بِالوَصْفِ لا يَتَبَدَّلُ أحْوالُهم مِن إيمانٍ لِكُفْرٍ، لِأنَّ أحَدًا لا يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بِشاشَةَ قَلْبِهِ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ [البقرة: ٢٥٦] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنْتَزِعُ العِلْمَ انْتِزاعًا بَعْدَ أنْ أعْطاكُمُوهُ»، فَبِذَلِكَ يَتَّضِحُ مَواقِعُ خِطابِ القُرْآنِ مَعَ المُتَرَتِّبِينَ في أسْنانِ القُلُوبِ بِحَسَبِ الحَظِّ مِنَ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وعَرَّفَ ”السَّبِيل“ بِأنَّهُ المُشْتَمِلُ عَلى قَوامِ السّائِرِ فِيهِ والسّالِكِ لَهُ مِن نَحْوِ الرَّعْيِ والسَّقْيِ وشِبْهِهِ، والسَّواءُ بِأنَّهُ مِنَ الشَّيْءِ أسَمْحُهُ (p-١٠٤)بِالأمْرِ الَّذِي قُصِدَ لَهُ، قالَ: ويُقالُ هو وسَطُهُ وخِيارُهُ.
البقرة 2:109
ولَمّا كانَ أكْثَرُ المُثِيرِينَ لِهَذِهِ الشُّكُوكِ في صُوَرِ أهْلِ الإسْلامِ، قالَ تَعالى مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ وهم في غِمارِهِمْ تَنْفِيرًا لَهم عَنِ الضَّلالِ الَّذِي هو في نَفْسِهِ أهْلٌ لِأنَّ يُنْفَرُ عَنْهُ فَكَيْفَ وهو شَماتَةُ العَدُوِّ وبِتَخْيِيلِهِ ووِدادَتِهِ تَحْذِيرًا لَهم مِن مُخالَطَتِهِمْ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ﴾، وهو تَعْلِيلٌ لِمَعْنى الكَلامِ وهو: فَلا تَتَبَدَّلُوا الكُفْرَ بِالإيمانِ، بَعْدَ تَعْلِيلِهِ بِالضَّلالِ؛ وذَلِكَ كَما مَضى في: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] سَواءٌ.
ولَمّا كانَ المُشْرِكُونَ عَرَبًا عالِمِينَ بِأنَّ طَبْعَ العَرَبِ الثَّباتُ لَمْ يُدْخِلْهم مَعَهم في هَذا الوِدِّ، وقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فَأنْبَأ أنَّ المُصافِيَ مِنهم قَلِيلٌ وبَشَّرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ما يَوَدُّونَهُ مِن قِسْمِ المُحالِ بِسَوْقِهِ سَوْقَ المُتَمَنِّي فَقالَ: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ أيْ: بِأجْمَعِكم؛ ثُمَّ حَقَّقَ أمْرَ التَّمَنِّي في كَوْنِهِ مُحالًا مُشِيرًا بِإثْباتِ الجارِّ إلى قَناعَتِهِمْ بِهِ ولَوْ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ إيمانِكُمْ﴾ أيِ: الرّاسِخِ،
﴿كُفّارًا﴾ أيْ: لِتَكُونُوا مِثْلَهم فَتُخَلَّدُوا مَعَهم في النّارِ،
﴿حَسَدًا﴾ عَلى ما آتاكُمُ اللَّهُ مِنَ الخَيْرِ الهادِي إلى الجَنَّةِ، والحَسَدُ: قَلَقُ النَّفْسِ مِن رُؤْيَةِ النِّعْمَةِ عَلى الغَيْرِ، وعَبَّرَ عَنْ بُلُوغِ الحَسَدِ (p-١٠٥)إلى غايَةٍ لا حِيلَةَ مَعَها في تَرْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أنَّهُ راسِخٌ في طَبائِعِهِمْ فَلا تَطْمَعُوا في صَرْفِهِ بِشَيْءٍ، فَإنَّ أنْفُسَهم غالِبَةٌ عَلى عُقُولِهِمْ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِإثْباتِ الجارِّ إلى ذَمِّهِمْ بِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى الضَّلالِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ لا يَطْلُبُونَ الحَقَّ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَعَرُّفِهِ، حَتّى هَجَمَ عَلَيْهِمْ بَيانُهُ وقَهَرَهم عِرْفانُهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ؛ وما كَفاهم ضَلالُهم في أنْفُسِهِمْ حَتّى تَمَنَّوْا إضْلالَ غَيْرِهِمْ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ،
﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: بَيانًا عَظِيمًا بِوُضُوحِهِ في نَفْسِهِ،
﴿لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: مِن صِحَّةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ المُرْسَلُ إلى النّاسِ (p-١٠٦)كافَّةً بِشَهادَةِ ما طابَقَهُ مِنَ التَّوْراةِ، ومِن أنَّهم خالِدُونَ في النّارِ، لِأنَّهم مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ إبْطالًا لِدَعْواهم في مَسِّ النّارِ لَهم أيّامًا مَعْدُودَةً.
ثُمَّ أرْشَدَ إلى الدَّواءِ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ الإخْبارِ بِأنَّ وِدَّهم مُحالٌ وبِعَدَمِ رُجُوعِهِمْ: ﴿فاعْفُوا﴾ أيْ: عامِلُوهم مُعامَلَةَ العافِي بِأنْ لا تَذْكُرُوا لَهم شَيْئًا مِمّا تُظْهِرُهُ تِلْكَ الوِدادَةُ النّاشِئَةُ عَنْ هَذا الحَسَدِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ولا تَأْخُذُوا في مُؤاخَذَتِهِمْ بِهِ، فَإنَّهم لا يَضُرُّونَكم ولا يَرْجِعُونَ إلَيْكم،
﴿واصْفَحُوا﴾ أيْ: أظْهِرُوا لَهم أنَّكم لَمْ تَطَّلِعُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ مَعْناهُ مِنَ الإعْراضِ بِصَفْحَةِ العُنُقِ عَنِ الشَّيْءِ كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ، وأمَرَهم بِمُطْلَقِ الصَّفْحِ ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِالجَمِيلِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ خِطابَ نَبِيِّهِمْ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] لِتَنَزُّلِ الخِطابِ عَلى مَراتِبِهِ ومُسْتَحَقِّ مَواقِعِهِ، وحَثَّهم عَلى أنْ يَكُونَ فِعْلُهم ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى تَفْرِيجِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿بِأمْرِهِ﴾ فَبَشَّرَهم (p-١٠٧)بِذَلِكَ بِظُهُورِهِمْ عَلى مَن أُمِرُوا بِالصَّفْحِ والعَفْوِ عَنْهم، وقَدْ كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ ويَتِمُّ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولَمّا كانَ النَّصْرُ وهم في القِلَّةِ والضَّعْفِ بِحالٍ عَظِيمٍ وقُوَّةُ عَدُوِّهِمْ وكَثْرَتُهم أعْظَمُ مُسْتَبْعَدًا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَحْقِيقًا لِلْبُشْرى بِالإيماءِ إلى اسْتِحْضارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الِاسْمُ الأعْظَمُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ،
﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَفي هَذا الخَتْمِ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَقْدِيرِهِمْ كَما أنَّ في الخَتْمِ بِالعِلْمِ بُشْرى بِتَعْلِيمِهِمْ، وفي إفْهامِهِ نِذارَةٌ لِلْكافِرِينَ بِمُقابِلِ ذَلِكَ.
البقرة 2:110
ولَمّا أمَرَهم بِالثِّقَةِ بِهَذا الكِتابِ ما نُسِخَ مِنهُ وما لَمْ يُنْسَخْ وأنْ (p-١٠٨)لا يَعُوقَهم عَنْهُ طَعْنُ الطّاعِنِينَ ولا حَسَدُ الحاسِدِينَ وأمَرَهم بِالإعْراضِ عَنِ الغَيْرِ أمَرَهم بِالإقْبالِ عَلى إصْلاحِ النَّفْسِ والإحْسانِ إلى الغَيْرِ مِمّا اتَّصَفَ بِهِ المُهْتَدُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الصَّلاةِ قَصْرَ الهِمَّةِ والنِّيَّةِ عَلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وتَفْرِيغَ البالِ مِن جَمِيعِ الشَّواغِلِ عَلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ بَعْدَ الخَتْمِ بِشُمُولِ القُدْرَةِ فاعْلَمُوا ذَلِكَ وثِقُوا بِهِ،
﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: الَّتِي هي مَعَ كَوْنِها سَنَبْتَلِيكم في قِبْلَتِها بِالنَّسْخِ قِوامَ الدِّينِ والمُعِينَةَ عَلى جَمِيعِ النَّوائِبِ بِإعانَةِ الخالِقِ الَّذِي قَصَدَ بِها الإقْبالَ عَلَيْهِ والتَّقَرُّبَ إلَيْهِ،
﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ الَّتِي هي قَرِينَةُ الصَّلاةِ، فَمَن فَرَّقَ بَيْنَهُما فَقَدْ نَسَخَ ما أثْبَتَ اللَّهُ فاسْتَحَقَّ القِتالَ لِيَرْجِعَ عَمّا ارْتَكَبَ مِنَ الضَّلالِ، وهي مِن أعْظَمِ نَفَقاتِ المُؤْمِنِينَ إحْسانًا إلى الخَلائِقِ إنْ كُنْتُمْ مُصَلِّينَ بِالحَقِيقَةِ، فَإنَّ المالَ بَعْضُ (p-١٠٩)ما صَرَفَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ مِن أعْراضِ الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وما بَعْدَهُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ تَحْذِيرًا مِن كَيْدِ أعْدائِهِمْ بِالنَّهْيِ عَمّا يُرْدِيهِمْ والأمْرِ بِما يُنْجِيهِمْ وخَتَمَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَذْلَكَةً لِذَلِكَ كُلِّهِ جَمِيعًا لِمَعانِيهِ وفَتَحَها بِرَأْسِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ وكانَتْ ”ال“ مُشِيرَةً إلى الواجِبِ مِن ذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ نَفْسَها بِالأمْرِ العامِّ الجامِعِ، فَقالَ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيْرِهِما فَرْضًا ونَفْلًا،
﴿تَجِدُوهُ﴾ وزادَ تَرْغِيبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، فَهو يَحْفَظُهُ بِما لَهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ويُرَبِّيهِ بِما لَهُ مِنَ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الفَضْلِ.
ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُهْمَلُ لِكَوْنِهِ صَغِيرًا وقَدْ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ خَفِيًّا حَقِيرًا قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ المُحِيطَ قُدْرَةً وعِلْمًا،
﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وأظْهَرَ الِاسْمَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ إشْعارًا بِالِاسْتِئْنافِ لِلْخَيْرِ لِيَكُونَ خَتْمًا جامِعًا؛ لِأنَّهُ لَوْ عادَ عَلى خُصُوصِ هَذا الخِطابِ لَكانَ ”إنَّهُ“، وذَلِكَ لَأنَّ تَجْدِيدَ الإظْهارِ يَقَعُ بِمَعْنى رَدِّ (p-١١٠)خَتْمِ الخِطابِ عَلى إحاطَةِ جُمْلَتِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ أضْمَرَ لَكانَ رُبَّما أفْهَمَ تَقَيُّدَ عِلْمِهِ بِحَيْثِيَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ؛ وعَلى مِثْلِ هَذا دَلَّ قَوْلُ العَلّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ الغَزِّيِّ في أوَّلِ شَرْحِهِ لِإيساغُوجِي: الغالِبُ في المُضْمَرِ إرادَةُ المَعْنى الأوَّلِ، وأمّا حَدِيثُ: إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً. فَأصْلٌ يُعْدَلُ عَنْهُ كَثِيرًا لِلْقَرائِنِ.
البقرة 2:111
ولَمّا ذَكَرَ دَعْواهم في مَسِّ النّارِ وأبْطَلَها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أحاطَتْ بِهِمْ فِيها الخَطايا إحاطَةً اقْتَضَتْ خُلُودَهم فِيها مِن جِهَةِ ضَلالِهِمْ إلى آيَةِ (p-١١١)النَّسْخِ مُرَقِّيًا الخِطابَ مِن سَيِّئَةٍ إلى أسْوَأ مِنها ثُمَّ مِن جِهَةِ إضْلالِهِمْ لِغَيْرِهِمْ مِن آيَةِ النَّسْخِ عَطَفَ عَلى تِلْكَ الدَّعْوى الإخْبارَ بِدَعْواهم في دُخُولِ الجَنَّةِ تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَتْهُ الدَّعْوى الأُولى تَلْوِيحًا وقَرَنَ بِذَلِكَ مِثْلَ ما خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها مِن أنَّ مَن فَعَلَ خَيْرًا وجَدَ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ الإسْلامُ والإحْسانُ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى حَسَدًا مِنهم عَلى المُسَبَّبِ الَّذِي هو الجَنَّةُ كَما حَسَدُوا عَلى السَّبَبِ وهو إنْزالُ ما اقْتَضى الإيمانُ المُوَصِّلُ إلى الرِّضْوانِ الَّذِي بِهِ تُسْتَباحُ الجِنانُ،
﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾: المُعَدَّةَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ،
﴿إلا مَن كانَ هُودًا﴾ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ مِنهم،
﴿أوْ نَصارى﴾ وهَذا قَوْلُ النَّصارى نَشْرًا لِما لَفَتَهُ الواوُ في ”وقالُوا“ . (p-١١٢)ولَمّا كانُوا أبْعَدَ النّاسِ عَنْ هَذِهِ الأمانِي الَّتِي تَمَنَّوْها لِأنْفُسِهِمْ لِمُنابِذَتِهِمْ لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ والَّتِي حَسَدُوا فِيها المُؤْمِنِينَ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ قالَ مُشِيرًا إلى بُعْدِهِمْ عَنْ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الدَّعْوى وطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَيْها تَعْجِيلًا لِتَوْهِيَتِها،
﴿تِلْكَ﴾ بِأداةِ البُعْدِ،
﴿أمانِيُّهُمْ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ، أيْ: أمْثالُ هَذِهِ الشَّهْوَةِ مِن وِدِّهِمْ أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهم، وأمْثالُ ذَلِكَ مِن شَهَواتِهِمْ.
ولَمّا كانَ كُلُّ مُدَّعٍ لِغَيْبٍ مُفْتَقِرًا في تَصْحِيحِ دَعْواهُ إلى دَلِيلٍ وكانَ مِثْلُ هَذا لا يَقْنَعُ فِيهِ إلّا بِقاطِعِ أمْرِ أعْلَمِ الخَلْقِ لِأنَّهُ لا يَنْهَضُ بِإخْراسِهِمْ في عِلْمِهِمْ ولَدَدِهِمْ غَيْرُهُ بِمُطالَبَتِهِمْ بِذَلِكَ ناقِضًا لِدَعْواهم؛ فَقالَ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ بِلَفْظِ البُرْهانِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو عِلْمٌ قاطِعُ الدَّلالَةِ غالِبُ القُوَّةِ بِما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ الفُعْلانِ ضَمُّ أوَّلِها وزِيادَتا آخِرِها، (p-١١٣)وهَذا كَما افْتَتَحَ تِلْكَ بِالنَّقْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٠] وفي ذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّهُ تَعالى ما غَيَّبَ شَيْئًا إلّا وأبْدى عَلَيْهِ عَلَمًا لِيَكُونَ في العالَمِ المَشْهُودِ شَفّافٌ عَنِ العالَمِ الغائِبِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. قالُوا: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ ودَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ باطِلٌ.
البقرة 2:112
ولَمّا نادى عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] أثْبَتَ لِغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ ما ادَّعَوُا الِاخْتِصاصَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أهْلَ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ﴾ أيْ: كُلِّيَّتَهُ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ ما ظَهَرَ مِنَ الإنْسانِ، فَمَن أسْلَمَهُ أسْلَمَ كُلُّهُ، كَما أنَّ ”الإيمانَ“ إذْعانُ القَلْبِ الَّذِي هو أشْرَفُ ما بَطَنَ وإذْعانُهُ إذْعانُ جَمِيعِ الأعْضاءِ؛ و”الإسْلامُ“؛ قالَ الحَرالِّيُّ: الإلْقاءُ بِما يَكُونُ مِن مِنَّةٍ في باطِنٍ أوْ ظاهِرٍ؛ و”الوَجْهُ“: مُجْتَمَعُ حَواسِّ الحَيَوانِ، وأحْسَنُ ما في المَوَتانِ، وهو ما عَدا الحَيَوانَ، ومَوْقِعُ الفِتْنَةِ مِنَ الشَّيْءِ الفَتّانِ؛ وهو أوَّلُ ما يُحاوِلُ إبْداؤُهُ مِنَ الأشْياءِ لِذَلِكَ ﴿لِلَّهِ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ اللَّهُ الجامِعُ لِلْكَمالِ.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ الأجْرِ لِكُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ أنَصَّ عَلى المَقْصُودِ وأنْفى (p-١١٤)لِلتَّعَنُّتِ، أفْرَدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في جانِبِ الحَقِّ بِإذْعانِ القَلْبِ، وفي جانِبِ الخَلْقِ بِما يُرْضِي الرَّبَّ، فَصارَ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ، فَطابَقَ سِرُّهُ عَلَنَهُ، ولَمّا نَفَوُا الأجْرَ عَنْ غَيْرِهِمْ وأثْبَتَهُ سُبْحانَهُ لِلْمُتَّصِفِ بِالإسْلامِ مِنهم ومِمَّنْ سِواهم وكانَ رُبَّما قِيلَ إنَّهُ أعْطى غَيْرَهم لِكَوْنِهِ المَلِكَ المُطْلَقَ بِغَيْرِ سَبَبٍ رَبَطَ الأجْرَ بِالفاءِ دَلِيلًا عَلى أنَّ إسْلامَهم هو السَّبَبُ فَقالَ: ﴿فَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ إحْسانًا إلَيْهِ بِإثْباتِ نَفْعِهِ عَلى حَسَبِ ما رَبَّهُ بِهِ في كُلِّ شَرِيعَةٍ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ادَّعى أنَّهُ ما أفْرَدَ الضَّمِيرَ إلّا لِأنَّ المُرادَ واحِدٌ بِعَيْنِهِ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في دَعْوى أنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا اليَهُودُ أوِ النَّصارى جَمَعَ فَقالَ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن آتٍ،
﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى شَيْءٍ فاتَ دَفْعًا لِضُرِّهِمْ، وهَذا كَما أثْبَتَ سُبْحانَهُ خِلافَ دَعْواهم في مَسِّ النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ، فالتَحَمَ الكَلامُ بِذَلِكَ أشَدَّ التِحامٍ وانْتَظَمَ أيَّ انْتِظامٍ.
البقرة 2:113
ولَمّا أبْطَلَ دَعْوى اخْتِصاصِهِمْ بِالرَّحْمَةِ قَدْحًا مِنهم في غَيْرِهِمْ وأثْبَتَها لِلْمُحْسِنِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ قَدْحَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم في الآخَرِ وبَيانَ انْتِفائِها عَنْهم بِإساءَتِهِمْ بِإبْطالِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم دَعْوى الأُخْرى مَعَ ما يَشْهَدُ بِهِ (p-١١٥)كِتابُ كُلٍّ مِن بُطْلانِ قَوْلِهِ فَقالَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ﴾ أنَّثَ فِعْلَهم لِضَعْفِ قَوْلِهِمْ وجَمْعِ أمْرِهِمْ،
﴿النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: يُعْتَدُّ بِهِ لِكَوْنِهِ صَحِيحًا، ولَيْسَ مُخَفَّفَةٌ مِن وزْنِ فَرِحَ، ومَعْناها مُطْلَقُ النَّفْيِ لِمُتَقَدِّمِ إثْباتٍ أوْ مُقَدَّرِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿وقالَتِ النَّصارى﴾ كَذَلِكَ (p-١١٦)﴿لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ فَعَجِبَ مِنهم في هَذِهِ الدَّعْوى العامَّةِ لِما قَبْلَ التَّبْدِيلِ والنَّسْخِ وما بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيْ: مَعَ أنَّ في كِتابِ كُلٍّ مِنهم حَقِّيَّةَ أصْلِ دِينِ الآخَرِ.
ثُمَّ شَبَّهَ بِهِمْ في نَحْوِ هَذا القَوْلِ الجَهَلَةَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ الَّذِينَ هم عِنْدَهم ضَلالٌ، وفي ذَلِكَ غايَةُ العَيْبِ لَهم لِتَسْوِيَةِ حالِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحالِ الجَهَلَةِ في القَطْعِ في الدِّينِ بِالباطِلِ كَما سَوّى حالَهم بِهِمْ في الحِرْصِ عَلى الحَياةِ في الدُّنْيا، ومِنهم عَبَدَةُ الأصْنامِ الَّذِينَ مِنهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ أخْرَجُوا الرَّسُولَ ﷺ مِن بَلَدِهِ ومَنَعُوهُ مِن مَسْجِدِ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِهِ دُونَهم، وساقَ ذَلِكَ جَوابَ سائِلٍ كَأنَّهُ قالَ: هَذا قَوْلُ العُلَماءِ بِالكِتابِ فَما حالُ مَن لا عِلْمَ لَهُ ؟ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا القَوْلِ البَعِيدِ عَنِ القَصْدِ،
﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَمّا كانَ صُدُورُ هَذا مِن أهْلِ العِلْمِ في غايَةِ الغَرابَةِ وصُدُورُهُ مِنَ الجَهَلَةِ (p-١١٧)أغْرَبَ نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ سامِعَهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَقُولَ لِعَدِّهِ لَهُ عِدادَ ما لا يُصَدَّقُ: كَيْفَ قالَ الجَهَلَةُ ؟ فَقالَ أوْ يُقالُ: ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا لا يَكادُ يُصَدَّقُ مِن شِدَّةِ غَرابَتِهِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أحَقٌّ كانَ هَذا مِنهم حَقِيقَةً أمْ كَنّى بِهِ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما ذَكَرْنا عَنْهم حَقِيقَةً لا كِنايَةً عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهِ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ وقَعَ هَذا لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، وقَعَ أعْجَبُ مِنهُ وهو أنَّهُ قالَ الجَهَلَةُ: ”كَعَبَدَةِ الأصْنامِ والمُعَطِّلَةِ“،
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فَعانَدُوا وضَلَّلُوا المُؤْمِنِينَ أهْلَ العِلْمِ بِالكِتابِ الخاتَمِ الَّذِي لا كِتابَ مِثْلُهُ، وضَلَّلُوا أهْلَ كُلِّ دِينٍ.
ولَمّا وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ هَذِهِ الفِرَقِ تَسَبَّبَ عَنْهُ حُكْمُ المَلِكِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْهم سُدًى بَيْنَهم فَقالَ: ﴿فاللَّهُ﴾ المَلِكُ الأعْظَمُ،
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ والحُكْمُ قَصْرُ المُصَرِّفِ عَلى بَعْضِ ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، وعَنْ بَعْضِ ما تَشُوفُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وحَقَّقَ أمْرَ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والِاخْتِلافُ افْتِعالٌ مِنَ الخِلافِ وهو تَقابُلٌ بَيْنَ رَأْيَيْنِ (p-١١٨)فِيما يَنْبَغِي انْفِرادُ الرَّأْيِ: فِيهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
البقرة 2:114
ولَمّا اشْتَرَكَتْ جَمِيعُ هَذِهِ الفِرَقِ في الظُّلْمِ وزادَ الجَهَلَةُ مَنَعَ حِزْبَ اللَّهِ مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ فازْدادُوا بِذَلِكَ ظُلْمًا آخَرَ، وكانَ مَن مَنَعَ مَسْجِدًا واحِدًا لِكَوْنِهِ مَسْجِدًا مانِعًا لِجَمِيعِ المَساجِدِ قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ أيْ: مِنهم، وإنَّما أبْدَلَ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي هي جِنانُ الدُّنْيا لِكَوْنِها أسْبابَ الجَنَّةِ الَّتِي قَصَرُوها عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ذَلِكَ تَفْخِيمًا لَهُ تَذْكِرَةً مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قَوْلَهُ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ وعَطَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ أيْ: بِتَعْطِيلِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِبُعْدِ وُجُوهِ ظُلْمِهِمْ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ، والمَنعُ الكَفُّ عَمّا يَتَرامى إلَيْهِ، والمَسْجِدُ مَفْعِلٌ لِمَوْضِعِ السُّجُودِ وهو (p-١١٩)أخْفَضُ مَحَطِّ القائِمِ، والسَّعْيُ: الإسْراعُ في الأمْرِ حِسًّا أوْ مَعْنًى، والخَرابُ: ذَهابُ العِمارَةِ، والعِمارَةُ: إحْياءُ المَكانِ وإشْغالُهُ بِما وُضِعَ لَهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما رَتَّبَهُ عَلى فِعْلِهِمْ مِنَ الخَوْفِ في المَسْجِدِ الَّذِي أخافُوا فِيهِ أوْلِياءَهُ وفي جَمِيعِ جِنْسِهِ والخِزْيِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ضِدَّ ما رَتَّبَهُ لِمَن أحْسَنَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ،
﴿ما كانَ لَهُمْ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما انْبَغى،
﴿أنْ يَدْخُلُوها﴾ أيِ: المَساجِدَ المَوْصُوفَةَ،
﴿إلا خائِفِينَ﴾ وما كانَ أمْنُهم فِيها إلّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُساعِدِ عَلى ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الظُّلْمِ والتَّمالُؤِ عَلى الباطِلِ وسَنُزِيلُ ذَلِكَ، ثُمَّ عَمَّمَ الحُكْمَ بِما يَنْدَرِجُ فِيهِ هَذا الخَوْفُ فَقالَ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ، ثُمَّ زادَهُ بِأنَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هم لَها مُنْكِرُونَ بِالِاعْتِقادِ أوِ الأفْعالِ،
﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَدَلَّ بِوَصْفِ العَذابِ عَلى وصْفِ الخِزْيِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بِالتَّنْوِينِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إنْباءٌ بِإحْباطِ ما يَصْرِفُ عَنْهم وجْهًا مِن وُجُوهِ العَذابِ، فَنالَهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ما نالَ الكافِرِينَ حَتّى كانَ ما كانَ لَهم مِن مِلَّةٍ وكِتابٍ لَمْ يَكُنْ، وذَلِكَ أسْوَأُ الخَسارِ؛ قالَ: ومِنَ المَوْعُودِ أنَّ مِن أعْلامِ قِيامِ السّاعَةِ تَضْيِيعَ (p-١٢٠)المَساجِدِ لِذَلِكَ كُلُّ أُمَّةٍ وكُلُّ طائِفَةٍ وكُلُّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ تَطَرَّقَ بِجُرْمٍ في مَسْجِدٍ يَكُونُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِخِلائِهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعاقِبُهُ بِرَوْعَةٍ ومَخافَةٍ تَنالُهُ في الدُّنْيا، حَتّى يَنْتَظِمَ بِذَلِكَ مَن خَرَّبَ مَدِينَةً مِن مُدُنِ الإسْلامِ أوْ كانَتْ أعْمالُهُ سَبَبَ خَرابِها، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ ما كانَ مِن أحْداثِ المُسَلَّطِينَ عَلى البَيْتِ المُقَدَّسِ بِما جَرَتْ إلَيْهِ أعْمالُ يَهُودٍ فِيهِ؛ قالَ: كَذَلِكَ أجْرى اللَّهُ سُنَّتَهُ أنَّ مَن لَمْ يُقِمْ حُرْمَةَ مَساجِدِهِ شَرَّدَهُ مِنها وأحْوَجَهُ لِدُخُولِها تَحْتَ رَقَبَةٍ وذِمَّةٍ مِن أعْدائِهِ، كَما قَدْ شَهِدَتْ مُشاهَدَةُ بَصائِرِ أهْلِ التَّبْصِرَةِ، وخُصُوصًا في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ المُتَناوَبِ فِيها دُوَلُ الغَلَبِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ (p-١٢١)وأهْلِ الكِتابِ،
﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] فَكُلُّ طائِفَةٍ في بِضْعِها إذا ساءَ عَمَلُها في مَسْجِدِها شُرِّدَتْ مِنهُ ودَخَلَتْهُ في بِضْعِ الأُخْرى خائِفَةً كَذَلِكَ حَتّى تَكُونَ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ حِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، قالَ: وفي إشْعارِهِ تَحْذِيرٌ مِن غَلْقِ المَساجِدِ وإيصادِها وحَجْرِها عَلى القاصِدِينَ لِلتَّحَنُّثِ فِيها والخَلْوَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ رَفْعُ المَساجِدِ مَنعُها بَلْ رَفْعُها أنْ لا يُذْكَرَ فِيها غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا بَنى الرَّحْبَةَ: مَن أرادَ أنَّ يَلْغَطَ أوْ يَتَحَدَّثَ أوْ يَنْشُدَ شِعْرًا فَلْيَخْرُجْ إلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ، وقالَ ﷺ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم وسَلَّ سُيُوفِكم وبَيْعَكم وشِراءَكم، وابْنُوا عَلى أبْوابِها المَطاهِرَ»، فَفي حِلِّ ذَلِكَ إنْباءٌ بِأنَّ مَن عَمِلَ في مَساجِدِ اللَّهِ بِغَيْرِ ما وُضِعَتْ لَهُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ كانَ ساعِيًا في خَرابِها ونالَهُ الخَوْفُ في مَحَلِّ الأمْنِ، انْتَهى.
البقرة 2:115
(p-١٢٢)ولَمّا أفْهَمَتِ الآيَةُ أنَّهُ حَصَلَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ مَنعٌ مِن عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ بِذِكْرِهِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ مَنَّ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْ جَعَلَ الأرْضَ كُلَّها لَها مَسْجِدًا سَلّى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم أيْنَما صَلَّوْا بِقَصْدِ عِبادَتِهِ لَقِيَهم ثَوابُهُ، لِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ جِهَةً دُونَ جِهَةٍ، لِأنَّ مِلْكَهُ لِلْكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأقِيمُوا الصَّلاةَ الَّتِي هي أعْظَمُ ذِكْرِ اللَّهِ حَيْثُما كُنْتُمْ فَإنَّهُ لِلَّهِ، كَما أنَّ المَسْجِدَ الَّذِي مَنَعْتُمُوهُ لِلَّهِ؛ وعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ،
﴿المَشْرِقُ﴾ أيْ: مَوْضِعُ الشُّرُوقِ وهو مَطْلَعُ الأنْوارِ،
﴿والمَغْرِبُ﴾ وهو مَوْضِعُ أُفُولِها، فَأنْبَأ تَعالى -كَما قالَ الحَرالِّيُّ- بِإضافَةِ جَوامِعِ الآفاقِ إلَيْهِ إعْلامًا بِأنَّ الوُجْهَةَ لِوَجْهِهِ لا لِلْجِهَةِ، مِن حَيْثُ إنَّ الجِهَةَ لَهُ، انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذانِ الأُفْقانِ مَدارًا لِلْكَواكِبِ مِنَ الشَّمْسِ وغَيْرِها عَبَّرَ بِهِما عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، لِتَحَوُّلِ الأفْلاكِ حالَ الدَّوَرانُ (p-١٢٣)إلى كُلٍّ مِنهُما؛ فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْ ذِكْرِهِما قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾: أيْ: فَأيُّ مَكانٍ أوْقَعْتُمْ فِيهِ التَّوْلِيَةَ لِلصَّلاةِ إلى القِبْلَةِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِالتَّوْلِيَةِ إلَيْها مِن بَيْتِ المَقْدِسِ أوِ الكَعْبَةِ أوْ غَيْرِهِما في النّافِلَةِ،
﴿فَثَمَّ﴾ أيْ: فَذَلِكَ المَوْضِعُ، لِأنَّ ”ثَمَّ“ إشارَةٌ لِظَرْفِ مَكانٍ،
﴿وجْهُ اللَّهِ﴾ أيْ: جِهَتُهُ الَّتِي وجَّهَكم إلَيْها أوْ مَكانُ اسْتِقْبالِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وما يَسْتَقْبِلُكم مِن جَلالِهِ وجَمالِهِ ويَتَوَجَّهُ إلَيْكم مِن بِرِّهِ وإفْضالِهِ، فَإنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الأماكِنِ والجِهاتِ في الإبْداعِ والقُرْبِ والبُعْدِ وغَيْرِ ذَلِكَ إلَيْهِ واحِدَةٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: وأبْهَمَ المَوْلى لِيَقَعَ تَوَلِّي القَلْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ حِينَ تَقَعُ مُحاذاةُ وجْهِ المُوَجِّهِ الظّاهِرِ لِلْجِهَةِ المُضافَةِ لِلَّهِ، انْتَهى. (p-١٢٤)ولَمّا أخْبَرَ مِن سِعَةِ فَضْلِهِ مَبْثُوثًا في واسِعِ مِلْكِهِ بِما وقَفَتِ العُقُولُ عَنْ مُنْتَهى عِلْمِهِ عَلَّلَهُ بِما صَغُرَ ذَلِكَ في جَنْبِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَذَكَرَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ،
﴿واسِعٌ﴾ أيْ: مُحِيطٌ بِما لا تُدْرِكُهُ الأوْهامُ، فَلا يَقَعُ شَيْءٌ إلّا في مِلْكِهِ؛ وأصْلُ الوُسْعِ تَباعُدُ الأطْرافِ والحُدُودِ،
﴿عَلِيمٌ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ فِعْلُ فاعِلٍ أيْنَ ما كانَ وكَيْفَ ما كانَ، فَهو يُعْطِي المُتَوَجِّهَ إلَيْهِ عَلى قَدْرِ نِيَّتِهِ بِحَسَبِ بُلُوغِ إحاطَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.
قالَ الحَرالِّيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ: والسِّعَةُ المَزِيدُ عَلى الكِفايَةِ مِن نَحْوِها إلى أنْ يَنْبَسِطَ إلى ما وراءَ امْتِدادًا [و ] رَحْمَةً وعِلْمًا،
﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ولا تَقَعُ السِّعَةُ إلّا مَعَ إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وكَمالِ الحِلْمِ وإفاضَةِ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ لِمُقْتَضى كَمالِ الرَّحْمَةِ، ولِمِسْرى النِّعْمَةِ في وُجُوهِ الكِفاياتِ ظاهِرًا وباطِنًا خُصُوصًا وعُمُومًا لَمْ يَكَدْ يَصِلُ الخَلْقُ إلى حَظٍّ مِنَ السِّعَةِ، أمّا ظاهِرًا فَلا تَقَعُ مِنهم ولا تَكادُ، إنَّكم لَنْ تَسَعُوا النّاسَ بِمَعْرُوفِكم، وأمّا باطِنًا بِخُصُوصِ حُسْنِ الخُلُقِ فَعَساهُ (p-١٢٥)يَكادُ. وقالَ في تَفْسِيرِهِ: قَدَّمَ تَعالى: ﴿المَشْرِقُ﴾ لِأنَّهُ مَوْطِنُ بُدُوِّ الأنْوارِ الَّتِي مِنها رُؤْيَةُ الأبْصارِ، وأعْقَبَهُ بِالمَغْرِبِ الَّذِي هو مَغْرِبُ الأنْوارِ الظّاهِرَةِ، [وهُوَ مَشْرِقُ الأنْوارِ الباطِنَةِ، فَيَعُودُ التَّعادُلُ إلى أنَّ مَشْرِقَ الأنْوارِ الظّاهِرَةِ ] هو مَغْرِبُ الأنْوارِ الباطِنَةِ ”الفِتْنَةُ ها هُنا مِن حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ - وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ“، ”لا يَزالُ أهْلُ المَغْرِبِ ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ“، انْتَهى. قُلْتُ: ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ لِلَّهِ بِالمَغْرِبِ بابًا»، وفي رِوايَةٍ: «بابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ -مَسِيرَةُ عَرْضِهِ سَبْعُونَ عامًا، لا يُغْلَقُ ما لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِن قِبَلِهِ-» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَغْرِبَ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ هو في الصَّحِيحِ ما عَدا المَشْرِقَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بِالفِتْنَةِ في الحَدِيثِ الآخَرِ، فالمَغْرِبُ حِينَئِذٍ المَدِينَةُ وما يُنْسَبُ إلَيْها مِن جِهَةِ المَشْرِقِ وما وراءَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ والشَّمالِ وما وراءَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الغَرْبِ إلى مُنْتَهى الأرْضِ، فَلا يُعارِضُ حِينَئِذٍ حَدِيثَ «وهم بِالشّامِ» فَإنَّها مِن جُمْلَةِ المَغْرِبِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَدُونَكَ جَمْعًا طالَ ما دارَتْ فِيهِ الرُّؤُوسُ وحارَتْ فِيهِ الأفْكارُ في المَحافِلِ والدُّرُوسِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
البقرة 2:116
(p-١٢٦)ولَمّا أفادَ ما تَقَدَّمَ وصْفُهُ تَعالى بِتَمامِ القُدْرَةِ واتِّساعِ المُلْكِ والفَضْلِ وشُمُولِ العِلْمِ كانَ مِنَ المُحالِ افْتِقارُهُ إلى شَيْءِ ولَدٍ أوْ غَيْرِهِ قَدَّمَ أهْلَ الأدْيانِ الباطِلَةِ كُلَّهم بِافْتِرائِهِمْ في الوَلَدِ اليَهُودَ في عُزَيْرٍ والنَّصارى في المَسِيحِ وعَبَدَةَ الأوْثانِ في المَلائِكَةِ فَقالَ مُعَجِّبًا مِمَّنِ اجْتَرَأ عَلى نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَةِ ما تَقَدَّمَ عاطِفًا عَلى ما سَبَقَ مِن دَعاوِيهِمْ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَدًا﴾ الصّالِحَ لِلذَّكَرِ والأُنْثى لِيَنْظِمَ بِذَلِكَ مَقالاتِ الجَمِيعِ، ولَمّا كانَ العَطْفُ عَلى مَقالاتِ أهْلِ الكِتابِ رُبَّما أوْهَمَ اخْتِصاصَ الذَّمِّ بِهِمْ حُذِفَتْ واوُ العَطْفِ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابٍ مِن كَأنَّهُ قالَ: هَلِ انْقَطَعَ حَبْلُ افْتِرائِهِمْ ؟ إشارَةً إلى ذَمِّ كُلِّ مَن قالَ بِذَلِكَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى شِدَّةِ التِباسِها بِما قَبْلَها كَما قالَ الإمامُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كِتابِ الحُجَّةَ، لِأنَّ جَمِيعَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى أهْلِ الإسْلامِ مانِعُونَ لَهم مِن إحْياءِ المَساجِدِ بِالذِّكْرِ لِشَغْلِهِمْ لَهم بِالعَداوَةِ عَنْ لُزُومِها، والحاصِلُ أنَّهُ إنْ عَطَفَ كانَ انْصِبابُ الكَلامِ إلى أهْلِ الكِتابِ وأمّا غَيْرُهم فَتَبَعٌ لَهم لِلْمُساواةِ (p-١٢٧)فِي المَقالَةِ، وإذا حُذِفَتِ الواوُ انْصَبَّ إلى الكُلِّ انْصِبابًا واحِدًا.
ونَزَّهَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ اسْتِئْنافًا بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ فَذَكَرَ عِلْمَ التَّسْبِيحِ الجامِعِ لِإحاطَةِ المَعْنى في جَوامِعِ التَّنْزِيهِ كُلِّهِ، ثُمَّ جاءَ بِكَلِمَةِ الإضْرابِ المُفْهِمَةِ الرَّدَّ بِالنَّفْيِ فَكَأنَّ الخِطابَ يُفْهِمُ: ما اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ولا لَهُ ولَدٌ،
﴿بَلْ لَهُ ما﴾ فَعَبَّرَ بِالأداةِ الَّتِي هي لِغَيْرِ العاقِلِ تَصْلُحُ لَهُ تَعْمِيمًا وتَحْقِيرًا لَهم،
﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِمّا ادَّعَتْ كُلُّ فُرْقَةٍ مِنهم فِيهِ الوَلَدِيَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ.
ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ غايَةَ الإذْعانِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ خاشِعُونَ مُتَواضِعُونَ، لِاسْتِسْلامِهِمْ لِقَضائِهِ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ عَلى دِفاعٍ، ولا تَطَلُّعٍ إلى نَوْعِ امْتِناعِ العاقِلِ، غَيْرَهُ، حَتّى كَأنَّهم يَسْعَوْنَ (p-١٢٨)فِي ذَلِكَ ويُبادِرُونَ إلَيْهِ مُبادَرَةَ اللَّبِيبِ الحازِمِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَجاءَ بِالجَمْعِ المُشْعِرِ كَما يُقالُ بِالعَقْلِ والعِلْمِ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ لا عُجْمَةَ ولا جَمادِيَّةَ بَيْنَ الكَوْنِ والمُكَوِّنِ، إنَّما يَقَعُ جَمادِيَّةً وعُجْمَةً بَيْنَ آحادٍ مِنَ المُقَصِّرِينَ في الكَوْنِ عَنِ الإدْراكِ التّامِّ؛ والقُنُوتُ ثَباتُ القائِمِ بِالأمْرِ عَلى قِيامِهِ تَحَقُّقًا بِتَمَكُّنِهِ فِيهِ. انْتَهى.
البقرة 2:117
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقُهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، وما أبْدَعَ كُلِّيَّةَ أمْرٍ كانَ أحْرى أنْ يَكُونَ ما في طَيِّهِ وإحاطَتِهِ وإقامَتِهِ مِنَ الأشْياءِ المُقامَةِ بِهِ مِن مُبْدِعِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ لَهُ شَبِيهٌ مِنهُ ؟ لِأنَّ الوَلَدَ مُسْتَخْرَجٌ شَبِيهٌ بِما اسْتُخْرِجَ مِن عَيْنِهِ، ذَكَرَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿وإذا قَضى﴾ أيْ: أرادَ ﴿أمْرًا﴾ مِنهُما أوْ مِن غَيْرِهِما، والقَضاءُ: إنْفاذُ المُقَدَّرِ. والمُقَدَّرُ: ما حُدَّ مِن مُطْلَقِ المَعْلُومِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ مِنَ الكَوْنِ وهو كَمالُ البادِي (p-١٢٩)فِي ظاهِرِهِ وباطِنِهِ ﴿فَيَكُونُ﴾ فَهو مُنَزَّهٌ عَنْ حاجَةِ التَّوالُدِ وكُلِّ حاجَةٍ، وسِرُّ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ يُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وصِيغَتُهُ تَمادِي الكائِنِ في أطْوارٍ وأوْقاتٍ وأسْنانٍ يَمْتَدُّ تَوالِيها في المُكَوَّنِ إلى غايَةِ الكَمالِ. انْتَهى. قالُوا: ورَفْعُ ”يَكُونُ“ لِلِاسْتِئْنافِ أيْ: فَهو يَكُونُ، أوِ العَطْفِ عَلى ”يَقُولُ“ إيذانًا بِسُرْعَةِ التَّكْوِينِ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ، ومَن قالَ بِالأوَّلِ مَنَعَ العَطْفَ عَلى ”يَقُولُ“ لِاقْتِضاءِ الفاءِ أنَّ القَوْلَ مَعَ التَّكْوِينِ فَيَلْزَمُ قِدَمُ التَّكْوِينِ، وقالَ الإمامُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كِتابِ الحُجَّةِ: إنَّ ذَلِكَ لا يَطَّرِدُ في مِثْلِ ثانِي حَرْفَيْ آلِ عِمْرانَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ تَخالُفُ الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ بِالمُضِيِّ وغَيْرِهِ، وأوَّلُ قَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي. . . فَمَضَيْتُ ثَمَّ أقُولُ لا يَعْنِينِي
بِأنَّ مَعْناهُ: مَرَرْتُ ماضِيًا، وطَعَنَ فِيهِ أبُو شامَةَ بِأنْ يَكُونَ في الآيَةِ ماضٍ مِثْلُهُ وقَدْ صَرَّحَ أبُو عَلِيٍّ والحَقُّ مَعَهُ بِأنَّهُ عَلى بابِهِ يَعْنِي؛ وفائِدَةُ التَّعْبِيرِ (p-١٣٠)بِهِ مُضارِعًا، تَصْوِيرُ الحالِ والإرْشادُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: كُنْ فَكانَ، لِأنَّهُ مَتى قَضى شَيْئًا قالَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ، وجَعَلَ الأحْسَنَ عَطْفَهُ عَلى ”كُنْ“ لِأنَّهُ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الأمْرِ فَمَعْناهُ الخَبَرُ أيْ: يَكُونُ؛ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ أكْثَرُ اطِّرادًا لِانْتِظامِهِ لِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهَذا المَوْضِعُ مَجْمَعٌ عَلى رَفْعِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى في الأنْعامِ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣] وإنَّما الخِلافُ في سِتَّةِ مَواضِعَ اخْتَصَّ ابْنُ عامِرٍ مِنها بِأرْبَعَةٍ: وهي هَذا المَوْضِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] وفي مَرْيَمَ مِثْلُهُ سَواءٌ، وفي غافِرٍ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في حَرْفَيْنِ في النَّحْلِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وفي يس: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَجَعَلُوا النَّصْبَ (p-١٣١)فِي هَذَيْنِ عَطْفًا عَلى ”يَقُولُ“ وفي الأرْبَعَةِ الأُولى جَوابًا لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ اعْتِبارًا بِصُورَةِ اللَّفْظِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْنى عَلى الأمْرِ فالتَّقْدِيرُ: يَقُولُ لَهُ يَكُونُ فَيَكُونُ، أيْ: فَيُطاوِعُ، فَطاحَ قَوْلُ مَن ضَعَّفَهُ بِأنَّ المَعْنى عَلى الخَبَرِ وأنَّهُ لا يَصِحُّ النَّصْبُ إلّا إذا تَخالَفَ الأمْرُ وجَوابُهُ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ شَرْطًا لِنَفْسِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَكُنْ يَكُنْ؛ وصَرَّحَ ابْنُ مُجاهِدٍ بِوَهْمِ ابْنِ عامِرٍ وأنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ في العَرَبِيَّةِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الإمامُ أبُو شامَةَ في شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ؛ فَأمْعَنْتُ النَّظَرَ في ذَلِكَ لِوُقُوعِ القَطْعِ بِصِحَّةِ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لِتَواتُرِها نَقْلًا عَمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، فَلَمّا رَأيْتُهُ لَمْ يَنْصِبْ إلّا ما في حَيِّزِ ”إذا“ عَلِمْتُ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِها لِما فِيها مِن مَعْنى الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى في الشُّورى: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ [الشورى: ٣٥] بِنَصْبِ ”يَعْلَمَ“ في قِراءَةِ غَيْرِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ عَلى بَعْضِ التَّوْجِيهاتِ، وذَلِكَ ماشٍ عَلى نَهْجِ السَّدادِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ولا اسْتِبْعادٍ إذا تُؤَمِّلَ الكَلامُ عَلى ”إذا“ قالَ الرَّضِيُّ وهو العَلّامَةُ نَجْمُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الإسْتِراباذِيُّ في الظَّرْفِ مِن شَرْحِهِ لِقَوْلِ العَلّامَةِ أبِي عَمْرٍو عُثْمانَ بْنِ الحاجِبِ في كافِيَتِهِ: ومِنها ”إذا“ وهي لِلْمُسْتَقْبَلِ وفِيها مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ بَعْدَها الفِعْلُ، والأصْلُ في اسْتِعْمالِ ”إذا“ أنْ تَكُونَ لِزَمانٍ مِن أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُخْتَصٍّ مِن بَيْنِها بِوُقُوعِ حَدَثٍ فِيهِ مَقْطُوعٍ بِهِ، ثُمَّ قالَ: وكَلِمَةُ الشَّرْطِ ما يَطْلُبُ جُمْلَتَيْنِ يَلْزَمُ مِن وُجُودِ مَضْمُونِ أُولاهُما فَرْضًا حُصُولُ (p-١٣٢)مَضْمُونِ الثّانِيَةِ، فالمَضْمُونُ الأوَّلُ مَفْرُوضٌ مَلْزُومٌ، والثّانِي لازِمُهُ؛ ثُمَّ قالَ: و”إنْ“ مَوْضُوعَةٌ لِشَرْطٍ مَفْرُوضٍ وجُودُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ عَدَمِ قَطْعِ المُتَكَلِّمِ لا بِوُقُوعِهِ ولا بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ لِعَدَمِ القَطْعِ في الجَزاءِ لا بِالوُجُودِ ولا بِالعَدَمِ، سَواءٌ شَكَّ في وُقُوعِهِ كَما في حَقِّنا، أوْ لَمْ يَشُكَّ كانَ الواقِعَةُ في كَلامِهِ تَعالى؛ وقالَ: ولا يَكُونُ الشَّرْطُ في اسْمٍ إلّا بِتَضَمُّنِ مَعْناها؛ ثُمَّ قالَ: فَنَقُولُ: لَمّا كانَ ”إذا“ لِلْأمْرِ المَقْطُوعِ بِوُجُودِهِ في اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَكُنْ لِمَفْرُوضِ وُجُودِهِ، لِتَنافِي القَطْعِ والفَرْضِ في الظّاهِرِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنى ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ، لِأنَّ الشَّرْطَ كَما بَيَّنا هو المَفْرُوضُ وُجُودُهُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ يَنْكَشِفُ لَنا الحالُ كَثِيرًا في الأُمُورِ الَّتِي نَتَوَقَّعُها قاطِعِينَ بِوُقُوعِها عَنْ خِلافِ ما نَتَوَقَّعُهُ جَوَّزُوا تَضْمِينَ ”إذا“ مَعْنى ”إنْ“ كَما في ”مَتى“ وسائِرِ الأسْماءِ الجَوازِمِ، فَيَقُولُ القائِلُ: إذا جِئْتَنِي فَأنْتَ مُكْرَمٌ - شاكًّا في مَجِيءِ المُخاطَبِ غَيْرَ مُرَجِّحٍ وجُودَهُ عَلى عَدَمِهِ بِمَعْنى مَتى جِئْتَنِي سَواءٌ؛ ثُمَّ قالَ: ولَمّا كَثُرَ دُخُولُ مَعْنى الشَّرْطِ في ”إذا“ وخُرُوجُهُ عَنْ أصْلِهِ مِنَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ جازَ اسْتِعْمالُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنى ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ، وذَلِكَ في الأُمُورِ القَطْعِيَّةِ اسْتِعْمالِ ”إذا“ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى ”إنْ“، وذَلِكَ لِمَجِيءِ جُمْلَتَيْنِ بَعْدَهُ عَلى طُرُزِ الشَّرْطِ والجَزاءِ وإنْ لَمْ يَكُونا شَرْطًا وجَزاءً، ثُمَّ قالَ في الكَلامِ عَلى الفاءِ في نَواصِبِ الفِعْلِ، وقَدْ تُضْمَرُ ”أنْ“ بَعْدَ الفاءِ والواوِ الواقِعَتَيْنِ (p-١٣٣)بَعْدَ الشَّرْطِ قَبْلَ الجَزاءِ، نَحْوَ إنْ تَأْتِينِي فَتُكْرِمَنِي - أوْ لَوْ تُكْرِمُنِي - آتِكَ، أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، نَحْوَ إنْ تَأْتِنِي آتِكَ فَأُكْرِمَكَ - أوْ: وأكْرَمَكَ - وذَلِكَ لِمُشابِهَةِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ والجَزاءِ في الثّانِي المَنفِيَّ، إذِ الجَزاءُ مَشْرُوطٌ وجُودُهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، ووُجُودُ الشَّرْطِ مَفْرُوضٌ، فَكِلاهُما غَيْرُ مَوْصُوفَيْنِ بِالوُجُودِ حَقِيقَةً، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ [الشورى: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [الشورى: ٣٥] عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ؛ ثُمَّ قالَ: وإنَّما صَرَفُوا ما بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ مِنَ الرَّفْعِ إلى النَّصْبِ لِأنَّهم قَصَدُوا التَّنْصِيصَ عَلى كَوْنِها سَبَبِيَّةً والمُضارِعُ المُرْتَفِعُ بِلا قَرِينَةٍ مُخَلِّصَةٍ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ ظاهِرٌ في مَعْنى الحالِ، كَما تَقَدَّمَ في بابِ المُضارِعِ، فَلَوْ أبْقَوْهُ مَرْفُوعًا لَسَبَقَ إلى الذِّهْنِ أنَّ الفاءَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ حالِيَّةِ الفِعْلِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ الفاءِ، يَعْنِي فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَوْنُ قَدِيمًا كالقَوْلِ، فَصَرَفَهُ إلى النَّصْبِ مُنَبِّهٌ في الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا، إذِ المُضارِعُ المَنصُوبُ بِأنْ مُفْرَدٌ، وقَبْلَ الفاءِ المَذْكُورَةِ جُمْلَةٌ، ويَتَخَلَّصُ المُضارِعُ لِلِاسْتِقْبالِ اللّائِقِ بِالجَزائِيَّةِ كَما ذَكَرْنا في المَنصُوبِ بَعْدَ إذَنْ، فَكانَ فِيهِ شَيْئانِ: رَفْعُ جانِبِ كَوْنِ الفاءِ لِلْعَطْفِ. وتَقْوِيَةُ كَوْنِهِ لِلْجَزاءِ؛ فَيَكُونُ إذَنْ ما بَعْدَ الفاءِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ وُجُوبًا. انْتَهى. فالتَّقْدِيرُ هُنا واللَّهُ أعْلَمُ: فَكَوْنُهُ واقِعُ حَقٍّ لَيْسَ بِخَيالٍ كالسِّحْرِ والتَّمْوِيهاتِ، فَعَلى هَذا قِراءَةُ النَّصْبِ أبْلَغُ لِظُهُورِها في الصَّرْفِ عَنِ الحالِ إلى الِاسْتِقْبالِ مَعَ (p-١٣٤)ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن سُرْعَةِ الكَوْنِ وأنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ رَأيْتُ البُرْهانَ بْنَ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّفاقُسِيَّ حَكى في إعْرابِهِ ما خَرَّجْتُهُ عَنِ ابْنِ الضّائِعِ - يَعْنِي بِالضّادِ المُعْجَمَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - وهو الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ شَيْخُ أبِي حَيّانَ فَقالَ ما نَصُّهُ: زادَ ابْنُ الضّائِعِ في نَصْبِ ”فَيَكُونُ“ وجْهًا حَسَنًا وهو نَصْبُهُ في جَوابِ الشَّرْطِ وهو إذا، وكانَ مُرادُهُ التَّسْبِيبَ عَنِ الجَوابِ كَما ذَكَرْتُ، قالالسَّفاقُسِيُّ: ويَصِحُّ فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وهو نَصْبُهُ في جَوابِ الحَصْرِ بِإنَّما، لِأنَّهم أجازُوا: إنَّما هي ضَرْبَةُ أسَدٍ فَيَتَحَطَّمَ ظَهْرُهُ.
