Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الشورى 42:1 – الزخرف 43:89
المحتويات
- الشورى 42:1
- الشورى 42:2
- الشورى 42:3
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
الشورى 42:1
(p-٢٣٠)سُورَةُ حم عسق وتُسَمّى أيْضًا عسق والشُّورى
مَقْصُودُها الِاجْتِماعُ عَلى الدِّينِ الَّذِي أساسُهُ الإيمانُ، وأُمُّ دَعائِمِهِ الصَّلاةُ، ورُوحُ أمْرِهِ الأُلْفَةُ بِالمُشاوَرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِكُلِّ أهْلِ الدِّينِ كُلِّهِمْ في سَواءٍ كَما أنَّهم في العُبُودِيَّةِ لِشارِعِهِ سَواءٌ، وأعْظَمُ نافِعٍ في ذَلِكَ الإنْفاقِ والمُؤاساةِ فِيما في اليَدِ، والعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيءِ، والإذْعانِ لِلْحَقِّ وإنْ صَعُبَ وشَقَّ، وذَلِكَ كُلُّهُ الدّاعِي إلَيْهِ هَذا الكِتابُ الَّذِي هو رُوحُ جَسَدِ هَذا الدِّينِ المُعَبِّرِ عَمّا دَعا إلَيْهِ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ، وشَرائِفِ الخِلالِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإلى ذَلِكَ لَوَّحَ آخَرُ آخِرَ السُّورَةِ الماضِيَةِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ( ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] (وصَرَّحَ ما في هَذِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] (وتَسْمِيَتُها بِالشُّورى واضِحُ المُطابَقَةِ لِذَلِكَ لِما في الِانْتِهاءِ وكَذَلِكَ بِالأحْرُفِ المُتَقَطِّعَةِ فَإنَّها جامِعَةٌ لِلْمَخارِجِ الثَّلاثَةِ: الحَلْقُ والشَّفَةُ واللِّسانُ، وكَذا (p-٢٣١)جَمْعُها لِصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ، ووَصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ، وهي واسِطَةٌ جامِعَةٌ بَيْنَ حُرُوفِ أُمِّ الكِتابِ الذِّكْرُ الأوَّلُ، وحُرُوفُ القُرْآنِ العَظِيمِ، وهَذا المَقْصُودُ هو غايَةُ المَقْصُودِ مِن أُخْتِها سُورَةُ مَرْيَمَ المُوافِقَةِ لَها في الِابْتِداءِ بِالتَّساوِي في عَدَدِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وفي الِانْتِهاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَنِ اخْتَصَّ بِمَصِيرِ الأُمُورِ، كانَ المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى إهْلاكِ القُرُونِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقْصُودَها اتِّصافُهُ تَعالى بِشُمُولِ الرَّحْمَةِ بِإفاضَةِ جَمِيعِ النِّعَمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وغايَةِ هَذا الِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ، ولَمّا تَوافَقَتا في المَقْصُودِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ، واخْتُصَّتِ الشُّورى بِأنَّ حُرُوفَها اثْنانِ، دَلَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ أرْبابَ البَصائِرِ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ قِسْمانِ: أُصُولٌ وفُرُوعٌ، دَلَّتْ مَرْيَمُ عَلى الأُصُولِ
﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] وإنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراط مُسْتَقِيم،
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] والشُّورى عَلى مَجْمُوعِ الدِّينِ أُصُولًا وفُرُوعًا شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] (الآيَةُ، هَذا مُوافَقَةُ البِدايَةِ، وأمّا مُوافَقَةُ النِّهايَةِ فَهو أنَّهُما خَتَمَتا بِكَلِمَتَيْنِ: أوَّلُ كُلٍّ مِنهُما آخِرُ الأُخْرى وآخِرُ كُلِّ أوَّلٍ الأُخْرى وإيذانًا بِأنَّ السُّورَتَيْنِ دائِرَةٌ واحِدَةٌ مُحِيطَةٌ بِالدِّينِ مُتَّصِلَةٌ لا انْفِصامَ لَها، وذَلِكَ أنَّ آخِرَ مَرْيَمَ أوَّلُ الشُّورى وآخِرَ الشُّورى أوَّلُ مَرْيَمَ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] (، الآيَةُ هو ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ (p-٢٣٢)ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] (إلى آخِرِها هو ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] (- إلى آخِرِ القِصَّةِ في الدُّعاءِ بِإرْثِ الحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ الَّذِي رُوحُهُ الوَحْيُ واللهُ الهادِي، وكَذا تَسْمِيَتُها بِبَعْضِها بِدَلالَةِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ بِسْمِ اللهِ (الَّذِي أحاطَ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَنَفَذَ أمْرُهُ، فاسْتَجابَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ طَوْعًا أوْ كَرْهًا الرَّحْمَنُ (الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ فَهَيَّأتْ عِبادَهُ لِقَبُولِ أمْرِهِ الرَّحِيمِ (الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِما تَرْتَضِيهِ الإلَهِيَّةُ مِن رَحْمَتِهِ، فَجَمَعَ كَلِمَتَهم عَلى دِينِهِ عَقْدًا وفِعْلًا ومَآلًا
* *
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ هَذِهِ الحُرُوفُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى كَلِماتٍ مُنْتَظِمَةٍ مِن كَلامٍ عَظِيمٍ يُشِيرُ إلى أنَّ مَعْنى هَذا الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ عَلَتْ وعَمَّتْ فَعَفَتْ سِقامَ القُلُوبِ، وقَسَّمَتْ حُرُوفَها قِسْمَيْنِ مُوافِقَةٍ لِبَقِيَّةِ أخَواتِها وبَعْدَها آيَتَيْنِ، ولَمْ تُقَسَّمْ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] لِأنَّها آيَةٌ واحِدَةٌ ولا أُخْتَ لَها ولَمْ تُقَسَّمْ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] مَثَلًا وإنْ كانَ لَها أخَواتٌ لِأنَّها آيَةٌ واحِدَةٌ، ولَمْ يَعُدْ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ حَرْفٌ واحِدٌ آيَةً، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مُفْرَدَةً فَتَكُونُ إشارَةً إلى أسْرارٍ تَمْلَأُ الأقْطارَ، وتَشْرَحُ الصُّدُورَ والأفْكارَ، فَإنْ نَظَرْتَ إلى مَخارِجِها وجَدْتَها قَدْ حَصَلَ الِابْتِداءُ فِيها بِأدْنى وسَطِ (p-٢٣٣)الحَلْقِ إلى اللِّسانِ بِاسْمِ الحاءِ وثَنى بِأوْسَطِ حُرُوفِ الشَّفَةِ وهي المِيمُ وحَصَلَ الرُّجُوعُ إلى وسَطِ الحَلْقِ بِأقْصاهُ مِنَ اللِّسانِ في اسْمِ العَيْنِ، وهو جامِعٌ لِلْحَلْقِ واللِّسانِ، وقَصَدَ رابِعًا إلى اللِّسانِ بِالسِّينِ الَّتِي هي مِن أدْناهُ إلى الشَّفَتَيْنِ وهو رَأْسُهُ ولَها التِصاقٌ بِالشَّفَتَيْنِ واتِّصالٌ بِأعْلى الفَمِ فَفِيها بِهَذا الِاعْتِبارِ جَمْعٌ ثُمَّ جَعَلَ بَعْدَ هَذا الظُّهُورِ بُطُونًا إلى أصْلِ اللِّسانِ، وهو أقْصاهُ مِنَ الشَّفَةِ بِالقافِ، ولِاسْمِ هَذا الحَرْفِ جَمْعٌ بِالِابْتِداءِ بِأصْلِ اللِّسانِ مَعَ سَقْفِ الحَلْقِ والِاخْتِتامِ بِالشَّفَةِ العُلْيا والثَّنِيَّتَيْنِ السُّفْلَيَيْنِ، فَفي هَذِهِ الحُرُوفِ ثَلاثَةٌ وهي أكْثَرُها لَها نَظَرَ بِما فِيها مِنَ الجَمْعِ إلى مَقْصُودِ السُّورَةِ، وقَدِ اتَّسَقَ الِابْتِداءُ فِيها فِيما كانَ مِن حَرْفَيْنِ جَمَعَهُما مَخْرَجٌ بِالأعْلى ثُمَّ بِالأدْنى إشارَةً إلى أنَّهُ يَكُونُ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ بَعْدَ الظُّهُورِ بُطُونٌ كَما كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ حَيْثُ حُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وأقارِبُهُ في الشِّعْبِ، وذَلِكَ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِن تَحْلِيَةِ الظّاهِرِ يَنْتَقِلُ إلى تَصْفِيَةِ الباطِنِ مَن زَيَّنَ ظاهِرَهُ بِجَمْعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ صَحَّحَ اللهُ باطِنَهُ بِالمُراقَبَةِ الخالِصَةِ النّاصِحَةِ عَلى أنَّ في هَذا التَّدَلِّي بُشْرى بِأنَّ الحالَ الثّانِي يَكُونُ أعْلى مِنَ الأوَّلِ، كَما كانَ عِنْدَ الظُّهُورِ مِنَ الشِّعْبِ بِما حَصَلَ مِن نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الظّالِمَةِ الَّذِي كانَ الضِّيقُ سَبَبًا لَهُ، لِأنَّ الثّانِي مِن مَراتِبِ هَذِهِ الحُرُوفَ أقْوى صِفَةً مِمّا هو أعْلى مِنهُ مَخْرَجًا، فَإنَّ الحاءَ لَها مِنَ الصِّفاتِ الهَمْسُ والرَّخاوَةُ والِاسْتِفالُ (p-٢٣٤)والِانْفِتاحُ والمِيمُ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَهْرُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِفالُ وبَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخاوَةِ، والعَيْنُ لَها مِنَ الصِّفاتِ ما لِلْمِيمِ سَواءٌ، والسِّينُ لَها مِنَ الصِّفاتِ ما لِلِحاءِ، وتَزِيدُ بِالصَّفِيرِ، والقافُ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَهْرُ والشِّدَّةُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِعْلاءُ والقَلْقَلَةُ فالحَرْفُ الأوَّلُ أكْثَرُ صِفاتِهِ الضَّعْفُ، ويَزِيدُ بِالإمالَةِ الَّتِي قَرَأ بِها كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ، والثّانِي والثّالِثُ عَلى السَّواءِ، وهُما إلى القُوَّةِ أرَجَحُ قَلِيلًا، وذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ مِن وسَطِ الحالِ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ الشِّعْبِ، والرّابِعُ فِيهِ قُوَّةٌ وضَعْفٌ وضَعْفُهُ أكْثَرُ، فَإنَّ فِيهِ لِلضَّعْفِ ثَلاثَ صِفاتٍ ولِلْقُوَّةِ صِفَتَيْنِ، وذَلِكَ كَما كانَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ آخِرِ أمْرِهِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةَ حِينَ ماتَ الوَزِيرانِ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وأبُو طالِبٍ لَكِنْ رُبَّما كانَتِ الصِّفَتانِ القَوِيَّتانِ عالِيَتَيْنِ عَلى الصِّفاتِ الضَّعِيفَةِ بِما فِيهِما بِالِانْتِشارِ بِالصَّفِيرِ والجَمْعِ الَّذِي مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِنَ الإشارَةِ إلى ضَخامَةٍ تَكُونُ بِاجْتِماعِ أنْصارٍ كَما وقَعَ مِن بَيْعَةِ الأنْصارِ، والخامِسُ وهو الأخِيرُ كُلُّهُ قُوَّةٌ كَما وقَعَ بَعْدَ الهِجْرَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الكَلِمَةِ وظُهُورِ العَظَمَةِ، كَما قالَ ﷺ:
«فَلَمّا هاجَرْنا انْتَصَفْنا مِنَ القَوْمِ وكانَتْ سِجالُ الحَرْبِ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ» ثُمَّ تَكامَلَتِ القُوَّةُ عِنْدَ تَكامُلِ الِاجْتِماعِ بَعْدَ قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ (p-٢٣٥)بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ لا جَرَمَ انْتَشَرَ أهْلُ هَذا الدِّينِ في الأرْضِ يَمِينًا وشَمالًا، فَما قامَ لَهم مُخالِفٌ، ولا وافَقَتْهم أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ عَلى ضَعْفِ حالِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ غَيْرِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ إلّا دَمَّرُوا عَلَيْهِمْ فَجَعَلُوهم كَأمْسِ الدّارِ، وقَدْ جُمِعَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ كَما مَضى وصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ كانَتِ المَجْهُورَةُ أغْلَبَها إشارَةٌ إلى ظُهُورِ هَذا الدِّينِ عَلى كُلِّ دِينٍ كَما حَقَّقَهُ شاهِدُ الوُجُودِ، وصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ، وكانَتْ كُلُّها عاطِلَةً إلّا حَرْفًا واحِدًا، إشارَةً إلى أنَّ أحْسَنَ أحْوالِ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ أغْلَبُ أحْوالِهِ مَحْوًا لا يُرى لَهُ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ بَلْ يُعَدُّ في زُمْرَةِ الأمْواتِ وإلى أنَّ المُتَحَلِّيَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الخالِصَةِ مِن أهْلِ القُلُوبِ مِن أرْبابِ هَذا الدَّيْنِ قَلِيلٌ جِدًّا، وكانَ المَنقُوطُ آخِرَها إشارَةً إلى أنَّ نِهايَةَ المَراتِبِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ الجَمْعُ بَعْدَ المَحْوِ والفَرْقِ وكانَ حَرْفُ الشَّفَةِ مِن بَيْنِ حُرُوفِها المِيمُ، وهي ذاتُ الدّائِرَةِ المُسْتَوِيَةِ الِاسْتِدارَةِ إشارَةً إلى أنَّ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ مِنَ الِاجْتِماعِ فِيهِ والِانْطِباقِ عَلَيْهِ والإطافَةِ بِهِ والإسْراعِ إلَيْهِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ وإلى أنَّهم مِنَ القَدَمِ الرّاسِخِ في القَوْلِ المُقْتَطَعِ مِنَ الفَمِ المُخْتَتِمِ بِالشَّفَتَيْنِ ما لا يَبْلُغُهُ غَيْرُهم بِحَيْثُ أنَّهُ لا نِهايَةَ لَهُ (p-٢٣٦)مَعَ حُسْنِ اسْتِنارَتِهِ بِتَناسَبُ اسْتِدارَتُهُ، ثُمَّ إنَّكَ إذا بَلَغْتَ نِهايَةَ الجَمْعِ في هَذِهِ الأحْرُفِ بِأنْ جَمَعْتَ أعْدادَ مُسَمَّياتِها وهو مِائَتانِ وثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ وفي السَّنَةِ المُوافِقَةِ لِهَذا العَدَدِ كانَتْ وِلادَتِي، فَكانَ الِابْتِداءُ في هَذا الكِتابِ الدِّينِيِّ حِينَئِذٍ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ وسَنَةِ ابْتِدائِيٍّ فِيهِ بِالفِعْلِ وهي سَنَةُ إحْدى وسِتِّينَ في شَعْبانَ كانَ سِنِّي إذا ذاكَ قَدْ شارَفَ أرْبَعًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وهو مُوافِقٌ لِعَدَدٍ حَرْفِيٍّ دِنَّ أمْرًا مِنَ الدِّينِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، فَكَأنَّهُ أمَرَ إذْ ذاكَ بِالشُّرُوعِ في الكِتابِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُها، وسَنَةُ وُصُولِي إلى هَذِهِ السُّورَةِ وهي سَنَةُ إحْدى وسَبْعِينَ في شَعْبانَ مِنها كانَ سِنِّي قَدْ شارَفَ أرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وهو عَدَدٌ مُوافِقٌ لِعَدَدِ أحْرُفِ دِين الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، فَأنا أرْجُو بِهَذا الِاتِّفاقِ الغَرِيبِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْمَعُ بِكِتابِي هَذا الَّذِي خَصَّنِي بِإلْهامِهِ وادَّخَرَ لِيَ المِنحَةَ بِحَلِّهِ وإبْرامِهِ، واعْتِناقِهِ والتِزامِهِ، أهْلُ هَذا الدِّينِ القَيِّمِ جَمْعًا عَظِيمًا جَلِيلًا جَسِيمًا، يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ بالِغٌ في اجْتِماعِهِمْ وحُسْنِ تَأسِّيهِمْ بِرُؤُوسِ نَقَلَتِهِ وأتْباعِهِ، ومِنَ الآثارِ الجَلِيلَةِ في لَحْظِها لِلْجَمْعِ أنَّهُ لَمّا كانَ مَقْصُودُ سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها (p-٢٣٧)السَّلامُ بَيانَ اتِّصافِ الرَّحْمَنِ، المُنَزَّلِ لِهَذا القُرْآنِ، بِشُمُولِ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الأكْوانِ، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِرَحْمَةٍ خاصَّةٍ مِن آثارِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ العامَّةِ، وهي الِاجْتِماعُ عَلى هَذا الدِّينِ المُرادِ ظُهُورُهُ وعُلُوُّهُ عَلى كُلِّ دِينٍ وقَهْرُهُ لِكُلِّ أمْرٍ، فَكانَ لِذَلِكَ مُحِيطًا قاهِرًا لِحَظِّ كَلِّ قاهِرٍ وظالِمٍ، وكانَتْ هَذِهِ الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ - لِنِسْبَتِها إلى الخَلْقِ - ثانِيَةً لِتِلْكَ العامَّةِ ومُنْشَعِبَةً مِنها، كانَتْ لِكَوْنِها مِن أوْصافِ الخَلْقِ بِمَنزِلَةِ اليَسارِ، وتِلْكَ لِكَوْنِها مِن صِفَةِ الحَقِّ بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، لِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في الحَرْفِ: ولَمّا كانَ ذَلِكَ - أيْ هَذِهِ الِاسْمُ المُجْتَمِعُ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ - أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا يُنْسَبُ إلى أمْرِ الشَّمالِ كانَ مَتى وضَعَ عَلى أصابِعِ اليَسارِ ثُمَّ وضَعَتْ عَلى هانِجَةِ ظُلْمٍ أوْ جَوْرٍ اسْتَوْلى عَلَيْهِ بِحُكْمِ إحاطَةِ حِكْمَةِ اللَّهِ، وكانَتْ خُمْسُها مُضافَةً إلى خُمْسِ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] المُسْتَوْلِيَةِ عَلى حِكْمَةِ اليَمِينِ مُحِيطًا ذَلِكَ بِالعُشْرِ المُحِيطِ بِكُلِّ الحِكْمَةِ الَّتِي مَسْنَدُها الياءُ الَّذِي هو أوَّلُ العُشْرِ ومَحَلُّ الِاسْتِواءِ بِما هو عائِدٌ وحْدَةُ الألِفِ - انْتَهى.
