Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — القصص 28:1 – العنكبوت 29:69
المحتويات
- القصص 28:1
- القصص 28:2
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:17
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:37
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:42
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:53
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:60
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:62
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:67
- العنكبوت 29:68
- العنكبوت 29:69
القصص 28:1
(p-٢٣٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبِهِ الإعانَةُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى أسْعَدِ مَخْلُوقاتِهِ وزَيْنِ عِبادِهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ
سُورَةُ القَصَصِ
مَقْصُودُها التَّواضُعُ لِلَّهِ، المُسْتَلْزِمُ لَرَدِّ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ، النّاشِئِ عَنِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ، النّاشِئِ عَنِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، الثّابِتَةِ بِإعْجازِ القُرْآنِ، المُظْهِرِ لِلْخَفايا عَلى لِسانِ مَن لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا قَطُّ مِن أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، المُنْتِجِ لِعُلُوِّ المُتَّصِفِ بِهِ، وذَلِكَ هو المَأْخُوذُ مِن تَسْمِيَتِها بِالقَصَصِ الَّذِي حَكَمَ لِأجْلِهِ شُعَيْبٌ بِعُلُوِّ الكِلِيمِ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى مَن ناواهُ، وقَمْعِهِ لِمَن عاداهُ، فَكانَ المَآلُ وفْقَ ما قالَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي اخْتَصَّ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، فَألْبَسُ خُدّامَهُ مِن مَلابِسِ هَيْبَتِهِ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ البَيانِ، حَتّى أهْلَ الكُفْرانِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي (p-٢٣٣)خَصَّ بِنِعْمَةِ ما بَعْدَ البَعْثِ أهْلَ الإيمانِ.
لَمّا خَتَمَ تِلْكَ بِالوَعْدِ المُؤَكَّدِ بِأنَّهُ يُظْهِرُ آياتِهِ فَتُعْرَفُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِغافِلٍ عَنْ شَيْءٍ، تَهْدِيدًا لِلظّالِمِ، وتَثْبِيتًا لِلْعالِمِ، وكانَ مِنَ الأوَّلِ ما يُوحِيهِ في هَذِهِ مِنَ الأسالِيبِ المُعْجِزَةِ مِن خَفايا عُلُومِ أهْلِ الكِتابِ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى رَدِّهِ، ومِنَ الثّانِي ما صَنَعَ بِفِرْعَوْنَ وآلِهِ، قالَ أوَّلَ هَذِهِ: ﴿طسم﴾ مُشِيرًا بِالطّاءِ المَلِيحَةِ بِالطُّهْرِ والطِّيبِ إلى خَلاصِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ طُولِ ابْتِلائِهِمُ المُطَهِّرِ لَهم عَظِيمٌ، وبِالسِّينِ الرّامِزَةِ إلى السُّمُوِّ والسَّنا والسِّيادَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِمَسْمُوعٍ مِنَ الوَحْيِ في ذِي طَوًى مِن طُورِ سَيْناءَ قَدِيمٍ، وبِالمِيمِ المُهَيِّئَةِ لِلْمُلْكِ والنِّعْمَةِ إلى قَضاءٍ مِنَ المَلِكِ الأعْلى بِذَلِكَ كُلِّهِ تامٍّ عَمِيمٍ.
القصص 28:2
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ إشاراتٍ عالِيَةً، وما بَعْدَها [لُزُومُ] نُظُومٍ لِأوْضَحِ الدَّلالاتِ حاوِيَةٌ، قالَ مُشِيرًا إلى عَظَمَتِها: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ: الآياتُ العالِيَةُ الشَّأْنِ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أيْ: المُنَزَّلِ عَلى قَلْبِكَ، الجامِعِ لِجَمِيعِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ ﴿المُبِينِ﴾ أيْ: الفاصِلِ الكاشِفِ المُوَضِّحِ المُظْهِرِ، لِأنَّهُ مِن عِنْدِنا مِن غَيْرِ شَكٍّ، ولِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ، عِنْدَ مَن يَجْعَلُهُ مِن شَأْنِهِ ويَتَلَقّاهُ بِقَبُولٍ، ويُلْقِي إلَيْهِ السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
القصص 28:3
ثُمَّ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى إبانَتِهِ. وأنَّهُ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم يَخْتَلِفُونَ، بِما أوْرَدَ هُنا في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٢٣٤)مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي قَلَّ مَن يَعْلَمُها مِن حُذّاقِهِمْ، عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِما انْتَقَمَ بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وآلِهِ، ومَن لَحِقَ بِهِمْ كَقارُونَ، وأنْعَمَ بِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعِهِ، ولِذَلِكَ بَسَطَ فِيها أُمُورَ القِصَّةِ ما لَمْ يَبْسُطْ في غَيْرِها فَقالَ: ﴿نَتْلُو﴾ أيْ: نَقُصُّ قَصًّا مُتَتابِعًا مُتَوالِيًا بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ ﴿عَلَيْكَ﴾ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ المُرادُ إنَّما هو قَصُّ ما هو مِنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ بَيانًا لِلْآياتِ بِعِلْمِ الجَلِيّاتِ والخَفِيّاتِ، والمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ، لا جَمِيعُ الأخْبارِ، قالَ: ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بَعْضِ خَبَرِهِما العَظِيمِ مُتَلَبِّسًا هَذا النَّبَأُ وكائِنًا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، فَإنّا ما أخْبَرْنا فِيهِ بِمُسْتَقْبَلٍ إلّا طابَقَهُ الكائِنُ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا البَيانَ كَما سَبَقَ إنَّما يَنْفَعُ أُولِي الإذْعانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ في كُلِّ وقْتٍ عِنْدَ كُلِّ حادِثَةٍ لِثَباتِ إيمانِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِنها هُنا الِاسْتِدْلالُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الأُمِّيِّ بِالِاطِّلاعِ عَلى المُغَيَّباتِ، والتَّهْدِيدِ بِعِلْمِهِ المُحِيطِ، وقُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ ولا مَدْفَعَ لِقَضائِهِ، ولا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِن قَدَرِهِ، فَصَحَّ أنَّها دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى آخِرَ تِلْكَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] [الآيَةُ، ] ولِذَلِكَ لَخَّصَتْ رُؤُوسُ أخْبارِ القِصَّةِ، فَذُكِرَتْ فِيها أُمَّهاتُ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ ودَقائِقُ أعْمالِ مَن ذُكِرَ (p-٢٣٥)فِيها مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمِّهِ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ إلى ما تَراهُ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا عالِمٌ بِالتَّعَلُّمِ أوْ بِالوَحْيِ، ومَعْلُومٌ لِكُلِّ مُخاطَبٍ بِذَلِكَ انْتِفاءُ الأوَّلِ عَنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ ﷺ، فانْحَصَرَ الأمْرُ في الثّانِي، يُوَضِّحُ لَكَ هَذا المَرامَ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْتُها قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] وإتْباعُ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] فالمُرادُ بِهَذا السِّياقِ مِنها كَما تَرى غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقاتِها كَما مَضى، فَلا تَكْرِيرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ واللَّهُ الهادِي.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] إلى آخِرِ السُّورَةِ مِنَ التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ والإنْذارِ والتَّهْدِيدِ لَمّا انْجَرَّ مَعَهُ الإشْعارُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَمْلِكُ مَكَّةَ البَلْدَةَ ويَفْتَحُها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ويُذِلُّ عُتاةَ قُرَيْشٍ ومُتَمَرَّدِيهِمْ، ويُعِزُّ أتْباعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَنِ اسْتَضْعَفَتْهُ قُرَيْشٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِما قَصَّهُ عَلى نَبِيِّهِ مِن تَطْهِيرِ ما أشارَ إلَيْهِ مِن قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وابْتِداءِ امْتِحانِهِمْ بِفِرْعَوْنَ، واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، وفَتْكِهِ بِهِمْ إلى [أنْ] (p-٢٣٦)أعَزَّهُمُ اللَّهُ وأظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم، ولِهَذا أشارَ تَعالى في كِلا القِصَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ [فِي الأُولى]: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] وفي الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] ثُمَّ قَصَّ ابْتِداءً أمْرَ فِرْعَوْنَ وحَذَرَهُ واسْتِعْصامَهُ بِقَتْلِ ذُكُورِ الأوْلادِ ثُمَّ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُ مِن قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا، فَفي حالِهِ عِبْرَةٌ لِمَن وُفِّقَ لِلِاعْتِبارِ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَفَرِّدُ بِمُلْكِهِ، يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ، ويَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشاءُ، لا يَزَعُهُ وازِعٌ، ولا يَمْنَعُهُ عَمّا يَشاءُ مانِعٌ،
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وقَدْ أفْصَحَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] - الآيَةُ بِما أشارَ إلَيْهِ مُجْمَلُ ما أوْضَحْنا اتِّصالَهُ مِن خاتِمَةِ النَّمْلِ وفاتِحَةِ القَصَصِ، ونَحْنُ نَزِيدُهُ بَيانًا بِذِكْرِ لُمَعٍ مِن تَفْسِيرِ ما قُصِدَ التِحامُهُ فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى مُعْلِمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وآمِرًا: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ﴾ [النمل: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] لا خَفاءَ بِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وشَدِيدِ الوَعِيدِ، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] إشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَفْتَحُها ويَمْلِكُها، لِأنَّهُ بَلَدُ رَبِّهِ ومُلْكُهُ، وهو عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وقَدِ اخْتَصَّهُ بِرِسالَتِهِ، ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ، فالعِبادُ والبِلادُ مِلْكُهُ، فَفي هَذا مِنَ الإشارَةِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٣٧)﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: لِيَسْمَعُوهُ فَيَتَذَكَّرُوا ويَتَذَكَّرَ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، ويَلْحَظَ سُنَّةَ اللَّهِ في العِبادِ والبِلادِ، ويَسْمَعَ ما جَرى لِمَن عانَدَ وعَنى وكَذَّبَ واسْتَكْبَرَ، فَكَيْفَ وقِصَّةُ [اللَّهِ] وأخْذُهُ ولَمْ يُغْنِ عَنْهُ حَذَرُهُ، وأوْرَثَ مُسْتَضْعَفُ عِبادِهِ أرْضَهُ ودِيارَهُ، ومَكَّنَ لَهم في الأرْضِ وأعَزَّ رُسُلَهُ وأتْباعَهم ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَسْتَدِلُّونَ ويَسْتَوْضِحُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] يُشِيرُ إلى ما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وإذْعانِ مَن لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ انْقِيادَهُ، وإهْلاكِ مَن طالَ تَمَرُّدُهُ وعِنادُهُ، وانْقِيادِ العَرَبِ بِجُمْلَتِها بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، وعِزَّةِ أقْوامٍ وذِلَّةِ آخَرِينَ، بِحاكِمِ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] إلى أنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ما وعَدَهم بِهِ نَبِيُّهم ﷺ، فَكانَ كَما وعَدَ، فَلَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِما هو في قُوَّةِ أنْ لَوْ قِيلَ: لَيْسَ عُتُوُّكم بِأعْظَمَ مِن عُتُوِّ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، ولا حالَ مُسْتَضْعَفِي المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ مِمَّنْ قَصَدْتُمْ فِتْنَتَهُ في دِينِهِ بِدُونِ حالِ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ كانَ فِرْعَوْنُ يَمْتَحِنُهم بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ، فَهَلّا تَأمَّلْتُمْ عاقِبَةَ الفَرِيقَيْنِ، وسَلَكْتُمْ أنْهَجَ الطَّرِيقَيْنِ؟،
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٨٢] (p-٢٣٨)- إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] فَلَوْ تَأمَّلْتُمْ ذَلِكَ لَعَلِمْتُمْ أنَّ العاقِبَةَ لِلتَّقْوى، فَقالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ افْتِتاحِ السُّورَةِ إنَّ فِرْعَوْن عَلا في الأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن خَبَرِهِ ما فِيهِ عِبْرَةٌ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ آياتِهِ الباهِرَةَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحِفْظِهِ ورِعايَتِهِ وأخْذِ أمِّ عَدُوِّهُ إيّاهُ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩] فَلَمْ يَزَلْ يُذَبِّحُ الأبْناءَ خِيفَةً مِن مَوْلُودٍ يَهْتِكُ مُلْكَهُ حَتّى إذا كانَ ذَلِكَ المَوْلُودُ تَوَلّى بِنَفْسِهِ تَرْبِيَتَهُ وحِفْظَهُ وخِدْمَتَهُ لِيَعْلَمَ لِمَنِ التَّدْبِيرُ والإمْضاءُ، وكَيْفَ نُفُوذُ سابِقِ الحُكْمِ والقَضاءِ، فَهَلّا سَألَتْ قُرَيْشٌ وسَمِعَتْ وفَكَّرَتْ واعْتَبَرَتْ ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِخُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أرْضِهِ فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ، وما نالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الخُرُوجِ مِن عَظِيمِ السَّعادَةِ، وفي ذَلِكَ مَنبَهَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ وتَعْزِيَةٌ لَهُ وإعْلامٌ بِأنَّهُ تَعالى سَيُعِيدُهُ إلى بَلَدِهِ ويَفْتَحُهُ عَلَيْهِ، وبِهَذا المُسْتَشْعَرِ مِن هُنا صَرَّحَ آخِرَ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وهَذا كافٍ فِيما قَصَدَ - انْتَهى.
القصص 28:4
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا المَقْصُوصُ مِن هَذا النَّبَأِ؟ قالَ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ مَلِكَ مِصْرَ الَّذِي ادَّعى الإلَهِيَّةَ ﴿عَلا﴾ أيْ: بِادِّعائِهِ الإلَهِيَّةَ وتَجَبُّرِهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ وقَهْرِهِ لَهم ﴿فِي الأرْضِ﴾ [أيْ: لِأنّا جَمَعْنا عَلَيْهِ الجُنُودَ فَكانُوا مَعَهُ إلْبًا واحِدًا فَأنْفَذْنا بِذَلِكَ كَلِمَتَهُ]، (p-٢٣٩)وهِيَ [و] إنْ كانَ المُرادُ بِها أرْضَ مِصْرَ فَفي إطْلاقِها ما يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِها وأنَّها كَجَمِيعِ الأرْضِ في اشْتِمالِها عَلى ما قَلَّ أنْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِ غَيْرُها.
[ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العاطِفُ: فَكَفَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ] ﴿وجَعَلَ﴾ [بِما جَعَلْنا لَهُ مِن نُفُوذِ الكَلِمَةِ] ﴿أهْلَها﴾ أيْ: الأرْضَ المُرادَةَ ﴿شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا يُتْبِعُ كُلَّ فِرْقَةٍ شَيْئًا وتَنْصُرُهُ، والكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ وطَوْعَ أمْرِهِ، قَدْ صارُوا مَعَهُ كالشِّياعِ، وهو دَقُّ الحَطَبِ، فَرَّقَ بَيْنَهم لِئَلّا يَتَمالَؤُوا عَلَيْهِ، فَلا يَصِلُ إلى ما يُرِيدُهُ مِنهم، [فافْتَرَقَتْ كَلِمَتُهم فَلَمْ يَحْمِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فَتَخاذَلُوا فَسَفَلَ أمْرُهم، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ العُلُوَّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى السُّفُولِ ثانِيًا، والِافْتِراقَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الِاجْتِماعِ أوَّلًا]، جَعَلَهم كَذَلِكَ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ أيْ: يَطْلُبُ ويُوجِدُ أنْ يَضْعُفَ، أوْ هو اسْتِئْنافٌ ﴿طائِفَةً مِنهُمْ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانَتْ حَياةُ جَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ عَلى يَدَيْ واحِدٍ مِنهم، وهو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفَعَلَ مَعَهم مِنَ الخَيْرِ ما لَمْ يَفْعَلْهُ والِدٌ مَعَ ولَدِهِ، ومَعَ ذَلِكَ كافَؤُوهُ في أوْلادِهِ وإخْوَتِهِ بِأنِ اسْتَعْبَدُوهم، ثُمَّ ما كَفاهم ذَلِكَ حَتّى سامُوهم عَلى يَدَيْ هَذا العَنِيدِ سُوءَ العَذابِ فَيا بِأبِي الغُرَباءِ بَيْنَهم قَدِيمًا وحَدِيثًا، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الِاسْتِضْعافَ بِقَوْلِهِ: (p-٢٤٠)﴿يُذَبِّحُ﴾ أيْ: تَذْبِيحًا كَثِيرًا ﴿أبْناءَهُمْ﴾ أيْ: عِنْدَ الوِلادَةِ، وكَّلَ بِذَلِكَ أُناسًا يَنْظُرُونَ كُلَّما ولَدَتِ امْرَأةٌ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ خَوْفًا عَلى مُلْكِهِ زَعْمٌ مِن مَوْلُودٍ مِنهم ﴿ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ حَياةَ الإناثِ فَلا يَذْبَحُهُنَّ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُتَناهِيًا في الشَّناعَةِ، لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ مِن جِهَةِ شَرْعٍ ما، ولا لَهُ فائِدَةٌ أصْلًا، لِأنَّ القَدَرَ - عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ مَن أخْبَرَهُ - لا يَرُدُّهُ الحَذَرُ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِقُبْحِهِ، شارِحًا لِما أفْهَمَهُ ذَلِكَ مِن حالِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا راسِخًا ﴿مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ لَهم عَراقَةٌ في هَذا الوَصْفِ، فَلا يَدَعُ أنْ يَقَعَ مِنهُ هَذا الجُزْئِيُّ المُنْدَرِجُ تَحْتَ ما هو قائِمٌ بِهِ مِنَ الأمْرِ الكُلِّيِّ.
القصص 28:5
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ لِمَن يَسْألُ عَنْ سَبَبِ فِعْلِهِ هَذا العَجِيبِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ زَعْمَ دَوامِ مُلْكِهِ بِأنْ لا يَسْلُبَهُ إيّاهُ واحِدٌ مِنهم أخْبَرَهُ بَعْضُ عُلَمائِهِ أنَّهُ يَغْلِبُهُ عَلَيْهِ ويَسْتَنْقِذُ شَعْبَهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ يَحْكِي تِلْكَ الحالَ الماضِيَةَ: ﴿ونُرِيدُ﴾ أوْ هي حالِيَّةٌ، أيْ: يَسْتَضْعِفُهم والحالُ أنّا نُرِيدُ في المُسْتَقْبَلِ أنْ نُقَوِّيَهم. أيْ: يُرِيدُ دَوامَ اسْتِضْعافِهِمْ حالَ إرادَتِنا ضِدَّهُ مِن أنّا نَقْطَعُ ذَلِكَ بِإرادَةِ ﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نُعْطِي بِقُدْرَتِنا وعِلْمِنا ما يَكُونُ جَدِيرًا بِأنْ نَمْتَنَّ بِهِ (p-٢٤١)﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أيْ: حَصَلَ اسْتِضْعافُهم وهانَ هَذا الفِعْلُ الشَّنِيعُ ولَمْ يُراقِبْ فِيهِمْ مَوْلاهم ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ [فَذَلُّوا وأُهِينُوا، ونُرِيهِمْ في أنْفُسِهِمْ وأعْدائِهِمْ وفْقَ ما يُحِبُّونَ وفَوْقَ ما يَأْمُلُونَ] ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: مُقَدَّمِينَ في الدِّينِ والدُّنْيا، عُلَماءَ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ عَكْسَ ما يَأْتِي مِن عاقِبَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وذَلِكَ مَعَ تَصْيِيرِنا لَهم أيْضًا بِحَيْثُ يَصْلُحُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِأنْ يَقْصِدَ لِلْمَلِكِ بَعْدَ كَوْنِهِمْ مُسْتَعْبَدِينَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْهُ ﴿ونَجْعَلَهُمْ﴾ بِقُوَّتِنا وعَظَمَتِنا ﴿الوارِثِينَ﴾ أيْ: لِمُلْكِ مِصْرَ لا يُنازِعُهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ القِبْطِ، ولِكُلِّ بَلَدٍ أمَرْناهم بِقَصْدِها، وهَذا إيذانٌ بِإهْلاكِ الجَمِيعِ.
القصص 28:6
ولَمّا بَشَّرَ بِتَمْلِيكِهِمْ في سِياقٍ دالٍّ عَلى مُكْنَتِهِمْ، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ أيْ: نُوقِعَ التَّمْكِينَ ﴿لَهم في الأرْضِ﴾ أيْ: كُلِّها لا سِيَّما أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ وتَأْيِيدِهِمْ بِكَلِيمِ اللَّهِ، ثُمَّ بِالأنْبِياءِ مِن بَعْدِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ نُسَلِّطُهم بِسَبَبِهِمْ عَلى مَن سِواهم بِما نُؤَيِّدُهم بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ ونُظْهِرُ لَهم مِنَ الخَوارِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ التَّمْكِينَ، ذَكَرَ أنَّهُ مَعَ مُغالَبَةِ الجَبابِرَةِ إعْلامًا بِأنَّهُ أضْخَمُ تَمْكِينٍ فَقالَ [عاطِفًا عَلى نَحْوِ: ونُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ الَّذِينَ عَلَوْا في الأرْضِ وهم فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما]: ﴿ونُرِيَ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: الَّذِي كانَ [هَذا] الِاسْتِضْعافُ مِنهُ ﴿وهامانَ﴾ (p-٢٤٢)وزِيرُهُ ﴿وجُنُودَهُما﴾ الَّذِينَ كانا يَتَوَصَّلانِ بِهِمْ إلى ما يُرِيدانِهِ مِنَ الفَسادِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: المُسْتَضْعَفِينَ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِجِدٍّ عَظِيمٍ مِنهم كَأنَّهُ غَرِيزَةٌ ﴿يَحْذَرُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ حَذَرَهُ في كُلِّ حِينٍ عَلى الِاسْتِمْرارِ بِغايَةِ الجِدِّ والنَّشاطِ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ بِمَوْلُودٍ مِنهم وما يَتْبَعُ ذَلِكَ، قالَ البَغَوِيُّ: والحَذَرُ: التَّوَقِّي مِنَ الضَّرَرِ. [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاسْتِضْعافَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى القُوَّةِ ثانِيًا، وإرادَةَ المَحْذُورِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى إرادَةِ المَحْبُوبِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ المُسْلى والمُرْجى تَرْغِيبًا في الصَّبْرِ وانْتِظامِ الفَرَجِ ].
القصص 28:7
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ ما أرَدْناهُ، وطاحَ ما أرادَ غَيْرُنا، فَأوْلَدْنا مِن بَنِي إسْرائِيلَ الوَلَدَ الَّذِي كانَ يَحْذَرُهُ فِرْعَوْنُ عَلى مُلْكِهِ، وكانَ يُذَبِّحُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِهِ، وقَضَيْنا بِأنْ يُسَمّى مُوسى، بِسَبَبِ أنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ، ونُرَبِّيهِ في بَيْتِ الَّذِي يَحْذَرُهُ ويَحْتاطُ لِأجْلِهِ، عَطَفَ عَلى هَذا المَعْلُومِ التَّقْدِيرِ أوَّلَ نِعْمَةٍ مَنَّ بِها عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَقالَ: ﴿وأوْحَيْنا﴾ أيْ: أوْصَلْنا بِعَظَمَتِنا بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ هَلْ هو مَلَكٌ أوْ غَيْرُهُ، إذْ لا بِدَعَ في تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ الوَلِيَّ مِن غَيْرِ نُبُوَّةٍ ﴿إلى أُمِّ مُوسى﴾ أيْ: الَّذِي أمْضَيْنا في قَضائِنا أنَّهُ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وأنْ يَكُونَ هَلاكُ فِرْعَوْنَ (p-٢٤٣)وزَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ، بَعْدَ أنْ ولَدَتْهُ وخافَتْ أنْ يَذْبَحَهُ الذَّبّاحُونَ ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ ما كُنْتِ آمِنَةً عَلَيْهِ، وحَقَّقَ لَها طَلَبَهم لِذَبْحِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِنهم أنْ يَصِيحَ فَيُسْمَعَ فَيُذْبَحَ ﴿فَألْقِيهِ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ تَضَعِيهِ في شَيْءٍ يَحْفَظُهُ مِنَ الماءِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ [أيْ: النِّيلِ، واتْرُكِي رَضاعَهُ]، وعَرَّفَهُ وسَمّاهُ يَمًّا - واليَمُّ: البَحْرُ - لِعَظَمَتِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأنْهارِ بِكِبَرِهِ وكَوْنِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، وعَدَلَ عَنْ لَفْظِ البَحْرِ إلى اليَمِّ لِأنَّ القَصْدَ فِيهِ أظْهَرُ مِنَ السَّعَةِ؛ قالالرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا إشارَةٌ إلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ، والثِّقَةُ سَوادُ عَيْنِ التَّوَكُّلِ، ونُقْطَةُ دائِرَةِ التَّفْوِيضِ، وسُوَيْداءُ قَلْبِ التَّسْلِيمِ، ولَها دَرَجاتٌ: الأُولى دَرَجَةُ الإياسِ، وهو إياسُ العَبْدِ مِن مُقاواةِ الأحْكامِ، لِيَقْعُدَ عَنْ مُنازَعَةِ الأقْسامِ، فَيَتَخَلَّصُ مِن صِحَّةِ الإقْدامِ؛ والثّانِيَةُ دَرَجَةُ الأمْنِ، وهو أمْنُ العَبْدِ مِن فَوْتِ المَقْدُورِ، وانْتِقاصِ المَسْطُورِ، فَيَظْفَرُ بِرُوحِ الرِّضى وإلّا فَبِعَيْنِ اليَقِينِ، وإلّا فَبِطَلَبِ الصَّبْرِ؛ والثّالِثَةُ مُعايَنَةُ أوَّلِيَّةِ الحَقِّ [جَلَّ جَلالُهُ، ] لِيَتَخَلَّصَ مِن مِحَنِ المَقْصُودِ، وتَكالِيفِ الحِماياتِ، والتَّعْرِيجِ عَلى مَدارِجِ الوَسائِلِ.
﴿ولا تَخافِي﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَكِ خَوْفٌ أصْلًا مِن أنْ يَغْرَقَ [أوْ يَمُوتَ مِن تَرْكِ الرَّضاعِ وإنْ طالَ المَدى] أوْ يُوصَلَ إلى أذاهُ ﴿ولا تَحْزَنِي﴾ أيْ: ولا يُوجَدْ لَكِ حُزْنٌ لِوُقُوعِ فِراقِهِ. (p-٢٤٤)ولَمّا كانَ الخَوْفُ عَمّا يَلْحَقُ المُتَوَقَّعَ، والحُزْنُ عَمّا يَلْحَقُ الواقِعَ، عَلَّلَ نَهْيَهُ عَنِ الأمْرَيْنِ، بِقَوْلِهِ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ، مُؤَكِّدَةً لِاسْتِبْعادِ مَضْمُونِها: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ فَأزالَ مُقْتَضى الخَوْفِ والحُزْنِ؛ ثُمَّ زادَها بُشْرى لا تَقُومُ لَها بُشْرى بِقَوْلِهِ: ﴿وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم خُلاصَةُ المَخْلُوقِينَ، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ الإرْضاعَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى تَرْكِهِ ثانِيًا، والخَوْفَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الأمْنِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ المَحْبُوبَ لَها تَقْوِيَةً لِقَلْبِها وتَسْكِينًا لِرُعْبِها].
القصص 28:8
ولَمّا كانَ الوَحْيُ إلَيْها بِهَذا سَبَبًا لِإلْقائِهِ في البَحْرِ. وإلْقاؤُهُ سَبَبًا لِالتِقاطِهِ، قالَ: ﴿فالتَقَطَهُ﴾ أيْ: فَأرْضَعَتْهُ فَلَمّا خافَتْ عَلَيْهِ صَنَعَتْ لَهُ صُنْدُوقًا وقَيَّرَتْهُ لِئَلّا يَدْخُلَ إلَيْهِ الماءُ وأحْكَمَتْهُ وأوْدَعَتْهُ فِيهِ وألْقَتْهُ في بَحْرِ النِّيلِ، وكَأنَّ بَيْتَها كانَ فَوْقَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَساقَهُ الماءُ إلى قُرْبِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَتَعَوَّقَ بِشَجَرٍ هُناكَ، فَتَكَلَّفَ جَماعَةُ فِرْعَوْنَ التِقاطَهُ، قالَ البَغَوِيُّ: والِالتِقاطُ وُجُودُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ.
﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ بِأنْ أخَذُوا الصُّنْدُوقَ، فَلَمّا فَتَحُوهُ وجَدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبُّوهُ لِما ألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن مَحَبَّتِهِ فاتَّخَذُوهُ ولَدًا وسَمَّوْهُ مُوسى، لِأنَّهم وجَدُوهُ (p-٢٤٥)فِي ماءٍ وشَجَرٍ، ومُو بِلِسانِهِمْ-: الماءُ، وسا: الشَّجَرُ.
ولَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِ إهْلاكَهم، وكانَ العاقِلُ لا سِيَّما المُتَحَذْلِقُ، لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَعْلَمَ عاقِبَتَهُ فَكَيْفَ إذا كانَ يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ، عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِلامِ العاقِبَةِ الَّتِي مَعْناها التَّعْلِيلُ، تَهَكُّمًا بِفِرْعَوْنَ - كَما مَضى بَيانُ مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ - في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ أيْ: بِطُولِ خَوْفِهِمْ مِنهُ بِمُخالَفَتِهِ لَهم في دِينِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلى الحَقِّ ﴿وحَزَنًا﴾ أيْ: بِزَوالِ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ يُظْهِرُ فِيهِمُ الآياتِ الَّتِي يُهْلِكُ اللَّهُ بِها مَن يَشاءُ مِنهم، ثُمَّ يُهْلِكُ جَمِيعَ أبْكارِهِمْ فَيُخَلِّصُ [جَمِيعُ] بَنِي إسْرائِيلَ مِنهم، ثُمَّ يَظْفَرُ بِهِمْ كُلِّهِمْ. فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ عَلى يَدِهِ إهْلاكَ نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَيَعُمُّ الحُزْنُ والنُّواحُ أهْلَ ذَلِكَ الإقْلِيمِ كُلِّهِ، فَهَذِهِ اللّامُ لِلْعِلَّةِ اسْتُعِيرَتْ لِما أنْتَجَتْهُ العِلَّةُ الَّتِي قَصَدُوها - وهي التَّبَنِّي وقُرَّةُ العَيْنِ - مِنَ الهَلاكِ، كَما اسْتُعِيرَ الأسَدُ لِلشُّجاعِ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: زَيْدٌ أسَدٌ. لِأنَّ فِعْلَهُ كانَ فْعْلَهُ، والمَعْنى عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ أنَّهم ما أخَذُوهُ إلّا لِهَذا الغَرَضِ، لِأنّا نُحاشِيهِمْ مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَعْلَمُونَ آخِرَ أمْرِهِ.
ولَمّا كانَ لا يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ إلّا أحْمَقُ مُهْتُورٌ أوْ مُغَفَّلٌ مَخْذُولٌ لا يَكادُ يُصِيبُ عَلى ذَلِكَ بِالأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ (p-٢٤٦)أيْ: كُلَّهم عَلى طَبْعٍ واحِدٍ ﴿كانُوا خاطِئِينَ﴾ أيْ: دَأْبُهم تَعَمُّدُ الذُّنُوبِ، والضَّلالُ عَنِ المَقاصِدِ، فَلا بِدَعَ في خَطائِهِمْ في أنْ يُرَبُّوا مَن لا يَذْبَحُونَ الأبْناءَ إلّا مِن أجْلِهِ، مَعَ القَرائِنِ الظّاهِرَةِ في أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَذْبَحُونَ أبْناءَهُمْ؛ قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: أخْطَأ وخَطَأ - لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ- وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: خَطَأ في دِينِهِ وأخْطَأ إذا سَلَكَ سَبِيلَ خَطَأٍ عامِدًا أوْ غَيْرَ عامِدٍ.
وقالَ الأُمَوِيُّ، المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، والخاطِئُ: مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي، وقالَ ابْنُ ظَرِيفٍ في الأفْعالِ: خَطِئَ الشَّيْءَ خَطَّأً وأخْطَأهُ: لَمْ يُصِبْهُ.
القصص 28:9
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ آخِرِ أمْرِهِمْ مَعَهُ، تَخْفِيفًا عَلى السّامِعِ بِجَمْعِ طَرَفَيِ القِصَّةِ إجْمالًا وتَشْوِيقًا إلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ الإجْمالِ، وتَعْجِيلًا بِالتَّعْرِيفِ بِخَطائِهِمْ لِيَكُونَ جَهْلُهُمُ الَّذِي هو أصْلُ شَقائِهِمْ مُكْتَنِفًا لِأوَّلِ الكَلامِ وآخِرِهِ، أخْبَرَ عَمّا قِيلَ عِنْدَ التِقاطِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿فالتَقَطَهُ﴾ [القصص: ٨] ﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ لَمّا أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ، وهي الَّتِي قَضى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لَها سَعادَةً، وهي آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ إحْدى نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ نَقَلَهُ البَغَوِيُّ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ أيْ: بِهِ ﴿ولَكَ﴾ أيْ: يا فِرْعَوْنُ.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ أنَّهُ مِمَّنْ تَقَرُّ بِهِ العُيُونُ، أنْتَجَ ذَلِكَ اسْتِبْقاءَهُ، ولِذَلِكَ (p-٢٤٧)نَهَتْ عَنْ قَتْلِهِ وخافَتْ أنْ تَقُولَ: لا تَقْتُلْهُ، فَيُجِيبُها حامِلًا لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ، ويَكُونُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنِ الوُقُوعِ في إخْلافِ الوَعْدِ، فَجَمَعَتْ قائِلَةً: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ أيْ: أنْتَ بِنَفْسِكَ ولا أحَدٌ مِمَّنْ تَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّلَتْ ذَلِكَ أوِ اسْتَأْنَفَتْ فَقالَتْ: ﴿عَسى﴾ أيْ: يُمْكِنُ، وهو جَدِيرٌ وخَلِيقٌ ﴿أنْ يَنْفَعَنا﴾ أيْ: لِما أتَخَيَّلُ فِيهِ النَّجابَةَ ولَوْ كانَ لَهُ أبَوانِ مَعْرُوفانِ ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أبَوانِ، فَيَكُونُ نَفْعُهُ أكْثَرَ، فَإنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَتَشَرَّفَ بِهِ المُلُوكُ.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ فِعْلَ مَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَصِحُّ كَوْنُهُ إلَهًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ تَسْفِيهًا لِمَن أطاعَهُ في ادِّعاءِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: تَراجَعُوا هَذا القَوْلَ والحالُ أنَّهم ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا شُعُورَ لَهم أصْلًا، لِأنَّ مَن لا يَكُونُ لَهُ عِلْمٌ إلّا بِالِاكْتِسابِ فَهو كَذَلِكَ، فَكَيْفَ إذا كانَ لا يُهَذِّبُ نَفْسَهُ بِاكْتِسابِهِ، فَكَيْفَ إذا كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ وإذا كانُوا كَذَلِكَ فَلا شُعُورَ لَهم بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مَعَهُ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى هَلاكِ المُفْسِدِينَ لِيَعْمَلُوا لِذَلِكَ أعْمالَهُ مِنَ الِاحْتِرازِ مِنهُ بِما يُنْجِيهِمْ.
القصص 28:10
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِ مَن لَقِيَهُ، أخْبَرَ عَنْ حالِ مَن فارَقَهُ، فَقالَ: ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ: عَقِبَ اللَّيْلَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيها فِراقُهُ ﴿فُؤادُ أُمِّ مُوسى﴾ أيْ: قَلْبُها الَّذِي زادَ احْتِراقَهُ شَوْقًا وخَوْفًا وحُزْنًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها ألْقَتْهُ لَيْلًا ﴿فارِغًا﴾ أيْ: في غايَةِ الذُّعْرِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن أخْلاقِ البَشَرِ، (p-٢٤٨)قَدْ ذَهَبَ مِنهُ كُلُّ ما فِيهِ مِنَ المَعانِي المَقْصُودَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَرْبُطَ عَلَيْها الجَأْشَ؛ ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا قَوْلَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ: إنَّهُ ﴿كادَتْ﴾ أيْ: قارَبَتْ ﴿لَتُبْدِي﴾ أيْ: يَقَعُ مِنها الإظْهارُ لِكُلِّ ما كانَ مِن أمْرِهِ، مُصَرِّحَةً ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّهُ ولَدُها ونَحْوُ ذَلِكَ بِسَبَبِ فَراغِ فُؤادِها مِنَ الأُمُورِ المُسْتَكِنَّةِ، وتَوَزُّعِ فِكْرِها في كُلِّ وادٍ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿عَلى قَلْبِها﴾ بَعْدَ أنْ رَدَدْنا إلَيْهِ المَعانِيَ الصّالِحَةَ الَّتِي أوْدَعْناها فِيهِ، فَلَمْ تُعْلِنْ بِهِ لِأجْلِ رَبْطِنا عَلَيْهِ حَتّى صارَ كالجِرابِ الَّذِي رُبِطَ فَمُهُ حَتّى لا يَخْرُجَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الرَّبْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالغَرِيزَةِ لَها ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: المُصَدِّقِينَ بِما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن نَجاتِهِ ورِسالَتِهِ، الواثِقِينَ بِذَلِكَ.
القصص 28:11
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ كَتْمِها، أتْبَعَهُ الخَبَرَ عَنْ فِعْلِها في تَعَرُّفِ خَبَرِهِ الَّذِي أطارَ خَفاؤُهُ [عَلَيْها] عَقْلَها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وأصْبَحَ﴾ [القصص: ١٠] ﴿وقالَتْ﴾ أيْ: أمُّهُ ﴿لأُخْتِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ أصْبَحَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، قَدْ خَفِيَ عَلَيْها أمْرُهُ: ﴿قُصِّيهِ﴾ أيْ: اتْبَعِي أثَرَهُ وتَشَمَّمِي خَبَرَهُ بَرًّا وبَحْرًا، (p-٢٤٩)فَفَعَلَتْ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ: بُعْدٍ مِن غَيْرِ مُواجَهَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم شُعُورٌ لا بِنَظَرِها ولا بِأنَّها أُخْتُهُ، بَلْ هم في صِفَةِ الغَفْلَةِ الَّتِي هي في غايَةِ البُعْدِ عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ.
القصص 28:12
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أحَدَ الأسْبابِ في [رَدِّهِ، ] ذَكَرَ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ سَبَبًا آخَرَ قَرِيبًا مِنهُ فَقالَ: ﴿وحَرَّمْنا﴾ أيْ: مَنَعْنا بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَتَخَلَّفُ أمْرُها، ويَتَضاءَلُ كُلُّ شَيْءٍ دُونَها ﴿عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ جَمْعُ مُرْضِعَةٍ، وهي مَن تُكْتَرى لِلرَّضاعِ مِنَ الأجانِبِ، أيْ: حَكَمْنا بِمَنعِهِ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنهُنَّ، اسْتَعارَ التَّحْرِيمَ لِلْمَنعِ لِأنَّهُ مَنعٌ فِيهِ رَحْمَةٌ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ شَرْعٍ.
ولَمّا كانَ قَدِ ارْتَضَعَ مِن أُمِّهِ مِن حِينِ ولَدَتْهُ إلى حِينِ إلْقائِهِ في اليَمِّ، فَلَمْ يَسْتَغْرِقِ التَّحْرِيمُ الزَّمانَ الماضِيَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْمُرَ أُمُّهُ أُخْتَهُ بِما أمَرَتْها بِهِ وبَعْدَ إلْقائِها لَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَدِّهِ إلَيْها، فَلَمْ يَرْضَعْ مِن غَيْرِها فَأشْفَقُوا عَلَيْهِ فَأتَتْهم أُخْتُهُ فَقالُوا لَها: هَلْ عِنْدَكِ مُرْضِعَةٍ تَدُلِّينا عَلَيْها لَعَلَّهُ يَقْبَلُ ثَدْيَها؟ ﴿فَقالَتْ﴾ أيْ: فَدَنَتْ أُخْتُهُ مِنهُ بَعْدَ نَظَرِها لَهُ فَقالَتْ لَهم لَمّا رَأتْهم في غايَةِ الِاهْتِمامِ بِرِضاعِهِ لَمّا عَرَضُوا عَلَيْهِ المَراضِعَ فَأبى أنْ يَرْتَضِعَ مِن واحِدَةٍ مِنهُنَّ: ﴿هَلْ﴾ لَكم حاجَةٍ في أنِّي ﴿أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ﴾ ولَمْ تَقُلْ: (p-٢٥٠)عَلى امْرَأةٍ، لِتُوَسِّعَ دائِرَةَ الظَّنِّ ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَأْخُذُونَهُ ويَعُولُونَهُ ويَقُومُونَ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِ مِنَ الرَّضاعِ وغَيْرِهِ لِأجْلِكم، وزادَتْهم رَغْبَةً بِقَوْلِها: ﴿وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ نُصْحُهم لَهُ، لا يَغُشُّونَهُ نَوْعًا مِنَ الغِشِّ؛ قالَ البَغَوِيُّ: والنُّصْحُ ضِدُّ الغِشِّ، وهو تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِن شَوائِبِ الفَسادِ فَكادَتْ بِهَذا الكَلامِ تُصَرِّحُ بِأنَّ المَدْلُولَ عَلَيْها أُمُّهُ، فارْتابُوا مِن كَلامِها فاعْتَذَرَتْ بِأنَّهم يَعْمَلُونَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إلى [المَلِكِ] وتَحَبُّبًا إلَيْهِ تَعَزُّزًا بِهِ، فَظَنُّوا ذَلِكَ، وهَذا وأمْثالُهُ بَيانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا هو سُبْحانَهُ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إلَهًا.
القصص 28:13
فَلَمّا سَكَنُوا إلَيْها طَلَبُوا أنْ تَدُلَّهم، فَأتَتْ بِأُمِّها [فَأحْلَلْنا لَهُ رَضاعَها] فَأخَذَ ثَدْيَها فَقالُوا: أقِيمِي عِنْدَنا، فَقالَتْ: لا أقْدِرُ عَلى فِراقِ بَيْتِي. إنْ رَضِيتُمْ أنْ أكْفُلَهُ في بَيْتِي وإلّا فَلا حاجَةَ لِي، وأظْهَرَتِ التَّزَهُّدَ فِيهِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ، فَرَضُوا بِذَلِكَ فَرَجَعَتْ بِهِ إلى بَيْتِها، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ التَّحْرِيمَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الإحْلالِ ثانِيًا، واسْتِفْهامَ أُخْتِهِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى اسْتِفْهامِهِمْ لَها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ ذِكْرَ الأغْرَبِ مِن أمْرِهِ الأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، ] (p-٢٥١)ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلَهُ: ﴿فَرَدَدْناهُ﴾ أيْ: مَعَ هَذا الظّاهِرِ في الكَشْفِ لِسِرِّهِ المُوجِبِ لِلرِّيبَةِ في أمْرِهِ، ومَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي يَكادُ يَقْطَعُ بِها بِأنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِنها إلْقاؤُهُ في البَحْرِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ومِنها [أنَّ] المَدْلُولَ عَلَيْها لِإرْضاعِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ومِنها أنَّهُ قَبِلَ ثَدْيَها دُونَ غَيْرِها مِنَ القِبْطِ وغَيْرِهِمْ، بِأيْدِينا الَّذِي لا يُقاوِيهِ أيْدٍ، ولا يُدانِي ساحَتَهُ شَيْءٌ مِن مَكْرٍ ولا كَيْدٍ، مِن يَدِ العَدُوِّ الَّذِي ما ذَبَحَ طِفْلًا إلّا رَجاءَ الوُقُوعِ عَلَيْهِ، والخَلاصِ مِمّا جُعِلَ في سابِقِ العِلْمِ إلَيْهِ ﴿إلى أُمِّهِ﴾ وكانَ مِن أمْرِ اللَّهِ - واللَّهُ هو غالِبٌ عَلى أمْرِهِ - أنَّهُ اسْتَخْدَمَ لِمُوسى - كَما قالَ الرّازِي - عَدُوَّهُ في كَفالَتِهِ وهو يَقْتُلُ العالَمَ لِأجْلِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أيْ: تَبْرُدَ وتَسْتَقِرَّ عَنِ الطَّرْفِ في تَطَلُّبِهِ إلى كُلِّ جِهَةٍ وتَنامَ بِإرْضاعِهِ وكَفالَتِهِ في بَيْتِها، آمِنَةً لا تَخافُ، وقُرَّةُ العَيْنِ بِرَدِّها ونَوْمِها خِلافُ سُخْنَتِها وسَهَرِها بِإدامَةِ تَقْلِيبِها، قَرَّتْ عَيْنُهُ تَقِرُّ - بِالكَسْرِ والفَتْحِ - قُرَّةً، وتُضَمُّ، وقُرُورًا: بَرُدَتْ سُرُورًا وانْقَطَعَ بُكاؤُها، أوْ رَأتْ ما كانَتْ مُتَشَوِّقَةً إلَيْهِ، وأقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وبِعَيْنِهِ، وعَيْنٌ قَرِيرَةٌ وقارَّةٌ، (p-٢٥٢)وقَّرَتْها ما قَرَّتْ بِهِ، وقَرَّ بِالمَكانِ يَقَرُّ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ - قَرارًا وقُرُورًا وقَرًّا وتَقِرَّةً: ثَبَتَ واسْتَكَنَّ، وأصْلُ قُرَّةِ العَيْنِ مِنَ القُرِّ وهو البَرْدُ، أيْ: بَرُدَتْ فَصَحَّتْ ونامَتْ خِلافَ سُخْنَةِ عَيْنِهِ، وقِيلَ: مِنَ القَرارِ، أيْ: اسْتَقَرَّتْ عَيْنِي، وقالُوا: دَمْعَةُ الفَرَحِ بارِدَةٌ، ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ، فَمَعْنى أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ مِنَ الفَرَحِ وأسَخَنَها مِنَ الحُزْنِ، وهَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ أبُو عَبّاسٍ: لَيْسَ كَما ذَكَرَ الأصْمَعِيُّ بَلْ كُلُّ دَمْعٍ حارٌّ، فَمَعْنى أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ: صادَفَتْ سُرُورًا فَنامَتْ وذَهَبَ سَهَرُها، وصادَفَتْ ما يُرْضِيكَ، أيْ: بَلَّغَكَ اللَّهُ أقْصى أمَلِكَ حَتّى تَقَرَّ عَيْنُكَ مِنَ النَّظَرِ إلى غَيْرِهِ اسْتِغْناءً ورِضًا بِما في يَدَيْكَ، قالُوا: ومَعْنى قَوْلِهِمْ: هو قُرَّةُ عَيْنِي: هو رِضى نَفْسِي، فَهي تَقَرُّ وتَسْكُنُ بِقُرْبِهِ فَلا تَسْتَشْرِفُ إلى غَيْرِهِ ﴿ولا﴾ أيْ: وكَيْلا ﴿تَحْزَنَ﴾ أيْ: بِفِراقِهِ ﴿ولِتَعْلَمَ﴾ أيْ: عِلْمًا هو عَيْنُ اليَقِينِ، كَما كانَتْ عالِمَةً بِهِ عِلْمَ اليَقِينِ، وعِلْمَ شَهادَةٍ كَما كانَتْ عالِمَةً عِلْمَ الغَيْبِ ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الأمْرَ الَّذِي وعَدَها بِهِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ في حِفْظِهِ وإرْسالِهِ ﴿حَقٌّ﴾ أيْ: هو في غايَةِ الثَّباتِ في مُطابَقَةِ الواقِعِ إيّاهُ.
ولَمّا كانَ العِلْمُ هو النُّورُ الَّذِي (p-٢٥٣)مِن فَقْدِهِ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ عَمَلٌ، ولَمْ يَنْتَظِمْ لَهُ قَصْدٌ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَلِمَتْ ذَلِكَ بِرَدِّهِ عَيْنَ اليَقِينِ بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرَ آلِ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم أصْلًا، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ ما يَدَّعُونَ مِنَ الإلَهِيَّةِ والكِبْرِياءِ عَلى مَن يَكُونُ اللَّهُ مَعَهُ.
القصص 28:14
ولَمّا اسْتَقَرَّ الحالُ، عَلى هَذا المِنوالِ، عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَهُ إلّا الخَيْرُ والإقْبالُ، والعِزُّ بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ لَهُ والجَلالُ، فَتَرَكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ السِّنِّ الصّالِحِ لِلْإرْسالِ، [و] قالَ مُخْبِرًا عَمّا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ: مَجامِعَ قُواهُ وكَمالاتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ أيْ: اعْتَدَلَ في السِّنِّ وتَمَّ اسْتِحْكامُهُ بِانْتِهاءِ الشَّبابِ، وهو مِنَ العُمْرِ ما بَيْنَ إحْدى وعِشْرِينَ سَنَةً إلى اثْنَتَيْنِ وأرْبَعِينَ، فَتَمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ في الخِلالِ الصّالِحَةِ الَّتِي طَبَعْناهُ عَلَيْها؛ وقالَ الرّازِي: قالَ الجُنَيْدُ: لَمّا تَكامَلَ عَقْلُهُ، وصَحَّتْ بَصِيرَتُهُ، وصَلَحَتْ نَحِيرَتُهُ، وآنَ أوانُ خِطابِهِ انْتَهى.
أيْ: وصارَ إلى الحَدِّ الَّذِي لا يُزادُ الإنْسانُ بَعْدَهُ غَرِيزَةً مِنَ الغَرائِزِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ أيّامَ الشَّبابِ، بَلْ لا يَبْقى بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الوُقُوفُ ثُمَّ النُّقْصانُ ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ: خَرْقًا لِلْعادَةِ أُسْوَةَ إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ابْتِداءَ غَرائِزَ مَنَحْناهُ إيّاها مِن غَيْرِ اكْتِسابٍ أصْلًا ﴿حُكْمًا﴾ أيْ: عَمَلًا مُحْكَمًا بِالعِلْمِ ﴿وعِلْمًا﴾ أيْ: (p-٢٥٤)مُؤَيَّدًا بِالحِكْمَةِ، تَهْيِئَةً لِنُبُوَّتِهِ، وإرْهاصًا لِرِسالَتِهِ، جَزَيْناهُ بِذَلِكَ عَلى ما طَبَعْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ، فَضْلًا مِنّا ومِنَّةً، واخْتارَ [اللَّهُ] سُبْحانَهُ هَذا السِّنَّ لِلْإرْسالِ لِيَكُونَ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مِن جُمْلَةِ الخَوارِقِ، لِأنَّهُ يَكُونُ بِهِ ابْتِداءُ الِانْتِكاسِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾ [يس: ٦٨] - أيْ: إلى اكْتِمالِ سِنِّ الشَّبابِ - ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] أيْ: نُوقِفْهُ، فَلا يُزادُ [بَعْدَ ذَلِكَ] في قُواهُ الظّاهِرَةِ ولا الباطِنَةِ شَيْءٌ، ولا تُوجَدُ فِيهِ غَرِيزَةٌ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً أصْلًا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ يَأْخُذُ في النُّقْصانِ - هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ في [جَمِيعِ] بَنِي آدَمَ [إلّا] الأنْبِياءَ، فَإنَّهم في حَدِّ الوُقُوفِ يُؤْتَوْنَ مِن بِحارِ العُلُومِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ بِغَيْرِ اكْتِسابٍ، بَلْ غَرِيزَةٌ يَغْرِزُها اللَّهُ فِيهِمْ حِينَئِذٍ، ويُؤْتَوْنَ مِن قُوَّةِ الأبْدانِ أيْضًا بِمِقْدارِ ذَلِكَ، فَفي وقْتِ انْتِكاسِ غَيْرِهِمْ يَكُونُ نُمُوُّهم، وكَذا مَن ألْحَقَهُ اللَّهُ بِهِمْ مِن صالِحِي أتْباعِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ يَسْ مِن تَمامِ هَذا المَعْنى ما يَفْتَحُ اللَّهُ بِهِ لِمَن تَأمَّلَهُ أبْوابًا مِنَ العِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ [اللَّهُ] تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا بِهِ ذَلِكَ وبِأُمِّهِ جَزاءً لَهُما عَلى إحْسانِهِما في إخْلاصِهِما فِيما يَفْعَلانِهِ اعْتِمادًا عَلى اللَّهِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أدْنى التِفاتٍ إلى ما سِواهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ (p-٢٥٥)﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كُلَّهم.
القصص 28:15
ولَمّا أخْبَرَ بِتَهَيُّئِهِ لِنُبُوَّتِهِ، أخْبَرَ بِما هو سَبَبٌ لِهِجْرَتِهِ، وكَأنَّها سُنَّتْ بَعْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ آتِيًا مِن قَصْرِهِ، لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ الوَلَدِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي مَدِينَةُ مَنفٍ مِن مِصْرَ، وقالَ البَغَوِيُّ: وقِيلَ: عَيْنُ الشَّمْسِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ قِيلَ بَعِيدٍ: وقِيلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿مِن أهْلِها﴾ أيْ: إحْكامًا لِما جَعَلْناهُ سَبَبًا لِنَقْلَتِهِ مِنها طَهارَةً مِن عِشْرَةِ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴿فَوَجَدَ فِيها﴾ أيْ: المَدِينَةِ ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ أيْ: يَفْعَلانِ مُقَدِّماتِ القَتْلِ مِنَ المُلازَمَةِ مَعَ الخَنْقِ والضَّرْبِ، وهُما إسْرائِيلِيٌّ وقِبْطِيٌّ، ولِذا قالَ مُجِيبًا لِمَن كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْهُما وهو يَنْظُرُ إلَيْهِما: ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَوْمِهِ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: القِبْطِ، وكانَ قَدْ حَصَلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِهِ عِزٌّ لِكَوْنِهِ رَبِيبَ المَلِكِ، مَعَ أنَّ مُرْضِعَتَهُ مِنهم، لا يَظُنُّونَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الرَّضاعُ (p-٢٥٦)﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أنْ يُغِيثَهُ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ﴾ أيْ: فَأجابَهُ ﴿مُوسى﴾ فَوَكَزَ أيْ: فَطَعَنَ ودَفَعَ بِيَدِهِ العَدُوَّ أوْ ضَرَبَهُ بِجَمِيعِ كَفِّهِ، وكَأنَّهُ كالَّكْمِ، أوْ دَفَعَهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ، وهو رَجُلٌ أيْدٍ لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ مِثْلَ ما أُعْطِيَ مِنَ القُوى الذّاتِيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ﴿فَقَضى﴾ أيْ: فَأوْقَعَ القَضاءَ الَّذِي هو القَضاءُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو المَوْتُ الَّذِي لا يَنْجُو مِنهُ بَشَرٌ ﴿عَلَيْهِ﴾ فَقَتَلَهُ وفَرَغَ مِنهُ وكُلُّ شَيْءٍ فَرَغْتُ مِنهُ فَقَدْ قَضَيْتَهُ وقَضَيْتَ عَلَيْهِ وخَفِيَ هَذا عَلى النّاسِ لِما هم فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ مِنهم.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ عَظِيمٌ، فَما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِ مَن أُوتِيَ حُكْمًا وعِلْمًا؟ أُجِيبَ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ نَدِمَ عَلَيْهِ في الحالِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذا﴾ أيْ: الفِعْلُ الَّذِي جَرَّكَ إلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: لِأنِّي لَمْ أُومَرْ بِهِ عَلى الخُصُوصِ، ولَمْ يَكُنْ مِن قَصْدِي وإنْ كانَ المَقْتُولُ كافِرًا؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِ الشَّيْطانِ بِما هو عالِمٌ بِهِ، مُؤَكِّدًا لَهُ حَمْلًا لِنَفْسِهِ عَلى شِدَّةِ الِاحْتِراسِ (p-٢٥٧)والحَذَرِ مِنهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ﴾ ومَعَ كَوْنِهِ عَدُوًّا يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنهُ فَهو ﴿مُضِلٌّ﴾ لا يَقُودُ إلى خَيْرٍ أصْلًا، ومَعَ ذَلِكَ فَهو ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: عَداوَتُهُ وإضْلالُهُ في غايَةِ البَيانِ، ما في شَيْءٍ مِنهُما خَفاءٌ.
القصص 28:16
ولَمّا كانَ هَذا الكافِرُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ النَّدَمِ لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَأْتِهِ في قَتْلِهِ إذْنٌ خاصٌّ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِالنَّدَمِ، تَشَوَّفَتْ أنْفُسُ البُصَراءِ إلى الِاسْتِغْفارِ عَنْهُ، عِلْمًا مِنهم بِأنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ وأهْلِ الدَّرَجاتِ العَلِيَّةِ اسْتِعْظامَ الهَفَواتِ، فَأُجِيبُوا بِالإخْبارِ عَنْ مُبادَرَتِهِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ وأسْقَطَ أداةَ النِّداءِ، عَلى عادَةِ أهْلِ الِاصْطِفاءِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ.
ولَمّا كانَ حالُ المُقْدِمِ عَلى شَيْءِ دالَّةً عَلى إرادَتِهِ فاسْتِحْسانُهُ إيّاهُ، أكَّدَ قَوْلَهُ إعْلامًا بِأنَّ باطِنَهُ عَلى غَيْرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ فَقالَ: ﴿إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِالإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيَّ فِيهِ [إذْنٌ] بِالخُصُوصِ وإنْ كانَ مُباحًا.
ولَمّا كانَ المُقَرَّبُ قَدْ يَعُدُّ حَسَنَةَ غَيْرِهِ سَيِّئَتَهُ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فاغْفِرْ﴾ أيْ: امْحُ هَذِهِ الهَفْوَةَ عَيْنَها وأثَرَها ﴿لِي﴾ أيْ: لِأجْلِي لا تُؤاخِذْنِي ﴿فَغَفَرَ﴾ أيْ: أوْقَعَ المَحْوَ لِذَلِكَ كَما سَألَ إكْرامًا ﴿لَهُ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ (p-٢٥٨)بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى أنَّ صِفَةَ غَيْرِهِ عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى صِفَتِهِ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ: البالِغُ في صِفَةِ السِّتْرِ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: العَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِالإحْسانِ بِالتَّوْفِيقِ إلى الأفْعالِ المُرْضِيَةِ لِمَقامِ الإلَهِيَّةِ، ولِأجْلِ أنَّ هَذِهِ صِفَتُهُ، رَدَّهُ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ حِينَ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُؤاخَذَتِهِ بِذَلِكَ بِقَصاصٍ ولا غَيْرِهِ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ مِنهم قَبْلَ الرِّسالَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
القصص 28:17
ولَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالإجابَةِ إلى سُؤْلِهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى شُكْرِهِ عَلَيْها فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِكُلِّ جَمِيلٍ. ولَمّا كانَ جَعْلُ الشَّيْءِ عِوَضًا لِشَيْءٍ أثْبَتَ لَهُ وأجْدَرَ بِإمْضاءِ العَزْمِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ وغَيْرِها. ولَمّا كانَ في سِياقِ التَّعْظِيمِ لِلنِّعْمَةِ، كَرَّرَ حَرْفَ السَّبَبِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ، وتَعْرِيفًا أنَّ المَقْرُونَ بِهِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإنْعامِ، وقَرَنَهُ بِأداةِ النَّفْيِ الدّالَّةِ عَلى التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ أيْ: عَشِيرًا أوْ خَلِيطًا أوْ مُعِينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، أيْ: لا أكُونُ بَيْنَ ظَهَرانَيِ القِبْطِ، فَإنَّ فَسادَهم كَثِيرٌ، وظُلْمَهم لِعِبادِكَ أبْناءِ أوْلِيائِكَ مُتَواصِلٌ وكَبِيرٌ، لا قُدْرَةَ لِي عَلى تَرْكِ نُصْرَتِهِمْ، وذَلِكَ يَجُرُّ إلى أمْثالِ هَذِهِ الفِعْلَةِ، فَلا أصْلُحُ مِنَ المُهاجَرَةِ لَهم، وهَذا (p-٢٥٩)مِن قَوْلِ العَرَبِ: جاءَنا في ظُهْرَتِهِ - بِالضَّمِّ وبِالكَسْرِ وبِالتَّحْرِيكِ- وظاهِرَتُهُ، أيْ: عَشِيرَتُهُ.
القصص 28:18
ولَمّا ذَكَرَ القَتْلَ وأتْبَعَهُ ما هو الأهَمُّ مِن أمْرِهِ بِالنَّظَرِ إلى الآخِرَةِ، ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْهُ مِن أحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿فَأصْبَحَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أيْ: الَّتِي قَتَلَ القَتِيلَ فِيها ﴿خائِفًا﴾ أيْ: بِسَبَبِ قَتْلِهِ لَهُ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: لازِمَ الخَوْفِ كَثِيرَ الِالتِفاتِ بِرُقْبَتِهِ ذُعْرًا مِن طارِقَةٍ تَطْرُقُهُ في ذَلِكَ، قالَ البَغَوِيُّ: والتَّرَقُّبُ: انْتِظارُ المَكْرُوهِ.
﴿فَإذا﴾ أيْ: فَفَجِئَهُ ﴿الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾ أيْ: طَلَبَ نُصْرَتَهُ مِن شِيعَتِهِ ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ: اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَ الِاسْتِصْراخِ مِن قَبْلِهِ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَطْلُبُ ما يُزِيلُ ما يَصْرُخُ بِسَبَبِهِ مِنَ الضُّرِّ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ كانَ يَظْلِمُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُ مُوسى بَعْدَما أوْقَعَهُ فِيما يَكْرَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لَهُ﴾ أيْ: لِهَذا المُسْتَصْرِخِ ﴿مُوسى﴾
ولَمّا كانَ الحالُ مُتَقَضِّيًا أنَّ ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يَمْكُثُ مُدَّةً لا يُخاصِمُ أحَدًا خَوْفًا مِن جَرِيرَةِ ذَلِكَ القَتِيلِ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ أيْ: صاحِبُ ضَلالٍ بالِغٍ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: واضِحُ الضَّلالِ غَيْرُ خَفِيِّهِ، لِكَوْنِ ما وقَعَ بِالأمْسِ لَمْ يَكْفِكَ عَنِ الخُصُومَةِ لِمَن لا تُطِيقُهُ وإنْ كُنْتَ مَظْلُومًا؛ ثُمَّ دَنا مِنهُما لِيَنْصُرَهُ.
القصص 28:19
[ثُمَّ قالَ] مُشِيرًا بِالفاءِ إلى المُبادَرَةِ إلى إصْراخِهِ: ﴿فَلَمّا﴾ (p-٢٦٠)وأثْبَتَ الحَرْفَ الَّذِي أصْلُهُ المَصْدَرُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الإرادَةِ فَقالَ: ﴿أنْ أرادَ﴾ أيْ: شاءَ، وطَلَبَ وقَصَدَ مُصَدِّقًا ذَلِكَ بِالمَشْيِ ﴿أنْ يَبْطِشَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: مِنَ القِبْطِ بِأخْذِهِ بِعُنْفٍ وسَطْوَةٍ لِخَلاصِ الإسْرائِيلِيِّ مِنهُ ﴿قالَ﴾ أيْ: الإسْرائِيلِيُّ الغَوِيُّ لِأجْلِ ما رَأى مِن غَضَبِهِ وكَلَّمَهُ بِهِ مِنَ الكَلامِ الغَصِّ ظانًّا أنَّهُ ما دَنا إلّا يُرِيدُ البَطْشَ بِهِ هو، لِما أوْقَعَهُ فِيهِ لا بِعَدُوِّهِ: ﴿يا مُوسى﴾ ناصًّا عَلَيْهِ بِاسْمِهِ العَلَمِ دَفْعًا لِكُلِّ لَبْسٍ مُنْكِرِ الفِعْلَةِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ لَمّا رَآهُ مِن دُنُوِّهِ إلَيْهِما غَضْبانَ وهو يَذُمُّهُ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي﴾ أيْ: اليَوْمَ وأنا مِن شِيعَتِكَ ﴿كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ أيْ: مِن شِيعَةِ أعْدائِنا، والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ الإسْرائِيلِيَّ هو الَّذِي قالَ لَهُ هَذا الكَلامَ السِّياقُ بِكَوْنِ الكَلامِ مَعَهُ - بِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِدُخُولِ المَدِينَةِ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أنَّهم لَمْ يَرَهُ أحَدٌ غَيْرُ الإسْرائِيلِيِّ- وبِقَوْلِهِ ﴿عَدُوٌّ لَهُما﴾ مِن ذَمِّ الإسْرائِيلِيِّ كَما صَرَّحَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا نَمَّ عَلَيْهِ وأفْشى ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، خافَ غائِلَتَهُ فَزادَ في (p-٢٦١)الإغْراءِ بِهِ. مُؤَكِّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا راسِخًا ﴿جَبّارًا﴾ أيْ: قاهِرًا غالِبًا؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: الَّتِي تَكُونُ بِها فَلا يَكُونُ فَوْقَكَ أحَدٌ ﴿وما تُرِيدُ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَكَ إرادَةٌ ﴿أنْ تَكُونَ﴾ أيْ: بِما هو [لَكَ] كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في الصَّلاحِ، فَإنَّ المُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ لا يَصِلُ إلى القَتْلِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلَمّا سَمِعَ الفِرْعَوْنِيُّ هَذا تَرَكَ الإسْرائِيلِيَّ، وكانُوا - لَمّا قُتِلَ ذَلِكَ القِبْطِيُّ - ظَنُّوا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَأغْرَوْا فِرْعَوْنَ بِهِمْ فَقالَ: هَلْ مِن بَيِّنَةٍ، فَإنَّ المَلِكَ وإنْ كانَ صَفْوَةً مَعَ قَوْمِهِ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُقَيِّدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبْتٍ - كَما ذُكِرَ ذَلِكَ في حَدِيثِ المَفْتُونِ الَّذِي رَواهُ أبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- فَلَمّا قالَ هَذا الغَوِيُّ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَقَّقَ الأمْرُ في مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
القصص 28:20
ولَمّا كانَ تَقْدِيرُ الكَلامِ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ: فَلَمّا سَمِعَ الفِرْعَوْنِيُّ قَوْلَ الإسْرائِيلِيِّ تَرَكَهُ. ثُمَّ رَقِيَ الكَلامُ إلى أنْ بَلَغَ فِرْعَوْنَ فَوَقَعَ الكَلامُ في الأمْرِ بِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ﴾ أيْ: مِمَّنْ يُحِبُّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا (p-٢٦٢)كانَ الأمْرُ مُهِمًّا، يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ عَزْمٍ وعِظَمِ قُوَّةٍ، قَدَّمَ فاعِلَ المَجِيءِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ يَسْ.
ولَمّا كانَ في بَيانِ الِاقْتِدارِ عَلى الأُمُورِ الهائِلَةِ مِنَ الأخْذِ بِالخِناقِ حَتّى يَقُولَ القائِلُ: لا خَلاصَ، ثُمَّ الإسْعافُ بِالفَرَجِ حَتّى يَقُولَ: لا هَلاكَ، قالَ واصِفًا لِلرَّجُلِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ أيْ: أبْعَدِها مَكانًا، وبَيَّنَ أنَّهُ كانَ ماشِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْعى﴾ [و]لَكِنَّهُ اخْتَصَرَ طَرِيقًا وأسْرَعَ في مَشْيِهِ بِحَيْثُ كانَ يَعْدُو فَسَبَقَهم بِإعْظامِهِ لِلسَّعْيِ وتَجْدِيدِ العَزْمِ في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ سَعْيِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ مُنادِيًا لَهُ بِاسْمِهِ تَعَطُّفًا وإزالَةً لِلَّبْسِ: ﴿يا مُوسى﴾ وأكَّدَ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ قَدْ دَهَمَ فَلا يَسَعُ الوَقْتُ الِاسْتِفْصالَ فَقالَ: ﴿إنَّ المَلأ﴾ أيْ: أشْرافَ القِبْطِ الَّذِينَ في أيْدِيهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ، لِأنَّ لَهُمُ القُدْرَةَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ، حَتّى وصَلَ حالُهم في تَشاوُرِهِمْ إلى أنَّ كُلًّا مِنهم يَأْمُرُ الآخَرَ ويَأْتَمِرُ بِأمْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ لِأنَّهم سَمِعُوا أنَّكَ قَتَلْتَ صاحِبَهم ﴿فاخْرُجْ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ المَدِينَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِيُزِيلَ ما يَطْرُقُ مِنِ احْتِمالِ عَدَمِ القَتْلِ لِكَوْنِهِ عَزِيزًا عِنْدَ المَلِكِ: ﴿إنِّي لَكَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿مِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في نُصْحِكَ.
