Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الأعراف 7:161 – الأنفال 8:75
المحتويات
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
الأعراف 7:161
ولَمّا ذَكَرَ ما حَباهم في القِفارِ، أتْبَعَهُ إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الوُصُولِ إلى الدّارِ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا لِيُصَدِّقُوكَ أوْ يَصِيرُوا في غايَةِ الظُّلْمِ كَأصْحابِ السَّبْتِ فَيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ عَذابِهِمْ، واذْكُرْ لَهم ما لَمْ تَكُنْ حاضِرَهُ ولا أخَذْتَهُ عَنْهُمْ، وهو وقْتَ إذْ، [وعَدَلَ عَنِ الإكْرامِ بِالخِطابِ ونُونِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِلْإسْراعِ في الكُفْرِ فَقالَ:] ﴿قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا﴾ أيِ: ادْخُلُوا مُطْمَئِنِّينَ عَلى وجْهِ الإقامَةِ، [ولا يُسَمّى ساكِنًا إلّا بَعْدَ التَّوَطُّنِ بِخِلافِ الدُّخُولِ، فَإنَّهُ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الوُلُوجِ في الشَّيْءِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ] ﴿هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ فَهو دَلِيلٌ آخَرُ عَلى الأمْرَيْنِ: الصَّرْفِ والصِّدْقِ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالمَجْهُولِ في ﴿قِيلَ﴾ إعْراضًا عَنْ تَلْذِيذِهِمْ بِالخِطابِ إيذانًا بِأنَّ هَذا السِّياقَ لِلْغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِتَساقُطِهِمْ في الكُفْرِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الشُّكْرِ، مِن أيِّ قائِلٍ كانَ وبِأيِّ صِيغَةٍ ورَدَ القَوْلُ وعَلى أيِّ حالَةٍ كانَ، وإظْهارًا لِلْعَظَمَةِ حَيْثُ كانَتْ أدْنى إشارَةٍ مِنهُ كافِيَةً في سُكْناهم في البِلادِ واسْتِقْرارِهِمْ فِيها قاهِرِينَ لِأهْلِها الَّذِينَ مَلَؤُوا قُلُوبَهم هَيْبَةً حَتّى قالُوا: ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ [المائدة: ٢٤]
ولَمّا خَلَتْ نِعْمَةُ الأكْلِ في هَذا السِّياقِ عَمّا دَعا إلَيْهِ سِياقُ البَقَرَةِ (p-١٣٦)مِنَ التَّعْقِيبِ وهو الِاسْتِعْطافُ، ذُكِرَتْ بِالواوِ الدّالَّةِ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ، وهي لا تُنافِي تِلْكَ، فَقالَ: ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيِ: القَرْيَةِ ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وأسْقَطَ الرَّغَدَ لِذَلِكَ، وقَدَّمَ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ لِيَكُونَ أوَّلَ قارِعٍ لِلسَّمْعِ مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ العِبادَةِ مُشْعِرًا بِعَظِيمِ ما تَحَمَّلُوهُ مِنَ الآثامِ، إيذانًا بِما سِيقَتْ لَهُ هَذِهِ القِصَصُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ المَقامِ.
ولَمّا أُمِرُوا بِالحِطَّةِ قَوْلًا، أُمِرُوا أنْ يَشْفَعُوها بِفِعْلٍ، لِتُحَطَّ عَنْهم ذُنُوبُهُمْ، ولا يُنافِيَ التَّقْدِيمُ هُنا التَّأْخِيرَ في البَقَرَةِ؛ لِأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ، فَقالَ: ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ: بابَ بَيْتِ المَقْدِسِ حالَ كَوْنِكم ﴿سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ﴾
ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِبَيانِ إسْراعِهِمْ في الكُفْرِ، ناسَبَ ذَلِكَ جَمْعُ الكَثْرَةِ في قَوْلِهِ: ”خَطاياكم“ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ: (خَطِيَّتَكُمْ) بِالإفْرادِ وقِراءَةُ غَيْرِهِما: (خَطِيّاتِكُمْ) جَمْعَ قِلَّةٍ فَلِلْإشارَةِ إلى أنَّها قَلِيلٌ في جَنْبِ عَفْوِهِ تَعالى، وكَذا بِناءُ (تُغْفَرْ) لِلْمَجْهُولِ تَأْنِيثًا وتَذْكِيرًا، كُلُّ ذَلِكَ تَرْجِيَةً لَهم واسْتِعْطافًا إلى التَّوْبَةِ، ولِذَلِكَ ساقَ سُبْحانَهُ ما بَعْدَهُ مَساقَ السُّؤالِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا الرَّجاءُ قَدْ حَصَلَ، فَهَلْ مَعَ المَغْفِرَةِ مِن كَرامَةٍ؟ فَقالَ: ﴿سَنَـزِيدُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَنْ قَرِيبٍ، وهو لا يُنافِي إثْباتَ الواوِ في البَقَرَةِ ﴿المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ، (p-١٣٧)ولِلسِّياقِ الَّذِي وصَفْتُ قَيَّدَ قَوْلَهُ:
الأعراف 7:162
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم مِنَ الدُّخَلاءِ فِيهِمْ ﴿قَوْلا غَيْرَ الَّذِي﴾
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ القائِلَ مَن لَهُ إلْزامُهُمْ، بَناهُ لِلْمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ وقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بِالإضْمارِ تَهْوِيلًا لِاحْتِمالِ العُمُومِ بِالعَذابِ ﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ ولَفْظُ الظُّلْمِ - في قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بِما يَقْتَضِيهِ مِن أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنِ الكَوْنِ في الظَّلامِ إمّا مُطْلَقًا وإمّا مَعَ تَجْدِيدِ فِعْلِ فِعْلِ مَن هو فِيهِ - أهْوَلُ مِن لَفْظِ الفِسْقِ المُقْتَضِي لِتَجْدِيدِ الخُرُوجِ مِمّا يَنْبَغِي الِاسْتِقْرارُ فِيهِ، كَما أنَّ لَفْظِ الإرْسالِ المُعَدّى بِ: ”عَلى“ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى لَفْظِ الإنْزالِ.
الأعراف 7:163
ولَمّا فَرَغَ مِن هَتْكِ أسْتارِهِمْ فِيما عَمِلُوهُ أيّامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَلِيها، أتْبَعَهُ خِزْيًا آخَرَ أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ، كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا مِن جِهَتِهِمْ أوْ مِنَ اللَّهِ، وإذا انْتَفى الأوَّلُ ثَبَتَ الثّانِي، فَقالَ: ﴿واسْألْهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ مُبَكِّتًا لَهم ومُقَرِّرًا ﴿عَنِ القَرْيَةِ﴾ أيِ: البَلَدِ الجامِعِ ﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ أيْ: عَلى شاطِئِهِ وهي أيْلَةُ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالسُّؤالِ، ولَمْ يَقُلْ: وإذْ تَعْدُو القَرْيَةُ الَّتِي - إلى آخِرِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَراهَتَهم لِلِاطِّلاعِ عَلى هَذِهِ الفَضِيحَةِ أشَدَّ مِمّا مَضى، وهي دَلِيلٌ عَلى الصَّرْفِ والصِّدْقِ. ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنْ خَبَرِ أهْلِ القَرْيَةِ قالَ (p-١٣٨)مُبْدِلًا بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ القَرْيَةِ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿يَعْدُونَ﴾ أيْ: يَجُوزُونَ الحَدَّ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ﴿فِي السَّبْتِ إذْ﴾ أيِ: العَدْوَ حِينَ ﴿تَأْتِيهِمْ﴾ وزادَ في التَّبْكِيتِ بِالإشارَةِ إلى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حِيتانُهُمْ﴾ إيماءً إلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ، فَلَوْ صَبَرُوا نالُوها وهم مُطِيعُونَ، كَما في حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رِزْقِهِ حِجابٌ، فَإنْ صَبَرَ خَرَجَ إلَيْهِ، وإلّا هَتَكَ الحِجابَ ولَمْ يَنَلْ إلّا ما قُدِّرَ لَهُ» ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ بِتَرْكِ الِاشْتِغالِ فِيهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ العِبادَةِ ﴿شُرَّعًا﴾ أيْ: قَرِيبَةً مُشْرِفَةً لَهم ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ بِكَثْرَةٍ، جَمْعُ شارِعَةٍ وشارِعٍ؛ أيْ: دانٍ ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ أيْ: لا يَكُونُ سَبْتٌ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهَذا إشارَةً إلى أنَّهم لَوْ عَظَّمُوا الأحَدَ عَلى أنَّهُ سَبْتٌ جاءَتْهم فِيهِ، وهو مِن: سَبَتَتِ اليَهُودُ - إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ أيِ: ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا أزالَ اللَّهُ هَذِهِ العادَةَ فَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَذا بَلاءً عَظِيمًا، قالَ مُجِيبًا لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ لِشِدَّةِ ما بَهَرَهُ مِن هَذا الأمْرِ: هَلْ وقَعَ مِثْلُ هَذا؟ مُشِيرًا إلى أنَّهُ وقَعَ، ولَمْ يَكْتَفِ بِهِ، بَلْ وقَعَ لَهم أمْثالُهُ لِإظْهارِ ما في عالَمِ الغَيْبِ مِنهم إلى عالَمِ الشَّهادَةِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا البَلاءِ العَظِيمِ ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ: نُجَدِّدُ اخْتِبارَهم كُلَّ قَلِيلٍ ﴿بِما﴾ أيْ: سَبَبَ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ في عِلْمِنا مِنَ الفِسْقِ، وهو الخُرُوجُ مِمّا هو (p-١٣٩)أهْلٌ لِلتَّوَطُّنِ مِنَ الطّاعاتِ.
الأعراف 7:164
ولَمّا أخْبَرَ أنَّ الفِسْقَ دَيْدَنُهُمْ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى: ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ﴿وإذْ﴾ أيْ: واسْألْهم عَنْ خَبَرِهِمْ حِينَ ﴿قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ ويُقْصَدُ مِنَ الواعِظِينَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ وعَظُوا حَتّى أيِسُوا لِأُمَّةٍ أُخْرى مِنهم لا يُقْلِعُونَ عَنِ الوَعْظِ تَخْوِيفًا لِلْمَوْعُوظِينَ بِما يَتَجاوَزُونَ بِهِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ أيْ: مُعْتَمِدِينَ عَلى قُوَّتِهِمْ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ: لا مَحالَةَ لِأنَّهم لا يَنْتَهُونَ عَنِ الفَسادِ ولا يَتَّعِظُونَ بِالمَواعِظِ ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ أيْ: بِعَظِيمِ ما يَرْتَكِبُونَهُ وتَمادِيهِمْ فِيهِ ﴿قالُوا﴾ أيِ: الأُمَّةُ الأُخْرى مِنَ الواعِظِينَ: وعَظْنا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِالحِفْظِ عَمّا وقَعُوا فِيهِ مِنَ الذَّنْبِ والإقْبالِ عَلى الوَعْظِ حَتّى إذا سُئِلْنا عَنْ أمْرِنا في عِصْيانِهِمْ نَقُولُ: فَعَلْنا في أمْرِهِمْ جُهْدَنا، هَذا إنْ لَمْ يَرْجِعُوا ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: ولِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى خَوْفُهُ لِلَّهِ فَيَرْجِعُ عَنْ غَيِّهِ.
الأعراف 7:165
ولَمّا تَراجَعُوا بِهَذا الكَلامِ لِيَكُونَ زاجِرًا لِلْعاصِينَ فَلَمْ يَرْجِعُوا، أخْبَرَ أنَّهُ صَدَقَ ظَنُّهم بِإيقاعِ الأمْرَيْنِ مَعًا: العَذابِ الشَّدِيدِ والإهْلاكِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: فَعَلُوا في إعْراضِهِمْ عَنْهُ فِعْلَ النّاسِي وتَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ؛ وهو أنَّ اللَّهَ لا يُهْمِلُهم كَما أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُ أنْ يُهْمِلَ (p-١٤٠)أحَدًا تَحْتَ يَدِهِ، لِيَفْعَلَ ما يَشاءُ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ ﴿أنْجَيْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ﴾ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى النَّهْيِ ﴿عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ: الحَرامِ ﴿وأخَذْنا﴾ أيْ: أخْذَ غَلَبَةٍ وقَهْرٍ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِالعَدْوِ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ جِدًّا ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى تَجْدِيدِ الفِسْقِ.
الأعراف 7:166
ولَمّا ذَكَرَ ما هَدَّدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، أتْبَعَهُ الهَلاكَ فَقالَ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا جَلافَةً ويُبْسًا عَنِ الِانْتِهاءِ ﴿عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: بَعْدَ الأخْذِ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ، وتَجاوَزُوا إلى الِاجْتِراءِ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي عِنادًا وتَكَبُّرًا بِغايَةِ الوَقاحَةِ وعَدَمِ المُبالاةِ، كانَ مُواقَعَتُهم لِذَلِكَ الذَّنْبِ وإمْهالُهم مَعَ الوَعْظِ أكْسَبَتْهم ذَلِكَ وغَلُظَتْ أكْبادُهم عَنِ الخَوْفِ بِزاجِرِ العَذابِ، مِن عَتا يَعْتُو عُتُوًّا - إذا أقْبَلَ عَلى الآثامِ، فَهو عاتٍ، قالَ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابَةِ الواعِي: وقِيلَ: إذا أقْدَمَ عَلى كُلِّ أُمُورِهِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: العاتِي هو المُبالِغُ في رُكُوبِ المَعاصِي، وقِيلَ: المُتَمَرِّدُ الَّذِي لا يَنْفَعُ فِيهِ الوَعْظُ والتَّنْبِيهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات: ٤٤] أيْ: جاوَزُوا المِقْدارَ والحَدَّ في الكُفْرِ - انْتَهى.
وحَقِيقَتُهُ: جاوَزُوا الأمْرَ إلى النَّهْيِ، أوْ جاوَزُوا الِائْتِمارَ بِأمْرِهِ، والمادَّةُ تَرْجِعُ إلى الغِلَظِ والشِّدَّةِ والصَّلابَةِ ﴿قُلْنا لَهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ: في صُورَةِ القِرَدَةِ حالَ كَوْنِكم ﴿خاسِئِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ مَطْرُودِينَ (p-١٤١)بِعِيدَيْنِ عَنِ الرَّحْمَةِ كَما يُبْعَدُ الكَلْبُ.
الأعراف 7:167
ولَمّا تَبَيَّنَ بِما مَضى مِن جُرْأتِهِمْ عَلى المَعاصِي وإسْراعِهِمْ فِيها اسْتِحْقاقُهم لِدَوامِ الخِزْيِ والصَّغارِ، أخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ مُوجِبٍ لِلْقَطْعِ بِأنَّهم مُرْتَبِكُونَ في الضَّلالِ، مُرْتَكِبُونَ سَيِّئِ الأعْمالِ، ما دامَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ النَّكالُ، فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى: ﴿واسْألْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] أيْ: واذْكُرْ لَهم حِينَ ﴿تَأذَّنَ﴾ أيْ: أعْلَمَ إعْلامًا عَظِيمًا جَهْرًا مُعْتَنًى بِهِ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ: المُرَبِّي لَكَ والمُمَهِّدُ لِأدِلَّةِ شَرِيعَتِكَ والنّاصِرُ لَكَ عَلى مَن خالَفَكَ.
ولَمّا كانَ ما قِيلَ جارِيًا مَجْرى القَسَمِ، تَلَقّى بِلامِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: تَأذَنَّ مُقْسِمًا بِعِزَّتِهِ وعَظَمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ أيْ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، وأفْهَمَ أنَّهُ بَعْثُ عَذابٍ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ المُفْهِمَةِ لِأنَّ المَعْنى: لَيُسَلِّطَنَّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: اليَهُودَ، ومَدَّ زَمانَ التَّسْلِيطِ فَقالَ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الَّذِي هو الفَيْصَلُ الأعْظَمُ ﴿مَن يَسُومُهُمْ﴾ أيْ: يُنْزِلُ بِهِمْ دائِمًا ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ بِالإذْلالِ والِاسْتِصْغارِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ والِاحْتِقارِ، وكَذا فَعَلَ سُبْحانَهُ؛ فَقَدْ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأُمَمَ ومَزَّقَهم في الأرْضِ كُلَّ مُمَزَّقٍ مِن حِينِ أنْكَرُوا رِسالَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما أتاهم بِهِ الوَعْدُ الصّادِقُ في التَّوْراةِ، وتَرْجَمَةُ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآنَ في قَوْلِهِ في آخِرِ السِّفْرِ الأوَّلِ: لا يَزُولُ القَضِيبُ مِن آلِ يَهُودا، لا يَعْدَمُ سِبْطُ يَهُودا مَلِكًا مُسَلَّطًا واتِّخاذَهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا حَتّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ المُلْكُ - وفي نُسْخَةٍ: (p-١٤٢)الكُلُّ - وإيّاهُ تَنْتَظِرُ الشُّعُوبُ، يَرْبُطُ بِالحَلْبَةِ جَحْشَهُ؛ وقالَ السَّمَوْألُ في أوائِلِ كِتابِهِ (غايَةُ المَقْصُودِ): نَقُولُ لَهُمْ: فَلَيْسَ في التَّوْراةِ الَّتِي في أيْدِيكم ما تَفْسِيرُهُ: لا يَزُولُ المُلْكُ مِن آلِ يَهُودا والرّاسِمُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ إلى أنْ يَأْتِيَ المَسِيحُ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى جَحْدِهِ، فَنَقُولُ لَهُمْ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّكم كُنْتُمْ أصْحابَ دَوْلَةٍ ومُلْكٍ إلى ظُهُورِ المَسِيحِ ثُمَّ انْقَضى مُلْكُكم - انْتَهى.
ومِن أيّامِ رِسالَةِ المَسِيحِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الأُمَمَ ومَزَّقَهم في الأرْضِ، فَكانُوا مَرَّةً تَحْتَ حُكْمِ البابِلِيِّينَ، وأُخْرى [تَحْتَ أيْدِي المَجُوسِ، وكَرَّةً تَحْتَ قَهْرِ الرُّومِ مِن بَنِي العِيصِ، وأُخْرى] في أسْرِ غَيْرِهِمْ إلى أنْ أتى النَّبِيُّ ﷺ فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ هو وأُمَّتُهُ مِن بَعْدِهِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْعَذابِ ومُوجِباتِهِ، عَلَّلَ ذَلِكَ مُؤَكَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإذْلالِ أعْدائِكَ الَّذِينَ هم أشَدُّ الأُمَمِ لَكَ ولِمَن آمَنَ بِكَ عَداوَةً ﴿لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ: يُعَذِّبُ عَقِبَ الذَّنْبِ بِالِانْتِقامِ باطِنًا بِالنُّكَتِهِ السَّوْداءِ في القَلْبِ، وظاهِرًا - إنْ أرادَ - بِما يُرِيدُ، وهَذا بِخِلافِ ما في الأنْعامِ فَإنَّهُ في سِياقِ الإنْعامِ بِجَعْلِهِمْ خَلائِفَ.
ولَمّا رَهَّبَ، رَغَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ عَيْنًا وأثَرًا لِمَن تابَ وآمَنَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُكْرِمٌ مُنْعِمٌ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ ثُمَّ بِما يَكُونُ سَبَبًا لَهُ مِنَ الإعْلاءِ في الدِّينا والآخِرَةِ.
١٦٨ ١٦٩ (p-١٤٣)ذِكْرُ شَيْءٍ مِمّا هُدِّدُوا بِهِ في التَّوْراةِ عَلى العِصْيانِ والبَغْيِ والعُدْوانِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ في المائِدَةِ عِنْدَ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وغَيْرِها مِنَ الآياتِ، قالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: وإنْ لَمْ تَحْفَظْ وتَعْمَلْ بِجَمِيعِ الوَصايا والسُّنَنِ الَّتِي كُتِبَتْ في هَذا الكِتابِ وتَتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ وتَهَبِ اسْمَهُ المَحْمُودَ المَرْهُوبَ، يَخُصُّكَ الرَّبُّ بِضَرَباتٍ مُوجِعَةٍ ويَبْتَلِيكَ بِها، ويَبْتَلِي نَسْلَكَ مِن بَعْدِكَ وتَدُومُ عَلَيْكَ، ويَبْقى مِن نَسْلِكَ عَدَدٌ قَلِيلٌ مِن بَعْدِ كَثْرَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ قَدْ صارَتْ مِثْلَ نُجُومِ السَّماءِ، وتُجْلَوْنَ عَنِ الأرْضِ الَّتِي تَدْخُلُونَها لِتَرِثُوها، ويُفَرِّقُكُمُ الرَّبُّ بَيْنَ الشُّعُوبِ، وتَعْبُدُونَ هُنالِكَ الآلِهَةَ الأُخْرى الَّتِي عُمِلَتْ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ، ولا تَسْكُنُونَ أيْضًا بَيْنَ تِلْكَ الشُّعُوبِ، ولَكِنْ يَصَيِّرُ اللَّهُ قُلُوبَكم هُناكَ فَزِعَةً مُرْتَجِفَةً بِالغَداةِ تَقُولُونَ: مَتى نُمْسِي؟ وبِالعَشِيِّ تَقُولُونَ: مَتى نُصْبِحُ؟ وذَلِكَ مِن فَزَعِ قُلُوبِكم وخَوْفِكم وقِلَّةِ حِيلَتِكُمْ، ويَرُدُّكُمُ اللَّهُ إلى أرْضِ مِصْرَ في أُلُوفٍ في الطَّرِيقِ الَّذِي قالَ الرَّبُّ: لا تَعُودُوا أنْ تَرَوْهُ، وتُباعُونَ هُناكَ [عَبِيدًا] وإماءً، ولا يَكُونُ مَن يَشْتَرِيكُمْ، هَذِهِ أقْوالُ العَهْدِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها مُوسى أنْ يُعاهِدَ بَنِي إسْرائِيلَ في أرْضِ مُؤابَ سِوى العَهْدِ الَّذِي عاهَدَهم بِحُورِيبَ؛ ثُمَّ دَعا مُوسى جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُمْ: قَدْ رَأيْتُمْ ما صَنَعَ اللَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ بِفِرْعَوْنَ (p-١٤٤)وجَمِيعِ عَبِيدِهِ وكُلِّ شَعْبِهِ والبَلايا العَظِيمَةِ الَّتِي رَأتْ أعْيُنُكم والآياتِ والأعاجِيبَ الَّتِي شَهِدْتُمُوها، ولَمْ يُعْطِكُمُ الرَّبُّ قُلُوبًا تَفْهَمُ وتَعْلَمُ، ولا أعْيُنًا تُبْصِرُ ولا آذانًا تَسْمَعُ إلى يَوْمِنا هَذا، ودَبَّرَكم في البَرِّيَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، لَمْ تَبْلَ ثِيابُكم عَلَيْكم ولَمْ تَخْلُقْ خِفافُكم أيْضًا ولَمْ تَأْكُلُوا خُبْزًا، لِتَعْلَمُوا أنِّي أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ، وأنا الَّذِي أتَيْتُ بِكم إلى هَذِهِ البِلادِ، فاحْفَظُوا وصايا هَذِهِ التَّوْراةِ واعْمَلُوا بِها وأتِمُّوا جَمِيعَ الأعْمالِ في طاعَةِ اللَّهِ وأكْمِلُوها؛ لِأنَّكم قَدْ عَرَفْتُمْ جَمِيعًا أنّا كُنّا سُكّانًا بِأرْضِ مِصْرَ وجُزْنا بَيْنَ الشُّعُوبِ، ورَأيْتُمْ نَجاسَتَهم وأصْنامَهُمْ، لَعَلَّ فِيكُمُ اليَوْمَ رَجُلًا أوِ امْرَأةً أوْ قَبِيلَةً أوْ سِبْطًا يَمِيلُ قَلْبُهُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ رَبِّنا ويَطْلُبُ عِبادَةَ آلِهَةِ تِلْكَ الشُّعُوبِ، فَيَسْمَعُ هَذا العَهْدَ فَيَقُولُ: يَكُونُ لِي السَّلامُ فَأتَّبِعُ مَسَرَّةَ قَلْبِي، هَذا لا يُرِيدُ الرَّبُّ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، ولَكِنْ هُناكَ يَشْتَدُّ غَضَبُ الرَّبِّ وزَجْرُهُ عَلَيْهِ ويَنْزِلُ بِهِ كُلُّ اللَّعْنِ الَّذِي في هَذا الكِتابِ، ويَسْتَأْصِلُ الرَّبُّ اسْمَهُ مِن تَحْتِ السَّماءِ ويَفْرِزُهُ الرَّبُّ مِن جَمِيعِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلشَّرِّ والبَلايا ويَقُولُ الحِقْبُ الآخَرُ بَنُوكُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ مِن بَعْدِكم والغُرَباءُ، ويَنْظُرُونَ إلى ضَرَباتِ تِلْكَ الأرْضِ والأوْجاعِ أنْزَلَ اللَّهُ بِها ويَقُولُ الشَّعْبُ: لِماذا صَنَعَ الرَّبُّ هَكَذا؟ ولِماذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلى هَذا الشَّعْبِ العَظِيمِ؟ ويَقُولُونَ: لِأنَّهم تَرَكُوا عَهْدَ اللَّهِ إلَهِ آبائِهِمْ، فاشْتَدَّ غَضَبُ الرَّبِّ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وأمَرَ أنْ يَنْزِلَ بِها كُلُّ اللَّعْنِ الَّذِي كُتِبَ في هَذا (p-١٤٥)الكِتابِ، ويُجْلِيهِمُ الرَّبُّ عَنْ بِلادِهِمْ بِغَضَبٍ وزَجْرٍ شَدِيدٍ ويُبْعِدُهم إلى أرْضٍ غَرِيبَةٍ كَما تَرى اليَوْمَ، فَأمّا الخَفايا والسَّرائِرُ فَهي لِلَّهِ رَبِّنا، والأُمُورُ الظّاهِرَةُ المَكْشُوفَةُ هي لَنا.
الأعراف 7:168
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّأذُّنِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأسْرَعْنا في عِقابِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ وبَعَثْنا عَلَيْهِمْ مَن سامَهم سُوءَ العَذابِ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما حَصَلَ لَهم مِنَ السَّبْيِ المُتَرَتِّبِ عَلى العَذابِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ تَقْطِيعًا كَثِيرًا بِأنْ أكْثَرْنا تَفْرِيقَهم ﴿فِي الأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿أُمَمًا﴾ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَصارَ في كُلِّ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ مِنهم لَيْسَتْ لَهم شَوْكَةٌ ولا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ ظُلْمًا.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ أطْبَقُوا [بَعْدَ] هَذا العَذابِ عَلى الخَيْرِ؟ قِيلَ: لا، بَلْ فَرَّقَتْهُمُ الأدْيانُ نَحْوَ فُرْقَةِ الأبْدانِ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى دِينِهِمْ إلى أنْ جاءَ النّاسِخُ لَهُ فَتَبِعُوهُ امْتِثالًا لِدَعْوَةِ كِتابِهِمْ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بِالفِسْقِ تارَةً وبِالكُفْرِ أُخْرى ﴿وبَلَوْناهُمْ﴾ أيْ: عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُبْتَلى لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ ما نَحْنُ بِهِ مِنهم عالِمُونَ ﴿بِالحَسَناتِ﴾ أيِ: النِّعَمِ ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ أيِ: النِّقَمِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنْ غَيِّهِ رَغْبَةً أوْ رَهْبَةً.
الأعراف 7:169
ولَمّا كانَ العَذابُ الَّذِي وقَعَ التَّأذُّنُ بِسَبَبِهِ [مُمْتَدًّا] إلى يَوْمِ القِيامَةِ، (p-١٤٦)تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَفَ﴾ أيْ: نَشَأ، ولَمّا كانُوا غَيْرَ مُسْتَغْرِقِينَ لِزَمانِ البُعْدِ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أيْ: قَوْمٌ هم أسْوَأُ حالًا مِنهم ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ: الَّذِي هو نِعْمَةٌ، وهو التَّوْراةُ، فَكانَ لَهم نِقْمَةً لِشَهادَتِهِ عَلَيْهِمْ بِقُبْحِ أفْعالِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَقِيَ في أيْدِيهِمْ بَعْدَ أسْلافِهِمْ يَقْرَؤُونَهُ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ؛ قالَ ابْنُ فارِسٍ: والخَلْفُ ما جاءَ مِن بَعْدُ، أيْ: سَواءٌ كانَ مُحَرَّكًا أوْ ساكِنًا، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ: ويُقالُ:؛ خَلْفُ سُوءٍ - أيْ: بِالسُّكُونِ - وخَلَفُ صِدْقٍ، وقالَ الزُّبَيْدِيُّ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: والخَلْفُ: خَلْفُ السُّوءِ بَعْدَ أبِيهِ، والخَلَفُ: الصّالِحُ، وقالَ ابْنُ القَطّاعِ في الأفْعالِ: وخَلَفَ خَلْفُ سُوءٍ: [صارُوا بَعْدَ قَوْمٍ صالِحِينَ، وخَلَفُ سُوءٍ، قالَ الأخْفَشُ: هُما سَواءٌ، أيْ: بِالسُّكُونِ]، مِنهم مَن يُسَكِّنُ ومِنهم مَن يُحَرِّكُ فِيهِما جَمِيعًا، ومِنهم مَن يَقُولُ: خَلَفُ صِدْقٍ - أيْ: بِالتَّحْرِيكِ - وخَلْفُ سُوءٍ - أيْ: بِالسُّكُونِ [يُرِيدُ بِذَلِكَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، وكُلٍّ إذا أضافَ، يَعْنِي فَإذا لَمْ يُضِفْ كانَ السُّكُونُ] لِلْفَسادِ، والتَّحْرِيكُ لِلصَّلاحِ؛ وقالَ في القامُوسِ: خَلْفٌ نَقِيضُ قُدّامٍ، والقَرْنُ بَعْدَ القَرْنِ، ومِنهُ: [هَؤُلاءِ] خَلْفُ سُوءٍ، والرَّدِيءُ مِنَ القَوْلِ، وبِالتَّحْرِيكِ الوَلَدُ الصّالِحُ، فَإذا كانَ فاسِدًا أسْكَنْتَ اللّامَ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ كُلٌّ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، يُقالُ: هو خَلَفُ صِدْقٍ مِن أبِيهِ - إذا قامَ مَقامَهُ، (p-١٤٧)أوِ الخَلْفُ بِالسُّكُونِ وبِالتَّحْرِيكِ سَواءٌ، اللَّيْثُ: خَلْفٌ لِلشِّرارِ خاصَّةً، وبِالتَّحْرِيكِ ضِدُّهُ. والمادَّةُ تَرْجِعُ إلى الخَلْفِ الَّذِي هو نَقِيضٌ قُدّامٍ، كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في فَنِّ المُضْطَرِبِ مِن حاشِيَتِي عَلى شَرْحِ ألْفِيَّةِ العِراقِيِّ.
ولَمّا كانَ المَظْنُونُ بِمَن يَرِثُ الكِتابَ الخَيْرَ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلُوهُ مِنَ الخَيْرِ فِيما ورِثُوهُ؟ قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿يَأْخُذُونَ﴾ أوْ يُجَدِّدُونَ الأخْذَ دائِمًا، وحَقَّرَ ما أخَذُوهُ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ مِمّا يَعْرِضُ ولا يَثْبُتُ بَلْ هو زائِلٌ فَقالَ: ﴿عَرَضَ﴾ وزادَهُ حَقارَةً بِإشارَةِ الحاضِرِ فَقالَ: ﴿هَذا﴾ وصَرَّحَ بِالمُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأدْنى﴾ أيْ: مِنَ الوُجُودَيْنِ، وهو الدُّنْيا ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: دائِمًا مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
ولَمّا كانَ النّافِعُ الغُفْرانَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُعَيَّنٍ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أيْ: مِن غَيْرِ شَكٍّ، فَأقْدَمُوا عَلى السُّوءِ وقَطَعُوا بِوُقُوعِ ما يُبْعِدُ [وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ حُكْمًا عَلى مَن يَحْكُمُ ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ، وصَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ ذَلِكَ مِن] إصْرارِهِمْ مُعَجِّبًا مِنهم في جَزْمِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ مَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ إنْ ﴿يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: في الدَّناءَةِ والخِسَّةِ - والحُرْمَةِ كالرِّشى ﴿يَأْخُذُوهُ﴾
[ولَمّا كانَ هَذا عَظِيمًا، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُشَدِّدًا] لِلنَّكِيرِ بِقَوْلِهِ (p-١٤٨)مُسْتَأْنِفًا: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ العَهْدَ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ: المِيثاقُ المُؤَكَّدُ [فِي التَّوْراةِ] ﴿أنْ لا يَقُولُوا﴾ [أيْ: قَوْلًا مِنَ الأقْوالِ وإنْ قَلَّ] ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ والعَظَمَةُ ﴿إلا الحَقَّ﴾ أيِ: المَعْلُومُ ثَباتُهُ، ولَيْسَ مِنَ المَعْلُومِ ثَباتُهُ إثْباتَ المَغْفِرَةِ عَلى القَطْعِ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، بَلْ ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ مِيثاقِ الكِتابِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في الوَهْمِ أنَّهُ أُخِذَ عَلى أسْلافِهِمْ ولَمْ يَعْمَلْ هَؤُلاءِ بِهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أيْ: ما في ذَلِكَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ القِراءَةِ لِلْحِفْظِ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيْ: فَعَلُوا ما تَقَدَّمَ مِن مُجانَبَةِ التَّقْوى والحالُ أنَّ الآخِرَةَ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: مِمّا يَأْخُذُونَ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ: وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِإخْبارِ كِتابِهِمْ، ولِذَلِكَ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: حِينَ أخَذُوا ما يُشْقِيهِمْ ويَفْنى بَدَلًا مِمّا يُسْعِدُهم ويَبْقى، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِالخِطابِ يَكُونُ المُرادُ الإعْلامَ بِتَناهِي الغَضَبِ.
الأعراف 7:170
ولَمّا بَيَّنَ ما لِلْمُفْسِدِينَ مِن كَوْنِهِمْ قالُوا عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ فَلا يُغْفَرُ لَهُمْ، بَيَّنَ ما لِلصّالِحِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] فَقالَ عاطِفًا عَلى تَقْدِيرِهِ: أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم فِيما (p-١٤٩)دَرَسُوا مِنَ الكِتابِ، ولا يُغْفَرُ لَهم ما أتَوْا مِنَ الفَسادِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ أيْ: يُمْسِكُونَ إمْساكًا شَدِيدًا يَتَجَدَّدُ عَلى [كُلِّ] وجْهٍ الِاسْتِمْرارُ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِالسُّنَّةِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ لا سِيَّما عِنْدَ ظُهُورِ الفَسادِ ﴿بِالكِتابِ﴾ أيْ: فَلا يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، ومِن جُمْلَةِ تَمْسِيكِهِمْ المُتَجَدِّدِ انْتِقالُهم عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ عِنْدَ إتْيانِ النّاسِخِ؛ لِأنَّهُ ناطِقٌ بِذَلِكَ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ مِن تَمْسِيكِهِمْ بِالكِتابِ عِنْدَ نُزُولِ هَذا الكَلامِ انْتِقالَهم عَنْ دِينِهِمْ إلى الإسْلامِ كَما وقَعَ الأمْرُ بِهِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيانُها، عَبَّرَ عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ المَعْهُودَةِ لَهم بِلَفْظِ الماضِي دُونَ المُضارِعِ لِئَلّا يَجْعَلُوهُ حُجَّةً في الثَّباتِ عَلى دِينِهِمْ. فَيُفِيدُ ضِدَّ المُرادِ فَقالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ وخَصَّها إشارَةً إلى أنَّ الأوَّلِينَ تَرَكُوها كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةِ مَرْيَمَ، وتَنْوِيهًا بِشَأْنِها بَيانًا لِأنَّها مِن أعْظَمِ شَعائِرِ الدِّينِ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ إخْبارًا عَنِ المُبْتَدَإ: سَنُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم لِإصْلاحِهِمْ، وضَعَ مَوْضِعَهُ لِلتَّعْمِيمِ قَوْلَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾
الأعراف 7:171
ولَمّا ذَكَرَ الكِتابُ أنَّهُ رَهَّبَهم مِن مُخالَفَتِهِ ورَغَّبَهم في مُؤالَفَتِهِ، وكانَ عَذابُ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلًا وغائِبًا، وكانَ ما هَذا شَأْنُهُ يُؤَثِّرُ في الجامِدِينَ، أمَرَهُ أنْ يُذَكِّرَهم بِتَرْهِيبٍ دُنْيَوِيٍّ مَضى إيقاعُهُ بِهِمْ، لِيَأْخُذُوا مَواثِيقَ الكِتابِ لِغايَةِ الجِدِّ مَعَ أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا عُلَماؤُهُمْ، فَيَكُونُ (p-١٥٠)عِلْمُ الأُمِّيِّ لَهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ الظّاهِرَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا، فَإنْ لَمْ يَتَّعِظُوا اذْكُرْ لَهم إذْ ﴿نَتَقْنا﴾ أيْ: قَلَعْنا ورَفَعْنا، [و] أتى بِنُونِ العَظَمَةِ لِزِيادَةِ التَّرْهِيبِ ﴿الجَبَلَ﴾ عَرَّفَهُ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، [وعَبَّرَ لِدَلالَةِ لَفْظِهِ عَلى الصُّعُوبَةِ والشِّدَّةِ دُونَ الطُّورِ - كَما في البَقَرَةِ - لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ نَكَدِهِمْ بِإسْراعِهِمْ في المَعاصِي الدّالَّةِ عَلى غِلَظِ القَلْبِ].
ولَمّا كانَ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الجِهَةِ المُوازِيَةِ لِعَساكِرِهِمْ، حَذَفَ الجارَّ فَقالَ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ [ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِنهم بِقَوْلِهِ:] ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أيْ: سَقْفٌ، وحَقَّقَ أنَّهُ صارَ عَلَيْهِمْ مُوازِيًا لَهم مِن جِهَةِ الفَوْقِ كالسَّقْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا﴾ هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿أنَّهُ واقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ قَدْ حَقَّقَ العُلُوَّ، لَمْ يَحْتَجْ إلى حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى السُّرْعَةِ واللُّصُوقِ: ﴿بِهِمْ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَأْخُذُوا عُهُودَ التَّوْراةِ، قالُوا: ولَمّا رَأوْا ذَلِكَ خَرَّ كُلٌّ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، وصارَ يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَزَعًا مِن سُقُوطِهِ، وهي سُنَّةٌ لَهم في سُجُودِهِمْ إلى الآنِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالُوا: أخَذْنا يا رَبِّ عُهُودَكَ، قالَ مُشِيرًا إلى عَظَمَتِهِ لِيَشْتَدَّ إقْبالُهم عَلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ عِلَّةُ رَفْعِ الجَبَلِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، فَهو جَدِيرٌ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ وأنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الكَمالُ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: عَزْمٍ عَظِيمٍ عَلى احْتِمالِ (p-١٥١)مَشاقِّهِ؛ ولَمّا كانَ الأخْذُ لِلشَّيْءِ بِقُوَّةٍ رُبَّما نَسِيَهُ في وقْتٍ، قالَ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيْ: [مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وغَيْرِهِما] فَلا تَنْسَوْهُ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى تَقْواهُ، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى تَأْكِيدِ المَواثِيقِ عَلَيْهِمْ في أخْذِ جَمِيعِ ما في الكِتابِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ألّا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ولا تَكْتُمُوا شَيْئًا مِنهُ، قالُوا: ولَمّا قَرَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ [الألْواحَ وفِيها كِتابُ اللَّهِ لَمْ يَبْقَ عَلى الأرْضِ شَجَرٌ ولا جَبَلٌ ولا حَجَرٌ إلّا اهْتَزَّ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْمَعُ التَّوْراةَ إلّا اهْتَزَّ وانْقَضَّ رَأْسُهُ].
الأعراف 7:172
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ألْزَمَهم أحْكامَ الكِتابِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ القاهِرَةِ المُلْجِئَةِ القاسِرَةِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ المَواثِيقِ عِنْدَ أهْلِ الأخْذِ وأنَّهُ أكَّدَ عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في كَثِيرٍ مِن فُصُولِ الكِتابِ، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ خاصًّا بِهِمْ؛ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لَهم أنَّهُ رَكَّبَ لَهم في عُمُومِ هَذا النَّوْعِ الآدَمِيِّ مِنَ العُقُولِ ونَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ المُوَضِّحَةِ لِلْأمْرِ إيضاحَ المَشْهُودِ لِلشّاهِدِ ما لَوْ عُذِّبَ تارِكُهُ والمُتَهاوِنُ بِهِ لَكانَ تَعْذِيبُهُ جارِيًا عَلى المَناهِجِ مُلائِمًا لِلْعُقُولِ، ولَكِنَّهُ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ وغَلَبَةِ رَأْفَتِهِ لَمْ يُؤاخِذْ بِذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ الرُّسُلَ، وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكُتُبَ، وأكْثَرَ فِيها مِنَ المَواثِيقِ، وزادَ في الكَشْفِ والبَيانِ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ، فَكَأنَّ مَن عِنْدِهِ عِلْمٌ أشَدُّ مَلامَةً مِنَ الجاهِلِ، فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم إذْ ﴿أخَذَ﴾ أيْ: خَلَقَ بِقَوْلِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنُ (p-١٥٢)إلَيْكَ بِالتَّمْهِيدِ لِرِسالَتِكَ كَما يُؤْخَذُ القُمَّلُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لَأخْذِ المَواثِيقِ والأخْذِ بِقُوَّةٍ، ذَكَرَ أخْذَ الذُّرِّيَّةِ مِن أقْوى نَوْعَيِ الآدَمِيِّ، وهُمُ الذُّكُورُ فَقالَ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾ وذَكَرَ أنَّهُ جَعَلَها مِن أمَتْنِ الأعْضاءِ فَقالَ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِن ظَهْرِ أبِيهِ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ [لَمّا] أكَّدَ عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ وشَدَّدَها لَهم [وأمَرَهُمْ] بِالقُوَّةِ في أمْرِها، أعْطاهم مِنَ القُوَّةِ في التَّرْكِيبِ والمِزاجِ ما يَكُونُونَ بِهِ مُطِيعِينَ لِذَلِكَ، فَهو تَكْلِيفٌ بِما في الوُسْعِ، وجَعَلَ لَهم عُقُولًا عِنْدَ مَن قالَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ كَنَمْلَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أوْضَحَ لَهم مِنَ البَراهِينِ مِنَ الإنْعامِ بِالعُقُولِ مَعَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما عَلى هَذا المِنوالِ الشّاهِدِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، ومِن إرْسالِ الرُّسُلِ المُؤَيَّدِينَ بِالمُعْجِزاتِ ما كانُوا كالشُّهُودِ بِأنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ [وقَدْ ذَكَرَ مَعْنى هَذا الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في الكَلامِ عَلى العَقْلِ مِن بابِ العِلْمِ مِنَ الإحْياءِ؛ فَإنَّهُ قالَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ إقْرارُ نُفُوسِهِمْ، لا إقْرارُ الألْسِنَةِ، فَإنَّهُمُ انْقَسَمُوا في إقْرارِ الألْسِنَةِ حَيْثُ (p-١٥٣)وُجِدَتِ الألْسِنَةُ والأشْخاصُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ النُّفُوسَ فُطِرَتْ عَلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ لِقُرْبِ الِاسْتِعْدادِ لِلْإدْراكِ].
ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ فَرْدٌ لا شَرِيكَ لَهُ فَلا رادَّ لِأمْرِهِ، وأنَّهُ رَبٌّ فَلا أرْأفَ مِنهُ ولا أرْحَمَ، كانَ ذَلِكَ أدْعى إلى طاعَتِهِ خَوْفًا مِن سَطْوَتِهِ ورَجاءً لِرَحْمَتِهِ، فَكانُوا بِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن سُئِلَ عَنِ الحَقِّ فَأقَرَّ بِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِالخَلْقِ والتَّرْبِيَةِ بِالرِّزْقِ وغَيْرِهِ ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ أيْ: كانَ عِلْمُنا بِذَلِكَ عِلْمًا شُهُودِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّهم وصَلُوا بَعْدَ البَيانِ إلى حَدٍّ لا يَكُونُ فِيهِ الجَوابُ إلّا ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوهُ؛ فَهو - واللَّهُ أعْلَمُ [مِن] وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] الآيَةَ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: دَلالَةً عَلى أنَّ المُتَقَدِّمَ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ يَجْعَلُ تَمْكِينَهم مِنَ الِاسْتِدْلالِ كالإشْهادِ، فَعَلَهُ كَراهَةَ ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُنْصَبْ لَهُمُ الأدِلَّةُ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أيْ: وحْدانِيَّتِكَ ورُبُوبِيَّتِكَ ﴿غافِلِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ الأدِلَّةِ فَلِذَلِكَ أشْرَكْنا
الأعراف 7:173
﴿أوْ تَقُولُوا﴾ أيْ: لَوْ لَمْ نُرْسِلْ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُوجَدَ (p-١٥٤)﴿وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ لَنا مُرَبِّيًا غَيْرَهم فَكُنّا لَهم تَبَعًا فَشَغَلَنا اتِّباعُهم عَنِ النَّظَرِ ولَمْ يَأْتِنا رَسُولٌ مُنَبِّهٌ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ إنْكارُهم في قَوْلِهِمْ: ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: مِن آبائِنا؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والمَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ: إحْداهُما: ”كُنّا غافِلِينَ“ والأُخْرى: ”كُنّا تَبَعًا لِأسْلافِنا“ فَكَيْفَ والذَّنَبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا - انْتَهى.
ومِمّا يُؤَيِّدُ مَعْنى التَّمْثِيلِ حَدِيثُ أنَسٍ في الصَّحِيحِ: «يَقُولُ اللَّهُ لِأهْوَنِ أهْلِ النّارِ عَذابًا: لَوْ أنَّ لَكَ ما في الأرْضِ مِن شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَقَدْ سَألْتُكَ ما هو أهْوَنُ مِن هَذا وأنْتَ في صُلْبِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ شَيْئًا، فَأبَيْتَ إلّا الشِّرْكَ» وذَلِكَ لِأنَّ التَّصْرِيحَ بِالآباءِ يُنافِي كَوْنَ الإقْرارِ عَلى حَقِيقَتِهِ، والأخْذُ وهو في الصُّلْبِ إنَّما هو بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وتَقْرِيرِ الحَقِّ عَلى وجْهٍ مُهَيِّئٍ لِلِاسْتِدْلالِ بِتَرْكِيبِ العَقْلِ عَلى القانُونِ المُوصِلِ إلى المَقْصُودِ عِنْدَ التَّخَلِّي مِنَ الحُظُوظِ والشَّوائِبِ، وهَذا الَّذِي وقَعَ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِهِ لا يُعارِضُهُ حَدِيثُ الِاسْتِنْطاقِ في عالَمِ الذَّرِّ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ فَإنَّهُ رُوِيَ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا ذَكَرْتُها في كِتابِي: سِرُّ الرُّوحِ، مِنها في المُوَطَّأِ ومُسْنَدِ أحْمَدَ وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ ومُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ وأبِي يَعْلى المَوْصِلِيِّ ومُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ وكِتابِ المِائَتَيْنِ لِأبِي عُثْمانَ (p-١٥٥)الصّابُونِيِّ عَنْ صَحابَةٍ وتابِعِينَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا، مِنهم عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأبِي العالِيَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وإنَّما كانَ لا يُعارِضُهُ لِأنَّ في بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ أنِ اسْتَنْطَقَهُمْ: ”فَإنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ، وأُشْهِدُ عَلَيْكم أباكم آدَمَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، فَلا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإنِّي أُرْسِلُ إلَيْكم رُسُلِي يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي ومِيثاقِي، وأُنْزِلُ عَلَيْكم كُتُبِي، فَقالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا، لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ“ فالِاسْتِنْطاقُ في الحَدِيثِ عَلى بابِهِ، عِبْرَةً لِأبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن حَضَرَ ذَلِكَ مِنَ الخَلْقِ، وإيقافًا لَهم عَلى بَدِيعِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ عِلْمِهِ، وإشْهادُ ما أُشْهِدَ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِمَعْنى أنَّهُ نَصَبَ فِيها مِنَ الأدِلَّةِ ما يَكُونُ إقامَةُ الحُجَّةِ بِهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْضِ إنْ أشْرَكُوا كَشَهادَةِ الشّاهِدِ الَّذِي لا يُرَدُّ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ما يُنافِي هَذا؛ والحاصِلُ أنَّهُ أُخِذَ عَلَيْنا عَهْدانِ: أحَدُهُما حالِيٌّ تُهْدى إلَيْهِ العُقُولُ، وهو نَصْبُ الأدِلَّةِ، والآخَرُ مَقالِيٌّ أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، كُلُّ ذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهَذا النَّوْعِ البَشَرِيِّ لِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ الكَرِيمِ ويُرادُ بِهِ مِن (p-١٥٦)الأمْرُ العَظِيمُ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الأعراف 7:174
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ هَذِهِ الآياتِ: انْظُرْ كَيْفَ فَصَّلْنا هَذِهِ الآياتِ هَذِهِ التَّفاصِيلَ الفائِقَةَ وأبْرَزْناها في هَذِهِ الأسالِيبِ الرّائِقَةِ، قالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: كُلَّها لِئَلّا يُواقِعُوا ما لا يَلِيقُ بِجانِبِنا جَهْلًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنِ الضَّلالِ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الهُداةُ مِنَ الكَمالِ عَنْ قُرْبٍ إنْ حَصَلَتْ غَفْلَةٌ فَواقَعُوهُ، وذَلِكَ مِن أدِلَّةِ ﴿والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] و﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] و: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]
الأعراف 7:175
ولَمّا ذَكَرَ لَهم ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ المِيثاقِ الخاصِّ الَّذِي انْسَلَخُوا مِنهُ، وأتْبَعَهُ المِيثاقَ العامَّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الأعْذارَ، أتْبَعَهُما بَيانَ ما يَعْرِفُونَهُ مِن حالِ مَنِ انْسَلَخَ مِنَ الآياتِ، فَأسْقَطَهُ اللَّهُ مِن دِيوانِ السُّعَداءِ، فَأمَرَهُ ﷺ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ - مَعَ الوَفاءِ بِتَبْكِيتِهِمْ - مِن أدِلَّةِ نُبُوَّتِهِ المُوجِبَةِ عَلَيْهِمُ اتِّباعَهُ، فَذَكَّرَهُ ما وقَعَ لَهُ في نَبْذِ العَهْدِ والِانْسِلاخِ مِنَ المِيثاقِ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ أُعْطِيَ الآياتِ وأُفْرِغَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿واتْلُ﴾ أيِ: اقْرَأْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: اليَهُودِ وسائِرِ الكُفّارِ بَلِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ ﴿نَبَأ الَّذِي﴾ وعَظَّمَ ما أعْطاهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ ولَفْظِ الإيتاءِ بَعْدَ ما عَظَّمَ خَبَرَهُ بِلَفْظِ الإنْباءِ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ﴾ (p-١٥٧)ولَمّا كانَ تَعالى قَدْ أعْطاهُ مِن إجابَةِ الدُّعاءِ وصِحَّةِ الرُّؤْيا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شاءَ سُبْحانَهُ أمْرًا عَظِيمًا بِحَيْثُ دَلَّهُ تَعالى دَلالَةً لا شَكَّ فِيها، وكانَتِ الآياتُ كُلُّها مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ وإنْ كانَ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، قالَ تَعالى: ﴿آياتِنا﴾ وهو بِلْعامُ مِن غَيْرِ شَكٍّ لِلسِّباقِ واللَّحاقِ، وقِيلَ: وهو رَجُلٌ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ فَرَشاهُ فَتَبِعَ دِينَهُ فافْتُتِنَ بِهِ النّاسُ، وقِيلَ: هو «أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ”آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ“» قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الفاسِقَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَأنْكَرُوهُ.
ولَمّا كانَ الَّذِي جَرَّأهم عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن إعْطاءِ الكِتابِ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ لا يُشْقِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، رَهَّبَهم بِبَيانِ أنَّ الَّذِي سَبَّبَ لَهُ هَذا الشَّقاءَ هو إيتاءُ الآياتِ فَقالَ: ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ أيْ: فارَقَها بِالكَيْلَةِ كَما تَنْسَلِخُ الحَيَّةُ مِن قِشْرِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ لَمّا كانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ سَألَهُ مَلِكُ زَمانِهِ الدُّعاءَ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ فامْتَنَعَ فَلَمْ يَزَلْ يُرَغِّبُهُ حَتّى خالَفَ أمْرَ اللَّهِ اتِّباعًا لِهَوى نَفْسِهِ، فَتَمَكَّنَ مِنهُ الشَّيْطانِ وأشارَ عَلَيْهِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمُ النِّساءَ مُزَيَّناتٍ ويَأْمُرَهُنَّ أنْ لا يَمْتَنِعْنَ مِن أحَدٍ، فَأشْقاهُ اللَّهُ، وهَذا مَعْنى: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: فَأدْرَكَهُ مَكْرُهُ فَصارَ قَرِينًا لَهُ (p-١٥٨)﴿فَكانَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إدْراكِ الشَّيْطانِ لَهُ أنْ كانَ ﴿مِنَ الغاوِينَ﴾ أيِ: الضّالِّينَ الرّاكِبِينَ هَوى نُفُوسِهِمْ، وعَبَّرَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتْلُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] دُونَ ﴿واسْألْهم عَنِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] نَحْوَ ما مَضى في القَرْيَةِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِمّا يُحِبُّونَ ذِكْرَهُ لِأنَّ سَلْخَهُ مِنَ الآياتِ كانَ لِأجْلِهِمْ، فَهو شَرَفٌ لَهُمْ، فَلَوْ سَألَهم عَنْهُ لَبادَرُوا إلى الإخْبارِ بِهِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا فَلا تَكُونُ تِلاوَتُهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لِما أُنْزِلَ في شَأْنِهِ واقِعًا مَوْقِعَ ما لَوْ أخْبَرَهم بِهِ قَبْلُ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها الِاسْتِدْلالُ عَلى كَذِبِ دَعْواهم في قَوْلِهِمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩] بِما هم قائِلُونَ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الإلْزامِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ قائِلُونَ بِأنَّ مَن أشْرَكَ لا يُغْفَرُ لَهُ لِتَرْكِهِ ما نُصِبَ لَهُ مِنَ الأدِلَّةِ حَتّى إنَّكم لَتَقُولُونَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] لِذَلِكَ، فَما لَكم تُوَسِّعُونَ المَغْفِرَةَ لَكم في تَرْكِ ما أُخِذَ عَلَيْكم بِهِ المِيثاقُ الخاصُّ وقَدْ ضَيَّقْتُمُوها عَلى غَيْرِكم في تَرْكِ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِهِ المِيثاقُ العامُّ؟ ما ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ هَوًى، فَإنْ قُلْتُمُ: الأمْرُ في أصْلِ التَّوْحِيدِ أعْظَمُ فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ، قِيلَ لَكُمْ: ألَيْسَ المَعْبُودُ قَدْ حَرَّمَ الجَمِيعَ؟ وعَلى التَّنَزُّلِ فَمِنَ المَسْطُورِ في كِتابِكم أمْرُ بِلْعامَ وأنَّهُ ضَلَّ، وقَدْ كانَ أعْظَمَ مِن أحْبارِكُمْ، فَإنّا آتَيْناهُ الآياتِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ رَسُولٍ، وكانَ سَبَبُ هَلاكِهِ - كَما تَعْلَمُونَ - وخُرُوجِهِ مِن رِبْقَةِ الدِّينِ وإحْلالِهِ دَمَهُ مَشُورَتَهُ عَلى مَلِكِ زَمانِهِ بِأنْ يُرْسِلَ (p-١٥٩)النِّساءَ إلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ مُتَزَيِّناتٍ غَيْرَ مُمْتَنِعاتٍ مِمَّنْ أرادَهُنَّ، وذَلِكَ مِنَ الفُرُوعِ الَّتِي هي أخَفُّ مِن بابِ الأمْوالِ، فَقَدْ بُحْتُمْ كَذِبَكم في قَوْلِكُمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وأنَّكم لَمْ تَتَّبِعُوا فِيهِ إلّا الهَوى كَما تَبِعَهُ بِلْعامُ فانْظُرُوا ما فُعِلَ بِهِ.
الأعراف 7:176
ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ مُوهِمًا لِمَن لَمْ يَرْسَخْ قَدَمُهُ في الإيمانِ أنَّ الشَّيْطانَ لَهُ تَأْثِيرٌ مُسْتَقِلٌّ في الإغْواءِ، نَفى ذَلِكَ غَيْرَةً عَلى هَذا المَقامِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿ولَوْ شِئْنا﴾ أيْ: أنْ نَرْفَعَهُ بِها عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي مَن دَنا ساحَتَها بِغَيْرِ إذْنٍ مُحِقَ ﴿لَرَفَعْناهُ﴾ أيْ: في المَنزِلَةِ رِفْعَةً دائِمَةً ﴿بِها﴾ أيِ: الآياتِ حَتّى لا يَزالَ عامِلًا بِها.
ولَمّا عَلَّقَ الأمْرَ بِالمَشِيئَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ وأنَّ ما لَمْ يَشَأْهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ، وكانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ وشِئْنا لَهُ الكُفْرَ فَأخْلَدْناهُ - إلى آخِرِهِ، عَبَّرَ عَنْهُ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ في إسْنادِ الخَيْرِ إلى اللَّهِ والشَّرِّ إلى غَيْرِهِ وإنْ كانَ الكُلُّ خَلْقَهُ حِفْظًا - لِعُقُولِ الضُّعَفاءِ مِن إيهامِ نَقْصٍ أوْ إدْخالِ لَبْسٍ بِقَوْلِهِ مُسْنِدًا نَقْصَهُ إلَيْهِ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ﴾ أيْ: فَعَلَ فِعْلَ مَن أوْقَعَ الخُلْدَ - وهو الدَّوامُ - وأوْجَدَهُ ﴿إلى الأرْضِ﴾ أيْ: رَمى بِنَفْسِهِ إلى الدُّنْيا رَمْيًا، تَهالُكًا عَلى ما فِيها مِنَ المَلاذِّ الحَيَوانِيَّةِ والشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿واتَّبَعَ﴾ أيِ: اتِّباعًا شَدِيدًا (p-١٦٠)﴿هَواهُ﴾ فَأعْرَضَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ مُقَدِّمًا لِداعِي نَفْسِهِ عَلى داعِي رُوحِهِ؛ لِأنَّ القَلْبَ الَّذِي هو نَتِيجَتُهُما في عالَمِ الأمْرِ لَهُ وجْهانِ: وجْهٌ إلى الرُّوحِ العُلْوِيِّ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو الأبُ، ولَهُ الذُّكُورَةُ المُناسِبَةُ لِلْعُلُوِّ؛ ووَجْهٌ إلى النَّفْسِ الَّتِي هي الرُّوحُ الحَيَوانِيُّ الَّتِي هي الأُمُّ ولَها المُناسَبَةُ لِلْأرْضِ بِالأُنُوثَةِ وبِأنَّ أصْلَها مِنَ التُّرابِ الَّذِي لَهُ الرُّسُوبُ بِوَضْعِ الجِبِلَّةِ؛ فالتَّقْدِيرُ: فَحَطَّ نَفْسَهُ حَطًّا عَظِيمًا، لِأنّا لَمْ نَشَأْ رَفْعَهُ بِما أعْطَيْناهُ مِنَ الآياتِ، وإنَّما جَعَلْناهُ وبالًا عَلَيْهِ، فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِما أُوتِيَ مِنَ المَعارِفِ، وما حازَ مِنَ المَفاخِرِ واللَّطائِفِ؛ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالخَواتِيمِ، ولَنا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ نَفْعَلَ ما نَشاءُ.
ولَمّا كانَ هَذا حالَهُ، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيْ: مَعَ ما أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ في اتِّباعِهِ لِمُجَرَّدِ هَواهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ بَعْدَ الأمْرِ بِمُخالَفَةِ الهَوى ﴿كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ: في حالِ دَوامِ اللَّهْثِ.
ولَمّا كانَ [كَأنَّهُ] قِيلَ: مَثَلُهُ في أيِّ أحْوالِهِ؟ قالَ: في كَوْنِهِ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: لِتَضْرِبَهُ ﴿يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فَإنْ أوْجَبَ لَكَ الحَمْلُ عَلَيْهِ ظَنَّ أنَّ لَهْثَهُ لَمّا حاوَلَ مِن ذَلِكَ التَّعَبِ رَدَّكَ عَنْهُ لَهْثُهُ في الدَّعَةِ، فَتَعْلَمُ حِينَئِذِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ إلّا اتِّباعُ الهَوى، فَتابِعُ الهَوى مِثْلُ الكَلْبِ كَما بَيَّنَ، ومِثالُ هَذا المُنْسَلِخِ الجاهِلِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَّبِعَ غَيْرَ الهَوى؛ لِأنَّهُ يَتَّبِعُ الهَوى مَعَ إيتاءِ الآياتِ فَبَعْدَ الِانْسِلاخِ مِنها أوْلى، فَقَدْ وضَحَ تَشْبِيهُ مِثْلِهِ بِمَثَلِ الكَلْبِ، لا تَشْبِيهَ مِثْلِهِ بِالكَلْبِ؛ وهَذِهِ القِصَّةُ تَدُلُّ عَلى (p-١٦١)أنَّ مَن كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ في حَقِّهِ أكْثَرَ، كانَ بُعْدُهُ عَنِ اللَّهِ إذا أعْرَضَ عَنْهُ أعْظَمَ وأكْبَرَ.
ولَمّا تَقَرَّرَ المَثَلانِ، وكانَ كُلٌّ مِنهُما مُنْطَبِقًا عَلى حالَةِ كُلِّ مُكَذِّبٍ، كانَتِ النَّتِيجَةُ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: كُلٌّ مِنَ المَثَلَيْنِ ﴿مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيِ: الأقْوِياءِ ما يُحاوِلُونَهُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: في أنَّ تَرْكَهم لَها إنَّما هو بِمُجَرَّدِ الهَوى؛ لِأنَّ لَها مِنَ الظُّهُورِ والعَظَمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا ما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ أيْ: فَأخْبِرِ الإخْبارَ العَظِيمَ الَّذِي تَتَبَّعْتَ بِهِ مَواقِعَ الوَقائِعِ وآثارَ الأعْيانِ حَتّى لَمْ تَدَعْ في شَيْءٍ مِنها لَبْسًا عَلى كُلِّ مَن يَسْمَعُ لَكَ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، وهو مَصْدَرُ قَصَّ الشَّيْءِ - إذا تَبِعَ أثَرَهُ واسْتَقْصى في ذَلِكَ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى تَفَكُّرُهُ في هَذِهِ الآياتِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَأْتِي بِمِثْلِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ النّاسِ إلّا نَبِيٌّ فَيَرُدُّهم ذَلِكَ إلى الصَّوابِ حَذَرًا مِن مِثْلِ حالِ هَذا.
الأعراف 7:177
ولَمّا ظَهَرَ بِهَذا أنَّ مَثَلَ الكَلْبِ الَّذِي اكْتَسَبَ مِن مَمْثُولِهِ مِنَ السُّوءِ والقَذارَةِ ما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى مَثَلَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَأْكِيدًا لِذَمِّهِمْ وزَجْرِهِمْ: ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾ أيْ: مَثَلَ القَوْمِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ دَرْكٌ في فِعْلِهِمْ أنْ لا تَنَزَّلَ هَذا المَثَلُ عَلَيْهِمْ لَكانَ أعْظَمَ زاجِرًا لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا عَمّا (p-١٦٢)لِمَن يَتْبَعُها مِنَ العَظَمَةِ إلى ما ظَهَرَ بِهَذا المَثَلِ مِنَ الخِسَّةِ، فَكَيْفَ وهم يَضُرُّونَ أنْفُسَهم بِذَلِكَ ولا يَضُرُّونَ إلّا إيّاها، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: كانَ ذَلِكَ في طَبْعِهِمْ جِبِلَّةً لَهُمْ، لا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلى تَغْيِيرِهِ.
الأعراف 7:178
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحَلَّ عَجَبٍ مِمَّنْ يَمِيلُ عَنِ المَنهَجِ بَعْدَ إيضاحِهِ هَذا الإيضاحَ الشّافِيَ، قالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ؟ مُفَصِّلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالِكٌ بِالفِسْقِ ونَقْضِ العَهْدِ، وحَّدَ ﴿المُهْتَدِي﴾ نَظَرًا إلى لَفْظِ: ﴿مَن﴾ وجَمَعَ الضّالَّ نَظَرًا إلى مَعْناها فَقالَ: ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الخاسِرُونَ﴾ إذْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ أصْلًا، والآيَةُ مِن فَذْلَكَةِ ما مَضى، وما أحْسَنَ خَتْمَها بِالخُسْرانِ في وعْظِ مَن تَرَكَ الآخِرَةَ بِإقْبالِهِ عَلى أرْباحِ الدُّنْيا وأعْراضِها الفانِيَةِ، ثُمَّ تَعْقِيبَها بِذَرْءِ جَهَنَّمَ الَّذِينَ لا أخْسَرَ مِنهم.