البقرة 2:118
ولَمّا تَقَرَّرَ بِما أنْبَأ مِن بَدِيعِ آياتِهِ في مُنْبَثِّ مَصْنُوعاتِهِ أنَّ عَظَمَتَهُ تَقْصُرُ عَنْها الأوْهامُ وتَنْكِصُ خاسِئَةً دُونَها نَوافِذُ الأفْهامِ عَجِبَ مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِ بِما اسْتَوى فِيهِ حالُ الجَهَلَةِ مِنَ العَرَبِ بِالعُلَماءِ مِن أهْلِ الكِتابِ تَبْكِيتًا لَهم وتَنْفِيرًا مِنهم بِأنَّهُ لا حامِلَ لَهم عَلى الرِّضى لِأنْفُسِهِمْ بِالنُّزُولِ مِن أوْجِ العِلْمِ إلى حَضِيضِ أهْلِ الجَهْلِ إلّا اتِّباعَ الهَوى فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ مِنَ العَرَبِ ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ أيْ: يُوجَدُ كَلامُهُ لَنا عَلى ما لَهُ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ (p-١٣٥)﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أيْ: عَلى حَسَبِ اقْتِراحِنا عادِّينَ ما آتاهم مِنَ الآياتِ - عَلى ما فِيها مِن آيَةِ القُرْآنِ الَّتِي لا يُوازِيها آيَةٌ أصْلًا - عَدَمًا.
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا جَدِيرًا بِأنْ لا يُصَدَّقَ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما ذَكَرْنا عَنْهم. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ وقَعَ مِثْلُ هَذا قَطُّ ؟ قِيلَ: نَعَمْ، وقَعَ ما هو أعْجَبُ مِنهُ، وهو أنَّهُ ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ بَعْضَ مَن تَقَدَّمَ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى العِلْمِ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في هَذا وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً بِاعْتِبارِ العِلْمِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ كَما تُعُنِّتَ عَلَيْهِ تُعُنِّتَ عَلى مَن قَبْلَهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ تَوَقَّعَ السّامِعُ الإخْبارَ عَنِ البَيانِ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ قالُوا ذَلِكَ جَهْلًا أوْ عِنادًا ؟ فَقِيلَ: بَلْ عِنادًا لِأنّا ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ﴾ في كُلِّ آيَةٍ في الكِتابِ المُبِينِ المَسْمُوعِ والكِتابِ الحَكِيمِ المَرْئِيِّ. ولَمّا كانَ يَقَعُ البَيانُ خاصًّا بِأهْلِ الإيقانِ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وفِيهِ بَعْثٌ (p-١٣٦)لِلشّاكِّ عَلى تَعاطِي أسْبابِ الإيقانِ، وهو صَفاءُ العِلْمِ عَنْ كَدَرٍ بِطُرُقِ الرَّيْبِ لِاجْتِماعِ شاهِدَيِ السَّمْعِ والعَيْنِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشارَةٌ لِما حَصَلَ لِلْعَرَبِ مِنَ اليَقِينِ، كَما قالَ سَيِّدُ العَرَبِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا. اسْتِظْهارًا لِما بَطَنَ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ عَلى ظاهِرِ عالَمِ المُلْكِ إكْمالًا لِلْفَهْمِ عَنْ واضِحِ هَذا البَيانِ الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ ومَنِ اصْطَفاهُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اسْتِتْباعُ ضَمِيرِ ”بَيِّنًا“؛ وفي اسْتِواءِ العالِمِ وغَيْرِهِ في الجَهْلِ بَعْدَ البَيانِ دَلِيلٌ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها في أنَّ ما أرادَ كانَ.
البقرة 2:119
ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا السِّياقُ الشَّهادَةَ بِصِحَّةِ رِسالَتِهِ ﷺ وأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَيانُ صَرَّحَ بِالأمْرَيْنِ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِكَثْرَةِ المُنْكِرِينَ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ هَذا عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأُمَمِ، (p-١٣٧)أمّا إذا أُرِيدَ هَذِهِ الأُمَّةُ فَقَطْ فَيَكُونُ المَعْنى: قَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدّالّاتِ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِأعْظَمِ بُرْهانٍ وبِالإخْبارِ عَنْ دَقائِقَ لا يَعْلَمُها إلّا حُذّاقُ أهْلِ الكِتابِ لِقَوْمٍ يَحِقُّ عَلَيْهِمُ الإيقانُ لِما وضُحَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ إرْسالًا مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الكامِلِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ في كُلِّ جُزْئِيَّةٍ يُخْبِرُ بِها.
قالَ الحَرالِّيُّ: والحَقُّ التّامُّ المُكَمَّلُ بِكَلِمَةِ ”ألْ“ هو اسْتِنْطاقُ الخَلْقِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ عَلى وجْهٍ أعْلى لِرِسالَتِهِ العَلِيَّةِ الخاصَّةِ بِهِ عَنْ عُمُومِ ما وقَعَتْ بِهِ رِسالَةُ المُرْسَلِينَ مِن دُونِ هَذا الخُصُوصِ، وذَلِكَ ”حَقٌّ“ مُنْكَرٌ، كَما تَقَدَّمَ أيْ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] لِأنَّ ما أحَقَّ غَيْبًا مِمّا أنْزَلَهُ اللَّهُ فَهو ”حَقٌّ“ حَتّى السِّحْرَ، وما أظْهَرَ غَيْبَ القَضاءِ والتَّقْدِيرِ وأعْلَنَ بِإبْداءِ حِكْمَةِ اللَّهِ عَلى ما أبْداها مِن نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ في مُتَقابِلِ ما أبْداهُ مِن خَلْقِهِ فَهو ”الحَقُّ“ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ ابْتِداءً وبِهِ خُتِمَتِ الرِّسالَةُ انْتِهاءً لِتَطابُقِ الأوَّلِ والآخَرِ كَمالًا، حالَ كَوْنِكَ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الخِطابِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ والعَرَبِ نَبَّأ رَدَّهم لِما أنْزَلَ أوَّلًا وآخِرًا ونَبَّأ ما افْتَرَوْهُ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ دَعَواهُ أعْرَضَ بِالخِطابِ عَنِ الجَمِيعِ وأقْبَلَ بِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ وتَأْكِيدًا لِما أعْلَمَهُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن أنَّ الأمْرَ مُجْرى عَلى (p-١٣٨)تَقْدِيرِهِ وقِسْمَتِهِ الخَلْقَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ ومُنافِقٍ، فَأنْبَأهُ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ مَضْمُونُ رِسالَتِهِ أنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى غَيْرِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ، وأنَّ مَضْمُونَ رِسالَتِهِ أنْ يَسْتَظْهِرَ خَبايا الأفْئِدَةِ والقُلُوبِ عَلى الألْسِنَةِ والأعْمالِ، فَيُبَشِّرَ المُهْتَدِيَ والثّابِتَ عَلى هُدًى سابِقٍ، ويُنْذِرَ الأبِيَّ والمُنْكِرَ لِما سَبَقَ إقْرارُهُ بِهِ قَبْلُ، فَعَمَّ بِذَلِكَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِنَ المُبَشِّرِينَ والمُنْذِرِينَ. انْتَهى. أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ فَبَشِّرْ وأنْذِرْ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ولَيْسَ عَلَيْكَ خَلْقُ الهِدايَةِ في قُلُوبِ أهْلِ النَّعِيمِ ﴿ولا تُسْألُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”أرْسَلْناكَ“ أوْ مِن ﴿بَشِيرًا﴾ ﴿عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ والمُرادُ بِهِمْ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الجَهَلَةِ ومَن قَبْلَهم، أيْ: عَنْ أعْمالِهِمْ لِتَذْهَبَ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] أيْ فَحالُكَ مُسْتَوٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا وإلَيْهِمْ. لِأنَّكَ إنْ بَلَّغْتَهم جَمِيعَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ إلَيْهِمْ لَمْ نُحاسِبْكَ بِأعْمالِهِمْ، وإنْ تَرَكْتَ بَعْضَ ذَلِكَ مُحاسَنَةً لَهم لَمْ يُحِبُّوكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ فَأقْبِلْ عَلى أمْرِكَ ولا تُبالِ بِهِمْ، وهو مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ ولا تَسْألُ عَلى النَّهْيِ، أيْ (p-١٣٩)احْتَقِرْهم فَإنَّهم أقَلُّ مِن أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِمْ، فَبَلِّغْهم جَمِيعَ الأمْرِ فَإنَّهم لا يُحِبُّونَكَ إلّا إذا انْسَلَخْتَ مِمّا أنْتَ عَلَيْهِ؛ وفي الحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ أصْحابَها إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] ونَفْيٌ لِما خَصَّصُوا بِهِ أنْفُسَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ١١١] الآيَةَ، والجَحْمُ قالَ الحَرالِّيُّ: انْضِمامُ الشَّيْءِ وعِظَمٌ فِيهِ، ومِن مَعْنى حُرُوفِهِ الحَجْمُ وهو التَّضامُّ وظُهُورُ المِقْدارِ إلّا أنَّ الحَجْمَ فِيما ظَهَرَ كالأجْسامِ والجَحْمُ - بِتَقْدِيمِ الجِيمِ - فِيما يَلْطُفُ كالصَّوْتِ والنّارِ.
البقرة 2:120
ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُبَشَّرَ يُسَرُّ بِالبَشِيرِ أخْبَرَ تَعالى أنَّ أهْلَ الكِتابِ في قِسْمِ المُنْذَرِينَ فَهم لا يَزالُونَ عَلَيْهِ غِضابًا فَقالَ عَطْفًا عَلى ما اقْتَضاهُ ما قَبْلَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ مِنَ الرِّضى وهو إقْرارٌ ما ظَهَرَ عَنْ (p-١٤٠)إرادَةِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أيْ: حَتّى تَكُونَ بَشِيرًا لَهم، ولَنْ تَكُونَ بَشِيرًا لَهم حَتّى تُوافِقَهم فِيما أحْدَثُوهُ مِن أهْوائِهِمْ بِأنْ تَتَّبِعَ كِتابَهم عَلى ما بَدَّلُوا فِيهِ وحَرَّفُوا وأخْفَوْا عَلى ما أفْهَمَتْهُ إضافَةُ المِلَّةِ إلَيْهِمْ لا إلى صاحِبِها المَعْصُومِ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِرَغْبَةٍ مِنكَ تامَّةٍ عَلى ما أفْهَمَتْهُ صِيغَةُ الِافْتِعالِ وتَتْرُكُ كِتابَكَ النّاسِخَ لِفُرُوعِ كِتابِهِمْ، والمِلَّةُ قالَ الحَرالِّيُّ: الأخْذُ والعَمَلُ بِما في العَقْلِ هِدايَتُهُ مِن إعْلامِ المَحْسُوساتِ. ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ اقْتَضى الحالُ سُؤالًا وهو: فَما أقُولُ ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِلَهم إعْراضًا عَنْهم ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ الَّذِي هو جَمِيعُ (p-١٤١)ما أنْزَلَ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ عَلى رُسُلِهِ مِن كِتابِي وكِتابِكم ﴿هُوَ﴾ أيْ: خاصَّةُ ﴿الهُدى﴾ أيْ: كُلُّهُ مُشِيرًا بِأداةِ التَّعْرِيفِ إلى كَمالِ مَعْناهُ، وبِالحَصْرِ إلى أنَّ غَيْرَهُ هو الهَوى؛ وأضافَهُ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ وأكَّدَهُ بِأنَّ وأعادَهُ بِلَفْظِهِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ واسْتَعْمَلَ فِيهِ ضَمِيرَ الفَصْلِ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ لَهُ، فَإنِ اتَّبَعُوهُ كُلَّهُ فَآمَنُوا بِأنَّ كِتابَهم داعٍ إلى كِتابِكَ فَبَشِّرْهم، وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فالزَمْ إنْذارَهم، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ.
ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن نَحْوِ: فَلَئِنْ زِغْتَ عَنْهُ لَتَتْرُكَنَّ الهُدى كُلَّهُ بِاتِّباعِ الهَوى، قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الدّاعِيَةَ لَهم إلى تَغْيِيرِ كِتابِهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَأظْهَرَ إفْصاحًا ما أفْهَمَتْهُ إضافَةُ المِلَّةِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَتْ وضْعًا بِالهَوى لا هِدايَةَ نُورِ عَقْلٍ كَما هي في حَقِّ الحَنِيفِيِّينَ. انْتَهى. ولَمّا كانَ الكَلامُ هُنا في أمْرِ المِلَّةِ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ لِلْعَقْلِ أسْقَطَ مَن وأتى بِالَّذِي بِخِلافِ ما يَأْتِي في القِبْلَةِ فَقالَ: (p-١٤٢)﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أشارَتْ كَلِمَةُ ”الَّذِي“ إلى مَعْنًى قَرِيبٍ مِنَ الظّاهِرِ المَحْسُوسِ كَأنَّهُ عَلَمٌ ظاهِرٌ، فَفِيهِ إنْباءٌ بِأنَّ أدْنى ما جاءَهُ مِنَ العِلْمِ مُظْهِرٌ لِإبْطالِ ما هم عَلَيْهِ في وُجُوهِ تَلْبِيسِهِمْ وأهْوائِهِمْ ﴿جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بِأنَّهم عَلى ضَلالٍ وأنَّكَ عَلى جَمِيعِ الهُدى. وخاطَبَهم بِذَلِكَ ﷺ والمُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ مَنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم بَعْدَ الإسْلامِ مِنَ المُنافِقِينَ تَمَسُّكًا بِوِلايَتِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ ولِذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا كُفُؤَ لَهُ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
البقرة 2:121
ولَمّا أفْصَحَ بِمَن يَسْتَحِقُّ النِّذارَةَ مِنهم بِتَغْيِيرِ الدِّينِ بِأهْوائِهِمْ فَأفْهَمَ (p-١٤٣)مَن يَسْتَحِقُّ البِشارَةَ تَلاهُ بِالإفْصاحِ بِالقِسْمَيْنِ: مَن يَسْتَحِقُّ البِشارَةَ مِنهم، ومَن يَسْتَحِقُّ النِّذارَةَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، مِن تَلا فُلانٌ فُلانًا إذا تَبِعَهُ، رَواهُ عَنْهُ أبُو عُبَيْدٍ.
وهِيَ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ قَرِيبًا: ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ [البقرة: ١١٣] أيْ: لا حَقَّ تِلاوَتِهِ بَلْ تِلاوَةً لَيْسَ فِيها تَدَبُّرٌ لِمَعانِيهِ ولا عَمَلٌ بِما فِيهِ؛ هَذا إذا جَعَلْناهُ حالًا، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا وقَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العَظِيمُو الرُّتْبَةِ خاصَّةً ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرًا ثانِيًا فالمَعْنى أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِالكِتابِ حَقَّ الإيمانِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ لَهُ، لا إخْفاءَ لِشَيْءٍ فِيهِ لَما انْتَفى عَنْهُمُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وهو الِانْتِفاعُ بِالكِتابِ المُؤْتى انْتَفى عَنْهم أصْلُ الإيتاءِ لِأنَّهُ تَجَرُّدٌ عَنِ الفائِدَةِ؛ والضَّمِيرُ في ”بِهِ“ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْهُدى. قالَ الحَرالِّيُّ: وحَقِّيَّةُ الأمْرِ هي وفاؤُهُ إلى غايَتِهِ، والإحاطَةُ بِهِ إلى جِماعِ حُدُودِهِ حَتّى لا يَسْقُطَ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَقْصُرَ فِيهِ غايَةٌ إشْعارًا بِاشْتِمالِ الكِتابِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (p-١٤٤)ولَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِهِ ولَمْ يُبَيِّنْ ما لَهم أتْبَعُهُ بِالكافِرِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيْ: بِالكِتابِ، ثُمَّ حَصَرَ الخُسْرَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ فَأفْهَمَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِهِ هُمُ الرّابِحُونَ؛ ومِنَ الوَصْفِ بِالخَسارِ يُعْلَمُ أنَّهم كانُوا عَلى حَقٍّ وشَيْءٍ يُمْكِنُ الرِّبْحُ فِيهِ بِتَكْمِلَةِ الإيمانِ بِكِتابِهِمْ بِالإيمانِ بِالكِتابِ الخاتَمِ فَضَيَّعُوهُ فَخَسِرُوا، فَإنَّهُ لا يَخْسَرُ إلّا مَن لَهُ أصْلُ مالٍ مُتَهِيِّئٍ لِلنَّماءِ والرِّبْحِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:122
ولَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عُوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ بِخَسارِهِمْ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ (p-١٤٥)وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ يُجْمَعُ الأُمَمَ ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ في الحَثِّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ في التَّفَصِّي عَنْ حُرْمَةِ النَّقْصِ إلى لَذَّةِ الرِّبْحِ بِدَوامِ الشُّكْرِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَلِبُعْدِهِ بِالتَّقَدُّمِ كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ أنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كَأنَّ الخِطابَ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتِمَةٍ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِدايَةَ تِلْكَ الغايَةِ فَيَتْلُوَها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ البِناءِ وفي تَفَهُّمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: ولَدَ الأنْبِياءِ الأصْفِياءِ ووالِدَ الأنْبِياءِ السُّعَداءِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أيِ: الشَّرِيفَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ ﴿الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ بِها في الدُّنْيا ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ واقْتَصَرَ هُنا عَلى نِعْمَةِ التَّفْضِيلِ ولَمْ يَذْكُرِ الوَفاءَ الَّذِي هو فَضِيلَةُ النَّفْسِ الباطِنَةِ إشارَةً إلى جُمُودِهِمْ بِاقْتِصارِهِمْ عَلى النَّظَرِ في الظّاهِرِ عَلى ﴿العالَمِينَ﴾ في تِلْكَ الأزْمانِ كُلِّها بِإتْمامِ نِعْمَةِ الدُّنْيا بِشَرْعِ الدِّينِ المُقْتَضِي لِلنِّعْمَةِ في الأُخْرى، فَإنَّكم إذا ذَكَرْتُمُ النِّعْمَةَ شَكَرْتُمُوها فَقَيَّدْتُمُوها واسْتَوْجَبْتُمْ مِنَ (p-١٤٦)اللَّهِ الزِّيادَةَ في الدُّنْيا والرِّضى في العُقْبى.
البقرة 2:123
﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ أيْ: تَقْضِي، أيْ: يُصْنَعُ فِيهِ ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الجَزاءِ.
ولَمّا خُتِمَتِ الآيَةُ الماضِيَةُ بِحَصْرِ الخَسارَةِ فِيهِمْ ناسَبَ تَقْدِيمَ نَفْيِ القَبُولِ فَقالَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ يُبْذَلُ في فِكاكِها مِن غَيْرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيها ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ وإنْ كَثُرَتْ جُمُوعُهم. قالَ الحَرالِّيُّ: أجْراها تَعالى في هَذا التَّكْرارِ عَلى حَدِّها في الأوَّلِ إلّا ما خالَفَ بَيْنَ الإيرادَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ إلى آخِرِهِ لِيَجْمَعَ النَّبَأُ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّفاعَةِ والعَدْلِ بَيْنَ مَجْمُوعِ الرَّدَّيْنِ مِنَ الأخْذِ والقَبُولِ فَيَكُونُ شَفاعَتُها لا مَقْبُولَةً ولا نافِعَةً، ويَكُونُ عَدْلُها لا مَأْخُوذًا ولا مَقْبُولًا، ذَلِكَ لِأنَّ المَعْرُوضَ لِلْقَبُولِ أوَّلُ ما يُؤْخَذُ أخْذًا بِحَسَبِهِ مِن أخْذِ سَمْعٍ أوْ عَيْنٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَيْهِ نَظَرَ تَحْقِيقٍ في المَسْمُوعِ وتَبَصُّرٍ في المَنظُورِ، فَإذا صَحَّحَهُ التَّحْقِيقُ والتَّبْصِيرُ قُبِلَ، وإذا لَمْ يُصَحِّحْهُ رُدَّ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِمَن في حالِهِ حَظُّ صِحَّةٍ ظاهِرَةٍ لا يَثْبُتُ مَعَ الخِبْرَةِ، فَأنْبَأ تَعالى بِمَضْمُونِ الآيَتَيْنِ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ أنَّ (p-١٤٧)هَؤُلاءِ لَيْسَ في حالِهِمْ حَظُّ صِحَّةٍ البَتَّةَ لا في شَفاعَةٍ ولا في عَدْلٍ فَلا يُقْبَلُ ولا يُؤْخَذُ إنْباءٌ بِغِرائِهِ عَنْ لَبْسِهِ ظاهِرُ صِحَّةٍ يَقْتَضِي أخْذُهُ بِوَجْهٍ ما، فَفِيهِ تَبْرِئَةٌ مِمَّنْ حالُهُ حالُ ما نُبِّئَ بِهِ عَنْهم عَلى ما تَقَدَّمَ مَعْناهُ في مَضْمُونِ الآيَةِ، وبِهَذِهِ الغايَةِ انْصَرَفَ الخِطابُ عَنْهم عَلى خُصُوصِ ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ الَّذِي كانَ يُوجِبُ لَهم أنْ يَتَدَيَّنُوا بِقَبُولِ ما جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم فاتَّخَذُوا لَهم بِأهْوائِهِمْ مِلَّةً افْتَعَلَتْها أهْواؤُهم، فَنَظَمَ تَعالى بِذَلِكَ ذِكْرَ صاحِبِ المِلَّةِ الَّتِي يَرْضاها وافْتَتَحَ بِابْتِداءِ أمْرِهِ في ابْتِلائِهِ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّتانِ السّابِقَةُ بِحَسَبِ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ الإبْراهِيمِيَّةِ واللّاحِقَةُ بِحَسَبِ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ، كانَ ﷺ يَقُولُ في الصَّباحِ: «أصْبَحْنا عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ وكَلِمَةِ الإخْلاصِ وعَلى دِينِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ ﷺ» فَخَصَّ المُحَمَّدِيَّةَ بِالدِّينِ والإبْراهِيمِيَّةَ بِالمِلَّةِ لِيَنْتَظِمَ ابْتِداءُ الأُبُوَّةِ الإبْراهِيمِيَّةِ بِطَوائِفِ أهْلِ الكِتابِ سابِقِهِمْ ولاحِقِهِمْ بِنَبَأِ ابْتِداءِ الأُبُوَّةِ الآدَمِيَّةِ في مُتَقَدَّمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] الآياتِ لِيَنْتَظِمَ رُؤُوسُ الخِطاباتِ بَعْضُها بِبَعْضٍ وتَفاصِيلُها بِتَفاصِيلِها، ولِيَكُونَ إظْهارُ ذَلِكَ (p-١٤٨)فِي سُورَةِ سَنامِ القُرْآنِ أصْلًا لِما في سائِرِهِ مِن ذَلِكَ، وذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّ المِلَّةَ ما يَدْعُو إلَيْهِ هُدى العَقْلِ المُبَلَّغُ عَنِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ مِن ذَواتِ الحَنِيفِيِّينَ، وأنَّ الدِّينَ الإسْلامُ، والإسْلامُ إلْقاءُ ما بِاليَدِ ظاهِرًا وباطِنًا، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَنْ بادِي غَيْبِ التَّوْحِيدِ. انْتَهى.
البقرة 2:124
ولَمّا عابَ سُبْحانَهُ أهْلَ الضَّلالِ وكانَ جُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَمِيعُ طَوائِفِ المَلَلِ تُعَظِّمُهُ ومِنهُمُ العَرَبُ وبَيْتُهُ الَّذِي بَناهُ أكْبَرُ مَفاخِرِهِمْ وأعْظَمُ مَآثِرِهِمْ ذَكَّرَ الجَمِيعَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ هَذا الدِّينِ بِاطِّلاعِ هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يُخالِطْ عالِمًا قَطُّ عَلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا خَواصُّ العُلَماءِ، وذَكَرَ البَيْتَ الَّذِي بَناهُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ عِمادَ صَلاحِهِمْ، وأمَرَ بِأنْ يَتَّخِذَ بَعْضَ ما هُناكَ مُصَلًّى تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِعَلِيِّ قَدْرِهِ؛ وفي التَّذْكِيرِ بِوَفائِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الَّذِينَ وفَّوْا بِحَقِّ التِّلاوَةِ وبَعْدَ دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ عامَّةً إلى الوَفاءِ بِالشُّكْرِ حَثٌّ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، وكَذا في ذِكْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ هَزٌّ لِجَمِيعِ مَن يُعَظِّمُهُ إلى اتِّباعِهِ في ذَلِكَ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا وصَلَ الحَقُّ تَعالى بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ الأُولى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] ذَكَرَ أمْرَ آدَمَ وافْتِتاحِ اسْتِخْلافِهِ لِيَقَعَ بِذَلِكَ جَمْعُ النّاسِ كافَّةً في طَرَفَيْنِ في اجْتِماعِهِمْ في أبٍ واحِدٍ (p-١٤٩)ولِدِينٍ واحِدٍ نَظَمَ تَعالى بِذَلِكَ وصْلَ خِطابِ أهْلِ الكِتابِ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ، لِيَقَعَ بِذَلِكَ اجْتِماعُهم أيْضًا في أبٍ واحِدٍ ومِلَّةٍ واحِدَةٍ اخْتِصاصًا بِتَبَعِيَّةِ الإمامَةِ الإبْراهِيمِيَّةِ مِن عُمُومِ تَبَعِيَّةِ الخِلافَةِ الآدَمِيَّةِ تَنْزِيلًا لِلْكِتابِ وتَرْفِيعًا لِلْخَلْقِ إلى عُلُوِّ اخْتِصاصِ الحَقِّ، فَكَما ذَكَرَ تَعالى في الِابْتِداءِ تَذْكِيرًا مَعْطُوفًا عَلى أُمُورٍ تَجاوَزَها الإفْصاحُ مِن أمْرِ آدَمَ عَطَفَ أيْضًا التَّذْكِيرَ بِابْتِداءِ أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أُمُورٍ تَجاوَزَها الإفْصاحُ هي أخَصُّ مِن مُتَجاوَزِ الأوَّلِ كَما أنَّ إفْصاحَها أخَصُّ مِن إفْصاحِها وأعْلى رُتْبَةً مِن حَيْثُ إنَّ الخَلْقَ والأمْرَ مَبْدُوءٌ مِن حَدٍّ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ يَتَكامَلُ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها مَرْمًى فَقالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ انْتَهى. والمَعْنى أنَّهُ عامَلَهُ بِالأمْرِ بِأُمُورٍ شاقَّةٍ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ المُمْتَحِنِ، وقالَ: (p-١٥٠)﴿رَبُّهُ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّ تَكْلِيفَ العِبادِ هو غايَةُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وفي ابْتِداءِ قِصَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ بَيانٌ لِأنَّ أسْنى أحْوالِ العِبادِ الإذْعانُ والتَّسْلِيمُ لِمَن قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى صِدْقِهِ والمُبادَرَةِ لِأمْرِهِ دُونَ اعْتِراضٍ ولا تَوَقُّفٍ ولا بَحْثٍ عَنْ عِلَّةٍ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَبْكِيتِ المُدَّعِينَ لِاتِّباعِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ اعْتَرَضُوا في ذَبْحِ البَقَرَةِ وارْتَكَبُوا غايَةَ التَّعَنُّتِ مَعَ ما في ذَبْحِها مِن وُجُوهِ الحِكَمِ بَعْدَ أنْ أساؤُوا الأدَبَ عَلى نَبِيِّهِمْ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ في أوَّلِ أمْرِهِمْ وأثْنائِهِ وآخِرِهِ فَأوْرَثَهم ذَلِكَ نَكالًا وبُعْدًا، فَظَهَرَ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ حالُ إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُمُ المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ؛ والظّاهِرُ عَطْفُ ”إذْ“ عَلى ”نِعْمَتِي“ في قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢] أيْ: واذْكُرُوا إذِ ابْتَلى أباكم إبْراهِيمَ فَأتَمَّ ما ابْتَلاهُ بِهِ فَما لَكم أنْتُمْ لا تَقْتَدُونَ بِهِ فَتَفْعَلُوا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فِعْلَهُ في إيفاءِ العَهْدِ والثَّباتِ عَلى الوَعْدِ لِأُجازِيَكم عَلى ذَلِكَ جَزائِي لِلْمُحْسِنِينَ، والإتْمامُ التَّوْفِيَةُ لِما لَهُ صُورَةٌ تَلْتَئِمُ مِن أجْزاءٍ وآحادٍ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما جُوزِيَ عَلى شُكْرِهِ بِالإتْمامِ قَبْلُ ؟ ﴿قالَ﴾ لَهُ رَبُّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قالَ“ بَيانًا لابْتَلى ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: كافَّةً ﴿إمامًا﴾ كَما كانَتْ خِلافَةُ أبِيهِ آدَمَ لِبَنِيهِ كافَّةً، والإمامُ ما يُتْبَعُ هِدايَةً إلى سَدادٍ، (p-١٥١)قالَهُ الحَرالِّيُّ. واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ ﴿ومِن﴾ أيْ: واجْعَلْ مِن ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ أئِمَّةً ﴿قالَ لا يَنالُ﴾ أيْ: قَدْ أجَبْتُكَ وعاهَدْتُكَ بِأنْ أُحْسِنَ إلى ذُرِّيَّتِكَ لَكِنْ لا يَنالُ ﴿عَهْدِي﴾ الَّذِي عَهِدْتُهُ إلَيْكَ بِالإمامَةِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ مِنهم، لِأنَّهم نَفَوْا أنْفُسَهم عَنْكَ في أُبُوَّةِ الدِّينِ؛ وفي ذَلِكَ أتَمُّ تَرْغِيبٍ في التَّخَلُّقِ بِوَفائِهِ لا سِيَّما لِلَّذِينِ دُعُوا قَبْلَها إلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ، وإشارَةٌ إلى أنَّهم إنْ شَكَرُوا أبْقى رِفْعَتَهم كَما أدامَ رِفْعَتَهُ، وإنْ ظَلَمُوا لَمْ تَنَلْهم دَعْوَتُهُ فَضَرَبْتُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ وما مَعَها ولا يَجْزِي أحَدٌ عَنْهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ؛ والذُّرِّيَّةُ مِمّا يَجْمَعُ مَعْنى الذَّرِّ والدَّرْءِ، والذُّرِّيُّ مُخْتَلِفٌ كَوْنُهُ عَلى وُجُوهِ اشْتِقاقِهِ، فَيَكُونُ فَعْلُولَةً كَأنَّهُ ذَرُورَةٌ ثُمَّ خُفِّفَ بِقَلْبِ الرّاءِ ياءً اسْتِثْقالًا لِلتَّضْعِيفِ ثُمَّ كُسِرَ ما قَبْلَ الياءَيْنِ تَحْقِيقًا لَهُما. لِأنَّهُ اجْتَمَعَ بَعْدَ القَلْبِ واوٌ وياءٌ سُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، أوْ تَكُونُ فِعْلِيَّةً مِنَ الذَّرِّ مَنسُوبًا، ومِنَ الذَّرِّ مُخَفَّفُ فَعُولَةٍ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً ثُمَّ الواوِ ياءً لِاجْتِماعِها مَعَها سابِقَةً إحْداهُما (p-١٥٢)بِالسُّكُونِ ثُمَّ الإدْغامُ، أوْ فَعِيلَةٌ إنْ يَكُنْ في الكَلامِ لِما فِيهِ مِن ثِقَلِ اجْتِماعِ الضَّمِّ والكَسْرِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ، وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
البقرة 2:125
ولَمّا كانَ مِن إمامَتِهِ اتِّباعُ النّاسِ لَهُ في حَجِّ البَيْتِ الَّذِي شَرَّفَهُ اللَّهُ بِبِنائِهِ قالَ إثْرَ ذَلِكَ ناعِيًا عَلى أهْلِ الكِتابِ مُخالَفَتَهُ وتَرْكَ دِينِهِ ومُوَطِّئًا لِأمْرِ القِبْلَةِ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ أيِ: الَّذِي بَناهُ إبْراهِيمُ بِأُمِّ القُرى ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بِكُلِّيّاتِهِمْ. كُلَّما تَفَرَّقُوا عَنْهُ اشْتاقُوا إلَيْهِ هم أوْ غَيْرُهم آيَةً عَلى رُجُوعِهِمْ مِنَ الدُّنْيا إلى رَبِّهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو مَفْعِلَةٌ مِنَ الثَّوْبِ وهو الرُّجُوعُ تَرامِيًا إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ. وفي صِيغَةِ المَفْعِلَةِ دَوامُ المُعاوَدَةِ مُثابَرَةً ﴿وأمْنًا﴾ لِكَوْنِهِ بَيْتَ المَلِكِ. (p-١٥٣)مِن حَرْبِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ الآخِرَةِ إلّا في حَقِّ مَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ مِنَ الكافِرِينَ فِعْلًا بِالشِّرْكِ وقُوَّةً بِالإلْحادِ، والأمْنُ بَراءَةُ عَيْبٍ مِن تَطْرُّقِ أذًى إلَيْهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَرى الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ في الحَرَمِ فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ. قالَ الأصْبِهانِيُّ: وهَذا شَيْءٌ تَوارَثُوهُ مِن زَمَنِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَرَأ عَلَيْهِ إلى أيّامِ النَّبِيِّ ﷺ، فاليَوْمَ مَن أصابَ في الحَرَمِ جَرِيرَةً أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ بِالإجْماعِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَتابَ النّاسُ عَلَيْهِ ائْتِمامًا بِبانِيهِ وآمَنُوا بِدَعْوَتِهِ فِيهِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخِذُوا﴾ وعَلى قِراءَةِ الأمْرِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَتُوبُوا إلَيْهِ أيُّها النّاسُ ائْتِمامًا بِهِ واتَّخِذُوا ﴿مِن مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ خَلِيلِنا ﴿مُصَلًّى﴾ وهو مُفَعَّلٌ لِما تُداوَمُ فِيهِ الصَّلاةُ، ومَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ حِينَ جاءَ لِزِيارَةِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَغَسَلَتِ امْرَأةُ إسْماعِيلَ رَأْسَهُ وهو مُعْتَمِدٌ بِرِجْلِهِ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ، غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ [الأيْمَنَ ] وهو مُعْتَمِدٌ عَلى الحَجَرِ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، ثُمَّ (p-١٥٤)أدارَتِ الحَجَرَ إلى الجانِبِ الأيْسَرِ وغَسَلَتْ شِقَّهُ الأيْسَرَ، فَغاصَتْ رِجْلاهُ فِيهِ؛ ولِهَذا أثَرُ قَدَمَيْهِ مُخْتَلِفٌ، أصابِعُ هَذِهِ عِنْدَ عَقِبِ هَذِهِ، وهو قَبْلَ أنْ يَبْنِيَ البَيْتَ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
﴿وعَهِدْنا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”جَعْلنا“ ﴿إلى إبْراهِيمَ﴾ الوَفِيِّ ﴿وإسْماعِيلَ﴾ ابْنِهِ الصّادِقِ الوَعْدِ، وفي ذِكْرِهِ إفْصاحٌ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] وإشارَةٌ إلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَخْتِمُ الأُمَمَ بِأُمَّتِهِ ويَكُونُ اسْتِقْبالُهُ بَيْتَهُ في أجَلِّ العِباداتِ مِن شِرْعَتِهِ وأتَمَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ أيْ: عَنْ كُلِّ رِجْسٍ حِسِّيٍّ ومَعْنَوِيٍّ، فَلا يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ شَيْءٌ لا يَلِيقُ في الشَّرْعِ؛ والبَيْتُ مَوْضِعُ المَبِيتِ المَخْصُوصُ مِنَ الدّارِ المَخْصُوصَةِ مِنَ المَنزِلِ المُخْتَصِّ مِنَ البَلَدِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿لِلطّائِفِينَ﴾ بِهِ الَّذِينَ فِعْلُهم فِعْلُ العارِفِ بِأنَّهُ لَيْسَ وراءَ اللَّهِ مَرْمى ولا مَهْرَبَ مِنهُ إلّا إلَيْهِ ﴿والعاكِفِينَ﴾ فِيهِ، والعُكُوفُ الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ ومُلازَمَتُهُ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، والطَّوافُ التَّحْلِيقُ بِالشَّيْءِ في غَيْبٍ أوْ لِمَعْنى غَيْبٍ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (p-١٥٥)قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ذِكْرِ الرُّكُوعِ تَخْصِيصٌ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ إنَّما شُرِعَ الرُّكُوعُ في دِينِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَبْكِيتٌ لِمَن أخْرَجَ المُؤْمِنِينَ ومَنَعَهم مِنَ البَيْتِ، وفي تَكْرِيرِ تَفْصِيلِ هَذِهِ الآياتِ بِإذْ تَنْبِيهٌ عَلى تَوْبِيخِهِمْ بِتَرْكِ دِينِهِ وهو الخَلِيلُ واتِّباعِ مَن لا يَعْلَمُ وهو العَدُوُّ.
البقرة 2:126
ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ البَيْتِ الشَّرِيفِ فِيما تَكَفَّلَ بِهِ سُبْحانَهُ وفِيما أمَرَ بِهِ الخَلِيلَ ووَلَدَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن تَطْهِيرِهِ ذَكَّرَ بِاهْتِمامِهِ بِأهْلِهِ ودُعائِهِ لَهم مُبَكِّتًا لِمَن عَقَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِالتَّصْرِيحِ بِكُفْرِهِمْ بِيَوْمِ الجَزاءِ الآمِرُ بِكُلِّ خَيْرٍ الزّاجِرُ عَنْ كُلِّ ضَيْرٍ فَقالَ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ﴾ فَأسْقَطَ أداةَ البُعْدِ إنْباءً بِقُرْبِهِ كَما هو حالُ أهْلِ الصَّفْوَةِ ﴿اجْعَلْ هَذا﴾ أيِ: المَوْضِعَ الَّذِي جَعَلْتَ فِيهِ بَيْتَكَ وأمَرْتَنِي بِأنْ أسْكَنْتُهُ مِن ذُرِّيَّتِي.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمَنعِ مِنَ المَسْجِدِ ولِلسَّعْيِ في خَرابِهِ وكانَ ذَلِكَ شامِلًا بِعُمُومِهِ لِلْبادِي ولِذَلِكَ قَرَّرَ أنَّهُ مَثابَةٌ لِلنّاسِ عامَّةً وأمْنٌ كانَ الأنْسَبُ تَنْكِيرَ البَلَدِ فَقالَ: ﴿بَلَدًا﴾ يَأْنَسُ مَن يَحِلُّ بِهِ ﴿آمِنًا﴾ إفْصاحًا بِما أفْهَمَهُ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ [البقرة: ١٢٥] الآيَةَ، والمَعْنى أنَّكم عَقَقْتُمْ أعْظَمَ آبائِكم في دَعْوَتَيْهِ كِلْتَيْهِما: في كَوْنِهِ بَلَدًا فَإنَّهُ إذا انْقَطَعَ النّاسُ عَنْ أهْلِهِ خَرِبَ، وفي كَوْنِهِ آمِنًا، وهَذا بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-١٥٦)ولَمّا ذَكَرَ القَرارَ والأمْنَ أتْبَعَهُ الرِّزْقَ وقالَ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ﴾ وقالَ: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِنَ الحُبُوبِ، لِما في تَعاطِيها مِنَ الذُّلِّ المُنافِي لِلْأمْنِ، لِما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى سِكَّةَ حَرْثٍ فَقالَ: ”ما دَخَلَتْ هَذِهِ بَيْتًا إلّا ذَلَّ“» وقالَ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَقْيِيدًا لِدَعْوَةِ الرِّزْقِ بِما قُيِّدَتْ بِهِ دَعْوَةُ الإمامَةِ تَأدُّبًا مَعَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿قالَ﴾ اللَّهُ تَعالى مُعَلِّمًا أنَّ شُمُولَ الرَّحْمانِيَّةِ بِأمْنِ الدُّنْيا ورِزْقِها لِجَمِيعِ عَمَرَةِ الأرْضِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ: أُنِيلُهُ أيْضًا ما ألْهَمْتُكَ مِنَ الدُّعاءِ بِالأمْنِ والرِّزْقِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ تَخْسِيسًا لَهُ بِما أفْهَمَهُ لَفْظُ المَتاعِ بِكَوْنِهِ كَما مَضى مِن أسْماءِ الجِيفَةِ الَّتِي إنَّما هي مَنالُ المُضْطَرِّ عَلى شُعُورٍ يَرْفُضُهُ عَلى قُرْبٍ مِن مُتَرَجِّي الغَناءِ عَنْها، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-١٥٧)﴿قَلِيلا﴾ لَكِنَّ فِيهِ إيماءً إلى أنَّهُ يَكُونُ أطْيَبَ حالًا في الدُّنْيا وأوْسَعَ رِزْقًا مِنَ المُؤْمِنِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بِما لِي مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ أيْ: بِما أسْتَدْرِجُهُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الحامِلَةِ لَهُ عَلى المَعاصِي الَّتِي هي أسْبابُ النِّقَمِ، وفي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الِاضْطِرارِ إلى ما لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أحَدٌ بِاخْتِيارٍ إشْعارٌ بِإجْبارِ اللَّهِ خَلْقَهُ عَلى ما يَشاءُ مِنهم مِن إظْهارِ حِكْمَتِهِ وأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ؛ والِاضْطِرارُ الإلْجاءُ إلى ما فِيهِ ضَرَرٌ بِشِدَّةٍ وقَسْرٍ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ المَتاعُ ما ذُكِرَ لَهُ في الدُّنْيا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: العَذابُ لَهُ في الآخِرَةِ، وهو مَفْعَلٌ مِمّا مِنهُ التَّصْيِيرُ وهو التَّنْقِيلُ في أطْوارٍ وأحْوالٍ يَنْتَهِي إلى غايَةٍ تَجِبُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ حالَةِ الشَّيْءِ الأُولى بِخِلافِ المَرْجِعِ.
البقرة 2:127
ولَمّا ذَكَرَ بِما مَهَّدَهُ مِن أمْرِ البَيْتِ دِينًا ودُنْيا أتْبَعَهُ بِبِنائِهِ مُشِيرًا إلى ما حَباهم بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ وما قابَلُوهُ بِهِ مِن كُفْرِها بِاخْتِيارِهِمْ لِأنْ يَكُونُوا مِن غَيْرِ الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّتِي دَعا لَها لَمّا دَعا لِلرَّسُولِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ”إذِ ابْتَلى“ تَعْدِيدًا لِوُجُوهِ النِّعَمِ عَلى العَرَبِ بِأبِيهِمُ الأعْظَمِ اسْتِعْطافًا إلى التَّوْحِيدِ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾ أيِ: اذْكُرِ الوَقْتَ الَّذِي يُباشِرُ بِالرَّفْعِ ﴿القَواعِدَ (p-١٥٨)مِنَ البَيْتِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: عَدَّدَ تَعالى وُجُوهَ عِنايَتِهِ بِسابِقَةِ العَرَبِ في هَذِهِ الآياتِ كَما عَدَّدَ وُجُوهَ نِعْمَتِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في سابِقَةِ الخِطابِ، فَكانَتْ هَذِهِ في أمْرِ إقامَةِ دِينِ اللَّهِ، وكانَتْ تِلْكَ في مُحاوَلَةِ مُدافَعَتِهِ، لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ تَفاوُتُ ما بَيْنَ الِاصْطِفاءِ والعِنايَةِ، والقاعِدَةُ ما يَقْعُدُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ أيْ: يَسْتَقِرُّ ويَثْبُتُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها سافاتُ البِناءِ، لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ - قالَهُ الأصْبِهانِيُّ.
ولَمّا أفْرَدَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الرَّفْعَ إظْهارًا لِشَرَفِهِ بِكَوْنِهِ هو السَّبَبُ الأعْظَمُ في ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ولَدَهُ فَقالَ: ﴿وإسْماعِيلُ﴾ أيْ: يَرْفَعُ القَواعِدَ أيْضًا، ووَصَلَ بِهَذا العَمَلِ الشَّرِيفِ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا﴾ مُرادًا فِيهِ القَوْلُ مَحْذُوفًا مِنهُ أداةُ البُعْدِ: أيْ: يَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أيْ: عَمِلْنا بِفَضْلِكَ ولا تَرُدَّهُ عَلَيْنا، إشْعارًا بِالِاعْتِرافِ بِالتَّقْصِيرِ لِحَقارَةِ العَبْدِ وإنِ اجْتَهَدَ في جَنْبِ عَظَمَةِ مَوْلاهُ. ولَمّا تَضَمَّنَ سُؤالُ القَبُولِ المُشْعِرُ بِخَوْفِ الرَّدِّ عِلْمَ النّاقِدِ البَصِيرِ بِالتَّقْصِيرِ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ﴾ وأكَّدَهُ (p-١٥٩)بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: فَإنْ كُنْتَ سَمِعْتَ أوْ عَلِمْتَ مِنّا حُسْنًا فَرُدَّهُ حُسْنًا، وإنْ كُنْتَ سَمِعْتَ أوْ عَلِمَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن نَحْوِ قَوْلٍ ناشِئٍ عَنِ اخْتِلاجٍ في النَّفْسِ بِما سَبَّبَهُ كَلالٌ أوْ إعْياءٌ فاغْفِرْهُ.
البقرة 2:128
ولَمّا سَألَ القَبُولَ سَألَ الزِّيادَةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا﴾ عَلى ما مَضى مِن طُرُزِ دُعاءِ المُقَرَّبِينَ بِإسْقاطِ أداةِ البُعْدِ ﴿واجْعَلْنا﴾ أيْ: أنا وابْنِي هَذا الَّذِي أعانَنِي ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا تَحَقَّقَ مَرْجُوُّ الإيمانِ في ذُرِّيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٦] طَلَبَ التَّكْمِلَةَ بِإسْلامِ الوَجْهِ والمَسْألَةِ لَهُ ولِابْنِهِ ولِمَن رُزِقَ الإيمانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ وذُرِّيَّةِ ابْنِهِ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمّا كانَ ظاهِرَ الدِّينِ كانَ سَرِيعَ الِانْثِلامِ لِأجْلِ مُضايَقَةِ أمْرِ (p-١٦٠)الدُّنْيا، وإنَّما يَتِمُّ الإسْلامُ بِسَلامَةِ الخَلْقِ مِن يَدِ العَبْدِ ولِسانِهِ والإلْقاءِ بِكُلِّ ما بِيَدِهِ لِرَبِّهِ مِمّا يُنازِعُ فِيهِ وُجُودُ النَّفْسِ ومُتَضايَقُ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ هو مَطْلَبٌ لِأهْلِ الصَّفْوَةِ في خاتِمَةِ العُمُرِ لِيَكُونَ الخُرُوجُ مِنَ الدُّنْيا عَنْ إلْقاءٍ لِلْحَقِّ وسَلامٍ لِلْخَلْقِ كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] وطَلَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا.