القصص 28:21
﴿فَخَرَجَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبادِرًا ﴿مِنها﴾ أيْ: المَدِينَةِ لِما عَلِمَ مِن (p-٢٦٣)صِدْقِ قَوْلِهِ مِمّا حَفَّهُ مِنَ القَرائِنِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿خائِفًا﴾ عَلى نَفْسِهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: يُكْثِرُ الِالتِفاتَ بِإدارَةِ رَقَبَتِهِ في الجِهاتِ يَنْظُرُ هَلْ يَتْبَعُهُ أحَدٌ؛ ثُمَّ وصَلَ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ قَوْلَهُ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿رَبِّ﴾ [أيْ: ] أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البِرِّ ﴿نَجِّنِي﴾ أيْ: خَلِّصْنِي، مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وهو المَكانُ العالِي الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ ﴿مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأُمُورَ في غَيْرِ مَواضِعِها فَيَقْتُلُونَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ مَعَ قُوَّتِهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَوَفَّقَهُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ نَحْوَ مَدِينَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ نَجاتِهِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ انْتَدَبُوا إلَيْهِ قَطَعُوا بِأنَّهُ لا يَسْلُكُ الطَّرِيقَ الأكْبَرَ، جَرْيًا عَلى عادَةِ الخائِفِينَ الهارِبِينَ في المَشْيِ عُسافًا، أوْ سُلُوكَ ثَنِيّاتِ الطَّرِيقِ فانْثَنَوْا فِيما ظَنُّوهُ يَمِينًا وشِمالًا فَفاتَهم.
القصص 28:22
ولَمّا دَعا بِهَذا الدُّعاءِ، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِجابَتِهِ مِنهُ مُخْبِرًا بِجِهَةِ قَصْدِهِ زِيادَةً في الإفادَةِ فَقالَ: ﴿ولَمّا﴾ أيْ: فاسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فَنَجّاهُ مِنهم ووَجَّهَهُ إلى مَدْيَنَ ولَمّا ﴿تَوَجَّهَ﴾ أيْ: أقْبَلَ بِوَجْهِهِ قاصِدًا ﴿تِلْقاءَ﴾ [أيْ: ] الطَّرِيقَ الَّذِي يُلاقِي سالِكُهُ أرْضَ ﴿مَدْيَنَ﴾ مَدِينَةِ نَبِيِّ اللَّهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَوَجِّهًا بِقَلْبِهِ إلى رَبِّهِ ﴿قالَ﴾ أيْ: لِكَوْنِهِ (p-٢٦٤)لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ: ﴿عَسى﴾ أيْ: خَلِيقٌ وجَدِيرٌ وحَقِيقٌ.
ولَمّا كانَتْ عِنايَتُهُ بِاللَّهِ أتَمَّ لِمّا لَهُ مِن عَظِيمِ المُراقَبَةِ، قالَ مُقَدِّمًا لَهُ: ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ بِعَظِيمِ التَّرْبِيَةِ في الأُمُورِ المُهْلِكَةِ ﴿أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ﴾ أيْ: عَدْلَ ووَسَطَ ﴿السَّبِيلِ﴾ وهو الطَّرِيقُ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَيْها مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ.
القصص 28:23
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَوَصَلَ إلى المَدِينَةِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا ورَدَ﴾ أيْ: حَضَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حُضُورَ مَن يَشْرَبُ ﴿ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: الَّذِي يَسْتَقِي مِنها الرِّعاءُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الماءِ ﴿أُمَّةً﴾ أيْ: جَماعَةً كَثِيرَةً هم أهْلٌ لِأنْ يُقْصَدُوا ويُقْصَدُوا، فَلِذَلِكَ هم عالُونَ غالِبُونَ عَلى الماءِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ نَوْعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ وبَيَّنَ عَمَلَهم أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْقُونَ﴾ أيْ: مَواشِيَهم، وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ، والمُرادُ الفِعْلُ، وكَذا ما بَعْدَهُ فَإنَّ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ لِكَوْنِ المُذَوَّدِ والمَسْقِيِّ غَنَمًا بَلْ مُطْلَقُ الذِّيادِ وتَرْكُ السَّقْيِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: وِجْدانًا مُبْتَدِئًا مِن أدْنى مَكانٍ مِن مَكانِهِمُ الآتِي إلى الماءِ ﴿امْرَأتَيْنِ﴾ عَبَّرَ بِذَلِكَ لَمّا جَعَلَ لَهُما سُبْحانَهُ مِنَ المُرُوءَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ كَما يَعْلُمُهُ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيما يَذْكُرُ عَنْها ﴿تَذُودانِ﴾ أيْ: تُوجِدانِ الذَّوْدَ، وهو الكَفُّ والمَنعُ والطَّرْدُ وارْتِكابُ أخَفِّ (p-٢٦٥)الضَّرَرَيْنِ، فَتَكُفّانِ أغْنامَهُما إذا نَزَعَتْ مِنَ العَطَشِ إلى المَلَأِ لِئَلّا تُخْلَطُ بِغَنَمِ النّاسِ.
ولَمّا كانَ هَذا حالًا مُوجِبًا لِلسُّؤالِ عَنْهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُما؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ [أيْ: ] مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَحْمَةً لَهُما: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: خَبَرُكُما ومَخْطُوبُكُما أيْ: مَطْلُوبُكُما، وهو كالتَّعْبِيرِ بِالشَّأْنِ عَنِ المَشْؤُونِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يَقَعَ فِيهِ التَّخاطُبُ لِعِظَمِهِ، في ذِيادِكُما لِأغْنامِكُما عَنِ السَّقْيِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما يَكُونُ في مَصابِّ أوْ مُضْطَهَدٍ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ سُؤالَهُ عَنِ العِلَّةِ ﴿قالَتا﴾ [أيْ: ] اعْتِذارًا عَنْ حالِهِما ذَلِكَ؛ وتَلْوِيحًا بِاحْتِياجِهِما إلى المُساعَدَةِ: ﴿لا﴾ [أيْ: ] خَبِّرْنا أنّا لا ﴿نَسْقِي﴾ أيْ: مَواشِيَنا، وحَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ ﴿حَتّى يُصْدِرَ﴾ أيْ: يَنْصَرِفُ ويَرْجِعُ ﴿الرِّعاءُ﴾ أيْ: عَنِ الماءِ لِئَلّا يُخالِطَهم - هَذا عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ بِفَتْحِ الياءِ [وضَمِّ الدّالِ] ثُلاثِيًّا- والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالضَّمِّ والكَسْرِ: يُوجِدُوا الرَّدَّ والصَّرْفَ. (p-٢٦٦)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنّا مِنَ النِّساءِ، وكانَ المَقامُ يَقْتَضِي لِصِغَرِ سِنِّهِما أنَّ لَهُما أبًا، وأنْ لا إخْوَةَ لَهُما وإلّا لَكَفَوْهُما ذَلِكَ، عَطَفَتا عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلَهُما: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ لِكِبَرِهِ أنْ يَسْقِيَ، فاضْطَرَرْنا إلى ما تَرى، وهَذا اعْتِذارٌ أيْضًا عَنْ كَوْنِ أبِيهِما أرْسَلَهُما لِذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، فَلا يَأْباهُ الدِّينُ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ بِحَسَبِ المُرُوءَةِ، وعاداتُهم فِيها مُتَبايِنَةٌ وأحْوالُ العَرَبِ والبَدْوِ تَبايُنَ أحْوالِ العَجَمِ والحَضَرِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ.
القصص 28:24
﴿فَسَقى﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَهُما﴾ لَمّا عَلِمَ ضَرُورَتَهُما، انْتِهازًا لِفُرْصَةِ الأجْرِ وكَرَمِ الخُلُقِ في مُساعَدَةِ الضَّعِيفِ، مَعَ ما بِهِ مِنَ النَّصَبِ والجُوعِ ﴿ثُمَّ تَوَلّى﴾ أيْ: انْصَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جاعِلًا ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِيهِ وجْهَهُ ﴿إلى الظِّلِّ﴾ أيْ: لِيُقِيلَ تَحْتَهُ ويَسْتَرِيحَ، مُقْبِلًا عَلى الخالِقِ بَعْدَ ما قَضى مِن نَصِيحَةِ الخَلائِقِ، وعَرَّفَهُ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّ بُقْعَةً لا تَكادُ تَخْلُو مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ ولا سِيَّما أماكِنُ المِياهِ ﴿فَقالَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ في الشَّكْوى إلى المَوْلى العَلِيِّ الغَنِيِّ المُطْلَقِ نَقْصٌ ﴿رَبِّ﴾
ولَمّا كانَ حالُهُ في عَظِيمِ صَبْرِهِ حالَهُ مَن لا يَطْلُبُ، أكَّدَّ سُؤالَهُ إعْلامًا بِشَدِيدِ تَشَوُّقِهِ لَمّا سَألَ فِيهِ وزِيادَةً في التَّضَرُّعِ والرِّقَّةِ، فَقالَ: (p-٢٦٧)﴿إنِّي﴾ ولْأكَدِ الِافْتِقارِ بِالإلْصاقِ بِاللّامِ دُونَ ”إلى“ فَقالَ: ﴿لِما﴾ أيْ: لِأيِّ شَيْءٍ. ولَمّا كانَ الرِّزْقُ الآتِي إلى الإنْسانِ مُسَبِّبًا عَنِ القَضاءِ الآتِي عَنِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، عَبَّرَ بِالإنْزالِ وعَبَّرَ بِالماضِي تَعْمِيمًا لِحالَةِ الِافْتِقارِ، وتَحَقُّقًا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلْتَ﴾ ولَعَلَّهُ حَذَفَ العائِدَ اخْتِصارًا لِما بِهِ مِنَ الإعْياءِ ﴿إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: ولَوْ قَلَّ ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مَضْرُورٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الضُّرِّ أنِ اخْضَرَّ بَطْنُهُ مِن أكْلِ البَقْلِ وضَعُفَ حَتّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ. فانْظُرْ إلى هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في حالِهِما في ذاتِ يَدِهِما، وهُما خُلاصَةُ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِيَكُونَ لَكَ في ذَلِكَ أُسْوَةٌ، وتَجْعَلَهُ إمامًا وقُدْوَةً، وتَقُولَ: يا بِأبِي وأُمِّي! ما لَقِيَ الأنْبِياءُ والصّالِحُونَ مِنَ الضِّيقِ والأهْوالِ في سِجْنِ الدُّنْيا، صَوْنًا لَهم مِنها وإكْرامًا مِن رَبِّهِمْ عَنْها، رِفْعَةً لِدَرَجاتِهِمْ عِنْدَهُ، واسْتِهانَةً لَها وإنْ ظَنَّهُ الجاهِلُ المَغْرُورُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي القِصَّةِ تَرْغِيبٌ في الخَيْرِ، وحَثٌّ عَلى المُعاوَنَةِ عَلى البِرِّ، وبَعْثٌ عَلى بَذْلِ المَعْرُوفِ مَعَ الجُهْدِ.
القصص 28:25
ولَمّا كانَ سَماعُهُما لِقَوْلِهِ هَذا مَعَ إحْسانِهِ إلَيْهِما سَبَبًا لِدُعاءِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، قالَ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ بِخَبَرِهِما [و]بِإحْسانِهِ إلَيْهِما، فَأمَرَ بِدُعائِهِ لِيُكافِئَهُ: ﴿فَجاءَتْهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ قَوْلِ الأبِ وعَلى الفَوْرِ ﴿إحْداهُما﴾ أيْ: المَرْأتَيْنِ (p-٢٦٨)حالَ كَوْنِها ﴿تَمْشِي﴾ ولَمّا كانَ الحَياءُ كَأنَّهُ مَرْكَبٌ لَها وهي مُتَمَكِّنَةٌ مِنهُ، مالِكَةٌ لِزِمامِهِ، عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ أيْ: حَياءٍ مَوْجُودٍ مِنها لِأنَّها كُلِّفَتِ الإتْيانَ إلى رَجُلٍ أجْنَبِيٍّ تُكَلِّمُهُ وتُماشِيهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَمّا تَشَوَّفَ إلَيْهِ السّامِعُ مِن أمْرِها فَقالَ: ﴿قالَتْ﴾ وأكَّدَتْ إعْلامًا بِما لِأبِيها مِنَ الرَّغْبَةِ إلى لِقائِهِ في قَوْلِها: ﴿إنَّ أبِي﴾ وصَوَّرَتْ حالَهُ بِالمُضارِعِ فَقالَتْ: ﴿يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾ أيْ: يُعْطِيكَ مُكافَأةً لَكَ، لِأنَّ المُكافَأةَ مِن شِيَمِ الكِرامِ، وقَبُولُها لا غَضاضَةَ فِيهِ ﴿أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: مَواشِيَنا، فَأسْرَعَ الإجابَةَ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلاءَمَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ ﴿جاءَهُ﴾ أيْ: مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وقَصَّ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿القَصَصَ﴾ أيْ: حَدَّثَهُ حَدِيثَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وآلِهِ في كُفْرِهِمْ وطُغْيانِهِمْ وإذْلالِهِمْ لِعِبادِ اللَّهِ، وتَتَبَّعَ لَهُ الأُمُورَ عَلى ما هي عَلَيْهِ لَمّا تَوَسَّمَ فِيهِ بِما آتاهُ اللهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ مِنَ النَّصِيحَةِ والشَّفَقَةِ، والعِلْمِ والحِكْمَةِ، والجَلالِ والعَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا عِيشَةَ لِخائِفٍ، فَكانَ أهَمَّ ما إلى الإنْسانِ الأمانُ، قَدَّمَ لَهُ التَّأْمِينَ بِأنْ ﴿قالَ﴾ أيْ: شُعَيْبٌ لَهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ [أيْ: ] فَإنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ (p-٢٦٩)عَلى ما هَهُنا، ولِأنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى [جَرَتْ] أنَّ تَواضُعَكَ هَذا ما كانَ في أحَدٍ إلّا قَضى اللَّهُ بِرِفْعَتِهِ، ولِذَلِكَ كانَتِ النَّتِيجَةُ: ﴿نَجَوْتَ﴾ أيْ: يا مُوسى ﴿مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: هو وغَيْرُهُ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والعَراقَةِ في الظُّلْمِ.
القصص 28:26
ولَمّا اقْتَضى هَذا القَوْلُ أنَّهُ آواهُ إلَيْهِ، عَلِمَتِ ابْنَتاهُ مَضْمُونَهُ، وكانَتا قَدْ رَأتا مِن كِفايَتِهِ ودِيانَتِهِ ما يُرَغِّبُ في عِشْرَتِهِ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى حالِهِما حِينَئِذٍ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا لِذَلِكَ: ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أيْ: المَرْأتَيْنِ. قِيلَ: وهي الَّتِي دَعَتْهُ إلى أبِيها مُشِيرَةً [بِالنِّداءِ] بِأداةِ البُعْدِ إلى اسْتِصْغارِها لِنَفْسِها وجَلالَةِ أبِيها: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ لِيَكْفِيَنا ما يُهِمُّنا؛ ثُمَّ عَلَّلَتْ قَوْلَها فَقالَتْ مُؤَكِّدَةً إظْهارًا لِرَغْبَتِها في الخَيْرِ واغْتِباطِها بِهِ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ﴾ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿القَوِيُّ﴾ وهو هَذا لِما رَأيْناهُ مِن قُوَّتِهِ في السَّقْيِ ﴿الأمِينُ﴾ لِما تَفَرَّسْنا فِيهِ مِن حَيائِهِ، وعِفَّتِهِ في نَظَرِهِ ومَقالِهِ وفِعالِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وقَوْلُها قَوْلُ حَكِيمٍ جامِعٍ، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الأمانَةُ والكِفايَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ.
القصص 28:27
﴿قالَ﴾ [أيْ: ] شُعَيْبٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو في التَّوْراةِ يُسَمّى: رَعُوئِيلَ - بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّ العَيْنِ (p-٢٧٠)المُهْمَلَةِ وإسْكانِ الواوِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتانِيَّةٌ ساكِنَةٍ ولامٍ، ويِثْرُو - بِفَتْحِ التَّحْتانِيَّةِ وإسْكانِ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وإسْكانِ الواوِ- ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ يا مُوسى، والتَّأْكِيدُ لِأجْلِ أنَّ الغَرِيبَ قَلَّ ما يُرْغَبُ فِيهِ أوَّلَ ما يَقْدُمُ لا سِيَّما مِنَ الرُّؤَساءِ أتَمَّ الرَّغْبَةِ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أيْ: أُزَوِّجَكَ زَواجًا، تَكُونُ وُصْلَتُهُ كَوُصْلَةِ أحَدِ الحَنَكَيْنِ بِالآخَرِ ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ﴾
ولَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُنْكَحَ مِنهُما غَيْرَ المَسْقِيِّ لَهُما، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هاتَيْنِ﴾ أيْ: الحاضِرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقَيْتَ لَهُما، لِيَتَأمَّلَهُما فَيَنْظُرَ مَن يَقَعُ اخْتِيارُهُ عَلَيْها مِنهُما لِيَعْقِدَ لَهُ عَلَيْها ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ أيْ: تَجْعَلَ نَفْسَكَ أجِيرًا عِنْدِي أوْ تَجْعَلَ أجْرِي عَلى ذَلِكَ وثَوابِي ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ جَمْعُ حِجَّةٍ بِالكَسْرِ- أيْ: سِنِينَ، أيْ: العَمَلُ فِيها بِأنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي أسْتَعْمِلُكَ فِيما يَنُوبُنِي مِن رَعِيَّةِ الغَنَمِ وغَيْرِها، وآجَرَهُ - بِالمَدِّ والقَصْرِ- مِنَ الأجْرِ والإيجارِ، وكَذَلِكَ أجَرَ الأجِيرَ والمَمْلُوكَ وآجَرَهُ: أعْطاهُما أجْرَهُما ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ﴾ أيْ: الثَّمانِيَ بِبُلُوغِ العَقْدِ بِأنْ تَجْعَلَها ﴿عَشْرًا﴾ أيْ: عَشْرَ سِنِينَ ﴿فَمِن﴾ أيْ: فَذَلِكَ فَضْلٌ مِن ﴿عِنْدِكَ﴾ (p-٢٧١)غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْكَ، وكانَ تَعْيِينُ الثَّمانِي لِأنَّها - إذا أُسْقِطَتْ مِنها مُدَّةُ الحَمْلِ - أقَلُّ سِنٍّ يُمَيِّزُ فِيهِ الوَلَدُ غالِبًا، والعَشَرُ أقَلُّ ما يُمْكِنُ فِيهِ البُلُوغُ، لِيَنْظُرَ سِبْطَهُ إنْ قَدَرَ فَيَتَوَسَّمُ فِيهِ بِما يَرى مِن قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، والتَّعْبِيرِ بِما هو مِنَ الحَجِّ الَّذِي هو القَصْدُ تَفاؤُلًا بِأنَّها تَكُونُ مِن طِيبِها بِمُتابَعَةِ أمْرِ اللَّهَ وسَعَةِ رِزْقِهِ وإفاضَةِ نِعَمِهِ ودَفْعِ نِقَمِهِ أهْلًا لِأنْ تُقْصَدَ أوْ يَكُونَ فِيها الحَجُّ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ.
ولَمّا ذَكَرَ لَهُ هَذا، أرادَ أنْ يُعْلِمَهُ أنَّ الأمْرَ بَعْدَ الشَّرْطِ بَيْنَهُما عَلى المُسامَحَةِ فَقالَ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أيْ: أُدْخِلَ عَلَيْكَ مَشَقَّةً في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا غَيْرِهِ لازِمٌ أوْ غَيْرُ لازِمٍ؛ ثُمَّ أكَّدَ مَعْنى المُساهَلَةِ بِتَأْكِيدِ وعْدِ المُلاءَمَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى عَلى قاعِدَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ في المُراقَبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ فَقالَ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتَ وكُلِّ ما تُرِيدُ مِن خَيْرٍ.
القصص 28:28
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الخِيارِ وغَيْرِهِ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ أيْ: كائِنٌ بَيْنَنا عَلى حُكْمِ النَّصَفَةِ والعَدْلِ والسَّواءِ عَلى ما ألْزَمَتْنِي بِهِ لازِمًا، وما أشَرْتَ (p-٢٧٢)إلى التَّفَضُّلِ بِهِ إحْسانًا، وعَلَيْكَ ما ألْزَمْتَ بِهِ نَفْسَكَ فَرْضًا وفَضْلًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ وفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيْ: أيَّ أجْلٍ مِنهُما: الثَّمانِي أوِ العَشْرِ ﴿قَضَيْتُ﴾ أيْ: عَمِلْتَ العَمَلَ المَشْرُوطَ عَلَيَّ فِيهِ خَرَجْتَ بِهِ مِنَ العُهْدَةِ ﴿فَلا عُدْوانَ﴾ أيْ: اعْتِداءَ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَكَ ولا لِأحَدٍ ﴿عَلَيَّ﴾ [أيْ: ] في طَلَبٍ أكْثَرَ مِنهُ لِأنَّهُ كَما لا تَجِبُ عَلى الزِّيادَةِ [عَلى العَشْرِ لا تَجِبُ عَلَيَّ] الزِّيادَةُ عَلى الثَّمانِ، وكَأنَّهُ أشارَ بِنَفْيِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ إلى أنَّهُ لا يُؤاخَذُ لِسَعَةِ صَدْرِهِ وطَهارَةِ أخْلاقِهِ بِمُطْلَقِ العَدُوِّ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ: كُلُّهُ في هَذا الوَقْتِ وغَيْرِهِ ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ: شاهِدٌ وحَفِيظٌ قاهِرٌ عَلَيْهِ ومُلْزِمٌ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَما الظَّنُّ بِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ العَهْدِ مِنَ النِّكاحِ والأجْرِ والأجَلِ.
القصص 28:29
ذَكَرَ مَضْمُونَ هَذا مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في أوَّلِ السَّفَرِ الثّانِي مِنها: وهَذِهِ أسْماءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، دَخَلَ كُلُّ امْرِئٍ وأهْلِ بَيْتِهِ رُوبِيلَ وشَمْعُونَ ولاوِي ويَهُوذا وإيساخارَ وزِيلُونَ وبِنْيامِينَ ودانَ ونَفَتالِي وجادَ وأُشِيرَ، وكانَ عَدَدُ ولَدِ (p-٢٧٣)يَعْقُوبَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَن صُلْبِهِ سَبْعِينَ نَفْسًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ بِمِصْرَ، فَتُوُفِّيَ يُوسُفُ وجَمِيعُ إخْوَتِهِ وجَمِيعُ ذَلِكَ الحُقَبِ، وبَنُو إسْرائِيلَ نَمَوْا ووَلَدُوا وكَثُرُوا واعْتَزُّوا جِدًّا جِدًّا، وامْتَلَأتِ الأرْضُ مِنهم، فَمَلَكَ عَلى مِصْرَ مَلِكٌ جَدِيدٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ فَقالَ لِشَعْبِهِ: هَذا شَعْبُ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ كَثُرَ عَدَدُهم فَهم أكْثَرُ وأعَزُّ مِنّا، هَلُمُّوا نَحْتالُ لَهم قَبْلَ أنْ يَكْثُرُوا، لَعَلَّ أعْداءَنا يَأْتُونا يُقاتِلُونا فَيَكُونُوا عَوْنًا، لِأعْدائِنا عَلَيْنا فَيُخْرِجُونا مِنَ الأرْضِ، فَوَلّى عَلَيْهِمْ وُلاةً ذَوِي فَظاظَةٍ وقَساوَةٍ لِيَتَعَبَّدُوهم، وجَعَلُوا يَبْنُونَ قُرًى لِأجْرانِ فِرْعَوْنَ وأهْرائِهِ وفي نُسْخَةٍ: وبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مُدُنًا مُحَصَّنَةً فَيَسْتَرِمُّ في الفَيُّومَ وفي عَيْنِ شَمْسٍ، وفي نُسْخَةٍ: فَيْثُومُ ورُعْمَسَيْسُ، وفي نُسْخَةٍ: وأكْوانُ الَّتِي هي مَدِينَةُ الشَّمْسِ، واشْتَدَّ تَعَبُّدُهم لَهم، وذُلُّهم إيّاهم، وكانُوا يَزْدادُونَ كَثْرَةً ويَعْتَزُّونَ، فاشْتَدَّ غَمُّهم وحُزْنُهم بِسَبَبِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ المِصْرِيُّونَ يَتَعَبَّدُونَ بَنِي إسْرائِيلَ بِشِدَّةٍ وقَساوَةٍ، ويَمُرُّونَ حَياتَهم بِالكَدِّ والتَّعَبِ الصَّعْبِ الشَّدِيدِ بِالطِّينِ وعَمَلِ اللَّبِنِ وفي كُلِّ عَمَلِ الحَقْلِ، وكانَ تَعَبُّدُهم (p-٢٧٤)إيّاهم في جَمِيعِ ما اسْتَعْمَلُوهم بِالشِّدَّةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَقالَ مَلِكُ مِصْرَ: [وجَعَلْنا] لِقَوابِلِ العِبْرانِيّاتِ الَّتِي تُسَمّى إحْداهُما فُوعا والأُخْرى شُوفَرا، وأمْرَهُما: إذا أنْتُما قَبِلْتُما العِبْرانِيّاتِ فانْظُرا إذا سَقَطَ الوَلَدُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا فاقْتُلاهُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى فاسْتَبْقَياها فاتَّقَتِ القابِلَتانِ اللَّهَ ولَمْ يَفْعَلا ما أمَرَهُما بِهِ مَلِكُ مِصْرَ، وجَعَلَتا تَسْتَحْيِيانِ الغِلْمانَ، فَدَعا مَلِكُ مِصْرَ القابِلَتَيْنِ وقالَ لَهُما؟ ما بالُكُما؟ جاوَزْتُما أمْرِي وأحْيَيْتُما الغِلْمانَ؟ فَقالَتا لِفِرْعَوْنَ: إنِ العِبْرانِيّاتِ لَسْنَ كالمِصْرِيّاتِ لِأنَّهُنَّ قَوابِلُ، ويَلِدْنَ قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ القابِلَةُ عَلَيْهِنَّ، فَأحْسَنَ اللَّهُ إلى القابِلَتَيْنِ لِصُنْعِهِما هَذا، فَكَثُرَ الشَّعْبُ وعَزَّ جِدًّا، فَلَمّا اتَّقَتِ القابِلَتانِ اللَّهَ أنْماهُما وجَعَلَ لَهُما بَنِينَ، وفي نُسْخَةٍ: بُيُوتًا، فَأمَرَ فِرْعَوْنُ جَمِيعَ قَوْمِهِ قائِلًا: كُلُّ غُلامٍ يُولَدُ لَهم فَألْقَوْهُ في النَّهْرِ، وكُلُّ جارِيَةٍ تُولَدُ فاسْتَبْقُوها، فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِن آلِ لاوِي فَتَزَوَّجَ إحْدى بَناتِ لاوِي، فَحَبِلَتِ المَرْأةُ فَوَلَدَتِ ابْنًا فَرَأتْهُ حَسَنًا جِدًّا، فَغَيَّبَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ ولَمْ تَقْدِرْ أنْ تُغَيِّبَهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَأخَذَتْ تابُوتًا مِن خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ، وطَلَتْهُ بِالقارِ والزِّفْتِ (p-٢٧٥)ووَضَعَتْ فِيهِ الغُلامَ ووَضَعَتْهُ في الضَّحْضاحِ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، وقامَتْ أُخْتُهُ مِن بَعِيدٍ لِتَنْظُرَ ما يَكُونُ مِن أمْرِهِ، فَخَرَجَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ تَغْتَسِلُ في النَّهْرِ، فَنَظَرَتْ إلى التّابُوتِ في المَخاضَةِ، فَأرْسَلَتْ جَوارِيَها فَأتَوْا بِهِ فَفَتَحَتْهُ فَرَأتِ الغُلامَ، فَإذا هو يَبْكِي فَرَحِمَتْهُ، وقالَتْ: هَذا مِن بَنِي العِبْرانِيِّينَ، فَقالَتْ أُخْتُهُ لِابْنَةِ فِرْعَوْنَ: هَلْ لَكِ أنْ أنْطَلِقَ أدْعُو لَكِ ظِئْرًا مِنَ العِبْرانِيّاتِ فَتُرْضِعُ هَذا الغُلامَ؟ فَقالَتْ لَها ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: نَعَمْ! انْطَلِقِي، فانْطَلَقَتِ الفَتاةُ ودَعَتْ أمَّ الغُلامِ، فَقالَتْ لَها ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: خُذِي هَذا الصَّبِيَّ فَأرْضِعِيهِ وأنا أُعْطِيكِ أُجْرَتَكِ، فَأخَذَتِ المَرْأةُ الغُلامَ فَأرْضَعَتْهُ فَشَبَّ الغُلامُ فَأتَتْ بِهِ إلى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَتَبَنَّتْهُ، وسَمَّتْهُ مُوسى لِأنَّها قالَتْ: إنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الماءِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ تِلْكَ الأيّامِ نَشَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخَرَجَ إلى إخْوَتِهِ فَنَظَرَ إلى ذُلِّهِمْ، فَرَأى رَجُلًا مِصْرِيًّا يَضْرِبُ رَجُلًا عِبْرانِيًّا مِن إخْوَتِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَفَتَ يَمِينًا وشِمالًا فَلَمْ يَرَ أحَدًا فَقَتَلَ المِصْرِيَّ، فَماتَ ودَفَنَهُ في الرَّمْلِ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا آخَرَ فَإذا هو بِرَجُلَيْنِ عِبْرانِيَّيْنِ يَصْطَحِبانِ، فَقالَ لِلْمُسِيءِ مِنهُما: ما بالُكَ؟ تَضْرِبُ أخاكَ؟ فَقالَ لَهُ: مَن جَعَلَكَ عَلَيْنا رَئِيسًا وحاكِمًا؟ لَعَلَّكَ تُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ المِصْرِيَّ أمْسِ؟ فَفَرِقَ مُوسى وقالَ: حَقًّا لَقَدْ فَشا هَذا الأمْرُ، فَبَلَغَ فِرْعَوْنَ الأمْرُ وأرادَ مُوسى، فَهَرَبَ مُوسى مِن فِرْعَوْنَ وانْطَلَقَ إلى أرْضِ (p-٢٧٦)مَدْيَنَ، وجَلَسَ عَلى طَوِيِّ الماءِ، وكانَ لِحَبْرِ مَدْيَنَ سَبْعُ بَناتٍ، فَكُنَّ يَأْتِينَ فَيُدِلْنَ الماءَ فَيَمْلَأْنَ الحِياضَ لِيَسْقِينَ غَنَمَ أبِيهِنَّ، وكانَ الرُّعاةُ يَأْتُونَ فَيَطْرُدُونَهُنَّ، فَقامَ مُوسى فَخَلَّصَهُنَّ وأسْقى غَنَمَهُنَّ، فَأتَيْنَ إلى رِعُوئِيلَ أبِيهِنَّ فَقالَ لَهُنَّ: ما بالُكُنَّ؟ أسْرَعْتُنَّ السَّقْيَ اليَوْمَ؟ فَقُلْنَ لَهُ: رَجُلٌ مِصْرِيٌّ خَلَّصَنا مِن أيْدِي الرُّعاةِ، فاسْتَقى لَنا الماءَ، وسَقى غَنَمَنا، فَقالَ لِبَناتِهِ: وأيْنَ هُوَ؟ لِمَ تَرَكْتُنَّ الرَّجُلَ، انْطَلِقْنَ وادْعُونَهُ فَيَأْكُلُ عِنْدَنا خُبْزًا، فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، فَأعْجَبَ مُوسى أنْ يَنْزِلَ عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَزَوَّجَهُ صُفُورا ابْنَتَهُ فَتَزَوَّجَها فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا فَسَمّاهُ جَرْشُونَ، لِأنَّهُ قالَ: إنِّي صِرْتُ ساكِنًا في أرْضٍ غَرِيبَةٍ. ووَلَدَتْ لِمُوسى ابْنًا آخَرَ، فَسَمّاهُ الِيعازارَ، لِأنَّهُ قالَ: إنَّ إلَهَ آبائِي خَلَّصَنِي مِن حَرْبِ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ: إنَّ المُتَخاصِمَيْنِ في اليَوْمِ الثّانِي عِبْرانِيّانِ، إنْ أمْكَنَ تَنْزِيلُ ما في القُرْآنِ عَلَيْهِ فَذاكَ، وإلّا فَهو مِمّا بَدَّلُوهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ بَناتِ شُعَيْبٍ سَبْعٌ لا يُخالِفُ ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ، بَلْ أيَّدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَعْيِينِهِما بِقَوْلِهِ ”هاتَيْنِ“ لَكِنَّ تَقَدُّمَ ما يُشِيرُ إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَمّا التَزَمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ (p-٢٧٧)زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ كَما شَرَطَ، واسْتَمَرَّ عِنْدَهُ حَتّى قَضى ما عَلَيْهِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا قَضى﴾ أيْ: وفى وأتَمَّ، ونَهى وأنْفَذَ ﴿مُوسى﴾ صاحِبَهُ ﴿الأجَلَ﴾ أيْ: الأوْفى وهو العَشْرُ، بِأنْ وفّى جَمِيعَ ما شَرَطَ عَلَيْهِ مِنَ العَمَلِ، فَإنَّهُ ورَدَ أنَّهُ قَضى مِنَ الأجَلَيْنِ أوْفاهُما، وتَزَوَّجَ مِنَ المَرْأتَيْنِ صُغْراهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: ”يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ“ رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مَعْناهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، والظّاهِرُ أنَّهُ مَكَثَ عِنْدَهُ بَعْدَ الأجَلِ أيْضًا مُدَّةً، لِأنَّهُ عَطَفَ بِالواوِ قَوْلَهُ: ﴿وسارَ﴾ ولَمْ يَجْعَلْهُ جَوابًا لِلَمّا ﴿بِأهْلِهِ﴾ أيْ: امْرَأةٍ راجِعًا إلى أقارِبِهِ بِمِصْرَ ﴿آنَسَ﴾ أيْ: أبْصَرَ ﴿مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ آنَسَتْهُ رُؤْيَتُها وشَرَحَتْهُ إنارَتُها، وكانَ مَضْرُورًا إلى الدَّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ والِاصْطِلاءِ بِالنّارِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلَ عِنْدَما أبْصَرَها قِيلَ: ﴿قالَ لأهْلِهِ﴾ ولَمّا كانَ النِّساءُ أعْظَمَ ما يَنْبَغِي سِتْرُهُ، أطْلَقَ عَلَيْها ضَمِيرَ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿امْكُثُوا﴾ وإنْ كانَ مَعَهُ بَنِينَ لَهُ فَهو عَلى التَّغْلِيبِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا، لِاسْتِبْعادِ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ المَكانِ القَفْرِ وفي ذَلِكَ (p-٢٧٨)الوَقْتِ الشَّدِيدِ البَرْدِ نارٌ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا تَعْمَلُ بِها؟ فَقالَ مُعَبِّرًا بِالتَّرَجِّي لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالتَّواضُعِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، وهو الحَقِيقَةُ في إدْراكِ الآدَمِيِّينَ في مِثْلِ هَذا، ولِذا عَبَّرَ بِالجَذْوَةِ الَّتِي مَدارُ مادَّتِها الثَّباتُ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها﴾ أيْ: مِن عِنْدِها ﴿بِخَبَرٍ﴾ يَنْفَعُنا في الدَّلالَةِ عَلى المَقْصِدِ ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ أيْ: عُودٌ غَلِيظٌ ﴿مِنَ النّارِ﴾ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنهُ هَذِهِ الحَقِيقَةُ أوِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تُقَرِّبُوا مِنَ النّارِ فَتَنْعَطِفُوا عَلَيْها لِتَدْفَؤُوا، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوَقْتَ كانَ شِتاءً.
القصص 28:30
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: النّارَ.
ولَمّا كانَ آخِرُ الكَلامِ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ دالًّا عَلى ما في أوَّلِ الأمْرِ مِنَ الخَفاءِ: ﴿نُودِيَ﴾ ولَمّا كانَ نِداؤُهُ سُبْحانَهُ لا يُشْبِهُ نِداءَ غَيْرِهِ بَلْ يَكُونُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ المَواضِعِ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ بِوَصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، إمّا بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ السَّماعِ مِنهُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ أوْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ كَوْنِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [فِيهِ] قالَ: ﴿مِن﴾ أيْ: (p-٢٧٩)كائِنًا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقُرْبِ [مِن] ﴿شاطِئِ﴾ أيْ: جانِبِ ﴿الوادِ﴾ عَنْ يَمِينِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿الأيْمَنِ﴾ وهو صِفَةٌ لِلشّاطِئِ الكائِنِ أوْ كائِنًا ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ كائِنًا أوَّلَ أوْ مُعْظَمَ النِّداءِ أوْ كائِنًا مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [قَرِيبًا] ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ كَما تَقُولُ: نادَيْتُ فُلانًا مِن بَيْتِهِ، ولَعَلَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ كَبِيرَةً، فَلَمّا وصَلَ إلَيْها دَخَلَ النُّورُ مِن طَرَفِها إلى وسَطِها، فَدَخَلَها وراءَهُ بِحَيْثُ تَوَسَّطَها فَسَمِعَ - وهو فِيها - الكَلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وهو المُتَكَلِّمُ سُبْحانَهُ لا الشَّجَرَةُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومُحَصِّلُ الإجْماعِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمِعَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَلامَ اللَّهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ نِداءَ الشَّجَرَةِ لَكانَ المُتَكَلِّمُ الشَّجَرَةَ، وقالَ التَّفْتازانِيُّ شَرَحَ المَقاصِدَ أنَّ اخْتِيارَ حُجَّةِ الإسْلامِ أنَّهُ سَمِعَ كَلامَهُ الأزَلِيَّ بِلا صَوْتٍ ولا حَرْفٍ كَما تُرى ذاتُهُ في الآخِرَةِ، بِلا كَمٍّ ولا كَيْفٍ، وتَقَدَّمَ في طَهَ أنَّ المُرادَ ما إلى يَمِينِ المُتَوَجِّهِ مِن مِصْرَ إلى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، والشَّجَرَةُ: قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ سَمُرَةً خَضْراءَ تَبْرُقُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَتْ عَوْسَجَةً، وقالَ وهْبٌ: مِنَ العَلِيقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها العُنّابُ. ثُمَّ ذَكَرَ المُنادى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يا مُوسى﴾ وأكَّدَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ (p-٢٨٠)لِعِظَمِهِ يَحْتَقِرُ كُلُّ أحَدٍ نَفْسَهُ لِأنْ يُؤَهِّلَهُ لِلْكَلامِ لا سِيَّما والأمْرُ في أوَّلِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِلْأسْماءِ الحُسْنى، والصِّفاتِ العُلى.
ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ غَيْبًا، تَعَرَّفَ بِصِفَةٍ هي مَجْمَعُ الأفْعالِ المُشاهَدَةِ لِلْإنْسانِ فَقالَ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: خالِقُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ ومُرَبِّيهِمْ.
القصص 28:31
﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أيْ: لِأُرِيَكَ فِيها آيَةً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ في الحالِ حَيَّةً عَظِيمَةً، وهي مَعَ عِظَمِها في غايَةِ الخِفَّةِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها﴾ أيْ: العَصا ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها﴾ أيْ: في سُرْعَتِها وخِفَّتِها ﴿جانٌّ﴾ أيْ: حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ خَوْفًا مِنها ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى جِهَتِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ التَّصْمِيمِ عَلى الهَرَبِ والإسْراعِ فِيهِ خَوْفًا مِنَ الإدْراكِ في الطَّلَبِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿يا مُوسى أقْبِلْ﴾ أيْ: التَفِتْ وتَقَدَّمْ إلَيْها ﴿ولا تَخَفْ﴾ ثُمَّ أكَّدَ لَهُ الأمْرَ لِما الآدَمِيُّ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْرَةِ وإنِ اعْتَقَدَ صِحَّةَ الخَبَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في الأمْنِ كَعادَةِ إخْوانِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ.
القصص 28:32
ثُمَّ زادَ طُمَأْنِينَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْلُكْ﴾ أيْ: أدْخِلْ عَلى الِاسْتِقامَةِ مَعَ الخِفَّةِ والرَّشاقَةِ ﴿يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: القَطْعِ الَّذِي في ثَوْبِكَ وهو الَّذِي تَخْرُجُ مِنهُ الرَّأْسُ، أوْ هو الكُمُّ، كَما يَدْخُلُ السِّلْكَ وهو الخَيْطُ الَّذِي يُنْظَمُ فِيهِ الدُّرَرُ، تَنْسَلِكُ عَلى لَوْنِها وما هي عَلَيْهِ مِن (p-٢٨١)أثَرَ الحَرِيقِ الَّذِي عَجَزَ فِرْعَوْنُ عَنْ مُداواتِهِ، وأخْرَجَها ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ أيْ: بَياضًا عَظِيمًا يَكُونُ لَهُ شَأْنٌ خارِقٌ لِلْعاداتِ ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ مِن حَرِيقٍ أوْ غَيْرِهِ، فَخَرَجَتْ ولَها شُعاعٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ آيَةً مُحَقَّقَةً لِعَدَمِ العَيْبِ إلّا بِعَوْدِها بَعْدَ ذَلِكَ إلى لَوْنِ الجَسَدِ قالَ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ﴾ أيْ: إلى جَسَدِكَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّأْمِينِ مِنَ الخَوْفِ، عَبَّرَ بِالجَناحِ، لِأنَّ الطّائِرَ يَكُونُ آمِنًا عِنْدَ ضَمِّ جَناحِهِ فَقالَ: ﴿جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَيْكَ الَّتِي صارَتْ بَيْضاءَ، والمُرادُ بِالجَناحِ في آيَةِ طَهَ الإبِطُ والجانِبُ لِأنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيْ: مِن خَشْيَةِ أنْ تَظُنَّها مَعِيبَةً تَخْرُجُ كَما كانَتْ قَبْلَ بَياضِها في لَوْنِ جَسَدِكَ - هَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّهْبِ الخَوْفُ الَّذِي بَهَرَهُ فَأوْجَبَ لَهُ الهَرَبَ- ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّهْبِ الكُمَّ، فَيَكُونُ إدْخالُها في الفَتى - الَّتِي لَيْسَتْ مَوْضِعَها بَلِ الرَّأْسُ - لِلْبَياضِ، وإدْخالُها في الكُمِّ - الَّذِي هو لَها - لِرُجُوعِها إلى عادَتِها، وفي البَغَوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَضُمَّ يَدَهُ إلى صَدْرِهِ فَذَهَبَ عَنْهُ ما نالَهُ مِنَ الخَوْفِ عِنْدَ مُعايَنَةِ الحَيَّةِ، وقالَ: وما مِن خائِفٍ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا إذا وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ زالَ خَوْفُهُ. وأظْهَرَ بِلَفْظِ الجَناحِ مِن (p-٢٨٢)غَيْرِ إضْمارٍ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَوْدَها إلى حالِها الأوَّلِ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ الجَناحِ تَنْبِيهًا عَلى الشُّكْرِ بِتَعْظِيمِ نَفْعِها.
ولَمّا تَمَّ كَوْنُها آيَةً بِانْقِلابِها إلى البَياضِ ثُمَّ رُجُوعِها إلى لَوْنِها قالَ: ﴿فَذانِكَ﴾ أيْ: العَصا واليَدُ البَيْضاءُ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ورُوَيْسٌ تَقْوِيَةً لَها لِتُعادِلَ الأسْماءَ المُتَمَكِّنَةَ، وذَكَّرَ لِزِيادَةِ التَّقْوِيَةِ ﴿بُرْهانانِ﴾ أيْ: سُلْطانانِ وحُجَّتانِ قاهِرَتانِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِما غَيْرُهُ ﴿إلى﴾ أيْ: واصِلانِ، أوْ أنْتَ مُرْسَلٌ بِهِما إلى ﴿فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ كُلَّما أرَدْتَ ذَلِكَ وجَدْتَهُ، لا أنَّهُما يَكُونانِ لَكَ هُنا في هَذِهِ الحُفْرَةِ فَقَطْ، ثُمَّ عَلَّلَ الإرْسالَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ إظْهارِ الآياتِ لَهم واسْتِمْرارِها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى [أنَّ] إقْدامَهُ عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ فِعْلُ مَن يَظُنُّ أنَّهم رَجَعُوا عَنْ غَيِّهِمْ، وإعْلامًا بِمَنِّهِ عَلَيْهِ بِالحِمايَةِ مِنهم بِهَذِهِ البَراهِينِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: أقْوِياءَ ﴿فاسِقِينَ﴾ أيْ: خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ، فَإذا رَأوْا ذَلِكَ هابُوكَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الوُصُولِ إلَيْكَ بِسُوءٍ، وكُنْتَ في مَقامِ أنْ تَرُدَّهم عَنْ فِسْقِهِمْ.
القصص 28:33
(p-٢٨٣)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ بَعْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الخَوارِقِ؟ قِيلَ: ثَبَتَ، عِلْمًا مِنهُ بِصُعُوبَةِ المَقامِ وخَطَرِ الأمْرِ، فاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ حَتّى رَضِيَ، وتِلْكَ كانَتْ عادَتُهُ ثَباتًا وحَزْمًا، وحِلْمًا وعِلْمًا، ألا تَرى إلى ما فَعَلَ مَعَنا عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ مِنَ الخَيْرِ لَيْلَةَ الإسْراءِ في السُّؤالِ في تَخْفِيفِ الصَّلاةِ، ولِذَلِكَ كُلِّهِ ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿إنِّي﴾ أكَّدَهُ لِأنَّ إرْسالَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ فِعْلُ مَن لا يَعْتَبِرُ أنَّ لَهم عَلَيْهِ تِرَةً، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ وجْهَ عَدَمِ اعْتِبارِهِ ﴿قَتَلْتُ مِنهُمْ﴾ أيْ: آلِ فِرْعَوْنَ ﴿نَفْسًا﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ ما خَرَجْتُ إلّا هارِبًا مِنهم مِن أجْلِها ﴿فَأخافُ﴾ إنْ بادَيْتُهم، بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ لِذَنْبِي إلَيْهِمْ ووَحْدَتِي وغُرْبَتِي وثِقَلِ لِسانِي في إقامَةِ الحُجَجِ.
القصص 28:34
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ طَلَبُ الإعانَةِ بِشَخْصٍ فِيهِ كِفايَةٌ ولَهُ عَلَيْهِ شَفَقَةٌ، وكانَ أخُوهُ هارُونُ أحَقَّ النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلْ مَعِي أخِي هارُونَ إلى آخِرِهِ، غَيْرَ أنَّهُ قَدَّمُ ذِكْرَهُ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ فَقالَ: ﴿وأخِي هارُونُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ واوَهُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عاطِفَةٌ عَلى مَقُولِ القَوْلِ، والمَعْنى أنَّهُ يَخافُ أنْ يَفُوتَ مَقْصُودُ الرِّسالَةِ إمّا بِقَتْلِهِ أوْ لِعَدَمِ بَيانِهِ، فاكْتَفى بِالتَّلْوِيحِ في الكِفايَةِ (p-٢٨٤)مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا طاقَةَ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ بِها، وصَرَّحَ بِما يَكْفِي مِنَ الثّانِي، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: إنِّي أخافُ أنْ يَقْتُلُونِ فَيَفُوتُ المَقْصُودُ، ولا يَحْمِينِي مِن ذَلِكَ إلّا أنْتَ، وإنَّ لِسانِي فِيهِ عُقْدَةٌ، وأخِي إلى آخِرِهِ؛ وزادَ في تَعْظِيمِهِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ فَقالَ: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ اللِّسانِ لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ حَصَلَتْ لَهُ مِن وضْعِ الجَمْرَةِ في فِيهِ وهو طِفْلٌ في كَفالَةِ فِرْعَوْنَ ﴿فَأرْسِلْهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ: مُعِينًا، مِن رَدَأْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ: جَعَلْتَهُ لَهُ قُوَّةً وعاضِدًا، ورَدَأْتُ الحائِطَ - إذا دَعَّمْتَهُ بِخَشَبٍ أوْ كَبْشٍ يَدْفَعُهُ أنْ يَسْقُطَ- وقِراءَةُ نافِعٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنَ الزِّيادَةِ.
ولَمّا كانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنَ العَطْفِ والشَّفَقَةِ ما يَقْصُرُ الوَصْفُ عَنْهُ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِإجابَةِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ أيْ: بِأنْ يُلَخِّصَ بِفَصاحَتِهِ ما قَلْتُهُ وبَيَّنْتُهُ، ويُقِيمَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ كالشَّمْسِ وُضُوحًا، فَيَكُونَ - مَعَ تَصْدِيقِهِ لِي بِنَفْسِهِ - سَبَبًا في تَصْدِيقِ غَيْرِهِ لِي؛ ورَفَعَهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ صِفَةً لِرِدْءٍ ثُمَّ عَلَّلَ سُؤالَهُ هَذا، وبَيَّنَ أنَّهُ هو المُرادُ، لا أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، فَإنَّ قَوْلَهُ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالفَصاحَةِ حَتّى يَكُونَ سَبَبًا لِلسُّؤالِ فِيهِ، بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ أنَّ مَن كانَ رَسُولًا عَنِ اللَّهِ لا يُظَنُّ بِهِ أنْ يَخافَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾
القصص 28:35
ولَمّا كانَ ما رَأى مِنَ الأفْعالِ، وسَمِعَ مِنَ الأقْوالِ، مُقْتَضِيًا لِلْأمْنِ (p-٢٨٥)مِن أنْ يُكَذِّبُوهُ، وكانَ عالِمًا بِما هم عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ والكِبْرِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ، أيْ: وإذا كَذَّبُونِي عَسُرَتْ عَلَيَّ المُحاجَجَةُ عَلى ما هو عادَةُ أهْلِ الهِمَمِ عِنْدَ تَمالُؤِ الخُصُومِ عَلى العِنادِ، والإرْسالُ مُوجِبٌ لِكَلامٍ كَثِيرٍ وحِجاجٍ طَوِيلٍ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا أمَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإنْذارِ قَوْمِهِ: «إذَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَجْعَلُوهُ خُبْزَةً» وكَأنَّ مُرادَ السّادَةِ القادَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ الِاسْتِعْلامُ عَنِ الأمْرِ هَلْ يَجْرِي عَلى العادَةِ أوْ لا؟ فَإنْ كانَ يَجْرِي عَلى العادَةِ وطَّنُوا أنْفُسَهم عَلى المَوْتِ، وإلّا ذَكَرَ لَهُمُ الأمْرَ الخارِقَ فَيَكُونُ بِشارَةً لَهم، لِيَمْضُوا في الأمْرِ عَلى بَصِيرَةٍ، ويَسِيرُوا فِيهِ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ السِّيرَةِ.
ولَمّا أكَّدَ أمْرَ الطَّلَبِ بِهارُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أكَّدَ لَهُ سُبْحانَهُ أمْرَ الإجابَةِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ سَنَشُدُّ﴾ وذَكَرَ أوْلى الأعْضاءِ بِمُزاوَلَةِ المَكارِهِ فَقالَ: ﴿عَضُدَكَ﴾ أيْ: أمْرَكَ ﴿بِأخِيكَ﴾ أيْ: سَنُقَوِّيكَ ونُعِينُكَ بِهِ إجابَةً لِسُؤالِكَ صِلَةً مِنكَ لِأخِيكَ، وعَوْنًا مِنهُ لَكَ ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ أيْ: ظُهُورًا عَظِيمًا عَلَيْهِمْ، وغَلَبَةً لَهم بِالحُجَجِ (p-٢٨٦)والهَيْبَةِ لِأجْلِ ما ذَكَرْتَ مِنَ الخَوْفِ ﴿فَلا﴾ [أيْ: ] فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم لا ﴿يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الغَلَبَةِ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: نَجْعَلُ ذَلِكَ بِسَبَبِ ما يَظْهَرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ المُعَظَّمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا، ولِذَلِكَ كانَتِ النَّتِيجَةُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما﴾ أيْ: مِن قَوْمِكُما وغَيْرِهِمْ ﴿الغالِبُونَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَصِلْ إلى السَّحَرَةِ بِشَيْءٍ مِمّا هَدَّدَهم بِهِ، لِأنَّهم مِن أكْبَرِ الأتْباعِ الباذِلِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اللَّهِ، وكَأنَّهُ حَذَفَ أمْرَهم هُنا لِأنَّهُ في بَيانِ أمْرِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ بِدَلِيلِ ما كَرَّرَ مِن ذِكْرِهِمْ، وقَدْ كَشَفَتِ العاقِبَةُ عَنْ أنَّ السَّحَرَةَ لَيْسُوا مِن جُنُودِهِ، بَلْ مِن حِزْبِ اللَّهِ وجُنْدِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أشارَ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وسَيَأْتِي في آخِرِ سُورَةِ الحَدِيدِ عَنْ تارِيخِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ أنَّهم خَلَصُوا ورَجَعَ بَعْضُهم إلى مِصْرَ فَكانُوا أوَّلَ مَن تَرَهَّبَ.
شَرَحَ ما مَضى مِنَ التَّوْراةِ، قالَ بَعْدَما تَقَدَّمَ: وكانَ مِن بَعْدِ (p-٢٨٧)أيّامٍ كَثِيرَةٍ ماتَ فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ فاسْتَراحَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن شِدَّةِ تَعَبُّدِهِمْ، فَصَّلَوْا فَسَمِعَ اللَّهُ صَلاتَهم، وعَرَفَ تَعَبُّدَهم، وسَمِعَ ضَجَّتَهم، وذَكَرَ عَهْدَهُ لِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَأبْصَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وعَرَفَ ذُلَّهم، فَكانَ مُوسى يَرْعى غَنَمَ يَثْرُو خَتْنِهِ حَبْرِ مَدِينَ، فَساقَ بِالشّاءِ إلى طَرَفِ البَرِّيَّةِ وأتى إلى حُورِيبٍ جَبَلِ اللَّهِ، فَتَراءى لَهُ مُلْكُ اللَّهِ بِلَهَبِ النّارِ مِن جَوْفِ العَوْسَجِ، تَشْتَعِلُ فِيهِ النّارُ، ولَمْ يَكُنِ العَوْسَجُ يَحْتَرِقُ، فَقالَ مُوسى: لِأعْدِلَنَّ فَأنْظُرُ إلى هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ؛ ما بالُ هَذِهِ العَوْسَجَةِ لَمْ تَحْتَرِقْ؟ فَرَأى الرَّبُّ أنَّهُ قَدْ عَدَلَ لِيَنْظُرَ، فَدَعاهُ اللَّهُ مِن جَوْفِ العَوْسَجِ وقالَ لَهُ: يا مُوسى يا مُوسى ! فَقالَ: هَأنَذا! قالَ: لا تَدْنُ إلى هَهُنا، اطْرَحْ خُفَّيْكَ عَنْ قَدَمَيْكَ، لِأنَّ المَكانَ الَّذِي أنْتَ واقِفٌ عَلَيْهِ مَكانٌ طاهِرٌ، وفي نُسْخَةٍ: مُقَدَّسٌ، وقالَ اللَّهُ: أنا إلَهُ أبِيكَ إبْراهِيمَ إلَهُ إسْحاقَ إلَهُ يَعْقُوبَ، فَغَطّى مُوسى وجْهَهُ لِأنَّهُ فَرَقَ أنْ يَمُدَّ بَصَرَهُ نَحْوَ الرَّبِّ، وقالَ الرَّبُّ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ ذُلَّ شَعْبِي بِمِصْرَ، وسَمِعْتُ ضَجَّتَهُمُ الَّتِي ضَجُّوا مِن تَعَبُّدِهِمْ، لِأنِّي عارِفُ بَراءَتِهِمْ، فَنَزَلْتُ لِأُخَلِّصَهم مِن أيْدِي المِصْرِيِّينَ، وأنْ أصَعَدَهم (p-٢٨٨)مِن تِلْكَ الأرْضِ إلى أرْضٍ صالِحَةٍ واسِعَةٍ، تَغُلُّ السَّمْنَ والعَسَلَ: أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ والحاثانِيِّينَ والأمُورانِيِّينَ والفِرَزانِيِّينَ والحاوانِيِّينَ واليابَسانِيِّينَ، والآنَ هو ذا ضَجِيجُ بَنِي إسْرائِيلَ قَدِ ارْتَفَعَ إلَيَّ، ورَأيْتُ ضُرَّ المِصْرِيِّينَ لَهم، فَهَبَطَتِ الآنَ حَتّى أرْسَلَكَ إلى فِرْعَوْنَ، وأخْرَجَ شَعْبِي بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، فَقالَ مُوسى لِلَّهِ: مَن أنا حَتّى أنْطَلِقَ إلى فِرْعَوْنَ وأُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، فَقالَ اللَّهُ: أنا [أكُونُ] مَعَكَ وهَذِهِ الآيَةُ لَكَ أنِّي أرْسَلْتُكَ: إنَّكَ إذا أخْرَجْتَ الشَّعْبَ مِن مِصْرَ تَعْبُدُونَ اللَّهَ في هَذا الجَبَلِ، فَقالَ مُوسى: ها أنَذا مُنْطَلِقٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وأقُولُ لَهم: الرَّبُّ إلَهُ آبائِكم أرْسَلَنِي إلَيْكم، فَإنْ قالُوا [لِي]: ما اسْمُهُ؟ ما الَّذِي أقُولُ؟ فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: قُلْ لَهم: الأزَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ، وفي نُسْخَةٍ: لا يَزُولُ، وقالَ: هَكَذا قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أهَيا شَرَّ أهَيا أرْسَلَنِي إلَيْكم، وقالَ الرَّبُّ أيْضًا لِمُوسى هَكَذا قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: (p-٢٨٩)اللَّهُ رَبُّكم إلَهُ آبائِكم إلَهُ إبْراهِيمَ إلَهُ إسْحاقَ إلَهُ يَعْقُوبَ أرْسَلَنِي إلَيْكم هَذا اسْمِي إلى الأبَدِ، وهَذا ذِكْرِي إلى حِقَبِ الأحْقابِ، انْطَلِقْ فاجْمَعْ أشْياخَ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: الرَّبُّ إلَهُ آبائِكُمُ اعْتَلَنَ لِي، وإلَهُ إبْراهِيمَ [وإسْحاقَ] ويَعْقُوبَ يَقُولُ لَكم: قَدْ ذَكَّرَتْكم وذَكَرَتْ ما صَنَعَ بِكم بِمِصْرَ، ورَأيْتُ إخْراجَكم مَن تَعْبُدُ أهْلِ مِصْرَ إلى أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ - ومَن تَقَدَّمَ مَعَهم - إلى الأرْضِ الَّتِي تَغُلُّ السَّمْنَ والعَسَلَ، فَإذا قَبِلُوا مِنكَ فادْخُلْ أنْتَ وأشْياخُ بَنِي إسْرائِيلَ [إلى] مَلِكَ مِصْرَ فَقُولُوا لَهُ: الرَّبُّ إلَهُ العِبْرانِيِّينَ ظَهَرَ عَلَيْنا فَنَنْطَلِقُ الآنَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ في البَرِّيَّةِ ونَذْبَحُ الذَّبائِحَ لِلَّهِ رَبِّنا، وأنا أعْلَمُ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ لا يَدْعُكم تَخْرُجُونَ، ولا بِيَدٍ واحِدَةٍ شَدِيدَةٍ، حَتّى أبْعَثَ بِآفَتِي وأضْرِبَ المِصْرِيِّينَ بِجَمِيعِ العَجائِبِ [الَّتِي] أُحْدِثُها فِيهِمْ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ يُرْسِلُكم [فَأجْعَلُ] لِلشَّعْبِ في أعْيُنِ المِصْرِيِّينَ رَأْفَةً ورَحْمَةً، فَإذا انْطَلَقْتُمْ فَلا تَنْطَلِقُوا عُطْلًا صُفْرًا، بَلْ تَسْتَعِيرُ المَرْأةُ مِنكم مِن جاراتِها وساكِنَةِ بَيْتِها حُلِيَّ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وكُسْوَةٍ، وألْبِسُوها بَنِيكم وبَناتِكم، وأخْرِبُوا أهْلَ مِصْرَ، فَأجابَ مُوسى وقالَ: إنَّهم لا يُصَدِّقُونَنِي، ولا يَقْبَلُونَ قَوْلِي، لِأنَّهُ يَقُولُونَ: (p-٢٩٠)لِمَ يَتَراءى لَكَ الرَّبُّ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: [ما هَذِهِ الَّتِي في يَدِكَ؟ فَقالَ: هي عَصايَ، فَقالَ: ألْقِها في الأرْضِ، فَألْقاها في الأرْضِ، فَصارَتْ ثُعْبانًا، فَهَرَبَ مِنهُ مُوسى، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ]: يا مُوسى ! مُدَّ يَدَكَ، فَخُذْ بِذَنْبِها، [فَمَدَّ يَدَهُ] فَأمْسَكَهُ فَتَحَوَّلُ في يَدِهِ عَصا، فَقالَ: لِكَيْ يُصَدِّقُوا أنَّ اللَّهَ إلَهُ آبائِهِمْ قَدْ تَراءى لَكَ، إلَهُ إبْراهِيمَ إلَهُ إسْحاقَ إلَهُ يَعْقُوبَ، وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: ارْدُدْ يَدَكَ في رَدْنِكَ، وفي نُسْخَةٍ: في كُمِّكَ، فَأُدْخِلُها ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا بِيَدِهِ بَيْضاءُ كالثَّلْجِ، فَقالَ لَهُ: ارْدُدْ يَدَكَ في حُضْنِكَ، وفي نُسْخَةٍ: في كُمِّكَ، فَرَدَّها ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا هي مِثْلُ جَسَدِهِ، فَإنْ هم لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَسْمَعُوا بِالآيَةِ الأوْلى فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ ويَسْمِعُونَ بِالآيَةِ الأُخْرى، فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآيَتَيْنِ، ولَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَكَ فَخُذْ ماءً مِنَ الأرْضِ، وفي نُسْخَةٍ: النِّيلُ، فاصْبُبْهُ عَلى الأرْضِ، فَإنَّهُ يَنْقَلِبُ ويَصِيرُ دَمًا في اليُبْسِ، فَقالَ مُوسى لِلرَّبِّ: أطْلُبُ إلَيْكَ يا رَبِّ لَسْتُ رَجُلًا ناطِقًا مُنْذُ أمْسِ ولا قَبْلِهِ ولا مِنَ الوَقْتِ الَّذِي كَلَّمْتَ عَبْدَكَ فِيهِ، [لِأنِّي] ألْثَغُ المَنطِقِ عَسِرُ (p-٢٩١)اللِّسانِ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: مَنِ الَّذِي خَلَقَ المَنطِقَ لِلْإنْسانِ؟ ومَنِ الَّذِي خَلَقَ الأخْرَسَ والأصَمَّ والمُبْصِرَ والمَكْفُوفَ؟ ألَيْسَ أنا الرَّبُّ الَّذِي أصْنَعُ ذَلِكَ؟ فانْطَلَقَ الآنَ وأنا أكُونُ مَعَكَ، وراقِبًا لِلِسانِكَ وأُلَقِّنُكَ ما تَنْطِقُ بِهِ، فَقالَ:مُوسى أطْلُبُ إلَيْكَ يا رَبِّ! أرْسَلَ في هَذِهِ الرِّسالَةِ غَيْرِي، فَقالَ: هَذا أخُوكَ هارُونُ اللّاوِي، قَدْ عَلِمَتْ أنَّهُ ناطِقٌ لِسَنٌ، وهو أيْضًا سَيَلْقاكَ، ويَشْتَدُّ فَرَحُهُ بِكَ، وأخْبَرَهُ بِالأمْرِ، ولَقَّنَهُ كَلامِي، وأنا أكُونُ راقِبًا عَلى فِيكَ وفِيهِ وأعْلَمُكُما ما تَصْنَعانِ، وهو يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ؛ فَيَكُونُ لَكَ مُتَرْجِمًا، وأنْتَ تَكُونُ لَهُ إلْهًا، وفي نُسْخَةٍ: أُسْتاذًا ومُدَبِّرًا، وخُذْ في يَدَيْكَ هَذِهِ العَصا لِتَعْمَلَ بِها الآياتِ، فَرَجَعَ مُوسى مُنْطَلِقًا إلى ثِيرُو خَتْنَهُ وقالَ لَهُ: إنِّي راجِعٌ إلى إخْوَتِي بِمِصْرَ، وناظِرٌ هَلْ هم أحْياءٌ بَعْدُ؟ فَقالَ: ثِيرُو لِمُوسى: انْطَلَقَ راشِدًا سالِمًا، وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى في مَدْيَنَ: انْطَلِقْ راجِعًا إلى مِصْرَ لِأنَّ الرِّجالَ الَّذِينَ كانُوا مَعَكَ يَطْلُبُونَ نَفْسَكَ قَدْ هَلَكُوا جَمِيعًا - إلى آخَرَ ما مَضى في الأعْرافِ- وفي هَذا الفَصْلِ ما لا يَسُوغُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا عَلى مَخْلُوقٍ، [وهُوَ] الإلَهُ، وهو في لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ بِمَعْنى العالِمِ والحاكِمِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ماتَ قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى فَإنْ [كانَ] المُرادُ الَّذِي (p-٢٩٢)رَبّى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَيْتِهِ فَهو مِمّا بَدَّلُوهُ.
القصص 28:36
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأتاهم كَما أمَرَ اللَّهُ، وعاضَدَهُ أخُوهُ كَما أخْبَرَ اللَّهُ، ودَعَواهم إلى اللَّهِ تَعالى، وأظْهَرا ما أمِرا بِهِ مِنَ الآياتِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا بِالفاءِ سُرْعَةَ امْتِثالِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
ولَمّا كانَتْ رِسالَةُ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هي تَأْيِيدٌ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِ الجائِي، فَقالَ: ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أيْ: الَّتِي أمَرْناهُ بِها، الدّالَّةِ عَلى جَمِيعِ الآياتِ لِلتَّساوِي في خَرْقِ العادَةِ حالَ كَوْنِها ﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: في غايَةِ الوُضُوحِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴿ما هَذا﴾ [أيْ: ] الَّذِي أظْهَرُهُ مِنَ الآياتِ ﴿إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: هو خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَجَمِيعِ أنْواعِ السِّحْرِ، مُتَعَمِّدًا التَّخْيِيلَ بِهِ، لا أنَّهُ مُعْجِزَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ: الَّذِي تَقَوَّلَهُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ ﴿فِي آبائِنا﴾ وأشارُوا إلى البِدْعَةِ الَّتِي قَدْ أضَلَّتْ أكْثَرَ الخَلْقِ، وهي تَحْكِيمُ عَوائِدِ التَّقْلِيدِ، ولا سِيَّما عِنْدَ تَقادُمِها عَلى القَواطِعِ [فِي قَوْلِهِ: ] ﴿الأوَّلِينَ﴾ وقَدْ كَذَّبُوا وافْتَرَوْا لَقَدْ سَمِعُوا بِذَلِكَ في أيّامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”وما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ“ فَقَدْ قالَ لَهُمُ الَّذِي آمَنَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ (p-٢٩٣)الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤]
القصص 28:37
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِقَوْلِهِمْ عَطَفَ عَلَيْهِ الإخْبارَ بِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُوازِنَ السّامِعُ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، ويَتَبَصَّرَ بِعَقْلِهِ ما الفاسِدُ مِنهُما ”فَبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ“ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالواوِ، واسْتَأْنَفَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ جَوابِهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِحَذْفِها، فَإنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ بَحْثٍ عَمّا أجابَهم بِهِ عِنْدَ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ الباهِراتِ سِحْرًا، اسْتِعْظامًا لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: لَمّا كَذَّبُوهُ وهُمُ الكاذِبُونَ، مُشِيرًا لِذِي البَصَرِ إلى طَرِيقٍ يُمَيِّزُونَ بِهِ الأمْرَيْنِ في سِياقٍ مُهَدِّدٍ لَهم: ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ بِما تَرَوْنَ مِن تَصْدِيقِي في كُلِّ ما ادَّعَيْتُهُ بِإظْهارِ ما لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ عَلى قُوَّتِكم مِنَ الخَوارِقِ، ومَنعِ هَذا الظّالِمِ العاتِي المُسْتَكْبِرِ مِنَ الوُصُولِ إلَيَّ بِسُوءٍ ﴿أعْلَمُ بِمَن جاءَ﴾ بِالضَّلالِ ظُلْمًا وعُدْوانًا، فَيَكُونُ مَخْذُولًا لِكَوْنِهِ ساحِرًا فَمُحْرَقًا مُفْتَرِيًا عَلى اللَّهِ، ويَكُونُ لَهُ سُوءُ الدّارِ، وأعْلَمُ بِحالِهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿بِمَن جاءَ بِالهُدى﴾ أيْ: الَّذِي أذِنَ اللَّهُ فِيهِ، وهو حَقٌّ في نَفْسِهِ ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ تَصْوِيرًا لِحالِهِ، وتَشْوِيقًا إلى أتْباعِهِ ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ﴾ لِكَوْنِهِ مَنصُورًا مُؤَيَّدًا ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ: الرّاحَةُ والسَّكَنُ والِاسْتِقْرارُ مَعَ الأمْنِ والطُّمَأْنِينَةِ والسُّرُورِ والظَّفَرِ (p-٢٩٤)بِجَمِيعِ المَطالِبِ في الحالَةِ الَّتِي تَكُونُ آخِرَ الحالاتِ مِنِّي ومِنكم، فَيَعْلَمُ أنَّهُ أتى بِما يُرْضِي اللَّهَ وهي وإنْ كانَتْ حَقِيقَتُها ما يَتَعَقَّبُ الشَّيْءَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، لَكِنَّها لا يُرادُ بِها إلّا ما يَقْصِدُ لِلْعاقِلِ حَتّى تَكُونَ لَهُ، وأمّا عاقِبَةُ السُّوءِ فَهي عَلَيْهِ لا لَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما أجْرى اللَّهُ بِهِ عادَتَهُ؛ فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ المَخْذُولَ هو الكاذِبُ، إشارَةً إلى أنَّهُ الغالِبُ لِكَوْنِ اللَّهِ مَعَهُ، مُؤَكِّدًا لِما اسْتَقَرَّ في الأنْفُسِ مِن أنَّ التَّقْوى لا يَغْلِبُهُ الضَّعِيفُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ أيْ: يَظْفَرُ ويَفُوزُ ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَمْشُونَ كَما يَمْشِي مَن هو في الظَّلامِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَهم لا يَضَعُونَ قَدَمًا في مَوْضِعٍ يَثِقُونَ بِأنَّهُ صالِحٌ لِلْمَشْيِ فِيهِ، لا تَبِعَةَ فِيهِ ”فَسَتَنْظُرُونَ ولِتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ“ .