ذِكْرُ قِصَّةِ بِلْعامَ مِنَ التَّوْراةِ - قالَ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها بَعْدَ أنْ ساقَ قِتالَهم لِسَيْحُونَ مَلِكِ الأمُورانِيِّينَ: وفَرِقَ المُؤابِيُّونَ مِنَ الشَّعْبِ (p-١٦٣)فَرَقًا شَدِيدًا؛ لِأنَّهم رَأوْهُ شَعْبًا عَظِيمًا، فاضْطَرَبَ المُؤابِيُّونَ ورَجَفَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ مَلِكُ مُؤابَ لِأشْياخِ مَدْيَنَ: اعْلَمُوا أنَّ هَذا الجَمْعَ يَرْتَعِي حَرْثَنا، ولا يَدَعُ أحَدًا إلّا أهْلَكَهُ، ويَرْتَعِي كُلَّ مَن حَوْلِنا كَما يَرْتَعِي الثَّوْرُ عُشْبَ الأرْضِ، وكانَ مَلِكُ المُؤابِيِّينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بالاقِ بْنِ صَفُورَ، فَأرْسَلَ رُسُلًا إلى بِلْعامَ بْنِ بَعُورَ العَرّافِ المُعَبِّرِ لِلْأحْلامِ الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ قَرِيبًا مِن أرْضِ بَنِي عَمُونَ لِيَدْعُوَهُ إلَيْهِ فَيَسْتَعِينُ بِهِ: أُخْبِرُكَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ شَعْبٌ مِن أرْضِ مِصْرَ، فَغَشّى وجْهَ الأرْضِ كُلَّها، وقَدْ نَزَلُوا جِبالَنا، فَأطْلُبُ إلَيْكَ أنْ تَأْتِيَ وتَلْعَنَ هَذا الشَّعْبَ لِأنَّهُ أقْوى وأعَزُّ مِنّا، لَعَلَّنا نَقْدِرُ أنْ نُحارِبَهُ ونُهْلِكَهُ عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ، لِأنِّي عارِفٌ أنَّ الَّذِي تُبارِكُهُ هو مُبارَكٌ، والَّذِي تَلْعَنُهُ هو مَلْعُونٌ، وانْطَلَقَ أشْياخُ مُؤابَ وأشْياخُ مَدْيَنَ ومَعَهم هَدايا وجَوائِزُ، فَأتَوْا بِلْعامَ فَقالُوا لَهُ قَوْلَ بالاقَ، فَقالَ لَهُمْ: بَيِّتُوا هاهُنا لَيْلَتَكم هَذِهِ فَأخْبَرَكم بِما يَقُولُ الرَّبُّ، فَأقامَ أشْرافُ مُؤابَ عِنْدَ بِلْعامَ، فَأتى مَلَكُ اللَّهِ بِلْعامَ وقالَ لَهُ: مَنِ القَوْمُ الَّذِينَ أتَوْكَ؟ قالَ بِلْعامُ لِلْمَلاكِ: بالاقُ بْنُ صَفُورَ مَلِكُ مُؤابَ أرْسَلَ إلَيَّ وقالَ: قَدْ خَرَجَ شَعْبٌ مِن أرْضِ مِصْرَ فَمَلَأ وجْهَ الأرْضِ، فَأقْبِلْ إلَيْنا حَتّى تَلْعَنَهُ، لَعَلِّي أقْدِرُ أنْ أُجاهِدَهُ وأُهْلِكَهُ، وقالَ المَلاكُ لِبِلْعامَ: لا تَنْطَلِقْ مَعَ القَوْمِ ولا تَلْعَنِ الشَّعْبَ؛ لِأنَّهُ مُبارَكٌ، فَقالَ بِلْعامُ بُكْرَةً لِعُظَماءِ (p-١٦٤)بالاقَ: انْطَلِقُوا إلى صاحِبِكُمْ؛ لِأنَّ الرَّبَّ لَمْ يُحِبَّ أنْ يَدَعَنِي أنْطَلِقُ مَعَكُمْ، ونَهَضَ عُظَماءُ مُؤابَ فَأتَوْا بالاقَ وقالُوا لَهُ: لَمْ يَهْوَ بِلْعامُ إتْيانَكَ مَعَنا، فَعادَ بالاقُ أيْضًا فَأرْسَلَ رُسُلًا أعْظَمَ وأكْرَمَ مِنَ الأوَّلِينَ، [فَأتَوْا بِلْعامَ وقالُوا لَهُ: هَكَذا يَقُولُ بالاقُ بْنُ صَفُورَ: لا تَمْتَنِعْ أنْ تَأْتِيَنِي] لِأنِّي سَأُعَظِّمُكَ وأُكْرَمُكَ جِدًّا، وما قُلْتَ لِي مِن شَيْءٍ فَعَلْتُ، وأقْبِلْ إلَيْنا [لِتَلْعَنَ لِي] هَذا الشَّعْبَ، فَرَدَّ بِلْعامُ عَلى رُسُلِ بالاقَ قائِلًا: لَوْ أنَّ بالاقَ أعْطانِي مِلْءَ بَيْتِهِ ذَهَبًا وفِضَّةً لَمْ أقْدِرْ أنْ أتَعَدّى قَوْلَ رَبِّي وإلَهِي، ولا أحِيدَ عَنْ قَوْلٍ صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ مِن أقْوالِهِ، فَعَرِّجُوا أنْتُمْ أيْضًا عِنْدَنا لَيْلَتَكم هَذِهِ حَتّى أنْظُرَ ما يُخْبِرُنِي مَلاكُ اللَّهِ مِن أمْرِكُمْ، فَنَزَلَ وحْيُ اللَّهِ عَلى بِلْعامَ لَيْلًا، وقالَ لَهُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ القَوْمُ إنَّما أتَوْكَ لِيَدْعُوكَ فَقُمْ فانْطَلِقْ مَعَهُمْ، ولَكِنْ إيّاكَ أنْ تَعْمَلَ إلّا ما أقُولُ. فَنَهَضَ بِلْعامُ بُكْرَةً وأسْرَجَ أتانَهُ وانْطَلَقَ مَعَ عُظَماءِ مُؤابَ، فَقامَ مَلاكُ الرَّبِّ في الطَّرِيقِ لِيَكُونَ لَهُ لَدَدًا، فَرَأتِ الأتانُ مَلاكَ اللَّهِ قائِمًا في الطَّرِيقِ مُخْتَرِطًا سَيْفَهُ مُمْسِكَهُ في يَدِهِ، فَحادَتْ عَنِ الطَّرِيقِ وسارَتْ في الحَرْثِ، فَضَرَبَها بِلْعامُ لِيَرُدَّها إلى الطَّرِيقِ، فَقامَ مَلاكُ الرَّبِّ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ بَيْنَ كَرْمَيْنِ فَرَأتِ الأتانَةُ مَلَكَ الرَّبِّ فَزَحَمَتِ الحائِطَ وضَغَطَتْ رِجْلَ بِلْعامَ في (p-١٦٥)الحائِطِ، فَعادَ يَضْرِبُها أيْضًا، ثُمَّ عادَ مَلاكُ الرَّبِّ وقامَ في مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ حَيْثُ لَيْسَ لَها مَوْضِعٌ تَحِيدُ [مِنهُ] يَمْنَةً ولا يُسْرَةً، فَبَصُرَتْ بِمَلاكِ الرَّبِّ ورَبَضَتْ تَحْتَ بِلْعامَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ بِلْعامَ وضَرَبَ الأتانَ بِالعَصا، وفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأتانِ وقالَتْ لِبِلْعامَ: ما الَّذِي صَنَعْتُ بِكَ حَتّى ضَرَبْتَنِي ثَلاثَ مَرّاتٍ؟ قالَ بِلْعامُ: لِأنَّكِ زَرَيْتِ بِي، ولَوْ أنَّهُ كانَ في يَدِي سَيْفٌ كُنْتُ قَدْ قَتَلْتُكِ الآنَ، فَقالَتْ: ألَسْتُ أتانَتَكَ الَّتِي تَرْكَبُنِي مُنْذُ صِباكَ إلى اليَوْمِ؟ هَلْ صَنَعْتُ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ قَطُّ؟ قالَ لَها: لا. وجَلّى الرَّبُّ عَنْ بَصَرِ بِلْعامَ فَرَأى مَلَكَ اللَّهِ قائِمًا في الطَّرِيقِ مُخْتَرِطًا سَيْفَهُ مُمْسَكَهُ بِيَدِهِ، فَجَثا وخَرَّ عَلى وجْهِهِ ساجِدًا، فَقالَ لَهُ مَلاكُ الرَّبِّ: ما بالُكَ ضَرَبْتَ أتانَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ أنا الَّذِي خَرَجْتُ لِأكُونَ لَكَ لَدادًا، لِأنَّكَ أخَذْتَ في طَرِيقٍ خِلافًا لِأمْرِي، فَلَمّا رَأتْنِي الأتانُ حادَتْ عَنِّي ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولَوْ أنَّها لَمْ تَحِدْ عَنِّي كُنْتُ قَتَلْتُكَ وأبْقَيْتُ عَلَيْها، قالَ بِلْعامُ لِمَلاكِ الرَّبِّ: أسَأْتُ وأجْرَمْتُ، لَمْ أعْلَمْ أنَّكَ قائِمٌ بِإزائِي في الطَّرِيقِ، فالآنَ إنْ كانَ انْطِلاقِي مِمّا تَكْرَهُهُ رَجَعْتُ، قالَ مَلاكُ الرَّبِّ لِبِلْعامَ: انْطَلِقْ مَعَ القَوْمِ وإيّاكَ أنْ تَفْعَلَ شَيْئًا إلّا ما أقُولُ لَكَ! فانْطَلَقَ بِلْعامُ، فَسَمِعَ بالاقُ فَخَرَجَ لِيَتَلَقّاهُ وقالَ بالاقُ: لَمْ تَأْتِنِي؟ قالَ: قَدْ أتَيْتُكَ الآنَ، لَعَلَّكَ تَظُنُّ أنِّي أقْدِرُ أنْ أقُولَ شَيْئًا إلّا القَوْلَ الَّذِي (p-١٦٦)يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلى لِسانِي بِهِ أنْطِقُ، فَلَمّا كانَ الغَدُ عَمَدَ بالاقُ إلى بِلْعامَ وأصْعَدَهُ إلى بَيْتِ بَعْلٍ الصَّنَمِ، فَرَأى مِن هُناكَ أقاصِي مَنازِلِ شَعْبِ إسْرائِيلَ، وقالَ بِلْعامُ لِبالاقَ: ابْنِي لِي هاهُنا سَبْعَةَ مَذابِحَ، وهَيِّئْ لِي سَبْعَةَ ثِيرانٍ وسَبْعَةَ كِباشٍ، وفَعَلَ بالاقُ كَما قالَ لَهُ بِلْعامُ، ورَفَعَ بالاقُ الكِباشَ والثِّيرانَ عَلى المَذْبَحِ قُرْبانًا، وقالَ بِلْعامُ لِبالاقَ: قُمْ هاهُنا عِنْدَ قَرابِينِكَ حَتّى أنْطَلِقَ [أنا، لَعَلَّ الرَّبَّ يُوحِي إلَيَّ ما أهْواهُ، وأنا مُظْهِرٌ لَكَ ما يُوحِي بِهِ، فانْطَلَقَ] فَظَهَرَ اللَّهُ وألْهَمَهُ قَوْلًا وقالَ لَهُ: انْطَلِقْ إلى بالاقَ وقُلْ لَهُ هَذا القَوْلَ، فَأتاهُ وهو قائِمٌ عِنْدَ قَرابِينِهِ وجَمِيعُ قُوّادِ مُؤابَ مَعَهُ، ورَفَعَ بِلْعامُ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: ساقَنِي بالاقُ مَلِكُ المُؤابِيِّينَ مِن أرامَ الَّتِي في المَشْرِقِ، وقالَ لِي: أقْبِلْ حَتّى تَلْعَنَ يَعْقُوبَ وتُهْلِكَ آلَ إسْرائِيلَ، فَكَيْفَ ألْعَنُهُ ولَمْ يَلْعَنْهُ اللَّهُ، وكَيْفَ أُهْلِكُهُ والرَّبُّ لا يُرِيدُ هَلاكَهُ، رَأيْتُهُ مِن رُؤُوسِ الجِبالِ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ مِن فَوْقِ الآكامِ وإذا هو شَعْبٌ وحْدَهُ لا يُعَدُّ مَعَ الشُّعُوبِ، ومَن يَقْدِرُ يُحْصِي جَمِيعَ عَدَدِ يَعْقُوبَ، أوْ مَن يَقْدِرُ يُحْصِي عَدَدَ رُبْعِ بَنِي إسْرائِيلَ، تَمُوتُ نَفْسِي مَوْتًا ويَكُونُ آخِرِي إلى آخِرِهِمْ، قالَ بالاقُ لِبِلْعامَ: دَعْوَتُكَ لِتَلْعَنَ أعْدائِي (p-١٦٧)فَإذا أنْتَ تُبارِكُهم وتَدْعُو لَهُمْ، فَرَدَّ بِلْعامُ قائِلًا: الَّذِي يُلْهِمُنِي الرَّبُّ ويَجْرِي عَلى لِسانِي إيّاهُ أحْفَظُ، وبِهِ أنْطِقُ. قالَ لَهُ بالاقُ: مُرَّ مَعِي إلى مَوْضِعٍ آخَرَ لِنَراهم مِن هُناكَ، وإنَّما أسُوقُكَ لِتَرى آخِرَهم ولا تَراهم أجْمَعِينَ، وانْطَلَقَ بِهِ إلى حَقْلِ الرَّبِيَّةِ وأقامَهُ عَلى رَأْسِ الأكَمَةِ، وابْتَنى هُناكَ سَبْعَ مَذابِحَ، وقَرَّبَ عَلَيْها الثِّيرانَ والكِباشَ، قالَ بِلْعامُ: قِفْ هاهُنا عِنْدَ قَرابِينِكَ حَتّى أنْطَلِقَ أنا الآنَ، فانْظُرْ ما الَّذِي يُقالُ؟ وتَجَلّى الرَّبُّ عَلى بِلْعامَ وأجْرى عَلى فِيهِ قَوْلًا وقالَ لَهُ: انْطَلِقْ إلى بالاقَ فَأخْبِرْهُ بِهَذا القَوْلِ، فَأتاهُ وهو قائِمٌ عِنْدَ قَرابِينِهِ ومَعَهُ أشْرافُ مُؤابَ، فَرَفَعَ بِلْعامُ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: انْهَضْ بالاقُ واسْمَعْ قَوْلِي وأصْغِ لِشَهادَتِي يا ابْنَ صَفُورَ! اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ مِثْلَ الرَّجُلِ يَحْلِفُ ويَكْذِبُ؛ إذا قالَ الرَّبُّ قَوْلًا فَعَلَهُ، وكَلامُهُ دائِمٌ إلى الأبَدِ، ساقَنِي لِأعُودَ وأبَرَّكَ، ولا أرُدُّ البَرَكَةَ ولا أُخالِفُ ما أُمِرْتُ بِهِ، لَسْتُ أرى في آلِ يَعْقُوبَ إثْمًا ولا غَدْرًا عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ولا ظُلْمًا؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبَّهُ مَعَهُ اللَّهُ الَّذِي أخْرَجَهم مِن مِصْرَ بِعِزَّةٍ وعَظْمَةٍ قَوِيَّةٍ، ولَسْتُ أرى في آلِ يَعْقُوبَ طِيرَةً، ولا حِسابَ نُجُومٍ أوْ عَرّافٍ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، كَيْفَ أقُولُ والشَّعْبُ قائِمٌ مِثْلَ الضِّرْغامِ لا يَرْبِضُ حَتّى يَفْتَرِسَ فَرِيسَتَهُ ويَشْرَبَ دَمَ القَتْلِ، فَقالَ بالاقُ لِبِلْعامَ: أطْلُبُ أنْ لا تَلْعَنَهُ ولا تَدْعُوَ لَهُ، فَرَدَّ بِلْعامُ عَلى بالاقَ قائِلًا: ألَسْتُ قُلْتُ لَكَ: إنِّي إنَّما أنْطِقُ بِما يَقُولُ لِي الرَّبُّ، فَقالَ (p-١٦٨)بالاقُ: انْطَلِقْ بِنا إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْضى بِغَيْرِ هَذا فَتَلْعَنُهُ لِي هُناكَ، فَأصْعَدَهُ إلى رَأْسِ فَغُورَ الَّذِي بِإزاءِ إسْتِيمُونَ، فَأمَرَهُ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذَّبْحِ والقُرْبانِ، فَرَأى بِلْعامُ أنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ أنْ يَدْعُوَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَنْطَلِقْ كَما كانَ يَنْطَلِقُ في كُلِّ وقْتٍ لِيَطْلُبَ الوَحْيَ، ولَكِنْ أقْبَلَ بِوَجْهِهِ إلى البَرِّيَّةِ ومَدَّ بَصَرَهُ، فَرَأى بَنِي إسْرائِيلَ نُزُولًا قَبائِلَ قَبائِلَ فَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ اللَّهِ، ورَفَعَ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: قُلْ يا بِلْعامُ بْنُ بَعُورَ، قُلْ أيُّها الرَّجُلُ الَّذِي أُجْلِيَ عَنْ بَصَرِهِ، قُلْ أيُّها الَّذِي سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ ورَأى رُؤْيا اللَّهِ وهو مُلْقًى وعَيْناهُ مَفْتُوحَتانِ، ما أحْسَنَ مَنزِلَكَ يا يَعْقُوبُ ومَنازِلَكَ يا إسْرائِيلُ! وخِيَمُكَ كالأدْوِيَةِ الجارِيَةِ، ومِثْلَ الفَرادِيسِ الَّتِي عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، ومِثْلَ الجَنى الَّذِي رَكَزَهُ اللَّهُ، ومِثْلَ شَجَرِ الأرْزِ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِن بَيْتِهِ وذُرِّيَّتُهُ أكْثَرُ مِنَ الماءِ الكَثِيرِ، ويَعْظُمُ عَلى المَلِكِ، وذَلِكَ بِقُوَّةِ اللَّهِ الَّذِي أخْرَجَهم مِن أرْضِ مِصْرَ بِغَيْرِ تَوَقُّفٍ رَثْما، يَأْكُلُ خَيْراتِ الشُّعُوبِ أعْدائِهِ ويَكْسِرُ عِظامَهم ويَقْطَعُ ظُهُورَهُمْ، رَتَعَ ورَبَضَ كالأسَدِ ومِثْلَ شِبْلِ اللَّيْثِ، ومَن يَقْدِرُ أنْ يَبْعَثَهُ، يُبارَكُ مُبارِكُوكَ ويُلْعَنُ لاعِنُوكَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ بالاقَ عَلى بِلْعامَ وصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مُتَلَهِّفًا وقالَ: دَعْوَتُكَ لِلَعْنِ أعْدائِي، فَماذا أنْتَ تُبارِكُهم وتَدْعُو لَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، انْصَرِفِ الآنَ إلى بِلادِكَ، قَدْ كُنْتُ (p-١٦٩)عَزَمْتُ عَلى إكْرامِكَ وإجازَتِكَ فَإذا الرَّبُّ قَدْ أحْرَمَكَ ذَلِكَ، فَرَدَّ بِلْعامُ عَلى بالاقَ قائِلًا: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لِرُسُلِكَ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم إلَيَّ أنَّهُ لَوْ وهَبَ لِي بالاقَ مِلْءَ بَيْتِهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ لَمْ أقْدِرْ أتَعَدّى عَنْ قَوْلِ الرَّبِّ، ولَكِنْ إنَّما أنْطِقُ ما يُلْهِمُنِي الرَّبُّ، فَأنا أنْطَلِقُ الآنَ إلى أرْضِي، فاسْمَعْ ما أُشِيرُ عَلَيْكَ وأُخْبِرُكَ ما يَصْنَعُ هَذا الشَّعْبُ بِشَعْبِكَ آخِرَ الأيّامِ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: قُلْ يا بِلْعامُ بْنُ بَعُورَ، قُلْ أيُّها الرَّجُلُ المُجَلّى عَنْ بَصَرِهِ! قُلْ أيُّها الَّذِي سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ وعَلِمَ عِلْمَ العَلِيِّ ورَأى رُؤْيا اللَّهِ إذْ هو مُلْقًى وعَيْناهُ مَفْتُوحَتانِ! فَإنِّي رَأيْتُهُ وإذا لَيْسَ ظُهُورُهُ الآنَ وإنْ كانَ مُتَدانِفًا، ونَظَرْتُ في أمْرِهِ وإذا لَيْسَ بِقَرِيبٍ، يُشْرِقُ نَجْمٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ، ويَقُومُ رَئِيسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُهْلِكُ جَبابِرَةً مِن مُؤابَ ويُبِيدُ جَمِيعَ بَنِي شِيثَ، وتُثِيرُ أدُومُ مِيراثَهُ، وساعِيرُ وِراثَةُ أعْدائِهِ يَصِيرُ لَهُ، ويَسْتَفِيدُ بَنُو إسْرائِيلَ قُوَّةً بِقُوَّتِهِ - ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِانْسِلاخِهِ مِنَ الآياتِ، لَكِنْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أشارَ عَلَيْهِ بِاخْتِلاطِ نِساءِ بِلادِهِ بِبَنِي إسْرائِيلَ مُتَزَيِّناتٍ غَيْرَ مُمْتَنِعاتٍ مِمَّنْ أرادَهُنَّ مِنهم لِيَزْنُوا بِهِنَّ فَيَحِلُّ بِهِمُ الرِّجْزُ، فَوَقَعَ بِهِمْ ذَلِكَ، وهو الصَّوابُ لِأنَّهُ سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ في التَّوْراةِ عِنْدَ فَتْحِ مَدْيَنَ بِقَوْلِهِ: لِماذا أبْقَيْتُمْ عَلى الإثاثِ وهُنَّ كُنَّ عَثْرَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنْ قَوْلِ بِلْعامَ ومَشُورَتِهِ، (p-١٧٠)وسَيَأْتِي ذَلِكَ قَرِيبًا، وما فِيهِ مِن ذِكْرِ الوَحْيِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَنامِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ؛ ثُمَّ قالَ: وقامَ بِلْعامُ ورَجَعَ مُنْصَرِفًا إلى بِلادِهِ وبالاقُ أيْضًا رَجَعَ إلى بَيْتِهِ، وسَكَنَ بَنُو إسْرائِيلَ شاطِيمَ، وبَدَأ الشَّعْبُ [أنْ يَسْفَحَ مَعَ بَناتِ مُؤابَ، ودَعَوْنَ الشَّعْبَ إلى ذَبائِحِ آلِهَتِهِمْ، وأكَلَ الشَّعْبُ] مِن ذَبائِحِهِمْ وسَجَدُوا لِآلِهَتِهِمْ، وكَمَّلَ بَنُو إسْرائِيلَ لِعِبادَةِ بَعْلِيُونَ الصَّنَمِ، فاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: اعْمَدْ إلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ فافْضَحْهُمْ، فَقالَ مُوسى: يَقْتُلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم كُلَّ مَن أخْطَأ وسَجَدَ لِبَعْلِيُونَ، وإذا رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أتى بِجُرْأةٍ أمامَ إخْوَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَحِيَ، فَدَخَلَ عَلى امْرَأةٍ مَدِينِيَّةٍ ومُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ يَبْكُونَ في بابِ قُبَّةِ الآمِدِ، فَرَآهُ فِنْحاسُ بْنُ الِيعازِرَ بْنِ هارُونَ الحَبْرُ فَنَهَضَ مِنَ الجَماعَةِ غَضَبًا لِلَّهِ وأخَذَ بِيَدِهِ رُمْحًا ودَخَلَ إلى بَيْتِ الَّذِي كانا فِيهِ فَطَعَنَهُما بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُما، فَكُفَّ المَوْتُ الفاشِي عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ عَدَدُ الَّذِينَ ماتُوا في المَوْتِ البَغْتَةِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ ألْفًا، وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: فِنْحاسُ صَرَفَ غَضَبِي عَنْ بَيْنِ إسْرائِيلَ وغارَ غَيْرَةً لِلَّهِ بَيْنَهم وطَهَّرَ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ اسْمُ القَتِيلِ الَّذِي قُتِلَ مَعَ المَدِينِيَّةِ زَمْرِي بْنَ سُلُو، وكانَ رَئِيسًا [فِي قَبِيلَةِ شَمْعُونَ، (p-١٧١)وكانَتِ المَرْأةُ المَدِينِيَّةُ كَزْبى بِنْتَ صُورَ، وكانَ أبُوها] مِن رُؤَساءِ أهْلِ مَدْيَنَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ خَرَجَ رافِعًا الحَرْبَةَ إلى السَّماءِ، قَدِ اعْتَمَدَ بِمِرْفَقِهِ عَلى خاصِرَتِهِ، وأسْنَدَ الحَرْبَةَ إلى لِحْيَتِهِ، فَمِن هُنالِكَ يُعْطِي بَنُو إسْرائِيلَ ولَدَ فِنْحاسَ مِن كُلِّ ذَبِيحَةٍ القُبَّةَ والذِّراعَ واللَّحْيَ والبِكْرَ مَن كُلِّ أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ بِكْرًا لِعِيزارَ بْنِ هارُونَ.
ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: ضَيِّقْ عَلى أهْلِ مَدْيَنَ وأهْلِكْهم كَما ضَيَّقُوا عَلَيْكم ولَحَسُوكُمْ، ثُمَّ قالَ: ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: إنِّي لَمُنْتَقِمٌ مِنَ المَدِينِيِّينَ ما صَنَعُوا بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقْتَصُّ إلى شَعْبِكَ، ثُمَّ قالَ مُوسى لِلشَّعْبِ: يَتَسَلَّحُ مِنكم قَوْمٌ لِلْحَرْبِ لِيَنْتَقِمُوا لِلرَّبِّ مِنَ المَدِينِيِّينَ، ولِيَكُونُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فانْتَخَبَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ ألْفًا مِن كُلِّ سِبْطٍ، اثْنَيْ عَشَرَ أبْطالًا مُتَسَلِّحِينَ وأرْسَلَهُمْ، وصَيَّرَ قائِدَهم فِنْحاسَ بْنَ الِيعازِرَ الحَبْرَ ومَعَهُ أوْعِيَةُ القُدْسِ وقُرُونٌ يَنْفُخُ بِها، وتَقَوَّوْا عَلى مَدْيَنَ كَما أمَرَ الرَّبُّ مُوسى وقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ فِيها وقَتَلُوا مُلُوكَ مَدْيَنَ مَعَ القَتْلى، وقَتَلَ بِلْعامَ بْنَ بَعُورَ مَعَهم في الحَرْبِ، وسَبى بَنُو إسْرائِيلَ نِساءَ مَدْيَنَ وانْتَهَبُوا مَواشِيَهم وسَلَبُوا جَمِيعَ دَوابِّهِمْ وأمْوالِهِمْ وأخْرَبُوا جَمِيعَ قُرى مَساكِنِهِمْ وأتَوْا بِما انْتَهَبُوهُ إلى مُوسى، وخَرَجَ (p-١٧٢)مُوسى وجَمِيعُ عُظَماءِ الجَماعَةِ فَتَلَقَّوْهم خارِجَ العَسْكَرِ، وغَضِبَ مُوسى عَلى رُؤَساءِ الأحْبارِ ورُؤَساءِ الأُلُوفِ والمِئِينَ الَّذِي أتَوْهُ مِنَ الحَرْبِ فَقالَ لَهُمْ: لِماذا أبْقَيْتُمْ عَلى الإناثِ وهُنَّ كُنَّ عَثْرَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنْ قَوْلِ بِلْعامَ ومَشُورَتِهِ، وفَتَنُوا وغَدَرُوا وتَمَرَّدُوا عَلى الرَّبِّ في أمْرِ فَغُورَ - وفي نُسْخَةِ السَّبْعِينَ: فَإنَّ هَؤُلاءِ كُنْ شَيْئًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْمِ بِلْعامَ أنْ يَتَباعَدُوا ويَتَهاوَنُوا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ مِن أجْلِ فَغُورَ - فَواقَعَتِ السَّخْطَةُ جَماعَةَ الرَّبِّ [وفِي النُّسْخَةِ الأُخْرى: وتَسَلَّطَ المَوْتُ عَلى جَماعَةِ الرَّبِّ] - بَغْتَةً، فاقْتُلُوا الآنَ جَمِيعَ الذُّكُورَةِ مِنَ الصِّبْيانِ، وكُلَّ امْرَأةٍ أدْرَكَتْ وعَقَلَتْ وعَرَفَتِ الرِّجالَ فاقْتُلُوها، وأبْقُوا عَلى جَمِيعِ النِّساءِ اللَّواتِي لَمْ يَعْرِفْنَ الرِّجالَ. وأمّا أنْتُمْ فانْزِلُوا خارِجًا عَنِ العَسْكَرِ سَبْعَةَ أيّامٍ - إلى آخِرِ ما مَضى قَرِيبًا في الآصارِ.
الأعراف 7:179
ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ القِصَصُ فَأسْفَرَتْ عَنْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالِكٌ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقالَ مُقْسِمًا لِأنَّهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ الإنْسانَ يَكُونُ - أضَلَّ مِنَ البَهائِمِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَصْنا عَلَيْكم أخْبارَكم ذَرَأْناهم لِجَهَنَّمَ: ﴿ولَقَدْ﴾ وعِزَّتِنا وجَلالِنا ﴿ذَرَأْنا﴾ أيْ: خَلَقْنا بِعَظَمَتِنا وأنْشَأْنا وبَثَثْنا ونَشَرْنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا﴾ أيْ: وألْجَأْناهم (p-١٧٣)إلَيْها ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهم وبَيْنَها حائِلًا.
ولَمّا كانُوا يُعَظِّمُونَ الجِنَّ ويَخافُونَهم ويَضِلُّونَ بِهِمْ، بَدَأ بِهِمْ فَقالَ: ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ: بِنَصْبِهِمْ أنْفُسَهم آلِهَةً بِإضْلالِهِمُ الإنْسَ في تَزْيِينِ عِبادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ، فَهم في الحَقِيقَةِ المَعْبُودُونَ لا الحِجارَةُ، ونَحْوَها: ﴿والإنْسِ﴾ أيْ: بِعِبادَتِهِمْ لِمَن لا يَصْلُحُ، وعُلِمَ أنَّ الآيَةَ صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَهي مِن فَذْلَكَةِ ما تَقَدَّمَ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِطَرِيقِ جَهَنَّمَ؟ قِيلَ: ﴿لَهُمْ﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّفَكُّرِ، بَدَأ بِالقُلُوبِ فَقالَ: ﴿قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ أيِ: الفِقْهَ الَّذِي كُلِّفُوا بِهِ، وهو النَّظَرُ في أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وثُبُوتِ النُّبُوَّةِ وما تَفَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ، وهو الفِقْهُ المُسْعِدُ، عُدَّ غَيْرُهُ عَدَمًا لِأنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّفْعَ المَقْصُودَ في الحَقِيقَةِ، وما أحْسَنَ التَّعْبِيرَ بِالفِقْهِ في السِّياقِ إقامَةِ الأدِلَّةِ الَّتِي مِنها إرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ.
ولَمّا كانَ البَصَرُ أعَمَّ مِنَ السَّمْعِ؛ لِأنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ الصَّغِيرُ الَّذِي لا يَفْهَمُ القَوْلَ، وكَذا كُلُّ مَن في حُكْمِهِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿ولَهم أعْيُنٌ﴾ ولَمّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِما الإبْصارُ النّافِعُ في الآخِرَةِ الباقِيَةِ، نَفى إبْصارَهم وإنْ كانُوا أحَدَّ النّاسِ إبْصارًا فَقالَ: ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيِ: الآياتِ المَرْئِيَّةَ إبْصارَ تَفَكُّرٍ واعْتِبارٍ ﴿ولَهم آذانٌ﴾ ولَمّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى سَمْعِها ما يَنْفَعُهُمْ، نَفاهُ عَلى نَحْوِ ما مَضى فَقالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيِ: الآياتِ المَسْمُوعَةَ وما (p-١٧٤)يَدُلُّ عَلَيْها سَماعَ ادِّكارٍ وافْتِكارٍ، ولَمّا سُلِبَتْ عَنْهم هَذِهِ المَعانِي كانَتِ النَّتِيجَةُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ مِنَ المَعانِي الإنْسانِيَّةِ ﴿كالأنْعامِ﴾ أيْ: في عَدَمِ الفِقْهِ، ولَمّا كانُوا قَدْ زادُوا عَلى ذَلِكَ تَفَقُّدَ نَفْعِ السَّمْعِ والبَصَرِ قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ لِأنَّهم إمّا مُعانِدٌ وإمّا جاهِلٌ بِما يَضُرُّهُ ويَنْفَعُهُ، والأنْعامُ تَهْرُبُ إذا سَمِعَتْ صَوْتًا مُنْكَرًا فَرَأتْ بِعَيْنِها أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضُرُّها، وتَنْتَظِرُ ما يَنْفَعُها مِنَ الماءِ والمَرْعى فَتَقْصِدُهُ، والأنْعامُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ المَدارِكِ مِنَ الفِقْهِ. وهَؤُلاءِ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ أهْمَلُوهُ [فَنَزَلُوا عَنْ رُتْبَتِها دَرَجَةً كَما أنَّ مَن طَلَبَ الكَمالَ وسَعى لَهُ سَعْيَهُ مَعَ نِزاعِ الشَّهَواتِ عَلا عَنْ دَرَجَةِ المَلائِكَةِ بِما قاسى مِنَ الجِهادِ].
ولَمّا تَشارَكُوا الأنْعامَ بِهَذِهِ في الغَفْلَةِ وزادُوا عَلَيْها، أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الغافِلُونَ﴾ لا الأنْعامُ، فَإنَّها - وإنْ كانَتْ غافِلَةً عَمّا يُرادُ بِها - غَيْرُ خالِدَةٍ في العَذابِ، فَلَمْ تُشارِكْهم في العَمى والصَّمَمِ عَمّا يَنْفَعُها ولا في الغَفْلَةِ عَنِ الخَسارَةِ الدّائِمَةِ، فَقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى تَفْضِيلِ الإنْسانِ عَلى المَلَكِ كَما اقْتَضَتْهُ سُورَةُ الزَّيْتُونِ؛ لِأنَّهُ جُعِلَ في خَلْقِهِ وسَطًا بَيْنَ المَلَكِ الَّذِي هو عَقْلٌ صِرْفٌ والحَيَوانِ الَّذِي هو شَهْوَةٌ مُجَرَّدَةٌ، فَإنْ غَلَّبَ عَقْلَهُ كانَ أعْلى بِما عالَجَهُ مِن جِهادِ الشَّهَواتِ فَكانَ فِي: ﴿أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وإنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ كانَ أسْفَلَ مِنَ الحَيَوانِ بِما أضاعَ مِن عَقْلِهِ فَكانَ ﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥]
الأعراف 7:180
(p-١٧٥)ولَمّا أنْتَجَ هَذا أنَّ لَهُمُ الأسْماءَ السُّوأى ولِمَعْبُوداتِهِمْ أسْوَأُ مِنها، عَطَفَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ بِالحُكْمِ بِالضَّلالِ والذَّرْءِ لِجَهَنَّمَ ما لا يَلِيقُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ودُعائِهِ - قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿الأسْماءُ﴾ [ولَمّا كانَ الِاسْمُ إذا لُحِظَتْ فِيهِ المُناسَبَةُ كانَ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أُنِّثَ في قَوْلِهِ]: ﴿الحُسْنى﴾ أيْ: كُلُّها بِاتِّصافِهِ دُونَ غَيْرِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي كَلُّ واحِدَةٍ مِنها أحْسَنُ شَيْءٍ وأجْمَلُهُ وتَنَزُّهِهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ وسِماتِ الحَدَثِ، فَكُلُّ أفْعالِهِ حِكْمَةٌ [و] إنَّما كانَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ لِأنَّ الأشْياءَ غَيْرُهُ مُمْكِنَةٌ لِتَغَيُّرِها، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ وأدْنى ما يَحْتاجُ إلى مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ وُجُودَهُ، وبِذَلِكَ نَعْلَمُ وُجُودَ المُرَجِّحِ ونَعْلَمُ أنَّ تَرْجِيحَهُ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ والِاخْتِيارِ لا الوُجُوبِ، وإلّا لَدامَ العالَمُ بِدَوامِهِ، وبِذَلِكَ ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ، وتَكُونُ أفْعالُهُ مُحْمَكَةً ثَبَتَ عِلْمُهُ فَثَبَتَتْ حَياتُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ وإرادَتُهُ ووَحْدانِيَّتُهُ، وإلّا لَوَقَعَ التَّنازُعُ فَوَقَعَ الخَلَلُ، فالعِلْمُ بِصِفاتِهِ العُلى لَيْسَ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ بَلْ مُتَرَتِّبًا، وعُلِمَ بِهَذا أنَّ الكَمالَ لَهُ لِذاتِهِ، وأمّا غَيْرُهُ فَكَمالُهُ بِهِ وهو بِذاتِهِ غَرِقَ في بَحْرِ الفَناءِ واقِعٌ في حَضِيضِ النُّقْصانِ ﴿فادْعُوهُ﴾ أيْ: فَصِفُوهُ وسَمُّوهُ واسْألُوهُ ﴿بِها﴾ لِتَنْجُوا مِن جَهَنَّمَ وتَنالُوا كُلَّ ما تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ؛ فَإنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها فَوَقَعَ في نارِ الحِرْصِ وزَمْهَرِيرِ الحِرْمانِ ولا يَزالُ (p-١٧٦)فِي رَغْبَةٍ إلى رَغْبَةٍ حَتّى لا يَبْقى لَهُ مُخَلِّصٌ، وإذا أقْبَلَ عَلى الذِّكْرِ تَخَلَّصَ عَنْ نِيرانِ الآفاتِ واسْتَشْعَرَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ حَتّى تَخَلَّصَ مِن رِقِّ الشَّهَواتِ فَيَصِيرُ حُرًّا فَيَسْعَدُ بِجَمِيعِ المُراداتِ، وكَثْرَةُ الأسْماءِ لا تَقْدَحُ في التَّوْحِيدِ بَلْ تَدُلُّ عَلى عَظِيمِ المُسَمّى.
﴿وذَرُوا﴾ أيِ: اتْرُكُوا عَلى حالَةٍ ذَرِيَّةٍ ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ أيْ: يَمِيلُونَ عَمّا حُدَّ لَهم [بِزِيادَةٍ فَيُشْبِهُوا أوْ نَقْصٍ فَيُعَطِّلُوا] ﴿فِي أسْمائِهِ﴾ أيْ: فَيُطْلِقُونَها عَلى غَيْرِهِ بِأنْ يُسَمُّوهُ إلَهًا، فَيَلْزَمُهم أنْ يُطْلِقُوا عَلَيْهِ جَمِيعَ أوْصافِ الإلَهِ. فَقَدْ ألْحَدُوا في البَعْضِ بِالفِعْلِ وفي الباقِي بِاللُّزُومِ، أوْ بِأنْ يُسَمُّوهُ بِما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ تارَةً يَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ في الجُمْلَةِ كالضّارِّ فَلا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا مَعَ النّافِعِ، وتارَةً لا، مِثْلَ إطْلاقِ الأبِ عَلَيْهِ والجِسْمِ، وكَذا كُلُّ ما أوْهَمَ نَقْصًا، فَلَمْ يَكُنْ أحْسَنَ، ولِوُرُودِ إطْلاقِ بَعْضِ اشْتِقاقاتِهِ عَلَيْهِ مِثْلَ عَلَمٍ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِأجْلِهِ: مُعَلِّمٌ، وكَذا لِحُبِّهِمْ لا يَجُوزُ لِأجَلِهِ أنْ يُقالَ: يا خالِقَ الدِّيدانِ والقِرَدَةِ مَثَلًا، وكَذا لا يَجُوزُ أنْ يُذْكُرَ اسْمٌ لا يَعْرِفُ الذّاكِرُ مَعْناهُ ولَوْ كانَ النّاسُ يَفْهَمُونَ مِنهُ مَدْحًا كَما يَقُولُ بَعْضُ البَدْوِ: يا أبْيَضَ الوَجْهِ! يا أبا المَكارِمِ! فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلْحادٌ، وهَذا الفِعْلُ يُسْتَعْمَلُ مُجَرَّدًا فَيُقالُ: لَحَدَ في كَذا وألْحَدَ فِيهِ - بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو العُدُولُ عَنْ (p-١٧٧)الحَقِّ والإدْخالُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ - نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ القَطّاعِ في كِتابِ الأفْعالِ: لَحَدَ المَيِّتَ لَحْدًا وألْحَدَهُ: شَقَّ لَهُ القَبْرَ، وإلى الشَّيْءِ وعَنْهُ وفي الدِّينِ: مالَ، وقُرِئَ بِهِما كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَفْعَلُ بِمَن ألْحَدَ؟ وكانَ المُرْهَبُ إيقاعَ الجَزاءِ، لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيُفْعَلُ بِهِمْ مِن أنْواعِ الإهانَةِ والعُقُوبَةِ ما يُوجِبُ وصْفَهم بِأقْبَحِ الأوْصافِ ضِدَّ ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ في الدُّنْيا مِمَّنْ يُدانِيهِمْ.
الأعراف 7:181
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَرْءِ جَهَنَّمَ مِنَ القِبْلَتَيْنِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ حالِ الباقِينَ مِنهُما، فَقالَ مُصَرِّحًا بِالخَبَرِ عَنْهم عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ [الأعراف: ١٧٩] مُشِيرًا بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ إلى قَتْلِهِمْ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أُمَّةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ عَرَفَتْ مَن هو أهْلٌ لِأنْ يُؤَمَّ ويُهْتَدى بِهِ فَقَصَدَتْهُ فاقْتَبَسَتْ مِن أنْوارِهِ فَصارَتْ هي أهْلًا لِأنْ تُقْصَدُ ويُؤْتَمَّ بِها.
[ولَمّا] أفْهَمُ لَفْظُ الأُمَّةِ هَذا صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيِ: الثّابِتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ ﴿وبِهِ﴾ أيِ: الحَقِّ خاصَّةً ﴿يَعْدِلُونَ﴾ (p-١٧٨)أيْ: يَجْعَلُونَ الأُمُورَ مُتَعادِلَةً، لا زِيادَةَ في شَيْءٍ مِنها عَلى ما يَنْبَغِي ولا نَقْصَ، لِأنّا وفَّقْناهم فَكَشَفْنا عَنْ بَصائِرِهِمْ حِجابَ الغَفْلَةِ الَّتِي ألْزَمْناها أُولَئِكَ، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَواهُ بَعْضُهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأبْهَمَ الأمْرَ بَعْدَ تَعْيِينِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهم.
الأعراف 7:182
ولَمّا بَيَّنَ حالَ الهادِينَ المَهْدِيِّينَ، وكانَ أصْلُ السِّياقِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، أتْبَعَهُ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ عَنْهم عَلى وجْهٍ مُلَوِّحٍ بِأنَّ عِلَّةَ الهِدايَةِ التَّوْفِيقُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى تَقْدِيرِهِ: فَنَحْنُ نُعْلِي أمْرَهم ونُطَيِّبُ ذِكْرَهُمْ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ: نَسَبُوا الرُّسُلَ إلى الكَذِبِ بِسَبَبِ إتْيانِهِمْ ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى ما يُشاهَدُ مِن عَظَمَتِها ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ: نَسْتَنْزِلُهم ونَسْتَدْنِيهِمْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ إلى ما نُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الشَّرِّ العَظِيمِ دَرَجَةً دَرَجَةً بِسَبَبِ أنَّهم كُلَّما أحْدَثُوا جَرِيمَةً أسْبَغْنا عَلَيْهِمْ نِعْمَةً، وإذا عَمِلُوا طاعَةً قَصَّرْنا عَنْهم في الإنْعامِ، أوْ ضَرَبْناهم بِسَوْطِ الِانْتِقامِ، فَيَظُنُّونَ أنَّ المَعاصِيَ سَبَبُ النِّعَمِ فَيَنْسَلِخُونَ مِنَ الدِّينِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: فَيَرْتَكِبُونَ ما يُتَعَجَّبُ مِن مُداناتِهِ فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ ومُعاناتِهِ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ حَتّى يَكْمُلَ ما نُرِيدُ مِنهم مَنِ المَعاصِي، وهو مِن أدِلَّةِ ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] [وأتى] في الِاسْتِدْراجِ بِأداةِ العَظَمَةِ وفي الإمْلاءِ بِضَمِيرِ الواحِدِ فَقالَ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٣] أيْ: أمْهِلُهم (p-١٧٩)بِوَعْدٍ جازِمٍ زَمانًا طَوِيلًا وأُمِدُّ لَهم وهم يَعْصُونَ حَتّى يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّهم حَتّى يَزِيدُوا في ذَلِكَ لِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِمُرادِي ولا يَفُوتُونَنِي ولَمْ يَأْتِ بِهِما عَلى نَهْجٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْراجَ يَكُونُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِها، فَكَأنَّهُ قالَ: سَأسْتَدْرِجُهم بِنَفْسِي مِن غَيْرِ واسِطَةٍ تارَةً وبِمَن أُتِيحَ لَهُمُ النِّعَمُ عَلى يَدِهِ مِن عَبِيدِي وجُنُودِي أُخْرى، وأمّا الإمْلاءُ وهو تَطْوِيلُ الأجَلِ - فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:183
ولَمّا كانَ هَذا مُوجِبًا لَهم - ولابُدَّ - الإصْرارَ عَلى المَعاصِي حَتّى يَصِلُوا إلى ما حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النّارِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿إنَّ كَيْدِي﴾ أيْ: فِعْلِي الَّذِي ظاهِرُهُ رَفْعَةٌ وباطِنُهُ [ضَيْعَةٌ] ظاهِرُهُ إحْسانٌ وباطِنُهُ خِذْلانٌ ﴿مَتِينٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ قَوِيٌّ لا يُمْكِنُ أحَدًا قَطْعُهُ، قالَ الإمامُ بَعْدَ تَأْوِيلٍ لِلْمُعْتَزِلِهِ حَمَلَهم عَلَيْهِ إيجابُهم رِعايَةَ الأصْلَحِ: وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، يَرَوْنَ القُرْآنَ كالبَحْرِ الَّذِي لا ساحِلَ لَهُ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ الآياتِ، والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ القاهِرَةُ مُطابِقَةٌ لَها، ثُمَّ يَكْتَفُونَ في تَأْوِيلِها - أيْ: عَنْ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الشَّرَّ - بِهَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ إلّا أنَّ عِلْمِي بِما أرادَ اللَّهُ كائِنٌ، مُزِيلٌ هَذا التَّعَجُّبَ.
الأعراف 7:184
ولَمّا كانَ السِّياقُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ لِإنْذارِهِمْ، وكانَ لا بُدَّ في صِحَّةِ الإنْذارِ مِن تَصْحِيحِ الرِّسالَةِ، وخَتَمَ بِأمْرِ الِاسْتِدْراجِ، وكانُوا قَدْ واقَعُوا مِنَ المَعاصِي ما لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلّا مَطْمُوسُ البَصِيرَةِ، وكانَ عِنْدَهم أنَّ (p-١٨٠)مَن قالَ: إنَّهم عَلى حالٍ سَيِّئٍ، - مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ - مَجْنُونٌ، وكانَ التَّقْدِيرُ دَلالَةً عَلى صِحَّةِ الِاسْتِدْراجِ؛ ألَمْ يَرَوْا أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى ما لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ عاقِلٌ مِن عِبادَتِهِمْ لِلْحَجَرِ وشَماخَتِهِمْ عَنْ أكْمَلِ البَشَرِ ووَصْفِهِ بِالجُنُونِ ووَصْفِهِمْ أفْضَلَ الكَلامِ بِالسِّحْرِ والكَذِبِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَغْضَبُ مَن لَيْسَ النَّفْعُ والضُّرُّ إلّا بِيَدِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يُوالِي عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، ويَدْفَعُ عَنْهُمُ النِّقَمَ، هَلْ ذَلِكَ إلّا اسْتِدْراجٌ؛ قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَطْفًا عَلى ما أرْشَدَ السِّياقُ والعَطْفُ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ إلى تَقْدِيرِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ: يُعْمِلُوا أفْكارَهم ويُمْعِنُوا في تَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَتَوَجَّهُ لَهم طَعْنٌ يُورِثُ شُبْهَةً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ المُرادَ مِن هَذا التَّفَكُّرِ وعَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِي طالَتْ خِبْرَتُهم لِأنَّهُ أمْتَنُهم عَقْلًا وأفْضَلُهم شَمائِلَ ولَمْ يَقُلْ: ما بِرَسُولِي ونَحْوِهِ؛ لِئَلّا يَقُولَ مُتَعَنِّتُهم ما لا يَخْفى، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ: حالَةٍ مِن حالاتِ الجُنُونِ.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ بِهِ شَيْءٌ مِمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ وافْتَرَوْهُ عَلَيْهِ فَثَبَتَتْ رِسالَتُهُ، حَصَرَ أمْرَهُ في النِّذارَةِ؛ لِأنَّها النّافِعَةُ لَهم مَعَ أنَّ المَقامَ لَها في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هُوَ إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: بالِغٌ في نِذارَتِهِ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: مُوَضِّحٌ لِلطَّرِيقِ إيضاحًا لا يَصِلُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، ومِن أدِلَّةِ ذَلِكَ عَجْزُ الخَلْقِ عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِمّا يَأْتِي بِهِ مِن أنَّهُ أحْسَنُ النّاسِ (p-١٨١)خَلْقًا وأعْلاهم خُلُقًا وأفْضَلُهم عِشْرَةً وأرْضاهم طَرِيقَةً وأعْدَلُهم سِيرَةً وأطْهَرُهم سَرِيرَةً وأشْرَفُهم عَمَلًا وأحْكَمُهم عِلْمًا وأرْصَنُهم رَأْيًا، وأعْظَمُهم عَقْلًا وأشَدُّهم أمانَةً، وأظْهَرُهم نُبْلًا.
الأعراف 7:185
ولَمّا كانَ النَّظَرُ في أمْرِ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وكانَ المَقْصُودُ مِنَ الإنْذارِ الرُّجُوعَ عَنِ الإلْحادِ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ النَّظَرِ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ الرّادِّ عَنْ كُلِّ حالٍ سَيِّئٍ: ﴿أوَلَمْ﴾ ولَمّا كانَ الأمْرُ واضِحًا قالَ: ﴿يَنْظُرُوا﴾ أيْ: نَظَرَ تَأمُّلٍ واعْتِبارٍ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ بِالبَصِيرَةِ لا البَصَرِ بِالصِّلَةِ، فَقالَ إشارَةً إلى كُلِّ ذَرَّةٍ فِيها دَلائِلُ جَمَّةٌ: ﴿فِي مَلَكُوتِ﴾ وعَظَّمَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُلْكِهِما البالِغِ مِن حَدِّ العَظَمَةِ أمْرًا باهِرًا بِظاهِرِهِ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ وباطِنِهِ الَّذِي يَلُوحُ لَهم ولا يُدْرِكُونَهُ.
ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ التَّوْحِيدِ تَفُوتُ الحَصْرَ، فَفي كُلِّ ذَرَّةٍ بُرْهانٌ قاهِرٌ ودَلِيلٌ ساطِعٌ باهِرٌ، قالَ: ﴿وما﴾ أيْ: وفِيما ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: غَيْرِهِما، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ غَيْرُهُ، ويَتَحَقَّقُوا أنَّ كِتابَهُ سُبْحانَهُ مُبايِنٌ لِجَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ صِفَتُهُ سُبْحانَهُ وكَلامُهُ، فَلا يُلْحِدُوا في أسْمائِهِ فَلا يُسَمُّوا بِشَيْءٍ مِنها غَيْرَهُ لِما ظَهَرَ لَهم مِن تَمامِ (p-١٨٢)قُدْرَتِهِ وتَمامِ عَجْزِ غَيْرِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ومِن شُمُولِ عِلْمِهِ وتَناهِي جَهْلِ غَيْرِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ حَتّى يَعْلَمُوا بِعَظَمَةِ هَذا الكَوْنِ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَظِيمٌ، وبِقَهْرِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ أنَّهُ قَهّارٌ شَدِيدٌ، وبِعَجْزِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَزِيزٌ، وبِإسْباغِهِ النِّعْمَةَ أنَّهُ رَحِيمٌ كَرِيمٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلى الَّتِي تَنْطِقُ الأشْياءُ بِها بِألْسِنَةِ الأحْوالِ وتَتَحَدَّثُ بِها صُدُورُ الكائِناتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها مَقالٌ، ويَشْرَحُها كَلامُ التَّدْبِيرِ بِما لَهُ مِنَ الكَمالِ ﴿وأنْ عَسى﴾ أيْ: ويَنْظُرُوا في الإشْفاقِ والخَوْفِ مِن أنَّهُ مُمْكِنٌ وخَلِيقٌ وجَدِيرٌ ﴿أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ﴾ أيْ: [دَنا دُنُوًّا عَظِيمًا ﴿أجَلُهُمْ﴾ أيِ] الَّذِي لا شَكَّ عِنْدِهِمْ في كَوْنِهِ بِمَوْتَةٍ مِن مَوْتاتِ هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي أسْلَفْنا أخْبارَهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أوْ بِالتَّدْرِيجِ فَيُبادِرُوا بِالإيمانِ بِهِ خَشْيَةَ انْخِرامِ الأجَلِ لِلنَّجاةِ مِن أعْظَمِ الوَجَلِ، فَإنَّ كُلَّ عاقِلٍ إذا جَوَّزَ خَطَرًا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْظُرَ في عاقِبَتِهِ ويَجْتَهِدَ في الخَلاصِ مِنهُ.
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّحَرُّجِ مِنَ الإنْذارِ بِهَذا الكِتابِ، وبانَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّهُ ﷺ اتَّصَفَ بِالإنْذارِ بِهِ حَقَّ الِاتِّصافِ، وبانَ أنَّ القُرْآنَ مُبايِنٌ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَثَبَتَ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارُ عَلى مَن يَتَوَقَّفُ عَنِ الإيمانِ بِهِ، (p-١٨٣)والتَّخْوِيفُ مِن إحْلالِ أجَلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَقَعُ فِيما لا يُمْكِنُهُ تَدارَكُهُ، وذَلِكَ في أُسْلُوبٍ دالٍّ عَلى أنَّ الإيمانَ بَعْدَ هَذا البَيانِ مِمّا لا يَسُوغُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلّا لِانْتِظارِ كَلامٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ أيُّ كَلامٍ يَتَجَدَّدُ لَهُ في كُلِّ واقِعَةٍ بَيانُ المَخْلَصِ مِنها ﴿بَعْدَهُ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَظِيمَةِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلْإيمانِ طَرِيقَيْنِ: أحَدُهُما سَمْعِيٌّ، والآخَرُ عَقْلِيٌّ، قالَ الحَرالِّيُّ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الفِقْهِ: الحُكْمُ إنَّما يُتَلَقّى مِن خِطابِ اللَّهِ البالِغِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، وقَدِ اتَّضَحَ واشْتُهِرَ أنَّ السَّمْعَ مِن طُرُقِ تَفَهُّمِ خِطابِ اللَّهِ الَّذِي تُبَلِّغُهُ الرُّسُلُ، وكَذَلِكَ أيْضًا قَدْ تَحَقَّقَ لِقَوْمٍ مِن أُولِي الألْبابِ أنَّ الرُّؤْيَةَ وسائِرَ الحَواسِّ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ تَفَهُّمِ خِطابِ اللَّهِ أيْضًا، يَعِي مِنهُ اللُّبُّ العَقْلِيُّ مَعْنى الإرْسالِ في كِتابِهِ المَخْلُوقِ كَما يَعِي العَقْلُ مَعْنى الإرْسالِ مِن مَفْهُومِ كَلامِهِ المَنطُوقِ، وقَوْمٌ مِمَّنْ فُهِمْ مِن مَرْئِيِّ كِتابِ اللَّهِ المَشْهُودِ إرْسالًا ولَقِنَ أحْكامًا يُسَمَّوْنَ الحَنِيفِيِّينَ كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَدْ «شَهِدَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ”يُبْعَثُ أُمَّةً واحِدَةً“» لِاهْتِدائِهِ مِن نَفْسِهِ مِن غَيْرِ رِسالَةِ هادٍ خارِجٍ عَنْهُ، بَلْ مِن رَسُولِ مُوجِدَتِهِ وإحْساسِهِ لِلْعالَمِ، ولِأنَّهُ إنَّما أخَذَ بِكُلْيَةِ حُكْمِ الإيمانِ ووُجُوبِ المُناصَفَةِ مَعَ الخَلْقِ مِن شُهُودِ خَلْقِ اللَّهِ، وصارَ مَعَ ذَلِكَ يَتَرَقَّبُ تَأْكِيدَ ما يَحْصُلُ لَهُ عَقْلًا مِن مَسْمُوعِ خِطابِ اللَّهِ، وعَلى نَحْوِ هَذِهِ الحالِ - وأتَمَّ هي - حالُ (p-١٨٤)الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ قَبْلَ مَوْرِدِ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ وقَبْلَ سَماعِ صَدِيقِهِ وارِدِ وحْيِهِ، وهَؤُلاءِ هم - الَّذِينَ لا يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الإيمانِ بِالنَّبِيِّ عِنْدَ ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ، وكَما أنَّ النَّبِيَّ لا يُلْزِمُ ويَحْكُمُ بَلْ يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ نَظَرُ العَقْلِ لا يُلْزِمُ ولا يَحْكُمُ بَلْ يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ فَيَكُونُ الحُكْمُ الَّذِي هو تَصَرُّفُ الحَقِّ في أفْعالِ الخَلْقِ بِهَذا عَلى ضَرْبَيْنِ؛ شَرْعِيٍّ أيْ: مَأْخُوذٍ مِنَ الإرْسالِ الشَّرْعِيِّ، وعَقْلِيٍّ أيْ: مَأْخُوذٍ مِنَ الإرْسالِ العَقْلِيِّ، وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ العالَمَ المَشْهُودَ مُبِينٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، وكُلُّ مُبِينٍ مُبَلِّغٌ، فالعِلْمُ مُبَلِّغٌ أيْ: بِما يَفْهَمُهُ الفاهِمُ مِن كَلامِهِ عَنِ اللَّهِ، فَإنَّ النُّحاةَ قالُوا - كَما ذَكَرَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ في شَرْحِ الإيضاحِ لِأبِي عَلِيٍّ وكَذا غَيْرُهُ: إنَّ الكَلامَ في الِاصْطِلاحِ لا يَقَعُ إلّا عَلى اللَّفْظِ المُرَكَّبِ وجُودًا أوْ تَقْدِيرًا المُفِيدِ بِالوَضْعِ، قالَ: واحْتَرَزُوا بِاللَّفْظِ عَمّا يُقالُ لَهُ كَلامٌ لُغَةً ولَيْسَ بِلَفْظٍ كالخَطِّ والإشارَةِ وما في النَّفْسِ وما يُفْهَمُ مِن حالِ الشَّيْءِ، وقالَ الحَرالِّيُّ: نَحْوَ حالِ الخَجِلِ والغَضْبانِ، وبِالفِعْلِ نَحْوَ الإشارَةِ بِاليَدِ والعَقْدِ بِالأنامِلِ وبِآثارِ الفِعْلِ كالصَّنائِعِ والأعْمالِ، وبِاللَّفْظِ الَّذِي يَلْفِظُ بِهِ القَلْبُ إلى ظاهِرِ اللِّسانِ، وبِآثارِ رُقُومٍ يُحاذى بِها حَذْوَ مَفْهُومِ اللَّفْظِ وهو الخَطُّ. انْتَهى.
الأعراف 7:186
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِن أعْجَبِ العَجَبِ، كانَتْ فَذْلَكَتُهُ قَطْعًا تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ مِن إعْراضِهِمْ عَمّا لا يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنْهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ إلّا بِيَدِ مُنْزِلِهِ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿فَلا هادِيَ﴾ أصْلًا ﴿لَهُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ولَمّا دَلَّ بِالإفْرادِ (p-١٨٥)عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ في قَبْضَتِهِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ضَلالِهِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ جَمْعَهم لا يُغْنِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فَقالَ: ﴿ويَذَرُهُمْ﴾ أيْ: يَتْرُكُهم عَلى حالَةٍ قَبِيحَةٍ، وعَبَّرَ بِالظَّرْفِ إشارَةً إلى إحاطَةِ حُكْمِهِ بِهِمْ فَقالَ: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ أيْ: تَجاوُزِهِمْ لِلْحُدُودِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ويَتَرَدَّدُونَ في الضَّلالِ لا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا ولا يَفْهَمُونَ حُجَّةً.
الأعراف 7:187
ولَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والقَضاءَ والقَدَرَ، أتْبَعَهُ المَعادَ لِتَكْمُلَ المَطالِبُ الأرْبَعَةُ الَّتِي هي أُمَّهاتُ مَطالِبِ القُرْآنِ، مُبَيِّنًا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ مِن تَبَلُّدِهِمْ في العَمَهِ وتَلَدُّدِهِمْ في إشْراكِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيْ: مُكَرِّرِينَ لِذَلِكَ ﴿عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ: عَنْ وقْتِها سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ: أيْ: وقْتَ ثَباتِ ثِقَلِها واسْتِقْرارِهِ، والمُرْسى يَكُونُ مَصْدَرًا وزَمانًا ومَكانًا، مِن رَسَتِ السَّفِينَةُ - إذا ثَبَتَتْ بِالحَدِيدَةِ المُتَشَعِّبَةِ، وإنَّما كانَ هَذا بَيانًا لِعَمَهِهِمْ فَإنَّهم وقَعُوا بِذَلِكَ في الضَّلالِ مِن وجْهَيْنِ: السُّؤالِ عَمّا غَيْرُهُ لَهم أهَمُّ، وجَعْلِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ مَعَ ما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ، وسَيُكَرِّرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وكانَ اللّائِقُ بِهِمْ أنْ يَجْعَلُوا بَدَلَ السُّؤالِ عَنْها اتِّقاءَها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ السّاعَةِ عامًّا ثُمَّ خاصًّا بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِها، جاءَ الجَوابُ عُمُومًا عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِ إرْسائِها وغَيْرِهِ (p-١٨٦)﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِإقامَتِها لِيُنْعِمَ عَلى مَن تَبِعَنِي ويَنْتَقِمَ مِمَّنْ تَرَكَنِي، لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ أحَدًا مِن خَلْقِهِ، ولا يُقِيمُها إلّا في أحْسَنِ الأوْقاتِ وأنْفَعِها لِي، وإخْفاؤُها أنْفَعُ لِلْخَلْقِ لِأنَّهُ أعْظَمُ لِشَأْنِها وأهْيَبُ، فَيَكُونُ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ وأقْرَبَ إلى التَّوْبَةِ، ثُمَّ خُصِّصَتْ مِن حَيْثُ الوَقْتُ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى أنَّ لَها أشْراطًا تَتَقَدَّمُها: ﴿لا يُجَلِّيها﴾ أيْ: يُبَيِّنُها غايَةَ البَيانِ ﴿لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾
ولَمّا كانَ قَدْ أشارَ إلى ثِقَلِ السّاعَةِ بِالإرْساءِ، وكانَ الشَّيْءُ إذا جُهِلَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ أشْكَلَ، وإذا أشْكَلَ ثَقُلَ قالَ: ﴿ثَقُلَتْ﴾ أيِ: السّاعَةُ فَغاصَتْ إلى حَيْثُ لَمْ يَتَغَلْغَلْ إلَيْها عِلْمُ العِبادِ فَأهَمَّهم كُلَّهم عَلِيُّ شَأْنِها، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالظَّرْفِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: نِسْبَةُ أهْلِهِما إلى خَفائِها والخَوْفِ مِنها عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ لِأنَّ مالِكَها قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ، ولَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ - ثُمَّ قَرَّرَ خَفاءَها عَلى الكُلِّ فَقالَ: ﴿لا تَأْتِيكُمْ﴾ أيْ: في حالَةٍ مِنَ الحالاتِ ﴿إلا بَغْتَةً﴾ أيْ: عَلى حِينِ غَفْلَةٍ.
ولَمّا كانُوا قَدْ ألْحَفُوا في سُؤالِهِ ﷺ عَنْها، وكانَتْ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ المَذْكُورَةِ في الجُمْلَةِ الأُولى رُبَّما حُمِلَتْ عَلى سُؤالِهِ طَمَعًا في تَعَرُّفِها مِنَ المُحْسِنِ إلَيْهِ، قَطَعَ الأطْماعَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِلْمَعْنى: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيْ: عَنِ السّاعَةِ مُطْلَقًا في وقْتِ وُقُوعِها وما يَحْصُلُ مِن أُمُورِها ويَحْدُثُ مِن شَدائِدِها، أيْ: ويُلْحِفُونَ في سُؤالِكَ كُلَّما أخْبَرْتَهم أنَّهُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ (p-١٨٧)﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ﴾ أيْ: عالِمٌ بِأمْرِها مُسْتَقْصٍ مُبالِغٌ في السُّؤالِ ﴿عَنْها قُلْ﴾ أيْ: قَطْعًا لِسُؤالِهِمْ ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزَّةِ والعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ فَلا يُسْتَطاعُ عِلْمُ شَيْءٍ مِمّا عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ في عِلْمِها لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ صِفَةُ الِاضْطِرابِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسُوا مِن أهْلِ العِلْمِ فَهم بِالسُّؤالِ عَنْها يَسْتَهْزِئُونَ، ولَوْ كانُوا مِن أهْلِهِ ما كَذَّبُوكَ، فَواقَعُوا ما لا يَعْنِيهِمْ مِنَ السُّؤالِ عَنْها وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ التَّعَنُّتِ، وتَرَكُوا ما يُنْجِيهِمْ ويُغْنِيهِمْ مِنَ المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ بِهَذا القُرْآنِ خَوْفَ انْخِرامِ الآجالِ وهم يَهِيمُونَ في أوْدِيَةِ الضَّلالِ.
الأعراف 7:188
ولَمّا كانَ عِلْمُ الغَيْبِ مَلْزُومًا لِجَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضَّيْرِ، وكانَتِ السّاعَةُ أدَقَّ عِلْمِ الغَيْبِ، أمَرَهُ بِنَفْيِ هَذا اللّازِمِ فَيَنْتَفِي الأعَمُّ فَيَنْتَفِي بِانْتِفائِهِ الأخَصُّ، وقَدَّمَ النَّفْعَ لِأنَّهُ أهَمُّ إلى النَّفْسِ، ولَيْسَ في السِّياقِ ما يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ بِخِلافِ ما في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ آمِرًا بِإظْهارِ ذُلِّ العُبُودِيَّةِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا ﴿لِنَفْسِي نَفْعًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن جَلْبِ النَّفْعِ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا ﴿ولا ضَرًّا﴾ كَذَلِكَ، فَإنَّ قُدْرَتِي قاصِرَةٌ وعِلْمِي قَلِيلٌ، وكُلُّ مَن كانَ عَبْدًا كانَ كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ بَلِ المُشاهَدِ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَضُرُّ ويَنْفَعُ، أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِاللَّهِ فَقالَ: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ سِواهُ أنْ يُقْدِرَنِي عَلَيْهِ.
(p-١٨٨)ولَمّا بَيَّنَ لَهم بِهَذا أنَّ سُؤالَهم عَنِ السّاعَةِ وغَيْرِها مِنَ المُغَيَّباتِ جَهْلٌ مِنهُمْ؛ لِأنَّ حالَهُ واضِحٌ في أنَّهُ لا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ إلّا ما عَلَّمَهُ اللَّهُ الَّذِي اخْتَصَّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ﴾ أيْ: مِن ذاتِي ﴿أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ: جِنْسَهُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ﴾ أيْ: أوْجَدْتُ لِنَفْسِي كَثِيرًا ﴿مِنَ الخَيْرِ﴾ بِاسْتِجْلابِ المَنافِعِ بِنَصْبِ أسْبابِها.