ولَمّا كانَ المُسْلِمُ مُضْطَرًّا إلى العِلْمِ قالَ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ وفي ذَلِكَ ظُهُورٌ لِشَرَفِ عَمَلِ الحَجِّ حَيْثُ كانَ مُتَلَقِّي عَنِ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ لِكَوْنِهِ عَلَمًا عَلى آتِي يَوْمِ الدِّينِ حَيْثُ لا واسِطَةَ هُناكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعِبادِ.
والمَنسَكُ مَفْعَلٌ مِنَ النُّسُكِ وهو ما يُفْعَلُ قُرْبَةً وتَدَيُّنًا. تُشارِكُ حُرُوفُهُ حَرْفَ السُّكُونِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ العَجْزِ فَهو أضَرُّ شَيْءٍ إلى التَّوْفِيقِ قالَ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ إنْباءً بِمَطْلَبِ التَّوْبَةِ إثْرَ الحَسَنَةِ كَما هو مَطْلَبُ العارِفِينَ بِاللَّهِ المُتَّصِلِينَ بِالحَسَناتِ رَجْعًا بِها إلى مَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ثُمَّ عَلَّلَ طَمَعَهُ في ذَلِكَ بِأنَّ عادَتَهُ تَعالى التَّطَوُّلُ والفَضْلُ فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ﴾ أيِ: الرَّجّاعُ بِعِبادِهِ إلى مَوْطِنِ النَّجاةِ مِن حَضْرَتِهِ بَعْدَ ما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم بِغَوايَتِهِ لِيَعْرِفُوا فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ ثُمَّ أتْبَعَهُ (p-١٦١)وصْفًا هو كالتَّعْلِيلِ لَهُ فَقالَ: ﴿الرَّحِيمُ﴾
البقرة 2:129
ولَمّا طَلَبَ ما هو لَهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ مِن تَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ المَناسِكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ طَلَبَ لِذُرِّيَّتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ بِواسِطَةِ مَن جَرَتِ العادَةُ بِهِ لِأمْثالِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أيِ: الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّتِي مِن ذُرِّيَّتِي وذُرِّيَّةِ ابْنِي إسْماعِيلَ ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ لِيَكُونَ أرْفَقَ بِهِمْ وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ ويَكُونُوا هم أجْدَرَ بِاتِّباعِهِ والتَّرامِي في نَصْرِهِ، وذَلِكَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِهِما بِالكِتابِ غَيْرَهُ، فَهو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أبِي العَرَبِ وأكْرَمِ ذُرِّيَّتِهِ؛ فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ ذَمٍّ لَهم بِعَداوَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُرْسَلًا لِتَطْهِيرِهِمْ بِالكِتابِ الَّذِي هو الهُدى لا رَيْبَ فِيهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو﴾ أيْ: يَقْرَأُ مُتابِعًا مُوِاصِلًا ﴿عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ أيْ: عَلاماتَكَ الدّالاتِ عَلَيْكَ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ نَزَلَ بِها الكِتابُ أوِ اسْتُنْبِطَتْ مِنهُ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ الكامِلَ الشّامِلَ لِكُلِّ كِتابٍ ”أُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ“ ﴿والحِكْمَةَ﴾ وهي كُلُّ أمْرٍ يُشَرِّعُهُ لَهم فَيَحْفَظُهم في صِراطَيْ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ المُؤَدِّي إلى الضَّلالِ المُوجِبِ لِلْهَلاكِ.
ولَمّا كانَ ظاهِرُ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ البَعْثَ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ (p-١٦٢)كانُوا إلى تَعْلِيمِ ما ذُكِرَ أحْوَجَ مِنهم إلى التَّزْكِيَةِ فَإنَّ أصْلَها مَوْجُودٌ بِالإسْلامِ فَأخَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُ قُلُوبَهم بِما أُوتِيَ مِن دَقائِقِ الحِكْمَةِ، فَتَرْتَقِي بِصَفائِها، ولُطْفِها مِن ذُرْوَةِ الدِّينِ إلى مَحَلٍّ يُؤَمِّنُ عَلَيْها فِيهِ أنْ تَرْتَدَّ عَلى أدْبارِها وتُحَرِّفَ كِتابَها كَما فَعَلَ مِن تَقَدُّمِها، والتَّزْكِيَةُ إكْسابُ الزَّكاةِ، وهي نَماءُ النَّفْسِ بِما هو لَها بِمَنزِلَةِ الغِذاءِ لِلْجِسْمِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الجُمُعَةِ بَعْثَهُ في الأُمِّيِّينَ عامَّةً اقْتَضى المَقامُ تَقْدِيمَ التَّزْكِيَةِ الَّتِي رَأْسُها البَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ الأكْبَرِ لِيَقْبَلُوا ما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، وأمّا تَقْدِيمُها في آلِ عِمْرانَ مَعَ ذِكْرِ البَعْثِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلِاقْتِضاءِ الحالِ بِالمُعاتَبَةِ عَلى الإقْبالِ عَلى الغَنائِمِ الَّذِي كانَ سَبَبَ الهَزِيمَةِ لِكَوْنِها إقْبالًا عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي أُمُّ الأدْناسِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ أيِ: الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، لِأنَّ العِزَّةَ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: الغَلَبَةُ الآتِيَةُ عَلى كُلِّيَّةِ الظّاهِرِ والباطِنِ،
﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَيَقَّنُ ما أرادَ فَلا يَتَأتّى نَقْضُهُ، ولا مُتَّصِفٌ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ غَيْرُكَ؛ وفي ذَلِكَ إظْهارٌ عَظِيمٌ لِشَرَفِ العِلْمِ وطَهارَةِ الأخْلاقِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يُنالُ إلّا بِمُجاهَداتٍ لا يُطِيقُها البَشَرُ ولا تُدْرَكُ أصْلًا إلّا بِجِدٍّ تُطَهِّرُهُ العِزَّةُ (p-١٦٣)وتَرْتِيبٍ أبْرَمَتْهُ الحِكْمَةُ؛ هَذا لِمُطْلَقِ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِما يَصْلُحُ مِنهُ لِلرِّسالَةِ ؟ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَكْبِتُ أعْداءَ الرُّسُلِ وإنْ زادَ عَدُّهم وعَظُمَ جَدُّهم. ويُحْكِمْ أُمُورَهم فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَ شَيْءٍ مِنها.
البقرة 2:130
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن يَرْغَبُ في مُخالَفَةِ مَن يُرْسِلُهُ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ المُسْتَقِيمِ الطَّرِيقَةِ، الطّاهِرِ الخَلِيقَةِ، الشَّفِيقِ عَلى ذُرِّيَّتِهِ، البانِي لَهم أعْظَمَ المَفاخِرِ، المُجْتَهِدِ لَهم في جَلِيلِ المَناقِبِ والمَآثِرِ ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيِ: امْتَهَنَها واحْتَقَرَها واسْتَخَفَّ بِها، أيْ: فَعَلَ بِها ما أدّى إلى ذَلِكَ؛ وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمُعانِدِي أهْلِ الكِتابِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والسَّفاهَةُ خِفَّةُ الرَّأْيِ: في مُقابَلَةِ ما يُرادُ مِنهُ مِنَ المَتانَةِ والقُوَّةِ، وفي نَصْبٍ النَّفْسِ إنْباءٌ بِلَحاقِ السَّفاهَةِ بِكُلِّيَّةِ ذِي النَّفْسِ، لِأنَّ مَن سَفَهَتْ نَفْسُهُ اخْتَصَّ السَّفَهُ بِها، ومَن سَفَّهَ نَفْسَهُ - بِالنَّصْبِ - اسْتَغْرَقَتِ السَّفاهَةُ ذاتَهُ وكُلِّيَّتَهُ وكانَ بَدْءُ ذَلِكَ وعادِيَتُهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، يُفْهِمُ ذَلِكَ نَصْبُها، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ النَّفْسَ مَبْدَأ كُلِّ شَرٍّ أبْداهُ في ذاتِ ذِي النَّفْسِ، فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِي الخَيْرَ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ، ولا يُحْذى الشَّرُّ إلّا بِواسِطَةِ نَفْسٍ لِيَكُونَ في ذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ؛ وإنَّما اسْتَحَقَّ السَّفاهَةَ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ لِظُهُورِ شاهِدِها في العَقْلِ وعَظِيمِ بَرَكَتِها في التَّجْرِبَةِ، لِأنَّ مَن ألْقى (p-١٦٤)بِيَدِهِ لَمْ يُؤاخَذْ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن رُتَبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا عُذْرَ لِمَن رَغِبَ عَنْ ذَلِكَ، لِظُهُورِهِ في شاهِدَيِ العَقْلِ والحِسِّ اللَّذَيْنِ هُما أظْهَرُ حُجَجِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ آتَيْناهُ مِنَ المَزايا ما قَدَّمْنا لَكم مِمّا لا يَعْدِلُ عَنْهُ ذُو مُسْكَةٍ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ فَذَكَّرَهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لَهُ، فَإنَّ العَبْدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ سَيِّدِهِ، وتَشْرِيفًا لِاصْطِفائِهِ فَإنَّ الصَّنْعَةَ تَجِلُّ بِجَلالَةِ مُبْدِعِها ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِما ذَكَرْناهُ مِن كِرِيمِ المَآثِرِ الَّتِي يَجْمَعُها إسْلامُهُ؛ وهو افْتِعالٌ مِنَ الصَّفْوَةِ وهي ما خَلَصَ مِنَ اللَّطِيفِ عَنْ كَثِيفِهِ ومُكَدَّرِهِ، وفي صِيغَةِ الِافْتِعالِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّعَمُّدِ والقَصْدِ ما يَزِيدُ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفي هَذا أكْبَرُ تَفْخِيمٍ لِرُتْبَةِ الصَّلاحِ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ (p-١٦٥)المُتَّصِفِينَ بِها، فَهو حَقِيقٌ بِالإمامَةِ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ في الدّارَيْنِ، فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَرْغِيبٍ في اتِّباعِ دِينِهِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ، وأشَدُّ ذَمٍّ لِمَن خالَفَهُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِأمْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وما هو سَبَبٌ لَهُ، وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ أكْثَرَ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى ”اذْكُرُوا“ قَوْلَهُ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢]
البقرة 2:131
ولَمّا ذَكَرَ إمامَتَهُ ذَكَرَ ما يُؤْتَمُّ بِهِ فِيهِ وهو سَبَبُ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ وذَلِكَ دِينُهُ، وما أوْصى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِيهِ، وما أوْصى بِهِ بَنُوهُ بَنِيهِمْ سَلَفًا لِخَلَفٍ ولا سِيَّما يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُنَوَّهَ بِنِسْبَةِ أهْلِ الكِتابِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيِ: اصْطَفَيْناهُ بِعَظَمَتِنا لِأنَّهُ قالَ لَهُ رَبُّهُ ﴿أسْلِمْ﴾ أيْ: لِإحْسانِ رَبِّكَ إلَيْكَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصِحُّ إسْلامُهُ إلى المُسْلَمِ إلَيْهِ وقَصَرَهُ عَلَيْهِ وتَخَلّى المُسْلِمُ عَنْهُ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيَّ وإلى جَمِيعِ الخَلائِقِ.
البقرة 2:132
﴿ووَصّى بِها﴾ أيْ: بِهَذِهِ المَقالَةِ أوِ الوَصِيَّةِ أوِ الخَصْلَةِ الَّتِي اصْطَفاهُ اللَّهُ بِها، ولَعَلَّهُ لَمْ يُذَكِّرِ الضَّمِيرَ لِئَلّا يُوهِمَ (p-١٦٦)الرُّجُوعَ إلى رَبِّهِ؛ وقُرِئَ ”وأوْصى“ فَهو مِن إيصاءَ والوَصِيَّةِ وهي التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ النّافِعِ المَحْمُودِ عاقِبَتُهُ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ أبْلَغُ لِدَلالَتِها عَلى التَّكَرُّرِ والتَّكَثُّرِ ﴿إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ وصّى بِها أيْضًا بَنِيهِ فَقالَ كُلٌّ مِنهم: ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ﴾ بِعَظْمَتِهِ وكَمالِهِ ﴿اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ وهو الإسْلامُ، فَأغْناكم عَنْ تَطَلُّبِهِ وإجالَةِ الفِكْرِ فِيهِ رَحْمَةً مِنهُ لَكم ﴿فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكم: لا ﴿تَمُوتُنَّ﴾ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ ﴿إلا وأنْتُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُلْقُونَ بِأيْدِيكم وجَمِيعِ ما يُنْسَبُ إلَيْكم لِلَّهِ لا حَظَّ لَكم في شَيْءٍ أصْلًا ولا التِفاتَ إلى غَيْرِ مَوْلاكم، فَإنَّ مَن كَمُلَ افْتِقارُهُ إلى الغَنِيِّ الحَكِيمِ أغْناهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقَرَّرَ سُبْحانَهُ بِالآياتِ الآتِيَةِ بُطْلانَ ما عَلَيْهِ المُتَعَنِّتُونَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وبَرَّأ خَلِيلَهُ والأنْبِياءَ مِن ذَلِكَ عَلى وجْهٍ أوْجَبَ القَطْعَ بِأنَّهم عالِمُونَ بِبُطْلانِهِ.
ذِكْرُ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْراةِ: ذَكَرَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها أنَّهُ إبْراهِيمُ بْنُ تارِحَ بْنِ ناحُورَ بْنِ شارَغَ بْنِ آرَغُو (p-١٦٧)بْنِ فالِغَ بْنِ عابِرَ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخَشْدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ قالَ في التَّوْراةِ: لَمّا أتَتْ عَلى سامٍ مِائَةُ سَنَةٍ وُلِدَ لَهُ أرْفَخَشْدُ فَأتَتْ عَلَيْهِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ شالاحُ وسَمّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ شالِحَ، فَأتَتْ عَلَيْهِ ثَلاثُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ عابِرٌ فَأتَتْ عَلَيْهِ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ فالِغُ، فَأتَتْ عَلَيْهِ ثَلاثُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ آرَغُو، فَأتَتْ عَلَيْهِ اثْنَتانِ وثَلاثُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ شارِغُ فَأتَتْ عَلَيْهِ ثَلاثُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ ناحُورُ، (p-١٦٨)فَأتَتْ عَلَيْهِ تِسْعٌ وعِشْرُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ تارِحُ فَأتَتْ عَلَيْهِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ إبْرَمُ وناحُورُ وهارانُ. وخالَفَهُ في الإنْجِيلِ بَعْضَ المُخالَفَةِ فَقالَ في إنْجِيلِ لُوقا: ناحُورُ بْنُ شارِغَ بْنِ أرْغُو بْنِ فالِغَ بْنِ عابِرِ بْنِ صالا بْنِ قِينانَ بْنِ أرْفَخَشْدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ؛ ونُوحٌ عَلى ما قالَ في التَّوْراةِ ابْنُ لَمْكِ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ خَنُوخَ بْنِ يارِذَ بْنِ هُلَيْلِ بْنِ قِينانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وهَكَذا قالَ في أثْناءِ إنْجِيلِ لُوقا إلّا أنَّهُ قالَ في لَمْكٍ: (p-١٦٩)لامَكُ، وفي يارِذَ: يَرِذُ بْنُ مَهْلالايِيلَ. ثُمَّ قالَ في التَّوْراةِ: ووَلَدَ هارانُ لُوطًا، وماتَ هارانُ في حَياةِ أبِيهِ تارِحَ في الأرْضِ الَّتِي وُلِدَ فِيها وهي أُورُ الكَلْدانِيِّينَ - وفي نُسْخَةٍ: الكَزْدانِيِّينَ - ”فَتَزَوَّجَ إبْرَمُ سَرى وكانَتْ عاقِرًا فَلَمْ يُولَدْ لَها ولَدٌ، فانْطَلَقَ تارِحُ بِابْنِهِ إبْرَمَ وبِلُوطٍ ابْنِ ابْنِهِ هارانِ وبِكَنَّتِهِ سَرى مِن أُورَ الكَلْدانِيِّينَ مُتَيَمِّمًا أرْضَ كَنْعانَ، فانْتَهَوْا إلى حَرّانَ فَسَكَنُوها، فَتُوفِّيَ تارِحُ بِحَرّانَ عَنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ وخَمْسِ سِنِينَ؛ وقالَ الرَّبُّ لِإبْرَمَ: اخْرُجْ مِن أرْضِكَ مِن حَيْثُ وُلِدْتَ ومِن آلِ أبِيكَ إلى الأرْضِ الَّتِي أُرِيكَ فَأجْعَلُكَ لِشَعْبٍ عَظِيمٍ وأُبارِكُكَ وأُعَظِّمُ اسْمَكَ وكُنْ مُبارَكًا وأُبارِكُ بَنِيكَ وألْعَنُ عَنِيكَ ويَتَبارَكُ بِكَ جَمِيعُ قَبائِلِ الأرْضِ وبِزَرْعِكَ، فَصَنَعَ إبْرَمُ كَما أمَرَهُ الرَّبُّ وانْطَلَقَ مَعَهُ لُوطٌ ابْنُ أخِيهِ وسَرى زَوْجَتُهُ وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً ومَعَهم جَمِيعُ مَواشِيهِمْ وما اتَّخَذُوا بِحَرّانَ مِن وِلْدانٍ وخَدَمٍ، فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ أرْضَ كَنْعانَ فَأتَوْها، فَجاءَ إبْرَمُ حَتّى أتى بِلادَ سَحامَ وإلى بِلُوطٍ مُمْرى وكانَ الكَنْعانِيُّونَ بَعْدُ سُكّانًا في الأرْضِ فاعْتَلَنَ الرَّبُّ لِإبْرَمَ وقالَ لَهُ: إنِّي مُعْطٍ ذُرِّيَّتَكَ هَذِهِ الأرْضَ، وبَنى إبْرَمُ هُنالِكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ إذْ ظَهَرَ لَهُ (p-١٧٠)وانْتَقَلَ مِن هُنالِكَ إلى الجَبَلِ مِنَ المَشْرِقِ إلى بَيْتِ إيلَ، فَنَصَبَ خَيْمَتَهُ في بَيْتِ إيلَ مِن غَرْبِها قُبالَةَ الحَرْبِ وعايَ: مِن شَرْقِها، وبَنى ثَمَّ لِرَبٍّ مَذْبَحًا ودَعا بِاسْمِ الرَّبِّ، ثُمَّ ظَعَنَ مُنْطَلِقًا وكانَ مَظْعَنُهُ إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ وكانَ جُوعٌ في الأرْضِ، فَهَبَطَ إبْرَمُ إلى مِصْرَ لِيَسْكُنَها لِأنَّ الجُوعَ اشْتَدَّ في الأرْضِ، فَلَمّا دَنا مِن مِصْرَ قالَ لِسَرى امْرَأتِهِ: إنِّي عالِمٌ أنَّكِ امْرَأةٌ حَسْناءُ، فَإنْ رَآكِ المِصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: امْرَأتُهُ، فَيَقْتُلُونَنِي؛ قُوِلِي: إنِّي أُخْتُهُ - فَذَكَرَ قِصَّةَ أخْذِ فِرْعَوْنَ مِصْرَ لَها والقَوارِعِ الَّتِي أصابَتْهُ فَحالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَها فَخَلّى سَبِيلَها وأحْسَنَ إلَيْها وإلى إبْراهِيمَ - إلى أنْ قالَ: فَخَرَجَ إبْرَمُ مِن مِصْرَ هو وامْرَأتُهُ ولُوطٌ مَعَهُ إلى أرْضِ التَّيَمُّنِ - وفي نُسْخَةٍ: إلى القِبْلَةِ - وهي جِهَةُ الجَنُوبِ فاسْتَغْنى إبْرَمُ جِدًّا، فَظَعَنَ لِمَظْعَنِهِ مِنَ الجَنُوبِ حَتّى أتى بَيْتَ إيلَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي كانَ نَصَبَ فِيهِ خَيْمَتَهُ مِن قَبْلُ ولُوطٌ مَعَهُ كانَ لَهُ غَنَمٌ وبَقَرٌ وخَيْرٌ كَثِيرٌ جِدًّا وأخْبِيَةٌ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأرْضُ تَسَعُهُما كِلَيْهِما لِأنَّ مَواشِيَهُما كَثُرَتْ جِدًّا؛ فَذَكَرَ أنَّ لُوطًا رَفَعَ بَصَرَهُ فَنَظَرَ إلى أرْضِ الأُرْدُنِّ فَإذا هي كُلُّها أرْضُ سَقْيٍ وشُرْبٍ مِثْلَ فِرْدَوْسِ اللَّهِ ومِثْلَ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي في مَدْخَلِ صاغارَ - وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ فاخْتارَ لُوطٌ أرْضَ الأُرْدُنِّ؛ فَسَكَنَ إبْرَمُ أرْضَ كَنْعانَ، وسَكَنَ لُوطٌ قُرى عاجارَ ووَرِثَ - وفي نُسْخَةٍ: قُرى المَرْجِ - وخَيَّمَ إلى سَدُومَ وكانَ (p-١٧١)أهْلُ سَدُومَ أشْرارًا خَطَأةً جِدًّا، فَقالَ الرَّبُّ لِإبْرَمَ بَعْدَما اعْتَزَلَهُ لُوطٌ: مُدَّ بَصَرَكَ فانْظُرْ مِنَ المَكانِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ إلى الجَرْنِيا والتَّيَمُّنِ - وفي نُسْخَةٍ: إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ - لِأنَّ جَمِيعَ الأرْضِ الَّتِي تَرى إيّاكَ أُعْطِيها وذُرِّيَّتَكَ مِن بَعْدِكَ إلى الأبَدِ، واجْعَلْ ذُرِّيَّتَكَ مِثْلَ ثَرى الأرْضِ، فَإنْ قَدَرْتَ أنْ تُحْصِيَ تُرابَ الأرْضِ فَإنَّ زَرْعَكَ يُحْصى، فَأتى إبْرَمُ فَسَكَنَ بَيْنَ بَلُّوطٍ - وفي نُسْخَةٍ: في مَرْجٍ مُمْرى الأمُورانِيِّ الَّتِي بِحَبْرُونَ - وبَنى هُنالِكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ، وكانَ عَلى عَهْدِ أمِرْقالَ مَلِكِ شَنْعارَ - وفي نُسْخَةٍ: شِنْوارَ - وأرْنُوخَ مِلْكِ ذِي الشّارِ - وفي نُسْخَةٍ: الخَزَرِ - وكَدَرَ لِعُمُرِ، مَلِكِ عَيْلَمَ - وفي نُسْخَةٍ: خُوزِسْتانَ وتَرْغِيلَ مَلِكِ جِيلانَ - وفي نُسْخَةٍ: الأُمَمِ - اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ في قاعِ السُّدُومِيِّينَ وهو البَحْرُ المالِحُ فَقَتَلُوا الجَبابِرَةَ الَّذِينَ في العَشَرَةِ القُرى والأبْطالَ الَّذِينَ بِها والحُورانِيِّينَ الَّذِينَ في جِبالٍ ساعِيرَ - وفي نُسْخَةٍ: شُراةَ - إلى بَطَمَةَ فارانَ الَّتِي في البَرِّيَّةِ، ورَجَعُوا وأتَوْا عَيْنَ الدُّنْيا - وفي نُسْخَةٍ: الحُكْمَ - وهي رَقِيمٌ وقَتَلُوا كُلَّ رُؤَساءِ العَمالِقَةِ والأمُورانِيِّينَ سُكّانَ عَيْنِ جادٍ، وخَرَجَ بارِعٌ مَلِكُ سَدُومَ وبَرْشَعُ مَلِكُ عامِرا (p-١٧٢)وشَنَآبَ مَلِكُ أدُوما وشالِيمُ مَلِكُ صَبُوِيمَ ومَلِكُ بالاعَ الَّتِي هي صاغِرُ - وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ - خَمْسَةُ مُلُوكٍ، قاتَلُوا الأرْبَعَةَ بِقاعِ السَّدُومِيِّينَ، فَهَرَبَ مَلِكُ سَدُومَ ومَلِكُ عامِرا فَوَقَعُوا هُناكَ، وهَرَبَ البَقِيَّةُ إلى الجَبَلِ فاسْتَباحُوا جَمِيعَ مَواشِي سَدُومَ وعامِرا وجَمِيعَ طَعامِهِمْ واسْتاقُوا لُوطًا ابْنَ أخِي إبْرَمَ وماشِيَتَهُ وانْطَلَقُوا، فَأتى مَن نَجا مِنهم وأخْبَرَ إبْرَمَ العِبْرانِيَّ، فَعَبّى فِتْيانَهُ ومُوَلَّدِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا وسارَ في طَلَبِهِمْ إلى دارِيا - وفي نُسْخَةٍ: بانِياسَ - فَأحاطَ بِهِمْ لَيْلًا، فَقاتَلَهم وهَزَمَهم إلى الجَوْفِ - وفي نُسْخَةٍ: المِزَّةِ - الَّتِي عَنْ شِمالِ دِمَشْقَ وهي قَرْيَةٌ يُقالُ لَها حَلَبُونَ ورَدَّ لُوطًا ابْنَ أخِيهِ وماشِيَتَهُ وجَمِيعَ المَواشِي والنِّساءِ والشَّعْبِ، فَخَرَجَ مَلِكُ سَدُومَ فَتَلَقّاهُ فَرَدَّ إلَيْهِ جَمِيعَ ما سُلِبَ مِنهُ؛ ومِن بَعْدِ هَذا حَلَّ وحْيُ اللَّهِ عَلى إبْرَمَ في الرُّؤْيا وقالَ لَهُ: يا إبْرَمُ ! أنا أُكانِفُكَ وأُساعِدُكَ، لِأنَّ ثَوابَكَ قَدْ جَزَلَ جِدًّا، فَقالَ إبْرَمُ: اللَّهُمَّ ! رَبِّ ما الَّذِي تَنْحَلُنِي وأنا خارِجٌ مِنَ الدُّنْيا بِلا نَسَبٍ ويَرِثُنِي الِيعازَرُ غُلامِي الدِّمَشْقِيُّ ؟ فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: لا يَرِثُكَ هَذا بَلِ ابْنُكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِكَ فَهو يَرِثُكَ، وقالَ لَهُ: (p-١٧٣)انْظُرْ إلى السَّماءِ وأحْصِ النُّجُومَ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ أنْ تُحْصِيَها، ثُمَّ قالَ لَهُ: كَذَلِكَ تَكُونُ ذُرِّيَّتُكَ، فَآمَنَ إبْرَمُ بِاللَّهِ، وقالَ لَهُ الرَّبُّ: [أنا الرَّبُّ ] إلَهُكَ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن أُورِ الكَلْدانِيِّينَ - وفي نُسْخَةٍ: أتُونِ الكَزْدانِيِّينَ - لَأُعْطِيَنَّكَ هَذِهِ الأرْضَ لِتَرِثَها، فَلَمّا كانَ غُرُوبُ الشَّمْسِ وقَعَ الصَّمْتُ عَلى إبْرَمَ وغَشِيَهُ خَوْفٌ وظُلْمَةٌ عَظِيمَةٌ فَقالَ الرَّبُّ لِإبْرَمَ: اعْلَمْ عِلْمًا يَقِينًا أنَّ نَسْلَكَ سَيَسْكُنُونَ في أرْضٍ لَيْسَتْ لَهم، فَيَتَعَبَّدُونَهم ويُكِدُّونَهم أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، والشَّعْبُ الَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَهم فَإنِّي أُدِينُهم ويَخْرُجُونَ مِن هُناكَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمالٍ عَظِيمٍ، وأنْتَ تَنْتَقِلُ إلى آبائِكَ بِسَلامٍ وتُدْفَنُ بِشَيْخُوخَةِ خَيْرٍ وصَلاحٍ، والحِقْبُ الرّابِعُ يَرْجِعُونَ إلى ها هُنا، لِأنَّ إثْمَ الأمُورانِيِّينَ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ، فَلَمّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ صارَ دُجًى حِنْدَسَةً وإذا بِتَنُّورٍ يُدَخِّنُ ومِصْباحُ نارٍ يَلْتَهِبُ ويَتَرَدَّدُ بَيْنَ تِلْكَ الأنْصِبَةِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ عاهَدَ الرَّبُّ إبْرَمَ عَهْدًا وقالَ: إنِّي مُعْطٍ ذُرِّيَّتَكَ هَذِهِ الأرْضَ مِن نَهْرِ مِصْرَ وإلى الفُراتِ النَّهْرِ الأعْظَمِ، وإنَّ سَرى امْرَأةَ إبْرَمَ لَمْ تَكُنْ تَلِدُ وكانَتْ لَها أمَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُها هاجَرُ فَقالَتْ سَرى لِإبْرَمَ وهُما بِأرْضِ كَنْعانَ: إنَّ الرَّبَّ قَدْ حَرَمَنِي الوَلَدَ فادْخُلْ عَلى أمَتِي وابْنِ بِها لَعَلِّي أتَعَزّى بِوَلَدٍ مِنها، تَسَمَّعَ إبْرَمُ قَوْلَ سَرى وأطاعَها، وذَلِكَ بَعْدَما سَكَنَ أرْضَ (p-١٧٤)كَنْعانَ عَشْرَ سِنِينَ، فَحَبِلَتْ فَقالَتْ سَرى لِإبْرَمَ: أنْتَ صاحِبُ ظِلامَتِي، أنا وضَعْتُ أمَتِي في حِضْنِكَ، فَلَمّا حَبَلَتْ هُنْتَ عَلَيْها بِحُكْمِ الرَّبِّ بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَقالَ: هَذِهِ أمَتُّكِ مُسَلَّمَةٌ إلَيْكِ. اصْنَعِي بِها ما أحْبَبْتِ، فَأهانَتْها سَرى سَيِّدَتُها فَهَرَبَتْ مِنها، فَلَقِيَها مَلاكُ الرَّبِّ عَلى عَيْنِ ماءٍ في البَرِّيَّةِ في طَرِيقِ سُورٍ - وفي رِوايَةٍ: في طَرِيقِ حَذَرَ، وفي نُسْخَةٍ: عَلى العَيْنِ الَّتِي بِطَرِيقِ الجِفارِ - فَقالَ لَها: يا هاجَرُ أمَةَ سَرى ! ارْجِعِي إلى سَيِّدَتِكِ واسْتِكِدِّي تَحْتَ يَدِها، ثُمَّ قالَ لَها مَلاكُ اللَّهِ: لَأُكْثِرَنَّ نَسْلَكِ حَتّى لا يُحْصى، ثُمَّ قالَ لَها: ها أنْتِ حامِلٌ - وفي نُسْخَةٍ: إنَّكِ حُبْلى - وسَتَلِدِينَ ابْنًا وتَدْعِينَ اسْمَهُ إسْماعِيلَ، لِأنَّ الرَّبَّ قَدْ عَرَفَ لَكِ خُضُوعَكَ، ويَكُونُ ابْنُكَ هَذا رَجُلًا يَأْوِي البَرِّيَّةَ ويَدُهُ في جَمِيعِ النّاسِ - وفي نُسْخَةٍ: وحَشى النّاسِ - يَدُهُ عَلى كُلٍّ ويَدُ كُلٍّ بِهِ، وسَيَحِلُّ عَلى جَمِيعِ حُدُودِ إخْوَتِهِ، فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي كَلَّمَها فَقالَتْ: أنْتَ اللَّهُ ذُو الوَحْيِ والرُّؤْيا، وذَلِكَ لِأنَّها قالَتْ: إنِّي رَأيْتُ رُؤْيا، ولِذَلِكَ دَعَتْ تِلْكَ الطُّوى بِئْرَ الحَيِّ وهي بِئْرُ رَقِيمٍ وحَذَرَ - وفي نُسْخَةٍ: فِيما بَيْنَ قادِسَ وبارِدَ - ثُمَّ ولَدَتْ هاجَرُ لِإبْرَمَ ابْنًا فَدَعا إبْرَمُ اسْمَهُ إسْماعِيلَ، وكانَ إبْرَمُ ابْنَ سِتٍّ وثَمانِينَ سَنَةً إذْ ولَدَتْ هاجَرُ لَهُ إسْماعِيلَ، فَلَمّا أتى عَلى إبْرَمَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً اعْتَلَنَ لَهُ الرَّبُّ وقالَ لَهُ: أنا اللَّهُ إلَهُ المَواعِيدِ، أرْضِنِي تَكُنْ غَيْرَ ذِي (p-١٧٥)عَيْبٍ وأُثْبِتُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ - وفي رِوايَةٍ: فَأحْسِنْ أمامِي ولا تَكُنْ مَلُومًا فَإنِّي جاعِلٌ بَيْنِي وبَيْنَكَ مِيثاقًا، وأُكَثِّرُكَ جِدًّا جِدًّا، فَخَرَّ إبْراهِيمُ عَلى وجْهِهِ فَكَلَّمَهُ اللَّهُ وقالَ لَهُ: أنا أُثْبِتُ لَكَ عَهْدِي - وفي نُسْخَةٍ: فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ قائِلًا لَهُ: إنِّي قَدْ جَعَلْتُ مِيثاقِي مَعَكَ - وتَكُونُ أبًا لِشُعُوبٍ كَثِيرَةٍ، ولا يُدْعى اسْمُكَ فِيما بَعْدُ إبْرَمَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إبْراهِيمَ، لِأنِّي جَعَلْتُكَ أبًا لِشُعُوبٍ كَثِيرَةٍ، وأُنَمِّيكَ وأُثْرِيكَ جِدًّا جِدًّا، وأجْعَلُكَ لِلشُّعُوبِ رَئِيسًا، والمُلُوكُ مِن صُلْبِكَ يَخْرُجُونَ، وأُثْبِتُ العَهْدَ - وفي نُسْخَةٍ: وأفِي بِمِيثاقِي - بَيْنِي وبَيْنَكَ وبَيْنَ نَسْلِكَ مِن بَعْدِكَ عَهْدًا دائِمًا، وأكُونُ لَكَ إلَهًا ولِزَرْعِكَ مِن بَعْدِكَ، وأُعْطِيكَ وذُرِّيَّتَكَ مِن بَعْدِكَ أرْضَ سُكْناكَ وجَمِيعَ أرْضِ كَنْعانَ مِيراثًا إلى الأبَدِ وأكُونُ لَهم إلَهًا، وقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: احْفَظْ عَهْدِي أنْتَ وزَرْعُكَ مِن بَعْدِكَ لِأحْقابِهِمْ، هَذا عَهْدِي الَّذِي آمُرُكم بِهِ لِتَحْفَظُوهُ لِيَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَ نَسْلِكَ مِن بَعْدِكَ أنْ تَخْتِنُوا كُلَّ ذَكَرٍ وتَخْتِنُوا لَحْمَ غُرْلِكم ويَكُونُ عَلامَةَ العَهْدِ بَيْنِي وبَيْنَكم، ولْيُخْتَنْ كُلُّ ذَكَرٍ مِنكُمُ ابْنَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ لِأحْقابِكم وِلادُ البَيْتِ والمُبْتاعُ بِالمالِ.
وكُلُّ مَن كانَ مِن أبْناءِ الغُرَباءِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِن زَرْعِكَ فَلْيَخْتَتِنْ اخْتِتانَ المَوْلُودِ في بَيْتِكَ والمُبْتاعِ بِمالِكَ، ويَكُونُ عَهْدِي مِيسَمًا في أجْسادِكم عَهْدًا دائِمًا إلى الأبَدِ؛ وكُلُّ (p-١٧٦)ذَكَرٍ ذِي غُرْلَةٍ لا تَخْتِنْ غُرْلَتَهُ في اليَوْمِ الثّامِنِ فَلْتَهْلَكْ تِلْكَ النَّفْسُ مِن شَعْبِها، لِأنَّها أبْطَلَتْ عَهْدِي. وقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: سَرى صاحِبَتُكَ، لا تَدَعْ اسْمَها سَرى لِأنَّ اسْمَها سارَةُ وأُبارِكُ فِيها، وأُعْطِيكَ مِنها ابْنًا وأُبارِكُهُ، ويَكُونُ رَئِيسًا لِشُعُوبٍ كَثِيرَةٍ ومُلُوكُ الشُّعُوبِ مِن نَسْلِهِ يَخْرُجُونَ؛ فَخَرَّ إبْراهِيمُ عَلى وجْهِهِ ضاحِكًا وقالَ في قَلْبِهِ - وفي رِوايَةٍ مُتَعَجِّبًا يَقُولُ في نَفْسِهِ - وهَلْ يُولَدُ لِابْنِ مِائَةِ سَنَةٍ ابْنٌ وسارَةُ تَلِدُ وقَدْ أتى عَلَيْها تِسْعُونَ سَنَةً ! وقالَ إبْراهِيمُ لِلَّهِ: يا لَيْتَ إسْماعِيلَ يَحْيا بَيْنَ يَدَيْكَ ! وقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: حَقًّا - وفي نُسْخَةٍ: نَعَمْ - إنَّ سارَةَ صاحِبَتَكَ سَتَلِدُ ابْنًا وتُسَمِّيهِ إسْحاقَ، وأُثْبِتُ العَهْدَ بَيْنِي وبَيْنَهُ إلى الأبَدِ ولِذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وقَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ في إسْماعِيلَ فَبارَكْتُهُ وكَثَّرْتُهُ وأنْمَيْتُهُ جِدًّا جِدًّا، ويُولَدُ لَهُ اثْنا عَشَرَ عَظِيمًا، وأجْعَلُهُ رَئِيسًا لِشَعْبٍ عَظِيمٍ؛ وأُثْبِتُ عَهْدِي لِإسْحاقَ الَّذِي تَلِدُ لَكَ سارَةُ في هَذا الحِينِ مِن قابِلٍ. فَلَمّا فَرَغَ مِن كَلامِهِ ارْتَفَعَ اسْتِعْلانُ الرَّبِّ عَنْ إبْراهِيمَ، فانْطَلَقَ إبْراهِيمُ بِإسْماعِيلَ ابْنِهِ وجَمِيعِ أوْلادِ بَيْتِهِ والمُبْتاعِينَ بِما لَهُ كُلُّ ذَكَرٍ مِن بَيْتِ إبْراهِيمَ فَخَتَنَ غُرْلَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَما أمَرَهُ اللَّهُ، وكانَ قَدْ أتى عَلى إبْراهِيمَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً إذْ خَتَنَ غُرْلَتَهُ وكانَ قَدْ أتى إسْماعِيلُ ابْنُهُ إذِ اخْتَتَنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وخَتَنَ (p-١٧٧)أيْضًا مَعَهُ أبْناءَ الغُرَباءِ المُشايِعِينَ ثُمَّ أكْمَلَ البِشارَةَ بِإسْحاقَ، كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ هُودٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - إلى أنْ قالَ: وذَكَرَ الرَّبُّ سارَةَ كَما قالَ: وصَنَعَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِسارَةَ كَما وعَدَ، فَحَبِلَتْ ووَلَدَتْ لِإبْراهِيمَ ابْنًا عَلى كِبَرِهِ في الوَقْتِ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ، فَسَمّى إبْراهِيمُ ابْنَهُ مِن سارَةَ إسْحاقَ، فَخَتَنَ إبْراهِيمُ إسْحاقَ ابْنَهُ في اليَوْمِ الثّامِنِ كَما أمَرَهُ الرَّبُّ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَقالَتْ سارَةُ: لَقَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ وفَرَّحَنِي فَرَحًا عَظِيمًا، فَمَن سَمِعَ فَلْيَفْرَحْ لِي، وقالَتْ: مَن كانَ يَقُولُ لِإبْراهِيمَ: إنَّ سارَةَ تُرْضِعُ غُلامًا وتَلِدُ ابْنًا بَعْدَ الكِبَرِ؛ فَشَبَّ الغُلامُ وفُطِمَ وصَنَعَ إبْراهِيمُ يَوْمَ فُطِمَ مَأْدُبَةً عَظِيمَةً - ثُمَّ أعادَ ذِكْرَ أمْرِ سارَةَ بِإخْراجِ هاجَرَ وإبْعادِها وأنَّ هَذا شَقَّ عَلى إبْراهِيمَ جِدًّا وقالَ: فَقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: لا يَشُقَّنَّ عَلَيْكِ حالُ الصَّبِيِّ وأمَتُكِ، فَغَدا إبْراهِيمُ باكِرًا وأخَذَ خُبْزًا وإداوَةً مِن ماءٍ فَأعْطاها هاجَرَ وحَمَلَها والصَّبِيَّ والطَّعامَ فانْطَلَقَتْ وتاهَتْ في بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ - وفي نُسْخَةٍ بِئْرِ الحِلْفِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ حالَفَ صاحِبَ تِلْكَ الأرْضِ عِنْدَها - ونَفِدَ الماءُ مِنَ الإداوَةِ فَألْقَتِ الصَّبِيَّ تَحْتَ (p-١٧٨)شَجَرَةٍ مِنَ الشِّيحِ وانْطَلَقَتْ وجَلَسَتْ قُبالَتَهُ وتَباعَدَتْ عَنْهُ كَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ كَيْلا تُعايِنَ مَوْتَهُ، فَلَمّا صَرَخَ الغُلامُ وبَكى سَمِعَ الرَّبُّ صَوْتَهُ فَدَعا مَلاكُ الرَّبِّ هاجَرَ مِنَ السَّماءِ وقالَ لَها: ما لَكِ يا هاجَرُ ؟ لا تَخافِي، لِأنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ الصَّبِيِّ حَيْثُ هو، قُومِي فاحْمِلِي الصَّبِيَّ وشُدِّي بِهِ يَدَيْكِ، لِأنِّي أجْعَلُهُ رَئِيسًا لِشَعْبٍ عَظِيمٍ، فَجَلّى اللَّهُ عَنْ بَصَرِها فَرَأتْ بِئْرَ ماءٍ، فانْطَلَقَتْ فَمَلَأتْ الإداوَةَ وسَقَتِ الغُلامَ، وكانَ اللَّهُ مَعَ الغُلامِ فَشَبَّ وسَكَنَ بَرِّيَّةَ فارانَ وكانَ يَتَعَلَّمُ الرَّمْيَ في تِلْكَ البَرِّيَّةِ وزَوَّجَتْهُ أُمُّهُ امْرَأةً. انْتَهى.
وفِيهِ إنَّ هَذا الكَلامَ في إخْراجِ هاجَرَ ووَلَدِها ظاهِرُهُ مُناقِضٌ لِما تَقَدَّمَ في خِتانِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ فِيهِ أنَّهُ كانَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وهَذا ظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ رَضِيعًا، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ“أنَّهُ وضَعَهُ عِنْدَ البَيْتِ وهو يَرْضَعُ" ويُمْكِنُ حَمْلُ هَذا عَلَيْهِ بِهَذا الكَلامِ الأخِيرِ. وأمّا الأوَّلُ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ إنَّهُ كانَ عِنْدَ الخِتانِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَيُمْكِنُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَوى لَهُ اللَّهُ الأرْضَ بِالبُراقِ أوْ غَيْرِهِ فَذَهَبَ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ فَخَتَنَهُ ثُمَّ رَجَعَ. وفِيهِ بِشارَةٌ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ أصْرَحَ مِمّا ذَكَرُوهُ وهي قَوْلُهُ: ويَتَبارَكُ بِكَ جَمِيعُ قَبائِلِ الأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ بِأحَدٍ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ أثْبَتَ البَرَكَةَ بِهِ ﷺ والخَيْرَ في غالِبِ قَبائِلِ (p-١٧٩)الأرْضِ، ويَكُونُ الباقِي بَعْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكَذا قَوْلُهُ: ويَدُهُ في جَمِيعِ النّاسِ، إلى آخِرِهِ، لِأنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْقُلْ أحَدٌ أنَّ يَدَهُ كانَتْ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، ولا حَلَّ عَلى جَمِيعِ حُدُودِ إخْوَتِهِ، ولا اتَّصَفَ مِن أوْلادِهِ أحَدٌ بِهَذا الوَصْفِ إلّا النَّبِيُّ ﷺ؛ ثُمَّ رَأيْتُ في شَرْحِ المَقاصِدِ لِلشَّيْخِ سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتازانِيِّ وشَرْحِ الصَّحائِفِ لِلْإمامِ السَّمَرْقَنْدِيِّ التَّنْبِيهَ عَلى هَذا النَّصِّ.