القصص 28:38
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ جَوابًا لِهَذا التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بَعْدَ الإعْذارِ، بِبَيانِ الآياتِ الكِبارِ، قانِعًا في مُدافَعَةِ ما رَأى أنَّهُ اجْتَذَبَ قَوْمَهُ الأغْمارَ الأغْبِياءَ عَنِ الجَهْلِ مِن ظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ البَيِّناتِ بِأنْ يُوقِفَهم عَنِ الإيمانِ إلى وقْتٍ ما، وكَذا كانَتْ عادَتُهُ كُلَّما أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُرْهانًا، لِأنَّ قَوْمَهُ في غايَةِ الغَباوَةِ والعَراقَةِ في المَيْلِ إلى الباطِلِ والنَّفْرَةِ مِنَ الحَقِّ وتَرْجِيحِ المَظِنَّةِ عَلى المَئِنَّةِ: ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ أيْ: الأشْرافُ، مُعَظَّمًا لَهُمُ اسْتِجْلابًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ نَفى عِلْمَهُ بِذَلِكَ إظْهارًا لِلنَّصَفَةِ، وأنَّهُ ما قَصَدَ غِشَّهم، وذَلِكَ مِنهُ واضِحٌ [فِي] أنَّهُ قَصَدَ تَشْكِيكَهم، (p-٢٩٥)إشارَةً مِنهُ إلى أنَّ انْتِقاءَ عِلْمِهِ بِوُجُودِهِ ما هو إلّا لِانْتِفاءِ وجُودِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنَّ الحَقَّ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أنْهى ما قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِباهِرِ الآياتِ، وظاهِرِ الدَّلالاتِ؛ ثُمَّ زادَ في إيقافِهِمْ عَنِ المُتابَعَةِ بِأنْ سَبَّبَ عَنْ جَهْلِهِ قَوْلَهُ لِوَزِيرِهِ مُعَلِّمًا لَهُ صَنْعَةَ الآجُرِّ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن عَمِلَهُ، مَعَ أنَّهُ هَذِهِ العِبارَةَ أشْبَهُ بِهِمَمِ الجَبابِرَةِ مِن أنْ يَقُولَ: اصْنَعْ لِي آجُرًّا: ﴿فَأوْقِدْ لِي﴾ أضافَ الإيقادَ إلَيْهِ إعْلامًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ ﴿يا هامانُ﴾ [و]هُوَ وزِيرُهُ ﴿عَلى الطِّينِ﴾ أيْ: المُتَّخَذِ لَبِنًا لِيَصِيرَ آجُرًّا؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الإيقادِ قَوْلَهُ: ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ أيْ: مِنهُ ﴿صَرْحًا﴾ أيْ: بِناءً عالِيًا يُتاخِمُ السَّماءَ، قالَ الطَّبَرِيُّ: وكُلُّ بِناءٍ مُسَطَّحٍ فَهو صَرْحٌ كالقَصْرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ بِناءٍ [مُتَّسِعٍ] مُرْتَفِعٍ ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ أيْ: أتَكَلَّفُ الطُّلُوعَ ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ [أيْ: ] الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَأنا أطْلُبُهُ في السَّماءِ مُوهِمًا لَهم أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الدَّعْوى بِأنَّهُ مَوْجُودٌ، وهو قاطِعٌ بِخِلافِ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَقْصِدُ المُدافَعَةَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، لِعِلْمِهِ أنَّ العادَةَ جَرَتْ بِأنَّ أكْثَرَ (p-٢٩٦)النّاسِ يَظُنُّونَ بِالمُلُوكِ القُدْرَةَ عَلى كُلِّ ما يَقُولُونَهُ؛ ثُمَّ زادَهم شَكًّا بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ دَفْعِ ما اسْتَقَرَّ في الأنْفُسِ مِن صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: دَأْبُهُ ذَلِكَ، وقَدْ كَذَبَ هو ولَبِسَ لَعْنَةَ اللَّهِ ووَصَفَ أصْدَقَ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ بِالصِّفَةِ العَرِيقَةِ في العُدْوانِ، وإنْ كانَ هَذا الكَلامُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَلا شَيْءَ أثْبَتُ شَهادَةً عَلى إفْراطِ جَهْلِهِ وغَباوَتِهِ مِنهُ حَيْثُ ظَنَّ أنَّهُ يَصِلُ السَّماءَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ عَلى تَقْدِيرِ الوُصُولِ يَقْدِرُ عَلى الِارْتِقاءِ عَلى ظَهْرِها، [ثُمَّ] عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى مُنازَعَةِ بانِيها وسامِكِها ومُعْلِيها.
القصص 28:39
ولَمّا قالَ هَذا مُرِيدًا بِهِ - كَما تَقَدَّمَ - إيقافَ قَوْمِهِ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، أتْبَعَهُ تَعالى الإشارَةَ إلى أنَّهم فَعَلُوا ما أرادَ، [وإنْ] كانَ ذَلِكَ هو الكِبْرَ عَنِ الحَقِّ فَقالَ تَعالى: ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ: وأوْجَدَ الكِبْرَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ ﴿هُوَ﴾ بِقَوْلِهِ هَذا الَّذِي صَدَّهم بِهِ عَنِ السَّبِيلِ ﴿وجُنُودُهُ﴾ بِانْصِدادِهِمْ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ في الكِبْرِ عَلى الحَقِّ والِاتِّباعِ لِلْباطِلِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ، ولَعَلَّهُ عَرَّفَها إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ في غَيْرِها فَعَلَ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: اسْتِكْبارًا مَصْحُوبًا بِغَيْرِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، والتَّعْبِيرُ (p-٢٩٧)بِالتَّعْرِيفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّعْظِيمَ بِنَوْعٍ مِنَ الحَقِّ لَيْسَ كِبْرًا وإنْ كانَتْ صُورَتُهُ كَذَلِكَ، وأمّا تَكَبُّرُهُ سُبْحانَهُ فَهو بِالحَقِّ كُلِّهِ، وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنِ الغَباوَةِ أيْضًا ولِذا لَمْ يَعْطِفْهُ بِالفاءِ، فَقالَ: ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ظَنًّا بَنَوْا عَلَيْهِ اعْتِقادَهم في أصْلِ الدِّينِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا بِقاطِعِ ﴿أنَّهم إلَيْنا﴾ أيْ: إلى حُكْمِنا خاصَّةً الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَهُ انْقِطاعُ الأسْبابِ ﴿لا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ اجْتَرَؤُوا عَلى ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الفَسادِ.
القصص 28:40
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إهْلاكُهم قالَ: ﴿فَأخَذْناهُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا أخْذَ قَهْرٍ ونِقْمَةٍ ﴿وجُنُودَهُ﴾ أيْ: كُلَّهم، وذَلِكَ عَلَيْنا هَيِّنٌ، وأشارَ إلى احْتِقارِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ أيْ: عَلى صِغَرِهِمْ وعَظَمَتِنا ﴿فِي اليَمِّ﴾ فَكانُوا عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ كَحَصَياتٍ صِغارٍ قَذَفَها الرّامِي الشَّدِيدُ الذِّراعِ مِن يَدِهِ في البَحْرِ، فَغابُوا في الحالِ، وما آبُوا ولا أحَدٌ مِنهم إلى أهْلٍ ولا مالٍ. ولَمّا سَبَّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ العُلُومِ، ما لا يُحِيطُ بِهِ الفُهُومُ، قالَ: ﴿فانْظُرْ﴾ أيْ: أيُّها المُتَعَرِّفُ لِلْآياتِ النّاظِرُ فِيها نَظَرَ الِاعْتِبارِ؛ وزادَ في تَعْظِيمِ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ لَهُ أنْ يُسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو الكَوْنُ ﴿عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ وإنْ زادَ ظُلْمُهم، وأعْيا أمْرُهم، ذَهَبُوا في طَرْفَةِ عَيْنٍ، كَأنْ لَمْ يَكُونُوا، وغابُوا عَنِ العُيُونِ كَأنَّهم قَطُّ لَمْ يُبَيِّنُوا، وسَكَتُوا بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ والنَّهْيِ (p-٢٩٨)فَصارُوا بِحَيْثُ لَمْ يُبَيِّنُوا، فَلْيُحَذِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى ظُلْمِهِمْ أنْ يَنْقَطِعُوا ويُبَيِّنُوا، وهَذا إشارَةٌ عَظِيمَةٌ بِأعْظَمِ بِشارَةٍ بِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ يَكُونُ عاقِبَتُهُ هَكَذا إنْ صابَرَهُ المَظْلُومُ المُحِقُّ، ورابَطَهُ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ.
القصص 28:41
ولَمّا كانَ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كانَ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُها ووَزِرُ مِن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وكانُوا أوَّلَ مَن أصَرَّ وأطْبَقَ في ذَلِكَ الزَّمانِ عَلى تَكْذِيبِ الآياتِ، وإخْفاءِ الدَّلالاتِ النَّيِّراتِ، عَلى تَوالِيها وكَثْرَتِها، وطُولِ زَمانِها وعَظْمَتِها وكانَتْ مُنابَذَةُ العَقْلِ واتِّباعُ الضَّلالِ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ، لاسِيَّما إنْ كانَتْ ضامِنَةً لِلْهَلاكِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى في مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ [أيْ: في الدُّنْيا] ﴿أئِمَّةً﴾ أيْ: مَتْبُوعِينَ في رَدِّ ما لا يَرُدُّهُ عاقِلٌ مِن هَذِهِ الآياتِ، أيْ: جَعَلْنا أمْرَهم شَهِيرًا حَتّى لا يَكادَ أحَدٌ يَجْهَلُهُ، فَكُلُّ مَن فَعَلَ مِثْلَ أفْعالِهِمْ مِن رَدِّ الحَقِّ والتَّجَبُّرِ عَلى الخْلْقِ، فَكَأنَّهُ قَدِ اخْتارَ الِاقْتِداءَ [بِهِمْ] وإنْ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا ذَلِكَ، فَأطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَفْعًا لَهُ عَنِ النِّسْبَةِ إلى أنَّهُ يَعْمَلُ ما يَلْزَمُهُ الِاتِّسامُ بِهِ وهو عاقِلٌ عَنْهُ كَما أنَّهُ لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ، (p-٢٩٩)وأحَقُّ النّاسِ بِاتِّباعِهِمْ في باطِنِ اعْتِقادِهِمْ وظاهِرِ اصْطِناعِهِمْ، وخَيْبَةِ آمالِهِمْ وأطْماعِهِمْ أهْلُ الإلْحادِ بِمَذْهَبِ الِاتِّحادِ أهْلَكَ اللَّهُ أنْصارَهم، وعَجَّلَ دَمارَهم، وكَشَفَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الدُّعاءَ لِمَنِ اغْتَرَّ بِحالِهِمْ، فَضَلَّ ضَلالَهم ﴿إلى النّارِ﴾ أيْ: [وجَعَلْنا لَهم أعْوانًا يَنْصُرُونَهُمْ] عَكْسَ ما أرَدْنا لِبَنِي إسْرائِيلَ - كَما سَلَفَ أوَّلَ السُّورَةِ - وجَعَلْناهم مَوْرُوثِينَ.
ولَمّا كانَ الغالِبُ مِن حالِ الأئِمَّةِ النُّصْرَةُ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ عَنْ خِذْلانِهِمْ في الدُّنْيا، قالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: الَّذِي هو يَوْمُ التَّغابُنِ ﴿لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم نَوْعُ نُصْرَةٍ أصْلًا كَما كانُوا يَوْمَ هَلاكِهِمْ في الدُّنْيا سَواءً، ولا هم أئِمَّةٌ ولا لَهم دَعْوَةٌ، يَخْلُدُونَ في العَذابِ، ويَكُونُ لَهم سُوءُ المَآبِ.
القصص 28:42
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ هَذا الحالِ، أخْبَرَ عَنْ ثَمَرَتِهِ؛ فَقالَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، وأنَّهم مَعَ ذَلِكَ طَوْعُ المَشِيئَةِ ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ الإطْنابَ في بَيانِ مُلْكِهِمْ، فَسَّرَ اسْمَ الإشارَةِ فَقالَ: ﴿الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَقُلْ: الحَياةِ، لِأنَّ السِّياقَ لِتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ ودَناءَةِ شَأْنِهِمْ ﴿لَعْنَةً﴾ أيْ: طَرْدًا وبُعْدًا عَنْ جَنابِنا [ودَفْعًا لَهم بِذَلِكَ] ودُعاءً عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن كُلِّ مَن سَمِعَ خَبَرَهم بِلِسانِهِ (p-٣٠٠)إنْ خالَفَهم، أوْ بِفِعْلِهِ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ وِزْرِهِ إنَّ والفَهْمَ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً، ومَن شاكَلَهم ﴿مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ أيْ: المُبْعَدِينَ أيْضًا المَخْزِيِّينَ مَعَ قُبْحِ الوُجُوهِ والأشْكالِ، والشَّناعَةِ في الأقْوالِ والأفْعالِ والأحْوالِ، مِنَ القُبْحِ الَّذِي هو ضِدُّ الحُسْنِ، ومِن قَوْلِهِمْ: قَبَّحْتُ الشَّيْءَ - إذا كَسَرْتَهُ- وقَبَّحَ اللَّهُ العَدُوَّ: أبْعَدَهُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، فَيا لَيْتَ شِعْرِي أيُّ صَراحَةٍ بَعْدَ هَذا [فِي] أنَّ فِرْعَوْنَ عَدُوُّ اللَّهِ، في الآخِرَةِ كَما كانَ عَدُوَّهُ في الدُّنْيا، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّهُ ماتَ مُؤْمِنًا، وإنَّهُ لا صَرِيحَ في القُرْآنِ بِأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وعَلى [كُلِّ] مَن يَشُكُّ في كُفْرِهِ بَعْدَ ما ارْتَكَبَهُ مِن جَلِيِّ أمْرِهِ.
القصص 28:43
ولَمّا وعَدَ سُبْحانَهُ بِإمامَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقَصَّ القَصَصَ حَتّى خَتَمَ بِإمامَةِ آلِ فِرْعَوْنَ في الدُّعاءِ إلى النّارِ إعْلامًا بِأنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ تَجِبُ مُجانَبَتُهُ ومُنابَذَتُهُ ومُباعَدَتُهُ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ إمامَةٍ مِن دِعامَةٍ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى أساسِ إمامَةِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّتِي يَجِبُ العُكُوفُ في ذَلِكَ الزَّمانِ عَلَيْها، والتَّمَسُّكُ بِها، والمُبادَرَةُ إلَيْها، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ مُقْسِمًا عَلَيْهِ [مَعَ الِافْتِتاحِ] بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ، لِأنَّ العَرَبَ وإنْ كانُوا مُصَدِّقِينَ لِما وقَعَ مِنَ المِنَّةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْقاذِهِمْ مِن يَدِ فِرْعَوْنَ (p-٣٠١)وتَمْكِينِهِمْ بَعْدَهُ، وإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ، فَحالُهم بِإنْكارِ التَّمْكِينِ لِأهْلِ الإسْلامِ والتَّكْذِيبِ بِكِتابِهِمْ حالُ المُكَذِّبِ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ نَبِيٍّ ونَبِيٍّ، وكِتابٍ وكِتابٍ، وناسٍ وناسٍ، لِأنَّ رَبَّ الكُلِّ واحِدٌ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ الجَلالِ والجَمالِ والمَجْدِ والكَمالِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ: التَّوْراةَ الجامِعَةَ لِلْهُدى والخَيْرِ في الدّارَيْنِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أوَّلُ كِتابٍ أُنْزِلَتْ فِيهِ الفَرائِضُ والأحْكامُ.
ولَمّا كانَ حُكْمُ التَّوْراةِ لا يَسْتَغْرِقُ الزَّمانَ الآتِيَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما﴾ إشارَةً إلى أنَّ إيتاءَها إنَّما هو في مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ، ثُمَّ يَنْسَخُها سُبْحانَهُ بِما يَشاءُ مِن أمْرِهِ ﴿أهْلَكْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿القُرُونَ الأُولى﴾ أيْ: مِن قَوْمِ نُوحٍ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ووَقَّتَها بِالهَلاكِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَعُمُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ بِالهَلاكِ بَعْدَ إنْزالِها تَشْرِيفًا لَها ولِمَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وأُوصِلَتْ إلَيْهِ؛ [ثُمَّ] ذَكَرَ حالَها بِقَوْلِهِ: ﴿بَصائِرَ﴾ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي نُورُ القَلْبِ، مَصابِيحَ وأنْوارًا ﴿لِلنّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أيْ: يُبْصِرُونَ بِها ما يَعْقِلُ مِن أمْرِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، وأُولاهم وأُخْراهم، كَما أنَّ نُورَ العَيْنِ (p-٣٠٢)يُبْصَرُ بِهِ ما يُحْسَنُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ المُسْتَبْصِرُ قَدْ لا يَهْتَدِي لِمانِعٍ قالَ: ﴿وهُدًى﴾ [أيْ: ] لِلْعامِلِ بِها إلى كُلِّ خَيْرٍ. ولَمّا كانَ المُهْتَدِي رُبَّما حَمَلَ عَلى مَن تَوَصَّلَ إلى غَرَضِهِ، وكانَ ضارًّا، قالَ: ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً هَنِيَّةً شَرِيفَةً، لِأنَّها قائِدَةٌ إلَيْها.
ولَمّا ذَكَرَ حالَها، ذَكَرَ حالَهم بَعْدَ إنْزالِها فَقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى تَذَكُّرُهُ، وهَذا إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ في الشَّرائِعِ ما يَخْرُجُ عَنِ العَقْلِ بَلْ مَتى تَأمَّلَهُ الإنْسانُ تَذَكَّرَ بِهِ مِن عَقْلِهِ ما يُرْشِدُ إلى مِثْلِهِ.
القصص 28:44
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن غَرائِبِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وخِفِيِّ أحْوالِهِ ما بَيَّنَ، وكانَتْ [هَذِهِ] الأخْبارُ لا يَقْدِرُ أهْلُ الكِتابِ عَلى إنْكارِها، نَوْعًا مِنَ الإنْكارِ، وكانَ مِنَ المَشْهُورِ أيَّ اشْتِهارٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْرِفْها ولا سِواها مِن غَيْرِ الواحِدِ القَهّارِ، أشارَ إلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿آتَيْنا﴾ [القصص: ٤٣] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ أيْ: الوادِي مِنَ الطُّورِ الَّذِي رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ النّارَ، [وهُوَ مِمّا يَلِي البَحْرَ مِنهُ مِن جِهَةِ الغَرْبِ عَلى يَمِينِ المُتَوَجِّهِ إلى ناحِيَةِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ مِن ناحِيَةِ مِصْرَ ]، فَناداهُ مِنهُ العَزِيزُ (p-٣٠٣)الجَبّارُ، وهو ذُو طَوًى ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قَضَيْنا﴾ بِكَلامِنا بِما حَوى مِنَ الجَلالِ، وزادَ العَظَمَةَ في رَفِيعِ دَرَجاتِهِ بِالإشارَةِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ إرْسالِهِ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وما نُرِيدُ أنْ نَفْعَلَ مِن ذَلِكَ في أوَّلِهِ وأثْنائِهِ [وآخِرِهِ] مُجْمَلًا، فَكانَ كُلُّ ما أخْبَرْنا بِهِ مُطابِقًا تَفْصِيلُهُ لِإجْمالِهِ، فَأنْتَ بِحَيْثُ تَسْمَعُ ذَلِكَ الَّذِي قَضَيْناهُ إلَيْهِ مِنَ الجانِبِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ ﴿وما كُنْتَ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لِتَفاصِيلِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي أجْمَلْناهُ لِمُوسى في ذَلِكَ المَكانِ في أوْقاتِهِ مَعَ مَن شَهِدَهُ مِنهُ مِن أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ مِنَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم أوْ غَيْرَهم مِمَّنْ تَبِعَهُ أوْ صَدَّ عَنْهُ حَتّى تُخْبِرَ بِهِ كُلِّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي أتَيْناكَ بِهِ في هَذِهِ الأسالِيبِ المُعْجِزَةِ، ولا شَكَّ أنَّ أمْرَ مَعْرِفَتِكَ كَذَلِكَ مُنْحَصِرٌ في شُهُودِكَ إيّاهُ في وقْتِهِ أوْ تَعَلُّمِكَ لَهُ مِنَ الخالِقِ، أوْ مِنَ الخَلائِقِ الَّذِينَ شاهَدُوهُ، أوْ أخْبَرَهم بِهِ مَن شاهَدَهُ، وانْتِفاءُ تَعَلُّمِهِ مِن أحَدٍ مِنَ الخَلائِقِ في الشُّهْرَةِ بِمَنزِلَةِ انْتِفاءِ شُهُودِهِ لَهُ في وقْتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَلَقِّيهُ لَهُ مِنَ الخالِقِ، وهو الحَقُّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَ مُنْصِفٍ.
القصص 28:45
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وما كُنْتَ مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ الحاضِرِينَ (p-٣٠٤)لِذَلِكَ الأمْرِ، وامْتَدَّ عُمْرُكَ إلى هَذا الزَّمانِ حَتّى أُخْبِرْتَ بِما كُنْتَ حاضِرَهُ، اسْتَدْرَكَ ضِدَّ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَكِنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أنْشَأْنا﴾ أيْ: بَعْدَ ما أهْلَكْنا أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِينَ عَلِمُوا هَذِهِ الأُمُورَ بِالمُشاهَدَةِ والإخْبارِ، كُلِّهِمْ ﴿قُرُونًا﴾ أيْ: ما أخَّرْنا أحَدًا مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، ولَكِنّا أهْلَكْناهم وأنْشَأْنا بَعْدَهم أجْيالًا كَثِيرَةً ﴿فَتَطاوَلَ﴾ بِمُرُورِهِ وعُلُوِّهِ ﴿عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ جِدًّا بِتَدْرِيجٍ مِنَ الزَّمانِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَنُسِيَتْ تِلْكَ الأخْبارُ، وحَرَّفَتْ ما بَقِيَ مِنها الرُّهْبانُ والأحْبارُ، ولا سِيَّما في زَمانِ الفَتْرَةِ، فَوَجَبَ في حِكْمَتِنا إرْسالُكَ فَأرْسَلْناكَ لِتُقَوِّمَ المَحَجَّةَ، وتَقُومَ بِكَ الحُجَّةُ، فَعُلِمَ أنَّ إخْبارَكَ بِهَذا والحالُ أنَّكَ لَمْ تُشاهِدْهُ ولا تَعَلَّمْتَهُ مِن مَخْلُوقٍ إنَّما هو عَنّا وبِوَحْيِنا.
ولَمّا نَفى العِلْمَ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الشُّهُودِ، نَفى سَبَبَ العِلْمِ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ أيْ: مُقِيمًا إقامَةً طَوِيلَةً مَعَ المُلازَمَةِ بِمَدْيَنَ ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ﴾ أيْ: قَوْمِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَتْلُو﴾ أيْ: تَقْرَأُ عَلى سَبِيلِ القَصِّ لِلْآثارِ والأخْبارِ الحَقِّ ﴿عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ العَظِيمَةَ، لِتَكُونَ مِمَّنْ يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الوَحْيِ وتَتَعَرَّفُ دَقِيقَ أخْبارِهِ، فَيَكُونُ خَبَرُهم وخَبَرُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَهم وخَبَرُهُ بَعْدَ فِراقِهِ لَهم (p-٣٠٥)مِن شَأْنِكَ، لِتَوَفُّرِ داعِيَتِكَ حِينَئِذٍ عَلى تَعَرُّفِهِ ﴿ولَكِنّا كُنّا﴾ أيْ: كَوْنًا أزَلِيًّا أبَدِيًّا نِسْبُتُهُ إلى جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، عَلى حَدٍّ سَواءٍ ﴿مُرْسِلِينَ﴾ أيْ: لَنا صِفَةُ القُدْرَةِ عَلى الإرْسالِ، فَأرْسَلْنا إلى كُلِّ نَبِيٍّ في وقْتِهِ ثُمَّ أرْسَلْنا إلَيْكَ في هَذا الزَّمانِ بِأخْبارِهِمْ وأخْبارِ غَيْرِهِمْ لِتَنْشُرَها في النّاسِ، واضِحَةَ البَيانِ سالِمَةً مِنَ الإلْباسِ، لِأنّا كُنّا شاهِدِينَ لِذَلِكَ كُلِّهِ، لَمْ يَغِبْ عَنّا شَيْءٌ مِنهُ ولا كانَ إلّا بِأمْرِنا.
القصص 28:46
ولَمّا نَفى السَّبَبَ المَبْدَئِيَّ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ الإجْمالِ ثُمَّ الفائِيِّ لِلْعِلْمِ بِتَفْصِيلِ تِلْكَ الوَقائِعِ والأعْمالِ، نَفى السَّبَبَ الفائِيَّ لِلْعِلْمِ بِالأحْكامِ ونَصْبِ الشَّرِيعَةِ بِما فِيها مِنَ القَصَصِ والمَواعِظِ والحَلالِ والحَرامِ والآصارِ والأغْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿نادَيْنا﴾ أيْ: أوْقَعْنا النِّداءَ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأعْطَيْناهُ التَّوْراةَ وأخْبَرْناهُ بِما لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ إلّا مِن قِبَلِنا أوْ قِبَلِهِ، ومِنَ المَشْهُورِ أنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ، لِأنَّكَ ما خالَطْتَ أحَدًا مِمَّنْ حَمَلَ تِلْكَ الأخْبارَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا أحَدٌ أحْمَلَها عَمَّنْ حَمَلَها عَنْهُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ كانَ إلَيْكَ مِنّا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: أنْزَلْنا ما أرَدْنا مِنهُ ومَن غَيْرِهِ عَلَيْكَ وأوْحَيْناهُ إلَيْكَ وأرْسَلْناكَ بِهِ إلى الخَلائِقِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَكَ خُصُوصًا ولِلْخَلْقِ عُمُومًا ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أيْ: تُحَذِّرَ (p-٣٠٦)تَحْذِيرًا كَبِيرًا ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: أهْلَ قُوَّةٍ ونَجْدَةٍ، لَيْسَ لَهم عائِقٌ مِن أعْمالِ الخَيْرِ العَظِيمَةِ، لا الإعْراضُ عَنْكَ، وهُمُ العَرَبُ، ومَن في ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ الخَلْقِ ”ما آتاهم“ وعَمَّ المَنفِيَّ بِزِيادَةِ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ: مِنهم، وهم مَقْصُودُونَ بِإرْسالِهِ إلَيْهِمْ وإلّا فَقَدَ أتَتْهم رُسُلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ رُسُلُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ صَحَّ أمْرُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيُّ فَيَكُونُ نَبِيًّا غَيْرَ رَسُولٍ، أوْ يَكُونُ رَسُولًا إلى قَوْمِهِ بَنِي عَبْسٍ خاصَّةً، فَدُعاؤُهُ لِغَيْرِهِمْ إنْ وقَعَ فَمِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ عُمُومًا، لا الإرْسالِ خُصُوصًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: نَذِيرٌ مِنهم عُمُومًا، وزِيادَةُ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ تَدَلُّ عَلى الزَّمَنِ القَرِيبِ، وهو زَمَنُ الفَتْرَةِ، وأمّا ما قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا فِيهِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى غَيَّرَهُ عَمْرُو بْنُ لِحَيٍّ فَقَدْ أنْذَرَهم في تِلْكَ الأزْمانِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ مَن بَعْدَهم مِن صالِحِي ذُرِّيَّتِهِمْ إلى زَمانِ عَمْرِو بْنِ لِحَيٍّ، فَهم لِأجْلِ عَدَمِ النَّذِيرِ عُمْيٌ، عَنِ الهُدى، سالِكُونَ سَبِيلَ الرَّدى، وقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهم إذا قَبِلُوا ما جِئْتَ بِهِ وتَدَبَّرُوهُ أذْكُرُهم إذْكارًا ظاهِرًا - بِما أشارَ إلَيْهِ (p-٣٠٧)الإظْهارُ - ما في عُقُولِهِمْ مِن شَواهِدِهِ وإنْ كانَتْ لا تَسْتَقِلُّ بِدُونِهِ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
القصص 28:47
ولَمّا كانَ انْتِفاءُ إنْذارِهِمْ قَبْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نافِيًا لِلْحُجَّةِ في عَذابِهِمْ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ - ولَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ - عَلى نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةً، ذَكَرَ أنَّ إرْسالَهُ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَوْلا﴾ أيْ: ولَوْلا هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ ما أرْسَلْناكَ لِتُنْذِرَهم، ولَكِنَّهُ حَذَفَ هَذا الجَوابَ إجْلالًا لَهُ ﷺ عَنِ المُواجَهَةِ بِهِ، وذَلِكَ الَّذِي خَتَمَ الإرْسالَ هو ﴿أنْ تُصِيبَهُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي الَّتِي قَضَيْنا بِأنَّها مِمّا لا يُعْفى عَنْهُ ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أرْسَلْتَ إلَيْنا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ التَّشْرِيفِ لَنا، لِنَكُونَ عَلى عِلْمٍ بِأنّا مِمَّنْ يَعْتَنِي المَلِكُ الأعْلى بِهِ ﴿رَسُولا﴾ وأجابَ التَّخْصِيصَ الَّذِي شَبَّهُوهُ بِالأمْرِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما باعِثًا عَلى الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبَ عَنْ إرْسالِ رَسُولِكَ أنْ نَتَّبِعَ ﴿آياتِكَ ونَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الرُّسُوخِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: المُصَدِّقِينَ بِكَ في كُلِّ ما أتى بِهِ عَنْكَ رَسُولُكَ ﷺ تَصْدِيقًا بَلِيغًا، فَإذا قالُوا (p-٣٠٨)ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الإرْسالِ قامَتْ لَهم حُجَّةٌ في مَجارِي عاداتِكم وإنْ كانَتْ لَنا الحُجَّةُ البالِغَةُ.
القصص 28:48
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ هَذِهِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ ﴿الحَقُّ﴾ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وما يُقاسُ عَلَيْهِما، وهو في نَفْسِهِ جَدِيرٌ بِأنْ يُقْبَلَ لِكَوْنِهِ في الذِّرْوَةِ العُلْيا مِنَ الثَّباتِ، فَكَيْفَ وهو ﴿مِن عِنْدِنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وعَلى لِسانِكَ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ! ﴿قالُوا﴾ أيْ: أهْلُ الدَّعْوَةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ تَعَنُّتًا كُفْرًا بِهِ: ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ مِنَ الآياتِ، [أيْ: هَذا الآتِي بِما يَزْعُمُ أنَّهُ الحَقُّ]، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ مُطْلَقُ الإيتاءِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُ الرِّسالَةِ، مَعَ أنَّ المُؤْتى مَعْلُومٌ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ أيْ: مِنَ اليَدِ والعَصا وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى إتْيانِها إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْإيمانِ عَلى زَعْمِهِمْ [إلّا بِأنْ] يَكُونَ أعْظَمَ مِمّا أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ يَكُونَ النّاسُ لَمْ يَتَوَقَّفُوا في الإيمانِ بِهِ، وكانَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مُنْتَفِيًا بِأنَّ أهْلَ زَمانِهِ كَفَرُوا بِهِ، وهو لَمّا سَألُوا (p-٣٠٩)اليَهُودَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمَرُوهم أنْ يَمْتَحِنُوهُ بِالرُّوحِ وقِصَّتَيْ أهْلِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ وجاءَ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِما لَزِمَهم تَصْدِيقُهُ، فامْتَنَعُوا وأصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وكانَ في ذَلِكَ كُفْرُهم بِهِ وبِمُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ألَمْ يَكْفُرُوا بِما أتاهم بِهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ مَعَ أنَّهُ مِثْلُ [ما] أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ أعْظَمُ مِنهُ ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ أيْ: العَرَبُ ومَن بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم أوْ أبْناءُ جِنْسِهِمْ ومَن كانَ مِثْلَهم في البَشَرِيَّةِ والعَقْلِ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِما أُوتِيَ مُوسى﴾
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن إتْيانِهِ وكُفْرِهِمْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: [مِن] قَبْلِ مَجِيءِ الحَقِّ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَيْهِمْ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ كُفْرُهم بِهِ؟ قِيلَ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ومَن كَفَرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَقارُونَ ومَن تَبِعَهُ. ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ هُنا قَرِيبًا أنَّ المُظاهِرَ لَهُ أخُوهُ، فَكانَ المُرادُ واضِحًا، أضْمَرَهُما فَقالَ: ﴿سِحْرانِ﴾ أيْ: هو وأخُوهُ ﴿تَظاهَرا﴾ أيْ: أعانَ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ عَلى سِحْرِهِ حَتّى صارَ سِحْرُهُما مُعْجِزًا فَغَلَبا جَمِيعَ السَّحَرَةِ، وتَظاهُرُ السّاحِرِينَ مِن تَظاهُرِ السِّحْرَيْنِ - عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ - ويَجُوزُ - وهو أقْرَبُ- أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمُحَمَّدٍ ومُوسى (p-٣١٠)عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ إلى يَهُودٍ فَسَألُوهم عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأخْبَرُوهم أنَّ نَعْتَهُ في كِتابِهِمْ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما كانَ كُفْرُهم بِهِما؟ فَقِيلَ: قالُوا - أيْ: العَرَبُ -: الرَّجُلانِ ساحِرانِ، أوِ الكِتابانِ سِحْرانِ، ظاهَرَ أحَدُهُما الآخَرَ مَعَ عِلْمِ كُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ هَذا القَوْلَ زَيْفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرْطُ إعْجازِ السِّحْرِ التَّظاهُرَ، لَكانَ سِحْرُ فِرْعَوْنَ أعْظَمَ إعْجازًا، لِأنَّهُ تَظاهَرَ عَلَيْهِ جَمِيعُ سَحَرَةِ بِلادِ مِصْرَ وعَجَزُوا عَنْ مُعارِضِ ما أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن آيَةِ العَصا، وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَدْ دَعا أهْلَ الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إلى مُعارَضَةِ كِتابِهِ وأخْبَرَهم أنَّهم عاجِزُونَ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا فَعَجَزُوا.
ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم ذَلِكَ الكُفْرَ، صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: كَفارُّ قُرَيْشٍ أوِ المُتَقَدِّمُونَ مِن فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ: ﴿إنّا بِكُلٍّ﴾ مِنَ السّاحِرَيْنِ أوِ السِّحْرَيْنِ اللَّذَيْنِ تَظاهَرا بِهِما، وهُما ما أتَيا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿كافِرُونَ﴾ جُرْأةً عَلى اللَّهِ وتَكَبُّرًا عَلى الحَقِّ.
القصص 28:49
ولَمّا قالُوا ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ؟ قالَ: ﴿قُلْ﴾ (p-٣١١)إلْزامًا لَهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنِّي ساحِرٌ وكِتابِي سِحْرٌ وكَذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ﴾ وأشارَ بِالتَّعْبِيرِ في وصْفِهِ بِعِنْدَ دُونَ لَدُنْ إلى أنَّهُ يَقْنَعُ مِنهم بِكَوْنِهِ حَكِيمًا خارِقًا لِلْعادَةِ في حِكْمَتِهِ وإنْ لَمْ يُبْلَغِ الذِّرْوَةَ في الغَرابَةِ بِأنِ انْفَكَّ عَنِ الإعْجازِ في نَظْمِهِ كالتَّوْراةِ فَقالَ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى، يَنْطِقُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ أحْوالَهُ وحِكْمَتَهُ وجَلالَهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ: الَّذِي أتَيْتُمْ بِهِ ﴿أهْدى مِنهُما﴾ أيْ: مِمّا أتَيْتُ بِهِ ومِمّا أتى بِهِ مُوسى ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ: وأتْرُكْهُما.
ولَمّا أمَرَهم بِأمْرِهِ بِالإتْيانِ، ذَكَرَ شَرْطَهُ مِن بابِ التَّنَزُّلِ، لِإظْهارِ النَّصَفَةِ، وهو في الحَقِيقَةِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ [أيُّها الكُفّارُ! كَوْنًا راسِخًا] ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنّا ساحِرانِ، فائْتُوا ما ألْزَمْتُكم بِهِ.
القصص 28:50
ولَمّا [كانَ] شَرْطُ صِدْقِهِمْ، بَيَّنَ كَذِبَهم عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ [أيْ: الكُفّارُ الطّالِبُونَ لَلْأهْدى في الإتْيانِ بِهِ]، ولَمّا كانَتِ الِاسْتِجابَةُ تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى الدُّعاءِ، وبِاللّامِ إلى الدّاعِي، وكانَ ذِكْرُ الدّاعِي أدَلَّ عَلى الِاعْتِناءِ بِهِ والنَّظَرِ إلَيْهِ، قالَ (p-٣١٢)[مُفْرِدًا لِضَمِيرِهِ ﷺ لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ المُقايَسَةَ في الأهْدَوِيَّةِ غَيْرُهُ]: ﴿لَكَ﴾ أيْ: يَطْلُبُوا الإجابَةَ ويُوجِدُوها في الإيمانِ أوَ الإتْيانِ بِما ذَكَرْتَهُ لَهم ودَعَوْتَهم إلَيْهِ مِمّا هو أهْدى، مِنَ القُرْآنِ والتَّوْراةِ لِيَظْهَرَ صِدْقُهم ﴿فاعْلَمْ﴾ أنْتَ ﴿أنَّما يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: دائِمًا، وأكْثَرُ الهَوى مُخالِفٌ لِلْهُدى فَهم ظالِمُونَ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، بَلْ هم أضَلُّ النّاسِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن أضَلُّ﴾ أيْ: مِنهم، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿هَواهُ﴾ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ والتَّقْيِيدِ وبِقَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ هُدًى﴾ أيْ: بَيانٍ وإرْشادٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهَوى قَدْ يُوافِقُ الهُدى، والتَّعْبِيرُ بِالِافْتِعالِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التّابِعَ وإنْ كانَ ظالِمًا قَدْ لا يَكُونُ أظْلَمَ.
ولَمّا كانَتْ مُتابَعَةُ الهَوى عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ ظُلْمًا، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ مُظْهِرًا لِئَلّا يُدْعى التَّخْصِيصُ بِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿لا يَهْدِي﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِلتَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: وإنْ كانُوا أقْوى النّاسِ لِاتِّباعِهِمْ أهْواءَهم، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا اتِّباعَ الهَوى دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وثانِيًا الظُّلْمَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.
القصص 28:51
(p-٣١٣)ولَمّا أبْلَغَ في هَذِهِ الأسالِيبِ في إظْهارِ الخَفايا، وأكْثَرَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ عَلى الحَقِّ وإقامَةِ البَراهِينِ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكانُوا بِإعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَأنَّهم مُنْكِرُونَ لِأنْ يَكُونَ جاءَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، قالَ ناسِقًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَقَدْ آتَيْناكَ في هَذِهِ الآياتِ بِأعْظَمِ البَيِّناتِ، مُنَبِّهًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ المُقْتَرِنِ بِأداةِ القَسَمِ عَلى أنَّهُ مِمّا يَتَوَقَّعُ هُنا أنْ يُقالَ: ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي مُقْتَضاها أنْ يَكْفِيَ أدْنى إشارَةٍ مِنها ﴿لَهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً، فَكانَ تَخْصِيصُهم بِذَلِكَ مِنَّةً عَظِيمَةً يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُها ﴿القَوْلَ﴾ أيْ: أتْبَعْنا بَعْضَ القَوْلِ - الَّذِي لا قَوْلَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ - بَعْضًا بِالإنْزالِ مُنَجَّمًا، قَطْعًا بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، لِتَكُونَ جَوابًا لِأقَوالِهِمْ، وحَلًّا لِإشْكالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى الفَهْمِ، وأوْلى بِالتَّدَبُّرِ، مَعَ تَنْوِيعِهِ في وعْدٍ ووَعِيدٍ، وأخْبارٍ ومَواعِظَ، وحِكَمٍ ونَصائِحَ، وأحْكامٍ ومَصالِحَ، وأكْثَرْنا مِن ذَلِكَ حَتّى كانَتْ آياتُهُ المُعْجِزاتُ وبَيِّناتُهُ الباهِراتِ كَأنَّها أفْراسُ الرُّهْبانِ، يَوْمَ اسْتِباقِ الأقْرانِ، في حَوْمَةِ المَيْدانِ، غَيْرَ أنَّ كُلًّا مِنهُما سابِقٌ في العِيانِ.
ولَمّا بَكَّتَهم بِالتَّنْبِيهِ بِهَذا التَّأْكِيدِ عَلى مُبالَغَتِهِمْ في الكَذِبِ بِالقَوْلِ أوْ بِالفِعْلِ في أنَّهُ ما أتاهم ما يَقْتَضِي التَّذْكِيرَ أتْبَعَ ذَلِكَ التَّوْصِيلَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ الَّذِينَ يُرْجى لَهم (p-٣١٤)أنْ يَرْجِعُوا إلى عُقُولِهِمْ فَيَجِدُوا فِيما طُبِعَ فِيها ما يُذَكِّرُهم بِالحَقِّ تَذْكِيرًا، بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ.
القصص 28:52
ولَمّا كانَ مِنَ التَّذَكُّرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ العَقْلِ، ومِنهُ ما انْضَمَّ إلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ العَقْلِ، وكانَ صاحِبُ هَذا القَسَمِ أجْدَرَ بِأنْ يَتَبَصَّرَ، وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَذَكَّرُوا؟ قِيلَ: نَعَمْ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ هم أهْلُهُ حَقًّا تَذَكَّرُوا [حَقًّا، ] وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي حَفِظْناهم بِها ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: العِلْمَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، وهم يَتْلُونَ ذَلِكَ حَقَّ تِلاوَتِهِ، في بَعْضِ الزَّمانِ الَّذِي كانَ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: القُرْآنِ ﴿هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿بِهِ﴾ أيْ: القُرْآنِ، لا بِشَيْءٍ مِمّا يُخالِفُهُ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ الإيمانَ بِهِ في حالِ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ إيمانًا لا يَزالُ يَتَجَدَّدُ.
القصص 28:53
ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا يُتْلى﴾ أيْ: تَتَجَدَّدُ تِلاوَتُهُ ﴿عَلَيْهِمْ قالُوا﴾ مُبادِرِينَ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا [ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ] الدّالِّ عَلى غايَةِ المَعْرِفَةِ، مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ مَن كانَ عَلى دِينٍ لا يَكادُ يُصَدِّقُ رُجُوعَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ إذا كانَ أصْلُهُ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ،
﴿إنَّهُ الحَقُّ﴾ أيْ: الكامِلُ الَّذِي لَيْسَ وراءَهُ إلّا الباطِلُ، مَعَ كَوْنِهِ ﴿مِن رَبِّنا﴾ المُحْسِنِ إلَيْنا، (p-٣١٥)وكُلٌّ مِنَ الوَصْفَيْنِ مُوجِبٌ لِلتَّصْدِيقِ والإيمانِ بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا مُبادَرَتَهم إلى الإذْعانِ مُنَبِّهِينَ عَلى أنَّهم في غايَةِ البَصِيرَةِ مِن أمْرِهِ بِأنَّهم يَتْلُونَ ما عِنْدَهم حَقَّ تِلاوَتِهِ، لا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، فَصَحَّ قَوْلُهُمُ الَّذِي دَلَّ تَأْكِيدُهم [لَهُ] عَلى اغْتِباطِهِمْ بِهِ المُوجِبِ لِشُكْرِهِ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الرُّسُوخِ؛ وأشارَ إلى أنَّ مَن صَحَّ إسْلامُهُ ولَوْ في زَمَنٍ يَسِيرٍ أذْعَنَ لِهَذا الكِتابِ، بِإثْباتِ الجارِّ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ غايَةَ الِانْقِيادِ لِما جاءَنا مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن وصْفِهِ وغَيْرِ وصْفِهِ وافَقَ هَوانا وما ألِفْناهُ أوْ خالَفَهُ، لا جَرَمَ كانَتِ النَّتِيجَةُ.
القصص 28:54
﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ الإيتاءُ، والمُؤْتِي مَعْرُوفٌ ﴿أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ لِإيمانِهِمْ بِهِ غَيْبًا وشَهادَةً، أوْ بِالكِتابِ الأوَّلِ ثُمَّ الكِتابِ الثّانِي ﴿بِما صَبَرُوا﴾ عَلى ما كانَ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ العِيانِ، بَعْدَما هَزَّهم إلى النُّزُوعِ عَنْهُ إلْفَ دِينِهِمُ الَّذِي كانَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ امْتِحانِ المَلِكِ الدَّيّانِ.
ولَمّا كانَ الصَّبْرُ لا يَتِمُّ إلّا بِالِاتِّصافِ بِالمَحاسِنِ والِانْخِلاعِ مِنَ المَساوِئِ، قالَ عاطِفًا عَلى ”يُؤْمِنُونَ“ مُشِيرًا إلى تَجْدِيدِ هَذِهِ الأفْعالِ كُلَّ حِينٍ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ﴾ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ كُلِّهِ فَيَمْحُونَها بِها.
(p-٣١٦)ولَمّا كانَ بَعْضُ هَذا الدَّرْءِ لا يَتِمُّ إلّا بِالجُودِ قالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، لا بِحَوْلٍ مِنهم ولا قُوَّةٍ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مُعْتَمَدِينَ في الخَلْقِ عَلى الَّذِي رَزَقَهُ؛ قالَ البَغَوِيُّ: «قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الحَبَشَةِ أرْبَعُونَ رَجُلًا، يَعْنِي: فَأسْلَمُوا، فَلَمّا رَأوْا ما بِالمُسْلِمِينَ مِنَ الخَصاصَةِ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ في أمْوالِهِمْ، فَأتَوْا بِها فَواسَوْا بِها المُسْلِمِينَ» .
القصص 28:55
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ السَّماحَ بِما تَضِنُّ النُّفُوسُ بِهِ مِن فُضُولِ الأمْوالِ مِن أماراتِ الإيمانِ، أتْبَعَهُ أنَّ حُزْنَ ما تَبْذُلُهُ الألْسُنُ مِن فُضُولِ الأقْوالِ مِن عَلاماتِ العِرْفانِ، فَقالَ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ أيْ: ما لا يَنْفَعُ في دِينٍ ولا دُنْيا مِن شَتْمٍ وتَكْذِيبٍ وتَعْيِيرٍ ونَحْوِهِ ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تَكَرُّمًا عَنِ الخَنا ﴿وقالُوا﴾ أيْ: وعْظًا وتَسْمِيعًا لِقائِلِهِ: ﴿لَنا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أعْمالُنا﴾ لا تُثابُونَ عَلى شَيْءٍ مِنها ولا تُعاقَبُونَ ﴿ولَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أعْمالُكُمْ﴾ لا نُطالَبُ بِشَيْءٍ مِنها، فَنَحْنُ لا نَشْتَغِلُ بِالرَّدِّ عَلَيْكم لِأنَّ ذَمَّكم لَنا لا يَنْقُصُنا شَيْئًا مِن أجْرِنا ولا الِاشْتِغالِ بِرَدِّهِ يَنْقُصُنا.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا أنَّهم سالِمُونَ مِنهم، صَرَّحُوا لَهم بِهِ فَقالُوا: (p-٣١٧)﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِنّا. ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ مِثْلَ هَذا يَكْسِرُ اللّاغِيَ، ويَرُدُّ الباغِيَ، أشارُوا لَهم إلى قُبْحِ حالِهِمْ، رَدًّا عَلى ضَلالِهِمْ، بِقَوْلِهِمْ تَعْلِيلًا لِما مَضى مِن مَقالِهِمْ: ﴿لا نَبْتَغِي﴾ أيْ: لا نُكَلِّفُ أنْفُسَنا أنْ نَطْلُبَ ﴿الجاهِلِينَ﴾ أيْ: نُرِيدُ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمْ أوْ أقْوالِهِمْ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن خِلالِهِمْ.
القصص 28:56
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْسَ النَّبِيِّ ﷺ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ والمَحَبَّةِ لِنَفْعِ جَمِيعِ العِبادِ، لا سِيَّما العَرَبُ، لِقُرْبِهِمْ مِنهُ ﷺ، لاسِيَّما أقْرَبُهم مِنهُ صِلَةً لِلرَّحِمِ تَتَأثَّرُ بِسَبْقِ أهْلِ الكِتابِ لِقَوْمِهِ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ عَدَمَ هِدايَتِهِمْ لِتَقْصِيرٍ في دُعائِهِ أوْ إرادَتِهِ لِذَلِكَ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ هِدايَتَهم وأحَبَّها، وعَلَّقَ هِمَّتَهُ العَلِيَّةَ بِها لاهْتَدَوْا، أُجِيبَ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سِياقِ التَّأْكِيدِ إظْهارًا لِصِفَةِ القُدْرَةِ والكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ: نَفْسَهُ أوْ هِدايَتَهُ بِخَلْقِ الإيمانِ في قَلْبِهِ، وإنَّما في يَدِكَ الهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ والبَيانُ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ مِن أجْلِ الإخْبارِ بِتَوْصِيلِ القَوْلِ وتَعْلِيلِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أشْباهِهِ أنَّ شَيْئًا مِن أفْعالِهِمْ يَخْرُجُ عَنِ القُدْرَةِ، قالَ نافِيًا لِهَذا الظَّنِّ مُشِيرًا إلى الغَلَطِ في اعْتِقادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ المُتَرَدِّي بِرِداءِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ ولَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ (p-٣١٨)بِالتَّوْفِيقِ إلى ما يُرْضِيهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هَيَّأهم لِتَطْلُبَ الهُدى عِنْدَ خَلْقِهِ لَهم، فَيَكُونُوا عَرِيقَيْنِ فِيهِ سَواءٌ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أوِ العَرَبِ، أقارِبَ كانُوا أوْ أباعِدَ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «”قالَ لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أبا جَهْلٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقالَ: أيْ عَمِّ! قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةً أحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ ويُعِيدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ حَتّى قالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهم عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: واللَّهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ فَقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن (p-٣١٩)أحْبَبْتَ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ» .
وفِي مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمْرَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَقالَ: لَوْلا أنْ تُعَيِّرَنِي نِساءُ قُرَيْشٍ لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» .
القصص 28:57
ولَمّا عَجِبَ مِن حالِ قُرَيْشٍ في طَلَبِهِمْ مِنَ الآياتِ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ كُفْرِهِمْ بِهِ وبِما هو أعْظَمُ مِنهُ، وخَتَمَ بِأنَّهُ أعْلَمُ بِأهْلِ الخَيْرِ وأهْلِ الشَّرِّ، إشارَةً إلى الإعْراضِ عَنِ الأسَفِ عَلى أحَدٍ، والإقْبالِ عَلى عُمُومِ الدُّعاءِ لِلْقَرِيبِ والبَعِيدِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، قالَ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ لِأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم، عاطِفًا عَلى قالُوا ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ [القصص: ٤٨] ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ﴾ أيْ: غايَةَ الِاتِّباعِ ﴿الهُدى﴾ أيْ: الإسْلامَ فَنُوَحِّدُ اللَّهَ مِن غَيْرِ إشْراكٍ ﴿مَعَكَ﴾ أيْ: وأنْتَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن مُخالَفَةِ النّاسِ ﴿نُتَخَطَّفْ﴾ أيْ: مِن أيِّ خاطِفٍ أرادَنا، لِأنّا نَصِيرُ قَلِيلًا في كَثِيرٍ مِن غَيْرِ نَصِيرٍ ﴿مِن أرْضِنا﴾ كَما تُتَخَطَّفُ العَصافِيرُ لِمُخالَفَةِ كافَّةِ العَرَبِ لَنا، ولَيْسَ لَنا نِسْبَةٌ إلى كَثْرَتِهِمْ ولا قُوَّتِهِمْ فَيُسْرِعُوا إلَيْنا فَيَتَخَطَّفُونا، أيْ: يَتَقَصَّدُونَ خَطْفنا واحِدًا واحِدًا، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا عَلى إدامَةِ الِاجْتِماعِ وأنْ لا يَشِذَّ بَعْضُنا عَنْ بَعْضٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: (p-٣٢٠)والِاخْتِطافُ: الِانْتِزاعُ بِسُرْعَةٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ في الرَّدِّ عَلى هَذا الكَلامِ الواهِي: ألَمْ نَحْمِكَ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنهم وقَدْ جِئْتُمُوهم مِنَ الخِلافِ بِمِثْلِ ما يُخالِفُونَ هم بِهِ العَرَبَ أوْ أشَدَّ، ولا نِسْبَةَ لَكم إلى عَدَدِهِمْ ولا جَلَدِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ أيْ: غايَةَ التَّمْكِينِ ﴿لَهُمْ﴾ في أوْطانِهِمْ ومَحَلِّ سُكْناهم بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ذا أمْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ كُلُّ خائِفٍ حَتّى الطَّيْرُ مِن كَواسِرِها والوَحْشُ مِن جَوارِحِها، حَتّى أنَّ سَيْلَ الحِلِّ لا يَدْخُلُ الحَرَمَ، بَلْ إذا وصَلَ إلَيْهِ عَدَلَ عَنْهُ؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ في اسْتِيلاءِ كِنانَةَ وخُزاعَةَ عَلى البَيْتِ: وكانَتْ مَكَّةُ في الجاهِلِيَّةِ لا تُقِرُّ فِيها ظُلْمًا ولا بَغْيًا، لا يَبْغِي فِيها أحَدٌ إلّا أخْرَجَتْهُ - انْتَهى.
وكانَ الرَّجُلُ يَلْقى قاتِلَ أبِيهِ وابْنِهِ فِيها فَلا يُهَيِّجُهُ ولا يَعْرِضُ لَهُ بِسُوءٍ؛ ورَوى [الأزْرَقِيُّ] في تارِيخِ مَكَّةَ بِسَنَدِهِ عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَتْ في الكَعْبَةِ حِلَقٌ يُدْخِلُ الخائِفُ يَدَهُ فِيها فَلا يُرِيبُهُ أحَدٌ، فَجاءَ خائِفٌ لِيُدْخِلَ يَدَهُ فاجْتَذَبَهُ رَجُلٌ فَشُلَّتْ يَدُهُ، (p-٣٢١)فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في الإسْلامِ [وإنَّهُ] لَأشَلُّ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِصَّةُ العَرَبِ مِن غَيْرِ قُرَيْشٍ في أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً إلّا إنْ أعارَتْهم قُرَيْشٌ ثِيابًا، فَجاءَتِ امْرَأةٌ فَطافَتْ عُرْيانَةً وكانَ لَها جَمالٌ فَرَآها رَجُلٌ فَأعْجَبَتْهُ فَدَخَلَ فَطافَ إلى جَنْبِها، فَأدْنى عَضُدَهُ مِن عَضُدِها، فالتَزَقَتْ عَضُدُهُ بِعَضُدِها، فَخَرَجا مِنَ المَسْجِدِ هارِبَيْنِ عَلى وُجُوهِهِما فَزِعَيْنِ لَما أصابَهُما مِنَ العُقُوبَةِ، فَلَقِيَهُما شَيْخٌ مِن قُرَيْشٍ فَأفْتاهُما أنْ يَعُودا إلى المَكانِ الَّذِي أصابا فِيهِ الذَّنْبَ، فَيَدْعُوانِ ويُخْلِصانِ أنْ لا يَعُودا، فَدَعَوا وأخْلَصا النِّيَّةَ، فافْتَرَقَتْ أعَضادُهُما فَذَهَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في ناحِيَةٍ.
وبِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: أخَذَ رَجُلٌ ذَوْدَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ فَأصابَهُ في الحَرَمِ فَقالَ: ذَوْدِي: فَقالَ اللِّصُّ: كَذَبْتَ، قالَ: فاحْلِفْ، فَحَلَفَ عِنْدَ المَقامِ، فَقامَ رَبُّ الذَّوْدِ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ باسِطًا يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما بَرِحَ مَقامَهُ يَدْعُو حَتّى ذَهَبَ عَقْلُ اللِّصِّ وجَعَلَ يَصِيحُ بِمَكَّةَ: ما لِي، ولِلزَّوْدِ، ما لِي، ولِفُلانٍ رَبِّ الزَّوْدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ المُطَّلِبِ فَجَمَعَ الزَّوْدَ فَدَفَعَهُ إلى المَظْلُومِ، فَخَرَجَ بِهِ وبَقِيَ الآخَرُ مُتَوَلِّهًا حَتّى وقَعَ مِن جَبَلٍ فَتَرَدّى فَأكَلَتْهُ السِّباعُ.
وعَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسى أنَّ امْرَأةً في الجاهِلِيَّةِ كانَ مَعَها ابْنُ عَمٍّ لَها صَغِيرٌ فَقالَتْ لَهُ: يا بُنَيَّ: إنِّي (p-٣٢٢)أغِيبُ عَنْكَ وإنِّي أخافُ أنْ يَظْلِمَكَ أحَدٌ، فَإنْ جاءَكَ ظالِمٌ بَعْدِي فَإنَّ لِلَّهِ بِمَكَّةَ بَيْتًا لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ البُيُوتِ، وعَلَيْهِ ثِيابٌ ولا يُقارِبُهُ مُفْسِدٌ، فَإنْ ظَلَمَكَ ظالِمٌ يَوْمًا فَعُذْ بِهِ، فَإنَّ لَهُ رَبًّا سَيَمْنَعُكَ، فَجاءَهُ رَجُلٌ فَذَهَبَ بِهِ فاسْتَرَقَهُ، قالَ: وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُعْمِرُونَ أنْعامَهم فَأعْمَرَ سَيِّدُهُ ظَهْرَهُ، فَلَمّا رَأى الغُلامُ البَيْتَ عَرَفَ الصِّفَةَ فَنَزَلَ يَشْتَدُّ حَتّى تَعَلَّقَ بِالبَيْتِ، وجاءَهُ سَيِّدُهُ فَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَيَبِسَتْ يَدُهُ، فَمَدَّ الأُخْرى فَيَبِسَتْ، [فاسْتَفْتى] فَأفْتى أنْ يَنْحَرَ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِن يَدَيْهِ بَدَنَةً، فَفَعَلَ فَأُطْلِقَتْ يَداهُ، وتَرَكَ الغُلامَ وخَلّى سَبِيلَهُ.
وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رُوادٍ أنَّ قَوْمًا انْتَهَوْا إلى ذِي طُوًى، فَإذا ظَبْيٌ قَدْ دَنا مِنهم، فَأخَذَ رَجُلٌ مِنهم بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِهِ فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: ويْحَكَ! أرْسِلْهُ، فَجَعَلَ يَضْحَكُ ويَأْبى أنْ يُرْسِلَهُ، فَبَعَرَ الظَّبْيُ وبالَ؛ ثُمَّ أرْسَلَهُ، فَنامُوا في القائِلَةِ فانْتَبَهُوا، فَإذا بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلى بَطْنِ الرَّجُلِ الَّذِي أخَذَ الظَّبْيَ، فَلَمْ تَنْزِلِ الحَيَّةُ عَنْهُ حَتّى كانَ مِنهُ مِنَ الحَدِيثِ مِثْلُ ما كانَ مِنَ الظَّبْيِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: دَخَلَ قَوْمٌ مَكَّةَ تُجّارًا مِنَ الشّامِ في الجاهِلِيَّةِ فَنَزَلُوا ذا طُوًى فاخْتَبَزُوا مَلَّةً لَهم ولَمْ يَكُنْ مَعَهم إدامٌ، فَرَمى رَجُلٌ مِنهم ظَبْيَةً مِن ظِباءِ الحَرَمِ (p-٣٢٣)وهِيَ حَوْلَهم تَرْعى فَقامُوا إلَيْها فَسَلَخُوها وطَبَخُوا [لَحْمَها] لِيَأْتَدِمُوا بِهِ، فَبَيْنَما قِدْرُهم عَلى النّارِ تَغْلِي بِلَحْمَةٍ إذْ خَرَجَتْ مِن تَحْتِ القِدْرِ عُنُقٌ مِنَ النّارِ عَظِيمَةٌ فَأحْرَقَتِ القَوْمَ جَمِيعًا ولَمْ تَحْتَرِقْ ثِيابُهم ولا أمْتِعَتُهم ولا السَّمُراتُ الَّتِي كانُوا تَحْتَها.
وفِي سِيرَةِ أبِي رَبِيعِ بْنِ سالِمٍ الكُلاعِيِّ أنَّ رَجُلًا مِن كِنانَةَ بْنِ هُذَيْلٍ ظَلَمَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ فَخَوَّفَهُ بِالدُّعاءِ في الحَرَمِ، فَقالَ: هَذِهِ ناقَتِي فُلانَةُ ارْكَبْها فاذْهَبْ إلَيْهِ فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ، فَجاءَ الحَرَمَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أدْعُوكَ جاهِدًا مُضْطَرًّا عَلى ابْنِ عَمِّي فُلانٍ تَرْمِيهِ بِداءٍ لا دَواءَ لَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ ابْنَ عَمِّهِ قَدْ رُمِيَ في بَطْنِهِ فَصارَ مِثْلَ الزَقِّ، فَما زالَ يَنْتَفِخُ حَتّى انْشَقَّ.
وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَألَ رَجُلًا مِن بَنِي سَلِيمٍ عَنْ ذَهابِ بَصَرِهِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! كُنّا بَنِي ضَبْعاءَ عَشْرَةً، وكانَ لَنا ابْنُ عَمٍّ فَكُنّا نَظْلِمُهُ فَكانَ يُذَكِّرُنا بِاللَّهِ، وبِالرَّحِمِ، فَلَمّا رَأى أنّا لا نَكُفُّ عَنْهُ انْتَهى إلى الحَرَمِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ يَقُولُ:
؎لا هُمَّ أدْعُوكَ دُعاءً جاهِدا اقْتُلْ بَنِي الضَّبْعاءِ إلّا واحِدا
؎(p-٣٢٤)ثُمَّ اضْرِبِ الرَّجُلَ ودَعْهُ قاعِدا ∗∗∗ أعْمى إذا قُيِّدَ يُعْيِي القائِدا
قالَ: فَماتَ إخْوَتِي التِّسْعَةُ في تِسْعَةِ أشْهُرٍ في كُلِّ شَهْرٍ واحِدٌ، وبَقِيتُ أنا فَعَمِيتُ، ورَمانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في رِجْلِي، فَلَيْسَ يُلائِمُنِي قائِدٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [سُبْحانَ اللَّهِ إنَّ هَذا لَهو العَجَبُ] .
جَعَلَ اللَّهُ هَذا في الجاهِلِيَّةِ إذْ لا دِينَ حُرْمَةَ حَرَمِها وشَرَفَها، لِيَنْتَكِبَ النّاسُ عَنِ انْتِهاكِ ما حَرَّمَ مَخافَةَ تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ، فَلَمّا جاءَ الدِّينُ، صارَ المَوْعِدُ السّاعَةَ، ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ، فاتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ - انْتَهى.
وكَأنَّهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ عَبَّرَ بِالتَّمْكِينِ ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ كَما يَأْتِي تَأْكِيدُهُ في الَّتِي بَعْدَها، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ بُقْعَةً مِن بِقاعِ الأرْضِ لا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى غَيْرِهِ بِنَوْعِ مَزِيَّةٍ، فالتَّقْدِيرُ: إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ بَعْدَ سُكْنى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَوْطِئَةً لِما أرَدْنا مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ، أوَ لَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلى ذَلِكَ وفَعَلَهُ لِمَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ بِقادِرٍ عَلى حِمايَةِ مَن يَدْخُلُ في دِينِهِ، وقَدْ صارَ مِن حِزْبِهِ بِأنْواعِ الحِماياتِ، وإعْلائِهِ عَلى كُلِّ مَن يُناوِيهِ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ، كَما فَعَلَ في حِمايَتِكم مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ مِن سائِرِ المُخالِفِينَ أعْداءِ الدِّينِ.
ولَمّا وصَفَهُ بِالأمْنِ، أتْبَعَهُ ما تَطْلُبُهُ النَّفْسُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿يُجْبى﴾ أيْ: يُجْمَعُ ويُجْلَبُ مِمّا لا يَرْجُونَهُ ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى اسْتِجْلابِهِ ﴿إلَيْهِ﴾ (p-٣٢٥)أيْ: خاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ النَّباتِ الَّذِي بِأرْضِ العَرَبِ مِن ثَمَرِ البِلادِ الحارَّةِ كالبُسْرِ والرُّطَبِ والمَوْزِ والنَّبْقِ، والبارِدَةِ كالعِنَبِ والتُّفّاحِ والرُّمّانِ والخَوْخِ، وفي تَعْبِيرِهِ بِالمُضارِعِ وما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى الِاسْتِمْرارِ وأنَّهُ يَأْتِي إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما في الأرْضِ مِنَ المالِ، ما لَمْ يَخْطُرْ لِأحَدٍ مِنهم في بالٍ، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ فِيما قالَ كَما تَراهُ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا.
ولَمّا كانَ مَجْمُوعَ ما رَزَقَهم في هَذا الحَرَمِ مِنَ الأمْنِ بِأسْبابِهِ مِنَ الإسْراعِ بِإصابَةِ مَن آذى فِيهِ بِأنْواعِ العُقُوباتِ، وجِبايَةِ هَذِهِ الثَّمَراتِ، في غايَةِ الغَرابَةِ في تِلْكَ الأراضِي اليابِسَةِ الشَّدِيدَةِ الحَرِّ، المَحْفُوفَةِ مِنَ النّاسِ بِمَن لا يَدِينُ دِينًا، ولا يَخْشى عاقِبَةً، ولا لَهُ مُلْكٌ قاهِرٌ مِنَ النّاسِ يَرُدُّهُ، ولا نِظامٌ مِن سِياسَةِ العِبادِ يَمْنَعُهُ، عَبَّرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ مَعَ مَظْهَرِ العَظَمَةِ بِلَدُنْ فَقالَ: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ: مِن أبْطَنِ ما عِنْدَنا وأغْرَبِهِ، لا صُنْعَ لِأحَدٍ فِيهِ كَما تَعْلَمُ ذَلِكَ أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ ومَن فِيهِ قابِلِيَّةُ الهِدايَةِ مِنهم، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأجْلِكَ [بِحُلُولِكَ] في [هَذا] الحَرَمِ مُضْمَرًا في الأصْلابِ، ومُظْهَرًا في تِلْكَ الشِّعابِ، تَوْطِئَةً لِنُبُوَّتِكَ، وتَمْهِيدًا لِرِسالَتِكَ، ومَتى غِبْتَ عَنْهم غابَ عَنْهم ذَلِكَ كُلُّهُ وسَيَنْظُرُونَ.