ولَمّا كانَ الضُّرُّ لا يُحْتَمَلُ مِنهُ شَيْءٌ قالَ: ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ: هَذِهِ الجِنْسُ بِإقامَةِ المَوانِعِ لَهُ عَنِّي لِأنَّ لازِمَ إحاطَةِ العِلْمِ شُمُولُ القُدْرَةِ كَما سَيُقَرَّرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ طه، ولَمّا بَيَّنَ أنَّ عِلْمَ الغَيْبِ رُتْبَةُ الإلَهِ، خَتَمَ الآيَةَ بِبَيانِ رُتْبَتِهِ، فَقالَ قالِبًا ما ادَّعَوْهُ فِيهِ مِنَ الجُنُونِ لِما بانَ بِقَوْلِهِ: ”يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ! اتَّقُوا اللَّهَ، يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانِ“ وكَذا ما لَزِمَ عَنْ إلْزامِهِمْ لَهُ بِعِلْمِ السّاعَةِ مِن أنَّهُ يَكُونُ إلَهًا: ﴿إنْ أنا إلا﴾ ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ لِلْإنْذارِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ: مُطْلَقًا لِلْكافِرِ لِيَرْجِعَ عَنْ كُفْرِهِ، والمُؤْمِنِ لِيَثْبُتَ عَلى إيمانِهِ ﴿وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: خاصَّةً، أوِ الصِّفَتانِ لَهم خاصَّةً بِالنَّظَرِ إلى النَّفْعِ، وأمّا ما لا نَفْعَ فِيهِ فَعَدَمٌ.
الأعراف 7:189
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ السّاعَةَ هُنا كَما ذَكَرَها أوَّلَ السُّورَةِ بِما لَمْ يَذْكُرْهُ (p-١٨٩)هُناكَ مِن تَهَكُّمِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وخَتَمَ هُنا بِحَصْرِ العِلْمِ والقُدْرَةِ في اللَّهِ المُوجِبِ لِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وكانَ الَّذِي جَرَّهم إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ إشْراكَهُمْ، ذَكَرَ ما ذَكَرَ قَبْلَها أوَّلَ السُّورَةِ مِنَ ابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى وجْهِ الحَصْرِ المُسْتَلْزِمِ لِتَمامِ القُدْرَةِ المُوجِبِ لِنَفْيِ الشَّرِيكِ واعْتِقادِ القُدْرَةِ عَلى السّاعَةِ وغَيْرِها والصِّدْقِ في كُلِّ ما وقَعَ الإخْبارُ بِهِ مِن أمْرِها وغَيْرِهِ المُوجِبِ لِلِاسْتِقامَةِ في قَبُولِ بِشارَتِهِ ونِذارَتِهِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الخالِقِ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِلتَّوْحِيدِ مُؤَكِّدًا لِأمْرِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: خَلَقَها ابْتِداءً مِن تُرابٍ وهي آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما مَرَّ بَيانُهُ، ومَن قَدَرَ عَلى اخْتِراعِ حَيٍّ مِن شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ، كانَ عَلى إعادَتِهِ حَيًّا مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ أقْدَرَ.
ولَمّا كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا أقْرَبَ إلى السَّبَبِيَّةِ لِخَلْقِ ذاتِ لَحْمٍ ودَمٍ مِنهُ، قالَ [مُعَبِّرًا بِالواوِ لِأنَّهُ كافٍ في نَفْيِ الشِّرْكِ الَّذِي السِّياقُ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُ بِخِلافِ الزُّمَرِ فَإنَّهُ لِلْقَهْرِ، وتَأْخِيرُ المُسَبَّباتِ عَنِ الأسْبابِ مُدَّةً أدُلُّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ]: ﴿وجَعَلَ﴾ لِأنَّ الجَعْلَ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - إظْهارُ أمْرٍ عَنْ سَبَبٍ وتَصْيِيرٍ ﴿مِنها﴾ أيْ: لا مِن غَيْرِها ﴿زَوْجَها﴾ أيْ: حَوّاءَ مِن لَحْمِها ودَمِها وعَظْمِها.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالنَّفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ الزَّوْجُ يُقالُ عَلى الذَّكَرِ (p-١٩٠)والأُنْثى، اسْتَخْدَمَ ضَمِيرَهُ في المُذَكَّرِ ذاكِرًا عِلَّةَ الجَعْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ﴾ أيْ: آدَمُ هو المُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا، ولَمّا كانَ الزَّوْجُ هُنا هو المَرْأةَ أنَّثَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿إلَيْها﴾ [وتَنَقُّلُكم مِن ذَلِكَ السُّكُونِ مِنهُ إلَيْها] لِأنَّ النَّفْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وعَلَيْهِ أقْبَلُ، ولا سِيَّما إنْ كانَ بَعْضًا، ألا تَرى إلى مَحَبَّةِ الوالِدِ لِوَلَدِهِ والقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ، وإنَّما مَنَعَ سُبْحانَهُ مِن نِكاحِ الأصْلِ والفَرْعِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الضِّرارِ وغَيْرِهِ مِنَ الحِكَمِ الكِبارِ، فَيَغْشاها عِنْدَ ما يَسْكُنُ إلَيْها فَيَحْصُلُ الحَبَلُ والوِلادَةُ فَتَتَفَرَّعُ النُّفُوسُ مِن تِلْكَ النَّفْسِ.
ولَمّا كانَ [السُّكُونُ هُنا كِنايَةً عَنِ الجِماعِ، أعادَهُ بِلَفْظٍ أقْرَبَ مِنهُ] فَقالَ مُؤْذِنًا بِقُرْبِ غِشْيانِها بَعْدَ جَعْلِها، [أوْ] ناسِقًا لَهُ عَلى [ما] تَقْدِيرُهُ: فَسَكَنَ إلَيْها فَمالَتْ نَفْسُهُ إلَيْها فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ غَشِيَها ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ: غَشِيَها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْسِ بِهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ أيْ: لِأنَّهُ نُطْفَةٌ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيْ: فَعالَجَتْ [بِهِ] أعْمالَها وقامَتْ وقَعَدَتْ، لَمْ يَعُقْها عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، إعْلامًا بِأنَّ أمْرَها فِيهِ كانَ عَلى عادَةِ النِّساءِ الَّتِي نَعْرِفُها ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَتْ ثَقِيلَةً بِكِبَرِهِ وتَحَرُّكِهِ في بَطْنِها ﴿دَعَوا اللَّهَ﴾ أيْ: آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ.
ولَمّا ذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ اسْتِحْضارًا لِأنَّ المَدْعُوَّ هو الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ، فَهو قادِرٌ عَلى ما دَعَوا بِهِ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، ذَكَرَ صِفَةَ الإحْسانِ رَجاءَ القَبُولِ والِامْتِنانِ فَقالَ: ﴿رَبَّهُما﴾ أيِ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِما، (p-١٩١)مُقْسِمِينَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ: ولَدًا لا عَيْبَ فِيهِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ: نَحْنُ وأوْلادُنا عَلى نِعْمَتِكَ عَلَيْنا، وذَلِكَ أنَّهُما جَوَّزا أنْ يَكُونَ غَيْرَ سَوِيٍّ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ لا الطَّبِيعَةُ ولا غَيْرُها، وأشارَ بِالفاءِ إلى قُرْبِ الوِلادَةِ مِنَ الدُّعاءِ فَقالَ:
الأعراف 7:190
﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ أيْ: أبَوَيْكم آدَمَ وحَوّاءَ ﴿صالِحًا﴾ أيْ: جِنْسَ الوَلَدِ الصّالِحِ في تَمامِ الخَلْقِ بَدَنًا وقُوَّةً وعَقْلًا، فَكَثُرُوا في الأرْضِ وانْتَشَرُوا في نَواحِيها ذُكُورًا وإناثًا ﴿جَعَلا﴾ أيِ: النَّوْعانِ مِن أوْلادِهِما الذُّكُورُ والإناثُ؛ لِأنَّ ”صالِحًا“ صِفَةٌ لِوَلَدٍ وهو لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى والقَلِيلَ والكَثِيرَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا آتاهُما أوْلادًا صالِحِي الخِلْقَةِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ جَعَلَ النَّوْعانِ ﴿لَهُ شُرَكاءَ﴾ أيْ: بَعْضُهم أصْنامًا وبَعْضُهم نارًا وبَعْضُهم شَمْسًا وبَعْضُهم غَيْرَ ذَلِكَ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الشِّينِ وإسْكانِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ التَّقْدِيرُ: ذَوِي شِرْكٍ ﴿فِيما آتاهُما﴾ أيْ: مِنَ القُوى بِالعِبادَةِ والرِّزْقِ بِالنُّذُورِ ونَحْوِها.
ولَمّا لَمْ يَضُرَّ المُشْرِكُونَ بِالإشْراكِ إلّا أنْفُسَهُمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ تَعالِيًا كَثِيرًا، والدَّلِيلُ عَلى إرادَةِ النَّوْعَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالجَمْعِ، (p-١٩٢)وكَذا ما بَعْدَهُ مِن عَيْبِ عِبادَةِ الأصْنامِ.
الأعراف 7:191
ولَمّا ذَكَرَ عُلُوَّهُ سُبْحانَهُ، شَرَعَ يَذْكُرُ مِن أوْصافِهِ عِبارَةً وإشارَةً ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ويُقِيمُ الأدِلَّةَ عَلى عَدَمِ صَلاحِيَةِ ما أشْرَكُوا بِهِ لِلشَّرِكَةِ بِعَجْزِها، بِأنَّها مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ولا تَصَرُّفَ لَها تَسْتَحِقُّ بِهِ وجْهًا مِنَ التَّعْظِيمِ، فَقالَ مُنْكِرًا عَلى عِبادِها دالًّا عَلى أنَّ المُرادَ الشِّرْكُ الحَقِيقِيُّ، لا ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ إبْلِيسَ في تَسَبُّبِهِ في التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ الحارِثِ ونَحْوِهِ: ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ وأوْلادُهُما في العِبادَةِ ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ أيْ: مِنَ الأصْنامِ والطَّبائِعِ والكَواكِبِ وغَيْرِها ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: يُوجِدُهُ مِنَ العَدَمِ كَما يَفْعَلُ اللَّهُ الَّذِي أشْرَكُوها بِهِ.
ولَمّا كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا مَخْلُوقًا لِأنَّهُ لا يَتَكَوَّنُ عاجِزًا بِغَيْرٍ قادِرٍ أوْجَدَهُ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ مُجْرِيًا لِلْأوْثانِ مَجْرى أُولِي العِلْمِ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَتَهم في الِاعْتِقادِ والعِبادَةِ: ﴿وهُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَصْنُوعُ لا يَكُونُ صانِعًا، اكْتَفى بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿يُخْلَقُونَ﴾ أيْ: مُتَجَدِّدًا خَلْقُ أعْراضِهِمْ وذَواتِهِمْ وأمْثالِهِمْ
الأعراف 7:192
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها ﴿نَصْرًا﴾ وهو المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ العاقِلِ إشارَةً إلى أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ، وكانُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَسِيسَةِ ما أهَّلُوهم لَأنْ يَكُونُوا أحْبابَهم فَضْلًا عَنْ أنْ يَجْعَلُوهم أرْبابَهم.
(p-١٩٣)ولَمّا كانَ مَن لا يَنْصُرُ غَيْرَهُ قَدْ يَنْصُرُ نَفْسَهُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عِنْدَما يُصِيبُهم بِسُوءٍ، بَلْ عَبَدَتَهم يُدافِعُونَ عَنْهم.
الأعراف 7:193
ولَمّا تَبَيَّنَ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُعَجِّبِ مِن حالِهِمْ في ضَلالِهِمْ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ أنَّ مَن أشْرَكُوهُ لَيْسَ فِيهِ نَوْعُ قابِلِيَّةٍ لِما أهَّلُوهُ؛ فَإنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا، ومَن كانَ عاجِزًا نَوْعَ عَجْزٍ كانَ مَرْبُوبًا، وكانَ لِلتَّنْبِيهِ بِالخِطابِ ما لَيْسَ لَهُ بِالغَيْبَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِهِ تَعْجِيبًا آخَرَ مِنهم أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ، وذَلِكَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي أشْرَكُوا بِها كَما أنَّها لا تَفْعَلُ شَيْئًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِها، لا تَفْعَلُهُ عِنْدَ دُعاءِ الدّاعِي ولا تَهْتَدِي إلَيْهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيْ: وإنْ تَدْعُوا أيُّها المُشْرِكُونَ أصْنامَكم دُعاءً مُسْتَمِرًّا مُتَجَدِّدًا ﴿إلى الهُدى﴾ أيْ: إلى الَّذِي يَدُلُّ الدّاعِي إلَيْهِ قَطْعًا، عَلى أنَّ المُتَخَلِّفَ عَنْهُ سَيِّئُ المِزاجِ، مُحْتاجٌ إلى العِلاجِ، لِكَوْنِهِ تَخَلَّفَ عَمّا لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مَن لَهُ نَوْعُ صَلاحٍ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ الأشْياءِ، فالمُتَخَلِّفُ عَنْهُ راضٍ لِنَفْسِهِ بِالدُّونِ ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الهُدى الَّذِي دَعَوْتُمُوهم إلَيْهِ ولَوْ بالَغْتُمْ في الِاسْتِتْباعِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إشارَةً إلى أنَّها لا يُتَصَوَّرُ مِنها قَصْدُ التَّبَعِ فَضْلًا عَنْ إيجادِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ عارِضٍ، بَلْ هو مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ (p-١٩٤)ولَمّا كانَ السَّواءُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ أمْرَيْنِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلَيْهِما فَقالَ: ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وُجِدَ مِنكم ذَلِكَ الدُّعاءُ الَّذِي أُشِيرَ إلى اسْتِمْرارِهِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّهم لا يَدْعُونَهم في وقْتِ الشَّدائِدِ، بَلْ يَدْعُونَ اللَّهَ فَقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أيْ: عَنْ ذَلِكَ عَلى الدَّوامِ عَلى عادَتِكم في الإعْراضِ عَنْ دُعائِهِمْ في أوْقاتِ المُلِمّاتِ، فالَّذِينَ يَدْعُونَ مُعْتَقَدِيهِمْ في وقْتِ الضَّرُوراتِ أقْبَحُ حالًا في ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، [ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَيَكُونُ نَظْمُها: أدَعَوْتُمُوهم مَرَّةً أوْ أنْتُمْ داعُوهم دائِمًا أمْ صَمَتُّمْ عَنْ دُعائِهِمْ في وقْتٍ ما أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ دائِمًا عَنْ دُعائِهِمْ، حاكِمٌ في كُلِّ هَذِهِ الأجْوِبَةِ سَواءٌ في عَدَمِ الإجابَةِ، لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ، دَلَّ بِالفِعْلِ أوَّلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ ثانِيًا، وبِالِاسْمِ ثانِيًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا].
الأعراف 7:194
ولَمّا كانَ اتِّباعُ مَن يَدَّعِي أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ وأبْعَدُهم عَنِ النَّقائِصِ وأعْرَقُهم في مَعالِي الأخْلاقِ وأرْفَعُهم عَنْ سَفْسافِها لِمَن هَذا سَبِيلُهُ أخْزى الخِزْيِ وأقْبَحُ العارِ، وكانُوا مَعَ العِلْمِ بِهَذا الَّذِي وُصِفَتْ بِهِ - مَعْبُوداتُهم يَفْعَلُونَ في الإشْراكِ بِهِمْ وفي خَوْفِهِمْ ورَجائِهِمْ ما هو عَيْنُ الجَهْلِ؛ كَرَّرَ تَبْكِيتَهم بِاتِّباعِهِمْ في أُسْلُوبٍ آخَرَ أوْضَحَ مِمّا قَبْلَهُ في تَبْيِينِ النَّقائِصِ والتَّنْبِيهِ عَلى المَعايِبِ مُلْجِئٍ إلى الِاعْتِرافِ أوِ التَّصْرِيحِ بِالعِنادِ أوِ الجُنُونِ فَقالَ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: أيُّها المُشْرِكُونَ دُعاءَ (p-١٩٥)عِبادَةٍ مُلازِمِينَ لِذَلِكَ، أوْ أنَّهُ أطْلَقَ الدُّعاءَ عَلى العِبادَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَصِحُّ عِبادَةُ مَن لَيْسَ فِيهِ قابِلِيَّةٌ أنْ يُدْعى، والحاصِلُ أنَّ الدُّعاءَ يُلازِمُ المَعْبُودَ.
ولَمّا كانَ دُعاؤُهم لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الإشْراكِ، قالَ مُشِيرًا إلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِإثْباتِ الجارِّ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ والعَظَمَةِ والجَلالِ ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: في العَجْزِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لا سِيَّما عَمّا وقَعَ بِهِ التَّحَدِّي مِن مُعارَضَةِ القُرْآنِ وغَيْرِها، وأنْتُمْ تَزِيدُونَ عَلَيْها بِالحَياةِ والعَقْلِ، والمَعْبُودُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِثْلَ العابِدِ فَكَيْفَ إذا كانَ دُونَهُ؛ ولَمّا كانُوا لا يُسَلِّمُونَ أنَّهم أمْثالُهُمْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أمْرَهم بِدُعائِهِمْ لِبَيانِ دَعْوى المِثْلِيَّةِ بَلِ الدُّونِيَّةِ فَقالَ: ﴿فادْعُوهُمْ﴾ أيْ: إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
ولَمّا كانَ الإلَهُ الحَقُّ يُجِيبُ ولَيَّهُ عِنْدَ التَّحَدِّي مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالرَّبْطِ بِالفاءِ فَقالَ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: يُوجِدُوا لَكم إجابَةً بَيِّنَةً في الإتْيانِ بِسُورَةٍ تُماثِلُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ وفي شَيْءٍ مِنَ المَنافِعِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ مُحْتاجًا إلى مَزِيدِ تَوْبِيخٍ وإلْهابٍ، قَدَّمَ مِنهُ ما رَأيْتُ، ثُمَّ زادَ في الإلْهابِ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْوى أنَّهم آلِهَةٌ، فَإنَّ رُتْبَةَ الإلَهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ”إنْ“ خَفِيفَةً و”عِبادًا أمْثالَكُمْ“ بِنَصْبِ الدّالِ واللّامِ، (p-١٩٦)واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى تَخْرِيجِها عَلى أنَّ ”إنْ“ هي النّافِيَةُ أُعْمِلَتْ عَمَلَ ”ما“ الحِجازِيَّةِ، فَرَفَعَتِ الِاسْمَ ونَصَبَتِ الخَبَرَ، وإعْمالُها هَذا العَمَلَ فِيهِ خِلافٌ، أجازَهُ الكِسائِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، ومِنَ البَصْرِيِّينَ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ومَنَعَ مِنهُ الفَرّاءُ وأكْثَرُ البَصْرِيِّينَ، واخْتُلِفَ النَّقْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ، والصَّحِيحُ أنَّ إعْمالَها لُغَةٌ ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّظْمِ والنَّثْرِ - ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ أبُو حَيّانَ وذَكَرَ أنَّهُ أشْبَعُ الكَلامِ فِيهِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، واعْتُرِضَ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ مُنافاتُها لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما يُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ لَوْ تَوارَدَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، ولَيْسَ الأمْرُ هُنا كَذَلِكَ، فالإثْباتُ لِمُماثَلَتِها لَهم في مُطْلَقِ العَجْزِ، والنَّفْيُ لِمُساواتِها لَهم فِيهِ لِزِيادَتِهِمْ عَنْها بِالبَطْشِ ونَحْوِهِ، أوْ يَكُونُ الأمْرُ - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - أنَّ الإثْباتَ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ والنَّفْيِ عَلى الحَقِيقَةِ.
الأعراف 7:195
ولَمّا أثْبَتَ عَجْزَهم وأنَّهم أمْثالُهُمْ، دَلَّ عَلَيْهِ وعَلى أنَّهم دُونَهم بِأُسْلُوبِ إنْكارٍ وتَعْجِيبٍ مُفَصِّلًا لِبَعْضِ ما نَفاهُ [عَنْهُمْ] فَقالَ مُقَدِّمًا الأرْجُلَ لِأنَّ أوَّلَ ما يُخْشى مِنَ الشَّيْءِ انْتِقالُهُ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ ولَمّا كانَتْ لَهم جَوارِحُ مَصْنُوعَةٌ، بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ بِها﴾
ولَمّا كانَ المَخْشِيُّ بَعْدَ الِانْتِقالِ مَدَّ اليَدِ، قالَ: ﴿أمْ لَهم أيْدٍ﴾ أيْ: مَوْصُوفَةٌ بِأنَّهم ﴿يَبْطِشُونَ بِها﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ البَطْشِ؛ ولَمّا كانَ المَخُوفُ بَعْدَ البَطْشِ بِاليَدِ البَصَرَ خَوْفًا مِنَ الدَّلالَةِ [قالَ]: ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ﴾ (p-١٩٧)أيْ: مَنعُوتَةٌ بِأنَّهم ﴿يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيْ: ضَرْبًا مِنَ الإبْصارِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما خافَ مِمّا يَقْصِدُ ضُرَّهُ فَتَغِيبُ عَنْهُ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا بِالسَّمْعِ قالَ خاتِمًا: ﴿أمْ لَهم آذانٌ﴾ أيْ: مَقُولٌ فِيها أنَّهم ﴿يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ السَّمْعِ.
ولَمّا سَوّاها بِهِمْ ونَفى عَنْهم ما تَقَدَّمَ، لَزِمَ نُقْصانُها عَنْهم وأنَّهُ في الحَقِيقَةِ مَسْلُوبٌ عَنْهم لِأنَّهم لَيْسَ لَهم مِن ذَواتِهِمْ إلّا العَدَمُ، والقُدْرَةُ فِيما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ إنَّما هي بِيَدِ الصّانِعِ لَهم أشْرَكَهم مَعَها، وقالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قُلِ﴾ أيْ: لِهَوُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أيْ: هَذِهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ومَهْما شِئْتُمْ غَيْرَها، واسْتَعِينُوا بِها في عَداوَتِي.
ولَمّا كانَ هَذا تَحَدِّيًا عَظِيمًا يَحِقُّ لِفاعِلِهِ التَّمَدُّحُ بِهِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أيْ: جَمِيعًا أنْتُمْ وهم وأنْتُمْ أكْثَرُ مِن حَصى البَطْحاءِ ورَمْلِ الفَضاءِ وأنا وحْدِي، ولَمّا كانَ المَعْنى: وعَجِّلُوا، عَطَفَ بِفاءِ السَّبَبِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: تُمْهِلُونِ لَحْظَةً فَما فَوْقَها لِئَلّا تَعْتَلُّوا في الإنْظارِ بِعِلَّةٍ، وعَلَّلَ عَدَمَ المُبالاةِ بِكَيْدِهِمْ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى اتِّصافِ مَعْبُودِهِ بِما نَفاهُ عَنْ شُرَكائِهِمْ مِنَ الإحاطَةِ بِمَنافِعِ الدّارَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأدْيانِ والأبْدانِ، وقَدَّمَ الدِّينَ إشارَةً إلى أنَّهُ الأهَمُّ فَقالَ مُؤَكِّدًا في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمْ:
الأعراف 7:196
﴿إنَّ ولِيِّيَ﴾ أيْ: ناصِرِي ومُتَوَلِّي جَمِيعِ أُمُورِي ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِي نَـزَّلَ﴾ أيْ: بِحَسْبِ التَّدْرِيجِ (p-١٩٨)مُتَكَفِّلًا بِفَصْلِ الوَقائِعِ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ: الجامِعَ لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ وأحْوالِ الدّارَيْنِ وكُلِّ ما فِيهِ صَلاحٌ مِن أحْوالِ القُلُوبِ وغَيْرِها الَّذِي عَجَزْتُمْ بِأجْمَعِكم ومَن ادَّعَيْتُمْ شَرِكَتَهُ عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِنهُ.
ولَمّا تَكَفَّلَ هَذا التَّنْزِيلُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ، وهي الحَياةُ التّامَّةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِلْإرادَةِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ، وكانَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ لِلْكِتابِ دَلِيلًا شُهُودِيًّا قَوْلِيًّا عَلى كَذِبِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ دَلِيلًا آخَرَ شُهُودِيًّا فِعْلِيًّا فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يَتَوَلّى﴾ أيْ: يَلِي وِلايَةً تامَّةً ﴿الصّالِحِينَ﴾ أيْ: كُلَّهم بِنَصْرِهِمْ عَلى كُلٍّ مُناوٍ وكِفايَتِهِمْ لِكُلِّ مُهِمٍّ وقَدْ عَلِمْتُمْ ما قَدَّمَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن وقائِعِهِ بِمَن كَذَّبَ أنْبِياءَهُ واسْتَهْزَأ بِرُسُلِهِ وأنَّهُ أنْجى كُلَّ مَن والاهُ، وأهْلَكَ جَمِيعَ مَن عاداهُ كَمَن عَدُّوهم آلِهَةً، وهو وما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ مُتَلَفِّتٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الأعراف: ٣] بِالشَّرْحِ، وهو دالٌّ عَلى أنَّهُ الَّذِي فَعَلَ ما تَقَدَّمَ لِأجْلِ أوْلِيائِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ أعْجَزَهم عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِن كِتابِهِ، وعَنِ الوُصُولِ إلى جَمِيعِ ما يُرِيدُونَ مِن أوْلِيائِهِ وأحْبابِهِ.
الأعراف 7:197
ولَمّا صَوَّرَ بِهَذا جَلالَهُ، وقَرَّرَ عَظَمَتَهُ وكَمالَهُ، بِاتِّصافِهِ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ العُلى الَّتِي مِنها القُدْرَةُ الَّتِي تَكُفُّهم عَنْهُ؛ كَرَّرَ التَّنْفِيرَ عَنْ أنْدادِهِمْ في أُسْلُوبٍ آخَرَ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى السّابِقِ بِزِيادَةٍ بالِغَةٍ في العَجْزِ وهو تَصْوِيبُ (p-١٩٩)النَّظَرِ مِن غَيْرِ إبْصارٍ، مَعَ أنَّ الأوَّلَ لِلتَّقْرِيعِ، وهَذا الفَرْقُ بَيْنَ مَن يُعْبَدُ بِحَقٍّ ومَن يُعْبَدُ بِباطِلٍ لِيَرْجِعُوا عَنْ غَيِّهِمْ وعِنادِهِمْ، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم لَيْسُوا في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ مُصَرِّحًا بِنَفْيِ النُّصْرَةِ الَّتِي أثْبَتَها لَهُ عَنْهم مَعَ المُواجَهَةِ بِالخِطابِ الَّذِي هو أفْظَعُ في الجَوابِ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تُدِيمُونَ دُعاءَهم ﴿مِن دُونِهِ﴾ - فَإنَّهم يَدْعُونَهُ سُبْحانَهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ – أوْ تَدْعُونَهم تارِكِينَ لَهُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النُّصْرَةِ بِدَلِيلِ عَجْزِكم عَنِّي وأنا وحْدِي وأنْتُمْ أهْلُ الأرْضِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ بِدَلِيلِ أنَّ الكَلْبَ يَبُولُ عَلَيْهِمْ فَلا يَمْنَعُونَهُ.
الأعراف 7:198
ولَمّا كانَ دُعاءُ الجَماعَةِ أقْرَبَ إلى السَّماعِ مِن دُعاءِ الواحِدِ، نَسَّقَ عَلى ما قَبْلَهُ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيْ: يا مَن هم أضَلُّ مِنهم وأعْجَزُ ﴿إلى الهُدى﴾ أيْ: إلى الَّذِي هو أشْرَفُ الخِلالِ لِيَهْتَدُوا في نَصْرِ أنْفُسِهِمْ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ ولا غَيْرِهِ؛ ولَمّا كانَ حالُهم في البَصَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، قالَ مُفْرِدًا لِلْمُخاطَبِ: ﴿وتَراهُمْ﴾ أيْ: أيُّها النّاظِرُ إلَيْهِمْ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَنْظُرُونَ لِما صَنَعُوا لَهم مِنَ الأعْيُنِ ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الإبْصارِ، وما أشْبَهَ مَضْمُونَ هَذِهِ الآياتِ بِما في سِفْرِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ في نُبُوَّةِ أشْعِيا: هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إسْرائِيلَ ومُخَلِّصُهُ: أنا الأوَّلُ وأنا الآخَرُ، ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي. ومَن مِثْلِي يَدَّعِي ويُظْهِرُ قُوَّتَهُ ويُخْبِرُ بِما كانَ (p-٢٠٠)مُنْذُ بَسَطْتُ الدُّنْيا إلى الأبَدِ، والآياتُ القَدِيمَةُ تَظْهَرُ لِلشُّعُوبِ، فَلا يَفْزَعُونَ ولا يَخافُونَ، ألَمْ أُسْمِعْكم مُنْذُ أوَّلِ الدَّهْرِ وأُظْهِرْها لَكم وأُبَيِّنْ لَكُمُ الأُمُورَ وأنْتُمْ شُهَدائِي أنْ لَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي، ولَيْسَ عَزِيزٌ مَنِيعٌ إلّا وأنا أعَزُّ مِنهُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الصُّنّاعِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الأصْنامَ إنَّما عَمَلُهم باطِلٌ ولَيْسَ في أعْمالِهِمْ مَنفَعَةٌ، وأنَّ الصُّنّاعَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَها هم يَشْهَدُونَ عَلَيْها أنَّها لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ ولا تَعْلَمُ، لِذَلِكَ يُخْزى جَمِيعُ صُنّاعِ الأوْثانِ المَسْبُوكَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما صَنَعُوا لا عَقْلَ لَهُ، فَيُجْمَعُونَ كُلُّهم ويُخْزَوْنَ ويَفْتَضِحُونَ لِأنَّ النَّجّارَ نَحَتَ بِحَدِيدِهِ وهَيَّأ صَنَمًا بِمِنقارِهِ وسَدَّدَهُ بِقُوَّةِ ساعِدِهِ وجاعَ وعَطِشَ في عَمَلِهِ. والنَّجّارُ اخْتارَ خَشَبَةً وقَدَّرَها وألْصَقَ بَعْضَها بِبَعْضٍ بِالغِراءِ ورَكَّبَها وعَمِلَها كَشِبْهِ الإنْسانِ، أقامَ مِنَ الخَشَبِ الَّذِي قَطَعَ مِنَ الغَيْضَةِ كَشِبْهِ رَجُلٍ الَّذِي نَبَتَ مِن شُرْبِ المَطَرِ لِيَصِيرَ لِلنّاسِ لِلْوَقُودِ فَعَمِلُوهُ لَهم إلَهًا وعَبَدُوهُ وسَجَدُوا لَهُ، الَّذِي يُنْصِفُهُ خَبَزُوا لَهم خُبْزًا وشَوَوْا لَهم لَحْمًا عَلى جَمْرَةٍ وأكَلُوا وشَرِبُوا واصْطَلَوْا وقالُوا: قَدْ حَمَيْنا لِأنّا قَدْ أوْقَدْنا نارًا واصْطَلَيْنا، والَّذِي بَقِيَ مِنهُ اتَّخَذُوهُ إلَهًا مَنحُوتًا وسَجَدُوا لَهُ وصَلَّوْا وقالُوا: نَجِّنا لِأنَّكَ إلَهُنا.
ولَمْ يَخْطُرْ عَلى بالِهِمْ فِكْرُ أنْ يَقُولُوا: إنّا قَدْ أوْقَدْنا نِصْفَهُ بِالنّارِ، وخَبَزْنا خُبْزَنا وشَوَيْنا عَلى جَمْرِهِ اللَّحْمَ وأكَلْنا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ باقِيَهُ عُمِلَ مِنهُ صَنَمٌ وسَجَدُوا لَهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَهم مُتَمَرِّغَةٌ في رَمادِهِ، وضَلَّتْ عُقُولُهم فَلا يَقْدِرُونَ يُنَجُّونَ أنْفُسَهم ولا يَقُولُونَ: إنَّ أيادِيَنا عَمِلَتِ الباطِلَ (p-٢٠١)واتَّخَذَتِ الكَذِبَ، ثُمَّ قالَ: ألَيْسَ أنا الرَّبُّ مُنْذُ أوَّلُ، ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي ولا مُخَلِّصَ سِوايَ، ادْنُوا إلَيَّ يا جَمِيعَ الَّذِينَ في أقْطارِ الأرْضِ لِتَنْجُوا لِأنِّي أنا الرَّبُّ ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي، حَلَفْتُ بِيَمِينِي وأخْرَجْتُ كَلِمَةَ صِدْقٍ ولَسْتُ أرْجِعُ عَنْها لِأنَّهُ لِي تَنْحَنِيَ كُلُّ رُكْبَةٍ، وبِي يَحْلِفُ كُلُّ إنْسانٍ ويَقُولُ: إنَّما البَرُّ بِالرَّبِّ، وإلَيْهِ تَدْنُو الأعِزّاءُ ويُخْزى جَمِيعُ المُبْغِضِينَ، وبِي يُمْتَدَحُ ويُتَبَرَّرُ، بِمَن شَبَّهْتُمُونِي؟ وإلى مَن نَسَبْتُمُونِي؟ بِالضّالِّينَ الَّذِينَ أخْرَجُوا الذَّهَبَ مِن أكْياسِهِمْ ووَزَنُوا الفِضَّةَ بِالمِيزانِ واكْتَرُوا الصُّنّاعَ حَتّى عَمِلُوا لَهم آلِهَةً يَسْجُدُونَ لَها ويَحْمِلُونَها عَلى أكْتافِهِمْ ويَمْشُونَ بِها ثُمَّ يُصَلُّونَ لَها ويَدْعُونَها لا تُجِيبُهم ولا تُخَلِّصُهم مِن شَدائِدِهِمْ ثُمَّ يَحْمِلُونَها أيْضًا ويَرُدُّونَها إلى مَواضِعِها، اذْكُرُوا هَذِهِ الأشْياءَ واعْقِلُوا أيُّها الأثَمَةُ وأخْطِرُوها عَلى قُلُوبِكم وتَذَكَّرُوا الأيّامَ الَّتِي كانَتْ مِنَ الِابْتِداءِ، إنِّي أنا اللَّهُ الخالِقُ ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي ولا مِثْلِي، فَأنا أُظْهِرُ العَتِيداتِ وأُخْبِرُ بِالَّذِي يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، وأُثَبِّتُ رَأْيِي وأُكْمِلُ إراداتِي وهَوايَ، وأدْعُو مَن في المَشارِقِ فَيَأْتُونَ أسْرَعَ مِنَ الطَّيْرِ، وأتانِي الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ عَمِلَ مَسَرَّتِي مِنَ الأرْضِ البَعِيدَةِ، لِأنِّي أنا إذا تَكَلَّمْتُ بِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ. أنا خَلَقْتُ وأنا أخْلُقُ؛ وفي الزَّبُورِ في المَزْمُورِ الثّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ المائِهِ: إلَهَنا في الأرْضِ، كُلَّ ما يَشاءُ يَصْنَعُ، أوْثانُ الأُمَمِ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ عَمَلُ أيْدِي (p-٢٠٢)البَشَرِ، لَها أفْواهٌ ولا تَتَكَلَّمُ، لَها أعْيُنٌ ولا تَنْظُرُ، لَها آذانٌ ولا تَسْمَعُ، وآنافٌ ولا تَشُمُّ، وأيْدٍ ولا تَلْمِسُ، وأرْجُلٌ ولا تَمْشِي، ولا صَوْتَ بِحَناجِرِها ولا رُوحَ في أفْواهِها، فَلْيُكُنْ صانِعُوها مِثْلَها وجَمِيعُ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْها. انْتَهى.
الأعراف 7:199
ولَمّا كانَ مُحَصِّلُ أمْرِهِمُ الإعْراضَ عَمّا أتاهم بِالتَّكْذِيبِ والإقْبالِ عَلى ما لَمْ يَأْتِهِمْ بِالطَّلَبِ والتَّعَنُّتِ كالسُّؤالِ عَنِ السّاعَةِ، والأمْرِ بِالمُنْكَرِ مِنَ الشِّرْكِ وما يَلْزَمُ مِنهُ مِن مُساوِي الأخْلاقِ، والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ وما يَتْبَعُهُ مِن مَحاسِنِ الشَّرْعِ، وذَلِكَ هو الجَهْلُ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ أصْلَحَ لَهُ الدِّينَ بِالكِتابِ، والدُّنْيا بِالحِفْظِ مِن كُلِّ ما يَنْتابُ، وكانَ حالُهم رُبَّما كانَ مُوئِسًا مِن فَلاحِهِمْ، مُفَتِّرًا عَنْ دُعائِهِمْ إلى صَلاحِهِمْ، كانَ الدّاعِي لَهم ﷺ كَأنَّهُ قالَ: فَما أصْنَعُ في أمْرِهِمْ؟ فَأجابَهُ بِالتَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ والأمْرِ بِضِدِّ قالِهِمْ وفِعالِهِمْ والإبْلاغِ في الرِّفْقِ بِهِمْ فَقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ: ما أتاكَ مِنَ اللَّهِ والنّاسِ بِلا جُهْدٍ ومَشَقَّةٍ، وهَذا المادَّةُ تَدُورُ عَلى السُّهُولَةِ، وتارَةً تَكُونُ مِنَ الكَثْرَةِ وتارَةً مِنَ القِلَّةِ، فَعَفا المالُ، أيْ: كَثُرَ، فَصارَ يَسْهُلُ إخْراجُهُ ويَسْمَحُ بِهِ لِزِيادَتِهِ عَنِ الحاجَةِ، وعَفا المَنزِلُ، أيْ: دَرَسَ، فَسَهُلَ أمْرُهُ حَتّى صارَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
(p-٢٠٣)ولَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ في نَفْسِهِ، أمَرَهُ بِهِ في غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ: بِكُلِّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ وأجازَهُ، فَإنَّهُ مِنَ العَفْوِ سُهُولَةً وشَرَفًا، وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَأغْنى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْمُساهَلَةِ؛ ولَمّا أمَرَهُ بِالفِعْلِ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ، أتْبَعَهُ التُّرْكَ فَقالَ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: فَلا تُكافِئْهم بِخِفَّتِهِمْ وسَفَهِهِمْ ولا تُمارِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ أسْهَلُ مِن غَيْرِهِ، وذَلِكَ [بَعْدَ فَضِيحَتِهِمْ بِالدُّعاءِ، وذَلِكَ] لِأنَّ مَحَطَّ حالِهِمُ اتِّباعُ الهَوى فَيَدْعُوهم إلى تَكَلُّفِ ضِدِّ هَذِهِ الخِصالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى النَّهْيِ عَنْ أنْ يُذْهِبَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ مُبالَغَةً في الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعَ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِنها.
الأعراف 7:200
ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ بِعَداوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ مُجْتَهِدًا في التَّنْفِيرِ مِن هَذِهِ المَحاسِنِ والتَّرْغِيبِ في أضْدادِها، «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ نُزِعَ مِنهُ حَظُّ الشَّيْطانِ بِطَرْحِ تِلْكَ العَلَقَةِ السَّوْداءِ مِن قَلْبِهِ إذْ شَقَّ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَدْرَهُ وغَسَلَ قَلْبَهُ وقالَ: هَذا حَظُّ الشَّيْطانِ مِنكَ؛» شَرَعَ لِأُمَّتِهِ ما يَعْصِمُهم مِنهُ عِنْدَ نَزْغِهِ مُخاطِبًا لَهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى القَبُولِ وأجْدَرَ بِاشْتِدادِ الخَوْفِ المُقْتَضِي لِلْفِرارِ المُثْمِرِ لِلنَّجاةِ؛ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا (p-٢٠٤)قَصْدَ الشَّيْطانِ لِمَن نُزِعَ مِنهُ حَظُّهُ وعُصِمَ مَن كُلِّ مِحْنَةٍ عَلِمُوا أنَّهُ لَهم أشَدُّ قَصْدًا وأعْظَمُ كَيْدًا وصَدًّا، فَقالَ مُؤَكِّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ إشارَةً إلى شِدَّةِ قَصْدِ الشَّيْطانِ لِلْفِتْنَةِ وإفْراطِهِ في ذَلِكَ، لِيُبالِغَ في الحَذَرِ مِنهُ وإنْ كانَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ في مَحَلِّ الإنْكارِ لِعِلْمِهِ بِالعِصْمَةِ - لِذَلِكَ عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى ضَعْفِ كَيْدِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَهُ عَلى قَرِينِهِ فَأسْلَمَ: ﴿وإمّا﴾ أيْ: إنْ، وأُكِّدَتْ بِ ”ما“ إثْباتًا لِلْمَعْنى ونَفْيًا لِضِدِّهِ ﴿يَنْـزَغَنَّكَ﴾ أيْ: يَنْخَسَنَّكَ نَخْسًا عَظِيمًا ﴿مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ﴾ أيْ: نَخْسٌ بِوَسْوَسَتِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُزْعِجَ فَيَسُوقَ إلى خِلافِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَحاسِنِ في نَحْوِ غَضَبٍ مِن جَهْلِ الجاهِلِ وسَفَهِ السَّفِيهِ أوْ إفْراطٍ في بَعْضِ أوْجُهٍ كَما تُساقُ الدّابَّةُ بِما تُنْخَسُ بِهِ، فَيُفَسَّرُ ويُجْعَلُ النَّخْسُ ناخِسًا إشارَةً إلى شِدَّتِهِ ﴿فاسْتَعِذْ﴾ أيْ: فَأوْجِدْ أوِ اطْلُبِ العَوْذَ وهو الِاعْتِصامُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزِّ والعَظَمَةِ والقُدْرَةِ والقَهْرِ لِانْقِطاعِكَ عَنِ الإخْوانِ والأنْصارِ إلَيْهِ فَلا ولِيَّ لَكَ ولا ناصِرَ إلّا هُوَ، فَإنَّهُ إذا أرادَ إعاذَتَكَ ذَكَّرَكَ مِن عَزِيزِ نِعَمِهِ وشَدِيدِ نِقَمِهِ ما يُرِيدُ عَنِ الفَسادِ رَغَبًا ورَهَبًا، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى [أوَّلِها]: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]
ولَمّا أبْطَلَ تَعالى أنْ يَكُونَ لِشُرَكائِهِمْ سَمْعٌ أوْ عِلْمٌ، صارَ إثْباتُ ذَلِكَ (p-٢٠٥)لَهُ كافِيًا في اخْتِصاصِهِ بِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الحَصْرِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِتَقَدُّمِهِ صَرِيحًا بِخِلافِ ما في فُصِّلَتْ، فَقالَ مُعَلِّلًا: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ: بالِغُ السَّمْعِ فَهو يَسْمَعُ اسْتِعاذَتَكَ فَيُجِيبُكَ إنْ شاءَ ﴿عَلِيمٌ﴾ شامِلُ العِلْمِ بِما تُرِيدُ ويُرِيدُ مِنكَ عَدُوُّكَ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وخَتَمَ بِصِفَةِ العِلْمِ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ مِن بابِ ما يُعْلَمُ، وخَتَمَها في سُورَةِ المُؤْمِنِ بِالبَصِيرِ المُشْتَقِّ مِنَ البَصَرِ والبَصِيرَةِ؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ أمْرُ النّاسِ ومِنهُ ما يُبْصَرُ.
الأعراف 7:201
ولَمّا كانَ لا يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إلّا شَيْءٌ خَفِيفٌ جِدًّا كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالنَّزْغِ، وهو لَيْسَ بِمُحَقَّقٍ كَما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ أداةُ الشَّكِّ، وكانَ لا يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ إلّا المُتَّقُونَ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ نَزْغِهِ لِتَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: حَصَلَ لَهم هَذا الوَصْفُ، وحَقَّقَ أذاهُ لَهم بِأداةِ التَّحْقِيقِ - بِخِلافِ ما مَضى عِنْدَ إفْرادِ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ - فَقالَ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ﴾ أيْ: طَوافٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ طَيْفٍ كَمَيِّتٍ وهو بِمَعْنى قِراءَةِ طائِفٍ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ كَمَيِّتٍ ومائِتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيْضًا، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الشَّيْطانَ دائِرٌ حَوْلَهم لا يُفارِقُهُمْ، فَتارَةً يُؤَثِّرُ فِيهِمْ طَوافُهُ فَيَكُونُ قَدْ مَسَّهم مَسًّا هو أكْبَرُ مِنَ النَّزْغِ؛ لِكَوْنِهِ أطافَ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، وتارَةً لا يُؤَثِّرُ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أيِ: البَعِيدِ مِنَ الرَّحْمَةِ المُحْتَرِقِ بِاللَّعْنَةِ ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذِكْرَ اللَّهِ بِجَمِيعِ ما يَنْفَعُهم في ذَلِكَ إقْدامًا وإحْجامًا.
(p-٢٠٦)ولَمّا كانُوا بِإسْراعِ التَّذَكُّرِ كَأنَّهم لَمْ يَمَسْهم شَيْءٌ مِن أمْرِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكِّدًا لِسُرْعَةِ البَصَرِ بِإذا الفُجائِيَّةِ: ﴿فَإذا هُمْ﴾ أيْ: بِنُورِ ضَمائِرِهِمْ ﴿مُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ إبْصارُهم فَلا يُتابِعُونَ الشَّيْطانَ، فَإنَّ المُتَّقِيَ مَن يَشْتَهِي فَيَنْتَهِي، ويُبْصِرُ فَيُقْصِرُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن تَمادى مَعَ الشَّيْطانِ عَمِيَ لِأنَّهُ ظالِمٌ، والظّالِمُ هو مَن يَكُونُ كَأنَّهُ في الظَّلامِ.
الأعراف 7:202
ولَمّا وُصِفَ المُتَّقُونَ الَّذِينَ هُمُ العُلَماءُ مُلَوِّحًا إلى نُصْحِ ولِيِّهِمْ لَهُمْ، وعُرِفَ مِن حالِهِمْ أنَّهم أعْداءُ الشَّيْطانِ، وعُرِفَ أنَّ أضْدادَهم أوْلِياؤُهُ؛ أتْبَعَهُ وصْفَ الجاهِلِينَ وغِشَّ أوْلِيائِهِمْ لَهم والكُلُّ غَيْرُ مُتَقَيَّنٍ، فَقالَ: ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أيْ: وإخْوانُ الجاهِلِينَ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ أيْ: يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ، مِنَ المَدِّ وهو الإمْهالُ والإطالَةُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ أهْلِ المَدِينَةِ بِالضَّمِّ مَنِ الإمْدادِ، [وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذا أكْثَرَ ما يَأْتِي فِيما يُحْمَدُ كَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ، فَهو مِنَ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في ضِدِّهِ نَحْوَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] وكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ الشَّيْطانَ أكْثَرُ ما يَأْتِي الإنْسانَ في صُورَةِ النّاصِحِ الشَّفِيقِ، والأوْجَهُ أنْ يَكُونَ الإخْوانَ الجاهِلِينَ لِأنَّهم في مُقابَلَةِ: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٢٠١] ويَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّيْطانِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، أيْ: وإخْوانُ الشَّياطِينِ - وهُمُ الجاهِلُونَ الَّذِينَ لا يَتَّقُونَ - يَمُدُّهم أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ] ﴿فِي الغَيِّ﴾ وهو ضِدُّ (p-٢٠٧)الرَّشادِ، [وأشارَ] إلى مَزِيدِ اعْتِنائِهِمْ بِالإغْواءِ ومُثابَرَتِهِمْ عَلى الإضْلالِ والإغْراءِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ أيْ: لا يَتْرُكُونَ إغْواءَهم ولَوْ لَحْظَةً لِجَهْلِهِمْ وشَرِّهِمْ.
الأعراف 7:203
ولَمّا تَقَرَّرَ ما شَرَعَهُ مِنَ التَّعَفُّفِ وعَدَمِ التَّنَطُّعِ والتَّكَلُّفِ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ مِن عَمَهِهِمْ تَكَلُّفُهُمُ السُّؤالَ عَنِ السّاعَةِ، والشَّياطِينُ لا يَفْتُرُونَ عَنْ إغْوائِهِمْ، أخْبَرَهُ عَنْ مُطْلَقِ تَكَلُّفِهِمْ تَعَجُّبًا مِنهم وإشْهادًا لِتَمادِيهِمْ مَعَ إغْواءِ شَياطِينِهِمْ، وأمَرَهُ ﷺ بِما يُجِيبُهم بِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أيْ: عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ ﴿قالُوا لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿اجْتَبَيْتَها﴾ والجَبْيُ: الجَمْعُ، والإجْباءُ تَرْكُهُ، والِاجْتِباءُ: الجِدُّ في الجَمْعِ، ويَلْزَمُ مِنهُ الِاصْطِفاءُ والِاخْتِيارُ، فَمَعْنى اجْتَبَيْتَها اجْتَلَبْتَها، أيْ: تَكَلَّفْتَ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ الإتْيانَ بِها مُخْتارَةً.
ولَمّا كانَ المَقامُ داعِيًا إلى السُّؤالِ في تَعْلِيمِ الجَوابِ، أُسْعِفُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: إذا قالُوا ذَلِكَ ﴿إنَّما أتَّبِعُ﴾ أيْ: أتَعَمَّدُ وأتَكَلَّفُ اتِّباعَ ﴿ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: يَأْتِينِي بِهِ المَلَكُ ﴿مِن رَبِّي﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِتَعْلِيمِي ما يَنْفَعُنِي، لا أنِّي آتِي بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِي ولا أقْتَرِحُ عَلى رَبِّي.
ولَمّا حَصَرَ حالَهُ في اتِّباعِ الوَحْيِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا الَّذِي (p-٢٠٨)يُوحى إلَيْكَ؟ فَقالَ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِاتِّباعِهِ لِأنَّهُ كافٍ في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ مُغْنٍ عَنِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ قاهِرٌ في وُجُوبِ اتِّباعِهِ -: ﴿هَذا﴾ مُشِيرًا إلى ما يُوحى إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضَرًا في سائِرِ الأذْهانِ، حاضِرًا بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إنْسانٍ﴿بَصائِرُ﴾ أيْ: أشْياءُ هي - عَلى حَسَبِ ما طَلَبْتُمْ - مُجْتَباةٌ، بَلْ هي خِيارُ الخِيارِ، يَكُونُ بِها نُورُ القَلْبِ فَيَصِيرُ لِلْعُيُونِ أيْضًا بَصَرٌ يُقَرِّبُهُ مِمّا يَحُثُّ الكِتابُ عَلى نَظَرِهِ مِنَ الآياتِ المَرْئِيّاتِ إلى عُلُومٍ لَمْ تَكُنْ لَها قَبْلَ ذَلِكَ، وهي حُجَجٌ بَيِّنَةٌ قاهِرَةٌ عَلى تَصْدِيقِي وقَبُولِ كُلِّ ما جِئْتُ بِهِ، وسَمّاهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِبَصَرِ العُقُولِ بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وجَمِيعِ الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وفُرُوعًا، فَهو تَسْمِيَةٌ لِلسَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبَّبِ، وعَلَيَّ مَدْحُها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي لَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ عَنْكم أصْلًا، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُتَلَقّى ما أتى مِنهُ بِكُلِّ جَمِيلٍ.
ولَمّا كانَتِ البَصائِرُ جَمْعًا، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مُفْرِداتِ الجَمْعِ تَكُونُ مُتَفاوِتَةً، أكَّدَها بِما يُشِيرُ إلى أنَّها خارِقَةٌ لِلْعادَةِ في أنَّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ في أعْلى طَبَقاتِ الهِدايَةِ فَقالَ: ﴿وهُدًى﴾ أيْ: بَيانٌ؛ ولَمّا كانَ البَيانُ قَدْ لا يَكُونُ عَلى وجْهِ الإكْرامِ، قالَ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: إكْرامٌ. (p-٢٠٩)ولَمّا كانَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ يَصِحُّ أنْ يَنْفِيَ عَنِ الشَّيْءِ النّافِعِ النَّفْعَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ ويَسْتَمِرُّونَ عَلى تَجْدِيدِها في كُلِّ وقْتٍ، وأمّا غَيْرُهم فَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ عَذابًا.
الأعراف 7:204
ولَمّا عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَ القُرْآنِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَآمِنُوا بِهِ تُفْلِحُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ أيْ: وهو هَذا الَّذِي يُوحى إلَيَّ، فَتَأدَّبُوا وتَواضَعُوا لِأنَّهُ صِفَةُ رَبِّكم ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أيْ: ألْقُوا إلَيْهِ أسْماعَكم مُجْتَهِدِينَ في عَدَمِ شاغِلٍ يَشْغَلُكم عَنِ السَّمْعِ.
ولَمّا كانَ بَعْضُ الفُهَماءِ يَسْمَعُ وهو يَتَكَلَّمُ، أشارَ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ أعْلى قَدْرًا مِن أنْ يَنالَهُ مَن يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِأدْنى شُغْلٍ فَقالَ: ﴿وأنْصِتُوا﴾ أيْ: لِلتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ لِتَنْجَلِيَ قُلُوبُكم فَتَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ فَتَعْلَمُوا بِما فِيهِ ولا يَكُونُ في صُدُورِكم حَرَجٌ مِنهُ؛ ولَمّا كانَ ظاهِرُ الآيَةِ وُجُوبَ الإنْصاتِ لِكُلِّ قارِئٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ، رَغَّبَ فِيهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يُكْرِمَكم رَبُّكم ويَفْعَلَ بِكم كُلَّ ما يَفْعَلُهُ الرّاحِمُ مَعَ المَرْحُومِ.
الأعراف 7:205
ولَمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ نَزْغِ الشَّيْطانِ، ومَرَّ إلى أنْ أمَرَ بِالِاسْتِماعِ لِأعْظَمِ الذِّكْرِ، وكانَ التّالِي رُبَّما بالَغَ في الجَهْرِ لِيَكْثُرَ سامِعُهُ، ورُبَّما أسَرَّ لِئَلّا يُوجِبَ عَلى غَيْرِهِ الإصْغاءَ، عَلَّمَهم أدَبَ القِراءَةِ، (p-٢١٠)وأطْلَقَ ذَلِكَ في كُلِّ حالٍ؛ لِأنَّهُ رُبَّما فَهِمَ فاهِمٌ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرٍ في حالَةِ النَّزْغِ، ورَقِيَ الخِطابُ مِنهم إلى إمامِهِمْ لِيَكُونَ أدْعى لِقَبُولِهِمْ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَكادُ يَقُومُ بِهَذا الأمْرِ حَقَّ قِيامِهِ غَيْرُهُ ﷺ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ﴾ أيْ: بِكُلِّ ذِكْرٍ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ - ﴿رَبَّكَ﴾ أيِ: الَّذِي بَلَغَ الغايَةَ في الإحْسانِ إلَيْكَ ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أيْ: ذِكْرًا يَكُونُ راسِخًا فِيكَ مَظْرُوفًا لَكَ لِفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ وتَخَلُّقِكَ بِما فِيهِ، ولْيَكُنْ سِرًّا لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى الإخْلاصِ وأعْوَنُ عَلى التَّفَكُّرِ، وكَوْنُهُ سِرًّا دالٌّ عَلى أشْرَفِ الأحْوالِ، وهو المُراقَبَةُ مَعَ تَحَقُّقِ القُرْبِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ أثْمَرَ قَوْلُهُ: ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكَ ذا تَضَرُّعٍ بِالظّاهِرِ ﴿وخِيفَةً﴾ أيْ: لِتَدْعُوَ المَخافَةُ إلى تَذَلُّلِ قَبْلِكَ لِتَجْمَعَ بَيْنَ تَضَرُّعِ السِّرِّ والعَلَنِ، وبِهَذا يَكْمُلُ ذُلُّ العُبُودِيَّةِ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ.
ولَمّا أمَرَ بِالسِّرِّ، قالَ مُقابِلًا لَهُ: ﴿ودُونَ الجَهْرِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإخْلاصِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ فَوْقَ السِّرِّ، وإلّا لَمْ تُفِدِ الجُمْلَةُ شَيْئًا، ولَمّا كانَ الجَهْرُ قَدْ يَكُونُ في الأفْعالِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: فَإنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالتَّذَلُّلِ والخُضُوعِ مِن غَيْرِ صِياحٍ كَما يُناجى المُلُوكُ ويُسْتَجْلَبُ مِنهُمُ الرَّغائِبُ، وكَما «قالَ ﷺ لِلصَّحابَةِ وقَدْ جَهَرُوا بِالدُّعاءِ فَوْقَ المِقْدارِ: ”إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا“» فَإنَّ (p-٢١١)المَقْصُودَ حُصُولُ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ لِيُعِينَ الذِّكْرَ القَلْبِيَّ، والمَقْصُودُ حاصِلٌ بِإسْماعِ النَّفْسِ؛ فَإنَّهُ يَتَأثَّرُ الخَيالُ فَيَتَقَوّى الذِّكْرُ القَلْبِيُّ، ولا تَزالُ الأنْوارُ تَتَزايَدُ فَيَنْعَكِسُ تَراجُعُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى يَزْدادَ التَّرَقِّي مِن ظُلُماتِ عالَمِ الأجْسامِ إلى أنْوارِ مُدْبِرِ النُّورِ والظَّلامِ.
ولَمّا أمَرَ بِالذِّكْرِ مُكَيَّفًا بِكَيْفِيَّتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ، أمَرَهُ ﷺ بِالمُداوَمَةِ عَلَيْهِ ذاكِرًا أحْسَنَ الأوْقاتِ لَهُ وأحَقَّها بِهِ، لِكَوْنِها لِما فِيها مِنَ الشُّغْلِ - أدَلَّ عَلى إيثارِهِ لِمَزِيدِ المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿بِالغُدُوِّ﴾ أيْ: أوْقاتِ البِكْرِ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَهُ عَلى جَعْلِهِ مَصْدَرَ غَدا؛ لِأنَّهُ ما ثَمَّ إلّا صَلاةُ الصُّبْحِ، وجَمَعَ ما بَعْدَهُ لِلْعَصْرَيْنِ والمَغْرِبِ فَقالَ: ﴿والآصالِ﴾ أيْ: أوْقاتِ العِشاءِ، وقِيلَ: الغُدُوُّ جَمْعُ غُدْوَةٍ، فَيُرادُ حِينَئِذٍ مَعَ الصُّبْحِ الضُّحى، وآخِرُ كُلِّ نَهارٍ مُتَّصِلٌ بِأوَّلِ لَيْلَةِ اليَوْمِ الثّانِي فَسُمِّيَ آخِرُ اليَوْمِ أصِيلًا لِأنَّهُ يَتَّصِلُ بِما هو أصْلُ اليَوْمِ الثّانِي، وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وإنْ كانَ المُرادُ الدَّوامَ بِتَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنَ اليَوْمِ واللَّيْلِ بِاسْمِ جُزْئِهِ، لِيَذْكُرَ بِالغُدُوِّ الِانْتِشارَ مِنَ المَوْتِ، وبِالأصِيلِ السُّكُونَ بِالمَوْتِ والرُّجُوعَ إلى حالِ العَدَمِ فَيَسْتَحْضِرُ بِذَلِكَ جَلالَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ ذَلِكَ حاوِيًا عَلى تَعْظِيمِهِ حَقَّ تَعْظِيمِهِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما أوْهَمَ هَذا الخُصُوصُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وإنْ ظاهِرًا في (p-٢١٢)الدَّوامِ، قالَ مُصَرِّحًا: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ: في وقْتٍ غَيْرِهِما، بَلْ كُنْ ذاكِرَهُ في كُلِّ وقْتٍ عَلى كُلِّ حالٍ؛
الأعراف 7:206
ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالمُراقَبَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ الخُضُوعِ بِأنَّها وظِيفَةُ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ وزادَ تَرْغِيبًا في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَقْرِيبِكَ مِن جَنابِهِ وجَعْلِكَ أكْرَمَ أحْبابِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ الكِرامُ أُولُو العِصْمَةِ والقُرْبِ دُنُوِّ مَكانَةٍ لا مَكانٍ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: لا يُوجِدُونَ ولا يَطْلُبُونَ الكِبْرَ ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيِ: الخُضُوعِ لَهُ والتَّلَبُّسِ بِأنْحاءِ التَّذَلُّلِ مَعَ مَزِيدِ قُرْبِهِمْ وغايَةِ طِهارَتِهِمْ وحُبِّهِمْ ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ مَعَ خُلُوصِهِمْ عَنْ دَواعِي الشَّهَواتِ والحُظُوظِ.
ولَمّا كانَ هَذا يَرْجِعُ إلى المَعارِفِ، وقَدَّمَهُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ الأصْلُ في العِبادَةِ أعْمالُ القُلُوبِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يَسْجُدُونَ﴾ أيْ: يَخْضَعُونَ بِإثْباتِهِمْ لَهُ كُلَّ كَمالٍ، وبِالمُباشَرَةِ لِمَحاسِنِ الأعْمالِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ عَنِ المَلائِكَةِ الأبْرارِ بِثَلاثَةِ أخْبارٍ: عَدَمُ الِاسْتِكْبارِ الَّذِي هو أجَلُّ أنْواعِ العِبادَةِ؛ إذْ هو الحامِلُ عَلى الطّاعَةِ كَما أنَّ ضِدَّهُ حامِلٌ عَلى المَعْصِيَةِ، والتَّسْبِيحُ الَّذِي هو التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ، وتَخْصِيصُهُ بِالسُّجُودِ، ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ ناشِئَةً عَنِ انْتِفاءِ الِاسْتِكْبارِ، وكانَتْ عَلى قِسْمَيْنِ: قَلْبِيَّةٍ وجُسْمانِيَّةٍ، أشارَ إلى القَلْبِيَّةِ بِالتَّنْزِيهِ، وإلى الجُسْمانِيَّةِ بِالسُّجُودِ، وهو الحالُ الَّذِي يَكُونُ العَبْدُ بِهِ عِنْدَ رَبِّهِ كالمَلائِكَةِ قُرْبًا وزُلْفى (p-٢١٣)«أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ العِبادَتَيْنِ مَرْجِعُهُما القَلْبُ، وإحْداهُما مَدْلُولٌ عَلَيْها بِالقَوْلِ والأُخْرى بِالفِعْلِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ في الأمْرِ بِاتِّباعِ القُرْآنِ إلى أوَّلِها أحْسَنَ رُجُوعٍ، ولِوَصْفِ المُقَرَّبِينَ بِعَدَمِ الِاسْتِكْبارِ والمُواظَبَةِ عَلى وظائِفِ الخُضُوعِ إلى وصْفِ إبْلِيسَ بِعِصْيانِ أمْرِ اللَّهِ في السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِكْبارِ أيَّ التِفاتٍ، بَلْ شَرَعَ في رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ حِينَ أتَمَّ قِصَصَ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ [الأعراف: ١٧٩] هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] يَتَّضِحُ لَكَ ذَلِكَ إذا راجَعْتَ ما قَدَّمْتُهُ في المُرادِ مِنها ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] هُوَ-: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] و﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٨١] - هُوَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٢] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ [الأعراف: ٣٦] ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] هُوَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] و﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] هُوَ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] و﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] و: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣] - إلى آخِرِها بَعْدَ التَّنْفِيرِ مِنَ الأنْدادِ - هُوَ: ﴿كِتابٌ أُنْـزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ٢] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فَسُبْحانَ مَن هَذا كَلامُهُ، وتَعالى حِجابُهُ وعَزَّ مَرامُهُ، وعَلى مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ صَلاتُهُ وسَلامُهُ، وتَحِيَّتُهُ وإكْرامُهُ.
الأنفال 8:1
(p-٢١٤)سُورَةُ الأنْفالِ
وتُسَمّى الجِهادَ (بِسْمِ اللَّهِ) أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الحَوْلِ والقُوَّةِ والطَّوْلِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي أحاطَ دائِرَةَ العَقْلِ بِشُمُوسِ الأدِلَّةِ مِن كُلِّ مَنقُولٍ (الرَّحِيمِ) الَّذِي مَنَّ عَلى مَن شاءَ مِنَ الأتْباعِ؛ ومَقْصِدُ هَذِهِ السُّورَةِ تَبَرُّؤُ العِبادِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وحَثُّهم عَلى التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ المُثْمِرِ لِاجْتِماعِ الكَلِمَةِ المُثْمِرِ لِنَصْرِ الدِّينِ وإذْلالِ المُفْسِدِينَ المُنْتِجِ لِكُلِّ خَيْرٍ، والجامِعِ لِذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالسُّوَرِ الماضِيَةِ وُجُوبُ اتِّباعِ أمْرِ الإلَهِ والِاجْتِماعُ عَلَيْهِ لِما ثَبَتَ مِن تَفَرُّدِهِ واقْتِدارِهِ، كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ إيجابَ اتِّباعِ الدّاعِي إلَيْهِ بِغايَةِ الإذْعانِ والتَّسْلِيمِ والرِّضى والتَّبَرُّؤِ مِن كُلِّ حَوْلٍ وقُوَّةٍ إلى مَن أنْعَمَ بِذَلِكَ ولَوْ شاءَ سَلَبَهُ وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا قِصَّةُ الأنْفالِ الَّتِي اخْتَلَفُوا في أمْرِها وتَنازَعُوا قَسْمَها فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنها وكَفَّ عَنْهم حُظُوظَ الأنْفُسِ وألْزَمَهُمُ الإخْباتَ والتَّواضُعَ، وأعْطاها نَبِيَّهُ (ﷺ) لِأنَّهُ الَّذِي هَزَمَهم بِما رَمى مِنَ الحَصَباتِ الَّتِي خَرَقَ اللَّهُ فِيها العادَةَ بِأنْ بَثَّها في أعْيُنِ جَمِيعِهِمْ وبِما أرْسَلَ مِن جُنُودِهِ، فَكَأنَّ الأمْرَ لَهُ وحْدَهُ، يَمْنَحُهُ مَن يَشاءُ، ثُمَّ لَمّا صارَ لَهُ النَّبِيُّ (ﷺ)، (p-٢١٥)رَدَّهُ فِيهِمْ مِنَّةً مِنهُ عَلَيْهِمْ وإحْسانًا إلَيْهِمْ، واسْمُها الجِهادُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الكُفّارَ دائِمًا أضْعافُ المُسْلِمِينَ، وما جاهَدَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ قَطُّ إلّا أكْثَرَ مِنهُمْ، وتَجِبُ مُصابَرَةُ الضَّعْفِ، فَلَوْ كانَ النَّظَرُ إلى غَيْرِ قُوَّتِهِ سُبْحانَهُ ما أُطِيقَ ذَلِكَ، ولِهَذِهِ المَقاصِدِ سُنَّتْ قِراءَتُها في الجِهادِ لِتَنْشِيطِ المُؤْمِنِينَ لِلْجِلادِ، وإنْ كَثُرَتْ مِنَ الأعادِي الجُمُوعُ والأعْدادُ، وتَوالَتْ إلَيْهِمْ زُمَرُ الأمْدادِ مِن سائِرِ العِبادِ، كَما ذَكَرَهُ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى بْنِ سالِمٍ الكَلاعِيُّ المَغْرِبِيُّ في فُتُوحِ البِلادِ مِن كِتابِهِ: الِاكْتِفاءُ في سِيرَةِ المُصْطَفى وأصْحابِهِ الثَّلاثَةِ الخُلَفاءِ، وكَذا شَيْخُهُ الخَطِيبُ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ في كِتابِهِ الَّذِي جَمَعَهُ في الفُتُوحِ، قالا في وقْعَةِ اليَرْمُوكِ مِن فُتُوحِ الشّامِ عَنْ حَدِيثِ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ وهَذا لَفْظُ ابْنِ سالِمٍ: قالَ: وكانَ القارِئُ يَوْمَ ذاكَ المِقْدادَ، قالُوا: ومِنَ السُّنَّةِ الَّتِي سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) بَعْدَ بَدْرٍ أنْ نَقْرَأ سُورَةَ الجِهادِ عِنْدَ اللِّقاءِ، وهي سُورَةُ الأنْفالِ، ولَمْ يَزَلِ النّاسُ بَعْدُ عَلى ذَلِكَ؛ قالا في وقْعَةِ القادِسِيَّةِ مِن فُتُوحِ فارِسَ واللَّفْظُ لِابْنِ سالِمٍ أيْضًا قالُوا: ولَمّا صَلّى سَعْدٌ - يَعْنِي ابْنَ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الظُّهْرَ أمَرَ غُلامًا كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ألْزَمُهُ إيّاهُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ يَقْرَأُ سُورَةَ الجِهادِ، وكانَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم إذْ ذاكَ يَتَعَلَّمُونَها فَقَرَأها عَلى الكَتِيبَةِ الَّتِي تَلِيهِ، وقُرِئَتْ في كُلِّ كَتِيبَةٍ، فَهَشَّتْ قُلُوبُ النّاسِ وعَرَفُوا السِّكِّينَةَ مَعَ قِراءَتِها، قالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ: وكانَتْ قِراءَتُها سُنَّةً يَقْرَأُها رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) عِنْدَ الزُّخْرُفِ ويَسْتَقْرِئُها، فَعَمِلَ (p-٢١٦)النّاسُ بِذَلِكَ. انْتَهى.