الشورى 42:2
(p-٢٣٠)سُورَةُ حم عسق وتُسَمّى أيْضًا عسق والشُّورى
مَقْصُودُها الِاجْتِماعُ عَلى الدِّينِ الَّذِي أساسُهُ الإيمانُ، وأُمُّ دَعائِمِهِ الصَّلاةُ، ورُوحُ أمْرِهِ الأُلْفَةُ بِالمُشاوَرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِكُلِّ أهْلِ الدِّينِ كُلِّهِمْ في سَواءٍ كَما أنَّهم في العُبُودِيَّةِ لِشارِعِهِ سَواءٌ، وأعْظَمُ نافِعٍ في ذَلِكَ الإنْفاقِ والمُؤاساةِ فِيما في اليَدِ، والعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيءِ، والإذْعانِ لِلْحَقِّ وإنْ صَعُبَ وشَقَّ، وذَلِكَ كُلُّهُ الدّاعِي إلَيْهِ هَذا الكِتابُ الَّذِي هو رُوحُ جَسَدِ هَذا الدِّينِ المُعَبِّرِ عَمّا دَعا إلَيْهِ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ، وشَرائِفِ الخِلالِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإلى ذَلِكَ لَوَّحَ آخَرُ آخِرَ السُّورَةِ الماضِيَةِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ( ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] (وصَرَّحَ ما في هَذِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] (وتَسْمِيَتُها بِالشُّورى واضِحُ المُطابَقَةِ لِذَلِكَ لِما في الِانْتِهاءِ وكَذَلِكَ بِالأحْرُفِ المُتَقَطِّعَةِ فَإنَّها جامِعَةٌ لِلْمَخارِجِ الثَّلاثَةِ: الحَلْقُ والشَّفَةُ واللِّسانُ، وكَذا (p-٢٣١)جَمْعُها لِصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ، ووَصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ، وهي واسِطَةٌ جامِعَةٌ بَيْنَ حُرُوفِ أُمِّ الكِتابِ الذِّكْرُ الأوَّلُ، وحُرُوفُ القُرْآنِ العَظِيمِ، وهَذا المَقْصُودُ هو غايَةُ المَقْصُودِ مِن أُخْتِها سُورَةُ مَرْيَمَ المُوافِقَةِ لَها في الِابْتِداءِ بِالتَّساوِي في عَدَدِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وفي الِانْتِهاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَنِ اخْتَصَّ بِمَصِيرِ الأُمُورِ، كانَ المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى إهْلاكِ القُرُونِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقْصُودَها اتِّصافُهُ تَعالى بِشُمُولِ الرَّحْمَةِ بِإفاضَةِ جَمِيعِ النِّعَمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وغايَةِ هَذا الِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ، ولَمّا تَوافَقَتا في المَقْصُودِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ، واخْتُصَّتِ الشُّورى بِأنَّ حُرُوفَها اثْنانِ، دَلَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ أرْبابَ البَصائِرِ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ قِسْمانِ: أُصُولٌ وفُرُوعٌ، دَلَّتْ مَرْيَمُ عَلى الأُصُولِ
﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] وإنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراط مُسْتَقِيم،
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] والشُّورى عَلى مَجْمُوعِ الدِّينِ أُصُولًا وفُرُوعًا شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] (الآيَةُ، هَذا مُوافَقَةُ البِدايَةِ، وأمّا مُوافَقَةُ النِّهايَةِ فَهو أنَّهُما خَتَمَتا بِكَلِمَتَيْنِ: أوَّلُ كُلٍّ مِنهُما آخِرُ الأُخْرى وآخِرُ كُلِّ أوَّلٍ الأُخْرى وإيذانًا بِأنَّ السُّورَتَيْنِ دائِرَةٌ واحِدَةٌ مُحِيطَةٌ بِالدِّينِ مُتَّصِلَةٌ لا انْفِصامَ لَها، وذَلِكَ أنَّ آخِرَ مَرْيَمَ أوَّلُ الشُّورى وآخِرَ الشُّورى أوَّلُ مَرْيَمَ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] (، الآيَةُ هو ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ (p-٢٣٢)ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] (إلى آخِرِها هو ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] (- إلى آخِرِ القِصَّةِ في الدُّعاءِ بِإرْثِ الحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ الَّذِي رُوحُهُ الوَحْيُ واللهُ الهادِي، وكَذا تَسْمِيَتُها بِبَعْضِها بِدَلالَةِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ بِسْمِ اللهِ (الَّذِي أحاطَ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَنَفَذَ أمْرُهُ، فاسْتَجابَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ طَوْعًا أوْ كَرْهًا الرَّحْمَنُ (الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ فَهَيَّأتْ عِبادَهُ لِقَبُولِ أمْرِهِ الرَّحِيمِ (الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِما تَرْتَضِيهِ الإلَهِيَّةُ مِن رَحْمَتِهِ، فَجَمَعَ كَلِمَتَهم عَلى دِينِهِ عَقْدًا وفِعْلًا ومَآلًا
* *
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ هَذِهِ الحُرُوفُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى كَلِماتٍ مُنْتَظِمَةٍ مِن كَلامٍ عَظِيمٍ يُشِيرُ إلى أنَّ مَعْنى هَذا الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ عَلَتْ وعَمَّتْ فَعَفَتْ سِقامَ القُلُوبِ، وقَسَّمَتْ حُرُوفَها قِسْمَيْنِ مُوافِقَةٍ لِبَقِيَّةِ أخَواتِها وبَعْدَها آيَتَيْنِ، ولَمْ تُقَسَّمْ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] لِأنَّها آيَةٌ واحِدَةٌ ولا أُخْتَ لَها ولَمْ تُقَسَّمْ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] مَثَلًا وإنْ كانَ لَها أخَواتٌ لِأنَّها آيَةٌ واحِدَةٌ، ولَمْ يَعُدْ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ حَرْفٌ واحِدٌ آيَةً، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مُفْرَدَةً فَتَكُونُ إشارَةً إلى أسْرارٍ تَمْلَأُ الأقْطارَ، وتَشْرَحُ الصُّدُورَ والأفْكارَ، فَإنْ نَظَرْتَ إلى مَخارِجِها وجَدْتَها قَدْ حَصَلَ الِابْتِداءُ فِيها بِأدْنى وسَطِ (p-٢٣٣)الحَلْقِ إلى اللِّسانِ بِاسْمِ الحاءِ وثَنى بِأوْسَطِ حُرُوفِ الشَّفَةِ وهي المِيمُ وحَصَلَ الرُّجُوعُ إلى وسَطِ الحَلْقِ بِأقْصاهُ مِنَ اللِّسانِ في اسْمِ العَيْنِ، وهو جامِعٌ لِلْحَلْقِ واللِّسانِ، وقَصَدَ رابِعًا إلى اللِّسانِ بِالسِّينِ الَّتِي هي مِن أدْناهُ إلى الشَّفَتَيْنِ وهو رَأْسُهُ ولَها التِصاقٌ بِالشَّفَتَيْنِ واتِّصالٌ بِأعْلى الفَمِ فَفِيها بِهَذا الِاعْتِبارِ جَمْعٌ ثُمَّ جَعَلَ بَعْدَ هَذا الظُّهُورِ بُطُونًا إلى أصْلِ اللِّسانِ، وهو أقْصاهُ مِنَ الشَّفَةِ بِالقافِ، ولِاسْمِ هَذا الحَرْفِ جَمْعٌ بِالِابْتِداءِ بِأصْلِ اللِّسانِ مَعَ سَقْفِ الحَلْقِ والِاخْتِتامِ بِالشَّفَةِ العُلْيا والثَّنِيَّتَيْنِ السُّفْلَيَيْنِ، فَفي هَذِهِ الحُرُوفِ ثَلاثَةٌ وهي أكْثَرُها لَها نَظَرَ بِما فِيها مِنَ الجَمْعِ إلى مَقْصُودِ السُّورَةِ، وقَدِ اتَّسَقَ الِابْتِداءُ فِيها فِيما كانَ مِن حَرْفَيْنِ جَمَعَهُما مَخْرَجٌ بِالأعْلى ثُمَّ بِالأدْنى إشارَةً إلى أنَّهُ يَكُونُ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ بَعْدَ الظُّهُورِ بُطُونٌ كَما كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ حَيْثُ حُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وأقارِبُهُ في الشِّعْبِ، وذَلِكَ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِن تَحْلِيَةِ الظّاهِرِ يَنْتَقِلُ إلى تَصْفِيَةِ الباطِنِ مَن زَيَّنَ ظاهِرَهُ بِجَمْعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ صَحَّحَ اللهُ باطِنَهُ بِالمُراقَبَةِ الخالِصَةِ النّاصِحَةِ عَلى أنَّ في هَذا التَّدَلِّي بُشْرى بِأنَّ الحالَ الثّانِي يَكُونُ أعْلى مِنَ الأوَّلِ، كَما كانَ عِنْدَ الظُّهُورِ مِنَ الشِّعْبِ بِما حَصَلَ مِن نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الظّالِمَةِ الَّذِي كانَ الضِّيقُ سَبَبًا لَهُ، لِأنَّ الثّانِي مِن مَراتِبِ هَذِهِ الحُرُوفَ أقْوى صِفَةً مِمّا هو أعْلى مِنهُ مَخْرَجًا، فَإنَّ الحاءَ لَها مِنَ الصِّفاتِ الهَمْسُ والرَّخاوَةُ والِاسْتِفالُ (p-٢٣٤)والِانْفِتاحُ والمِيمُ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَهْرُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِفالُ وبَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخاوَةِ، والعَيْنُ لَها مِنَ الصِّفاتِ ما لِلْمِيمِ سَواءٌ، والسِّينُ لَها مِنَ الصِّفاتِ ما لِلِحاءِ، وتَزِيدُ بِالصَّفِيرِ، والقافُ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَهْرُ والشِّدَّةُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِعْلاءُ والقَلْقَلَةُ فالحَرْفُ الأوَّلُ أكْثَرُ صِفاتِهِ الضَّعْفُ، ويَزِيدُ بِالإمالَةِ الَّتِي قَرَأ بِها كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ، والثّانِي والثّالِثُ عَلى السَّواءِ، وهُما إلى القُوَّةِ أرَجَحُ قَلِيلًا، وذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ مِن وسَطِ الحالِ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ الشِّعْبِ، والرّابِعُ فِيهِ قُوَّةٌ وضَعْفٌ وضَعْفُهُ أكْثَرُ، فَإنَّ فِيهِ لِلضَّعْفِ ثَلاثَ صِفاتٍ ولِلْقُوَّةِ صِفَتَيْنِ، وذَلِكَ كَما كانَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ آخِرِ أمْرِهِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةَ حِينَ ماتَ الوَزِيرانِ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وأبُو طالِبٍ لَكِنْ رُبَّما كانَتِ الصِّفَتانِ القَوِيَّتانِ عالِيَتَيْنِ عَلى الصِّفاتِ الضَّعِيفَةِ بِما فِيهِما بِالِانْتِشارِ بِالصَّفِيرِ والجَمْعِ الَّذِي مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِنَ الإشارَةِ إلى ضَخامَةٍ تَكُونُ بِاجْتِماعِ أنْصارٍ كَما وقَعَ مِن بَيْعَةِ الأنْصارِ، والخامِسُ وهو الأخِيرُ كُلُّهُ قُوَّةٌ كَما وقَعَ بَعْدَ الهِجْرَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الكَلِمَةِ وظُهُورِ العَظَمَةِ، كَما قالَ ﷺ:
«فَلَمّا هاجَرْنا انْتَصَفْنا مِنَ القَوْمِ وكانَتْ سِجالُ الحَرْبِ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ» ثُمَّ تَكامَلَتِ القُوَّةُ عِنْدَ تَكامُلِ الِاجْتِماعِ بَعْدَ قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ (p-٢٣٥)بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ لا جَرَمَ انْتَشَرَ أهْلُ هَذا الدِّينِ في الأرْضِ يَمِينًا وشَمالًا، فَما قامَ لَهم مُخالِفٌ، ولا وافَقَتْهم أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ عَلى ضَعْفِ حالِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ غَيْرِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ إلّا دَمَّرُوا عَلَيْهِمْ فَجَعَلُوهم كَأمْسِ الدّارِ، وقَدْ جُمِعَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ كَما مَضى وصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ كانَتِ المَجْهُورَةُ أغْلَبَها إشارَةٌ إلى ظُهُورِ هَذا الدِّينِ عَلى كُلِّ دِينٍ كَما حَقَّقَهُ شاهِدُ الوُجُودِ، وصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ، وكانَتْ كُلُّها عاطِلَةً إلّا حَرْفًا واحِدًا، إشارَةً إلى أنَّ أحْسَنَ أحْوالِ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ أغْلَبُ أحْوالِهِ مَحْوًا لا يُرى لَهُ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ بَلْ يُعَدُّ في زُمْرَةِ الأمْواتِ وإلى أنَّ المُتَحَلِّيَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الخالِصَةِ مِن أهْلِ القُلُوبِ مِن أرْبابِ هَذا الدَّيْنِ قَلِيلٌ جِدًّا، وكانَ المَنقُوطُ آخِرَها إشارَةً إلى أنَّ نِهايَةَ المَراتِبِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ الجَمْعُ بَعْدَ المَحْوِ والفَرْقِ وكانَ حَرْفُ الشَّفَةِ مِن بَيْنِ حُرُوفِها المِيمُ، وهي ذاتُ الدّائِرَةِ المُسْتَوِيَةِ الِاسْتِدارَةِ إشارَةً إلى أنَّ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ مِنَ الِاجْتِماعِ فِيهِ والِانْطِباقِ عَلَيْهِ والإطافَةِ بِهِ والإسْراعِ إلَيْهِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ وإلى أنَّهم مِنَ القَدَمِ الرّاسِخِ في القَوْلِ المُقْتَطَعِ مِنَ الفَمِ المُخْتَتِمِ بِالشَّفَتَيْنِ ما لا يَبْلُغُهُ غَيْرُهم بِحَيْثُ أنَّهُ لا نِهايَةَ لَهُ (p-٢٣٦)مَعَ حُسْنِ اسْتِنارَتِهِ بِتَناسَبُ اسْتِدارَتُهُ، ثُمَّ إنَّكَ إذا بَلَغْتَ نِهايَةَ الجَمْعِ في هَذِهِ الأحْرُفِ بِأنْ جَمَعْتَ أعْدادَ مُسَمَّياتِها وهو مِائَتانِ وثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ وفي السَّنَةِ المُوافِقَةِ لِهَذا العَدَدِ كانَتْ وِلادَتِي، فَكانَ الِابْتِداءُ في هَذا الكِتابِ الدِّينِيِّ حِينَئِذٍ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ وسَنَةِ ابْتِدائِيٍّ فِيهِ بِالفِعْلِ وهي سَنَةُ إحْدى وسِتِّينَ في شَعْبانَ كانَ سِنِّي إذا ذاكَ قَدْ شارَفَ أرْبَعًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وهو مُوافِقٌ لِعَدَدٍ حَرْفِيٍّ دِنَّ أمْرًا مِنَ الدِّينِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، فَكَأنَّهُ أمَرَ إذْ ذاكَ بِالشُّرُوعِ في الكِتابِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُها، وسَنَةُ وُصُولِي إلى هَذِهِ السُّورَةِ وهي سَنَةُ إحْدى وسَبْعِينَ في شَعْبانَ مِنها كانَ سِنِّي قَدْ شارَفَ أرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وهو عَدَدٌ مُوافِقٌ لِعَدَدِ أحْرُفِ دِين الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، فَأنا أرْجُو بِهَذا الِاتِّفاقِ الغَرِيبِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْمَعُ بِكِتابِي هَذا الَّذِي خَصَّنِي بِإلْهامِهِ وادَّخَرَ لِيَ المِنحَةَ بِحَلِّهِ وإبْرامِهِ، واعْتِناقِهِ والتِزامِهِ، أهْلُ هَذا الدِّينِ القَيِّمِ جَمْعًا عَظِيمًا جَلِيلًا جَسِيمًا، يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ بالِغٌ في اجْتِماعِهِمْ وحُسْنِ تَأسِّيهِمْ بِرُؤُوسِ نَقَلَتِهِ وأتْباعِهِ، ومِنَ الآثارِ الجَلِيلَةِ في لَحْظِها لِلْجَمْعِ أنَّهُ لَمّا كانَ مَقْصُودُ سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها (p-٢٣٧)السَّلامُ بَيانَ اتِّصافِ الرَّحْمَنِ، المُنَزَّلِ لِهَذا القُرْآنِ، بِشُمُولِ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الأكْوانِ، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِرَحْمَةٍ خاصَّةٍ مِن آثارِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ العامَّةِ، وهي الِاجْتِماعُ عَلى هَذا الدِّينِ المُرادِ ظُهُورُهُ وعُلُوُّهُ عَلى كُلِّ دِينٍ وقَهْرُهُ لِكُلِّ أمْرٍ، فَكانَ لِذَلِكَ مُحِيطًا قاهِرًا لِحَظِّ كَلِّ قاهِرٍ وظالِمٍ، وكانَتْ هَذِهِ الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ - لِنِسْبَتِها إلى الخَلْقِ - ثانِيَةً لِتِلْكَ العامَّةِ ومُنْشَعِبَةً مِنها، كانَتْ لِكَوْنِها مِن أوْصافِ الخَلْقِ بِمَنزِلَةِ اليَسارِ، وتِلْكَ لِكَوْنِها مِن صِفَةِ الحَقِّ بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، لِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في الحَرْفِ: ولَمّا كانَ ذَلِكَ - أيْ هَذِهِ الِاسْمُ المُجْتَمِعُ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ - أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا يُنْسَبُ إلى أمْرِ الشَّمالِ كانَ مَتى وضَعَ عَلى أصابِعِ اليَسارِ ثُمَّ وضَعَتْ عَلى هانِجَةِ ظُلْمٍ أوْ جَوْرٍ اسْتَوْلى عَلَيْهِ بِحُكْمِ إحاطَةِ حِكْمَةِ اللَّهِ، وكانَتْ خُمْسُها مُضافَةً إلى خُمْسِ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] المُسْتَوْلِيَةِ عَلى حِكْمَةِ اليَمِينِ مُحِيطًا ذَلِكَ بِالعُشْرِ المُحِيطِ بِكُلِّ الحِكْمَةِ الَّتِي مَسْنَدُها الياءُ الَّذِي هو أوَّلُ العُشْرِ ومَحَلُّ الِاسْتِواءِ بِما هو عائِدٌ وحْدَةُ الألِفِ - انْتَهى.