(p-٣٢٦)ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي أبْدَوْهُ عُذْرًا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الهُدى يَظُنُّونَهُ مِن نَفائِسِ العِلْمِ، رَدَّهُ تَعالى نافِيًا عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِن مِنهم جَمِيعَ [العِلْمِ] الَّذِي بِنَفْيِهِ يَنْتَفِي أنْ يَكُونَ هَذا الفَرْدُ عِلْمًا، فَقالَ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ وغَيْرَهم مِمَّنْ لا هِدايَةَ لَهُ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم قابِلِيَّةٌ لِلْعِلْمِ حَتّى يَعْلَمُوا أنّا نَحْنُ الفاعِلُونَ لِذَلِكَ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ حَتّى تَمَكَّنَ ذَلِكَ وتَمَّ فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَغْيِيرِهِ، وإنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَمْنَعَهم - إذا تابَعُوا أمْرَنا - مِمَّنْ يُرِيدُهم، بَلْ نُسَلِّطُهم عَلى كُلِّ مَن ناواهم، كَقُدْرَتِنا عَلى ما مَكَّنا لَهم وهو خارِجٌ عَنِ القِياسِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ عُقُولُ النّاسِ، وإنّا قادِرُونَ عَلى سَلْبِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْهم لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ولا بُدَّ أنْ نُذِيقَهم ذَلِكَ أجْمَعَ بَعْدَ هِجْرَتِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ إنَّما نالَهم ذَلِكَ بِبَرَكَتِكَ، ولَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَشَكَرُوا، ولَكِنَّهم جَهِلُوا فَكَفَرُوا، ولِذَلِكَ أُنْذِرُوا﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]
القصص 28:58
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى التَّأْمِينِ والإنْجاءِ والتَّمْكِينِ مَعَ الضَّعْفَةِ، أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِقُدْرَتِهِ عَلى الإخافَةِ والإهْلاكِ مَعَ القُوَّةِ، تَرْغِيبًا لَهم - إنْ آمَنُوا - بِإهْلاكِ أضْدادِهِمْ، وتَرْهِيبًا - إنْ أصَرُّوا - مِنَ المُعامَلَةِ بِعَكْسِ مُرادِهِمْ، فَقالَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ عاطِفًا عَلى مَعْنى (p-٣٢٧)الكَلامِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُمَكِّنْ أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما ذَكَرْنا مِنَ النِّعْمَةِ مَعَ ضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ، والحالُ أنّا كَثِيرًا ما أهْلَكْنا الأقْوِياءَ، وأشارَ إلى تَأْكِيدِ التَّكْثِيرِ مَعَ تَمْيِيزِ المُبْهَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ وأشارَ إلى سَبَبِ الإهْلاكِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أيْ: وقَعَ مِنها البَطَرُ في زَمانِ عَيْشِها الرَّخِيِّ الواسِعِ، فَكانَ حالُهم كَحالِكم في الأمْنِ وإدْرارِ الرِّزْقِ، فَلَمّا بَطَرُوا مَعِيشَتَهم أهْلَكْناهم، ومَعْنى بَطَرِهِمْ لَها أنَّهم شَقُّوها بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في المَرَحِ، والأشَرِ والفَرَحِ، إلى أنْ تَعَدَّوْها فَأفْسَدُوها وكَفَرُوها فَلَمْ يَشْكُرُوها، بَلْ فَعَلُوا في تَلَقِّيها فِعْلَ الحائِرِ المَدْهُوشِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا رِعايَتَها، وقَلَّ احْتِمالُهم لِحَقِّ النِّعْمَةِ فِيها، فَطَغَوْا في التَّقَلُّبِ عِنْدَ مُصاحَبَتِها وتَكَبَّرُوا بِها، وتَمادَوْا في الغَيِّ قَوْلًا وفِعْلًا، مِن أجْلِ ما عَمَّهم مِنَ الرَّفاهِيَةِ عَنْ تَقْيِيدِها وساءَ احْتِمالُهم لِلْغِنى بِها، وطِيبِ العَيْشِ فِيها، فَأبْطَلُوها بِهَذِهِ الخَصائِلِ، وأذْهَبُوها هَدَرًا مِن غَيْرِ مُقابِلٍ، وذَلِكَ مِن قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ: البَطَرُ: الأشَرُ، وقِلَّةُ احْتِمالِ النِّعْمَةِ، والدَّهَشُ والحَيْرَةُ والطُّغْيانُ بِالنِّعْمَةِ، والفِعْلُ مِنَ الكُلِّ كَفَرِحَ، وبَطَرُ الحَقِّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَنْهُ فَلا يَقْبَلُهُ، وبَطَرَهُ كَنَصَرَهُ وضَرَبَهُ: شَقَّهُ، والبُطُورُ: الصِّخابُ الطَّوِيلُ (p-٣٢٨)اللِّسانُ، والمُتَمادِي في الغَيِّ، وأبْطَرَهُ ذَرَعَهُ: حَمَّلَهُ فَوْقَ طاقَتِهِ، وذَهَبَ دَمُهُ بَطِرًا بِالكَسْرِ- أيْ: هَدَرًا وبَطَرَهم لَها أنَّهم عَصَوْا مَن خَوَّلَهم فِيها، فَخالَفُوا أمْرَهُ، وأنْساهُمُ الكِبْرُ بِما أعْطاهم ذِكْرَهُ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإخْبارِ تَشَوَّفَ النَّفْسُ إلى آثارِ هَذِهِ الدِّيارِ، سَبَّبَ عَنْهُ الإشارَةَ بِأداةِ البُعْدِ إلى مَنازِلِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَتِها وسُهُولَةِ الوُصُولِ إلَيْها في كُلِّ مَكانٍ، لِكَوْنِها بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْها وعَلى بُعْدِ رُتْبَتِها في الهَلاكِ دَلِيلًا عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَقالَ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّها خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ تُسْكَنْ﴾ أيْ: مِن ساكِنٍ ما مُخْتارٍ أوْ مُضْطَرٍّ. ولَمّا كانَ المُرادُ إفْهامَ نَفْيِ قَلِيلِ الزَّمانِ وكَثِيرِهِ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ بَعْدَ أنْ طالَ ما تَغالَوْا فِيها ونَمَّقُوها، وزَخْرَفُوها وزَوَّقُوها، وزَفُّوا فِيها الأبْكارَ، وفَرِحُوا بِالأعْمالِ الكِبارِ،
﴿إلا﴾ سُكَوْنًا ﴿قَلِيلا﴾ بِالمارَّةِ عَلَيْها ساعَةً مِن لَيْلٍ أوْ مِن نَهارٍ، ثُمَّ يَصِيرُ تَبابًا مُوحِشَةً كالقِفارِ، بَعْدَ أنْ كانَتْ مُتَمَنِّعَةَ القِبا، بِبِيضِ الصِّفاحِ وسُمْرِ القَنا.
ولَمّا صارَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بَعْدَ الخَرابِ لا مُتَصَرِّفَ فِيها ظاهِرًا إلّا اللَّهُ، ولا حاكِمَ عَلَيْها فِيما تَنْظُرُهُ العُيُونُ سِواهُ، وكانَ هَذا أمْرًا (p-٣٢٩)عَظِيمًا، وخَطْبًا جَسِيمًا، لِأنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ جَلِيلٍ وحَقِيرٍ، وصَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وسُلْطانٍ ووَزِيرٍ، دَلَّ عَلى ضَخامَتِهِ بِقَوْلِهِ مُكَرِّرًا لِمَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿وكُنّا﴾ [أيْ: ] أزَلًا وأبَدًا ﴿نَحْنُ﴾ لا غَيْرُنا ﴿الوارِثِينَ﴾ لَمْ يَسْتَعْصِ عَلَيْنا أحَدٌ وإنْ عَظُمَ، ولا تَأخُّرَ عَنْ مُرادِنا لَحْظَةً وإنْ ضَخُمَ، فَلَيْتَ شِعْرِي! أيْنَ أُولَئِكَ الجَبّارُونَ وكَيْفَ خَلا دُورُهم، وعَطَّلَ قُصُورَهُمْ؟ المُتَكَبِّرُونَ أفْنَتْهم واللَّهِ كُؤُوسُ الحِمامِ مُنَوَّعَةً أشْرِبَةُ المَصائِبِ العِظامِ، وأذَلَّتْهم مَصارِعُ الأيّامِ، بِقُوَّةِ العَزِيزِ العَلّامِ، فَيا ويْحَ مَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِأيّامِهِمْ، ولَمْ يُزْدَجَرْ عَنْ مِثْلِ آثامِهِمْ.
القصص 28:59
ولَمّا أظْهَرَ سُبْحانَهُ سَوْطَ العَذابِ بِيَدِ القُدْرَةِ، دَلَّ عَلى وطْأِ العَدْلِ بِثَمَرَةِ الغِنى، ولِكَوْنِهِ في سِياقِ الرَّحْمَةِ بِالإرْسالِ عَبَّرَ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَقالَ: ﴿وما كانَ﴾ [أيْ: ] كَوْنًا ما ﴿رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالإحْسانِ بِإرْسالِكَ إلى النّاسِ ﴿مُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ: هَذا الجِنْسَ كُلَّهُ بِجُرْمٍ وإنْ عَظُمَ ﴿حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها﴾ أيْ: أعْظَمِها وأشْرَفِها، لِأنَّ غَيْرَها تَبَعٌ لَها، ولَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهُ مِن أُمِّها فَقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ النّاصِرَةِ، وبُعِثَ في بَيْتِ المَقْدِسِ ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلِ القُرى كُلِّهِمْ ﴿آياتِنا﴾ الدّالَّةَ -بِما لَها مِنَ الجَرْيِ عَلى مَناهِيجِ العُقُولِ- عَلى ما يَنْبَغِي لَنا مِنَ الحِكْمَةِ، وبِما لَها مِنَ الإعْجازِ - عَلى تَفَرُّدِ الكَلِمَةِ- وباهِرِ العَظَمَةِ، إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، وقَطَعًا لِلْمَعْذِرَةِ، لِئَلّا يَقُولُوا ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ (p-٣٣٠)إلَيْنا رَسُولا﴾ [القصص: ٤٧] ولِذَلِكَ لَمّا أرَدْنا عُمُومَ الخَلْقِ بِالرِّسالَةِ جَعَلْنا الرَّسُولَ مِن أُمِّ القُرى كُلِّها، وهي مَكَّةُ البَلَدُ الحَرامُ، وفِيها لِأنَّها مَعَ كَوْنِها مَدِينَةً تَجْرِي فِيها الأُمُورُ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ [هِيَ] في بِلادِ البَوادِي تَظْهَرُ فِيها الكَلِمَةُ، فَجَمَعْتُ الأمْرَيْنِ لِأنَّ المُرْسَلَ إلَيْها جامِعٌ، وجازَتِ الأثَرَيْنِ لِأنَّ الخِتامَ بِهِ واقِعٌ، وكانَ السِّرُّ في جَعْلِ المُؤَيِّدِ لِدِينِهِ عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ البادِيَةِ كَثْرَةَ ظُهُورِ الكَلِمَةِ عَلى يَدَيْهِ.
ولَمّا غيّا الإهْلاكَ بِالإرْسالِ تَخْوِيفًا، ضَرَبَ لَهُ غايَةً أُخْرى تَحِرِيرًا لِلْأمْرِ وتَعْرِيفًا، ولِكَوْنِهِ في سِياقِ التَّجَرُّؤِ مِن أهْلِ الضَّلالِ، عَلى مَقامِهِ العالِ، بِانْتِهاكِ الحُرُماتِ، عَبَّرَ بِأداةِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿وما كُنّا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا وغِنانا ﴿مُهْلِكِي القُرى﴾ أيْ: كُلَّها، بَعْدَ الإرْسالِ ﴿إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في الظُّلْمِ بِالعِصْيانِ، بِتَرْكِ ثَمَراتِ الإيمانِ.
القصص 28:60
ولَمّا اعْتَلُّوا في الوُقُوفِ عَنِ الإيمانِ بِخَوْفِ التَّخَطُّفِ، فَذَكَّرَهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِإقامَةِ أسْبابِ الأمْنِ وإدْرارِ الرِّزْقِ، وعَرَّفَهم أنَّهُ هو وحْدَهُ الَّذِي تَخْشى سَطَواتِهِ، ويَتَّقِي أخْذَهُ لِمَن خالَفَهُ وبَطَشاتِهِ، وكانَ خَوْفُهم مِن عَواقِبِ المُتابِعَةِ إمّا عَلى أنْفُسِهِمْ وإمّا عَلى ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ المَتاعِ، عُلِمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ بِما سَبَّبَ التَّخْوِيفَ مِن عَواقِبِ الظُّلْمِ بِمِثْلِ مَصارِعِ الأوَّلِينَ: فَأنْفُسُكم في خَطَرٍ مِن خَوْفِ الهَلاكِ مِنَ القادِرِ عَلَيْكم كَقُدْرَتِهِ عَلى مَن قَبِلَكم بِسَبَبِ التَّوَقُّفِ عَنِ المُتابَعَةِ أشَدُّ مَن خَطَرَ (p-٣٣١)الخَوْفِ مِنَ التَّخَطُّفِ بِسَبَبِ المُتابَعَةِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَما خِفْتُمْ مِنهُ التَّخَطُّفَ غَيْرُ ضائِرِكم، وكَفَّكم عَنِ المُتابَعَةِ لِأجْلِهِ غَيْرُ مُخْلِدِكم، فَما إهْلاكُكم عَلى اللَّهِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ بِعَزِيزٍ- فَعَطَفَ عَلى هَذا الَّذِي أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ: مِن [أيِّ] مُؤْتٍ كانَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي بِأيْدِيكم وغَيْرِها ﴿فَمَتاعُ﴾ أيْ: فَهو مَتاعٌ ﴿الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَيْسَ يَعُودُ نَفْعُهُ إلى غَيْرِها، فَهو إلى نَفادٍ وإنْ طالَ زَمَنُ التَّمَتُّعِ بِهِ ﴿وزِينَتُها﴾ أيْ: وهو زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا [الَّتِي] هي كُلُّها - فَضْلًا عَنْ زِينَتِها - إلى فَناءٍ، فَلَيْسَتْ هي ولا شَيْءَ مِنها بِأزَلِيٍّ ولا أبَدِيٍّ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى مِمّا تُثْمِرُهُ لَكُمُ المُتابَعَةُ مِنَ الثَّوابِ الَّذِي وعَدَكُمُوهُ في الدّارِ الآخِرَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً إطْباقَكم عَلى وصْفِ هَذِهِ بِالدُّنْيا، ومَن أصْدَقُ وعْدًا مِنهُ ﴿خَيْرٌ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُشارَكَةِ ما في الدُّنْيا لَهُ في الخَيْرِيَّةِ في ظَنِّكم، لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ أكْثَرُ وأطْيَبُ وأظْهَرُ، وأحْسَنُ وأشْهى، وأبْهَجُ وأزْهى، ”و“ هو مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿أبْقى﴾ [النجم: ٥١] لِأنَّهُ وإنْ شارَكَ مَتاعَ الدُّنْيا في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أزَلِيًّا فَهو أبَدِيٌّ.
فَلَمّا بانَ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى خَطَرِ المُخالَفَةِ المَذْكُورِ خَوْفًا مِن خَطَرِ المُتابَعَةِ المَوْصُوفِ عاقِلٍ، تُوَجِّهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
القصص 28:61
ولَمّا كانَ هَذا سَبَبًا لِأنْ ظَهَرَ كالشَّمْسِ بَوْنٌ عَظِيمٌ بَيْنَ حالِ المُخالِفِ والمُؤالِفِ، سَبَّبَ عَنْهُ وأنْتَجَ قَوْلَهُ، مُقَرِّرًا لِما ذَكَرَ مِنَ الأمْرَيْنِ (p-٣٣٢)مُوَضِّحًا لِما لَهُما مِنَ المُبايَنَةِ، مُنْكِرًا عَلى مَن سِوى بَيْنِهِما، فَكَيْفَ بِمَن ظَنَّ أنَّ حالَ المُخالِفِ أوْلى: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ﴾ عَلى عَظَمَتِنا في الغِنى والقُدْرَةِ والصِّدْقِ ﴿وعْدًا﴾ وهو الإثابَةُ والثَّوابُ ﴿حَسَنًا﴾ لا شَيْءَ أحْسَنُ مِنهُ في مُوافَقَتِهِ لِأُمْنِيَّتِهِ وبَقائِهِ ﴿فَهُوَ﴾ بِسَبَبِ وعْدِنا الَّذِي لا يُخْلِفُ ﴿لاقِيهِ﴾ أيْ: مُدْرِكُهُ ومُصِيبُهُ لا مَحالَةَ ﴿كَمَن مَتَّعْناهُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُنا عَلى سَلْبِهِ مِنهُ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنّا، ولا يَصِلُ أحَدٌ إلى جَعْلِهِ باقِيًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ فانِيًا وإنْ طالَ زَمَنُهُ مَشُوبٌ بِالأكْدارِ، مُخالِطٌ بِالأقْذارِ والأوْزارِ ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي هو يَوْمُ التَّغابُنِ، مَن خَسِرَ فِيهِ لا يَرْبَحُ أصْلًا، ومَن هَلَكَ لا يُمْكِنُ عَيْشُهُ بِوَجْهٍ ﴿مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ أيْ: المَقْهُورِينَ عَلى الحُضُورِ إلى مَكانٍ يَوَدُّ لَوِ افْتَدى مِنهُ بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهْبًا، فَإنَّ كُلَّ مَن يُوكَلُ بِهِ لِحُضُورِ أمْرٍ يَتَنَكَّدُ عَلى حَسَبِ مَراتِبِ التَّوْكِيلِ كائِنًا مَن كانَ في أيِّ أمْرٍ كانَ.
القصص 28:62
ولَمّا كانَ اليَوْمُ وإنْ كانَ واحِدًا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أوْصافِهِ، بِما يَقَعُ في أثْنائِهِ وأضْعافِهِ، عَلى يَوْمِ القِيامَةِ [تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَعْظِيمًا لِخَطَرِهِ وشَرِّهِ، قَوْلُهُ مُقَرِّرًا لِعَجْزِ العِبادِ، عَنْ شَيْءٍ مِنَ الإباءِ في يَوْمِ العِبادِ]: (p-٣٣٣)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُغْرُونَ [بَيْنَ] النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنِ السَّبِيلِ، ويَتَعَلَّلُونَ في أمْرِ الإيمانِ، وتَوْحِيدُ المُحْسِنِ الدَّيّانِ ﴿فَيَقُولُ﴾ أيْ: اللَّهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أيْ: مِنَ الأوْثانِ وغَيْرِهِمْ؛ ثُمَّ [بَيَّنَ] أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ هَذا الِاسْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿تَزْعُمُونَ﴾ لِيَدْفَعُوا عَنْكم أوْ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
القصص 28:63
ولَمّا كانَ اسْمُ الشَّرِيكِ يَقَعُ عَلى مَن سِواهُ الإنْسانُ بِآخِرِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وكانَ الأتْباعُ قَدْ سَوَّوُا المَتْبُوعِينَ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى في الخُضُوعِ لَهم، والطَّواعِيَةُ في عِبادَةِ الأوْثانِ، ومُعانَدَةُ الهُداةِ ومُعاداتِهِمْ، والصَّدِّ عَنْ أتْباعِهِمْ، فَكانَ اسْمُ الشَّرِيكِ مُتْناوِلًا لَهم، وكانَ بَطْشُ مَن وقَعَ الإشْراكُ بِهِ يَكُونُ أوَّلًا بِمَن عَدَّ نَفْسَهُ شَرِيكًا ثُمَّ بِمَن أنْزَلَهُ تِلْكَ المَنزِلَةِ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مُبادَرَةِ الرُّؤَساءِ بِالجَوابِ خَوْفًا مِن حُلُولِ العِقابِ بِهِمْ وزِيادَتِهِمْ بِقِيادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: قالُوا: هَكَذا الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ إعْلامًا بِالوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ القَوْلَ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ﴾ أيْ: ثَبَتَ ووَجَبَ ﴿عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وقَعَ عَلَيْهِمْ مَعْنى هَذا الِاسْمِ وتَناوُلُهم، وهو العَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ بِأعْظَمِ القَوْلِ، وهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، وقادَةُ الجَهْلِ، بِإنْزالِهِمْ أنْفُسَهم مَنزِلَةَ الشُّرَكاءِ، وأفْهَمُ بِإسْقاطِ الأداةِ كَعادَةِ أهْلِ القُرْبِ والتَّعْبِيرِ بِوَصْفِ الإحْسانِ (p-٣٣٤)أنَّهم وصَلُوا بَعْدَ السَّماجَةِ والكِبْرِ إلى غايَةِ التَّرَقُّقِ والذُّلِّ، فَقالَ مُعَبِّرًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى الأتْباعِ ﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أوْقَعْنا الإغْواءَ وهو الإضْلالُ بِهِمْ بِما زَيَّنا لَهم مِنَ الأقْوالِ الَّتِي أعانَنا عَلى قَبُولِهِمْ أنَّها مِنّا، مَعَ كَوْنِها ظاهِرَةَ العَوارِ، واضِحَةَ العارِ، ما خَوَّلْتَنا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الجاهِ والمالِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا ما يَظُنُّونَ أنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهم فَقالُوا: ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ أيْ: فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ ﴿كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: نَحْنُ لَمّا أغْوانا بِما زُيِّنَ لَنا مِن فَوْقِنا حَتّى تَبِعْناهم، لَمْ يَكُنْ هُناكَ إكْراهٌ مِنًّا ولا إجْبارٌ، مَعَ ما أتاهم مِنَ الرُّسُلِ ولَهم مِنَ العُقُولِ، كَما غَوَيْنا نَحْنُ بِاخْتِيارِنا، لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ فَوْقَنا إجْبارٌ لَنا كَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا ”فَغَوَوْا“ لِدَلالَةِ ﴿غَوَيْنا﴾ عَلَيْهِ، وثانِيًا ”لَمّا أغْوانا، مِن قَبْلِنا“ لِدَلالَةِ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ عَلَيْهِ ومُرادُهم، بِقَوْلِهِمْ هَذا السَّفْسافَ أنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْنا في الحَقِيقَةِ بِسَبَبِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِن أمْرِهِمْ، فَلا يَلْزَمُنا عُقُوبَةً بِسَبَبِهِمْ، فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلُ وتَصْرِيحٌ بِهِ.
ولَمّا كانَ يَعْلَمُونَ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ مِن أمْرِهِمْ، تَبَرَّؤُوا مِنِ انْفِرادِهِمْ (p-٣٣٥)بِإضْلالِهِمْ، فَقالُوا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما وجْهُ بَراءَتِكم وقَدْ أقْرَرْتُمْ بِإغْوائِهِمْ؟: ﴿ما كانُوا إيّانا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿يَعْبُدُونَ﴾ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ بِما زَيَّنَتْ لَهم أهْواؤُهم وإنْ كانَ لَنا فِيهِ نَوْعُ دُعاءٍ لَهم إلَيْهِ وحَثٌّ عَلَيْهِ، فَأقَلُّ ما نُرِيدُ أنْ يُوَزِّعَ العَذابَ عَلى كُلِّ مَن كانَ سَبَبًا في ذَلِكَ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وضَلَّ عَنِ الجَهَلَةِ أنَّ هَذا لا يُغْنِيهِمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا، فَإنَّ الكُلَّ في العَذابِ ولَيْسَ يُغْنِي أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، قالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]
القصص 28:64
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتْ إلى هَذا الكَلامِ مِنهم بَلْ عُدَّ عَدَمًا، لِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَهُ، أُشِيرَ إلى الإعْراضِ عَنْهُ لِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ جَوابًا كَما قِيلَ: ”رُبَّ قَوْلٍ جَوابُهُ في السُّكُوتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: ثانِيًا لِلْأتْباعِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وإظْهارًا لِعَجْزِهِمُ المَلْزُومِ لِتَحَسُّرِهِمْ وعِظَمِ تَأسُّفِهِمْ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ، إظْهارًا لِلِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، وأنَّهم مِنَ الذُّلِّ والصَّغارِ بِحَيْثُ يُجِيبُونَ كُلَّ أمْرٍ كائِنًا مَن كانَ: ﴿ادْعُوا﴾ أيْ: كُلُّكم ﴿شُرَكاءَكُمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ ادَّعَيْتُمْ جَهْلًا شَرِكَتَهم لِيَدْفَعُوا عَنْكم. وأضافَهم هُنا إلَيْهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم لَمْ يَسْتَفِيدُوا زَعْمَهم أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - إلّا أنْ (p-٣٣٦)أشْرَكُوهم فِيما صَرَفُوا إلَيْهِمْ مِن أمْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، وأزْمانِهِمْ وأحْوالِهِمْ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ تَعَلُّلًا بِما لا يُغْنِي، وتَمَسُّكًا بِما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا يُجْدِي، لِفَرْطِ الغَلَبَةِ واسْتِيلاءِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ كَما يَحِقُّ لَهم بِما لَهم مِن وصْفِ عَدَمِ الإدْراكِ، والعَجْزِ والهَلاكِ ﴿ورَأوُا﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿العَذابَ﴾ عالِمَيْنِ بِأنَّهُ مُواقِعُهم لا مانِعَ لَهُ عَنْهم، فَكانَ الحالُ حِينَئِذٍ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُقالَ مِن كُلِّ مَن يَراهم: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو لَهم صِفَةٌ راسِخَةٌ ﴿يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: يَحْصُلُ مِنهم هُدى ساعَةٍ مِنَ الدَّهْرِ، تَأسُّفًا عَلى أمْرِهِمْ، وتَمَنِّيًا لِخَلاصِهِمْ، أوْ لَوْ أنَّ ذَلِكَ كانَ في طَبْعِهِمْ لَنَجَوْا مِنَ العَذابِ، أوْ لَما رَأوْهُ أصْلًا، أوْ لَما اتَّبَعُوهم.
القصص 28:65
ولَمّا أشارَ إلى أنَّهُ لا خَلاصَ مِن ذَلِكَ الرَّدى إلّا بِالهُدى، أتْبَعَهُ الإعْلامُ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدًا هُناكَ أنْ يَفْعَلَ ما [قَدْ] يُرَوِّجُ عَلى سائِلِهِ كَما يَفْعَلُ في هَذِهِ الدّارِ مِن إظْهارِ ما لَمْ يَكُنْ مُكَرَّرًا لِتَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَبْشِيعِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَفْظِيعِهِ، سائِلًا عَنْ حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ السُّؤالِ عَنْ حَقِّهِ سُبْحانَهُ، مُنادِيًا بِعَجْزِ الشُّرَكاءِ في الأُخْرى كَما كانُوا عاجِزِينَ في الأوْلى،
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ وهم بِحَيْثُ يَسْمَعُهم (p-٣٣٧)الدّاعِي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، قَدْ بَرَزُوا للَّهِ جَمِيعًا مَن كانَ مِنهم عاصِيًا ومَن كانَ مُطِيعًا في صَعِيدٍ واحِدٍ، قَدْ أخَذَ بِأنْفاسِهِمُ الزِّحامُ، وتَراكَبَتِ الأقْدامُ عَلى الأقْدامِ، وألْجَمَهُمُ العَرَقُ، وعَمَّهُمُ الغَرَقُ ﴿فَيَقُولُ ماذا﴾ أيْ: أوْضَحُوا أوْ عَيَّنُوا جَوابَكُمُ الَّذِي ﴿أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: بِهِ.
القصص 28:66
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم قَدَمُ صِدْقٍ ولا سابِقُ حَقٍّ بِما أتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِهِ مِنَ الحُجَجِ، وتابَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ، لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ إلّا السُّكُوتُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أيْ: خَفِيَتْ وأظْلَمَتْ في غَوايَةٍ ولَجاجٍ ﴿عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [أيْ: ] الأخْبارُ الَّتِي هي مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ يَحِقُّ لَها في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْ تُذْكَرَ، وهي الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ بِها الخَلاصُ، وعَدّاهُ بِعَلى إشارَةً إلى أنَّ عَماها وقَعَ عَلَيْهِمْ، فَعَمَّ الكُلَّ العَمى فَصارُوا بِحَيْثُ لا تَهْتَدِي الأنْباءُ لِعَماها إلَيْهِمْ لِتَجَدُّدِها، ولا يَهْتَدُونَ إلَيْها لِانْتِشارِ عَماها إلَيْهِمْ، وهَذا كُلُّهُ إشارَةً [إلى أنَّهُمْ] لَمْ يُقَدِّمُوا عَمَلًا في إجابَةِ الرُّسُلِ بِحَقِّ أنْ يُذْكَرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، بَلْ أسْلَفُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والإساءَةِ ما يَوَدُّونَ لَوْ أنَّ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا، وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تَكْرِيرًا لِتَخْوِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَهْوِيلِهِ، وتَقْرِيرًا لِتَعْظِيمِهِ وتَبْجِيلِهِ.
(p-٣٣٨)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ السُّكُوتُ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أحَدٍ مِنهم ما يُغْنِي في جَوابِهِ مِن حُسْنِ القَوْلِ وصَوابِهِ، وأنَّهم لا يَذْكُرُونَ شَيْئًا مِنَ المَقالِ إلّا عادَ عَلَيْهِمْ بِالوَبالِ، قالَ مُتَرْجِمًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: لا يَسْألُ أحَدٌ مِنهم أحَدًا عَنْ شَيْءٍ يَحْصُلُ بِهِ خَلاصٌ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ قَدْ عَمَّهُمُ الهَلاكُ، ولاتَ حِينَ مَناصٍ، ولِأنَّ كُلًّا مِنهم أبْغَضُ النّاسِ في الآخَرِ.
القصص 28:67
ولَمّا عُلِمَ بِهَذِهِ الآياتِ حالُ مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ وعَمِلَ سَيِّئًا بِطَرِيقِ العِبارَةِ، وأُشِيرَ إلى حالِ مَن تابَ فَوُعِدَ الوَعْدَ الحَسَنَ ألْطَفَ إشارَةً تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [التَّشَوُّفُ إلى] التَّصْرِيحِ بِحالِهِمْ، فَقالَ مُفَصِّلًا مُرَتِّبًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هَذا حالَ مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ أيْ: عَنْ كُفْرِهِ وقالَ: ﴿وآمَنَ﴾ تَصْرِيحًا بِما عُلِمَ التِزامًا، فَإنَّ الكُفْرَ والإيمانَ ضِدّانِ، لا يُمْكِنُ تَرْكُ أحَدِهِما إلّا بِأخْذِ الآخَرِ ﴿وعَمِلَ﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُ بِاللِّسانِ ﴿صالِحًا﴾
ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ نَزّاعَةً إلى النَّقائِصِ، مُسْرِعَةً إلى الدَّنايا، أُشِيرَ إلى صُعُوبَةِ الِاسْتِمْرارِ عَلى طَرِيقِ الهُدى إلّا بِعَظِيمِ المُجاهِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى﴾ أيْ: فَأنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ حالِهِ هَذا الطَّمَعِ في ﴿أنْ يَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أيْ: النّاجِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، الظّافِرِينَ (p-٣٣٩)بِجَمِيعِ المُرادِ، بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى طاعَتِهِمْ إلى المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يَقْطَعْ لَهُ بِالفَلّاحِ وإنْ كانَ مِثْلَ ذَلِكَ في مَجارِي عاداتِ المُلُوكِ قَطْعًا، إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَجِبُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ لِيَدُومَ حَذَرُهُ، ويَتَّقِيَ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، فَإنَّ الكُلَّ مِنهُ.
القصص 28:68
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِأهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ لا يَتَوَخَّوْنَ النَّجا مِن ضِيقٍ ذَلِكَ البَلا، إلى رُحْبِ هَذا الرَّجا، وكانَ الجَوابُ: رَبُّكَ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ، أوْ ما لَمْ يَقْطَعْ لِأهْلِ هَذا القِسْمِ بِالفَلاحِ كَما قَطَعَ لِأهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ بِالشَّقاءِ؟ وكانَ الجَوابُ: إنَّ رَبَّكَ لا يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَطَفَ عَلَيْهِ إشارَةً إلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ، بِمُوافَقَةِ مَن وافَقَكَ ومُخالَفَةِ مَن خالَفَكَ لِحِكَمٍ كِبارٍ، دَقَّتْ عَنْ فَهْمِ أكْثَرِ الأفْكارِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الهُدى والضَّلالِ وغَيْرِهِما، لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْتارُ﴾ أيْ: يُوقِعُ الِاخْتِيارَ، لِما يَشاءُ فَيُرِيدُ الكُفْرَ لِلْأشْرارِ، والإيمانَ لِلْأبْرارِ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، فَرُبَّما ارْتَدَّ أحَدٌ مِمَّنْ أظْهَرَ المَتابَ، لِما سَبَقَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابِ، فَكانَ مِن أهْلِ التِّبابِ فَلا تَأْسَ عَلى مَن فاتَكَ كائِنًا مَن كانَ، واعْلَمْ أنَّهُ ما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ، (p-٣٤٠)ومَن فاتَنا يَكْفِيهِ أنّا نَفُوتُهُ.
ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ إلّا أنْ يُوافِقَ مُرادَهُ تَعالى، صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيْ: أنْ يَفْعَلُوا أوْ يَفْعَلَ لَهم كُلَّ ما يَخْتارُونَهُ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ غَيْرُهُ، اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيارِ، يُقامُ مَقامَ المَصْدَرِ، وهو أيْضًا اسْمُ المُخْتارِ، فَهو تَعْبِيرٌ بِالمُسَبِّبِ عَنِ السَّبَبِ لِأنَّهُ إذا خَلّى عَنْهُ كانَ عَقِيمًا فَكانَ عَدَمًا، قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ في اخْتِيارِهِ غَيْرُ مُخْتارٍ، فَلِهَذا أهْلُ الرِّضى حَطُّوا الرِّحالَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ، وسَلَّمُوا الأُمُورَ إلَيْهِ بِصَفاءِ التَّفْوِيضِ، يَعْنِي فَإنْ أمَرَهم أوْ نَهاهم بادَرُوا، وإنْ أصابَهم بِسِهامِ المَصائِبِ العِظامِ صابَرُوا، وإنْ أعَزَّهم أعَزُّوا أنْفُسَهم وأكْرَمُوا، وإنْ أذَلَّهم رَضُوا وسَلَّمُوا، فَلا يُرْضِيهِمْ إلّا ما يُرْضِيهِ، ولا يُرِيدُونَ إلّا ما يُرِيدُهُ فَيُمْضِيهِ:
؎وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ [لِي] مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمٌ
؎أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً ∗∗∗ حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
؎وأهَنْتَنِي فَأهَنْتُ نَفْسِي صاغِرًا ∗∗∗ ما مَن يَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ أُكْرِمُ
ولَمّا كانَ إيقاعُ شَيْءٍ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ نَقْصًا، وكانَ وُقُوعُ الشِّرْكِ (p-٣٤١)سُفُولًا وعَجْزًا، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى نَتِيجَةِ هَذِهِ الآياتِ في نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ عَنْ أنْ يَخْتارَ أحَدٌ شَيْئًا لا يُرِيدُهُ فَيَصِلُ إلَيْهِ أوْ يَقَعُ بِوَجْهٍ عَلَيْهِ ﴿وتَعالى﴾ أيْ: عَلا عُلُوَّ المُجْتَهِدِ في ذَلِكَ، فَعُلُوُّهُ لا تَبْلُغُ العُقُولُ بِوَجْهٍ كُنْهَ هُداهُ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ لِأنَّهُ لا إرادَةَ لِما ادَّعَوْهم شُرَكاءَ، ولَوْ كانَتْ لَهم إرادَةٌ لَتَوَقَّفَ إنْفادُها لِعَجْزِهِمْ عَلى إيجادِ الخالِقِ.
القصص 28:69
ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ، قالَ: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ المُتَوَلِّي لِتَرْبِيَتِكَ، كَما هو بالِغُ القُدْرَةِ، فَهو شامِلُ العِلْمِ ﴿يَعْلَمُ ما تُكِنُّ﴾ أيْ: تُخْفِي وتَسْتُرُ ﴿صُدُورُهُمْ﴾ مِن كَوْنِهِمْ يُؤْمِنُونَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَأْتِيَهم آياتٌ مِثْلُ آياتِ مُوسى أوْ لا يُؤْمِنُونَ، ومِن كَوْنِ ما أظْهَرَ مَن أظْهَرَ مِنهُمُ الإيمانَ بِلِسانِهِ خالِصًا أوْ مَشُوبًا.
ولَمّا كانَ عِلْمُ الخَفِيِّ لا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الجَلِيِّ إمّا لِبُعْدٍ أوْ لَغَطٍ أوِ اخْتِلاطِ أصْواتٍ يَمْنَعُ تَمْيِيزَ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ، كُلُّ ذَلِكَ لَدَيْهِ سَواءٌ، فَلا يَكُونُ لَهم مُرادٌ إلّا بِخَلْقِهِ.
القصص 28:70
ولَمّا كانَ عُلِمَ بِذَلِكَ إنَّما هو لِكَوْنِهِ إلَهًا، وكانَ غَيْرُهُ لا يَعْلَمُ مِن عِلْمِهِ إلّا ما عَلَّمَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيْ: المُسْتَأْثِرُ بِالإلَهِيَّةِ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ، الَّذِي لا يُحِيطُ الوَصْفُ مِن عَظَمَتِهِ بِأكْثَرَ مِن أنَّهُ عَظِيمٌ عَلى الإجْمالِ، وأمّا التَّفاصِيلُ كُلُّها أوْ أقَلُّها فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ؛ (p-٣٤٢)ثُمَّ شَرَحَ [مَعْنى] الِاسْمِ الأعْظَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿فِي الأُولى والآخِرَةِ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ سِواهُ إنْ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحُكْمُ﴾ أيْ: إمْضاءُ القَضاءِ عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ لِقَسْرِهِمْ عَلى الإيمانِ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ يَوْمَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، لِبَعْثَرَةِ القُبُورِ، بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ومَعَ أنَّكُمُ الآنَ أيْضًا راجِعُونَ في جَمِيعِ أحْكامِكم إلَيْهِ ومَقْصُورُونَ عَلَيْهِ، إنْ شاءَ أمْضاها، وإنْ أرادَ رَدَّها ولَواها، فَفي الآياتِ غايَةُ التَّقْوِيَةِ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، ونِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، بِالتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، عِلْمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، مُنَزِّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ يَجْزِي الطّائِعِينَ والعاصِينَ بِالقِسْطِ.
القصص 28:71
ولَمّا قامَتْ عَلى القُدْرَةِ الشّامِلَةِ والعِلْمِ التّامِّ وأنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ إنَّ وحَّدُوا أوِ ألْحَدُوا هَذِهِ الأعْلامَ عَلى هَذا النِّظامِ، أقامَ دَلِيلًا دالًّا عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِما اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ وتَمامِ القُدْرَةِ، مُنَبِّهًا عَلى وُجُوبِ حَمْدِهِ مُفَصِّلًا لِبَعْضِ ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَقالَ مُقَدِّمًا اللَّيْلَ لِأنَّ آيَتَهُ عَدَمِيَّةٌ، وهي أسْبَقُ: ﴿قُلْ﴾ لِمَن رُبَّما عانَدُوا في ذَلِكَ، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُلْزِمًا لَهم، وعَبَّرَ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الإلْزامِ، أعْظَمُ في الإفْحامِ، (p-٣٤٣)فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبَرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْلى نَظَرًا إلى مَقامِ العَظَمَةِ والجَلالِ ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ﴾ الَّذِي بِهِ اعْتِدالُ حَرِّ النَّهارِ ﴿سَرْمَدًا﴾ أيْ: دائِمًا، وقالَ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ إنْكارٌ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ.
ولَمّا كانَ النُّورُ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، ويُعْرَفُ [بِهِ] خالِقُهُ، صَرَّحَ بِهِ وطَوى أثَرَهُ فَقالَ: ﴿يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: يُولَدُ نَهارًا تَنْتَشِرُونَ فِيهِ، ولِقُوَّةِ إعْلامِهِ بِالقُدْرَةِ وتَعْرِيفِهِ بِاللَّهِ عَبَّرَ بِهَذا دُونَ يُؤْتِيكم ضِياءً، ولَمّا كانَ اللَّيْلُ مَحَلَّ السُّكُونِ ومَجْمَعَ الحَواسِّ، فَهو أمْكَنُ لِلسَّمْعِ وأنَفَذُ لِلْفِكْرِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أيْ: ما يُقالُ لَكم إصْغاءً وتَدَبُّرًا، كَما يَكُونُ لِمَن هو في اللَّيْلِ فَيَنْتَفِعُ بِسَمْعِهِ مِن أُولِي العَقْلِ.
القصص 28:72
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِجَلالِهِ وباهِرِ كَمالِهِ ﴿عَلَيْكُمُ النَّهارَ﴾ الَّذِي تُوازِنُ حَرارَتُهُ رُطُوبَةَ اللَّيْلِ فَيَتِمُّ بِهِما صَلاحُ النَّباتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ المُقَدَّراتِ ﴿سَرْمَدًا﴾ أيْ: دائِمًا، مِنَ السَّرْدِ، وهو المُتابَعَةُ بِزِيادَةِ المِيمِ مُبالَغَةً فِيهِ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يَسْمَعُ عاقِلًا إنْكارَهُ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ الجَلِيلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ.
(p-٣٤٤)ولَمّا كانَ الظَّلامُ غَيْرَ مَقْصُودٍ في نَفْسِهِ، وكانَ بَعْدَ الضِّياءِ في غايَةِ التَّعْرِيفِ بِمُوَحَّدِهِ، عَدَلَ عَنِ اسْمِهِ فَقالَ مُعَبِّرًا لِمِثْلِ ما مَضى: ﴿يَأْتِيكم بِلَيْلٍ﴾ أيْ: يَنْشَأُ مِن ظَلامٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ بِما يَدُلُّ عَلى ما حَذَفَهُ مِنَ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الضِّياءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الظَّلامِ ثانِيًا، واللَّيْلُ والسُّكُونُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ النَّهارِ والِانْتِشارِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَ الضِّياءُ مِمّا يَنْفُذُ فِيهِ البَصَرُ قالَ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ كَيْفَ تَنْقَشِعُ جَلابِيبُ الظَّلامِ، عَنْ وُجُوهِ الضِّياءِ الغُرِّ الكِرامِ، ثُمَّ تَتَقَنَّعُ بِسَوادِ أرْدِيَةِ الحَياءِ، ووُجُوهُ الأنْوارِ والضِّياءُ [قالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: قالَ المُبَرِّدُ: سُلْطانُ السَّمْعِ في اللَّيْلِ وسُلْطانُ البَصَرِ في النَّهارِ].
القصص 28:73
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمِن حِكْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ، لِتَتَدَبَّرُوا آياتِهِ، وتَتَبَصَّرُوا في مَصْنُوعاتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لا مِن غَيْرِها مِن خَوْفٍ أوْ رَجاءٍ أوْ تَعَلُّقٍ غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ آيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ دَبَّرَ فِيهِما وبِهِما جَمِيعَ مَصالِحِكم، وادَّخَرَ مُعْظَمَ رَحْمَتِهِ إلى الآخِرَةِ، (p-٣٤٥)ومَحا آيَةَ اللَّيْلِ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: فَلا تَسْعَوْا في مَعاشِكم ”و“ جَعَلَ آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ”لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ“ بِأنْ تَسْعَوْا في مَعاشِكم بِجُهْدِكم، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا السُّكُونَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ السَّعْيِ في المَعاشِ ثانِيًا، والِابْتِغاءَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ عَدَمِ السَّعْيِ في المَعاشِ أوَّلًا.
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أسْبَغَها مِن هَذِهِ الرَّحْمَةَ، وذَكَرَ عِلَّةَ جَعْلِهِ لَها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ذَكَرَ عِلَّةً أُخْرى هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِأنَّها نَتِيجَةُ السَّمْعِ والبَصَرِ اللَّذَيْنِ، قَدَّمَ الحَثَّ عَلى اسْتِعْمالِهِما فَقالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى مِنهُ الشُّكْرُ بِما يَتَجَدَّدُ لَكم بِتَقَبُّلِهِما مِنَ النِّعَمِ المُتَوالِيَةِ المَذْكُورَةِ بِالمُنْعِمِ، وبِما دَبَّرَ لَكم رِفْقًا بِكم فِيما كَفَلَكم بِهِ في دارِ الأسْبابِ مِن أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ مِنَ الرّاحَةِ بِالسُّكُونِ إثْرَ ما أفادَكم مِنَ الأرْباحِ والمِنَحِ بِالِانْتِشارِ والتَّقَلُّبِ، وأمّا الآخِرَةُ فَلَمّا كانَتْ غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ عَلى الأسْبابِ، وكانَتِ الجَنَّةُ لا تَعَبَ فِيها بِوَجْهٍ [مِنَ الوُجُوهِ]، كانَ لا حاجَةَ فِيها إلى اللَّيْلِ.
القصص 28:74
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُفْلِحِ مِنَ الرَّجاءِ في يَوْمِ الجَزاءِ، وأتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّ الهِدايَةَ إلى الفَلاحِ إنَّما هي بِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ إلى أنَّ ذِكْرَ أيّامِ الدُّنْيا المُشْتَمِلَةِ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى وجْهٍ دالٌّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مُعْلِمٌ بِالقُدْرَةِ (p-٣٤٦)عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ بِتَكْرِيرِ إيجادِ كُلٍّ مِنَ المَلَوَيْنِ بَعْدَ إعْدامِهِ وتَكْرِيرِ إماتَةِ النّاسِ بِالنَّوْمِ، ثُمَّ نَشَرَهم بِاليَقَظَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ إشارَةً إلى أنَّهُ سَبَبُ الفَلاحِ، عادَ إلى يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُقَرِّعًا عَلى الإشْراكِ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وعَدَمِ شُبْهَةٍ قائِمَةٍ عَلى الشِّرْكِ غَيْرَ مَحْضِ التَّقْلِيدِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى عَجْزِهِمْ عَنِ البُرْهانِ عِنْدَ اسْتِحْقاقِ البُرْهانِ في يَوْمِ التَّنادِ، لِمَحْضَرٍ مِنَ الأشْهادِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِلتَّهْوِيلِ بِالتَّكْرِيرِ، والتَّأْطِيدِ لِلتَّهْلِيلِ والتَّقْرِيرِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِي يَظُنُّونَ أنَّهم مُعْجِزُونَ ﴿فَيَقُولُ﴾ بِلِسانِ الغَضَبِ والإخْزاءِ والتَّوْبِيخِ وقَدْ جَمَعُوا جَمْعًا: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ وكَرَّرَ الإشارَةَ إلى أنَّ إشْراكَهم إنَّما هو بِالِاسْمِ لا مَعْنى فِيهِ أصْلًا فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكم حَتّى صارَ لَكم ذَلِكَ لِمَكَّةَ ﴿تَزْعُمُونَ﴾ بِلا شُبْهَةٍ لَكم في ذَلِكَ عِنْدَ التَّحَقُّقِ أصْلًا.
القصص 28:75
ولَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ الأوَّلَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِ الشَّرِكَةِ أنَّ الشُّرَكاءَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ولا كانَتْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى نَصْرِهِمْ ولا نَصْرِ أنْفُسِهِمْ، وكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِشَيْءٍ غَيْرِ العَجْزِ، دَلَّ هُنا عَلى الإشْراكِ لا شُبْهَةَ دَلِيلٍ فَقالَ [صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ التَّكَلُّمِ بِأُسْلُوبِ العَظَمَةِ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ فِعالٍ] ﴿ونَـزَعْنا﴾ أيْ: أفْرَدْنا بِقُوَّةٍ وسَطْوَةٍ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ (p-٣٤٧)أيْ: وهو رَسُولُهم، فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الِارْتِباكِ في أشْراكِ الإشْراكِ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ سُؤالُهم عَنْ سَنَدِهِمْ في إشْراكِهِمْ قالَ: ﴿فَقُلْنا﴾ أيْ: لِلْأُمَمِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: دَلِيلَكُمُ القَطْعِيَّ الَّذِي فَزِعْتُمْ في الدُّنْيا إلَيْهِ، وعَوَّلْتُمْ في شِرْكِكم عَلَيْهِ، كَما هو شَأْنُ ذَوِي العُقُولِ أنَّهم لا يَبْنُونَ شَيْئًا عَلى غَيْرِ أساسٍ ﴿فَعَلِمُوا﴾ بِسَبَبِ [هَذا] السُّؤالِ لَمّا اضْطُرُّوا فَفَتَّشُوا واجْتَهَدُوا فَلَمْ يَجِدُوا لَهم سَنَدًا أصْلًا ﴿أنَّ الحَقَّ﴾ أيْ: في الإلَهِيَّةِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا مُكافِئَ لَهُ، لا شَرِكَةَ لِشَيْءٍ مَعَهُ ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: غابَ وبَطَلَ غَيْبَةُ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَقُولُونَهُ قَوْلَ الكاذِبِ المُتَعَمِّدِ لِلْكَذِبِ لِكَوْنِهِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا شُبْهَةَ مُوجِبَةٌ لِلْغَلَطِ فِيهِ.
القصص 28:76
ولَمّا دَلَّ عَلى عَجْزِهِمْ في تِلْكَ الدّارِ، وعِلْمِهِمْ أنَّ المُتَصَرِّفَ في جَمِيعِ الأقْدارِ، إنَّما هو الواحِدُ القَهّارُ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَهُ أيْضًا في هَذِهِ الدّارِ وُقُوعُ العِلْمِ بِهِ بِإهْلاكِ أُولِي البَطَرِ، والمَرَحِ والأثَرِ، مِن غَيْرِ أنْ يُغْنُوا عَمَّنْ أضَلُّوا، أوْ يُغْنِيَ عَنْهم مَن أضَلَّهم مِن ناطِقٍ، وما أضَلَّهم مِن (p-٣٤٨)صامِتٍ، تَطْبِيقًا لِعُمُومِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] عَلى بَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، تَخْوِيفًا لِمَن كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ، لا سِيَّما مَن نَسَبَهُ إلى السِّحْرِ، وإعْلامًا بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُقاطِعُونَ الأشْقِياءَ وإنْ كانُوا أقْرَبَ الأقْرِباءِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَ قارُونَ ومَن كانَ مَعَهُ بِعَذابٍ لَمْ يَسْبِقْهم فِيهِ أحَدٌ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ ومِن أقْرَبِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعُلِمَ كُلَّ مَن كانَ اغْتَرَّ بِما أُوتِيَهُ [أنَّ] الحَقَّ لِلَّهِ في كُلِّ ما دَعَتْ إلَيْهِ رُسُلُهُ، ونَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُ، وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَقِرُونَ، [ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا ما اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ، فَكانَ مَعْبُودُهم في الحَقِيقَةِ مِمّا جَمَعُوهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا فاعْتَقَدُوا أنَّهم نالُوا بِهِ السَّعادَةَ الدّائِمَةَ والعِزَّ الباقِيَ، فَكانَ مِثْلُهُ - كَما يَأْتِي في الَّتِي بَعْدَهُ - كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا]، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَرْأًى مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ كَذَّبَهُ ونَسَبَهُ إلى السِّحْرِ وتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْألِ اللَّهَ تَعالى فِيهِ لِخُرُوجِهِ بِاسْتِكْبارِهِ مِنَ الوَعْدِ بِالمِنَّةِ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [فِي الأرْضِ]، وكانَ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي [عُذِّبُوا بِهِ مِن جِنْسِ ما] عُذِّبَ بِهِ فِرْعَوْنُ في الصُّورَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَغْيِيبٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ في مائِعٍ، وهَذا صُلْبٌ جامِدٌ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، لِيَدُومَ (p-٣٤٩)مِنهُ الحَذَرُ، فِيما سَبَقَ مِنهُ القَضاءُ والقَدَرُ، ونَزَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ شَهِيدًا مِن عَصَبِهِمْ وقالَ لَهم: هاتُوا بُرْهانَكم [فِيها]، فَعَلِمُوا بِإبْراقِ عَصا هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ عِصِيِّهِمْ أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ في أمْرِ الحُبُورَةِ وفي جَمِيعِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ﴾ ويُسَمّى في التَّوْراةِ قُورِحَ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا مُتَمَكِّنًا ﴿مِن قَوْمِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُنْكِرَ كَوْنَهُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ فَعَلَهُ مَعَهم لا يَكادُ يَفْعَلُهُ أحَدٌ مَعَ قَوْمِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وقُلْنا فِيهِمْ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ﴾ [القصص: ٥] إلى آخِرِهِ، لِأنَّهُ ابْنُ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [عَلى ما] حَكاهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في احْتِقارِهِمْ بِما خَوَّلْناهُ فِيهِ مِن هَذا الحُطامِ المُتَلاشِي، والعَرَضِ الفانِي، فَقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الوُصْلَةِ، ووَصَلَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ، مِنَ الفِرْقَةِ، فَأخْرَجَهُ ذَلِكَ مِن حَوْزَةِ المِنَّةِ والأمانَةِ والوِراثَةِ إلى دائِرَةِ الهَلاكِ والحَقارَةِ والخِيانَةِ، كَما بَغى عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ؛ وكانَ أصْلُ ”بَغى“ هَذِهِ: أرادَ، لَكِنْ لَمّا كانَ العَبْدُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ (p-٣٥٠)لَهُ إرادَةٌ، بَلِ الإرادَةُ لِسَيِّدِهِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] جُعِلَتْ إرادَتُهُ تَجاوُزَ الحَدِّ، وعُدِّيَتْ بِـ ”عَلى“ المُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِعْلاءِ تَنْبِيهًا عَلى خُرُوجِها عَنْ أصْلِها.
ولَمّا ذَكَرَ بَغْيَهُ، ذَكَرَ سَبَبَهُ الحَقِيقِيَّ، فَقالَ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ أيْ: ومَعَ كَوْنِنا أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ مِن حِزْبِ أصْفِيائِنا آتَيْناهُ بِعَظَمَتِنا ﴿مِنَ الكُنُوزِ﴾ أيْ: الأمْوالِ المَدْفُونَةِ المُدَّخَرَةِ، فَضْلًا عَنِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي بِصَدَدِ الإنْفاقِ مِنهُ لِما عَساهُ يَعْرِضُ مِنَ المُهِمّاتِ ﴿ما﴾ أيْ: الَّذِي أوْ شَيْئًا كَثِيرًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ حَتّى ﴿إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ أيْ: مَفاتِحَ الأغْلاقِ الَّتِي هو مَدْفُونٌ فِيما وراءَ أبْوابِها ﴿لَتَنُوءُ﴾ أيْ: تَمِيلُ بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ لِثِقَلِها ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ أيْ: الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ الَّتِي يَعْصِبُ - أيْ: يُقَوِّي - بَعْضُهم بَعْضًا، وفي المُبالَغَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالكُنُوزِ والمَفاتِيحِ والنَّوْءِ والعُصْبَةِ المَوْصُوفَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُوتِيَ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِمَّنْ هو في عِدادِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا تَسْتَبْعِدُهُ العُقُولُ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّأْكِيدُ ﴿أُولِي القُوَّةِ﴾ أيْ: تُمِيلُهم مِن إثْقالِها إيّاهم، والنَّوْءُ: المَيْلُ، قالَ الرّازِي: والنَّوْءُ: الكَوْكَبُ مالَ عَنِ العَيْنِ عِنْدَ الغُرُوبِ، يُقالُ: ناءَ بِالحِمْلِ إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا وناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أمالَهُ لِثِقْلِهِ.
(p-٣٥١)ولَمّا ذَكَرَ بَغْيَهُ، ذَكَرَ وقْتَهُ، والوَقْتُ قَدْ يَكُونُ واسِعًا كَما نَقُولُ: جَرى كَذا عامَ كَذا، وفِيهِ التَّعَرُّضُ لِلسَّبَبِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ وقالَ: ﴿قَوْمُهُ﴾ إشارَةً إلى تَناهِي بَغْيِهِ بِافْتِخارِهِ وكِبْرِهِ عَلى أقارِبِهِ الَّذِينَ جَرَتِ العادَةُ أنْ لا يُغْضِبَ كَلامُهم ولا يُؤَرِّثَ التَّعَزُّرَ عَلَيْهِمْ ولا يَحْمِلُ إلّا عَلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ، وساغَتْ نِسْبَةُ القَوْلِ لِلْكُلِّ وإنْ كانَ القائِلُ البَعْضَ، بِدَلِيلِ ما يَأْتِي، إمّا عَدًّا لِلسّاكِتِ قائِلًا لِرِضاهُ بِهِ لِأنَّهُ مِمّا لا يَأْباهُ أحَدٌ، وإمّا لِأنَّ أهْلَ الخَيْرِ هُمُ النّاسُ، ومَن عَداهم عَدَمٌ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ أيْ: لا تُسَرَّ سُرُورًا يَحْفِرُ في قَلْبِكَ فَيَتَغَلْغَلُ فِيهِ فَيَحْرِفَكَ إلى الأشَرِ والمَرَحِ، فَإنَّ الفَرَحَ بِالعَرَضِ الزّائِلِ يَدُلُّ عَلى الرُّكُونِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِسْيانِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ عَلى غايَةِ الجَهْلِ والطَّيْشِ وقِلَّةِ التَّأمُّلِ لِلْعَواقِبِ، فَيَجُرُّ إلى المَرَحِ فَيَجُرُّ إلى الهَلاكِ، قالَ الرّازِي: ومَن فَرِحَ بِغَيْرِ مَفْرُوحٍ بِهِ اسْتَجْلَبَ حُزْنًا لا انْقِضاءَ لَهُ، وعَلَّلُوا نَهْيَهم لَهُ بِما يُفْهِمُ أشَدَّ الشَّفَقَةِ والمَحَبَّةِ فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِاسْتِبْعادِ مَن يَرى تَواصَلَ النِّعَمِ السّارَّةِ عَلى أحَدِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْبُوبٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا شَيْءَ أجَلُّ مِنهُ، فَبِهِ يَنْبَغِي أنْ يَفْرَحَ ﴿لا يُحِبُّ﴾ أيْ: لا يُعامَلُ مُعامَلَةَ المَحْبُوبِ ﴿الفَرِحِينَ﴾ أيْ (p-٣٥٢)الرّاسِخِينَ في الفَرَحِ بِما يَفْنى، فَإنَّ فَرَحَهم يَدُلُّ عَلى سُفُولِ الهِمَمِ.
القصص 28:77
ولَمّا كانَ تَرَكَ الفَرَحِ سَبَبًا لِلزُّهْدِ، وهو سَبَبُ القُرْبِ إلى اللَّهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وازْهَدْ فِيهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الزّاهِدِينَ ﴿وابْتَغِ﴾ أيْ: اطْلُبْ طَلَبًا تُجْهِدُ نَفْسَكَ فِيهِ ﴿فِيما آتاكَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ مِن هَذِهِ الأمْوالِ حالَ تَمَكُّنِكَ ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ بِإنْفاقِهِ فِيما يُحِبُّهُ اللَّهُ بِحَيْثُ يَكُونُ ابْتِغاؤُكَ ذَلِكَ مَظْرُوفًا لَهُ فَيَكُونُ كالرُّوحِ والمُؤْتى كالجَسَدِ لِيَكُونَ حَيًّا بِذَلِكَ الِابْتِغاءِ، فَلا يَكُونُ مِنهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ حَياةٍ، فَإنَّ فِعْلَكَ لِذَلِكَ يُذَكِّرُكَ أنَّ هَذِهِ الدّارَ دارُ قَلْعَةٍ وارْتِحالٍ، وكُلُّ ما فِيها إلى زَوالٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ الزُّهْدَ في جَمِيعِ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَدِيدَ المَشَقَّةِ عَلى النُّفُوسِ مَعَ ما فِيهِ مِن شائِبَةِ الِاتِّهامِ قالُوا: ﴿ولا تَنْسَ﴾ أيْ: تَتْرُكْ تَرْكَ النّاسِي ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ تَرْكَ المَنسِيِّ، بَلِ اسْتَعْمِلِ المُباحاتِ مِنَ المَآكِلِ والمَلابِسِ والمَناكِحِ والمَساكِنِ وما يُلائِمُها، ولِيَكُنِ اسْتِعْمالُكَ لِذَلِكَ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ - مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا مَخْيَلَةٍ تُوجِبُ تَرْكَ الِاتِّصافِ بِالإنْصافِ؛ وعَنْ (p-٣٥٣)عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ولا تَنْسَ صِحَّتَكَ وقُوَّتَكَ ونَشاطَكَ وغِناكَ أنْ تُطْلَبَ بِهِ الآخِرَةُ.
ولَمّا أطْلَقَ لَهُ الِاقْتِصادَ في التَّمَتُّعِ بِالزّادِ، وكانَتِ النَّفْسُ مَجْبُولَةً عَلى الشَّرَهِ، فَإذا أذِنَ لَها مِنَ الدُّنْيا في نَقِيرٍ جَعَلْتَهُ أكْبَرَ كَبِيرٍ، أتْبَعُوا ذَلِكَ ما لَعَلَّهُ يَكُفُّ مِن شَرَهِها فَقالُوا: ﴿وأحْسِنْ﴾ أيْ: أوْقَعَ الإحْسانَ بِدَفْعِ المالِ إلى المَحاوِيجِ، والإنْفاقِ في جَمِيعِ الطّاعاتِ ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ﴾ أيْ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ، المُتَرَدِّي بِرِداءِ العَظَمَةِ والجَلالِ ﴿إلَيْكَ﴾ بِأنْ تُعْطِيَ عَطاءَ مَن لا يَخافُ الفَقْرَ كَما أوْسَعَ عَلَيْكَ.
ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ مِن شَأْنِها إنْ لَمْ تُزَمَّ بِزِمامِ الشَّرْعِ الإسْرافِ والإجْحافِ، قالُوا: ﴿ولا تَبْغِ﴾ أيْ: لا تُرِدْ إرادَةً ما ﴿الفَسادَ في الأرْضِ﴾ بِتَقْتِيرٍ ولا تَبْذِيرٍ، ولا تَكَبُّرٍ عَلى عِبادِ اللَّهِ ولا تَحْقِيرٍ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عِلَّتَهُ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أكْثَرَ المُفْسِدِينَ يَبْسُطُ لَهم في الدُّنْيا، وأكْثَرُ النّاسِ يَسْتَبْعِدُ أنْ يَبْسُطَ فِيها لِغَيْرِ مَحْبُوبٍ، فَقِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: العالِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ، القَدِيرِ عَلى كُلِّ شَيْءِ ﴿لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: لا يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يُحِبُّهُ، فَلا يُكْرِمُهم.
القصص 28:78
ولَمّا كانَ مِمّا قالُوهُ أنَّ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ إنَّما هو اللَّهُ، وكانَ قَدْ (p-٣٥٤)أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ [حَتّى] عَلى خالِقِهِ حَتّى حَصَلَ التَّشَوُّفَ إلى جَوابِهِ فَقِيلَ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ العَجْزَ، وأنَّ غَيْرَهُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِيما يَدَّعِي أنَّهُ حَصَّلَهُ بِقُوَّتِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أيْ: هَذا المالُ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حاصِلٌ ﴿عِنْدِي﴾ فَأنا مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ، وذَلِكَ العِلْمُ هو السَّبَبُ في حُصُولِهِ، لا فَضْلَ لِأحَدٍ عَلَيَّ فِيهِ -بِما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِإنَّما- وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ عِلْمِهِ بِالمُؤْتى مَن هو، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ هو الكِيمْياءُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألّا يَخافَ أنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ - عُقُوبَةً لَهُ عَلى هَذا - عِلْمَهُ ومالَهُ [ونَفْسَهُ]؟ ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِقُدْرَةِ اللَّهِ؟ لا صُنْعَ لَهُ في الحَقِيقَةِ في ذَلِكَ أصْلًا، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أفْقَرَ مَن هو أجَلُّ مِنهُ حِيلَةً وأكْثَرُ عِلْمًا، وأعْطى أكْثَرَ مِنهُ مَن لا عِلْمَ لَهُ ولا قُدْرَةَ، فَهو قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِ، وسَلْبِ ما مَعَهُ وإفْنائِهِ، كَما قَدَرَ عَلى إيتائِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِما بِهِ مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ والكَمالِ ﴿قَدْ أهْلَكَ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَّعِظْ مَعَ مُشاهَدَتِهِ لِلْمُهْلَكِينَ المَوْصُوفِينَ مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ بِإدْخالِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ ولَوْ حَذَفَها لاسْتَغْرَقَ الإهْلاكُ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَهُ مِن (p-٣٥٥)الزَّمانِ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم في الصَّلابَةِ كالقُرُونِ ﴿مَن هو أشَدُّ مِنهُ﴾ أيْ: قُرُونٌ ﴿قُوَّةً﴾ أيْ: في البَدَنِ، والمَعانِي مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ، والأنْصارِ والخَدَمِ ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ في المالِ والرِّجالِ، آخِرُهم فِرْعَوْنُ الَّذِي شاوَرَهُ في مُلْكِهِ، وحَقَّقَ أمْرَهُ يَوْمَ [مُهِمٍّ] هُلْكِهِ، وكانَ يَسْتَعْبِدُهُ أمْثالَهُ ويَسُومُهم سُوءَ العَذابِ، ولَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ مَن يُحِبُّهُ ولا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِعِلْمٍ عِنْدَ أحَدٍ مِنهم ولا جَمْعٍ، بَلْ أخَذَهم لِبَغْيِهِمْ وقَبَّحَ تَقَلُّبَهم وسَعْيَهم.
ولَمّا كانَتْ عادَةُ أهْلِ الدُّنْيا أنَّهم إذا غَضِبُوا مِن أحَدٍ فَأرادُوا إهْلاكَهُ عاتَبُوهُ، فَتارَةً يَحْلِفُ عَلى نَفْيِ الذَّنْبِ فَيُقْبَلُ مِنهُ وإنْ كانَ كاذِبًا، وتارَةً يَكْشِفُ الحالُ عَنْ [أنَّ] باطِنَ أمْرِهِ عَلى خِلافِ ما ظَهَرَ مِن شَرِّهِ، فَيَكُونُ لَهُ عُذْرٌ خَفِيٌّ، أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا جاهِلٌ بِحَقائِقِ الأُمُورِ ومَقادِيرِ ما يَسْتَحِقُّ عَلى كُلِّ ذَنْبٍ مِنَ العُقُوبَةِ، وأمَلَ المُطَّلِعِ عَلى بَواطِنِ الضَّمائِرِ وخَفايا السَّرائِرِ فَغَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى ذاكِرًا لِحالِ المَفْعُولِ وهو ﴿مِن﴾ ﴿ولا﴾ أيْ: أهْلَكَهم والحالُ أنَّهم لا يُسْألُونَ - هَذا الأصْلُ- ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿يُسْألُ﴾ أيْ: مِن سائِلٍ ما ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ فَأظْهَرَ لِإفادَةِ أنَّ المُوجِبَ لِلْإهْلاكِ الإجْرامِ، وهو قَطْعُ ما يَنْبَغِي (p-٣٥٦)وصْلُهُ بِوَصْلٍ ما يَنْبَغِي قَطْعُهُ.