ومُناسَبَتُها لِلْأعْرافِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى - كَما تَقَدَّمَ - قِصَصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ أُمَمِهِمْ في تِلْكَ، ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ قِصَّةَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُ لَمّا أطْنَبَ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ تَفْضِيلَهُ عَلى الجَمِيعِ، فَأتى بِقِصَّةِ المُخاطَبِ بِهَذا القُرْآنِ في سُورَتَيْنِ كامِلَتَيْنِ، الأنْفالِ في أوَّلِ أمْرِهِ وأثْنائِهِ، وبَراءَةَ في خِتامِ أمْرِهِ وانْتِهائِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا في سُوءِ العَذابِ، وكانُوا يَعْلَمُونَ عَنِ أسْلافِهِمْ أنَّ اللَّهَ سَيَذْكُرُهم ويُنْجِيهِمْ مِن أيْدِي القِبْطِ، فَلَمّا أتاهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيَّنَ لَهُمُ الآياتِ الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ بِها لَمْ يَشُكُّوا في أنَّهُ المَوْعُودُ بِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ، وإتْيانِهِ نَفْعٌ لَهم عاجِلٌ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الآجِلِ، فَأطْبَقُوا عَلى اتِّباعِهِ، وكانُوا أكْثَرَ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا يُخالِفُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ قَلِيلٍ، ولا يَجِدُونَ قُلُوبًا يُواجِهُونَ بِها القِبْطَ في الإباءِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِهِمْ، وأمّا مُحَمَّدٌ (ﷺ) فَأتى قَوْمَهُ ولا حِسَّ عِنْدِهِمْ مِن نُبُوَّةٍ ولا عِلْمَ لَهم بِها، ولَمْ يَكُونُوا تَحْتَ ذُلِّ أحَدٍ، بَلْ كانُوا مُلُوكَ العَرَبِ، فَعِنْدَهم أنَّهُ جاءَ يَسْلُبُهم عِزَّهم ويُصَيِّرُهم لَهُ تَبَعًا فَخالَفُوا أشَدَّ المُخالَفَةِ ولَمْ يَدَعُوا كَيْدًا حَتّى باشَرُوهُ في رَدِّهِ عَمّا جاءَ بِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَزَلْ يُؤَيِّدُهُ حَتّى دَخَلَ النّاسُ هم وغَيْرُهم في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وأظْهَرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ كَما وعَدَهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أيَّدَ أمْرَهُ مِن بَعْدِهِ ولَمْ يَزَلْ أتْباعُهُ ظاهِرِينَ ولا يَزالُونَ إلى يَوْمِ الدِّينِ، (p-٢١٧)فَبَيْنَ القِصَّتَيْنِ فُرْقانٌ لِأُولِي الإبْصارِ والإتْقانِ، وأمّا مُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ تِلْكَ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ آخِرَ الأعْرافِ آخِرُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُخْتَتَمَةِ بِقِصَّةِ بِلْعامَ وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما هو تَتِمّاتٌ لِما تَقَدَّمَ لا بُدَّ مِنها وتَتِمّاتٌ لِلتَّتِمّاتِ حَتّى كانَ آخِرُ ذَلِكَ مَدْحَ مَن أهَّلَهم لِعِنْدِيَّتِهِ سُبْحانَهُ بِالإذْعانِ وتَمامِ الخُضُوعِ، فَلَمّا أُضِيفُوا إلى تِلْكَ الحَضْرَةِ العالِيَةِ، اقْتَضى ذَلِكَ سُؤالًا عَنْ حالِ الَّذِينَ عِنْدَ المُخاطَبِ (ﷺ) فَأُجِيبَ
* *
بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيِ: الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ هُمُ الَّذِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ في الحَقِيقَةِ كَما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ - وسَيَأْتِي بَيانُهُ، فَهُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلْأنْفالِ ولَيْسَ لَهم إلَيْها التِفاتٌ، وإنَّما هَمُّهُمُ العِبادَةُ، والَّذِينَ عِنْدَكَ إنَّما جَعَلْتُهم آلَةً ظاهِرَةً ومَعَ ذَلِكَ فَهم يَسْألُونَ ﴿عَنِ الأنْفالِ﴾ الَّتِي تَوَلَّيْتُهم إيّاها بِأيْدِي جُنُودِي سُؤالَ مُنازَعَةٍ يَنْبَغِي الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مِنها - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ آخِرَ الأعْرافِ - لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى افْتِراقِ الكَلِمَةِ والضَّعْفِ عَنْ مُقاوَمَةِ الأعْداءِ، وهو جَمْعُ نَفَلٍ - بِالتَّحْرِيكِ، وهو ما يُعْطاهُ الغازِي زِيادَةً عَلى سَهْمِهِ، والمُرادُ بِها هُنا الغَنِيمَةُ، وهي المالُ المَأْخُوذُ مِن أهْلِ الحَرْبِ قَهْرًا، سُمِّيَتْ هُنا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ أصْلَها في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ، وقَدْ فُضِّلَ المُسْلِمُونَ بِها عَلى سائِرِ الأُمَمِ.
ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنْ حُكْمِها، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ؟ فَقالَ (p-٢١٨)دالًّا عَلى أنَّهم سَألُوا عَنْ مَصْرِفِها وحُكْمِها - لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ: ﴿قُلِ﴾ أيْ: لَهم في جَوابِ سُؤالِهِمْ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَيْسَ النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِهِ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿والرَّسُولِ﴾ أيِ: الَّذِي كانَ جازِمًا بِأمْرِ اللَّهِ مُسَلِّمًا لِقَضائِهِ ماضِيًا فِيما أرْسَلَهُ بِهِ غَيْرَ مُتَخَوِّفٍ مِن مُخالَطَةِ الرَّدى بِمُواقَعَةِ العِدى؛ قالَ أبُو حَيّانَ: ولا خِلافَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَنائِمِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا نَسْخَ، إنَّما أخْبَرَ أنَّ الغَنائِمَ لِلَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها مِلْكُهُ ورِزْقُهُ، ولِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ هو مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ اللَّهِ والصّادِعُ فِيها بِأمْرِهِ لِيَقَعَ التَّسْلِيمُ مِنَ النّاسِ، وحُكْمُ القِسْمَةِ نازِلٌ خِلالَ ذَلِكَ. انْتَهى.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا شَيْءَ لَهم فِيها إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِتَوَقُّفِهِمْ إلى بُرُوزِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وكانَتِ التَّقْوى مُوجِبَةً لِلْوُقُوفِ خَوْفًا حَتّى يَأْتِيَ الدَّلِيلُ الَّذِي يُجْسَرُ عَلى المَشْيِ وراءَهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: خافُوا خَوْفًا عَظِيمًا في جَمِيعِ أحْوالِكم مِنَ الَّذِي لا عَظَمَةَ لِغَيْرِهِ ولا أمْرَ لِسِواهُ، فَلا تَطْلُبُوا شَيْئًا بِغَيْرِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا تَتَخاصَمُوا؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي رَحِمَكم بِإرْسالِ رَسُولٍ لِنَجاتِكم وإنْزالِ كِتابٍ لِعِصْمَتِكم غَيْرُ مُهْمِلٍ ما يُصْلِحُكُمْ، فَهو يُعْطِيكم ما سَبَقَ في عِلْمِهِ الحُكْمُ بِأنَّهُ (p-٢١٩)لَكُمْ، ويَمْنَعُكم ما لَيْسَ لَكم.
﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أيِ: الحالَ الَّتِي هي صاحِبَةُ افْتِراقِكم واجْتِماعِكُمْ، فَإنَّ أغْلَبَ أمْرِها البَيِّنُ الَّذِي هو القَطِيعَةُ، وقَدْ أشْرَفَتْ عَلى الفَسادِ بِطَلَبِ كُلِّ فَرِيقٍ الأثَرَةَ عَلى صاحِبِهِ فَأقْبِلُوا عَلى رِعايَتِها بِالتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ الآمِرَيْنِ بِالإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا لِيُقَسِّمَها بَيْنَكم عَلى سَواءٍ، القَوِيُّ والضَّعِيفُ سَواءٌ، فَإنَّكم إنَّما تُرْزَقُونَ وتُنْصَرُونَ بِضُعَفائِكُمْ، لِتَجْتَمِعَ كَلِمَتُكم فَيَشْتَدَّ أمْرُكم ويَقْوى أزْرُكم فَتَقْدِرُوا عَلى إقامَةِ الدِّينِ وقَمْعِ المُفْسِدِينَ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ في كُلِّ ما يَأْمُرانِكم بِهِ مِن تَنْفِيلٍ لِمَن يَراهُ وإنْفاذِ شَرْطٍ ووَفاءِ عَهْدٍ لِمَن عاهَدَهُ.
ولَمّا أمَرَ ونَهى هَيَّجَ وألْهَبَ فَقالَ مُبَيِّنًا كَوْنَ الإيمانِ مُسْتَلْزِمًا لِلطّاعَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: صادِقِينَ في دَعْوى الإيمانِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَن يَدَّعِي شَيْئًا يَكُونُ صادِقًا في دَعْواهُ حَتّى يُحَصِّلَ البَيانَ بِالِامْتِحانِ، ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا غايَةَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ التَّخَلُّصَ مِنَ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَسِرٌ.
الأنفال 8:2
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: الرّاسِخُونَ في وصْفِ الإيمانِ ﴿الَّذِينَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَ الدَّلِيلَ عَلى دَعْوى الإيمانِ بِتَصْدِيقِ أفْعالِهِمْ لِأقْوالِهِمْ فَيَكُونُونَ ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ مُجَرَّدَ ذِكْرٍ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١] ﴿وجِلَتْ﴾ أيْ: خافَتْ خَوْفًا عَظِيمًا يَتَخَلَّلُ صَمِيمَ عِظامِهِمْ ويَجُولُ في سائِرِ مَعانِيهِمْ وأجْسامِهِمْ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: (p-٢٢٠)بِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ ﴿وإذا تُلِيَتْ﴾ أيْ: قُرِئَتْ عَلى سَبِيلِ المُوالاةِ والِاتِّصالِ مِن أيِّ تالٍ كانَ ﴿عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيْ: كَما يَأْتِي في إقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي ورَدَ ذِكْرُهُ فِيهِ ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: بِإيمانِهِمْ بِها وبِما حَصَلَ لَهم مِن نُورِ القَلْبِ وطُمَأْنِينَةِ اليَقِينِ بِسَبَبِها؛ فَإنَّها هي الدّالَّةُ عَلى اللَّهِ بِما تُبَيِّنُ مِن عَظِيمِ أفْعالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، وتَظاهُرُ الأدِلَّةِ أقْوى لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وكَمالُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِواسِطَةِ آثارِ حِكْمَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ، وذَلِكَ بِحَرٍّ لا ساحِلَ لَهُ، ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ لا نِهايَةَ لَها، كانَتْ مَراتِبُ التَّجَلِّي والمَعْرِفَةِ لا نِهايَةَ لَها، فالزِّيادَةُ في أشْخاصِ التَّصْدِيقِ ﴿وعَلى﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم عَلى ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيِ: الدّائِمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وحْدَهُ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ إسْنادَ أُمُورِهِمْ إلَيْهِ مَهْما وسْوَسَ لَهُمُ الشَّيْطانُ بِالفَقْرِ أوْ غَيْرِهِ لِيَكْفِيَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، فَإنَّ خَزائِنَهُ واسِعَةٌ، ويَدُهُ سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، كَما أنَّهم لَمّا تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ في القِتالِ نَصَرَهم وقَدْ كانُوا في غايَةِ الخَوْفِ مِنَ الخِذْلانِ، وكانَ حالُهم جَدِيرًا بِذَلِكَ لِقَلَقِهِمْ وخَوْفِهِمْ وقَتْلِهِمْ وضَعْفِهِمْ.
الأنفال 8:3
ولَمّا وصَفَهم بِالإيمانِ الحامِلِ عَلى الطّاعَةِ والتَّوَكُّلِ الجامِعِ لَهُمُ الدّافِعِ لِلْمانِعِ مِنها، مُنْتَقِلًا مِن عَمَلِ الباطِنِ إلى عَمَلِ الظّاهِرِ مُبَيِّنًا أنَّ هِمَّتَهم إنَّما هي العِبادَةُ والمَكارِمُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيْ: لا يَفْتُرُونَ عَنْ تَجْدِيدِ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَتْ صِلَةً بَيْنَ الخَلْقِ والخالِقِ، أتْبَعَها الوَصْلَةَ بَيْنَ (p-٢٢١)الخَلائِقِ فَقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا وهو لَنا دُونَهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا مُقِلِّينَ اعْتِمادًا عَلى ما عِنْدَنا فالإنْفاقُ وإهانَةُ الدُّنْيا هِمَّتُهُمْ، لا الحِرْصُ عَلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ كالَّذِينِ عِنْدَ رَبِّكَ في التَّحَلِّي بِالعِبادَةِ والتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا إعْراضًا وزَهادَةً، وهو تَذْكِيرٌ بِوَصْفِ المُتَّقِينَ المَذْكُورِ أوَّلَ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]
الأنفال 8:4
ولَمّا حَقَّقُوا إيمانَهم بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ والأمْوالِ، فاسْتَوْفَوْا بِذَلِكَ جَمِيعَ شُعَبِ الدِّينِ، عَظَّمَ سُبْحانَهُ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العالُو الهِمَمِ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وأكَّدَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾
ولَمّا كانَتْ صِفاتُهُمُ الخَمْسُ المَذْكُورَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى الأخْلاقِ والأعْمالِ لَها تَأْثِيراتٌ في تَصْفِيَةِ القُلُوبِ وتَنْوِيرِها بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وكُلَّما كانَ المُؤَثِّرُ أقْوى كانَتِ التَّأْثِيراتُ أعْلى، فَلَمّا كانَتْ هي دَرَجاتٍ كانَ جَزاؤُها كَذَلِكَ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ تَعالى في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَما جَزاؤُهم عَلى ذَلِكَ؟ ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ ولَمّا كَثَّرَها بِجَمْعِ السَّلامَةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الِامْتِنانِ، عَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِتَسْلِيمِهِمْ لِأمْرِهِ.
ولَمّا كانَ قَدَرُ اللَّهِ عَظِيمًا، وكانَ الإنْسانُ عَنْ بُلُوغِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ ضَعِيفًا حَقِيرًا، وكانَ بِأدْنى شَيْءٍ مِن أعْمالِهِ يَسْتَفِزُّهُ الإعْجابُ، أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّهُ لا يَسَعُهُ إلّا العَفْوُ ولَوْ بَذَلَ فَوْقَ الجُهْدِ فَقالَ: (p-٢٢٢)﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: لِذُنُوبِهِمْ إنْ رَجَعُوا عَنِ المُنازَعَةِ في الأنْفالِ وغَيْرِها،
﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: لا ضِيقَ فِيهِ ولا كَدَرَ بِوَجْهٍ ما مِن مُنازَعَةٍ ولا غَيْرِها، فَهو يُغْنِيهِمْ عَنْ هَذِهِ الأنْفالِ، ويَمْلَأُ أيْدِيَهم مِنَ الأمْوالِ مِن غَنائِمِ فارِسَ والرُّومِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هَذا في الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: لَمّا تَقَدَّمَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ قَلْبِيَّةٍ وهي الوَجَلُ وزِيادَةُ الإيمانِ والتَّوَكُّلُ - وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، تَرَتَّبَ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْياءَ، فَقُوبِلَتِ الأعْمالُ القَلْبِيَّةُ بِالدَّرَجاتِ والبَدَنِيَّةُ بِالغُفْرانِ، وقُوبِلَتِ المالِيَّةُ بِالرِّزْقِ الكَرِيمِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُقابَلَةِ مِن بَدِيعِ عِلْمِ البَدِيعِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ الإيمانُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الِاعْتِقادُ والإقْرارُ والعَمَلُ جَوَّزَ أنْ يُقالَ: مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اسْتِيفاءَ الأعْمالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وإنْ كانَ الِاعْتِقادُ والإقْرارُ يَقِينًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الإيمانُ الِاعْتِقادُ والإقْرارُ فَقَطْ، فَلَمْ يُجَوِّزِ الِاسْتِثْناءَ، فالخِلافُ لَفْظِيٌّ، هَذا إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ لِلشَّكِّ، وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ كانَ لِكَسْرِ النَّفْسِ عَنِ التَّمَدُّحِ، ولِلشَّهادَةِ بِالجَنَّةِ الَّتِي هي لِلْمُؤْمِنِ، ولِلْحُكْمِ عَلى حالَةِ المَوْتِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لا تُنافِي الجَزْمَ، فَهي بِمُجَرَّدِ التَّبَرُّكِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ذَكَرَ ذَلِكَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ.
الأنفال 8:5
ولَمّا كانَ تَرْكُ الدُّنْيا شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ، وتَرْكُ النِّزاعِ بَعْدَ الِانْتِسابِ فِيهِ أشَدَّ، شَرَعَ يَذْكُرُ لَهم ما كانُوا لَهُ كارِهِينَ فَفَعَلَهُ بِهِمْ (p-٢٢٣)وأمَرَهم بِهِ لِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ فَحَمِدُوا أثَرَهُ، لِيَكُونَ أدْعى لِتَسْلِيمِهِمْ لِأمْرِهِ وازْدِجارِهِمْ بِزَجْرِهِ، فَشَبَّهَ حالَ كَراهَتِهِمْ لِتَرْكِ مُرادِهِمْ في الأنْفالِ بِحالِ كَراهَتِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ مَعَهُ ثُمَّ بِحالِ كَراهَتِهِمْ لِلِقاءِ الجَيْشِ دُونَ العِيرِ، ثُمَّ إنَّهم رَأوْا أحْسَنَ العاقِبَةِ في كِلا الأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿كَما﴾ أيْ: حالُهم في كَراهِيَةِ تَسْلِيمِ الأنْفالِ - مَعَ كَوْنِ التَّسْلِيمِ هو الحَقُّ والأوْلى لَهم - كَما كانَتْ حالُهم إذْ: ﴿أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالإرْشادِ إلى جَمِيعِ مَقاصِدِ الخَيْرِ ﴿مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الفَيْصَلِ الفارِقِ بَيْنَ الثّابِتِ والمُزَلْزِلِ ﴿وإنَّ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ ﴿فَرِيقًا﴾ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّ آراءَهم كانَتْ تَؤُولُ إلى الفِرْقَةِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ ﴿لَكارِهُونَ﴾
الأنفال 8:6
ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلَ كَراهَتِهِمْ فَقالَ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ: يُكَرِّرُونَ ذَلِكَ إرادَةَ أنْ يَفْتِلُوكَ عَنِ اللِّقاءِ لِلْجَيْشِ إلى الرُّجُوعِ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ الجَيْشُ أمْرًا قَدْ حَتَّمَهُ اللَّهُ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ مَعَ أنَّهُ يُرْضِيهِ، قالَ: ﴿فِي الحَقِّ﴾ أيِ: الَّذِي هو إيثارُ الجِهادِ ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: وضَحَ وُضُوحًا عَظِيمًا سَهْلًا مِن غَيْرِ كُلْفَةِ نَظَرٍ بِقَرائِنِ الأحْوالِ بِفَواتِ العِيرِ وتَيْسِيرِ أمْرِ النَّفِيرِ وبِإعْلامِ الرَّسُولِ ﷺ لَهم تارَةً صَرِيحًا وتارَةً تَلْوِيحًا كَقَوْلِهِ: «”واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ، هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وذَلِكَ مَصْرَعُ فُلانٍ“».
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ حَكَمَ بِاللِّقاءِ والنُّصْرَةِ تَأْيِيدًا لِوَلِيِّهِ وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ مَعَ شِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ، شَبَّهَ سَوْقَهُ لَهم إلى مُرادِهِ. (p-٢٢٤)فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَكْرُوهَ إلَيْهِمُ السَّوْقُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ﴾ أيْ: يَسُوقُهم سائِقٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى مُمانَعَتِهِ ﴿إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ لِأنَّها كانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ غَزاها النَّبِيُّ ﷺ وكانَ فِيها لِقاءٌ، وكانُوا غَيْرَ مُتَأهِّبِينَ لِلْقِتالِ غايَةَ التَّأهُّبِ، إنَّما خَرَجُوا لِلِقاءِ العِيرِ، هَذا مَعَ أنَّهم عَدَدٌ يَسِيرٌ، وعَدَدُ أهْلِ النَّفِيرِ كَثِيرٌ، وكانُوا في غايَةِ الهَيْبَةِ لِلِقائِهِمْ والرُّعْبِ مِن قِتالِهِمْ، وكُلُّ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم إلّا اللَّهُ بِلا صُنْعٍ مِنهُمْ، بَلْ كانُوا في يَدِ قُدْرَتِهِ كالآلَةِ في يَدِ أحَدِهِمْ، لِيُنْتِجَ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يُنازِعُوا في الأنْفالِ.
الأنفال 8:7
ولَمّا لانُوا بِهَذا الخِطابِ، وأقْبَلُوا عَلى المَلِكِ التَّوّابِ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرُوا هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ لَكم وقَدْ كانَ حالُكم فِيهِ ما ذَكَرَهُ، ثُمَّ أفْضى إلى سَعادَةٍ عَظِيمَةٍ وعِزٍّ لا يُشْبِهُهُ عِزٌّ، واذْكُرُوا إذْ: ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ العِيرِ أوِ النَّفِيرِ، وأبْدَلَ مِنَ الإحْدى - لِيَكُونَ الوَعْدُ بِها مُكَرَّرًا - قَوْلَهُ: ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ أيْ: فَتَكْرَهُونَ لِقاءَ ذاتِ الشَّوْكَةِ ﴿وتَوَدُّونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم تُحِبُّونَ مَحَبَّةً عَظِيمَةً ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أيِ: السِّلاحِ والقِتالِ والكِفاحِ الَّذِي بِهِ تُعْرَفُ الأبْطالُ ويُمَيَّزُ بَيْنَ الرِّجالِ مِن ذَواتِ الحِجالِ ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ أيِ: العِيرُ لِكَوْنِها لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا ناسٌ قَلِيلٌ، يُقالُ: إنَّهم أرْبَعُونَ رَجُلًا، جَهْلًا مِنكم بِالعَواقِبِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَكم أنَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ خَيْرٌ لَكم بِما لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ، فَسَلِّمُوا لَهُ الأمْرَ في السِّرِّ والجَهْرِ (p-٢٢٥)تَنالُوا الغِنى والنَّصْرَ، وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ العاصِمِيُّ في مُناسَبَةِ تَعْقِيبِ الأعْرافِ بِهَذِهِ السُّورَةِ ومُناسَبَةِ آخِرِ تِلْكَ لِأوَّلِ هَذِهِ ما نَصُّهُ: لَمّا قَصَّ سُبْحانَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ في سُورَةِ الأعْرافِ أخْبارَ الأُمَمِ، وقَطَعَ المُؤْمِنُونَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ الهُدى إلّا بِسابِقَةِ السَّعادَةِ، لِافْتِتاحِ السُّورَةِ مِن ذِكْرِ الأشْقِياءِ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ وخَتْمِها بِقِصَّةِ بِلْعامَ، وكِلاهُما كَفَرَ عَلى عِلْمٍ ولَمْ يَنْفَعْهُ ما قَدْ كانَ حَصَلَ عَلَيْهِ، ونَبَّهَ تَعالى عِبادَهُ عَلى البابِ الَّذِي أتى مِنهُ عَلى بِلْعامَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَأشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ اتِّباعَ الأهْواءِ أضَلَّ كُلَّ ضَلالٍ، نُبِّهُوا عَلى ما فِيهِ الحَزْمُ مِن تَرْكِ الأهْواءِ جُمْلَةً فَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةَ. فَكانَ قَدْ قِيلَ لَهُمُ: اتْرُكُوا ما تَرَوْنَ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لَكُمْ، وفَوِّضُوا في أمْرِهِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، فَذَلِكَ أسْلَمُ لَكم وأحْزَمُ في رَدْعِ أغْراضِكم وقِمْعِ شَهَواتِكم وتَرْكِ أُمُورِ رَبِّكم وقَدْ ألَّفَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ البَيْضاءِ حَسْمَ الذَّرائِعِ كَثِيرًا وإقامَةَ مَظِنَّةِ الشَّيْءِ مَقامَهُ كَتَحْرِيمِ الجُرْعَةِ مِنَ الخَمْرِ والقَطْرَةِ، والخِطْبَةِ في العِدَّةِ واعْتِدادِ النَّوْمِ الثَّقِيلِ ناقِضًا، فَهَذِهِ مَظانُّ لَمْ يَقَعِ الحُكْمُ فِيها عَلى ما هو لِأنْفُسِها ولا بِما هي كَذا، بَلْ بِما هي مَظانُّ ودَواعٍ لِما مُنِعَ لِعَيْنِهِ (p-٢٢٦)أوِ اسْتَوْجَبَ حُكْمًا لِعَيْنِهِ وعِلَّتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، ولَمّا أمَرَ المُسْلِمُونَ بِحَلِّ أيْدِيهِمْ عَنِ الأنْفالِ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ كانَ المُقاتِلَةُ قَدْ هَمُّوا بِأخْذِها وحَدَّثُوا أنْفُسَهم بِالِانْفِرادِ بِها ورَأوْا أنَّها مِن حَقِّهِمْ وأنَّ مَن لَمْ يُباشِرْ قِتالًا مِنَ الشُّيُوخِ ومَنِ انْحازَ مِنهُ لِمُهِمٍّ فَلا حَقَّ لَهُ فِيها، ورَأى الآخَرُونَ أيْضًا أنَّ حَقَّهم فِيها ثابِتٌ لِأنَّهم كانُوا فِيهِ لِلْمُقاتِلِينَ عُدَّةً ومَلْجَأً وراءَ ظُهُورِهِمْ، كانَ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن تَسْلِيمِ الحُكْمِ في ذَلِكَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن بابِ حَسْمِ الذَّرائِعِ؛ لِأنَّ تَمْشِيَةَ أغْراضِهِمْ في ذَلِكَ - وإنْ تَعَلَّقَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِحُجَّةٍ - مَظِنَّةٌ لِرِئاسَةِ النُّفُوسِ واسْتِسْهالِ اتِّباعِ الأهْواءِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ ذَلِكَ والتَّفْوِيضِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أسْلَمُ لَهم وأوْفى لِدِينِهِمْ وأبْقى في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وأجْدى في الِاتِّباعِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةَ. ثُمَّ ذُكِّرُوا بِما يَنْبَغِي لَهم أنْ يَلْتَزِمُوا فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢] - إلى قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] ثُمَّ نُبِّهُوا عَلى أنَّ أعْراضَ الدُّنْيا مِن نَفَلٍ أوْ غَيْرِهِ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ اعْتِمادًا يُدْخِلُ عَلَيْهِ ضِرارًا مِنَ الشِّرْكِ أوِ التِفاتًا إلى غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] ثُمَّ ذُكِّرُوا بِما وصَفَ بِهِ المُتَّقِينَ مِنَ الصَّلاةِ والإنْفاقِ ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَصَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ ولَمْ يَأْتِ بِها عَلى كَمالِها لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإيمانِ ولَكِنْ يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الكَمالِ بِحَسَبِ تَقْصِيرِهِ، وكانَ في هَذا إشْعارٌ بِعُذْرِهِمْ في كَلامِهِمْ في الأنْفالِ وأنَّهم قَدْ كانُوا في مَطْلَبِهِمْ عَلى حالَةٍ مِنَ الصَّوابِ وشِرْبٌ مِن (p-٢٢٧)التَّمَسُّكِ والاتِّباعِ، ولَكِنَّ أعْلى الدَّرَجاتِ ما بُيِّنَ لَهم ومُنِحُوهُ، وأنَّهُ الكَمالُ والفَوْزُ، ثُمَّ نَبَّهَهم سُبْحانَهُ بِكَيْفِيَّةِ أمْرِهِمْ في الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ ووَدِّهِمْ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَهم وهو سُبْحانُهُ يُرِيهِمْ حُسْنَ العاقِبَةِ فِيما اخْتارَهُ لَهُمْ، فَقَدْ كانُوا تَمَنَّوْا لِقاءَ العِيرِ، واخْتارُوا ذَلِكَ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ ولَمْ يَعْلَمُوا ما وراءَ ذَلِكَ.
﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ إلى ما قَصَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ اكْتِنافِهِمْ بِرَحْمَتِهِ وشُمُولِ ألْطافِهِ وآلائِهِ وبَسْطِ نُفُوسِهِمْ ونَبَّهَهم عَلى ما يُثَبِّتُ يَقِينَهم ويَزِيدُ في إيمانِهِمْ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ في التَّقْوى فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] الآيَةَ. وهَذا الفُرْقانُ هو الَّذِي حُرِمَهُ إبْلِيسُ وبِلْعامُ، فَكانَ مِنهُما ما تَقَدَّمَ مِنَ اتِّباعِ الأهْواءِ القاطِعَةِ لَهم عَنِ الرَّحْمَةِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ حُصُولَ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِنِعْمَةِ الِاتِّقاءِ، ثُمَّ أُجْمِلَ الخَيْرانِ مَعًا في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] بَعْدَ تَفْصِيلِ ما إلَيْهِ إسْراعُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الفُرْقانِ والتَّكْفِيرِ والغُفْرانِ، ولَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِخَيْرَيِ الدُّنْيا الخاصِّ بِها مَعَ اقْتِضاءِ الآيَةِ إيّاهُ تَنْزِيهًا لِلْمُؤْمِنِ في مَقامِ إعْطاءِ الفُرْقانِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، والغُفْرانِ مِن ذِكْرِ مَتاعِ الدُّنْيا الَّتِي هي لَهْوٌ ولَعِبٌ فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُ مَتاعِها الفانِي لِيُذْكَرَ مُفَصَّلًا مَعَ ما لا يُجانِسُهُ ولا يُشاكِلُهُ.
﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو (p-٢٢٨)أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] بَيَّنَ لَهم كَيْفِيَّةَ هَذا الِاسْتِماعِ وما الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ المُؤْمِنُ مِن ضُرُوبِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٢] الآيَةَ. فَهَؤُلاءِ لَمْ يَسْمَعُوا بِآذانِهِمْ فَقَطْ، ولا كانَتْ لَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ولا قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، ولَوْ كانُوا كَذا لَما وجِلَتْ وعَمَّهُمُ الفَزِعُ والخَشْيَةُ وزادَتْهُمُ الآياتُ إيمانًا، فَإذَنْ إنَّما يَكُونُ سَماعُ المُؤْمِنِ هَكَذا ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ إنَّما أتى عَلَيْهِمْ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ والوُقُوفِ مَعَ أغْراضِهِمْ وشَهَواتِهِمْ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ [الأعراف: ١٦٩] ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وهَذِهِ بِعَيْنِها كانَتْ آفَةَ إبْلِيسَ، رَأى لِنَفْسِهِ المَزِيدَ واعْتَقَدَ لَها الحَقَّ ثُمَّ اتَّبَعَ هَذا الهَوى حِينَ قالَ: ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] فَلَمّا كانَ اتِّباعُ الهَوى أصْلًا في الضَّلالِ وتَنَكُّبِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِحَسْمِ بابِ الأهْواءِ، والتَّسْلِيمِ فِيما لَهم بِهِ تَعَلُّقٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ هَوًى مُجَرَّدًا لَكِنَّهُ مَظِنَّةُ تَيْسِيرٍ لِاتِّباعِ الهَوى، فافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِسُؤالِهِمْ عَنِ الأنْفالِ وأُخْبِرُوا أنَّها لِلَّهِ ورَسُولِهِ، يَحْكُمُ فِيها ما يَشاءُ.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١] واحْذَرُوا الأهْواءَ الَّتِي أهْلَكَتْ مَن قُصَّ عَلَيْكم ذِكْرُهُ ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] بِرَفْعِ التَّنازُعِ، وسَلِّمُوا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وإلّا لَمْ تَكُونُوا سامِعِينَ وقَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَسْمَعُوا السَّماعَ الَّذِي (p-٢٢٩)عَنْهُ تُرْجى الرَّحْمَةُ، وبَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢] - الآياتِ. ووَجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ قَصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ عُقِّبَ بِوَصاةِ المُؤْمِنِينَ وخُصُوصًا بِالتَّقْوى وعَلى حَسَبِ ما يَكُونُ الغالِبُ فِيما يُذْكَرُ مِن أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فَفي البَقَرَةِ أتْبَعَ قَصَصَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولَمّا كانَ قَصَصُهم مُفْتَتَحًا بِذِكْرِ تَفْضِيلِهِمْ: ”يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ“ افْتَتَحَ خِطابَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِما يُشْعِرُ بِتَفْضِيلِهِمْ، وتَأمَّلْ ما بَيْنَ: ”يا بَنِي إسْرائِيلَ“و: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ وأمَرَ أُولَئِكَ بِالإيمانِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١] وأمَرَ هَؤُلاءِ بِتَعَبُّدٍ احْتِياطِيٍّ فَقِيلَ: ﴿وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ثُمَّ أُعْقِبَتِ البَقَرَةُ بِآلِ عِمْرانَ وافْتُتِحَتْ بِبَيانِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ الَّذِي مِن جِهَتِهِ أتى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في كَثِيرٍ مِن مُرْتَكَباتِهِمْ، ولَمّا ضُمِّنَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِهِمْ ما ورَدَ فِيها، أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] ثُمَّ أُعْقِبَتِ السُّورَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] وعَدَلَ عَنِ الخِطابِ بِاسْمِ الإيمانِ لِلْمُناسَبَةِ، وذَلِكَ أنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ خُصَّتْ مِن مُرْتَكَباتِ بَنِي إسْرائِيلَ بِجَرائِمَ كَقَوْلِهِمْ في الكُفّارِ: ﴿هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء: ٥١] فَهَذا بُهْتٌ، ومِنها قَوْلُهُمْ: ﴿اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] إلى (p-٢٣٠)ما تَخَلَّلَ هاتَيْنِ مِنَ الآياتِ المُنْبِئَةِ عَنْ تَعَمُّدِهِمُ الجَرائِمَ، فَعَدَلَ عَنْ: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ إلى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ [النساء: ١] لِيَكُونَ أوْقَعَ في التَّرْتِيبِ وأوْضَحَ مُناسَبَةً لِما ذُكِرَ، ولَمّا ضُمِّنَتْ سُورَةُ النِّساءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] - إلى قَوْلِهِ: ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ [النساء: ١٦١] أُتْبِعَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ثُمَّ ذَكَرَ لَهم ما أُحِلَّ لَهم وحُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِيَحْذَرُوا مِمّا وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، فَعَلى هَذا لَمّا ضُمِّنَتْ سُورَةُ الأعْرافِ مِن قَصَصِهِمْ جُمْلَةً، وبَيَّنَ فِيها اعْتِداءَهُمْ، وبَناهُ عَلى اتِّباعِ الأهْواءِ والهُجُومِ عَلى الأغْراضِ، طَلَبَ هَؤُلاءِ بِاتِّقاءِ ذَلِكَ والبُعْدِ عَمّا يُشْبِهُهُ جُمْلَةً، فَقِيلَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] ثُمَّ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ الأُخْرى بِصَرْفِهِمْ عَمّا لَهم بِهِ تَعَلُّقٌ وإلَيْهِ تَشَبُّثٌ يُقِيمُ عُذْرَهم شَرْعًا فِيما كانَ مِنهُمْ، فَكانَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ: تَرْكُ هَذا أعْلَمُ وأبْعَدُ عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ، فَسَلِّمُوا في ذَلِكَ الحُكْمَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ، ثُمَّ تَناسَجَ السِّياقُ والتَحَمَتِ الآيُ، وقَدْ تَبَيَّنَ وجْهُ اتِّصالِ الأنْفالِ بِالأعْرافِ مِن وُجُوهٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ. انْتَهى.
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِما هو الحَقُّ مِن أنَّ إرادَتَهم بَلْ وِدادَتَهم إنَّما كانَتْ مُنْصَبَّةً إلى العِيرِ لا إلى النَّفِيرِ، تَبَيَّنَ أنَّهُ لا صُنْعَ لَهم فِيما وقَعَ؛ إذْ لَوْ كانَ لَكانَ عَلى ما أرادُوا، فَلا حَظَّ لَهم في الغَنِيمَةِ إلّا ما يَقْسِمُهُ اللَّهُ لَهُمْ؛ لِأنَّ الحُكْمَ لِمُرادِهِ لا لِمُرادِ غَيْرِهِ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى: ﴿وتَوَدُّونَ﴾ ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العِزِّ والعَظَمَةِ والعِلْمِ ﴿أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ (p-٢٣١)أيْ: يُثْبِتَ في عالَمِ الشَّهادَةِ الثّابِتِ عِنْدَهُ في عالَمِ الغَيْبِ، وهو هُنا إصابَةُ ذاتِ الشَّوْكَةِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيِ: الَّتِي أوْحاها إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنَّهم يُهْزَمُونَ ويُقْتَلُونَ ويُؤْسَرُونَ، وأنَّ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، لِيُعْلِيَ دِينَهُ ويُظْهِرَ أمْرَهُ عَلى كُلِّ أمْرٍ.
﴿ويَقْطَعَ دابِرَ﴾ أيْ: آخِرَ ﴿الكافِرِينَ﴾ أيْ: كَما يُقْطَعُ أوَّلُهُمْ، أيْ: يَسْتَأْصِلُهم بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ يُشاقِقُ أهْلَ حِزْبِهِ فَهو يُدَبِّرُ أمْرَكم عَلى ما يُرِيدُ، فَلِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الجِدِّ والشَّوْكَةِ لِيَكُونَ ما وعَدَكم بِهِ مِن إعْلاءِ الدِّينِ وقَمْعِ المُفْسِدِينَ بِقَطْعِ دابِرِهِمْ
الأنفال 8:8
﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيِ: الَّذِي هو دِينُهُ القَيِّمُ وفِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ وهو كُلُّ ما خالَفَهُ ﴿ولَوْ كَرِهَ﴾ أيْ: ذَلِكَ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَكْسِرَ قُوَّتَهم بِضَعْفِكم ويُفْنِيَ كَثْرَتَهم بِقِلَّتِكم ويَمْحَقَ عِزَّهم بِذِلَّتِكم فَيُظْهِرَ عُلُوَّ أمْرِهِ ويُخْضِعَ الأعْناقَ لِذِكْرِهِ.
الأنفال 8:9
﴿إذْ﴾ ظَرْفٌ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ [الأنفال: ٨] ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ إغاثَةَ المُحْسِنِ إلَيْكُمْ، وهو بَدَلٌ مِن: ”إذْ يَعِدُكُمُ“ فَهو مِنَ البَيانِ لِكَراهَتِهِمْ لِقاءَ ذاتِ الشَّوْكَةِ بِشِدَّةِ جَزَعِهِمُ المُوجِبِ لَهُمُ الِاسْتِغاثَةَ مَعَ إسْفارِ العاقِبَةِ عَنْ أنَّ الخَيْرَ فِيما كَرِهُوهُ، وأنَّهُ أحَقَّ الحَقَّ وأظْهَرَ الدِّينَ وأوْهَنَ أمْرَ المُشْرِكِينَ.
ولَمّا أسْرَعَ سُبْحانَهُ الإجابَةَ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجابَ﴾ أيْ: فَأوْجَدَ الإجابَةَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَها شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِيها ﴿لَكُمْ﴾ بِغايَةِ ما تُرِيدُونَ تَثْبِيتًا لِقُلُوبِكم ﴿أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ أيْ: مُوجِدُ (p-٢٣٢)المَدَدِ ”لَكُمْ“ أيْ: بِإمْدادِكُمْ، ولَعَلَّهُ حَوَّلَ العِبارَةَ لِما في التَّصْرِيحِ بِضَمِيرِهِ مِنَ العَظَمَةِ والبَرَكَةِ ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ أيْ: مُتْبَعِينَ بِأمْثالِهِمْ.
الأنفال 8:10
ولَمّا كانَتْ نُصْرَةُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ ظاهِرَةً جِدًّا، قالَ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ: الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ عَلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي مَن راقَبَها لَمْ يَهَبْ شَيْئًا ﴿إلا بُشْرى﴾ أيْ: لِتَسْتَبْشِرَ بِهِ نُفُوسُكُمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدٍ بِأنْ يُقالَ: لَكُمْ، وأمّا في قِصَّةِ أُحُدٍ فَقَدْ كانَ المَقْتُولُ مِنهم أكْثَرَ مِنَ المَقْتُولِ مِنَ الكُفّارِ فَلَوْلا قَوْلُهُ: ”لَكُمْ“ لَرُبَّما طَرَقَ بَعْضَ الأوْهامِ حِينَ سَماعِ أوَّلِ الكَلامِ أنَّ الإمْدادَ بُشْرى لِلْكُفّارِ.
ولَمّا كانَ الَّذِي وقَعَ الحُكْمُ بِهِ هُنا عَلى الإمْدادِ أنَّهُ بُشْرى نَفْسُهُ مِن غَيْرِ قَيْدٍ، عُلِمَ أنَّ العِنايَةَ بِهِ أشَدُّ، فَكانَ المَحْكُومُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةَ كَذَلِكَ، فَكانَ أصْلُ الكَلامِ: إلّا بُشْرى هو وطُمَأْنِينَةٌ هُوَ، فَلِذَلِكَ وجَبَ تَقْدِيمُ ضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ ”بِهِ“ عَلى القُلُوبِ تَأْكِيدًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وإشارَةً إلى إتْمامِهِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَقْدِيمِ ما هم بِهِ أعْنى وهو عِنْدُهم أهَمُّ فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ أيْ: وطُمَأْنِينَةٌ لِتَطْمَئِنَّ ﴿بِهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى شَيْءٍ مِن قُوَّتِكم ولا غَيْرِها ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، وأمّا في قِصَّةِ أُحُدٍ فَلَمّا قُيِّدَتِ البُشْرى بِالإمْدادِ بِلَكم لِما تَقَدَّمَ، عُلِمَ الطُّمَأْنِينَةُ كَذَلِكَ، فَكانَ الأنْسَبُ تَأْخِيرَ ضَمِيرِهِ وتَقْدِيمَ القُلُوبِ المُلابِسَةِ لِضَمِيرِهِمْ مُوازَنَةً لِقَوْلِهِ: ”لَكُمْ“. (p-٢٣٣)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّ النَّصْرَ لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ وأنَّ شَيْئًا مَنِ الإمْدادِ أوْ غَيْرِهِ لا يُوجِبُ النَّصْرَ بِذاتِهِ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ﴾ أيْ: حاصِلًا ومَوْجُودًا بِالمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ وحْدَهُ صِفاتِ الكَمالِ، فَما عِنْدَهُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا في الإمْدادِ بِالمَلائِكَةِ فالنَّصْرُ وإنْ كانَ بِها فَلَيْسَ مِن عِنْدِها، فَلا تَعْتَمِدُوا عَلى وُجُودِها ولا تَهِنُوا بِفَقْدِها اعْتِمادًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ خاصَّةً، فَإنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الأسْبابِ لا يُحاطُ بِهِ عِلْمًا، هَذا إذا أرادَ النَّصْرَ بِالأسْبابِ، وإنْ أرادَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَعَلَ فَكانَ التَّعْبِيرُ بِعِنْدَ لِإفْهامِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في أوَّلِ الأمْرِ، وكانُوا بَعْدَ بُرُوزِ الوَعْدِ الصّادِقِ لَهم بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ كارِهِينَ لِلِقاءِ ذاتِ الشَّوْكَةِ جِدًّا، ثُمَّ وقَعَ لَهم ما وقَعَ مِنَ النَّصْرِ، كانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ عِزَّةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ إعْلامًا بِأنَّ صِفاتِ الكَمالِ ثابِتَةٌ لَهُ دائِمًا، فَهو يَنْصُرُ مَن صَبَرَ واتَّقى بِعِزَّتِهِ، ويُحْكِمُ أمْرَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحِكْمَتِهِ، هَذا فِعْلُهُ دائِمًا كَما فَعَلَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ فَلِذَلِكَ قالَ مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: هو في غايَةِ الِامْتِناعِ والقَهْرِ لِمَن يُرِيدُ قَهْرَهُ أزَلًا وأبَدًا. لا يُغْلَبُ ولا يُحْوَجُ ولِيُّهُ إلى زِيادَةِ العَدَدِ ولا نَفاسَةِ العُدَدِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا كانَ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْصَ شَيْءٍ مِنهُ، هَذا لَهُ دائِمًا، فَهو يَفْعَلُ في نَصْرِكم هَكَذا مَهْما اسْتَأْنَسْتُمْ (p-٢٣٤)إلى بُشْراهُ ولَمْ تَنْظُرُوا إلى قُوَّتِكم ولا غَيْرِها مِمّا سِواهُ فَلا تَقْلَقُوا إذا أمَرَكم بِالهُجُومِ عَلى البَأْسِ ولَوْ كانَ فِيهِ لِقاءُ جَمِيعِ النّاسِ.
ولَمّا أكَّدَ هُنا، لَمْ يَحْتَجْ إلى إعادَةِ تَأْكِيدِهِ في آلِ عِمْرانَ فَقِيلَ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أيِ: الَّذِي أخْبَرَكم عَنْ عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ بِما يَلِيقُ بِذَلِكَ المَقامِ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأخْبَرَكم أنَّكم إنْ فادَيْتُمُ الأسْرى قُتِلَ مِنها في العامِ المُقْبِلِ مِثْلُ عَدَدِهِمْ، فَوُقُوعُ الأمْرِ عَلى ما قالَ مُغْنٍ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في أُحُدٍ مُتَرَدِّدًا في اللِّقاءِ ولا هائِبًا لَهُ إلّا ما وقَعَ مِنَ الهَمِّ بِالفَشَلِ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ والعِصْمَةِ مِنهُ في الحالِ، وقَدْ مَضى في آلِ عِمْرانَ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ.
الأنفال 8:11
ولَمّا ذَكَرَ البُشْرى والطُّمَأْنِينَةَ بِالإمْدادِ، ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ لَهم أنَّهُ أتْبَعَ القَوْلَ الفِعْلَ فَألْقى في قُلُوبِهِمْ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ والسَّكِينَةَ بِدَلِيلِ النُّعاسِ الَّذِي غَشِيَهم في مَوْضِعٍ هو أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْهُ وهو مَوْطِنُ الجِلادِ ومُصاوَلَةِ الأنْدادِ والتَّيَقُّظِ لِمُخاتَلَةِ أهْلِ العِنادِ، وكَذا المَطَرُ وأثَرُهُ، فَقالَ مُبْدِلًا أيْضًا مِن: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ﴾ [الأنفال: ٧] أوْ مُعَلِّقًا بِالنَّصْرِ أوْ بِما في الظَّرْفِ مِن رائِحَةِ الفِعْلِ مُصَوِّرًا لِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ: ”إذْ يَغْشاكُمُ“ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو فالفاعِلُ ”النُّعاسُ“ وضَمَّ الباقُونَ الياءَ، (p-٢٣٥)وأسْكَنَ نافِعٌ الغَيْنَ وفَتَحَها الباقُونَ وشَدَّدُوا الشِّينَ المَكْسُورَةَ، فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى مَفْعُولٌ هُنا، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ التَّغْشِيَةَ الغَرِيبَةَ الخارِقَةَ لِلْعَوائِدِ، ذَكَرَ ما فُعِلَتْ لِأجْلِهِ فَقالَ: ﴿أمَنَةً﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ خارِقًا لِلْعادَةِ، جاءَ الوَصْفُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ أيْ: بِحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ لا يَنامُ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ إلّا الآمِنُ، ويَمْنَعُ عَنْكُمُ العَدُوَّ وأنْتُمْ نائِمُونَ بِعِزَّتِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ فاعِلٌ، الفِعْلُ المُعَلَّلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ لِأنَّ كَوْنَ النُّعاسِ فاعِلًا مَجازٌ، ويَصِحُّ عِنْدِي نَصْبُها عَلى الحالِ.
ولَمّا كانَ النُّعاسُ آيَةَ المَوْتِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ آيَةَ الحَياةِ فَقالَ: ﴿ويُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ وحَقَّقَ كَوْنَهُ مَطَرًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ ووَقَعَ في البَيْضاوِيِّ وأصْلُهُ -وكَذا تَفْسِيرِ أبِي حَيّانَ- أنَّ المُشْرِكِينَ سَبَقُوا إلى الماءِ وغَلَبُوا عَلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الَّذِي سَبَقَ إلى بَدْرٍ وغَلَبَ عَلى مائِها المُؤْمِنُونَ كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، فَيَكُونُ شَرْحُ القِصَّةِ أنَّهم مُطِرُوا في المَنزِلِ الَّذِي سارُوا مِنهُ إلى بَدْرٍ فَحَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنهُ ما مَلَؤُوا مِنهُ أسْقَيْتَهم فَتَطَهَّرُوا مِن حَدَثٍ أوْ جَنابَةٍ ولَبَّدَ لَهُمُ الرَّمْلَ وسَهَّلَ عَلَيْهِمُ المَسِيرَ، وأصابَ المُشْرِكِينَ ما زَلِقَ أرْضَهم حَتّى مَنَعَهُمُ المَسِيرَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِسَبْقِ المُسْلِمِينَ لَهم إلى المَنزِلِ وتَمْكِينِهِمْ مِن بِناءِ الحِياضِ وتَغْوِيرِ (p-٢٣٦)ما وراءَ الماءِ الَّذِي نَزَلُوا عَلَيْهِ مِنَ القَلْبِ كَما هو مَشْهُورٌ في السِّيَرِ، ويَكُونُ رِجْزُ الشَّيْطانِ وسْوَسَتَهُ لَهم بِالقِلَّةِ والضَّعْفِ والتَّخْوِيفِ بِكَثْرَةِ العَدُوِّ، والرَّبْطُ عَلى القُلُوبِ طُمَأْنِينَتُهُمْ، وطَيَّبَ نُفُوسَهم بِما أراهم مِنَ الكَرامَةِ كَما يُوَضِّحُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ قَوْلُ ابْنِ هِشامٍ: ﴿ويُنَـزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ﴾ ماءٌ لِلْمَطَرِ الَّذِي أصابَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَحَبَسَ المُشْرِكِينَ أنْ يَسْبِقُوا إلى الماءِ وخَلّى سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ دَرَنٍ، وابْتَدَأ مِن فَوائِدِ الماءِ بِالتَّطْهِيرِ لِأنَّهُ المُقَرِّبُ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ مِن حَضَراتِ القُدْسِ وعَطَفَ عَلَيْهِ - بِقَوْلِهِ: ﴿ويُذْهِبَ عَنْكُمْ﴾ أيْ: لا عَنْ غَيْرِكم ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ بِغَيْرِ لامٍ ما هو لازِمٌ لَهُ، وهو العَبْدُ الَّذِي كانَ مَعَ الحَدَثِ الَّذِي مِنهُ الجَنابَةُ المُقَرِّبَةُ مِنَ الخَبائِثِ الشَّيْطانِيَّةِ بِضِيقِ الصَّدْرِ والشَّكِّ والخَوْفِ لِإبْعادِها مِنَ الحَضَراتِ المَلائِكَةَ «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ» والرِّجْزُ يُطْلَقُ عَلى القَذَرِ وعِبادَةِ الأوْثانِ والعَذابِ والشِّرْكِ، فَقَدْ كانَ الشَّيْطانُ وسْوَسَ لَهُمْ، ولا شَكَّ أنَّ وسْوَسَتَهُ مِن أعْظَمِ القَذَرِ؛ فَإنَّها تَجُرُّ مَن تَمادى مَعَها إلى كُلِّ ما ذُكِرَ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما تَهَيَّأ لَهُ القَلْبُ مِنَ الحِكَمِ الإلَهِيَّةِ وهو إفْراغُ السَّكِينَةِ فَقالَ: ﴿ولِيَرْبِطَ﴾ أيْ: بِالصَّبْرِ واليَقِينِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رَبْطًا مُحْكَمًا غالِبًا عالِيًا، عَبَّرَ فِيهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ إسْكانِها الوُثُوقَ بِلُطْفِهِ عِنْدَ كُلِّ مُلِمَّةٍ حَتّى (p-٢٣٧)امْتَلَأتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ وثَبَتَ فِيها الرَّبْطُ، فَشَبَّهَها بِجِرابٍ مُلِئَ شَيْئًا ثُمَّ رُبِطَ رَأْسُهُ حَتّى لا يَخْرُجَ مِن ذَلِكَ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ، وأعادَ اللّامَ إشارَةً إلى أنَّهُ المَقْصِدُ الأعْظَمُ وما قَبْلَهُ وسِيلَةٌ إلَيْهِ وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامٍ لازِمَهُ مِنَ التَّثْبِيتِ فَقالَ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ﴾ أيْ: بِالرَّبْطِ بِالمَطَرِ ﴿الأقْدامَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ الخَوْفِ؛ فَإنَّ الخائِفَ لا تَثْبُتُ قَدَمُهُ في المَكانِ الَّذِي يَقِفُ بِهِ، بَلْ تَصِيرُ رِجْلُهُ تَنْتَقِلُ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ أوْ بِتَلْبِيدِ الرَّمْلِ.
الأنفال 8:12
ولَمّا ذَكَرَ حِكْمَةَ الإمْدادِ وما تَبِعَهُ مِنَ الآثارِ المُثَبِّتَةِ لِلْقُلُوبِ والأقْدامِ، ذَكَرَ ما أُمِرَ بِهِ المَدَدُ مِنَ التَّثْبِيتِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ بَدَلًا ثالِثًا مِن: ”إذْ يَعِدُكُمُ“ أوْ ظَرْفًا لِيُثَبِّتَ ﴿يُوحِي رَبُّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ النَّصْرَ مِنهُ لا مِنَ المَدَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: ومَن كُنْتُ مَعَهُ كانَ ظافِرًا بِجَمِيعِ مَأْمُولِهِ ﴿فَثَبِّتُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِأنْواعِ التَّثْبِيتِ مِن تَكْثِيرِ سَوادِهِمْ وتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ وقِتالِ أعْدائِهِمْ وتَقْلِيلِهِمْ في أعْيُنِهِمْ وتَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَعِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَأُلْقِي﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الكُفْرَ ﴿الرُّعْبَ﴾ فَلا يَكُونُ لَهم ثَباتٌ ﴿فاضْرِبُوا﴾ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ غَيْرَ هائِبِينَ بِسَبَبِ ذَلِكَ. (p-٢٣٨)ولَمّا كانَ ضَرْبُ العُنُقِ والرَّأْسِ أوْحى مَهْلَكِ لِلْإنْسانِ، وكانَ العُنُقُ يُسْتَرُ في الحَرْبِ غالِبًا، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيِ: الرُّؤُوسِ أوْ أعالِي الأعْناقِ مِنهم لِأنَّها مَفاصِلُ ومَذابِحُ.
ولَمّا كانَ إفْسادُ الأصابِعِ أنْكى ما يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يُبْطِلُ قِتالَ المَضْرُوبِ أوْ كَمالَ قِتالِهِ، قالَ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ أيْ: فَإنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ لِكَوْنِي مَعَكُمْ،
الأنفال 8:13
ثُمَّ عَلَّلَ تَسْلِيطَهم عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّسْلِيطُ العَظِيمُ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيِ: الَّذِي تَلَبَّسُوا الآنَ بِالكُفْرِ ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُقْضى بِإيمانِهِ بَعْدُ ﴿شاقُّوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا بِمُخالَفَةِ الأوامِرِ والنَّواهِي في شِقٍّ غَيْرِ الَّذِي فِيهِ حِزْبُ الهُدى في مَكْرٍ مِنهم وخِداعٍ، وشاقُّوهُ بِاشْتِهارِ السَّيْفِ جَهْرًا - ثُمَّ بَيَّنَ ما لِفاعِلِ ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى تَقْدِيرِهِ: فَمَن شاقَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ فافْعَلُوا بِهِ ذَلِكَ؛ فَإنِّي فاعِلٌ بِهِ ما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ، وأظْهَرَ الإدْغامَ في المُضارِعِ لِأنَّ القِصَّةَ لِلْعَرَبِ وأمْرُهم في عَداوَتِهِمْ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ شَدِيدًا ومُجاهَرَةً، وأدْغَمَ في الماضِي لِأنَّ ما مَضى قَبْلَها كانَ ما بَيْنَ مُساتَرَةٍ بِالمُماكَرَةِ ومُجاهَرَةٍ بِالمُقاهَرَةِ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ نَدْبًا إلى التَّوْبَةِ بِتَقْيِيدِ الوَعِيدِ بِالِاسْتِمْرارِ، وأدْغَمَ في الحَشْرِ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّ القِصَّةَ لِلْيَهُودِ وأمْرُهم كانَ ضَعِيفًا (p-٢٣٩)ومُساتَرَةً في مُماكَرَةٍ: ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ويُشاقُّهُ سِرًّا أوْ جَهْرًا ﴿ورَسُولَهُ﴾ بِأنْ يَكُونَ في شِقٍّ غَيْرِ الشِّقِّ الَّذِي يَرْضَيانِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ، فَلْيَتَوَقَّعْ مُشاقِقُهُ عَذابَهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الفِعْلِ المُدْغَمِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ المُظْهَرِ ثانِيًا، والمُظْهَرُ ثانِيًا عَلى حَذْفِ المُدْغَمِ أوَّلًا.
ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِبَيانِ السَّبَبِ المُوجِبِ لِإهانَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِما لَهُ مِنَ الوَصْفِ العَظِيمِ، أتْبَعَهُ ما يَقُولُ لَهم لِبَيانِ الحالِ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ التِفاتًا إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ.
الأنفال 8:14
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ بِما لَهُ مِن هَذا الوَصْفِ الهائِلِ يُذِيقُ عَدُوَّهُ مِن عَذابِهِ ما لا طاقَةٌ لَهم بِهِ ولا يَدانِ، فَيَصِيرُ لِسانُ الحالِ مُخاطِبًا لَهم نِيابَةً عَنِ المَقالِ: الأمْرُ الَّذِي حَذَّرَتْكم مِنهُ الرُّسُلُ وأتَتْكم بِهِ الكُتُبُ وكُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ بِهِ أيُّها الكَفَرَةُ هو هَذا الأمْرُ الشَّدِيدُ وقْعُهُ البَعِيدُ عَلى مَن يُنَزَّلُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ دَهَمَكُمْ، فَما لَكم لا تُدافِعُونَهُ! كَلّا واللَّهِ شَغَلَ كُلًّا ما قابَلَهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يُزاوِلَهُ.
ولَمّا كانَ ما وقَعَ لَهم في وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ يَسِيرًا جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى ما لَهم في الآخِرَةِ، سَمّاهُ ذَوْقًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِالقَلِيلِ لِيُعْرَفَ بِهِ حالُ الكَثِيرِ فَقالَ: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيْ: باشِرُوهُ قَهْرًا مُباشَرَةَ (p-٢٤٠)الذّائِقِ واعْلَمُوا أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَسْتَقْبِلُونَهُ كالمَذُوقِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَذُوقِ لِأجْلِهِ ﴿وأنَّ﴾ أيْ: والأمْرُ الَّذِي أتَتْكم بِهِ الرُّسُلُ والكُتُبُ أنَّ لَكم مَعَ هَذا الَّذِي ذُقْتُمُوهُ في الدُّنْيا، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أُظْهِرُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ وإنْ لَمْ يُظْهِرُوا المُشاقَقَةَ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ وهو مَواقِعُكم وهو أكْبَرُ وسَتَرَوْنَ.
الأنفال 8:15
ولَمّا قَرَّرَ إهانَتَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما حَسَّرَ عَلَيْهِمُ القُلُوبَ، حَسُنَ أنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ نَهْيُ مَنِ ادَّعى الإيمانَ عَنِ الفِرارِ مِنهم وتَهْدِيدُ مَن نَكَصَ عَنْهم بَعْدَ هَذا البَيانِ وهو يَدَّعِي الإيمانَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِما أتاهم مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِآياتِ رَبِّهِمْ فَشاقِقُوهُ، وعَبَّرَ عَنْ حالِ لِقائِهِمْ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً في التَّشْبِيهِ فَقالَ: ﴿زَحْفًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ زاحِفِينَ مُحارِبِينَ وهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يُدْرَكُ مِن حَرَكَتِهِمْ - وإنْ كانَتْ سَرِيعَةً - إلّا مِثْلَ الزَّحْفِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ: هَرَبًا مِنهم وإنْ كُنْتُمْ أقَلَّ مِنهُمْ
الأنفال 8:16
﴿ومَن يُوَلِّهِمْ﴾ ولَمّا كانَ الأغْلَبُ في وُقُوعِ القِتالِ النَّهارَ، وكانَ التَّوْلِيَةُ مِمّا لا يَكُونُ الظَّرْفُ مِعْيارًا لَهُ لِأنَّها مِمّا لا يَمْتَدُّ زَمَنُهُ، فالعِصْيانُ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الِالتِفاتِ بِقَصْدِ الفِرارِ، والتَّمادِي تَكْرِيرُ أمْثالٍ، لا شَرْطَ في صِحَّةِ (p-٢٤١)إطْلاقِ الِاسْمِ، عَبَّرَ بِاليَوْمِ، وجَرَّدَهُ عَنْ ”فِي“ نَدْبًا إلى الكَرِّ بَعْدَ الفَرِّ مَعَ عَدَمِ الِالتِباسِ، فَإنَّ الظَّرْفَ لا يَكُونُ مِعْيارًا لِلْفِعْلِ إلّا إذا كانَ مُمْتَدَّ الزَّمانِ كالصَّوْمِ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: إذْ لَقِيتُمْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ في أيِّ وقْتٍ كانَ مِن أوْقاتِ القِتالِ مِن لَيْلٍ كانَ أوْ نَهارٍ ﴿دُبُرَهُ﴾ أيْ: يَجْعَلُ ظَهْرَهُ إلَيْهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ تَوْلِيَةً لا يُرِيدُ الإقْبالَ إلى القِتالِ مِنها ﴿إلا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ أوِ الحالُ التَّحَرُّفُ، وهو الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ ﴿لِقِتالٍ﴾ أيْ: لا يَتَسَهَّلُ لَهُ إلّا بِذَلِكَ يُخَيَّلُ إلى عَدُوِّهِ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ خِداعًا لَهُ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا﴾ أيْ: مُتَنَقِّلًا مِن حَيِّزٍ إلى آخَرَ ومُتَنَحِّيًا ﴿إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ أُخْرى مِن أهْلِ حِزْبِهِ هم أهْلٌ لِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ أوْ يُعِينَهم.
ولَمّا كانَ هَذا مَحَلَّ تَوَقُّعِ السّامِعِ لِلْجَوابِ وتَفْرِيغِ ذِهْنِهِ لَهُ، أجابَ رابِطًا بِالفاءِ إعْلامًا بِأنَّ الفِعْلَ المُحْدَثَ عَنْهُ سَبَبٌ لِهَذا الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الحائِزِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: تَتَجَهَّمُهُ كَما أنَّهُ هابَ تَجَهُّمَ الكُفّارِ ولِقاءَ الوُجُوهِ العابِسَةِ بِوَجْهٍ كالِحٍ عابِسٍ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ هَذا إذا لَمْ يَزِدِ الكُفّارُ عَنْ (p-٢٤٢)الضِّعْفِ - كَما سَيَأْتِي النَّصُّ بِهِ.
الأنفال 8:17
ولَمّا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِتَقْرِيرِ عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّ النَّصْرَ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِهِ، فَمَن صَحَّ إيمانُهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِهِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ تَحْرِيمِهِ الفِرارَ وإنْ كانَ العَدُوُّ كَثِيرًا، تَذْكِيرًا بِما صَنَعَ لَهم في بَدْرٍ، لِيُجْرِيَهم عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، ومَنعًا لَهم مِنَ الإعْجابِ بِما كانَ عَلى أيْدِيهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَوارِقِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ: حَلَّ عَلى المُدْبِرِ الغَضَبُ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ أحَدًا إلّا بِما هو قادِرٌ سُبْحانَهُ عَلى تَطْوِيقِهِ لَهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ وضَحَ مِمّا يَجْرِي عَلى قَوانِينِ العَوائِدِ أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوا قَتْلى بَدْرٍ وإنْ تَعاطَيْتُمْ أسْبابَ قَتْلِهِمْ، لِأنَّكم لَمْ تُدْخِلُوا قُلُوبَ ذَلِكَ الجَيْشِ العَظِيمِ الرُّعْبَ الَّذِي كانَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ قَتْلِ مَن قَتَلْتُمْ، لِضَعْفِكم عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ في العادَةِ، وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ زَجْرٌ لَهم عَنْ أنْ يَقُولَ أحَدٌ مِنهم عَلى وجْهِ الِافْتِخارِ: قَتَلْتُ كَذا وكَذا رَجُلًا وفَعَلْتُ كَذا.
﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ ﴿قَتَلَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ هَزَمَهم لَكم لَمّا رَأوُا المَلائِكَةَ وامْتَلَأتْ أعْيُنُهم مِنَ التُّرابِ الَّذِي رَماهم بِهِ ﷺ وقُلُوبُهم جَزَعًا حَتّى تَمَكَّنْتُمْ مِن قَتْلِهِمْ خَرْقَ عادَةٍ كانَ وعَدَكم بِها، فَصَدَقَ مَقالُهُ وتَمَّتْ أفْعالُهُ.