البقرة 2:133
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ أنَّ أباهم يَعْقُوبَ مِمَّنْ أوْصى بَنِيهِ بِالإسْلامِ قالَ مُبَكِّتًا لَهم: ﴿أمْ﴾ فَعُلِمَ قَطْعًا مِن ذِكْرِ حَرْفِ العَطْفِ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ كَما قالُوا في أحَدِ التَّقادِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] في سُورَةِ الزُّمُرِ فَكانَ التَّقْدِيرُ هُنا لِتَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِأنَّ أيَّ: شِقٍّ اخْتارُوهُ لَزِمَهم بِهِ ما يَكْرَهُونَ: أكُنْتُمْ غائِبِينَ عَنْ هَذِهِ الوَصِيَّةِ مِن إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ أمْ حاضِرِينَ وكُنْتُمْ غائِبِينَ في أمْرِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً أمْ ﴿كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ، أيْ: أكُنْتُمْ غائِبِينَ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ أمْ لا حِينَ حَكَمْتُمْ بِتَخْصِيصِ أنْفُسِكم بِالجَنَّةِ لِيَمْنَعَكم ذَلِكَ عَنْ مِثْلِ هَذا الحُكْمِ؛ وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يَضُرُّكم جَهْلُهُ، لِأنَّ عِنْدَكم في كِتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ عَلى نَبِيِّكم مِنَ الأمْرِ بِمِثْلِهِ عَنِ اللَّهِ ما يُغْنِيكم عَنْهُ، وهو مانِعٌ لَكم أيْضًا مِن هَذا الحُكْمِ عَلى وجْهٍ قَطْعِيٍّ؛ (p-١٨٠)وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عَدَمِ وُجُوبِ التَّقَيُّدِ بِالآباءِ، وإرْشادٌ إلى تَوْسِيعِ الفِكْرِ إلى المُنْعِمِ الأوَّلِ وهو رَبُّ الآباءِ لِلتَّقَيُّدِ بِأوامِرِهِ والوُقُوفِ عِنْدَ زَواجِرِهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِشَرْعِ الآباءِ أوْ مُخالِفًا؛ ولَمّا كانَ هَذا لازِمًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] أتْبَعَهُ بِها، أيْ: فَما لَكم ولِلسُّؤالِ عَنْها في ادِّعائِكم أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى ؟ كَما سَيَأْتِي النَّصُّ بِالتَّوْبِيخِ عَلى ذَلِكَ وإتْباعُهُ مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنِ النَّسَبِ أوْ عَنِ العَمَلِ ولا يَنْفَعُكم شَيْءٌ مِنهُما، لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى، فَلَيْسَ السُّؤالُ عَنْهم حِينَئِذٍ لِمَن عِنْدَهُ عِلْمُ ما يَأْتِي وما يَذَرُ إلّا فُضُولًا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم قَطَعُوا أنْفُسَهم عَنْهم، لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَتَّبِعُوهم في الإسْلامِ فَصَلُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الوُصْلَةِ بِالنَّسَبِ وحَصَلَتْ بَراءَتُهم مِنهم، لِأنَّ نَسَبَ الدِّينِ أعْظَمُ مِن نَسَبِ الماءِ والطِّينِ، أوْ يُقالُ وهو أحْسَنُ: لَمّا ادَّعى أهْلُ الكِتابِ أنَّ الجَنَّةَ خاصَّةٌ بِهِمْ ورَدَّ ذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّها لِمَن أسْلَمَ مُحْسِنًا وذَكَّرَهم بِأحْوالِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى خَتَمَ بِأنَّهُ مِن رُؤُوسِ المُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ وأنَّهُ أوْصى بَنِيهِ بِهِ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ في دَعْواهُمُ الِاخْتِصاصَ بِالجَنَّةِ وتَقْرِيرًا لَهم: أكُنْتُمْ شُهَداءَ لِذَلِكَ مِنهُ حَتّى تَكُونُوا مِمَّنِ ائْتَمَرَ بِأمْرِهِ في وصِيَّتِهِ فَتَكُونُوا أهْلًا لِلْجَنَّةِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ يا بَنِي يَعْقُوبَ ﴿إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ﴾ صاحِبُ (p-١٨١)نَسَبِكُمُ الأشْهَرِ ﴿المَوْتُ﴾ وهو [عَلى ] ما أوْصى بِهِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ ﴿إذْ قالَ﴾ أيْ: يَعْقُوبُ ﴿لِبَنِيهِ﴾
ولَمّا كانَ مُرادُهُ ﷺ التَّعْمِيمَ في كُلِّ شَيْءٍ لِيَقَعَ التَّخْصِيصُ مَوْقِعَهُ فَلا يَحْتاجُ إلى سُؤالٍ آخَرَ عَبَّرَ بِما العامَّةِ لِلْعاقِلِ وغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ ولَوْ عَبَّرَ بِمَن لَمْ يُفِدْ جَوابُهم هَذا التَّصْرِيحَ بَنَفْيِ عِبادَةِ شَيْءٍ مِمّا لا يَعْقِلُ، وقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ لِأنَّ الخَلِيفَةَ كَثِيرًا ما يَخْلُفُ الغائِبَ بِسُوءٍ وإنْ كانَ مُصْلِحًا في حُضُورِهِ، وأدْخَلَ الجارَّ لِأنَّ أعْمارَهم لا تَسْتَغْرِقُ الزَّمانَ ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ الَّذِي خَلَقَكَ ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ الَّذِي خَلَقَهم وبَقِيَ بَعْدَهم ويَبْقى بَعْدَ كُلِّ (p-١٨٢)شَيْءٍ ولا بَعْدَ لَهُ، كَما كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ولا قَبْلَ لَهُ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا الآباءَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إبْراهِيمَ﴾ أيْ: جَدِّكَ ﴿وإسْماعِيلَ﴾ لِأنَّهُ عَمٌّ والعَمُّ صِنْوُ الأبِ فَهو أبٌ مَجازًا ﴿وإسْحاقَ﴾
ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإلَهِ في إضافَتَيْنِ بَيَّنُوا أنَّ المُرادَ بِهِ فِيهِما واحِدٌ تَحْقِيقًا لِلْبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وتَسْجِيلًا عَلى أهْلِ الكِتابِ بِتَحَتُّمِ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ فَقالُوا: ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ ثُمَّ أخْبَرُوا بَعْدَ تَوْحِيدِهِمُ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ مَعْنى الإحْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] بِإخْلاصِهِمْ في عِبادَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ لا لِلْأبِ ولا غَيْرِهِ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: لا اخْتِيارَ لَنا مَعَهُ بَلْ نَحْنُ لَهُ كالجَمَلِ الآنِفِ حَيْثُما قادَنا انْقَدْنا، أيْ: أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ لَهُ في هَذِهِ الوَصِيَّةِ لِنَشْهَدَ لَكم بِما شَهِدْنا لِبَنِيهِ المَوْجُودِينَ إذْ ذاكَ مِنَ الإسْلامِ فَتَكُونُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
البقرة 2:134
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ تَسْجِيلٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم نابَذُوا وصِيَّةَ الأصْفِياءِ مِن أسْلافِهِمْ ومَرَقُوا مِن دِينِهِمْ وتَعَبَّدُوا بِخِلافِهِمْ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ الجَوابَ أنَّهم ما شَهِدُوا ذَلِكَ ولا هم مُسْلِمُونَ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: قَبْلَكم بِدُهُورٍ لَمْ تَشْهَدُوها، ونَبَّهَ عَلى أنَّهم عَمِلُوا بِغَيْرِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَها﴾ أيِ: الأُمَّةِ ﴿ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: مِن دِينِ (p-١٨٣)الإسْلامِ خاصٍّ بِها لا شَرِكَةَ لَكم فِيهِ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهَوى خاصٍّ بِكم لا يُسْألُونَ هم عَنْ أعْمالِكم ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ أيْ: أنْتُمْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
البقرة 2:135
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم تَرَكُوا السُّنَّةَ في تَهْذِيبِ أنْفُسِهِمْ بِالِاقْتِداءِ في الِاهْتِداءِ بِالأصْفِياءِ مِن أسْلافِهِمْ وبَيَّنَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِن كُلِّ وجْهٍ وأوْضَحَ أنَّهُ مَحْضُ الضَّلالِ بَيَّنَ أنَّهُ عاقَبَهم عَلى ذَلِكَ بِأنْ صَيَّرَهم دُعاةً إلى الكُفْرِ، لِأنَّ سُنَّتَهُ الماضِيَةَ سَبَقَتْ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِهِ تَحْوِيلًا أنَّ مَن أماتَ سُنَّةً أحْيا عَلى يَدَيْهِ بِدَعَةً عُقُوبَةً لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: لِأنَّهُما مُتَناوِبانِ في الأدْيانِ تَناوُبَ المُتَقابِلاتِ في الأجْسامِ فَقالَ تَعالى مُعْجِبًا مِنهم عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ﴾ [البقرة: ١١١] ﴿وقالُوا﴾ أيِ: الفَرِيقانِ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأتْباعِ الهُدى ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمُ ارْتِكابُهم لِلْباطِلِ وسُلُوكُهم طُرُقَ الضَّلالِ حَتّى دَعَوْا إلى ما هم عَلَيْهِ ووَعَدُوا بِالهِدايَةِ الصّائِرَةِ إلَيْهِ فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ (p-١٨٤)يُجِيبَهم أنَّهُ مُسْتَنٌّ بِسُنَّةِ أبِيهِمْ لا يُحَوَّلُ عَنْها كَما حالُوا فَقالَ مُوجِّهًا الخِطابَ إلى أشْرَفِ خَلْقِهِ لِعُلُوِّ مَقامِ ما يُخْبِرُ بِهِ وصُعُوبَةِ التَّقَيُّدِ بِهِ عَلى النَّفْسِ: ﴿قُلْ بَلْ﴾ مُضْرِبًا عَنْ مَقالِهِمْ، أيْ: لا يَكُونُ شَيْئًا مِمّا ذَكَرْتُمْ بَلْ نَكُونُ أوْ نُلابِسُ أنا ومَن لَحِقَ بِي مَن كَمَّلَ أهْلَ الإسْلامِ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ مُلابَسَةَ نَصِيرٍ بِها إيّاها كَأنَّنا تَجَسَّدْنا مِنها، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْفِكاكِ عَنْها، فَهو أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: بَلْ أهْلُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفِيهِ كَمالُ تَسَنُّنِ مُحَمَّدٍ ﷺ في مِلَّتِهِ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو الأوَّلُ لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَ الأوَّلِ والآخِرِ، وقَدْ ذَكَرَ أنَّ المِلَّةَ ما أظْهَرَهُ نُورُ العَقْلِ مِنَ الهُدى في ظُلْمِ ما التَزَمَهُ النّاسُ مِن عَوائِدِ أمْرِ الدُّنْيا، فَكانَ أتَمَّ ما أبْداهُ نُورُ العَقْلِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ (p-١٨٥)لَيِّنًا هَشًّا سَهْلًا قابِلًا لِلِاسْتِقامَةِ مائِلًا مَعَ داعِي الحَقِّ مُنْقادًا لَهُ مُسَلِّمًا أمْرَهُ إلَيْهِ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العَشاوَةِ والكَثافَةِ والغِلْظَةِ والجُمُودِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنها العِصْيانُ والشَّماخَةُ والطُّغْيانُ، وذَلِكَ لِأنَّ مادَّةَ حَنَفَ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى الخِفَّةِ واللَّطافَةِ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ الحَقِيقَةُ الأُولى مِنها النَّحافَةَ، ويَلْزَمُ هَذا المَعْنى الِانْتِشارُ والضُّمُورُ والمَيْلُ، فَيَلْزَمُهُ سُهُولَةُ الِانْقِيادِ والِاسْتِقامَةِ، ويَكْشِفُهُ آيَةُ آلِ عِمْرانَ
﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] فَبِذَلِكَ حادَ عَنْ بِنْياتِ طُرُقِ الخَلْقِ في انْحِرافِهِمْ عَنْ جادَّةِ طَرِيقِ الإسْلامِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الحَنِيفُ المائِلُ عَنْ مُتَغَيَّرِ ما عَلَيْهِ النّاسُ عادَةً إلى ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ حَنانَ قَلْبٍ إلى صِدْقِ حِسِّهِ الباطِنِ.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الإسْلامَ بِالحَنِيفِيَّةِ نَفى عَنْهُ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ (p-١٨٦)مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إنْباءٌ بِتَبْرِئَةِ كِيانِهِ مِن أمْرِ الشِّرْكِ في ثَبْتِ الأُمُورِ والأفْعالِ والأحْوالِ وفي إفْهامِهِ أنَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ في الكَمالِ الخاتَمِ كَما أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنهُ في الِابْتِداءِ الفاتِحِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] فَهَذِهِ أوَّلِيَّةُ رُتْبَةِ الكَمالِ الَّتِي هي خاصَّةٌ بِهِ ومَن سِواهُ فَهو مِنهُ فِيها، لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ يُفْهِمُ البَراءَةَ واللَّحاقَ بِالمُتَأصِّلِ في مُقابِلِهِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ مَثَلًا مِنَ الكافِرِينَ فَهو مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُؤْمِنُ لَذُكِرَ بِالصِّفَةِ المُقابِلَةَ لِما نَفى عَنْهُ، لِما في ذَلِكَ مِن مَعْنَيَيْ إثْباتِ الوَصْفِ ونَفْيِ مُقابِلِهِ، ومِثْلُ هَذا كَثِيرُ الدَّوْرِ في خِطابِ القُرْآنِ، وبَيَّنَ مَن لَهُ الوَصْفُ ومَن هو مِنهُ تَفاوُتٌ ما بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ في جَمِيعِ ما يَرِدُ مِن نَحْوِهِ يَعْنِي ومِثْلُ هَذا التَّفاوُتِ ظاهِرٌ لِلْفَهْمِ خَفِيٌّ عَنْ (p-١٨٧)مَشاهِدِ العَلَمِ، لِأنَّ العِلْمَ مِنَ العَقْلِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ؛ والفَهْمَ مِنَ العَقْلِ بِمَنزِلَةِ الرُّوحِ، فَلِلْفَهْمِ مُدْرَكٌ لا يَنالُهُ العِلْمُ، كَما أنَّ لِلرُّوحِ مُعْتَلًى لا تَصِلُ إلَيْهِ النَّفْسُ، لِتَوَجُّهٍ النَّفْسِ إلى ظاهِرِ الشُّهُودِ ووُجْهَةِ الرُّوحِ إلى عَلِيِّ الوُجُودِ. انْتَهى.
البقرة 2:136
ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ تَوَجَّهْتِ النَّفْسُ إلى ما بِهِ يُوصَلُ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَصَرَفَ الخِطابَ الَّذِي كانَ عِنْدَ الحِجاجِ لِلْأكْمَلِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ مَن قارَبَهُ إلى مَن دُونَهُ بِما يَشْمَلُهُ، لِأنَّ المُرادَ العُمُومُ، وساقَهُ تَعالى في جَوابِ مَن كَأنَّهم قالُوا: ما نَقُولُ: حَتّى نَكُونَ إيّاها فَقالَ: ﴿قُولُوا﴾ أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ. (p-١٨٨)ولَمّا كانَ المَأْمُورُ المُؤْمِنِينَ وكانَتْ تَعْدِيَةُ الإنْزالِ بِإلى تَقْتَضِي الِانْتِهاءَ وكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي واسِطَةً قَبْلَ الِانْتِهاءِ وكانَ الِانْتِهاءُ إلى الِاتِّباعِ إنَّما هو بِالقَصْدِ الثّانِي كانَ الأنْسَبُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَوْجِيهِ الأمْرِ إلَيْهِمُ التَّعْبِيرَ بِإلى بِخِلافِ آيَةِ آلِ عِمْرانَ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِنَ الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ الهُدى عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِنَ الأحْكامِ والنَّسْخِ والنَّسِيءِ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ ﴿وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ لِيَكُونَ المِهْيَعُ واحِدًا ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ابْنَيْهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَلَقَّنَ العَرَبَ الأُمِّيِّينَ المَحْسُودِينَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ نَسَقَ ما أجْرى مِن لَفْظِ بَنِي إسْرائِيلَ في عَهْدِهِ لَهم، فَكانَ فِيهِ وصْلُ العَرَبِ الَّذِينَ هم أبْناءُ إسْماعِيلَ بِإبْراهِيمَ وبَنِيهِ وقَطْعُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْهم، وفِيهِ إظْهارٌ لِمَزِيَّةٍ فَضْلِ اللَّهِ عَلى العَرَبِ حِينَ يُلَقِّنُهم ولا يَسْتَنْطِقُهم فَيَقْصُرُوا في مَقالِهِمْ فَأغْناهم بِما لَقَّنَهم فَتَلَوْهُ عَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ لَوْ وُكِلُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَسَكَّنَهم (p-١٨٩)رَبُّهم فَأقْرَأهم ما يَصْلُحُ مِنَ القَوْلِ لَهم وقالَ: ﴿ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ تَكْمِلَةٌ لِما تَقَدَّمَ في العَهْدِ السّابِقِ. انْتَهى.
﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ أيْ: مِن رَبِّهِمْ مِنَ المُنَزَّلِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِ المُنَزَّلِ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ تَفْضِيلًا لِما لَهُما مِنَ الكِتابَيْنِ والمُعْجِزاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُكْنَةِ؛ ثُمَّ أسْنَدَ الإيتاءَ إلى الجَمِيعِ لِكَوْنِ أهْلِ الكُتُبِ العَظِيمَةِ فِيهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ فَقالَ مُؤَكِّدًا الكَلامَ لِأنَّهُ عَلى لِسانِ الأتْباعِ وهم بِالتَّأْكِيدِ أحَقُّ: ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ أيْ: قاطِبَةً مَن تَقَدَّمَ وغَيْرُهم مِنَ المُنَزَّلِ مِن كِتابٍ وغَيْرِهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦] المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ في أمْرِ الإيمانِ بِاصْطِفائِهِمْ مَعَ تَوْجِيهِ الأوامِرِ إلَيْهِمْ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ: لِرَبِّهِمُ المُحْسِنِ إلَيْنا بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وحْدَهُ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ في الظّاهِرِ بَعْدَ انْقِيادِ الباطِنِ، لا أمْرَ لَنا مَعَهُ أصْلًا، قالَ الحَرالِّيُّ: فَأجْرى عَلى ألْسِنَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ تَلْقِينًا لَهم ما أجْراهُ عَلى ألْسِنَةِ الأسْباطِ قَوْلًا مِنهم، فَكانَتِ العَرَبُ أحَقَّ بِهِمْ مِن أبْناءِ إسْرائِيلَ بِما اسْتَوَوْا في الدِّينِ وإنِ افْتَرَقُوا في نَسَبِ الإسْرائِيلِيَّةِ. انْتَهى. والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ، قالَ في القامُوسِ: والسِّبْطُ - بِالكَسْرِ - ولَدُ الوَلَدِ والقَبِيلَةُ مِنَ اليَهُودِ وجَمْعُهُ أسْباطٌ. وقالَ البَيْضاوِيُّ: والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ وهو الحافِدُ، يُرِيدُ بِهِ حَفَدَةَ يَعْقُوبَ وأبْناءَهُ وذَرارِيهِمْ فَإنَّهم حَفَدَةٌ لِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ.
(p-١٩٠)وقالَ الأصْبِهانِيُّ: قِيلَ أصْلُ السِّبْطِ في اللُّغَةِ شَجَرَةٌ مُلْتَفَّةٌ كَثِيرَةُ الأغْصانِ مِن شَجَرَةٍ واحِدَةٍ، وقالَ البَغَوِيُّ: والأسْباطُ يَعْنِي أوْلادَ يَعْقُوبَ، واحِدُهم سِبْطٌ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، وسِبْطُ الرَّجُلِ حافِدُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ والحُسَيْنِ: سَبْطا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ مِنَ العَرَبِ مِن بَنِي إسْماعِيلَ، والشُّعُوبِ مِنَ العَجَمِ، وكانَ في الأسْباطُ أنْبِياءَ فَلِذَلِكَ قالَ: ”وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ“ وقِيلَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ مِن صُلْبِهِ صارُوا كُلُّهم أنْبِياءَ. انْتَهى. قُلْتُ: وهَذا هو الَّذِي يَظْهَرُ إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ الَّتِي بَعْدَها وآيَةِ النِّساءِ، فَإنَّ الأسْباطَ - أعْنِي القَبائِلَ - كانَتْ مِنهُمُ الضُّلّالُ، وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ عَلى مَن قالَ: إنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى، وأخْبَرَ في آيَةِ النِّساءِ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ، وقَدْ عَدَّ الأسْباطَ - أعْنِي أوْلادَ يَعْقُوبَ - جَماعَةً، فاخْتَلَفَتْ عِباراتُهم عَنْهم، والَّذِي حَرَّرْتُهُ أنا مِنَ التَّوْراةِ مِن عِدَّةِ نُسَخٍ أصَحُّ، عَدَّهم في آخِرِ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها ثُمَّ قالَ في أوَّلِ السِّفْرِ الثّانِي: وهَذِهِ أسْماءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ دَخَلُوا (p-١٩١)مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ أبِيهِمْ، دَخَلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم وأهْلُ بَيْتِهِ، رُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى ويَهُودا وإيساخارُ وزَبْلُونُ وبِنْيامِينُ ودانٌ ونَفْتالِي وجادٌ وأُشِيرُ، ويُوسُفُ كانَ بِمِصْرَ. انْتَهى.
قُلْتُ: وبِنْيامِينُ شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ ورُبَّما قِيلَ فِيهِ: بِنْمَنُ، وفي رُوبِيلَ: رُوبالُ، وفي شَمْعُونَ: شَمْعانُ، وفي إيساخارَ: إيساخَرُ، وفي زَبْلُونَ: زَبْلُونُ وزَبُولُونُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:137
ولَمّا قَدَّمَ تَعالى ما أمَرَهم بِهِ وكانَ عَيْنَ الهُدى تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ إيمانَهم لِما لَهم مِنَ الكَثافَةِ والغِلْظَةِ والجَلافَةِ في غايَةِ البُعْدِ: ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَسْتَتْبِعُوكم ﴿بِمِثْلِ﴾ أيْ: بِنَفْسِ وحَقِيقَةِ ﴿ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ كَما يَأْتِي بَيانُهُ في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مِنَ الشُّورى، فَكانُوا تَبَعًا لَكم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ عَكْسَ ما قالُوا مِثْلُنا تَهْتَدُوا، وعَبَّرَ بِفِعْلِ المُطاوَعَةِ لِكَوْنِ الإيمانِ مَعَ ظُهُورِهِ بِظُهُورِ دَلائِلِهِ مُوافِقًا لِلْفِطْرَةِ الأُولى، وأمّا الكُفْرُ فَإنَّهُ لَمّا كانَ لِأجَلِ (p-١٩٢)ظُهُورِ الإيمانِ وانْطِباعِهِ في الجِنانِ بَعِيدًا عَنِ المِزاجِ لا يَكُونُ إلّا بِنَوْعٍ مِنَ العِلاجِ بَيْنَ الهَوى والعَقْلِ وكانَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ وغَيْبَتِهِ عَنِ العِيانِ عَبَّرَ عَنِ ارْتِكابِهِ بِما يُشْعِرُ بِذَلِكَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِإيمانِ مُؤْمِنٍ مِنهم وتَوَلِّي مُتَوَلٍّ مِنهم، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا صُنِّفَ الخِطابُ كانَ نَبَأً عَنْ تَصْنِيفِ الكِيانِ، فَهو تَعالى لا يُخْرِجُ نَبَأهُ عَلى غَيْرِ كائِنٍ فَيَكُونُ نَبَأً لا كَوْنَ لَهُ، إنَّما ذَلِكَ أدْنى أوْصافِ بَعْضِ الخَلْقِ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّكم، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ الهُدى لَيْسَ في شَيْءٍ غَيْرِهِ كَما اقْتَضَتْهُ ”إنَّما“ .
ولَمّا كانَ اللّازِمُ لِمُشاقَّتِهِمْ عَلى هَذا الحالِ المُكايَدَةَ والمُحارَبَةَ وكانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العِنادِ لَمْ يَكِلْ سُبْحانَهُ كِفايَةَ أوْلِيائِهِ إلى غَيْرِهِ فَسَبَّبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ أصْلًا وإنْ تَأخَّرَ شَيْئًا مِن تَأخُّرٍ بِما لَهُ مِن قُدْرَةٍ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي أفْهَمَها الِاسْمُ الشَّرِيفُ، والكِفايَةُ إغْناءُ المُقاوِمِ عَنْ مُقاوَمَةِ عَدُوِّهِ بِما لا يُحْوِجُهُ إلى (p-١٩٣)دَفْعٍ لَهُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ المُناوِئُ لِشَخْصٍ إمّا أنْ يَكِيدَهُ بِقَوْلِهِ أوْ بِفِعْلِهِ وكانَ الفِعْلُ مَسْبُوقًا بِالِارْتِسامِ في الضَّمِيرِ وكانَ الكافِي لِشَخْصٍ إنَّما يَتَوَقَّفُ كِفايَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما يُصْلِحُهُ قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ: لِما يَقُولُ أعْداؤُكم ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يُضْمِرُونَ فَهو يُسَبِّبُ لِكُلِّ قَوْلٍ وضَمِيرٍ مِنهم ما يَرُدُّ ضَرَرَهُ عَلَيْهِ، فَحَظُّكم مِنهم مَقْصُورٌ عَلى أذًى في القَوْلِ وسُوءٍ في وُدٍّ في الضَّمِيرِ، وحَظُّهم مِنكم قَهْرُهم وسَبْيُهم والِاسْتِيلاءُ عَلى دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وجَعَلَ الحَرالِّيُّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَيْئَةَ صَبْغِ المَلِكِ الأعْلى الَّتِي هي حِلْيَةُ المُسْلِمِ وفِطْرَتُهُ كَما أنَّ الصِّبْغَةَ حِلْيَةُ المَصْبُوغِ حالًا تَقاضاها مَعْنى الكَلامِ، وعابَ عَلى النُّحاةِ كَوْنَهم لا يَعْرِفُونَ الحالَ إلّا مِنَ الكَلِمِ المُفْرَدَةِ ولا يَكادُونَ يَتَفَهَّمُونَ الأحْوالَ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ، وقالَ: الصِّيغَةُ تَطْوِيرٌ مُعاجِلٌ بِسُرْعَةِ وحْيِهِ، وقالَ: فَلَمّا كانَ هَذا التَّلْقِينُ تَلْقِينًا وحْيًا سَرِيعَ التَّصْيِيرِ مِن حالِ الضَّلالِ المُبِينِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها إلى حالِ الهُدى المُبِينِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ الأنْبِياءُ في هِدايَتِها مِن غَيْرِ مُدَّةٍ جَعَلَهُ تَعالى صِبْغَةً (p-١٩٤)كَما يُصْبَغُ الثَّوْبُ في الوَقْتِ فَيَسْتَحِيلُ مِن لَوْنٍ إلى لَوْنٍ في مُقابَلَةِ ما يَصْبُغُهُ أهْلُ الكِتابِ بِأتْباعِهِمُ المُتَّبِعِينَ لَهم في أهْوائِهِمْ في نَحْوِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الغِطاسَ ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ (p-١٩٥)﴿صِبْغَةَ﴾ لِأنَّها صِبْغَةُ قَلْبٍ لا تَزُولُ لِثَباتِها بِما تَوَلّاها الحَفِيظُ العَلِيمُ، وتِلْكَ صِبْغَةُ جِسْمٍ لا تَنْفَعُ، وفِيهِ إفْهامٌ بِما يَخْتَصُّ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ انْقِلابِ جَوْهَرِهِمْ نُورًا، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي نُورًا» ! فَكانَ ما انْقَلَبَ إلَيْهِ جَوْهَرُ الأئِمَّةِ انْصَبَغَتْ بِهِ قُلُوبُ الأُمَّةِ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿عابِدُونَ﴾ تَكْمِلَةً لِرَدِّ الخِطابِ عَلى خِطابِ عَهْدِ إسْرائِيلَ حَيْثُ قالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] إلّا أنَّ العِبادَةَ في عَهْدِ إسْرائِيلَ سابِقَةٌ والإسْلامَ حَتْمٌ، والإسْلامُ في هَذا التَّلْقِينِ بَدْءٌ لِتَقَعَ العِبادَةُ شُكْرًا - يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، وجاءَ بِهِ بِالوَصْفِ الثّابِتِ الدّائِمِ فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ أحَدًا مِنهم لا يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بِشاشَةَ قَلْبِهِ، وهو حَظٌّ عامٌّ مِنَ العِصْمَةِ الثّابِتِ خاصُّها لِلنَّبِيِّ ﷺ في عَلِيِّ أمْرِهِ. انْتَهى.
البقرة 2:138
ولَمّا قَدَّمَ تَعالى ما أمَرَهم بِهِ وكانَ عَيْنَ الهُدى تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ إيمانَهم لِما لَهم مِنَ الكَثافَةِ والغِلْظَةِ والجَلافَةِ في غايَةِ البُعْدِ: ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَسْتَتْبِعُوكم ﴿بِمِثْلِ﴾ أيْ: بِنَفْسِ وحَقِيقَةِ ﴿ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ كَما يَأْتِي بَيانُهُ في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مِنَ الشُّورى، فَكانُوا تَبَعًا لَكم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ عَكْسَ ما قالُوا مِثْلُنا تَهْتَدُوا، وعَبَّرَ بِفِعْلِ المُطاوَعَةِ لِكَوْنِ الإيمانِ مَعَ ظُهُورِهِ بِظُهُورِ دَلائِلِهِ مُوافِقًا لِلْفِطْرَةِ الأُولى، وأمّا الكُفْرُ فَإنَّهُ لَمّا كانَ لِأجَلِ (p-١٩٢)ظُهُورِ الإيمانِ وانْطِباعِهِ في الجِنانِ بَعِيدًا عَنِ المِزاجِ لا يَكُونُ إلّا بِنَوْعٍ مِنَ العِلاجِ بَيْنَ الهَوى والعَقْلِ وكانَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ وغَيْبَتِهِ عَنِ العِيانِ عَبَّرَ عَنِ ارْتِكابِهِ بِما يُشْعِرُ بِذَلِكَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِإيمانِ مُؤْمِنٍ مِنهم وتَوَلِّي مُتَوَلٍّ مِنهم، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا صُنِّفَ الخِطابُ كانَ نَبَأً عَنْ تَصْنِيفِ الكِيانِ، فَهو تَعالى لا يُخْرِجُ نَبَأهُ عَلى غَيْرِ كائِنٍ فَيَكُونُ نَبَأً لا كَوْنَ لَهُ، إنَّما ذَلِكَ أدْنى أوْصافِ بَعْضِ الخَلْقِ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّكم، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ الهُدى لَيْسَ في شَيْءٍ غَيْرِهِ كَما اقْتَضَتْهُ ”إنَّما“ .
ولَمّا كانَ اللّازِمُ لِمُشاقَّتِهِمْ عَلى هَذا الحالِ المُكايَدَةَ والمُحارَبَةَ وكانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العِنادِ لَمْ يَكِلْ سُبْحانَهُ كِفايَةَ أوْلِيائِهِ إلى غَيْرِهِ فَسَبَّبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ أصْلًا وإنْ تَأخَّرَ شَيْئًا مِن تَأخُّرٍ بِما لَهُ مِن قُدْرَةٍ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي أفْهَمَها الِاسْمُ الشَّرِيفُ، والكِفايَةُ إغْناءُ المُقاوِمِ عَنْ مُقاوَمَةِ عَدُوِّهِ بِما لا يُحْوِجُهُ إلى (p-١٩٣)دَفْعٍ لَهُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ المُناوِئُ لِشَخْصٍ إمّا أنْ يَكِيدَهُ بِقَوْلِهِ أوْ بِفِعْلِهِ وكانَ الفِعْلُ مَسْبُوقًا بِالِارْتِسامِ في الضَّمِيرِ وكانَ الكافِي لِشَخْصٍ إنَّما يَتَوَقَّفُ كِفايَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما يُصْلِحُهُ قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ: لِما يَقُولُ أعْداؤُكم ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يُضْمِرُونَ فَهو يُسَبِّبُ لِكُلِّ قَوْلٍ وضَمِيرٍ مِنهم ما يَرُدُّ ضَرَرَهُ عَلَيْهِ، فَحَظُّكم مِنهم مَقْصُورٌ عَلى أذًى في القَوْلِ وسُوءٍ في وُدٍّ في الضَّمِيرِ، وحَظُّهم مِنكم قَهْرُهم وسَبْيُهم والِاسْتِيلاءُ عَلى دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وجَعَلَ الحَرالِّيُّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَيْئَةَ صَبْغِ المَلِكِ الأعْلى الَّتِي هي حِلْيَةُ المُسْلِمِ وفِطْرَتُهُ كَما أنَّ الصِّبْغَةَ حِلْيَةُ المَصْبُوغِ حالًا تَقاضاها مَعْنى الكَلامِ، وعابَ عَلى النُّحاةِ كَوْنَهم لا يَعْرِفُونَ الحالَ إلّا مِنَ الكَلِمِ المُفْرَدَةِ ولا يَكادُونَ يَتَفَهَّمُونَ الأحْوالَ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ، وقالَ: الصِّيغَةُ تَطْوِيرٌ مُعاجِلٌ بِسُرْعَةِ وحْيِهِ، وقالَ: فَلَمّا كانَ هَذا التَّلْقِينُ تَلْقِينًا وحْيًا سَرِيعَ التَّصْيِيرِ مِن حالِ الضَّلالِ المُبِينِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها إلى حالِ الهُدى المُبِينِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ الأنْبِياءُ في هِدايَتِها مِن غَيْرِ مُدَّةٍ جَعَلَهُ تَعالى صِبْغَةً (p-١٩٤)كَما يُصْبَغُ الثَّوْبُ في الوَقْتِ فَيَسْتَحِيلُ مِن لَوْنٍ إلى لَوْنٍ في مُقابَلَةِ ما يَصْبُغُهُ أهْلُ الكِتابِ بِأتْباعِهِمُ المُتَّبِعِينَ لَهم في أهْوائِهِمْ في نَحْوِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الغِطاسَ ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ (p-١٩٥)﴿صِبْغَةَ﴾ لِأنَّها صِبْغَةُ قَلْبٍ لا تَزُولُ لِثَباتِها بِما تَوَلّاها الحَفِيظُ العَلِيمُ، وتِلْكَ صِبْغَةُ جِسْمٍ لا تَنْفَعُ، وفِيهِ إفْهامٌ بِما يَخْتَصُّ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ انْقِلابِ جَوْهَرِهِمْ نُورًا، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي نُورًا» ! فَكانَ ما انْقَلَبَ إلَيْهِ جَوْهَرُ الأئِمَّةِ انْصَبَغَتْ بِهِ قُلُوبُ الأُمَّةِ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿عابِدُونَ﴾ تَكْمِلَةً لِرَدِّ الخِطابِ عَلى خِطابِ عَهْدِ إسْرائِيلَ حَيْثُ قالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] إلّا أنَّ العِبادَةَ في عَهْدِ إسْرائِيلَ سابِقَةٌ والإسْلامَ حَتْمٌ، والإسْلامُ في هَذا التَّلْقِينِ بَدْءٌ لِتَقَعَ العِبادَةُ شُكْرًا - يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، وجاءَ بِهِ بِالوَصْفِ الثّابِتِ الدّائِمِ فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ أحَدًا مِنهم لا يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بِشاشَةَ قَلْبِهِ، وهو حَظٌّ عامٌّ مِنَ العِصْمَةِ الثّابِتِ خاصُّها لِلنَّبِيِّ ﷺ في عَلِيِّ أمْرِهِ. انْتَهى.
البقرة 2:139
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وما بَعْدَهُ بِإعْلامِ الخَصْمِ بِالمُخالَفَةِ وأنْ لا مُوافَقَةَ إلّا بِتَرْكِ الهَوى واتِّباعِ الهُدى أمَرَ بِمُجادَلَتِهِمْ بِما يُوهِي أقْوالَهم ويُزِيحُ شُبَهَهم فَقالَ مُعْرِّضًا بِالخِطابِ عَنِ الجَمْعِ مُوَجِّهًا لَهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ رَفْعًا لِمَقامِهِ وتَعْرِيفًا بِعَلِيِّ مَنصِبِهِ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَنْهَضُ بِذَلِكَ غَيْرُهُ لِما لَهم مِنَ العِلْمِ مَعَ ما عِنْدَهم مِنَ الجَدَلِ واللَّدَدِ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: ١٣٥] مُنْكِرًا لِمُحاجَّتِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم عَلَيْها ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ ولَمّا كانَ الأنْسَبُ في المُقارَعَةِ إعْلامَ الخَصْمِ بِالمُخالَفَةِ (p-١٩٦)لِأنَّهُ أقْطَعُ لِطَمَعِهِ وأمْكَنُ لِغَيْظِهِ مَعَ أنَّهُ هُنا أقْرَبُ إلى رِضى الخالِقِ قُدِّمَ عَلى المُجادَلَةِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ في اخْتِصاصِكم بِالمُلْكِ الَّذِي لا مُلْكَ سِواهُ، لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ المُشارَ إلى إبْطالِهِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤] أيْ: أتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ ولا وجْهَ لِاخْتِصاصِكم بِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ في العُبُودِيَّةِ لَهُ سَواءٌ ﴿ولَنا أعْمالُنا﴾ نَخْتَصُّ بِهِ دُونَكم ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ تَخْتَصُّونَ بِها دُونَنا، لا نَخافُ مِنهُ أنْ يَخُصَّكم بِأعْمالِنا ولا بِشَيْءٍ مِنها لِتَخْتَصُّوا بِها عِنْدَهُ ولا أنْ يَخُصَّنا بِأعْمالِكم ولا بِشَيْءٍ مِنها لِنَبْعُدَ بِها عَنْهُ ظُلْمًا ولا غَلَطًا، لِأنَّهُ السَّمِيعُ العَلِيمُ الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴿ونَحْنُ﴾ أحْسَنُ أعْمالًا مِنكم لِأنّا دُونَكم ﴿لَهُ﴾ وحْدَهُ ﴿مُخْلِصُونَ﴾ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وأنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ والأحْبارَ والرُّهْبانَ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ في باطِنِ الأمْرِ وإنْ أظْهَرْتُمْ خِلافَهُ، فَلَزِمَ قَطْعًا أنّا أخَصُّ بِهِ مِنكم؛ والإخْلاصُ عَزْلُ النَّفْسِ جُمْلَةً، فَلا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَتَهُ حَتّى لا يُحِبَّ أنْ يُحْمَدَ عَلى عَمَلٍ.
البقرة 2:140
ولَمّا كانَ قَدْ بَقِيَ مِن مُباهَتاتِهِمْ أنَّهم (p-١٩٧)يَدَّعُونَ أنَّ أسْلافَهم كانُوا عَلى دِينِهِمْ فَيَكُونُ دَعْواهُمُ الِاخْتِصاصَ بِالجَنَّةِ صَحِيحَةً أبْطَلَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ﴾ أيْ: أرَجَعُوا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] لِما ثَبَتَ مِن مُخالَفَةِ ذَلِكَ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ وآلِهِ ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وخَلَفٍ وحَفْصٍ ورُوَيْسٍ بِالخِطابِ: أرْجَعْتُمْ عَنْ قَوْلِكم: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ﴾ خَلِيلَ اللَّهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ابْنَيْهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ ابْنَ إسْحاقَ ﴿والأسْباطَ﴾ أوْلادَ يَعْقُوبَ ﴿كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ لِتَصِحَّ دَعْواهم في أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لِأهْلِ مِلَّتِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يُقالُ لَهم إنْ قالُوا ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ﴾ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ ﴿أمِ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها أعْلَمُ، فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: نَحْنُ، وإنْ قالُوا: اللَّهُ، فَقَدْ بَرَّأ إبْراهِيمَ مِن ذَلِكَ فَبَطَلَ ما ادَّعَوْا.
ولَمّا كانَ العِلْمُ عِنْدَهم عَنِ اللَّهِ بِأنَّ الخَلِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى دِينِ الإسْلامِ وكانُوا يَكْتُمُونَ ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ مَعَ تَقْرِيرِ اللَّهِ لَهم واسْتِخْبارِهِمْ عَنْهُ ونَهْيِهِ لَهم عَنْ كِتْمانِهِ وما يُقارِبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] وكانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ ادَّعى أنَّهُ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ بِدَعْواهُ ذَلِكَ صَرِيحًا أوْ لُزُومِهِ لَهُ بِإخْبارِهِ بِخِلافِ ما ثَبَتَ في القُرْآنِ المَعْلُومِ صِدْقُهُ بِإعْجازِهِ ! قالَ تَعالى عَطْفًا عَلى هَذا المَقْدُورِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ﴾ أيْ: مَوْجُودَةٌ ومُودَعَةٌ عِنْدَهُ (p-١٩٨)﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كَتَمَها مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ، أوْ هي عِنْدَهُ مِنهُ وهو يَسْتَخْبِرُهُ عَنْها مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ فاضِحُهُ لِأنَّهُ العالِمُ بِالسَّرائِرِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما عَمِلَهُ مِن كِتْمانِهِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿وما اللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ إشْعارًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ بِتَمادِيهِمْ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِن مِثْلِ ذَلِكَ.
البقرة 2:141
ولَمّا لَمْ يَدَعْ لَهم مُتَمَسَّكًا مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْبَعَ ذَلِكَ الإشارَةَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ دَعْواهم إلى أنَّ الدِّينَ دائِرٌ مَعَ أمْرِهِ في كُلِّ زَمانٍ لا مَعَ ما قَرَّرَهُ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ فَإنَّهُ لا حَجْرَ عَلَيْهِ ولا اعْتِراضَ بَلْ لَهُ أنْ يَأْمُرَ اليَوْمَ بِأمْرٍ وغَدًا مَثَلًا بِضِدِّهِ وأنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِن إحْكامٍ ونَسْخٍ ونَسِيءٍ وإنْساءٍ فَقالَ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ وآلُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: فَهَبْ أنَّهم عَلى ما زَعَمْتُمْ فَقَدْ مَضَوْا وقَدَمَ زَمانُهم فَلا يَنْفَعُكم إلّا ما تَسْتَجْدُونَهُ في وقْتِكم هَذا بِحُكْمِ ما تَجَدَّدَ مِنَ المُنَزَّلِ المُعْجِزِ لِكافَّةِ أهْلِ الأرْضِ أحْمَرِهِمْ (p-١٩٩)وأسْوَدِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ مَضْمُونُ ما سَبَقَ مِن إثْباتِ الأعْلَمِيَّةِ لِلَّهِ وكِتْمانِهِمُ الشَّهادَةَ بِما عِنْدَهم ثُبُوتَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مِن كَوْنِ أصْفِيائِهِ عَلى دِينِهِ الإسْلامِ فَهم بُرَآءُ مِنهم كانَ المَعْنى: إنِ ادَّعَيْتُمْ بُهْتًا أنَّ العِلْمَ جاءَكم عَنِ اللَّهِ بِما ادَّعَيْتُمُوهُ قِيلَ: إنَّ مَن تَدَّعُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدِ انْقَضَتْ مُعْجِزَتُهُ بِمَوْتِهِ، وكِتابُكم غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعْجِزٍ، وهَذا النَّبِيُّ الآتِي بِالقُرْآنِ قائِمٌ بَيْنَ أظْهُرِكم وهو يُخْبِرُكم عَنِ اللَّهِ بِكَذِبِ دَعْواكم، ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي مِنها هَذا القُرْآنُ الَّذِي عَجَزَتِ العَرَبُ كُلُّها عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وأنْتُمْ كَذَلِكَ مَعَ مُشارَكَتِكم لَهم في الفَصاحَةِ نَظْمًا ونَثْرًا واخْتِصاصِكم عَنْهم بِالعِلْمِ فَلَزِمَكم قَبُولُهُ، لِأنَّكم لا تَسْتَنِدُونَ في تَرْوِيجِ كَذِبِكم بَعْدَ الجُهْدِ إلّا إلى مَن ثَبَتَ صِدْقُهُ بِثُبُوتِ رِسالَتِهِ، وثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْكم قَبُولُ أمْرِهِ، وذَلِكَ يُنْتِجُ قَطْعًا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم قَبُولُ هَذا الدّاعِي بِهَذا القُرْآنِ لِمِثْلِ ذَلِكَ سَواءٌ، وإلّا كانَ قَبُولُ بَعْضَ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ دُونَ البَعْضِ تَحَكُّمًا واتِّباعًا لِلْهَوى المَذْمُومِ في كُلِّ شِرْعَةٍ المَنعِيِّ عَلَيْكم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧] هَذا مَعَ أنَّ رَدَّ قَوْلِكم هَذا فِيهِمْ أظْهَرُ ظاهِرٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ (p-٢٠٠)لا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ السّابِقَ عَلى نِسْبَةِ اللّاحِقِ ما حَدَثَتْ بِهِ إلّا بَعْدَهُ بِمُدَدٍ مُتَطاوِلَةٍ، وسَيَأْتِي النَّصُّ الصَّرِيحُ بِإبْطالِ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والإشارَةُ إلى مُنابَذَتِهِ لِلْعَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] لِيَتَطابَقَ عَلى إبْطالِهِ صادِقُ النَّقْلِ وحاكِمُ العَقْلِ، وإلى هَذا كُلِّهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِكم بِدُهُورٍ ولا يَقْبَلُ الإخْبارُ عَنْهم بَعْدَها إلّا بِقاطِعٍ، ولا سَبِيلَ لَكم إلَيْهِ وقَدْ قامَ القاطِعُ عَلى مُخالَفَتِكم لَهم بِهَذا القُرْآنِ المَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ بِإعْجازِهِ بِما تَقَدَّمَ وبِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: مِن أعْمالِها ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: مِن أعْمالِكم، فَلا يُسْألُونَ هم عَنْ أعْمالِكم ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ أيْ: أنْتُمْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
البقرة 2:142
ولَمّا كانَ ادِّعاؤُهم أنَّ أسْلافَهم عَلى دِينِهِمْ لِئَلّا تَنْتَقِضَ دَعْواهم أنَّ الجَنَّةَ خاصَّةٌ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ فُضُولًا لا سَنَدَ لَهُ يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مُحاوَلَةً لِعَدَمِ (p-٢٠١)جَوازِ النَّسْخِ وكانَ إبْطالُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ وعَيْبِهِمْ بِما أحْدَثُوا في دِينِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِهِ مَلْزُومًا لِأنْ يَكُونُوا أباحُوا أنْفُسَهم مِنهُ ما مَنَعُوا مِنهُ خالِقَهم وهو لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ كانُوا أسْفَهَ النّاسِ فَعَقَّبَهُ بِالتَّصْرِيحِ بِعَيْبِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِنهم في إنْكارِهِمْ لِنَسْخِ القِبْلَةِ وخِفَّتِهِمْ بِالِاعْتِراضِ عَلى رَبِّهِمْ فَقالَ واصِلًا لَهُ بِما قَبْلَهُ عَلى وجْهٍ أعَمَّ: ﴿سَيَقُولُ﴾ إلى آخِرِهِ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ حَقِّيَّةَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَّبِعُوهم فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُفُّوا عَنْ عَيْبِهِمْ فَكَيْفَ وهم عالِمُونَ بِأنَّهُ الحَقُّ ! وقالَ: ﴿السُّفَهاءُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَيَقُولُونَ، إظْهارًا لِلْوَصْفِ الَّذِي اسْتَخَفَّهم إلى هَذا القَوْلِ الظّاهِرِ عَوارُهُ لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ؛ والسَّفِيهُ الَّذِي يَعْمَلُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، إمّا بِأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى دَلِيلٍ فَلا يَتَوَقَّفُ إلى أنْ يَلُوحَ لَهُ بَلْ يَتَّبِعُ هَواهُ، أوْ يَرى غَيْرَ الدَّلِيلِ (p-٢٠٢)دَلِيلًا، وأكَّدَ الوَصْفَ بِالطَّيْشِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ المَأْخُوذِ مِنَ النَّوْسِ وهو التَّحَرُّكُ، دُونَ أنْ يَقُولَ: مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَحْوَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِذَمِّهِمْ وتَعْمِيمًا لِكُلِّ مَن مالَأهم عَلى ذَلِكَ ﴿ما ولاهُمْ﴾ ولَمْ يَقُولُوا: مِن، زِيادَةً في الأذى بِالِاحْتِقارِ ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: القِبْلَةُ ما تُجْعَلُ قُبالَةَ الوَجْهِ، والقُبُلُ ما أقْبَلَ مِنَ الجَسَدِ في مُقابَلَةِ الدُّبُرِ لِما أدْبَرَ مِنهُ ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ أيْ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ولَعَلَّهُ تَرَكَ الإفْصاحَ لِيَصْلُحَ ذَلِكَ لِإرادَةِ الكَعْبَةِ أيْضًا لِيَصِيرَ المَعْنى: إنْ كانُوا انْتَقَلُوا عَنِ الكَعْبَةِ بِأمْرِ اللَّهِ فَهم مُبْطِلُونَ في رُجُوعِهِمْ وإلّا فَهم في كُلِّ حالٍ أتْباعُ الهَوى؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمّا انْقَطَعَتْ حُجَجُهم ألْقَوْا هَذِهِ الشُّبْهَةَ إلى مَنِ اخْتَدَعُوهُ مِنَ المُنافِقِينَ ولَمْ يَقْدِرُوا أنْ يُواجِهُوا بِها أحَدًا مِنَ الثّابِتِي الإيمانِ، كَما قالُوا فِيما تَقَدَّمَ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] ونَحْوَهُ عِلْمًا مِنهم بِأنَّ المُحاجَّ لَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ مَن لَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ؛ ولِذا جاءَ جَوابُهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ خالِيًا عَنْ خِطابٍ لا كَما مَضى في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] (p-٢٠٣)ونَحْوِهِ؛ وساقَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهم بِذَلِكَ عَلى طَرِيقٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وجَلائِلِ الرِّسالَةِ؛ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَمّا سَيَكُونُ مِنَ الأعْداءِ، فَكانَ مِنهم عَلى وفْقِ الخَبَرِ؛ ولَمْ يَقْدِرُوا مَعَ شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في القَدْحِ بِأدْنى شُبْهَةٍ في التَّكْذِيبِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِالكَفِّ عَنْ ذَلِكَ؛ هَذا مَعَ تَوْطِئَةٍ لِذَلِكَ فِيما سَلَفَ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: تَحْرِيفُهم لِكَلامِ اللَّهِ، وإيقاعُهُ النَّسْخَ واسْتِدْلالُهُ عَلى حُسْنِ فِعْلِهِ، وإخْبارُهُ بِظُلْمِ مانِعِ المَسْجِدِ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ جِهَةً دُونَ أُخْرى، وذِكْرُهُ بِناءَ البَيْتِ وما أمَرَ بِهِ مِن تَعْظِيمِهِ واتِّخاذِهِ مُصَلّى؛ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَوْطِينِ نُفُوسِ أهْلِ الإسْلامِ وإكْرامِهِمْ بِتَعْلِيمِ الجَوابِ قَبْلَ الحاجَةِ، لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْخَصْمِ وأكْسَرَ لِشَوْكَتِهِ وأرَدَّ لِشَغَبِهِ، وتَسْمِيَتُهم (p-٢٠٤)سُفَهاءَ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ فِيما مَضى عَمَّنْ نافَقَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] لِأنَّهم وإنْ كانُوا مُصارَحِينَ بِالكُفْرِ فاسْمُ النِّفاقِ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى وهو أنَّهم أظْهَرُوا الكَفْرَ وأبْطَنُوا مَعْرِفَةَ الإيمانِ، أظْهَرُوا التَّكْذِيبَ وأبْطَنُوا ما هم عارِفُونَ بِهِ مِن صِدْقِهِ، وأيْضًا فَإذا كانَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ أظْهَرُوا حُسْنًا سُفَهاءَ لِما أبْطَنُوهُ مِنَ القَبِيحِ فالَّذِينَ عَمَّهُمُ القُبْحُ ظاهِرًا وباطِنًا أسَفَهُ؛ وإلى قَوْلِهِ قَرِيبًا: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] لِما تَقَرَّرَ مِن مُخالَفَتِهِمْ لَهُ وإنِ ادَّعَوُا المُوافَقَةَ. وقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وعِلْمًا ﴿المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ مُخَصَّصًا لَهُما لِكَوْنِهِما مَجْمَعَيِ الآفاقِ كَما مَضى فَلا تَخْتَصُّ بِالوُجْهَةِ إلَيْهِ جِهَةً دُونَ أُخْرى فَما أمَرَ بِهِ فَهو الحَقُّ.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ لِأنَّها مِلْكُهُ، عَلى أنَّ مَن تَوَجَّهَ إلى شَيْءٍ مِنها بِأمْرِهِ أصابَ رِضاهُ، وذَلِكَ هو الوُصُولُ إلَيْهِ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا بِقَوْلِهِ مُعَظِّمًا لِأهْلِ الإسْلامِ ومُعَرِّفًا بِعِنايَتِهِ بِهِمْ: (p-٢٠٥)﴿يَهْدِي﴾ إلَيْهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِن عِبادِهِ، وعَظَّمَ الكَعْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في أيِّ جِهَةٍ كانَتْ، فَمَتى سَلَكَهُ وصَلَ إلى المَقْصُودِ مِن غَيْرِ ضَلالٍ، ونَكَّرَهُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جُزْئِيّاتٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ وأمّا الصِّراطُ المُعَرَّفُ في الفاتِحَةِ فالمُرادُ بِهِ الشَّرِيعَةُ كُلُّها بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ ”ال“ مِنَ الكَمالِ.
البقرة 2:143
ولَمّا بَيَّنَ اسْتِقامَةَ القِبْلَةِ الَّتِي وجَّهَهم إلَيْها عَرَّفَ أنَّها وسَطٌ لا جَوْرَ (p-٢٠٦)فِيها فَأتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما جَعَلْنا قِبْلَتَكم وسَطًا لِأنَّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ الَّذِي هو وسَطُ الأرْضِ وهو بِناءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو أوْسَطُ الأنْبِياءِ وهو مَعَ ذَلِكَ خِيارُ البُيُوتِ فَهو وسَطٌ بِكُلِّ مَعْنى ﴿جَعَلْناكُمْ﴾ بِالهِدايَةِ إلَيْهِ في الِاسْتِقْبالِ وإلى غَيْرِهِ مِمّا نَأْمُرُكم بِهِ ﴿أُمَّةً﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الأمِّ وهو تَتَبُّعُ الجُمْلَةِ والعَدَدِ بَعْضُها لِبَعْضٍ إلى أنْ يَنْتَهِيَ لِإمامٍ أوَّلَ، فالإمامُ والأُمَّةُ كالمُتَقابِلَيْنِ، الإمامُ قاصِدٌ أُمَمًا، والأُمَّةُ قاصِدَةٌ إمامَها الَّذِي هو أمَمَها، والأمامُ ما بَيْنَ اليَدَيْنِ بِمَشْهَدِ الحِسِّ وسَبِيلِ القَصْدِ، انْتَهى.
﴿وسَطًا﴾ أيْ: شَرِيفَةً خِيارًا، لِأنَّ الوَسَطَ العَدْلُ الَّذِي نِسْبَةُ الجَوانِبِ كُلِّها إلَيْهِ سَواءٌ، فَهو خِيارُ الشَّيْءِ. قالَ أبُو تَمّامٍ الطّائِيُّ:
؎كانَتْ هي الوَسَطُ المَحْمِيُّ فاكْتَنَفَتْ. . . بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفًا
(p-٢٠٧)وسالِكٌ الوَسَطَ مِنَ الطَّرِيقِ مَحْفُوظٌ مِنَ الغَلَطِ، ومَتى زاغَ عَنِ الوَسَطِ حَصَلَ الجَوْرُ المُوقِعُ في الضَّلالِ عَنِ القَصْدِ؛ فَفي هَذا أنَّهم لَمّا ادَّعَوُا الخُصُوصِيَّةَ كُذِّبُوا ورُدَّتْ حُجَجُهم ثُمَّ أُثْبِتَتِ الخُصُوصِيَّةُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ والوَسَطُ بِالتَّحْرِيكِ اسْمٌ لِعَيْنِ ما بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ كَمَرْكَزِ الدّائِرَةِ، وبِالسُّكُونِ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِداخِلِ الدّائِرَةِ مَثَلًا، وكَذا كانَ ظَرْفًا، فالأوَّلُ يُجْعَلُ مُبْتَدَأً وفاعِلًا ومَفْعُولًا بِهِ، ولا يَصْحُّ شَيْءٌ مِن هَذا في السّاكِنِ، قالَهُ الأصْبِهانِيُّ: ومادَّةُ وسَطَ مَهْمُوزَةً وغَيْرَ مَهْمُوزَةٍ واوِيَّةً ويائِيَّةً بِتَراكِيبِها الأحَدَ عَشَرَ: وسَطَ، وطَسَ، سَوَطَ، سَطَوَ، طَوَسَ، طَسَوَ، طَيَسَ، طِسى، [سَيَطَ ] سَطَأ، طَسَأ، تَدُورُ عَلى العَدْلِ السَّواءِ الَّذِي نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ جانِبٍ عَلى التَّساوِي، ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أعْلى مِن غَيْرِهِ، لِأنَّ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ كَرِيٌّ؛ وكُلُّ ما كانَ في وسَطِ الكُرَةِ كانَ أعْلى، ولِأنَّ كُلَّ جُزْءٍ بَعْدَ الوَسَطِ إذا نَسَبْتَهُ إلى الطَّرَفِ الَّذِي يَلِيهِ كانَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أقَلَّ مِمّا بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَسَطِ؛ ويَلْزَمُ [العَدْلَ الجَوْدَةُ ويَلْزَمُ ] العُلُوَّ الغَلَبَةُ والسَّطْوَةُ والكَثْرَةُ والشِّدَّةُ، وقَدْ يَلْزَمُ العُلُوَّ الِاضْطِرابُ فَيَأْتِي الِاخْتِلاطُ والِاقْتِطاعُ والضَّعْفُ؛ فَمِنَ الأصْلِ الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أعْدَلُهُ، ووَسَطُ الشَّيْءِ ما بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَإذا سُكِّنَتِ السِّينُ كانَ ظَرْفًا (p-٢٠٨)أوْ هو فِيما هو مُصْمَتٌ فَإذا كانَتْ أجْزاؤُهُ مُتَخَلِّصَةً مُتَبايِنَةً فَبِالإسْكانِ؛ ووَسَطَهُ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وتَوَسَّطَ بَيْنَهم عَمِلَ الوَساطَةَ وأخَذَ الوَسَطَ بَيْنَ الرَّدِيءِ والجَيِّدِ، ووَسَطَ القَوْمَ وتَوَسَّطَهم هو وسَطٌ فِيهِمْ أوْسَطُهم نَسَبًا وأرْفَعُهم مَحَلًّا وهو المُتَوَسِّطُ بَيْنَ القَوْمِ، وواسِطَةُ الرَّحْلِ ما بَيْنَ قادِمَتِهِ وآخِرَتِهِ، وأوْطاسٌ وادٍ بِدِيارِ هَوازِنَ لِما وصَفَهُ بِهِ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ مِن أنَّهُ لا حَزْنٌ ضَرْسٌ ولا سَهْلٌ دَهْسٌ، أيْ: يَثْقُلُ المَشْيُ فِيهِ بِكَوْنِهِ شِبْهَ الرَّمْلِ وما هو بِرَمْلٍ ولا تُرابٍ، ومِنَ الجَوْدَةِ وهي مَلْزُومَةٌ لِحُسْنِ الوَسَطِ البابِ، والصَّلاةُ الوُسْطى أفْضَلُ الصَّلَواتِ، والطّاوُوسُ طائِرٌ حَسَنٌ، والجَمِيلُ مِنَ الرِّجالِ والفِضَّةِ، والأرْضُ المُخْضَرَّةُ فِيها كُلُّ ضَرْبٍ مِنَ النَّبْتِ، والمَطُوسُ كَمُعْظَمِ الشَّيْءِ الحَسَنِ، والطَّوْسِ بِالفَتْحِ القَمَرُ وحُسْنُ الوَجْهِ ونَضارَتُهُ بَعْدَ عِلَّةٍ، وتَطَوَّسَتِ المَرْأةُ تَزَيَّنَتْ، وطَواسٌ كَسَحابٍ لَيْلَةٌ مِن لَيالِي المِحاقِ كَأنَّهُ مِن بابِ الإزالَةِ أوْ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ النُّجُومَ في شِدَّةِ الظَّلامِ أحْسَنُ. ومِنَ العُلُوِّ: سَطا الفَرَسُ أبْعَدَ الخَطْوَ، والسّاطِئُ: الفَرَسُ البَعِيدُ الخُطْوَةِ والَّذِي يَرْفَعُ ذَنَبَهُ في حَضَرِهِ، والطَّوِيلُ وواسِطُ الكُورِ (p-٢٠٩)مُقَدَّمُهُ، ومِنَ الشِّدَّةِ والغَلَبَةِ: صارَ الماءُ وسِيطَهُ غَلَبَ عَلى الطِّينِ، وسَطا عَلَيْهِ وبِهِ صالَ أوْ قَهَرَ بِالبَطْشِ، والرّاعِي عَلى النّاقَةِ أدْخَلَ يَدَهُ في رَحِمِها لِيُخْرِجَ ما فِيها مِن ماءِ الفَحْلِ، والفَرَسُ رَكِبَ رَأْسَهُ، وساطاهُ شَدَّدَ عَلَيْهِ؛ والسّاطِئُ الفَحْلُ المُغْتَلِمُ يُخْرَجُ مِن إبِلٍ إلى إبِلٍ، وسَطَأها مَهْمُوزًا كَمَنَعَ جامَعَها؛ والوَطْسُ كالوَعْدِ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ والكَسْرُ، والوَطِيسُ التَّنُّورُ وحَرُّ الحَرْبِ، والوَطِيسُ شِدَّةُ الأمْرِ، وكَكِتابِ الرّاعِي، وتَواطَسُوا عَلَيَّ أيْ: تَواطَحُوا أيْ: تَداوَلُوا الشَّرَّ بَيْنَهم، والمَوْجُ تَلاطَمَ، وأوْطاسٌ وادٍ بِدِيارِ هَوازِنَ لِأنَّهُ أشَدُّ مِمّا هو رَمْلٌ صِرْفٌ، والسَّوْطُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ والشَّدَّةُ والضَّرْبُ، والمِسْواطُ فَرَسٌ لا يُعْطى حَضَرُهُ إلّا بِالسَّوْطِ، والسِّياطِ قُضْبانُ الكِرابِ الَّذِي عَلَيْهِ دَمالِيقُهُ أيْ: عَراجِينُهُ والكِرابُ أُصُولُ السَّعَفِ الغِلاظِ العِراضِ، وسَوَطَ أخْرَجَ ذَلِكَ، والطَّوْسُ بِالفَتْحِ: الوَطْءُ وبِالضَّمِّ: دَوامُ الشَّيْءِ ودَواءٌ يُشْرَبُ لِلْحِفْظِ، وطَواسٌ كَسَحابٍ لَيْلَةٌ مِن لَيالِي المِحاقِ، وما أدْرِي أيْنَ طَوَّسَ بِهِ أيْ: ذَهَبَ بِهِ؛ (p-٢١٠)وطِسى كَرِضى طَسًا غَلَبَ الدَّسَمُ عَلى قَلْبِهِ فَأُتْخِمَ كَطَسا أيْ: واوِيًّا؛ وطَسِئَ مَهْمُوزًا أيْضًا كَفَرِحَ وجَمْعُ طَسَأٍ وطَساءٍ فَهو طَسِيءٌ أُتْخِمَ أوْ تَغَيُّرٌ مِن أكْلِ الدَّسَمِ، وأطْسَأهُ الشِّبَعُ ونَفْسِي طاسِئَةٌ ويَدْخُلُ هَذا في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلاطِ والضَّعْفِ. ومِنَ الكَثْرَةِ الوَسَطُ وهي النّاقَةُ تَمْلَأُ الإناءَ ويَدْخُلُ في الجِيدِ، والطَّيْسُ العَدَدُ الكَثِيرُ، وكُلُّ ما في وجْهِ الأرْضِ مِن تُرابٍ وقِمامٍ أوْ خَلْقٌ كَثِيرُ النَّسْلِ كالذُّبابِ والنَّمْلِ والهَوامِّ أوْ دِقاقُ التُّرابِ كالطَّيْسَلِ في الكُلِّ وكَثْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الرَّمْلِ والماءِ وغَيْرِهِما؛ وسَطا الماءُ كَثُرَ؛ والسُّوَيْطاءُ مَرْقَةٌ كَثِيرَةُ الماءِ، ومِنَ الِاخْتِلاطِ [سِياطٌ كَكِتابٍ مُغْنٍ مَشْهُورٌ؛ و] سَطا الطَّعامَ ذاقَهُ؛ والسّاطِئُ: الفَحْلُ المُغْتَلِمُ يُخْرَجُ مِن إبِلٍ إلى إبِلٍ، وسَطا الرّاعِي عَلى النّاقَةِ أدْخَلَ يَدَهُ في رَحِمِها لِيُخْرِجَ ما فِيها مِن ماءِ الفَحْلِ؛ والسَّوْطُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ والخَلْطُ والضَّرْبُ، والسِّياطُ قُضْبانُ الكِرابِ الَّذِي عَلَيْهِ دَمالِيقُهُ، وسَوْطٌ باطِلٌ ضَوْءٌ يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ، وسِطْتُ الشَّيْءَ بِالسَّوْطِ ضَرَبْتُهُ بِهِ، والسَّوْطُ أيْضًا ما يُخْلَطُ بِهِ كالمِسْواطِ ووَلَدٌ لِإبْلِيسَ، والمِسْواطُ فَرَسٌ لا يُعْطِي حُضْرَهُ (p-٢١١)إلّا بِالسَّوْطِ، واسْتَوَطَ أمْرُهُ اضْطَرَبَ واخْتَلَطَ، وأمْوالُهم سَوِيطَةٌ بَيْنَهم مُخْتَلِطَةٌ، والطُّوسُ بِالضَّمِّ دَواءٌ يُشْرَبُ لِلْحِفْظِ، والطّاوُوسُ طائِرٌ والأرْضُ المُخْضَرَّةُ فِيها كُلُّ ضَرْبٍ مِنَ النَّبْتِ، ومِنَ الِاقْتِطاعِ الطّاسُ أيِ: الإناءُ يُشْرَبُ فِيهِ، والسَّوْطُ النَّصِيبُ والفَضْلَةُ مِنَ الغَدِيرِ. ومِنَ الضَّعْفِ الوَسَطُ مِن بُيُوتِ الشُّعَراءِ وهو أصْغَرُها، وطَسَأ كَمَنَعَ مَهْمُوزًا اسْتْحْيا.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ الوَسَطَ الَّذِي مَن حَلَّهُ كانَ جَدِيرًا بِأنْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الجَوانِبِ واسْتَلْزَمَ ذَلِكَ كَوْنُهُ خِيارًا قالَ: ﴿لِتَكُونُوا﴾ أيْ: أنْتُمْ لا غَيْرُكم ﴿شُهَداءَ﴾ كَما أفادَهُ التَّعْبِيرُ بِهَذا دُونَ أنْ يُقالَ: لِتَشْهَدُوا، وقالَ: ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ: كافَّةً. ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ أوْسَطَهم قالَ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ بِما اقْتَضاهُ اخْتِصاصُهُ بِكَوْنِهِ وسَطَ الوَسَطِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ خاصَّةً ﴿شَهِيدًا﴾ بِأنَّكم تابَعْتُمُوهُ وصَدَّقْتُمُوهُ فَكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، (p-٢١٢)وبِأنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم مُدَّةَ حَيّاتِهِ، فَلَمّا ماتَ خَلَّفَ فِيكم كِتابًا مُعْجِزًا مُتَواتِرًا لا يَغْسِلُهُ الماءُ ولا تَحْرُقُهُ النّارُ، لِأنَّهُ مَحْفُوظٌ في الصُّدُورِ مَتْلُوٌّ بِالألْسُنِ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فافْهَمْ صَوْغَ الكَلامِ هَكَذا: إنَّهم حازُوا شَرَفَيْنِ أنَّهُ لا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ إلّا الرَّسُولُ، وأنَّهُ لا يَحْتاجُ في الشَّهادَةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ إلى غَيْرِ شَهادَتِهِمْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ غَيْرَهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ كَما شَهِدُوا عَلَيْهِمْ، ولِتَوَهُّمِ أنَّ غَيْرَهم لا يُكْتَفى في الشَّهادَةِ عَلَيْهِ إلّا بِشَهادَةِ الرَّسُولِ كَما لَمْ يُكْتَفَ فِيهِمْ إلّا بِذَلِكَ.
ولَمّا أعْلَمَ بِما ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] وعَلِمَ جَوابَهم وبَيَّنَ سِرَّ التَّحْوِيلِ بَيَّنَ عِلَّةَ التَّوْجِيهِ إلى قِبْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يُقاوِيها أحَدٌ ﴿القِبْلَةَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في جُمْلَتِهِ إنْباءٌ بِأنَّ القِبْلَةَ مَجْعُولَةٌ أيْ: مُصَيَّرَةٌ عَنْ حَقِيقَةٍ وراءَها ابْتِلاءٌ بِتَقْلِيبِ الأحْكامِ (p-٢١٣)لِيَكُونَ تَعَلُّقُ القَلْبِ بِاللَّهِ الحَكِيمِ لا بِالعَمَلِ المُحْكَمِ، فالوُجْهَةُ الظّاهِرَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلى المُتَّبِعِ عَنْ صِدْقٍ فَيَثْبُتُ عِنْدَ تَقَلُّبِ الأحْكامِ بِما في قَلْبِهِ مِن صِدْقِ التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ والتَّوَجُّهِ لَهُ أيّانَ ما وجَّهَهُ، وعَلى المُجِيبِ عَنْ غَرَضٍ ظاهِرٍ لَيْسَ يُسْنِدُهُ صِدْقٌ باطِنٌ فَيَتَعَلَّقُ مِنَ الظّاهِرِ بِما لا يَثْبُتُ عِنْدَ تَغَيُّرِهِ، انْتَهى.
وبَيَّنَ أنَّها الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ وبَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالجُنُودِ والرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ حِينَ وُجُودِ الأمْرِ بِالتَّحَوُّلِ عَنْها ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ اتِّباعًا دالًّا عَلى تَمَكُّنِ إيمانِهِ ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ أيْ: يَرْتَدُّ [فَيُدْبِرُ ] بَعْدَ إقْبالِهِ مُتَنَكِّسًا ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ عَلَمًا مُتَعَلِّقًا بِمَوْجُودٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِكم، والعَقِبُ مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لِنَجْعَلَ عَلَمًا ظاهِرًا عَلى الصّادِقِ وغَيْرِهِ يَشْتَمِلُ العِلْمُ بِهِ مَن عَلِمَ الغَيْبَ قَبْلَ كَوْنِهِ وبَعْدَ كَوْنِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمِ الغَيْبَ إلّا عَنْ عِلْمٍ بِما يُنْبِئُنِي عَنْهُ نُونُ الِاسْتِتْباعِ فَهَذا وجْهُهُ ووَجْهُ ما يَرِدُ مِن نَحْوِهِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ شِدَّتَها عَلى مَن أخْلَدَ إلى العادَةِ لِغَلَبَةِ القُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ ولَمْ يَتَمَرَّنْ في الِانْقِيادِ لِلْأوامِرِ الإلَهِيَّةِ عَلى خَلْعِ الإلْفِ وذُلِّ (p-٢١٤)النَّفْسِ فَقالَ: ﴿وإنْ كانَتْ﴾ أيِ: الجَعْلَةُ ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أيْ: ثَقِيلَةً شاقَّةً جِدًّا لِأنَّ مُفارَقَةَ الألِفِ بَعْدَ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ إلَيْهِ أمْرٌ شاقٌّ جِدًّا، ثُمَّ اسْتَثْنى مَن أيَّدَهُ سُبْحانَهُ بِرُوحٍ مِنهُ وسَكِينَةٍ فَقالَ: ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ الهِدايَةَ في قُلُوبِهِمْ فانْقادُوا لِما هَداهم إلَيْهِ بِنَصِيبِ الأدِلَّةِ.
ولَمّا كانَ قَبُولُهم لِهَذا الأمْرِ وثَباتُهم عِنْدَ تَغَيُّرِ الأحْكامِ إنَّما كانَ عَنْ إيمانٍ وعِلْمٍ مُحِيطٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْمالَهم وتَوَجُّهَهم لِلْقِبْلَةِ الأُولى مِنَ الإيمانِ فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ ﴿لِيُضِيعَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِمّا مِنهُ الضَّياعُ والضَّيْعَةُ وهو التَّفْرِيطُ فِيما لَهُ غَناءٌ وثَمَرَةٌ إلى أنْ لا يَكُونَ لَهُ غَناءٌ ولا ثَمَرَةٌ ﴿إيمانَكُمْ﴾ أيِ: المُصَرَّحَ بِهِ في قَوْلِكم: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] المُشارِ إلى صِدْقِ الدَّعْوى فِيهِ بِقَوْلِكم: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لا في صَلاتِكم إلى القِبْلَةِ الأُولى، ولا في تَمْيِيزِ الصّادِقِ مِنكم مِنَ المُنافِقِ بِالِامْتِحانِ بِتَغْيِيرِ الأحْكامِ مِنَ القِبْلَةِ وغَيْرِها ولا في اخْتِصاصِكم بِهِ سُبْحانَهُ دُونَ أهْلِ (p-٢١٥)الكِتابِ الجاحِدِينَ لِآياتِهِ النّاكِبِينَ عَنْ مَرْضاتِهِ النّاكِثِينَ لِعُهُودِهِ.
ولَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الإضاعَةِ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما هو أعَمُّ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿بِالنّاسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم أعَمُّ مِنَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَنُوسُونَ بَيْنَ حالِ الهُدى والفِتْنَةِ ﴿لَرَءُوفٌ﴾ أيْ: فَيَرْحَمُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ تَوَصَّلَ إلَيْهِ بِعَمَلٍ صالِحٍ رَأْفَةً مِنهُ بِهِ، فَإنَّ الرَّأْفَةَ كَما قالَ الحَرالِّيُّ في التَّفْسِيرِ عَطْفُ العاطِفِ عَلى مَن [لَمْ ] يَجِدْ عِنْدَهُ مِنهُ وُصْلَةً، فَهي رَحْمَةُ ذِي الصِّلَةِ بِالرّاحِمِ، قالَ: والرَّحْمَةُ تَعُمُّ مَن لا صِلَةَ لَهُ بِالرّاحِمِ، وقالَ في شَرْحِ الأسْماءِ: إنَّ المَرْؤُوفَ بِهِ تُقِيمُهُ عِنايَةُ الرَّأْفَةِ حَتّى تَحْفَظَ بِمَسْراها في سِرِّهِ ظُهُورَ ما يُسْتَدْعى العَفْوُ لِأجْلِهِ عَلى عَلَنِهِ. انْتَهى.
وذَلِكَ مُقْتَضى لِكَوْنِها أشَدَّ الرَّحْمَةِ وأبْلَغَها وألْطَفَها كَما قالُوهُ،
﴿رَحِيمٌ﴾ لِمَن يَشاءُ (p-٢١٦)ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ سَعْيٌ في الوُصْلَةِ فَتَقْتَلِعُهُ مِن ذُنُوبِهِ اقْتِلاعًا أشَدَّ ما كانَ بِها اعْتِلاقًا فَتُقِيمُهُ فِيما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ وذَلِكَ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِما قالَهُ العُلَماءُ تَرَقَّ مِنَ العالِي إلى الأعْلى، فَإنَّ رَحْمَةَ مَن لا سَبَبَ مِنهُ تَقْتَضِي العَطْفَ عَلَيْهِ أبْلَغَ في نَوْعِها مِن حَيْثُ كَوْنُها ابْتِداءً والأُولى أبْلَغُ في نَفْسِها لِما اقْتَضاها مِنَ السَّبَبِ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِالنّاسِ العَرَبَ فَهو بِشارَةٌ لَهُ ﷺ بِأنَّهُ يَقَرُّ عَيْنُهُ بِجَعْلِهِمْ مِن حِزْبِهِ بِالتَّثْبِيتِ لِمَن كانَ إذْ ذاكَ مُقْبِلًا والإقْبالُ لِمَن كانَ مُدْبِرًا، وإنْ كانَ المُرادُ أعَمَّ مِنهم فَهو بِشارَةٌ بِاتِّباعِ أكْثَرِ الخَلائِقِ لَهُ ﷺ، فَإذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَ العُمُومُ الحَقِيقِيُّ في الطَّرِيقِ المُحَمَّدِيِّ بِاتِّباعِ الكُلِّ لَهُ ﷺ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْكَلامِ مِن أوَّلِهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ صِفَتَيْ رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ مُقْتَضِيَتانِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ لِلْعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ، لِأنَّ تَسْوِيَةَ المُصْلِحِ بِالمُفْسِدِ يُؤْلِمُ المُصْلِحَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ بَراءَةٍ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.
البقرة 2:144
ولَمّا أشْعَرَ الكَلامُ السّابِقُ أهْلَ البَلاغَةِ بِإحْداثِ أمْرٍ في القِبْلَةِ (p-٢١٧)فَتَوَقَّعُوا الخَبَرَ عَنْ ذَلِكَ وبَيَّنَ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ بِالنّاسِ عُمُومًا بَيَّنَ ذَلِكَ بِرَسُولِهِ خُصُوصًا بِأنَّ تَحْوِيلَهُ إلى الكَعْبَةِ رَأْفَةٌ مِنهُ بِهِ ورَحْمَةٌ لَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن فَوائِدِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾، قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ نَبَأُ إسْماعٍ لِمَن يَرْتَقِبُ أمْرًا أوْ خَبَرًا يُفِيدُ مَعَ المُسْتَقْبَلِ نُدْرَةَ الوُقُوعِ، فَفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا انْطَوى ضَمِيرُهُ عَلى إرادَةِ التَّوَجُّهِ لِلْكَعْبَةِ الَّتِي هي قِيامٌ لِلنّاسِ حِينَ كانَ هو رَسُولًا لِكافَّةِ النّاسِ وكانَ ﷺ عَلى مِلَّةِ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَكْتَفِي بِعِلْمِ اللَّهِ بِهِ عَنْ مَسْألَتِهِ، لِأنَّ الدُّعاءَ لِلطّالِبِينَ قَضاءُ حاجَةٍ ولِلْمُكْتَفِينَ بِعِلْمِ اللَّهِ عِبادَةٌ أجابَ اللَّهُ تَقَلُّبَ وجْهِهِ عَلى قِلَّةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ عَلى ما تُشْعِرُ بِهِ ”قَدْ“ بِالتَّقْلِيلِ لِلتَّقَلُّبِ ولِلرُّؤْيَةِ ﴿فِي السَّماءِ﴾ فِيهِ إعْلامٌ بِما جَعَلَهُ مِنَ اخْتِصاصِ السَّماءِ بِوَجْهِ الدّاعِي، كَما اخْتَصَّ غَيْبَ القُلُوبِ بِوَجْهِهِ المُصَلِّي، فالمُصَلِّي يَرْجِعُ إلى غَيْبِ قَلْبِهِ، ولا يَرْفَعُ طَرَفَهُ إلى السَّماءِ، ”ولَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ عَنْ رَفْعِ أبْصارِهِمْ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ أوْ لَتُخْطَفَنَّ أبْصارَهُمْ“، والدّاعِي يَتَوَجَّهُ إلى السَّماءِ ويَمُدُّ يَدَيْهِ كَما قالَ: ”حَتّى رَأيْنا عَفْرَةَ إبِطَيْهِ“ - انْتَهى مُلَخَّصًا.
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تِلْكَ (p-٢١٨)الرُّؤْيَةِ أنّا نُوَلِّيكَ مِن غَيْرِ شَكٍّ ﴿قِبْلَةً﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: نَكَّرَها لَمّا كانَ مِن ورائِها قِبْلَةُ التَّوَجُّهِ العامِّ في تَنَقُّلِهِ، فَتِلْكَ هي القِبْلَةُ الَّتِي هي تُوَجَّهُ لِوَجْهِ اللَّهِ لا تَوَجُّهَ لِمَنظَرٍ بادٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ، فَكانَ مُتَّسَعُ القِبْلَةِ ما بَيْنَ اخْتِصاصِ القِبْلَةِ الشّامِيَّةِ إلى قِيامِ القِبْلَةِ الحِجازِيَّةِ إلى إحاطَةِ القِبْلَةِ العامَّةِ الآفاقِيَّةِ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿تَرْضاها﴾ إنْباءٌ بِإقْرارِهِ لِلتَّوَجُّهِ لِهَذِهِ القِبْلَةِ، لِأنَّ الرِّضى وصْفُ المُقِرِّ لِما يُرِيدُ، فَكُلٌّ واقِعٌ بِإرادَةٍ لا يَكُونُ رَضًى إلى أنْ يَسْتَدْرِكَهُ الإقْرارُ، فَإنَّ تَعَقُّبَهُ الرَّفْعُ والتَّغْيِيرُ فَهو مُرادٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، انْتَهى. ودَلَّ عَلى أنَّ مَرْضِيَّهُالكَعْبَةُ بِفاءِ السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ وأمّا قَلْبُكَ فَإنَّما تَوَجُّهُهُ إلى اللَّهِ، الغَيْبُ (p-٢١٩)لِلْغَيْبِ والظّاهِرُ لِلظّاهِرِ،
﴿شَطْرَ﴾ أيْ: عَيَّنَ ﴿المَسْجِدِ﴾ كَما اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّسالَةِ عَلى ذَلِكَ بِجُمْلَةٍ مِن أشْعارِ العَرَبِ، وقالَ: وهَذا كُلُّهُ مِن أشْعارِهِمْ يُبَيِّنُ أنَّ شَطْرَ الشَّيْءِ قَصْدُ عَيْنِ الشَّيْءِ، إذا كانَ مُعايَنًا فَبِالصَّوابِ وإنْ كانَ مُغَيَّبًا فَبِالِاجْتِهادِ ﴿الحَرامِ﴾ وتَعْبِيرُهُ بِهَذا دُونَ الكَعْبَةِ فِيهِ تَوْسِعَةٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: سَمّاهُ اللَّهُ حَرامًا لِحُرْمَتِهِ حَيْثُ لَمْ يُوطَأْ قَطُّ إلّا بِإذْنِهِ ولَمْ يُدْخَلْ إلّا دُخُولَ تَعَبُّدٍ وذِلَّةٍ فَكانَ حَرامًا عَلى مَن يَدْخُلُهُ دُخُولَ مُتَكَبِّرٍ أوْ مُتَحَيِّرٍ. انْتَهى. [وعَنِ الإمامِ الماوَرْدِيِّ أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ المَسْجِدَ الحَرامَ فالمُرادُ بِهِ الحَرَمُ إلّا هَذا فالمُرادُ بِهِ الكَعْبَةُ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِأنَّ السِّياقَ لِلصَّلاةِ الَّتِي أعْظَمُ مَقْصُودِها السُّجُودُ، وسَيَأْتِي عِنْدَ (p-٢٢٠)﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] زِيادَةٌ عَلى هَذا ]، وفي المُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ قَدِمَ المَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ»، ولَمّا بَشَّرَهُ سُبْحانَهُ بِالتَّحْوِيلِ أوَّلًا وأوْقَعَ المُبَشَّرَ بِهِ ثانِيًا أشارَ إلى بِشارَةٍ ثالِثَةٍ بِتَكْثِيرِ أُمَّتِهِ ونَشْرِهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ فَجَمَعَهم إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: مِن جِهاتِ الأرْضِ الَّتِي أوْرَثَكم إيّاها،
﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ بِتَوْجِيهِ قُلُوبِكم إلَيَّ.
ولَمّا حَرَّرَ ذَلِكَ وقَرَّرَهُ بَيَّنَ أنَّ العائِبِينَ لِدِينِهِ بِذَلِكَ مِن أهْلِ الكِتابِ عالِمُونَ بِحَقِّيَّةِ هَذا التَّحْوِيلِ وأنَّهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ فَقالَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَمْ يَصِفْهم هُنا بِالسَّفَهِ لِإثْباتِ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ﴾ أيْ: هَذا التَّحْوِيلَ ﴿الحَقُّ﴾ أيْ: لَيْسَ بَعْدَهُ في أمْرِ القِبْلَةِ حَقٌّ آخَرُ يَرْفَعُهُ أصْلًا،
﴿مِن (p-٢٢١)رَبِّهِمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِإرْسالِ هَذا الرَّسُولِ الَّذِي يَرْفَعُ عَنْهم إصْرَهم وكانُوا يَنْتَظِرُونَ رِسالَتَهُ، فَعِنْدَما أتاهم رَدُّوا رَحْمَتَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ في سِياقِ مُهَدِّدٍ لَهُ مُرَجٍّ لَهُ ولِأتْباعِهِ تَسْلِيَةً لَهم وتَثْبِيتًا وتَقْوِيَةً لِعَزائِمِهِمْ وتَمْكِينًا حَيْثُ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: بِالياءِ أيِ التَّحْتانِيَّةِ إعْراضًا عَنْهم، وبِالتّاءِ إقْبالًا عَلَيْهِمْ، فَفِيهِ إنْباءٌ بِتَمادِيهِمْ عَلى سُوءِ أحْوالِهِمْ في رُتْبَتَيْنِ: في مُتَمادٍ عَلى سُوءٍ هَدَّدَ فِيهِ لِما أقْبَلَ عَلَيْهِ، وفي مُتَمادٍ عَلى أسْوَأ مِنهُ أوْجَبَ في تَهْدِيدِهِ الإعْراضَ عَنْهُ (p-٢٢٢)والإقْبالَ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَصِلْ في السُّوءِ والمُكاءَدَةِ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ المُعْرِضُ عَنْهُ.
البقرة 2:145
ولَمّا أطْمَعَ أوَّلُ الآيَةِ في أهْلِ الكِتابِ وقَطَعَ عَنْهم آخِرُها صَرَّحَ بِما لَوَّحَ إلَيْهِ هَذا الأخِيرُ وأعْلَمَهُ ﷺ بِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وأنَّهُ لا اتِّفاقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أصْلًا ولا اتِّفاقَ بَيْنَ فَرِيقَيْهِمْ مَعَ كَوْنِ الكُلِّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِيُرِيحَهُ ﷺ مِنَ التَّطَلُّعِ إلى هُدى بَعْضِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ بَناهُ لِلْمَجْهُولِ تَنْبِيهًا عَلى هَوانِهِمْ ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ المَسْمُوعَةِ مُرَغِّبَةً ومُرَهِّبَةً ومِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ مُغَرِّبَةً ومُقَرِّبَةً ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الَّتِي حُوِّلْتَ إلَيْها وكُنْتَ الحَقِيقَ بِها لِكَوْنِها قِيامًا لِلنّاسِ كَما أنْتَ رَسُولٌ إلى جَمِيعِ النّاسِ، لِأنَّ إعْراضَهم لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ إذا زالَتْ زالَ بَلْ عَنْ عِنادٍ، ثُمَّ أوْمَأ لَهُ إلى أنَّهم يَنْصِبُونَ لَهُ الحَبائِلَ لِيَعُودَ ولَوْ ساعَةً مِن نَهارٍ إلى قِبْلَتِهِمْ لِيَقْدَحُوا بِذَلِكَ فِيهِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى عَيْبِهِمْ بِاخْتِلافِهِمْ وتَفَرُّقِهِمْ مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وما بَعْضُهُمْ﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ ﴿بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مَعَ تَقارُبِهِمْ في النَّسَبِ، وذَلِكَ حَثًّا لِلْعَرَبِ عَلى الثَّباتِ عَلى مُباعَدَتِهِمْ والحَذَرِ مِن مُخادَعَتِهِمْ.
ولَمّا كانَ دِينُهم قَدْ نُسِخَ أعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ثَباتَهم عَلى قِبْلَتِهِمْ مَعَ (p-٢٢٣)ذَلِكَ مُجَرَّدُ هَوًى [فَقالَ ] مُنَفِّرًا لِلْأُمَّةِ عَنْهم ومُحَذِّرًا لَهم مِنهم بِخِطابِ الرَّأْسِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لِقَبُولِ الِاتِّباعِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ لِأمْرِ القِبْلَةِ فَقَطْ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَأبْهَمَهُ ولَمْ يَكُنْ نَحْوَ الأوَّلِ الَّذِي قالَ فِيهِ: ”بَعْدَ الَّذِي“ لِظُهُورِ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ وخَفاءِ ما وقَعَتْ إلَيْهِ الإشارَةُ في هَذا، وجاءَتْ فِيهِ ”مِن“ الَّتِي هي لِابْتِداءٍ مِن أوَّلِيَّةٍ لِخَفاءِ مَبْدَأِ أمْرِ ما جاءَ مِنَ العِلْمِ هُنا وظُهُورِ ذَلِكَ الأوَّلِ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ في أمْرِ المِلَّةِ الَّتِي (p-٢٢٤)مَأْخَذُها العَقْلُ، وهَذِهِ في أمْرِ التَّوْجِيهِ الَّذِي مَأْخَذُهُ الدِّينُ والغَيْبُ، قالَ الحَرالِّيُّ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ عَلى حَدِّ ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ مَن لَمَحَ لَمْحًا مِن وصْفٍ كانَ مِنَ المَوْصُوفِ بِهِ بِألْطَفَ لَطُفَ ووَصَفَ كُلَّ رُتْبَةٍ بِحَسَبِها، فَما يَرْفَعُ عَنْهُ النَّبِيَّ ﷺ مِن بابِ إظْهارِ رَغْبَتِهِ وحِرْصِهِ عَلى هِدايَةِ الخَلْقِ الَّذِي جُبِلَ عَلى الرَّحْمَةِ فِيهِ وطَلَبِ المُسامِحَةِ في التَّقاصُرِ عَنْهُ نَظَرًا مِنهُ إلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى ومَضْمُونُ وصِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ حِينَ أوْصاهُ بِغَيْرِ تُرْجُمانٍ ولا واسِطَةٍ أنْ يَصْفَحَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويَصِلَ مَن قَطَعَهُ، فَكانَ ﷺ يَطْلَبُ وصْلَ المُنْقَطِعِ عَنْهُ حَتّى يُعْلِنَ عَلَيْهِ بِالإكْراهِ في تَرْكِ ذَلِكَ ووَدْعِهِ فَيُجِيبُهُ حُكْمًا وإنْ كانَ مَعَهُ عِلْمًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ [اغْفِرْ ] لِقَوْمِي ! فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، فَفي طَيِّ كُلِّ خِطابٍ لَهُ يُظْهِرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ إكْراهَهُ عَلى أخْذِ حُكْمِ الحَقِّ وإمْضاءِ العَدْلِ أعْظَمَ مِدْحَةٍ لَهُ والتِزامٍ لِوَصِيَّتِهِ إيّاهُ، فَهو مَمْدُوحٌ بِما هو مُخاطَبٌ بِخِطابِ الإكْراهِ عَلى إمْضاءِ العَدْلِ والِاخْتِصارِ في أمْرِ رَحْمَتِهِ لِلْعالِمِينَ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَضَعُ رَحْمَةً في مَوْضِعِ اسْتِحْقاقِ وضْعِ النِّقْمَةِ، فَذَلِكَ الَّذِي بِجَمْعِ مَعْناهُ بَيْنَ مُتَقابِلِ الظّالِمِينَ فِيمَن يَضَعُ النِّقْمَةَ مَوْضِعَ الرَّحْمَةِ فَيَكُونُ أدْنى الظُّلْمِ، أوْ مَن يَضَعُ الرَّحْمَةَ في مَوْضِعِ (p-٢٢٥)النِّقْمَةِ فَيَكُونُ مِنهُ بِتَغْيِيرِ الوَضْعِ بِوَضْعِ الفَضْلِ مَوْضِعَ العَدْلِ؛ وعَلى ذَلِكَ جَمِيعُ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٤] أيْ: في إمْضاءِ العَدْلِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] في طَلَبِ الفَضْلِ لِأهْلِ العَدْلِ فَإنَّ اللَّهَ يَمْضِي عَدْلُهُ كَما يَفِيضُ فَضْلُهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ٢] فِيهِ إظْهارٌ لَمِدْحَتِهِ بِحِرْصِهِ عَلى تَألُّفِ الأبْعَدِينَ ووَصْلِ القاطِعِينَ حَتّى يَنْصَرِفَ عَنْهم بِالحُكْمِ وإشادَةِ الإكْراهِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَلا يَنْصَرِفُ عَنْ حُكْمِ الوَصِيَّةِ إلى حُكْمِ الكِتابِ بِالحَقِّ إلّا عَنْ إشادَةٍ بِإكْراهِهِ عَلَيْهِ، فَهو مَحْمُودٌ بِما هو مَنهِيٌّ عَنْهُ، لِأنَّ خِطابَهُ أبَدًا في ذَلِكَ في القُرْآنِ فِيما بَيْنَ الفَضْلِ والعَدْلِ، وخِطابُ سائِرِ الخَلْقِ جارٍ فِيما بَيْنَ العَدْلِ والجَوْرِ، فَبَيْنَ الخِطابَيْنِ ما بَيْنَ دَرَجِ العُلُوِّ، ودَرَكِ السُّفْلِ في مُقْتَضى الخِطابَيْنِ المُتَشابِهَيْنِ في القَوْلِ المُتَبايِنَيْنِ (p-٢٢٦)فِي العِلْمِ. انْتَهى. وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] في سُورَةِ التَّوْبَةِ ما يُوَضِّحُهُ.
البقرة 2:146
ولَمّا خَتَمَ الخِطابَ بِالإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ”أهْواءَهم“ إلى عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَّةِ هَذا التَّحْوِيلِ تَلْوِيحًا كَما فَتَحَهُ بِالإعْلامِ بِهِ تَصْرِيحًا كَرَّ عَلى تَأْكِيدِ الإعْلامِ بِما هم عَلَيْهِ في أمْرِها مِنَ التَّحَقُّقِ إشارَةً إلى ما تَبَطَّنُوهُ مِنَ العِنادِ المُوجِبِ لِلتَّمادِي في الفَسادِ فَقالَ مُضْمِرًا لَهُ عَلى وجْهٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُعَظِّمًا لِهَذِهِ المَعْرِفَةِ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي هم بِها عارِفُونَ ﴿الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ أيِ: التَّحْوِيلَ المُتَضَمِّنَ لِزِيادَةِ تَحَقُّقِهِمْ لِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وكَمالِ عِلْمِهِمْ بِهِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ لا يَشُكُّونَ في حَقِّيَّةِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ لِظُهُورِ دَلائِلِهِ عِنْدَهم، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِجَمِيعِ نُعُوتِهِ [مَعْرِفَةً ] لا يَشُكُّونَ فِيها لِكَوْنِها عَنِ اللَّهِ الَّذِي لا خُلْفَ في قَوْلِهِ، فَبِذَلِكَ صارُوا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذا التَّحْوِيلِ هَذِهِ المَعْرِفَةَ، وذَلِكَ كَما أنَّهم لا يَشُكُّونَ في شَيْءٍ مِمّا تَقَعُ بِهِ المَعْرِفَةُ لِأبْنائِهِمْ لِشِدَّةِ مُلابَسَتِهِمْ لَهم؛ والحاصِلُ أنَّ مَعْرِفَتَهم بِنُبُوَّتِهِ تَزِيدُهم في المَعْرِفَةِ بِحَقِّيَّةِ التَّحْوِيلِ [بَصِيرَةً لِأنَّهُ مِن نَعْتِهِ، ومَعْرِفَتُهم بِأمْرِ التَّحْوِيلِ ] يُثَبِّتُهم في حَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ لِكَوْنِهِ مِمّا ثَبَتَ مِنها، ولِذَلِكَ قالَ الحَرالِّيُّ: في إنْبائِهِ تَحَقُّقَهم بِعِيانِ ما ذُكِرَ لَهم مِن أمْرِهِ، لِأنَّ (p-٢٢٧)العارِفَ بِالشَّيْءِ هو الَّذِي كانَ لَهُ بِهِ إدْراكٌ ظاهِرٌ بِأدِلَّةٍ ثُمَّ أنْكَرَهُ لِاشْتِباهِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَرَفَهُ لِتَحَقُّقٍ ذَكَرَهُ لِما تَقَدَّمَ مِن ظُهُورِهِ في إدْراكِهِ، فَلِذَلِكَ مَعْنى المَعْرِفَةِ لِتَعَلُّقِها بِالحِسِّ وعِيانُ القَلْبِ أتَمُّ مِنَ العِلْمِ المَأْخُوذِ عَنْ عِلْمٍ بِالفِكْرِ؛ وإنَّما لَمْ تَجُزْ في أوْصافِ الحَقِّ لِما في مَعْناها مِن شَرْطِ النَّكِرَةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ المَعْرِفَةُ حَدٌّ بَيْنَ عِلْمَيْنِ: عِلْمٌ عَلى تَشَهُّدِ الأشْياءِ بِبَوادِيها، وعِلْمٌ دُونٌ يَسْتَدِلُّ عَلى الأشْياءِ بِأعْلامِها؛ وفِيهِ أيِ التَّشْبِيهُ بِالأبْناءِ إنْباءٌ بِاتِّصالِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ كَيانًا كَيانًا إلى ظُهُورِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ شاهِدُهُ عَلَيْهِمْ إلّا ارْتِحالَهم مِن بِلادِهِمْ مِنَ الشّامِ إلى مَحَلِّ الشَّدائِدِ مِن أرْضِ الحِجازِ لِارْتِقابِهِ وانْتِظارِهِ،
﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وأجْرى المَثَلَ بِذِكْرِ الأبْناءِ لِاشْتِدادِ عِنايَةِ الوالِدِ بِابْنِهِ لِاعْتِلاقِهِ بِفُؤادِهِ، فَفِيهِ إنْباءٌ بِشِدَّةِ اعْتِلاقِهِمْ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ أيْ: أهْلِ الكِتابِ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: يُخْفُونَهُ ولا يُعْلِنُونَهُ.
ولَمّا كانَ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عِلْمُهم بِهِ ولا يَلْزَمُ مِن عِلْمِهِمْ بِهِ اسْتِحْضارُهُ عِنْدَ الكِتْمانِ قالَ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنَّهُ حَقٌّ وأنَّهم آثِمُونَ بِكِتْمانِهِ، فَجَعَلَهم أصْنافًا: صِنْفًا عَرَفُوهُ فاتَّبَعُوهُ، وصِنْفًا عَرَفُوهُ فَأنْكَرُوهُ كَما في إفْهامِهِ، (p-٢٢٨)وفَرِيقًا عَلِمُوهُ فَكَتَمُوهُ؛ وفي تَخْصِيصِ هَذا الفَرِيقِ بِالعِلْمِ إشْعارٌ بِفُرْقانِ ما بَيْنَ حالِ مَن يَعْرِفُ وحالِ مَن يَعْلَمُ، فَلِذَلِكَ كانُوا ثَلاثَةَ أصْنافٍ: عارِفٌ ثابِتٌ، وعارِفٌ مُنْكِرٌ هو أرْدَؤُهم، وعالِمٌ كاتِمٌ لاحِقٌ بِهِ؛ وفي مِثالِ يَكْتُمُونَ ويَعْلَمُونَ إشْعارٌ بِتَمادِيهِمْ في العِلْمِ وتَمادِيهِمْ في الكِتْمانِ.
البقرة 2:147
ولِأنَّ هَذا المَجْمُوعَ يُفِيدُ قَهْرَ الحَقِّ لِلْخَلْقِ بِما شاءَ مِنهم مِن هُدًى وفِتْنَةٍ لِتَظْهَرَ فِيها رَحْمَتُهُ ونِقْمَتُهُ وهو الحَقُّ الَّذِي هو ماضِي الحُكْمِ الَّذِي جِبِلَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَتَقاضى التَّوَقُّفَ فِيهِ لِما هو عَلَيْهِ مِن طَلَبِ الرَّحْمَةِ ولُزُومِ حُكْمِ الوَصِيَّةِ خاطَبَهُ الحَقُّ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ﴾ أيْ: هَذا التَّفْرِيقُ والتَّصْنِيفُ المُوجِبُ لِعِماراتِ دَرَجاتِ الجَنَّةِ وعِماراتِ دَرَكاتِ النّارِ هو الحَقُّ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: الحَقُّ الَّذِي أُخْبِرْتَ بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ أوِ الآياتِ، أوْ جِنْسُ الحَقِّ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِطَرْدِ مَن يَضُرُّ اتِّباعُهُ كَما هو مُحْسِنٌ إلَيْكَ بِالإقْبالِ بِمَن يَنْفَعُ اتِّباعُهُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فِيما فَسَّرَ نَحْوَهُ مِنَ اشْتِباهِ المُرَتَّبَتَيْنِ الواقِعَةِ مِنهُ فِيما بَيْنَ الفَضْلِ والعَدْلِ والواقِعَةِ مِن غَيْرِهِ فِيما بَيْنَ الجَوْرِ (p-٢٢٩)والعَدْلِ، انْتَهى. وفِيهِ زِيادَةٌ وتَغْيِيرٌ، وفي تَأْكِيدِ الأمْرِ تارَةً بِالعِلْمِ وتارَةً بِالمَعْرِفَةِ وتارَةً بِغَيْرِهِما تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِ اتِّباعِهِ ﷺ وإزاحَةٌ لِما يُلْقِيهِ السُّفَهاءُ العالِمُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والمُمْتَرِي مِنَ الِامْتِراءِ وهو تَكَلُّفُ المِرْيَةِ وهي مُجادَلَةٌ تَسْتَخْرِجُ السُّوءَ مِن خَبِيئَةِ المُجادِلِ، مِنَ امْتِراءِ ما في الضَّرْعِ وهو اسْتِيصالُهُ حَلْبًا، ولِأنَّهُ حالُ الشّاكِّ رُبَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ.
البقرة 2:148
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ الفِرَقِ لا يَتَّبِعُ قِبْلَةَ الآخَرِ وتَضَمَّنَ ذَلِكَ أنَّ لِكُلٍّ مِنهم قِبْلَةً وقَرَّرَ أنَّ ذَلِكَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَلى وجْهِ العِنادِ أثْبَتَ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أعَمَّ مِنهُ وسَبَّبَ عَنْهُ النَّتِيجَةَ فَقالَ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿وِجْهَةٌ﴾ أيْ: مَقْصِدٌ يَقْصِدُهُ ويُوَجِّهُ وجْهَهُ إلَيْهِ ويُقْبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ مِنَ القِبْلَةِ لِلصَّلاةِ وغَيْرِها مِن جَمِيعِ المَقاصِدِ ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ إنْ كُسِرَ اللّامُ كانَ المَعْنى هو مُتَوَلِّيها أيْ: فاعِلٌ التَّوَلِّيَ أيْ: مائِلٌ إلَيْها بِوَجْهِهِ لِأنَّ المادَّةَ تَدُورُ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ عَلى المَيْلِ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في (p-٢٣٠)آخِرِ الأنْفالِ، فَيَكُونُ ولِيَ بِمَعْنى تَوَلّى كَقَدِمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ، ومِنَ المَعْلُومِ الفَرْقُ بَيْنَ تَوَلّاهُ وتَوَلّى عَنْهُ، وإنْ فُتِحَ فالمَعْنى: هو مُمالٌ إلَيْها.
قالَ الحَرالِّيُّ: وفي قِراءَةِ مُوَلِّيها - بِالكَسْرِ - إشْعارٌ بِاخْتِلافِ جِبِلّاتِ أهْلِ المِلَلِ وإقامَةِ كُلِّ طائِفَةٍ مِنهم بِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وفي قِراءَةِ ”مُوَلّاها“ إظْهارُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ وأنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِنهم بَلْ بِما أقامَهم فِيهِ المُوَلّى لَهم حَيْثُ شاءَ، وأبْهَمَ فِيهِ المُوَلّى لِما كانَ في طَوائِفَ مِنهم حَظُّ هَوًى، وهو مِنَ التَّوْلِيَةِ وهو ما يُجْعَلُ مِمّا يَلِي الجَسَدَ، أوِ القَصْدُ أيْ: يَكُونُ مَيّالًا بَيْنَ يَدَيْهِ مُلاصِقًا لَهُ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ فِعْلُهم هَذا إنَّما هو لِأجْلِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وخَلاصِها وكانَ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلِ الخَيْرِ واجْتِنابِ الشَّرِّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ: فاجْعَلُوا أنْتُمْ مَقْصِدَكم أنْواعَ الخَيْرِ مِنَ القِبْلَةِ (p-٢٣١)وغَيْرِها وتَسابَقُوا في قَصْدِكم إلَيْها، أيْ: كانُوا في المُبادَرَةِ إلى أفْعالِ الخَيْرِ كَمَن يُسابِقُ خَصْمًا فَهو يَجْتَهِدُ في سَبْقِهِ، فَإنَّ الِاسْتِباقَ تَكَلُّفُ السَّبْقِ والسَّبْقُ بُرُوزُ أحَدِ المُتَحارِبَيْنِ، ثُمَّ حَثَّهم عَلى ذَلِكَ وحَذَّرَهم مِن تَرْكِهِ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ: ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا﴾ أيْ: مِنَ الجِهاتِ الَّتِي اسْتَبَقْتُمْ إلَيْها الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿جَمِيعًا﴾ مِنها إلَيْهِ في يَوْمِ البَعْثِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفي ذِكْرِ البَعْثِ هُنا مُعادَلَةٌ بَيْنَ القِبْلَتَيْنِ: قِبْلَةِ أهْلِ الفَضْلِ الأُمَّةِ الوَسَطِ الَّتِي جُعِلَتْ مَحَلَّ الأمْنِ، والقِبْلَةِ الأُولى، قالَ الحَرالِّيُّ: مِن حَيْثُ يَرِدُ الخَلْقُ في البَعْثِ إلى مَوْطِنِ القِبْلَةِ السّابِقَةِ مِن أرْضِ الشّامِ، فَيَكُونُ مَوْطِنُ الحَقِّ والعَدْلِ أُولى القِبْلَتَيْنِ بِذَلِكَ، لِأنَّ أعْلى القِبْلَتَيْنِ مَوْطِنُ أمَنَةٍ مِن حَيْثُ إنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فَكانَ (p-٢٣٢)المَحْشَرُ إلى قِبْلَتِهِمُ الأُولى الَّتِي هي بِدايَةُ الأمْرِ لِيُطابِقَ الآخَرَ مِنَ القِبْلَتَيْنِ الأُولى مِن حَيْثُ كانَ الآخَرُ في الدُّنْيا لِلْفَضْلِ والأوَّلُ في الآخَرِ لِلْعَدْلِ ومِنَ الدَّعْوَتَيْنِ مِن حَيْثُ كانَتِ الدَّعْوَةُ الأُولى في الأوَّلِ حُكْمًا وعِلْمًا والإتْيانُ الآخَرُ في العُقْبى قَهْرًا ومُلْكًا.