القصص 28:79
ولِهَذا سَبَّبَ وعَقَّبَ عَنْ وعْظِهِمُ الحَسَنِ وجَوابِهِ الخَشِنِ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى إجْرامِهِ، وطُغْيانِهِ في آثامِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ نَصَحُوهُ في الِاقْتِصادِ في شَأْنِهِ، والإكْثارِ في الجُودِ عَلى إخْوانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ مُعَظِّمًا لَها بِقَوْلِهِ: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ أيْ: الَّتِي تُناسِبُ ما ذَكَرْنا مِن أمْوالِهِ، وتَعاظُمِهِ في كَمالِهِ مِن أفْعالِهِ وأقَوالِهِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُ قَوْمُهُ؟ قِيلَ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾ أيْ: هم بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ مِنهم أنْ يُرِيدُوا ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مِنهم لِسُفُولِ الهِمَمِ وقُصُورِ النَّظَرِ عَلى الفانِي، لِكَوْنِهِمْ أهْلَ جَهْلٍ وإنْ كانَ قَوْلُهم مِن بابِ الغِبْطَةِ لا مِنَ الحَسَدِ الَّذِي هو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ: ﴿يا لَيْتَ لَنا﴾ أيْ: نَتَمَنّى تَمَنِّيًا عَظِيمًا أنْ نُؤْتى مِن أيِّ مُؤْتٍ كانَ وعَلى أيِّ وجْهٍ كانَ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ وما تَسَبَّبَتْ عَنْهُ مِنَ العِلْمِ، حَتّى لا نَزالَ أصْحابَ أمْوالٍ، ثُمَّ عَظَّمُوها بِقَوْلِهِمْ مُؤَكِّدِينَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وبَخْتٍ في الدُّنْيا ﴿عَظِيمٍ﴾ بِما أُوتِيَهُ مِنَ العَلَمِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لَهُ إلى جَمِيعِ هَذا المالِ.
القصص 28:80
ودَلَّ عَلى جَهْلِهِمْ وفَضْلِ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ وحَقارَةِ ما (p-٣٥٧)أُوتِيَ قارُونُ مِنَ المالِ والعِلْمِ الظّاهِرِ الَّذِي أدّى إلَيْهِ بِاتِّباعِهِ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ﴾ وعَظَّمَ الرَّغْبَةَ في العِلْمِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ نافِعٌ بِكُلِّ اعْتِبارٍ [وبِاعْتِبارِ الزُّهْدِ، وبِالتَّعْبِيرِ عَنْ أهْلِ الزُّهْدِ بِهِ] فَقالَ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ، فَشَرُفَتْ أنْفُسُهم عَنْ إرادَةِ الدُّنْيا عِلْمًا بِفَنائِها، زَجْرًا لِمَن تَمَنّى مِثْلَ حالِهِ، وشَمَرًا إلى الآخِرَةِ لِبَقائِها: ﴿ويْلَكُمْ﴾ أيْ: عَجَبًا لَكم، أوْ حَلَّ بِكُمُ الشَّرُّ حُلُولًا، وأصْلُ ويْلٍ، ”ويْ“، قالَ الفَرّاءُ: جِيءَ بِلامِ الجَرِّ بَعْدَها مَفْتُوحَةً مَعَ المُضْمَرِ نَحْوُ ويْ لَكَ، ووَيْ لَهُ، أيْ: عَجَبًا لَكَ ولَهُ، ثُمَّ خَلَطَ اللّامَ بَوَيْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَتْ كَلامِ الكَلِمَةِ فَصارَ مُعْرَبًا بِإتْمامِهِ ثُلاثِيًّا، فَجازَ أنْ يَدْخُلَ بَعْدَها لامٌ أُخْرى في نَحْوِ ويْلًا لَكَ، لِصَيْرُورَةِ الأوَّلِ لامَ الكَلِمَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى بابِ المُبْتَدَأِ فَقِيلَ: ويْلٌ لَكَ، وهو باقٍ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في حالِ النَّصْبِ إذِ الأصْلُ في ويْلٍ لَكَ: هَلَكْتُ ويْلًا، أيْ: هَلاكًا فَرَفَعُوهُ بَعْدَ حَذْفِ الفِعْلِ نَفْضًا لِغُبارِ الحُدُوثِ، وقِيلَ: أصْلُ ويْلٍ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يُرْتَضى كَما اسْتَعْمَلَ لا أبا لَكَ - وأصْلُهُ الدُّعاءُ عَلى الرَّجُلِ - في الحَثِّ عَلى الفِعْلِ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا يَحِلُّ بِنا الوَيْلُ؟ فَأخْبَرُوهم بِما يَنْبَغِي مُعْرِضِينَ (p-٣٥٨)عَمًّا اسْتَحَقُّوا بِهِ الوَيْلُ مِنَ التَّمَنِّي، تَحْقِيرًا لِما اسْتَفَزَّهم حَتّى قالُوهُ فَقالُوا: ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ أيْ: الجَلِيلُ العَظِيمُ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: مِن هَذا الحُطامِ، ومَن فاتَهُ الخَيْرُ حَلَّ بِهِ الوَيْلُ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا مُسْتَحِقَّهُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَرْغِيبًا لِلسّامِعِ في حالِهِ فَقالُوا: ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ ﴿صالِحًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عَظَمَةَ هَذِهِ النَّصِيحَةِ وعُلُوِّ قَدْرِها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا يُنْكِرُونَ كَوْنَهم غَيْرَ صابِرِينَ: ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: لا يَجْعَلُ لاقِيًا لِهَذا الكَلِماتِ أوَ النَّصِيحَةِ الَّتِي قالَها أهْلُ العِلْمِ، أيْ: عامِلًا بِها ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ أيْ: عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والحامِلُونَ أنْفُسَهم عَلى الطّاعاتِ الَّذِينَ صارَ الصَّبْرُ لَهم خُلُقًا، وعَبَّرَ بِالجَمْعِ تَرْغِيبًا في التَّعاوُنِ إشارَةً إلى [أنَّ] الدِّينَ لِصُعُوبَتِهِ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ الواحِدُ.
القصص 28:81
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ نَظَرِهِ هَذا الَّذِي أوْصَلَهُ إلى الكُفْرِ بِرَبِّهِ أخَذَهُ بِالعَذابِ، أشارَ إلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِهِ وبِدارِهِ﴾ أيْ: وهي عَلى مِقْدارِ ما ذَكَرْنا مِن عَظَمَتِهِ بِأمْوالِهِ وزِينَتِهِ، فَهي أمْرٌ عَظِيمٌ، تَجْمَعُ خَلْقًا كَثِيرًا وأثاثًا عَظِيمًا، لِئَلّا يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ الخَسْفَ بِهِ كانَ لِلرَّغْبَةِ في أخْذِ أمْوالِهِ ﴿الأرْضَ﴾ وهو مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَرِيبٌ مِنهُ جِدًّا -عَلى ما نَقَلَهُ (p-٣٥٩)أهْلُ الأخْبارِ- فَإيّاكم يا أمَةَ هَذا النَّبِيِّ أنْ تَرُدُّوا ما آتاكم مِنَ الرَّحْمَةِ بِرِسالَتِهِ فَتُهْلِكُوا وإنْ كُنْتُمْ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِ فَإنَّ الأنْبِياءَ كَما أنَّهم لا يُوجِدُونَ الهُدى في قُلُوبِ العِدى، فَكَذَلِكَ لا يَمْنَعُونَهم مِنَ الرَّدى ولا يَشْفَعُونَ لَهم أبَدًا، إذا تَحَقَّقُوا أنَّهم مِن أهْلِ الشَّقا ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ما ﴿كانَ لَهُ﴾ أيْ: لِقارُونَ، وأكَّدَ النَّفْيَ - لَمّا اسْتَقَرَّ في الأذْهانِ أنَّ الأكابِرَ مَنصُورُونَ - بِزِيادَةِ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فِئَةٍ﴾ أيْ: طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ يَكُرُّونَ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ هالَهم ما دَهَمَهُ، وأصْلُ الفِئَةِ الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ كَأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ رُجُوعِها وسُرْعَتِهِ إلى المَكانِ الَّذِي ذَهَبَتْ مِنهُ ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾
ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى أعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الحائِزُ لِصِفاتِ الكَمالِ، المُتَرَدِّي بِالعَظَمَةِ والجَلالِ، لِأنَّ مَن كانَ عَلى مِثْلِ رَأْيِهِ هَلَكَ، ومَن كانَ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ راقَبَ اللَّهَ في أمْرِهِ، فَلَمْ يَسْألُوا اللَّهَ فِيهِ، وعَلِمَ هو أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ، وضَلَّ عَنْهُ - كَما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها - ما كانَ يَفْتَرِي ﴿وما كانَ﴾ أيْ: هو ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِقُوَّتِهِمْ.
القصص 28:82
ولَمّا خَسَفَ بِهِ فاسْتَبْصَرَ الجُهّالَ الَّذِينَ هم كالبَهائِمِ لا يَرَوْنَ إلّا المَحْسُوساتِ، عَبَّرَ عَنْ حالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ: (p-٣٦٠)وصارَ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِمُقابَلَةِ الأمْسِ، وإعْلامًا بِأنَّ ما رَأوْا مِن حالِهِ مَلَأ صُدُورَهم فَلَمْ يَكُنْ لَهم هم سِواهُ ﴿الَّذِينَ تَمَنَّوْا﴾ أيْ: أرادُوا إرادَةً عَظِيمَةً بِغايَةِ الشَّغَفِ أنْ يَكُونُوا ﴿مَكانَهُ﴾ أيْ: يَكُونَ حالُهُ ومَنزِلَتُهُ في الدُّنْيا لَهم ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ: الزَّمانِ الماضِي القَرِيبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَلِي يَوْمَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ مِن قَبْلِهِ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ﴾ هَذِهِ الكَلِمَةُ والَّتِي بَعْدَها مُتَّصِلَةٌ بِإجْماعِ المَصاحِفِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ يُوقَفُ عَلى الياءِ مِن وى، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ يُوقَفُ عَلى الكافِ: ويَكَ، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ: ويْ لِلتَّنَدُّمِ أوْ لِلتَّعَجُّبِ، ثُمَّ قالَ: وهو عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ ”ويْ“ لِلتَّعَجُّبِ، رُكِّبَتْ مَعَ ”كَأنَّ“ الَّتِي لِلتَّشْبِيهِ، وقالَ الفَرّاءُ: كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ ألْحَقَ بِها كافَ الخِطابِ نَحْوُ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ، أيْ مِن قَوْلِهِ في قَصِيدَتِهِ المِيمِيَّةِ المَشْهُورَةِ إحْدى المُعَلَّقاتِ السَّبْعِ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
أيْ: [و] يْلَكَ وعَجَبًا مِنكَ، وضُمَّ إلَيْها ”أنْ“ فالمَعْنى: ألَمْ تَرَ أنَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ الجَوْزِيِّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ الفَرّاءُ: ولَمّا صارَ مَعْنى ويْكَأنَّ ألَمْ تَرَ، لَمْ تُغَيَّرْ كافُ الخِطابِ لِلْمُؤَنَّثِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بَلْ لَزِمَ حالَةً واحِدَةً، وقالَ الجَعْبَرِيُّ في شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ: ويْ صَوْتٌ يَقُولُهُ المُتَنَدِّمُ والمُتَعَجِّبُ، ووَيْكَ أصْلُهُ ويْلَكَ، حُذِفَتْ (p-٣٦١)لامُهُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ؛ والكافُ لِلْخِطابِ وفُتِحَتْ ”أنْ“ لِإضْمارِ العِلْمِ؛ وقالَ قُطْرُبٌ: لِتَقْدِيرِ اللّامِ، ونَشَأ مِنَ التَّرْكِيبِ مَعْنى: نَدِمْنا عَلى تَفْرِيطِنا، وتَعَجُّبِنا مِن حالِنا، وتَحَقَّقْنا خِلافَ اعْتِقادِنا، ورُسِمَتْ مُتَّصِلَةً تَنْبِيهًا عَلى التَّرْكِيبِ، وقالَ القَزّازُ في دِيوانِهِ الجامِعِ: ويَكَ كَلِمَةٌ يُنَبِّهُ بِها الإنْسانُ، وقِيلَ: مَعْناها رَحْمَةٌ، ووَيْ مَعْناها التَّنْبِيهُ والإنْكارُ، وقالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ: ويْ كَلِمَةٌ تُقالُ في التَّعَجُّبِ والِاسْتِدْراكِ، وقِيلَ: ويْ حُزْنٌ، وقالَ قُطْرُبٌ: ويْ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ - انْتَهى.
وقالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَنْتَصِبُ فِيهِ الخَبَرُ بَعْدَ الأحْرُفِ الخَمْسَةِ: وسَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَزَعَمَ أنَّها ويْ مَفْصُولَةً مِن كَأنَّ والمَعْنى وقَعَ عَلى أنَّ القَوْمَ انْتَبَهُوا فَتَكَلَّمُوا عَلى قَدْرِ عِلْمِهِمْ، أوْ نَبَّهُوا فَقِيلَ لَهم: أما يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا عِنْدَكم هَكَذا - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- وأمّا المُفَسِّرُونَ: فَقالُوا: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ، فالمَعْنى الَّذِي يَجْمَعُ الأقْوالَ حِينَئِذٍ: تَعَجُّبًا أوْ ويْلًا أوْ تَنَدُّمًا عَلى ما قُلْنا في تَبَيُّنِ غَلَطِنا، وتَنْبِيهًا عَلى الخَطَأِ، أوْ هَلاكٌ لَنا، أوْ إنْكارٌ عَلَيْنا، أوْ حُزْنٌ لَنا، أوْ تَفَجُّعٌ عَلَيْنا، أوِ اسْتِدْراكٌ عَلَيْنا، أوْ رَحْمَةٌ لَنا، أوْ تَنَبُهٌ مِنّا، أوْ تَنْبِيهٌ لَنا، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: أنَّ اللَّهَ، أوْ يُشْبِهُ أنَّ اللَّهَ، (p-٣٦٢)أوْ ألَمْ تَرَ أيُّها السّامِعُ والنّاظِرُ أنَّ اللَّهَ، وقالَ الرّازِي: اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ القَوْلُ، أيْ: أعْجَبُ، ومَعْناهُ التَّنْبِيهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ كَأنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيْ: الكامِلَ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ سَواءٌ كانَ عِنْدَهُ ما يَحْتالُ بِهِ عَلى الرِّزْقِ أمْ لا.
ولَمّا كانَتِ القِصَّةُ لِقارُونَ، وكانَ لَهُ مِنَ المُكْنَةِ في الدُّنْيا ما مَضى ذِكْرُهُ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مِثْلَهُ يَبْطُرُ وقَدْ يُؤَدِّي إلى تَألُّهِهِ، قالَ مُنَبِّهًا بِالإيقاعِ بِهِ عَلى الوَجْهِ الماضِي أنَّهُ مِن جُمْلَةِ عَبِيدِهِ، لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أضْعَفِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ: ﴿مِن عِبادِهِ﴾
ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّ البَسْطَ إنَّما هو مِنهُ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ دَلِيلًا آخَرَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ: ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ سَواءٌ كانَ فَطْنًا أمْ لا، لا يَبْسُطُهُ لِأحَدٍ لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ولا يَضِيقُ عَلى أحَدٍ لِهَوانِهِ عِنْدَهُ، ولا يَدُلُّ البَسْطُ والقَبْضُ عَلى هَوانٍ ولا كَرامَةٍ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم ظَنُّوا صِحَّةَ قَوْلِ قارُونَ أنَّهُ أُوتِيَهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدَهُ، وأنَّهم إنَّما تَمَنَّوْا عِلْمَهُ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ عَلى اعْتِقادِهِمْ حُصُولُ المالِ عَلى كُلِّ حالٍ.
ولَمّا لاحَ لَهم مِن واقِعَتِهِ أنَّ الرِّزْقَ إنَّما هو بِيَدِ اللَّهِ، أتْبَعُوهُ ما دَلَّ عَلى أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أيْضًا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِن غَيْرِ الرِّزْقِ كَما (p-٣٦٣)هُوَ قادِرٌ عَلى الرِّزْقِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: تَفَضَّلَ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلَيْنا﴾ بِجُودِهِ، فَلَمْ يُعْطِنا ما تَمَنَّيْناهُ مِنَ الكَوْنِ عَلى مِثْلِ حالِهِ ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ مِثْلَ ما خَسَفَ بِهِ ﴿ويْكَأنَّهُ﴾ أيْ: عَجَبًا أوْ نَدَمًا لِأنَّهُ، أوْ يُشْبِهُ أنَّهُ، أوْ ألَمْ تَرَ أنَّهُ، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ: كَأنَّ المُخاطَبَ كانَ يَدَعِّي أنَّهم يُفْلِحُونَ فَقالَ لَهم: عَجَبًا مِنكَ، فَسُئِلَ: لِمَ تَتَعَجَّبُ مِنهُ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ إلى آخِرِهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ مَعَ ”أنْ“ كَما هو القِياسُ.
﴿لا يُفْلِحُ﴾ أيْ: يَظْفَرُ بِمُرادٍ ﴿الكافِرُونَ﴾ أيْ: العَرِيقُونَ في الكُفْرِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وقَدْ عُرِفَ بِهَذا تَنْزِيلُ المَعْنى عَلى ما قالُوهُ في المُرادِ مِن ويْكَأنَّهُ، سَواءٌ وقَفَ عَلى ويْ أوْ ويْكَ أوْ لا.
ذِكْرُ شَرْحِ هَذِهِ القِصَّةِ:
قالَ البَغَوِيُّ: قالَ أهْلُ العِلْمِ بِالأخْبارِ: كانَ قارُونُ أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأقْرَأهم لِلتَّوْراةِ وأجْمَلَهم وأغْناهم فَبَغى وطَغى، وكانَ أوَّلُ طُغْيانِهِ وعِصْيانِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُعَلِّقُوا في أرْدَيْتِهِمْ خُيُوطًا أرْبَعَةً، في كُلِّ طَرَفٍ مِنها خَيْطًا أخْضَرَ بِلَوْنِ السَّماءِ يُذَكِّرُونَنِي بِهِ إذا نَظَرُوا إلى السَّماءِ ويَعْلَمُونَ أنِّي مُنْزِلٌ مِنها كَلامِي، (p-٣٦٤)فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ! ألا تَأْمُرُهم أنْ يَجْعَلُوا أرْدَيْتَهم كُلَّها خُضْرًا، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَحْتَقِرُ هَذِهِ الخُيُوطَ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: يا مُوسى ! إنِ الصَّغِيرَ مِن أمْرِي لَيْسَ بِصَغِيرٍ، فَإذا هم لَمْ يُطِيعُونِي في الأمْرِ الصَّغِيرِ لَمْ يُطِيعُونِي في الأمْرِ الكَبِيرِ، فَدَعاهم مُوسى يَعْنِي فَأعْلَمَهم فَفَعَلُوا واسْتَكْبَرَ قارُونُ، فَكانَ هَذا بَدْءَ عِصْيانِهِ وطُغْيانِهِ وبَغْيِهِ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ جَعَلَ الحُبُورَةَ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي رِئاسَةُ المَذْبَحِ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَأْتُونَ بِهَدْيِهِمْ إلى هارُونَ فَيَضَعُهُ عَلى المَذْبَحِ فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ، فَقالَ قارُونُ: يا مُوسى ! لَكَ الرِّسالَةُ ولِهارُونَ الحُبُورَةُ، ولَسْتَ في شَيْءٍ وأنا أقْرَأُ التَّوْراةَ، لا صَبْرَ لِي عَلى هَذا، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أنا بِالَّذِي جَعَلْتُها في هارُونَ ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَها لَهُ، فَقالَ قارُونُ: واللَّهِ لا أُصَدِّقُكَ حَتّى أرى بَيانَهُ، يَعْنِي فَجَمَعَ مُوسى عِصِيَّ الرُّؤَساءِ فَحَزَمَها وألْقاها في قُبَّتِهِ الَّتِي كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيها وباتُوا يَحْرُسُونَها، فَأصْبَحَتْ عَصا هارُونَ قَدِ اهْتَزَّ لَها ورَقٌ أخْضَرُ، وكانَتْ مِنَ اللَّوْزِ، فَقالَ قارُونُ: واللَّهِ ما هَذا بِأعْجَبَ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السِّحْرِ، وذَكَرَ أُمُورًا مِمّا كانَ يَتَعَظَّمُ بِها وأنَّهُ رَمى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَظِيمَةٍ فَحِينَئِذٍ غارَ اللَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَسَفَ بِهِ.
(p-٣٦٥)والَّذِي رَأيْتُهُ أنا في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الرّابِعِ ما نَصُّهُ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: اعْمَلُوا خُيُوطًا في أطْرافِ أرْدَيْتِكم في أحْقابِكم، ولْتَكُنِ الخُيُوطُ الَّتِي تَعْمَلُونَ في أطْرافِ أرْدَيْتِكم مِن حَرِيرٍ، ولْتَكُنْ هَذِهِ الخُيُوطُ تُذَكِّرُكم وصايا اللَّهِ لِتَعْمَلُوا بِها ولا تَضِلُّوا بِما في قُلُوبِكم، ولا تَتَّبِعُوا آراءَكم، بَلِ اذْكُرُوا جَمِيعَ وصايايَ: واعْمَلُوا بِها، لِتَكُونُوا مُقَدِّسِينَ لِلَّهِ رَبِّكم، أنا اللَّهُ [رَبُّكُمْ] الَّذِي أخْرَجْتُكم مِن أرْضِ مِصْرَ، لا يَكُونُ لَكم إلَهٌ غَيْرِي، أنا اللَّهُ رَبُّكم.
ومِن بَعْدِ هَذِهِ الأُمُورِ شَقَّ قَوْرَحَ - وهو اسْمُ قارُونَ بِالعِبْرانِيَّةِ - بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهَثِ بْنِ لاوى، ودائِنَ وأبِيرُومَ ابْنا أُلِيبَ، وأوْنَ بْنَ قَلْبِ ابْنِ رُوبِيلِ العَصِيِّ، وقامُوا بَيْنَ يَدَيْ مُوسى، وقُمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَدَدُهم مِائَتانِ وخَمْسُونَ رَجُلًا مِن رُؤَساءِ الجَماعَةِ مَذْكُورُونَ مَشْهُورُونَ بِأسْمائِهِمْ أبْطالٌ، هَؤُلاءِ [أجْمَعُونَ] اجْتَمَعُوا إلى مُوسى وهارُونَ وقالُوا لَهُما: لَيْسَ حَسْبُكُما أنَّ الجَماعَةَ كُلَّها طاهِرَةٌ وأنْتُما رَئِيسانِ عَلَيْها حَتّى تُرِيدا أنْ تَتَعَظَّما عَلى الجَماعَةِ كُلِّها - أيْ: يَكُونُ هارُونُ هو الكاهِنُ أيْ: مُتَوَلِّي (p-٣٦٦)أمْرِ القُرْبانِ والحَكَمِ عَلى خِدْمَةِ قُبَّةِ الزَّمانِ - فَسَمِعَ مُوسى ذَلِكَ وخَرَّ ساجِدًّا عَلى وجْهِهِ، وكَلَّمَ قُورِحَ وجَماعَتَهُ كُلَّها فَقالَ لَهم: سَيَظْهَرُ الرَّبُّ ويُبَيِّنُ لِمَنِ الكَهَنُوتُ والرِّئاسَةُ بُكْرَةً، ومَن كانَ طاهِرًا فَلْيَتَقَرَّبْ إلَيْهِ. ومَن يَخْتارُ الرَّبُّ يَتَقَرَّبُ؛ ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَقْرُبُوا قُرْبانًا ثُمَّ قالَ: يا بَنِي لاوِي! أما تَكْتَفُونَ بِما اخْتارَهُ اللَّهُ لَكم مِن كُلِّ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقَرَّبَكم إلَيْهِ لِتَعْمَلُوا العَمَلَ في بَيْتِ الرَّبِّ وقَرَّبَكَ أنْتَ وجَمِيعَ إخْوَتِكَ مَعَكَ إلّا أنْ تُرِيدُوا الكَهَنُوتَ أيْضًا، فَلِذَلِكَ أنْتَ وجَماعَتُكَ كُلُّها احْتَشَدُوا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ غَدًا، فَأمّا هارُونُ فَمَن هو حَتّى صِرْتُمْ تَقَعُونَ فِيهِ وتَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ، وأرْسَلَ مُوسى لِيَدْعُوَ دائِنَ وأبِيرُومَ ابْنَيْ أُلِيبَ فَقالا: لا تَصْعَدْ إلَيْكَ، أما تَكْتَفِيانِ بِما صَنَعْتُما أنَّكُما أخْرَجْتُمانا مِنَ الأرْضِ الَّتِي تَغُلُّ السَّمْنَ والعَسَلَ لِتَقْتُلانا في هَذِهِ البَرِّيَّةِ حَتّى تُعَظَّما عَلَيْنا وتَفْخَرا، فَأمّا ما وعَدَتْنا بِهِ أنَّكَ تُدْخِلُنا الأرْضَ الَّتِي تَغُلُّ السَّمْنَ والعَسَلَ فَما فَعَلْتَ، ولَمْ تُعْطِنا مَوارِيثَ المَزارِعِ والكُرُومِ، فَلَوْ عَمِيَتْ أعْيُنُنا لَمْ نَصْعَدْ إلَيْكَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلىمُوسى جِدًّا، وقالَ أمامَ الرَّبِّ: لا تَقْبَلْ قَرابِينَهم يا رَبِّ لِأنِّي لَمْ أظْلِمْ مِنهم رَجُلًا ولا أسَأْتُ إلى أحَدٍ مِنهم، ثُمَّ قالَ لَقُورِحَ: اجْتَمِعْ أنْتَ وأصْحابُكَ أمامَ الرَّبِّ وهارُونُ مَعَكم بِكُرَةً، ولِيَأْخُذْ كُلٌّ مِنكم مِجْمَرَتَهُ، وقامَ مُوسى وهارُونُ أمامَ قُبَّةِ الزَّمانِ وجَمَعَ قُورِحَ (p-٣٦٧)الجَماعَةَ كُلَّها، وظَهَرَ مَجْدُ الرَّبِّ لِلْجَماعَةِ كُلِّها، وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وهارُونَ وقالَ لَهُما: تَنَحَّيا عَنْ هَذِهِ الجَماعَةِ فَإنِّي مُهْلِكُها في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَخَرّا ساجِدَيْنِ وقالا: اللَّهُمَّ أنْتَ إلَهُ أرْواحِ كُلِّ ذِي لَحْمٍ، يُجْرِمُ رَجُلٌ واحِدٌ فَيَنْزِلُ الغَضَبُ بِالجَماعَةِ كُلِّها؟ فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: كَلِّمِ الجَماعَةَ كُلَّها وقُلْ لَهم: تَنَحَّوْا عَنْ خِيَمِ دائِنٍ وأبِيرُومَ وقُورِحَ، تَنَحَّوْا عَنْ خِيَمِ هَؤُلاءِ الفُجّارِ، ولا تَقْرَبُوا شَيْئًا مِمّا لَهم لِئَلّا تُعاقَبُوا، وقالَ مُوسى: بِهَذِهِ الخَلَّةِ تَعْلَمُونَ أنَّ الرَّبَّ أرْسَلَنِي أنْ أعْمَلَ هَذِهِ الأعْمالَ كُلَّها، ولَمْ أعْمَلْها مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنْ ماتَ هَؤُلاءِ مِثْلَ مَوْتِ كُلِّ إنْسانٍ أوْ نَزَلَ بِهِمُ المَوْتُ مِثْلَ ما يَنْزِلُ بِجَمِيعِ النّاسِ فَلَمْ يُرْسِلْنِي الرَّبُّ، وإنْ فَتَحْتَ الأرْضُ فاها وابْتَلَعَتْهم وابْتَلَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهم نَزَلُوا هم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم إلى الجَحِيمِ عَلِمْتُمْ أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ أغْضَبُوا الرَّبَّ.
فَلَمّا أكْمَلَ مُوسى قَوْلَهُ هَذا انْفَتَحْتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، وفَغَرَتْ فاها فابْتَلَعَتْهم وابْتَلَعَتْ خِيَمَهم وجَمِيعَ مَواشِيهِمْ فَنَزَلُوا إلى الجَحِيمِ أحْياءً، ثُمَّ اسْتَوَتِ الأرْضُ فَوْقَهم، وهَرَبَ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ سَمِعُوا أصْواتَهم ورَأوْا ما قَدْ صُنِعَ بِهِمْ، وقالُوا: لَعَلَّ الأرْضَ تَبْتَلِعُنا أيْضًا، واشْتَعَلَتْ نارٌ مِن قِبَلِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتِ المِائَتَيْنِ (p-٣٦٨)والخَمْسِينَ رَجُلًا الَّذِينَ كانُوا يُبَخِّرُونَ البَخُورُ، وتَذَمَّرَ جَماعَةُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقالُوا لَهُما: أنْتُما قَتَلْتُما جَماعَةَ شَعْبِ الرَّبِّ، فَأقْبَلُوا إلى قُبَّةِ الزَّمانِ ورَأوْا أنَّ السَّحابَ قَدْ تَغَشّى القُبَّةَ وظَهَرَ مَجْدُ الرَّبِّ، وأتى مُوسى وهارُونُ فَقاما في قُبَّةِ الزَّمانِ، وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وهارُونَ وقالَ لَهُما: تَنَحَّيا عَنْ هَذِهِ الجَماعَةِ لِأنِّي مُهْلِكُها في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَخَرّا ساجِدَيْنِ عَلى وُجُوهِهِما، وقالَ مُوسى لِهارُونَ: خُذْ مِجْمَرَةً بِيَدِكَ واجْعَلْ فِيها نارًا وبَخُورًا، وانْطَلِقْ مُسْرِعًا إلى الجَماعَةِ واسْتَغْفِرْ لَهم لِأنَّهُ قَدْ نَزَلَ غَضَبُ الرَّبِّ بِالجَماعَةِ كُلِّها، وبَدَأ مَوْتُ الفَجْأةِ بِالشَّعْبِ، وأخَذَ هارُونُ كَما أمَرَهُ مُوسى فَأحْضَرَ إلى الجَماعَةِ ورَأى أنَّ المَوْتَ قَدْ بَدَأ بِالشَّعْبِ، وبَخَّرَ بَخُورًا لِلرَّبِّ واسْتَغْفَرَ لِلشَّعْبِ، وقامَ فِيما بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ، فَكَفَّ مَوْتُ الفَجْأةِ عَنِ الشَّعْبِ، وكانَ عَدَدُ الَّذِينَ ماتُوا فَجْأةً أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ غَيْرَ المَخْسُوفِ بِهِمْ، ورَجَعَ هارُونُ إلى مُوسى إلى قُبَّةِ الزَّمانِ فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وخُذْ مِنهم عَصا عَصا مِن كُلِّ سِبْطٍ، واكْتُبْ [اسْمَ] كُلِّ رَجُلٍ عَلى عَصاهُ، واكْتُبِ اسْمَ هارُونَ عَلى عَصا سِبْطِ لاوِي، واجْعَلْها في قُبَّةِ الزَّمانِ أمامَ تابُوتِ الشَّهادَةِ لِأنْزِلَ إلَيْكم إلى (p-٣٦٩)هُناكَ، فالرَّجُلُ الَّذِي أُحِبُّهُ تُنَضِّرُ عَصاهُ، وأُخَلِّصُكُما مِن هِتارِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَذَمُّرِهِمْ؛ ثُمَّ دَخَلَ مُوسى خَبَّأ الشَّهادَةِ فَرَأى عَصا هارُونَ قَدْ نَضَرَتْ وأخْرَجَتْ أغْصانًا وأوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ لَوْزًا، وأخْرَجَ مُوسى العِصِيَّ كُلَّها فَنَظَرُوا إلَيْها، وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: رُدَّ قَضِيبَ هارُونَ إلى مَوْضِعِ الشَّهادَةِ واحْفَظْهُ آيَةً لِأبْناءِ المُتَسَخِّطَيْنِ لِيَكُفَّ تَذَمُّرُهم عَنِّي ولا يَمُوتُوا، ولا يَعْمَلْ عَمَلَ قُبَّةِ الزَّمانِ غَيْرُ الوَيَيْنِ أيْ: سَبْطَ لاوِي، فَأمّا بَنُو إسْرائِيلَ - أيْ: باقِيهِمْ - فَلا يَقْتَرِبُوا إلى قُبَّةِ الزَّمانِ لِئَلّا يُعاقَبُوا ويَمُوتُوا؛ ثُمَّ ذَكَرَ وفاةَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَوْرٍ الجَبَلِ ووِلايَةٍ إلِيعازِرَ ابْنِهِ مَكانَهُ أمْرَ الكَهَنُوتِ - انْتَهى.
وهُوَ نَحْوٌ مِمّا فَعَلَ اللَّهُ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ في حَنِينِ الجِذْعِ، وتَخْيِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ أنْ يُعِيدَهُ تَعالى إلى أحْسَنِ ما كانَ وهو حَيٌّ أوْ يَجْعَلَهُ في الجَنَّةِ، فاخْتارَ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ، وكَذا أمْرُ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ حَيْثُ لَحِقَهُ ﷺ في طَرِيقِ الهِجْرَةِ لِيَرُدَّهُ فَخُسِفَ بِقَوائِمِ حِصانِهِ حَتّى نَزَلَ إلى بَطْنِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ غَيْرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا كانَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ لَمْ يَكُنِ القاضِيَةَ، فَكَفى بِذَلِكَ شَرَّهُ، وأسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ، (p-٣٧٠)وبَشَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ يَلْبَسُ سِوارى كِسْرى فَكانَ كَذَلِكَ، وشَرٌّ مِنَ الخَسْفِ الَّذِي يَغِيبُ [بِهِ] المَخْسُوفُ بِهِ وأنْكَأُ وأشْنَعُ وأخْزى قِصَّةُ الَّذِي ارْتَدَّ فَقُصِمَ ودُفِنَ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، رَوى البَيْهَقِيُّ في آخِرِ الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ مِنّا رَجُلٌ مِن بَنِي النَّجّارِ قَدْ قَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ، وكانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْطَلَقَ هارِبًا حَتّى لَحِقَ بِأهْلِ الكِتابِ، فَرَفَعُوهُ وأُعْجِبُوا بِهِ، فَما لَبِثَ أنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَوارَوْهُ، فَأصْبَحَتِ الأرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلى وجْهِها [ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوارَوْهُ فَأصْبَحَتِ الأرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلى وجْهِها] فَتَرَكُوهُ مَنبُوذًا، وقالَ: رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ، وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُهُ أيْضًا في رَجُلٍ نَصْرانِيٍّ لَفِظَتْهُ الأرْضُ ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ.
وقالَ رَواهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ.
القصص 28:83
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّ المُفْلِحَ مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، وهو الَّذِي أشارَ أهْلُ العِلْمِ إلى أنَّ لَهُ ثَوابَ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ لِلْآخِرَةِ (p-٣٧١)سَبَبًا ومُسَبِّبًا، ومَرَّ فِيما لابُدَّ مِنهُ حَتّى ذَكَرَ قِصَّةَ قارُونَ المُعَرَّفَةِ - ولا بُدَّ - بِأنَّ هَذِهِ الدّارَ لِلزَّوالِ، لا يُغْنِي فِيها رِجالٌ ولا مالٌ، وأنَّ الآخِرَةَ لِلدَّوامِ، وأمَرَ فِيها بِأنْ يَحْسُنَ الِابْتِغاءُ في أمْرِ الدُّنْيا، وخَتَمَ بِأنَّ هَذا الفَلاحَ مَسْلُوبٌ عَنِ الكافِرِينَ، فَكانَ مَوْضِعُ اسْتِحْضارِ الآخِرَةِ، مَعَ أنَّهُ قَدَّمَ قَرِيبًا مِن ذَكْرِها وذِكْرِ مُوافَقَتِها ما مَلَأ بِهِ الأسْماعَ، فَصَيَّرَها حاضِرَةً لِكُلِّ ذِي فَهْمٍ، مُعَظَّمَةً عِنْدَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ، أشارَ إلَيْها سُبْحانَهُ لِكِلا الأمْرَيْنِ: الحُضُورِ والعِظَمِ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ: الأمْرُ المَنظُورُ بِكُلِّ عَيْنٍ، الحاضِرِ في كُلِّ قَلْبٍ، العَظِيمِ الشَّأْنِ، [البَعِيدِ] الصِّيتِ، العَلِيِّ المَرْتَبَةِ، الَّذِي سُمِعَتْ أخْبارُهُ، وطَّنَتْ عَلى الآذانِ أوْصافُهُ وآثارُهُ ﴿الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيْ: الَّتِي دَلائِلُها أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ، وأوْضَحُ مِن أنْ تُبَيَّنَ وتُذْكَرَ، مِن أعْظَمِها تَعْبِيرُ كُلِّ أحَدٍ عَنْ حَياتِهِ بِالدُّنْيا والَّتِي أمَرَ قارُونَ بِابْتِغائِها فَأبى إلّا عُلُوًّا وفَسادًا ﴿نَجْعَلُها﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿لِلَّذِينَ﴾ يَعْمَلُونَ ضِدَّ عَمَلِهِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ طَهارَةَ القَلْبِ الَّذِي عَنْهُ يَنْشَأُ عَمَلُ الجَوارِحِ، قالَ: ﴿لا يُرِيدُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ يَتَعاطَوْنَ مَثَلًا، (p-٣٧٢)تَعْظِيمًا لِضَرَرِ الفَسادِ بِالتَّنْفِيرِ مِن كُلِّ ما كانَ مِنهُ تَسَبَّبَ، إعْلامًا بِأنَّ النُّفُوسَ مَيّالَةٌ إلَيْهِ نَزّاعَةٌ لَهُ فَمَهْما رَتَعَتْ قَرِيبًا مِنهُ اقْتَحَمَتْهُ لا مَحالَةَ ﴿عُلُوًّا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ العُلُوِّ ﴿فِي الأرْضِ﴾ فَإنَّهُ أعْظَمُ جارٍّ إلى الفَسادِ، وإذا أرادُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فِيما يَظْهَرُ لَكَ عِنْدَ أمْرِهِمْ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيِهِمْ عَنْ مُنْكَرٍ، كانَ مَقْصُودُهم بِهِ عُلُوَّ كَلِمَةِ اللَّهِ لِلْإمامَةِ في الدِّينِ لا عُلُوَّهم ﴿ولا فَسادًا﴾ بِعَمَلِ ما يَكْرَهُ اللَّهُ، بَلْ يَكُونُونَ عَلى ضِدِّ ما كانَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وهامانُ وقارُونُ، مِنَ التَّواضُعِ مَعَ الإمامَةِ لِأجْلِ حَمْلِ الدِّينِ عَنْهم لِيَكُونَ لَهم مِثْلُ أجْرِ مَنِ اهْتَدى بِهِمْ، لا لِحَظٍّ دُنْيَوِيٍّ، وعَلامَةُ العُلُوِّ لِأجْلِ الإمامَةِ لا الفَسادُ ألّا يَتَّخِذُوا عِبادَ اللَّهِ خَوَلًا، ولا مالَ اللَّهِ دُوَلًا، والضّابِطُ العَمَلُ بِما يُرْضِي اللَّهَ والتَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والعُزُوفُ عَنِ الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ هَذا شَرْحَ حالِ الخائِفِينَ مِن جَلالِ اللَّهِ تَعالى، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ دائِمًا يَجْعَلُ ظَفَرَهم آخِرًا، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِيَّةِ دَلالَةً عَلى الثَّباتِ: ﴿والعاقِبَةُ﴾ أيْ: الحالَةُ الأخِيرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ جَمِيعَ الحالاتِ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، هَكَذا الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا وإعْلامًا بِالوَصْفِ الَّذِي أثْمَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: دائِمًا في كِلا الدّارَيْنِ، لا عَلَيْهِمْ، فَمِنَ اللّامِ يَعْرِفُ أنَّها مَحْمُودَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ يُعْرَفُ (p-٣٧٣)أهْلُ الآخِرَةِ مِن أهْلِ الدُّنْيا، فَمَن كانَ زاهِدًا في الأُولى مُجْتَهِدًا في الصَّلاحِ، وكانَ مُمْتَحَنًا في أوَّلِ أحْوالِهِ مُظْفَرًا في مالِهِ، فَهو مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، وإلّا فَهو لِلدُّنْيا.
القصص 28:84
ولَمّا تَحَرَّرَ الفَرْقُ بَيْنَ أهْلِ الدّارَيْنِ، وكانَ لابُدَّ مِن إتْيانِ الآخِرَةِ، وعُلِمَ أنَّ الآخِرَةَ إنَّما هي جَزاءُ الأعْمالِ، وتَقَرَّرَ مِن كَوْنِها لِلْخائِفِينَ أنَّها عَلى الآمَنِينَ، فاسْتُؤْنِفَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما لِمَن أحْسَنَ ومَن أساءَ عِنْدَ القُدُومِ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ أوِ الدُّنْيا ﴿بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: الحالَةِ الصّالِحَةِ ﴿فَلَهُ﴾ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴿خَيْرٌ مِنها﴾ مِن عَشْرَةِ أضْعافٍ إلى سَبْعِينَ إلى سَبْعِمِائَةٍ إلى ما لا يُحِيطُ بِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ وهي ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، ومِنهُ إخافَةُ المُؤْمِنِينَ ﴿فَلا يُجْزى﴾ مِن جازٍ ما، وأظْهَرَ ما في هَذا الفِعْلِ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى مَن فَقالَ: ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ تَقْبِيحًا لَها وتَنْفِيرًا مِن عَمَلِها، ولَعَلَّهُ جَمَعَ هُنا وأفْرَدَ أوَّلًا إشارَةً إلى أنَّ المُسِيءَ أكْثَرُ ﴿إلا﴾ مِثْلَهُ سَواءً عَدْلًا مِنهُ تَعالى، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِجَمِيعِ هِمَمِهِمْ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مُبالَغَةً في المِثْلِيَّةِ، هَذا (p-٣٧٤)فِي الآخِرَةِ، وزادَتِ الآيَةُ الإشارَةَ إلى أنَّهُ يَفْعَلُ في الدُّنْيا مِثْلَ ذَلِكَ وإنِ خَفِيَ، فَسَيَخافُونَ في حَرَمِهِمْ بِما أخافُوا المُؤْمِنِينَ فِيهِ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْأمْنِ، فاعْتَلُّوا عَنِ الدُّخُولِ في دِينِهِ بِخَوْفِ التَّخَطُّفِ مِن أرْضِهِمْ، فَسَيَصِيرُ عَدَمُ دُخُولِهِمْ فِيهِ سَبَبًا لِخَوْفِهِمْ وتَخَطُّفِهِمْ مِن أرْضِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الأمْنِ إنَّما هو بِسَبَبِكَ، ثُمَّ يَصِيرُونَ يَوْمَ الفَتْحِ في قَبْضَتِكَ.
القصص 28:85
ولَمّا قَرَّرَ ذِكْرَ الآخِرَةِ الَّتِي هي المَرْجِعُ وكَرَّرَهُ، وأثْبَتَ الجَزاءَ فِيها، وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، أتْبَعَهُ ما هو في بَيانِ ذَلِكَ كالعِلَّةِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُقَرِّرًا مُؤَكِّدًا لِما تَقَرَّرَ في أذْهانِهِمْ مِن إنْكارِ الآخِرَةِ وما يَقْتَضِيهِ حالُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ مِنِ اسْتِبْعادِ رَدِّهِ إلَيْها: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ﴾ أيْ: أوْجَبَ ﴿عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ أيْ: الجامِعَ لِما تَفَرَّقَ مِنَ المَحاسِنِ، المُفَصِّلَ لِما التَبَسَ مِن جَمِيعِ المَعانِي، أيْ: فَرَضَ عَلَيْكَ جَمِيعَ ما في هَذا الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى الجَمْعِ والفَرْقِ بِما يَظْهَرُ حُسْنُ تَلَقِّيهِ مِن تِلاوَةٍ وإبْلاغٍ وتَحَدٍّ وعَمَلٍ وألْزَمَكَ فِيهِ وغَيْرَكَ هَذِهِ المَلازِمَ، وكَلَّفَكم تِلْكَ التَّكالِيفَ الَّتِي مِنها المُقارَعَةُ بِالسُّيُوفِ ﴿لَرادُّكَ﴾ (p-٣٧٥)أيْ: بَعْدَ المَوْتِ لِأجْلِ صُعُوبَةِ ما كَلَّفَكَ بِهِ وألْزَمَكَ مِن مَشَقَّتِهِ ﴿إلى مَعادٍ﴾ أيْ: مَرْجِعٍ عَظِيمٍ يا لَهُ مِن مَرْجِعٍ! يَجْزِي فِيهِ كُلَّ أحَدٍ بِما عَمِلَ، فَيَبْعَثُكَ رَبُّكَ فِيهِ ثَوابًا عَلى إحْسانِكَ في العَمَلِ مَقامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُكَ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، بِما عانَيْتَ في أمْرِهِ مِن هَذِهِ المَشَقّاتِ الَّتِي لا تَحْمِلُها الجِبالُ، ولَوْلا الرَّدُّ إلى هَذا المَعادِ لَكانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ - الَّتِي لا يَعْمَلُ أكْثَرُهم بِأكْثَرِها ولا يُجازِي عَلى المُخالَفَةِ فِيها - مِنَ العَبَثِ المَعْلُومِ أنَّ العاقِلَ مِنَ الآدَمِيِّينَ مُتَنَزِّهٌ عَنْهُ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ! فاجْتَهِدْ فِيما أنْتَ فِيهِ لِعِزِّ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّ العاقِبَةَ لَكَ، والآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] [ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [هود: ٤] ]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلى مَعادٍ أيِّ مَعادٍ، أيِّ مَكانٍ هو لِعَظَمَتِهِ أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَ العَوْدَ إلَيْهِ كُلُّ مَن خَرَجَ مِنهُ وهو مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ: وطَنُكَ الدُّنْيَوِيُّ، كَما فَسَّرَها بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما رَواهُ عَنْهُ البُخارِيُّ، وعَوْدٌ هو لِجَلالَتِهِ أهْلٌ لِأنْ يَذْكُرَ لِدُخُولِكَ إلَيْها في جُنُودٍ يَعِزُّ بِها الإسْلامُ، ويُذِلُّ [بِها] الكُفْرَ وأهْلَهُ عَلى الدَّوامِ، والجَنَّةُ المُزَخْرَفَةُ: (p-٣٧٦)وطَنُكَ الأُخْرَوِيُّ، عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأعْلاها، وأعَزُّها وأوْلاها، فَلا تَظُنَّ أنَّهُ يَسْلُكُ بِكَ سَبِيلَ أبَوَيْكَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: إبْراهِيمَ في هِجْرَتِهِ مِن حَرّانَ بَلَدِ الكُفْرِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْها، وإسْماعِيلَ في العُلُوِّ بِهِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ إلى أقْدَسَ مِنها فَلَمْ يَعُدْ إلَيْها، بَلْ يَسْلُكُ لَكَ سَبِيلَ أخِيكَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ كَما أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ القُرْآنَ الفُرْقانَ- والَّذِي أشْرَكُوكَ بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] في إعادَتِهِ إلى البَلَدِ الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ - تَوْطِئَةً لِهَذِهِ الآيَةِ - أنَّهُ خَرَجَ مِنهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ - وهي مِصْرُ - إلى مَدْيَنَ في أطْرافِ بِلادِ العَرَبِ، عَلى وجْهٍ أهْلَكَ فِيهِ أعْداءَهُ، أمّا مَن كانَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ فَبِالإغْراقِ في الماءِ، وأمّا مَن كانَ مِن قَوْمِهِ فَبِالخَسْفِ في الأرْضِ، وأعَزَّ أوْلِياءَهُ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ، كَما خَرَجْتَ أنْتَ مِن بَلَدِكَ مَكَّةَ خائِفًا تَتَرَقَّبُ إلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ غَيْرَ أنَّ رُجُوعَكَ - لِكَوْنِكَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ- وكَوْنِ خُرُوجِكَ لَمْ يَكُنْ مُسَبِّبًا عَنْ قَتْلِ أحَدٍ مِنهم لا يَكُونُ فِيهِ هَلاكُهم، بَلْ عِزُّهم وأمْنُهم وغِناهم وثَباتُهم، واخْتِيرَ لَفْظُ القُرْآنِ دُونَ الكِتابِ لِما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ مِن لازِمِ النَّشْرِ - كَما مَضى في الحِجْرِ- فَناسَبَ السِّياقُ الَّذِي هو لِلنَّشْرِ والحَشْرِ والفَصْلِ مِن بَلَدِهِ ثُمَّ الوَصْلُ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ (p-٣٧٧)الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في الجَحْفَةِ وهي في طَرِيقِ الهِجْرَةِ.
ولَمّا فُهِمَ مِنَ الإبْلاغِ في هَذا التَّأْكِيدِ أنَّ ثَمَّ مَن يُبالِغُ في النَّفْيِ والإنْكارِ عَلى حَسَبِ هَذا التَّأْكِيدِ في الإثْباتِ فَيَقُولُ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولا يَعُودُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ ومِنّا عَيْنٌ تَطْرُفُ، قالَ مُهَدِّدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ عَلى لِسانِهِ ﷺ لِكَوْنِ الإنْكارِ تَكْذِيبًا لَهُ كَما كُذِّبَ مُوسى ﷺ حِينَ أجابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ لِما أخْبَرْتُكَ بِهِ: ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ أحَدٍ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُسَلَّمَةً لا نِزاعَ فِيها لِعاقِلٍ تُثْبِتُ الخالِقَ، وكانُوا يَقُولُونَ: مَنِ ادَّعى رُجُوعَهُ فَهو ضالٌّ، تَوَجَّهَ السُّؤالُ عَنِ المُهْتَدِي إلى الصَّوابِ والضّالِّ، بِما يَشْهَدُ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ عِنْدَ الإقْبالِ في أُولَئِكَ الضَّراغِمَةِ الأبْطالِ، والسّادَةِ الأقْيالِ، فَقالَ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ لِإظْهارِ الإنْصافِ والإبْعادِ مِنَ الِاتِّهامِ: ﴿مَن جاءَ بِالهُدى﴾ أيْ: الَّذِي لا أبْيَنُ مِنهُ، أنا فِيما جِئْتُ بِهِ مِن رَبِّي بِهَذا الكَلامِ الَّذِي يَشْهَدُ اللَّهُ لِي بِإعْجازِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ أمْ أنْتُمْ فِيما تَقُولُونَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ؟ ﴿ومَن هو في ضَلالٍ﴾ أيْ: أنْتُمْ في كَلامِكُمُ الظّاهِرِ العَوارِ العَظِيمِ العارِ أمْ أنا ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٌ (p-٣٧٨)فِي نَفْسِهِ مُظْهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ ما فِيهِ مِن خَلَلٍ وإنِ اجْتَهَدَ التّابِعُ لَهُ في سَتْرِهِ.
القصص 28:86
ولَمّا كانَ الجَوابُ لِكُلِّ مَن أنْصَفَ: هم في ضَلالٍ مُبِينٍ لِأنَّهم يَنْحِتُونَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأنْتَ جِئْتَ بِالهُدى لِأنَّكَ أتَيْتَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”عَلَيْكَ“ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلِاهْتِمامِ بِالرَّدِّ عَلى المُنْكِرِ لِلْمَعادِ، أيْ: فَرَضَهُ عَلَيْكَ والحالُ أنَّكَ ما، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ رُجُوعُهُ إلى مَكَّةَ في غايَةِ البُعْدِ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ وقِلَّةِ الأنْصارِ، قَرَّبَهُ بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ تَكُونُ عَلى غَيْرِ رَجاءٍ، بَلْ وعَلى خِلافِ القِياسِ: وما ﴿كُنْتَ تَرْجُو﴾ أيْ: في سالِفِ الدَّهْرِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿أنْ يُلْقى﴾ أيْ: يَنْزِلَ عَلى وجْهٍ لَمْ يُقْدَرْ عَلى رَدِّهِ ﴿إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: بِهَذا الِاعْتِقادِ ولا بِشَيْءٍ مِنهُ؛ ولا كانَ هَذا مِن شَأْنِكَ، ولا سَمِعَهُ أحَدٌ مِنكَ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ، ولا تَأهَّبْتَ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ العادِيَّةَ مِن تَعَلُّمِ خَطٍّ أوْ مُجالَسَةِ عالِمٍ لِيَتَطَرَّقَ إلَيْكَ نَوْعُ اتِّهامٍ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في الَّتِي بَعْدَها: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] الآيَةُ، واخْتِيرَ هُنا لَفْظُ الكِتابِ لِأنَّ السِّياقَ لِلرَّحْمَةِ الَّتِي مِن ثَمَراتِها الِاجْتِماعُ (p-٣٧٩)المُحْكَمُ، وذَلِكَ مَدْلُولُ الكِتابِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿إلا﴾ أيْ: لَكِنْ أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ: لِأجْلِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ لَكَ ولِجَمِيعِ الخَلائِقِ بِكَ، لَمْ تَكُنْ تَرْجُوها ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ مُصْطَفًى لِذَلِكَ، بِالدُّعاءِ إلَيْهِ وقَصْرِ الهِمَمِ عَلَيْهِ، وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إشارَةً إلى أنَّ حالَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ وعَنِ القُرْبِ مِنها والحَلِفِ بِها وعَنْ والفَواحِشِ جَمِيعًا، ومِنَ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ بِالخَلْوَةِ مَعَهُ والتَّعَبُّدِ لَهُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ كانَ حالَ مَن يَرْجُو ذَلِكَ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَمّا تَقَدَّمَ الِاجْتِهادُ في [تَحْرِيكِ الهِمَمِ إلى العُكُوفِ عَلى] أمْرِ اللَّهِ طَمَعًا فِيما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الثَّوابِ، وشُكْرًا عَلى إنْزالِ الكِتابِ، قالَ في سِياقِ التَّأْكِيدِ لِأنَّ الطَّبْعَ البَشَرِيَّ يَقْتَضِي إدْراكَ مُظاهَرَةِ الكُفّارِ لِأمْرٍ مِنَ التَّوْفِيقِ عَظِيمٍ، لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وعِزَّتِهِمْ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ [إذْ ذاكَ] بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ لَكَ لِكَثْرَتِهِمْ ﴿ظَهِيرًا﴾ أيْ: مُعِينًا ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ بِالمُكْثِ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، أوْ بِالفُتُورِ عَنِ الِاجْتِهادِ في دُعائِهِمْ، يَأْسًا مِنهم لِما تَرى مِن بُعْدِهِمْ مِنَ الإجابَةِ وإنْ طالَ إنْذارُكَ، لا تَمَلَّ أنْتَ كَما لَمْ نَمَلَّ نَحْنُ، فَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ، وتابَعْنا لَهُمُ الوَعْظَ (p-٣٨٠)والقَصَّ، ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إهْلاكِهِمْ في لَحْظَةٍ، وهِدايَتِهِمْ في أقَلِّ لَمْحَةٍ، وكَما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الإنْعامِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ، وهَذا تَدْرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأئِمَّةِ الأُمَّةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ عِنْدَ كَثْرَةِ المُخالِفِ، وقِلَّةِ النّاصِرِ المُحالِفِ.
القصص 28:87
ولَمّا كانَ التَّوانِي في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إعْراضًا عَنِ الأوامِرِ وإنْ كانَ المُتَوانِي مُجْتَهِدًا في العَمَلِ، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الأمْرِ لِكَثْرَةِ الأعْداءِ وتَتابُعِ الإيذاءِ والِاعْتِداءِ: ﴿ولا يَصُدُّنَّكَ﴾ أيْ: الكَفّارُ بِمُبالَغَتِهِمْ في الإعْراضِ وقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] ونَحْوِهِ،
﴿عَنْ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنِ الصَّدْعِ بِها وهي مِنَ المُتَّصِفِ بِصِفاتِ الكَمالِ، في الأوْقاتِ الكائِنَةِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ﴾ أيْ: وقَعَ إنْزالُها مِمَّنْ تَعْلَمُهُ مُنْتَهِيًا ﴿إلَيْكَ﴾ مِمّا تَرى مِن أوامِرِها ونَواهِيها، ولَقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وادْعُ﴾ أيْ: أوِجِدِ الدُّعاءَ لِلنّاسِ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ لِإحْسانِهِ إلَيْكَ، وإقْبالِهِ دُونَ الخَلْقِ عَلَيْكَ، وأعْراهُ مِنَ التَّأْكِيدِ اكْتِفاءً بِالمُسْتَطاعِ فَإنَّ الفِعْلَ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ جِدًّا، إشارَةً إلى أنَّ جَلْبَ المَصالِحِ أيْسَرُ خَطْبًا مِن دَرْءِ المَفاسِدِ، فَإنَّ المَطْلُوبَ فِيهِ النِّهايَةُ مَحْدُودٌ بِالِاجْتِنابِ. (p-٣٨١)ولَمّا كانَ السّاكِتُ عَنْ فاعِلِ المُنْكَرِ شَرِيكًا لَهُ، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِمامِ بِدَرْءِ المَفاسِدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن بُلُوغِ الغايَةِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِتَرْكِ نَهْيِهِمْ عَنْ شِرْكِهِمْ وما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ساعَةً واحِدَةً.
القصص 28:88
ولَمّا كانَ الكائِنُ مِن قَوْمٍ مَوْصُوفًا بِما اتَّصَفَ بِهِ كُلٌّ مِنهم، وكانَتْ مُشارَكَتُهم بِالفِعْلِ أبْعَدَ مِن مُشارَكَتِهِمْ بِالسُّكُوتِ، قالَ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿إلَهًا﴾ ولَمّا كانَتِ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّهْيِ تَعُمُّ كَما لَوْ كانَتْ في سِياقِ النَّفْيِ، وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ تَعَنَّتُوا لَمّا رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو بِاسْمِ اللَّهِ واسْمِ الرَّحْمَنِ كَما ذَكَرَ آخِرَ الإسْراءِ، قالَ: ﴿آخَرَ﴾ [أيْ: ] غَيْرَ اللَّهِ حَقِيقَةً دُونَ أنْ يُغايِرَ في الِاسْمِ دُونَ الذّاتِ، ومَضى في آخِرِ الحِجْرِ، ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الذّارِياتِ ما يَتَّضِحُ بِهِ هَذا المَعْنى، والمُرادُ بِهَذا كُلِّهِ المُبالَغَةُ في الإنْذارِ إعْلامًا بِأنَّ تارِكَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ القُدْرَةِ شَرِيكٌ لِلْفاعِلِ وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ، والنَّبِيُّ ﷺ قادِرٌ لِحِراسَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: حَتّى يَسْتَحِقَّ أنْ يَشْتَغِلَ بِهِ عَبْدٌ؛ ثُمَّ عَلَّلَ وحْدانِيَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ أيْ (p-٣٨٢)هُوَ في قُوَّةِ الهَلاكِ والفَناءِ ومُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ ﴿إلا وجْهَهُ﴾ أيْ: هو، فَهو الباقِي لِأنَّهُ الواجِبُ الوُجُودِ، ووُجُودُ كُلِّ مَوْجُودٍ إنَّما كانَ بِهِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ لِيَشْمَلَ ما قَصَدَ بِهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ مَعَ ما هو مَعْرُوفٌ مِن تَسْوِيغِهِ لِذَلِكَ بِكَوْنِهِ أشْرَفَ الجُمْلَةِ، وبِكَوْنِ النَّظَرِ إلَيْهِ هو الحامِلُ عَلى الطّاعَةِ بِالِاسْتِحْياءِ وما في مَعْناهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ وحْدَهُ فالضَّمِيرُ اسْتِخْدامُ ﴿الحُكْمُ﴾ أيْ: العَمَلُ المُحْكَمُ بِالعِلْمِ النّافِذِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ولا حُكْمَ لِشَيْءٍ عَلَيْهِ ﴿وإلَيْهِ﴾ وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ في جَمِيعِ أحْوالِكم: في الدُّنْيا بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَنْفُذُ لِأحَدٍ مُرادٌ إلّا بِإرادَتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِالبَعْثِ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والعاصِيَ بِعِصْيانِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأوامِرَ والنَّواهِيَ وإنْ كانَ خِطابُها مُتَوَجِّهًا إلَيْهِ ﷺ فالمَقْصُودُ بِها أتْباعُهُ، ولَعَلَّها إنَّما وُجِّهَتْ إلَيْهِ ﷺ عَلَيْهِ لِأنَّ أمْرَ الرَّئِيسِ أدْعى لِأتْباعِهِ إلى القَبُولِ، وقَدِ اتَّضَحَ بِهَذا البَيانِ، في هَذِهِ المَعانِي الحِسانِ، أنَّ هَذا الكِتابَ مُبِينٌ، وبِإنْفاذِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في تَقْوِيَةِ أهْلِ الضَّعْفِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ ما أرادَ فِرْعَوْنُ وقارُونُ وأتْباعُهُما مَن أهْلِ العُلُوِّ بِطاعَةِ الماءِ والتُّرابِ وما جَمَعَ العَناصِرَ مِنَ اليَدِ والعَصا أنَّ لَهُ وحْدَهُ الحُكْمَ (p-٣٨٣)عَلى ما يُرِيدُ ويَخْتارُ، فَصَحَّ أنَّ إلَيْهِ الرُّجُوعَ يَوْمَ المَعادِ يَوْمَ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ، فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها، وانْشَرَحَ مُجْمَلُها بِمُفَصَّلِها.
العنكبوت 29:1
(p-٣٨٤)سُورَةُ العَنْكَبُوتِ
مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى الِاجْتِهادِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى وحَمْدِهِ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ، كَما خُتِمَتْ بِهِ السُّورَةُ الماضِيَةُ، مِن غَيْرِ تَعْرِيجٍ عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ أصْلًا، لِئَلّا يَكُونَ مَثَلُ الفَرَجِ عِنْدَ المُتَعَوِّضِ عِوَضًا مِنهُ مَثَلَ العَنْكَبُوتِ، فَهي سُورَةُ ضَعْفِ الكافِرِينَ وقُوَّةِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ ظَهَرَ سِرُّ تَسْمِيَتِها بِالعَنْكَبُوتِ وأنَّهُ دالٌّ عَلى مَقْصُودِها ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ القُوَّةِ فَأعَزَّ جُنْدَهُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي شَمِلَ جَمِيعَ العِبادِ بِنِعْمَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي ألْزَمَ أهْلَ العِرْفانِ ذِرْوَةَ الإحْسانِ.
لَمّا خَتَمَ السُّورَةَ الماضِيَةَ بِالحَثِّ عَلى العَمَلِ لِلدّارِ الآخِرَةِ، وأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن مُحْسِنٍ ومُسِيءٍ مَجْزِيٌّ بِعَمَلِهِ، وبِالإخْبارِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِالسِّرِّ والعَلَنِ، بِالأمْرِ بِالِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ إلَيْهِ وقَصْرِ الهِمَمِ عَلَيْهِ وإنْ أدّى ذَلِكَ إلى المِلالِ، وذَهابِ النَّفْسِ والأمْوالِ، مُعَلِّلًا بِأنَّ لَهُ الحُكْمَ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ الباقِي بِلا زَوالٍ، وكُلُّ ماعَداهُ فَإلى تَلاشٍ واضْمِحْلالٍ، وأنَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ في حالٍ ولا مَآلٍ، قالَ أوَّلَ هَذِهِ: ﴿الم﴾ إشارَةً بِالألِفِ الدّالِّ عَلى القائِمِ الأعْلى المُحِيطِ ولامِ الوُصْلَةِ ومِيمِ التَّمامِ (p-٣٨٥)بِطَرِيقِ الرَّمْزِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرْسَلَ جِبْرِيلَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَدْعُوَ النّاسَ بِالقُرْآنِ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِ إلى اللَّهِ، لِتُعْرَفَ بِالدَّعْوَةِ سَرائِرُهم ويَتَمَيَّزَ بِالتَّكْلِيفِ مُحِقُّهم ومُماكِرُهم ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]
العنكبوت 29:2
ولَمّا عَبَّرَ بِهَذِهِ الإشارَةِ لِأهْلِ الفِطْنَةِ والبَصائِرِ، قالَ مُنْكِرًا عَلى مَن ظَنَّ أنَّ مُدَّعِيَ الإيمانِ لا يُكَلَّفُ البَيانَ، ومُفَصِّلًا لِما خُتِمَتْ بِهِ تِلْكَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي، بانِيًا عَلى ما أشارَتْ إلَيْهِ الأحْرُفُ لِأُولِي العِرْفانِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ أيْ: كافَّةً، فَإنَّ كُلًّا مِنهم يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ لِمَعْنى أنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى الحَقِّ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالحُسْبانِ والنَّوْسِ إشارَةً إلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مُضْطَرِبُ العَقْلِ مُنْحَرِفُ المِزاجِ.
ولَمّا كانَ الحُسْبانُ، لا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالمُفْرَداتِ، وإنَّما يُعَلَّقُ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكانَ المُرادُ إنْكارَ حُسْبانِ مُطَلَّقِ التُّرْكِ، كانَتْ ”أنْ“ مَصْدَرِيَّةً عِنْدَ جَمِيعِ القُرّاءِ، فَعَبَّرَ عَنْ مَضْمُونِ نَحْوِ: تَرَكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا، بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ أيْ: في وقْتٍ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولَوْ رَفَعَ الفِعْلَ لِأفْهَمَ أنَّ المُنْكَرَ حُسْبانُ التُّرْكِ المُؤَكَّدِ، فَلا يُفِيدُ إنْكارَ ما عَرى عَنْهُ، وقَدْ مَضى في المائِدَةِ ما يَنْفَعُ هُنا ﴿أنْ﴾ أيْ: في أنْ (p-٣٨٦)﴿يَقُولُوا﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ: ﴿آمَنّا وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: يَقَعُ فِتْنَتُهم مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْ يَخْتَبِرَ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ أوَّلًا بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ ونَصْبِ الأحْكامِ، وثانِيًا بِالصَّبْرِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ عِنْدَ الِابْتِلاءِ بِالمَدْعُوِّينَ إلى اللَّهِ في التَّحَمُّلِ لِأذاهم والتَّجَرُّعِ لِبَلاياهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ، الَّتِي يَعْرِفُ بِها مَرْتَبَةَ الأقْوالِ، في الصِّحَّةِ والِاخْتِلالِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: افْتَتَحَتْ سُورَةُ القَصَصِ بِذِكْرِ امْتِحانِ بَنِي إسْرائِيلَ بِفِرْعَوْنَ وابْتِلائِهِمْ بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى عَظِيمِ تِلْكَ المِحْنَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حُسْنَ عاقِبَتِهِمْ وثَمَرَةَ صَبْرِهِمْ، وانْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ مِمّا هو مِنهُ لَكِنِ انْفَصَلَ عَنْ عُمُومِهِ بِالقَضِيَّةِ امْتِحانُ أمِّ مُوسى بِفِراقِهِ حالَ الطُّفُولِيَّةِ وابْتِداءِ الرَّضاعِ وصَبْرِها عَلى ألِيمِ ذَلِكَ المَذاقِ حَتّى رَدَّهُ تَعالى إلَيْها أجْمَلَ رَدٍّ وأحْسَنَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْتِلاءَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأمْرِ القِبْطِيِّ وخُرُوجَهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ وحُسْنَ عاقِبَتِهِ وعَظِيمَ رَحْمَتِهِ، وكُلُّ هَذا ابْتِلاءٌ أعْقَبَ خَيْرًا، وخُتِمَ بِرَحْمَةٍ ثُمَّ بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الِابْتِلاءِ أعْقَبَ مِحْنَةً وأوْرَثَ شَرًّا وسُوءَ فِتْنَةٍ، وهو ابْتِلاءُ قارُونَ بِمالِهِ وافْتِنانِهِ بِهِ، فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ، فَحَصَلَ بِهَذا أنَّ الِابْتِلاءَ في (p-٣٨٧)غالِبِ الأمْرِ سُنَّةٌ، وجَرَتْ مِنهُ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وهو المُنَزَّهُ عَنِ الِافْتِقارِ إلى تَعَرُّفِ أحْوالِ العِبادِ بِما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ إذْ قَدْ عُلِمَ كَوْنُ ذَلِكَ مِنهم قَبْلَ كَوْنِهِ إذْ هو مُوجِدُهُ وخالِقُهُ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، فَكَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ أوْ يَفْتَقِرُ تَعالى إلى بَيانِهِ بِتَعَرُّفِ أحْوالِ العِبادِ أوْ يَتَوَقَّفُ عِلْمُهُ عَلى سَبَبٍ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ولَكِنْ هي سُنَّةٌ في عِبادِهِ لِيَظْهَرَ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ عِنْدَ الفِتْنَةِ والِابْتِلاءِ ما لَمْ يَكُنْ لِيَظْهَرَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتّى يَشْهَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، وتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِاعْتِرافِهِمْ، ولا افْتِقارَ بِهِ تَعالى إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا تَضَمَّنَتْ سُورَةُ القَصَصِ هَذا الِابْتِلاءَ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبِهِ وقَعَ افْتِتاحُها واخْتِتامُها، هَذا وقَدْ أنْجَزَ بِحُكْمِ الإشارَةِ أوَّلًا خُرُوجَ نَبِيِّنا ﷺ مِن بَلَدِهِ ومَنشَأِهِ لِيَأْخُذَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأوْفَرِ حَظٍّ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ الرُّسُلُ [والأنْبِياءُ مِن مُفارَقَةِ الوَطَنِ وما يُحْرِزُ لَهُمُ الأجْرَ المُناسِبَ لِعَلِيِّ دَرَجاتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ] ثُمَّ بِشارَتُهُ ﷺ آخِرًا بِالعَوْدَةِ والظَّفَرِ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] فَأعْقَبَ سُبْحانَهُ هَذا بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا لِلْعِبادِ ومُنَبِّهًا أنَّها سُنَّتُهُ فِيهِمْ فَقالَ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: أحَسِبُوا أنْ يَقَعَ (p-٣٨٨)الِاكْتِفاءُ بِمُجَرَّدِ اسْتِجابَتِهِمْ، وظاهِرِ إنابَتِهِمْ، ولَمّا يَقَعِ امْتِحانُهم بِالشَّدائِدِ والمَشَقّاتِ، وضُرُوبِ الِاخْتِباراتِ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] فَإذا وقَعَ الِابْتِلاءُ فَمِن فَرِيقٍ يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ تَلَقِّيَ العَلِيمِ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، فَيَكُونُ تَسْخِيرًا لَهم وتَخْلِيصًا، ومِن فَرِيقٍ يُقابِلُونَ ذَلِكَ بِمَرْضاةِ الشَّيْطانِ، والمُسارَعَةِ إلى الكُفْرِ والخِذْلانِ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ هَذا بِذِكْرِ حالِ بَعْضِ النّاسِ مِمَّنْ يَدَّعِي الإيمانَ، فَإذا أصابَهُ أدْنى أذًى مِنَ الكُفّارِ صَرَفَهُ ذَلِكَ عَنْ إيمانِهِ، فَكانَ عِنْدَهُ مُقاوِمًا بِعَذابِ اللَّهِ الصّارِفِ لِمَن ضَرَبَهُ عَنِ الكُفْرِ والمُخالَفَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ في تَلَقِّي ما هو أعْظَمُ مِنَ الفِتْنَةِ، وأشَدُّ في المِحْنَةِ، ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِما بِهِ يَتَأسّى المُوَفَّقُ مِن صَبْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وطُولِ مُكابَدَتِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ، فَذَكَرَ نُوحًا وإبْراهِيمَ ولُوطًا وشُعَيْبًا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم مِن أعْظَمِ الرُّسُلِ مُكابَدَةً وأشَدِّهِمُ ابْتِلاءً، أمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَبِثَ في قَوْمِهِ - كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى - ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا وما آمَنَ (p-٣٨٩)مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، وأمّا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرُمِيَ بِالمَنجَنِيقِ في النّارِ فَكانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وقَدْ نَطَقَ الكِتابُ العَزِيزُ بِخُصُوصِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِضُرُوبٍ مِنَ الِابْتِلاءاتِ حَصَلُوا عَلى ثَوابِها، وفازُوا مِن عَظِيمِ الرُّتْبَةِ النَّبَوِيَّةِ العُلْيا بِأسْنى نِصابِها، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أخْذَ المُكَذِّبِينَ مِن أُمَمِهِمْ فَقالَ ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ثُمَّ وصّى نَبِيَّهُ ﷺ وأوْضَحَ حُجَّتَهُ، وتَتابَعَ اتِّساقُ الكَلامِ إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.