ولَمّا رَدَّ ما باشَرُوهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، أتْبَعَهُ ما باشَرَهُ نَبِيُّهُ ﷺ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ ﷺ «لَمّا رَأى قُرَيْشًا مُقْبِلَةً قالَ: اللَّهُمَّ! هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أقْبَلَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها تُحادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، فَقالَ (p-٢٤٣)جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَفَعَلَ فَمَلَأتْ أعْيُنَهم فانْهَزَمُوا فَقالَ: ﴿وما رَمَيْتَ﴾» أيْ: يا سَيِّدَ المُؤْمِنِينَ الرَّمْلَ في أعْيُنِ الكُفّارِ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أيْ: أوْقَعَتْ صُورَةَ قَذْفِهِ مِن كَفِّكَ؛ لِأنَّ هَذا الأثَرَ الَّذِي وُجِدَ عَنْ رَمْيِكَ خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ لَيْسَ فِعْلَكَ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم إذْ قَتَلْتُمُوهُمْ؛ لِأنَّ زُهُوقَ النَّفْسِ عَنِ الجِراحِ المُثْخِنِ هو العادَةُ، فَهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهم حِينَ باشَرُوا ضَرْبَهُمْ، فَلا يَصِحُّ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم حَتّى قَتَلْتُمُوهُمْ، والمَنفِيُّ إنَّما هو السَّبَبُ المُتَقَدِّمُ عَلى القَتْلِ المُمْكِنِ مِنَ القَتْلِ، وهو تَسْكِينُ قُلُوبِهِمُ النّاشِئُ عِنْدَ إقْدامِهِمْ وإرْعابُ الكُفّارِ النّاشِئُ عِنْدَ ضَعْفِهِمْ وانْهِزامِهِمُ المُمْكِنِ مِنهُمْ، فالمَنفِيُّ عَنْهُمُ البِدايَةُ والمَنفِيُّ عَنْهُ ﷺ الغايَةُ، أوْ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا باشَرَتْ قَتْلَ بَعْضِهِمْ صَحَّ أنْ يَنْفِيَ عَنْهم قَتْلَ المَجْمُوعِ مُطْلَقًا، أوْ أنَّهم لَمّا افْتَخَرَ بَعْضُهم بِقَتْلِ مَن قَتَلَ نَفاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم مُطْلَقًا؛ لِأنَّ مُباشَرَتَهم لِقَتْلِ مَن قُتِلَ في جَنْبِ ما أعَدَّ لَهم مِنَ الأسْبابِ وأيَّدَهم بِهِ مِنَ الجُنُودِ عَدَمٌ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّهُ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِن رَمْيِ الرَّمْلِ ولَمْ يُعِدْ فِعْلَهُ ولا ذَكَرَهُ، فَأثْبَتَهُ سُبْحانَهُ لَهُ مَعَ نَفْيِ تَأْثِيرِهِ عَنْهُ وإثْباتِهِ لِمَن إلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ تَأْدِيبًا مِنهُ سُبْحانَهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، أيْ: لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى شَيْءٍ مِن طاعَتِهِ، فَإنّا قَدْ نَفَيْنا هَذا الفِعْلَ العَظِيمَ عَنْ أكْمَلِ الخَلْقِ مَعَ أنَّهُ عالِمٌ مُقِرٌّ بِأنَّهُ مِنّا فَلْيَحْذَرِ الَّذِي يَرى لَهُ فِعْلًا مِن عَظِيمِ سَطَواتِنا، ولَكِنْ لِيَنْسُبْ جَمِيعَ أفْعالِهِ الحَسَنَةِ إلى اللَّهِ تَعالى كَما نُسِبَ الرَّمْيُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ (p-٢٤٤)أيِ: الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿رَمى﴾ لِأنَّهُ الَّذِي أوْصَلَ أثَرَهُ بِما كانَ هازِمًا لِلْكُفّارِ، فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِيُبْلِيَ الكُفّارَ مِنهُ بِأيْدِي مَن أرادَ مِن عِبادِهِ بَلاءَ عاقِبَتِهِ سَيِّئَةً ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ والأجْرِ، ومادَّةُ بَلاءٍ يائِيَّةٌ أوْ واوِيَّةٌ بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ تَدُورُ عَلى الخَلْطَةِ، وتارَةً تَكُونُ مُطْلَقَةً نَحْوَ أبْلاهُ عُذْرًا، وتارَةً بِكَثْرَةِ ومُحاوَلَةٍ وعَناءٍ وهو أغْلَبُ أحْوالِ المادَّةِ، وتارَةً تَكُونُ لِلِامْتِحانِ وأُخْرى لِغَيْرِهِ، وما أُبالِيهِ بالَةً - أظُنُّهُ مِنَ البالِ الَّذِي هو الخاطِرُ فَهو مِن بَوَلَ لا بَلَوَ، أجْوَفٌ لا مِن ذَواتِ الأرْبَعَةِ، ومَعْناهُ: ما أُفاعِلُهُ بِالبالِ، أيْ: ما أكْتَرِثُ بِهِ فَما أصْرِفُ خاطِرِي إلى مُخالَطَةِ أحْوالِهِ حَيْثُ يَصْرِفُ خاطِرَهُ إلَيَّ؛ أيْ: ما أُفَكِّرُ في أمْرِهِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ وسَيَأْتِي بَسْطُ مَعانِي المادَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: ٥٠] وهَذِهِ المادَّةُ مَعْناها ضِدُّ الدَّعَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ يَلْزَمُها شَغْلُ الخاطِرِ الَّذِي عَنْهُ يَنْشَأُ التَّعَبُ بِمُدافِعَةِ المُلابِسِ، والدَّعَةُ يَلْزَمُها هُدُوءُ السِّرِّ وفَراغُ البالِ الَّذِي هو مَنشَأُ الرّاحَةِ، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الإمْكانِ مِن إذْلالِ الكُفّارِ لِيُخالِطَهم مِن شُؤُونِهِ ما يَكُونُ لَهم في مُدافَعَتِهِ عاقِبَةٌ سَيِّئَةٌ، ولِيُخالِطَ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ ما يَكُونُ لَهم في مُزاوَلَتِهِ عاقِبَةٌ حَسَنَةٌ بَلْ أحْسَنُ مِنَ الرّاحَةِ؛ لِأنَّهُ يُفْضِي بِهِمْ (p-٢٤٥)إلى راحَةٍ دائِمَةٍ، والدَّعَةُ تُفْضِي إلى تَعَبٍ طَوِيلٍ. واللَّهُ مُوَفِّقٌ.
ولَمّا ثَبَتَ بِما مَضى أنَّ لَهُ تَعالى الأفْعالَ العَظِيمَةَ والبَطْشاتِ الجَسِيمَةَ. ودَلَّتْ أقْوالُ مَن قالَ مِنَ المُؤْمِنِينَ: إنّا لَمْ نَتَأهَّبْ لِلِقاءِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، عَلى ضَعْفِ العَزائِمِ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِأقْوالِكم مِنَ الِاسْتِعانَةِ في المَعُونَةِ عَلى النُّصْرَةِ وغَيْرِها ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِعَزائِمِكم وإنْ لَمْ تَتَكَلَّمُوا بِها، فَهو يُجازِي المُؤْمِنَ عَلى حَسَبِ إيمانِهِ والكافِرَ عَلى ما يُبْدِي ويُخْفِي مِن كُفْرانِهِ، الأمْرُ
الأنفال 8:18
﴿ذَلِكُمْ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ البَعِيدُ المُتَناوَلِ الَّذِي أمَرَكم فِيهِ بِأوامِرِهِ ونَهاكم بِهِ عَنْ مَناهِيهِ وأبْلاكم فِيهِ البَلاءَ الحَسَنَ، وأراكم بِأعْيُنِكم تَوْهِينَهُ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي قَصَدَتْكم وأنْتُمْ عِنْدَها أكَلَةُ جَزُورٍ وعُصْفُورٌ بَيْنَ يَدَيْ صُقُورٍ، وبَيَّنَ لَكم مِن عِلَلِ ذَلِكَ وعَجائِبِ مَقْدُورِهِ ما لَمْ يَبْقَ مَعَهُ عُذْرٌ لِمُؤْمِنٍ، فالزَمُوا طاعَتَهُ وسابِقُوا في طاعَةِ رَسُولِهِ ولا تَنْظُرُوا في عاقِبَةِ شَيْءٍ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ، فَإنَّهُ ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى بَلْ إنَّما يَأْمُرُ عَنّا، ونَحْنُ لَمْ نَأْمُرْ بِشَيْءٍ إلّا بَعْدَ تَدْبِيرِهِ عَلى أحْكَمِ الوُجُوهِ وأتْقَنِها ﴿وأنَّ﴾ أيْ: والأمْرُ أيْضًا أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ: الحاوِي لِجَمِيعِ صِفاتِ العِزِّ والعَظَمَةِ ﴿مُوهِنُ﴾ أيْ: مُضْعِفٌ إضْعافًا شَدِيدًا ثابِتًا دائِمًا أبَدًا ﴿كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الكُفْرِ جَمِيعِهِمْ، فَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ وإنْ نالَكم قَرْحٌ فَإنّا نَجْعَلُهُ لَكم تَطْهِيرًا ولِلْكافِرِينَ تَدْمِيرًا والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى، فَنُطْلِعُكم عَلى عَوْراتِهِمْ ونُلْقِي الرُّعْبَ (p-٢٤٦)فِي قُلُوبِهِمْ ونُفَرِّقُ كَلِمَتَهم ونَنْقُضُ ما أبْرَمُوا.
الأنفال 8:19
ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إيقاعَ الإهانَةِ بِالكُفّارِ بِهَذِهِ الوَقْعَةِ، والوَعْدَ بِإلْزامِهِمُ الإهانَةَ فِيما يَأْتِي، كانَ ذَلِكَ مُفَصِّلًا لِلِالتِفاتِ إلى تَهْدِيدِهِمْ في قالَبِ اسْتِجْلائِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ وتَفْخِيمِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أيْ: تَسْألُوا الفَتْحَ أيُّها الكُفّارُ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ كَما اسْتَفْتَحْتُمْ في هَذِهِ الوَقْعَةِ عِنْدَ أخْذِكم أسْتارَ الكَعْبَةِ وقْتَ خُرُوجِكم بِقَوْلِكُمُ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الحِزْبَيْنِ، وأكْرَمَ الجُنْدَيْنِ، وأعْلى الفِئَتَيْنِ، وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، ووَقْتَ تَرائِي الجَمْعَيْنِ؛ بِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ وآتانا بِما لا يَعْلَمُ فَأحِنْهُ الغَداةَ؛ أتاكُمُ الفَتْحُ كَما أتاكم في هَذا اليَوْمِ ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ﴾ أيْ: في هَذا اليَوْمِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ ﴿الفَتْحُ﴾ أيِ: الَّذِي اسْتَفْتَحْتُمْ لَهُ لِأنَّهم أهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمُ الطّائِفَتَيْنِ ﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأقْوالِ والأفْعالِ المُتَضَمِّنَةِ لِلشَّكِّ أوِ العِنادِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقَدْ رَأيْتُمْ دَلائِلَ ذَلِكَ ﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ: إلى المُغالَبَةِ لِأنَّكم لَمْ تَنْتَهُوا ﴿نَعُدْ﴾ أيْ: إلى خِذْلانِكم ﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ﴾ أيْ: أبَدًا ﴿فِئَتُكُمْ﴾ أيْ: جَماعَتُكُمُ الَّتِي تَرْجِعُونَ إلَيْها لِلِاعْتِزازِ بِها ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الإغْناءِ ﴿ولَوْ كَثُرَتْ﴾ لِأنَّ اللَّهَ عَلى الكافِرِينَ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، ولَعَلَّهُ عَبَرَ المُسْتَقْبَلَ في الشَّرْطِ والماضِي في الجَزاءِ (p-٢٤٧)إشارَةً إلى أنَّكُمُ اسْتَفْتَحْتُمْ في بَدْرٍ وجاءَكم مِنَ الفَتْحِ ما رَأيْتُمْ، فَإنْ كانَ أعْجَبَكم فالزَمُوهُ في المُسْتَقْبَلِ، فَإنِّي لا أجِيئُكم أبَدًا ما دُمْتُمْ عَلى حالِكم إلّا بِما جِئْتُكم بِهِ يَوْمَئِذٍ، والفَتْحُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّصْرِ فَيَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى القَضاءِ.
الأنفال 8:20
ولَمّا كانَ سَبَبُ ما أحَلَّهُ بِالكُفّارِ - مِنَ الإعْراضِ عَنْ إجابَتِهِمْ فِيما قَصَدُوا مِن دُعائِهِمْ ومِن خِذْلانِهِمْ في هَذِهِ الوَقْعَةِ وإيجابِ مِثْلِ ذَلِكَ لَهم أبَدًا - هو عِصْيانُهُمُ الرَّسُولَ وتَوَلِّيهِمْ عَنْ قَبُولِ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهُ مِنَ الرُّوحِ؛ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ بِالتَّمادِي في التَّنازُعِ في الغَنِيمَةِ أوْ غَيْرِها فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: ادَّعَوْا ذَلِكَ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزِّ والعَظَمَةِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمُ الإيمانَ.
ولَمّا كانَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ هي طاعَةُ اللَّهِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْعُوهُ إلَيْهِ وإنَّما خُلُقُهُ القُرْآنُ، وحَّدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ: عَنِ الرَّسُولِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، في أمْرٍ مِنَ الأوامِرِ مِنَ الجِهادِ وغَيْرِهِ، مِنَ الغَنائِمِ وغَيْرِها، خَفَّ أوْ ثَقُلَ، سَهُلَ أوْ صَعُبَ ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿تَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لَكم سَمْعٌ لِما يَقُولُهُ، أوْ وأنْتُمْ تُصَدِّقُونَهُ؛ لِأنَّ ارْتِكابَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يُكَذِّبُ دَعْوى الإيمانِ ويَنْطَبِقُ عَلى أحْوالِ الكُفّارِ، وإلى ذَلِكَ إشارَةٌ بِقَوْلِهِ:
الأنفال 8:21
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ: بِآذانِنا ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لا يَسْتَجِيبُونَ فَكَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا، لِما انْتَفَتْ (p-٢٤٨)الثَّمَرَةُ عُدَّ المُثْمِرُ عَدَمًا.
الأنفال 8:22
ولَمّا كانَتْ حالُ مَن هَذا شَأْنُهُ مُشابِهَةً لِحالِ الأصَمِّ في عَدَمِ السَّماعِ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ، والأبْكَمِ في عَدَمِ كَلامِهِ لِعَدَمِ تَكَلُّمِهِ بِما يَنْفَعُ، والعادِمِ لِلْعَقْلِ في عَدَمِ عَقْلِهِ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِ بِهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِهَذا النَّهْيِ مُعَبِّرًا بِأنْسَبِ الأشْياءِ لِما وصَفَهم بِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيِ: الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، جَعَلَهم مِن جِنْسِ الحَشَراتِ أوِ البَهائِمِ ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها.
ولَمّا كانَ لَهم مَن يَفْضُلُهُمْ، وكانَتِ العِبْرَةُ بِما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِها ﴿الصُّمُّ البُكْمُ﴾ أيِ: الطُّرْشُ الخُرْسُ طَرَشًا وخَرَسًا بالِغَيْنِ ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ، ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَماعِ الدّاعِي كانَ كَذَلِكَ.
الأنفال 8:23
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما دَعا السّامِعَ إلى أنْ يَقُولَ: ما لِلْقادِرِ لَمْ يَقْبَلْ بِمَن هَذا شَأْنُهُ إلى الخَيْرِ؟ أجابَ بِأنَّهُ جَبَلَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ - ولَهُ أنْ يَفْعَلَ في مِلْكِهِ ومُلْكِهِ ما يُرِيدُ - جِبِلَّةً عَرِيقَةً في الفَسادِ، وجَعَلَ جَواهِرَهم شِرِّيرَةً كَجَوْهَرِ العَقْرَبِ الَّتِي لا تَقْبَلُ التَّأْدِيبَ بِوَجْهٍ ولا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا لَسِبَتْهُ، فَعَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَتَرَكَهم عَلى ما عَلِمَ مِنهم ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: قَبُولًا لِلْخَيْرِ ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ: إسْماعًا هو الإسْماعُ، وهو ما تَعْقُبُهُ الإجابَةُ المُسْتَمِرَّةُ. (p-٢٤٩)ولَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطًا، وجَبَ أنْ يَعْلَمَ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا، فَكانَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِن لَوازِمِ عَدَمِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ التَّقْدِيرُ هُنا: ولَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ خَيْرًا، بَلْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَمْ يُسْمِعْهم هَذا الإسْماعَ ﴿ولَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ مِن عَدَمِ القابِلِيَّةِ لِلْخَيْرِ إسْماعًا قَسَرَهم فِيهِ عَلى الإجابَةِ ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: بَعْدَ إجابَتِهِمْ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ إعْراضُهم مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ، ولَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلى إجابَتِهِمْ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مُلاءَمَةِ الشَّرِّ ومُباعَدَةِ الخَيْرِ، فَلَمْ يُرِيدُوا الإسْلامَ وأهْلَهُ بَعْدَ إقْبالِهِمْ إلّا وهْنًا، وكَما كانَ لِأهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ قُتِلُوا مُرْتَدِّينَ بَعْدَ أنْ كانُوا دَخَلُوا في الإسْلامِ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ ورَغْبَةً في المالِ وهو مِن وادِي ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى أرْبَعَةُ أقْسامٍ: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ، وجُمْلَةُ المَعْدُوماتِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والآخَرانِ عِلْمٌ بِالقَدَرِ، والآيَةُ مِنَ القِسْمِ الأخِيرِ، ولَعَمْرِي إنّا دُفِعْنا إلى زَمانٍ أغْلَبُ مَن فِيهِ عَلى قَرِيبٍ مِن هَذا الأمْرِ، أجْرَأُ النّاسِ عَلى الباطِلِ، وأثْبَتُهم في المُصاوَلَةِ فِيهِ، وأوْسَعُهم حَبْلًا في التَّوْصِيلِ إلَيْهِ، وأجْبَنُهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ (p-٢٥٠)إلى الحَقِّ، وأسْرَعُهم نُكُوصًا عِنْدَ الإقْدامِ بَعْدَ جُهْدٍ عَلَيْهِ، وألْكَنُهم عِنْدَ الجِدالِ لَهُ، فَصارَ ما كانَ مُقَدَّرًا مَفْرُوضًا حاصِلًا ومَوْجُودًا، وكَلِمَةُ: ”لَوْ“ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي يُعَلَّقُ بِها أمْرٌ عَلى آخَرَ هو بِضِدِّهِ أوْلى فَيَكُونُ المُرادُ أنَّ المُعَلَّقَ وهو الثّانِي مَوْجُودٌ دائِمًا مِثْلَ قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ! لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فالمُرادُ هُنا عَلى هَذا أنَّهم إذا كانُوا يَتَوَلَّوْنَ مَعَ الإسْماعِ والإجابَةِ، فَتَوَلِّيهِمْ مَعَ عَدَمِهِما أوْلى - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الرّازِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِها مِن أنِ الجُزْأيْنِ بَعْدَها مَنفَيّانِ، وانْتِفاءُ التَّوَلِّي إنَّما يَكُونُ خَيْرًا إذا نَشَأ عَنِ الإسْماعِ المُتَرَتِّبِ عَلى عِلْمِ الخَيْرِ فِيهِمْ، وأمّا عَدَمُهُ لِعَدَمِ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المَوْصُوفَ لِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَيْسَ مِنَ الخَيْرِ في شَيْءٍ بَلْ هو شَرٌّ مَحْضٌ، التَّوَلِّي المَنفِيُّ عَنْهم لَيْسَ هو المَوْجُودَ مِنهُمْ، بَلْ هو النّاشِئُ عَنِ الإسْماعِ المَوْصُوفِ فَلا يُناقِضُ ادِّعاؤُهُ تَحَقُّقَ عِنادِهِمْ وعَدَمَ انْقِيادِهِمْ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو زِيادَةُ التَّوَلِّي النّاشِئَةُ عَنِ الإسْماعِ، فالمَعْنى: ولَوْ أسْمَعَهم لَزادُوا إعْراضًا، فالمَنفِيُّ في هَذا السِّياقِ تِلْكَ الزِّيادَةُ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الأنفال 8:24
(p-٢٥١)ولَمّا كانَ ما مَضى مِن نَكالِ الكافِرِينَ مُسَبَّبًا عَنْ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِها تَحْذِيرًا مِنَ الكَوْنِ مَعَ الكَفَرَةِ في مِثْلِ حالِهِمْ فَيُحْشَرُوا مَعَهم في مَآلِهِمْ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أيْ: صَدِّقُوا دَعْواكم ذَلِكَ بِإيجادِ الإجابَةِ إيجادَ مَن هو في غايَةِ الرَّغْبَةِ فِيها ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: واجْعَلُوا إجابَتَكم هَذِهِ خاصَّةً لِلَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ولِلرَّسُولِ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ.
ولَمّا كانَ ﷺ يَدْعُوهم لا مَحالَةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِدُعائِهِمْ، وكانَ لا يَدْعُوهم إلّا إلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وكانَ سُبْحانَهُ لا يَدْعُو إلّا إلى صَلاحٍ ورُشْدٍ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّحْقِيقِ ووَحَّدَ الضَّمِيرَ وشَوَّقَ بِإثْمارِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ أيِ: الرَّسُولُ بِالنَّدْبِ والتَّحْرِيضِ.
ولَمّا كانَ اجْتِناءُ ثَمَرَةِ الطّاعَةِ في غايَةِ القُرْبِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِاللّامِ دُونَ ”إلى“ فَقالَ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ: يَنْقُلُكم بِعِزِّ الإيمانِ والعِلْمِ عَنْ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ الصَّمَمِ والبَكَمِ وعَدَمِ العَقْلِ الَّذِي هو المَوْتُ المَعْنَوِيُّ إلى الحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ، ولا يَعُوقُكم عَنِ الِاسْتِجابَةِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ أنْ تَقُولُوا: إنّا اسْتَجَبْنا إلى الإيمانِ وكَثِيرٍ مِن شَرائِعِهِ، فَلَوْلا أنَّ رَبَّنا عَلِمَ فِينا الخَيْرَ ما أسْمَعَنا، فَنَحْنُ ناجُونَ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ ابْنِ المُعَلّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعانِي فَلَمْ آتِهِ حَتّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَ؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ - (p-٢٥٢)الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَخْرُجَ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ: هِيَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]“هِيَ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ”».
ولِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أُبَيُّ! وهو يُصَلِّي، فالتَفَتَ أُبَيٌّ فَلَمْ يُجِبْهُ وصَلّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُوَلَ اللَّهِ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ما مَنَعَكَ يا أُبَيُّ أنْ تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي كُنْتُ في الصَّلاةِ، قالَ: فَلَمْ تَجِدْ فِيما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ أنِ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ: بَلى! ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ! قالَ: تُحِبُّ أنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها؟ قالَ: نَعَمْ، يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تَقْرَأُ في الصَّلاةِ؟ قالَ: فَقَرَأ أُمَّ القُرْآنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما أُنْزِلَتْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها، وإنَّها سَبْعٌ مِنَ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» - هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا كانَ عَلى حالَةٍ يُسْتَعْبَدُ جِدًّا أنْ يَصْبِرَ عَلى (p-٢٥٣)غَيْرِها، قالَ تَعالى مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿يَحُولُ﴾ أيْ: بِشُمُولِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ فَيَرُدُّهُ إلى ما عَلِمَ مِنهُ فَيَصِيرُ فِيما كَشَفَهُ الحالُ كافِرًا مُعانِدًا بَعْدَ أنْ كانَ في ظاهِرِ الحالِ مُؤْمِنًا مُسْتَسْلِمًا فَيَكُونُ مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ وقَسَرَهُ عَلى الإجابَةِ فَلَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْها، ويَرُدُّ الكافِرَ بَعْدَ عِنادِهِ إلى الإيمانِ بِغايَةِ ما يَرى مِن سُهُولَةِ قِيادِهِ، فَكَنّى سُبْحانَهُ بِشِدَّةِ القُرْبِ اللّازِمِ لِلْحَيْلُولَةِ عَنْ شِدَّةِ الِاقْتِدارِ عَلى تَبْدِيلِ العَزائِمِ والمُراداتِ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى المُبادَرَةِ إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ ما دامَتِ القُلُوبُ مُقْبِلَةً عَلى ذَلِكَ خَوْفًا مِن تَغْيِيرِها.
ولَمّا خَوَّفَهم عاقِبَةَ الحالِ، حَذَّرَهم شَأْنَ المَآلِ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ﴾ أيْ: واعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، فَيَحْشُرُ المُسْتَجِيبِينَ في زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُعْرِضِينَ في عِدادِ الكافِرِينَ وإنْ أبَوْا حُكْمًا واحِدًا؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَتَجَزَّأُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ“إذا" لَيْسَتْ قَيْدًا وإنَّما هي تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ في كُلِّ ما يَدْعُو إلَيْهِ لِعِصْمَتِهِ، وحِكْمَةُ الإتْيانِ بِها الإعْلامُ بِأنَّهُ ما تَرَكَ خَيْرًا إلّا دَعا إلَيْهِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ في أواخِرِ كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الفِقْهِ: ولَها - أيِ: العِصْمَةِ - مَعْنَيانِ: أحَدُهُما عِصْمَةُ الحِفْظِ، وهو مَعْنًى يَنْشَأُ مِنَ التِزامِ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِماضِي شِرْعَتِهِ، وهي العِصْمَةُ العامَّةُ لِلْأنْبِياءِ، وفي هَذِهِ الرُّتْبَةِ يَقَعُ الكَلامُ في الحِفْظِ مِنَ الصَّغائِرِ بَعْدَ (p-٢٥٤)الِاتِّفاقِ عَلى الحِفْظِ عَمّا يُخِلُّ بِالتَّبْلِيغِ ويَحُطُّ الرُّتْبَةَ والكَبائِرِ، وحَقِيقَةُ الصَّغائِرِ مُقَدِّماتُ الذُّنُوبِ الَّتِي لَمْ تَتِمَّ، فَيَكُونُ تَمامُها كَبِيرَتَها، وعَلى ذَلِكَ بَنى قَوْمٌ احْتِمالَ وُقُوعِ الفِعْلِ مَحْظُورًا مِن نَبِيٍّ، وكُلُّ ذَلِكَ - وإنْ كانَ مِن أحْوالِ أنْبِياءٍ - فَإنَّ المُتَحَقِّقَ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما هو عُلُوٌّ عَنْ هَذا المَحَلِّ.
المَعْنى الثّانِي مِنَ العِصْمَةِ رَفْعُ الحُكْمِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِما حَفِظَهُ الحافِظُ مِن ماضِي ظاهِرِ شِرْعَتِهِ وبِما بَلَغَ إلَيْهِ فَهْمُهُ مِن مَبادِئِ التَّنَشُّؤِ مِن سُنَنِهِ، واتِّخاذُ فِعْلِهِ مَبْدَأً لِلْأحْكامِ في كُلِّ آنٍ مِن غَيْرِ التِفاتٍ لِما تَقَرَّرَ في ماضِي الزَّمانِ، وهَذِهِ هي العِصْمَةُ الخاصَّةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ الجامِعِ، فَلا يَكُونُ لِفِعْلِهِ حُكْمٌ إلّا ما يُفْهِمُهُ إنْباؤُهُ عَنْ حالِ وُقُوعِهِ، ويَكُونُ الأحْكامُ تَبَعًا لِفِعْلِهِ، لا أنَّ فِعْلَهُ يَتْبَعُ حُكْمًا، فَهَذا وجْهُ عِصْمَتِهِ الخاصَّةِ المُمْتَنِعِ عَلَيْها جَوازُ الخُرُوجِ عَنْها، فَمَن كانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ نَحْوٌ مَن هَذا المَعْنى لا يَتَوَقَّفُ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ كالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكَما كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في اقْتِدائِهِ حَتّى في إدارَةِ راحِلَتِهِ وصَبْغِهِ بِالصُّفْرَةِ ولُبْسِهِ النِّعالَ السَّبْتِيَّةَ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ وأمْرِ مَن حَذا مِنهم هَذا الحَذْوَ، ومَن كانَ يَتَوَهَّمُ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ وفَهْمِهِ مِن أمْرِ شِرْعَتِهِ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِن وُقُوعٍ في أمْرٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ انْتِحالَهُ كَما حَكَمَ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا كانَ يُصَلِّي بِإمْضاءِ عَمَلِ الصَّلاةِ إذْ دَعاهُ حَتّى بَيَّنَ لَهُ قُصُورَ فَهْمِهِ عَنِ اللَّهِ (p-٢٥٥)فِي حَقِّهِ أيْ: بِقَوْلِهِ: ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ وكالَّذِي قالَ: انْزِلْ فاجْدَعْ لَنا، فَقالَ: إنَّ عَلَيْكَ نَهارًا، فَقالَ لَهُ في الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ: انْزِلْ فاجْدَعْ لَنا ويْلَكَ أوْ ويْحَكَ! فَإذا وضَحَ أنَّ فِعْلَهُ مَبْدَأُ الحُكْمِ ومَعْلَمُ الإنْباءِ لَزِمَ صِحَّةُ التَّأسِّي بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، إمّا عَلى بَيانٍ مِن تَعَيُّنِ رُتْبَةِ الحُكْمِ مِن وُجُوبٍ أوْ نَدْبٍ أوْ إباحَةٍ، أوْ عَلى مُطْلَقِ التَّأسِّي مَعَ إبْهامِ رُتْبَةِ الحُكْمِ والِاتِّكالِ عَلى ما عِنْدَهُ هو ﷺ مِنَ العِلْمِ، فَنِيَّةُ التَّأسِّي بِهِ عَلى إبْهامٍ في الحُكْمِ رُبَّما كانَ أتَمَّ مِنَ العَمَلِ بِما تَبَيَّنَ حُكْمُهُ، أحْرَمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو بِاليَمَنِ، تَوَّجَهُ إلى مَكَّةَ بِإحْرامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَتَطَرَّقُ لِشَيْءٍ مِن أمْرِهِ ﷺ بِما وقَعَ مِن كَوْنِهِ يُفْتِي بِأمْرٍ ثُمَّ يُوافِقُ في غَيْرِهِ؛ لِأنَّ الآخِذَ في ذَلِكَ عَنْ قُصُورٍ في العِلْمِ بِمَكانَتِهِ مِن عِلْمِ رَحْمانِيَّةِ اللَّهِ وكَلِمَتِهِ وتَنْزِيلِهِ إلى مُوافَقَةِ أمْرِ سُنَّةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ نَحْوَ الَّذِي أفْتاهُ بِتَكْفِيرِ الجِهادِ كُلَّ ذَنْبٍ بِناءً عَلى عِلْمِهِ بِرَحْمانِيَّةِ اللَّهِ وإمْضاءِ كَلِمَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ ما قالَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اسْتِثْناءِ الدَّيْنِ مِمّا أُنْزِلَ عَلى حُكْمِ أمْرِ اللَّهِ في مُحْكَمِ شِرْعَتِهِ وسُنَّتِهِ، يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ مَن صَحَّ جِهادُهُ تُكَفَّرُ كُلُّ ذُنُوبِهِ، وأنَّ تَوَقُّفَ الدَّيْنِ عَلى إرْضاءِ اللَّهِ لِخَصْمِهِ، فالإخْبارُ بِالكَفّارَةِ ناظِرٌ إلى المَآلِ، والإخْبارُ بِنَفْيِها ناظِرٌ إلى الِابْتِداءِ، وكَذَلِكَ أفْتى بِتَرْكِ التَّلْقِيحِ بِناءً عَلى إنْفاذِ كَلِمَةِ اللَّهِ، ورَدَّهم إلى عادَةِ دُنْياهم حِينَ لَمْ يَتَجَشَّمُوا الصَّبْرَ (p-٢٥٦)إلى ظُهُورِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلى مُسْتَمِرِّ عادَتِهِ، فَقَدْ عَمِلَ بِأوَّلِ فُتْياهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَرِبْ في نَفاذِ حُكْمِهِ وصِحَّتِهِ فَأخْفَقَ ثَمَراتِ ثَلاثِ سِنِينَ ثُمَّ عادَ - في غِنًى عَنِ التَّلْقِيحِ - إلى أحْسَنَ مِن حالِهِ في مُتَقَدَّمِ عادَتِهِ، ولا يَتَقاصَرُ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ مَن أمْرُهُ في كُلِّ نازِلَةٍ مِن نَحْوِهِ إلّا مَن لَمْ يَسْمُ بِهِ التَّأْيِيدُ إلى مَعْرِفَةِ حَظٍّ مِن مَكانَتِهِ، فَإذا وضَحَ ذَلِكَ فَكُلُّ فِعْلٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإنْ كانَ بَيانًا لِواجِبٍ فَهو مُنْجٍ مِن عِقابِ اللَّهِ، وإنْ كانَ تَعْلِيمًا لِقُرْبِي مِنَ اللَّهِ فَهو وصْلَةٌ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وإنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ مُجْمَلٌ مِنهُما تَأسّى بِها عَلى إبْهامٍ يُغْنِيهِ عَمَلُهُ وتَعْلُو بِهِ نِيَّتُهُ، وما كانَ مُخْتَصًّا بِهِ فَلا بُدَّ مِن إظْهارِ أمْرِ اخْتِصاصِهِ بِخِطابٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أوْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] انْتَهى.
الأنفال 8:25
ولَمّا كانَ لِمُجِيبٍ رُبَّما قالَ: لَيْسَ عَلَيَّ إلّا الإجابَةُ في خاصَّةِ نَفْسِي، ولَيْسَ عَلَيَّ تَعْرِيضُ نَفْسِي لِلْأذى بِالأخْذِ عَلى يَدِ غَيْرِي، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُنابَذَةٌ لِلدِّينِ واجْتِثاثٌ لَهُ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّ تَرْكَ العاصِي عَلى عِصْيانِهِ كَتَرْكِ الكافِرِ عَلى كُفْرانِهِ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِعُمُومِ البَلاءِ، ومَزِيدِ القَضاءِ فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ أيْ: بَلاءً مُمِيلًا مُحِيلًا إنْ لا تَتَّقُوهُ يَعُمَّكُمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، لَكِنْ لَمّا كانَ نَهْيُ الفِتْنَةِ عَلى إصابَتِهِمْ (p-٢٥٧)أرْوَعَ مِن سَوْقِ ذَلِكَ مَساقَ الشَّرْطِ ومِن نَهْيِهِمْ عَنِ التَّعْرِيضِ لَها لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ حُضُورِها وفَهْمِها لِلنَّهْيِ أتى بِهِ، ولَمّا كانَ نَهْيُها عَنْ تَخْصِيصِ الظّالِمِ أشَدَّ رَوْعَةً لِإفْهامِهِ، أمَرَها بِأنْ تَعُمَّ؛ قالَ مُجِيبًا لِلْأمْرِ: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ ولَحِقَهُ نُونَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النَّهْيِ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا بِمُوافَقَةِ المَعْصِيَةِ ما لا يَفْعَلُهُ إلّا مَن لا نُورَ لَهُ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المَأْمُورُونَ بِالتَّقْوى ﴿خاصَّةً﴾ أيْ: بَلْ تَعُمُّكُمْ، فَهو نَهْيٌ لِلْفِتْنَةِ والمُرادُ نَهْيُ مُباشَرَتِها؛ أيْ: لا يَفْعَلْ أحَدٌ مِنكُمُ الذَّنْبَ يُصِبْكم أثَرُهُ عُمُومًا أوْ لا يُباشِرْ أسْبابَ العَذابِ بَعْضُكم والبَعْضُ الآخَرُ مُقِرٌّ لَهُ يَعُمُّكُمُ اللَّهُ بِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، والمَعْنى: فَكُنْ هاهُنا فَأراكَ. فالتَّقْدِيرُ: واجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ البَلاءِ العامِّ وِقايَةً بِإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِكم واجْتِماعِ كَلِمَتِكم عَلى أمْرِ اللَّهِ ورَدِّ مَن خالَفَ إلى أمْرِ اللَّهِ ولا تَخْتَلِفُوا كَما اخْتَلَفْتُمْ في أمْرِ الغَنِيمَةِ فَتَفْشَلُوا فَيُسَلَّطُ عَلَيْكم عَذابٌ عامٌّ مِن أعْدائِكم أوْ غَيْرِهِمْ، فَإنْ كانَ الطّائِعُ مِنكم أقْوى مِنَ العاصِي أوْ لَيْسَ أضْعَفَ مِنهُ فَلَمْ يَرُدَّهُ فَقَدِ اشْتَرَكَ الكُلُّ في الظُّلْمِ، ذَلِكَ بِفِعْلِهِ وهَذا بِرِضاهُ، فَيَكُونُ العَذابُ عَذابَ انْتِقامٍ لِلْجَمِيعِ؛ رَوى أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في خُطْبَةٍ خَطَبَها: أيُّها النّاسُ! إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وتُأوِّلُونَها عَلى خِلافِ تَأْوِيلِها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”ما مِن قَوْمٍ (p-٢٥٨)عَمِلُوا بِالمَعاصِي وفِيهِمْ مَن يَقْدِرُ أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ إلّا يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ“؛» ولِلتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِنهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ”؛» ولِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولِتُحاضُّنَّ عَلى الخَيْرِ أوْ لَيُسْحِتَنَّكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا بِعَذابٍ أوْ لَيُؤَمِّرَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكم ثُمَّ يَدْعُو خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَكم». وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ لِأنَّهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، فَإنْ كانَ الطّائِعُ أضْعَفَ مِنَ العاصِي نُزِّلَ عَلى ما رَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ - وحَسَّنَهُ - وابْنُ ماجَهْ «عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ:“كَيْفَ تَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ودَعْ عَنْكَ أمْرَ العَوامِّ؛ فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلى الجَمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنهُمْ؟ قالَ: أجْرُ خَمْسِينَ مِنكُمْ» والأحادِيثُ في مِثْلِهِ كَثِيرَةٌ، (p-٢٥٩)وحِينَئِذٍ يَكُونُ العَذابُ لِلْعاصِي نِقْمَةً ولِلطّائِعِ رَحْمَةً ويُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ.
ولَمّا حَذَّرَهم سُبْحانَهُ عُمُومَ البَلاءِ، أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّهُ قادِرٌ مَرْبُوبٌ لِيَلْزَمُوا سَبِيلَ الِاسْتِقامَةِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ العَظَمَةِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾
الأنفال 8:26
ولَمّا كانَ مِن أشَدِّ العِقابِ الإذْلالُ، حَذَّرَهُمُوهُ بِالتَّذْكِيرِ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ؛ لِأنَّهُ أبْعَثُ عَلى الشُّكْرِ وأزْجَرُ عَنِ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا﴾ وذَكَرَ المَفْعُولَ بِهِ فَقالَ: ﴿إذْ أنْتُمْ﴾ أيْ: في أوائِلِ الإسْلامِ ﴿قَلِيلٌ﴾ أيْ: عَدَدُكم.
ولَمّا كانَ وُجُودُ مُطْلَقِ الِاسْتِضْعافِ دالًّا عَلى غايَةِ الضَّعْفِ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ أيْ: لا مَنفَذَ عِنْدَكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ أطْلَقَها والمُرادُ مَكَّةُ، لِأنَّها لِعِظَمِها كَأنَّها هي الأرْضُ كُلُّها، ولِأنَّ حالَهم كانَ في بَقِيَّةِ البِلادِ كَحالِهِمْ فِيها أوْ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿تَخافُونَ﴾ أيْ: في حالِ اجْتِماعِكم فَكَيْفَ عِنْدَ الِانْفِرادِ ﴿أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ﴿النّاسُ﴾ أيْ: كَما تَتَخَطَّفُ الجَوارِحُ الصُّيُودَ، فَحَذَّرَهم سُبْحانَهُ - بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنَّ يُعِيدَهم إلى ما كانُوا عَلَيْهِ - مِن هَذِهِ الأحْوالِ بِالمُخالَفَةِ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ وتَرْكِ التَّسَبُّبِ إلى اجْتِماعِها بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وفي ذَلِكَ (p-٢٦٠)أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمّا كانُوا في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هي في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَتْ كَلِمَتُهم مُجْتَمَعِةً عَلى أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو تَوْحِيدُهُ وطاعَةُ رَسُولِهِ، أعْقَبَهُمُ الإيواءَ في دارٍ مَنِيعَةٍ، قَدْ أيَّدَهم بِالنَّصْرِ وأحْسَنَ رِزْقَهُمْ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ: ﴿فَآواكُمْ﴾ أيْ: في دارِ الهِجْرَةِ رَحْمَةً لَكم ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ: بِأهْلِها مَعَ المَلائِكَةِ ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: الغَنائِمِ الكامِلَةِ الطَّيِّبَةِ بِالإحْلالِ وعَدَمِ المُنازِعِ الَّتِي لَمْ تُحَلَّ لِأحَدٍ قَبْلَكم وغَيْرِها ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهُ، فَيَكُونُ بَعِيدًا عَنِ المُنازَعَةِ في الأنْفالِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَهْما اسْتَمَرُّوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كانَ - بِإقْبالِهِمْ عَلى مِثْلِ ما أتاهم بِهِ وزادَهم مِن فَضْلِهِ - أنْ جَعَلَهم سادَةً في الدّارَيْنِ بِما يَهَبُ لَهم مِنَ الفُرْقانِ الآتِي في الآيَةِ بَعْدَها والتَّوْفِيقِ عِنْدَ إتْيانِهِ، فالآيَةُ مُنْصَبَّةٌ إلى الصَّحابَةِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ وهي صالِحَةٌ لِلْعَرَبِ كافَّةً فَتَنْصَرِفُ إلَيْهِمْ بِالقَصْدِ الثّانِي؛ قالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ وأشْقاهم عَيْشًا وأجْوَعَهم بَطْنًا وأعْراهم جِلْدًا وأبْيَنَهم ضَلالًا، مَن عاشَ مِنهم عاشَ شَقِيًّا ومَن ماتَ مِنهم تَرَدّى في النّارِ مَعْكُوفِينَ عَلى رَأْسِ الحِجْرَيْنِ الشَّدِيدَيْنِ: فارِسَ والرُّومِ، يُؤْكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، وما في بِلادِهِمْ شَيْءٌ عَلَيْهِ يُحْسَدُونَ حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ لَهم مِنَ البِلادِ ووَسَّعَ لَهم في الرِّزْقِ والغَنائِمِ وجَعَلَهم مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ فاشْكُرُوا اللَّهَ عَلى (p-٢٦١)نِعَمِهِ، فَإنَّ رَبَّكم يُحِبُّ شُكْرَهُ والشّاكِرُ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الأنفال 8:27
ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِما هو في غايَةِ النَّصِيحَةِ مِنهُ تَعالى لَهم مِنَ الإيواءِ والنَّصْرِ والرِّزْقِ الطَّيِّبِ المُشارِ بِهِ إلى الِامْتِنانِ بِإحْلالِ المُنْعِمِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالحَثِّ عَلى الشُّكْرِ؛ نَهانا عَنْ تَضْيِيعِ الشُّكْرِ في ذَلِكَ بِالخِيانَةِ في أوامِرِهِ بِالغُلُولِ أوْ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَذْكِيرًا بِما ألْزَمُوا بِهِ أنْفُسَهم مِنَ الوَفاءِ ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْقُصُوا مِن حُقُوقِ المَلِكِ الأعْظَمِ، فَإنَّ أصْلَ الخَوْنِ النَّقْصُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ فَصارَتْ نَقْصًا خاصًّا ﴿والرَّسُولَ﴾ بِغُلُولٍ ولا غَيْرِهِ، بَلْ أدُّوا الأمانَةَ في جَمِيعِ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ كَرَّرَ العامِلَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ مِنَ الفَرائِضِ والحُدُودِ والنَّوافِلِ وغَيْرِها إشارَةً إلى أنَّ الخِيانَتَيْنِ مُخْتَلِفَتانِ، فَخِيانَتُهم لِلَّهِ حَقِيقَةٌ، وخِيانَتُهم لِلْأمانَةِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ حامِلَها لَمّا أخَلَّ بِها كانَ كَأنَّهُ خانَها؛ وخَفَّفَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حالَ الغَفْلَةِ ونَحْوَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ غَيْرَ مُرادٍ فَيَكُونُ المَعْنى: وأنْتُمْ عُلَماءُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْها بِأنَّهم جَدِيرُونَ بِأنْ لا يُقْبَلَ مِنهم عُذْرٌ بِجَهْلٍ ولا نِسْيانٍ لِأنَّهم عُلَماءُ، والعالِمُ هو العارِفُ بِاللَّهِ، والعارِفُ لا يَنْبَغِي أنْ يَنْفَكَّ عَنِ المُراقَبَةِ.
الأنفال 8:28
ولَمّا كانَ سَبَبُ الخِيانَةِ غالِبًا مَحَبَّةَ المالِ أوِ الوَلَدِ، وكانَ سَبَبُ التَّقاوُلِ المُسَبَّبِ عَنْهُ إنْزالَ هَذِهِ السُّورَةِ - كَما سَلَفَ بَيانُهُ أوَّلَها - الأمْوالَ مِن (p-٢٦٢)الأنْفالِ، وكانَ مِن أعْظَمِ الخِيانَةِ في الأنْفالِ الغُلُولُ، وكانَ الحامِلُ عَلى الغُلُولِ المِحْنَةَ بِحُبِّ جَمْعِ المالِ إمّا اسْتِلْذاذًا بِهِ أوْ لِإنْفاقِهِ عَلى مَحْبُوبٍ، وكانَ الوَلَدُ أعَزَّ مَحْبُوبٍ؛ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إيلاءُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واعْلَمُوا﴾ وهي كَلِمَةٌ يُنَبَّهُ بِها السّامِعُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُهِمٌّ جِدًّا ﴿أنَّما أمْوالُكُمْ﴾ قَلَّتْ أوْ جَلَّتْ هانَتْ أوْ عَزَّتْ ﴿وأوْلادُكُمْ﴾ كَذَلِكَ ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: سَبَبُها، يَفْعَلُ اللَّهُ بِها فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِيَنْكَشِفَ لِلْعِبادِ مَن يَغْتَرُّ بِالعاجِلِ الفانِي مِمَّنْ تَسْمُو نَفْسُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلا يَحْمِلَنَّكم ذَلِكَ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ فَتَهْلَكُوا ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عاجِلًا وآجِلًا لِمَن وقَفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، فَيَحْفَظُ لَهُ مالَهُ ويُثَمِّرُ أوْلادَهُ ويُبارِكُ لَهُ فِيهِمْ مَعَ ما يَدَّخِرُ لَهُ في دارِ السَّعادَةِ، وعِنْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ لِمَن ضَيَّعَها، فَأقْبِلُوا بِجَمِيعِ هِمَمِكم إلَيْهِ تَسْعَدُوا، وزادَ وضْعَها هُنا حُسْنًا سَبَبُ نُزُولِ الَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ أبِي لُبابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الحامِلِ عَلَيْها مالُهُ ووَلَدُهُ، وكانَتْ قِصَّتُهُ في قُرَيْظَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وغَزْوَةُ بَدْرٍ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ.
الأنفال 8:29
ولَمّا ذَكَّرَهم ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ مِنَ الضَّعْفِ، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِما أعَزَّهم بِهِ، وخَتَمَ هَذِهِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ المُوقِعَةِ في الرَّدى، وبِتَعْظِيمِ ما عِنْدَهُ الحامِلِ عَلى الرَّجاءِ، تَلاها بِالأمْرِ بِالتَّقْوى النّاهِيَةِ عَنِ الهَوى بِالإشارَةِ إلى الخَوْفِ مِن سَطَواتِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَجِبُ الجَمْعُ (p-٢٦٣)بَيْنَهُما، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الأمْنُ مِن غَيْرِهِ في الأُولى والنَّجاةُ مِن عَذابِهِ في الأُخْرى فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرًا لِهَذا الوَصْفِ تَذْكِيرًا بِما يَلْزَمُ بِادِّعائِهِ: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِكُمْ، وذَلِكَ جامِعٌ لِأمْرِ الدِّينِ كُلِّهِ ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ أيْ: نَصْرًا؛ لِأنَّ مادَّةَ ”فَرَقَ“ تَرْجِعُ إلى الفَصْلِ، فَكَأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مُتَّصِلًا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُ مَقْهُورًا عَلى مُلازَمَةِ صاحِبِهِ، فَإذا جُعِلَ لَهُ قُوَّةُ الفَرْقِ قَدَرَ عَلى الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ، فَحَقِيقَتُهُ: يَجْعَلْ لَكم عِزًّا تَصِيرُونَ بِهِ بِحَيْثُ تَفْتَرِقُونَ مِمَّنْ أرَدْتُمْ مَتى أرَدْتُمْ وتَتَّصِلُونَ بِمَن أرَدْتُمْ مَتى أرَدْتُمْ لِما عِنْدَكم مِن عِزَّةِ المُمانَعَةِ، وتُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَن أرَدْتُمْ مَتى أرَدْتُمْ لِما لَدَيْكم مِن قُوَّةِ المُدافَعَةِ، أيْ: يَجْعَلُ لَكم ما يَصِيرُ لَكم بِهِ قُوَّةُ التَّصَرُّفِ فِيما تُرِيدُونَ مِنَ الفَصْلِ والوَصْلِ الَّذِي هو وظِيفَةُ السّادَةِ المَرْجُوعِ إلى قَوْلِهِمْ عِنْدَ التَّنازُعِ، لا كَما كُنْتُمْ في مَكَّةَ، لا تَأْمَنُونَ في المَقامِ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الكَلامِ - فَضْلًا عَنِ الخِصامِ - إلّا عَلى تَهَيُّبٍ شَدِيدٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يُؤَثِّرُ كَلامُكم أثَرًا يُسَمّى بِهِ فارِقًا، والفارُوقُ مِنَ النّاسِ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الأُمُورِ ويَفْصِلُها، وبِهِ سُمِّيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أظْهَرَ الإسْلامَ بِمَكَّةَ إظْهارًا فِيهِ عِزٌّ وقُوَّةٌ، جَعَلَ فِيهِ الإيمانَ مُفارِقًا لِلْكُفْرِ لا يَخافُهُ، وفَرِقَ - بِالكَسْرِ بِمَعْنى خافَ - يَرْجِعُ إلى ما دارَتْ عَلَيْهِ المادَّةُ، فَإنَّ المُرادَ بِهِ: تَفَرَّقَتْ هُمُومُهُ مِنَ اتِّساعِ الخَوْفِ، والفَرَقُ الَّذِي هو المِكْيالُ الكَبِيرُ كَأنَّهُ هو الفارِقُ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، قالَ الهَرَوِيُّ: هو اثْنا عَشَرَ مُدًّا: وأفْرَقَ مِن عِلَّتِهِ - (p-٢٦٤)إذا بَرِئَ، أيْ: صارَتْ لَهُ حالَةٌ فَرَّقَتْ بَيْنَ صِحَّتِهِ ومَرَضِهِ الَّذِي كانَ بِهِ، ومِنهُ الفَرِيقَةُ وهي تَمْرٌ وحُلْبَةٌ يُطْبَخُ لِلنُّفَساءِ؛ وقَرِفْتُ الشَّيْءَ - بِتَقْدِيمِ القافِ: قَشَرْتَهُ، والقَرْفُ: الخَلْطُ، كَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ ”فَعَلَ“ يَدْخُلُ في كُلِّ بابٍ، ومِنهُ: قَرَفَ الشَّيْءَ واقْتَرَفَهُ: اكْتَسَبَهُ، والِاقْتِرافُ بِمَعْنى الجِماعِ، ويُمْكِنُ أنْ يَرْجِعَ إلى الوِعاءِ لِأنَّ القَرَفَ الوِعاءُ؛ لِأنَّهُ يَفْصِلُ مَظْرُوفَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وفُلانٌ قِرْفَتِي، أيْ: مَوْضِعُ ظَنِّي مِنهُ كَأنَّهُ صارَ وِعاءٌ لِذَلِكَ، وفَرَسٌ مُقْرِفٌ، أيْ: بَيِّنُ القِرْفَةِ، أيْ: هَجِينٌ لِأنَّهُ واضِحُ التَّمَيُّزِ مِنَ العَرَبِيِّ، وقُرِفَ بِسُوءٍ: رُمِيَ بِهِ، أيْ: جُعِلَ وِعاءً لَهُ أوْ فَرَّقَ هُمُومَهُ؛ والقَفْرُ - بِتَقْدِيمِ القافِ: المَكانُ الخالِي لِانْفِصالِهِ مِنَ النّاسِ، وأقْفَرَ المَكانُ: خَلا، وأقْفَرَ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ: انْفَرَدَ عَنْهُمْ، وقَفَرَ الطَّعامُ: خَلا مِنَ الأُدْمِ، ورَجُلٌ قَفْرُ الرَّأْسِ: لا شَعْرَ عَلَيْهِ لِانْفِصالِهِ عَنْهُ، وقَفْرُ الجَسَدِ: لا لَحْمَ عَلَيْهِ، والقِفارُ: الطَّعامُ لا أُدْمَ لَهُ، واقْتَفَرْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتَهُ لِتَفْصِلَهُ مِن غَيْرِهِ؛ والفِقْرَةُ - بِتَقْدِيمِ الفاءِ - والفَقارُ: ما تَنَضَّدَ مِن عِظامِ الصُّلْبِ مِن لَدُنِ الكاهِلِ إلى العَجَبِ لِتُمَيَّزِ كُلِّ واحِدَةٍ عَنْ أُخْتِها، وفَقَرْتُ الأرْضَ فَقْرًا: حَفَرْتُها حَفْرًا، (p-٢٦٥)فَصارَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مُنْفَصِلَةً مِنَ الأُخْرى، والفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ الكاسِرَةُ لِلْفَقارِ، ومِنهُ الفَقْرُ والِافْتِقارُ لِلْحاجَةِ، وأفْقَرَنِي دابَّتَهُ: أعارَنِي ظَهْرَها، ورامَيْتُهُ مِن أدْنى فِقْرَةٍ: مِن أدْنى مَعْلَمٍ لِأنَّ المَعالِمَ مُنْفَصِلٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، والتَّقَفُّرُ في رِجْلِ الدّابَّةِ بَياضٌ لِانْفِصالِهِ عَنْ بَقِيَّةِ لَوْنِها، ورَفِقْتُ بِالأمْرِ: لَطَفْتُ بِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِفَصْلِهِ عَمّا يَضُرُّهُ، ومِنهُ الرَّفِيقُ لِلصّاحِبِ مِنَ الرُّفْقَةِ، والمِرْفَقُ مِن ذَلِكَ لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ اللُّطْفِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ فَلا يَخْلُو مِن زَلَّةٍ أوْ هَفْوَةٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: يَسْتُرُها ما دُمْتُمْ عَلى التَّقْوى ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ: يَمْحُو ما كانَ مِنكم غَيْرَ صالِحٍ عَيْنًا وأثَرًا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ السّاداتِ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِالمُساواةِ بَيْنَ النّاسِ، والنَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلى تَرْجِيحِ مَن لاءَمَها عَلى مَن نافَرَها، وإشارَةٌ إلى أنَّ الحُكْمَ بِالعَدْلِ في أعْلى الدَّرَجاتِ لا يَتَسَنَّمُهُ إلّا الفَرْدُ النّادِرُ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ مُرَجٍّ لِلزِّيادَةِ عَلى الكَفّارَةِ والمَغْفِرَةِ مِن فَضْلِهِ، ومُعْلِمٌ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَمِنَ المُمْكِنِ أنْ يُلْزِمَ كُلًّا مِنهم طَرِيقَ العَدْلِ وإنْ كانَتْ مِن خَرْقِ العادَةِ في أعْلى مَحَلٍّ، وفي الآيَةِ أعْظَمُ مُناسَبَةٍ لِقِصَّةِ أبِي لُبابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الحامِلُ لَهُ عَلى ما فَعَلَ بِنَفْسِهِ مِنَ العُقُوبَةِ التَّقْوى، فَكُفِّرَتْ عَنْهُ خَطِيئَتُهُ وغُفِرَ لَهُ، (p-٢٦٦)عُقِّبَتْ بِها تَرْغِيبًا لِغَيْرِهِ في الإسْراعِ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ مُواقَعَةِ الهَفْوَةِ، وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِالفَضْلِ عَلى ما كانَ مِن نَقْصٍ، إشارَةً إلى تَفَضُّلِهِ سُبْحانَهُ بِما رَزَقَ أهْلَ الإسْلامِ مِن عُلُوِّ المَنزِلَةِ وانْتِشارِ الهَيْبَةِ وفَخامَةِ الأمْرِ في قُلُوبِ المُخالِفِينَ كَما هو مُشاهَدٌ، وخَتَمَ الآيَةَ المُحَذِّرَةَ مِنَ المُداهَنَةِ بِشَدِيدِ العِقابِ، إشارَةً إلى ما ألْبَسَهم مِنَ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ في الَّتِي تَلِيها مِن قِلَّةِ مَنَعَتِهِمْ واسْتِضْعافِهِمْ وخَوْفِهِمْ مِن تَخَطُّفِ المُخالِفِينَ لَهُمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى رَحِمَهم بِأنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ اسْمُ الإسْلامِ لِبَعْضٍ، لا مِن غَيْرِهِمْ فَلَبَّسَهم شِيَعًا وأذاقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ، فَكُلٌّ خائِفٌ مِنَ الآخَرِ، وصارَ المُتَّقِي مِن كَثْرَةِ المُخالِفِ لا يَزالُ مِنَ المَعاطِبِ والمَتالِفِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ، ومُباعِدًا لا يَقْرُبُ، عَلى أنَّهم لا يَعْدَمُونَ أنْصارًا يُؤَيِّدُهُمُ اللَّهُ بِهِمْ، ولا يَزالُ أهْلُ الظُّلْمِ يَخْتَلِفُونَ فِيما بَيْنَهم فَيَرْجِعُ الفَرِيقانِ إلَيْهِمْ ويُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ، فَمَن نَصَرُوهُ فَهو المَنصُورُ، فَكَلامُهم عِنْدَ المَضايِقِ هو الفُرْقانُ، ولَهم في قُلُوبِ الظّالِمِينَ هَيْبَةٌ وإنْ نَزَلَتْ بِهِمُ الحالُ أكْثَرَ مِمّا لِلظَّلَمَةِ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ لِيَتَيَقَّنَ الكُلُّ أنَّهم عَلى الحَقِّ الَّذِي اللَّهُ ناصِرُهُ، وأنَّ أهْلَ الشَّرِّ عَلى الباطِلِ الَّذِي اللَّهُ خاذِلُهُ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في حَقِّ العالِينَ في الأرْضِ: أما واللَّهِ! إنَّ لِلْمَعْصِيَةِ في قُلُوبِهِمْ لَذُلًّا وإنْ طَفْطَفَ (p-٢٦٧)بِهِمُ اللَّحْمُ، فَقَدِ انْقَسَمَ الخَوْفُ بَيْنَهم نِصْفَيْنِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الحِزْبَيْنِ، فَخَوْفُهم يَزِيدُهُمُ اللَّهُ بِهِ أجْرًا ويَجْعَلُهُ لَهم ذُخْرًا، وخَوْفُ أهْلِ الباطِلِ يَزِيدُهم بِهِ وِزْرًا ويَجْعَلُهُ لِدِينِهِ أزْرًا، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الحالِ في وصْفِ أهْلِ الحَقِّ والمُحالِ.
الأنفال 8:30
ولَمّا وعَدَ سُبْحانَهُ بِهَذا الفَضْلِ العَظِيمِ والنَّبَأِ الجَسِيمِ، ذَكَّرَهم مِن أحْوالِ داعِيهِمْ وقائِدِهِمْ وهادِيهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ بِما يَدْعُوهم إلى مُلازَمَةِ أسْبابِهِ في سِياقِ المُخاطَبَةِ لَهُ ﷺ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ وإشارَةً إلى دَوامِ نُصْرَتِهِ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى: ﴿إذْ أنْتُمْ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ أيْ: يُدَبِّرُ في أذاكَ عَلى وجْهِ السَّتْرِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ، وفِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ راسِخَ القَدَمِ فِيهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غايَةَ مَكْرِهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أيْ: لِيَمْنَعُوكَ مِنَ التَّصَرُّفِ بِالحَبْسِ في بَيْتٍ يَسُدُّونَ عَلَيْكَ بابَهُ - كَما هو واضِحٌ مِن قِصَّةِ مُشاوَرَتِهِمْ في دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِهِ ﷺ في السِّيَرِ، ومَن قَرَأها بِالمُوَحَّدَةِ ثُمَّ التَّحْتانِيَّةِ مِنَ البَياتِ الَّذِي مَعْناهُ إهْلاكُ العَدُوِّ لَيْلًا، فَعَطَفَ: ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ عِنْدَهُ بِمَعْنى القَتْلِ نَهارًا جِهارًا، وكَأنَّهُ عَدَّ البَياتَ لِلِاسْتِخْفاءِ بِهِ عَدَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى المُجاهَرَةِ ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ ﴿ويَمْكُرُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِإخْفاءِ ما يُرِيدُونَ بِكَ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ الكَيْدِ ﴿ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَفْعَلُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا في أمْرِهِمْ فِعْلَ مَن يَمْكُرُ بِإخْفاءِ (p-٢٦٨)ما يُقابِلُهم بِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدًا عِلْمُ ما يُرِيدُ إخْفاءَهُ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ بِالجَلالِ والجَمالِ، فالنّافِذُ إنَّما هو مَكْرُهُ، والعالِي إنَّما هو نَصْرُهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى مِصْداقِ ما وعَدُتُكم بِهِ في أحْوالِ نَبِيِّي ﷺ فَإنَّهُ كانَ وحْدَهُ وجَمِيعُ النّاسِ يُخالِفُونَهُ فَثَبَتَ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ وإبْلاغِ النَّصِيحَةِ لَهم عَلى ما يَصِلُهُ مِنهم مَنِ الأذى ولا يَزِيدُهُ أذاهم لَهُ إلّا اجْتِهادًا في أداءِ ما يَنْفَعُهم إلَيْهِمْ.
الأنفال 8:31
ولَمّا ذَكَرَ مَكْرَهم بِالرَّسُولِ، ذَكَرَ مَكْرَهم بِما أُرْسِلَ بِهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذْ أنْتُمْ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿وإذا تُتْلى﴾ أيْ: مِن أيْ: تالٍ فُرِضَ ﴿عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ: الَّتِي هي الفُرْقانُ جَلالَةً وعِظَمًا لَمْ يَدَّعُوها تُؤَثِّرُ في تِلْكَ الحالَةِ، بَلْ ﴿قالُوا﴾ إظْهارًا لِعِنادِهِمْ لَها وتَشَيُّعًا بِما لَمْ يُعْطَوْا وادِّعاءً لِما لِمَن يَنالُوا ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ولَمّا لَمْ يَتَأثَّرْ عَنْ سَماعِهِمُ الإذْعانُ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى عِلَّةِ إعْراضِهِمْ فَقالَ مُعَلِّلًا أوْ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ أرَدْنا ﴿لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُ اللَّهِ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا﴾ الَّذِي يُتْلى عَلَيْكم ﴿إلا أساطِيرُ﴾ جَمْعُ سُطُورٍ وأسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ ﴿الأوَّلِينَ﴾ أيْ: مِن بَنِي آدَمَ، سَطَّرُوا فِيها عُلُومَهم وأخْبارَهم فَهو مِن جِنْسِ كَلامِنا وقائِلُهُ مِن جِنْسِنا، وهَذا غايَةُ المُكابَرَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَحَدّاهم بِقِطْعَةِ مِن مِثْلِهِ إنْ كانَ لَهُ - كَما يَزْعُمُونَ - مِثْلٌ، وبالَغَ في تَقْرِيعِهِمْ فَما مَنَعَهم - مِن إبْرازِ شَيْءٍ مِمّا يَدَّعُونَ ولَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ بِزَعْمِهِمْ إلّا أنْ يَشاؤُوا، (p-٢٦٩)مَعَ انْتِقالِهِمْ إلى أشَدِّ الأُمُورِ: السَّيْفِ الماحِقِ عَلى تَهالُكِهِمْ عَلى قَهْرِهِ ﷺ وعَلى ما لَهم مِن فَرْطِ الأنَفَةِ مِنَ العارِ والبُعْدِ مِمّا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالغَلَبِ أوْ أنْ يُوصَفُوا بِالكَذِبِ - إلّا عِلْمُهم بِأنَّ ذَلِكَ فاضِحُهُمْ، ومُخْزِيهِمْ مَدى الدَّهْرِ وقائِحُهُمْ، والمَعْنى: أنِّي أُثَبِّتُ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ عَلى صَبْرِهِ عَلى ذَلِكَ ومُثابَرَتِهِ عَلى أداءِ الأمانَةِ بِالِاجْتِهادِ في النَّصِيحَةِ عَلى ما يَلْقى إنْ نَجَّيْتُهُ مِنهم ومَنَعْتُهُ مِن جَمِيعِ ما كادُوهُ بِهِ، وكُنْتُ لا أزالُ أُؤَيِّدُهُ بِاتِّباعِ مَن أعْلَمُ فِيهِ الخَيْرَ إلى أنْ هَيَّأْتُ لَهُ دارًا وخَبَّأتْ لَهُ أنْصارًا، وجَعَلْتُ دارَهُ بِالأصْحابِ مَنِيعَةً، وبَنَيْتُ لَها أعْمِدَةً بِصَوارِمِ الأحْبابِ ثابِتَةً رَفِيعَةً، نَقَلْتُهُ إلى ذَلِكَ مَعَ اجْتِهادِ أهْلِ العِنادِ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ في المَنعِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ كَيْدُهُمْ، ولا أفادَهم مَعَ أيْدِي أيْدِهِمْ، وجَعَلْتُ نَفْسَ نَقْلَتِهِ لَهُ فُرْقانًا يُفَرِّقُ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وصارَ إلى ما تَرَوْنَ مِن قَبُولِ الأمْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ ونَفاذِ الفَصْلِ بَيْنَ الأُمُورِ وظَهَرَ دِينُهُ أيَّ ظُهُورٍ، فَلازَمُوا التَّقْوى مُلازَمَتَهُ وداوَمُوا عَلى الطّاعَةِ مُداوَمَتَهُ أهَبُ لَكم مِن سِيادَتِهِ وأحْمِلُكم بِمَلابِسِ إمامَتِهِ.