الشورى 42:3
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ - واللهُ أعْلَمُ - مُشِيرَةٌ إلى الِاجْتِماعِ كَما أشارَ إلَيْهِ آخِرُ السُّورَةِ الماضِيَةِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الإيحاءِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي أخْبَرَكَ بِهِ رَبُّكَ صَرِيحًا أوَّلُ ”فُصِّلَتْ“ مِن أنَّ الإلَهَ إلَهٌ واحِدٌ وآخِرُها مِن أنَّهُ ما يُقالُ لَكَ (p-٢٣٨)إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مَن قَبْلِكَ، ومِن أنَّهُ يَجْمَعُ أُمَّتَكَ عَلى هَذا الدِّينِ بِما يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّ هَذا القُرْآنَ هو الحَقُّ بِما يُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والدَّلالاتِ الواضِحاتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ وبِشَهادَتِهِ سُبْحانَهُ بِإعْجازِ القُرْآنِ لِجَمِيعِ الإنْسِ والجانِّ ولا سِيَّما إذا أقْدَمَ ضالٌّ عَلى مُعارَضَتِهِ كَمُسَيْلِمَةَ فَإنَّهُ يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الأمْرُ بِذَلِكَ غايَةَ البَيانِ ”وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ“ ورَمَزَ لَكَ بِهِ سُبْحانَهُ تَلْوِيحًا أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي هي أعْلى وأغْلى مِنَ الجَواهِرِ المُرَصَّعَةِ - إلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَهُما نَوْعانِ مِنَ الوَحْيِ: صَرِيحٌ وعِبارَةٌ، وتَلْوِيحٌ وإشارَةٌ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإفْهامَ لِأنَّ الإيحاءَ مِنهُ سُبْحانَهُ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ إلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ والبِشارَةِ لَهُ ﷺ بِتَجْدِيدِهِ لَهُ، مُدَّةَ حَياتِهِ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، ودَلالَةً عَلى دَوامِ وِدادِهِ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ نَقْلًا عَنْ أبِي حَيّانَ ومِن قَبْلِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَدْ لا يُلاحِظُ مِنهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ يُرادُ مُطْلَقَ الوُجُودِ فَقالَ: ”يُوحى إلَيْك“ أيْ سابِقًا ولاحِقًا ما دُمْتُ حَيًّا لا يَقْطَعُ ذَلِكَ عَنْكَ أصْلًا تَوْدِيعًا ولا قَلى بِما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ مِمّا يُعْلِي لَكَ مِقْدارَكَ، ويَنْشُرُ أنْوارَكَ ويُعْلِي مَنارَكَ. (p-٢٣٩)ولَمّا كانَ الِاهْتِمامُ بِالوَحْيِ لِمَعْرِفَةِ أنَّهُ حَقٌّ - كَما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - والمُوحِي إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ أنَّهُ رَسُولٌ حَقًّا وكانَ المُرادُ بِالمُضارِعِ مُجَرَّدَ إيقاعِ مَدْلُولِهِ لا يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ صَحَّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ مُقَدَّمًا عَلى الفاعِلِ: ﴿وإلى الَّذِينَ﴾ والقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ”كَذَلِكَ“ .
ولَمّا كانَ الرُّسُلُ بَعْضُ مَن تَقَدَّمَ في بَعْضِ أزْمِنَةِ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ والأنْبِياءِ الأعْلامِ، بِأنَّ أُمَّتَكَ أكْثَرُ الأُمَمِ وأنَّكَ أشْرَفُ الأنْبِياءِ، وأخَذَ عَلى كُلٍّ مِنهُمُ العَهْدَ بِاتِّباعِكَ، وأنْ يَكُونَ مِن أنْصارِكَ وأشْياعِكَ. ولَمّا قَدَّمَ ما هو الأهَمُّ مِنَ الوَحْيِ والمُوحى إلَيْهِ، أتى بِفاعِلِ ﴿يُوحِي﴾ في قِراءَةِ العامَّةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ. . وهو مَرْفُوعٌ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ الَّذِي يُوحِيهِ. ولَمّا كانَ نُفُوذُ الأمْرِ دائِرًا عَلى العِزَّةِ والحِكْمَةِ قالَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ ما يَصْنَعُهُ في أتْقَنِ مِحالِّهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى نَقْضِ ما أبْرَمَهُ، ولا نَقْصِ (p-٢٤٠)ما أحْكَمَهُ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ غافِرٍ ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ حالَيِ المُعانِدِينَ والجاحِدِينَ، وأعْقَبَتْ بِسُورَةِ السَّجْدَةِ بَيانًا أنَّ حالَ كُفّارِ العَرَبِ في ذَلِكَ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ وإيضاحًا لِأنَّهُ الكِتابُ العَزِيزُ وعَظِيمٌ بُرْهانُهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ عَلى مَن قَضى عَلَيْهِ تَعالى بِالكُفْرِ، اتَّبَعَتِ السُّورَتانِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الشُّورى مِن أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما جَرى عَلى ما سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى بِحُكْمِ الأزَلِيَّةِ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الشورى: ٨] ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] فَتَأمَّلْ هَذِهِ وما التَحَمَ بِها مِمّا لَمْ يَجْرِ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنهُ إلّا النّادِرُ، ومُحْكَمُ ما اسْتَجَرَّهُ، وبِناءُ هَذِهِ السُّورَةِ (p-٢٤١)عَلى ذَلِكَ ومَدارُ آيِها، يُلِحُّ لَكَ وجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها والتِحامِها بِما جاوَرَها.
ولَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] أعْقَبَها سُبْحانَهُ بِتَنْزِيهِهِ وتَعالِيهِ عَنْ رَيْبِهِمْ وشَكِّهِمْ، فَقالَ تَعالى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] كَما أعْقَبَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] ولَمّا تَكَرَّرَ في سُورَةِ حم السَّجْدَةِ ذَكَرَ تَكَبُّرَ المُشْرِكِينَ وبُعْدَ انْقِيادِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٤] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] إلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن حالِهِمُ المُنْبِئَةِ عَنْ بُعْدِ اسْتِجابَتِهِمْ فَقالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّورى ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] - انْتَهى.
الشورى 42:4
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ صاحِبُ الوَحْيِ بِالشَّرائِعِ دائِمًا قَدِيمًا وحَدِيثًا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ صاحِبُ المُلْكِ العامِّ فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ أيْ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي ﴿وما في الأرْضِ﴾ كَذَلِكَ. ولَمّا كانَ العُلُوُّ مُسْتَلْزِمًا لِلْقُدْرَةِ قالَ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ أيْ عَلى العَرْشِ الَّذِي السَّماواتُ فِيهِ عُلُوُّ رُتْبَةٍ وعَظْمَةٍ ومَكانَةٍ لا مَكانَ ومُلابَسَةً، فاسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ لَهُ السَّماواتُ كُلُّها والأراضِي كُلُّها مَعَ ما فِيها ﴿العَظِيمُ﴾ أيْ فَلا يَتَصَوَّرُ شَيْءٌ في وهْمٍ ولا يَتَخَيَّلُ في عَقْلٍ إلّا وهو أعْظَمُ مِنهُ بِالقَهْرِ والمُلْكِ، فَلِذَلِكَ يُوحِي إلى مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ مِن إقْرارٍ وتَبْدِيلٍ، لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ.