العنكبوت 29:3
ولَمّا كانَ التَّأسِّي مِن سُنَنِ الآدَمِيِّينَ، تَوَقَّعَ المُخاطَبُ بِهَذا الأمْرِ الخَبَرَ عَنْ حالِهِمْ في ذَلِكَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِمَن يَظُنُّ أنَّ الِابْتِلاءَ لا يَكُونُ، لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ فَلا فائِدَةَ فِيهِ جاهِلًا بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى مُقْتَضى عَوائِدِ الخَلْقِ: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: أحَسِبُوا والحالُ أنّا قَدْ ﴿فَتَنّا﴾ أيْ: عامَلْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ ﴿الَّذِينَ﴾
ولَمّا كانَ التَّأسِّي بِالقَرِيبِ في الزَّمانِ أعْظَمَ، أثْبَتَ الجارَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ مِن أتْباعِ الأنْبِياءِ حَتّى كانَ الرَّجُلُ مِنهم يُمَشَّطُ لَحْمُهُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما يَرُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ومِن رُؤُوسِهِمْ صاحِبُ أكْثَرِ السُّورَةِ الماضِيَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَفي قِصَّتِهِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يُقالُ لَهُ حَدِيثُ الفُتُونِ وهو في مُسْنَدِ أبِي يَعْلى، ومِن آخِرِ ما ابْتُلِيَ بِهِ (p-٣٩٠)أمْرُ قارُونَ وأتْباعِهِ.
ولَمّا كانَ الِامْتِحانُ سَبَبًا لِكَشْفِ مُخَبَّآتِ الإنْسانِ بَلِ الحَيَوانِ، فَيُكْرَمُ عِنْدَهُ أوْ يُهانُ، وأرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ المَعْنى: فَلْنَفْتِنَنَّهم، نَسَقَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ] بِفِتْنَةِ خَلْقِهِ، عِلْمًا شُهُودِيًّا كَما كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ عِلْمًا غَيْبِيًّا، ويُظْهِرُهُ لِعِبادِهِ ولَوْ بُولِغَ في سَتْرِهِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ التِفاتًا عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ تَنْبِيهًا لِلنّاقِصِينَ - وهم أكْثَرُ النّاسِ - عَلى أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، وأكَّدَ إشارَةً إلى أنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَظُنُّ الثَّباتَ عِنْدَ الِابْتِلاءِ وأنَّهُ إذا أخْفى عَمَلَهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في دَعْواهُمُ الإيمانَ ولَوْ كانُوا في أدْنى مَراتِبِ الصِّدْقِ، ولِيَعْلَمَنَّ الصّادِقِينَ، وهُمُ الصّابِرُونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ عِنْدَ البَلاءِ ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] فَيَكُونُ أحَدُهم عِنْدَ الرَّخاءِ بَرًّا شَكُورًا، وعِنْدَ البَلاءِ حُرًّا صَبُورًا، ولِيَعْلَمَنَّ الَّذِينَ كَذَبُوا في دَعْواهم ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: الرّاسِخِينَ في الكَذِبِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإنْ أصابَهم خَيْرٌ اطْمَأنُّوا بِهِ وإنْ أصابَتْهم فِتْنَةٌ انْقَلَبُوا عَلى وُجُوهِهِمْ، فَظَنُّوا، فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنَ الجَزاءِ عَلى حَسَبِ ما كَشَفَ (p-٣٩١)مِنهُ البَلاءُ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِتَحَقُّقِ الِاخْتِبارِ، عَلى تَجَدُّدِ الأعْصارِ، لِجَمْعَيِ الأخْيارِ والأشْرارِ، فَمَن لَمْ يُجاهِدْ نَفْسَهُ عِنْدَ الفِتْنَةِ فَيُطِيعُ [فِي] السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كانَ مِنَ الكافِرِينَ فَكانَ في جَهَنَّمَ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] ومَن جاهَدَ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ بِالَّذِينِ صَدَقُوا عَلى الَّذِينَ كَذَبُوا، وبِالكاذِبِينَ عَلى الصّادِقِينَ، ذَكَرَ الفِعْلَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِ ضِدِّهِ ثانِيًا، والِاسْمَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا.
العنكبوت 29:4
ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ بِهَذا عِلْمَهُ الشّامِلَ وقُدْرَتَهُ التّامَّةَ في الدُّنْيا، عادَلَهُ بِما يَسْتَلْزِمُ مِثْلَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَكانَ حاصِلُ ما مَضى مِنَ الِاسْتِفْهامِ: أحَسِبَ النّاسُ أنّا لا نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ ولا نَعْلَمُ أحْوالَهم في الدُّنْيا أمْ حَسِبُوا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ في الأُخْرى، فَيَذْهَبُ ظُلْمُهم في الدُّنْيا وتَرْكُهم لِأمْرِ اللَّهِ وتَكَبُّرُهم عَلى عِبادِهِ مَجّانًا، فَيَكُونُ خَلْقُنا لَهم عَبَثًا لا حِكْمَةَ فِيهِ، بَلِ الحِكْمَةُ في تَرْكِهِ، وهَذا الثّانِي هو مَعْنى قَوْلِهِ مُنْكِرًا ”أمْ حَسِبَ“، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلى النّاسِ عُمُومًا ظَنَّهُمُ الإهْمالَ، عَلِمَ أنَّ أهْلَ السَّيِّئاتِ أوْلى بِهَذا الحُكْمِ، فَكانَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ أشَدَّ، فَعادَلَ الهَمْزَةَ بِـ”أمْ“ في السِّياقِ الإنْكارِ كَما عادَلَها بِها في قَوْلِهِ: ﴿أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠] (p-٣٩٢)الآيَةُ، فَقالَ: ﴿أمْ حَسِبَ﴾ أيْ: ظَنَّ ظَنًّا يَمْشِي لَهُ ويَسْتَمِرُّ [عَلَيْهِ]، فَلا يُبَيِّنُ لَهُ جَهْلَهُ فِيهِ بِأمْرٍ يَحْسَبُهُ فَلا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: الَّتِي مَنَعْناهم بِأدِلَّةِ النَّقْلِ المُؤَيَّدَةِ بِبَراهِينِ العَقْلِ - مِنها بِالنَّهْيِ عَنْها- ووَضَعَ مَوْضِعَ المَفْعُولَيْنِ ما اشْتَمَلَ عَلى مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا فَوْتَ السّابِقِ لِغَيْرِهِ فَيُعْجِزُونا فَلا نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا بِإمْضاءِ ما قَدَّرْناهُ عَلَيْهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ في أوْقاتِهِ الَّتِي ضَرَبْناها لَهُ، وفي الدّارِ الآخِرَةِ بِأنْ نُحْيِيَهم بَعْدَ أنْ نُمِيتَهم، ثُمَّ نَحْشُرُهم إلى مَحَلِّ الجَزاءِ صَغَرَةً داخِرِينَ، فَنُجازِيهِمْ عَلى ما عَمِلُوا ونَقْتَصُّ لِمَن أساءُوا إلَيْهِ مِنهم، ويَظْهَرُ تَحَلِّينا بِصِفَةِ العَدْلِ فِيهِمْ.
ولَمّا أنْكَرَ هَذا، عَجَّبَ مِمَّنْ يَحُوكُ ذَلِكَ في صَدْرِهِ تَعْظِيمًا لِإنْكارٍ فَقالَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ما أسْوَأ هَذا الَّذِي أوْقَعُوا الحُكْمَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ لِأنَّ أضْعَفَهم عَقْلًا لا يَرْضى لِعَبِيدِهِ أنْ يَظْلِمَ بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ لا يُنْصِفُ بَيْنَهم فَكَيْفَ يَظُنُّونَ بِنا ما لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ.
العنكبوت 29:5
ولَمّا خَوَّفَ [عِبادَهُ] المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ، وضَرَبَهم بِسَوْطِ القَهْرِ أجْمَعِينَ، أشارَ إلى التَّلْوِيحِ بِتَهْدِيدِ الكاذِبِينَ في التَّصْرِيحِ بِتَشْوِيقِ (p-٣٩٣)الصّادِقِينَ فَقالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا مَضى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو﴾ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّ الرَّجاءَ كافٍ عَنِ الخَوْفِ مِنهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَرْكُ البَعْثِ فَإنَّهُ نَقْصٌ ومُنابِذٌ لِلْحِكْمَةِ، وشَبَّهَ البَعْثَ بِاللِّقاءِ لِانْكِشافِ كَثِيرٍ مِنَ الحُجُبِ بِهِ وحُضُورِ الجَزاءِ.
ولَمّا كانَ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ كَثِيرًا، أكَّدَ فَقالَ مَوْضِعَ: فَإنَّهُ آتٍ فَلْيَحْذَرْ ولِيُبَشَّرْ، تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَثْبِيتًا وتَهْوِيلًا: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ وجَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ المَحْتُومِ لِذَلِكَ ﴿لآتٍ﴾ لا مَحِيصَ عَنْهُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ [وُقُوعُ] إخْلافِ الوَعْدِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ أهْوالَ اللِّقاءِ لا يُحِيطُ لَها العَدُّ، ولا يَحْصُرُها حَدٌّ، فَلْيُعَتَدَّ لِذَلِكَ بِالمُجاهِدَةِ والمُقاتَلَةِ لِنَفْسِهِ مَن يَنْصَحُها، وقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ حَثًّا عَلى تَطْهِيرِ الظّاهِرِ والباطِنِ في العَقْدِ والقَوْلِ والفِعْلِ.
العنكبوت 29:6
ولَمّا حَثَّ عَلى العَمَلِ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا لِنَفْعِ العامِلِ، لِئَلّا يَخْطُرَ في خاطِرٍ ما يُوجِبُ تَعَبَ الدُّنْيا وشَقاءَ الآخِرَةِ مِنِ اعْتِقادِ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ تَعالى، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن أراحَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا فَإنَّما (p-٣٩٤)ضَرَّ نَفْسَهُ: ﴿ومَن جاهَدَ﴾ أيْ: بَذَلَ جُهْدَهُ حَتّى كَأنَّهُ يُسابِقُ آخَرَ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ لَهُ فَيُتْعِبُها لِيُرِيحَها، ويُشْقِيها لِيُسْعِدَها، ويُمِيتُها لِيُحْيِيَها، وعَبَّرَ بِالنَّفْسِ لِأنَّها الأمارَةُ بِالسُّوءِ، وإنَّما طَوى ما أُدْعى تَقْدِيرُهُ لِأنَّ السِّياقَ لِلْمُجاهَدَةِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الحَصْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: المُتَعالِي عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ﴿لَغَنِيٌّ﴾ وأكَّدَ لِأنَّ كَثْرَةَ الأوامِرِ رُبَّما أوْجَبَتْ لِلْجاهِلِ ظَنَّ الحاجَةِ، وذَلِكَ نُكْتَةُ الإتْيانِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، وبَيَّنَ أنَّ غِناهُ الغِنى المُطْلَقُ بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ”عَنْهُ“،
﴿عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا تَنْفَعُهُ طاعَةٌ ولا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ.
العنكبوت 29:7
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ كَفَرُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ لِنَجْزِيَنَّهم أجْمَعِينَ، ولَكِنَّهُ طَواهُ لِأنَّ السِّياقَ لِأهْلِ الرَّجاءِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ عَلى حَسَبِ طاقَتِهِمْ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ إلى أنَّ الإنْسانَ وإنِ اجْتَهَدَ لابُدَّ أنْ يَزِلَّ لِأنَّهُ مَجْبُولٌ عَلى النَّقْصِ، فالصَّلاةُ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُما ما لَمْ يُؤْتِ الكَبائِرَ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ عَنِ النَّبِيِّ المُخْتارِ ﷺ. وزادَهُ فَضْلًا وشَرَفًا لَدَيْهِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: والتَّكْفِيرُ إذْهابُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، أوْ لِنَغْفِرَنَّ لَهُمُ الشِّرْكَ وما عَمِلُوا فِيهِ، (p-٣٩٥)وأكَّدَ لِأنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى الِانْتِقامِ مِمَّنْ أساءَ ولَوْ بِكَلِمَةٍ ولَوْ بِالِامْتِنانِ [بِذِكْرِ العَفْوِ فَلا يَكادُ يُحَقِّقُ غَيْرَ ما طُبِعَ عَلَيْهِ، ولَمّا بَشَّرَهم بِالعَفْوِ عَنِ العِقابِ، أتَمَّ البُشْرى بِالِامْتِنانِ] بِالثَّوابِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ولَنُثِبِّتَنَّ لَهم حَسَناتِهِمْ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ أيْ: في الإسْلامِ ﴿أحْسَنَ الَّذِي كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا يَحْمِلُهم عَلى أتَمِّ رَغْبَةٍ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءٍ ما عَمِلُوهُ في الإسْلامِ وما قَبْلَهُ وفي طَبْعِهِمْ أنْ يَعْمَلُوهُ.
العنكبوت 29:8
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لابُدَّ مِنَ الفِتْنَةِ، وحَذَّرَ مَن كَفَرَ، وبَشَّرَ مَن صَبَرَ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾ [العنكبوت: ٣] مُشِيرًا إلى تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الوالِدِ حَيْثُ جَعَلَها في سِياقِ تَعْظِيمِ الخالِقِ، وإلى أنَّها أعْظَمُ فِتْنَةٍ: ﴿ووَصَّيْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ: الَّذِي أعَنّاهُ عَلى ذَلِكَ بِأنْ جَعَلْناهُ عَلى الأُنْسِ بِأشْكالِهِ لاسِيَّما مَن أحْسَنَ إلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأعَزِّ الخَلْقِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ لَهُ ﴿بِوالِدَيْهِ﴾
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقُلْنا لَهُ: افْعَلْ بِهِما ﴿حُسْنًا﴾ أيْ: فِعْلًا ذا حُسْنٍ مِن بِرِّهِما وعَطَفَ عَلَيْهِما، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ جاهَداكَ﴾ أيْ: فَعَلا مَعَكَ فِعْلَ المُجاهِدِ مَعَ مَن يُجاهِدُهُ فاسْتَفْرَغا مَجْهُودَهُما في مُعالَجَتِكَ ﴿لِتُشْرِكَ﴾ وتَرَكَ مَظْهَرَ العَظَمَةِ لِلنَّصِّ عَلى المَقْصُودِ فَقالَ: ﴿بِي﴾ ونَبَّهَهُ عَلى طَلَبِ البُرْهانِ في الأُصُولِ إشارَةً إلى خَطَرِ المَقامِ لِعِظَمِ المَرامِ، فَقالَ اسْتِعْمالًا لِلْعَدْلِ، مُشِيرًا بِنَفْيِ العِلْمِ إلى انْتِفاءِ العُلُومِ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (p-٣٩٦)أصْلًا بِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ الشَّرِكَةَ فَإنَّ مَن عَبَدَ ما لَمْ يَعْلَمِ اسْتِحْقاقَهُ لِلْعِبادَةِ فَهو كافِرٌ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ - وإنْ عَظُمَ - في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، وهَذا مُوجِبٌ لِئَلّا يَقَعَ مِن أحَدٍ شِرْكٌ أصْلًا، فَإنَّهُ لا رَيْبَ أصْلًا في أنَّهُ لا شُبْهَةَ تَقُومُ عَلى أنَّ غَيْرَهُ تَعالى يَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ، فَكَيْفَ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ عِلْمًا، والمَقْصُودُ مِن سِياقِ الكَلامِ إظْهارُ النَّصَفَةِ والتَّنْبِيهُ عَلى النَّصِيحَةِ، لِيَكُونَ أدْعى إلى القَبُولِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: جَمِيعًا: مَن آمَنَ ومَن أشْرَكَ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى بَلِيغًا ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِرَغْبَتِكم ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَقِفُوا عِنْدَ حُدُودِي، واتْرُكُوا ما تُزَيِّنُهُ لَكم شَهَواتُكم، واحْذَرُوا مُجازاتِي عَلى قَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ، عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو الإنْباءُ [لِأنَّهُ لا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ] عَنِ المُسَبِّبِ الَّذِي هو الجَزاءُ، مُطْلِقًا لِلْعِبارَةِ، وتَهْدِيدًا بَلِيغًا عَلى وجْهِ الإشارَةِ، وطَوى ذِكْرَهُ لِأنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ العَفْوُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أسَلَمَ وكانَ بارًّا بِأُمِّهِ، فَحَلَفَتْ: لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ أوْ تَمُوتَ فَيُعَيَّرُ بِها ويُقالُ قاتِلُ أُمِّهِ، فَمَكَثَتْ يَوْمَيْنِ بِلَيالِيهِما فَقالَ: يا أُمّاهُ، لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ (p-٣٩٧)دِينِي فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ فَلا تَأْكُلِي! فَلَمّا أيِسَتْ مِنهُ أكَلَتْ وشَرِبَتْ وأصْلُ القِصَّةِ في التِّرْمِذِيِّ.
العنكبوت 29:9
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ أشْرَكُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في المُفْسِدِينَ، ولَكِنَّهُ طَواهُ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ [زِيادَةً في الحَثِّ عَلى الإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ ] قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴿الصّالِحاتِ﴾
ولَمّا كانَ الصّالِحُ في الغالِبِ سَيِّئَ الحالِ في الدُّنْيا ناقِصَ الحَظِّ مِنها، فَكانَ عَدُوُّهُ يُنْكِرُ أنْ يَحْسُنَ حالُهُ أشَدَّ إنْكارٍ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿فِي الصّالِحِينَ﴾ وناهِيكَ بِهِ مِن مَدْخَلٍ، فَإنَّهُ مِن أبْلَغِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ.
العنكبوت 29:10
ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ ما مَضى مِن قِسْمِ الرّاجِي والمُجاهِدِ والعامِلِ لِلصّالِحِ: فَمِنَ النّاسِ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، فَإذا أوَذِيَ في اللَّهِ صَبَرَ واحْتَسَبَ انْتِظارًا لِلْجَزاءِ مِنَ العَلِيِّ الأعْلى، ولَكِنَّهُ حَذَفَ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ ما دَلَّ عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ في الأُخْرى، عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ أيِ: المُذَبْذَبِينَ ﴿مَن يَقُولُ﴾ أيْ: بِلِسانِهِ دُونَ طُمَأْنِينَةٍ مِن قَلْبِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ، وأشارَ بَعْدَ الإيماءِ (p-٣٩٨)إلى كَثْرَةِ هَذا الصِّنْفِ بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ - إلى أنَّ الأذى في هَذِهِ الدّارِ ضَرْبَةُ لازِبٍ لابُدَّ مِنهُ، بِقَوْلِهِ بِأداةِ التَّحْقِيقِ: ﴿فَإذا أُوذِيَ﴾ أيْ: فِتْنَةً لَهُ واخْتِبارًا مِن أيِّ مُؤْذٍ كانَ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كَوْنِهِ في سَبِيلِ [اللَّهِ] الَّذِي لا يُدانِيهِ في عَظَمَتِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ شَيْءٌ، بِبَلاءٍ يُسَلِّطُ بِهِ عِبادَهُ عَلَيْهِ ﴿جَعَلَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ادَّعى الإيمانَ ﴿فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أيْ: لَهُ بِما يُصِيبُهُ مِن أذاهم في جَسَدِهِ الَّذِي إذا ماتَ انْقَطَعَ أذاهم عَنْهُ ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُرْجى الِانْفِكاكُ مِنهُ، فَيُصْرَفُ المُعَذَّبُ بَعْدَ الشَّمّاخَةِ والكِبْرِ إلى الخُضُوعِ والذُّلِّ، لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ ولا مُجِيرَ عَلَيْهِ، فَلا يُطاقُ عَذابُهُ، لِأنَّهُ عَلى كُلٍّ مِنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، لا يُمْكِنُ مُفارَقَتُهُ لَهُما ولا لِواحِدٍ مِنهُما بِمَوْتٍ ولا بِحَياةِ إلّا بِإرادَتِهِ حَتّى يَكُونَ عَمَلُ هَذا المُعَذَّبِ عِنْدَ عَذابِ النّاسِ لَهُ الطّاعَةَ لَهم في جَمِيعِ ما يَأْمُرُونَ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، فَيَتَبَيَّنُ حِينَئِذٍ أنَّهُ كانَ كاذِبًا في دَعْوى الإيمانِ، وقَصْرُ الرَّجاءِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ، وأشارَ إلى أنَّ الفِتْنَةَ رُبَّما اسْتَمَرَّتْ إلى المَماتِ وطالَ زَمَنُها بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ، وأكَدَّ لِاسْتِبْعادِ كُلِّ سامِعٍ أنْ يَقَعَ مِن أحَدٍ بُهْتٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ﴾ أيْ: لِحِزْبِ اللَّهِ الثّابِتِي الإيمانِ.
ولَمّا كانَ الإحْسانُ مِنهُ إنَّما هو مَحْضُ امْتِنانٍ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ (p-٣٩٩)شَيْءٌ، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ يَفْعَلُهُ لِأجْلِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِنَصْرِ أهْلِ دِينِكَ، تَصْدِيقًا لِوَعْدِكَ لَهم، وإدْخالًا لِلسُّرُورِ عَلَيْكَ،
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ رَخاءً، عَبَّرَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ إشارَةً إلى نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وما أكْثَرَ الإخْوانَ حِينَ تَعُدُّهم ولَكِنَّهم في النّائِباتِ قَلِيلُ
فَقالَ: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَصْبِرُوا، خِداعًا لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفًا ورَجاءً وعَبَّرَ في حالَةِ الشِّدَّةِ بِالإفْرادِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الجَمْعَ قَيْدٌ، وجَمَعَ هُنا دَلالَةً عَلى أنَّهم لا يَسْتَحْيُونَ مِنَ الكَذِبِ ولَوْ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وأكَّدُوا لِعِلْمِهِمْ أنَّ قَوْلَهم يُنْكَرُ لِأنَّهم كاذِبُونَ فَقالُوا: ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: لَمْ نُزايِلْكم بِقُلُوبِنا وإنْ أطَعْنا أُولَئِكَ بِألْسِنَتِنا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألَيْسَ أوْلِياؤُنا المُتَفَرِّسُونَ بِأحْوالِهِمْ عالِمِينَ؟ عَطَفَ عَلَيْهِ مُنْكِرًا قَوْلَهُ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِعِلْمِ الباطِنِ كَما هو مُحِيطٌ بِعِلْمِ الظّاهِرِ ﴿بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ، مِنهم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إخْلاصًا كانَ أوْ نِفاقًا، بَلْ هو أعْلَمُ مِن أصْحابِ الصُّدُورِ بِذَلِكَ.
العنكبوت 29:11
ولَمّا أنْكَرَ عَدَمَ العِلْمِ، صَرَّحَ بِالعِلْمِ فَقالَ واعِدًا مُتَوَعِّدًا، عاطِفًا (p-٤٠٠)عَلى ما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن نَحْوِ: فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ جَمِيعَ ما أخْفَوْا وما أعْلَنُوا: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً في عالَمِ الشَّهادَةِ حَتّى يَنْكَشِفَ ذَلِكَ لَدَيْكم كَما هو عالِمٌ بِهِ في عالَمِ الغَيْبِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: وقَعَ مِنهم إيمانٌ، ولِيَعْلَمَنَّ المُؤْمِنِينَ إيمانًا صادِقًا [بِما] يُوالِيهِ عَلَيْهِمْ مِنَ المِحَنِ، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا تَسْلِيمًا ورِضًى، وأكَّدَهُ لَمّا قَدَّمَ مِن أنَّ النّاسَ حَسِبُوا أنَّهم لا يُفْتَنُونَ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ﴾ الَّذِي نافَقُوا ولِيَعْلَمَنَّ ﴿المُنافِقِينَ﴾ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الزَّلازِلِ والفِتَنِ الَّتِي يَمِيلُونَ مَعَها كَيْفَما مَيَّلَتْهم، حَتّى يَعْلَمَ كُلُّ مَن لَهُ لُبٌّ أنَّهُ لا إيمانَ لَهم كَما أنَّهُ لا إيمانَ لَهم، ولا شَكَّ أنَّهُ يُعامِلُ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن قَلْبِهِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ كَما مَضى [عِنْدَ] ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣]
العنكبوت 29:12
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْفِتْنَةِ والأذى في اللَّهِ المُحَقَّقِ أمْرُهُ بِإذا دُونَ ”إنْ“ وكانَ الكُفّارُ يَفْتِنُونَ مَن أسْلَمَ في أوَّلِ الأمْرِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما كانُوا يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الفِتْنَةِ جَهْلًا بِاللَّهِ وغُرُورًا، فَقالَ مُعَجِّبًا مِنهم، (p-٤٠١)عاطِفًا عَلى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [العنكبوت: ١٠] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اغْتِرارًا مِنهم بِاللَّهِ، وجُرْأةً عَلى حَماهُ المَنِيعِ ﴿لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لِطائِفَةِ مِن يَقُولُ بِلِسانِهِ: آمَنّا بِاللَّهِ، وهُمُ الَّذِينَ ﴿آمَنُوا﴾ أيْ: حَقِيقَةً، جَهْلًا مِنهم بِما خالَطَ قُلُوبَهم مِن بَشاشَةِ الإيمانِ، وأنْوارِ العِرْفانِ: ﴿اتَّبِعُوا﴾ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَتَّبِعُوا ﴿سَبِيلَنا﴾ أيْ: طَرِيقَ دِينِنا، وعَطَفُوا وعْدَهم في مُجازاتِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الأمْرِ عَلى أمْرِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُحَقَّقٌ لا شَكَّ فِيهِ فَقالُوا: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ بِوَعْدٍ صادِقٍ وأمْرٍ مَحْتُومٍ جازِمٍ، إنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا إنَّهُ لابُدَّ لَنا مِن مَعادٍ نُؤاخَذُ فِيهِ بِالخَطايا، ولَوْ دَرَوْا لَعَمْرِي ما الخَبَرُ، يَوْمَ يَقُولُونَ: لا مَفَرَّ، ما عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِهَذا الخَطَرِ، يَوْمَ يَوَدُّ كُلُّ امْرِئٍ لَوِ افْتَدى بِمالِهِ وبَنِيهِ، وعُرْسِهِ وأخِيهِ، وصَدِيقِهِ وأبِيهِ، ويَكُونُ كَلامُهم - وإنْ كانَ أمْرًا - بِمَعْنى الخَبَرِ لِأنَّهُ وعْدٌ كَذَّبَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ مَعْناهُ: إنْ كُتِبَ عَلَيْكم إثْمٌ حَمَلْناهُ عَنْكم بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿وما هُمْ﴾ أيْ: الكَفّارُ ﴿بِحامِلِينَ﴾ ظاهِرًا ولا باطِنًا ﴿مِن خَطاياهُمْ﴾ أيْ: المُؤْمِنِينَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ وهم يَقْدِرُونَ أنْ لا يَحْمِلُوا، أوْ حَمْلًا يُخَفِّفُ عَنْهُمُ العَذابَ، أيْ: أنَّهم إذا عايَنُوا تِلْكَ الأحْوالَ، وطاشَتْ عُقُولُهم في بِحارِ هاتِيكَ الأهْوالِ، الَّتِي لا يَقُومُ لَها الجِبالُ، (p-٤٠٢)تَبَرَّأُوا مِمَّنْ قالُوا لَهُ هَذا المَقالَ، فَقَدْ أخْبَرُوا بِما لا يُطابِقُ الواقِعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا تَعَمَّدُوا الكَذِبَ حالَ الإخْبارِ إنْ كانَتْ نِيَّتُهم أنَّهم لا يَفُونَ عَلى تَقْدِيرِ تُحَقِّقِ الجَزاءِ.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا كَذِبُهم بِكُلِّ حالٍ سَواءٌ تَعَمَّدُوا أوْ لا، صَرَّحَ بِهِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ظَنِّ مَن غَرُّوهُ صِدْقَهم في قَوْلِهِ [مُسْتَأْنِفًا]: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
العنكبوت 29:13
ولَمّا كانَ كُلُّ مَن أسْلَكَ أحَدًا طَرِيقًا كانَ شَرِيكَهُ في عَمَلِهِ فِيها، فَكانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِهِ إنْ كانَتْ طَرِيقَ رَدى، ولَهُ مِثْلُ أجْرِهِ إنْ كانَتْ سَبِيلَ هُدى، قالَ تَعالى مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمُ الآخِرَةَ وكُلَّ ما فِيها: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ﴾ أيْ: الكَفَرَةُ ﴿أثْقالَهُمْ﴾ الَّتِي حَمَّلُوها أنْفُسَهُمُ الضَّعِيفَةَ بِما اكْتَسَبُوا ﴿وأثْقالا﴾ أُخْرى لِغَيْرِهِمْ ﴿مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ بِما تَسَبَّبُوا بِهِ مِن إضْلالِ غَيْرِهِمْ، ومِن تَأْصِيلِ السُّنَنِ الجائِرَةِ الجارِيَةِ بَعْدَهم، فَمَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ أحَدُهم مِن حَمْلِ الآخِرَةِ شَيْئًا.
ولَمّا كانَ لِلسُّؤالِ عَلى طَرِيقِ الِازْدِراءِ والإذْلالِ، مِنَ الرُّعْبِ (p-٤٠٣)فِي القَلْبِ ما لَيْسَ لِلْأفْعالِ قالَ: ﴿ولَيُسْألُنَّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن أمَرَهُ المَوْلى بِسُؤالِهِمْ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: الَّذِي هم بِهِ مُكَذِّبُونَ، ولَهُ مُسْتَهِينُونَ والتَّأْكِيدُ إمّا لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ، أوْ لِظَنِّ أنَّ العالِمَ لا يُسْألُ عَمّا يَعْلَمُهُ،
﴿عَمّا كانُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ،ويُعْمِلُونَ أفْكارَهم في ارْتِكابِهِ [ويُواظِبُونَ عَلَيْهِ]، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ صِدْقَ الرَّسُولِ ﷺ ويَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ في وعْدِهِمْ لِمَن غَرُّوهُ.
العنكبوت 29:14
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْبَلاءِ والِامْتِحانِ، والصَّبْرِ عَلى الهَوانِ، وإثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرِتِهِ عَلى إنْجاءِ الطّائِعِ وتَعْذِيبِ العاصِي، ذَكَرَ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن طالَ صَبْرُهُ عَلى البَلاءِ، ولَمْ يَفْتُرْ عَزْمُهُ عَنْ نَصِيحَةِ العِبادِ [عَلى] ما يُعامِلُونَهُ بِهِ مِنَ الأذى، تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ ﷺ ولِتابِعِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَثْبِيتًا لَهم وتَهْدِيدًا لِقُرَيْشٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] ما هو كالشَّرْحِ لَهُ، ولَهُ نَظَرٌ عَظِيمٌ إلى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] وأكَّدَهُ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَقُولُ: إنَّ القُدْرَةَ عَلى التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ مُغْنِيَةٌ عَنِ الرِّسالَةِ في دارِ التَّسَبُّبِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُغْنِيَةِ عَنِ الرِّسالَةِ إجْراءً لِلْأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الدّارُ مِن حِكْمَةِ التَّسْبِيبِ (p-٤٠٤)﴿نُوحًا﴾ أيْ: أوَّلَ رُسُلِ اللَّهِ الخافِقَيْنِ مِنَ العِبادِ، وهو مَعْنى ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ فَإنَّ الكُفْرَ كانَ قَدْ عَمَّ أهَّلَ الأرْضَ، وكانَ ﷺ أطْوَلَ الأنْبِياءِ بَلاءً بِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ ومُعَقِّبًا: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ الرِّسالَةِ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وعَظُمَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألْفَ﴾ فَذَكَرَ رَأْسَ العَدَدِ الَّذِي لا رَأْسَ أكْبَرُ مِنهُ، وعَبَّرَ بِلَفْظٍ ﴿سَنَةٍ﴾ ذَمًّا لِأيّامِ الكُفْرِ، وقالَ: ﴿إلا خَمْسِينَ﴾ فَحَقَّقَ أنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ تِسْعُمِائَةٍ وخَمْسُونَ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ مَعَ الِاخْتِصارِ والعُذُوبَةِ، وقالَ: ﴿عامًا﴾ إشارَةً إلى أنَّ زَمانَ حَياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ إغْراقِهِمْ كانَ رَغَدًا واسِعًا حَسَنًا بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ وخِصْبِ الأرْضِ.
ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ الدُّعاءِ مَعَ عَدَمِ الإجابَةِ أدَلَّ عَلى الِامْتِثالِ وعَدَمِ المِلالِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ لُبْثِهِ فِيهِمْ ودُعائِهِ لَهم ومُعَقِّبًا لَهُ: ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ أيْ: كُلُّهم بِالإغْراقِ أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿الطُّوفانُ﴾ أيْ: مِنَ الماءِ، لِأنَّ الطُّوفانَ في الأصْلِ لِكُلِّ فاشٍ طامٍ مُحِيطٍ غالِبٍ مُمْتَلِئٍ كَثْرَةً وشِدَّةً وقُوَّةً مِن سَيْلٍ أوْ ظَلامٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِها، والمُرادُ هُنا الماءُ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ، وهو وضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها فِعْلَ مَن يَمْشِي في أشَدِّ الظَّلامِ، بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم، وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، وهو مُلازِمٌ لِدُعائِهِمْ لَيْلًا ونَهارًا لَمْ يَرْجِعْ مِنهم عَنِ الضَّلالِ إلّا ناسٌ (p-٤٠٥)لِقِلَّتِهِمْ لا يُعَدُّونَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِمْ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.
العنكبوت 29:15
﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ أيْ: نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَغْلِبُها شَيْءٌ ﴿وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ مِن أوْلادِهِ وأتْباعِهِ، مِنَ الغَرَقِ، وماذا يَبْلُغُ مِقْدارُ أهْلِ سَفِينَةٍ واحِدَةٍ في العُدَّةِ والكَثْرَةِ ﴿وجَعَلْناها﴾ أيْ: الفِعْلَةَ أوِ السَّفِينَةَ أيْ: نَفْسَها وجِنْسَها، بِتِلْكَ العَظَمَةِ ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وإنْجائِهِ لِلطّائِعِ وإهْلاكِهِ لِلْعاصِي ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنْ لَمْ يَقَعْ في الدَّهْرِ حادِثَةٌ أعْظَمُ مِنها ولا أغْرَبُ ولا أشْهَرُ في تَطْبِيقِ الماءِ جَمِيعَ الأرْضِ، بِطُولِها والعَرْضِ، وإغْراقِ جَمِيعِ مَن عَلَيْها مِن حَيَوانٍ: إنْسانٍ وغَيْرِ إنْسانٍ، وإنْجاءِ ناسٍ فِيهِمْ بِما هَيَّأ قَبْلَ الفِعْلِ مِن سَبَبِ ذَلِكَ المُسْتَمِرِّ نَفْعُهُ عَلى تَكْرارِ الأحْقابِ وتَعاقُبِ الأزْمانِ، وكَوْنِها آيَةً أمّا لِلْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ فالأمْرُ فِيهِمْ واضِحٌ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَقَدْ عُرِفُوا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالجُزْئِيّاتِ المُشاهَدَةِ أنَّ ذَلِكَ الماءَ لا يُنَجّى مِنهُ في دارِ الأسْبابِ إلّا هَذِهِ السَّفِينَةُ، فالهِدايَةُ إلى فِعْلِها لِلنَّجاةِ قَبْلَ وُقُوعِ سَبَبِ الهَلاكِ دالَّةٌ عَلى تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، وأنَّ مَنِ اهْتَدى إلَيْهِ دُونَ أهْلِ ذَلِكَ (p-٤٠٦)العَصْرِ كُلِّهِمْ إنَّما اهْتَدى بِإعْلامِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، ونِصْفُ الآيَةِ الأُولى الأوَّلُ [مِن هَذِهِ القِصَّةِ] تَسْلِيَةٌ وتَعْزِيَةٌ دَلِيلًا عَلى آيَتَيِ الفِتْنَةِ أوَّلَ السُّورَةِ، ونِصْفُها الثّانِي تَحْذِيرٌ وتَوْقِيَةٌ، [وفِيهِ] دَلِيلٌ عَلى الآيَةِ الثّالِثَةِ، والآيَةُ الثّالِثَةُ، والآيَةُ الأُخْرى تَبْشِيرٌ وتَرْجِيَةٌ، [وفِيهِ] دَلِيلٌ عَلى ما بَعْدُ.
العنكبوت 29:16
ولَمّا كانَ بَلاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَظِيمًا في قَذْفِهِ في النّارِ وإخْراجِهِ مِن بِلادِهِ، أتْبَعَهُ بِهِ فَقالَ: ﴿وإبْراهِيمَ﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إبْراهِيمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إبْراهِيمَ أباكَ الأعْظَمَ لِتَتَأسّى بِهِ وتَتَسَلّى ويَتَّعِظَ قَوْمُكَ بِقِصَّتِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ”وإلى مَدْيَنَ“ يُرَجِّحُ الأوَّلَ، ودَلَّ عَلى مُبادَرَتِهِ لِلِامْتِثالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِاشْتِمالِ الأحْيانِ عَلى ما قَبْلَها ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ الَّذِينَ هو مِنهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ بِما يَأْمُرُكم بِهِ مِن طاعَتِهِ ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيْ: خافُوهُ في أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا فَإنَّهُ يُعَذِّبُكم ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي هو إخْلاصُكم في عِبادَتِكم لَهُ وتَقْواكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما لَكَمَ مِنَ الغَرائِزِ الصّالِحَةِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: [إنْ كُنْتُمْ] في عِدادِ مَن يَتَجَدَّدُ (p-٤٠٧)لَهُ عِلْمٌ فَأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ خَيْرٌ، أيْ: تَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ فَتَعْمَلُونَ بِهِ، وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا ذَلِكَ فَأنْتُمْ في عِدادِ الحَيَواناتِ العُجْمِ، بَلْ أضَلُّ، فَإنَّها تَهْتَدِي لِما يَنْفَعُها فَتُقْبِلُ عَلَيْهِ، وتَسْعى بِجُهْدِها إلَيْهِ.
العنكبوت 29:17
ولَمّا أمَرَهم بِما تَقَدَّمَ، ونَفى العِلْمَ عَمَّنْ جَهِلَ خَيْرِيَّتَهُ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ أعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ، [ولا ثانِيَ] ولا وزِيرَ، وقالَ: ﴿أوْثانًا﴾ إشارَةً إلى تَفَرُّقِ الهَمِّ بِكَثْرَةِ المَعْبُودِ، والكَثْرَةِ يَلْزَمُها الفُرْقَةُ ولا خَيْرَ في الفُرْقَةِ، ومادَّةُ ”وثَنَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ تَدُورُ عَلى الزِّيادَةِ والكَثْرَةِ، ويَلْزَمُها الفُرْقَةُ مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ، فَيَلْزَمُها حِينَئِذٍ الرَّخاوَةُ فَيَأْتِي العَجْزُ، وتَراكِيبُها تِسْعَةٌ: في الواوِيِّ الثَّلاثَةِ: وثَنَ ثَنَوَ ثَوَنَ، وفي اليائِيِّ ثَلاثَةٌ: ثَنى نَثى ثَيَنَ، وفي المَهْمُوزِ ثَلاثَةٌ: أنَثَ أثَنَ نَأثَ، فَمِنَ الزِّيادَةِ: الوَثَنُ، قالَ القَزّازُ: قالَ أبُو مَنصُورٍ: الفَرْقُ بَيْنَ الوَثَنِ والصَّنَمِ أنَّ الوَثَنَ كُلُّ ما كانَ لَهُ جُثَّةٌ مِن خَشَبٍ أوْ حَجَرٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ جَوْهَرٍ أوْ غَيْرِهِ يُنْحَتُ فَيُنْصَبُ فَيُعْبُدُ، (p-٤٠٨)والصَّنَمُ الصُّورَةُ الَّتِي بَلا جُثَّةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ الوَثَنَ صَنَمًا انْتَهى.
وقالَ عَبْدُ الحَقِّ: قالَ الهَرَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ما كانَ لَهُ صُورَةٌ مِن جَصٍّ أوْ حِجارَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهو وثَنٌ - انْتَهى.
فَقَدْ عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لابُدَّ فِيهِ مِن صُورَةٍ أوْ جُثَّةٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهو ثانٍ لِما شابَهَ صُورَتَهُ أوْ جُثَّتَهُ وزائِدٌ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ أحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِيِّ في كِتابِ الزِّينَةِ: الصَّنَمُ تِمْثالٌ مِن حِجارَةٍ عَلى صُورَةِ الإنْسانِ، فَإذا كانَ مِن خَشَبٍ فَهو وثَنٌ، ويُتَّخَذُ أيْضًا مِن جَصٍّ، ورُبَّما صَوَّرُوا في الحائِطِ أيْضًا صُورَةَ إنْسانٍ فَتُسَمّى تِلْكَ الصُّورَةُ أيْضًا وثَنًا، والنَّصارى يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ويُصَوِّرُونَ في بِيَعِهِمْ صُورَةَ المَسِيحِ وصُورَةَ مَرْيَمَ ويَسْجُدُونَ لَها: واسْتَوْثَنَ المالُ: سَمِنَ، فَزادَ لَحْمُهُ، واسْتَوْثَنَ مِنَ المالِ: اسْتَكْثَرَ، والنَّحْلُ: صارَتْ فِرْقَتَيْنِ صِغارًا وكِبارًا، والإبِلُ: نَشَأتْ أوْلادُها مَعَها، وأوْثَنْ زَيَدًا: أجْزَلَ عَطِيَّتَهُ، والواثِنُ: الشَّيْءُ الثّابِتُ الدّائِمُ في مَكانِهِ، فالزِّيادَةُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَّخاوَةِ، فَإنَّهُ لا يَثْبُتُ عَلى (p-٤٠٩)هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى حَرَكَةٍ، ومِنَ الفِرْقَةِ: نَثا الحَدِيثَ - بِتَقْدِيمِ النُّونِ - يَنْثُوهُ ويَنْثِيهِ، يائِيٌّ وواوِيٌّ: أشاعَهُ وحَدَثَ بِهِ، والشَّيْءَ: فَرَّقَهُ وأذاعَهُ، وأنْثى: اغْتابَ وأنِفَ مِنَ الشَّيْءِ، ولا يُؤْنَفُ مِنهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ نَشْرِهِ، والثُّوَيْنا كالهُوَيْنا: الرَّقِيقُ يُفْرَشُ تَحْتَ الرَّغِيفِ لِيُسَوّى ويُعَدَّلَ لِأنْ يَكُونَ ظُلْمُهُ، والتَّثاوُنُ: الِاحْتِيالُ والخَدِيعَةُ، فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَنْ جَمْعِ فِكْرٍ وتَنْبِيهِ نَظَرٍ، وهي أيْضًا لا تَكُونُ إلّا مِن عاجِزٍ عَنِ الأخْذِ جِهارًا، ومِن ذَلِكَ تَثاوَنَ لِلصَّيْدِ إذا جاءَهُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وأُخْرى عَنْ يَسارِهِ والثَّنْيُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما يُثْنى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنَ الوادِي: مُنْعَطَفُهُ، واثْنَوْنى: انْعَطَفَ، والثَّناءُ كَكِتابٍ: عِقالُ البَعِيرِ، وهو حَبْلٌ مُثَنّى يَعْقِلُ بِهِ يَدَ البَعِيرِ فَتُثَنّى، والفِناءُ لِأنَّهُ يَكْثُرُ انْتِيابُهُ والتَّرَدُّدُ إلَيْهِ، وأثْناءُ الشَّيْءِ: قُواهُ وطاقاتُهُ، والِاثْنانِ: ضِعْفُ الواحِدِ، والمُؤَنَّثُ ثِنْتانِ، وأصْلُهُ ثَنى، (p-٤١٠)والِاثْنَيْنِ والثُّنى كَإلى: يَوْمٌ في الأُسْبُوعِ، وثَنَيْتُهُ عَنْ وجْهِهِ: رَدَدْتُهُ، فَصارَ لَهُ رُجُوعٌ بَعْدَ ذَهابٍ، وثَنَيْتُ الرَّجُلَيْنِ: صِرْتُ ثانِيَهُما وأنْتَ أحَدُهُما، ولا يُقالُ: ثَنَّيْتُ فُلانًا، ولَكِنْ يُقالُ: صِرْتُ لَهُ ثانِيًا، والمَثانِي: القُرْآنُ أوْ ثَنْيٌ مِنهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أوِ الحَمْدُ، أوِ البَقَرَةُ إلى بَراءَةٍ - هَكَذا عَبَّرَ في القامُوسِ- وفي مُخْتَصَرِ العَيْنِ: ويُقالُ: سُورٌ أوَّلُها البَقَرَةُ وآخِرُها بَراءَةٌ، وذَكَرَ في القامُوسِ في ذَلِكَ أقْوالًا أُخْرى، ومِن أوْتارِ العُودِ [الَّذِي بَعْدَ] الأوَّلِ واحِدُها مُثَنّى، ومَثْنى الأيادِي: إعادَةُ المَعْرُوفِ مَرَّتَيْنِ فَأكْثَرُ، والثَّنِيَّةُ: العَقَبَةُ أوَطَرِيقُها أوِ الجَبَلُ أوِ الطَّرِيقَةُ فِيهِ لِأنَّها بِطُلُوعِها ونُزُولِها أوْ تَعارِيجِها كَأنَّها ثُنِّيَتْ مَرَّتَيْنِ، والثَّنايا مِنَ الأسْنانِ: الأرْبَعُ الَّتِي في مُقَدَّمِ الفَمِ: ثِنْتانِ مِن فَوْقٍ، وثِنْتانِ مِن أسْفَلٍ، والنّاقَةُ الطّاعِنَةُ في السّادِسَةِ، والبَعِيرُ ثَنى، والفَرَسُ الدّاخِلَةُ في الرّابِعَةِ والشّاةُ [فِي الثّالِثَةِ] كالبَقَرَةِ، وكَأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عَرْضٍ (p-٤١١)يُعَرِّضُ لِثَنْيِهِ الحَيَوانَ، والثَّنْيَةَ: النَّخْلَةُ المُسْتَثْناةُ مِنَ المُساوَمَةِ، والثَّنْيَةِ والثَّناءِ، وصْفٌ بِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، أوْ خاصٌّ بِالمَدْحِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُكَرَّرُ، والِثِينَ بِالكَسْرِ: مَن يَسْتَخْرِجُ الدُّرَّ مِنَ البَحْرِ، لِأنَّهُ يُكَرِّرُ الغَوْصَ حَتّى يَجِدَ ويُفارِقَ مَكانَهُ لِذَلِكَ ويُفَرِّقَ الدُّرَّ مِن مَكانِهِ، والِثِينُ أيْضًا: مُثَقَّبُ اللُّؤْلُؤِ، لِأنَّ الثُّقْبَ يُفَرَّقُ بَيْنَ أجْزائِها [و]لِأنَّ المِثْقَبَ نَفْسَهُ يُحَرِّكُ فَيُكْثِرُ مِن حَرَكَتِهِ إذا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ.
ومِن مَهْمُوزَةٍ؛ نَأثَ عَنْهُ: بَعُدَ، والمُنْآثُ بِالضَّمِّ- المُبْعَدُ، والأثِّينَ: الأصِيلُ، لِأنَّهُ ثانٍ لِأصْلِهِ، ومِنَ الرَّخاوَةِ الأُنْثى خِلافُ الذَّكَرِ، والأنِيثُ مِنَ الحَدِيدِ الرَّخْوِ وهو ما لَمْ يَكُنْ ذَكَرًا، والمُؤَنَّثُ: المُخَنَّثُ، والأُنْثَيانِ: الخُصْيَتانِ والأُذُنانِ، [و] أرْضٌ أنِيثَةٌ ومِئْناثٌ: سَهْلَةٌ، وسَيْفٌ مِئْناثٌ: كَهامٍّ أيْ: قَلِيلٌ لا يَقْطَعُ فَقَدْ تَحَرَّرَ أنَّ المادَّةَ كُلَّها دائِرَةٌ عَلى ما لا يَنْبَغِي لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ الكَثْرَةِ [و] الفُرْقَةُ والرَّخاوَةُ، ولِذَلِكَ أتى بِصِيغَةِ الحَصْرِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لَسَلْبِ ما اعْتَقَدُوهُ فِيها مِنَ الإلَهِيَّةِ.
ولَمّا أشارَ لَهم إلى عَدَمِ صَلاحِيَتِها لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ، والغايَةِ الشَّمّاءِ السِّنِّيَّةِ، بِكَثْرَتِها، أشارَ لَهم إلى قُصُورِها أيْضًا بِتَصْوِيرِها فَقالَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ (p-٤١٢)إشارَةً إلى ما يُرى في كُلِّ وقْتٍ مِن تَجَدُّدِ حُدُوثِها: ﴿وتَخْلُقُونَ﴾ أيْ: تُصَوِّرُونَ بِأيْدِيكم ﴿إفْكًا﴾ أيْ: شَيْئًا مَصْرُوفًا عَنْ وجْهِهِ، فَإنَّهُ مَصْنُوعٌ وأنْتُمْ تُسَمُّونَهُ بِاسْمِ الصّانِعِ، ومَرْبُوبٌ وأنْتُمْ تُعِدُّونَهُ رَبًّا، وعَبْدٌ وأنْتُمْ تُقِيمُونَهُ مَعْبُودًا، أوْ تَقُولُونَ في حَقِّها إنَّها آلِهَةٌ كَذِبًا.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُحْتاجًا أبَدًا، فَكانَ لا يَزالُ مُتَوَجِّهًا إلى مَن يَنْفَعُهُ، وكانَ قَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى نَقْصِ مَعْبُوداتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِ عَنْها، صَرَّحَ بِعَجْزِها، وأثْبَتَ اخْتِصاصَهُ بِالخَيْرِ، لِيُنْتِجَ اسْتِحْقاقَهُ لِلْعِبادَةِ دُونَها وأكَّدَهُ رَدًّا لِما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِن نَفْعِها وضُرِّها فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ﴾ ضَلالًا وعُدُولًا عَنِ الحَقِّ الواضِحِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ، المُنَزَّهِ عَنْ شَوائِبِ الِاخْتِلالِ [الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَمْلَأ جَمِيعَ ما تَحْتَ رُتْبَتِهِ شَيْءٌ فَكَيْفَ بِرُتْبَتِهِ الشَّمّاءِ، وحَضْرَتِهِ العَلْياءِ] ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ تَعْبُدُونَها فَكَيْفَ بِغَيْرِكم ﴿رِزْقًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي لا قِوامَ لَكم بِدُونِهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فابْتَغُوا﴾ وأشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى السَّعْيِ فِيهِ، لِأنَّهُ أجْرى عادَتَهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ في الغالِبِ لا يُؤْتِيهِ إلّا بِكَدٍّ مِنَ المَرْزُوقِ (p-٤١٣)وجُهْدٍ، إمّا في العِبادَةِ والتَّوَكُّلِ، وإمّا في السَّعْيِ الظّاهِرِ في تَحْصِيلِهِ بِأسْبابِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ «والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ» .
ولَمّا أشارَ إلى ذَلِكَ، أشارَ إلى الإجْمالِ في الطَّلَبِ، وأنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ لا مَحالَةَ في السَّبَبِ، وإنَّما الأمْرُ مَعَ ذَلِكَ بِيَدِهِ، إنْ شاءَ أنْجَحَ وإنْ شاءَ خَيَّبَ، بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ ﴿الرِّزْقَ﴾ أيْ: كُلُّهُ، فَإنَّهُ لا شَيْءَ مِنهُ إلّا وهو بِيَدِهِ، وقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَوْجُودٍ، فَإنَّ الكُلَّ خُلِقَ لِذَلِكَ، فَأُحْكِمَتْ صَنْعَتُهُ ورُبِطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَوْ نَقَصَ مِنهُ شَيْءٌ لاخْتَلَّ النِّظامُ، فَتُبْطَلُ الأحْكامُ ﴿واعْبُدُوهُ﴾ أيْ: عِبادَةً يَقْبَلُها، وهي ما كانَ خالِصًا عَنِ الشِّرْكِ، فَإنَّ مَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ ويُثِيبُ العابِدَ لَهُ، ويُعاقِبُ الزّاهِدَ فِيهِ، فَلا يَشْغَلُكُمُ ابْتِغاءَ الرِّزْقِ بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ عَنْ عِبادَتِهِ، فَإنَّها هي الأسْبابُ الحَقِيقِيَّةُ، فَرُبَّما حُرِمَ العَبْدُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ﴿واشْكُرُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا الشُّكْرَ ﴿لَهُ﴾ خاصَّةً عَلى ما أفاضَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: مَعْنى في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِأنَّهُ لا حُكْمَ في الحَقِيقَةِ لِأحَدٍ سِواهُ، وحِسًّا بِالنَّشْرِ والحَشْرِ بَعْدَ المَوْتِ بِأيْسَرِ أمْرٍ فَيُثِيبُ الطّائِعَ ويُعَذِّبُ العاصِيَ في الدّارَيْنِ.
العنكبوت 29:18
(p-٤١٤)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ تُصَدِّقُوا فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ والَّذِي دَلَّنا عَلى هَذا المَحْذُوفِ هَذِهِ الواوُ العاطِفَةُ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ مَعْرُوفٍ ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: فَيَكْفِيكم في الوَعْظِ والتَّهْدِيدِ مَعْرِفَتُكم بِأنَّهُ ﴿كَذَّبَ أُمَمٌ﴾ في الأزْمانِ الكائِنَةِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ كَثِيرَةٌ، كَعادٍ وثَمُودٍ وقَوْمِ نُوحٍ وغَيْرِهِمْ، فَجَرى الأمْرُ فِيهِمْ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ لَمْ يَخْتَلِفْ قَطُّ في نَجاةِ المُطِيعِ لِلرَّسُولِ وهَلاكِ العاصِي لَهُ، ولَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالرَّسُولِ شَيْئًا وما ضَرُّوا بِهِ إلّا أنْفُسَهم ﴿وما عَلى الرَّسُولِ﴾ أنْ يَقْهَرَكم عَلى التَّصْدِيقِ، بَلْ ما عَلَيْهِ ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ المُوَضِّحُ مَعَ - ظُهُورِهِ في نَفْسِهِ - لِلْأمْرِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ شَكٌّ، بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ وإقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.
العنكبوت 29:19
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَوْا إلى مَصارِعِهِمْ؟ واتِّساقِ الحالِ في أمْرِهِمْ؟ فَيَكْفِيكم ذَلِكَ زاجِرًا، عَطَفَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ مُنْكِرًا قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ بِالخِطابِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ و[فِي] رِوايَةٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ جَرْيًا عَلى النَّسَقِ السّابِقِ، وبِالغَيْبِ لِلْباقِينَ، إعْراضًا لِلْإيذانِ بِالغَضَبِ ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿الخَلْقَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُ إبْداءَهُ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وهو بِالضَّمِّ مِن أبْدَأ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ مَن بَدَأ، وهُما مَعًا بِمَعْنى الإنْشاءِ مِنَ العَدَمِ؛ (p-٤١٥)قالَ القَزّازُ: أبْدَأتُ الشَّيْءَ أبْدَئُهُ إبْداءً - إذا أنْشَأْتُهُ- واللَّهُ المُبْدِئُ أيْ: الَّذِي بَدَأ الخَلْقَ، يُقالُ: بَدَأهم وأبْدَأهم، وفي القامُوسِ: بَدَأ اللَّهُ الخَلْقَ: خَلَقَهم كَأبْدَأ. ورُؤْيَتُهم لِلْإبْداءِ مَوْجُودَةٌ في الحَيَوانِ لِلْإبْداءِ والإعادَةِ في النَّباتِ، ولا فَرْقَ في الإعادَةِ بَيْنَ شَيْءٍ وشَيْءٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يُجَدِّدُ إعادَتَهُ في كُلِّ لَمْحَةٍ مَعْطُوفًا عَلى ﴿يُبْدِئُ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ مُشاهَدَةَ حالِ الِابْتِداءِ جُعِلَتْ مُشاهَدَةً لِحالِ الإعادَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا فَرْقَ، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَكَلُّفِ عَطْفِهِ عَلى الجُمْلَةِ مِن أوَّلِها، ثُمَّ حَقَّرَ أمْرَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، فَقالَ ذاكِرًا نَتِيجَةَ الأمْرِ السّابِقِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: الإبْداءُ والإعادَةُ، وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِأنَّهُ الجامِعُ لِكُلِّ كَمالٍ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ.
العنكبوت 29:20
ولَمّا ساقَ العِزِيزُ الجَلِيلُ هَذا الدَّلِيلَ، عَمّا حاجَّ بِهِ قَوْمَهُ الخَلِيلُ، انْتُهِزَتِ الفُرْصَةُ في إرْشادِ نَبِيِّهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْقُدْرَةِ عَلى المَعادِ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ مَعْبُوداتِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِإبْطالِ كُلِّ (p-٤١٦)ما شاكَلَها، فَحَصَلَ الِاسْتِعْدادُ لِلتَّصْرِيحِ بِأمْرِ المَعادِ، فَصَرَّحَ بِهِ، كانَ ذَلِكَ فَخْرًا عَظِيمًا، ومُفَصَّلًا بَيِّنًا جَسِيمًا، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى قُرَيْشٍ وسائِرِ العَرَبِ، فانْتُهِزَتْ فُرْصَتُهُ واقْتُحِمَتْ لُجَّتُهُ، كَما هي عادَةُ البُلَغاءِ، ودَأْبُ الفُصَحاءِ الحُكَماءِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما سِيقَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعْظًا لِقَوْمِهِ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ: ] يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَقَيَّدُوا بِما تَقَلَّدُوا مِن مَذاهِبِ آبائِهِمْ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ عَلى صِحَّتِهِ أصْلًا: قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ لِما ثَبَتَ مِن عَجْزِكم عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَلامُ أبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْتُمْ مُصَرِّحُونَ بِتَقْلِيدِ الآباءِ غَيْرِ مُتَحاشِينَ مِن مَعَرَّتِهِ ولا أبَ لَكم أعْظَمُ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإذا قَلَّدْتُمْ مَن لا يُفارِقُهُ في عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ أصْلًا فَقَلِّدُوا أباكُمُ الأعْظَمَ في عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ أباكم، ولَمّا أقامَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي لا مِراءَ فِيها قالَ: أوْ ﴿سِيرُوا﴾ إنْ لَمْ تَقْتَدُوا بِأبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَتَأمَّلُوا ما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ القاطِعِ والبُرْهانِ السّاطِعِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ إنْ لَمْ يَكْفِكُمُ النَّظَرُ في أحْوالِ بِلادِكم.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي تَجِبُ المُبادَرَةُ إلى تَفْرِيغِ الفِكْرِ وتَوْجِيهِ كُلِّ الذِّهْنِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْها، عَبَّرَ بِالفاءِ المُعَقِّبَةِ فَقالَ: (p-٤١٧)﴿فانْظُرُوا﴾ أيْ: نَظَرَ اعْتِبارٍ ﴿كَيْفَ بَدَأ﴾ أيْ: رَبُّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم ورَزَقَكم ﴿الخَلْقَ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتِ مِنَ الزُّرُوعِ والأشْجارِ، وغَيْرِها مِمّا تَضَمَّنَتْهُ الجِبالُ والسُّهُولُ والأوْعارُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ فِيما هو أعَمُّ مِنَ الحَيَوانِ، فَتَقْرِيرُهم عَلى الإعادَةِ فِيهِ حَسَنٌ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ بَيانَ الإعادَةِ الَّتِي هي مِن أجَلِّ مَقاصِدِ السُّورَةِ، لِإظْهارِ ما مَضى أوَّلُها مِنَ العَدْلِ يَوْمَ الفَصْلِ، وكانُوا بِها مُكَذِّبِينَ، بَيْنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِها بِإبْرازِ الِاسْمِ الأعْظَمِ بَعْدَ تَكْرِيرِهِ في هَذا السِّياقِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأضْمَرَهُ في سِياقِ البُداءَةِ لِإقْرارِهِمْ لَهُ بِها، إشارَةً إلى أنَّهُ باطِنٌ في هَذِهِ الدّارِ، ظاهِرٌ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ في تِلْكَ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ أيْ: الحائِزُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، المُتَرَدِّي بِالجَلالِ، فاخْشَوْا سَطْوَتَهُ، واتَّقُوا عُقُوبَتَهُ ونِقْمَتَهُ﴿يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ بَعْدَ النَّشْأةِ الأوْلى، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَنْبِيهًا بَعْدَ التَّيَمُّنِ بِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ وعَلى أنَّهُ في كُلِّ أفْعالِهِ لاسِيَّما هَذا مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، ولا مَشْرُوطٍ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ الأشْياءِ كُلِّها إلَيْهِ واحِدَةٌ.
العنكبوت 29:21
(p-٤١٨)ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ، أنْتَجَ لا مَحالَةَ قَوْلَهُ: مُهَدِّدًا بَعْدَ البَيانِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ إلّا العِنادُ: ﴿يُعَذِّبُ﴾ بِعَدْلِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِنكم ومِن غَيْرِكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها عَلى الحِمايَةِ مِنهُ ﴿ويَرْحَمُ﴾ بِفَضْلِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَمَسَّهُ بِسُوءٍ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تُقْلَبُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ مَوْتِكم بِأيْسَرِ سَعْيٍ.
العنكبوت 29:22
ولَمّا لَمْ يَبْقَ لِلْقُدْرَةِ عَلى إعادَتِهِمْ مانِعٌ يَدَّعِي إلّا مُمانَعَتُهم مِنها، أبْطَلَها عَلى تَقْدِيرِ ادِّعائِهِمْ لَها فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ﴾ أيْ: أجْمَعُونَ العَرَبُ وغَيْرُهم ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِواقِعٍ إعْجازُهم في بَعْثِكم وتَعْذِيبِكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ كَيْفَما تَقَلَّبْتُمْ في ظاهِرِها وباطِنِها.
ولَمّا كانَ الكَلامُ هُنا لَهُ أتَمُّ نَظَرٍ إلى ما بَعْدَ البَعْثِ، وكانَتِ الأحْوالُ هُناكَ خارِجَةً عَمّا يَسْتَقِلُّ بِهِ العَقْلُ، وكانَ أثَرُ القُدْرَةِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وأهَمَّ وأشْمَلَ، وكانَ بَعْضُ الأرْواحِ يَكُونُ في السَّماءِ بَعْدَ المَوْتِ قالَ: ﴿ولا في السَّماءِ﴾ [أيْ: ] لَوْ فُرِضَ أنَّكم وصَلْتُمْ إلَيْها بَعْدَ المَوْتِ بِالحَشْرِ أوْ قَبْلَهُ، لَأنَّ الكُلَّ بَعْضُ مُلْكِهِ، فَكَيْفَ يُعْجِزُهُ مَن في مُلْكِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ نَظَرٌ إلى قِصَّةِ نَمْرُودَ في بِنائِهِ الصَّرْحَ الَّذِي أرادَ بِهِ التَّوَصُّلَ إلى السَّماءِ لاسِيَّما والآياتُ مُكْتَنِفَةٌ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَبْلِها ومِن بَعْدِها.
(p-٤١٩)ولَمّا أخْبَرَهم أنَّهم مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ، وكانَ رُبَّما بَقِيَ احْتِمالٌ أنَّ غَيْرَهم يَنْصُرُهم، صَرَّحَ بِنَفْيِهِ فَقالَ: ﴿وما لَكُمْ﴾ أيْ: أجْمَعِينَ أنْتُمْ وغَيْرُكم أيُّها المَحْشُورُونَ، وأشارَ إلى سُفُولِ رُتْبَةِ كُلِّ مَن سِواهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ عَظِيمٍ؛ [وأكَّدَ النَّفْيَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ] ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَحْمِيكم لِأجْلِ القَرابَةِ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ لِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ.
العنكبوت 29:23
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم نَعِيمٌ مُقِيمٌ، وكانَ قَدْ أمَرَهم بِالِاسْتِدْلالِ، وهَدَّدَهم لِيَرْجِعُوا عَنِ الضَّلالِ، بِما أبْقى لِلرِّجالِ بَعْضَ المِحالِ، أتْبَعَهُ ما قَطَعَهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما أظْهَرَتْهُ لَهم أنْوارُ العُقُولِ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: دَلائِلِ المَلِكِ الأعْظَمِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ الَّتِي لا أوْضَحُ مِنها ﴿ولِقائِهِ﴾ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِما لا أجْلى مِنهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ البَعِيدُو الفَهْمِ المَحْطُوطُونَ عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِ، بَلْ رُتْبَةِ مُطْلَقِ الحَيَوانِ ﴿يَئِسُوا﴾ أيْ: تَحَقَّقَ يَأْسُهم مِنَ الآنِ، بَلْ مِنَ الأزَلِ، لِأنَّهم لَمْ يَرْجُوا (p-٤٢٠)لِقاءَ اللَّهِ يَوْمًا؛ ولا قالَ أحَدٌ مِنهم: «رَبّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتَيْ يَوْمِ الدِّينِ» .