البقرة 2:149
ولَمّا عَظُمَ في شَأْنِ القِبْلَةِ انْتِشارُ أقْوالِهِمْ في تَنْوِيعِ شَغَبِهِمْ وجِدالِهِمْ وكانُوا أهْلَ عِلْمٍ وكِتابٍ، وقَدْ مَرَّتْ لَهم دُهُورٌ وهو مَوْسُومُونَ بِأنَّهم عَلى صَوابٍ، فاشْرَأبَّ لِذَلِكَ النِّفاقُ، ودارَتْ رَحى الباطِلِ والشِّقاقِ، وقامَتْ سُوقُ الفُسُوقِ فِيما هُنالِكَ عَلى ساقٍ، كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ لِأمْرِها تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَوْهِيَةً لِشُبَهِ السُّفَهاءِ فَقالَ تَعالى ثانِيًا مُعَبِّرًا بِعِبارَةٍ مُشْعِرَةٍ بِإمامَتِهِ ﷺ وانْتِظارِ المُصَلِّينَ لَهُ،
﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ أيْ: لِلصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ بِاتِّباعِكَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ الَّتِي أنْتَ بِها الآنَ بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هي شَمالُ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ أوْ مِن غَيْرِها مِنَ الجِهاتِ مِنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ والجَنُوبِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ﴾ أيْ: عَيْنَ ﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وأمّا قَلْبُكَ فَهو إلى اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ فَإنَّكَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ إنَّما (p-٢٣٣)عُمِلَ لِتَطَلُّعِهِ ﷺ إلَيْهِ وهو فِيهِ بِالخِيارِ فَيُظَنُّ أنَّ الرُّجُوعَ إلى القِبْلَةِ الأُولى مَصْلَحَةٌ لِما انْتَشَرَ في ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي نَفَذَ في القُلُوبِ نُفُوذَ السِّهامِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ مُؤَكِّدًا لَهُ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ مُضِيفًا لَهُ إلى صِفَةِ الإحْسانِ بِإحْسانِ التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ في أدْبارِ الأُمُورِ وأحْكامِها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وإنَّ رَبَّكَ عالِمٌ بِما قالُوا مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي دارَتْ بَيْنَ النّاسِ وخِيفَتْ عاقِبَتُها عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿وما اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿بِغافِلٍ عَمّا﴾ أيْ: عَنْ شَيْءٍ مِمّا ”يَعْمَلُونَ“ أيِ: السُّفَهاءُ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ فَيُوهِيهِ ويُبْطِلُ أذاهُ ويَرْمِيهِ ويُبْعِدُهُ ويُقْصِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الخِطابِ أنْتُمْ في هَذا الوَقْفِ وبَعْدَهُ فَيَغْلِبُهُ ويُثْبِتُهُ ويُبْقِيهِ إنْ كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ وإلّا جَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا. قالَ الحَرالِّيُّ: ومَنِ التَفَتَ بِقَلْبِهِ في صَلاتِهِ إلى غَيْرِ رَبِّهِ لَمْ تَنْفَعْهُ وجِهَةُ وجْهِ بَدَنِهِ إلى الكَعْبَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ حَقٌّ حَقِيقَتُهُ تَوَجُّهُ القَلْبِ ومَنِ التَفَتَ بِقَلْبِهِ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ (p-٢٣٤)فِي صَلاتِهِ فَهو مِثْلُ الَّذِي اسْتَدْبَرَ بِوَجْهِهِ عَنْ شَطْرِ قِبْلَتِهِ، فَكَما يَتَداعى الإجْزاءُ الفِقْهِيُّ بِاسْتِدْبارِ الكَعْبَةِ حِسًّا فَكَذَلِكَ يَتَداعى القَبُولُ بِاسْتِدْبارِ وجْهِ القَلْبِ عَنِ الرَّبِّ غَيْبًا، فَلِذَلِكَ أقْبَلَ هَذا الخِطابُ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ أسْلَمُوا، لِأنَّهُ هو ﷺ مُبَرَّأٌ عَنْ مِثْلِهِ. انْتَهى.
البقرة 2:150
﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ أيْ: مِن بِقاعِ الأرْضِ لِلصَّلاةِ بِأُمَّتِكَ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ أيِ: اجْعَلْهُ يَلِي ﴿شَطْرَ﴾ أيْ: عَيْنَ ﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾
ولَمّا تَقَرَّرَ بِما تَكَرَّرَ أنَّ هَذا التَّحْوِيلَ فَرْضٌ قِي حَقِّهِ ﷺ حَتْمٌ لا فُتُورَ عَنْهُ ولا رُخْصَةَ فِيهِ إلّا ما اسْتَثْنى في النَّفْلِ أدْخَلَ مَعَهُ أُمَّتَهُ لِيَعُمَّهُمُ الحُكْمُ ورَبَأ بِمَنصِبِهِ المَنِيفِ وقَدْرِهِ الشَّرِيفِ عَنْ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ ما يُسَمّى حُجَّةً بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ فَقالَ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: أيَّتُها الأُمَّةُ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الكَعْبَةِ في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ الدّانِيَةِ والقاصِيَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وذُكِرَ في أُمَّتِهِ بِالكَوْنِ لا بِالخُرُوجِ إشْعارًا يَتَقاصَرُ الأُمَّةُ عَنْ عُلُوِّ أحْوالِ الأئِمَّةِ وأنَّ حالَ الأُمَّةِ في خَلْوَتِهِمْ كَحالِهِمْ في جَوْلَتِهِمْ. انْتَهى.
﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيِ: اجْعَلُوها والِيَةً ﴿شَطْرَهُ﴾ لِلصَّلاةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ يَلْحَظُ صِحَّةَ صَلَواتِكم فُرادى وفي بُيُوتِكم، كَما قالَ: إذا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النّاسِ وإنْ كُنْتَ (p-٢٣٥)قَدْ صَلَّيْتَ في أهْلِكَ، بِخِلافِهِ هو ﷺ فَإنَّ صَلاتَهُ لا تَقَعُ إلّا جَمْعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يُصَلِّي لَهم وأنَّهُ إمامٌ لا تَقَعُ صَلاتُهُ فَذًّا. انْتَهى.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الرُّجُوعَ إلى القِبْلَةِ الأُولى يُزِيلُ الكَلامَ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأحَدٍ مِنهم ﴿عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ بِأنْ يَقُولُوا: النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ لا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ وهَذا لَمْ يَفْعَلْ، أوْ يَقُولُوا: ما جاءَ بِشَيْءٍ جَدِيدٍ وإنَّما هو تَبَعٌ لَنا في قِبْلَتِنا.
ولَمّا كانَتِ الحُجَّةُ كَلامًا يَنْشَأُ عَنْ مُقَدِّماتٍ يَقِينِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ تَرْكِيبًا صَحِيحًا وقَعَ الِاسْتِثْناءُ بِاعْتِبارِ تَلَبُّسِ المُسْتَثْنى بِجُزْءِ المَعْنى الَّذِي نُفِيَ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ فَهو قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ﴾ أيِ: النّاسُ الَّذِينَ ﴿ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ فَإنَّهم لِعِنادِهِمْ ولَدَدِهِمْ لا يَرْجِعُونَ (p-٢٣٦)إلى الحَقِّ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ بَلْ يَكُونُ لَهم عَلَيْكم مُجَرَّدُ كَلامٍ هو مادَّةُ الحُجَّةِ لا حُجَّةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهم بِالظُّلْمِ الَّذِي هو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ كَما هو شَأْنُ كُلِّ ماشٍ في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي هو الظَّلامُ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُنْقَطِعًا بِمَعْنى: لِئَلّا يَحْتَجَّ أحَدٌ عَلَيْكم لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَقُولُونَ أوْ يُظْهِرُونَ فُجُورًا ولَدَدًا في ذَلِكَ كَلامًا يُسَمُّونَهُ حُجَّةً، ولَعَلَّ السِّرَّ في تَصْوِيرِهِ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ بِصُورَةِ الِاسْتِثْناءِ الحَثُّ عَلى الثَّباتِ عَلى أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والإعْراضُ عَمَّنْ خالَفَهُ نَظَرًا إلى ما تَأصَّلَ مِن إبْطالِهِ واسْتِحْضارًا لِما ظَهَرَ مِن فاسِدِ أحْوالِهِ وإنْ أبْدى مِنَ الشُّبَهِ ما يَخْفى أمْرُهُ ويَصْعُبُ عَلى بَعْضِ المُحِقِّينَ حَلُّهُ حَتّى يُظَنَّ حُجَّةً؛ ويَجُوزَ أنْ يُرادَ بِالحُجَّةِ أعَمُّ مِنَ القَطْعِيِّ والظَّنِّيِّ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، قالَ السَّفاقِسِيُّ: ومَثارُ الخِلافِ هَلِ الحَجَّةُ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوِ الِاحْتِجاجُ والخُصُومَةُ فَهو مُتَّصِلٌ. انْتَهى. ووَصْفُها بِالِاسْتِعْلاءِ عَلَيْهِمْ لِما يَحْصُلُ بِها مِن (p-٢٣٧)الأذى بِدَلالَتِها عَلى العَداوَةِ والشِّقاقِ لا بِتَغْيِيرِها في وجْهِ شَيْءٍ مِنَ الأدِلَّةِ، و﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِمُ اليَهُودُ فَهم يَقُولُونَ: ما رَجَعَ إلى الكَعْبَةِ إلّا مَحَبَّةً لِبَلَدِهِ، ولَوْ كانَ في قِبْلَتِنا عَلى أمْرٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ما تَحَوَّلَ عَنْهُ، وإنْ كانَ المُشْرِكِينَ فَهم يَقُولُونَ: قَدِ اسْتَقْبَلَ بَلَدَكم ومَسْجِدَكم فَيُوشِكُ أنَّ يَدِينَ دِينَكم. ولَمّا نَفى عَنْ أهْلِ هَذِهِ القِبْلَةِ بِالثَّباتِ عَلَيْها كُلَّ سَبِيلٍ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ أيْ: في هَذا الأمْرِ ولا غَيْرِهِ، فَإنِّي أرُدُّ عَنْكم كَيْدَهم وأُوهِنُ أمْرَهم. ولَمّا تَبَيَّنَ أحْكامُ فِعْلِهِ ومَضى ما يُرِيدُ مِن رَبْطِهِ وحَلِّهِ حَثَّهم عَلى لُزُومِ هَذِهِ القِبْلَةِ مُحَذِّرًا مِن مُخالَفَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿واخْشَوْنِي﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلى عِلَّةِ الِاسْتِقْبالِ قَوْلَهُ: ﴿ولأُتِمَّ﴾ أيْ: بِهَذا الدِّينِ المُفِيدِ لِعِزِّ الدّارَيْنِ (p-٢٣٨)ونَعِيمِها الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذا الِاسْتِقْبالُ ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الحُجَجِ وغَيْرِهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ حِينَ أنْزَلَ عَلَيْكم آيَةَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] كَما أتْمَمْتُها عَلى إبْراهِيمَ خَلِيلِي صاحِبِ هَذا البَيْتِ الَّذِي وجَّهْتُكم إلَيْهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي طَيِّهِ بُشْرى بِفَتْحِ مَكَّةَ واسْتِيلائِهِ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ كُلِّها وتَمَكُّنِهِ بِذَلِكَ مِن سائِرِ أهْلِ الأرْضِ لِاسْتِغْراقِ الإسْلامِ لِكافَّةِ العَرَبِ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ بِهِمْ لَهُ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبِها الَّتِي انْتَهى إلَيْها مُلْكُ أُمَّتِهِ. انْتَهى.
﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: ولِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ عِنْدَ أنْفُسِكم ومَن يَراكم مِمَّنْ لا يَعْلَمُ العَواقِبَ مِن أنْ تَهْتَدُوا إلى الثَّباتِ عَلى هَذِهِ القِبْلَةِ وغَيْرِها مِن أمْرِ هَذا الدِّينِ سَبَبِ خَشْيَتِي فَإنَّها جالِبَةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ ودافِعَةٌ لِكُلِّ ضَيْرٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي كَلِمَةِ ”لَعَلَّ“ عَلى ما تَقَدَّمَ إبْهامٌ يُشْعِرُ بِتَصْنِيفِهِمْ صِنْفَيْنِ: مُهْتَدٍ لِلثَّباتِ عَلى السَّنَةِ، ومُتَغَيِّرٌ فِيهِ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ البِدْعَةِ، لِما ذَكَرَ مِن أنَّ ما هو لِلْخَلْقِ تَرَدَّدٌ فَهو مِنَ الحَقِّ تَقْسِيمٌ وإبْهامٌ في تَعْيِينِ ذَلِكَ التَّقْسِيمِ والتَّصْنِيفِ، فَفِيهِ إعْلامٌ لِقَوْمٍ بِالِاهْتِداءِ الدّائِمِ بِما تُفْهِمُهُ صِيغَةُ الدَّوامِ وإشْعارٌ بِانْقِطاعِ (p-٢٣٩)قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ التَّمادِي بِما يُفْهِمُهُ ما هو لِلْخَلْقِ بِمَوْضِعِ التَّرَجِّي، وفي طَيِّهِ إشْعارٌ بِاسْتِبْدادِهِمْ بِالأمْرِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ وانْقِسامُهم فِيهِ بَيْنَ ثابِتٍ عَلَيْهِ دائِمِ الِاهْتِداءِ فِيهِ ومُتَغَيِّرٍ عَنْهُ كَما ظَهَرَ فِيما كانَ مِن ثَباتِ مَن ثَبَتَ بَعْدَهُ ورِدَّةِ مَنِ ارْتَدَّ. انْتَهى.
البقرة 2:151
﴿كَما﴾ أيْ: وجَّهْناكم إلى الكَعْبَةِ لِهَذِهِ العِلَلِ ﴿أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿فِيكُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ ولِئَلّا تَقُولُوا ما كانُوا يَقُولُونَ مِن أنَّكم لا حُرْمَةَ لَكم لِإشْراكِكم ولا إثْمَ عَلى مَن آذاكم فَيُتِمُّ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ مَن يَسْتَنْقِذُكم اتِّباعُهُ مِنَ الجَهْلِ والذُّلِّ في الدُّنْيا ومِنَ العَذابِ في الأُخْرى ﴿رَسُولا﴾ مُتَّصِفًا بِأنَّهُ ﴿مِنكُمْ﴾ تَعْرِفُونَ مِن صِفَتِهِ العَلِيَّةِ وهِمَمِهِ الشُّمِّ الحامِلَةِ عَلى اتِّباعِهِ والتَّيَمُّنِ بِرَأْيِهِ ما لا يَعْرِفُهُ غَيْرُكم ﴿يَتْلُو عَلَيْكم (p-٢٤٠)آياتِنا﴾ الحافِظَةَ لِمَن رَعاها حَقَّ رِعايَتِها عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عِوَضًا مِن تَناشُدِكُمُ الأشْعارَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ أخْذُهم بِما هو في طِباعِهِمْ مِن إيثارِ أمْرِ السَّمْعِ عَلى أمْرِ العَيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ جُبِلَتِ العَرَبُ، لِأنَّها أُمَّةٌ تُؤْثِرُ مَسْمُوعَ المَدْحِ والثَّناءِ مِنَ الخَلْقِ عَلى ما تَنالُهُ مِنَ الرّاحَةِ فَتَجْهَدُ في طَلَبِ الثَّناءِ مِنَ الخَلْقِ ما لَمْ تَجْهَدُ أُمَّةٌ غَيْرُها، فَكَيْفَ بِها إذا كانَ ما دُعِيَتْ إلَيْهِ ثَناءَ الحَقِّ عَلَيْها وتَخْلِيدَ ذَلِكَ لَها في كَلامٍ هو كَلامُ رَبِّها. فَتَنالُ بِذَلِكَ ما هو فَوْقَ مَقْصُودِها مِمّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن إيثارِ السَّماعِ عَلى العَيْنِ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ سائِرُ الأُمَمِ؛ ثُمَّ قالَ: وفِيهِ إغْناءُ العَرَبِ عَنْ إعْمالِ أفْكارِها في تَكَسُّبِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لِتَسْتَخْرِجَ مِنهُ أحْكامًا، فَكانَ في تِلاوَةِ الآياتِ عَلَيْهِمْ إغْناؤُهم عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ وأخْذِ الأُمُورِ بِالشَّواهِدِ وتَوَلِّي اللَّهِ ورَسُولِهِ تَعْلِيمَهم لِيَكُونَ شَرَفُ المُتَعَلِّمِ بِحَسَبِ عَلاءِ مَن عَلَّمَهُ، فَفَضْلُ عُلَماءِ العَرَبِ عَلى سائِرِ العُلَماءِ كَفَضْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى مُعَلِّمِهِمْ مِمَّنْ سِواهُ ﷺ . انْتَهى.
(p-٢٤١)ولَمّا كانَ السِّياقُ لِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ وهو التَّوَجُّهُ إلى البَيْتِ لِلصَّلاةِ وكانَتِ الصَّلاةُ أعْظَمَ مُطَهِّرٍ لِلْقَبُولِ مِن أوَضارِ الأدْناسِ قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيكُمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُكم في أقْوالِكم وأفْعالِكم ويُنَمِّيكم بِإنْعاشِ قُلُوبِكم لِتَشْرُفَ بِالمَعانِي الصّالِحَةِ والأخْلاقِ الطّاهِرَةِ المُوجِبَةِ لِلْفَوْزِ الدّائِمِ والنَّجاةِ عَمّا دَنَّسَ اليَهُودَ وأوْجَبَ لَهُمُ الضَّلالَ مِن مَرَضِ القَلْبِ بِإنْكارِ النَّسْخِ وكَتْمِ الحَقِّ وإفْشاءِ الباطِلِ المُثْمِرِ مَعَ الضَّلالِ لِلْإضْلالِ. قالَ الحَرالِّيُّ: أنْبَأهم بِأنَّ هَذا التَّنْزِيلَ لِأنْفُسِهِمْ بِمَنزِلَةِ الغِذاءِ لِلْأبْدانِ، فَكَما تَتَنامى أجْسادُهم بِماءِ المُزْنِ وما مِنهُ فَكَذَلِكَ تَتَنامى أنْفُسُهم بِأحْكامِ الكِتابِ وتِلاوَةِ الآياتِ، وذَلِكَ زَكاؤُها ونَماؤُها، لِتَتَأكَّدَ فِيهِ رَغْبَتُهم، لِأنَّ لِلْمُغْتَذِي (p-٢٤٢)رَغْبَةً في الغِذاءِ إذا تَحَقَّقَهُ، فَمَن عَلِمَ أنَّ التِزامَ الأحْكامِ غِذاءٌ لِنَفْسِهِ حَرِصَ عَلَيْها، ومَتى نَمَتِ النَّفْسُ وزَكَتْ قَوِيَتْ عَلى ما شَأْنُها أنْ تَنالَهُ قُواها، كَما أنَّ البَدَنَ إذا قَوِيَ بِالغِذاءِ تَمَكَّنَ مِمّا شَأْنُهُ عَمَلُهُ. انْتَهى.
﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ﴾ المُقِيمَ لِلدِّينِ والدُّنْيا. قالَ الحَرالِّيُّ: أيِ: الفِقْهُ فِيهِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ دَقائِقَ الإشاراتِ الشّافِيَةَ لِأمْراضِ القُلُوبِ المانِعَةَ مِنَ اتِّباعِ الهَوى. قالَ الحَرالِّيُّ: فَخَصَّ تَعْلِيمَ الحِكْمَةِ مِن عُمُومِ تَعْلِيمِ الكِتابِ، لِأنَّ التَّوَسُّلَ بِالأحْكامِ جُهْدُ عَمَلٍ والتَّوَسُّلَ بِعِلْمِ الحِكْمَةِ يَسَّرَ مَنالَ عَقْلٍ، لِأنَّ الحِكْمَةَ مَنالُ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ عُسْرٌ بِسَبَبٍ فِيهِ يُسْرٌ فَيَنالُ الحَكِيمُ بِحِكْمَتِهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى إفْضاءٍ مَجْعُولِ الأسْبابِ بَعْضُها لِبَعْضٍ مِمّا بَيْنَ أسْبابِ عاجِلِ الدُّنْيا ومُسَبِّباتِ آجِلِ الآخِرَةِ ما لا يَصِلُ إلَيْهِ جُهْدُ العامِلِ الكادِحِ وفي تَكْمِلَةِ الكِتابِ والحِكْمَةِ بِكَلِمَةِ ”ألْ“ إنْهاءٌ إلى الغايَةِ الجامِعَةِ لِكُلِّ كِتابٍ وحِكْمَةٍ بِما يَعْلَمُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ. ثُمَّ قالَ: (p-٢٤٣)وبِذَلِكَ كانَ ﷺ يَتَكَلَّمُ في عُلُومِ الأوَّلِينَ بِكَلِماتٍ يَعْجَزُ عَنْها إدْراكُ الخَلْقِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ: «اسْتاكُوا بِكُلِّ عُودٍ ما خَلا الآسَ والرُّمّانَ فَإنَّهُما يُهَيِّجانِ عِرْقَ الجُذامِ» لِأنَّ الخَلْقَ لا يَسْتَطِيعُونَ حَصْرَ كُلِّيّاتِ المَحْسُوساتِ، غايَةُ إدْراكِهِمْ حَصْرُ كُلِّيّاتِ المَعْقُولاتِ، ومَنِ اسْتَجْلى أحْوالَهُ ﷺ عَلِمَ اطِّلاعَ حِسِّهِ عَلى إحاطَةِ المَحْسُوساتِ وإحاطَةِ حِكَمِها وألْسِنَتِها ناطِقِها وأعْجَمِها حَيِّها وجَمادِها جَمْعًا، لِما في العادَةِ حِكْمَةٌ ولِما في خَرْقِ العادَةِ آيَةٌ؛ ثُمَّ قالَ: فَعَلى قَدْرِ ما وهَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى العَبْدَ مِنَ العَقْلِ يُعَلِّمُهُ مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ، يُؤْثَرُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَأنَّما يَتَكَلَّمانِ بِلِسانٍ أعْجَمِيٍّ لا أفْهَمُ مِمّا يَقُولانِ شَيْئًا» ولَمّا كانَ انْتِهاءُ ما في الكِتابِ عِنْدَ هَذِهِ الغايَةِ أنْبَأ تَعالى أنَّ رَسُولَهُ ﷺ (p-٢٤٤)يُعَلِّمُهم ما لَمْ يَكُنْ في كِتابِهِمْ مِثالُ عِلْمِهِ. فَفِيهِ إشْعارٌ بِفَتْحِ وتَجْدِيدِ فِطْرَةٍ يَتَرَقَّوْنَ لَها إلى ما لَمْ يَكُنْ في كِتابِهِمْ عِلْمُهُ. انْتَهى. وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِعْمالَ الحِكْمَةِ مُوجِبٌ لِلتَّرَقِّي فَقالَ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ الِاسْتِنْباطِ مِنَ الكِتابِ مِنَ المَعارِفِ بِما يُدْرِيكم بِهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ويَسْلُكُكم فِيهِ مِن طُرُقِ الخَيْرِ الكاشِفَةِ لِظَلامِ الظُّلْمِ الجالِيَةِ لِمَرْأى الأفْكارِ المُنَوَّرَةِ لِبَصائِرِ الِاعْتِبارِ.
البقرة 2:152
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا الخَيْرَ الَّذِي يَفْتُرُ عَنْهُ ذُو بَصِيرَةٍ ولا يَقْصُرُ دُونَهُ مَن لَهُ أدْنى هِمَّةٍ إنَّما كانَ يَذْكُرُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْعَرَبِ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ طُولِ الشَّقا وتَمادِي الجَهْلِ والجَهْدِ والعَناءِ رَغَّبَهم فِيما يُدِيمُ ذَلِكَ مُسَبِّبًا لَهُ عَمّا تَقَدَّمَ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ أيْ: لِأجْلِ إنْعامِي عَلَيْكم بِهَذا وبِغَيْرِهِ ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ فَأفْتَحُ لَكم مِنَ المَعارِفِ وأدْفَعُ عَنْكم مِنَ المَخاوِفِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَدٍّ ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ وحْدِي مِن غَيْرِ شَرِيكٍ [تُشْرِكُونَ مَعِي أزِدْكم، وأكَّدَ (p-٢٤٥)هَذِهِ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ] ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ أيْ: أسْلُبْكم. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ لِلْعَرَبِ ولَعٌ بِالذِّكْرِ لِآبائِهِمْ ولِوَقائِعِهِمْ ولِأيّامِهِمْ جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذِكْرَهُ لَهم عِوَضَ ما كانُوا يَذْكُرُونَ، كَما جَعَلَ كِتابَهُ عِوَضًا مِن أشْعارِهِمْ وهَزِّ عَزائِهِمْ لِذَلِكَ بِما يَسُرُّهم بِهِ مِن ذِكْرِهِ لَهم. انْتَهى.
البقرة 2:153
ولَمّا خَتَمَ الآياتِ الآمِرَةَ بِاسْتِقْبالِ البَيْتِ في الصَّلاةِ بِالأمْرِ بِالشُّكْرِ ومُجانَبَةِ الكُفْرِ وكانَ ذَلِكَ رَأْسَ العِبادَةِ وفاعِلُهُ شَدِيدُ الِافْتِقارِ إلى المَعُونَةِ التَفَتَ إلى قَوْلِهِ تَعالى في أُمِّ الكِتابِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَأمَرَهم بِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] عالِمًا بِأنَّهم سَيَمْتَثِلُونَ حَيْثُ عَصى بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ أمْرَهم بِمِثْلِ ذَلِكَ في أوَّلِ قِصَصِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إلى أنْ قالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] فَكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم [هُمُ ] الخاشِعُونَ وحَسُنَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ كَوْنُها بَعْدَ أذى أهْلِ الكِتابِ بِنَسَبِهِمْ لَهم إلى بُطْلانِ الدِّينِ بِتَغْيِيرِ الأحْكامِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن (p-٢٤٦)[مَرِّ ] الكَلامِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وكَوْنُها عَقِبَ الأمْرِ بِالذِّكْرِ والشُّكْرِ إيماءً إلى أنَّ مِلاكَ كُلٍّ مِنهُما الصَّبْرُ والصَّلاةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَلْتَفِتُوا إلى طَعْنِ الطّاعِنِينَ في أمْرِ القِبْلَةِ فَيَشْغَلَكم ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِي وشُكْرِي بَلِ اصْبِرُوا وصَلُّوا إلَيَّ مُتَوَجِّهِينَ إلى القِبْلَةِ الَّتِي أمَرْتُكم بِها عالِمِينَ أنَّ الصَّبْرَ والصَّلاةَ نِعْمَ العَوْنُ عَلى كُلِّ ما يَنُوبُ مِن دِينٍ ودُنْيا، وأرْشَقُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: ولَمّا عُلِمَ مِن هَذِهِ الآياتِ إعْضالُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ السُّفَهاءِ وأمَرَهم بِالدَّواءِ المُنْجِحِ مِنَ الإعْراضِ عَنْهم والإقْبالِ عَلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الأمْرَ يَصِلُ [إلى ] أشَدِّ مِمّا تَوَهَّمُوهُ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُخاطِبًا لَهم عَلى وجْهٍ (p-٢٤٧)يَشْمَلُ الكامِلَ ﷺ ولَعَلَّهُ صَرَفَ الخِطابَ عَنْهُ لِما في السِّياقِ مِمّا يَحْمِي عَنْهُ ﷺ مَقامَهُ العالِيَ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ أيْ: عَلى ما تَلْقَوْنَ مِنهم وعَلى الإقْبالِ إلَيَّ لِأكْفِيَكم كُلَّ مُهِمٍّ ﴿والصَّلاةِ﴾ فَإنَّها أكْبَرُ مُعِينٍ لِأنَّها أجْمَعُ العِباداتِ، فَمَن أقْبَلَ بِها عَلى مَوْلاهُ حاطَهُ وكَفاهُ لِإعْراضِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ كَبِيرٍ فِيمَن أقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ لا تَقُومُ إلّا بِالصَّبْرِ اقْتَصَرَ عَلى التَّعْلِيلِ بِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَهُ فازَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وأيْسَرُ الصَّبْرِ صَبْرُ النَّفْسِ عَنْ كَسَلِها بِأخْذِها بِالنَّشاطِ فِيما كُلِّفَتْ بِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] و﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَمَتى يَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْها الجِدَّ والعَزِيمَةَ جَعَلَ لَها فِيما كانَتْ تَصْبِرُ عَلَيْهِ في الِابْتِداءِ الِاسْتِحْلاءَ فِيهِ وخَفَّتْ عَنْها وظِيفَةُ الصَّبْرِ، ومَتى لَمْ تَصْبِرْ عَنْ كَسَلِها وعَلى جِدِّها تَدَنَّسَتْ فَنالَها عُقُوباتٌ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْها أشَدَّ (p-٢٤٨)مِنَ الصَّبْرِ الأوَّلِ، كَما أنَّ [مَن ] صَبَرَ عَنْ حُلْوِ الطَّعامِ لَمْ يَحْتَجْ أنْ يَصْبِرَ عَلى مُرِّ الدَّواءِ، فَإنْ تَحَمَّلَتِ الصَّبْرَ عَلى عُقُوباتِ ضَياعِ الصَّبْرِ الأوَّلِ تَدارَكَها نَجاةٌ مِنَ اشْتِدادِ العُقُوبَةِ عَلَيْها، وإنْ لَمْ تَتَصَبَّرْ عَلى تِلْكَ العُقُوباتِ وقَعَتْ في مَهالِكِ شَدائِدِ العَذابِ فَقِيلَ لِأهْلِها ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] ثُمَّ قالَ: فَبِدايَةُ الدِّينِ صَبْرٌ وخاتِمَتُهُ يُسْرٌ، فَإنَّ مَن كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَهُ رَفَعَ عَنْهُ مَرارَةَ الصَّبْرِ بِوَضْعِ حَلاوَةِ الصُّحْبَةِ الَّتِي تُشْعِرُ بِها كَلِمَةُ [مَعَ ] . انْتَهى.
البقرة 2:154
ولَمّا أشارَ لَهم إلى ما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِن حالِ الطّاعِنِينَ في دِينِهِمْ ورَقّاهم في ذَلِكَ دَرَجَةً [بَعْدَ دَرَجَةٍ ] أتْبَعَهُ ما دَلَّ عَلى أنَّ الأمْرَ يَصِلُ إلى القَتْلِ وما داناهُ لِيَأْخُذُوا لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ ويَعْتَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ الصَّبْرُ لِلَّهِ إنَّما هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى ما تَعْهَدَ فِيهِ كُرْهَها أنْبَأهُمُ الحَقُّ تَعالى أنَّ الصَّبْرَ لَهُ لَيْسَ عَلى المَعْهُودِ وأنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ عِنْدَ تَجَشُّمِهِ حَلاوَةَ لَذَّةِ الحَياةِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مِمّا لا يَنالُهُ شُعُورُ الَّذِينَ آمَنُوا لِخَفائِهِ عَنْ إدْراكِ المَعْقُولِ فَأنْبَأهم بِما يَحْمِلُهم عَلى تَجَشُّمِ الصَّبْرِ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا﴾ عَطْفًا (p-٢٤٩)عَلى مُتَجاوِزِ أُمُورٍ تَقْتَضِيها بَرَكَةُ الجِهادِ. انْتَهى. أيْ: وجاهِدُوهم لِتَقْتُلُوهم ويَقْتُلُوكم وتَسْلُبُوهم ويَسْلُبُوكم ولا تَقُولُوا، أوْ يُقالُ: ولَمّا كانَ الصَّبْرُ واقِعًا عَلى أُمُورٍ أشَقُّها الجِهادُ ثُمَّ الحَجُّ ثُمَّ الصَّوْمُ وكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَدْ سَألُوا عَمَّنْ ماتَ مِنهم عَلى قِبْلَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَبَيَّنَ لَهم ما صارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] تِلْوَ آيَةِ الصَّبْرِ بِتَبْيِينِ حالِ الشُّهَداءِ المَقْتُولِينَ في الجِهادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ دَفْعًا لِظَنِّ أنَّهم أمْواتٌ والتِفاتًا إلى ما أشارَ بِهِ إلى صَيْرُورَةِ الأمْرِ إلى الحَرْبِ حَيْثُ عابَ المانِعِينَ لِلْمَسْجِدِ وأخْبَرَ بِأنَّهُ سَيَحْصُلُ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ وعَذابٌ عَظِيمٌ في الآخِرَةِ بِالنّارِ والسُّخْطِ، وإيماءٌ إلى أنَّهُ سَيَأْذَنُ لَهم في مُقارَعَةِ مَن أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم مِن أهْلِ الكِتابِ حَتّى يَمْحَقَهُمُ السَّيْفُ ويَسْكُنَهُمُ الذُّلُّ والخَوْفُ، فالمَعْنى: اصْبِرُوا عَلى كُلِّ ما يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم في أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ وعَلى كُلِّ ما يُغِيرُ بِهِ الشَّيْطانُ في وجْهِ الإيمانِ وصَلُّوا إلى البَيْتِ الَّذِي وجَّهْتُكم إلَيْهِ وجاهِدُوا كُلَّ مَن خالَفَكم حَتّى يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ صابِرِينَ عَلى كُلِّ ما يَنُوبُ في ذَلِكَ مِنَ القَتْلِ والنَّهْبِ وغَيْرِهِ ولا تَقُولُوا إذا قاتَلْتُمُ الكُفّارَ (p-٢٥٠)المُناصِبِينَ لَكم مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ ﴿لِمَن يُقْتَلُ﴾ مِنكم ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ بِأنْ يُقاتِلُوا لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا لا لِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِن دُنْيا أوْ عَصَبِيَّةٍ، فَإنّا سَنَكْتُبُ عَلَيْكُمُ الجِهادَ، ونَسْتَشْهِدُ مِنكم شُهَداءَ: إنَّهم ﴿أمْواتٌ﴾ بَلْ قُولُوا: إنَّهم شُهَداءُ، فَإنَّهم لَيْسُوا بِأمْواتٍ ﴿بَلْ﴾ هم ﴿أحْياءٌ﴾ وسَيَأْتِي في آلِ عِمْرانَ أنَّ ذَلِكَ مَعْنى الشَّهِيدِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فَكَأنَّهُ تَعالى يَنْفِي عَنِ المُجاهِدِ مِثالَ المَكْرُوهِ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى في أنْ يُقالَ عَنْهُ إنَّهُ مَيِّتٌ، فَحَماهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو عِنْدَهم مِن أشَدِّ غَرَضِ أنْفُسِهِمْ لِاعْتِلاقِ أنْفُسِهِمْ بِجَمِيلِ الذِّكْرِ، ثُمَّ قالَ وأبْهَمَ أمْرَهم في هَذِهِ السُّورَةِ ونَفى عَنْهُمُ القَوْلَ، لِأنَّ هَذِهِ سُورَةُ الكِتابِ المَدْعُوِّ بِهِ الخَلْقُ وصَرَّحَ بِتَفْضِيلِهِ في آلِ عِمْرانَ لِأنَّها سُورَةُ قِيامِ اللَّهِ الَّذِي بِهِ تَجَلّى الحَقُّ فَأظْهَرَ غَيْبَ أمْرِهِ في سُورَةِ إظْهارِ أمْرِهِ وأخْفاهُ في سُورَةِ ظاهِرِ دَعْوَتِهِمْ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ الحِسُّ قاصِرًا عَمّا أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم أحْياءٌ كَما تَرَوْنَ النِّيامَ هُمُودًا (p-٢٥١)لا يَتَحَرَّكُونَ ولا شُعُورَ لَكم بِمَن فِيهِمْ يَنْظُرُ، أحْلامًا مِن غَيْرِهِ، فَلا فَخْرَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا ولا عَيْشَ أرْغَدَ مِنهُ في الآخِرَةِ، وأمّا المَقْتُولُ مِن أعْدائِكم فَلَيْسَ لَهُ في الدُّنْيا إلّا الخِزْيُ والفَضِيحَةُ بِالقَهْرِ والذُّلِّ والهَوانِ والعَذابِ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ في الآخِرَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: قالَ ذَلِكَ نَفْيًا بِكَلِمَةِ لا ومِثالِ الدَّوامِ فَفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَيْسَ في رُتْبَتِهِمُ الشُّعُورُ بِهِ أصْلًا إلّا أنْ يُرَقِّيَهُمُ اللَّهُ بِنَماءِ سَنِّ القُلُوبِ وصَفاءِ الأنْفُسِ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِن سَنِّ المُؤْمِنِينَ إلى سَنِّ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ مِنَ الغَيْبِ ما لا يَشْهَدُهُ مَن في رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا. انْتَهى. وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَ اللَّهِ مَعَهم لا يَمْنَعُ أنْ يُسْتَشْهَدَ مِنهم شُهَداءُ، بَلْ ذَلِكَ مِن ثَمَراتِ كَوْنِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ يَظْفَرُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنهم بِسَعادَةِ الأُخْرى ومَن بَقِيَ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وتَلْخِيصُ ذَلِكَ أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمّا كانَ حاصِلُ ما تَقَدَّمَ (p-٢٥٢)فِي هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم قَرِيبَهم وبِعِيدَهم وثَنِيَّهم وكِتابِيَّهم مُطْبِقُونَ عَلى عَداوَةِ أهْلِ هَذا الدِّينِ وكانَ كَثِيرًا ما يَأْمُرُهم بِالصَّبْرِ عَلى أذاهُمُ اشْتَدَّ تَشَوُّفُ النُّفُوسِ إلى أنَّهُ هَلْ بَعْدَ هَذا الكَفِّ مِن فِعْلٍ، فَأشارَ إلى أنَّهُ سَيَأْمُرُ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلى أذى اللِّسانِ بِالصَّبْرِ عَلى جِلادِ السَّيْفِ والسِّنانِ أمْرًا عامًّا فَقالَ عاطِفًا هَذا النَّهْيَ عَلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ، أيِ: اصْبِرُوا الآنَ عَلى هَذا الأذى ثُمَّ اصْبِرُوا إذا أمَرْتُكم بِالجِهادِ عَلى وقْعِ السُّيُوفِ واقْتِحامِ الحُتُوفِ وفَقْدِ مَن يُقْتَلُ مِنكم ولا تَصِفُوهم بِالمَوْتِ، ولَعَلَّهُ فاجَأهم بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ تَوْطِينًا لَهم عَلى القَتْلِ في سَبِيلِهِ وكانَ اسْتِشْرافُهم إلى الحَرْبِ قَدْ كَثُرَ وبَشَّرَهم بِأنَّ القَتِيلَ فِيهِ حَيٌّ وإنْ رُئِيَ مَيِّتًا تَسْلِيَةً لَهم عَنْ هَذا الحادِثِ العَظِيمِ والخَطْبِ الجَسِيمِ.
البقرة 2:155
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الطِّينِ الَّذِي مِنهُ البَشَرُ وما تَوَلَّدَ مِنهُ أنْ لا يَخْلُصَ عَنِ الشَّوائِبِ إلّا بَعْدَ مُعاناةٍ شَدِيدَةٍ، ألا تَرى أنَّ الذَّهَبَ أصْفاهُ وهو لا يَخْلُو عَنِ الغِشِّ ولا يُعَرّى عَمّا خالَطَهُ مِنَ الدَّنَسِ إلّا بِالِامْتِحانِ بِشَدِيدِ (p-٢٥٣)النِّيرانِ ! قالَ تَعالى مُعَلِّمًا لَهم بِالتَّرْبِيَةِ بِما تَحْصُلُ بِهِ التَّصْفِيَةُ بِما تُؤَدِّي إلَيْهِ مُناصَبَةُ الكُفّارِ ومُقارَعَةُ أهْلِ دارِ البَوارِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ عَطْفًا عَلى ما أرْشَدَ إلَيْهِ التَّقْدِيرُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: فَلْنَأْمُرْكم بِمُقارَعَةِ كُلِّ مَن أمَرْناكم مِن قَبْلُ بِمُجامَلَتِهِ ولَيَتَمالَأنَّ عَلَيْكم أهْلُ الأرْضِ ولَنَبْلُوَنَّكم أيْ: يُصِيبُكم بِأشْياءَ إصابَةً تُشْبِهُ فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِكم لِيَظْهَرَ الصّابِرُ مِنَ الجَزَعِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فالصَّبْرُ الأوَّلُ أيْ: في ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَنِ الكَسَلِ وعَلى العَمَلِ، والصَّبْرُ الثّانِي أيْ: في ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ عَلى مَصائِبِ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ انْتَظَمَ بِهَذِهِ الآياتِ آيَةَ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ عَطْفًا وتَجاوُزًا لِأُمُورٍ يُؤْخَذُ بِها مَن لَمْ يُجاهِدْ في سَبِيلِ اللَّهِ ضَعْفًا عَنْ صَبْرِ النَّفْسِ عَنْ كُرْهِ القِتالِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فَمَن لَمْ يَحْمِلِ الصَّبْرَ الأوَّلَ عَلى الجِهادِ أخَذَ بِأُمُورٍ هي بَلايا (p-٢٥٤)فِي باطِنِهِ تَجاوَزَها الخِطابُ فانْعَطَفَ عَلَيْها ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ وهو حَذَرُ النَّفْسِ مِن أُمُورٍ ظاهِرَةٍ تَضُرُّها ﴿والجُوعِ﴾ وهو غَلَبَةُ الحاجَةِ إلى الغِذاءِ عَلى النَّفْسِ حَتّى تَتَرامى لِأجْلِهِ فِيما لا تَتَأمَّلُ عاقِبَتَهُ، فَإذا كانَ عَلى غَيْرِ غَلَبَةٍ مَعَ حاجَةٍ فَهو الغَرَثُ، فَلِذَلِكَ في الجُوعِ بَلاءٌ ما والغَرَثُ عادَةٌ جارِيَةٌ. وقالَ أيْضًا: الجُوعُ فَراغُ الجِسْمِ عَمّا بِهِ قِوامُهُ كَفَراغِ النَّفْسِ عَنِ الأمَنَةِ الَّتِي لَها قِوامٌ ما، فَأفْقَدَها القِوامَيْنِ في ذاتِ نَفْسِها بِالخَوْفِ وفي بَدَنِها بِالجُوعِ لَمّا لَمْ تَصْبِرْ عَلى كُرْهِ الجِهادِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ لِأهْلِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى الخَوْفِ والجُوعِ، وأيُّما كانَ أوَّلُ نائِلِهِمْ مِن هَذا الِابْتِلاءِ الخَوْفِ حَيْثُ خافُوا الأعْداءَ عَلى أنْفُسِهِمْ فَجاءَهم إلى مَواطِنِهِمْ، مَن لَمْ يَمْشِ إلى طَبِيبِهِ لِيَسْتَرِيحَ جاءَ الطَّبِيبُ لِهَلاكِهِ، وشَتّانَ بَيْنَ خَوْفِ الغازِي لِلْعَدُوِّ في عُقْرِهِ وبَيْنَ خَوْفِ المُحْصَرِ في أهْلِهِ، وكَذَلِكَ شَتّانَ بَيْنَ أرْزاقِ المُجاهِدِ وتَزْوِيدِهِ وخَيْرِ الزّادِ التَّقْوى في سَبِيلِهِ لِجِهادِهِ وبَيْنَ جُوعِ المُتَخَلِّفِ في عَيْلَتِهِ. انْتَهى. ونُكِّرَ الشَّيْءُ وما بَعْدَهُ حَثًّا عَلى الشُّكْرِ بِالإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ (p-٢٥٥)ما أصابَ مِنها فَفي قُدْرَةِ اللَّهِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، فَعَدَمُ الإصابَةِ بِهِ نِعْمَةٌ.
ولَمّا كانَ الجُوعُ قَدْ يَكُونُ عَنْ رِياضَةٍ بَيَّنَ أنَّهُ عَنْ حاجَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ﴾ وهو التَّقاصُرُ عَنِ الكَفافِ ﴿مِنَ الأمْوالِ﴾ أيِ: النِّعَمِ الَّتِي كانَتْ مِنها أغْذِيَتُهم. قالَ الحَرالِّيُّ: لِأنَّ ذَلِكَ عُرْفُ اسْتِعْمالِهِمْ في لَفْظِ المالِ. وقالَ أيْضًا: [والمالُ ] ما هو لِلْمُتَمَوَّلِ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ مِنهُ عِنْدَهُ لِمالِهِ لِذَلِكَ مِنهُ، فَضاعَفَ تَعالى مِثالَ البَلاءِ في ذَواتِ أنْفُسِهِمْ وأبْدانِهِمْ لِيَقْطَعَ عَنْهم راحَةَ تَطَلُّعِ الكِفايَةِ مِنَ الأمْوالِ في مُقابَلَةِ ما يَنالُ المُجاهِدُ مِنَ الغَناءِ والرِّزْقِ، فالمُجاهِدُ آمِنٌ في جَيْشِهِ مُتَزَوِّدٌ في رَحْلِهِ غانِمٌ مِن عَدُوِّهِ، والمُتَخَلِّفُ خائِفٌ في أهْلِهِ جائِعٌ في عَيْلَتِهِ ناقِصُ المالِ مِن ذاتِ يَدِهِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَنْ إفْراطٍ في الكَثْرَةِ قالَ: ﴿والأنْفُسِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن جاهَدَ كَثُرَ عَدَدُهُ ونَما ولَدُهُ، وأنَّ مَن تَكاسَلَ قَلَّ عَدَدُهُ ودَرَجَ خَلَفُهُ، وفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ بِمَنالِ المُتَكاسِلِ (p-٢٥٦)حَواصِدَ مِن جَوارِفِ الآجالِ مِنَ الوَباءِ والطّاعُونِ وغَيْرِهِ. انْتَهى. وقالَ: ﴿والثَّمَراتِ﴾ الَّتِي هي نَفْسُ الأشْجارِ الَّتِي بِها قِوامُ أنْفُسِ الأبْدانِ تَخْصِيصًا لَها بِالذِّكْرِ، لِأنَّها أعْظَمُ أمْوالِ الأنْصارِ الَّذِينَ هم مِن أخَصِّ النّاسِ بِهَذا الذِّكْرِ لا سِيَّما في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ وهو أوَّلُ زَمانِ الهِجْرَةِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَأنْذِرْ مَن لَمْ يَصْبِرْ، ولَكِنَّهُ طُوِيَ إشارَةً إلى إجْلالِ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَصْبِرْ عَطَفَ عَلَيْهِ إرْشادًا إلَيْهِ وحَثًّا عَلى الصَّبْرِ ثُمَّ ذَكَرَ المُوجِبِينَ لِلنَّصْرِ قَوْلَهُ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ هَذا البَلاءُ عَنْ تَكاسُلٍ مِنَ الصَّبْرِ الأوَّلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وكانَ مِمّا يَتَدارَكُهُ صَبْرٌ عَلَيْهِ تَدارَكَ تَعالى هَذِهِ الرُّتْبَةَ بِبُشْرى الصّابِرِينَ مِن هَلَكَةِ ما يَنالُ مَن لَمْ يَصْبِرْ عَلى هَذِهِ المُصِيبَةِ (p-٢٥٧)وضَجَرَ مِنها وتَسَخَّطَ فِيها، فَكانَ لِلصّابِرِ الأوَّلِ الصُّحْبَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]
البقرة 2:156
ولَمّا كانَ لِلصّابِرِ الثّانِي البُشْرى بِالسَّلامَةِ مِن عُقُوبَةِ الآخِرَةِ ومَنالُهم لِما نَوَّلَهم وشَتّانَ بَيْنَ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ وبَيْنَ مَن قِيلَ لِنَبِيِّهِ بَشِّرْهُ بِصَبْرِهِ عَلى بَلاءِ التَّخَلُّفِ، وما كانَ لِلْأنْفُسِ مَدْخَلٌ في تَحَمُّلِ الصَّبْرِ شَرَفًا وحَفِيظَةً عَلى الأحْسابِ والرُّتَبِ الدُّنْيَوِيَّةِ خَلَّصَ تَعالى الصّابِرِينَ لَهُ مِنَ الصّابِرِينَ تَطَبُّعًا وتَحامُلًا فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ﴾ مِنَ الإصابَةِ (p-٢٥٨)وهُوَ وُقُوعُ المُسَدَّدِ عَلى حَدِّ ما سُدِّدَ لَهُ مِن مُوافِقٍ لِغَرَضِ النَّفْسِ أوْ مُخالِفٍ لَها ﴿مُصِيبَةٌ﴾ خِصِّيصَةٌ عُرِفَ الِاسْتِعْمالُ بِما لا يُوافِقُ تَكَرُّهًا لِخُصُوصِ ذِكْرِهِ. انْتَهى. والمُرادُ أيُّ مُصِيبَةٍ كانَتْ ولَوْ قَلَّتْ وضَعُفَتْ بِما أفْهَمُهُ تَأْنِيثُهُ الفِعْلَ ﴿قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ إسْلامًا بِأنْفُسِهِمْ لِرَبِّهِمْ فَهو يَفْعَلُ بِنا مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ وغَيْرِها ما يُرِيدُ فَهو المَسْؤُولُ [فِي ] أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أصْلَحَ لَنا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَيانًا لِكَوْنِهِمْ لِلَّهِ تَقْرِيرًا لِلِاسْتِسْلامِ بِهِ: نَحْنُ مُبْتَدِئُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وإنّا إلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿راجِعُونَ﴾ (p-٢٥٩)مَعْنًى في أنَّ جَمِيعَ أُمُورِنا لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها إلّا بِهِ وحِسابًا لِبَعْثِ وظُهُورِ ذَلِكَ بَعْدَهُ ظُهُورًا تامًّا. قالَ الحَرالِّيُّ: لِتَكُونَ ذَلِكَ غايَةً في إسْلامِ ثَمَراتِهِمْ وأمْوالِهِمْ وما نَقَصُوا مِن أنْفُسِهِمْ، فَحِينَ لَمْ يُجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَأصابَتْهُمُ المَصائِبُ كانَ تَلافِيهِمْ أنْ يُسَلِّمُوا أمْرَهم لِلَّهِ ويَذْكُرُوا مَرْجِعَهم إلَيْهِ ويَشْعُرُوا أنَّ ما أُخِذَ مِن أنْفُسِهِمْ وما مَعَها ذَخِيرَةٌ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شاهِدَ إيمانِهِمْ ورَجائِهِمْ لِلِقائِهِمْ فَتَقَعُ مُجاهَدَتُهم لِأنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ بِمَوْقِعِ جِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي فاتَهم وجَعَلَها جامِعَةً مُطْلَقَةً لِكُلِّ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ فاسْتَرْجَعَ بِها ثَبْتَ أجْرِهِ بِما أُصِيبَ وتَلاقاهُ اللَّهُ بِالِاهْتِداءِ إلى ما تَقاصَرَ عَنْهُ ذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ خِطابًا لِنَبِيِّهِ واسْتِحْضارًا لَهم بِمَحَلِّ بُعْدٍ عَنْ قُرْبِهِ وغَيْبَةٍ عَنْ إقْبالِهِ عَلَيْهِمْ. قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ صَلاةُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ هي إقْبالُهُ عَلَيْهِمْ بِعَطْفِهِ إخْراجًا لَهم مِن حالِ ظُلْمَةٍ إلى رِفْعَةِ نُورٍ، قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فَبِصَلاتِهِمْ عَلَيْهِمْ إخْراجُهم مِن جِهاتِ ما أوْقَعَهم في وُجُوهِ تِلْكَ الِابْتِلاءاتِ، فَلِذَلِكَ كانَ ذَلِكَ صَلَواتٍ بِالجَمْعِ ولَمْ يَكُنْ صَلاةً لِيُعَدِّدَ ما أصابَهم مِنهُ عَدَدَ تِلْكَ الِابْتِلاءاتِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ إشْعارٌ بِتَدْرِيجِهِمْ في ذَلِكَ (p-٢٦٠)بِحُكْمِ تَرْبِيَةٍ وتَدارُكِ الأحْوالِ ما أصابَهم، قالَ تَعالى: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ إفْرادٌ لِمَنالِها لَهم بَعْدَ مُتَقَدَّمِ الصَّلَواتِ عَلَيْهِمْ، فَنالَتْهُمُ الرَّحْمَةُ جَمْعًا حِينَ أخْرَجَتْهُمُ الصَّلَواتُ أفْرادًا. قالَ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ نالَتْهُمُ الصَّلَواتُ والرَّحْمَةُ فَأبْقاهم مَعَ ذَلِكَ في مَحَلِّ بُعْدٍ في الحَضْرَةِ وغَيْبَةٍ في الخِطابِ ﴿هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ فَجاءَ بِلَفْظِ ”هَمّ“ إشْعارًا بِصَلاحِ بَواطِنِهِمْ عَمّا جَرَّهُ الِابْتِلاءُ مِن أنْفُسِهِمْ. انْتَهى. والَّذِي يَلُوحُ (p-٢٦١)لِي أنَّ أداةَ البُعْدِ في ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ مَقامِهِمْ وعِزِّ مَرامِهِمْ، ولِذا عَبَّرَ عَنْ هِدايَتِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ الحَصْرَ؛ والصَّلاةُ الإنْعامُ بِما يَقْتَضِي التَّشْرِيفَ، والرَّحْمَةُ الإنْعامُ بِما يَقْتَضِي العَطْفَ والتَّحَنُّنَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالإعْراضِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ فِيما يَطْعَنُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ بِألْسِنَتِهِمْ والإمْلاءِ لَهم إلى حِينِ الإذْنِ في مُطاعَنَتِهِمْ بِالرِّماحِ ومُصالَتَتِهِمْ بِبِيضِ الصِّفاحِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] إلى آخِرِها ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ ”بِالخَوْفِ الجِهادُ“ . وبِالجُوعِ الصَّوْمُ، وبِنَقْصِ الأمْوالِ زَكاةُ الصّامِتِ مِنَ المالِ، وبِالأنْفُسِ زَكاةُ الحَيَوانِ، وبِالثَّمَراتِ زَكاتُها؛ لَكِنَّ الأنْسَبَ لِافْتِتاحِ الآيَةِ واخْتِتامِها وما تَقَدَّمَها وتَلاها أنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلى الجِهادِ.
البقرة 2:157
ولَمّا كانَ لِلصّابِرِ الثّانِي البُشْرى بِالسَّلامَةِ مِن عُقُوبَةِ الآخِرَةِ ومَنالُهم لِما نَوَّلَهم وشَتّانَ بَيْنَ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ وبَيْنَ مَن قِيلَ لِنَبِيِّهِ بَشِّرْهُ بِصَبْرِهِ عَلى بَلاءِ التَّخَلُّفِ، وما كانَ لِلْأنْفُسِ مَدْخَلٌ في تَحَمُّلِ الصَّبْرِ شَرَفًا وحَفِيظَةً عَلى الأحْسابِ والرُّتَبِ الدُّنْيَوِيَّةِ خَلَّصَ تَعالى الصّابِرِينَ لَهُ مِنَ الصّابِرِينَ تَطَبُّعًا وتَحامُلًا فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ﴾ مِنَ الإصابَةِ (p-٢٥٨)وهُوَ وُقُوعُ المُسَدَّدِ عَلى حَدِّ ما سُدِّدَ لَهُ مِن مُوافِقٍ لِغَرَضِ النَّفْسِ أوْ مُخالِفٍ لَها ﴿مُصِيبَةٌ﴾ خِصِّيصَةٌ عُرِفَ الِاسْتِعْمالُ بِما لا يُوافِقُ تَكَرُّهًا لِخُصُوصِ ذِكْرِهِ. انْتَهى. والمُرادُ أيُّ مُصِيبَةٍ كانَتْ ولَوْ قَلَّتْ وضَعُفَتْ بِما أفْهَمُهُ تَأْنِيثُهُ الفِعْلَ ﴿قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ إسْلامًا بِأنْفُسِهِمْ لِرَبِّهِمْ فَهو يَفْعَلُ بِنا مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ وغَيْرِها ما يُرِيدُ فَهو المَسْؤُولُ [فِي ] أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أصْلَحَ لَنا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَيانًا لِكَوْنِهِمْ لِلَّهِ تَقْرِيرًا لِلِاسْتِسْلامِ بِهِ: نَحْنُ مُبْتَدِئُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وإنّا إلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿راجِعُونَ﴾ (p-٢٥٩)مَعْنًى في أنَّ جَمِيعَ أُمُورِنا لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها إلّا بِهِ وحِسابًا لِبَعْثِ وظُهُورِ ذَلِكَ بَعْدَهُ ظُهُورًا تامًّا. قالَ الحَرالِّيُّ: لِتَكُونَ ذَلِكَ غايَةً في إسْلامِ ثَمَراتِهِمْ وأمْوالِهِمْ وما نَقَصُوا مِن أنْفُسِهِمْ، فَحِينَ لَمْ يُجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَأصابَتْهُمُ المَصائِبُ كانَ تَلافِيهِمْ أنْ يُسَلِّمُوا أمْرَهم لِلَّهِ ويَذْكُرُوا مَرْجِعَهم إلَيْهِ ويَشْعُرُوا أنَّ ما أُخِذَ مِن أنْفُسِهِمْ وما مَعَها ذَخِيرَةٌ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شاهِدَ إيمانِهِمْ ورَجائِهِمْ لِلِقائِهِمْ فَتَقَعُ مُجاهَدَتُهم لِأنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ بِمَوْقِعِ جِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي فاتَهم وجَعَلَها جامِعَةً مُطْلَقَةً لِكُلِّ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ فاسْتَرْجَعَ بِها ثَبْتَ أجْرِهِ بِما أُصِيبَ وتَلاقاهُ اللَّهُ بِالِاهْتِداءِ إلى ما تَقاصَرَ عَنْهُ ذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ خِطابًا لِنَبِيِّهِ واسْتِحْضارًا لَهم بِمَحَلِّ بُعْدٍ عَنْ قُرْبِهِ وغَيْبَةٍ عَنْ إقْبالِهِ عَلَيْهِمْ. قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ صَلاةُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ هي إقْبالُهُ عَلَيْهِمْ بِعَطْفِهِ إخْراجًا لَهم مِن حالِ ظُلْمَةٍ إلى رِفْعَةِ نُورٍ، قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فَبِصَلاتِهِمْ عَلَيْهِمْ إخْراجُهم مِن جِهاتِ ما أوْقَعَهم في وُجُوهِ تِلْكَ الِابْتِلاءاتِ، فَلِذَلِكَ كانَ ذَلِكَ صَلَواتٍ بِالجَمْعِ ولَمْ يَكُنْ صَلاةً لِيُعَدِّدَ ما أصابَهم مِنهُ عَدَدَ تِلْكَ الِابْتِلاءاتِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ إشْعارٌ بِتَدْرِيجِهِمْ في ذَلِكَ (p-٢٦٠)بِحُكْمِ تَرْبِيَةٍ وتَدارُكِ الأحْوالِ ما أصابَهم، قالَ تَعالى: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ إفْرادٌ لِمَنالِها لَهم بَعْدَ مُتَقَدَّمِ الصَّلَواتِ عَلَيْهِمْ، فَنالَتْهُمُ الرَّحْمَةُ جَمْعًا حِينَ أخْرَجَتْهُمُ الصَّلَواتُ أفْرادًا. قالَ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ نالَتْهُمُ الصَّلَواتُ والرَّحْمَةُ فَأبْقاهم مَعَ ذَلِكَ في مَحَلِّ بُعْدٍ في الحَضْرَةِ وغَيْبَةٍ في الخِطابِ ﴿هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ فَجاءَ بِلَفْظِ ”هَمّ“ إشْعارًا بِصَلاحِ بَواطِنِهِمْ عَمّا جَرَّهُ الِابْتِلاءُ مِن أنْفُسِهِمْ. انْتَهى. والَّذِي يَلُوحُ (p-٢٦١)لِي أنَّ أداةَ البُعْدِ في ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ مَقامِهِمْ وعِزِّ مَرامِهِمْ، ولِذا عَبَّرَ عَنْ هِدايَتِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ الحَصْرَ؛ والصَّلاةُ الإنْعامُ بِما يَقْتَضِي التَّشْرِيفَ، والرَّحْمَةُ الإنْعامُ بِما يَقْتَضِي العَطْفَ والتَّحَنُّنَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالإعْراضِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ فِيما يَطْعَنُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ بِألْسِنَتِهِمْ والإمْلاءِ لَهم إلى حِينِ الإذْنِ في مُطاعَنَتِهِمْ بِالرِّماحِ ومُصالَتَتِهِمْ بِبِيضِ الصِّفاحِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] إلى آخِرِها ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ ”بِالخَوْفِ الجِهادُ“ . وبِالجُوعِ الصَّوْمُ، وبِنَقْصِ الأمْوالِ زَكاةُ الصّامِتِ مِنَ المالِ، وبِالأنْفُسِ زَكاةُ الحَيَوانِ، وبِالثَّمَراتِ زَكاتُها؛ لَكِنَّ الأنْسَبَ لِافْتِتاحِ الآيَةِ واخْتِتامِها وما تَقَدَّمَها وتَلاها أنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلى الجِهادِ.
البقرة 2:158
ولَمّا فَرَغَ مِمّا أرادَ مِن أحْوالِ الطّاعِنِينَ في القِبْلَةِ الَّتِي هي قِيامٌ لِلنّاسِ وما اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ مِمّا يَضْطَرُّهُ إلَيْهِ في إقامَةِ الدِّينِ مِن جِدالِهِمْ وجِلادِهِمْ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالهُدى شَرَعَ في ذِكْرِ ما كانَ البَيْتُ بِهِ قِيامًا (p-٢٦٢)لِلنّاسِ مِنَ المَشاعِرِ القائِدَةِ إلى كُلِّ خَيْرٍ الحامِيَةِ عَنْ كُلِّ ضَيْرٍ الَّتِي جُعِلَتْ مَواقِفُها أعْلامًا عَلى السّاعَةِ لا سِيَّما والحَجُّ أخُو الجِهادِ في المَشَقَّةِ والنُّزُوحِ عَنِ الوَطَنِ وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أحَدَ الجِهادَيْنِ مَعَ أنَّهُ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ البَيْتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ مَناقِبُهُ المَتْلُوَّةِ مَآثِرُهُ المَنصُوبَةِ شَعائِرُهُ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ دَعائِمُهُ مِنَ الِاعْتِكافِ والصَّلاةِ والطَّوافِ [المُشارِ ] إلى حَجِّهِ واعْتِمارِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] فَأفْصَحَ بِهِ بَعْدَ تِلْكَ الإشارَةِ بَعْضَ الإفْصاحِ إذْ كانَ لَمْ يَبْقَ مِن مَفاخِرِهِ العُظْمى غَيْرُهُ وضَمَّ إلَيْهِ العُمْرَةَ الحَجَّ الأصْغَرَ لِمُشارَكَتِها لَهُ في إظْهارِ فَخارِهِ وإعْلاءِ مَنارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ فَهو كالتَّعْلِيلِ لِاسْتِحْقاقِ البَيْتِ لِأنْ يَكُونَ (p-٢٦٣)قِبْلَةً، وعَرَّفَهُما لِأنَّهُما جَبَلانِ مَخْصُومانِ مَعْهُودانِ تِجاهَ الكَعْبَةِ، اسْمُ الصَّفا مِنَ الصَّفْوَةِ وهو ما يُخَلَّصُ مِنَ الكَدَرِ، واسْمُ المَرْوَةِ مِنَ المَرْوِ وهو ما تَحَدَّدَ مِنَ الحِجارَةِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. وخَصَّهُما هُنا بِالذِّكْرِ إشارَةً إلى أنَّ بَرَكَةَ الإقْبالِ عَلَيْهِما عَلى ما شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُفِيدَةٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِما أُنْزِلَ عَلى هَذا الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ الباقِيَيْنِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ شِفاءً لِلْقُلُوبِ وزَكاةً لِلنُّفُوسِ زِيادَةً لِلنِّعْمَةِ بِصِفَةِ الشُّكْرِ وتَعْلِيمًا بِصِفَةِ العِلْمِ كَما كانَ الإقْبالُ عَلى السَّعْيِ بَيْنَهُما تَسْلِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ مُفِيدًا لِحَياةِ أبِيهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَفَعَ مَن بَعْدَهُ بِما أنَبَعَ لَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ الباقِي إلى قِيامِ السّاعَةِ طَعامَ طُعْمٍ وشِفاءَ سُقْمٍ، وفي ذَلِكَ مَعَ تَقْدِيمِ الصَّفا إشارَةً لِلْبُصَراءِ مِن أرْبابِ القُلُوبِ إلى أنَّ الصّابِرَ لِلَّهِ المُبَشَّرَ فِيما قَبْلَها يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ جامِعًا بَيْنَ الصَّلابَةِ والصَّفا، فَيَكُونُ بِصَلابَتِهِ الحَجَرِيَّةِ مانِعًا مِنَ القَواطِعِ الشَّيْطانِيَّةِ، وبِرِقَّتِهِ الزُّجاجِيَّةِ جامِعًا لِلَوامِعِ الرَّحْمانِيَّةِ، بَعِيدًا عَنِ القَلْبِ المائِيِّ بِصَلابَتِهِ، وعَنِ الحَجَرِيِّ بِصَفائِهِ واسْتِنارَتِهِ. ومِن أعْظَمِ المُناسَباتِ أيْضًا كَوْنُ (p-٢٦٤)سَبِيلِ الحَجِّ إذْ ذاكَ كانَ مَمْنُوعًا بِأهْلِ الحَرْبِ، فَكَأنَّها عِلَّةٌ لِما قَبْلَها وكَأنَّهُ قِيلَ: ولَنَبْلُوَنَّكم بِما ذُكِرَ لِأنَّ الحَجَّ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ هَذا البَيْتِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبالِهِ وهو مِمّا يُفْرَضُ عَلَيْكم وسَبِيلُهُ مَمْنُوعٌ بِمَن تَعْلَمُونَ، فَلَنَبْلُوَنَّكم بِقِتالِهِمْ لِزَوالِ مانِعِ الحَجِّ وقِتالِ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ لِإتْمامِ النِّعْمَةِ بِتَمامِ الدِّينِ وظُهُورِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ. ومِن أحْسَنِها أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ البَلايا بِنَقْصِ الأمْوالِ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] أتْبَعَها الدَّواءَ الجابِرَ لِذَلِكَ النَّقْصِ دِينًا ودُنْيا، «فَإنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِي الِاطِّلاعُ عَلى حَجَّةِ الوَداعِ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ جامِعَةٍ مِن أمْرِ الحَجِّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] مِن حَيْثُ إنَّ النِّعْمَةَ المُضافَةَ إلَيْهِ أحَقُّ بِنِعْمَةِ الدِّينِ وفي ضِمْنِها نِعْمَةُ الدُّنْيا الَّتِي لَمْ يَتَهَيَّأِ الحَجُّ إلّا بِها مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ والِاسْتِيلاءِ عَلى كافَّةِ العَرَبِ كَما قالَ تَعالى فِيما أنْزَلَ يَوْمَ تَمامِ الحَجِّ الَّذِي (p-٢٦٥)هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وذَلِكَ بِما أتَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ تَمامِ مَعالِمِ الدِّينِ وتَأْسِيسِ الفَتْحِ بِفَتْحِ أُمِّ القُرى الَّتِي في فَتْحِها فَتْحُ جَمِيعِ الأرْضِ لِأنَّها قِيامُ النّاسِ نَظَمَ تَعالى بِما تَلاهُ مِنَ الخِطابِ تَفْصِيلًا مِن تَفاصِيلِ أمْرِ الحَجِّ انْتَظَمَ بِأمْرِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن حَيْثُ ما في سَبَبِ إنْزالِهِ مِنَ التَّحَرُّجِ لِلَّذِينِ أُعْلِمُوا بِرَفْعِ الجُناحِ عَنْهم وهم طائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ فَتَحَرَّجُوا مِنَ التَّطَوُّفِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. وطائِفَةٌ أيْضًا خافُوا أنْ يَلْحَقَهم في الإسْلامِ بِعَمَلِهِمْ نَحْوُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ نَقْصٌ في عَمَلِ الإسْلامِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهم لِمُخْتَلِفِ نِيّاتِهِمْ فَإنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، فَما نُوِيَ لِلَّهِ كانَ لِلَّهِ ولَمْ يَبُلَّ فِيهِ بِمُوافَقَةِ ما كانَ مِن عاداتِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وفي فِقْهِهِ صِحَّةُ السُّجُودِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِمَن أُكْرِهَ عَلى السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وفي طَيِّ ذَلِكَ صِحَّةُ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ لِمَن أُكْرِهَ عَلَيْها، أذِنَ ﷺ (p-٢٦٦)غَيْرَ مَرَّةٍ في أنْ يَقُولَ فِيهِ قائِلٌ ما يُوافِقُ الكُفّارَ بِحُسْنِ نِيَّةٍ لِلْقائِلِ فِيهِ ذَلِكَ ولِقَضاءِ حاجَةٍ لَهُ مِن حَوائِجِ دُنْياهُ عِنْدَ الكَفّارِ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ كَوْنُهُ ﷺ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، يَقْبَلُ الضَّمائِرَ ولا يُبالِي بِالظَّواهِرِ في أحْوالِ الضَّرائِرِ، فَرَفَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُمُ الجُناحَ بِحُسْنِ نِيّاتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَلَهم، فَبِهَذا النَّحْوِ مِنَ التَّقاصُرِ في هَذِهِ الرُّتْبَةِ انْتَظَمَ افْتِتاحُ هَذا الخِطابِ بِما قَبْلَهُ مِن أحْوالِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ المُبْتَلِينَ بِما ذُكِرَ. انْتَهى.
﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْلامِ دِينِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي دانَ كُلُّ شَيْءٍ لِجَلالِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهي أيِ الشَّعائِرُ ما أحَسَّتْ بِهِ القُلُوبُ مِن حَقِّهِ، وقالَ: والشُّعَيْرَةُ ما شَعَرَتْ بِهِ القُلُوبُ مِن أُمُورٍ باطِنَةٍ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وإنَّما ذَكَرَها تَعالى بِالشَّعائِرِ وعَمَلُها مَعْلَمٌ [مِن ] مَعالِمِ الإسْلامِ (p-٢٦٧)وحُرْمَةٌ مِن حُرُمِ اللَّهِ لَمّا كانَ حَكَمَ في أمْرِ القُلُوبِ الَّتِي كانَ في ضَمائِرِها تَحَرُّجُهم فَمِن حَيْثُ ذَكَّرَها بِالشَّعِيرَةِ صَحَّحَها الإخْلاصُ والنِّيَّةُ ﴿فَمَن حَجَّ﴾ مِنَ الحَجِّ وهو تَرْدادُ القَصْدِ إلى ما يُرادُ خَيْرُهُ وبِرُّهُ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: أصْلُهُ زِيادَةُ شَيْءٍ تُعَظِّمُهُ. انْتَهى.
﴿البَيْتَ﴾ ذَكَرَ البَيْتَ في الحَجِّ والمَسْجِدَ الحَرامَ في التَّوَجُّهِ لِانْتِهاءِ الطَّوافِ إلى البَيْتِ واتِّساعِ المُصَلّى مِن حَدِّ المَقامِ إلى ما وراءَهُ لِكَوْنِ الطّائِفِ مُنْتَهِيًا إلى البَيْتِ وكَوْنِ المُصَلِّي قائِمًا بِمَحَلِّ أدَبٍ يُؤَخِّرُهُ عَنْ مُنْتَهى الطّائِفِ مُداناةُ البَيْتِ، وذَكَّرَهُ تَعالى بِكَلِمَةِ ”مَن“ المُطْلَقَةِ المُسْتَغْرِقَةِ لِأُولِي العَقْلِ تَنَكُّبًا بِالخِطابِ عَنْ خُصُوصِ المُتَحَرِّجِينَ، فَفي إطْلاقِهِ إشْعارٌ بِأنَّ الحَجَّ لا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ مِمّا يَعْرِضُ في مَواطِنِهِ مِن مَكْرُوهِ الدِّينِ لِاشْتِغالِ الحاجِّ بِما هو فِيهِ عَمّا سِواهُ، فَفي خَفِيِّ فِقْهِهِ إعْراضُ الحاجِّ عَنْ مَناكِرِ تِلْكَ المَواطِنِ الَّتِي تُعْرَضُ فِيها بِحَسَبِ الأزْمانِ والأعْصارِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الحَجَّ آيَةُ الحَشْرِ وأهْلِ الحَشْرِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] فَكَذَلِكَ (p-٢٦٨)حُكْمُ ما هو آيَتُهُ؛ وحَجُّ البَيْتِ إتْيانُهُ في خاتِمَةِ السَّنَةِ مِنَ الشُّهُورِ الَّذِي هو شَهْرُ ذِي الحِجَّةِ أنَّهُ خَتَمَ العُمُرَ، كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُمُرَهُ بِعَمَلِ الحَجِّ؛ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿أوِ اعْتَمَرَ﴾ فَذَكَرَ العُمُرَةَ مَعَ الحَجِّ لَمّا كانَ الطَّوافُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن شَعائِرِ العَمَلَيْنِ ﴿فَلا جُناحَ﴾ وهو المُؤاخَذَةُ عَلى الجُنُوحِ، والجُنُوحُ المَيْلُ عَنْ جادَّةِ القَصْدِ. انْتَهى.
﴿عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ﴾ أيْ: يَدُورَ بِهِمَّةٍ وتَعَمُّدٍ ونَشاطٍ ﴿بِهِما﴾ بادِيًا بِما بَدَأ اللَّهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: رَفْعُ الجُناحِ عَنْ الفِعْلِ حُكْمٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الجائِزُ والواجِبُ والفَرْضُ والمُباحُ حَتّى يَصِحَّ أنْ يُقالَ: لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ، كَما يُقالُ: لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ تَطْعَمَ إذا جُعْتَ؛ وإنَّما يُشْعِرُ بِالجَوازِ والتَّخْيِيرِ نَفْيُ الجُناحِ عَنِ التَّرْكِ لا عَنِ الفِعْلِ، كَما «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلَّذِينِ سَألُوهُ عَنِ العَزْلِ: ”لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ لا تَفْعَلُوا“» أيْ: أنْ لا تُنْزِلُوا، لِأنَّ الفِعْلَ كِنايَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ لا عَنِ التَّرْكِ الَّذِي هو مَعْنى العَزْلِ ”وهُوَ الَّذِي قَرَّرَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمّا قالَ عُرْوَةُ: (p-٢٦٩)ما أرى عَلى أحَدٍ شَيْئًا أنْ لا يَطُوفَ بِهِما، فَقالَتْ: لَوْ كانَ كَما تَقُولُ كانَ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطُوفَ بِهِما الحَدِيثَ. قُلْتُ: ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّفْيِ إنَّما اخْتِيرَ لِيَدُلَّ عَلى نَفْيِ ما تَوَهَّمُوهُ بِالمُطابَقَةِ، وتَقَعُ الدَّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ بِإفْهامِ الجَزاءِ لِأنَّ مَن حَجَّ أوِ اعْتَمَرَ ولَمْ يَتَطَوَّفْ بِهِما كانَ عَلَيْهِ حَرَجٌ، وبِالسُّنَّةِ الَّتِي بَيَّنَتْهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «اسْعَوْا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ومِن فِعْلِهِ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ «.“ خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم ”» ومَن عَدَّهُما مِنَ الشَّعائِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وما رُوِيَ مِن قِراءَةِ مَن قَرَأ“أنْ لا يَطُوفُ بِهِما”فَلَيْسَتْ“ لا ”نافِيَةٌ عَلى حَدِّ ما نَفَتْ مَعْناهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وإنَّما هي مُؤَكِّدَةٌ لِلْإثْباتِ بِمَنزِلَةِ ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] و﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] لِأنَّ مِن تَمامِ المُبْهَمِ اسْتِعْمالُهُ في المُتَقابِلِينَ مِنَ النَّفْيِ والإثْباتِ كاسْتِعْمالِهِ في وُجُوهٍ مِنَ التَّقابُلِ كَما تُسْتَعْمَلُ“ ما ”في النَّفْيِ والإثْباتِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ“ لا ”فِي لِسانِ العَرَبِ بِمَنزِلَتِها في الِاسْتِعْمالِ وإنْ كانَ دُونَ ذَلِكَ في الشُّهْرَةِ، فَوارِدُ القُرْآنِ مُعْتَبَرٌ بِأعْلى رُتْبَةِ لُغَةِ العَرَبِ وأفْصَحِها، لا يَصِلُ إلى تَصْحِيحِ عَرَبِيَّتِهِ مَنِ اقْتَصَرَ مِنَ النَّحْوِ والأدَبِ عَلى ما دُونَ (p-٢٧٠)الغايَةِ لِعُلُوِّهِ في رُتْبَةِ العَرَبِيَّةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] انْتَهى. والَّذِينَ قَرَؤُوا بِزِيادَةِ“لا" عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عَنْهُ - وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ [ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، كَما نَقَلَ ذَلِكَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ عُثْمانُ بْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِهِ المُحْتَسِبِ في تَوْجِيهِ القِراءاتِ ] الشَّواذِّ؛ ومَعْنى قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَكانَ أنْ لا يَطُوفَ خاصَّةً، ولَمْ تَرِدْ قِراءَةٌ بِالإثْباتِ؛ وأمّا مَعَ قِراءَةِ الإثْباتِ فَإنَّ المَعْنى يُرْشِدُ إلى أنَّ قِراءَةَ النَّفْيِ مِثْلُها، لِأنَّ كَوْنَهُما مِنَ الشَّعائِرِ يَقْتَضِي التَّطَوُّفَ بِهِما لا إهْمالُهُما. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وذِكْرُهُ (p-٢٧١)تَعالى بِالتَّطَوُّفِ الَّذِي هو تَفَعُّلٌ أيْ: تَشَبُّهٌ بِالطَّوافِ، ومَعَ البَيْتِ بِالطَّوافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] لَمّا كانَ السَّعْيُ تَرَدُّدًا في طُولٍ، والمُرادُ الإحاطَةُ بِهِما، فَكانَ في المَعْنى كالطَّوافِ لا في الصُّورَةِ، فَجَعَلَهُ لِذَلِكَ تَطَوُّفًا أيْ: تَشَبُّهًا بِالطَّوافِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمْ يَقْصِدُوا بِتَرْكِ الطَّوافِ بَيْنَهُما إلّا الطّاعَةَ فَأُعْلِمُوا أنَّ الطَّوافَ بَيْنَهُما طاعَةٌ، عَبَّرَ بِما يُفِيدُ مَدْحَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ مُعاهَدَةَ البِرِّ والخَيْرِ مِن غَيْرِ اسْتِدْعاءٍ لَهُ ﴿خَيْرًا﴾ فِيهِ إعْلامٌ بِفَضِيلَةِ النَّفَقَةِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ بِالهَدْيِ ووُجُوهِ المَرافِقِ لِلرُّفَقاءِ بِما يُفْهِمُهُ لَفْظُ الخَيْرِ، لِأنَّ عُرْفَ اسْتِعْمالِهِ في خَيْرِ الرِّزْقِ والنَّفَقَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] و﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] ولَمّا كانَ رَفْعُ الجُناحِ تَرْكًا عادَلَها في الخِطابِ بِإثْباتِ عَمَلِ خَيْرٍ لِيَقَعَ في الخِطابِ إثْباتٌ يُفِيدُ عَمَلًا حِينَ لَمْ يُفِدِ الأوَّلُ إلّا تَرْكًا، فَمَن تَحَقَّقَ بِالإيمانِ أجْزَلَ نَفَقاتِهِ في الوِفادَةِ (p-٢٧٢)عَلى رَبِّهِ واخْتَصَرَ في أغْراضِ نَفْسِهِ، ومَن حُرِمَ النَّصَفَ مِن دُنْياهُ اقْتَصَرَ في نَفَقاتِهِ في وِفادَتِهِ عَلى رَبِّهِ وأجْزَلَ نَفَقاتِهِ في أغْراضِ نَفْسِهِ وشَهَواتِ عِيالِهِ، فَذَلِكَ مِن أعْلامِ المُؤْمِنِينَ وأعْلامِ الجاهِلِينَ، مَن وفَدَ عَلى المَلِكِ أجْزَلَ ما يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنَّما قَدَّمَهُ بِالحَقِيقَةِ لِنَفْسِهِ لا لِرَبِّهِ، فَمَن شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِإظْهارِها حِينَ الوِفادَةِ، عَلَيْهِ في آيَةِ بِعْثَةٍ إلَيْهِ ولِقائِهِ لَهُ شَكَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ يَوْمَ يَلْقاهُ، فَكانَتْ هَدايا اللَّهِ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمَ مِن هَدْيِهِ إلَيْهِ يَوْمَ الوِفادَةِ عَلَيْهِ في حَجِّهِ وعُمْرَتِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شاكِرٌ﴾ أيْ: مُجازٍ بِالأعْمالِ مَعَ المُضاعَفَةِ لِثَوابِها؛ قالَ الحَرالِّيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِن مَداخِلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ في إجْزالِ النَّفَقاتِ لِما يَغْلُبُ عَلى النَّفْسِ مِنَ التَّباهِي في إظْهارِ الخَيْرِ. انْتَهى.
البقرة 2:159
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَكْتُمُونَ ما يَعْلَمُونَ مِن هَذا لَحِقَ وخَتَمَ ما أتْبَعَهُ لَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ والعِلْمِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا بِأنَّهُ يَشْكُرُ مَن فَعَلَ ما شَرَعَهُ لَهُ ويَعْلَمُ مَن أخْفاهُ وإنْ دَقَّ (p-٢٧٣)فِعْلُهُ وبالَغَ في كِتْمانِهِ انْعَطَفَ الكَلامُ إلى تَبْكِيتِ المُنافِقِينَ مِنهم والمُصارِحِينَ في لَعْنِهِمْ عَلى كِتْمانِهِمْ ما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَقِّ إذْ كانَتْ هَذِهِ كُلُّها في الحَقِيقَةِ قِصَصَهم والخُرُوجُ إلى غَيْرِها إنَّما هو اسْتِطْرادٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ المُبِينِ لِأنَّ هَذا الكِتابَ هُدًى وكانَ السِّياقُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ بَعْدَ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومَن أحْدَثَ شَرًّا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فَوَصَلَ بِهِ اسْتِئْنافًا قَوْلَهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ بَيانًا لِجَزائِهِمْ ﴿ما أنْـزَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا. قالَ الحَرالِّيُّ: فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْ: في خَتْمِها لِهَذا الخِطابِ بِما مَضى في أوَّلِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فَكانَتِ البِدايَةُ خاصَّةً وكانَ الخَتْمُ عامًّا، لِيَكُونَ ما في كِتابِ اللَّهِ أمْرًا عَلى نَحْوِ ما كانَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومِن تَقَدُّمِهِ مِنَ الرُّسُلِ خَلْقًا لِيَنْطَبِقَ الأمْرُ عَلى الخَلْقِ بَدْءًا وخَتْمًا انْطِباقًا واحِدًا، فَعَمَّ كَلَّ كاتِمٍ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ - انْتَهى ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ أيِ: الَّتِي لا يَحْتاجُ (p-٢٧٤)سامِعُها المُجَرَّدُ عَنِ الهَوى في فَهْمِها إلى شَيْءٍ مَعَها. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إفْهامِهِ إذَنْ في كَتْمِ ما يَخْفى مِنَ العِلْمِ عَنْ عُقُولٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ. انْتَهى.
﴿والهُدى﴾ أيِ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُودَ مَن أحَبَّهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ولَمّا كانَ المُرادُ التَّرْهِيبَ مِنَ الكِتْمانِ في وقْتٍ ما ولَوْ قَلَّ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم في أدْنى طَبَقاتِ المُخاطَبِينَ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ المَقْصُودِينَ بِذَلِكَ لِكِتْمانِهِمْ ما عِنْدَهم. قالَ الحَرالِّيُّ: لِأنَّ المُسَمَّيْنَ بِالنّاسِ مِن أصاغِرِ سِنِّ القُلُوبِ لِما ذَكَرَ مِن نَوْسِهِمْ وأكْثَرُ ما يُخَصُّ بِهِ كَما تَقَدَّمَ المُلُوكُ ورُؤَساءُ القَبائِلِ وأتْباعُهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم حُبُّ الشَّهَواتِ. انْتَهى.
﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ (p-٢٧٥)قالَ الحَرالِّيُّ: فَما بَيَّنَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الكِتابِ لا يَحِلُّ كَتْمُهُ، لِما ذَكَرَ مِن أنَّ الكِتابَ هو ما احْتَوى عَلى الأحْكامِ والحُدُودِ بِخِلافِ ما يَخْتَصُّ بِالفُرْقانِ أوْ يَعْلُو إلى رُتْبَةِ القُرْآنِ انْتَهى.
ولَمّا كانَ المُضارِعُ دالًّا عَلى التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ وكانَ الإصْرارُ المُتَّصِلُ بِالمَوْتِ دالًّا عَلى سُوءِ الجِبِلَّةِ أسْقَطَ فاءَ السَّبَبِ إشارَةً إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْخِزْيِ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى سَبَبٍ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَطْرُدُهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ طَرْدَ خِزْيٍ وذُلٍّ ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ أيْ: كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ لَعْنٌ؛ أيْ: هم مُتَهَيِّئُونَ لِذَلِكَ ثُمَّ يَقَعُ لَهم ذَلِكَ بِالفِعْلِ عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ، واللَّعْنُ إسْقاطُ الشَّيْءِ إلى أرْدى مَحالِّهِ حَتّى يَكُونَ في الرُّتْبَةِ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ مِنَ العامَّةِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وأخَصُّ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ تَناوُلًا أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ أشَقُّ الصَّبْرِ ما عَلى فَقْدِ المَحْبُوبِ مِنَ الإلْفِ والأمْنِ والسِّعَةِ وكانَ العِلْمُ واقِعًا بِأنَّ عَداوَةَ الكَفّارِ لَهم سَتَؤُولُ إلى ابْتِلائِهِمْ بِذَلِكَ أتْبَعَ آيَةَ الصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا﴾ [البقرة: ١٥٤] الآيَتَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَقُولُوا كَذا فَلَيَكْتُبَنَّ عَلَيْكُمُ الجِهادَ عُمُومًا ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥] فِيهِ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآيَةَ لِأنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ (p-٢٧٦)ووُصُولُكم إلَيْهِما مَمْنُوعٌ بِالكُفّارِ فَلا بُدَّ في الفَتْحِ مِن قِتالِهِمْ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ في القِتالِ بِمِثْلِ ذَلِكَ البَلاءِ.
البقرة 2:160
ولَمّا تَمَّ أمْرُ القِبْلَةِ وما اسْتَتْبَعَهُ وخُتِمَ بِشَرِيعَةِ الحَجِّ المَكْتُوبَةِ عَلى النّاسِ عامَّةً الآمِرِ لَهم بِها بانِي البَيْتِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ إذْ قامَ المَقامُ: يا أيُّها النّاسُ ! كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ فَحُجُّوا، فَأجابَهُ مَن عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ يَحُجُّ ثُمَّ حَجَّتِ الأنْبِياءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ أخْفاها أهْلُ الكِتابِ فِيما أخْفَوْهُ مِن كِتابِهِمْ حَسَدًا لِلْعَرَبِ وخُتِمَتْ آيَةُ الحَجِّ بِعَلِيمٍ رَجَعَ إلى أمْرِ الكاتِمِينَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ، وأعْظَمُ ما كَتَمُوهُ أمْرُ هَذا الكِتابِ الَّذِي هو الهُدى المُفْتَتَحُ بِهِ السُّورَةُ، ولَمّا بَيَّنَ جَزاءَهُمُ اسْتَثْنى مِنهُمُ التّائِبِينَ مُبَيِّنًا لِشَرائِطِ التَّوْبَةِ الثَّلاثَةِ فَقالَ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ بِالنَّدَمِ عَلى ارْتِكابِ الذَّنْبِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ بِالعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ ﴿وبَيَّنُوا﴾ ما كانُوا كَتَمُوهُ فَظَهَرَتْ تَوْبَتُهم بِالإقْلاعِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ يُحِبُّ ما كانَ بِسَبَبٍ مِنهُ رَغَّبَهم في المَتابِ بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ سَبَبًا لِتَوْبَتِهِ ورَحْمَتِهِ وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَنًّا مِنهُ في نَفْسِ (p-٢٧٧)الأمْرِ فَقالَ مُعَبِّرًا بِالفاءِ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أقْبَلُ تَوْبَتَهم فَأحْفَظُهم بِما يُشْعِرُ بِهِ مِثالُ الفِعْلِ الدّائِمِ فِيما وفَّقْتُهم لِابْتِدائِهِ، وفي الرَّبْطِ بِالفاءِ إشارَةٌ إلى إسْراعِ اسْتِنْقاذِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن نارِ الخَوْفِ والنَّدَمِ رَحْمَةً مِنهُ لَهم بِرَفْعِهِمْ إلى مَوْطِنِ الإنْسِ، لِأنَّ نارَ الخَوْفِ في الدُّنْيا لِلْمُقْتَرِفِ رَحْمَةً مِن عَذابِ النّارِ تَفْدِيهِ مِن نارِ السَّطْوَةِ في الآخِرَةِ، مَن لَمْ يَحْتَرِقْ بِنارِ المُجاهَدَةِ أحْرَقَتْهُ نارُ الخَوْفِ، فَمَن لَمْ يَحْتَرِقْ بِنارِ الخَوْفِ أحْرَقَتْهُ نارُ السَّطْوَةِ - أفادَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الإنْسانِ مُعاوَدَةُ الذُّنُوبِ لِصِفَةِ النِّسْيانِ خَتَمَ الآيَةَ بِما دَلَّ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنِّي أُحِبُّ التَّوّابِينَ فَقالَ: ﴿وأنا التَّوّابُ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِمَن كَرَّ عَلى الذَّنْبِ ثُمَّ راجَعَ التَّوْبَةَ كَرَّةً إثْرَ كَرَّةٍ ﴿الرَّحِيمُ﴾ لِمَن فَعَلَ ما يُرْضِينِي.
البقرة 2:161
ولَمّا لَعَنَ الكاتِمِينَ واسْتَثْنى مِنهُمُ التّائِبِينَ ذَكَرَ المُصِرِّينَ مُعَبِّرًا عَنْ كِتْمانِهِمْ بِالكُفْرِ لِتَعُمَّ العِبارَةُ كُلَّ كُفْرٍ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (p-٢٧٨)أيْ: بِهَذا الكِتْمانِ وغَيْرِهِ ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إشْعارِهِ يُسْرُ تَوْبَةِ الكافِرِينَ وعُسْرُ تَوْبَةِ المُنافِقِينَ مِن حَيْثُ صَرَّحَ بِذِكْرِ تَوْبَةِ الكاتِمِ وتَجاوَزَ في الذِّكْرِ تَوْبَةَ الكافِرِ، فَكانَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتُوبُونَ إلّا الأقَلَّ والَّذِينَ يَكْتُمُونَ يَتَمادَوْنَ إلّا الأقَلِّ، فَلِذَلِكَ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ في الكاتِمِ والتَّخْصِيصِ مِنَ الكافِرِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ المَوْتُ عَلى شَيْءٍ دالًّا عَلى أصْلِ الجِبِلَّةِ فالمَيِّتُ كافِرًا مَجْبُولٌ جِبِلَّةَ شَرٍّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ في نَفْسِ الأمْرِ لِكُلِّ خِزْيٍ لِذَلِكَ لا لِسَبَبٍ جَدَّدَهُ، فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، فَأسْقَطَ فاءَ السَّبَبِ وعَبَّرَ عَنْهم بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى طَرْدِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ هم في غايَةِ السُّفُولِ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرْدُ المَلِكِ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ وإبْعادُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ اللّاعِنِينَ في الَّتِي قَبْلَها فَقالَ ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: هم أهْلٌ لِذَلِكَ وكُلُّ أحَدٍ يَلْعَنُ الظّالِمَ وأظْلَمُ الظّالِمِينَ الكافِرُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ: اللَّعْنَةُ. (p-٢٧٩)ولَمّا كانَ اللَّعْنُ دالًّا عَلى العَذابِ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ لِاسْتِعْلاءِ اللَّعْنِ عَلَيْهِمْ وإحاطَتِهِ بِهِمْ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ذَكَرَ وصْفَ العَذابِ بِذِكْرِ ما لَزِمَهم مِنَ اللَّعْنَةِ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ العُقابَيْنِ: عِقابًا مِنَ الوَصْفِ وعِقابًا مِنَ الفِعْلِ، كَما يَكُونُ لِمَن يُقابِلُهُ نَعِيمٌ ورِضًى. انْتَهى.
﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ النَّظِرَةِ وهو التَّأْخِيرُ المُرْتَقَبُ نَجازُهُ فالمَعْنى أنَّهم لا يُمْهَلُونَ مِن مُمْهِلٍ ما أصْلًا كَما يُمْهَلُونَ في الدُّنْيا - بَلْ يَقَعُ عَلَيْهِمُ العَذابُ حالَ فِراقِهِمْ لِلْحَياةِ ثُمَّ لا يُخَفَّفُ عَنْهم. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفِيهِ إشْعارٌ بِطائِفَةٍ أيْ: مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ يُؤَخَّرُ عَذابُهم، وفي مُقابَلَةِ عِلْمِ الجَزاءِ بِأحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا تَصْنِيفُهم بِأصْنافٍ في اقْتِرافِ السُّوءِ، فَمَن داوَمَهُ داوَمَهُ العَذابُ ومَن أخَّرَهُ وقْتًا ما في دُنْياهُ أُخِّرَ عَنْهُ العَذابُ، ومَن تَزايَدَ فِيهِ تَزايَدَ عَذابُهُ، وذَلِكَ لِكَوْنِ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ وأنَّ الجَزاءَ بِحَسَبِ الوَصْفِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] انْتَهى.
البقرة 2:162
ولَمّا لَعَنَ الكاتِمِينَ واسْتَثْنى مِنهُمُ التّائِبِينَ ذَكَرَ المُصِرِّينَ مُعَبِّرًا عَنْ كِتْمانِهِمْ بِالكُفْرِ لِتَعُمَّ العِبارَةُ كُلَّ كُفْرٍ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (p-٢٧٨)أيْ: بِهَذا الكِتْمانِ وغَيْرِهِ ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إشْعارِهِ يُسْرُ تَوْبَةِ الكافِرِينَ وعُسْرُ تَوْبَةِ المُنافِقِينَ مِن حَيْثُ صَرَّحَ بِذِكْرِ تَوْبَةِ الكاتِمِ وتَجاوَزَ في الذِّكْرِ تَوْبَةَ الكافِرِ، فَكانَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتُوبُونَ إلّا الأقَلَّ والَّذِينَ يَكْتُمُونَ يَتَمادَوْنَ إلّا الأقَلِّ، فَلِذَلِكَ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ في الكاتِمِ والتَّخْصِيصِ مِنَ الكافِرِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ المَوْتُ عَلى شَيْءٍ دالًّا عَلى أصْلِ الجِبِلَّةِ فالمَيِّتُ كافِرًا مَجْبُولٌ جِبِلَّةَ شَرٍّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ في نَفْسِ الأمْرِ لِكُلِّ خِزْيٍ لِذَلِكَ لا لِسَبَبٍ جَدَّدَهُ، فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، فَأسْقَطَ فاءَ السَّبَبِ وعَبَّرَ عَنْهم بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى طَرْدِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ هم في غايَةِ السُّفُولِ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرْدُ المَلِكِ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ وإبْعادُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ اللّاعِنِينَ في الَّتِي قَبْلَها فَقالَ ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: هم أهْلٌ لِذَلِكَ وكُلُّ أحَدٍ يَلْعَنُ الظّالِمَ وأظْلَمُ الظّالِمِينَ الكافِرُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ: اللَّعْنَةُ. (p-٢٧٩)ولَمّا كانَ اللَّعْنُ دالًّا عَلى العَذابِ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ لِاسْتِعْلاءِ اللَّعْنِ عَلَيْهِمْ وإحاطَتِهِ بِهِمْ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ذَكَرَ وصْفَ العَذابِ بِذِكْرِ ما لَزِمَهم مِنَ اللَّعْنَةِ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ العُقابَيْنِ: عِقابًا مِنَ الوَصْفِ وعِقابًا مِنَ الفِعْلِ، كَما يَكُونُ لِمَن يُقابِلُهُ نَعِيمٌ ورِضًى. انْتَهى.
﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ النَّظِرَةِ وهو التَّأْخِيرُ المُرْتَقَبُ نَجازُهُ فالمَعْنى أنَّهم لا يُمْهَلُونَ مِن مُمْهِلٍ ما أصْلًا كَما يُمْهَلُونَ في الدُّنْيا - بَلْ يَقَعُ عَلَيْهِمُ العَذابُ حالَ فِراقِهِمْ لِلْحَياةِ ثُمَّ لا يُخَفَّفُ عَنْهم. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفِيهِ إشْعارٌ بِطائِفَةٍ أيْ: مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ يُؤَخَّرُ عَذابُهم، وفي مُقابَلَةِ عِلْمِ الجَزاءِ بِأحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا تَصْنِيفُهم بِأصْنافٍ في اقْتِرافِ السُّوءِ، فَمَن داوَمَهُ داوَمَهُ العَذابُ ومَن أخَّرَهُ وقْتًا ما في دُنْياهُ أُخِّرَ عَنْهُ العَذابُ، ومَن تَزايَدَ فِيهِ تَزايَدَ عَذابُهُ، وذَلِكَ لِكَوْنِ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ وأنَّ الجَزاءَ بِحَسَبِ الوَصْفِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] انْتَهى.