الشورى 42:5
(p-٢٤٢)ولَمّا كانَ السِّياقُ مُفْهِمًا عَظِيمَ مُلْكِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ بِكَثْرَةِ ما في الأكْوانِ مِنَ الأجْسامِ والمَعانِي الَّتِي هي لِفَظاعَتِها لا تَحْتَمِلُ، قالَ مُبَيِّنًا لِذَلِكَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ أيْ عَلى عِظَمِ خَلْقِهِنَّ ووَثاقَةِ إبْداعِهِنَّ، وفَلْقِهِنَّ بِما أعْلَمَ بِهِ الواقِعَ، ونَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَذْكِيرِ ﴿تَكادُ﴾ في قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ أيْ يَتَشَقَّقْنَ ويَتَفَرَّطُ أجَزاؤُهُنَّ مُطْلَقَ انْفِطارٍ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُّونِ وخَفَّفَ وهم هُنا أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ، وتَفَطُّرًا شَدِيدًا في قِراءَةِ الباقِينَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقِ مَفْتُوحَةٍ وتَشْدِيدِ الطّاءِ، مُبْتَدِئًا ذَلِكَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ أنْ يَكُونَ أصْلَبَ مِمّا تَحْتَهُ، فانْفِطارُ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، وابْتِداءُ الِانْفِطارِ مِن ثَمَّ لِأنَّ جِهَةَ الفَوْقِ أجْدَرُ بِتَجَلِّي ما يَشُقُّ حَمْلُهُ مِن عَظِيمِ العَظَمَةِ والجَلالِ والكِبْرِياءِ والعِزَّةِ الَّتِي مِنها ما يَحْمِلُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا تَسَعُ عُقُولُهم وصْفَهم عَلى ما عَلَيْهِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِن عِظَمِ الخَلْقِ في الهَيْئَةِ والطُّولِ والمَتانَةِ والكِبْرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا إلّا الَّذِي يَراهم بِحَيْثُ إنَّ أحَدَهم إذا أُشِيرَ لَهُ إلى الأرْضِ حَمَلَها كَما قالَ ﷺ «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ (p-٢٤٣)إلّا فِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ يُصَلِّي» ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ والعَلاءِ، أوْ يَكُونُ انْفِطارُهُنَّ مِن عَظِيمِ شَناعَةِ الكُفْرِ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا كَما قالَ في السُّورَةِ المُناظِرَةِ لِهَذِهِ سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] ونَقَصَ ما في هَذِهِ عَنْ تِلْكَ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنا لِلْوَلَدِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ التَّخْوِيفِ بِالعَذابِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العالِيَ إذا انْفَطَرَ تَهَيَّأ لِلسُّقُوطِ، فَإذا سَقَطَ أهْلَكَ مَن تَحْتَهُ فَكَيْفَ إذا كانَ مِنَ العُلُوِّ والعِظَمِ وثِقَلِ الجِسْمِ عَلى صِفَةٍ لا يُحِيطُ بِها إلّا بارِئُها، فَذِكْرُ الفَوْقِ تَصْوِيرٌ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الِانْفِطارِ مِنَ البَلايا الكِبارِ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ أنِّي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الأراضِي الَّتِي كَفَرُوا بِفاطِرِها.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ كَيْدُودَةِ انْفِطارِهِنَّ جَلالَةُ العَظَمَةِ الَّتِي مِنها كَثْرَةُ المَلائِكَةِ وشَناعَةُ الكُفْرِ، بَيَّنَ لَها سَبَبًا آخَرَ وهو عَظِيمُ قَوْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُمْ، وعَدَلَ عَنِ التَّأْنِيثِ مُراعاةً لِلَّفْظِ إلى التَّذْكِيرِ وضَمِيرُ الجَمْعِ، إشارَةٌ إلى قُوَّةِ التَّسْبِيحِ وكَثْرَةِ المُسَبِّحِينَ فَقالَ: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ التَّنْزِيهَ والتَّقْدِيسَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٢٤٤)وتَعالى مُلْتَبِسِينَ ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِإثْباتِ الكَمالِ لِلْمُحْسِنِ إلَيْهِمْ تَسْبِيحًا يَلِيقُ بِما لَهم - بِما أشارَتْ إلَيْهِ الإضافَةُ دائِمًا لا يَفْتَرُونَ، فَلَهم بِذَلِكَ زَجَلٌ وأصْواتٌ لا تَحْمِلُها العُقُولُ، ولا تَثْبُتُ لَها الجِبالُ، فَلا تَسْتَبْعِدْنَ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن صاعِقَةٍ سَمِعْتُها مِنَ السَّحابِ فَرَجُّتْ لَها الأرْضُ فَتَصَدَّعَتْ لَها الأبْنِيَةُ المَتِينَةُ والجِبالُ الصِّلابُ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ لِمَدْحِ المَلائِكَةِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم عَرَفُوا إحْسانَ المُحْسِنِ وعَمِلُوا في الشُّكْرِ بِما اقْتَضاهُ إحْسانُهُ فَصارَ تَعْرِيضًا بِذَمِّ الكَفَرَةِ بِما غَطَّوْا مِن إحْسانِهِ، وتَذَرَّعُوا مِن كُفْرانِهِ.
ولَمّا كانُوا لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِجَلالِ اللهِ سُبْحانَهُ يَسْتَحْيُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأرْضِ ويَقُولُونَ ما لا يَلِيقُ بِحَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ وجَنابِهِ الأسْمى، وكانُوا يَعْلَمُونَ مِمّا جادَلَهم سُبْحانَهُ عَنْهم أنَّ لَهُ بِهِمْ عِنايَةً، فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّ الأقْرَبَ إلى رِضاهُ الِاسْتِغْفارُ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ حاذِقًا ما أوْجَبَهُ السِّياقُ في ﴿غافِرِ﴾ [غافر: ٣] مِن ذِكْرِ الإيمانِ، إشارَةً إلى أنَّ أقْرَبَ الخَلْقِ مِنَ العَرْشِ كَأبْعَدِ النّاسِ في الإيمانِ (p-٢٤٥)المَشْرُوطِ بِالغَيْبِ إبْلاغًا في التَّنْزِيهِ لِأنَّهُ لا مُقْتَضى لَهُ هُنا: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ وهم مَعَ التَّسْبِيحِ يَطْلُبُونَ الغُفْرانَ ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن شِدَّةِ تَقْصِيرِهِمْ في الوَفاءِ بِحَقِّ تِلْكَ العَظَمَةِ، الَّتِي لا تُضاهى، أمّا لِلْمُؤْمِنِ فَمُطْلَقًا، وأمّا لِلْكافِرِ فَبِتَأْخِيرِ المُعالَجَةِ، وكَذا لِبَقِيَّةِ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ لِما يَهُولُهم مِمّا يُشاهِدُونَهُ مِن عَظَمَةِ ذِي الكِبْرِياءِ وجَلالَةِ ذِي الجَبَرُوتِ. قالَ ابْنُ بُرْجانَ: لَمْ يَشَأِ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ كَوْنَ شَيْءٍ إلّا قَيَّضَ مَلائِكَةً مِن عِبادِهِ يَشْفَعُونَ في كَوْنِهِ، وكَذَلِكَ في إبْقاءِ ما شاءَ إبْقاءَهُ وإعْدامِ ما شاءَ إعْدامَهُ، وهَذِهِ أُصُولُ الشَّفاعَةِ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ، وألْطَفُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ كَيْدُودَةِ انْفِطارِهِنَّ في حالِ تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ واسْتِغْفارِهِمْ لِما يَرَيْنَ مِن فَوْقِهِنَّ مِنَ العَظَمَةِ، ومِن تَحْتِهِنَّ مِن ذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ، فَلَوْلا ذِكْرُهم لَتَفَطَّرْنَ وحَضَرَ العَذابُ، فَعُوجِلَ الخَلْقُ بِالهَلاكِ، وقامَتِ القِيامَةُ، وقُضِيَ الأمْرُ، وإذا كانَتْ كَيْدُودَةُ الِانْفِطارِ مَعَ هَذا التَّنْزِيهِ والِاسْتِغْفارِ، فَما ظَنُّكَ بِما يَكُونُ لَوْ عَرّى الأمْرُ عَنْهُ وخَلا مِنهُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ العُمُومَ هُنا ولَمْ يَخُصَّ المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِغْفارِ كَما في ﴿غافِرِ﴾ [غافر: ٣] لِما اقْتَضاهُ السِّياقُ هُنا مِنَ العُمُومِ، ولِأنَّ مَقْصُودَ غافِرٍ (p-٢٤٦)تَصْنِيفُ النّاسِ في الآخِرَةِ صِنْفَيْنِ وتَوْفِيَةُ كُلِّ ما يَسْتَحِقُّهُ فَناسَبَ ذَلِكَ إفْرادُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالإيمانِ ومَقْصُودُ هَذِهِ الجُمَعِ عَلى الدِّينِ في الدُّنْيا فَناسَبَ الدُّعاءَ لِلْكُلِّ لِيُجازى كُلٌّ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن إطْلاقِ المَغْفِرَةِ في الدّارَيْنِ لِلْمُؤْمِنِ وتَقْيِيدِها بِالتَّأْخِيرِ في الدُّنْيا لِلْكافِرِ.