ولَمّا كانَ أكْثَرُهم مُتَعَنِّتًا، بَيَّنَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا الكَلامِ، العالِي عَنْ مُتَناوِلِ الأنامِ، هو اللَّهُ المُنَوِّهُ بِاسْمِهِ في هَذا النِّظامِ، بِالِالتِفاتِ إلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ، تَنْبِيهًا لِمَفاتِ السّامِعِينَ بِما مَلَأ الصُّدُورَ وقَصَمَ الظُّهُورَ فَقالَ: ﴿مِن رَحْمَتِي﴾ أيْ: مِن أنْ أفْعَلَ بِهِمْ مِنَ الإكْرامِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ وغَيْرِها فِعْلَ الرّاحِمِ؛ وكَرَّرَ الإشارَةَ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ لَيْسَ بَعْدَ بُعْدِهِمْ بُعْدٌ، وتَهَكَّمَ بِهِمْ في التَّعْبِيرِ بِلامِ المِلْكِ الَّتِي يَغْلِبُ اسْتِعْمالُهُما في المَحْبُوبِ فَقالَ: ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ بالِغٌ إيلامُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
العنكبوت 29:24
ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ الِاعْتِراضِيَّةَ بِما ابْتَدَأها بِهِ وبِما خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها مِن كَلامِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وزادَ هَذا ما تَرى مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، شَرَعَ في إكْمالِ قِصَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دالًّا عَلى أنَّهُ لا أحَدَ يُعْجِزُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ أحَدٍ مِن عَذابِهِ الألِيمِ، مُشِيرًا إلى أنَّهم سَبَّبُوا عَنْ قَوْلِهِ ضِدَّ ما يَقْتَضِيهِ إيذانًا بِالعِنادِ، والإصْرارِ عَلى سُوءِ الِاعْتِقادِ، فَقالَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ يُرْجى قَبُولُهم (p-٤٢١)لِنُصْحِهِ عِلْمًا مِنهم بِوُفُورِ شَفَقَتِهِ وعِظَمِ أمانَتِهِ ونَصِيحَتِهِ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ بِأعْظَمِ فَظاظَةٍ ﴿اقْتُلُوهُ﴾ أيْ: بِالسَّيْفِ ﴿أوْ حَرِّقُوهُ﴾ أيْ: بِالنّارِ.
ولَمّا اسْتَقَرَّ رَأْيُ الجَمِيعِ عَلى هَذا الثّانِي، ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ نَصِيرٌ، أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ ناسِقًا لَهُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: [فَأبى المُعَظِّمُ القَتْلَ لِأنَّهُ عَذابٌ مَأْلُوفٌ لِمَن يَسْتَحِقُّهُ مِنَ المُجْرِمِينَ، وهو قَدْ عَمِلَ عَمْلَةً مُفْرَدَةً في الدَّهْرِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ العَذابَ عَلَيْها بِعَذابٍ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ وهو الإحْراقُ عَلى هَيْئَةٍ غَرِيبَةٍ، فَرَجَعُوا عَنِ القَتْلِ واسْتَقَرَّ رَأْيُهم عَلى الإحْراقِ] فَجَمَعُوا لَهُ حَطَبًا إلى أنْ مَلَأ ما بَيْنَ الجِبالِ، وأضْرَمُوا فِيهِ النّارَ حَتّى أحْرَقَتْ ما دَنا مِنها بِعَظِيمِ الِاشْتِعالِ، وقَذَفُوهُ فِيها بِالمَنجَنِيقِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ إنْجاءً وحِيًّا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَدْرِيجٍ ﴿مِنَ النّارِ﴾ أيْ: مِن إحْراقِها وأذاها، ونَفَعَتْهُ بِأنْ أحْرَقَتْ وِثاقَهُ.
ولَمّا اشْتَمَلَتْ قِصَّتُهُ بِهَذا السِّياقِ عَلى دَلائِلَ واضِحاتٍ، وأُمُورٍ مُعْجِزاتٍ، عَظَّمَ أمْرَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِمَزِيدِ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِها، وتَنْزِيلًا في تَوَقُّفِهِمْ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ الآياتُ الظّاهِرَةُ مِنَ الإيمانِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لَها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذَكَرَ مِن أمْرِهِ وما خُلِّلَتْ بِهِ قِصَّتُهُ مِنَ الحِكَمِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: بَراهِينَ قاطِعَةً في الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ أمْرِ اللَّهِ مِن تَصَرُّفِهِ في الأعْيانِ والمَعانِي، لِكَوْنِ النّارِ لَمْ تَحْرِقْهُ وأحْرَقَتْ وِثاقَهُ وكُلَّ ما (p-٤٢٢)مَرَّ عَلَيْها مِن طائِرٍ، ومَعَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ضَرَرِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ ما لِلشَّيْءِ إنَّما هو في الحَقِيقَةِ ما يَنْفَعُهُ، وكانَ قَدْ حَجَبَها سُبْحانَهُ بِالشَّهَواتِ والحُظُوظِ الشّاغِلَةِ عَنِ اسْتِعْمالِ نُورِ العَقْلِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُقْبِلُونَ عَلى اسْتِعْمالِ نُورِ العَقْلِ الَّذِي وهَبَهُمُوهُ اللَّهُ فَيُصَدِّقُونَ بِالغَيْبِ حَتّى صارَ الإيمانُ -بِكَثْرَةٍ ما صَقَلُوا مُرائِيَ قُلُوبِهِمْ بِالنَّظَرِ في أسْبابِهِ - لَهم خَلْقًا بِحَيْثُ إنَّهم في كُلِّ لَحْظَةٍ يُجَدِّدُونَ التَّرَقِّيَ في مَراتِبِهِ، والتَّنَقُّلِ في أخْبِيَتِهِ ومَضارِبِهِ.
العنكبوت 29:25
ولَمّا تَقَدَّمَ سَلْبُهُ النَّفْعَ عَنْ هَذِهِ الأوْثانِ، أشارَ هُنا إلى نَفْعٍ يَعْقُبُ مِنَ الضُّرِّ ما لا نِسْبَةَ لَهُ مِنهُ، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ بِنَفْعٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرَ هائِبٍ لِتَهْدِيدِهِمْ بِقَتْلٍ ولا غَيْرِهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما أشارَ إلَيْهِ مِمّا يُنْكِرُونَهُ مِن ضَعْفِ شُرَكائِهِمْ وعَجْزِها: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ أيْ: أخَذْتُمْ بِاصْطِناعٍ وتَكَلُّفٍ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ الخالِقِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ، ولا كُلْفَةَ - في اعْتِقادِ كَوْنِهِ رَبًّا - بِاحْتِياجٍ إلى مُقَدِّمَةِ جَعْلٍ وصَنْعَةٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ: ﴿أوْثانًا﴾ إشارَةً إلى تَكَثُّرِها الَّذِي هو مُنافٍ (p-٤٢٣)لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ وأشارَ إلى ذَلِكَ النَّفْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوَدَّةَ﴾ أيْ: لِأجْلِ مَوَدَّةٍ عِنْدَ مَن نَصَبَ سَواءٌ تَرْكَ التَّنْوِينَ وهم حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ أوْ نَوَّنَ وهُمُ الباقُونَ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ مَن خَفَضَهُ عَلى الِاتِّساعِ ورَفَعَ ”مَوَدَّةَ“ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ كانَ المَعْنى: هي مَوَدَّةُ البَيْنِ الجامِعِ لَكم بِمَعْنى مَوَدَّتِكم عَلى وجْهٍ أبْلَغَ، لِأنَّ المَوَدَّةَ إذا كانَتْ لِبَيْنٍ جامِعِ النّاسِ كانَتْ لِأُولَئِكَ النّاسِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ومَن خَفَضَهُ ونَصَبَها وهم حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ فالمَعْنى: لِأجْلِ المَوَدَّةِ، ومَن نَصَبَها ونَوَّنَ وهم نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشُعْبَةُ فالبَيْنُ عِنْدَهُ ظَرْفٌ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَها والتَّواصُلِ في أمْرِها بِالتَّناصُرِ والتَّعاضُدِ كَما يَتَّفِقُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ تَصادُقِهِمْ، وهَذا دالٌّ عَلى أنَّ جَمْعَ الفُسُوقِ لِأهْلِ الدُّنْيا هو العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ، وأنَّ الحُبَّ في اللَّهِ والِاجْتِماعَ لَهُ عَزِيزٌ جِدًّا، لِما فِيهِ مِن قَطْعِ عَلائِقِ الدُّنْيا وشَهَواتِها الَّتِي زُيِّنَتْ لِلنّاسِ، بِما فِيها مِنَ الإلْباسِ، وعَظِيمِ البَأْسِ.
ولَمّا أشارَ إلى هَذا النَّفْعِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ ضُرٌّ، ذَكَرَ ما يُعْقِبُهُ مِنَ الضُّرِّ البالِغِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى عَظِيمِ ذَلِكَ اليَوْمِ، (p-٤٢٤)وإلى أنَّهُ جَعَلَ لَهم في الحَياةِ أمَدًا يُمْكِنُهم فِيهِ السَّعْيُ لِلتَّوَقِّي مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ساقَهُ مَساقَ ما لا نِزاعَ فِيهِ لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُنْكِرُ كُلٌّ مِنهم مَحاسِنَ أخِيهِ، ويَتَبَرَّأُ مِنهُ بِلَعْنِ الأتْباعِ القادَةِ، ولَعْنِ القادَةِ الأتْباعِ، وتُنْكِرُونَ كُلُّكم عِبادَةَ الأوْثانِ تارَةً إذا تَحَقَّقْتُمْ أنَّها لا ضُرَّ ولا نَفْعَ لَها، وتُقِرُّونَ بِها أُخْرى طالِبِينَ نُصْرَتَها راجِينَ مَنفَعَتَها، وتُنْكِرُ الأوْثانُ عِبادَتَكم وتَجْحَدُ مَنفَعَتَكم ﴿ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ عَلى ما ذَكَرَ ﴿ومَأْواكُمُ﴾ جَمِيعًا أنْتُمْ والأوْثانُ ﴿النّارُ﴾ لِتَزِيدَ في عَذابِكم ويَزْدادَ بُغْضُكم لَها ﴿وما لَكُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن ناصِرِينَ﴾ أصْلًا يَحْمُونَكم مِنها، ويَدْخُلُ في هَذا كُلُّ مَن وافَقَ أصْحابَهُ مِن أهْلِ المَعاصِي أوِ البِطالَةِ عَلى الرَّذائِلِ لِيَعُدُّوهُ حَسَنَ العِشْرَةِ مُهَذَّبَ الأخْلاقِ لِطَيْفَ الذّاتِ، أوْ خَوْفًا مِن أنْ يَصِفُوهُ بِكَثافَةِ الطَّبْعِ وسُوءِ الصُّحْبَةِ، ولَقَدْ عَمَّ هَذا لِعَمْرِي أهْلَ الزَّمانِ لِيُوصَفُوا بِمُوافاةِ [الإخْوانِ ومُصافاةِ] الخِلّانِ، مُعْرِضِينَ عَنْ رِضى المَلِكِ الدَّيّانِ.
العنكبوت 29:26
ولَمّا كانَ في سِياقِ الِابْتِلاءِ، وذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ مَن طالَ ابْتِلاؤُهُ، (p-٤٢٥)بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم مِن أُمَمِهِمْ تابِعٌ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَلّى كِفايَتَهم فَلَمْ يَقْدِرْ واحِدٌ عَلى إهْلاكِهِمْ، وأهْلَكَ أعْداءَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن ناصِرِينَ فَقالَ: ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ أيْ: لِأجْلِ دُعائِهِ لَهُ مَعَ ما رَأى مِنَ الآياتِ ﴿لُوطٌ﴾ أيْ: ابْنُ أخِيهِ هارانَ وحْدَهُ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَهُ مِنَ الرِّجالِ ﴿وقالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مُؤَكِّدًا لِما هو جَدِيرٌ بِالإنْكارِ مِنَ الهِجْرَةِ لِصُعُوبَتِها: ﴿إنِّي مُهاجِرٌ﴾ أيْ: خارِجٌ مِن أرْضِي وعَشِيرَتِي عَلى وجْهِ الهَجْرِ لَهم فَمُنْتَقِلٌ ومُنْحازٌ ﴿إلى رَبِّي﴾ أيْ: إلى أرْضٍ لَيْسَ بِها أنِيسٌ ولا عَشِيرٌ، ولا مَن تُرْجى نُصْرَتُهُ، ولا مَن تَنْفَعُ مَوَدَّتُهُ، فَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ الرِّضى بِاللَّهِ وحْدَهُ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ دُونَ ما سِواهُ، فَهاجَرَ مِن كُوثى مِن سَوادِ الكُوفَةِ إلى حَرّانَ ثُمَّ مِنها إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَكانَتْ لَهُ هِجْرَتانِ، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ، قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يُسَلِّيهِ عَنْ فِراقِ أرْضِهِ وأهْلِ وُدِّهِ مِن ذَوِي رَحِمِهِ وأنْسابِهِ وأُولِي قُرْبِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَسْكِينًا لِمَن عَساهُ يَتْبَعُهُ وتَهْوِينًا عَلَيْهِ لِفِراقِ ما ألِفَتِ النُّفُوسُ مِن أنَّهُ (p-٤٢٦)لا عِزَّ إلّا بِهِ مِنَ العَشائِرِ والأمْوالِ والمَعارِفِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ أيْ: فَهو جَدِيرٌ بِإعْزازِ مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَهو إذا أعَزَّ أحَدًا مَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ بِإذْلالٍ، بِفِعْلٍ أوْ مَقالٍ، كَما صَنَعَ بِي حِينَ أرادَ إذْلالِي مَن كانَ جَدِيرًا بِإعْزازِي مِن عَشِيرَتِي وأهْلِ قُرْبِي، وبالَغَ في أذايَ: مِمَّنْ كانَ حَقِيقًا بِنَفْعِي مِن ذَوِي رَحِمِي وحُبِّي.
العنكبوت 29:27
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأعْزَزْناهُ كَما ظَنَّ بِنا إعْزازًا أحْكَمْناهُ حَتّى اسْتَمَرَّ في عَقِبِهِ إلى القِيامَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: بِجَلِيلِ قُدْرَتِنا شُكْرًا عَلى هِجْرَتِهِ ﴿إسْحاقَ﴾ مِن زَوْجَتِهِ سارَّةَ عَلَيْها السَّلامُ الَّتِي جَمَعَتْ إلى العُقْمِ في شَبابِها اليَأْسَ بِكِبَرِها، وعَطْفُهُ لِهِبَتِهِ لَهُ بِالواوِ دَلِيلٌ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الصّافّاتِ مِن أنَّ الذَّبِيحَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَعْقِيبِهِ لِلْهِبَةِ هُناكَ عَلى الهِجْرَةِ بِالفاءِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ مِن ولَدِهِ إسْحاقَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ في هَذِهِ السُّورَةِ لِلِامْتِحانِ، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ ابْتُلِيَ في إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِراقِهِ مَعَ أُمِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ووَضَعَهُما في قَضِيعَةٍ مِنَ الأرْضِ لا أنِيسَ بِها، لَمْ يَذْكُرْهُ تَصْرِيحًا في سِياقِ الِامْتِنانِ، وأفْرَدَ إسْحاقَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ فِيهِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولِأنَّ المِنَّةَ بِهِ - لِكَوْنِ أُمِّهِ عَجُوزًا وعَقِيمًا - أكْبَرُ وأعْظَمُ لِأنَّها أعْجَبُ، وذَكَرَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-٤٢٧)والسَّلامُ تَلْوِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: بِعِزَّتِنا وحِكْمَتِنا ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾ مِن ولَدِ إسْحاقَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿النُّبُوَّةَ﴾ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ أجْنَبِيٌّ عَنْهُ، ومَتى صَحَّتْ هَذِهِ المُناسَبَةُ لَزِمَ قَطْعًا أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ أعْرى ذِكْرَ هَذِهِ السُّورَةِ مِنهُ، ويَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا بَشَّرْناهُ بِما يُسَرُّ [بِهِ] مِن إسْحاقَ بَعْدَ أنْ أمَرْناهُ بِما يَضُرُّ مِن إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَصَبَرَ في مِحْنَةِ الضَّرّاءِ، وشَكَرَ في مِحْنَةِ السَّرّاءِ.
﴿والكِتابَ﴾ فَلَمْ يُنَزَّلْ كِتابٌ إلّا عَلى أوْلادِهِ، وأفْرَدَ لِيَدُلَّ - مَعَ تَناوُلِهِ بِالجِنْسِيَّةِ الكُتُبَ الأرْبَعَةَ - عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُكْتَبَ إلّا ما أُنْزِلَ فِيها، أوْ كانَ راجِعًا إلَيْهِ، ولَوْ جَمَعَ لَمْ يُفِدْ هَذا المَعْنى ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ﴾ عَلى هِجْرَتِهِ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِما خَصَصْناهُ بِهِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُنا مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، ورَغَدِ العَيْشِ، وكَثْرَةِ الخَدَمِ، والوَلَدِ في الشَّيْخُوخَةِ، وكَثْرَةِ النَّسْلِ، والثَّناءِ الحَسَنِ، والمَحَبَّةِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الكافِرُ يَعْتَقِدُ - لِإنْكارِهِ البَعْثَ - أنَّهُ نَكَّدَ حَياتَهُ بِالهِجْرَةِ نَكَدًا لا تَدارُكَ لَهُ، اقْتَضى الحالُ التَّأْكِيدَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ أيْ: الَّتِي هي الدّارُ ومَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ خَصَصْناهم بِالسَّعادَةِ وجَعَلْنا لَهُمُ الحُسْنى وزِيادَةً.
العنكبوت 29:28
ولَمّا كانَ - كَما مَضى - السِّياقُ لِلِابْتِلاءِ، خَصَّ بِالبَسْطِ في القَصِّ (p-٤٢٨)مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ ناصِرٌ مِن قَوْمِهِ، أوْ كانَ غَرِيبًا مِنها، ولِذَلِكَ أتْبَعَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنَ أخِيهِ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ سَدُومَ: ناسٍ لا قَرابَةَ لَهُ فِيهِمْ ولا عَشِيرَةَ، فَقالَ: ﴿ولُوطًا﴾ أيْ: أرْسَلْناهُ، وأشارَ إلى إسْراعِهِ في الِامْتِثالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾ أيْ: وأرْسَلْناهُ حِينَ ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أهْلِ سَدُومَ الَّذِينَ سَكَنَ فِيهِمْ وصاهَرَهم وانْقَطَعَ إلَيْهِمْ فَصارُوا قَوْمَهُ، حِينَ فارَقَ عَمَّهُ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، مُنْكِرًا ما رَأى مِن حالِهِمْ، وقَبِيحِ فِعالِهِمْ، مُؤَكِّدًا لَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ يَرَوْنَهُ مِن أعْرَفِ المَعارِفِ - جَدِيرٌ بِأنْ يُنْكِرَ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [أيْ: ] المُجاوَزَةَ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، فَكَأنَّها لِذَلِكَ لا فاحِشَةَ غَيْرُها، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَها فاحِشَةً اسْتِئْنافًا بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكُمْ﴾ أوْ هي حالٌ مُبَيَّنَةٌ لِعَظِيمِ جُرْأتِهِمْ عَلى المُنْكَرِ، أيْ: غَيْرَ مَسْبُوقِينَ ﴿بِها﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أحَدٍ﴾ وزادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ فَضْلًا عَنْ خُصُوصِ النّاسِ.
العنكبوت 29:29
ثُمَّ كَرَّرَ الإنْكارَ تَأْكِيدًا لِتَجاوُزِ قُبْحِها الَّذِي يُنْكِرُونَهُ فَقالَ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ إتْيانَ الشَّهْوَةِ، وعَطَفَ عَلَيْها ما ضَمُّوهُ إلَيْها مِنَ المَناكِرِ، بَيانًا لِاسْتِحْقاقِ الذَّمِّ مِن وُجُوهٍ، فَأوْجَبَ حالُهم ظَنَّ أنَّهم وصَلُوا مِنَ الخُبْثِ إلى حَدٍّ لا مَطْمَعَ في الرُّجُوعِ عَنْهُ مَعَ (p-٤٢٩)مُلازَمَتِهِ لِدُعائِهِمْ مِن غَيْرِ مَلَلٍ ولا ضَجَرٍ، فَقالَ: ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أيْ: بِأذى الجَلّابِينَ والمارَّةِ.
ولَمّا خَصَّ هَذَيْنِ الفَسادَيْنِ، عَمَّ دالًّا عَلى المُجاهَرَةِ فَقالَ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: المَكانِ الَّذِي تَجْلِسُونَ فِيهِ لِلتَّحَدُّثِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ بَعْضُكم نِداءَ بَعْضٍ مِن مَجْلِسِ المُؤانَسَةِ، وهو نادٍ ما دامَ القَوْمُ فِيهِ، فَإذا قامُوا عَنْهُ لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ ﴿المُنْكَرَ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسَ، وهو ما تُنْكِرُهُ الشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ والعُقُولُ، ولا تَتَحاشَوْنَ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ في المُجْتَمَعِ الَّذِي يَتَحاشى فِيهِ الإنْسانُ مِن فِعْلِ خِلافِ الأوْلى، مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَحِيَ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ؛ ودَلَّ عَلى عِنادِهِمْ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ هَذِهِ النَّصائِحِ بِالنَّهْيِ عَنْ تِلْكَ الفَضائِحِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ ونَجْدَةٌ بِحَيْثُ يَخْشى شَرَّهم، ويَتَّقِي أذاهم وضُرَّهم، لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ما أنْكَرَ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ عِنادًا وجَهْلًا واسْتِهْزاءً: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ وعَبَّرُوا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ زِيادَةً في الجُرْأةِ، ولَمّا كانَ الإنْكارُ مَلْزُومًا لِلْوَعِيدِ بِأمْرٍ ضارٍّ قالُوا: ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا مُتَمَكِّنًا ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في وعِيدِكَ وإرْسالِكَ، إلْهابًا وتَهْيِيجًا.
العنكبوت 29:30
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أجابَهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: لُوطٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْرِضًا عَنْهم، مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المُحْسِنِ إلَيْهِ: ﴿رَبِّ﴾
العنكبوت 29:31
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أجابَهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: لُوطٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْرِضًا عَنْهم، مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المُحْسِنِ إلَيْهِ: ﴿رَبِّ﴾
العنكبوت 29:32
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أجابَهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: لُوطٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْرِضًا عَنْهم، مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المُحْسِنِ إلَيْهِ: ﴿رَبِّ﴾
العنكبوت 29:33
(p-٤٣٢)ولَمّا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا إلّا خَبَرُ الرُّسُلِ مَعَ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ فارَقُوهُ ومَضَوْا إلى المَدِينَةِ الَّتِي فِيها لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، مُفْهِمًا بِالعُدُولِ عَنِ الفاءِ إلى الواوِ أنَّ بَيْنَ المَكانَيْنِ بُعْدًا: ﴿ولَمّا﴾ وأثْبَتَ [ما صُورَتُهُ صُورَةُ] الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ لِما اقْتَضاهُ مَقْصُودُ السُّورَةِ، وأكْثَرُ سِياقاتِها بَيْنَ التَّسْلِيكِ في مَقامِ الِامْتِحانِ والِاجْتِهادِ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، [ولِذا ذَكَرَ هُنا في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ القَتْلَ والإحْراقَ، وأُتْبِعَتْ بُشْراهُ بِإهْلاكِ القَرْيَةِ الظّالِمَةِ، ] فَقالَ: ﴿أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أيْ: المُعَظَّمُونَ بِنا ﴿لُوطًا﴾ بَيانًا لِأنَّهُ ﴿سِيءَ﴾ أيْ: حَصَلَتْ لَهُ المَساءَةُ ﴿بِهِمْ﴾ أوَّلَ أوْقاتِ مَجِيئِهِمْ إلَيْهِ وحِينَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ، فاجَأتْهُ المَساءَةُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ لَمّا رَأى مَن حَسُنِ أشْكالِهِمْ، وخافَ مَن تُعَرِّضِ قَوْمِهِ لَهم، وهو يَظُنُّ أنَّهم مِنَ النّاسِ، وذَلِكَ أنَّ [”أنْ“] في مِثْلِ هَذا صِلَةٌ [وإنْ كانَ أصْلُها المَصْدَرَ] لِتُؤَكِّدَ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُرَتَّبًا وُجُودُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما (p-٤٣٣)[فَإنَّهُما وُجِدا] في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، [قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي ما مَعْناهُ أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ أنَّ الزّائِدَ يُؤَكِّدُ مَعْنى ما جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِهِ، ولَمّا تُقَيِّدُ وُقُوعَ الفِعْلِ الثّانِي عَقِيبَ الأوَّلِ وتُرَتِّبُهُ عَلَيْهِ فالحَرْفُ الزّائِدُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ].
﴿وضاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: بِأعْمالِ الحِيلَةِ في الدَّفْعِ عَنْهم ﴿ذَرْعًا﴾ أيْ: ذَرْعَةَ طاقَتِهِمْ كَما بُيِّنَ وأُشْبِعَ القَوْلُ فِيهِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ مَن طالَتْ ذِراعُهُ نالَ ما لا يَنالُهُ قَصِيرُها، فَضُرِبَ مَثَلًا في العَجْزِ والقُدْرَةِ، وذَلِكَ أنَّهم أتَوْهُ في صُورَةِ مُرْدانٍ مِلاحٍ جِدًّا، وقَدْ عَلِمَ أمْرَ أهْلِ القَرْيَةِ في [مِثْلِ] ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقالُوا لَهُ: يا لُوطُ! إنّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَخَفِّضْ عَلَيْكَ مِن هَذا الضِّيقِ الَّذِي نَراهُ بِكَ فَإنّا ما أُرْسِلْنا إلّا لِإهْلاكِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: لَمّا رَأوْا ما لَقِيَ في أمْرِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ﴾ [أيْ: ] مِن أنْ يَصِلُوا إلَيْنا [أوْ] مِن أنْ تَهْلِكَ أنْتَ أوْ أحَدٌ مِن أهْلِ طاعَتِكَ ﴿ولا تَحْزَنْ﴾ أيْ: عَلى أحَدٍ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ فَإنَّهُ لَيْسَ في أحَدٍ مِنهم خَيْرٌ يُؤْسَفُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ مُبالِغِينَ في التَّأْكِيدِ لِلْإغْناءِ بِهِ عَنْ جُمَلٍ طِوالِ، إشارَةً إلى أنَّ الوَقْتَ أرَّقَ فَهو لا يَحْتَمِلُ التَّطْوِيلَ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ أيْ: مُبالِغُونَ في إنْجائِكَ ﴿وأهْلَكَ﴾ أيْ: ومُهْلِكُو أهْلِ [هَذِهِ] القَرْيَةِ، فَلا يَقَعُ ضَمِيرُكَ أنَّهم يَصِلُونَ (p-٤٣٤)إلَيْنا، وقالُوا: ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ تَنْصِيصًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنهم سِواها؛ ثُمَّ دَلُّوا عَلى هَلاكِها بِقَوْلِهِمْ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَها؟ فَقِيلَ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: كَأنَّ [هَذا] الحُكْمَ في أصْلِ خِلْقَتِها.
العنكبوت 29:34
ولَمّا أفْهَمَتِ العِبارَةُ كَما مَضى إهْلاكُهم، صَرَّحُوا بِهِ فَقالُوا مُعَيَّنِينَ لِنَوْعِهِ، مُعَلِّلِينَ لِما أخْبَرُوهُ بِهِ، مُؤَكِّدِينَ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنهُ قَطْعًا لِأنْ يَشْفَعَ فِيهِمْ، جَرْيًا عَلى عادَةِ الأنْبِياءِ في الشَّفَقَةِ عَلى أُمَمِهِمْ: ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ﴾ أيْ: لا مَحالَةَ ﴿عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا﴾ أيْ: عَذابًا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ شَدِيدٌ يَضْطَرِبُ مِنهُ مَن أصابَهُ كائِنًا مَن كانَ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ فَهو عَظِيمٌ وقْعُهُ، شَدِيدٌ صَدْعُهُ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا راسِخًا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: يَخْرُجُونَ في كُلِّ وقْتٍ مِن دائِرَةِ العَقْلِ والحَياءِ.
العنكبوت 29:35
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَفَعَلَتْ رُسُلُنا ما وعَدُوهُ بِهِ مِن إنْجائِهِ وإهْلاكِ جَمِيعِ قُراهم، فَتَرَكْناها، كَأنْ لَمْ يَسْكُنْ بِها أحَدٌ قَطُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى فَضِيلَةِ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ القِصَّةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى إلّا تَفَكُّرُهم في أمْرِهِمْ مَعَ (p-٤٣٥)الِانْخِلاعِ مِنَ الهَوى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ عَلامَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى كُلِّ ما نُرِيدُ ﴿بَيِّنَةً﴾ وهو الماءُ الأسْوَدُ المُنْتِنُ الَّذِي غَمَرَ قُراهم كُلَّها بَعْدَ الخَسْفِ بِها وهو مُبايِنٌ لِجَمِيعِ مِياهِ الأرْضِ لِكَوْنِهِ ماءَ السُّخْطِ لِمَن بايِنُوا بِفِعْلِهِمُ الخَلْقَ مَعَ اشْتِهارِ كَوْنِهِ عَلى الخَسْفِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ حَجَبَ عَنِ الأبْصارِ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَّ [مَن] لَمْ يَسْتَبْصِرْ بِهِ غَيْرَ عاقِلٍ ولا شاعِرٍ بِأنَّها آيَةٌ ولا فِيهِ أهْلِيَّةُ القِيامِ بِما يُرِيدُ.
العنكبوت 29:36
ولَمّا كانَ [السِّياقُ] لِإثْباتِ يَوْمِ الدِّينِ وإهْلاكِ المُفْسِدِينَ، ولِمَن طالَ ابْتِلاؤُهُ مِنَ الصّالِحِينَ ولَمْ يَجِدْ لَهُ ناصِرًا مِن قَوْمِهِ، إمّا لِغُرْبَتِهِ عَنْهم، وإمّا لِقِلَّةِ عَشِيرَتِهِ لِتَسْمِيَتِهِمْ وعَدَمِ أتْباعِهِ، وكانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنِ اسْتَضْعَفَهُ قَوْمُهُ واسْتَقَلُّوا عَشِيرَتَهُ لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهم رَهْطًا، والرَّهْطُ ما دُونَ العَشْرَةِ أوْ مِن سَبْعَةٍ إلى عَشْرَةٍ، وما دُونَ السَّبْعَةِ إلى الثَّلاثَةِ نَفَرٌ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ في هَذا العِدادِ، عَقَّبَ قِصَّةَ لُوطٍ بِقِصَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [فَقالَ: ] ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى (p-٤٣٦)﴿مَدْيَنَ أخاهُمْ﴾ أيْ: مِنَ النَّسَبِ والبَلَدِ ﴿شُعَيْبًا﴾
[ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ، عَبَّرَ بِالفاءِ فَقالَ]: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إرْسالِهِ وتَعَقَّبَهُ أنْ قالَ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْلى وحْدَهُ، ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإنَّ العِبادَةَ الَّتِي فِيها شِرْكٌ عَدَمٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى الشُّرَكاءِ فَهو لا يَقْبَلُ إلّا ما كانَ [لَهُ] خالِصًا.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ السُّورَةِ قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: حُسْنَ الجَزاءِ فِيهِ لِتَفْعَلُوا ما يَلِيقُ بِذَلِكَ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ أيْ: مُتَعَمِّدِينَ الفَسادِ.
العنكبوت 29:37
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا النُّصْحِ وتَعَقَّبَهُ [تَكْذِيبُهم فَتَسَبَّبَ عَنْهُ وتَعَقَّبَهُ] إهْلاكُهم، تَحْقِيقًا لِأنَّ أهْلَ السَّيِّئاتِ لا يَسْبِقُونَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ﴾ أيْ: لِذَلِكَ أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيْ: الصَّيْحَةُ الَّتِي زَلْزَلَتْ بِهِمْ فَأهْلَكَتْهم ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ: مَحالِّهِمُ الَّتِي كانَتْ دائِرَةً بِهِمْ وكانُوا يَدُورُونَ فِيها ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ: واقِعِينَ عَلى صُدُورِهِمْ، لازِمَيْنِ مَكانًا واحِدًا، لا يَقْدِرُونَ عَلى حَرَكَةٍ أصْلًا، لِأنَّهُ لا أرْواحَ لَهم.
العنكبوت 29:38
ولَمّا كانَ مِنَ المَقاصِدِ العَظِيمَةِ الدَّلالَةُ عَلى اتِّباعِ بَعْضِ هَذِهِ الأُمَمِ بَعْضًا في الخَيْرِ والشَّرِّ عَلى نَسَقٍ، والجَرْيُ بِهِمْ في إهْلاكِ المُكَذِّبِينَ (p-٤٣٧)وإنْجاءُ المُصَدِّقِينَ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وكانَ إهْلاكُ عادٍ وثَمُودَ - لِما اشْتَهَرُوا بِهِ مِن قُوَّةِ الأبْدانِ، ومَتانَةِ الأرْكانِ - في غايَةِ الغَرابَةِ، وكانَ مَعْنى خِتامِ قِصَّةِ مَدْيَنَ: فَأهْلَكْناهم، عَطَفَ عَلَيْهِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى قَوْلَهُ: ﴿وعادًا﴾ أيْ: وأهْلَكْنا أيْضًا عادًا ﴿وثَمُودَ﴾ مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ العُتُوِّ، والتَّكَبُّرِ والعُلُوِّ ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ظَهَرَ بِنَفْسِهِ غايَةَ الظُّهُورِ أيُّها العَرَبُ أمْرَهم ﴿مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: ما وصَفَ مِن هَلاكِهِمْ وما كانُوا فِيهِ مِن شِدَّةِ الأجْسامِ، وسَعَةِ الأحْلامِ، وعُلُوِّ الِاهْتِمامِ، وثُقُوبِ الأذْهانِ، وعَظِيمِ الشَّأْنِ، عِنْدَ مُرُورِكم بِتِلْكَ المَساكِنِ، ونَظَرِكم إلَيْها في ضَرْبِكم في التِّجارَةِ إلى الشّامِ، فَصَرَفُوا أفْكارَهم في الإقْبالِ عَلى الِاسْتِمْتاعِ بِالعَرَضِ الفانِي مِن هَذِهِ الدُّنْيا، فَأمَّلُوا بَعِيدًا، وبَنَوْا شَدِيدًا، ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ شَيْئًا مِن أمْرِ اللَّهِ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ﴾ في غايَةِ التَّزْيِينِ ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيِ: البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ، بِقُوَّةِ احْتِيالِهِ، ومَحْبُوبِ ضَلالِهِ ومِحالِهِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: الفاسِدَةَ، فَأقْبَلُوا بِكُلِّيَّتِهِمْ عَلَيْها مَعَ العَدُوِّ المُبِينِ، وأعْرَضُوا عَنِ الهُداةِ النّاصِحِينَ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّزْيِينِ مَنعُهم لِعَماهم عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: مَنَعَهم عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلّا هو، لِكَوْنِهِ يُوصِلُ إلى النَّجاةِ، وغَيْرِهُ يُوصِلُ إلى الهَلاكِ، (p-٤٣٨)فَهُوَ عَدَمٌ بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ لِفَرْطِ غَباوَتِهِمْ قالَ: ﴿وكانُوا﴾ أيْ: فَعَلَ بِهِمُ الشَّيْطانُ ما فَعَلَ مِنَ الإغْواءِ والحالُ أنَّهم كانُوا كَوْنًا هم فِيهِ في غايَةِ التَّمَكُّنِ ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: مَعْدُودِينَ بَيْنَ النّاسِ مِنَ البُصَراءِ العُقَلاءِ جِدًّا لِما فاقُوهم بِهِ مِمّا يَعْلَمُونَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولَمْ يَسْبِقُونا، بَلْ أوْقَعْناهم بِعَمَلِهِمُ السَّيِّئاتِ فِيما أرَدْنا مِن أنْواعِ الهَلَكاتِ، فاحْذَرُوا مِثْلَ مَصارِعِهِمْ فَإنَّكم لا تُشابِهُونَهم في القُوَّةِ، ولا تُقارِبُونَهم في العُقُولِ.
العنكبوت 29:39
ولَمّا كانَ لِفِرْعَوْنَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ العُتُوِّ بِمَكانٍ لا يَخْفى، لِما أتَوْا مِنَ القُوَّةِ بِالأمْوالِ والرِّجالِ قالَ: ﴿وقارُونَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهُ وقَوْمَهُ لِأنَّ وُقُوعَهُ في أسْبابِ الهَلاكِ أعْجَبُ، لِكَوْنِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأنَّهُ ابْتُلِيَ بِالمالِ والعِلْمِ، فَكانَ ذَلِكَ [سَبَبَ إعْجابِهِ، فَتَكَبَّرَ عَلى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَكانَ ذَلِكَ] سَبَبَ هَلاكِهِ ﴿وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ وزِيرِهِ الَّذِي أوْقَدَ لَهُ عَلى الطِّينِ، فَلا هو نَجا ولا كانَ رَأْسًا في الكُفْرِ، بَلْ باعَ سَعادَتَهُ بِكَوْنِهِ ذَنْبًا لِغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَلاكُهم مَعَ رُؤْيَةِ الآياتِ أعْجَبَ، فَكانَ جَدِيرًا بِالإنْكارِ، إشارَةً إلى أنَّ رُؤْيَةَ الآياتِ جَدِيرَةٌ بِأنْ يَلْزَمَ عَنْها الإيمانُ قالَ: (p-٤٣٩)﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: الَّتِي لَمْ تَدَعْ لَبْسًا فَتَسَبَّبُوا عَمّا يَقْتَضِيهِ مِنَ الِاسْتِبْصارِ الِاسْتِكْبارُ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا أكْبَرَ مِن كُلِّ كَبِيرٍ بِأنْ كانَتْ أفْعالُهم أفْعالَ مَن يَطْلُبُ ذَلِكَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ [أكْثَرَ] مِمّا كانُوا قَبْلَهُ.
ولَمّا كانَ مَن يَتَكَبَّرُ - وهو عالِمٌ بِأنَّهُ مَأْخُوذٌ - أشَدَّ لَوْمًا مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ قالَ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذا كُلَّهم، كَوْنًا ما ﴿سابِقِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ ما نُرِيدُهم، بِأنْ يَخْرُجُوا مِن قَبْضَتِنا، بَلْ هم في القَبْضَةِ كَما ذَكَرْنا أوَّلَ السُّورَةِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ.
العنكبوت 29:40
﴿فَكُلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعِصْيانِهِمْ أنَّ كُلًّا مِنهم ﴿أخَذْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِذَنْبِهِ﴾ أخْذَ عُقُوبَةٍ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا أحَدَ يُعْجِزُنا ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ﴾ إرْسالَ عَذابٍ يا لَهُ مِن عَذابٍ! ﴿حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَرْمِي لِقُوَّةِ عَصْفِها وشِدَّةِ قَصْفِها بِالحِجارَةِ كَعادٍ وقَوْمِ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ﴾ أخْذَ هَلاكٍ وغَضَبٍ وعَذابٍ، [وعَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظْمَةِ لِئَلّا يُوهِمَ الإسْنادُ في هَذِهِ إلَيْهِ صَوْتًا لِيُوقِعَ في مُصِيبَةِ التَّشْبِيهِ] ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الَّتِي تُظْهِرُ شِدَّتُها الرِّيحَ الحامِلَةَ لَها المُوافِقَةَ (p-٤٤٠)لِقَصْدِها فَتَرْجُفُ لِعَظْمَتِها الأرْضُ كَمَدْيَنَ وثَمُودَ ﴿ومِنهم مَن﴾ [وأعادَ أُسْلُوبَ العَظَمَةِ الماضِي لِسَلامَتِهِ مِنَ الإيهامِ المَذْكُورِ في الصَّيْحَةِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَتِهِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ فَقالَ: ] ﴿خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ بِأنْ غَيَّبْناهُ فِيها كَقارُونَ وجَماعَتِهِ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ بِالغَمْرِ في الماءِ كَقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، وعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ وصالِحٍ لِلْعَدِّ في الإغْراقِ والعَدِّ في الخَسْفِ، فَتارَةً نُهْلِكُ بِرِيحٍ تَقْذِفُ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ كَقَوْمِ لُوطِ، أوْ مِنَ الأرْضِ كَعادٍ، وأُخْرى بِرِيحٍ تَقْرَعُ بِالصَّرْخَةِ الأسْماعَ فَتُزَلْزِلُ القُلُوبَ والبِقاعَ، ومَرَّةً نُبِيدُ بِالغَمْسِ في الكَثِيفِ وكَرَّةً بِالغَمْرِ في اللَّطِيفِ - فَلِلَّهِ دَرُّ النّاظِرِينَ في هَذِهِ الأوامِرِ النّافِذَةِ- والمُتَفَكِّرِينَ في هَذِهِ الأقْضِيَةِ الماضِيَةِ، لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] - [الآيَةُ].
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما جَرَّ لِأهْلِ التَّعَنُّتِ شَيْئًا مِمّا اعْتادُوهُ في عِنادِهِمْ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ مِنَ الجَلالِ والكَمالِ إلّا هو ولَهُ ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: مُرِيدًا لِيُعامِلَهم مُعامَلَةَ الظّالِمِ الَّذِي يُعاقِبُ مَن لا جُرْمَ لَهُ، أوْ مَن أجْرَمَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ إجْرامِهِ لِيَكُفَّ (p-٤٤١)فَيَسْلَمَ، أوْ يَتَمادى فَيَهْلَكُ لِأنَّهُ لا نَفْعَ يَصِلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن إهْلاكِهِمْ، ولا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِن إبْقائِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ أيْ: [هُمْ] لا غَيْرُهم ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ لا غَيْرُها ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بِارْتِكابِهِمْ ما أخْبَرْناهم غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُغْضِبُنا وأنّا نَأْخُذُ مَن يَفْعَلُهُ، فَلَمْ يَقْبَلُوا النُّصْحَ مَعَ عَجْزِهِمْ، ولا خافُوا العُقُوبَةَ عَلى ضَعْفِهِمْ، وأمّا ما عَبَدُوهُ ورَجَوْا نَصْرَهُ لَهم وأمَّلُوهُ فَأضْعَفَ مِنهم،
العنكبوت 29:41
ولِكَوْنِ شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَغْنِ عَنْ أحَدٍ مِنهم شَيْئًا فَلَمْ تَخْتَلَّ سُنَّةُ اللَّهِ في أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ في قَرْنٍ مِنَ القُرُونِ [ولا عَصْرٍ مِنَ العُصُورِ، ] بَلْ جَرَتْ عَلى أقْوَمِ نِظامٍ، وأتْقَنِ إحْكامٍ، وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى عَلى وجْهِ الِاسْتِنْساجِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ .
ولَمّا كانَ دُعاءُ غَيْرِ اللَّهِ مُخالِفًا لِقَوِيمِ العَقْلِ، وصَرِيحِ النَّقْلِ، وسَلِيمِ الفِطْرَةِ [وصَحِيحِ الفِكْرَةِ] فَكانَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى [تَدَرُّبٍ إلى] الجَلافَةِ، وتَطَبُّعٍ في الكَثافَةِ، قالَ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ: اتَكَلُّوا أنْ أخَذُوا.
ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ تَحْتَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ لا تُحْصى، وكُلُّ الرُّتَبِ دُونَ رُتْبَتِهِ، قالَ [مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ بِالجارِّ]: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، فَرَضُوا بِالدُّونِ، عِوَضًا عَمَّنْ لا تَكْفِيهِ الأوْهامُ والظُّنُونُ ﴿أوْلِياءَ﴾ (p-٤٤٢)يَنْصُرُونَهم بِزَعْمِهِمْ مِن مَعْبُوداتٍ وغَيْرِها، في الضَّعْفِ والوَهْيِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ الدّابَّةِ المَعْرُوفَةِ ذاتِ الأرْجُلِ الكَثِيرَةِ الطِّوالِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ذِكْرَ وجْهِ الشَّبَهِ وعَبَّرَ عَنْها بِالتَّأْنِيثِ وإنْ كانَتْ تُقالُ بِالتَّذْكِيرِ تَعْظِيمًا لِضَعْفِها، لِأنَّ المَقامَ لِضَعْفِ ما تَبْنِيهِ فَقالَ: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: تَكَلَّفَتْ أخْذَهُ في صَنْعَتِها لَهُ لِيَقِيَها الرَّدى، ويَحْمِيَها البِلا، كَما تَكَلَّفَ هَؤُلاءِ اصْطِناعَ أرْبابِهِمْ لِيَنْفَعُوهم، ويَحْفَظُوهم بِزَعْمِهِمْ ويَرْفَعُوهم، فَكانَ ذَلِكَ البَيْتُ مَعَ تَكَلُّفِها في أمْرِهِ، وتَعَبِها الشَّدِيدِ في شَأْنِهِ، في غايَةِ الوَهَنِ.
ولَمّا كانَ حالُها في صُنْعِها حالَ مَن يُنْكِرُ وهَنَهُ، قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿وإنَّ﴾ [و] واوُهُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ - ﴿اتَّخَذَتْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ أوْهَنُ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلتَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ أيْ: أضْعَفَها ﴿لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ الَّتِي عانَتْ في حَوْكِهِ ما عانَتْ وقاسَتْ في نَسْجِهِ ما قاسَتْ، لِأنَّهُ لا يُكِنُّ مِن حَرٍّ، ولا يَصُونُ مِن بَرْدٍ، ولا يُحَصِّنُ عَنْ طالِبٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذَ هَؤُلاءِ مِن هَذِهِ الأوْثانِ، وهَذا الدِّينُ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ فَهو أوْهَنُ (p-٤٤٣)الأدْيانِ وأهْوَنُها ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ لَهم نَوْعٌ ما مِنَ العِلْمِ لانْتَفَعُوا بِهِ فَعَلِمُوا أنَّ هَذا مَثَلُهم، فَأبْعَدُوا عَنِ اعْتِقادِ ما هَذا مَثَلُهُ.
العنكبوت 29:42
ولَمّا انْتَفى نَفْعُهم بِعِلْمِهِمْ، صَحَّ نَفْيُهُ، فَكانُوا وإيّاها عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لَيْسَ لِفَرِيقٍ مِنهُما شَيْءٌ مِمّا نَوى، فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ خاسِرَةٍ، وتِجارَةٍ كاسِدَةٍ بائِرَةٍ، ولَمّا كانَ ضَرْبُ المَثَلِ لِلشَّيْءِ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ العالِمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وكانَ النَّصِيرُ عَلى شَيْءٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى مُعارَضَتِهِ إلّا أنْ يَعْلَمَهُ ويَعْلَمَ مِقْدارَ قُدْرَتِهِ، وعِدَّةَ جُنُودِهِ، وصَلَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ وأنَّ شُرَكاءَهم في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعَلِّقُونَ بِنَصْرِهِمْ آمالَهم، وزادَ ذَلِكَ ذاكَ حُسْنًا تَعْقِيبُهُ لِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم، فَقالَ إشارَةً إلى جَهْلِهِمْ في إنْكارِهِمْ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى إهْلاكِ آلِهَتِهِمُ الَّتِي [هِيَ] أوَهِيَ الأشْياءِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ﴾ بِما لَهُ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ ﴿ما﴾ أيْ: الَّذِي ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ، أوْ أنْتُمْ في قِراءَةِ الفَوْقانِيَّةِ التِفاتًا إلى أُسْلُوبِ الخِطابِ إيذانًا بِالغَضَبِ ﴿مِن دُونِهِ﴾ إشارَةً إلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ، وأكَّدَ العُمُومَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: سَواءٌ كانَ نَجْمًا أوْ صَنَمًا أوْ مَلَكًا أوْ جِنِينًا أوْ غَيْرَهُ، وهم لا يَعْلَمُونَهُ ولا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا يَتَوَصَّلُونَ إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ أوْ يُنْصَرُونَ (p-٤٤٤)مِنهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَعْلَمَهُ شُرَكاؤُهم أوْ يُحِيطَ بِهِ أحَدًا عِلْمًا، أوْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُهُ؛ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ ”ما“ نافِيَةً، أيْ: شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ أصْلًا قالَ: ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ: البالِغُ العِلْمِ، الواضِعُ كُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ في أكْمَلِ مَواضِعِهِ، فَأبْطَنَ نَفْسَهُ بِكِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ حَتّى لا باطِنَ سِواهُ، وأظْهَرَها بِأفْعالِهِ وما كُشِفَ مِن جَمالِهِ حَتّى لا ظاهِرَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وهو يَغْلِبُ مَن شاءَ بِعِزَّتِهِ، ويُمْهِلُهُ إنْ شاءَ بِحِكْمَتِهِ، فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِإمْهالِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ لِإهْمالِهِ.
العنكبوت 29:43
ولَمّا فَرَغَ مِن مَثَلِهِمْ ومِمّا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ لِهَذا المَثَلِ: هَذا مَثَلُهم فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إشارَةً إلى أمْثالِ القُرْآنِ كُلِّها تَعْظِيمًا لَها وتَنْبِيهًا عَلى جَلِيلِ قَدْرِها وعَلِيِّ شَأْنِها: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ أيْ: العالِيَةُ عَنْ أنْ تُنالَ بِنَوْعِ احْتِيالٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿نَضْرِبُها﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، بَيانًا ﴿لِلنّاسِ﴾ تَصْوِيرًا لِلْمَعانِي المَعْقُولاتِ بِصُوَرِ المَحْسُوساتِ، لَعَلَّها تَقْرُبُ مِن عُقُولِهِمْ فَيَنْتَفِعُوا بِها، وهَكَذا حالُ التَّشْبِيهاتِ كُلِّها في طُرُقٍ لِلْأفْهامِ إلى المَعانِي المُحْتَجِبَةِ في الأسْتارِ، تُبْرِزُها وتَكْشِفُ عَنْها وتُصَوِّرُها.
(p-٤٤٥)ولَمّا كانُوا يَتَهَكَّمُونَ بِما رَأوْهُ مِنَ الأمْثالِ مَذْكُورًا بِهِ الذُّبابُ والبَعُوضُ ونَحْوُهُما قالَ مُجْمِلًا لَهم: ﴿وما يَعْقِلُها﴾ أيْ: حَقَّ عَقْلِها فَيَنْتَفِعُ بِها ﴿إلا العالِمُونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئُوا لِلْعِلْمِ وجُعِلَ طَبْعًا بِما بَثَّ في قُلُوبِهِمْ مِن أنْوارِهِ، وأشْرَقَ في صُدُورِهِمْ مِن أسْرارِهِ، فَهم يَضَعُونَ الأشْياءَ مَواضِعَها؛ رَوى الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العالِمُ الَّذِي عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ»، قالَ البَغَوِيُّ: والمَثَلُ كَلامٌ سائِرٌ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ الآخَرِ بِالأوَّلِ.
العنكبوت 29:44
ولَمّا قَدَّمَ أنَّهُ لا مُعْجِزَ لَهُ سُبْحانَهُ، ولا ناصِرَ لِمَن أخَذَ، وصَحَّحَ ذَلِكَ بِالمُشاهَدَةِ في القُرُونِ البائِدَةِ، وقَرَّبَهُ إلى الأذْهانِ بِالمَثَلِ المُسْتَوْلِي عَلى غايَةِ البَيانِ، وخَتَمَ ذَلِكَ أنَّهُ حَجَبَ فَهْمَهُ عَنْ أكْثَرِ خَلْقِهِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا لِقُوَّتِهِ وسائِرِ صِفاتِ كَمالِهِ، بَعْدَما حَقَّقَ أنَّ أوْلِياءَهم في أنْزَلِ مَراتِبِ الضَّعْفِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُدانى في عَظَمَةٍ ولا جَلالٍ، ولا جَمالٍ ولا كَمالٍ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: الأمْرُ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، أوْ بِسَبَبِ إظْهارِ أنَّ الواقِعَ يُطابِقُ إخْبارَهُ، أوْ بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، فَلا تَجِدُ أحَدًا يَفْهَمُ عَنْهُ (p-٤٤٦)حَقَّ الفَهْمِ مَعَ تَساوِيهِمْ في الإنْسانِيَّةِ إلّا وهو مِن أهْلِ السَّكِينَةِ، والإخْباتِ والطُّمَأْنِينَةِ، ولا يُعْجِزُهُ أحَدٌ يُرِيدُ أخْذَهُ، ولا يُفْلِحُ أحَدٌ عَصى أنْبِياءَهُ، فَبانَتْ عِزَّتُهُ، وظَهَرَتْ حِكْمَتُهُ، فَطابَقَ الواقِعُ ما أخْبَرَ بِهِ، وأيْضًا فالأمْثالُ إنَّما تَكُونُ بِالمَحْسُوساتِ، وهي إمّا سَماوِيَّةٌ أوْ أرْضِيَّةٌ، فَإيجادُ هَذِهِ المَوْجُوداتِ إنَّما هو لِأجْلِ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالعالَمِ قَدْ يُخْفِي، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِالتَّأْكِيدِ إلى أنَّ حالَهم في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالنَّظَرِ فِيها حالُ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ فِيها دَلالَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِن تَأمُّلِهِمْ لِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِإخْبارِهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُخْبِرُ بِشَيْءٍ إلّا كانَ الواقِعُ مِنهُما أوْ مِمّا فِيهِما يُطابِقُهُ سَواءً بِسَواءٍ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: دَلالَةً مُسْعِدَةً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هُمُ العالِمُونَ في الحَقِيقَةِ، حَداهم عِلْمُهم بِما في الكَوْنَيْنِ مِنَ المَنافِعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى النِّظامِ المَعْرُوفِ مَعَ ما في خَلْقِهِما أنْفُسَهُما مَعَ كِبَرِ الأجْرامِ وبَدِيعِ الإحْكامِ، عَلى الإيمانِ بِجَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ حَتّى لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم نَوْعُ شَكٍّ، وصارَ لَهم صِفَةً لا تَنْفَكُّ.
العنكبوت 29:45
ولَمّا أفادَ هَذا الخَبَرُ كُلُّهُ القُرْآنَ الَّذِي لا حَقَّ أحَقُّ مِنهُ، ودَلَّ عَلى أنَّ فَهْمَ أمْثالِهِ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ عِلْمٍ، وأنَّ مِفْتاحَ العِلْمِ بِهِ سُبْحانَهُ رُسُوخُ الإيمانِ، خاطَبَ رَأْسَ أهْلِ الإيمانِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الفاهِمِينَ لَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ الأتْباعَ فَقالَ: (p-٤٤٧)﴿اتْلُ ما﴾ أيْ: تابِعْ قِراءَتَهُ؛ ودَلَّ عَلى شَرَفِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ إذِ الوَحْيُ الإلْقاءُ سِرًّا ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ [أيْ: ] الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَإنَّهُ المُفِيدُ لِلْإيمانِ، مَعَ أنَّهُ أحَقُّ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ لِأجْلِهِ، والإكْثارُ في تِلاوَتِهِ يَزِيدُ بَصِيرَةً في أمْرِهِ، ويَفْتَحُ كُنُوزَ الدَّقائِقِ مِن عِلْمِهِ، وهو أكْرَمُ مِن أنْ يُنِيلَ قارِئَهُ فائِدَةً وأجَلُّ مِن أنْ يُعْطِيَ قِيادَ فَوائِدِهِ ويَرْفَعُ الحِجابَ عَنْ جَواهِرِهِ وفَرائِدِهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، بَلْ كُلَّما رَدَّدَهُ القارِئُ بِالتَّدَبُّرِ حَباهُ بِكَنْزٍ مِن أسْرارِهِ، ومَهْما زادَ زادَهُ [مِن] لَوامِعِ أنْوارِهِ، إلى أنْ يَقْطَعَ بِأنَّ عَجائِبَهُ لا تُعَدُّ، وغَرائِبَهُ لا تُحَدُّ.
ولَمّا أرْشَدَ إلى مِفْتاحِ العِلْمِ، دَلَّ قانُونُ العَمَلِ الَّذِي لا يَصِحُّ إلّا بِالقُرْآنِ، وهو ما يَجْمَعُ الهَمَّ، فَيَحْضُرُ القَلْبُ، فَيَنْشَرِحُ الصَّدْرُ، فَيَنْبَعِثُ الفِكْرُ في رِياضِ عُلُومِهِ، فَقالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ: الَّتِي هي أحَقُّ العِباداتِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ دالًّا بِالتَّأْكِيدِ عَلى فَخامَةِ أمْرِها، وأنَّهُ مِمّا يَخْفى عَلى غالِبِ النّاسِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى﴾ أيْ: تُوجِدُ النَّهْيَ وتُجِدِّدُهُ لِلْمُواظِبِ عَلى إقامَتِها بِجَمِيعِ حُدُودِها ﴿عَنِ الفَحْشاءِ﴾ أيْ: الخِصالِ ألَّتَيْ بَلَغَ قُبْحُها ﴿والمُنْكَرِ﴾ أيْ: الَّذِي فِيهِ نَوْعُ قُبْحٍ وإنْ دَقَّ، وأقَلُّ ما فِيها مِنَ النَّهْيِ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِها الَّذِي هو كُفْرٌ، ومَنِ انْتَهى (p-٤٤٨)عَنْ ذَلِكَ انْشَرَحَ صَدْرُهُ، واتَّسَعَ فِكْرُهُ، فَعُلِمَ مِن أسْرارِ القُرْآنِ ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
ولَمّا كانَ النّاهِي في الحَقِيقَةِ إنَّما هو ذِكْرُ اللَّهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الحَثَّ عَلى رُوحِ الصَّلاةِ والمَقْصِدِ الأعْظَمِ مِنها، وهو المُراقَبَةُ لِمَن يُصَلِّي [لَهُ] حَتّى كَأنَّهُ يَراهُ لِيَكُونَ بِذَلِكَ في أعْظَمِ الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ولِأنَّ ذِكْرَ المُسْتَحِقِّ لِكُلِّ صِفَةِ كَمالٍ ﴿أكْبَرُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَحْضَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ هانَ عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ: ”إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي لَلَّذِي يَذْكُرُنِي عِنْدَ لِقاءِ قِرْنِهِ“، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن واظَبَ عَلى الصَّلاةِ ذَكَرَ اللَّهَ، ومَن ذَكَرَهُ أوْشَكَ أنْ يَرِقَّ قَلْبُهُ، ومَن رَقَّ قَلْبُهُ اسْتَنارَ لُبُّهُ، فَأوْشَكَ أنْ يَنْهاهُ هَذا الذِّكْرُ المُثْمِرُ لِهَذِهِ الثَّمَرَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَكانَ ذِكْرُ الذّاكِرِ لَهُ سُبْحانَهُ أكْبَرَ نَهْيًا لَهُ عَنِ المُنْكَرِ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ لَهُ، وكانَ ذِكْرُهُ لَهُ سُبْحانَهُ كَبِيرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وإذا كانَ هَذا شَأْنَ ذِكْرِ العَبْدِ لِمَوْلاهُ، فَما ظَنُّكَ بِذِكْرِ مَوْلاهُ لَهُ كُلَّما أقْبَلَ عَلَيْهِ بِصَلاةٍ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَرْفَعَهُ إلى حَدٍّ لا يُوصَفُ، ويُلْبِسُهُ مِن أنْوارِهِ مَلابِسَ لا تُحْصَرُ.
(p-٤٤٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى عِلاجٍ لِمُعْوَجِّ الطِّباعِ ومُنْحَرِفِ المِزاجِ، وتَمَرُّنٍ عَلى شاقِّ الكُلَفِ، ورِياضَةٍ لِجِماحِ النُّفُوسِ، وكانَ ﷺ قَدْ نُزِّهَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ، ثُمَّ [بِما] غَسَلَ بِهِ قَلْبَهُ مِن ماءِ الحِكْمَةِ، [وغَيْرِ ذَلِكَ] مِن جَلِيلِ النِّعْمَةِ، عَدَلَ إلى خِطابِ الأتْباعِ يَحُثُّهم عَلى المُجاهَدَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ ﴿ما تَصْنَعُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، مُعَبِّرًا بِلَفْظِ الصَّنْعَةِ الدّالِّ عَلى مُلازَمَةِ العَمَلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إقامَةَ ما ذَكَرَ تَحْتاجُ إلى تَمَرُّنٍ عَلَيْهِ وتَدَرُّبٍ، حَتّى يَصِيرَ طَبْعًا صَحِيحًا، ومَقْصُودًا صَرِيحًا.
العنكبوت 29:46
ولَمّا انْتَهى الكَلامُ إلى رُوحِ الدِّينِ وسِرِّ اليَقِينِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا العُلَماءُ بِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ والأخْبارِ الإلَهِيَّةِ، وكانَ العالِمُ يَقْدِرُ عَلى إيرادِ الشُّكُوكِ وتَرْوِيجِ الشُّبَهِ، فَرُبَّما أضَلَّ بِالشُّبْهَةِ الواحِدَةِ النِّيامَ مِنَ النّاسِ، بِما لَهُ عِنْدَهم مِنَ القَبُولِ، وبِما لِلنُّفُوسِ مِنَ النُّزُوعِ إلى الأباطِيلِ، وبِما لِلشَّيْطانِ في ذَلِكَ مِنَ التَّزْيِينِ، وكانَ الجِدالُ يُورِثُ الإحَنَ، ويَفْتَحُ أبْوابَ المِحَنِ، فَيَحْمِلُ عَلى الضَّلالِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿اتْلُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] مُخاطِبًا لِمَن خَتَمَ الآيَةَ بِخِطابِهِمْ تَنْزِيهًا لِمَقامِهِ ﷺ عَنِ المُواجَهَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُصَوِّبُ هِمَّتَهُ الشَّرِيفَةَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ (p-٤٥٠)فِي طَبْعِهِ المُجادَلَةُ، والمُماراةُ والمُغالَبَةُ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ أيْ: اليَهُودَ والنَّصارى ظَنًّا مِنكم أنَّ الجِدالَ يَنْفَعُ الدِّينَ، أوْ يَزِيدُ في اليَقِينِ، أوْ يَرُدُّ أحَدًا عَنْ ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿إلا بِالَّتِي﴾ أيْ: بِالمُجادَلَةِ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ أيْ: بِتِلاوَةِ الوَحْيِ الَّذِي أمَرْنا رَأْسَ العابِدِينَ بِإدامَةِ تِلاوَتِهِ فَقَطْ، وهَذا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُبْحانَ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]
ولَمّا كانَ كُلُّ مَن جادَلَ مِنهم في القُرْآنِ ظالِمًا، كانَ مِنَ الواضِحِ أنَّ المُرادَ بِمَنِ اسْتَثْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: تَجاوَزُوا في الظُّلْمِ بِنَفْيِ صِحَّةِ القُرْآنِ وإنْكارِ إعْجازِهِ مَثَلًا وأنْ يَكُونَ عَلى أسالِيبِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، أوْ مُصَدِّقًا لِشَيْءٍ مِنها، أوْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ونَحْوُ هَذا مِنَ افْتِرائِهِمْ، فَإنَّ هَؤُلاءِ يُباحُ جِدالُهم ولَوْ أدّى إلى جِلادِهِمْ بِالسَّيْفِ، فَإنَّ الدِّينَ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ.
ولَمّا نَهى عَنْ مُوجِبِ الخِلافِ، أمَرَ بِالِاسْتِعْطافِ، فَقالَ: ﴿وقُولُوا آمَنّا﴾ أيْ: أوْقَعْنا الإيمانَ ﴿بِالَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِن هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ ﴿وأُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِن كُتُبِكم، يَعْنِي في أنَّ أصْلَهُ حَقٌّ وإنْ كانَ قَدْ نُسِخَ مِنهُ ما نُسِخَ، وما حَدَّثُوكم بِهِ مِن شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَكم (p-٤٥١)ما يُصَدِّقُهُ ولا ما يُكَذِّبُهُ فَلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم، فَإنَّ هَذا أدْعى إلى الإنْصافِ، وأنْفى لِلْخِلافِ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ، أتْبَعَهُ بِما يَجْمَعُهُما فَقالَ: ﴿وإلَهُنا وإلَهُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ المُرادَ بِهِ اللَّهُ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وكانَ جَمِيعُ الفَرْقِ مُقِرِّينَ بِالإلَهِيَّةِ ولَوْ بِنَوْعِ إقْرارٍ لَمْ تَدْعُ [حاجَةٌ] إلى أنْ يَقُولَ ”إلَه“ كَما في بَقِيَّةِ الآياتِ فَقالَ: ﴿واحِدٌ﴾ إلى لا إلَهَ لَنا غَيْرُهُ وإنِ ادَّعى بَعْضُكم عُزَيْرًا والمَسِيحَ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ خاصَّةً ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: خاضِعُونَ مُنْقادُونَ أتَمَّ انْقِيادٍ فِيما يَأْمُرُنا بِهِ بَعْدَ الأُصُولِ مِنَ الفُرُوعِ سَواءٌ كانَتْ مُوافِقَةً لِفُرُوعِكم كالتَّوَجُّهِ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ ناسِخَةً كالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، ولا نَتَّخِذُ الأحْبارُ والرُّهْبانُ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ لِنَأْخُذَ ما يَشْرَعُونَهُ لَنا مُخالِفًا لِكِتابِهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَنَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ خَضَعْنا لَهم وتَكَبَّرْنا عَلَيْهِ فَأوْقَعْنا الإسْلامُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ظُلْمًا.
العنكبوت 29:47
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهَذا القَوْلِ: إنّا أنْزَلَنا كُتُبَهم إلى رُسُلِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُخاطِبًا لِلرَّأْسِ تَخْصِيصًا لَهُ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ لِمُتَعَنِّتٍ طَعْنٌ (p-٤٥٢)إلى عُمُومٍ أوِ اتِّهامٍ في المُنْزَلِ عَلَيْهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلى أنْبِيائِهِمْ ﴿أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنَ الَّذِي هو الكِتابُ في الحَقِيقَةِ، لا كِتابَ غَيْرُهُ في عُلُوِّ كَمالِهِ، في نَظْمِهِ ومَقالِهِ، مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿فالَّذِينَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إنْزالِنا لَهُ عَلى هَذا المِنهاجِ أنَّ الَّذِينَ ﴿آتَيْناهُمُ﴾ [أيْ: ] إيتاءً يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا، فَصارُوا يَعْرِفُونَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا الكِتابِ حَقِيقَةً كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوْ مَجازًا بِالمَعْرِفَةِ بِهِ مَعَ الكُفْرِ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنهم ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: العَرَبُ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ في المَعْرِفَةِ بِالباطِنِ بِأنَّهُ حَقٌّ لِما أقامَهُ مِنَ البُرْهانِ عَلى ذَلِكَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ مَعَ الكُفْرِ بِهِ، وأدُلُّ دَلِيلٍ عَلى ما أرَدْتَهُ مِنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ قَوْلَهُ: ﴿وما يَجْحَدُ﴾ أيْ: يُنْكِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ قَتادَةُ: الجُحُودُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.
﴿بِآياتِنا﴾ الَّتِي حازَتْ أقْصى غاياتِ العَظَمَةِ حَتّى اسْتَحَقَّتِ الإضافَةَ إلَيْنا ﴿إلا الكافِرُونَ﴾ أيْ: العَرِيقُونَ في سَتْرِ المَعارِفِ بَعْدَ ظُهُورِها طَمَعًا في إطْفاءِ نُورِها.
العنكبوت 29:48
(p-٤٥٣)ولَمّا أشارَ إلى أنَّ المُنْكِرَ لِأصِلِ الوَحْيِ مُتَوَغِّلٌ في الكُفْرِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِحالِ المُنْزَلِ إلَيْهِ ﷺ فَقالَ مُسَلِّيًا لَهُ: ﴿وما﴾ أيْ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ والحالُ أنَّكَ ما ﴿كُنْتَ تَتْلُو﴾ أيْ: تَقْرَأُ مُواصِلًا مُواظِبًا في وقْتٍ ما.