الأنفال 8:32
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ عَجَبٍ مِن عَدَمِ إعْجالِ الضَّلالِ بِالعَذابِ وإمْهالِهِمْ إلى أنْ أوْقَعَ بِهِمْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ لا سِيَّما مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] بَيَّنَ السِّرَّ في ذَلِكَ وإنْ بالَغُوا في اسْتِعْجالِهِ (p-٢٧٠)فَقالَ: ﴿وإذْ قالُوا﴾ أيْ: إرادَةَ المُكابَرَةِ بِالتَّخْيِيلِ إلى النّاسِ أنَّهم عَلى القَطْعِ مِن أنَّهُ باطِلٌ وإلّا لَما دَعَوْا بِهَذا الدُّعاءِ ﴿اللَّهُمَّ﴾ أيْ: يا مَن لَهُ تَمامُ المُلْكِ وعُمُومُ المِلْكِ ﴿إنْ كانَ هَذا﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي أتانا بِهِ مُحَمَّدٌ ﴿هُوَ﴾ أيْ: لا ما نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿الحَقَّ﴾ حالَ كَوْنِهِ مُنْزَلًا ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدًا قَرَأ: ”الحَقُّ“ بِالرَّفْعِ. أفادَهُ أبُو حَيّانَ.
﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ ولَعَلَّ تَقْيِيدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ مَعَ أنَّ الإمْطارَ لا يَكُونُ إلّا مِنها - لِإزالَةِ وهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ الإمْطارَ مَجازٌ عَنْ مُطْلَقِ الرَّجْمِ وأنَّهُ إنَّما ذُكِرَ لِبَيانِ أنَّ الحِجارَةَ المَرْجُومَ بِها في الكَثْرَةِ مِثْلَ المَطَرِ ﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: غَيْرِ الحِجارَةِ، ولَعَلَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ مَجِيءَ الوَحْيِ إلَيْكَ مِنَ السَّماءِ خارِقٌ كَما أنَّ إتْيانَ الحِجارَةِ مِنها كَذَلِكَ، فَإنْ كُنْتَ صادِقًا في إتْيانِ الوَحْيِ إلَيْكَ مِنها فَأْتِنا بِحِجارَةٍ مِنها كَما أتَتِ الحِجارَةُ مِنها أصْحابَ الفِيلِ صَوْنًا مِنَ اللَّهِ لِبَيْتِهِ الَّذِي أرادَ الجَيْشُ انْتِهاكَ حُرْمَتِهِ وإعْظامًا لَهُ - أشارَ إلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وهَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها في «النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ أسَرَهُ المِقْدادُ يَوْمِ بَدْرٍ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ فَقالَ المِقْدادُ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقالَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما يَقُولُ، فَعادَ المِقْدادُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ أغْنِ (p-٢٧١)المِقْدادَ مِن فَضْلِكَ، فَقالَ: ذاكَ الَّذِي أرَدْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأنْشَدَتْ أُخْتُهُ قَتِيلَةُ أبْياتًا مِنها:
؎ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ
"فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ بَلَغَنِي هَذا الشِّعْرُ قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ» وعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً! قالَ: أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ وما قالُوا: فاهْدِنا بِهِ، والسِّرُّ الَّذِي بَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في إمْهالِهِمْ هو أنَّهُ ما مَنَعَهُ مِنَ الإسْراعِ في إجابَةِ دُعائِهِمْ كَما فَعَلَ في وقْعَةِ بَدْرٍ إلّا إجْلالُ مَقامِهِ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقالَ:
الأنفال 8:33
﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعَظَمَةِ والجَلالِ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: لِيُجَدِّدَ لَهم ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿وأنْتَ﴾ أيْ: يا أكْرَمَ الخَلْقِ ﴿فِيهِمْ﴾ فَإنَّهُ لِعَيْنٍ تُجازى ألْفُ عَيْنٍ وتُكْرَمُ... ولَمّا بَيَّنَ بَرَكَةَ وُجُودِهِ، أتْبَعَهُ ما يَخْلُفُهُ ﷺ إذا غابَ في العِبادِ مِنَ العَذابِ فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: مُثْبِتًا وصْفَ تَعْذِيبِهِمْ بِحَيْثُ يَدُومُ ﴿وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ الغُفْرانَ بِالدُّعاءِ أوْ يُوجِدُونَ هَذا اللَّفْظَ فَيَقُولُونَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، (p-٢٧٢)فَإنَّ لَفْظَهُ وإنْ كانَ خَبَرًا فَهو دُعاءٌ وطَلَبٌ، فَوُجُودُهُ ﷺ في قَوْمٍ أبْلَغُ مِن نَفْيِ العَذابِ عَنْهُمْ، وهَذا الكَلامُ نَدْبٌ لَهم إلى الِاسْتِغْفارِ وتَعْلِيمٌ لِما يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم كَما تَقُولُ: ما كُنْتُ لِأضْرِبَكَ وأنْتَ تُطِيعُنِي، أيْ: فَأطِعْنِي - نَبَّهَ عَلَيْهِ الإمامُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَظِيمٌ لِمَن صارَ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ صادِقِهِمْ ومُنافِقِهِمْ عَلى الرَّغْبَةِ في مُواصَلَتِهِ والرَّهْبَةِ مِن مُفارَقَتِهِ، وتَعْرِيفٌ لَهم بِما لَهم في حُلُولِ ذاتِهِ المُشْرِقَةِ في ساحَتِهِمْ مِن جَلِيلِ النِّعْمَةِ تَرْغِيبًا في المَحَبَّةِ لِطُولِ عُمْرِهِ والِاسْتِمْساكِ بِعُزْرِهِ في نَهْيِهِ وأمْرِهِ؛ إذِ المُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِالِاسْتِغْفارِ طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِشَرْطِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، وعَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانانِ، أمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ مَضى، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو كائِنٌ فِيكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الأنفال 8:34
ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ نَصًّا في اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ولَيُعَذِّبَنَّهُمُ اللَّهُ إذْ هاجَرْتَ عَنْهم ولَمْ يُؤْمِنُوا فَيَسْتَغْفِرُوا: ﴿وما لَهُمْ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ. انْتَهى.
وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وأيُّ حَظٍّ لَهم في ﴿ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كَمالُ العِزِّ والعَظَمَةِ عَلى (p-٢٧٣)الظّالِمِ والإكْرامُ والرِّفْقُ بِالطّائِعِ عاجِلًا ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ فَهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ مُدَّةُ إبّانِهِ وأبْطَأ عَنْهم أوانُهُ وُقُوعًا يُنْسِيهِمْ ما نالُوهُ مِنَ اللَّذّاتِ وإنْ عَظُمَ عِنْدَهم شَأْنُها وامْتَدَّ طَوِيلًا زَمانُها؛ لِأنَّهم ﴿يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الصَّدَّ ﴿عَنِ المَسْجِدِ﴾ أيْ: مَن أرادَ تَعْظِيمَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي وُضِعَ المَسْجِدُ لَها وغَيْرِها ﴿الحَرامِ﴾ أيِ: العَظِيمِ حُرْمَتُهُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَلا اخْتِصاصَ بِهِ لِشَخْصٍ دُونَ آخَرَ، أيْ: شَأْنُهم فِعْلُ حَقِيقَةِ الصَّدِّ في الماضِي والحالِ والمَآلِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذَلِكَ، كَما كانُوا يَمْنَعُونَ مَن شاؤُوا مِن دُخُولِ البَيْتِ ويَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاتُهُ، نَفْعَلُ ما نَشاءُ، ويَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الطَّوافِ بِهِ بِالتَّعْذِيبِ والفِتْنَةِ وصَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ بِالإخْراجِ ثُمَّ صَدُّوهم عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ الوُصُولِ إلى البَيْتِ وعامَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ عَنِ الإقامَةِ بَعْدَ الثَّلاثَةِ الأيّامِ ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم ما ﴿كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ أيْ: أهْلًا لِوِلايَتِهِ بِحَيْثُ إنَّ صَدَّهم رُبَّما يَقَعُ مَوْقِعَهُ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] إلى ﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾» .
ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الوِلايَةَ. ذَكَرَ أهْلَها فَقالَ.
﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أوْلِياؤُهُ﴾ أيْ: بِالِاسْتِحْقاقِ ﴿إلا المُتَّقُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ بِما يَجْعَلُونَ (p-٢٧٤)بَيْنَهم وبَيْنَ سَخَطِ اللَّهِ مِن وقاياتِ الطّاعاتِ، لا كُلُّ مَن آمَنَ بَلْ خاصَّةُ المُؤْمِنِينَ، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ لِتَلَبُّسِهِمُ الآنَ بِالكُفْرِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِالأُمُورِ لِيُمَيِّزُوا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُتَّقِي والفاسِقِ وحُسْنِ العَواقِبِ وسَيِّئِها، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالأكْثَرِ إعْلامًا بِأنَّ فِيهِمُ المُعانِدَ، ولِأنَّهُ كانَ مِنهم مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصارَ مِن أُولِي العِلْمِ.
الأنفال 8:35
ولَمّا كانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَ البَيْتِ ما يُنَزَّهُ البَيْتُ عَنْهُ مِمّا هو غايَةٌ في الجَهْلِ، قالَ مُبَيِّنًا لِجَهْلِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ لِلنَّكالِ وبُعْدِهِمْ عَنِ اسْتِحْقاقِ وِلايَتِهِ: ﴿وما كانَ صَلاتُهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى الخُشُوعِ، وزادَ في التَّبْشِيعِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ البَيْتِ﴾ أيْ: فِعْلُهُمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ صَلاةً أوْ يُبَدِّلُونَها بِهِ ﴿إلا مُكاءً﴾ أيْ: صَفِيرًا يُشْبِهُ صَفِيرَ الطَّيْرِ والدُّبُرِ بِرِيحِ الحَدَثِ - مِن مَكا يَمْكُو مَكْوًا ومُكاءً - إذا صَفَّرَ بِفِيهِ أوْ شَبَّكَ أصابِعَهُ ونَفَخَ فِيها، ومَكَّتِ الشَّجَرَةُ بِرِيحِها: صَوَّتَتْ، والدُّبُرُ بِرِيحِ الحَدَثِ: صَوَّتَ - قالَ أبُو حَيّانَ: وجاءَ عَلى فُعالٍ أيْ: بِالضَّمِّ ويَكْثُرُ فُعالٌ في الأصْواتِ كالصُّراخِ. انْتَهى.
﴿وتَصْدِيَةً﴾ أيْ: وتَصْفِيقًا، كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ عُراةً ويُصَفِّرُونَ بِأفْواهِهِمْ ويُصَفِّقُونَ بِأيْدِيهِمْ مَقْصُورَةً، فَيَكُونُ تَصْوِيتُهم ذَلِكَ يُشْبِهُ الَّذِي (p-٢٧٥)رَجَّعَ الصَّوْتَ في المَكانِ الخالِي، فَهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّ صَلاتَهم لا مَعْنى لَها، وأصْلُهُ صَدَّدَ - مُضاعَفٌ - إذا أعْرَضَ ومالَ مِثْلَ التَّظَنِّي مِن ظَنَّنَ -، فَهَذا لَهْوٌ لا عِبادَةٌ وهَزْءٌ لا جَدَّ مَعَ أنَّ الأمْرَ جِدٌّ وأيُّ جِدِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] أيْ: ولا تَبْكُونَ في حالِ جِدِّكم بِدَأْبِكم في العَمَلِ الصّالِحِ، فَهَذا الَّذِي يَعْمَلُونَهُ مُنافٍ لِحالِ البَيْتِ فَهو تَخْرِيبٌ لا تَعْمِيرٌ، قالَ مُقاتِلٌ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى في المَسْجِدِ قامَ رَجُلانِ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ يَمِينِهِ يُصَفِّرانِ ويُصَفِّقانِ، ورَجُلانِ كَذَلِكَ عَنْ يَسارِهِ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِ صَلاتَهُ،» وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الأعْمَشِ: صَلاتَهم - بِالنَّصْبِ: وما كانَ شَيْءٌ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً صَلاتَهُمْ، فَنَفى عَمّا يَجْعَلُونَهُ صَلاةَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، فالصَّلاةُ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِما بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَقَدْ صارَتْ بِهَذا الطَّرِيقِ بِمَعْنى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ سَواءً فَتَأمَّلْهُ؛ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، وخُرِّجَ عَلَيْهِ الخِلافُ في آيَةِ الأنْعامِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] وغَيْرِهِ، وقَدْ مَضى هُناكَ ما يَنْفَعُ هُنا، ومِمّا يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ لِأنَّهُ أعْلى الذَّمِّ، بَلْ ذَمَّهم لِكَوْنِهِمُ اتَّخَذُوا العِبادَةَ لَعِبًا لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلى ذَمِّ مَن أشْبَهَهم في ذَلِكَ فَعَمَدَ إلى ما هو مُباحٌ في أصْلِهِ فاتَّخَذَهُ دِينًا فَكَيْفَ إذا كانَ مَكْرُوهًا أمْ كَيْفَ إذا كانَ حَرامًا، فَقَبَّحَ اللَّهُ قَوْمًا ادَّعَوْا أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيا ثُمَّ اتَّخَذُوا الطُّبُولَ والغِنى والتَّصْدِيَةَ شِعارَهم ثُمَّ ضَرَبُوا بِهِ حَتّى فَعَلُوهُ في (p-٢٧٦)المَساجِدِ وزادُوا عَلى فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ الرَّقْصَ الَّذِي ابْتَدَعَهُ قَوْمُ السّامِرِيِّ لَمّا عَبَدُوا العِجْلَ، فَأخَذُوا أنْواعًا مِن أفْعالِ أنْواعٍ مِنَ الكَفَرَةِ وجَعَلُوها عادَتَهم وشِعارَهم ودِيانَتَهُمْ، فَلَقَدِ انْتَهَكُوا حُرُماتِ الشَّرِيعَةِ وبَدَّلُوها واسْتَهانُوا بِها واسْتَرْذَلُوها.
ولَمّا كانَ مَساقُ الكَلامِ لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وأنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنهُ وكانَ قَدْ أوْقَعَ بِهِمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مَبادِيهِ، وكانَتِ المُواجَهَةُ بِالتَّعْنِيفِ وقْتَ إيقاعِ ما لا يُطاقُ بِالعَدُوِّ إنْكاءً، قالَ مُسَبَّبًا عَنْ قَبِيحِ ما كانُوا يَرْتَكِبُونَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ: الَّذِي تَوَعَّدَكُمُ اللَّهُ والَّذِي رَأيْتُمُوهُ بِبَدْرٍ وطَلَبْتُمُوهُ في اسْتِفْتائِكم حُكْمَ الِاسْتِهانَةِ بِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: إنَّكم قَدْ صِرْتُمْ بِهَذا الفِعْلِ أهْلًا لِذَوْقِهِ بِما تَسْتُرُونَ مِمّا دَلَّتْكم عَلَيْهِ عُقُولُكم مِن هَذا الحَقِّ الواضِحِ.
الأنفال 8:36
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ في الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، وكانَ غَلَبُهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ مُسْتَبْعَدًا، أخْبَرَ بِما يُقَرِّبُهُ مُبَيِّنًا لِأعْمالِهِمُ المالِيَّةِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَعَ كَثْرَتِهِمْ لِأنَّهم سَتَرُوا مَرائِيَ عُقُولِهِمُ الَّتِي هي الإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ فَنَقَصُوا بِذَلِكَ نَقْصًا لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ ﴿يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ: يَعْزِمُونَ عَلى إنْفاقِها فِيما يَأْتِي ﴿لِيَصُدُّوا﴾ أيْ: بِزَعْمِهِمْ أنْفُسَهم وغَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ - الَّذِي لا يُدانِي عَظَمَتَهُ عَظَمَةً مَعَ اتِّساعِهِ ووُضُوحِهِ وسُهُولَتِهِ ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ (p-٢٧٧)أيْ: بِحُكْمٍ قاهِرٍ لَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ أيْ: بَعْدَ إنْفاقِها بِمُدَّةٍ، وعَبَّرَ بِعِبارَةٍ ظاهِرَةٍ في مَضَرَّتِها فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وأبْلَغَ في ذَلِكَ بِأنْ أوْقَعَ عَلَيْها المَصْدَرَ فَقالَ: ﴿حَسْرَةً﴾ أيْ: لِضَياعِها وعَدَمِ تَأْثِيرِها ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ أيْ: كَما اتَّفَقَ لَهم في بَدْرٍ سَواءٌ، فَإنَّهم أنْفَقُوا مَعَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ شَيْئًا مِمّا أرادَ اللَّهُ بِهِمْ، بَلْ كانَ وبالًا عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ كانَ سَبَبًا لِجُرْأتِهِمْ حَتّى أقْدَمُوا نَظَرًا إلى الحاضِرِ وقُصُورًا عَنِ الغائِبِ كالبَهائِمِ فَهَلَكُوا، وكانَ ذَلِكَ قُوَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَما كانَ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُمْ، وهَذا الكَلامُ مُنْطَبِقٌ عَلى ما كانَ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ وعَلى كُلِّ ما شاكَلَهُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا قُهِرُوا في بَدْرٍ قالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تُنْفِقُوا مالَ تِلْكَ العِيرِ - يَعْنِي الَّتِي كانَتْ مَعَهُ - ونَحُثُّ عَلى حَرْبِ مُحَمَّدٍ، فَأجابُوا وأنْفَقُوهُ عَلى غَزْوَةِ أُحُدٍ فَحَصَلَ لَهم فِيها بَعْضُ ظَفَرٍ ثُمَّ تَعْقُبُهُ الحَسْرَةُ والمَغْلُوبِيَّةُ في بَدْرٍ المَوْعِدِ وكُلِّ ما بَعْدَها؛ ثُمَّ أظْهَرَ وصْفَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ وتَعْمِيمًا مُنْذِرًا لَهم بِما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حُكِمَ بِدَوامِ كُفْرِهِمْ عامَّةً سَواءٌ زادُوا عَلى الكُفْرِ فِعْلَ ما تَقَدَّمَ أمْ لا ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِها.
ولَمّا كانَ المَنكِيُّ هو الحَشْرُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ فَهم في خِزْيٍ دائِمٍ دُنْيا وأُخْرى، ويَجُوزُ أنْ يُتَجَوَّزَ بِجَهَنَّمَ عَنْ أسْبابِها فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم يُسْتَدْرَجُونَ بِمُباشَرَةِ أسْبابِها (p-٢٧٨)إلَيْها ويُحْمَلُونَ في الدُّنْيا عَلَيْها، وهَذِهِ الآياتُ - مَعَ كَوْنِها مُعْلِمَةً بِما لَهم في الدُّنْيا وما لَهم في الآخِرَةِ مِن أنَّ آخِرَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا الغَلَبُ كَما كَشَفَ عَنْهُ الزَّمانُ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وفي الآخِرَةِ جَهَنَّمُ - هي مُبَيِّنَةٌ لِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] فَإنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ في دَعْواهم لَقالُوا مِثْلَهُ ثُمَّ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا هو الحَقَّ لا غَيْرَهُ لَما قُلْنا مِثْلَهُ، مَوْضِعَ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى آخِرِهِ، وأمّا آيَةُ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ فَكَأنَّها تَقُولُ: هَذا القُرْآنُ في أعْلى دَرَجِ البَلاغَةِ ولَمْ تُؤَهَّلُوا أنْتُمْ - مَعَ ادِّعائِكُمُ السَّبْقَ في البَلاغَةِ - لِأنْ تُعارِضُوا بِشَيْءٍ لَهُ أهْلِيَّةٌ لِشَيْءٍ مِنَ البَلاغَةِ، بَلْ نَزَلْتُمْ إلى أصْواتِ الحَيَواناتِ العُجْمِ حَقِيقَةً، فَلا أجْلى مِن هَذا البَيانِ عَلى ما ادَّعَيْتُمْ مِنَ الزُّورِ والبُهْتانِ، وأمّا آيَةُ الإنْفاقِ فَقائِلَةٌ: لَوْ قَدَرْتُمْ في مُعارَضَتِهِ عَلى إنْفاقِ الأقْوالِ لَما عَدَلْتُمْ عَنْهُ إلى إنْفاقِ الأمْوالِ المُفْضِي إلى مُقاساةِ الأهْوالِ وفَسادِ الأشْباحِ ونَفُوقِ ما حَوَتْ مِنَ الأرْواحِ المُؤَدِّي إلى الذُّلِّ السَّرْمَدِ بِالعَذابِ المُؤَبَّدِ.
الأنفال 8:37
ولَمّا ذَكَرَ حَشْرَ الكافِرِينَ ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ مُعَلِّقًا بِيُحْشَرُونَ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ بِذَلِكَ الحَشْرِ ﴿الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أيْ: إنَّما جَعَلَ لِلْكُفّارِ دارًا تَخُصُّهم ويَخُصُّونَها لِإظْهارِ العَدْلِ والفَضْلِ بِأنْ يُمَيِّزَ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فَجَعَلَ لِكُلِّ دارٍ يَتَمَيَّزُ بِها عَدْلًا في الكافِرِينَ وفَضْلًا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَيَجْعَلُ الطَّيِّبَ في مَكانٍ واسِعٍ حَسَنٍ ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ﴾ أيِ: الفَرِيقَ المُتَّصِفَ بِهَذا الوَصْفِ ﴿بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ والرَّكْمُ: جَمْعُ الشَّيْءِ (p-٢٧٩)بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ عَطْفُ تَفْسِيرٍ يُؤَكِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ في إرادَةِ الحَقِيقَةِ مَعَ إفْهامِ شِدَّةِ الِاتِّصالِ حَتّى يَصِيرَ الكُلُّ كالشَّيْءِ الواحِدِ كالسَّحابِ المَرْكُومِ، والنَّتِيجَةُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ أيْ: دارِ الضِّيقِ والغَمِّ والتَّجَهُّمِ والهَمِّ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لا فَلاحَ مَعَهُ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ جامِعًا تَصْرِيحًا بِالعُمُومِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ الَّذِينَ أفْهَمَهُمُ اسْمُ الجِنْسِ في الخَبِيثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: خاصَّةً لِتَناهِي خُسْرانِهِمْ، لِأنَّهُمُ اشْتَرَوْا بِأمْوالِهِمْ إهْلاكَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ الحَشْرِ.
الأنفال 8:38
ولَمّا بَيَّنَ ضَلالَهم في عِبادَتِهِمُ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وكانَ في كَثِيرٍ مِنَ العِباراتِ السّالِفَةِ القَطْعُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِلَفْظِ الماضِي بِالشَّقاءِ، كانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِأنْ يُرادَ مَن أوْقَعَ الكُفْرَ في الزَّمَنِ الماضِي وإنْ تابَ، فَيَكُونُ مُؤَيِّسًا مِنَ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلثَّباتِ عَلى الكُفْرِ، قالَ تَعالى مُتَلَطِّفًا بِعِبادِهِ مُرْشِدًا لَهم إلى طَرِيقِ الصَّوابِ مُبَيِّنًا المَخْلَصَ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الوَبالِ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: أما لَهم مِن جِبِلَّةٍ يَتَخَلَّصُونَ بِها مِنَ الخَسارَةِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الَّذِينَ ﴿كَفَرُوا﴾ أنِّي أقْبَلُ تَوْبَةَ مَن تابَ مِنهم بِمُجَرَّدِ انْتِهائِهِ عَنْ حالِهِ ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم وقْتًا ما الِانْتِهاءُ عَنْ مُغالَبَتِهِمْ بِالِانْتِهاءِ عَنْ كُفْرِهِمْ فَيَذِلُّوا لِلَّهِ ويَخْضَعُوا لِأوامِرِهِ ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ النّافِعَ نَفْسُ الغُفْرانِ وهو (p-٢٨٠)مَحْوُ الذَّنْبِ ﴿ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: مِمّا اجْتَرَحُوهُ كائِنًا ما كانَ فَيُمْحى عَيْنًا وأثَرًا فَلا عِقابَ عَلَيْهِ ولا عِتابَ ﴿وإنْ﴾ أيْ: وإنْ يَثْبُتُوا عَلى كُفْرِهِمْ و﴿يَعُودُوا﴾ أيْ: إلى المُغالَبَةِ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ﴾ أيْ: طَرِيقَةُ ﴿الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وُجِدَتْ وانْقَضَتْ ونَفَذَتْ فَلا مَرَدَّ لَها بِدَلِيلِ ما سُمِعَ مِن أخْبارِ الماضِينَ وشُوهِدَ مَن حالِ أهْلِ بَدْرٍ مِمّا أوْجَبَ القَطْعَ بِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وعَلى الكافِرِينَ، ومَن كانَ مَعَهُ نُصِرَ، ومَن كانَ عَلَيْهِ خُذِلَ وأُخِذَ وقُسِرَ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وإنْ كانَتِ الحَرْبُ سِجالًا.
الأنفال 8:39
ولَمّا أشارَ خَتْمُ الآيَةِ إلى قِتالِهم إنْ أصَرُّوا، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَأقْدَمُوا عَلَيْهِمْ حَيْثُما عادَوْكم إقْدامَ اللُّيُوثِ الجَرِيئَةِ غَيْرَ هائِبِينَ كَثْرَتَهم ولا قُوَّتَهم فَإنَّ اللَّهَ خاذِلُهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ: ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: سَبَبٌ يُوجِبُ مَيْلًا عَنِ الدِّينِ أصْلًا ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الوَقْعَةُ قَدْ سَرَتْ كَتائِبُ هَيْبَتِها في القُلُوبِ فَوَجَبَتْ أيَّما وجَبَتْ، فَضاقَتْ وضَعُفَتْ صُدُورُ الكافِرِينَ، وانْشَرَحَتْ وقَوِيَتْ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ؛ اقْتَضى هَذا السِّياقُ التَّأْكِيدَ فَقالَ: ﴿كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ خالِصًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِنَوْعِ خَوْفٍ أوْ إغْضاءٍ عَلى قَذًى، وأصْلُ الفَتْنِ: الخَلْطَةُ المُحِيلَةُ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ (p-٢٨١)عَظِيمًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُحَوَّلُ عَنْ حالِهِ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ؛ لِأنَّ مُخالَفَةَ المَأْلُوفِ عَسِرَةٌ، ومِنهُ النَّتْفُ، وكَذا نَفَتِ القِدْرُ، وهو أنْ يَغْلِيَ المَرَقُ فَيَلْزَقَ بِجَوانِبِها، والتَّنُوفَةُ: القَفْرُ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ ذَلِكَ، ويَلْزَمُهُ الإخْلاصُ، مِن فَتَنْتُ الذَّهَبَ - إذا أذَبْتَهُ فَتُمَيِّزُ جِيِّدَهُ مِن رَدِيئِهِ، وتارَةً يَكُونُ المَيْلُ إلى جِهَةِ الرَّدِيءِ وهو الأغْلَبُ، وتارَةً إلى الجَيِّدِ، ومِنهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]
ولَمّا كانَ لَهم حالَ اللِّقاءِ حالانِ: إسْلامٌ وإقْبالٌ، وكُفْرٌ وإعْراضٌ وإخْلالٌ، قالَ مُبَيِّنًا لِحُكْمِ القِسْمَيْنِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنْ قِتالِكم بِالمُواجَهَةِ بِالإسْلامِ فاقْبَلُوا مِنهم وانْتَهُوا عَنْ مَسِّهِمْ بِسُوءٍ ولا تَقُولُوا: أنْتُمْ مُتَعَوِّذُونَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُخْلِصَيْنِ، تَمَسُّكًا بِالتَّأْكِيدِ بِكُلِّهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكم إلّا رَدُّهم عَنِ المُخالَفَةِ الظّاهِرَةِ، وأمّا الباطِنُ فَإلى اللَّهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً، وقَدَّمَ المَجْرُورَ اهْتِمامًا بِهِ إفْهامًا لِأنَّ العِلْمَ بِهِ كالمُخْتَصِّ بِهِ فَقالَ: ﴿بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: وإنْ دَقَّ ﴿بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وأمّا أنْتُمْ فَلَسْتُمْ عالِمِينَ بِالظّاهِرِ والباطِنِ مَعًا فَعَلَيْكم قَبُولُ الظّاهِرِ، واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ أنْتُمْ أيْضًا - مِن كَفٍّ عَنْهم وقَتْلٍ لِلَّهِ أوْ لِحَظِّ (p-٢٨٢)نَفْسٍ - بَصِيرٌ، فَيُجازِيكم عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ وبَواطِنِها وإنْ أظْهَرْتُمْ لِلنّاسِ ما يُقِيمُ عُذْرَكُمْ، ويُكْمِلُ لِكُلٍّ مِنكم أجْرَ ما كانَ عَزَمَ عَلى مُباشَرَتِهِ مِن قِتالِهِمْ لَوْ لَمْ يَنْتَهُوا، وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا بَلْ أقْدَمُوا عَلى قِتالِكُمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ:
الأنفال 8:40
﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنِ الإجابَةِ تَبْشِيرًا لَهم بِهَزِيمَتِهِمْ وقِلَّةِ ثَباتِهِمْ لِما ألْقى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: مُتَوَلِّي أُمُورِكم فَهو يَعْمَلُ مَعَكم ما يَعْمَلُ مَن يَتَوَلّى أمْرَ مَن يُحِبُّهُ مِنَ الِاجْتِهادِ في تَحْصِيلِ ما يَنْفَعُهُ ودَفْعِ ما يَضُرُّهُ فَهو لا مَحالَةَ ناصِرُكُمْ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ مَدْحَهُ بِما هو أهْلُهُ تَعْرِيفًا بِقَدْرِهِ وتَرْغِيبًا في تَوْلِيِّهِ فَقالَ: ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ ولَمْ يُدْخِلْ فاءَ السَّبَبِ هُنا لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ العِلْمُ، واعْتِقادُ كَوْنِهِ مَوْلًى واجِبٌ لِذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، بِخِلافِ ما في آخِرِ الحَجِّ، فَإنَّ المَأْمُورَ هُناكَ الِاعْتِصامُ ﴿ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أيْ: فَلا تَخافُوهم أصْلًا وإنْ زادَتْ كَثْرَتُهم وقَوِيَتْ شَوْكَتُهم فَلا تُبارِحُوهم حَتّى لا يَكُونَ إلّا كَلِمَةُ اللَّهِ.
الأنفال 8:41
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإذا أعانَكم مَوْلاكم عَلَيْهِمْ وغَلَبْتُمُوهم وغَنِمْتُمْ فِيهِ فَلا تَنْسُبُوا إلى أنْفُسِكم فِعْلًا، بَلِ اعْلَمُوا أنَّهُ هو الفاعِلُ وحْدَهُ لِأنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ مُتَلاشِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِهِ فَلا تَتَنازَعُوا في المَغْنَمِ تَنازُعَ مَن أخَذَهُ بِقُوَّتِهِ وحازَهُ بِقُدْرَتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٢٨٣)﴿واعْلَمُوا﴾ ابْتِداءً بِهَذا الأمْرِ إشارَةً إلى أنَّ ما بَعْدَها مِنَ المُهِمّاتِ لِيَبْذُلُوا الجُهْدَ في تَفْرِيغِ أذْهانِهِمْ لِوَعْيِهِ وتَنْزِيلِهِ مَنازِلَهُ ورَعْيِهِ ﴿أنَّما﴾ أيِ: الَّذِي ﴿غَنِمْتُمْ﴾ الغَنِيمَةُ لُغَةً: الفَوْزُ بِالشَّيْءِ، وشَرْعًا: ما دَخَلَ في أيْدِي المُسْلِمِينَ مِن مالِ الكُفّارِ قَهْرًا بِالخَيْلِ والرِّكابِ، وزادَ في التَّعْمِيمِ حَتّى لِأقَلِّ ما يُمْكِنُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: حَتّى الخَيْطِ والمَخِيطِ فَإنَّهُ كُلَّهُ لَهُ؛ لِأنَّهُ النّاصِرُ وحْدَهُ وإنَّما أنْتُمْ آلَةٌ لا قُدْرَةَ لَكم عَلى مُقاوَمَةِ الأعْداءِ لِأنَّهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ ولا نِسْبَةَ لَكم مِنهم في عَدَدٍ ولا قُوَّةٍ أصْلًا، فالجارِي عَلى مِنهاجِ العَدْلِ المُتَعارَفِ عِنْدَكم أنْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ ولا يُمَكِّنَكم مِن شَيْءٍ مِنهُ كَما كانَ فِيمَن قَبْلَكُمْ، يُعْزَلُ فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ - عَلِمَ ضَعْفَكم فَمَنَّ عَلَيْكم بِهِ ورَضِيَ مِنكم مِنهُ بِالخُمْسِ فَسَمّاهُ لِنَفْسِهِ ورَدَّهُ عَلَيْكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿خُمُسَهُ﴾
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجَلُّ مَن أنْ يَنالَهُ نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذِكْرَ اسْمِهِ سُبْحانَهُ إنَّما هو لِلْإعْلامِ بِأنَّ إسْلامَ هَذا الخُمْسِ والتَّخَلِّيَ عَنْهُ لا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، وإنَّما هو لِمَحْضِ الدِّينِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَذَكَرَ مَصْرِفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلرَّسُولِ﴾ أيْ: يُصْرَفُ إلَيْهِ خُمْسُ هَذا الخُمْسِ ما دامَ حَيًّا لِيَصْرِفَهُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، ويُصْرَفُ بَعْدَهُ إلى القائِمِ مَقامَهُ، يَفْعَلُ فِيهِ ما كانَ ﷺ يَفْعَلُهُ ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ أيْ: مِنَ الرَّسُولِ، وهُمُ الآلُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الزَّكاةُ: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ ﴿واليَتامى﴾ أيْ: لِضَعْفِهِمْ ﴿والمَساكِينِ﴾ لِعَجْزِهِمْ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ: المُسافِرِ لِأنَّ الأسْفارَ مَظِنّاتُ الِافْتِقارِ، فالحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَرْزَأْكم مِن (p-٢٨٤)المَغْنَمِ شَيْئًا، فاعْرِفُوا فَضْلَهُ عَلَيْكم أوَّلًا بِالإنْعامِ بِالنَّصْرِ، وثانِيًا بِحِلِّ المَغْنَمِ، وثالِثًا بِالإمْكانِ مِنَ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، ورابِعًا بِرَدِّ الخُمْسِ الخامِسِ فِيكُمْ، فاشْتَغِلُوا بِشُكْرِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَغْفُلُوا عَنْ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ تَتَوَهَّمُوا أنَّ بِكم فِعْلًا تَسْتَحِقُّونَ بِهِ شَيْئًا فَضْلًا عَنْ أنْ تَفْعَلُوا مِنَ المُنازَعَةِ في المَغْنَمِ فِعْلَ القاطِعِ بِالِاسْتِحْقاقِ، اعْلَمُوا ذَلِكَ كُلَّهُ عِلْمَ المُصَدِّقِ المُؤْمِنِ المُذْعِنِ لِما عَلِمَ لِتَنْشَأ عَنْهُ ثَمَرَةُ العَمَلِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ صادِقِينَ في أنَّكم ﴿آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿وما﴾ أيْ: وبِالَّذِي ﴿أنْـزَلْنا﴾ أيْ: إنْزالًا واحِدًا سَرِيعًا لِأجْلِ التَّفْرِيجِ عَنْكم مِنَ القُرْآنِ والجُنُودِ والسَّكِينَةِ في قُلُوبِكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ وصْفُهُ ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ أيِ: الَّذِي يَرى دائِمًا أنَّ الأفْعالَ كُلَّها لَنا فَلا يَنْسُبُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا إلّا بِنا ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ أيْ: يَوْمِ بَدْرٍ الَّذِي جَعَلْنا لَكم فِيهِ عِزًّا يَنْفُذُ بِهِ أقْوالُكم وأفْعالُكم في فَصْلِ الأُمُورِ.
ولَمّا وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِالفُرْقانِ تَذْكِيرًا لَهم بِالنِّعْمَةِ، بَيَّنَهُ بِما صَوَّرَ حالَهم إتْمامًا لِذَلِكَ - أوْ أبْدَلَ مِنهُ - فَقالَ: ﴿يَوْمَ التَقى﴾ أيْ: عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بَلْ بِمَحْضِ تَدْبِيرِ اللَّهِ ﴿الجَمْعانِ﴾ أيِ: اللَّذانِ أحَدُهُما أنْتُمْ وكُنْتُمْ حِينَ التَّرائِي - لَوْلا فَضْلُنا - قاطِعِينَ بِالمَوْتِ، وثانِيهِما: أعْداؤُكم وكانُوا عَلى اليَقِينِ بِأنَّكم في قَبْضَتِهِمْ، وذَلِكَ هو الجارِي عَلى مَناهِجِ العَوائِدِ، ولَوْ قِيلَ: يَوْمِ بَدْرٍ، لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الفَوائِدَ.
ولَمّا كانَ انْعِكاسُ الأمْرِ في النَّصْرِ مَحَلَّ عَجَبٍ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: (p-٢٨٥)﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ وعَكْسِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الأُمُورِ ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكانَ خَتْمُها بِذَلِكَ كاشِفًا لِلسِّرِّ ومُزِيلًا لِلْعَجَبِ ومُبَيِّنًا أنَّ ما فُعِلَ هو الجارِي عَلى سُنَنِ سُنَّتِهِ المُطَّرِدِ في قَدِيمِ عادَتِهِ عِنْدَ مَن يَعْلَمُ أيّامَهُ الماضِيَةَ في جَمِيعِ الأعْصُرِ الخالِيَةِ.
الأنفال 8:42
ولَمّا ذَكَرَ لَهم يَوْمَ مُلْتَقاهُمْ، صَوَّرَ لَهم حالَتَهُمُ المُوَضِّحَةَ لِلْأمْرِ المُبَيِّنَةَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِالعَجْزِ تَذْكِيرًا لَهم بِذَلِكَ رَدْعًا عَنِ المُنازَعَةِ ورَدًّا إلى المُطاوَعَةِ فَقالَ مُبْدِلًا مِن: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] ﴿إذْ أنْتُمْ﴾ نُزُولٌ ﴿بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى إلى المَدِينَةِ ﴿وهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ نُزُولٌ ﴿بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ أيِ: البُعْدى مِنها القَرِيبَةُ إلى البَحْرِ، والقِياسُ قَلْبُ واوِهِ ياءً، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ إلّا أنَّ هَذا أكْثَرُ كَما كَثُرَ اسْتَصْوَبَ وقَلَّ اسْتَصابَ، والعِدْوَةُ - بِالكَسْرِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ، وبِالضَّمِّ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ: جانِبُ الوادِي وشَطُّهُ، ومادَّتُها - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ ويَلْزَمُهُ المُجاوَرَةُ والسُّكُونُ والإقْبالُ والرُّجُوعُ والِاسْتِباقُ والمَحَلُّ القابِلُ لِذَلِكَ، فَكَأنَّها المَوْضِعُ الَّذِي عَلا عَنْ مَحَلٍّ فَكانَ السَّيْلُ مَوْضِعًا لِلْعَدُوِّ ﴿والرَّكْبُ﴾ أيِ: العِيرُ الَّذِي فِيهِ المَتْجَرُ الَّذِي خَرَجْتُمْ لِاقْتِطاعِهِ ورَئِيسُ جَماعَتِهِ أبُو سُفْيانَ، ونُصِبَ (p-٢٨٦)عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: أيُّها الجَمْعانِ إلى جانِبِ البَحْرِ عَلى مَدًى مِن قَرْيَةٍ تَكادُونَ تَقَعُونَ عَلَيْهِ وتَمُدُّونَ أيْدِيَكم إلَيْهِ مَسافَةَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ - كَما قالَ البَغَوِيُّ، وهو كانَ قَصْدَهم وسُؤْلَكُمْ، فَلَوْ كانَتْ لَكم قُوَّةٌ عَلى طَرْقِهِ لَبادَرْتُمْ إلى الطَّرَفِ وغالَبْتُمْ عَلَيْهِ الحَتْفَ، ولَكِنْ مَنَعَكم مِن إدْراكِ مَأْمُولِكم مِنهُ مَن كانَ جاثِمًا بِتِلْكَ العُدْوَةِ جُثُومَ الأسَدِ واثِقًا بِما هو فِيهِ مِنَ القُوى والعَدَدِ كَما «قالَ ﷺ لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا قالَ في تَحْقِيرِهِمْ بَعْدَ قَتْلِهِمْ وتَدْمِيرِهِمْ: إنْ وجَدْنا إلّا عَجائِزَ صُلْعًا، ما هو إلّا أنْ لَقِيناهم فَمَنَحُونا أكْتافَهم - جَوابًا لَهُ: ”أُولَئِكَ يا ابْنَ أخِي المَلَأُ لَوْ رَأيْتَهم لِهِبْتَهم ولَوْ أمَرُوكَ لَأطَعْتَهُمْ“» مَعَ اسْتِضْعافِكم لِأنْفُسِكم عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ لَوْلا رَسُولُنا يُبَشِّرُكم وجُنُودُنا تُثَبِّتُكُمْ، وإلى مِثْلِ هَذِهِ المَعانِي أشارَ تَصْوِيرُ مَكانِهِمْ ومَكانِ الرَّكْبِ إيماءً إلى ما كانَ فِيهِ العَدُوُّ مِن قُوَّةِ الشَّوْكَةِ وتَكامُلِ العُدَّةِ وتَمَهُّدِ أسْبابِ الغَلَبَةِ وضَعْفِ حالِ المُسْلِمِينَ وأنَّ ظَفَرَهم في مِثْلِ هَذا الحالِ لَيْسَ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ، وما في البَيْضاوِيِّ تَبَعًا لِلْكَشّافِ مِن أنَّ العُدْوَةَ الدُّنْيا كانَتْ تَسُوخُ فِيها الأقْدامُ ولا ماءَ بِها تَقَدَّمَ رَدُّهُ أوَّلَ السُّورَةِ بِأنَّ المَشْهُورَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ والسِّيَرِ وغَيْرِها أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ السّابِقُونَ إلى الماءِ، وأنَّ جَمِيعَ أرْضِ ذَلِكَ المَكانِ كانَتْ رَمْلًا تَسُوخُ فِيهِ الأقْدامُ، فَأتى المُسْلِمِينَ بِهِ مِنَ المَطَرِ ما لَبَّدَ لَهُمُ الأرْضَ، (p-٢٨٧)وأتى المُشْرِكِينَ مِنهُ ما لَمْ يَقْدِرُوا مَعَهُ عَلى الحَرَكَةِ ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ وهم عَلى المُوافاةِ إلى تِلْكَ المَواضِعِ في آنٍ واحِدٍ ﴿لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ: لِأنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما بُعْدُ المَسافَةِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها مِنها وتَعَذُّرُ تَوْقِيتِ سَيْرِ كُلِّ فَرِيقٍ بِسَيْرِ صاحِبِهِ، والثّانِي كَراهَتُكم لِلِقائِهِمْ لِما وقَرَ في أنْفُسِكم مِن قُوَّتِهِمْ وضَعْفِكُمْ، وقَدْ كانَ الَّذِي كَرَّهَ إلَيْكم لِقاءَكم قادِرٌ عَلى أنْ يُكَرِّهَ إلَيْهِمْ لِقاءَكُمْ، فَيَقَعُ الِاخْتِلافُ مِن جِهَتِهِمْ كَما كانَ في بَدْرٍ المَوْعِدِ، وأمّا في هَذِهِ الغَزْوَةِ فَدَعاهم مِن حِمايَةِ غَيْرِهِمْ داعٍ لَمْ يَسْتَطِيعُوا التَّخَلُّفَ مَعَهُ، وطَمَسَ اللَّهُ بَصائِرَهم وقَسّى قُلُوبَهم مَعَ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ الَّذِي كانَ السَّبَبَ الأعْظَمَ في اللِّقاءِ لِمَن عَرَضَ عَلَيْهِ المَدَدَ بِالسِّلاحِ والرِّجالِ: إنْ كُنّا نُقاتِلُ النّاسَ فَما بِنا ضَعْفٌ عَنْهُمْ، وإنْ كُنّا إنَّما نُقاتِلُ - كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ - اللَّهَ فَما لِأحَدٍ بِاللَّهِ مِن طاقَةٍ، وقَوْلِهِ أيْضًا في هَذِهِ الغَزْوَةِ لِلْأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ: إنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ وما كَذَبَ قَطُّ، فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَمّا عَلِمَ في مُلاقاتِهِمْ لَكم مِن إعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: دَبَّرَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ حَتّى تَوافَيْتُمْ إلى مَوْطِنِ اللِّقاءِ كُلُّكم في يَوْمٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ مِيعادٍ ولَمْ تَخْتَلِفُوا في مُوافاةِ ذَلِكَ المَوْضِعِ مَعَ خُرُوجِ ذَلِكَ عَنِ العادَةِ لِكَوْنِهِ أتْقَنَ أسْبابَهُ، فَأطْمَعَكم في العِيرِ أوَّلًا مَعَ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الحاجَةِ ثُمَّ وعَدَكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مُبْهَمًا وأخْرَجَ قُرَيْشًا لِحِمايَةِ عِيرِهِمْ إخْراجًا لَمْ يَجِدُوا مِنهُ بُدًّا، ولَمّا نَجَتْ عِيرُهم أوْرَدَهُمُ الرِّياءُ والسُّمْعَةُ (p-٢٨٨)والبَطَرُ بِما هم فِيهِ مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ كَما قالَ أبُو جَهْلٍ: لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنَنْحَرَ بِها الجَزُورَ ونَشْرَبَ الخُمُورَ وتَعْزِفَ عَلَيْنا القِيانُ ونُطْعِمَ مَن حَضَرَنا مِنَ العَرَبِ فَلا يَزالُونَ يَهابُونَنا مَدى الزَّمانِ - ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ مِن إعْزازِ دِينِهِ بِإعْزازِكم وإذْلالِهِمْ ﴿أمْرًا كانَ﴾ كَما تَكُونُ الجِبِلّاتُ والطَّبائِعُ في التَّمَكُّنِ والتَّمامِ ﴿مَفْعُولا﴾ أيْ: مُقَدَّرًا في الأزَلِ مِن لِقائِهِمْ وما وقَعَ فِيهِ مِن قَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ العَظِيمِ فَهو مَفْعُولٌ لا مَحالَةَ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ أيْمانُ مَن آمَنَ بِاعْتِمادِهِ عَلى اللَّهِ وتَصْدِيقِهِ بِمَوْعِدِهِ وكَفْرُ مَن كَفَرَ.
ولَمّا عَلَّلَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ في اللِّقاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ عِلَّلَ تِلْكَ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَهْلِكَ﴾ أيْ: لِعَدِّ رُؤْيَةِ ذَلِكَ القَضاءِ الخارِقِ لِلْعادَةِ ﴿مَن هَلَكَ﴾ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ: الكُفّارِ في حالَةِ القِتالِ وبَعْدَها، والمُسْلِمِينَ هَلاكًا مُتَجاوِزًا وناشِئًا ﴿عَنْ﴾ حالَةٍ ﴿بَيِّنَةٍ﴾ لِما بانَ مِن صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الوَقْعَةِ في كُلِّ ما وعَدَ بِهِ وكِذَبِ الكُفّارِ في كُلِّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ قاطِعِينَ بِهِ مَعَ أنَّ ظاهِرَ الحالِ يَقْضِي لَهُمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ ﴿ويَحْيا مَن حَيَّ﴾ أيْ: بِالإسْلامِ حَياةً هي في أعْلى الكَمالِ بِما تُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ نافِعٍ والبَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِإظْهارِ الياءَيْنِ، أوْ في أدْنى الكَمالِ بِما يُشِيرُ (p-٢٨٩)إلَيْهِ إدْغامُ الباقِينَ تَخْفِيفًا حَياةً مُتَجاوِزَةً وناشِئَةً ﴿عَنْ﴾ حالَةٍ ﴿بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: كائِنَةٍ بَعْدَ البَيانِ في كَوْنِ الكافِرِينَ عَلى باطِلٍ والمُؤْمِنِينَ عَلى حَقٍّ لِما سَيَأْتِي مِن أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ المَغْرُورُ وكَشَفَتْ عَجائِبُ المَقْدُورِ عَنْ أعْيُنِ القُلُوبِ المَسْتُورِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ في فِعْلِ ذَلِكَ لَعَزِيزٌ حَكِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ أيْ: لِما كُنْتُمْ تَقُولُونَهُ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما كُنْتُمْ تُضْمِرُونَهُ وغَيْرِهِ فاسْتَكِينُوا لِعَظَمَتِهِ وارْجِعُوا عَنْ مُنازَعَتِكم لِخَشْيَتِهِ،
الأنفال 8:43
أتَمَّ سُبْحانَهُ تَصْوِيرَ حالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا ما أشارَ إلَيْهِ مِن لُطْفِ تَدَبُّرِهِ: ﴿إذْ﴾ أيِ: اذْكُرْ إذْ أرَدْتَ عِلْمَ ذَلِكَ حِينَ ﴿يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَهو يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴿فِي مَنامِكَ قَلِيلا﴾ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ إعْلامُهُ بِهِ مِن أنَّ المُصادَمَةَ - فَضْلًا عَمّا نَشَأ عَنْها - ما كانَ إلّا مِنهُ وأنَّهم كانُوا كالآلَةِ الَّتِي لا اخْتِيارَ لَها، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَحَدَّثَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِذَلِكَ فاطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم وشَجَّعَهم ذَلِكَ؛ وعَيَّنَ ما كانَ يَحْصُلُ مِنَ الفَسادِ لَوْلا ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَوْ أراكَهُمْ﴾ أيْ: في مَنامِكَ أوْ غَيْرِهِ ﴿كَثِيرًا﴾
ولَمّا كانَ الإخْبارُ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِضِدِّ ما وقَعَ فِيها مِمّا يَقْتَضِي طَبْعُ البَشَرِ التَّوَقُّفَ فِيهِ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ أيْ: جَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ﴾ أيِ: اخْتَلَفْتُمْ فَنَزَعَ كُلُّ واحِدٍ مَنزَعًا خِلافَ مَنزَعِ صاحِبِهِ ﴿فِي الأمْرِ﴾ أيْ: فَوَهِنْتُمْ فَزادَكم ذَلِكَ ضَعْفًا وكَراهَةً لِلِقائِهِمْ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي (p-٢٩٠)أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿سَلَّمَ﴾ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يُرِكَهم كَذَلِكَ فَحَصَلَتِ السَّلامَةُ عَمّا كانَ يَتَسَبَّبُ عَنْها مِنَ النُّكُوصِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ في تَرْتِيبِهِ ذَلِكَ وإخْبارِهِ بِهَذا الأمْرِ المَفْرُوضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: ضَمائِرِها مِنَ الجَراءَةِ والجُبْنِ وغَيْرِهِما قَبْلَ خُطُورِها في القُلُوبِ.
الأنفال 8:44
ولَمّا بَيَّنَ ما نَشَأ عَنْ رُؤْيَتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ والسُّلَّمُ مِن قِلَّتِهِمْ وما كانَ يَنْشَأُ عَنْ رُؤْيَتِهِ الكَثْرَةَ لَوْ وقَعَتْ؛ لِأنَّهُ ﷺ - لِما هو عَلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ والشَّفَقَةِ - كانَ يُخْبِرُهم بِما رَأى كَما أخْبَرَهم في غَزْوَةِ أُحُدٍ بِالبَقَرِ المُذَبَّحَةِ؛ أتْبَعَهُ ما فَعَلَ مِنَ اللُّطْفِ في رُؤْيَتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ يَقَظَةً فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ: واذْكُرُوا أيْضًا إذْ ﴿يُرِيكُمُوهُمْ﴾ أيْ: يُبْصِرُكم إيّاهم ﴿إذِ﴾ أيْ: حِينَ ﴿التَقَيْتُمْ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ لَيْسَتْ عَلى حَقِيقَةِ ما هم عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي أعْيُنِكُمْ﴾ أيْ: لا في نَفْسِ الأمْرِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿قَلِيلا﴾ أيْ: عَدَدُهم يَسِيرًا أمْرُهم مُصَدِّقًا لِما أخْبَرَكم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رُؤْياهُ لِتَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا يَوْمِ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: أتَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، فَأسَرْنا رَجُلًا مِنهم فَقُلْنا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ألْفًا، قالَ الحَرالِّيُّ في آلِ عِمْرانَ: فَجَعَلَ القَلِيلَ وصْفًا لَهم لازِمًا ثابِتًا دائِمًا عَلَيْهِمْ بِما أوْجَبَ فِيهِمْ مِن نَقْصِ ذَواتِهِمْ بِخَفاءِ فِطْرَتِهِمْ وما وراءَ خَلْقِ الفِطْرَةِ (p-٢٩١)مِنَ الذَّواتِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكُمْ﴾ صِيغَةُ فِعْلٍ واقِعٍ وقْتًا لا وصْفًا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوْ أراهم إيّاهم عَلى الإراءَةِ الحَقِيقِيَّةِ لَزادَهم مُضاعَفِينَ بِالعَشْرِ، فَكانُوا يَرَوْنَهم ثَلاثَةَ آلافٍ ومِائَتَيْنِ وثَلاثِينَ. انْتَهى.
﴿فِي أعْيُنِهِمْ﴾ قَبْلَ اللِّقاءِ لِيَجْتَرِئُوا عَلى مُصادَمَتِكم حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، ثُمَّ كَثَّرَكم في أعْيُنِهِمْ حِينَ المُصادَفَةِ حَتّى انْهَزَمُوا حِينَ فاجَأتْهُمُ الكَثْرَةُ فَظَنُّوا الظُّنُونَ؛ قالَ الحَرالِّيُّ: قَلَّلَهم حِينَ لَمْ يَرَهم إيّاهم عَلى الإراءَةِ - الحَقِيقِيَّةَ العَشْرِيَّةَ، ولا أراهم إيّاهم عَلى الصُّورَةِ الحِسِّيَّةِ؛ فَكانَ ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِراءَةِ ياءِ الغائِبِ - أيْ: في آلِ عِمْرانَ - وكانَتْ آيَةً لِلْكُفّارِ عَلى قِراءَةِ: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] - بِتاءِ الخِطابِ، فَكانَ في ذَلِكَ في إظْهارِ الإراءَةِ في أعْيُنِ الفِئَتَيْنِ نَحْوَ مِمّا كانَ مِنَ الإراءَتَيْنِ الواقِعَةِ بَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والسَّحَرَةِ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ خُيِّلَ إلَيْهِمْ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى وأنَّ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ رَأوْا ثُعْبانًا مُبِينًا يَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ رُؤْيَةً حَقِيقَةً، فَتَناسَبَ ما بَيْنَ الآياتِ الماضِيَةِ القائِمَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ بِوَجْهٍ ما، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أشْرَفَ وألْطَفَ بِما هي في مُدافَعَةٍ بِغَيْرِ آلَةٍ مِن عِصِيٍّ ولا حَبْلٍ في ذَواتِ الفِئَتَيْنِ وإحْساسِهِمْ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ ما أحالَهُ سُبْحانَهُ مِن إحْساسِ الفِئَتَيْنِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العِزَّةُ البالِغَةُ والحِكْمَةُ الباهِرَةُ مِن نَصْرِكم وخِذْلانِهِمْ بِأنْ تُفاجِئَهم كَثْرَتُكم بَعْدَ رُؤْيَتِكم قَلِيلًا فَيُشَجِّعُهم ذَلِكَ، ويَهْزِمُهم (p-٢٩٢)﴿أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ أيْ: مِن إعْجالِهِمْ - بِما فَجَعَهم مِنَ الكَثْرَةِ بَعْدَ القِلَّةِ - عَنِ الحَذَرِ والِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ وبِما فَعَلَ بِأيْدِيكم في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والهَزِيمَةِ المُثْمِرِ لِذُلِّ جَمِيعِ أهْلِ الكُفْرِ، كانَ مُقَدَّرًا في الأزَلِ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ عَلى ما حَدَّهُ لِأنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وحْدَهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِيَدِهِ سُبْحانَهُ ابْتِداءُ الأُمُورِ بِتَقْدِيرِهِ إيّاها في الأزَلِ لا بِيَدِ أحَدٍ غَيْرِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي بِيَدِهِ وحْدَهُ كُلُّ أمْرٍ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: كُلُّها فَلا يُنَفَّذُ إلّا ما يُرِيدُ إنْفاذَهُ، فَلا تَجْرِي الأُمُورُ عَلى ما يَظُنُّهُ العِبادُ، وهو مِن قَوْلِكَ: هَذا الأمْرُ راجِعٌ إلَيْكَ، أيْ: مَهْما أرَدْتَهُ فِيهِ مَضى، ولَوْ فُرِضَ أنَّ غَيْرَكَ عالَجَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ؛ ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْكَ فَيَمْضِي، فالحاصِلُ أنَّ فِيهِ قُوَّةَ الرُّجُوعِ بِهَذا الِاعْتِبارِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ رُجُوعٌ بِالفِعْلِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أُمُورَ الدُّنْيا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَواتِها، وإنَّما المُرادُ مِنها ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زادًا لِيَوْمِ المَعادِ،
الأنفال 8:45
ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وتَمَّ عَلى هَذا السَّبِيلِ الأحْكَمِ والمِنهاجِ الأقْوَمِ، كانَ عِلَّةً لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَتَيْنِ، فَكانَتا نَتِيجَتَهُ؛ لِأنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ ولا أثَرَ لِقِلَّةٍ ولا كَثْرَةٍ أثْمَرَ لِمَن هو في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ قِلَّةَ المُبالاةِ بِالظّالِمِينَ وإنْ تَجاوَزَتْ قُواهُمُ الحَدَّ، وزادُوا كَثْرَةً عَلى (p-٢٩٣)العَدِّ، والآيَتانِ تُذَكِّرانِهِمْ بِحالَتِهِمُ الَّتِي أوْجَبَتْ نَصْرَهم لِيَلْزَمُوها في كُلِّ مُعْتَرَكٍ ولا يَتَنازَعُوا كَما تَنازَعُوا في المَغْنَمِ ﴿إذا لَقِيتُمْ﴾ أيْ: قاتَلْتُمْ لِأنَّ اللِّقاءَ اسْمٌ لِلْقِتالِ غالِبٌ ﴿فِئَةً﴾ أيْ: طائِفَةً مُسْتَحِقَّةً لِلْقِتالِ كَما أغْنى عَنْ وصْفِها بِذَلِكَ وصْفُهم بِالإيمانِ ﴿فاثْبُتُوا﴾ أيْ: في لِقائِها بِقِتالِها كَما ثَبَتُّمْ في بَدْرٍ ولا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِفِرارٍ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ فَكُلُّ شَيْءٍ يُطْلَبُ فَهو عِنْدَهُ يُوجَدُ ﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: كَما صَنَعْتُمْ ثَمَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أمارَةُ الصِّدْقِ في الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ وحْدَهُ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِلنَّصْرِ لا مَحالَةَ كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي لَلَّذِي يَذْكُرُنِي عِنْدَ لِقاءِ قَرْنِهِ»
ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِأداةِ التَّرَجِّي، لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ الفَلاحِ وهو الظَّفَرُ بِالمُرادِ مِنَ النَّصْرِ والأجْرِ وكَما كُنْتُمْ إذْ ذاكَ
الأنفال 8:46
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ فَلا يَقْبَلُ إلّا الخالِصَ والكَمالَ الأكْمَلَ فَلا يَفْعَلُ إلّا ما يُرِيدُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في الإقْدامِ والإحْجامِ لِجَهْلِكم بِالعَواقِبِ، وتِلْكَ الطّاعَةُ أمارَةُ إخْلاصِكم في الذِّكْرِ ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ بِأنْ يُرِيدَ كُلُّ واحِدٍ نَزْعَ مالِ صاحِبِهِ مِن رَأْيٍ وغَيْرِهِ وإثْباتَ ما لَهُ، وأشارَ إلى عَظِيمِ ضَرَرِ التَّنازُعِ بِبَيانِ ثَمَرَتِهِ المُرَّةِ فَقالَ: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أيْ: تَضْعُفُوا؛ قالَ في القامُوسِ: فَشِلَ كَفَرِحَ، (p-٢٩٤)فَهُوَ فَشِلٌ، كَسَلَ وضَعُفَ وتَراخِي وجَبُنَ. انْتَهى.
والمادَّةُ راجِعَةٌ إلى الفَيْشَلَةِ وهي الحَشَفَةُ، ومِن لازِمِها الرَّخاوَةُ ويَنْشَأُ عَنِ الرَّخاوَةِ الجُبْنُ مَعَ الصَّلَفِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ.
ولَمّا كانَ الفَشَلُ رُبَّما كانَ مَعَهُ الظَّفَرُ لِفَشَلٍ في العَدُوِّ أكْثَرَ مِنهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، عَطَفَ ما يَلْزَمُهُ غالِبًا بِالواوِ دُونَ الفاءِ فَقالَ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أيْ: غَلَبَتُكم وقُوَّتُكُمْ، وأصْلُهُ أنَّ الرِّيحَ إذا كانَتْ في الحَرْبِ مِن جِهَةِ صَفٍّ كانَتْ في وُجُوهِ أعْدائِهِمْ فَمَنَعَتْهم بِما يُرِيدُونَ فَخُذِلُوا فَصارَتْ كَأنَّها قُوَّةُ مَن أتَتْ مِن عِنْدِهِ، فَصارَتْ يُكَنّى بِها عَنْها؛ ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الأسْبابَ بِالجامِعِ لِشَمْلِها النّاظِمِ لِمَقاصِدِ أهْلِها فَقالَ: ﴿واصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى ما يَكُونُ مِن تِلْكَ المَشاقِّ فَإنَّكم إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّ أعْداءَكم كَذَلِكَ، وأنْتُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما يَكُونُ عَنْهُ النَّصْرُ في الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: لِأنَّهم لا يَصْبِرُونَ إلّا اعْتِمادًا عَلَيْهِ، ومَن كانَ مَعَهُ عُزَّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيها - كَما قالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ في آخِرِ كِتابِ الفُرُوسِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ: تَدْبِيرُ الحُرُوبِ أحْسَنَ جَمْعٍ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَأمَرَ فِيها بِخَمْسَةِ أشْياءَ ما اجْتَمَعَتْ قَطُّ في فِئَةٍ إلّا انْتَصَرَتْ وإنْ قَلَّتْ في جَنْبِ عَدُوِّها، وخامِسُها مِلاكُ ذَلِكَ وقِوامُهُ وأساسُهُ وهو الصَّبْرُ، فَعَلى هَذِهِ الدَّعائِمِ الخَمْسِ تُبْنى قُبَّةُ النَّصْرِ، ومَتى زالَتْ (p-٢٩٥)أوْ بَعْضُها زالَ مِنَ النَّصْرِ بِحَسْبِهِ، وإذا اجْتَمَعَتْ قَوّى بَعْضُها بَعْضًا وصارَ لَها أثَرٌ عَظِيمٌ، لَمّا اجْتَمَعَتْ في الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لَمْ تَقُمْ لَهم أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، فَفَتَحُوا البِلادَ شَرْقًا وغَرْبًا ودانَتْ لَهُمُ العِبادُ سِلْمًا وحَرْبًا، ولَمّا تَفَرَّقَتْ فِيمَن بَعْدَهم وضَعُفَتْ آلَ الأمْرُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما تَرى - فَلا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، والجامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنَّها مُوجِبَةٌ لِتَأْيِيدِ المُطِيعِ بِقُوَّةِ مَن هو في طاعَتِهِ، وذَلِكَ سِرُّ قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي رَواهُ البُخارِيُّ في بابِ: ”عَمَلٌ صالِحٌ قَبْلَ القِتالِ“: إنَّما تُقاتِلُونَ النّاسَ بِأعْمالِكُمْ؛ وهو شَرْعٌ قَدِيمٌ، قالَ في أثْناءِ السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: وإنْ أنْتُمْ سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ رَبِّكم وتَحَفَّظْتُمْ وعَمِلْتُمْ بِكُلِّ هَذِهِ الوَصِيَّةِ الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ يُبارِكْ عَلَيْكُمُ اللَّهُ رَبُّكم كَما قالَ لَكُمْ، وتُرْزَقُونَ إنْ تُقْرِضُوا شُعُوبًا كَثِيرَةً ولا تُقْرَضُونَ، وتُسَلَّطُونَ عَلى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ ولا يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْكم.
الأنفال 8:47
ولَمّا ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ ما أوْجَبَ نَصْرَهم آمِرًا لَهم بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، ذَكَرَ لَهم حالَ أعْدائِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ قَهْرَهم ناهِيًا عَنْهُ تَعْرِيضًا بِحالِ المُنازَعَةِ في الأنْفالِ وأنَّها حالُ مَن يُرِيدُ الدُّنْيا، ويُوشِكُ - إنْ تَمادَتْ - أنْ تَجُرَّ إلى مِثْلِ حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَحَطُّ نَظَرِهِمُ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا﴾ أيْ: يا مَعْشَرَ (p-٢٩٦)المُؤْمِنِينَ ﴿كالَّذِينَ﴾ وصَوَّرَ قُبْحَ عَمَلِهِمْ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَقالَ: ﴿خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن دارِهِ وهم أهْلُ مَكَّةَ، وكُلُّ مَن عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ كانَ مِثْلَهُمْ، ولِذا عَبَّرَ بِالوَصْفِ لِيَعُمَّ ﴿بَطَرًا﴾ أيْ: طُغْيانًا وتَكَبُّرًا عَلى الحَقِّ، ومادَّةُ بَطَرَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ اتَّفَقَ - تَدُورُ عَلى اللِّينِ القابِلِ لِلْعَمَلِ حَتّى رُبِطَ، فَإنَّهُ لَوْلا الضَّعْفُ ما اسْتُوثِقَ مِنَ المَرْبُوطِ، ومِنهُ بَطْرُ الجُرْحِ - وهو شَقُّهُ - والبَيْطارُ، وتارَةً يَكُونُ ذَلِكَ اللِّينُ عَنْ دَهَشٍ. ومِنهُ أبْطَرْتُ حِلْمَهُ أيْ: أدْهَشْتُهُ عَنْهُ، وذَهَبَ دَمُهُ بَطَرًا أيْ: باطِلًا لِلضَّعْفِ عَنْهُ لِلْحَيْرَةِ في الأمْرِ المُوصِلِ إلَيْهِ، وتارَةً يَكُونُ عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ في الصَّلابَةِ، ومِنهُ بَطَرَ النِّعْمَةَ - إذا لَمْ يَشْكُرُها فَتَجاوَزَ الحَدَّ في المَرَحِ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ يُمَكِّنُهُ الحَكِيمُ مِن مَقاتِلِهِ فَيَأْخُذُهُ وهو يَرْجِعُ إلى عَدَمِ احْتِمالِ القُوى لِلشُّكْرِ، فَفاعِلُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ وإنْ ظَهَرَ مِنهُ خِلافُ ذَلِكَ كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: العَدْلُ وإنْ رُئِيَ لَيِّنًا أكُفُّ عَنِ الظُّلْمِ مِنَ الجَوْرِ وإنْ رُئِيَ شَدِيدًا - أوْ كَما قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وأقْرَبُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ المادَّةُ دائِرَةً عَلى الخَلْطَةِ النّاقِلَةِ مِن حالٍ إلى حالٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الحامِلَ لَهم عَلى الخُرُوجِ مِن أنْفُسِهِمْ، ذَكَرَ ما أوْجَبَهُ لَهم مِن غَيْرِها فَقالَ: ﴿ورِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ: خَرَجُوا يُرُونَ النّاسَ (p-٢٩٧)خُرُوجَهم وما يَتَأثَّرُ عَنْهُ لِيُرُوهم ما يَقُولُونَ فِيهِ، فَإنَّهم لَمّا قِيلَ لَهُمْ: قَدْ نَجّى اللَّهُ عِيرَكم فارْجِعُوا، بَطَرُوا النِّعْمَةَ تَبَعًا لِأبِي جَهْلٍ حَيْثُ قالَ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنَشْرَبَ الخُمُورَ ونَنْحَرَ الجَزُورَ وتَعْزِفَ عَلَيْنا القِيانُ فَتَسْمَعَ بِنا العَرَبُ فَلا تَزالُ تَهابُنا أبَدًا! فَسُقُوا مَكانَ الخَمْرِ كُؤُوسَ المَنايا الحُمْرَ، وناحَتْ عَلَيْهِمْ نَوائِحُ الزَّمانِ مَكانَ العَزْفِ والقِيانِ.