ولَمّا كانَتْ أفْعالُ أهْلِ الأرْضِ وأقْوالُهم عَظِيمَةَ المُخالَفَةِ لِما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ فَهم يَسْتَحِقُّونَ المُعاجَلَةَ بِسَبَبِها، أجابَ مِن كَأنَّهُ قالَ: هَذا يُسْتَجابُ لَهم في المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ يُسْتَجابُ لَهم في الكافِرِينَ لِيَجْمَعَ الكَلامَ التَّهْيِيبَ والتَّهْوِيلَ في أوَّلِهِ والبِشارَةَ واللُّطْفَ والتَّيْسِيرَ في آخِرِهِ، فَقالَ لافِتًا القَوْلَ عَنْ صِفَةِ الإحْسانِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ تَعْرِيفًا بِعَظِيمِ الأمْرِ حَمْلًا عَلى لُزُومِ الحَمْدِ وإدامَةِ الشُّكْرِ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَلَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ، وأكَّدَ لِأنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِهِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ، ورَتَّبَ وصْفَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى أعْلى وُجُوهِ البَلاغَةِ فَبَدَأ بِما أفْهَمَ إجابَةَ المَلائِكَةِ وأتْبَعَهُ الإعْلامَ بِمَزِيدِ الإكْرامِ فَقالَ: ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ العامِّ السَّتْرِ والإكْرامِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ أمّا لِأهْلِ الإيمانِ فَواضِحٌ دُنْيا وآخِرَةً، وأمّا لِأهْلِ الكُفْرانِ فَفي الدُّنْيا فَهو يَرْزُقُهم ويُعافِيهِمْ ويُمْلِي لَهم ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وأمّا غَيْرُ اللهِ فَلا يُغْفَرُ (p-٢٤٧)لِأهْلِ مَعْصِيَتِهِ، ولَوْ أرادَ ذَلِكَ ما تَمَكَّنَ.
الشورى 42:6
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ تَوَلَّوْهُ وماتُوا في وِلايَتِهِ فَهو يَغْفِرُ ذُنُوبَهم بِمَعْنى أنَّهُ يُزِيلُها عَيْنًا وأثَرًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أيْ عالَجُوا فِطَرَهُمُ الأُولى وعُقُولَهم حَتّى أخَذُوا ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتْبَتِهِ ﴿أوْلِياءَ﴾ يَعْبُدُونَهم كالأصْنامِ وكُلُّ مَنِ اتَّبَعَ هَواهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَقَدِ اتَّخَذَ الشَّيْطانَ الآمِرَ لَهُ بِذَلِكَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ.
ولَمّا كانَ ما فَعَلُوهُ عَظِيمُ البَشاعَةِ، اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى جَزائِهِمْ عَلَيْهِ فَأخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى وُضُوحِ ضَلالِهِمْ وعِظَمِ تَهْدِيدِهِمْ مُعَرِّيًا لَهُ عَنِ الفاءِ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ أنَّ الحِفْظَ مُسَبِّبٌ عَنِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ عادِلًا إلى التَّعْبِيرِ بِالجَلالَةِ تَعْظِيمًا لِما في الشِّرْكِ مِنَ الظُّلْمِ وتَغْلِيظًا لِما يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ مِنَ الزَّجْرِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ رَقِيبٌ وراعٍ وشَهِيدٌ عَلى أعْمالِهِمْ، لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، فَهو إنْ شاءَ أبْقاهم عَلى كُفْرِهِمْ وجازاهم عَلَيْهِ بِما أعَدَّهُ لِلْكافِرِينَ، وإنْ شاءَ تابَ عَلَيْهِمْ ومَحا ذَلِكَ عَيْنًا وأثَرًا، فَلَمْ يُعاقِبْهم ولَمْ يُعاتِبْهُمْ، وإنْ شاءَ مَحاهُ عَيْنًا وأبْقى الأثَرَ حَتّى يُعاتِبَهم ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ حَتّى (p-٢٤٨)يُلْزِمُكَ أنْ تُراعِيَ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَتَحْفَظُها وتَقْسِرُهم عَلى تَرْكِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الوَكِيلُ مِمّا يَقُومُ فِيهِ مَقامَ المُوَكِّلِ سَواءٌ قالُوا ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] أوْ قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] أوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
الشورى 42:7
ولَمّا كانَ الإيحاءُ السّابِقُ أوَّلَ السُّورَةِ لِلْبُشْرى لِأنَّها المَقْصُودُ بِالذّاتِ وكانَتِ البُشْرى مُقْتَضِيَةً تَلْوِيحًا ورَمْزًا بِالأحْرُفِ المُقَطِّعَةِ لِاجْتِماعِ أهْلِ الدَّيْنِ وغَلَبَتِهِمْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ وأنَّ دِينَهم يَعُمُّ سائِرَ الأُمَمِ ويُحِيطُ بِجَمِيعِ الخَلْقِ، ولا يُرِيدُ أحَدٌ بِأهْلِهِ سُوءًا إلّا كانَ لَهُ فِيهِ رِفْعَةً كَما مَضى بَيانُهُ، وكانَتْ رَمْزًا لِأنَّ المَقامَ لِلنَّذارِ بِما تَشْهَدُ بِهِ السُّورَةُ الماضِيَةُ، وكانَ المُرادُ بِها التَّكْرارَ حَتّى لا تَزالَ لَذاذَتُها في أُذُنِ المُبَشِّرِ وحَلاوَتُها في قَلْبِهِ، ذَكَرَها بِلَفْظِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكْرارِ والحُدُوثِ والِاسْتِمْرارِ، وكانَ المُتَعَنِّتُ رُبَّما حَمَلَهُ لَهُ عَلى الوَعْدِ بِالإيحاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وكانَ العاقِلُ يَكْفِيهِ في النَّذْرى مَرَّةً واحِدَةً فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي الدّالِّ عَلى الإمْضاءِ والقَطْعِ والقَضاءِ الحَتْمِ في كُلٍّ مِنَ الإيحاءِ وفائِدَتِهِ الَّتِي هي الإنْذارُ، عاطِفًا عَلى ما يَتَّصِلُ بِالآيَةِ السّالِفَةِ المَخْتُومَةِ (p-٢٤٩)بِنَفْيِ الوَكالَةِ مِمّا تَقْدِيرُهُ: إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ، وقَدْ أوْحَيْنا إلَيْكَ البِشارَةَ رَمْزًا، كَما جَرَتْ بِهِ عادَةُ الأحْبابِ في مُحاوَراتِ الخِطابِ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِأنَّ الإنْذارَ مِن مَجازِهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الإيحاءِ الَّذِي قَدَّمْنا أنا حَبَوْناكَ بِهِ مِن وحْيِ الإشارَةِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ ﴿أوْحَيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مَعَ الفَرْقِ بَيْنَ كُلِّ مُلْبِسٍ ﴿إلَيْكَ قُرْآنًا﴾ جامِعًا لِكُلِّ حِكْمَةٍ ﴿عَرَبِيًّا﴾ فَهو بَيِّنُ الخِطابِ واضِحُ الصَّوابِ مُعْجِزُ الجَنابِ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أيْ بِهِ ﴿أُمَّ القُرى﴾ مَكَّةُ الَّتِي هي أُمُّ الأرْضِ وأصْلُها، مِنها دَحَيْتُ ولِشَرَفِها أُوقِعَ الفِعْلُ عَلَيْها، عَدا لَها عِدادَ العُقَلاءِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أهْلُها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن﴾ أيْ وتُنْذِرُ مَن ﴿حَوْلَها﴾ وهم سُكّانُ جَمِيعِ الأرْضِ الَّتِي هي أُمُّها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ البَغَوِيُّ فَقالَ: قُرى الأرْضِ كُلُّها، وكَذا القُشَيْرِيُّ وقالَ: العالِمُ مُحَدِّقٌ بِالكَعْبَةِ ومَكَّةَ لِأنَّها سِرَةُ الأرْضِ.
ولَمّا كانَ مَفْعُولُ ”تُنْذِرُ“ الثّانِي عَلى ما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ ما عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ والقُرُونُ الماضِيَةُ حِينَ تَمادى بِهِمُ الكُفْرُ وغَلَبَ عَلَيْهِمُ الظُّلْمُ في اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وتُنْذِرَ﴾ أيْ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها مَعَ عَذابِ الأُمَمِ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيْ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ بِبَعْثِهِمْ مِنَ المَوْتِ، حَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ مِنَ الشِّقِّ الثّانِي، (p-٢٥٠)والمَفْعُولَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ المُنْذِرِينَ أوَّلًا دَلالَةً عَلى إرادَتِها ثانِيًا، وذَكَرَ المُنْذِرَ بِهِ وهو يَوْمُ الجَمْعِ ثانِيًا دَلالَةً عَلى المُنْذِرِ بِهِ مِن عَذابِ الأُمَمِ أوَّلًا، لِيَذْهَبَ بِهِ الوَهْمُ في المَحْذُوفِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَكُونُ أهْوَلَ، وذِكْرُ هَذا المَذْكُورِ أفْخَمُ وأوْجَلُ.
ولَمّا كانَ الإنْذارُ - وهو الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ - تارَةً يَكُونُ عَمّا لا عِلْمَ بِهِ، وهو الأغْلَبُ، وتارَةً عَمّا وقَعَ العَمَلُ بِهِ ثُمَّ خالَفَ المُنْذِرَ بِهِ عِلْمَهُ فَعَمِلَ أعْمالَ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ هَذا مِنَ القِسْمِ الثّانِي بِقَوْلِهِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ قَدْ رَكَّزَ في فِطْرَةِ كُلِّ أحَدٍ أنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَعْمَلَ عَبِيدَهُ في شَيْءٍ ثُمَّ تَظالَمُوا فَلا بُدَّ لَهُ بِما تَقْتَضِيهِ السِّياسَةُ مِن جَمْعِهِمْ لِيُنْصِفَ بَيْنَهم وإلّا عُدَّ سَفِيهًا، فَما ظَنُّكَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ.