البقرة 2:163
ولَمّا أفاضَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أفاضَ مِن بِحارِ الحِجاجِ المُفَرَّقَةِ بِالأمْواجِ وقَرَّرَ ما أرادَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ عَلى وجْهِ الإتْقانِ (p-٢٨٠)والإحْكامِ وأرْشَدَ هَذا السِّياقُ المَذْكُورُ فِيهِ ثَوابُ المُطِيعِ وعِقابُ العاصِي إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ يُدافِعُهُ عَمّا يُرِيدُ لا إلَهَ إلّا هو المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ العَظِيمُ في كِبْرِيائِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُكَرِّرًا الزّاجِرَ لِكُلِّ مُنافِقٍ وكافِرٍ ومُذَكِّرًا بِالعاطِفِ لِكُلِّ مُوافِقٍ مُؤالِفٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإلَهُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّ الوَحْدَةَ مُعْتَبَرَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ في الإلَهِ الحَقِّ، فَلا يَصِحُّ أصْلًا أنْ يَكُونَ الإلَهُ الحَقُّ مُنْقَسِمًا بِالنَّوْعِ ولا بِالشَّخْصِ ولا بِالوَصْفِ ولا بِالفِعْلِ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أعادَ لَفْظَ الإلَهِ فَقالَ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: لا يَنْقَسِمُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا بِمُجانَسَةٍ ولا بِغَيْرِها وهو مَعَ ذَلِكَ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَهَذا تَقْرِيرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ بِنَفْيِ غَيْرِهِ وإثْباتِهِ فَلا يَصِحُّ (p-٢٨١)بِوَجْهٍ ولا يُمْكِنُ في عَقْلٍ أنْ يَصْلُحَ لِلْإلَهِيَّةِ غَيْرُهُ أصْلًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ إلّا هو لِأنَّهُ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أيِ: العامُّ الرَّحْمَةِ بِالنِّعَمِ الزّائِلَةِ لِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُخَصَّصُ بِالنِّعَمِ الباقِيَةِ لِأوْلِيائِهِ، فَثَبَتَ بِالتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ أنَّهُ حائِزٌ بِجَمِيعِ العَظَمَةِ وبِيَدِهِ مَجامِعُ الكِبْرِياءِ والقَهْرِ، وبِوَصْفَيِ الرَّحْمَةِ أنَّهُ مُفِيضٌ لِجَلائِلِ النِّعَمِ ودَقائِقِها فَكُلُّ ما سِواهُ إمّا نِعْمَةٌ أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ، فَهو المَخْشِيُّ سَطْوَتُهُ المَرْجُوُّ رَحْمَتُهُ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويَلْعَنُ مَن كَفَرَ ويُخَلِّدُهُ في العَذابِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ (p-٢٨٢)غَيْرُهُ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي وإنْ بَعُدَ المَدى أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ ”وإلَهكم“ عاطِفَةً عَلى قَوْلِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّ التَّوْحِيدَ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ وعَنْهُ تَنْشَأُ جَمِيعُ العِباداتِ، فَلَمّا قالَ أوَّلًا ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أتْبَعَهُ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] إلى آخِرِهِ بِوَصْفٍ هو دَلِيلُ اسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ، فَلِما قامَ الدَّلِيلُ قالَ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢] إعْلامًا بِأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في العِبادَةِ كَما أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما يَلِيقُ لِذَلِكَ المَقامِ مِمّا تُقَدِّمُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ قائِلًا ثانِيًا ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] إلى آخِرِها فَأعادَ الدَّلِيلَ عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِنَ الأوَّلِ وأبْسَطَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ عَلى وجْهٍ لا مَطْعَنَ فِيهِ أمْرُ الوَحْدانِيَّةِ والإعادَةِ كانَ الأنْسَبُ ما أوْلاهُ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ لِما ذَكَرَ فِيها مِن غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُهِمّاتِ إلى أنْ صارَ إلى ذِكْرِ الكاتِمِينَ والتّائِبِينَ والمُصِرِّينَ وذِكْرِ ما أُعِدَّ لِكُلٍّ مِنَ الجَزاءِ فَأتْبَعَ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ عاطِفًا لَها عَلى ما ذَكَرْتُهُ عَلى وجْهٍ أصْرَحَ مِمّا تَقَدَّمَ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ بَيانًا لِما هو الحَقُّ وإشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمُلُوكِ الدُّنْيا الَّذِينَ قَدْ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ إثابَةِ بَعْضِ الطّائِعِينَ وعُقُوبَةِ بَعْضِ العاصِينَ (p-٢٨٣)بَعْضُ أتْباعِهِمْ، فَإنَّهُ واحِدٌ لا كُفُؤَ لَهُ بَلْ ولا مُدانى فَلا مانِعَ لِنُفُوذِ أمْرِهِ؛ ولا يُسْتَنْكَرُ تَجْوِيزُ هَذا العَطْفِ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ البُلَغاءِ أنَّ أحَدَهم إذا أرادَ إقامَةَ الحَجِّ عَلى شَيْءٍ لِأمْرٍ يُرَتِّبُهُ عَلَيْهِ أنْ يَبْدَأ بِدَلِيلٍ كافٍ ثُمَّ يُتْبِعُهُ تَقْرِيبَ الثَّمَراتِ المُجْتَناةِ مِنهُ ثُمَّ يَعُودُ إلى تَأْكِيدِهِ عَلى وجْهٍ آخَرَ لِتَأْنَسَ بِهِ النُّفُوسُ وتُسَرَّ بِهِ القُلُوبُ، ورُبَّما كانَ الدَّلِيلُ طَوِيلَ الذُّيُولِ كَثِيرَ الشُّعَبِ، فَيَشْرَحُ كُلٌّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن ذُيُولِهِ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِن شُعَبِهِ، فَإذا اسْتَوْفى ذَلِكَ ورَأى أنَّ الخَصْمَ لَمْ يَصِلْ إلى غايَةِ الإذْعانِ أعادَ لَهُ الدَّلِيلَ عَلى وجْهٍ آخَرَ عاطِفًا لَهُ عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ تَذْكِيرًا بِما لَيْسَ بِمُسْتَنْكِرِ ذَلِكَ في مَجارِي عاداتِهِمْ ومَبانِي خِطاباتِهِمْ؛ ومَن تَأمَّلَ مُناظِراتِ الباقِلّانِيِّ وأضْرابِهِ مِن أُولِي الحِفْظِ الواسِعِ والتَّبَحُّرِ في العِلْمِ عَلِمَ ذَلِكَ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مَضْمُونُ الكِتابِ دَعْوَةَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، والتَّعْرِيفَ بِحَقِّ الحَقِّ عَلى الخَلْقِ، وإظْهارَ مَزايا مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ شَمِلَهم أصْلُ الإيمانِ مِن مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ ومَن يَلْحَقُ بِهِمْ مِن أهْلِ وِلايَتِهِمْ، وإظْهارَ شَواهِدِ ذَلِكَ مِنهم وإقامَةَ الحُجَّةِ بِذَلِكَ عَلى مَن دُونَهم في إلْزامِهِمْ أتْباعَهم، وكانَ الضّارُّ لِلْخَلْقِ إنَّما هو الشَّتاتُ كانَ النّافِعُ لَهم إنَّما هو الوَحْدَةُ، فَلَمّا أظْهَرَ لَهم تَعالى مَرْجِعَهم إلى وحْدَةِ أُبُوَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمْعِ الذُّرِّيَّةِ (p-٢٨٤)ووَحْدَةِ أُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمْعِ الإسْلامِ ووَحْدَةِ أحْمَدِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في جَمْعِ الدِّينِ فاتَّضَحَ لَهم عَيْبُ الشَّتاتِ والتَّفَرُّقِ وتَحَقَّقَ لَهم شاهِدُ النَّفْعِ في الجَمْعِ إلى وحَداتٍ كانَ ذَلِكَ آيَةً عَلى أعْظَمِ الِانْتِفاعِ بِالرُّجُوعِ إلى وحْدَةِ الإلَهِيَّةِ في أمْرِ الحَقِّ وفي إفْهامِ ذَلِكَ وحَداتٍ ما يُظَنُّ في ظاهِرِ الوَحَداتِ الظّاهِرَةِ مِن وحْدَةِ الرُّوحِ ووَحْدَةِ النَّفْسِ والعَقْلِ فَقالَ تَعالى عَطْفًا عَلى ما ظَهَرَ بِناؤُهُ مِنَ الوَحَداتِ الظّاهِرَةِ وما أفادَهُ إفْهامُها مِنَ الوَحَداتِ الباطِنَةِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَإذا قَبُحَ الشَّتاتُ مَعَ وحْدَةِ الأبِ الوالِدِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ وحْدَةِ الأبِ المَدِينِ ! فَكَيْفَ بِهِ مَعَ وحْدَةِ النَّبِيِّ المُكَمِّلِ ! فَكَيْفَ بِهِ مَعَ وحْدَةِ الإلَهِ الَّذِي هو الرَّحْمَنُ الَّذِي شَمِلَ خَلْقَهُ رَحْمانِيَّةً ! الرَّحِيمُ الَّذِي اخْتَصَّ أوْلِياءَهُ وأصْفِياءَهُ عِنايَةً فَجَمَعَهم بِوَحْدَتِهِ الَّتِي هي قائِمُ كُلِّ وحْدَةٍ دُونَهُ ! فَجَمِيعُ أسْمائِهِ لَها وحْدَةٌ تَنْتَهِي وحْدَتُها إلى وحْدَةِ الإلَهِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ الإلَهُ وهو تَعَبُّدُ الظّاهِرِ لِإلْجاءِ المُتَعَبَّدِ إلَيْهِ في كُلِّ حاجاتِهِ وإقاماتِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، ولا أتَمَّ مِن وحْدَةِ ما لا يَتَصَوَّرُهُ (p-٢٨٥)العَقْلُ ولا يُدْرِكُهُ الحِسُّ في عُلُوِّ وحْدَةِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَبْدُو فِيهِ ذاتٌ فَيَكُونُ لَها أوْ فِيها كَمِّيّاتٌ ولا كَيْفِيّاتٌ؛ ثُمَّ قالَ: وقَدْ صَحَّ بِالتَّجْرِبَةِ أنَّ الرّاحَةَ في حَصْبَةِ الواحِدِ وأنَّ التَّعَبَ في اتِّباعِ العَدَدِ لِاخْتِصاصِ كُلِّ واحِدٍ بِقَصْدٍ في التّابِعِ يَتَشاكَسُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ حالُ أتْباعِهِمْ، فَكانَ أعْظَمُ دَعْوَةٍ إلى جَمْعِ الخَلْقِ دَعْوَتَهم إلى جَمْعِ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ انْتِظامًا بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الِاجْتِماعِ في اسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى مُتَقَدِّمًا ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] فَإعْلاءُ الخِطابِ مِن رُتْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إلى رُتْبَةِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ بِالإلَهِيَّةِ لِتَعْلُوَ مِن هَذا الحَدِّ إلى الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ الأحَدِ الَّذِي أحَدِيَّتُهُ مَرْكُوزَةٌ في كافَّةِ فِطَرِ الخَلْقِ وجِبِلّاتِهِمْ حِينَ لَمْ يَقَعِ الشِّرْكُ فِيهِ بِوَجْهٍ وإنَّما وقَعَ في رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ، فَكانَ هَذا أوْسَطَ الدَّعْوَةِ بِالِاجْتِماعِ في وحْدَةِ الإلَهِيَّةِ وفي إضافَةِ اسْمِ الإلَهِ إلَيْهِمْ أتَمَّ تَنَزُّلٍ بِمِقْدارِ مَعْقُولِهِمْ مِن تَعَبُّدِهِمُ الَّذِي هو تَألُّهُهم؛ ولَمّا كانَ في الإلَهِيَّةِ دَعْوى كَثْرَةِ تَوَهُّمِ الضَّلالِ المُبِينِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ بِناءً عَلى اسْمِهِ المُضْمَرِ في باطِنِ ظاهِرِ الإلَهِيَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ رَدًّا عَلى إضْمارِ ما في الأوَّلِ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ المُظْهَرَ لِيَكُونَ لِلدَّعْوَةِ إلَيْهِ رُتْبَةٌ عالِيَةٌ تَكُونُ هَذِهِ مُتَوَقَّلًا إلَيْها، ولَمّا كانَ هَذا التَّوْحِيدُ الإلَهِيُّ أمْرَ غَيْبٍ مِنَ الإلَهِ أظْهَرُهُ سُبْحانَهُ (p-٢٨٦)وتَعالى بِمَظْهَرِ الرَّحْمانِيَّةِ المُحِيطَةِ الشّامِلَةِ والرَّحِيمِيَّةِ الِاخْتِصاصِيَّةِ لِما عِنْدَ الخَلْقِ مِن شاهِدِ ذَلِكَ فِيما يَجِدُونَهُ مِن أثَرِ الرَّحْمانِيَّةِ في دُنْياهم وآثارِهِمْ وما يَجِدُونَ مِن آثارِ الرَّحِيمِيَّةِ [فِي اخْتِصاصِهِمُ المَزِيَّةَ في تَضاعُفِ رَحْمَتِهِ، فَكانَ في مَجْمُوعِ هَذِهِ الآيَةِ أعَظْمِيَّةٌ مِن غَيْبِ الإلَهِيَّةِ إلى تَمامِ اخْتِصاصِ الرَّحِيمِيَّةِ ]، فَلِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ آيَةِ الإحاطَةِ في [أوَّلِ ] آلِ عِمْرانَ الجامِعَةِ لِمُقابَلَةِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن خُصُوصِ الرَّحِيمِيَّةِ مَعَ خُصُوصِ مُقابِلِها مِن وصْفِ الِانْتِقامِ الظّاهِرِ عَنْ وصْفِ العِزَّةِ الَّذِي أبْداهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِذَلِكَ مَعَ ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ جَمْعًا لِلرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ في الظّاهِرِ وإحاطَةَ عَظَمَةٍ في الباطِنِ، فَكانَ هَذا الحَدُّ مِن عُلُوِّ الخِطابِ ابْتِداءَ رَفْعِ الخَلْقِ (p-٢٨٧)إلى التَّعَلُّقِ بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي يَرْفَعُهم عَنْ سُفْلِ تَقَيُّدِهِمْ بِأنْفُسِهِمُ المُحَقَّرَةِ إظْهارًا لِمَبْدَأِ العِنايَةِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ الخاتِمَةِ. انْتَهى.
البقرة 2:164
ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ لا يَصِحُّ إلّا بِتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ القُدْرَةِ نَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ الثّالِثَةِ بِأبْسَطِ مِمّا في الآيَةِ الثّانِيَةِ كَما كانَتِ الثّانِيَةُ أبْسَطَ مِنَ الأُولى وأجْلى تَبْصِيرًا لِلْجُهّالِ وتَذْكِيرًا لِلْعُلَماءِ؛ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَفْصِيلًا لِتَيْنَكِ الآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ ولَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى مِثْلِ هَذا التَّفْصِيلِ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ مُعْظَمَ المُرادِ بِها الدَّلالَةُ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ [وأمّا هَذِهِ فَدَلِيلٌ عَلى التَّفَرُّدِ، فَكانَ لا بُدَّ مِن ذِكْرِ ما رُبَّما أُضِيفَ إلى أسْبابِهِ القَرِيبَةِ ] تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وأنَّ الكُلَّ بِخَلْقِهِ وإنْ أقامَ لِذَلِكَ أسْبابًا ظاهِرِيَّةً فَقالَ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: واخْتِلافِهِما فَإنَّ (p-٢٨٨)خَلْقَ ما ذُكِرَ في الآيَةِ مِن نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ كَما ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُما فَقالَ: ﴿واخْتِلافِ﴾ وهو افْتِعالٌ مِنَ الخُلْفِ، وهو ما يَقَعُ مِنَ افْتِراقٍ بَعْدَ اجْتِماعٍ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿اللَّيْلِ﴾ قَدَّمَهُ لِأنَّهُ الأصْلُ والأقْدَمُ ”وآيَة لَهُمُ الّليل والنَّهار“ وخَلْقُهُما، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ الخَلْقَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا والِاخْتِلافَ ثانِيًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن سُنَّةِ اللَّهِ أنَّ مَن دَعاهُ إلَيْهِ وإلى رُسُلِهِ بِشاهِدِ خَرْقِ عادَةٍ في خَلْقٍ أوْ أمْرٍ عاجَلَهُ بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا وجَدَّدَ بَعْدَهُ أُمَّةً أُخْرى كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] وكانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ خاتِمَةً لَيْسَ بَعْدَها أُمَّةٌ غَيْرُها أعْفاها رَبُّها مِن (p-٢٨٩)احْتِياجِها إلى خَرْقِ العَوائِدِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مُثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي آتانِي اللَّهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا» فَكانَ أمْرُ الِاعْتِبارِ أعَمَّ إجابَةً وأسْمَحَ مُخالَفَةً وكَفاها بِما قَدْ أظْهَرَهُ [لَها ] في خَلْقِهِ بِالإبْداءِ والتَّسْخِيرِ مِنَ الشَّواهِدِ، لِيَكُونُوا عُلَماءَ مُنْقادِينَ لِرُوحِ العِلْمِ لا لِسُلْطانِ القَهْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَزاياهم عَلى غَيْرِهِمْ، ولَمْ يُجِبْها إلى ما سَألَتْهُ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا وصَلَ تَعالى بِدَعْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ذَكَرَ الخَلْقَ والرِّزْقَ وذَكَرَ الأرْضَ بِأنَّها فِراشٌ والسَّماءَ بِأنَّها بِناءٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ في رُتْبَةِ حِسٍّ ظاهِرٍ أعْلاهم في هَذا الخِطابِ بِإيرادِ آياتِهِ وشَواهِدِهِ عَلى عُلُوِّ رُتْبَةِ مَعْنًى مَعْقُولٍ فَوْقَ رُتْبَةِ الأمْرِ المَحْسُوسِ [السّابِقِ فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خِطابًا مَعَ مَن لَهُ نَظَرٌ عَقْلِيٌّ يَزِيدُ عَلى نَظَرِ الحِسِّ ] بِاعْتِبارِ السَّماواتِ أفْلاكُها وعَدَّدَها بِشَواهِدِ نُجُومِها حَتّى يَتَعَرَّفَ أنَّها سَماواتٌ مَعْدُودَةٌ، وذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ مَوْقِعُهُ عِنْدَ مَن لَهُ اعْتِبارٌ في مَخْلُوقِ السَّماواتِ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْأرَضِينَ شَواهِدُ مَحْسُوسَةٌ بِعَدَدِها كَما في السَّماواتِ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها في القُرْآنِ إلّا مُفْرَدَةً وجاءَ ذِكْرُ السَّماواتِ مُعَدَّدَةً لِأهْلِ النَّظَرِ (p-٢٩٠)العَقْلِيِّ ومُفْرَدَةً لِأهْلِ النَّظَرِ الحِسِّيِّ، وأيْسَرُ مُعْتَبَرٍ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ في مُقابَلَةِ حَظَّيْهِما في كَوْنِ السَّماواتِ في حَدٍّ مِنَ العُلُوِّ والصَّفاءِ والنُّورانِيَّةِ والحَرَكَةِ والأرْضِ في مُقابِلِ ذَلِكَ مِنَ السُّفْلِ والكَثافَةِ والظُّلْمانِيَّةِ والسُّكُونِ، فَيَقَعُ الِاعْتِبارُ بِحُصُولِ مَشْهُودِ التَّعاوُنِ مِن مَشْهُودِ التَّقابُلِ، وذَلِكَ مِمّا يَعْجَزُ الخَلْقُ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن أمْرِ الحَقِّ، لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَقَعُ لَهُمُ التَّعاوُنُ بِالمُتَناسِبِ لا بِالمُتَقابِلِ، فَمَن آلَتُهُ الماءُ مَثَلًا تَفْسُدُ عَلَيْهِ النّارُ، ومَن آلَتُهُ النّارُ يَفْسُدُ عَلَيْهِ الماءُ، والحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى أقامَ لِلْخَلْقِ والمَوْجُوداتِ والمَوالِدِ آحادًا مُجْتَمِعَةً قَدْ قَهَرَ فِيها مُتَنافِراتِ مَوْجُوداتِ الأرْكانِ ومَوْجُودُ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ المَشْهُودُ تُقابِلُهُما، فَما وقَعَ اجْتِماعُ النّارِ بِالماءِ عَلى تَقابُلِ ما بَيْنَ الحارِّ والبارِدِ، واجْتِماعُ الهَواءِ بِالأرْضِ عَلى تَقابُلِ ما بَيْنَ الكَثِيفِ واللَّطِيفِ، واجْتِماعُ الكُلِّ في شَيْءٍ واحِدٍ مِن جِسْمٍ واحِدٍ وعُضْوٍ (p-٢٩١)واحِدٍ حَتّى في جُزْءٍ واحِدٍ مِن أدَقِّ أجْزائِهِ إلّا بِأمْرٍ يَعْجِزُ عَنْهُ الخَلْقُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا الحَقُّ الَّذِي يَحارُ فِيهِ الخَلْقُ، فَهو إذَنْ إلَهُهُمُ الَّذِي هو إلَهٌ واحِدٌ، آثارُهُ مَوْجُودَةٌ في أنْفُسِهِمْ، وشَواهِدُهُ مُبْصَرَةٌ بِأعْيُنِهِمْ وحَقائِقُ تِلْكَ الشَّواهِدِ بادِيَةٌ لِعُقُولِهِمْ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أقْرَأهم ذِكْرَهُ الحَكِيمَ المَرْئِيَّ لِأعْيُنِهِمْ كَشْفًا لِغِطاءِ أعْيُنِهِمْ لِيَتَمَيَّزُوا عَنِ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلْقَ مُتَقابِلِ العُلُوِّ والسُّفْلِ في ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ نَظَّمَ بِها اخْتِلافَ الأُفُقَيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِما ظُهُورُ مُخْتَلِفَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِيَتَرَيَّعَ اعْتِبارُهم بَيْنَ اعْتِبارِ الأعْلى والأسْفَلِ والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَيَقَعُ شَواهِدُ الإحاطَةِ بِهِمْ عَلَيْهِمْ في تَوْحِيدِ رَبِّهِمْ وإرْجاعِ ذَلِكَ إلَيْهِ دُونَ أنْ يَعْزِيَ ذَلِكَ إلى شَيْءٍ مِن دُونِهِ مِمّا هو داخِلٌ في حَصْرِ مَوْجُودِ هَذِهِ الإحاطَةِ مِنَ المُحِيطِ الأعْلى والمُحِيطِ الأسْفَلِ والمُحِيطِ بِالجَوانِبِ كُلِّها مِن مُلَبَّسِ الآفاقِ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ خِطابُ إجْمالٍ يُناسِبُ مَوْرِدَ السُّورَةِ الَّتِي مَوْضُوعُها إجْمالاتُ ما يَتَفَسَّرُ فِيها وفي سائِرِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ إنَّها فُسْطاطُهُ وسَنامُهُ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْشَأهُ سَيْرُ الكَواكِبِ في ساحَةِ الفُلْكِ أتْبَعَهُ سَيْرَ الفُلْكِ في باحَةِ البَحْرِ فَقالَ: ﴿والفُلْكِ﴾ وهو ما عَظُمَ مِنَ السُّفُنِ (p-٢٩٢)[فِي مُقابَلَةِ ] القارِبِ وهو المُسْتَخَفُّ مِنها. قالَ الحَرالِّيُّ: اسْتَوى واحِدُهُ وجَمْعُهُ، حَرَكاتُ الواحِدِ أوْلى في الضَّمِيرِ وحَرَكاتُ الجَمْعِ ثَوانٍ في الضَّمِيرِ مِن حَيْثُ إنَّ الواحِدَ أوَّلُ والجَمْعَ ثانٍ مُكَسَّرٌ انْتَهى. ولَمّا أرادَ هُنا الجَمْعَ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وصَفَ بِأداةِ التَّأْنِيثِ فَقالَ ﴿الَّتِي تَجْرِي﴾ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وحَقَّقَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي البَحْرِ﴾ أسْنَدَ الجَرْيَ إلَيْها ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا جَرْيَ لَها حَقِيقَةً ولا فِعْلَ بِوَجْهِ تَرْقِيَةٍ إلى اعْتِقادِ مِثْلِ ذَلِكَ في النُّجُومِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا فِعْلَ لَها ولا تَدْبِيرَ كَما يَعْتَقِدُ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى جُمْلَةَ الخَلْقِ وجُمْلَةَ الِاخْتِلافِ في الوَجْهَيْنِ وصَلَ بِذَلِكَ إحاطَةَ البَحْرِ بِالأرْضِ وتَخَلُّلَ البِحارِ فِيها لِتُوَصِّلَ المَنافِعَ المَحْمُولَةَ في الفُلْكِ مِمّا يُوصَّلُ مِن مَنافِعِ المَشْرِقِ لِلْمَغْرِبِ ومَنافِعِ المَغْرِبِ لِلْمَشْرِقِ ومَنافِعِ الشَّمالِ (p-٢٩٣)لِلْجَنُوبِ وبِالعَكْسِ، فَما حَمَلَتْ جارِيَةٌ شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا قَدْ تَضَمَّنَ ذِكْرَهُ مُبْهَمَ كَلِمَةِ ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ وذَكَرَهم بِاسْمِ النّاسِ الَّذِي هو أوَّلُ مَن يَقَعُ فِيهِ الِاجْتِماعُ والتَّعاوُنُ والتَّبَصُّرُ بِوَجْهِ ما أدْنى ذَلِكَ في مَنافِعِ الدُّنْيا الَّذِي هو شاهِدُ هَذا القَوْلِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَ البَحْرِ بِالسُّفُنِ ذَكَرَ مِن نَفْعِهِ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ التّامَّةُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: جِهَتُها بِاجْتِذابِ السَّحابِ لَهُ. ولَمّا كانَ النّازِلُ مِنها عَلى أنْواعٍ وكانَ السِّياقُ لِلِاسْتِعْطافِ إلى رَفْعِ الخِلافِ ذَكَرَ ما هو سَبَبُ الحَياةِ فَقالَ: ﴿مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِما يَنْبُتُ مِنها ولَمّا كانَ الإحْياءُ يَسْتَغْرِقُ الزَّمَنَ المُتَعَقِّبَ لِلْمَوْتِ نَفى الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِعَدَمِهِ. (p-٢٩٤)ولَمّا ذَكَرَ حَياةَ الأرْضِ بِالماءِ أشارَ إلى أنَّ حَياةَ كُلِّ ذِي رُوحٍ بِهِ فَقالَ ﴿وبَثَّ﴾ مِنَ البَثِّ وهو تَفْرِقَةُ آحادٍ مُسْتَكْثَرَةٍ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ﴿فِيها﴾ بِالخَضْبِ ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِنَ الدَّبِيبِ وهو الحَرَكَةُ بِالنَّفْسِ قالَ الحَرالِّيُّ: أبْهَمَ تَعالى أمْرَ الخَلْقِ والِاخْتِلافِ والإجْراءِ فَلَمْ يُسْنِدْهُ إلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ يُظْهِرُهُ، وأسْنَدَ إنْزالَ الماءِ مِنَ السَّماءِ إلى اسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي هو اللَّهُ لِمَوْقِعِ ظُهُورِ القَهْرِ عَلى الخَلْقِ في اسْتِدْرارِ أرْزاقِ الماءِ واسْتِجْدادِهِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ بِخِلافِ مُسْتَمِرِّ ما أُبْهِمَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ الدّائِمِ عَلى حالَةٍ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ المُسْتَمِرِّ عَلى وُجْهَةٍ واحْتِيالِ إجْراءِ الفُلْكِ الماضِي عَلى حُكْمِ عادَتِهِ، فَأظْهَرَ اسْمَهُ فِيما يَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِمْ ضَرُورَتُهم إلَيْهِ في كُلِّ حَوْلٍ لِيَتَوَجَّهُوا في العِبادَةِ إلى عُلُوِّ المَحَلِّ الَّذِي مِنهُ يَنْزِلُ الماءُ فَيَنْقُلُهم بِذَلِكَ مِن عِبادَةِ ما في الأرْضِ إلى عِبادَةِ (p-٢٩٥)مَن في السَّماءِ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] «وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْأمَةِ: ”أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ، قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ“» فَإذِنْ أدْنى الإيمانِ التَّوَجُّهُ إلى عِبادَةِ مَن في السَّماءِ تَرَقِّيًا إلى عُلُوِّ المُسْتَوى عَلى العَرْشِ إلى غَيْبِ المَوْجُودِ في أسْرارِ القُلُوبِ، فَكانَ في هَذِهِ التَّوْطِئَةِ تَوْجِيهُ الخَلْقِ إلى الإلَهِ الَّذِي يُنَزِّلُ الماءَ مِنَ السَّماءِ وهو اللَّهُ الَّذِي لَمْ يُشْرِكْ بِهِ أحَدٌ سِواهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِتَوْحِيدِ الإلَهِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ تَعالى آيَةَ الإلَهِيَّةِ الَّتِي هي الإحْياءُ، والحَياةُ كُلِّ خُرُوجٍ عَنِ الجَمادِيَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ مَعْنى الحَياةِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو تَكامُلٌ في النّاقِصِ، فالمُهْتَزُّ حَيٌّ بِالإضافَةِ إلى الجَمادِ تَرَقِّيًا إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِن رُتَبِ الحَياةِ مِن نَحْوِ حَياةِ الحَيَوانِ ودَوابِّ الأرْضِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ تَعالى الإحْياءَيْنِ بِالمَعْنى، وأظْهَرَ الِاسْمَ مَعَ الأرْضِ لِظُهُورِهِ في الحَيَوانِ، فَأظْهَرَ حَيْثُ خَفِيَ عَنِ الخَلْقِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ حَيْثُ هو ظاهِرٌ لِلْخَلْقِ، فَنَبَّهَهم عَلى الاعْتِبارَيْنِ إنْزالُ الماءِ الَّذِي لَهم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ وبِهِ حَياةُ الحَيَوانِ ومِنهُ مَرْعاهم.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَثَّ ما هو السَّبَبُ لِلنَّباتِ المُسَبَّبِ عَنِ الماءِ ذَكَرَ بَثَّ ما هو سَبَبٌ لِلسَّحابِ السَّبَبِ لِلْمَطَرِ السَّبَبِ لِلْحَياةِ فَقالَ (p-٢٩٦)تَعالى: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أيْ: تارَةً صَبًّا وأُخْرى دَبُورًا ومَرَّةً شَمالًا وكَرَّةً جَنُوبًا، والتَّصْرِيفُ إجْراءُ المُصَرَّفِ بِمُقْتَضى الحُكْمِ عَلَيْهِ، والرِّيحُ مُتَحَرِّكُ الهَوى في الأقْطارِ ﴿والسَّحابِ﴾ وهو المُتَراكِمُ في جِهَةِ العُلُوِّ مِن جَوْهَرٍ ما بَيْنَ الماءِ والهَواءِ المُنْسَحِبِ في الجَوِّ ﴿المُسَخَّرِ﴾ أيْ: بِها، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو إجْراءُ الشَّيْءِ عَلى مُقْتَضى غَرَضِ ما سُخِّرَ لَهُ ﴿بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يَهْوِي إلى جِهَةِ السُّفْلِ مَعَ ثِقَلِهِ بِحَمْلِهِ بُخارِ الماءِ، كَما تَهْوِي بَقِيَّةُ الأجْرامِ العالِيَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها مُمْسِكٌ مَحْسُوسٌ ولا يَنْقَشِعُ مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي أحَدَ الثَّلاثَةِ: فالكَثِيفُ يَقْتَضِي النُّزُولَ واللَّطِيفُ يَقْتَضِي الصُّعُودَ، والمُتَوَسِّطُ يَقْتَضِي الِانْقِشاعَ ﴿لآياتٍ﴾ (p-٢٩٧)وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الأعْلى والأسْفَلَ ومَطْلَعَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الجانِبَيْنِ وإنْزالَ الماءِ أهْواءً ذَكَرَ ما يَمْلَأُ ما بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الرِّياحِ والسُّحُبِ الَّذِي هو ما بَيْنَ حَرَكَةٍ هَوائِيَّةٍ إلى اسْتِنارَةٍ مائِيَّةٍ إلى ما يَلْزَمُ ذَلِكَ مِن بَوادِي نَيِّراتِهِ مِن نَحْوِ صَواعِقِهِ وجُمْلَةِ أحْداثِهِ، فَكانَ في هَذا الخِطابِ اكْتِفاءٌ بِأُصُولٍ مِن مَبادِئِ الِاعْتِبارِ، فَذَكَرَ السَّماءَ والأرْضَ والآفاقَ وما بَيْنَهُما مِنَ الرِّياحِ والسُّحُبِ والماءِ المُنَزَّلِ الَّذِي جُمْلَتُهُ قِوامُ الخَلْقِ في عاجِلِ دُنْياهم، لِيَجْعَلَ لَهم ذَلِكَ آيَةً عَلى عُلُوِّ أمْرٍ وراءَهُ ويَكُونَ كُلُّ وجْهٍ مِنهُ آيَةً عَلى أمْرٍ مِن أمْرِ اللَّهِ فَيَكُونَ آياتٍ، لِتَكُونَ السَّماءُ آيَةً عَلى عُلُوِّ أمْرِ اللَّهِ فَيَكُونَ أعْلى مِنَ الأعْلى، وتَكُونَ الأرْضُ آيَةً عَلى باطِنِ أمْرِ اللَّهِ فَيَكُونَ أبْطَنَ مِنَ الأبْطَنِ، ويَكُونُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَةً عَلى نُورِ بُدُوِّهِ وظُلْمَةِ غَيْبَتِهِ مِمّا وراءَ أمْرِ اللَّيْلِ والنّارِ، ويَكُونُ ما أنْزَلَ مِنَ الماءِ لِإحْياءِ الأرْضِ وخَلْقِ الحَيَوانِ آيَةَ ما يَنْزِلُ مِن نُورِ عِلْمِهِ عَلى القُلُوبِ فَتَحْيا بِها حَياةً تَكُونُ حَياةُ الظّاهِرِ آيَةً عَلَيْهِ، ويَكُونُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ آياتٍ عَلى تَصْرِيفِ ما بَيْنَ أرْضِ العَبْدِ الَّذِي هو ظاهِرُهُ وسَمائِهِ الَّذِي هو باطِنُهُ، وتَسْخِيرُ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً عَلى عُلُوِّ اللَّهِ عَلى سَمائِهِ العُلى في الحِسِّ وعَلى سَماءِ القُلُوبِ العَلِيَّةِ في الوِجْدانِ؛ فَلِجُمْلَةِ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى صُنُوفَ (p-٢٩٨)هَذِهِ الِاعْتِباراتِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ في الأمْرِ حَقَّ القِيامِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَنالُهُ مَن هو في سِنِّ النّاسِ حَتّى يَتَنامى طَبْعُهُ وفَضِيلَةُ عَقْلِهِ إلى أنْ يَكُونَ مِن قَوْمٍ يَقُومُونَ في الِاعْتِبارِ قِيامَ المُنْتَهِضِينَ في أُمُورِ الدُّنْيا، لِأنَّ العَرَبَ عَرَفَتِ اسْتِعْمالَها في القَوْمِ إنَّما هو لِأجْلِ النَّجْدَةِ والقُوَّةِ حَتّى يَقُولُونَ: قَوْمٌ أوْ نِساءٌ. تَقابُلًا بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وذَكَرَ تَعالى العَقْلَ الَّذِي هو نُورٌ مِن نُورِهِ هُدًى لِمَن أقامَهُ مِن حَدِّ تَرَدُّدِ حالِ النّاسِ إلى الِاسْتِضاءَةِ بِنُورِهِ في قِراءَةِ حُرُوفِ كِتابِهِ الحَكِيمِ الَّتِي كَتَبَها بِيَدِهِ وأغْنى الأُمِّيِّينَ بِقِراءَةِ ما كُتِبَ لَهم عَنْ قِراءَةِ كِتابِ ما كَتَبَهُ الخَلْقُ - انْتَهى؛ فَقالَ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُصَرِّفَ (p-٢٩٩)هَذِهِ الأُمُورِ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ والوُجُوهِ المُحْكَمَةِ فاعِلٌ مُخْتارٌ وهو قادِرٌ بِما يُشاهَدُ مِن إحْياءِ الأرْضِ وغَيْرِها مِمّا هو أكْبَرُ مِنهُ عَلى بَعْثِ المَوْتى وغَيْرِهِ مِمّا يُرِيدُهُ وأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ يُمانَعُهُ العُقَلاءُ مِنَ النّاسِ، يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِذَلِكَ فَلا يَتَّخِذُونَ أنْدادًا مِن دُونِهِ ولا يَمِيلُونَ عَنْ جَنابِهِ الأعْلى إلى سِواهُ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَمِيعِ ما نَقَلَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ الحَلِيمِيِّ أنَّهُ مِمّا يَجِبُ اعْتِقادُهُ في اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو خَمْسَةُ أشْياءَ: الأوَّلُ إثْباتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِتَقَعَ بِهِ مُفارَقَةُ التَّعْطِيلِ، والثّانِي وحْدانِيَّتُهُ لِتَقَعَ بِهِ البَراءَةُ عَنِ الشِّرْكِ - وهَذانِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] والثّالِثُ إثْباتُ أنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ لِتَقَعَ بِهِ البَراءَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ وهَذا مِن قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] لِأنَّ مَن لا يَسُدُّ غَيْرُهُ مَسَدَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ، والرّابِعُ إثْباتُ (p-٣٠٠)أنَّ وُجُودَ كُلِّ ما سِواهُ كانَ بِإبْداعِهِ لَهُ واخْتِراعِهِ إيّاهُ لِتَقَعَ بِهِ البَراءَةُ مِن قَوْلِ مَن يَقُولُ بِالعِلَّةِ والمَعْلُولِ وهَذا مِن قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والخامِسُ أنَّهُ مُدَبِّرٌ ما أبْدَعَ ومُصَرِّفُهُ عَلى ما يَشاءُ لِتَقَعَ بِهِ البَراءَةُ مِن قَوْلِ القائِلِينَ بِالطَّبائِعِ أوْ تَدْبِيرِ الكَواكِبِ أوْ تَدْبِيرِ المَلائِكَةِ وهَذا مِن قَوْلِهِ ﴿وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ إلى آخِرِها قالَ البَيْهَقِيُّ: كانَ أسْماءُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى جَدَّهُ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى تَسْمِيَتِهِ بِها مُنْقَسِمَةً بَيْنَ العَقائِدِ الخَمْسِ، فَلْيَلْحَقْ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بَعْضُها، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما يَلْتَحِقُ بِمَعْنَيَيْنِ ويَدْخُلُ في بابَيْنِ أوْ أكْثَرَ. انْتَهى. وسَبَبُ تَكْثِيرِ الأدِلَّةِ أنَّ عُقُولَ النّاسِ مُتَفاوِتَةٌ، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى العالَمَ وهو المُمَكِناتُ المَوْجُودَةُ وهي جُمْلَةُ ما سِواهُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْرَكَ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ ويُسَمّى في عُرْفِ أهْلِ الشَّرْعِ الشَّهادَةَ والخَلْقَ والمُلْكَ، وقِسْمٌ لا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ ويُسَمّى الغَيْبَ والأمْرَ والمَلَكُوتَ، والأوَّلُ يُدْرِكُهُ عامَّةُ النّاسِ والثّانِي يُدْرِكُهُ أُولُو الألْبابِ الَّذِينَ عُقُولُهم خالِصَةٌ عَنِ الوَهْمِ والوَساوِسِ، فاللَّهُ (p-٣٠١)سُبْحانَهُ وتَعالى بِكَمالِ عِنايَتِهِ ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ جَعَلَ العالَمَ بِقِسْمَيْهِ مُحْتَوِيًا عَلى جُمَلٍ وتَفاصِيلَ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُتَكَثِّرَةٍ تَعْجَزُ القُوى البَشَرِيَّةُ عَنْ ضَبْطِها يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وحْدانِيَّتِهِ بَعْضُها أوْضَحُ مِن بَعْضٍ لِيَشْتَرِكَ الكُلُّ في المَعْرِفَةِ، فَيَحْصُلُ لِكُلٍّ بِقَدْرِ ما هُيِّئَ لَهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مِمَّنْ طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ، فَذَلِكَ والعِياذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الشَّقِيُّ.
البقرة 2:165
ولَمّا نَهَضَتِ الأدِلَّةُ وسَطَعَتِ البَراهِينُ وزاحَتِ العِلَلُ والشُّكُوكُ عابَ مَن عَبَدَ سِواهُ وفَزِعَ إلى غَيْرِهِ كَما نَهى عَنِ الأنْدادِ عَقِبَ الآيَةِ الأُولى الدّاعِيَةِ إلى العِبادَةِ مُشِيرًا بِخَتْمِ الَّتِي قَبْلُ بِيَعْقِلُونَ، إلى أنَّ هَؤُلاءِ ناسٌ ضَلَّتْ عُقُولُهم وفالَتْ آراؤُهم وبَيَّنَ أنَّهم يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَوْمَ يَنْكَشِفُ حِجابُ الغَفْلَةِ عَنْ سُرادِقِ العَظَمَةِ ويَتَجَلّى الجَبّارُ في صِفَةِ النِّقْمَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا أرْشَدَ إلَيْهِ المَعْنى: ومِن، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَمِنَ النّاسِ مَن عَقَلَ تِلْكَ الآياتِ فَآمَنَ بِرَبِّهِ وفَنِيَ في حُبِّهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾ وهم مَن لا يَعْقِلُ ﴿مِن (p-٣٠٢)دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ مَعَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ ﴿أنْدادًا﴾ مِمّا خَلَقَهُ، ادَّعَوْا أنَّهم شُرَكاؤُهُ، أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا أصْنامًا أوْ رُؤَساءَ يُقَلِّدُونَهم في الكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن غَيْرِ أمَرَ اللَّهُ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ مِنَ الحَبِّ وهو إحْساسٌ بِوَصْلَةٍ لا يُدْرى كُنْهُها ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ بِأنْ يَفْعَلُوا مَعَهم مِنَ الطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ فِعْلَ المُحِبِّ كَما يُفْعَلُ مِن ذَلِكَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي لا عَظِيمَ غَيْرُهُ، هَذا عَلى أنَّهُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ المَعْنى كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مِن حُبِّ المُشْرِكِينَ لِأنْدادِهِمْ فَأفاضَ عَلَيْهِمْ مِن كَمالِهِ، لِأنَّهم لا يَعْدِلُونَ بِهِ شَيْئًا في حالَةٍ مِنَ الحالاتِ مِن ضَرّاءَ أوْ سَرّاءَ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم (p-٣٠٣)يَعْدِلُونَ في الشَّدائِدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإذا رَأوْا في الرَّخاءِ حَجَرًا أحْسَنَ تَرَكُوا الأوَّلَ وعَبَدُوهُ، وحُبُّهم هَوائِيٌّ وحُبُّ المُؤْمِنِينَ عَقْلِيٌّ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا اسْتَحَقَّ القَوْمُ القائِمُونَ في أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا الِاعْتِبارَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ العَقْلِ لَمْ يَكُنْ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا مِمّا يُقالُ فِيهِمْ: قَوْمٌ، بَلْ يَقْصُرُونَ إلى اسْمِ النَّوْسِ الَّذِي هو تَرَدُّدٌ وتَلَدُّدٌ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَجِبَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ في هَذا الِاعْتِبارِ الظّاهِرَةِ شَواهِدُهُ البَيِّنَةِ آثارُهُ، فَأنْبَأ أنَّ طائِفَةً مِنَ النّاسِ عَلى المُقابَلَةِ مِن ذَلِكَ الِاعْتِبارِ الظّاهِرِ لِنُورِ العَقْلِ في أخْذِهِمْ لِمُقابِلِ العَقْلِ مِنَ الحَزْقِ الَّذِي يَقْدَمُ في مَوْضِعِ الإحْجامِ ويَحْجُمُ في مَوْضِعِ الإقْدامِ، ثُمَّ غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى وصَلَ إلى بَواطِنِهِمْ فَصارَ حُبًّا كَأنَّهُ وُصْلَةٌ بَيْنَ بَواطِنِهِمْ وقُلُوبِهِمْ وما اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، فَفِيهِ إشْعارٌ بِنَحْوٍ مِمّا أفْصَحَ بِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في كَوْنِ قُلُوبِهِمْ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً، فَفي كَرَمِ هَذا الخِطابِ في حَقِّ العَرَبِ سَتْرٌ عَلَيْهِمْ رِعايَةً لِنَبِيِّهِمْ في أنْ يُصَرِّحَ عَلَيْهِمْ بِما صَرَّحَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَفي لَحْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَنِ اتَّخَذَ نِدًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَتِلْكَ لِوُصْلَةٍ بَيْنَ حالِ قَلْبِهِ وحالِ ما اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَمَن (p-٣٠٤)عَبَدَ حَجَرًا فَقَلْبُهُ في القُلُوبِ حَجَرٌ ومَن عَبَدَ نَباتًا فَقَلْبُهُ في القُلُوبِ نَباتٌ، وكَذا مَن عَبَدَ دابَّةً
﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] كَذَلِكَ إلى ما يَقَعُ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ ما بَيْنَ أعْلى النَّيِّرَيْنِ الَّذِي هو الشَّمْسُ إلى أدْنى الأوْثانِ إلى ما يَقَعُ في الخَلْقِ مِن عِبادَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن نَحْوِ عِبادَةِ الفَراعِنَةِ والنَّمارِدَةِ إلى ما يَلْحَقُ بِذَلِكَ مِن نَحْوِ رُتْبَةِ العِبادَةِ بِاتِّباعِ الهَوى الشّائِعِ مَوْقِعُهُ في الأُمَمِ وفي هَذِهِ الأُمَّةِ، لِأنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ هَوى شَيْءٍ فَقَدْ عَبَدَهُ، فَكَأنَّ عابِدَ الشَّمْسِ قَلْبُهُ سَعِيرٌ وعابِدَ النّارِ قَلْبُهُ نارٌ وعابِدَ القَمَرِ قَلْبُهُ زَمْهَرِيرٌ، ومَن عَبَدَ مِثْلَهُ مِنَ الخَلْقِ فَقَدْ عَبَدَ هَواهُ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] فَمَن عَبَدَ اللَّهَ فَهو الَّذِي عَلا عَنْ سِواهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ فَعادَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى خِطابَ الأوَّلِينَ المُعْتَبَرِينَ العُقَلاءِ بِهَذا الصِّنْفِ الَّذِي انْتَهى أمْرُهم في الكُفْرِ إلى الحُبِّ مِن حَيْثُ اعْتُقِلَتْ بَواطِنُهم بِهِمْ فِيما شَأْنُهُ أنْ يَخْتَصَّ بِاللَّهِ مِنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ والإعانَةِ لِلْأوْلِياءِ، فَلَمّا تَوَهَّمُوا فِيهِمْ مُرَجّى الإلَهِيَّةِ، ومَخافَتَها أحَبُّوهم لِذَلِكَ كَحُبِّ اللَّهِ لِأنَّ المُتَعَبِّدَ مُؤْتَمِرٌ ومُبادِرٌ فالمُبادِرُ قَبْلَ الأمْرِ مُحِبٌّ، والمُجِيبُ (p-٣٠٥)لِلْأمْرِ مُطِيعٌ، فالمُحِبُّ أعْلى في الطَّرَفَيْنِ. انْتَهى. ولَمّا عَجِبَ مِن حالِهِمْ حَذَّرَ مِن سُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ ومَآلِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: ولَوْ يَرَوْنَ أيِ: المُتَّخِذُونَ لِلْأنْدادِ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِأجْلِ التَّعْمِيمِ الوَصْفَ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ما يُذْكَرُ، وهو وضْعُهُمُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ كَفِعْلِ مَن يَمْشِي في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ وهو الظُّلْمَةُ، وذَلِكَ هُنا تَسْوِيَتُهم مِمَّنْ لا يَمْلِكُ شَيْئًا أصْلًا بِمَن يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ أيْ: يَتَّخِذُونَ أنْدادًا والحالُ أنَّهم لَوْ يَعْلَمُونَ حِينَ إهانَتِهِمْ ولِينِ ما غَلُظَ مِن أكْبادِهِمْ ورُؤْيَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ يُسَمّى عَذابًا ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ الكَمالِ ﴿جَمِيعًا﴾ حِينَ يُشاهِدُونَ العَذابَ قَدْ أحاطَ بِهِمْ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ﴿شَدِيدُ العَذابِ﴾ لَمْ يَتَّخِذُوا أنْدادًا ولَمْ يَعْدِلُوا بِاللَّهِ أحَدًا، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى بِالتّاءِ والياءِ، أيْ: لَوْ أبْصَرْتَ أوْ أبْصَرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ - إلى آخِرِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ يَرى﴾ عَطْفًا عَلى مُتَجاوِزِ أُمُورٍ مِن أُمُورِ جَزائِهِمْ مِمّا نالَهم مِن عُقُوباتِ أثَرِ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (p-٣٠٦)«إذا أذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ» إلى مُتَمادِي غايَةِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، وفي قَوْلِهِ: ”تَرى“ بِالتّاءِ إقْبالًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَعْجِيبٌ لَهُ بِما يَنالُهم مِمّا أصابُوهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أمْرٍ يَعْلُو أمْرُهُ إلى مَحَلِّ رُؤْيَتِهِ الَّتِي هي أتَمُّ الرُّؤْيَةِ، وفي قَوْلِهِ ﴿يَرى﴾ بِالياءِ تَحَسُّرٌ عَلَيْهِمْ يُشْعِرُ بِأنَّ مَنالَهم مِن رُؤْيَةِ العَذابِ مِمّا كانَ يَزْجُرُهم عَمّا هم عَلَيْهِ لَوْ رَأوْهُ. انْتَهى.
﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ أيِ: الوَقْتَ الَّذِي يُبْصِرُونَ فِيهِ العَذابَ، أيِ: الأكْبَرَ الَّذِي لا عَذابَ مِثْلُهُ؛ كَما أفْهَمَهُ تَعْرِيفُهُ بِألْ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أنَّ القُوَّةَ﴾ وهي مِنَّةُ الباطِنِ الَّتِي يَجِدُها المُقْتَدِرُ مَنشَأً لِما يُبْدِيهِ ظاهِرُهُ [وما يُبْدِيهِ ظاهِرُهُ ] قُدْرَةُ القُوى جَمْعِها وأصْلِها والقُدْرَةُ ظاهِرُها وتَفْصِيلُ إنْشائِها لِلَّهِ جَمِيعًا، فَإنَّهُ لا شَيْءَ أشَقَّ عَلى الإنْسانِ مِن أنْ يَرى خَصْمَهُ نافِذَ الأمْرِ مُنْفَرِدًا بِالعِزِّ في كُلِّ مَعْنى لا سِيَّما [إذا كانَ جَبّارًا مُتَكَبِّرًا شَدِيدَ البَطْشِ مِمَّنْ عَصاهُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ ولا سِيَّما ] إذا كانَ العاصِي لَهُ قَدْ أساءَ إلَيْهِ بِالإساءَةِ إلى أوْلِيائِهِ وبالَغَ حَتّى لَمْ يَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا. وقالَ الحَرالِّيُّ: مَوْضِعُ (p-٣٠٧)الرُّؤْيَةِ في الحَقِيقَةِ هو أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا سَلْبًا عَنْ جَمِيعِ أنْدادِهِمُ الَّذِينَ أحَبُّوهم وعَنْ أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ قائِلُهم ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] لَكِنْ لَمّا كانَ رُؤْيَتُهم لِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَةِ مَشْهُودِ العَذابِ الَّذِي هو أتَمُّ العَذابِ ذَكَرَ العَذابَ الَّذِي هو ظاهِرُ مَرْأى أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وفي ﴿أنَّ القُوَّةَ﴾ إعْلامٌ بِاطِّلاعِهِمْ يَوْمَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ عَلى بَواطِنِ أنْدادِهِمْ وسَلْبِها ما شَأْنُ البَواطِنِ أنْ تَتَحَلّى بِهِ مِنَ القُوَّةِ مِن حَيْثُ وصْفُهم لَهم بِالحُبِّ الباطِنِ أطْلَعَهم عَلى سَلْبِ قُواهُمُ الباطِنَةِ بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي هي باطِنُ البَصَرِ الَّذِي هو باطِنُ النَّظَرِ، ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ القُوَّةِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أمْرُ القُدْرَةِ فَقالَ ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ إكْمالًا لِلْخِطابِ بِظاهِرِهِ، واسْتَأْنَفَ مَعَهُ الِاسْمَ العَظِيمَ لِإظْهارِ ما بَيْنَ غايَتَيِ الباطِنِ والظّاهِرِ في أمْرِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، لِيَكُونَ مَعَ المَنظَرِ الظّاهِرِ بِالقُدْرَةِ اسْمٌ أظْهَرَهُ واسْتَأْنَفَهُ وقَدَّمَ ذِكْرَهُ كَما كانَ مَعَ المَرْأى الباطِنِ بِالقُوَّةِ اسْمًا أضافَ إلَيْهِ وأنْهى لَهُ لِيَقَعَ ما ولِيَ أوَّلَ الخِطابِ مُقابِلَ ما خُتِمَ بِهِ الخِطابُ، فَيَنْعَطِفُ أوَّلُهُ عَلى آخِرِهِ وآخِرُهُ عَلى أوَّلِهِ باطِنًا لِظاهِرٍ وظاهِرًا لِباطِنٍ في المُتَعاطِفِينَ جَمِيعًا في قَوْلِهِ ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ انْتَهى أوْ يُقالُ: إذْ يَرَوْنَ العَذابَ الَّذِي يُتَوَعَّدُونَ بِهِ الآنَ لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (p-٣٠٨)فَلا مانِعَ لَهُ مِن إتْيانِهِمْ بِهِ، كَما تَبَيَّنَ في الآيَتَيْنِ قَبْلَها أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ وأنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ شامِلُ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِتَهْوِيلِهِ لِذَهابِ وهْمِ المُتَوَعَّدِ إلى كُلِّ ضَرْبٍ مِن أنْواعِ التَّوَعُّدِ، ولَوْ ذُكِرَ ضَرْبٌ مِنهُ لَأمْكَنَ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فالتَّقْدِيرُ: لَوْ رَأيْتَ أوْ رَأوْا ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي يُشاهِدُونَ فِيهِ تِلْكَ العَظَمَةَ لَرَأيْتَ أوْ لَرَأوْا أمْرًا فَظِيعًا هائِلًا شاغِلًا لَهم عَنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ ومَحَبَّتِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الظُّلْمِ، وحُذِفَ الجَوابُ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما حُذِفَ مِن أمْثالِهِ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