ولَمّا ذَكَرَ نَفْسَ الخُرُوجِ وما فِيهِ مِنَ الفَسادِ وذَكَرَ ثَمَرَتَهُ الخَبِيثَةَ النّاشِئَةَ عَنْ ذَيْنِكَ الخُلُقَيْنِ، وعَبَّرَ عَنْهُما بِالِاسْمِ إشارَةً إلى الثَّباتِ كَما هو شَأْنُ الأخْلاقِ، وعَنِ الثَّمَرَةِ بِالمُضارِعِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لا يَزالُونَ يُجَدِّدُونَها فَقالَ: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الصَّدَّ وهو المَنعُ لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ في ذَلِكَ الوَجْهِ وهم عازِمُونَ عَلى تَجْدِيدِ ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ مَقاصِدَهم كانَ نَسْجُهم هَلْهَلًا وبُنْيانُهم واهِيًا، فَإنَّها مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، وكُلُّ عَمَلٍ لا يَكُونُ لِلَّهِ إذا صُدِمَ بِما هو لِلَّهِ اضْمَحَلَّ، بِذَلِكَ سُبْحانَهُ أجْرى سُنَّتَهُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِهِ تَحْوِيلًا، فَإنَّ العامِلِينَ عَبِيدُ اللَّهِ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ الَّذِي عادَوْا أوْلِياءَهُ ﴿بِما﴾ أوْ يَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى تَقْدِيرِهِ: فَأبْطَلَ اللَّهُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ أعْمالَهم وهو بِكُلِّ ما ﴿يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَهم في قَبْضَتِهِ، فَأوْرَدَهم - إذْ خَرَجُوا يُحادُّونَهُ - بَدْرًا فَنَحَرَ مَكانَ الجَزُورِ رِقابَهم وسَقاهم مَكانَ الخُمُورِ كُؤُوسَ المَنايا، وأصاحَ عَلَيْهِمْ مَكانَ القِيانِ صَوائِحَ النَّوائِحِ، ولَعَلَّهُ قَدَّمَ الجارَّ إشارَةً إلى أنَّهُ لِشِدَّةِ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمْ كَأنَّهُ (p-٢٩٨)لا نَظَرَ لَهُ إلى غَيْرِها فَلا شاغِلَ لَهُ عَنْها.
الأنفال 8:48
ولَمّا كانَ بَيَّنَ لَهم فَسادَ أعْمالِهِمْ لِفَسادِ نِيّاتِهِمْ تَنْفِيرًا مِنها، زادَ في التَّنْفِيرِ بِالإشارَةِ إلى الأمْرِ بِدَوامِ تَذَكُّرِها بِعاطِفٍ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَذْكُورٍ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ قَطْعًا: اذْكُرُوا ذَلِكَ واذْكُرُوا إذْ، وزادَ في التَّنْفِيرِ بِذِكْرِ العَدُوِّ المُبِينِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَأْمُرُ بِهِ إنَّما هو خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَما كانَ ما سَوَّلَ لَهم في هَذا الأمْرِ فَقالَ: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيِ: العَدُوُّ المُحْتَرِقُ البَعِيدُ مِنَ الخَيْرِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي أتْقَنُوها بِزَعْمِهِمْ في مُعاداةِ النَّبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ تَبَدّى لَهم في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ الكِنانِيِّ حِينَ خافُوا مِن قَوْمِهِ بَنِي كِنانَةَ أنْ يَخْلُفُوهم في أهْلِيهِمْ بِسُوءٍ لَمّا كانَ بَيْنَهم مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ، فَكادَ ذَلِكَ أنْ يُثَبِّطَهم عَنِ المَسِيرِ ﴿وقالَ﴾ غارًّا لَهم في أنْفُسِهِمْ ﴿لا غالِبَ لَكُمُ﴾ والجارُّ خَبَرُ ﴿لا﴾ وإلّا لانْتَصَبَ اسْمُها لِكَوْنِهِ يَكُونُ إذْ ذاكَ شَبِيهًا بِالمُضافِ ﴿اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ وغارًّا لَهم فِيمَن خَلَّفُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ مِن أنْ تَخَلُفَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، وسارَ مَعَهم إلى بَدْرٍ يُنَشِّطُهم ويُنْشِدُهم ويُسَلِّطُهم بِهَذا القَوْلِ الظّاهِرِ إلى ما يُوَسْوِسُ لَهم بِهِ في الصُّدُورِ ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ: رَأتْ كُلُّ فِئَةٍ الأُخْرى ورَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جُنُودِ اللَّهِ ﴿نَكَصَ﴾ أيْ: رَجَعَ يَمْشِي القَهْقَرى وبَطَلَ كَيْدُهُ وآثارُ وسْوَسَتِهِ ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أيْ: إلى ورائِهِ، فَقالُوا (p-٢٩٩)أيْنَ، أيْ سُراقُ؟ ولا يَظُنُّونَهُ إلّا سُراقَةُ، فَمَرَّ ولَمْ يُجِبْهم ولا عَرَّجَ عَلَيْهِمْ ﴿وقالَ﴾ أيْ: بِلِسانِ الحالِ أوِ القالِ وهو يَسْمَعُونَهُ أوْ لا يَسْمَعُونَهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ بَراءَتَهُ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى﴾ أيْ: بِعَيْنِ بَصَرِي ﴿ما لا تَرَوْنَ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ والغَضَبِ الَّذِي هو نازِلٌ بِكُمْ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِهِ: واللَّهِ ما نَرى إلّا جَواسِيسَ يَثْرِبَ! فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ لِذَلِكَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا أنْ يُهْلِكَنِي مَعَكم بِالمُعاجَلَةِ بِالعِقابِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَكانُوا يَقُولُونَ: انْهَزَمَ بِنا سُراقَةُ، فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكم تَقُولُونَ كَذا! واللَّهِ ما عَلِمْتُ بِمَسِيرِكم هَذا إلّا عِنْدَما بَلَغَنِي انْهِزامُكم فَكانُوا يُكَذِّبُونَهُ حَتّى أسْلَمُوا فَعَلِمُوا أنَّ الَّذِي غَرَّهُمُ الشَّيْطانُ، وذَلِكَ مَشْهُورٌ في السِّيَرِ، وهو أوْلى مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى مُجَرَّدِ الوَسْوَسَةِ، وفي الحَدِيثِ: «”ما رُئِيَ إبْلِيسُ يَوْمًا أصْغَرَ ولا أحْقَرَ ولا أغِيظَ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِما يَرى مِن نُزُولِ الرَّحْمَةِ إلّا ما رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ“».
الأنفال 8:49
ولَمّا اسْتَوْفى ما كانَ يَقْطَعُ بِهِ في حَقِّ أُولَئِكَ مِمّا هو مِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا هو مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، أبْدَلَ مِنهُ ما كانَ يُقْطَعُ بِهِ في حَقِّهِمْ مِن أهْلِ الجَهْلِ بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ الماضِيَةِ وآثارِهِ عِنْدَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ فَقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ أيْ: مِنَ العَرَبِ وبَنِي إسْرائِيلَ قَوْلًا يُجَدِّدُونَهُ كُلَّ وقْتٍ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الرَّغْبَةِ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: مِمَّنْ (p-٣٠٠)لَمْ يَرْسَخِ الإيمانُ في قَلْبِهِ مِمَّنْ آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ أوْ مِنَ اليَهُودِ المُصارِحِينَ بِالكُفْرِ حِينَ يَرَوْنَ الكُفّارَ وقُوَّتَهم وكَثْرَتَهم والمُؤْمِنِينَ وضَعْفَهم وقِلَّتَهُمْ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ مُشِيرِينَ إلَيْكم ﴿دِينُهُمْ﴾ أيْ: في إقْدامِهِمْ عَلى ما يُقْطَعُ فِيهِ بِهَلاكِهِمْ ظَنًّا مِنهم أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ مُلُوكِ العَرَبِ، فَيَغِيظُكم ذَلِكَ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ وصَدَّقَ أمْرَكم بِتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ وصَبْرِكم عَلى دِينِكم ﴿ومَن﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ عالِمِينَ بِأنَّكم مُتَوَكِّلُونَ عَلَيْهِ وصَبَّرَكم عَلى دِينِكم ﴿ومَن﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ عالِمِينَ بِأنَّكم مُتَوَكِّلُونَ عَلى مَن تَدِينُونَ لَهُ والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ، فَهو يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنكم ومِن غَيْرِكم بِشَرْطِهِ مِنَ الإيمانِ والسَّعْيِ في الطّاعَةِ كَما فَعَلْتُمْ فَإنَّهُ مُعِزٌّ ومُكَرِّمٌ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ مُحِيطًا بِكُلِّ صِفَةِ كَمالٍ عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ قَيْدِ تَوَكُّلٍ ولا غَيْرِهِ، أظْهَرَ تَعالى فَقالَ عاطِفًا عَلى تَقْدِيرِهِ: فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لِكُلِّ مَن يُغالِبُهُ فَهو جَدِيرٌ بِنَصْرِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: مُتْقِنٌ لِأفْعالِهِ؛ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَأْخُذَ عَدُوَّ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يَنْفَعُهُ فِيهِ حِيلَةٌ.
الأنفال 8:50
ولَمّا ذَكَرَ ما سَرَّهم مِن حالِ أعْدائِهِمُ المُجاهِرِينَ والمُساتِرِينَ في الدُّنْيا مُرَصِّعًا ذَلِكَ بِجَواهِرِ الحِكَمِ وبَدائِعِ الكَلِمِ الَّتِي بِمُلازَمَتِها تَكُونُ السَّعادَةُ وبِالإخْلالِ بِها تَحِلُّ الشَّقاوَةُ، أتْبَعَهُ ما يَسُرُّهم مِن حالِ أعْدائِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَهُ، فَقالَ مُخاطِبًا لِمَن لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ لَمْ يَزْدَدْ يَقِينًا، حادِيًا بِتَخْصِيصِهِ بِالخِطابِ كُلَّ سامِعٍ عَلى قُوَّةِ اليَقِينِ لِيُؤَهِّلَ لِمِثْلِ هَذا الخِطابِ (p-٣٠١)حِكايَةً لِحالِهِمْ في ذاكَ الوَقْتِ: ﴿ولَوْ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّكَ لَوْ ﴿تَرى﴾ يا أعْلى الخَلْقِ ﴿إذْ يَتَوَفّى﴾ أيْ: يَسْتَوْفِي إخْراجَ نُفُوسِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ القائِلِينَ ومِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَتَلْتُمُوهم بِبَدْرٍ ومِن غَيْرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقَبْلَهُ ﴿المَلائِكَةُ﴾ أيْ: جُنُودُها الَّذِي وكَّلْناهم بِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَضْرِبُونَ﴾
ولَمّا كانَ ضَرْبُ الوَجْهِ والدُّبُرِ أدَلَّ ما يَكُونُ عَلى الذُّلِّ والخِزْيِ، قالَ: ﴿وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ أيْ: أعْلى أجْسامِهِمْ وأدْناها فَغَيْرُهُ أوْلى ”و“ حالَ كَوْنِهِمْ يَقُولُونَ لَهُمْ: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] أيْ: لَرَأيْتُمْ مَنظَرًا هائِلًا وأمْرًا فَظِيعًا. فَسَرَّكم ذَلِكَ غايَةَ السُّرُورِ، وما أثَّرَ كَلامُهم في غَيْظِهِمْ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ مَنِ الَّذِي غَرَّهُ دِينُهُ و”لَوْ“ وإنْ كانَتْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا فَلا يَخْلُو التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في حَيِّزِها مِن فائِدَةٍ، وهي ما ذُكِرَ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ هَذا لا يَخُصُّ مَيِّتًا مِنهم دُونَ مَيِّتٍ، بَلْ لا فَرْقَ بَيْنَ مُتَقَدِّمِهِمْ ومُتَأخِّرِهِمْ، مَن ماتَ بِبَدْرٍ أوْ غَيْرِها ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القائِلُونَ ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] حَضَرُوا بَدْرًا، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ قائِلِيهِ كانُوا بِالمَدِينَةِ وتَعْبِيرُهم بِ: ”هَؤُلاءِ“ الَّتِي هي أداةُ القُرْبِ لِلتَّحْقِيرِ واسْتِسْهالِ أخْذِهِمْ كَما أنَّ أداةَ البُعْدِ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْظِيمِ بِبُعْدِ الرُّتْبَةِ، وعَلى مِثْلِ هَذا يَتَنَزَّلُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ سارَ (p-٣٠٢)بَنُو إسْرائِيلَ زَمانًا أقَلُّهُ لَيْلَةٌ وبَعْضُ يَوْمٍ كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] عَلى أنَّ البَغَوِيَّ قَدْ نَقَلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ حَضَرُوا قِتالَ بَدْرٍ لِيَنْظُرُوا عَلى مَن تَكُونُ الدّائِرَةُ. وإذا تَأمَّلْتَ هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال: ٥٢] عَلِمْتَ أنَّ جُلَّ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] اليَهُودُ، وفي تَعْبِيرِهِ بِ: ”لا يَفْقَهُونَ“ تَبْكِيتٌ شَدِيدٌ لَهم كَما قالَ تَعالى في آيَةِ الحَشْرِ: ﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣]
الأنفال 8:51
ولَمّا عَذَّبُوهم قَوْلًا وفِعْلًا، عَلَّلُوا لَهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ زِيادَةً في تَأْسِيفِهِمْ: ”ذَلِكَ“ أيْ: هَذا الفِعْلُ العَظِيمُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ،
﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ،
﴿وأنَّ﴾ أيْ: وبِسَبَبِ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ تُقَدِّمُوا شَيْئًا فَإنَّ ”اللَّهَ“ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لَيْسَ بِظَلامٍ﴾ أيْ: بِذِي ظُلْمٍ،
﴿لِلْعَبِيدِ﴾ فَإنَّ مُلْكَهُ لَهم تامٌّ، والمالِكُ التّامُّ المُلْكِ عَلى ما يَمْلِكُهُ المَلِكُ الَّذِي لا شَيْءَ يَخْرُجُ عَنْ دائِرَةِ مُلْكِهِ، وهو الَّذِي جَبَلَكم هَذِهِ الجِبِلَّةَ الشِّرِّيرَةَ الَّتِي تَأثَّرَتْ عَنْها هَذِهِ الأفْعالُ القَبِيحَةُ، وهو لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، مَنِ الَّذِي يَسْألُهُ! ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَيْسَ بِذِي ظُلْمٍ؛ لِأنَّهُ لا يَتْرُكُ الظّالِمَ يَبْغِي عَلى المَظْلُومِ مِن (p-٣٠٣)غَيْرِ جَزاءٍ لَكم عَلى ظُلْمِكم لِأهْلِ طاعَتِهِ، [وسَيَأْتِي في ”فُصِّلَتْ“ حِكْمَةُ التَّعْبِيرِ بِصِيغَةٍ تَحْتَمِلُ المُبالَغَةَ].
الأنفال 8:52
ولَمّا بَيَّنَ بِما مَضى ما يُوجِبُ الِاجْتِماعَ عَلَيْهِ والرُّجُوعَ في كُلِّ أمْرٍ إلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ مَن خالَفَ ذَلِكَ هَلَكَ كائِنًا مَن كانَ؛ أتْبَعَهُ بِما يُبَيِّنُ أنَّ هَذا مِنَ العُمُومِ والِاطِّرادِ بِحَيْثُ لا يَخُصُّ زَمانًا دُونَ زَمانٍ ولا مَكانًا سِوى مَكانٍ فَقالَ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ﴾ أيْ: عادَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وشَأْنِهِمُ الَّذِي دَأبُوا فِيهِ ودامُوا وواظَبُوا فَمَرِنُوا عَلَيْهِ كَعادَةِ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: الَّذِينَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ مِن أعْلَمِ النّاسِ بِأحْوالِهِمْ،
﴿والَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُهْلَكُونَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ بَعْضَ أهْلِ الزَّمانِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهو مَعَ ذَلِكَ مِن أدِلَّةِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] لِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمْ كانَ هَلاكُهم بِغَيْرِ قِتالٍ، بَلْ بَعْضُهم بِالرِّيحِ وبَعْضُهم بِالصَّيْحَةِ وبَعْضُهم بِالغَرَقِ وبَعْضُهم بِالخَسْفِ الَّذِي هو غَرَقٌ في الجامِدِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا يَنْسُبْ أحَدٌ لِنَفْسِهِ فِعْلًا؛ فَإنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدِي في إهْلاكِ أعْدائِي بَيْنَ أنْ يَكُونَ إهْلاكُهم بِتَسْلِيطٍ مِن قِتالٍ أوْ غَيْرِهِ، الكُلُّ بِفِعْلِي، لَوْلا أنا ما وقَعَ، وذَلِكَ زاجِرٌ عَظِيمٌ لِمَنِ افْتَخَرَ بِقَتْلِ مَن قَتَلَهُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، أوْ نازَعَ في النَّفَلِ، وهو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى التَّمَرُّنِ عَلى عَدَمِ (p-٣٠٤)الِاكْتِراثِ بِشَيْءٍ يَكُونُ لِلنَّفْسِ فِيهِ أدْنى حَظٍّ لِيَصِيرَ ذَلِكَ خُلُقًا كَما هو دَأْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لا يُضِيفُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ إلّا إلى خالِقِهِ إلّا إنْ كانَ مَأْمُورًا فِيهِ بِالتَّشْرِيعِ، بَلْ يَقُولُ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ، صَرَفَهُمُ اللَّهُ، نَصَرَنا اللَّهُ، كَفى اللَّهُ، فَإذا صارَ ذَلِكَ لِلْمُسْتَمْسِكِينَ بِهِ خُلُقًا أفْضى بِهِمْ إلى مَدْحِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ لَهم كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في مَدْحِهِمْ:
؎لَيْسُوا مَفارِيحَ إنْ نالَتْ رِماحُهُمُ قَوْمًا ولَيْسُوا مَجازِيعًا إذا نِيلُوا
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحالَ الَّذِي شابَهُوا فِيهِ مَن قَبْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ أنْوارُ عُقُولِهِمْ مِن دَلالاتِ المَلِكِ الأعْلى وغَطَّوْها لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِها وصَدُّوا عَنْ ذَلِكَ مِن تَبِعَهُمْ، فَكانَ جَزاؤُهم ما تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ مَجامِعُ الكِبْرِ ومَعاقِدُ العَظَمَةِ والعِزِّ أخْذَ غَلَبَةٍ وقَهْرٍ وعُقُوبَةٍ،
﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كَما أخَذَهم فَإنَّهم تَجَرَّأُوا عَلى رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَخْسَأُ دُونَ شَوامِخِها نَوافِذُ الأبْصارِ، وتُظْلِمُ عِنْدَ بِوارِقِ أشِعَّتِها سَواطِعُ الأنْوارِ، وتَضْمَحِلُّ بِالبُعْدِ عَنْ أوَّلِ مَراقِيها القُوى، وتَنْقَطِعُ بِتَوَهُّمِ الدُّنُوِّ مِن فَيافِيها الأعْناقُ، فَنَزَلَتْ بِهِمْ صَواعِقُ هَيْبَتِها، وأناخَتْ عَلَيْهِمْ صُرُوفُ عَظَمَتِها، فَأصْبَحُوا لا تُرى إلّا مَساكِنُهم ولا تُحَسُّ إلّا مَلاعِبُهم وأماكِنُهم.
ولَمّا أخْبَرَ بِأخْذِهِمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ ﴿قَوِيٌّ﴾ أيْ: يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ،
﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾
الأنفال 8:53
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهُ يُمْهِلُهم ولا يُعالِجُهم بِالأخْذِ قَبْلَ النِّكايَةِ (p-٣٠٥)فِي أوْلِيائِهِ وأهْلِ وِدِّهِ وأصْفِيائِهِ؟ قالَ: ”ذَلِكَ“ أيِ: الأخْذُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم غَيَّرُوا ما في أنْفُسِهِمْ، وقَدْ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْخُذَهم قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا لِعِلْمِهِ بِما في ضَمائِرِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أجْرى سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ لِتَمامِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ بِأنَّهُ: ﴿لَمْ يَكُ﴾ هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنْ حُذِفَ اخْتِصارًا تَقْرِيبًا لِبَيانِ تَعْمِيمِ العِلَّةِ وإبْعادًا لِلسّامِعِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وحَذَفَ نُونَ ”يَكُنْ“ إرْشادًا إلى أنَّ هَذِهِ المَوْعِظَةَ خَلِيقَةٌ بِأنْ يُوجَزَ بِها غايَةَ الإيجازِ فَيُبادَرَ إلى إلْقائِها لِما في حُسْنِ تَلَقِّيها مِن عَظِيمِ المَنفَعَةِ؛ لِأنَّ مَن خالَفَها جَدِيرٌ بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ ﴿مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ أيْ: قَلَّتْ أوْ جَلَّتْ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلى أحَدٍ إلّا مِنهُ فَقالَ: ﴿أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ أيْ: مِن أيِّ طائِفَةٍ كانُوا ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا﴾ أيْ: يُبَدِّلُوا ﴿ما﴾ يَعْتَقِدُونَهُ،
﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ بِغَيْرِهِ مِمّا هو غَرِيزَةٌ لَهم وهو حَفِيٌّ عَنْهُمْ، يَظُنُّونَ اتِّصافَهم بِضِدِّهِ مِمّا هو ظاهِرٌ لَهُمُ اتِّصافًا غَرِيزِيًّا ﴿وأنَّ﴾ أيْ: وبِسَبَبِ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ [كُلُّهُ] ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِما يُكَذِّبُونَ بِهِ الرُّسُلَ ولِأقْوالِهِمْ: إنَّ ما يُظْهِرُونَهُ وصْفَهُمُ الحَقِيقِيُّ،
﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِما تُكِنُّ ضَمائِرُهم مِن غَيْرِهِ وإنْ جَهِلُوهُ هم فَيَبْتَلِيهِمْ بِبَلاءٍ يُظْهِرُ [بِهِ] ذَلِكَ المَكْنُونَ ويُبْرِزُ بِهِ كُلَّ سِرٍّ مَصُونٍ، فَإذا تَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ ظاهِرًا عُلِّقَ بِهِ الحُكْمُ قاهِرًا لِتَمامِ قِيامِ الحُجَّةِ، ولِتَمامِ عِلْمِهِ بِحالِهِمْ أمْهَلَهُمْ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ أنْ تَخِيبَ فِراسَتُهُ أوْ يَتَغَيَّرَ عِلْمُهُ، وأمّا الَّذِي عِلْمُهُ (p-٣٠٦)بِالظَّواهِرِ والضَّمائِرِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ فالحالَتانِ عِنْدَهُ سِيّانِ، فَهو يُمْهِلُ لِإتْمامِ الحِكْمَةِ ولا يُهْمِلُ مَنِ اسْتَحَقَّ النِّقْمَةَ، وذَلِكَ التَّغْيِيرُ الَّذِي أظْهَرَهُ البَلاءُ هو التَّكْذِيبُ بِالحَقِّ عِنادًا والبُعْدُ عَمّا كانُوا يَدَّعُونَهُ مِنَ العَدْلِ والمَشْيِ عَلى مَناهِيجِ العَقْلِ والِاسْتِحْياءِ مِنَ العِنادِ، والتَّنَزُّهِ مِن طُرُقِ الفَسادِ، هَكَذا كانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ أُرْسِلَتْ إلَيْها الرُّسُلُ تَدَّعِي وما عِنْدَها مِن خِلافِ ذَلِكَ مَسْتُورٌ في ضَمائِرِها مَكْنُونٌ في سَرائِرِها، لا تَعْلَمُهُ كَما تُشاهِدُ أكْثَرَ مَن تُعاشِرُهُ، يَظُنُّ في نَفْسِهِ ما لَيْسَ فِيها، وعِنْدَ الِامْتِحانِ يُكَذِّبُهُ العِيانُ، فَلَمّا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وأوْضَحُوا لَهُمُ الأمْرَ إيضاحًا لَيْسَ مَعَهُ لَبْسٌ فَكَذَّبُوهُمْ، غَيَّرُوا ما كانَ في نُفُوسِهِمْ مِمّا كانُوا يَزْعُمُونَ؛
الأنفال 8:54
ثُمَّ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ فَإنَّهم أتْباعُهُ فَلا يُخَيَّلُ أنَّهم يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا وهو قائِدُهم فِيهِ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ لِدَقِيقَةٍ؛ وهي أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ [ما] مِن أُمَّةٍ إلّا ابْتُلِيَتْ بِالضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، فالأُولى يَنْظُرُ إلَيْها مَقامُ الإلَهِيَّةِ النّاظِرُ إلى العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والثّانِيَةُ ثَمَرَةُ مَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ النّاشِئِ عَنْهُ التَّوَدُّدُ والرَّحْمَةُ والرَّأفَةُ والإكْرامُ؛ لِذا عَبَّرَ في الأُولى بِاسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ الَّذِي لَفْظُهُ - عِنْدَ مَن يَقُولُ بِاشْتِقاقِهِ - مَوْضُوعٌ لِمَعْنى الإلَهِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّهم أعْرَضُوا في حالِ الضَّرّاءِ عَنِ التَّصْدِيقِ وعامَلُوا بِالتَّجَلُّدِ والإصْرارِ، ولِذا عَبَّرَ في هَذِهِ الثّانِيَةِ بِاسْمِ الرَّبِّ فَقالَ: ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ: (p-٣٠٧)عِنادًا زِيادَةً عَلى تَغْطِيَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ بِالتَّكْذِيبِ بِالنَّقْلِ،
﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ فَأشارَ بِذَلِكَ إلى بَطَرِهِمْ بِالنِّعَمِ وتَكْذِيبِهِمْ أنَّها بِسَبَبِ دُعاءِ الرُّسُلِ.
ولَمّا أشارَ بِالتَّعْبِيرِ بِهِ إلى أنَّهُ غَرَّهم مُعامَلَتُهُ بِالعَطْفِ والإحْسانِ، قالَ: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: جَمِيعًا،
﴿بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا﴾ فَأتى بِنُونِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ أتاهم بِما أنْساهم ذَلِكَ البَرَّ،
﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وإشارَةً إلى أنَّهم نَسُوا أنَّ الرَّبَّ كَما أنَّهُ يَتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ فَلا بُدَّ أنْ يَتَّصِفَ بِالعَظَمَةِ والنِّقْمَةِ وإلّا لَمْ تَتِمَّ رُبُوبِيَّتُهُ، وهَذا واضِحٌ مِمّا تَقَدَّمَ في الأعْرافِ عَنِ التَّوْراةِ في شَرْحِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] إلى آخِرِها، مِن أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَسْألُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ كُلِّ نازِلَةٍ الدُّعاءَ بِرَفْعِها مُعْتَلًّا بِأنَّ الرَّبَّ ذُو حِلْمٍ وأناةٍ [و] رَحْمَةٍ، وقَدَّمَ الأُولى إشارَةً إلى أنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في الجُرْأةِ، والتَّعْبِيرُ فِيها بِ: ”كَفَرُوا“ يُؤَيِّدُ لِذَلِكَ، أيْ: أنَّ مُجَرَّدَ السَّتْرِ لِلْآياتِ بِالإعْراضِ عَنْها كافٍ في إيجابِ الِانْتِقامِ ولَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَكْذِيبٍ لِعِظَمِ المَقامِ، ومادَّةُ كَفَرَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الخَلْطَةِ المُمِيلَةِ المُحِيلَةِ، وبِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى السَّتْرِ، أيْ: غَطَّوُا التَّصْدِيقَ بِآياتِ رَبِّهِمْ، ويَجُوزُ – وهو الأحْسَنُ - أنْ يَكُونَ دَوَرانُها - مُطْلَقًا لا بِقَيْدِ تَرْتِيبٍ - عَلى الفِكْرِ، وهو إرْسالُ عَيْنِ البَصِيرَةِ في طَلَبِ أمْرٍ ويَلْزَمُهُ (p-٣٠٨)الكَشْفُ والسَّتْرُ لِأنَّهُ تارَةً يَرْفَعُ أذْيالَ الشُّبَهِ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ فَيَنْجَلِي ويَتَحَقَّقُ، وتارَةً يُسَلِّطُ قَواطِعَ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ فَيَنْعَدِمُ ويَتَمَحَّقُ، ورُبَّما أرْخى أذْيالَ الشُّبَهِ عَلَيْهِ فَأخْفى بَعْدَ أنْ كانَ جَلِيًّا كَما كانَ شَمَّرَها عَنْهُ فَألْقى وقَدْ كانَ خَفِيًّا.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهَلاكِهِمْ، أخْبَرَ بِالوَصْفِ الجامِعِ لَهم بِالهَلاكِ فَقالَ: ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ مِن هَؤُلاءِ ومَن تَقَدَّمَهم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهُمْ،
﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿ظالِمِينَ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ واضِعِينَ الآياتِ في غَيْرِ مَواضِعِها وهم يَظُنُّونَ بِأنْفُسِهِمُ العَدْلَ؛
الأنفال 8:55
ثُمَّ عَلَّلَ اتِّصافَهم بِالظُّلْمِ أوِ اسْتَأْنَفَ بَيانًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ: ظَلَمُوا لِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. وشَرُّ الدَّوابِّ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِ الحَكَمِ العَدْلِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ وفي عِلْمِهِ،
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، أيْ: حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِلُزُومِ الكُفْرِ لِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِن فَسادِ الأمْزِجَةِ لِعَدَمِ المُلاءَمَةِ لِلْخَيْرِ، فَكانُوا بِذَلِكَ قَدْ نَزَلُوا عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِ إلى رُتْبَةِ مُطْلَقِ الحَيَوانِ، ثُمَّ إلى دَرَكَةِ الحَشَراتِ والدِّيدانِ بَلِ العُجْلانِ؛ لِأنَّ شَرَّ النّاسِ الكُفّارُ، وشَرَّ الكُفّارِ المُصِرُّونَ مِنهُمْ، وشَرَّ المُصِرِّينَ النّاكِثُونَ لِلْعُهُودِ ”فَهُمْ“ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ يَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ لِما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أتاهم مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَمَحَقَتْهم صِفَةُ الإلَهِيَّةِ، (p-٣٠٩)ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ آلَ فِرْعَوْنَ تَذْكِيرًا - لِأكْثَرِ مَن كانَ يَقُولُ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] وهُمُ اليَهُودُ - بِأنَّهم كانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْعَوْنَ وآلِهِ أضْعَفَ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى قُرَيْشٍ وأتْباعِهِمْ، فَإنَّ اليَهُودَ مَعَ قِلَّتِهِمْ عِنْدَهم كانُوا قَدْ دانُوا لَهم بِذُلِّ العَبِيدِ لِمَوالِيهِمْ بَلْ أعْظَمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهم نُصِرُوا عَلَيْهِمْ لَمّا كانَ اللَّهُ مَعَهُمْ، وإعْلامًا لَهم بِأنَّهُمُ الآنَ كَآلِ فِرْعَوْنَ في العِنادِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والذِّلَّةِ، فَقَدْ جَمَعُوا مِن كُلِّ قَوْمٍ أخَسَّ صِفاتِهِمْ وأرْدَأ حالاتِهِمْ، ولِذَلِكَ أبْدَلَ مِن عُمُومِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“:
الأنفال 8:56
﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ وهُمُ اليَهُودُ بِلا شَكٍّ، إمّا بَنُو قَيْنُقاعَ أوِ النَّضِيرُ أوْ قُرَيْظَةُ أوِ الجَمِيعُ بِحَسْبِ التَّوْزِيعِ، فَكُلٌّ مِنهم نَقَضَ ما كانَ أخَذَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ العُهُودِ، وأخْلَفَ ما كانَ أكَّدَهُ مِنَ الوُعُودِ.
ولَمّا كانَ العَهْدُ جَدِيرًا بِالوَفاءِ ولا سِيَّما مِنَ العُلَماءِ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ نَقْضَهُ كُلَّما لاحَ لَهم خُلَّبُ بَرْقٍ أوْ زَوْرُ بَطَلٍ يُغِيرُ في وجْهِ الحَقِّ؛ ثُمَّ عَظَّمَ الشَّناعَةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى رِضاهم مِن رُتْبَةِ الشَّرَفِ العَلِيَّةِ القَدْرِ وهَدَّةِ السَّفَهِ والسَّرَفِ بِعَدَمِ الخَوْفِ مِن عاقِبَةِ الغَدْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَتَّقُونَ﴾ أيِ النّاسَ في الذَّمِّ لَهم عَلى ذَلِكَ ولا اللَّهَ في الدُّنْيا بِأنْ يُمْكِنَ مِنهُمْ، ولا في الآخِرَةِ بِأنْ يُخْزِيَهم ثُمَّ يُرْكِسَهم بَعْدَ المُناداةِ بِالعارِ في النّارِ.
الأنفال 8:57
(p-٣١٠)ولَمّا أيْأسَهُ مِن تَقْواهم بِما اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِن تَكْرِيرِ النَّقْضِ النّاشِئِ عَنْ غايَةِ الحَسَدِ وصَلابَةِ الرِّقابِ وقَساوَةِ القُلُوبِ والقَساوَةِ عَلى الكُفْرِ، أمَرَهُ بِما يُوهِنُ قُواهم ويَحِلُّ عُراهم مِن إلْباسِ اليَأْسِ بِإنْزالِ البَأْسِ كَما جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُوصِيهِ بِالرِّفْقِ بِبَعْضِ النّاسِ لِعِلْمِهِ أنَّ عَمَلَهُ يَزْكُو لِبُنْيانِهِ عَلى أحْسَنِ أساسٍ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ ﷺ مِن مَحَبَّةِ الرِّفْقِ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ أيْ: تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ،
﴿فِي الحَرْبِ﴾ أيِ: الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُحْرَبَ فِيها المُبْطِلُ، ويَرْبَحَ المُحِقُّ المُجْمَلُ،
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: فَنَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُصَدِّعُ ويُفَرِّقُ عَنْ مُحارَبَتِكَ مَن وراءَهم مِمَّنْ هو عَلى مِثْلِ رَأْيِهِمْ في المُنافَرَةِ لَكَ ولا تَتْرُكَنَّهم أصْلًا؛ لِأنَّ أتْباعَكَ أمْهَرُ مِنهم وأحْذَقُ، فَهم لِذَلِكَ أثْبَتُ وأمْكَنُ، فَإذا أوْقَعْتَ بِهِمْ ذَلِكَ لَمْ يَجْسُرْ عَلَيْكَ أحَدٌ بَعْدَهُ اتِّعاظًا بِهِمْ واعْتِبارًا بِحالِهِمْ؛ ومادَّةُ شَرَدَ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى النُّفُوذِ، فَإنْ كانَ عَلى قَصْدٍ وسَنَنٍ فَهو رُشْدٌ ويَلْزَمُهُ الِاجْتِماعُ، وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ سَنَنٍ وجامِعِ اسْتِقامَةٍ فَهو شُرُودٌ، ودَرْشَةٌ، أيْ: لَجاجَةٌ ويَلْزَمُهُ التَّفَرُّقُ؛ قالَ ابْنُ فارِسٍ: شَرَدَ البَعِيرُ شُرُودًا وشَرَدْتُ بِهِ تَشْرِيدًا، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ فالمُرادُ نَكِّلْ بِهِمْ (p-٣١١)وسَمِّعْ، قالَ القَزّازُ: شَرَّدْتُ الرَّجُلَ تَشْرِيدًا - إذا طَرَدْتَهُ، وشَرَّدْتَ بِهِ - إذا سَمَّعْتَ بِهِ وذَكَرْتَ عُيُوبَهُ لِلنّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أيِ: اجْعَلْهم مُطَرَّدِينَ. انْتَهى.
فالمُرادُ: المُبالَغَةُ في الإيقاعِ بِهِمْ لِأنَّهم إذا ضُرِبُوا ضَرْبَةً تَفَرَّقُوا فِيها عَلى غَيْرِ وجْهٍ ولا انْتِظامِ عِلْمِ مَن شَرَدُوا إلَيْهِ مِمَّنْ وراءَهم أنَّهُ قَدْ تَناهى بِهِمُ الذُّعْرُ فَذُعِرَ هو فَوَقَعَ في الشُّرُودِ قُوَّةً أوْ فِعْلًا، فَعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَ ”مِن“ حَرْفَ جَرٍّ يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أوْقِعْ - بِما تَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ - التَّشْرِيدَ في المَكانِ الَّذِي خَلْفَهم بِشُرُودِ مَن فِيهِ قُوَّةً أوْ فِعْلًا بِما سَمِعُوا أوْ رَأوْا مِن حالِ هَؤُلاءِ حِينَ واجَهُوكَ لِلْقِتالِ، وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَها اسْمًا مَوْصُولًا تَكُونُ هي المَفْعُولَ، فالمَعْنى: شَرِّدِ الَّذِينَ خَلْفَهم مِن أماكِنِهِمْ إمّا بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ بِأنْ تَفْتَرِقَ قُلُوبُهم بِما تَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ فَتَصِيرُ - بِما تَرى مِن قَبِيحِ حالِهِمْ - قابِلَةً لِلشُّرُودِ، ويَكُونُ اخْتِلافُ المَعْنى بِالتَّبْعِيضِ في جَعْلِ ”مِن“ حَرْفَ جَرٍّ والتَّعْمِيمِ في جَعْلِها مَوْصُولًا بِالنَّظَرِ إلى القُوَّةِ أوِ الفِعْلِ.
ولَمّا ذَكَرَ الحُكْمَ، ذَكَرَ ثَمَرَتَهُ بِأداةِ التَّرَجِّي إدارَةً لَهُ عَلى الرَّجاءِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيِ: المُشَرَّدِينَ والمُشَرَّدَ بِهِمْ ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ ما سَبَقَ مِن أيّامِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهَؤُلاءِ رِجالُهُ، فَيَنْفَعُهم ذَلِكَ فَلا يَنْقُضُوا عَهْدًا بَعْدَهُ، ولَقَدْ فَعَلَ بِهِمْ ﷺ ذَلِكَ فَإنَّهم إنْ كانُوا بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَدْ ضَرَبَهم ﷺ ضَرْبَةً لَمْ يُفْلِتْ مِنهم مُخْبِرٌ، بَلْ (p-٣١٢)ضَرَبَ أعْناقَهم في حَفائِرَ في سُوقِ المَدِينَةِ وكانُوا نَحْوَ سَبْعِمِائَةٍ عَلى دَمٍ واحِدٍ. إلّا مَن أسْلَمَ مِنهم وهم يَسِيرٌ، وسَبى ذَرارِيَّهم ونِساءَهم وغَنِمَ أمْوالَهُمْ، وإنْ كانُوا قَيْنُقاعَ فَقَدْ نَزَلَ بِساحَتِهِمْ بَعْدَ نَقْضِهِمْ وإظْهارِهِمْ غايَةُ الِاسْتِخْفافِ والعِنادِ فَلَمْ يَكْبِتْهُمُ اللَّهُ أنْ جَعَلَهم في قَبْضَتِهِ وما بَقِيَ إلّا ضَرْبُ أعْناقِهِمْ كَما وقَعَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ فَسَألَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ وألَحَّ عَلَيْهِ ﷺ في أمْرِهِمْ وكانَ يَأْلَفُهُ ويَتَألَّفُ بِهِ فَتَرَكَهم لَهُ ﷺ وأجْلاهم مِنَ المَدِينَةِ، وكانَتْ واقِعَتُهم أوَّلَ وقائِعِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، وإنْ كانُوا بَنِي النَّضِيرِ فَقَدْ نَقَضُوا أيْضًا فَأحاطَ بِهِمْ، ومَنّاهُمُ المُنافِقُونَ الغُرُورَ فَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ فَسَألُوهُ ﷺ أنْ يُجْلِيَهم ويَكُفَّ عَنْ دِمائِهِمْ فَفَعَلَ، ثُمَّ أتَمَّ اللَّهُ لَهُ الأمْرَ فِيهِمْ في خَيْبَرَ ووادِي القُرى وغَيْرِهِما إلى أنْ لَمْ يَدَعْ مِنهم في جَزِيرَةِ العَرَبِ فَرِيقًا إلّا ضَرَبَهُ بِالذُّلِّ وأجْرى عَلَيْهِ الهَوانَ والصَّغارَ، ووَقائِعُهُ فِيهِمْ مَشْهُورَةُ الخَبَرِ مَعْرُوفَةٌ في السِّيَرِ.
الأنفال 8:58
ولَمّا أمَرَهُ بِما يَفْعَلُ بِمَن تَحَقَّقَ نَقْضُهُ، أرْشَدَهُ إلى ما يَفْعَلُ بِمَن خافَ غَدْرَهُ فَقالَ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ﴾ وأكَّدَهُ إشارَةً إلى ظُهُورِ القَرائِنِ ووُضُوحِ الأماراتِ ﴿مِن قَوْمٍ﴾ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ، بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَهْدٌ ﴿خِيانَةً﴾ أيْ: في ذَلِكَ العَهْدِ ﴿فانْبِذْ﴾ أيِ: اطْرَحْ طَرْحَ مُسْتَهِينٍ مُحْتَقِرٍ ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَهْدَ نَبْذًا كائِنًا ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أيْ: أمْرٍ مُسْتَوٍ في العِلْمِ بِزَوالِهِ بَيْنَكم وبَيْنَهم وعَدْلٍ ونَصَفَةٍ ولا تُناجِزُوهم وهم عَلى تَوَهُّمٍ مِن بَقاءِ (p-٣١٣)العَهْدِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونُوا عَلى غايَةِ الحَذَرِ والفَحْصِ عَنْ أخْبارِ العَدُوِّ بِحَيْثُ لا يَتْرُكُونَهُ إلى أنْ يَنْقُضَ ثُمَّ يَعْلَمُونَ مَيْلَهُ إلى النَّقْضِ فَيَنْبِذُونَ إلَيْهِ عَهِدَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أرْدَعُ لَهُ، فَهو أدْعى إلى السِّلْمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ جَوازَ النَّبْذِ ووُجُوبَ النَّصَفَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ أيْ: لا يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ المُحِبِّ لا مِنكم ولا مِن غَيْرِكم.
الأنفال 8:59
ولَمّا كانَ نَبْذُ العَهْدِ مَظِنَّةَ الخَوْفِ مِن تَكْثِيرِ العَدُوِّ وإيقاظِهِ، وكانَ الإيقاعُ أوْلى بِالخَوْفِ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ ويُسَلِّي عَنْ فَوْتِ مَن هَرَبَ مِنَ الكُفّارِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ فَلَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يُؤْسَرْ فَقالَ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ﴾ بِالياءِ غَيْبًا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ، أيْ: أحَدٌ مِن أتْباعِكَ [فِي وقْتٍ] مِنَ الأوْقاتِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ بِالخِطابِ أنَّ أمْرَ الرَّئِيسِ ونَهْيَهُ أوْقَعُ في نُفُوسِ الأتْباعِ وأدْعى لَهم إلى السَّماعِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: عامَّةُ مَن نَبَذَ ومَن لَمْ يَنْبِذْ ﴿سَبَقُوا﴾ أيْ: وقَعَ لَهُمُ السَّبْقُ، وهو الظَّفَرُ في وقْتٍ ما، فَإنَّهم لَمْ يَفُوتُوا شَيْئًا مِن أوامِرِنا؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ: [لا] يَفُوتُونَ شَيْئًا مِمّا يَزِيدُ تَسْلِيطَهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَغُرَّنَّكَ عُلُوُّهم وكَثْرَتُهم وجَرْيُ كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ عَلى مُرادِهِمْ فَكُلُّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِنا، ولا يَخْرُجُ (p-٣١٤)شَيْءٌ عَنْ مُرادِنا، ولا بُدَّ أنْ نُهْلِكَهُمْ؛ فَإنَّهم في قَبْضَتِنا، لَمْ يَخْرُجُوا مِنها ولا يَخْرُجُونَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُفُوتُوها فاصْبِرْ.
الأنفال 8:60
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أدّى إلى تَرْكِ المُناصَبَةِ والمُحارَبَةِ والمُغالَبَةِ اعْتِمادًا عَلى الوَعْدِ الصّادِقِ المُؤَيَّدِ بِما وقَعَ لَهم في بَدْرٍ مِن عَظِيمِ النَّصْرِ مَعَ نَقْصِ دَعْوى العِدَّةِ والعُدَّةِ، أتْبَعَهُ ما يُبَيِّنُ أنَّ اللّازِمَ رَبْطُ الأسْبابِ بِمُسَبِّباتِها، ولِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ في دَعْوى الإيمانِ مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأعِدُّوا لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْأعْداءِ،
﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ: دَخَلَ في طاعَتِكم وكانَ بِقُوَّةِ جُهْدِكم تَحْتَ مَقْدُورِكم وطاقَتِكُمْ،
﴿مِن قُوَّةٍ﴾ أيَّ قُوَّةٍ كانَتْ، وفَسَّرَها النَّبِيُّ ﷺ بِالرَّمْيِ إشارَةً إلى أنَّهُ أعْظَمُ عُدَدِهِ عَلى نَحْوِ «الحَجُّ عَرَفَةُ» وفي أمْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ إيماءً إلى بابٍ مِنَ الِامْتِنانِ بِالنَّصْرِ في بَدْرٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ مَعَهم فِيهِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، والرِّباطُ هو الخَيْلُ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ الخُمْسُ مِنها فَما فَوْقَها، وخَصَّها مَعَ دُخُولِها فِيما قَبْلُ إشارَةً إلى عَظِيمِ غِنائِها، والرِّباطُ أيْضًا مُلازَمَةٌ تَغُرُّ العَدُوَّ ورَبْطُ الخَيْلِ بِهِ إعْدادًا لِلْعَدُوِّ؛ ثُمَّ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ وما النَّصْرُ إلّا بِيَدِكَ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ أيْ: تُخَوِّفُونَ تَخْوِيفًا عَظِيمًا باهِرًا يُؤَدِّي إلى الهَرَبِ عَلى ما أجْرَيْتُ مِنَ العَوائِدِ ”بِهِ“ أيْ: بِذَلِكَ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ مِنَ المُسْتَطاعِ أوْ مِنَ الرِّباطِ ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى ﴿وعَدُوَّكُمْ﴾ أيِ: المُجاهِدِينَ، والألْيَقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ﴾ أيْ: وتُرْهِبُونَ بِذَلِكَ آخَرِينَ ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ - أيْ: يُحْمَلُ عَلى المُنافِقِينَ (p-٣١٥)لِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] ولِأنَّهم لا يَكُونُونَ دُونَهم إلّا إذا لَمْ يَكُونُوا في العَداوَةِ مِثْلَهُمْ، وكُلُّ مَن فُرِضَ غَيْرَ المُنافِقِينَ مُظْهِرُونَ [لِلْعَداوَةِ، وأمّا المُنافِقُونَ فَإنَّهم مُدَّعُونَ بِإظْهارِ الإسْلامِ أنَّهُمْ] أوْلِياءُ لا أعْداءُ ”اللَّهِ“ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: فَهو يَكْفِيكم ما يُظَنُّ مِن أمْرِهِمْ، ولَيْسَ عَلَيْكم إلّا الجُهْدُ بِحَسْبِ ما تَعْلَمُونَ، والآيَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَقَدَّمَها مِن بابِ: ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ والمَعْنى: لا تَظُنُّوا أنَّ الكُفّارُ فاتُونا وأفْلَتُوا مِن عَذابِنا بِامْتِناعِهِمْ مِنكم فَإنَّهم في قَبْضَتِنا أيْنَما تَوَجَّهُوا وحَيْثُما حَلُّوا فَسَوْفَ نُهْلِكُهم ولا يُعْجِزُونَنا، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَحْمِلَنَّكُمُ الِاتِّكالُ عَلى قُوَّتِنا عَلى تَرْكِ أسْبابِ مُغالَبَتِهِمْ بِما أعْطَيْناكم مِنَ القُوى بَلِ ابْذُلُوا جُهْدَكم وطاقَتَكم في إعْدادِ مَكايِدِ الحَرْبِ وما يَتَعَلَّقُ بِالرَّمْيِ مِنَ القُوَّةِ وبِالخَيْلِ مِنَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ والفُرُوسِيَّةِ لِنُلْقِيَ بِذَلِكَ رُعْبَكم في قُلُوبِ عَدُوِّكُمُ القَرِيبِ والبَعِيدِ مَن تَعْلَمُونَهُ مِنهم ومَن لا تَعْلَمُونَهُ.
ولَمّا كانَ أغْلَبُ مَعانِي هَذِهِ الآيَةَ الإنْفاقَ؛ لِأنَّ مَبْنى إعْدادِ القُوَّةِ (p-٣١٦)عَلَيْهِ، رَغَّبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ وإنْ قَلَّ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ مَن لَهُ صِفاتُ الكَمالِ مِنَ الجِهادِ وغَيْرِهِ ﴿يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: أجْرُهُ كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْفى ما يَكُونُ مُضاعَفًا أحْوَجَ ما تَكُونُونَ إلَيْهِ ﴿وأنْتُمْ لا﴾
ولَمّا كانَ المَخُوفُ مُطْلَقَ النَّقْصِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿تُظْلَمُونَ﴾ أيْ: [لا] تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنهُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَلا بُدَّ مِنها وهي عَلى قَدْرِ النِّيَّةِ.
الأنفال 8:61
ولَمّا كانَ ضَمانُ النَّصْرِ والحَلِفِ في النَّفَقَةِ مُوجِبًا لِدَوامِ المُصادَمَةِ والبُعْدِ مِنَ المُسالَمَةِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: أمْرًا بِالِاقْتِصادِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أيْ: مالُوا وأقْبَلُوا في نَشاطٍ وطَلَبٍ حازِمٍ ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أيِ: المُصالَحَةِ، والتَّعْبِيرُ بِاللّامِ دُونَ ”إلى“ لا يَخْلُو عَنْ إيماءٍ إلى التَّهالُكِ عَلى ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ صِدْقُ المَيْلِ ﴿فاجْنَحْ﴾ ولَمّا كانَ السَّلْمُ مُذَكَّرًا يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ، قالَ: ﴿لَها﴾ أيِ: المُصالَحَةِ، أوْ يَكُونُ تَأْنِيثُهُ بِتَأْنِيثِ ضِدِّهِ الحَرْبِ، وكَأنَّهُ اخْتِيرَ التَّأْنِيثُ إشارَةً إلى أنَّهُ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى أقَلَّ ما يُمْكِنُ مِنَ المُدَّةِ بِحَسْبِ الحاجَةِ، هَذا إذا كانَ الصَّلاحُ لِلْمُسْلِمِينَ في ذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ، وأقْصى مُدَّةَ الجَوازِ عَشْرُ سِنِينَ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا تَجُوزُ الزِّيادَةُ. (p-٣١٧)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَدْ عُهِدَ مِنهم مَنِ الخِداعِ ما أعْلَمَ أنَّهم مَطْبُوعُونَ مِنهُ عَلى ما لا يُؤْمِنُونَ مَعَهُ فَمُسالَمَتُهم خَطَرٌ بِغَيْرِ نَفْعٍ، لَوَّحَ إلى ما يُنافِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ فِيما تَعْهَدُهُ مِن خِداعِهِمْ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ أمْرَهُ ويَجْعَلُهُ سَبَبًا لِدَمارِهِمْ كَما وقَعَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّ غَدْرَهم فِيهِ كانَ سَبَبَ الفَتْحِ، وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ في هَذا وأمْثالِهِ مُعْلِمٌ بِأنَّهُ يَفْعَلُ مَعَ المُتَوَكِّلِ فِعْلَ الحامِلِ لِما وُكِلَ إلَيْهِ المُطِيقِ لِحَمْلِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ الَّذِي مَعْناهُ عَدَمُ الخَوْفِ مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيِ: البالِغُ السَّمْعِ، فَهو يَسْمَعُ كُلَّ ما أبْرَمُوهُ في ذَلِكَ وغَيْرَهُ سِرًّا كَما يَسْمَعُهُ عَلانِيَةً ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ: البالِغُ العِلْمِ وحْدَهُ فَهو يَعْلَمُ كُلَّ ما أخْفَوْهُ كَما أنَّهُ يَعْلَمُ ما أعْلَنُوهُ؛
الأنفال 8:62
ثُمَّ صَرَّحَ بِالِاسْتِهانَةِ بِكَيْدِهِمْ فَقالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيِ: الكُفّارُ ﴿أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ أيْ: بِما يُوقِعُونَ مِنَ الصُّلْحِ أوْ بِغَيْرِهِ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ﴾ أيْ: كافِيكَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ العِزِّ كُلُّها، ثُمَّ عَلَّلَ كِفايَتَهُ أوِ اسْتَأْنَفَ بَيانَها بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أيْ: إذْ كُنْتَ وحْدَكَ ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي كانَتِ العادَةُ قاضِيَةً فِيها بِأنَّ مَن مَعَكَ لا يَقُومُونَ لِلْكُفّارِ فُواقَ ناقَةٍ، ولَعَلَّ هَذا تَذْكِيرٌ بِما كانَ مِنَ الحالِ في أوَّلِ الإسْلامِ، أيْ: إنَّ الَّذِي (p-٣١٨)أرْسَلَكَ مَعَ وحْدَتِكَ في مَكَّةَ بَيْنَ جَمِيعِ الكُفّارِ وغُرْبَتِكَ فِيهِمْ - وإنْ كانُوا بَنِي عَمِّكَ - بِسَبَبِ دَعْوَتِكَ إلى هَذا الدِّينِ وعُلُوِّكَ عَنْ أحْوالِهِمُ البَهِيمِيَّةِ إلى الأخْلاقِ المَلَكِيَّةِ، هو الَّذِي قَوّاكَ وحْدَهُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ حَتّى لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أذًى يَرُدُّكَ عَنِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ مَعَ نَصْبِ جَمِيعِهِمْ لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ شِباكَ الغَدْرِ ومَدِّهِمْ إلَيْكم أيْدِي الكَيْدِ ثُمَّ سَلَّكم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في مَنعِكم مِن ذَلِكَ، وأيَّدَكم بِالأنْصارِ وجَمَعَ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ بَعْدَ شَدِيدِ العَداوَةِ
الأنفال 8:63
﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ بَعْدَ غايَةِ التَّباغُضِ، فَصارَ البَعِيدُ مِنهم قَرِيبًا والبَغِيضُ حَبِيبًا والعَدُوُّ صَدِيقًا، وكانُوا عَلى قَلْبٍ واحِدٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما دَلَّ عَلى تَعَذُّرِ أُلْفَتِهِمْ لَوْلا هو فَقالَ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ﴾ أيْ: وأنْتَ أتْقَنُ الخَلْقَ لِما تَصْنَعُهُ ﴿ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: في إرادَةِ ذَلِكَ ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: وهو الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [ثُمَّ] عَلَّلَ [نُفُوذَ] فِعْلِهِ وأمْرِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَوْلا عِزَّتُهُ الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُها شَيْءٌ وحِكْمَتُهُ الَّتِي يُتْقِنُ بِها ما أرادَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنهُ لَمّا تَألَّفُوا بَعْدَ أنْ كانَ قَبْلُ كُلُّ أحَدٍ مِن فَرِيقَيْهِمْ لِلْآخَرِ أشْهى مِن لَذِيذِ الحَياةِ وصافِي العَيْشِ لِما بَيْنَهم مِنَ الإحَنِ الَّتِي لا تَزالُ تَثُورُ فَتَغْلِي لَها الصُّدُورُ حَتّى تَفُورَ بِقَتْلِ الأحْبابِ مِنَ الوالِدَيْنِ والأوْلادِ والقَهْرِ بِأنْواعِ الأذى مَعَ (p-٣١٩)المُجاوَرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِدَوامِ التَّحاسُدِ وإثارَةِ الضَّغائِنِ، وكَذا فَعَلَ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ العَرَبِ بَعْدَما كانَ بَيْنَهم مِنَ القَتْلِ المُنْتَشِرِ مَعَ ما لَهم مِنَ الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ الحامِلَةِ عَلى الِانْتِقامِ.
والَّذِي أمَدَّكَ بِهَذِهِ الألْطافِ حَيٌّ لا يَمُوتُ باقٍ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، فَهو الكَفِيلُ بِحِراسَتِكَ مِمَّنْ يُرِيدُ خِداعَكَ، فَإذا أمَرَكم بِأمْرٍ فامْتَثِلُوهُ غَيْرَ مُفَكِّرِينَ في عاقِبَتِهِ، فَإنَّهُ قَدْ بَيَّنَهُ بِعِزَّتِهِ وأتْقَنَهُ بِحِكْمَتِهِ وسَتَعْلَمُونَ.
الأنفال 8:64
ولَمّا صَرَّحَ بِأنَّ اللَّهَ كافِيهِ، وكانَتْ كِفايَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أعْظَمَ المَقاصِدِ، التَفَتَتِ الأنْفُسُ إلى أنَّهُ هَلْ يَكْفِيهِ مُطْلَقًا أوْ هو فَعَلَ مَعَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، فَأتْبَعَها بِقَوْلِهِ: مُعَبِّرًا بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ الَّذِي مَعْناهُ الرِّفْعَةُ والِاطِّلاعُ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَلى ما لا يَعْلَمُهُ العِبادُ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ والتَّصَرُّفِ في المَلَكُوتِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ أيِ: العالِي القَدْرِ الَّذِي نُعْلِمُهُ بِعَواقِبِ أُمُورِهِ ﴿حَسْبُكَ﴾ أيْ: كافِيكَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿ومَنِ﴾ أيْ: مَعَ مَن ﴿اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعِيَّةُ مِن ضَمِيرِهِ ﷺ فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ مَكْفِيِّينَ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الجَلالَةِ فَيَكُونُوا كافِينَ، حَتّى يَكُونَ المَعْنى: فَهو كافِيهِمْ أيْضًا وهم كافُوكَ؛ لِأنَّهُ مَعَهُمْ، وساقَ سُبْحانَهُ هَذا هَكَذا تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وجَبْرًا لِخَواطِرِهِمْ وبِالمَعْنى الثّانِي: لِتَضَمُّنِهِ الأوَّلِ وزِيادَتِهِ عَلَيْهِ - قالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: (p-٣٢٠)حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ مَنِ اتَّبَعَكَ، وساقَها سُبْحانَهُ عَلى وجْهٍ مُكَرَّرٍ لِكِفايَةِ نَبِيِّهِ ﷺ مُحْتَمِلٌ لِأنَّ فِيمَن كانَ عَلى اتِّباعِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كِفايَةٌ لِئَلّا يَسْتَقِلُّوا بِالنِّسْبَةِ إلى كَثْرَةِ أعْدائِهِمْ.
الأنفال 8:65
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم كافُونَ مَكْفِيُّونَ، وكانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِفِعْلِ الكَيْسِ والحَزْمِ وهو الِاجْتِهادُ بِحَسْبِ الطّاقَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَأْمُرَهم بِما يَكُونُونَ بِهِ كافِينَ مِنَ الجِدِّ في القِتالِ وعَدَمِ الهَيْبَةِ لِلْأبْطالِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ النّاظِرِ إلى جِهَةِ التَّلَقِّي عَنِ اللَّهِ لِيَشْتَدَّ وُثُوقُ السّامِعِ لِما يَسْمَعُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ أيِ: الرَّفِيعُ المَنزِلَةِ عِنْدَنا المَمْنُوحُ مِن إخْبارِنا بِكُلِّ ما يُقِرُّ عَيْنَهُ وعَيْنَ أتْباعِهِ ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ ﴿عَلى القِتالِ﴾ أيْ: بالِغْ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ ونَدْبِهِمْ بِكُلِّ سَبِيلٍ إلَيْهِ، ومادَّةُ حَرَضَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - حَرَضَ، حَضَرَ، رَحَضَ، رَضَحَ، ضَرَحَ؛ تَرْجِعُ إلى الحُضُورِ ويَلْزَمُهُ الخَفْضُ والدَّعَةُ، ويَلْزَمُ الكَسَلُ فَيَلْزَمُهُ الضَّعْفُ فَيَلْزَمُهُ الفَسادُ، ومِنهُ الحَرَضُ الَّذِي أشْفى عَلى الهَلاكِ، أيْ: حَضَرَ هَلاكُهُ وحَضَرَ هو مَوْضِعَهُ الَّذِي هو فِيهِ فَصارَ لِما بِهِ لا يُزايِلُهُ ما دامَ حَيًّا، ورَحَضَ الثَّوْبَ، أيْ: غَسَلَهُ، مِنَ الدَّعَةِ الَّتِي هي شَأْنُ الحُضُورِ غَيْرِ المُسافِرِينَ، والرُّحَضاءُ عَرَقُ الحُمّى تَشْبِيهٌ بِالمَغْسُولِ، والمِرْضاحُ الحَجَرُ الَّذِي لا يَزالُ حاضِرًا لِرَضْحِ النَّوى، والضَّرِيحُ شَقٌّ مُسْتَطِيلٌ يُوضَعُ فِيهِ المَيِّتُ فَيَكُونُ حاضِرُهُ لازِمًا لَهُ دائِمًا إلى الوَقْتِ المَعْلُومِ، ويَلْزَمُهُ الرَّمْيُ (p-٣٢١)والطُّولُ، ومِنهُ المَضْرَحِيُّ لِلطَّوِيلِ الجَناحَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ لِأنَّ كُلَّ صَيْدٍ عِنْدَهُ حاضِرٌ لِقُوَّةِ طَيَرانِهِ، والرَّجُلُ الكَرِيمُ لِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وأُحْضِرَتِ الدّابَّةُ: عُدَّتْ فَجَعَلَتِ الغائِبَ حاضِرًا، والتَّحْرِيضُ الحَثُّ عَلى حُضُورِ الشَّيْءِ، فَحَرِّضْ عَلى القِتالِ: حُثَّ عَلى الطَّيَرانِ إلَيْهِ بِتَعاطِي أسْبابِهِ والِاسْتِعْدادِ لِحُضُورِهِ حَتّى يَصِيرَ المَحْثُوثُ كَأنَّهُ حاضِرٌ، مَتى قِيلَ: يا صَباحاهْ! طارَ إلى المُنادِي، وكانَ أوَّلَ حاضِرٍ إلى النّادِي؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بَلِ اسْتِعْدادُهُ اسْتِعْدادُ الحاضِرِ في الصَّفِّ؛ وقالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسى الرُّمّانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والتَّحْرِيضُ: الدُّعاءُ الوَكِيدُ لِتَحْرِيكِ النَّفْسِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والحَثُّ والتَّحْرِيضُ والتَّحْضِيضُ نَظائِرُ، ونَقِيضُهُ التَّفْسِيرُ، والتَّحْرِيضُ تَرْغِيبٌ في الفِعْلِ بِما يَبْعَثُ عَلى المُبادَرَةِ إلَيْهِ مَعَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ. انْتَهى.
فَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ، لا ما قالَ في الكَشّافِ وتَبِعَهُ عَلَيْهِ البَيْضاوِيُّ.