ولَمّا كانَ المُرادُ نَفْيَ التِّلاوَةِ عَنْ كَثِيرِ الزَّمَنِ الماضِي وقَلِيلِهِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: هَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ؛ وأكَّدَ اسْتِغْراقَ الكُتُبِ فَقالَ: ﴿مِن كِتابٍ﴾ أصْلًا ﴿ولا تَخُطُّهُ﴾ أيْ: تُجَدِّدُ وتُلازِمُ خَطَّهُ؛ وصَوَّرَ الخَطَّ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: الَّتِي [هِيَ] أقْوى الجارِحَتَيْنِ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَحْدُثُ الرِّيبَةُ في أمْرِهِ لِعاقِلٍ إلّا بِالمُواظَبَةِ لِمِثْلِ ذَلِكَ مُواظَبَةً قَوِيَّةً يَنْشَأُ عَنْها مَلَكَةٌ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَحْصُلْ [أصْلُ الفِعْلِ]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إذًا﴾ أيْ: إذْ لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المُواظَبَةِ في التِّلاوَةِ أوِ الخَطِّ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الدُّرْبَةُ المُوَرِّثَةُ لِلْمَلَكَةِ ﴿لارْتابَ﴾ أيْ: لَساغَ أنْ تُكَلَّفَ أنْفُسُهم [لِدُخُولِ] في الرَّيْبِ أيْ: الشَّكِّ ﴿المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الوَحْيَ إلَيْكَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ العَرَبِ، ويَقُولُونَ: هو سَجْعٌ وكِهانَةٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، العَرِيقُونَ في وصْفِ الإبْطالِ، [أيْ: ] الدُّخُولِ (p-٤٥٤)فِي الباطِلِ، فَكانُوا يَجِدُونَ مَطْعَنًا، فَتَقُولُ العَرَبُ: لَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن كُتُبِ الأقْدَمِينَ، ويَقُولُ الكِتابِيُّونَ: المُبَشَّرُ بِهِ عِنْدَنا أُمِّيٌّ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن قِراءَةٍ ولا خَطٍّ كَما هو مَعْرُوفٌ مِن حالِكَ فَضْلًا عَنِ المُواظَبَةِ لِشَيْءٍ مِنهُما، فَلا رِيبَةَ في صِدْقِكَ في نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ مِن أصْلِها صَحَّ نَفْيُ ما عِنْدَهم مِنها، لِأنَّهُ [لَمّا] لَمْ يَكُنْ لَهم في الواقِعِ شُبْهَةٌ، عُدَّتْ رِيبَتُهم عَدَمًا، وسُمُّوا مُبْطِلِينَ عَلى تَقْدِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، لِقِيامِ بَقِيَّةِ المُعْجِزاتِ القاطِعَةِ بِالرِّسالَةِ، القاضِيَةِ بِالصِّدْقِ، كَما قَضَتْ بِصِدْقِ أنْبِيائِهِمْ [مَعَ] أنَّهم يَكْتُبُونَ ويَقْرَأُونَ، وكُتُبُهم لَمْ تَنْزِلْ لِلْإعْجازِ، فَصَحَّ أنَّهم يَلْزَمُهُمُ الِاتِّصافُ بِالإبْطالِ بِالِارْتِيابِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِن تَقْدِيرَيِ الكِتابَةِ والقِراءَةِ وعَدَمِهِما، لِأنَّ العُمْدَةَ عَلى المُعْجِزاتِ.
العنكبوت 29:49
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهم لا رِيبَةَ لَهم أصْلًا ولا شُبْهَةَ، لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ باطِلٌ، قالَ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: القُرْآنُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ وارْتابُوا فِيهِ فَكانُوا مُبْطِلِينَ لِذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿آياتٌ﴾ أيْ: دَلالاتٌ ﴿بَيِّناتٌ﴾ أيْ: واضِحاتٌ جِدًّا في الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِكَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ العِلْمِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، أظْهَرَ ما كانَ أصْلُهُ الإضْمارَ فَقالَ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّهُ العِلْمُ الكامِلُ النّافِعُ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيفِ شَيْءٍ مِنهُ لِبَيانِ الحَقِّ لَدَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى [أنَّ خَفاءَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ لا أثَرَ لَهُ، ولَمّا كانَ المُرادُ بِالعِلْمِ النّافِعَ، قالَ (p-٤٥٥)إشارَةً إلى] أنَّهُ في صُدُورِ غَيْرِهِمْ عَرْيًا عَنِ النَّفْعِ: ﴿وما يَجْحَدُ﴾ وكانَ الأصْلُ: بِهِ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: يُنْكِرُها بَعْدَ المَعْرِفَةِ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا [والبَيانِ الَّذِي لا يَجْحَدُهُ أحَدٌ] ﴿إلا الظّالِمُونَ﴾ أيْ: الرّاسِخُونَ في الظُّلْمِ الَّذِي لا يَنْتَفِعُونَ بِنُورِهِمْ في وضْعِ كُلِّ شَيْءٍ في مَحَلِّهِ، بَلْ هم في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَحَلِّها كالماشِي في الظَّلامِ الَّذِي تَأثَّرَ عَنْ وصْفِهِمْ أوَّلًا بِالكُفْرِ الَّذِي هو تَغْطِيَةُ أنْوارِ العُقُولِ.
العنكبوت 29:50
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَجَحَدُوها [بِما لَهم مِنَ الرُّسُوخِ في الظُّلْمِ] أصْلًا ورَأْسًا، ولَمْ يُعِدُّوها آياتٍ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها بَيِّناتٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا﴾ مُوهِمِينَ مَكْرًا وإظْهارَ النَّصَفَةِ بِالِاكْتِفاءِ بِأدْنى ما يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِن وُجُوهِ الإنْزالِ ﴿آياتٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ تَكُونُ بِحَيْثُ تَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِدْقِ الآتِي بِها ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: الَّذِي يَدَّعِي إحْسانَهُ إلَيْهِ كَما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِن نَحْوِ ناقَةِ صالِحٍ وعَصا مُوسى ونَحْوِهِما، لِنَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى صِدْقِ مَقالِهِ، وصِحَّةِ ما يَدَّعِيهِ مِن حالِهِ هَذا عَلى قِراءَةِ [ ابْنِ كَثِيرٍ و] حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ بِالإفْرادِ، وجَمَعَ غَيْرُهم دَلالَةً عَلى أنَّ فَرِيقًا آخَرَ قالُوا: إنَّ مِثْلَ هَذا المُهِمِّ العَظِيمِ لا يَثْبُتُ إلّا بِآياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وأوْهَمُوا (p-٤٥٦)مُكابَرَةً وعِنادًا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وإنْ وقَعَ ما يُسَمّى آيَةً.
ولَمّا كانَ هَذا إنْكارًا لِلشَّمْسِ بَعْدَ شُرُوقِها، ومُكابَرَةً فِيما تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ بَعْدَ حُقُوقِها، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم إرْخاءً لِلْعِنانِ حَتّى كَأنَّكَ ما أتَيْتَهم بِشَيْءٍ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا يَقْدِرُ عَلى إنْزالِ شَيْءٍ مِنها غَيْرُهُ، فَإنَّما الإلَهُ هو لا سِواهُ ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أقْوَمُ لَكم بِما حَمَّلَنِي وكَلَّفَنِي مِنَ النِّذارَةِ، دالًّا عَلَيْهِ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ، ونَواقِضِ المُطَّرِداتِ ولَيْسَ لِي أنْ أقْتَرِحَ [عَلَيْهِ] الآياتِ، عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ الدَّلالَةُ عَلى الصِّدْقِ، وهي كُلُّها في حُكْمِ آيَةٍ واحِدَةٍ [فِي ذَلِكَ، ] ولَمْ يَذْكُرِ البِشارَةَ لِأنَّهُ لَيْسَ أُسْلُوبُها ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: أوْضَحَ ما آتى بِهِ مِن ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ صِحَّةَ كَوْنِي نَذِيرًا، فَلَيْسَ إلَيَّ إنْزالُ الآياتِ ولا طَلَبُها اقْتِراحًا عَلى اللَّهِ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ فِيهِما، خُوطِبَ بِهِ مَن لَزِمَهُ ادِّعاءُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ إلَيْهِ ﷺ وأنَّ أمْرَهُ الإتْيانُ بِما يُرِيدُ أوْ يَطْلُبُ مِنهُ.
العنكبوت 29:51
ولَمّا أفْرَحَهم بِما كَأنَّهُ تَسْلِيمٌ لِمُدَعّاهم، وكانَ مِنَ البَيِّنِ أنَّ لِسانَ الحالِ يَقُولُ: ألَمْ يَكْفِهِمْ ما جِئْتَهم [بِهِ] مِنَ الآياتِ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ، وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِنها، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ مُنْكِرًا عَلى جَهْلِهِمْ (p-٤٥٧)وعِنادِهِمْ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنْ كُلِّ آيَةٍ ﴿أنّا أنْـزَلْنا﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعَ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ بِحَيْثُ صارَ خُلُقًا لَكَ غالِبًا عَلى حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ مُتابَعَةُ قِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ وكُلِّ زَمانٍ مَن كُلِّ تالٍ مُصَدِّقًا لِما في الكُتُبِ القَدِيمَةِ مِن نَعْتِكَ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ، يَتَحَدَّوْنَ بِكُلِّ شَيْءٍ نَزَلَ مِنهُ مَعَ تَحَدِّيهِمْ بِما قَبْلَهُ مِن آياتِهِ صَباحَ مَساءَ، يَصْفَعُونَ بِذَلِكَ مَدى الدَّهْرِ في أقْفائِهِمْ ويَدْفَعُونَ، فَكُلَّما أرادُوا التَّقَدُّمَ رَدُّوا عَجْزًا إلى ورائِهِمْ، فَأعْظِمْ بِهِ آيَةً باقِيَةً، إذْ كَلُّ آيَةٍ سِواهُ مُنْقَضِيَةٌ ماضِيَةٌ، [وقالَ الشَّيْخُ أبُو العَبّاسِ المُرْسِي: خَشَعَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن سَماعِ اليَهُودِ بِقِراءَةِ التَّوْراةِ فَعَتَبُوا إذْ تَخَشَّعُوا مِن غَيْرِ القُرْآنِ، وهم إنَّما تَخَشَّعُوا مِنَ التَّوْراةِ وفي كَلامِ اللَّهِ فَما ظَنُّكَ بِمَن أعْرَضَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ وتَخَشَّعَ بِالمَلاهِي والغِناءِ].
ولَمّا كانَ هَذا أعْظَمَ مِن كُلِّ آيَةٍ يَقْتَرِحُونَها ولَوْ تَوالى عَلَيْهِمْ إتْيانُها كُلَّ يَوْمٍ لِدَوامِ هَذا عَلى مَرِّ الأيّامِ والشُّهُورِ، حَتّى تَفْنى (p-٤٥٨)الأزْمانُ والدُّهُورُ، أشارَ تَعالى إلى هَذَهِ العَظَمَةِ، مَعَ ما فِيها مِنَ النِّعْمَةِ، بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا عَلى جَهْلِهِمْ فِيما لَزِمَ مِن كَلامِهِمُ الأوَّلِ مِن إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ آيَةٌ تَدُلُّهم عَلى الصِّدْقِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَذا الوَجْهِ البَعِيدِ المَنالِ البَدِيعِ المِثالِ ﴿لَرَحْمَةً﴾ لَهم لِصَقْلِهِ صَدَأ القُلُوبِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وتَطْهِيرِهِ خُبْثَ النُّفُوسِ في كُلِّ لَمْحَةٍ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ: عَظِيمَةً مُسْتَمِرًّا [تَذْكُرُها].
ولَمّا عَمَّ بِالقَوْلِ، خَصَّ مِن حَيْثُ النَّفْعُ فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُمْكِنُ أنْ يَتَجَدَّدَ لَهم إيمانٌ، لَيْسَ مِن هَمِّهِمُ التَّعَنُّتُ، قالَ الحِرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الدِّينِ: ولَمّا كانَ القُرْآنُ لِسانَ إحاطَةٍ لَمْ يَفِ بِالقِيامِ بِهِ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ، لِأنَّهُ بِبِناءٍ عَلى كُلِّيِّهِ أمْرُ اللَّهِ حَتّى أنَّ السُّورَةَ الواحِدَةَ مِنهُ لَمّا كانَ مَوْقِعُ الخِطابِ بِها مِن مُدَدِ بِنائِهِ عَلى إحاطَةِ أمْرِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُها [أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ، وإذا كانَ الأقَلُّ مِن كَلامِ العالِمِ لا يَسْتَطِيعُهُ] مَن دُونَ رُتْبَتِهِ، فَعَجْزُ الخَلْقِ عَنْ كَلامِ اللَّهِ أحَقُّ وأوْلى، ثُمَّ كُلُّ ناظِرٍ فِيهِ - مِن أيِّ وجْهٍ نَظَرَهُ - أدْرَكَ بِمُقْتَضى عُلُوِّهِ عَلى رُتْبَتِهِ وجْهًا مِنَ العَجْزِ فِيهِ، إنْ كانَ فَصِيحًا بَلِيغًا فَمِن جِهَةِ البَلاغَةِ، ومَعْناها بُلُوغُ الكَلامِ في مُطابَقَةِ أنْبائِهِ ويُسَمّى الفَصاحَةَ، وحُسْنُ نَظْمِ (p-٤٥٩)حُرُوفِ كَلِماتِهِ ويُسَمّى الجَزالَةَ، وكَمالُ انْتِظامِ كَلِماتِهِ وآياتِهِ، ويُسَمّى حُسْنَ النَّظْمِ - إلى أنْهى غاياتِهِ وأتَمِّ نِهاياتِهِ- وإنْ كانَ عالِمًا بِأخْبارِ الأوَّلِينَ فَبِصِحَّةِ مُقْتَضاها فِيهِ، وإنْ كانَ حَكِيمًا فَبِالإعْلامِ الأتَمِّ بِوَجْهِ تَقاضِي المُتَرَتِّباتِ، وبِالجُمْلَةِ فَما يَكُونُ لِأحَدٍ أصْلٌ مِن عَقْلٍ وحَظٌّ مِن عِلْمٍ - أيَّ عِلْمٍ كانَ - إلّا ويَجِدُ لَهُ مَوْقِعًا في القُرْآنِ، يَفِي لَهُ بِحَظِّ بَيانٍ عُلُوَّ مَرْتَبَةِ أنْبائِهِ عَلى نِهايَةٍ مُدْرَكَةٍ مِنهُ بِمِقْدارٍ لا يَرْتابُ في وُقُوعِهِ فَوْقَ طَوْرِ الخَلْقِ، فَكانَ آيَةً باقِيَةً دائِمَةً لَمْ يَتَفاوَتْ في تَلَقِّيهِ أوَّلُ سامِعٍ لَهُ مِن آخِرِ سامِعٍ في وجْهِ سَماعِهِ، فَكُلُّ نَبِيٍّ فُقِدَتْ آيَتُهُ بِفَقْدِهِ أوْ بِفَقْدِ وقْتِ ظُهُورِها عَلى يَدَيْهِ، وآيَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ باقِيَةٌ بِبَقاءِ اللَّهِ، فَجِهاتُ ظُهُورِ إعْجازِهِ تَأْتِي عَلى حُظُوظِ أصْنافِ الخَلْقِ مِن وُجُوهِ الإدْراكِ، لا يَتَعَيَّنُ لِظُهُورِ الإعْجازِ فِيهِ جِهَةٌ، ولا يَفْقِدُ ناظِرٌ فِيهِ حَظًّا يَتَطَرَّقُ بِمِقْدارِ إدْراكِهِ مِنهُ إلى يَقِينٍ وجْهِ إعْجازِهِ، وذَلِكَ لَمّا كانَ مُحِيطًا بِكُلِّ تَفْصِيلٍ وكُلِّ إجْمالٍ، ولَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ مِن شَيْءٍ، وكانَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ولِإحاطَتِهِ بِإثْباتِ كُلِّ رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ في التَّوَقُّفِ عَنِ الإيمانِ بِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ وجَمِيعِ خَلْقِ اللَّهِ، مَن يَعْرِفُهُ النّاسُ مِنهم ومَن لا يَعْرِفُونَهم مِمَّنْ أحاطَ بِهِمْ عِلْمُ العالَمِينَ بِإعْلامِ اللَّهِ، ومِن (p-٤٦٠)حُكْمِ إحاطَةِ كِتابِهِ كانَ مُمْكِنًا مِن عالِيَةِ كُلِّ آيَةٍ جاءَ بِها نَبِيٌّ قَبْلَهُ مِمَّنْ شاهَدَ ذَلِكَ مِنهُ حاضِرُوهُ، ونَقَلَهُ نَقْلَ التَّواتُرِ والِاسْتِفاضَةِ حَمَلَةُ العِلْمِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ؛ ثُمَّ رَتَّبَ قِياسًا عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ فَقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ذُو آيَةٍ هَذا القُرْآنُ المَشْهُودُ، وهَذا القُرْآنُ المَشْهُودُ مُعْجِزٌ كُلَّ ذِي إدْراكٍ، وبُشْرى مِن كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِ مَعانِيهِ وبَلاغَتِهِ، فَذُو آيَةٍ هَذا القُرْآنِ نَبِيٍّ، فَمُحَمَّدٌ ﷺ [نَبِيٌّ، ] أمّا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ذُو آيَتِهِ فَبِالتَّجْرِبَةِ السَّمْعِيَّةِ المُتَيَقِّنَةِ المُسَمّاةِ بِالتَّواتُرِ، وأمّا أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ فِيما يَجِدُهُ كُلُّ ناظِرٍ في مَعْناهُ المُشْتَمِلِ عَلى تَمامِ الحِكْمَةِ فِيما هو كائِنٌ ونَبَأُ ما كانَ مِن قَبْلُ وخَبَرُ ما يَكُونُ بَعْدَ المُتَيَقِّنِ بِوُقُوعِ أوائِلِهِ وُقُوعَ جُمْلَتِهِ وصِحَّةَ خَبَرِهِ، وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أنَّ ذا آيَتِهِ نَبِيٌّ، ثُمَّ بِما تَضَمَّنَهُ مِن شَهادَتِهِ لِذِي آيَتِهِ وتَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَصَحَّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ذُو آيَتِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ ﷺ، والمُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَحَدّى بِهَذا القُرْآنِ [العَرَبَ] الفُصَحاءَ واللُّدَّ البُلَغاءَ، فَلَمّا لَجَؤُوا لِلْحَرْبِ وضَحَ أنَّهم فَرُّوا لِذَلِكَ المَكانِ ما وجَدُوهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَجْزِ، وإذا عَجَزَ أُولَئِكَ فَمَن بَعْدَهم أحَقُّ بِالعَجْزِ، فَلَمّا شَمِلَ العَجْزُ الكُلَّ مِنَ الخَلْقِ، (p-٤٦١)وجَبَ العِلْمُ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ حَقٌّ، والمُتَحَدِّي بِهِ نَبِيٌّ جاءَ بِالصِّدْقِ، وحاصِلُهُ: لَوْ لَمْ تَعْجِزِ العَرَبُ لَمْ تُحارِبْ ثِقَلَ الحَرْبِ وخِفَّةَ المُعارَضَةِ لَوِ اسْتَطاعُوها، ولَمْ يُعارِضُوا وحارَبُوا فَقَدْ عَجَزُوا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ نَبِيٌّ ﷺ انْتَهى.
العنكبوت 29:52
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ لا نُصَدِّقُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنْ نَكْتَفِيَ بِهِ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: جَوابًا لِما قَدْ يَقُولُونَهُ مِن نَحْوِ هَذا: ﴿كَفى بِاللَّهِ﴾ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ العَظَمَةِ وسائِرِ الكَمالاتِ، الَّذِي شَهِدَ لِي بِالرِّسالَةِ في كِتابِهِ الَّذِي أثْبَتَ أنَّهُ كَلامُهُ عَجْزُ الخَلْقِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ النّاسِ، وتَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدًا﴾ بِخِلافِ الرَّعْدِ والأنْعامِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّهِيدَ أوْ عَلَّلَ كِفايَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾ أيْ: كُلَّها. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْأرْضِ غَيْرُ هَذِهِ الَّتِي يُشاهِدُونَها ذَكَرَ في إتْيانِ الوَحْيِ والقُرْآنِ مِنها، أفْرَدَ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو عَلِيمٌ بِما يَنْسُبُونَهُ إلَيَّ مِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ وبِما أنْسِبُهُ أنا إلَيْهِ (p-٤٦٢)مِن هَذا القُرْآنِ الَّذِي شَهِدَ لِي بِهِ عَجْزُكم عَنْهُ فَهو شاهِدٌ لِي، واللَّهُ في الحَقِيقَةِ هو الشّاهِدُ لِي، بِما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلَيَّ، والشَّهادَةِ لِي بِالصِّدْقِ، لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالعَجْزِ عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ وسَيَتَحَقَّقُ بِالعَقْلِ إبْطالُ المُبْطِلِ مِنّا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ قَدْ شَهِدَ لِي بِأنِّي عَلى الحَقِّ، وأنَّ كُلَّ ما خالَفَ ما جِئْتَ بِهِ فَهو باطِلٌ، فالَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ وكَفَرُوا بِالباطِلِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يَجُوزُ الإيمانُ بِهِ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ ﴿وكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ الَّذِي يَجِبُ الإيمانُ بِهِ والشُّكْرُ لَهُ، لِأنَّهُ لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ وكُلُّ ما سِواهُ هالِكٌ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ ﴿أُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيْ: العِرِيقُونَ في الخَسارَةِ، فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم أبَدًا.
العنكبوت 29:53
ولَمّا كانَ قَوْلُهم مَرَّةً واحِدَةً ”لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ“ عَجَبًا، أتى بَعْدَ إخْبارِهِ بِخَسارَتِهِمْ بِأعْجَبَ مِنهُ، وهو اسْتِمْرارُ اسْتِعْجالِهِمْ بِما لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِنهُ مِن عَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَكَ في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِالعَذابِ﴾ ويَجْعَلُونَ تَأخُّرَهُ عَنْهم شُبْهَةٌ لَهم فِيما يَزْعُمُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ ضَرَبَ لِوَقْتِ عَذابِهِمْ لا تَقَدُّمَ فِيهِ ولا تَأخُّرَ ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ وقْتَ اسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ القُدْرَةَ تامَّةٌ والعِلْمُ مُحِيطٌ.
(p-٤٦٣)ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّهُ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى اسْتِهْزائِهِمُ المُتَضَمَّنِ لِلْإنْكارِ: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ ثُمَّ هَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ وأكَّدَ مَعْناها بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بَلْ هم في غايَةِ الغَفْلَةِ عَنْهُ والِاشْتِغالِ بِما يُنْسِيهِ، .
العنكبوت 29:54
ثُمَّ زادَ [فِي] التَّعَجُّبِ مِن جَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ إيقاعُهُ بِهِمْ ناجِزًا ولَوْ كانَ في غَيْرِ وقْتِهِ الألْيَقِ [بِهِ، ] فَلَوْ عَلِمُوا ما هم سائِرُونَ إلَيْهِ لِتَمَنَّوْا أنَّهم لَمْ يَخْلُقُوا فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَعْجِلُوا، ولَأعْمَلُوا جَمِيعَ جُهْدِهِمْ في الخَلاصِ مِنهُ.
ولَمّا كانَ دُخُولُهُمُ النّارَ لابُدَّ مِنهُ لِإحاطَةِ القُدْرَةِ بِهِمْ، قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمُ الآخِرَةَ بِإثْباتِ أخَصَّ مِنها: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ أيْ: بِما هي مُهَيَّأةٌ لَهُ، لِأنَّهُ لا يَفُوتُها شَيْءٌ مِنهُ، لِأنَّ الَّذِي أعَدَّها عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وقالَ: ﴿بِالكافِرِينَ﴾ مَوْضِعَ ”بِهِمْ“ تَنْبِيهًا عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ عَذابَها، وتَعْمِيمًا لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ.
العنكبوت 29:55
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ دَلِيلًا عَلى إنْكارِهِمْ قالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ذَلِكَ [يَوْمَ] ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: يَلْحَقُهم ويُلْصِقُ بِهِمْ ما لا يَدَعُ لَهم شَيْئًا يَسْتَعْذِبُونَهُ، ولا أمْرًا يَسْتَلِذُّونَهُ ونَبَّهَ عَلى عَدَمِ اسْتِغْراقِ (p-٤٦٤)جِهَةِ الفَوْقِ مَعَ اسْتِعْلائِهِ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ الإحاطَةَ بِما هو أدْنى مِن جِهَةِ الفَوْقِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ فَعُلِمَ بِذَلِكَ إحاطَتُهُ بِجَمِيعِ الجَوانِبِ، وصَرَّحَ بِالرَّجُلِ تَحْقِيقًا لِلْآدَمِيِّ ﴿ويَقُولُ﴾ أيْ: اللَّهُ في قِراءَةِ نافِعٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالتَّحْتانِيَّةِ جَرْيًا عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي، أوْ نَحْنُ بِعَظَمَتِنا في قِراءَةِ الباقِينَ تَرْوِيعًا بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿ذُوقُوا﴾ ما سَبَّبَهُ لَكم ﴿ما كُنْتُمْ﴾ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقَّ اليَقِينِ بَعْدَ عِلْمِكم لَهُ عَيْنَ اليَقِينِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكم بِعِلْمِ اليَقِينِ.
العنكبوت 29:56
ولَمّا أبْلَغَ في الإنْذارِ، وحَذَّرَ مِنَ الأُمُورِ الكِبارِ، ولَمْ يُهْمِلِ الإشارَةَ إلى الصِّغارِ، وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ في المُتَعَنِّتِينَ مِنَ الكُفّارِ، وكانَ قَدْ كَرَّرَ أنَّ هَذِهِ المَواعِظَ إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ مُخاطِبًا لَهم مُعْرِضًا عَنْ سِواهم إذا كانَتْ أسْماعُهم لِبَلِيغِ هَذِهِ المَواعِظِ قَدْ أصْغَتْ، وقُلُوبُهم لِجَلِيلِ هَذِهِ الإنْذاراتِ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ، التِفاتًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلى (p-٤٦٥)التَّلْذِيذِ في المُناجاةِ بِالإفْرادِ والإبْعادِ مِن مَداخِلِ التَّعَنُّتِ: ﴿يا عِبادِيَ﴾ فَشَرَّفَهم بِالإضافَةِ، ولَكِنَّهُ لَمّا أشارَ بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَرْسَخْ، حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [أيْ: ] وإنْ كانَ الإيمانُ بِاللِّسانِ مَعَ أدْنى شُعْبَةٍ مِنَ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ نُزُولُ هَذِهِ [السُّورَةِ] بِمَكَّةَ، وكانُوا بِها مُسْتَخِفِّينَ بِالعِبادَةِ خَوْفًا مِنَ الكُفّارِ، وكانَتِ الهِجْرَةُ لِلْأهْلِ والأوْطانِ شَدِيدَةً، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَ مَن تَرَكَ الهِجْرَةَ حالَ مَن يَظُنُّ أنَّ الأرْضَ ضَيِّقَةٌ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ أيْ: في الذّاتِ والرِّزْقِ وكُلِّ ما تُرِيدُونَ مِنَ الرِّفْقِ، فَإنْ لَمْ تَتَمَكَّنُوا بِسَبَبِ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ الَّذِينَ يَفْتِنُونَكم في دِينِكم ويَمْنَعُونَكم مِنَ الإخْلاصِ [لِي] في أرْضِكم والِاجْتِهادِ في عِبادَتِي حَتّى يَصِيرَ الإيمانُ لَكم وصْفًا، فَهاجِرُوا إلى أرْضٍ تَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتِ الإقامَةُ بِها قَبْلَ الفَتْحِ مُؤَدِّيَةً إلى الفِتْنَةِ، وكانَ المَفْتُونُ رُبَّما طاوَعَ بِلِسانِهِ، وكانَ ذَلِكَ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ في صُورَةِ الشِّرْكِ قالَ: ﴿فَإيّايَ﴾ أيْ: خاصَّةً بِالهِجْرَةِ إلى أرْضٍ تَأْمَنُونَ فِيها اعْبُدُوا وتَنَبَّهُوا ﴿فاعْبُدُونِ﴾ بِسَبَبِ ما دَبَّرْتُ لَكم مِنَ المَصالِحِ مِن تَوْسِيعِ الأرْضِ وغَيْرِهِ، عِبادَةً لا شِرْكَ فِيها، لا بِاللِّسانِ ولا بِغَيْرِهِ ولا اسْتِخْفافًا بِها ولا مُراعاةً لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَتِهِ، ولا شَيْءَ يَجُرُّ إلَيْها بِالهَرَبِ مِمَّنْ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ إلى مَن يُعِينُكم عَلَيْهِ.
العنكبوت 29:57
(p-٤٦٦)ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ شَدِيدَةَ المَرارَةِ لِأنَّها مَرَّتْ في المَعْنى مِن حَيْثُ كَوْنِها مُفارَقَةَ المَأْلُوفِ المَحْبُوبِ مِنَ العَشِيرِ والبَلَدِ والمالِ، وكانَ في المَوْتِ ذَلِكَ كُلُّهُ بِزِيادَةٍ، قالَ مُؤَكِّدًا بِذَلِكَ مُذَكِّرًا بِهِ مُرَهِّبًا مِن تَرْكِ الهِجْرَةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ: مُفارَقَةُ كُلِّ ما ألِفَتْ حَتّى بَدَنًا طالَما لابَسَتْهُ، وآنَسَها وآنَسَتْهُ، فَإنْ أطاعَتْ رَبَّها أنْجَتْ نَفْسَها ولَمْ تَنْقُصْها الطّاعَةُ في الأجَلِ شَيْئًا، وإلّا أوْبَقَتْ نَفْسَها ولَمْ تَزِدْها المَعْصِيَةُ في الأجَلِ شَيْئًا، فَإذا قَدَّرَ الإنْسانُ أنَّهُ ماتَ سَهُلَتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُفارِقْ بَعْضَ مَأْلُوفِهِ بِها فارَقَ كُلَّ مَأْلُوفِهِ [بِالمَوْتِ]، وما ذُكِرَ المَوْتُ في عَسِيرٍ إلّا يَسَّرَهُ، ولا يَسِيرٍ إلّا عَسَّرَهُ وكَدَّرَهُ.
ولَمّا هَوَّنَ أمْرَ الهِجْرَةِ، حَذَّرَ مَن رَضِيَ في دِينِهِ بِنَوْعِ نَقْصٍ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ حَثًّا عَلى الِاسْتِعْدادِ بِغايَةِ الجُهْدِ في التَّزَوُّدِ لِلْمَعادِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا﴾ عَلى عَظَمَتِنا، لا إلى غَيْرِنا ﴿تُرْجَعُونَ﴾ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ، فَيُجازِي كُلًّا مِنكم بِما عَمِلَ.
العنكبوت 29:58
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ آمَنُوا فَلَبِسُوا إيمانَهم بِنَوْعِ نَقْصٍ لَنَنْقُصَنَّهم في جَزائِهِمْ، والَّذِينَ كَفَرُوا لَنُرْكِسَنَّهم في جَهَنَّمَ دَرَكاتٍ تَحْتَ دَرَكاتٍ (p-٤٦٧)فَبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ، ولَكِنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَذابِ قَرِيبًا، وكانَ القَصْدُ هُنا التَّرْغِيبَ في الإيمانِ كَيْفَما كانَ، طَواهُ ودَلَّ عَلَيْهِ بِأنْ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ: كُلَّها.
ولَمّا كانَ الكُفّارُ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَكَيْفَ ما بَعْدَهُ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أيْ: لِنُسْكِنَنَّهم في مَكانٍ هو جَدِيرٌ بِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ مِن حُسْنِهِ وطِيبِهِ مَن خَرَجَ مِنهُ لِبَعْضِ أغْراضِهِ، وهو مَعْنى: ﴿مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أيْ: بُيُوتًا عالِيَةً تَحْتَها قاعاتٌ واسِعَةٌ بَهِيَّةٌ عالِيَةٌ، وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ.
ولَمّا كانَتِ العَلالِي لا تُرَوَّضُ إلّا بِالرِّياضِ قالَ: ﴿تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ لِجِهَةِ التَّحْتِ بِالعَذابِ أشْبَهَ، بَعْضُهُ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ في مَوْضِعٍ أنْهارٌ، إلّا كانَ بِهِ بَساتِينُ كِبارٌ، وزُرُوعٌ ورِياضٌ وأزْهارٌ فَيُشْرِفُونَ عَلَيْها مِن تِلْكَ العَلالِي.
ولَمّا كانَتْ بِحالَةٍ لا نَكَدَ فِيها يُوجِبُ هَجْرَهُ في لَحْظَةٍ ما، كَنّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا؛ ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَها، وشَرَّفَ قَدْرَها، بِقَوْلِهِ: ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾
العنكبوت 29:59
ثُمَّ وصَفَهم بِما يُرَغِّبُ في الهِجْرَةِ، فَقالَ مُعَرِّفًا بِجِماعِ الخَيْرِ [كُلِّهِ] الصَّبْرَ وكَوْنَهُ عَلى جِهَةِ التَّفْوِيضِ لِلَّهِ، (p-٤٦٨)مُنَبِّهًا عَلى أنَّ ١ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ أمْرٍ شاقٍّ يَنْبَغِي الصَّبْرُ عَلَيْهِ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ حَتّى اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهم فَكانَتْ سَجِيَّةً لَهم، فَأوْقَعُوها عَلى كُلِّ شاقٍّ مِنَ التَّكالِيفِ مِن هِجْرَةٍ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إلى المُحْسِنِ إلَيْهِ أمْيَلَ، قالَ مُرَغِّبًا في الِاسْتِراحَةِ بِالتَّفْوِيضِ إلَيْهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: وحْدَهُ لا عَلى أهْلٍ ولا وطَنٍ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: [ يُوجِدُونَ التَّوَكُّلَ إيجادًا مُسْتَمِرَّ التَّجْدِيدِ عِنْدَ كُلِّ مُهِمٍّ يَعْرِضُ لَهُمْ] في أرْزاقِهِمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ وغَيْرِها وجِهادِ أعْدائِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ.
العنكبوت 29:60
ولَمّا أشارَ بِالتَّوَكُّلِ إلى أنَّهُ الكافِي في أمْرِ الرِّزْقِ في الوَطَنِ والغُرْبَةِ، لا مالَ ولا أهْلَ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَكَأيٍّ مِن مُتَوَكِّلٍ عَلَيْهِ كَفاهُ، ولَمْ يُحْوِجْهُ إلى أحَدٍ سِواهُ، فَلْيُبادِرْ مَن أنْقَذَهُ مِنَ الكُفْرِ وهَداهُ إلى الهِجْرَةِ طالِبًا لِرِضاهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: كَثِيرٌ مِنَ الدَّوابِّ العاقِلَةُ وغَيْرُها ﴿لا تَحْمِلُ﴾ أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَ ﴿رِزْقَها﴾ ولا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِساعَةٍ أُخْرى، لِأنَّها قَدْ لا تُدْرِكُ نَفْعَ ذَلِكَ، وقَدْ تُدْرِكُهُ وتَتَوَكَّلُ، أوْ لا تَجِدُ.
ولَمّا كانَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: فَمَن يَرْزُقُها؟ قالَ جَوابًا لَهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، المُتَّصِفُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿يَرْزُقُها﴾ وهي لا تَدَّخِرُ ﴿وإيّاكُمْ﴾ وأنْتُمْ تَدَّخِرُونَ، لا فَرْقَ بَيْنَ تَرْزِيقِهِ لَها عَلى ضَعْفِها وتَرْزِيقِهِ لَكم (p-٤٦٩)عَلى قُوَّتِكم وادِّخارِكم، فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ تارَةً يَجِدُونَ وتارَةً لا يَجِدُونَ، فَصارَ الِادِّخارُ وعَدَمُهُ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مَنظُورٍ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ أهَمَّ ما لِلْحَيَوانِ الرِّزْقُ، فَهو لا يَزالُ في تَدْبِيرِهِ بِما يَهْجِسُ في ضَمِيرِهِ ويَنْطِقُ بِهِ إنْ كانَ ناطِقًا ويُهَمْهِمُ بِهِ إنْ كانَ صامِتًا، أمّا العاقِلُ فَبِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، وأمّا غَيْرُهُ فَبِأشْياءَ جُزْئِيَّةٍ وحْدانِيَّةٍ، وكانَ العاقِلُ رُبَّما قالَ: إنِّي لا أقْدِرُ عَلى قَطْعِ العَلائِقِ مِن ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ: لِما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ في أمْرِهِ وغَيْرِ أمْرِهِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِما يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ، وبِما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرُكم وأمْرُ عَدُوِّكم، فَهو لَمْ يَأْمُرْكم بِما أمَرَكم بِهِ إلّا وقَدْ أعَدَّ لَهُ أسْبابَهُ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُسَبِّبَ لِما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الأسْبابِ المُنْتِجَةِ عِنْدَهُ ولابُدَّ ما يُعَطِّلُهُ، وعَلى أنْ يُسَبِّبَ لِلْمُتَوَكِّلِ القاطِعِ لِلْعَلائِقِ ما يُغْنِيهِ، ومَن طالَعَ كُتُبَ التَّصَوُّفِ وتَراجِمَ القَوْمِ وسِيَرَ السَّلَفِ - نَفَعَنا اللَّهُ بِهِمْ - وجَدَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ بِما يُبَصِّرُهُ ويُسَلِّيهِ سُبْحانَهُ ويُصَبِّرُهُ.
العنكبوت 29:61
ولَمّا هَوَّنَ سُبْحانَهُ أمْرَ الرِّزْقِ بِخِطابِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ [كانَ قَدْ] أبْلَغَ في تَنْبِيهِ الكافِرِينَ بِإيضاحِ المَقالِ، وضَرْبِ الأمْثالِ، ولِينِ المُحاوَرَةِ في الجِدالِ، ولَمّا كانَ المَلِكُ لا يَتَمَكَّنُ غايَةَ التَّمَكُّنِ مِن تَرْزِيقِ مَن في غَيْرِ مَمْلَكَتِهِ، قالَ [عاطِفًا عَلى نَحْوِ: فَلَئِنْ سَألْتَهم عَنْ ذَلِكَ لِيُصَدِّقُنَّكَ] (p-٤٧٠)عائِدًا إلى اسْتِعْطافِ المُعْرِضِينَ، واللُّطْفِ بِالغافِلِينَ، ناهِجًا في تَفْنَيْنِ الوَعْظِ أعْنِي طُرُقَ الحِكْمَةِ، فَإنَّ السَّيِّدَ إذا كانَ لَهُ عَبْدانِ: مُصْلِحٌ ومُفْسِدٌ، يَنْصَحُ المُفْسِدَ، فَإنْ لَمْ يَسْمَعِ التَفَتَ إلى المُصْلِحِ، إعْراضًا عَنْهُ قائِلًا: هَذا لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ، فاسْمَعْ أنْتَ ولا تَكُنْ مِثْلَهُ، فَكانَ قَوْلُهُ مُتَضَمِّنًا نُصْحَ المُصْلِحِ وزَجْرَ المُفْسِدِ، ثُمَّ إذا سَمِعَ وعْظَ أخِيهِ كانَ ذَلِكَ مُحَرِّكًا مِنهُ بَعْدَ التَّحْرِيكِ بِالإعْراضِ والذَّمِّ بِسُوءِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وقِلَّةِ الفِطْنَةِ، فَإذا خاطَبَهُ بَعْدَ هَذا وجَدَهُ مُتَهَيِّئًا لِلْقَبُولِ، نازِعًا إلى الوِفاقِ، مُسْتَهْجِنًا لِلْخِلافِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: المُؤْمِنَ وغَيْرَهُ، وأغْلَبُ القَصْدِ لَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وسِواهُما عَلى هَذا النِّظامِ العَظِيمِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِإصْلاحِ الأقْواتِ، ومَعْرِفَةِ الأوْقاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ.
ولَمّا كانَ حالُهم في إنْكارِ البَعْثِ حالَ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ خَلَقَ هَذا الوُجُودَ، أكَّدَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِالبَعْثِ فَقالَ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لِما قَدْ تَقَرَّرَ في فِطَرِهِمْ مِن ذَلِكَ وتَلَقَّفُوهُ عَنْ آبائِهِمْ مُوافَقَةً لِلْحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ حالُ مَن صُرِفَ الهِمَّةِ عَنْهُ عَجَبًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْألَ عَنْهُ (p-٤٧١)عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ مِنهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا وجْهَ لَهُ، قالَ ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: يُصْرَفُ مِن صارِفٍ ما مَن لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُخْلِصْ لَهُ العِبادَةَ في كُلِّ أحْوالِهِ، وجَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، عَنِ الإخْلاصِ لَهُ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ فَيَكُونُ وجْهُهُ إلى قَفاهُ فَيَنْظُرُ الأشْياءَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ فَيَقَعُ في خَبْطِ العَشْواءِ وحَيْرَةِ العَجْباءِ.
العنكبوت 29:62
ولَمّا كانَ قَدْ يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ التَّفاوُتُ في الرِّزْقِ عِنْدَ كُلِّ مَن لَمْ يَتَأمَّلْ [حَقَّ التَّأمُّلِ] فَيُقالُ: بِكُلِّ الخَلْقِ والرِّزْقِ لَهُ، فَما بالُهم مُتَفاوِتِينَ في الرِّزْقِ؟ قالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِن [العَظَمَةِ] والإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ ﴿لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ.
ولَمّا كانَ [ذَلِكَ] إنَّما هو لِمَصالِحِ العِبادِ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم وجْهُ حِكْمَتِهِ قالَ: ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِتَظْهَرَ مِن ذَلِكَ قُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ، وأنْتَ تَرى المُلُوكَ وغَيْرَهم مِنَ الأقْوِياءِ يُفاوِتُونَ في الرِّزْقِ بَيْنَ عُمّالِهِمْ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُونَ مِن عِلْمِهِمُ النّاقِصِ بِأحْوالِهِمْ، فَما ظَنُّكَ بِمَلِكِ المُلُوكِ العالِمِ عِلْمًا لا تَدْنُو مِن ساحَتِهِ ظُنُونٌ ولا شُكُوكٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَتِيجَةَ ما قَبْلَها.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ يَرْزُقُ النّاسَ، ويُمْكِنُ لَهم بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن (p-٤٧٢)ضَمائِرِهِمْ أنَّهُ لا صَلاحَ إلّا فِيهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ ومُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى مَن يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِن تَقْصِيرِ بَعْضِ العِبادِ وتَشْمِيرِ بَعْضِهِمْ، مُعْلِمًا بِأنَّهُ مُحِيطُ العِلْمِ فَهو مُحِيطُ القُدْرَةِ [فَهُوَ] الَّذِي سَبَّبَ عَجْزَ بَعْضِهِمْ وطاقَةَ الآخَرِينَ لِمُلازِمَةِ القُدْرَةِ العِلْمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [أيْ: ] مِنَ المَرْزُوقِينَ ومِنَ الأرْزاقِ وكَيْفَ تُمْنَعُ أوْ تُساقُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَهو عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَدِيرٌ، يَعْلَمُ ما يُصْلِحُ العِبادَ مِن ذَلِكَ وما يُفْسِدُهم، ويُعْطِيهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ إنْ شاءَ وكَمْ رامَ بَعْضُ الأقْوِياءِ إغْناءَ فَقِيرٍ وإفْقارَ غَنِيٍّ، فَكَشَفَ الحالَ عَنْ فَسادِ ما رامُوا مِنَ الِانْتِقالِ.
العنكبوت 29:63
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا شُمُولُ عِلْمِهِ، لَزِمَ تَمامَ قُدْرَتِهِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في طَهَ، فَقالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ ذاكِرًا السَّبَبَ القَرِيبَ في التَّرْزِيقِ بَعْدَما ذَكَرَ البَعِيدَ، فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِأنَّ هَذا السَّبَبَ مِنهُ يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ بِأنَّ المُسَبِّبَ أيْضًا مِنهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ﴾ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ عَلى حَسَبِ ما [فَعَلَ] في التَّرْزِيقِ، [ولَمّا كانَ رُبَّما ادَّعى مُدَّعٍ أنَّهُ اسْتَنْبَطَ ماءً فَأنْزَلَهُ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ، ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِهِ سُبْحانَهُ سالِمًا عَنْ دَعْوى المُدَّعِينَ فَقالَ]: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ بَعْدَ أنْ كانَ مَضْبُوطًا في جِهَةِ العُلُوِّ (p-٤٧٣)﴿فَأحْيا﴾ [ولَمّا كانَ أكْثَرُ الأرْضِ يَحْيا بِماءِ المَطَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى سَقْيٍ، قَدَّمَ الجارَّ فَقالَ]: ﴿بِهِ الأرْضَ﴾ الغَبْراءَ، وأشارَ بِإثْباتِ الجارِّ إلى قُرْبِ الإنْباتِ مِن زَمانِ المَماتِ، [وإلى أنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلى الجُزْئِيّاتِ المَوْجُودَةِ المَحْسُوسَةِ، ولا تَنْفُذُ عُقُولُهم إلى الكُلِّيّاتِ المَعْقُولَةِ نُفُوذَ أهْلِ الإيمانِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما أوْجَدَهُ سُبْحانَهُ بِالفِعْلِ في وقْتٍ فَهو مَوْجُودٌ إمّا بِإيجادِهِ إذا أرادَ، فالأرْضُ حَيَّةٌ بِإحْيائِهِ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ المَطَرِ في جَمِيعِ الزَّمَنِ الَّذِي هو بَعْدَ المَوْتِ بِالقُوَّةِ كَما أنَّها حَيَّةٌ في بَعْضِها بِالفِعْلِ] فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ فَصارَتْ خَضْراءَ تَهْتَزُّ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ بِها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وأكَّدَ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حالَهم في إنْكارِ البَعْثِ حالُ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ صانِعَ ذَلِكَ، لِمُلازَمَةِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ القُدْرَةَ عَلى البَعْثِ [بِقَوْلِهِ: ] ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وهو الَّذِي الكَمالُ كُلُّهُ، فَلَزِمَهم تَوْحِيدُهُ.
فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ الخالِقُ بَدْءًا وإعادَةً كَما يُشاهَدُ في كُلِّ زَمانٍ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَةِ صِفاتِهِ اللّازِمِ مِن إثْباتِها صِدْقُ رَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلِ﴾ مُعَجِّبًا مِنهم في جُمُودِهِمْ حَيْثُ يُقِرُّونَ بِما يُلْزِمُهُمُ التَّوْحِيدَ ثُمَّ لا يُوَحِّدُونَ: ﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ كُلِّها ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ ولَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ إحاطَةٌ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَلَزِمَهُمُ الحُجَّةُ بِما (p-٤٧٤)أقَرُّوا بِهِ مِن إحاطَتِهِ، وهم لا يُثْبِتُونَ ذَلِكَ بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ، بَعْضُهم مُطْلَقًا لِأنَّهُ ماتَ كافِرًا] حَيْثُ هم مُقِرُّونَ بِمَعْنى الحَمْدِ مِن أنَّهُ الخالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ بَدْءًا وإعادَةً ثُمَّ يَفْعَلُونَ ما يُنافِي ذَلِكَ فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ خَلَقَهُ ولا يَتَوَكَّلُونَ في جَمِيعِ الأُمُورِ بَرًّا وبَحْرًا عَلَيْهِ ويُوَجِّهُونَ العِبادَةَ خالِصَةً إلَيْهِ، فَهم لا يَعْرِفُونَ مَعْنى الحَمْدِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، [ومِنهم مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكانَ في الذِّرْوَةِ مِن كَمالِ العَقْلِ في التَّوْحِيدِ الَّذِي يَتْبَعُهُ سائِرُ الفُرُوعِ، ومِنهم مَن كانَ دُونَ ذَلِكَ، فَكانَ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهُ مُقَيَّدًا بِالكَمالِ].
العنكبوت 29:64
ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذا الآياتِ أنَّ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَناءِ والزَّوالِ، والقَلْعَةِ والِارْتِحالِ، وصَحَّ أنَّ السُّرُورَ بِها في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى مُشِيرًا بَعْدَ سَلْبِ العَقْلِ عَنْهم إلى أنَّهم فِيها كالبَهائِمِ يَتَهارَجُونَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ فَحَقَّرَها بِالإشارَةِ ولَفْظِ الدَّناءَةِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ الِاعْتِرافَ بِهَذا الِاسْمِ كافٍ في الإلْزامِ بِالِاعْتِرافِ بِالأُخْرى.
ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الحَثَّ عَلى الجِهادِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وكانَ في مَعْرِضٍ سَلْبِ العَقْلِ عَنْهم، قَدَّمَ اللَّهْوَ لِأنَّ الإعْراضَ عَنْهُ يَحْسِمُ مادَّةَ الشَّرِّ فَإنَّهُ الباعِثُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إلا لَهْوٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ يُلْهِي عَمّا يَنْفَعُ (p-٤٧٥)﴿ولَعِبٌ﴾ يَشْتَغِلُ بِهِ صِبْيانُ العُقُولِ، وكُلُّ غافِلٍ وجَهُولٍ، فَإنَّ اللَّهْوَ كُلُّ شَيْءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْجِبَ النَّفْسَ كالغِناءِ والزِّينَةِ مِنَ المالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِ، فَيَحْصُلُ بِهِ فَرَحٌ وزِيادَةُ سُرُورٍ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ والذُّهُولِ والنِّسْيانِ والشُّغْلِ عَنِ اسْتِعْمالِ العَقْلِ في اتِّباعِ ما يُنْجِي في الآخِرَةِ فَيَنْشَأُ عَنْهُ ضَلالٌ - عَلى ما أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ لُقْمانَ -: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] ومِنهُ اللَّعِبُ، وهو فِعْلُ ما يَزِيدُ النَّفْسَ في دُنْياها سُرُورًا كالرَّقْصِ بَعْدَ السَّماعِ ويَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ لِأنَّهُ ضِدُّ الجِدِّ ومِثْلُ الهَزْلِ، و[هُوَ] كُلُّ شَيْءٍ سافِلٍ، وكُلُّ باطِلٍ يُقْصَدُ بِهِ زِيادَةُ البَسْطِ والتَّرْوِيحِ والتَّمادِي في قَطْعِ الزَّمانِ فِيما يَشْتَهِي مِن غَيْرِ تَعَبٍ، واللُّعْبَةُ بِالضَّمِّ-: التِّمْثالُ، وما يُلْعَبُ بِهِ كالشَّطَرَنْجِ، والأحْمَقُ يَسْخَرُ بِهِ، ولَعِبَ لَعِبًا: مَرِحَ، وفي الأمْرِ والدِّينِ: اسْتَخَفَّ بِهِ.
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ، أخْبَرَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ أنَّهُ لا حَياةَ غَيْرُها فَقالَ: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الحَيَوانُ﴾ أيْ: الحَياةُ التّامَّةُ الباقِيَةُ العامَّةُ الوافِيَةُ نَفْسُها مِن حَيْثُ أنَّهُ لا مَوْتَ فِيها ولا فَناءَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ هَذا البِناءُ الدّالُّ عَلى المُبالَغَةِ، وحَرَكَتُهُ مُشْعِرَةٌ بِما في الحَياةِ مِن مُطْلَقِ الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ، فَلا انْقِضاءَ لِشَيْءٍ مِن لَعِبِها ولا لِهَواها الَّذِي [لا] يُوافِقُ ما في الدُّنْيا إلّا في الصُّورَةِ فَقَطْ (p-٤٧٦)لا في المَعْنى، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ سافِلٌ لا في الباعِثِ ولا في المَبْعُوثِ إلَيْهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَعارِفِ والبَسْطِ والتَّرْوِيحِ، والِانْشِراحِ والأُنْسِ والتَّفْرِيحِ.
ولَمّا كانُوا [قَدْ] غَلِطُوا في الدّارَيْنِ كِلْتَيْهِما فَأنْزَلُوا كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما غَيْرَ مَنزِلَتِها، فَعَدُّوا الدُّنْيا وُجُودًا دائِمًا عَلى هَذا الحالَةِ والآخِرَةَ عَدَمًا، لا وُجُودَ لَها بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿لَوْ كانُوا﴾ [أيْ: ] كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَهم عِلْمٌ ما لَمْ يَغْلَطُوا في واحِدَةٍ مِنهُما فَلَمْ يَرْكَبُوا مَعَ إيثارِهِمْ لِلْحَياةِ وشِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ مِنَ المَوْتِ، لِاعْتِقادِهِمْ أنْ لا قِيامَ بَعْدَهُ إلى الدُّنْيا، مَعَ أنَّ أصْلَها عَدَمُ الحَياةِ الَّذِي هو المَوَتانُ.
العنكبوت 29:65
ولَمّا خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِما أفْهَمَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، والَّتِي قَبْلَها بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَعْقِلُونَ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ عَدَمِ عَقْلِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ أنَّهم إذا ﴿رَكِبُوا﴾ أيْ: البَحْرَ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيْ: السُّفُنِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْلى المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ خافُوا مِنها الهَلاكَ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ بِالإعْراضِ عَنْ شُرَكائِهِمْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، لِما هم لَهُ مُحَقِّقُونَ أنَّهُ لا مُنْجِيَ عِنْدَ تِلْكَ الشَّدائِدِ غَيْرُهُ ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ﴾ أيْ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، مُوصِلًا لَهم ﴿إلى البَرِّ إذا هُمْ﴾ أيْ: حِينَ الوُصُولِ إلى البَرِّ (p-٤٧٧)﴿يُشْرِكُونَ﴾ فَصَحَّ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، لِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ، حَيْثُ يُقِرُّونَ بِعَجْزِ آلِهَتِهِمْ ويُشْرِكُونَها مَعَهُ، فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا إذا رَكِبُوا البَحْرَ حَمَلُوا [مَعَهُمُ] الأصْنامَ، فَإذا اشْتَدَّتْ بِهِمُ الرِّيحُ ألْقَوْها في البَحْرِ وقالُوا يا رَبِّ! يا رَبِّ.
وقالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرَّبِّ في فِطْرَةِ كُلِّ إنْسانٍ، وأنَّهم إنْ غَفَلُوا في السَّرّاءِ فَلا شَكَّ أنَّهم يَلُوذُونَ إلَيْهِ في حالِ الضَّرّاءِ - انْتَهى. فَعُلِمَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا هو الصّادُّ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وأنَّ الِانْقِطاعَ عَنْها مُعِينٌ لِلْفِطْرَةِ [الأُولى المُسْتَقِيمَةِ، ولِهَذا نَجِدُ الفُقَراءَ أقْرَبَ إلى كُلِّ خَيْرٍ.
العنكبوت 29:66
ولَمّا كانُوا مَعَ هَذا الفِعْلِ] - الَّذِي لا يَفْعَلُهُ إلّا مَسْلُوبُ العَقْلِ - يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ وأبْصَرُهم بِلَوازِمِ الأفْعالِ وما يَشِينُ الرِّجالَ، وكانَ فِعْلُهم هَذا كُفْرًا لِلنِّعْمَةِ، مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ لِلْمَعْرُوفِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ عادَتَهم مُخالِفَةٌ لِعادَةِ المُؤْمِنِينَ في [جَعْلِهِمْ نِعْمَةَ النَّجاةِ سَبَبًا لِزِيادَةِ طاعاتِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّهُ ما كانَ إخْلاصُهم في البَحْرِ إلّا صُورَةً لا حَقِيقَةَ لَها: ] ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ عَلى عَظَمَتِنا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي يَكْفِي في عَظَمَتِها أنَّهُ لا يُمْكِنُ غَيْرَنا أنْ يَفْعَلَها ما أشْرَكُوا إلّا لِأجْلِ هَذا الكُفْرِ، وإلّا لَكانُوا فاعِلِينَ لِشَيْءٍ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِعْلَ مَن لا عَقْلَ لَهُ أصْلًا وهم يُحاشُونَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ بِما يَجْتَمِعُونَ (p-٤٧٨)عَلَيْهِ في الإشْراكِ مِنَ التَّواصُلِ والتَّعاوُنِ، وعِنْدَ مَن سَكَّنَ اللّامَ - وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وقالُونُ عَنْ نافِعٍ - يَكُونُ مَعْطُوفًا تَهْدِيدًا عَلى مُقَدَّرٍ هو ”فَلْيَكْفُرُوا“ أوْ عَلى ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ السّابِقِ، عَلى أنَّ لامَهُ لِلْأمْرِ، وسَيَأْتِي في الرُّومِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُؤَيِّدُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ما يَحِلُّ بِهِمْ بِهَذا الفِعْلِ الَّذِي هو دائِرٌ بَيْنَ كُفْرٍ وجُنُونٍ.
العنكبوت 29:67
ولَمّا كانَ قَدْ فَعَلَ بِهِمْ سُبْحانَهُ مِنَ الأمْنِ الشَّدِيدِ المَدِيدِ في البَرِّ دُونَ سائِرِ العَرَبِ عَكْسَ ما ذُكِرَ مِن حالِ خَوْفِهِمُ الشَّدِيدِ في البَحْرِ، وكانَ قادِرًا عَلى إخافَتِهِمْ في البَرِّ كَما قَدَرَ عَلى إخافَتِهِمْ في البَحْرِ لِيَدُومَ إخْلاصُهم، وكانَ كُفْرُهم عِنْدَ الأمْنِ بَعْدَ الإخْلاصِ عِنْدَ الخَوْفِ - مَعَ أنَّهُ أعْظَمُ النَّقائِصِ - [هَزَلًا] لا يَفْعَلُهُ إلّا مَن أمَنَ مِثْلِ تِلْكَ المُصِيبَةِ في البَرِّ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ في نَحْوِ أنْ يُقالَ: ألَمْ يَرَوْا أنّا قادِرُونَ عَلى إخافَتِهِمْ وإهْلاكِهِمْ في البِرِّ كَما نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ في البَحْرِ كَما فَعَلْنا بِغَيْرِهِمْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [أيْ: ] بِعُيُونِ بَصائِرِهِمْ ﴿أنّا جَعَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا لَهم ﴿حَرَمًا﴾ وقالَ تَعالى: ﴿آمِنًا﴾ لِأنَّهُ لا خَوْفَ عَلى مَن دَخَلَهُ، فَلَمّا أمِنَ كُلُّ حالٍّ بِهِ كانَ كَأنَّهُ هو نَفْسُ الأمْنِ، (p-٤٧٩)وهُوَ حَرَمُ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، وأمْنُهُ مُوجِبٌ لِلتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، رَغْبَةً في دَوامِهِ، وخَوْفًا مِنِ انْصِرامِهِ، [كَما كانَ الخَوْفُ في البَحْرِ مُوجِبًا لِلْإخْلاصِ خَوْفًا مِن دَوامِهِ، ورَغْبَةً في انْصِرامِهِ] ”و“ الحالُ أنَّهُ ”يَتَخَطَّفُ“ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ الفِعْلُ لا فاعِلٌ مُعَيَّنٌ.
ولَمّا كانَ التَّخَطُّفُ غَيْرَ خاصٍّ بِناسٍ دُونَ آخَرِينَ، بَلْ كانَ جَمِيعُ العَرَبِ يَغْزُو بَعْضُهم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الأذى، قالَ: ﴿النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن حَوْلِ مَن فِيهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ تَخْطِفَ الطُّيُورَ مَعَ قِلَّةِ مَن بِمَكَّةَ وكَثْرَةِ مَن حَوْلَهم، فالَّذِي خَرَقَ العادَةَ في فِعْلٍ ذَلِكَ حَتّى صارَ عَلى هَذا السَّنَنِ قادِرٌ عَلى أنْ يَعْكِسَ الحالَ فَيَجْعَلَ مَن بِالحَرَمِ مُتَخَطَّفًا ومَن حَوْلَهُ آمِنًا، أوْ يَجْعَلَ الكُلَّ في الخَوْفِ عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ.
ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا وجْهَ لِشِرْكِهِمْ ولا لِكُفْرِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ الظّاهِرَةَ المَكْشُوفَةَ، تَسَبَّبَ الإنْكارُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِالباطِلِ﴾ أيْ: خاصَّةً مِنَ الأوْثانِ وغَيْرِها ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ والحالُ أنَّهُ لا يَشُكُّ عاقِلٌ في بُطْلانِهِ، وجاءَ الحَصْرُ مِن حَيْثُ إنَّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَبِعَهُ الكُفْرُ بِكُلِّ حَقٍّ والتَّصْدِيقُ بِكُلِّ باطِلٍ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أحْدَثَها لَهم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ (p-٤٨٠)حَيْثُ جَعَلُوا مَوْضِعَ شُكْرِهِمْ لَهُ عَلى النَّجاةِ شِرْكَهم بِعِبادَةِ غَيْرِهِ.
العنكبوت 29:68
ولَمّا كانَ الظُّلْمُ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، وكانَ وضْعُ الشَّيْءِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ [أظْلَمَ] الظُّلْمِ، كانَ فِعْلُهم هَذا الَّذِي هو إنْزالُ ما لا يَعْلَمُ شَيْئًا ولا يَقْدِرُ [عَلى شَيْءٍ في مَنزِلَةِ مَن يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ ويَقْدِرُ] عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ أظْلَمَ الظُّلْمِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أظْلَمُ مِنهم في ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ أيْ: أشَدُّ وضْعًا لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها، لِأنَّهُ لا نُورَ لَهُ بَلْ هو في ظَلامِ الجَهْلِ يَخْبِطُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: أيَّ كَذِبٍ كانَ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ كَما كانُوا يَقُولُونَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً: وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ﴾ مِن هَذا القُرْآنِ المُعْجِزِ المُبِينِ، عَلى لِسانِ هَذا الرَّسُولِ الأمِينِ الَّذِي ما أخْبَرَ خَبَرًا إلّا طابَقَهُ الواقِعُ ﴿لَمّا﴾ أيْ: حِينَ ﴿جاءَهُ﴾ مِن غَيْرِ إمْهالٍ إلى أنْ يَنْظُرَ ويَتَأمَّلَ فِيما جاءَهُ مِنَ الأمْرِ الشَّدِيدِ الخَطِرِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، بَلْ هو أظْلَمُ الظّالِمِينَ، فَهو كافِرٌ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَقُولُونَ عِنادًا: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، قالَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ، ولِأنَّ فِعْلَهم فِعْلُ المُنْكِرِ، وتَقْرِيرًا لَهم لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ إذا دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ كانَتْ لِلتَّقْرِيرِ، عَدًّا بِهِ بِمَنزِلَةِ ما (p-٤٨١)لا نِزاعَ فِيهِ أصْلًا: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ أيْ: مَنزِلٌ ومَوْضِعُ إقامَةٍ وحَبْسٍ لَهُ وقَدِ ارْتَكَبَ هَذا الكُفْرَ العَظِيمَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ- ولَكِنَّهُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ وتَعْلِيقِ الفِعْلِ بِالوَصْفِ قالَ: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يُغَطُّونَ أنْوارَ الحَقِّ الواضِحِ، أوْ لَيْسَ هو مِنَ الكافِرِينَ؟ أيْ: إنَّ كُلًّا مِنَ المُقَدِّمَتَيْنِ صَحِيحٌ لا إنْكارَ فِيهِ، ولا يَنْتَظِمُ إنْكارُهم إلّا بِإفْسادِ إحْدَيْهِما، أمّا كُفْرُهُ لِلْمُنْعِمِ بَعْدَ إنْجائِهِ مِنَ الهَلاكِ حَيْثُ عَبَدَ غَيْرَهُ فَلا يَسَعُ عاقِلًا إنْكارُهُ، وأمّا كَوْنُ جَهَنَّمَ تَسَعُهُ بَعْدَ إخْبارِ القادِرِ بِهِ فَلا يَسَعُ مُقِرًّا بِالقُدْرَةِ إنْكارُهُ، فالمُقَدِّمَتانِ مِمّا لا مَطْعَنَ فِيهِ عِنْدَهم، فَأنْتَجَتا أنَّ مَثْواهُ جَهَنَّمُ، [وصارَ القِياسُ هَكَذا: عابِدٌ غَيْرُ مَن أنْجاهُ كافِرٌ، وكُلُّ كافِرٍ مَثْواهُ جَهَنَّمُ، فَعابِدُ غَيْرَ مَن أنْجاهُ مَثْواهُ جَهَنَّمُ].
العنكبوت 29:69
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ في الَّذِينَ فُتِنُوا فَلَمْ يُجاهِدُوا أنْفُسَهم كانَ المَعْنى: فالَّذِينَ فَتَنّاهم فَوُجِدُوا كاذِبِينَ ضَلُّوا فَصارُوا لا يَعْقِلُونَ ولا يَعْلَمُونَ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُجاهِدِينَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الجِهادَ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالمُفاعَلَةِ ﴿فِينا﴾ أيْ: بِسَبَبِ حَقِّنا ومُراقِبَتِنا خاصَّةً بِلُزُومِ الطّاعاتِ مِن جِهادِ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ (p-٤٨٢)مِن كُلِّ ما يَنْبَغِي الجِهادُ فِيهِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، ومُخالَفَةِ الهَوى عِنْدَ هُجُومِ الفِتَنِ، وشَدائِدِ المِحَنِ، مُسْتَحْضِرِينَ لِعَظَمَتِنا.
ولَمّا كانَ الكُفّارُ يَنْكِرُونَ فَلاحَهم وكانَ المُفْلِحُ والظّافِرُ في كُلِّ شَيْءٍ هو المُهْتَدِي، قالَ مُعَبِّرًا بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ بِما نَجْعَلُ لَهم مِنَ النُّورِ الَّذِي لا يَضِلُّ مَن صَحِبَهُ، هِدايَةً يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿سُبُلَنا﴾ أيْ: لا سُبُلَ غَيْرُها، عِلْمًا وعَمَلًا، ونَكُونُ مَعَهم بِلُطْفِنا ومَعُونَتِنا، لِأنَّهم أحْسَنُوا المُجاهَدَةَ فَهَنِيئًا لِمَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَوْ فُواقَ ناقَةٍ لِهَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] ولِهَذا كانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ فانْظُرُوا ما عَلَيْهِ أهْلُ الغَزْوِ.
ولَمّا كانَ المُحْسِنُ كُلَّما تَوَفَّرَ حَظُّهُ في مَقامِ الإحْسانِ نَقَصَ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا، فَظَنَّ الأغْبِياءُ أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ بِهِ عِنايَةٌ، عَظَّمَ التَّأْكِيدَ في قَوْلِهِ، [لافِتًا الكَلامَ عَنْ أُسْلُوبِ الجَلالِ إلى أجَلِّ عَنْهُ بِما زادَ مِنَ الجَمالِ] ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وجَمِيعِ كَمالِهِ لَمَعَهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أرادَ الإعْلامَ بِإحْسابِهِمْ وتَعْلِيقِ الحُكِمِ (p-٤٨٣)بِالوَصْفِ والتَّعْمِيمِ فَأظْهَرَ قائِلًا: ﴿لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كُلِّهم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ في دُنْياهم، والثَّوابِ والمَغْفِرَةِ في عُقْباهم، بِسَبَبِ جِهادِهِمْ لِأنَّهُ شُكْرٌ يَقْتَضِي الزِّيادَةَ، ومَن كانَ مَعَهُ سُبْحانَهُ فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، وإنْ رَأى الجاهِلُ خِلافَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجْعَلُ عِزَّهم مِن وراءِ ذُلٍّ ويَسْتُرُ غِناهم بِساتِرِ فَقْرٍ، حِمايَةً لَهم مِمّا يَجُرُّ إلَيْهِ دائِمُ العِزِّ مِنَ الكِبْرِ، ويَحْمِلُ عَلَيْهِ عَظِيمُ الغِنى مِنَ الطُّغْيانِ، وما أحْسَنَ ما نَقَلَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في الرِّسالَةِ عَنِ الحارِثِ المُحاسِبِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن صَحَّحَ باطِنَهُ بِالمُراقَبَةِ والإخْلاصِ زَيَّنَ اللَّهُ ظاهِرَهُ بِالمُجاهَدَةِ واتِّباعِ السُّنَّةِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا الجِهادَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وثانِيًا: أنَّهُ مَعَ المُحْسِنِينَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المَعِيَّةِ والإحْسانِ أوَّلًا، فَقَدْ عانَقَ أوَّلُ السُّورَةِ هَذا الآخَرَ، وكانَ إلَيْهِ أعْظَمَ ناظِرٍ، فَنَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ مِنَ الفِتَنِ، والمُجاهَدَةَ إنْ كانَ لابُدَّ مِنَ المِحَنِ، وإلَيْهِ المَآبُ.