ولَمّا نَدَبَهم إلى القِتالِ، أعْلَمَهم بِأنَّهم مَنصُورُونَ فِيهِ إنْ لازَمُوا آلَةَ النَّصْرِ، فَقالَ اسْتِئْنافًا جَوابًا لِمَن قالَ: ما عاقِبَتُهم إذا رَغِبُوا فَبادَرُوا إلى ذَلِكَ؟ ﴿إنْ يَكُنْ﴾ ولَمّا كانَتْ لَذَّةُ الخِطابِ تُثِيرُ الهِمَمَ وتَبْعَثُ العَزائِمَ وتُوجِبُ غايَةَ الوُثُوقِ بِالوَعْدِ، عَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿مِنكم عِشْرُونَ﴾ أيْ: رَجُلًا: ﴿صابِرُونَ﴾ أيِ: الصَّبْرَ المُتَقَدِّمَ ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ أيْ: مِنَ (p-٣٢٢)الكُفّارِ، والآيَةُ مِنَ الوَعْدِ الصّادِقِ الَّذِي حَقَّقَهُ وقائِعُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ﴾ أيْ: صابِرَةٌ ﴿يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ أيْ: كائِنِينَ ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ في الأوَّلِ وصْفَ الصَّبْرِ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وفي الثّانِي الكُفْرَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا؛ ولَعَلَّ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن هَذِهِ المُصابَرَةِ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالتَّحْرِيضِ، أيْ: حَرِّضْهم لِأنِّي أعَنْتُ كُلًّا مِنهم عَلى عَشَرَةٍ، فَلا عُذْرَ لَهم في التَّوانِي؛ وعَلَّلَ عُلُوَّهم عَلَيْهِمْ وغَلَبَتَهم لَهم عَلى هَذا الوَجْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي أوْجَبْتُهُ ووَعَدْتُ بِالنَّصْرِ عِنْدَهُ بِسَبَبِ أنَّهُمْ، أيِ: الكُفّارَ ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم فِقْهٌ يَعْلَمُونَ بِهِ عِلْمَ الحَرْبِ الَّذِي دَرَبَهُ أهْلُ الإيمانِ وإنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَهم أقْوِياءَ الأبْدانِ فِيهِمْ كِفايَةٌ لِلْقِيامِ بِما يَنُوبُهم مِن أمْرِ الدُّنْيا لِأنَّهم أبْدانٌ بِغَيْرِ مَعانٍ، كَما أنَّ الدُّنْيا كَذَلِكَ صُورَةٌ بِلا رُوحٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَبْنُوا مُصادَمَتَهم عَلى تِلْكَ الدَّعائِمِ الخَمْسِ الَّتِي قَدَّمْتُها لَكم وألْهَمْتُكم إيّاها في بَدْرٍ، فَمَن لَمْ يَجْمَعْها لَمْ يَفْقَهِ الحَرْبَ؛ لِأنَّ الجَيْشَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَئِيسٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ لَمْ يُفْلِحْ، وذَلِكَ الرَّئِيسُ إنْ لَمْ يَكُنْ أمْرُهُ مُسْتَنِدًا إلى مَلِكِ المُلُوكِ كانَ قَلْبُهُ ضَعِيفًا، وعَزْمُهُ - وإنْ كَثُرَتْ جُمُوعُهُ - مُضْطَرِبًا، فَإنَّهم يَكُونُونَ صُوَرًا لا مَعانِيَ لَها، والصُّوَرُ مُنْفَعِلَةٌ لا فَعّالَةٌ، والمَعانِي هي الفَعّالَةُ، والمُعْتَمِدُ عَلى اللَّهِ صُورَتُهُ مُقْتَرِنَةٌ بِالمَعْنى، فَأقَلُّ ما يَكُونُ في مُقابَلَةِ اثْنَيْنِ مِن أعْدائِهِ كَما حَطَّ عَلَيْهِ الأمْرَ (p-٣٢٣)فِي الجِهادِ، ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في انْتِصارِ الخَوارِجِ - مِن أتْباعِ شَبِيبٍ وأنْظارِهِ عَلى قِلَّتِهِمْ - عَلى الجُيُوشِ الَّتِي كانُوا يَلْقَوْنَها عَنْ مُلُوكِ زَمانِهِمْ عَلى كَثْرَتِهِمْ، فَإنَّ الخَوارِجَ مُعْتَقِدُونَ أنَّ قِتالَهم لِلَّهِ مُسْتَنِدِينَ في هَذا الِاعْتِقادِ إلى ظُلْمِ أُولَئِكَ المُلُوكِ وخُرُوجِهِمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، والَّذِينَ يَلْقَوْنَهم عَنْ أُولَئِكَ المُلُوكِ وإنِ اعْتَقَدُوا أنَّهم أهْلُ طاعَةٍ لِطاعَتِهِمُ الإمامَ الواجِبَ طاعَتُهُ، لَكِنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اسْتِنادَ إمامِهِمْ إلى اللَّهِ ضَعِيفٌ لِمُخالَفَتِهِ لِمِنهاجِ الِاسْتِقامَةِ، وذَلِكَ الرَّئِيسُ نَفْسُهُ مُعْتَقِدٌ ذَلِكَ وأنَّ وِلايَتَهُ مَفْسَدَةٌ، وأنَّ تَحْرِيمَ النَّبِيِّ ﷺ لِقِتالِهِ إنَّما هو دَرْءٌ لِأعْظَمِ المَفْسَدَتَيْنِ، فَصارَ اسْتِنادُ الخَوارِجِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ أعْظَمَ مِنَ اسْتِنادِ أُولَئِكَ، ولِهَذا نَشَأ عَنِ اسْتِنادِ الخَوارِجِ الزُّهْدُ الَّذِي هو أعْظَمُ أسْبابِ النَّصْرِ، ونَشَأ عَنِ اسْتِنادِ أُولَئِكَ المُلُوكِ الإخْلادُ إلى الدُّنْيا الَّذِي هو أعْظَمُ المُوجِباتِ لِلْخِذْلانِ، مِصْداقُ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا عَلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسارَ فِيهِمْ بِسُنَّةِ اللَّهِ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ وتَقْدِيمِ وعْظِهِمْ والإعْذارِ إلَيْهِمْ ورَدِّهِمْ إلى اللَّهِ فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا قَصْدَهم في ساعَةٍ، قالَ لَهُ بَعْضُ مَن كانَ يَعْتَنِي بِالنُّجُومِ: إنَّها ساعَةُ نَحْسٍ، إنْ سارَ فِيها حُذِلَ، فَقالَ: سِيرُوا فِيها؛ فَإنَّهُ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُنَجِّمُونَ، فَلَمّا لَقِيَ الخَوارِجَ لَمْ يُواقِفُوهُ حَلْبَ ناقَةٍ ولا أفْلَتَ مِنهم أحَدٌ ولا قُتِلَ مِن جَماعَتِهِ إنْسانٌ؛ وفُهِمَ الإيجابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ﴾ الآيَةَ. وأنَّ الخَبَرَ فِيهِ بِمَعْنى الأمْرِ مِن قَوْلِهِ:
الأنفال 8:66
﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ وجَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَنْكُمْ﴾ أيْ: (p-٣٢٤)رَحْمَةً لَكم ورِفْقًا بِكم ﴿وعَلِمَ﴾ أيْ: قَبْلَ التَّخْفِيفِ وعْدَهُ ﴿أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ أيْ: في العَدَدِ والعُدَدِ، ولَكِنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْكم ذَلِكَ ابْتِلاءً، فَبَعْدَ التَّخْفِيفِ عَلِمَ ضَعْفَهم واقِعًا وقَبْلَهُ عَلِمَ أنَّهُ سَيَقَعُ، وتَصْدِيرُهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِ: ﴿الآنَ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ النَّسْخَ كانَ قَبْلَ أنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيها غَزْوٌ، وفائِدَةُ الأمْرِ المُعَقَّبِ بِالنَّسْخِ حِيازَةُ الأجْرِ بِقَبُولِهِ والعَزْمِ عَلى امْتِثالِهِ، وقِيلَ: ما كانَ النَّسْخُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ بَعْدَ أنْ سَألُوا في التَّخْفِيفِ؛ ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، فَجاءَ التَّخْفِيفُ فَقالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ - الآيَةَ. فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.
والمَعْنى أنَّهُ كانَ كَتَبَ مِقْدارًا مِنَ الصَّبْرِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، فَلَمّا خَفَّفَ أزالَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَجْمُوعِ، وهَذا لا يَمْنَعُ اسْتِمْرارَ البَعْضِ عَلى ما كانَ كَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِالصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنها غَزْوَةُ مُؤْتَةَ، فَقَدْ كانُوا فِيها ثَلاثَةَ آلافٍ، وكانَ مَن لَقُوا مِن جُمُوعِ هِرَقْلَ مِائَتَيْ ألْفٍ: مِائَةٌ مِنَ الرُّومِ ومِائَةٌ مِنَ العَرَبِ المُسْتَنْصِرَةِ، فَصَبَرُوا لَهم ونُصِرُوا عَلَيْهِمْ كَما في الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ مُخْبِرًا عَنْهم في هَذِهِ الغَزْوَةِ: ”ثُمَّ أخَذَ الرّايَةَ عَنْ غَيْرِ إمْرَةٍ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ“» ولَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ ارْتَدَّ عامَّةُ النّاسِ (p-٣٢٥)حَتّى لَمْ يَثْبُتُ عَلى الإسْلامِ عُشْرُ العُشْرِ فَصَبَرَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَهم ونُصِرُوا عَلَيْهِمْ، بَلِ الَّذِي صَبَرَ في الحَقِيقَةِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وحْدَهُ، ثُمَّ أفاضَ اللَّهُ مِن صَبْرِهِ ونُورِهِ عَلى جَمِيعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَصَبَرُوا، ثُمَّ جَهَّزَ الجَيْشَ وأمِيرَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيْفَ اللَّهِ، فَأخْمَدَ اللَّهُ بِهِ نارَ الشِّرْكِ وقَطَعَ بِصَبْرِهِ وحُسْنِ نِيَّتِهِ جاذِرَةَ الكُفْرِ فَلَمْ تَمْضِ سَنَةٌ وفي بِلادِ العَرَبِ مُشْرِكٌ.
فَلَمّا جَمَعَ اللَّهُ العَرَبَ بِهَذا الدِّينِ عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ قَصَدُوا الأعاجِمَ مِنَ الفُرْسِ والرُّومِ والقِبْطِ، فَقاتَلُوا أهْلَ فارِسَ في عِدَّةِ وقائِعَ مِنها القادِسِيَّةُ، وكانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِيها دُونَ أرْبَعِينَ ألْفًا، وكانَ المَجُوسُ أكْثَرَ مِن أرْبَعِمِائَةِ ألْفٍ، وقاتَلُوا الرُّومَ كَذَلِكَ فَكانُوا في اليَرْمُوكِ دُونَ أرْبَعِينَ ألْفًا وكانَ الرُّومَ نَحْوَ أرْبَعِمِائَةِ ألْفٍ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوَقائِعِ وقَدْ صَبَرُوا في أكْثَرِها ونُصِرُوا، ثُمَّ كانَتْ لَهُمُ العاقِبَةُ فَطَرَدُوا الشِّرْكَ وأهْلَهُ، وأظْهَرَ اللَّهُ لَهم دِينَهُ كَما وعَدَ بِهِ سُبْحانَهُ، وما اجْتَمَعَ أهْلُ الإسْلامِ وأهْلُ الضَّلالِ قَطُّ في مَعْرَكٍ إلّا كانَتْ قَتْلى الكُفّارِ أضْعافَ قَتْلى المُسْلِمِينَ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَدُّهُ وتَبارَكَ اسْمُهُ وتَمَّتْ كَلِمَتُهُ ألْطَفَ بِالعَرَبِ عِلْمًا مِنهُ بِأنَّهم خُلاصَةُ النّاسِ بِما طَبَعَهم سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ والأخْلاقِ السَّدِيدَةِ فَأسْلَمَ كُلُّ مَنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ جَزِيرَتُهم بَعْدَ وقائِعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ وزَمانِ الرِّدَّةِ، ولَمْ تَبْلُغْ قَتْلاهم فِيما أظُنُّ عَشْرَةَ آلافِ إنْسانٍ، ثُمَّ لَمّا (p-٣٢٦)جاهَدُوا الأعاجِمَ مِن فارِسَ والرُّومِ وغَيْرِهِمْ كانَتْ قَتْلى الكُفّارِ تَبْلُغُ في المَعْرَكَةِ الواحِدَةِ مِائَةَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ - كَما هو مَشْهُورٌ في كُتُبِ الفُتُوحِ لِلْمَدائِنِيِّ وسَيْفٍ وابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ والبَلاذُرِيِّ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ جَمَعَ أشْتاتَ ذَلِكَ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيِّ وشَيْخُهُ ابْنُ حُبَيْشٍ، ولَعَلَّهُ حَذَفَ في الثّانِيَةِ التَّقْيِيدَ بِالكُفّارِ لِيَشْمَلَ كُلَّ ما اسْتَحَقَّ القِتالَ مِنَ البُغاةِ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنِ التَّخْفِيفِ المَذْكُورِ رادًّا الأمْرَ مِن إيجابِ مُصابَرَةِ عَشَرَةٍ إلى الأمْرِ بِمُصابَرَةِ الضِّعْفِ، فَإنْ زادَ العَدَدُ عَلى الضِّعْفِ جازَ الفِرارُ، والصَّبْرُ أحْسَنُ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ﴾ أيِ: الصَّبْرَ الَّذِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ أيْ: مِن غَيْرِكم بِإذْنِ اللَّهِ ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ﴾ أيْ: عَلى النَّعْتِ المَذْكُورِ وهو الصَّبْرُ ﴿يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ﴾ ثُمَّ أرْشَدَ إلى أنَّ المُرادَ بِالصَّبْرِ هو كُلُّ المَأْمُورِ بِهِ في آيَةِ: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] فَقالَ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِإرادَةِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ذَلِكَ وإباحَتَهُ لَكم وتَمْكِينَهُ، فَإنْ لَمْ يَقَعِ الإذْنُ لَمْ يَقَعِ الظَّفَرُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ في الأوَّلِ ”صابِرَةٌ“ دَلالَةً عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وذَكَرَ ثانِيًا الإذْنَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى عُمُومِ الحُكْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: بِنَصْرِهِ ومَعُونَتِهِ، ومِن ثَمَّ قالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وأنا أرى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ كَذَلِكَ. ومادَّةُ ”إذَنْ“ - مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ وواوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ بِتَقالِيبِها الأرْبَعَةِ: إذَنْ ذانَ ذَوَنَ ذَيَنَ - (p-٣٢٧)تَرْجِعُ إلى العِلْمِ النّاشِئِ عَنْ حاسَّةِ السَّمْعِ المُتَعَلِّقِ بِجارِحَةِ الأُذُنِ، وتارَةً يُثْمِرُ الإباحَةَ وتارَةً المَنعَ، فَأذِنَ بِالشَّيْءِ - كَسَمِعَ: عَلِمَ بِهِ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ [البقرة: ٢٧٩] أيْ: كُونُوا عَلى عِلْمٍ مِن أنَّ حَرْبَكم أُبِيحَ.
وأذِنَ لَهُ بِالشَّيْءِ - كَسَمِعَ أيْضًا: أباحَهُ لَهُ، وآذَنَهُ الأمْرَ وبِهِ: أعْلَمَهُ - وزْنًا ومَعْنًى، فَجَعَلَهُ مُباحًا لَهُ أوْ مَمْنُوعًا مِنهُ، وأذِنَ فُلانًا تَأْذِينًا: عَرَكَ أُذُنَهُ، وأذِنَهُ: رَدَّهُ عَنِ الشُّرْبِ فَلَمْ يَسُقْهُ، كَأنَّ التَّفْعِيلَ فِيهِ لِلْإزالَةِ، وآذَنَ النَّعْلَ وغَيْرَها: جَعَلَ لَها أُذُنًا، وفَعَلَهُ بِإذْنِي: بِعِلْمِي وتَمْكِينِي، وأذِنَ إلَيْهِ ولَهُ - كَفَرِحَ: اسْتَمَعَ بِأُذُنِهِ، أيْ: أباحَ ذَلِكَ سَمْعَهُ وقَلْبَهُ، وأذِنَ لِرائِحَةِ الطَّعامِ: اشْتَهاهُ كَأنَّهُ أباحَهُ لِنَفْسِهِ، وآذَنَهُ إيذانًا: أعْجَبَهُ، مِثْلُ ذَلِكَ سَواءٌ، وآذَنَهُ أيْضًا: مَنَعَهُ، كَأنَّهُ الهَمْزَةُ لِلْإزالَةِ، والأُذُنُ: الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ - بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ - والمِقْبِضُ والعُرْوَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وجَبَلٍ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ سَبَبٌ لِلتَّمَكُّنِ مِن حَمْلِ ما هو فِيهِ، والأُذُنُ: الرَّجُلُ المُسْتَمِعُ القابِلُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ كَأنَّهُ لَمّا قَبِلَهُ أباحَهُ قَلْبَهُ ومَكَّنَهُ مِنهُ، والأذانُ: النِّداءُ إلى الصَّلاةِ لِأنَّهُ إعْلامٌ بِإباحَتِها والمُكْنَةِ مِنها، وتَأذَّنَ: أقْسَمَ وأعْلَمَ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ إباحَةٌ ومُكْنَةٌ مِنَ الشَّيْءِ وتارَةً مَنعٌ وحُرْمَةٌ، فَيَكُونُ مِنَ الإزالَةِ، وآذَنَ العُشْبُ: بَدَأ يَجِفُّ فَبَعْضُهُ رَطْبٌ وبَعْضُهُ يابِسٌ كَأنَّهُ أمْكَنَ مِن جَرِّهِ وجَمْعِهِ بِبُدُوِّ صَلاحِهِ، والآذِنُ: الحاجِبُ؛ لِأنَّهُ لِلتَّمْكِينِ والمَنعِ، والأُذُنَةُ مُحَرَّكَةً: صِغارُ الإبِلِ والغَنَمِ كَأنَّها تُبِيحُ كُلَّ أحَدٍ ما يُرِيدُ مِنها، وطَعامٌ لا أُذُنَةَ لَهُ: لا شَهْوَةَ لِرِيحِهِ، فَكَأنَّهُ (p-٣٢٨)مَمْنُوعٌ مِنهُ لِعَدَمِ اشْتِهائِهِ، وتَأذَّنَ الأمِيرُ في النّاسِ: نادى فِيهِمْ بِتَهَدُّدٍ، فَهو يَرْجِعُ إلى المَنعِ والزَّجْرِ عَنْ شَيْءٍ تَعْزِيرًا، والذِّينُ - بِالكَسْرِ والياءِ: العِنَبُ، وكَذا الذّانُ - بِالألِفِ مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ: العِنَبُ، كَأنَّهُ لِسُهُولَةِ تَناوُلِهِ ولَذَّةِ مَطْعَمِهِ أمْكَنَ مِن نَفْسِهِ، والتَّذَوُّنُ - بِالواوِ مُشَدَّدَةً: الغِنى والنِّعْمَةُ، كَأنَّهُما سَبَبٌ لِلْإمْكانِ مِمّا يُشْتَهى، والذُّؤْنُونُ - مَهْمُوزًا كَزُنْبُورٍ: نَبْتٌ مِن نَباتِ الأرْضِ؛ والمَعْنى أنَّهُ إنَّما أذِنَ لَكم في ذَلِكَ إذا فَعَلْتُمُ الشَّرْطَ المَذْكُورَ لِأنَّكم فَقِهْتُمْ عَلى الحَرْبِ وبَنَيْتُمْ أمْرَكم فِيهِ عَلى دَعائِمِها الخَمْسِ الَّتِي مِلاكُها والدّاخِلُ في كُلٍّ مِنها الصَّبْرُ، فَكانَ اللَّهُ مَعَكُمْ، وهو مَعَ كُلِّ صابِرٍ هَذا الصَّبْرَ المُثْبَتَ في الدَّعائِمِ الخَمْسِ في كُلِّ أوانٍ، ومِمّا يُسْألُ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ ابْتُدِئَ في العَشَراتِ بِثانِي عُقُودِها، وفي المِئاتِ والآلافِ بِأوَّلِها. سَألْتُ شَيْخَنا الإمامَ الرّاسِخَ مُحَقِّقَ زَمانِهِ شَمْسَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ القاياتِيَّ قاضِيَ الشّافِعِيَّةِ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ: ما حِكْمَتُهُ؟ فَقالَ: الأصْلُ الِابْتِداءُ بِأوَّلِ العُقُودِ، لَكِنْ لَوْ قِيلَ: إنْ يَكُنْ مِنكم عَشَرَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَةً، لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّهُ لا تَجِبُ مُصابَرَةُ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ إلّا عِنْدَ بُلُوغِ المُؤْمِنِينَ هَذا العَقْدَ، فَعَدَلَ إلى الِابْتِداءِ بِثانِي عُقُودِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ لِيَنْتَفِيَ هَذا المَحْذُورُ، فَلَمّا انْتَفى وعُلِمَ أنَّهُ يَجِبُ مُصابَرَةُ كُلِّ واحِدٍ لِعَشَرَةٍ، ذَكَرَ باقِيَ المَراتِبِ في الباقِي (p-٣٢٩)عَلى الأصْلِ المُعْتادِ، وأمّا تَكْرِيرُ المَعْنى الواحِدِ وهو مُقاوَمَةُ الجَماعَةِ لِأكْثَرَ مِنها مَرَّتَيْنِ: قَبْلَ التَّخْفِيفِ وبَعْدَهُ فَلِلدَّلالَةِ - كَما قالَ في الكَشّافِ - عَلى أنَّ الحالَ مَعَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ واحِدَةٌ لا تَتَفاوَتُ وإنْ كانَ قَدْ يُظَنُّ تَفاوُتُهُ، وكَأنَّهُ لَمْ يُذَكِّ الآحادَ بِشارَةً بِكَثْرَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ واجْتِماعِها وبَدَأ بِالعَشَراتِ وخَتَمَ بِالأُلُوفِ لِيَسْتَوْفِيَ مَراتِبَ الأعْدادِ الأصْلِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنفال 8:67
ولَمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالإثْخانِ في ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] ثُمَّ بِإعْدادِ القُوَّةِ، ثُمَّ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ بَعْدَ الإعْلامِ بِالكِفايَةِ ثُمَّ إيجابِ ثَباتِ الواحِدِ لِعَشَرَةٍ ثُمَّ إنْزالِ التَّخْفِيفِ إلى اثْنَيْنِ؛ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِلْإمْعانِ في الإثْخانِ، فَحَسُنَ عِتابُ الأحْبابِ في اخْتِيارِ غَيْرِ ما أفْهَمَهُ هَذا الخِطابُ، لِكَوْنِ ذَلِكَ أقْعَدَ في الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ والغُفْرانِ بِسَبَبِ أنَّ أكْثَرَهم مالَ إلى فِداءِ الأُسارى «فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشارَهم فِيهِمْ فَأشارَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالمُفاداةِ ومالَ مَعَهُ الأكْثَرُ، وأشارُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ ﷺ: ”لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ عَذابٌ - أيْ: في هَذا - ما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما“» فَقالَ تَعالى اسْتِئْنافًا واسْتِنْتاجًا: ﴿ما كانَ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ ﴿لِنَبِيٍّ﴾ أيْ: في شَرْعِ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ مُسْتَقِلٍّ ولا مُقَرَّرٍ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ (p-٣٣٠)بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ لِيُفِيدَ مَعَ العُمُومِ أنَّ كُلًّا مِن رَفْعَةِ القَدْرِ والإخْبارِ مِنَ اللَّهِ يَمْنَعُ مِنَ الإقْدامِ عَلى فِعْلٍ بِدُونِ إذْنٍ خاصٍّ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ أيْ: أنْ يُباحَ لَهُ أسْرُ العَدُوِّ ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يُبالِغَ في قَتْلِ أعْدائِهِ، فَهو عِتابٌ لِمَن أسَرَ مِنَ الصَّحابَةِ غَيْرَ مَن نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ رَضِيَ بِذَلِكَ، وإنَّما أُسْنِدَ إلى نَبِيٍّ - وقُرِئَ شاذًّا بِالتَّعْرِيفِ - ولَمْ يَقُلْ: ما كانَ في شَرْعِ نَبِيٍّ، تَهْوِيلًا لِلْأسْرِ تَعْظِيمًا لِلْعَفْوِ لِلْمُبالَغَةِ في القِيامِ بِالشُّكْرِ، وهَذا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومادَّةُ ثَخَنَ تَدُورُ عَلى الضَّخامَةِ، وتارَةً يَلْزَمُها اللِّينُ والضَّعْفُ، وتارَةً الصَّلابَةُ والقُوَّةُ، فَحَقِيقَتُهُ: يُبالِغُ في القَتْلِ فَيَغْلَطُ أمْرُهُ فَيَقْوى، ويَلِينُ لَهُ أعْداؤُهُ ويَضْعُفُوا؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ المَيْلَ عَنْ ذَلِكَ إنَّما هو لِإرادَةِ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُبَكَّتِ بِهِ اليَهُودُ في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ [الأعراف: ١٦٩] كَما أنَّ النِّزاعَ في الأنْفالِ مَيْلٌ إلى الدُّنْيا، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَعالِي الأخْلاقِ وكَرائِمِ السَّجايا، مُعَلِّلًا لِعَدَمِ الكَوْنِ المَذْكُورِ بِما تَقْدِيرُهُ: لِأنَّ الأسْرَ إنَّما يُرادُ بِهِ الدُّنْيا، هَكَذا الأصْلُ ولَكِنَّهُ أُبْرِزَ في أُسْلُوبِ الخِطابِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ فَقالَ: ﴿تُرِيدُونَ﴾ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ المُرَغَّبُونَ في (p-٣٣١)الإنْفاقِ لا في الجَمْعِ، بِاسْتِبْقائِهِمْ ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ الرّاغِبُ: العَرَضُ ما لا ثَباتَ لَهُ، ومِنهُ اسْتَعارَهُ المُتَكَلِّمُونَ لِما لا ثَباتَ لَهُ إلّا بِالجَوْهَرِ كاللَّوْنِ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ في تَهْذِيبِ السِّيرَةِ، أيِ: المَتاعُ الفِداءُ بِأخْذِ الرِّجالِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يُرِيدُ﴾ أيْ: لَكم ﴿الآخِرَةَ﴾ أيْ: جَوْهَرَها لِأنَّهُ يَأْمُرُ بِذَلِكَ أمْرًا هو في تَأْكِيدِهِ لِيُمْتَثَلَ كالإرادَةِ الَّتِي لا يَتَخَلَّفُ مُرادُها، وذَلِكَ بِالإثْخانِ في قَتْلِهِمْ لِظُهُورِ الدِّينِ الَّذِي تُرِيدُونَ إظْهارَهُ والَّذِي بِهِ تُدْرَكُ الآخِرَةُ، ولا يَنْبَغِي لِلْمُحِبِّ أنْ يُرِيدَ إلّا ما يُرِيدُ حَبِيبُهُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: مُنَزَّهٌ جَنابُهُ العَلِيُّ عَنْ لَحاقِ شَيْءٍ مِمّا فِيهِ أدْنى سُفُولٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: لا يَصْدُرُ عَنْهُ فِعْلٌ إلّا وهو في غايَةِ الإتْقانِ فَهو يَأْمُرُ بِالإثْخانِ عِنْدَ ظُهُورِ قُوَّةِ المُشْرِكِينَ، فَإذا ضَعُفَتْ وقَوِيَ المُسْلِمُونَ فَأنْتُمْ بِالخِيارِ، ولا يَصِحُّ ادِّعاءُ وِلايَتِهِ إلّا لِمَن تَرَقّى في مَعارِجِ صِفاتِهِ، فَيَكُونُ عَزِيزًا في نَفْسِهِ فَلا يُدَنِّسُها بِالأطْماعِ الفانِيَةِ، وفِعْلِهِ فَلا يَحُطُّهُ عَنْ أوْجِ المَعالِي إلى حَضِيضِ المُهاوِي، وحَكِيمًا فَلا يَنْشَأُ عَنْهُ فِعْلٌ إلّا وهو في غايَةِ الإتْقانِ.
الأنفال 8:68
ولَمّا عُلِمَ مِنَ الآيَةِ ما أشَرْتُ إلَيْهِ، فَكانَ كَأنَّهم قالُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: تَقْتَضِي عِزَّتُهُ وحِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ مِن تَطْهِيرِنا عَمّا تَدَنَّسْنا بِهِ؟ اسْتَأْنَفَ تَعالى الجَوابَ عَنْ ذَلِكَ مُمْتَنًّا غايَةَ الِامْتِنانِ ومُحَذِّرًا مِنَ التَّعَرُّضِ لِمَواقِعِ الخُسْرانِ فَقالَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ﴾ أيْ: قَضاءٌ حَتْمٌ ثابِتٌ مُبْرَمٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ (p-٣٣٢)أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿سَبَقَ﴾ أيْ: في أُمِّ الكِتابِ مِنَ الحُكْمِ بِإسْعادِكُمْ، ومِن أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ، ومِن أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الفِداءَ والغَنائِمَ الَّتِي كانَتْ حَرامًا عَلى مَن قَبْلَكم تَشْرِيفًا لَكم - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأسْرى المُرادِ بِهِمُ الفِداءُ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ولَكِنْ سَبَقَ حُكْمِي بِأنَّ المَغْنَمَ - ولَوْ بِالفِداءِ - لَكم حِلٌّ وإنْ تَعَجَّلْتُمْ فِيهِ أمْرِي.
الأنفال 8:69
ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ هَذِهِ البِشارَةَ في النِّذارَةِ، سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ أيْ: مِنَ الفِدْيَةِ وغَيْرِها حالَ كَوْنِهِ ﴿حَلالا﴾ أيْ: لا دَرَكَ ولا تَبِعَةَ فِيهِ مِن جِهَتِي ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: شَهِيًّا لَكم مُلائِمًا لِطِباعِكُمْ، وهَذا إذا كانَ مَعَ الشُّرُوطُ الَّتِي أقَمْتُها لَكم مِن عَدَمِ الغُلُولِ والخِيانَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ والِاسْتِئْثارِ وشَدِيدِ الرَّغْبَةِ السّائِقَةِ إلى ما لا يَلِيقُ مِنَ التَّنازُعِ وغَيْرِهِ، ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمْتُ فِيهِ إلَيْكم ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ في جَمِيعِ ذَلِكَ فَلا تَغْلُوا ولا تَنازَعُوا ولا تُقْدِمُوا إلّا عَلى ما يُبِيحُهُ لَكُمُ الرَّسُولُ ﷺ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُتَّصِفَ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ التَّقْوى ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَهُ، فَلِأجْلِ ما عَلِمَ في قُلُوبِكم مِنَ الخَيْرِ غَفَرَ لَكم فَلَمْ يُعَذِّبْكم بِتَسَرُّعِكم إلى إسارِ مَن لَمْ يَأْمُرْكم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ لِلْمُفاداةِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلى إذْنِهِ، ورَحِمِكم فَأحْسَنَ إلَيْكم فَأحَلَّ لَكُمُ الغَنائِمَ، (p-٣٣٣)انْظُرْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] تَعْرِفْ حُسْنَ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالتَّقْوى بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْأكْلِ، أيْ: كُلُوا؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكم ما عاتَبَكم عَلَيْهِ، وفائِدَةُ الأمْرِ بِالتَّقْوى التَّحْذِيرُ مِنَ العَوْدِ اعْتِمادًا عَلى سَعَةِ الحِلْمِ، وأيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ تَهْدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ فَناسَبَ أنْ يَدُلَّهم عَلى أنَّ عِلَّةَ المَغْفِرَةِ التَّقْوى، فَكانَ تَرْجَمَةً ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَهَّبَهم بِمَسِّ العَذابِ عِنْدَ أخْذِ الفِداءِ لَوْلا سَبْقُ الكِتابِ، رَغَّبَهم بِأنَّهُ كُلَّما صَدَّهم عَنْ جَنابِهِ صارِفُ ذَنْبٍ فَرَدَّهم إلَيْهِ عاطِفُ تَقْوى، أسْبَلَ عَلَيْهِمْ ذَيْلَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ،
الأنفال 8:70
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا إباحَةُ ما يُؤْخَذُ مِنَ الأسْرِ مِنَ الفِداءِ، وكانَ ما يُؤْخَذُ مِنهم تَعْظُمُ مَشَقَّتُهُ عَلَيْهِمْ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَعْطِفًا لَهم تَرْغِيبًا في الإسْلامِ، فَأقْبَلَ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بِالأمْرِ بِمُخاطَبَتِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِخِطابِهِ سُبْحانَهُ بِما أبْعَدُوا أنْفُسَهم عَنْهُ مِنَ اخْتِيارِهِمُ الكَوْنَ في زُمْرَةِ الأعْداءِ عَلى الكَوْنِ في عِدادِ الأوْلِياءِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ النّاظِرِ إلى تَلَقِّي العِلْمِ تَرْغِيبًا في التَّلَقِّي مِنهُ ﷺ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ أيِ: الَّذِي أُنْبِئُهُ بِكُلِّ مَعْنًى جَلِيلٍ، يُظْهِرُ دِينَهُ ويُزَكِّي أُمَّتَهُ مَعَ رَفْعِ مِقْدارِهِ وإتْمامِ أنْوارِهِ ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: في أيْدِي أصْحابِكَ وأهْلِ دِينِكَ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿مِنَ الأسْرى﴾ تَرْغِيبًا لَهم فِيما عِنْدَ اللَّهِ ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن (p-٣٣٤)صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿فِي قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن تَقْواهُ الحامِلَةِ عَلى الإيمانِ الَّذِي هو رَأْسُ الخَيْرِ وعَلى كُلِّ خَيْرٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِمّا يَفْتَحُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ المَغانِمِ في الدُّنْيا ويَدَّخِرُهُ لَكم مِنَ الثَّوابِ في الأُخْرى ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ: ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، والمَعْنى عَلى ما عُلِمَ مِن قِصَّةِ العَبّاسِ الآتِيَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعامِلُكم وأمْثالَكم في غَيْرِ ما يَأْخُذُهُ مِنكم جُنْدُهُ بِالكَرَمِ، وأمّا إنَّهُ يَحْكُمُ بِإسْقاطِ الفِداءِ عَنْكم ويَأْمُرُهم بِتَرْكِهِ وإطْلاقِكم مَجّانًا بِما يَعْلَمُ في قُلُوبِكم مِن خَيْرٍ وإيمانٍ كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ فَلا تَطْمَعُوا فِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ بابَ الدَّعاوى الباطِلَةِ المانِعَةِ مِنَ الغَنائِمِ المُوهِنَةِ لِلدِّينِ؛ قالَ الحافِظُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في سِيرَتِهِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: «”كانَ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الأسْرى فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: افْدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخِيكَ عَقِيلًا ونَوْفَلًا وخَلَّيْتُكَ؛ فَإنَّكَ ذُو مالٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا ولَكِنَّ القَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ أعْلَمُ بِإسْلامِكَ، إنْ كانَ حَقًّا ما تَقُولُ فاللَّهُ يَجْزِيكَ بِهِ، وأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا، قالَ: لَيْسَ لِي مالٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وأيْنَ المالُ الَّذِي وضَعْتَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ حِينَ خَرَجْتَ ولَيْسَ مَعَكَ أحَدٌ؟ (p-٣٣٥)ثُمَّ قُلْتَ: إنْ أُصِبْتُ في سَفَرِي هَذا فَأعْطِي الفَضْلَ كَذا وعَبْدَ اللَّهِ كَذا! فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! ما عَلِمَ بِهَذا أحَدٌ غَيْرِي وغَيْرُها، فَفَدى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ وكُلَّ واحِدٍ بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وقالَ: تَرَكْتَنِي أسْألُ النّاسَ، وأسْلَمَ وأمَرَ عَقِيلًا فَأسْلَمَ، ولَمْ يُسْلِمْ مِنَ الأُسارى غَيْرُهُما“».
الأنفال 8:71
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ صَدَّقُوكَ وقَبِلُوا - بُشْرى اللَّهِ، وفّى لَهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيِ: الأسْرى والكُفّارُ كُلُّهم أوْ واحِدٌ مِنهم كَأبِي عَزَّةَ ﴿خِيانَتَكَ﴾ أيْ: وأنْتَ أعْلى الخَلْقِ في عَهْدٍ مِن إسْلامٍ أوْ غَيْرِهِ يُوثِقُونَهُ لَكَ تَرْضى بِهِ في المَنِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ، بِغَيْرِ فِداءٍ، يَرُدُّ اللَّهُ أنْ يَكُونَ وبالُ ذَلِكَ راجِعًا إلَيْهِمْ فَيُمْكِنُ مِنهُمْ، فَلا تَخْشَ مِن أمْرِهِمْ ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ولَمّا كانَتْ خِيانَتُهم غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ لِلزَّمَنِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ بِالكُفْرِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الفِسْقِ ﴿فَأمْكَنَ﴾ أيْ: فَأوْجَدَ الإمْكانَ مِنهُمْ، وقَصَرَهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم صارُوا سِلْمًا لِكُلِّ أحَدٍ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبَبِ خِيانَتِهِمْ، فَمَثَّلَ ما أمْكَنَ مِنهم عِنْدَ وُقُوعِ الخِيانَةِ سَيُمَكِّنُكَ مِنهم إذا أرادُوا الخِيانَةَ؛ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ مُطْلَقًا فَهو يَعْلَمُ الأشْياءَ كُلَّها (p-٣٣٦)الَّتِي مِنها أحْوالُهم ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ الحِكْمَةِ فَهو يَتَيَقَّنُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ فَهو يُوهِنُ كَيْدَهم ويُتْقِنُ ما يُقابِلُهم بِهِ فَيَلْحَقُهم لا مَحالَةَ، «وكَذا فَعَلَ سُبْحانَهُ في أبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ؛ فَإنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ في المَنِّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِفَقْرِهِ وعِيالِهِ وعاهَدَهُ عَلى أنْ لا يُظاهِرَ عَلَيْهِ أحَدًا ومَدَحَهُ ثُمَّ خانَ فَظَهَرَ بِهِ في غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ عَقِبَ يَوْمِ أُحُدٍ أسِيرًا، فاعْتَذَرَ لَهُ وسَألَهُ في العَفْوِ عَنْهُ فَقالَ: ألّا تَمْسَحَ عارِضَيْكَ بِمَكَّةَ وتَقُولَ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وأمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ،» وقالَ أبُو حَيّانَ في الخِيانَةِ: هي كَوْنُهم أظْهَرَ بَعْضُهُمُ الإسْلامَ ثُمَّ رَجَعُوا إلى دِينِهِمْ.
الأنفال 8:72
ولَمّا بَيَّنَ لِلْأسْرى أنَّ الخَيْرَ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن قُلُوبِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ لا يَنْفَعُهم في إسْقاطِ الفِداءِ عَنْهم لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ العَدَمِ؛ لِأنَّ مَبْنى الشَّرْعِ عَلى ما يُمْكِنُ المُكَلَّفَ مَعْرِفَتُهُ وهو الظَّواهِرُ، وخَتَمَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ الخَبَرَ الَّذِي يُفِيدُ القُرْبَ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ المُناصَرَةُ وكُلُّ خَيْرٍ، فَقالَ مُقَسِّمًا أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةَ أقْسامٍ: قِسْمٌ جَمَعَ الإيمانَ والهِجْرَةَ أوَّلًا والجِهادَ، وقِسْمٌ آوى، وقِسْمٌ آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، وقِسْمٌ هاجَرَ مِن بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿وهاجَرُوا﴾ أيْ: واقَعُوا الهِجْرَةَ (p-٣٣٧)مِن بِلادِ الشِّرْكِ، وهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، هَجَرُوا أوْطانَهم وعَشائِرَهم وأحْبابَهم حُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ: واقَعُوا الجِهادَ، وهو بَذْلُ الجُهْدِ في تَوْهِينِ الكُفْرِ وأهْلِهِ.
ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ في آلاتِ الجِهادِ مِنَ النَّفْسِ والمالِ تارَةً بِالحَثِّ عَلى إنْفاقِهِ وأُخْرى بِالنَّهْيِ عَنْ حُبِّهِ وتارَةً بِالتَّسْلِيَةِ لِلْأسْرى عِنْدَ فَقْدِهِ، كانَ الأنْسَبُ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ أيْ: بِإنْفاقِهِمْ لَها في الجِهادِ وتَضْيِيعِ بَعْضِها بِالهِجْرَةِ مِنَ الدِّيارِ والنَّخِيلِ وغَيْرِها ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ بِإقْدامِهِمْ عَلى القِتالِ مَعَ شِدَّةِ الأعْداءِ وكَثْرَتِهِمْ؛ وقَدَّمَ المالَ لِأنَّهُ سَبَبُ قِيامِ النَّفْسِ، وكانَ في غايَةِ العِزَّةِ في أوَّلِ الأمْرِ، وأخَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ لِذَلِكَ، ”وفِي“ سَبَبِيَّةٌ أيْ: جاهَدُوا بِسَبَبِهِ حَتّى لا يَصُدَّ عَنْهُ صادٌّ فَتَظْهَرَ مَحاسِنُهُ ويَسْهُلَ المُرُورُ فِيهِ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِ: ”فِي“ إعْلامًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ السَّبِيلِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِن ظَرْفِهِ حَتّى يَكُونَ الدِّينُ غالِبًا عَلَيْهِ لا يَخْرُجُ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأمّا في سُورَةِ بَراءَةَ فَلَمّا كانَ السِّياقُ في بَعْضِ الأماكِنِ بِها لِلسَّبِيلِ قُدِّمَ - كَما سَيَأْتِي، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في أوائِلِ الأمْرِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وكانَ الحالُ إذْ ذاكَ شَدِيدًا جِدًّا، والأمْوالُ في غايَةِ القِلَّةِ، والأعْداءُ لا يُحْصَوْنَ، فَناسَبَ الِاهْتِمامُ بِشَأْنِ المالِ والنَّفْسِ (p-٣٣٨)فَقُدِّما تَرْغِيبًا في بَذْلِهِما، وأمّا بَراءَةُ فَنَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في أواخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ، فَكانَ المالُ قَدِ اتَّسَعَ، والدِّينُ قَدْ عَزَّ وضَخُمَ وقَوِيَ وعَظُمَ، وأسْلَمَ غالِبُ النّاسِ، فَبَعُدَتْ مَواضِعُ الجِهادِ فَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ، وتَواكَلَ النّاسُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ورَغِبُوا في الإقْبالِ عَلى إصْلاحِ الأمْوالِ، فَناسَبَ البُداءَةَ هُناكَ بِالسَّبِيلِ.
ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الهِجْرَةِ الأُولى، أتْبَعَهم أهْلَ النُّصْرَةِ، وهُمُ القِسْمُ الثّانِي مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى زَمَنِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آوَوْا﴾ أيْ: مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأسْكَنُوهم في دِيارِهِمْ، وقَسَّمُوا لَهم مِن أمْوالِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِمْ أنْ يَنْزِلُوا لَهم عَنْ بَعْضِ نِسائِهِمْ لِيَتَزَوَّجُوهُنَّ، وإنَّما قَصَرَ الفِعْلَ إشارَةً إلى تَعْظِيمِ فِعْلِهِمْ بِحَيْثُ كَأنَّهُ لا إيواءَ في الوُجُودِ غَيْرُ ما فَعَلُوا، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَصَرُوا﴾ أيِ: اللَّهَ ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وهُمُ الأنْصارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حازُوا هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فَكانُوا في الذُّرْوَةِ مِن كِلْتا الحُسْنَيَيْنِ، ولَوْلا إيواؤُهم ونَصْرُهم لَما تَمَّ المَقْصُودُ، والمُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ أعْلى مِنهم لِسَبْقِهِمْ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ ولِحَمْلِهِمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ زَمانًا طَوِيلًا وصَبْرِهِمْ عَلى فُرْقَةِ الأوْطانِ والعَشائِرِ.
وأشارَ إلى القِسْمَيْنِ بِأداةِ البُعْدِ لِعُلُوِّ مَقامِهِمْ وعِزِّ مَرامِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العالُو الرُّتْبَةِ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: في المِيراثِ دُونَ القُرْبِ العارِي عَنْ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ أنَّ الإيمانَ (p-٣٣٩)إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِشَهِيدَيْنِ هُما الهِجْرَةُ والجِهادُ مِنَ الغُرَّبِ عَنِ المَدِينَةِ وشَهِيدِينَ هُما الإيواءُ والنُّصْرَةُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، كانَ عائِقًا عَنْ مُطْلَقِ القُرْبِ بَلْ مانِعًا مِن نُفُوذِ لُحْمَةِ النَّسَبِ كُلَّ النُّفُوذِ، فَكَأنَّ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِمَّنْ هاجَرَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومادَّةُ ولِيَ بِجَمِيعِ تَصارِيفِها تَرْجِعُ إلى المَيْلِ، ويَلْزَمُ مِنهُ القُرْبُ والبُعْدُ، ورُبَّما نَشَأ عَنْ كُلٍّ مِنهُما الشِّدَّةُ، وتَرْتِيبُ ولِيَ بِخُصُوصِهِ يَدُورُ عَلى القُرْبِ، ومِن لَوازِمِهِ النُّصْرَةُ، فالمَعْنى: بَعْضُهم أقْرِباءُ بَعْضٍ، يَلْزَمُ كُلًّا مِنهم في حَقِّ الآخَرِ مِنَ المُناصَرَةِ وغَيْرِهِ ما يَلْزَمُ القَرِيبَ لِقَرِيبِهِ، فَمَتى جَمَعَهم وصْفٌ جَعَلَهم شُرَكاءَ فِيما يُثْمِرُهُ، فَوَصَفَ الحُضُورَ في غَزْوَةٍ يُشْرَكُ بَيْنَهم في الغَنائِمِ؛ لِأنَّ أنْواعَ الجِهادِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم باشَرَ بَعْضَها، فَعَنْ حُضُورِ الكُلِّ نَشَأتِ النُّصْرَةُ، والمُهاجِرُ في الأصْلِ مَن فارَقَ الكُفّارَ بِقَلْبِهِ ولاواهُمْ، ورافَقَ المُؤْمِنِينَ بِحُبِّهِ ولُبِّهِ ووالاهُمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَذا قَدْ يَخْفى، نِيطَ الأمْرُ بِالمَظِنَّةِ وهي الدّارُ، لِأنَّها أمْرٌ ظاهِرٌ، فَصارَ المُهاجِرُ مَن باعَدَ دارَ المُشْرِكِينَ فِرارًا بِدِينِهِ، ثُمَّ صارَ شَرْطُ ذَلِكَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ تَكُونَ النَّقْلَةُ إلى دارِ هِجْرَتِهِ: المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ هَذا حُكْمُ كُلِّ مُهاجِرٍ إلّا ما كانَ مِن خُزاعَةَ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ عَلِمَ مِن مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ حُبَّهُ ونُصْحَهُ وبُغْضَ عَدُوِّهِ فَلَمْ يُلْزِمْ مُؤْمِنَهُمُ النَّقْلَةَ؛ قالَ الحافِظُ أبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ المَدْخَلِ إلى (p-٣٤٠)الِاسْتِيعابِ؛ ويُقالُ لِخُزاعَةَ حُلَفاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم حُلَفاءُ بَنِي هاشِمٍ وقَدْ أدْخَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كِتابِ القَضِيَّةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ - إلى أنْ قالَ: وأعْطاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَنزِلَةً لَمْ يُعْطِها أحَدًا مِنَ النّاسِ أنْ جَعَلَهم مُهاجِرِينَ بِأرْضِهِمْ وكَتَبَ لَهم بِذَلِكَ كِتابًا. انْتَهى.
وقالَ شاعِرُهم نُجِيدُ بْنُ عِمْرانَ الخُزاعِيُّ يَفْخَرُ بِذَلِكَ وغَيْرُهُ مِمّا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
؎وقَدْ أنْشَأ اللَّهُ السَّحابَ بِنَصْرِنا رُكامَ سَحابِ الهَيْدَبِ المُتَراكِبِ
؎وهِجْرَتُنا في أرْضِنا عِنْدَنا بِها ∗∗∗ كِتابٌ أتى مَن خَيْرِ مُمْلٍ وكاتِبِ
؎ومِن أجْلِنا حَلَّتْ بِمَكَّةَ حُرْمَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لِنُدْرِكَ ثَأْرًا بِالسُّيُوفِ القَواضِبِ
ذَكَرَ ذَلِكَ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ في غَزْوَةِ الفَتْحِ مِن سِيرَتِهِ، والَّذِي تَوَلّى حِلْفَهم أوَّلًا هو عَبْدُ المُطَّلِبِ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ الواقِدِيُّ في أوَّلِ غَزْوَةِ الفَتْحِ: وكانَتْ خُزاعَةُ حُلَفاءَ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ رَسُولُ ﷺ بِذَلِكَ عارِفًا، لَقَدْ جاءَتْهُ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ - خُزاعَةُ بِكِتابِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَرَأهُ وهو ”بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ هَذا حِلْفَ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هاشِمٍ لِخُزاعَةَ إذْ قَدِمَ عَلَيْهِ وسُراتُهم (p-٣٤١)وأهْلُ الرَّأْيِ، غائِبُهم مُقِرٌّ بِما قَضى عَلَيْهِ شاهِدُهُمْ، إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكم عَهْدَ اللَّهِ وعُقُودَهُ، ما لا يُنْسى أبَدًا، اليَدُ واحِدَةٌ والنَّصْرُ واحِدٌ، ما أشْرَفَ ثُبَيْرٌ وثَبَتَ حِراءُ، وما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، لا يَزْدادُ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكم إلّا تَجَدُّدًا أبَدًا أبَدًا، الدَّهْرَ سَرْمَدًا“ فَقَرَأهُ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: ”ما أعْرَفَنِي بِحِلْفِكم وأنْتُمْ عَلى ما أسْلَمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحِلْفِ، وكُلُّ حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسْلامِ“؛ قالَ الواقِدِيُّ: ”وجاءَتْهُ أسْلَمُ هو بِغَدِيرِ الأشْطاطِ“ جاءَ بِهِمْ بُرَيْدَةُ بْنُ الحَصِيبِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أسْلَمُ وهَذِهِ مِحالُّها وقَدْ هاجَرَ إلَيْكَ مَن هاجَرَ مِنها وبَقِيَ قَوْمٌ مِنهم في مَواشِيهِمْ ومَعاشِهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتُمْ مُهاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، ودَعا العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ لَهم كِتابًا فَكَتَبَ: ”هَذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأسْلَمَ لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ وشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَإنَّهُ آمَنَ بِأمانِ اللَّهِ، ولَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ، وإنَّ أمْرَنا وأمْرَكم واحِدٌ عَلى مَن دَهَمَنا مِنَ النّاسِ بِظُلْمٍ، اليَدُ واحِدَةٌ والنَّصْرُ واحِدٌ، ولِأهْلِ بادِيَتِهِمْ مِثْلُ ما لِأهْلِ قَرارِهِمْ (p-٣٤٢)وهم مُهاجِرُونَ حَيْثُ كانُوا“ وكَتَبَ العَلاءُ بْنُ الحَضْرَمِيِّ فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! نِعْمَ الرَّجُلُ بُرَيْدَةُ بْنُ الحُصَيْبِ لِقَوْمِهِ عَظِيمُ البَرَكَةِ عَلَيْهِمْ، مَرَرْنا بِهِ لَيْلَةَ مَرَرْنا ونَحْنُ مُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ، فَأسْلَمَ وأسْلَمَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ مَن أسْلَمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نِعْمَ الرَّجُلُ بُرَيْدَةُ لِقَوْمِهِ وغَيْرِ قَوْمِهِ. يا أبا بَكْرٍ، إنَّ خَيْرَ القَوْمِ مَن كانَ مُدافِعًا عَنْ قَوْمِهِ ما لَمْ يَأْثَمْ، فَإنَّهُ الإثْمُ لا خَيْرَ فِيهِ”انْتَهى.
وأسْلَمُ شَعْبٌ مِن أرْبَعَةِ شُعُوبٍ مِن خُزاعَةَ. ولَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ لِظُهُورِ الدِّينِ وضَعْفِ المُشْرِكِينَ، وقامَ مَقامَ الهِجْرَةِ النِّيَّةُ الخالِصَةُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالجِهادِ كَما قالَ ﷺ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ“». وقالَ ﷺ: «”المُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» فَإنْ كانَ المُؤْمِنُ لا يَتَمَكَّنُ مِن إظْهارِ دِينِهِ وجَبَتْ عَلَيْهِ النَّقْلَةُ.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ تَعالى أمْرَ مَن جَمَعَ الشُّرُوطَ، شَرَعَ يُبَيِّنُ حُكْمَ مَن قَعَدَ عَنْ بَعْضِها وهو القِسْمُ الثّالِثُ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: اشْتُهِرَ إيمانُهم ﴿ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ أيْ: قَبْلَ الفَتْحِ بَلِ اسْتَمَرُّوا في بِلادِهِمْ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: في التَّوارُثِ ولا في غَيْرِهِ؛ ورَغَّبَهم في الهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ أيْ: يُواقِعُوا الهِجْرَةَ لِدارِ الشِّرْكِ ومَن فِيها ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ أيْ: طَلَبُوا نَصْرَكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ أيْ: (p-٣٤٣)بِسَبَبِ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الدِّينِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أيْ: واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ، فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهم عَلَيْكم حَقُّ القَرِيبِ إلّا في الِاسْتِنْصارِ في الدِّينِ، فَإنَّ تَرْكَ نَصْرِهِمْ يَجُرُّ إلى مَفْسَدَةٍ كَما أنَّ مُوالاتَهم تَجُرُّ إلى مَفاسِدَ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنَ الوُجُوبِ فَقالَ: ﴿إلا عَلى قَوْمٍ﴾ وقَعَ وكانَ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: لِأنَّ اسْتِنْصارَهم يُوقِعُ بَيْنَ مَفْسَدَتَيْنِ: تَرْكِ نُصْرَةِ المُؤْمِنِ ونَقْضِ العَهْدِ وهو أعْظَمُهُما، فَقُدِّمَتْ مُراعاتُهُ وتُرِكَتْ نُصْرَتُهُمْ، فَإنْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفّارِ فَهو المُرادُ مِن غَيْرِ أنْ تُدَنِّسُوا بِنَقْضٍ، وإنْ نُصِرَ الكُفّارُ حَصَلَ لِمَن قُتِلَ مِن إخْوانِكُمُ الشَّهادَةُ ولِمَن بَقِيَ الضَّمانُ بِالكِفايَةِ، وكانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الهِجْرَةِ، ومَنِ ارْتَدَّ مِنهم أبْعَدَهُ اللَّهُ ولَنْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، فَقَدْ وقَعَ - كَما تَرى - تَقْسِيمُ المُؤْمِنِينَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أعْلاها المُهاجِرُ، ويَلِيهِ النّاصِرُ، وأدْناها القاعِدُ القاصِرُ، وبَقِيَ قِسْمٌ رابِعٌ يَأْتِي؛ قالَ أبُو حَيّانَ: فَبَدَأ بِالمُهاجِرِينَ - أيِ: الأوَّلِينَ - لِأنَّهم أصْلُ الإسْلامِ وأوَّلُ مَنِ اسْتَجابَ لِلَّهِ تَعالى، فَهاجَرَ قَوْمٌ إلى المَدِينَةِ، وقَوْمٌ إلى الحَبَشَةِ، وقَوْمٌ إلى ابْنِ ذِي يَزَنَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانُوا قُدْوَةً لِغَيْرِهِمْ في الإيمانِ وسَبَبَ تَقْوِيَةِ الدِّينِ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وثَنّى بِالأنْصارِ لِأنَّهم ساوَوْهم (p-٣٤٤)فِي الإيمانِ وفي الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ، لَكِنَّهُ عادَلَ بِالهِجْرَةِ الإيواءَ والنُّصْرَةَ، وانْفَرَدَ المُهاجِرُونَ بِالسَّبْقِ، وذَكَرَ ثالِثًا مَن آمَنَ ولَمْ يَنْصُرْ، فَفاتَهم هاتانِ الفَضِيلَتانِ وحُرِمُوا الوِلايَةَ حَتّى يُهاجِرُوا، ثُمَّ قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ،» فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ، ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: واسْتَمَرَّ أمْرُهم كَذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ. انْتَهى.
لَكِنْ ما ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ - كَما سَيَأْتِي - مِن أنَّ حُكْمَ ذَلِكَ زالَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ أوْلى لِلْآيَةِ الآتِيَةِ آخِرَ السُّورَةِ مَعَ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مِن آيَةِ الأحْزابِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِمَصالِحِكم خَبِيرٌ، وكانَ لِلنُّفُوسِ دَواعٍ إلى مُناصَرَةِ الأقارِبِ والأحْبابِ ومُعاداةِ غَيْرِهِمْ خُفْيَةً، ولَها دَسائِسُ تُدْرَكُ، حَذَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: عاطِفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَيانِ المَصالِحِ الَّتِي تُنَظِّمُ الدِّينَ وتَهْدِمُ ما عَداهُ، وكانَ لِلنُّفُوسِ - كَما تَقَدَّمَ - أحْوالٌ، اقْتَضى تَأْكِيدُ العِلْمِ بِالخَفايا فَقَدَّمَ الجارَّ الدّالَّ عَلى الِاخْتِصاصِ الَّذِي هو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ فَقَطْ مُرَهِّبًا: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَرْغِيبٌ في العَمَلِ بِما حَثَّ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ والإنْفاقِ والتَّحَرِّي (p-٣٤٥)فِي جَمِيعٍ مِن ذَلِكَ وتَرْهِيبٌ مِنَ العَمَلِ بِأضْدادِها، وفي“البَصِيرِ" إشارَةٌ إلى العِلْمِ بِما يَكُونُ مِن ذَلِكَ خالِصًا أوْ مَشُوبًا، فَفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلى الإخْلاصِ.
الأنفال 8:73
ولَمّا بَيَّنَ شَرْطَ مُوالاةِ المُسْلِمِ، بَيَّنَ مُوالاةَ الكافِرِ وما يَجِبُ مِن مُناظَرَتِهِمْ ومُباراتِهِمْ فِيها، وأنَّهُ لا شَرْطَ لَها غَيْرُ مُطْلَقِ الكُفْرِ فَإنَّهُ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ وتَباعَدَتْ أنْحاؤُهُ - يَجْمَعُهُ عَداوَةُ اللَّهِ ووِلايَةُ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ عَلى أيِّ حالٍ كانُوا فِيهِ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: في المِيراثِ والنُّصْرَةِ وغَيْرِهِما، وهو خَبَرٌ مَحْضٌ مُشِيرٌ إلى نَهْيِ المُسْلِمِ عَنْ مُوالاتِهِمْ، وأمّا الَّذِي مَضى في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَهو أمْرٌ في صُورَةِ الخَبَرِ وصِيغَتِهِ، يَعْنِي أنَّ في كُلٍّ مِنَ الكُفّارِ قُوَّةَ المُوالاةِ لِلْآخَرِ عَلَيْكم والمَيْلَ العَظِيمَ الحاثَّ لَهم عَلى المُسارَعَةِ في ذَلِكَ وإنِ اشْتَدَّتْ عَداوَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّكم حِزْبٌ وهم حِزْبٌ، يَجْمَعُهم داعِي الشَّيْطانِ بِوَصْفِ الكُفْرانِ كَما يَجْمَعُكم داعِي الرَّحْمَنِ بِوَصْفِ الإيمانِ، قالَ أبُو حَيّانَ: كانُوا قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيَّ ﷺ يُعادِي أهْلُ الكِتابِ مِنهم قُرَيْشًا ويَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، فَصارُوا بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا [و] إلْبًا واحِدًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ مَشْهُورٌ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ أيْ: مِثْلَهُ مِن تَوَلِّي المُؤْمِنِينَ ومُعاداةِ الكافِرِينَ (p-٣٤٦)كَما يَفْعَلُ الكُفّارُ بِالتَّعاضُدِ والتَّعاوُنِ بِالنَّفْسِ والمالِ كَما أرْصَدُوا مالَ العِيرِ الَّذِي فاتَكم حَتّى اسْتَعانُوا بِهِ عَلى قِتالِكم في أُحُدٍ، فاللّائِقُ بِكم أنْ تَكُونُوا أعْظَمَ مِنهم في ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يُرِيدُونَ بِذَلِكَ رَمَّ واهِي دُنْياهُمُ الفانِيَةِ وأنْتُمْ تَبْنُونَ آخِرَتَكُمُ الباقِيَةَ، وداعِيكم ولِيٌّ غَنِيٌّ وداعِيهِمْ عَدُوٌّ دَنِيٌّ فَضْلًا عَنْ أنْ تَنْزِلُوا إلى حَضِيضِ التَّنازُعِ في الغَنائِمِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: خَلْطَةٌ مُمِيلَةٌ لِلْمَقاصِدِ عَنْ وُجُوهِها ﴿وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الفِتْنَةِ، والكَبِيرُ ناظِرٌ إلى العِظَمِ، وقُرِئَ شاذًّا بِالمُثَلَّثَةِ فَيَكُونُ عِظَمُهُ حِينَئِذٍ مَخْصُوصًا بِالأنْواعِ، وبَيانُ الفَسادِ أنَّهُ إذا قارَبَ المُؤْمِنُ الكافِرَ والكافِرُ المُؤْمِنَ وتَناصَرُوا أوْ تَرَكَ المُؤْمِنُونَ التَّناصُرَ فِيما بَيْنَهُمُ انْحَلَّ النِّظامُ فاخْتَلَّ كُلٌّ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ، فاخْتَلَفَ الكَلامُ فَتَباعَدَتِ القُلُوبُ، فَتَزايَدَتِ الكُرُوبُ، فالواجِبُ عَلَيْكم أنْ تَكُونُوا إلْبًا واحِدًا ويَدًا واحِدَةً في المُوالاةِ وتُقاطِعُوا الكُفّارَ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لِيَقُومَ أمْرُكم وتَطِيبَ حَياتُكُمْ، وتَصْلُحَ غايَةَ الصَّلاحِ دُنْياكم وآخِرَتُكُمْ، والآيَةُ شامِلَةٌ لِكُلِّ ما يُسَمّى تَوَلِّيًا حَتّى في الإرْثِ وقِتالِ الكُفّارِ ومُدافَعَةِ المُسْلِمِينَ بِالأمْرِ والإنْكارِ، ولَمّا تَرَكَ بَعْضُ العُلَماءِ إعانَةَ بَعْضِ فِئَةٍ حَصَلَ ما خَوَّفَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ مِنَ الفِتْنَةِ والفَسادِ حَتّى صارَ الأمْرُ إلى ما تَرى مِن عُلُوِّ المُفْسِدِينَ وضَعْفِ أهْلِ الدِّينِ، فالأمْرُ بِالمَعْرُوفِ فِيهِمْ في غايَةِ الذُّلِّ والغُرْبَةِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أدْنى النّاسِ فَلا يَجِدُ لَهُ ناصِرًا، ويَجِدُ ذَلِكَ الآخَرُ لَهُ عَلى (p-٣٤٧)الرَّدِّ أعْوانًا كَثِيرَةً، وصارَ أحْسَنُ النّاسِ حالًا مَعَ الأُمَراءِ وأعْظَمُهم لَهُ مَحَبَّةً مَن يَقْنَعُ بِلَوْمِهِ عَلى فِعْلِهِ ظَنًّا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ شَفَقَةٌ عَلَيْهِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
الأنفال 8:74
ولَمّا تَقَدَّمَتْ أنْواعُ المُؤْمِنِينَ: المُهاجِرُ والنّاصِرُ والقاعِدُ، وذِكْرُ أحْكامِ مُوالاتِهِمْ، أخَذَ يُبَيِّنُ تَفاوُتَهم في الفَضْلِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ وما أتى مِنهُ ﴿وهاجَرُوا﴾ أيْ: فِيهِ مَن يُعادِيهِ سابِقِينَ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ: بِما تَقَدَّمَ مِنَ المالِ والنَّفْسِ أوْ بِأحَدِهِما ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَبَذَلُوا الجُهْدَ في إذْلالِهِمْ كَما بَذَلَ الأعْداءُ الجُهْدَ في إذْلالِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ آلَةَ الجِهادِ لِأنَّها - مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِها لازِمَةٌ ﴿والَّذِينَ آوَوْا﴾ أيْ: مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴿ونَصَرُوا﴾ أيْ: حِزْبَ اللَّهِ، وأعْلَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ خاصَّةً ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيْ: حَقَّ الإيمانِ؛ لِأنَّهم حَقَّقُوا أيْمانَهُمْ: المُهاجِرُ بِالِانْسِلاخِ مَن كُلِّ ما يُحِبُّهُ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والنّاصِرُ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكُفْرِ بِإيواءِ أهْلِ اللَّهِ ونُصْرَتِهِمْ.
ولَمّا بَيَّنَ وصْفَهُمْ، بَيَّنَ ما حَباهم بِهِ بِقَوْلِهِ: دالًّا عَلى أنَّ الإنْسانَ مَحَلُّ النُّقْصانِ، فَهو - وإنِ اجْتَهَدَ حَتّى كانَ مِنَ القِسْمِ الأعْلى - لا يَنْفَكُّ عَنْ مُواقَعَةِ ما يَحْتاجُ فِيهِ إلى الغُفْرانِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: لِزَلّاتِهِمْ وهَفَواتِهِمْ؛ لِأنَّ مَبْنى الآدَمِيِّ عَلى العَجْزِ اللّازِمِ عَنْهُ التَّقْصِيرُ وإنِ اجْتَهَدَ، والدِّينُ مَتِينٌ فَلَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ؛ ولَمّا ذَكَرَ تَطْهِيرَهم بِالمَغْفِرَةِ، ذَكَرَ (p-٣٤٨)تَزْكِيَتَهم بِالرَّحْمَةِ فَقالَ: ﴿ورِزْقٌ﴾ أيْ: مِنَ الغَنائِمِ وغَيْرِها في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿كَرِيمٌ﴾ أيْ: لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ، لا في قَطْعِهِ ولا في نُقْصانِهِ ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِهِ.
الأنفال 8:75
ولَمّا حَصَرَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا في المَوْصُوفِينَ، بَيَّنَ أنَّ مَن تَرَكَ ما هو عَلَيْهِ مِن لُزُومِ دارِ الكُفْرِ والقُعُودِ عَنِ الجِهادِ، لَحِقَ بِمُطْلَقِ دَرَجَتِهِمْ وإنْ كانُوا فِيها أعْلى مِنهُ فَقالَ ذاكِرًا القِسْمَ الرّابِعَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانُوا قَدْ تَأخَّرُوا عَنْ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُدَّةً، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ تَأخُّرِ إيمانِهِمْ عَنِ السّابِقِينَ ﴿وهاجَرُوا﴾ أيْ: لاحِقِينَ لِلسّابِقِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهم مَن هاجَرَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ: وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ ﴿وجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ أيْ: مَن تُجاهِدُونَهُ مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ: لَهم ما لَكم وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم مِنَ المَوارِيثِ والمَغانِمِ وغَيْرِها؛ لِأنَّ الوَصْفَ الجامِعَ هو المَدارُ لِلْأحْكامِ وإنْ تَأخَّرَتْ رُتْبَتُهم عَنْكم كَما أفْهَمَتْهُ أداةُ البُعْدِ.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم مِنهُمْ، بَيَّنَ أنَّهُ مَتى جَمَعَهُمُ الوَصْفُ المُحَصِّلُ لِلْوِلايَةِ، كانَ القُرْبُ في الرَّحِمِ أوْلى مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ أيْ: في الإرْثِ وغَيْرِهِ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِوِلايَةِ الدِّينِ الخالِيَةِ عَنِ الرَّحِمِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ (p-٣٤٩)أيِ: القُرْآنِ أوْ في حُكْمِهِ وقَسْمِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ في آياتِ الإرْثِ، وهي مُقَيَّدَةٌ بِالعَصِباتِ فَنَسَخَتِ الوِلايَةَ فَلا دَلالَةَ عَلى تَوْرِيثِ غَيْرِهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ في تَرْجَمَةِ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو أنَّ بَدْرًا قَطَعَتِ المُواخاةَ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يَعْنِي فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةَ آيَةِ: ”بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ“ وتَكُونُ تِلْكَ حِينَئِذٍ مُبَيِّنَةً أمْرَ ما كانَ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ - وهو حَسَنٌ، والآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ الأحْزابِ مُؤَيِّدَةٌ لَهُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما ذُكِرَ بِما يُرَغِّبُ فِيهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَهو يَعْلَمُ أنَّ هَذا هو الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ المَصْلَحَةُ وتَدُومُ بِهِ الأُلْفَةُ كَما عَلِمَ في أوَّلِ الأمْرِ أنَّ نَوْطَ الإرْثِ وغَيْرِهِ مِن لَوازِمِ القُرْبِ بِالأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ أوْلى لِما في ذَلِكَ مِن تَكْثِيرِ قِلَّتِكم ونَصْرِ ذِلَّتِكم وجَمْعِ شَتاتِكم وجَعَلَ ما بَيْنَكم مِنَ الأُخُوَّةِ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، فَأمّا الآنُ فَقَدْ ضَرَبَ الدِّينَ بِجِرانِهِ، وثَبَتَ بِقَواعِدِهِ وأرْكانِهِ، ووَلّى الكُفْرُ بِسُلْطانِهِ، ونَكَصَ مُدْبِرًا بِأعْوانِهِ، فَتَوارَثُوا بِالإسْلامِ والقَرابَةِ وتَقاطَعُوا الكُفّارَ، وقَرِّبُوا وبَعِّدُوا، وانْحازُوا عَنْهم كَما انْحازُوا عَنْكُمْ، وتَبَرَّؤُوا مِنهم كَما تَبَرَّؤُوا مِنكُمْ، فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وبَيانِ المُؤْمِنِينَ حَقًّا وتَقْلِيدِ العَلِيمِ في جَمِيعِ الأعْمالِ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ - عَلى أوَّلِها، وبِبَيانِ مَن يُوالِي ومَن يُعادِي عَلى أوَّلِ بَراءَةَ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.