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَفْعَلُ في جَمْعِهِمْ، وكانَ الثَّقَلانِ لِما طُبِعُوا عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ أهْلَ فِرْقَةٍ وطُغْيانٍ، ذَكَرَ نِهايَتَهُ مُعَبِّرًا بِما هو مِنَ الفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ مَسُوغًا الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ لِلتَّفْصِيلِ أوْ تَقْرِيرِ الوَصْفِ: ﴿فَرِيقٌ﴾ أيْ مِنَ المَجْمُوعَيْنِ أهْلِ فِرْقَةٍ تَدارَكَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهم أهْلَ (p-٢٥١)جَمْعٍ ﴿فِي الجَنَّةِ﴾ فَضْلًا مِنهُ وهُمُ الَّذِينَ قَبِلُوا الإنْذارَ وبالَغُوا في الحِذارِ ﴿وفَرِيقٌ﴾ أيْ مِنهم خَذَلَهُمُ اللهُ ووَكَلَهم إلى أنْفُسِهِمْ فَزادُوا في الفِرْقَةِ ﴿فِي السَّعِيرِ﴾ عَدْلًا مِنهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: كَما أنَّهم في الدُّنْيا فَرِيقانِ: فَرِيقٌ في دَرَجاتِ الطّاعَةِ وحَلاواتِ العِباداتِ، وفَرِيقٌ في ظُلُماتِ الشِّرْكِ وعُقُوباتِ الجَحْدِ والشَّكِّ، فَلِذَلِكَ غَداهم فَرِيقانِ: فَرِيقٌ هم أهْلُ اللِّقاءِ، وفَرِيقٌ هم أهْلُ البَلاءِ والشَّقاءِ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ وفي يَدِهِ كِتابانِ فَقالَ: ”أتَدْرُونَ ما هَذانَ الكِتابانِ؟ قالَ: قُلْنا لا، إلّا أنْ تُخْبِرَنا يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ لِلَّذِي في يَدِهِ اليُمْنى: هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ بِأسْماءِ أهْلِ الجَنَّةِ وأسْماءِ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ، ولا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، ثُمَّ قالَ لِلَّذِي في يَسارِهِ: هَذا كِتابُ أهْلِ النّارِ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ، ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ، لا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: فَلِأيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ إنْ كانَ هَذا أمْرًا قَدْ فَرَغَ مِنهُ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ الجَنَّةِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ وإنْ صاحَبَ النّارَ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ النّارِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، قالَ بِيَدِهِ (p-٢٥٢)فَقَبَضَها، ثُمَّ قالَ: فَرَغَ رَبُّكم عَزَّ وجَلَّ مِنَ العِبادِ، ثُمَّ قالَ بِاليُمْنى فَنَبَذَ بِها فَقالَ: فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، ونَبَذَ بِاليُسْرى فَقالَ: فَرِيقٌ في السَّعِيرِ“»
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا رَواهُ النِّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ جَمِيعًا، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
الشورى 42:8
ولَمّا كانَ مُلُوكُ الدُّنْيا غالِبًا لا يُرِيدُونَ أنْ يُعْصى أمْرُهُمْ، فَإذا حَذَّرُوا مِن شَيْءٍ أرادُوا أنْ لا يَقْرُبَ، فَإنْ فَعَلَهُ أحَدٌ كانَ فِعْلُهُ لَهُ خارِجًا عَنْ مُرادِهِمْ، فَكانَتْ عُقُوبَتُهم لَهُ لِخُرُوجِهِ عَنِ المُرادِ شِفاءً لِما حَصَلَ لَهم مِن داءِ الغَيْظِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ مُرادِهِ، وعَنْ أنْ يَلْحَقَهُ نَفْعٌ بِطاعَةٍ أوْ ضُرٍّ بِمَعْصِيَةٍ، وإنَّ عُقُوبَتَهُ إنَّما هي عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ مَعَ الدُّخُولِ تَحْتَ مُرادِهِ بِإلْجائِهِ وقَسْرِهِ، وهَذا في نَفْسِ الأمْرِ، وأمّا في الظّاهِرِ فالأمْرُ أنْ لا يَظْهَرَ أنَّهُ لِشَيْءٍ مِنهُما مانِعٌ إلّا صَرْفَ الِاخْتِيارِ، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ اسْتِيفاءً لِإنْذارِ ما هو حَقِيقٌ بِهِ مِنها إلى الِاسْمِ الجامِعِ صِفاتِ العَظَمَةِ وغَيْرِها لِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لَجَعَلَهُمْ﴾ أيِ المَجْمُوعِينَ ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ لِلْعَذابِ أوِ الثَّوابِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ بَلْ شاءَ أنْ يَكُونُوا فَرِيقَيْنِ: مُقْسِطِينَ وظالِمِينَ، لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ وعَدْلُهُ وأنَّهُ إلَهٌ جَبّارٌ واحِدٌ قَهّارٌ، (p-٢٥٣)لا يُبالِي بِأحَدٍ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ إدْخالَهُ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ بِخُلُقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ فَتَكُونُ أفْعالُهم في مَواضِعِها وهُمُ المُقْسِطُونَ، ويُدْخِلُ مَن يَشاءُ في نِقْمَتِهِ بِخَلْقِ الضَّلالِ في قُلُوبِهِمْ فَيَكُونُونَ ظالِمِينَ، فَلا يَكُونُ لَهم فِعْلٌ في حاقَ مَوْضِعُهُ، فالمُقْسِطُونَ ما لَهم مِن عَدُوِّ ولا نَكِيرٍ ﴿والظّالِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الظُّلْمِ الَّذِينَ شاءَ ظُلْمَهم فَيُدْخِلُهم في لَعْنَتِهِ ﴿ما لَهم مِن ولِيٍّ﴾ يَلِي أُمُورَهم فَيَجْتَهِدُ في إصْلاحِها ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ يَنْصُرُهم مِنَ الهَوانِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ وهو ظاهِرُ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى اللَّعْنَةِ ثانِيًا والظُّلْمِ وما مَعَهُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى أضْدادِهِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ في أهْلِ السَّعادَةِ لِيَحْمِلَهم عَلى مَزِيدِ الشُّكْرِ، والسَّبَبُ الظّاهِرِيِّ في أهْلِ الشَّقاوَةِ لِيَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ.
الشورى 42:9
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَلْ قَصَرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُنْذِرُهم هِمَمُهم وعَزائِمُهم وأقْوالُهم وأفْعالُهم عَلى اللهِ تَعالى اتِّعاظًا وانْتِذارًا بِهَذا الكَلامِ المُعْجِزِ، عادَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ أيْ عالَجُوا فِطَرَهُمُ الشّاهِدَةَ بِذَلِكَ بِشَهادَةِ أوْقاتِ الِاضْطِرارِ حَتّى لَفَتُوها عَنْهُ سُبْحانَهُ فَأخَذُوا ﴿مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ هم عالِمُونَ بِأنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا ولِهَذا قالَ: ﴿فاللَّهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَمّا أفْهَمَتْهُ صِيغَةُ الِافْتِعالِ مِن أنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهُ وحْدَهُ الضّارُّ النّافِعُ عِلْمُهم (p-٢٥٤)بِأنَّهُ ﴿هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿الوَلِيُّ﴾ لا غَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَبِّبًا عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ قَصَرُوا هِمَمَهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَسَبَّبَ أنَّهُ وحَمَدَهُ المُسْتَحِقُّ لِما يَقْصِدُونَهُ مِنَ التَّوَلِّي ﴿وهُوَ﴾ أيْضًا وحْدَهُ لا غَيْرُهُ ﴿يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ يُجَدِّدُ إحْيائَهم في أيِّ وقْتٍ يَشاؤُهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ لا يُشارِكُهُ شَيْءٌ في ذَلِكَ بِشَهادَةِ كُلُّ عاقِلٍ، وأكَّدَهُ بِالقَصْرِ لِأنَّ شِرْكَهم بِالأوْلِياءِ إنْكارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِالوِلايَةِ.
الشورى 42:10
ولَمّا كانُوا جَمِيعًا يُقِرُّونَ بِجَمِيعِ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، بَعْضُهُ تَصْرِيحًا مِنَ الوَحْدانِيَّةِ في الوِلايَةِ والإحْياءِ في هَذِهِ الدّارِ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وبَعْضُهُ لُزُومًا وهو الإحْياءُ بِالبَعْثِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَطْعًا أنْ يُقالَ مَعَ صَرْفِ القَوْلِ إلى الخِطابِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى قَرَّبَ إلَيْهِمْ كُلَّ خَيْرٍ وقَرَّبَ إلَيْهِمْ فَهْمُ الوَحْدانِيَّةِ لِعُقُولِهِمْ بَعْدَ أنْ فَطَرَهم عَلى لُزُومِها عِنْدَ الِاضْطِرارِ، فَما اتَّفَقْتُمْ فِيهِ مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ فَهو الحَقُّ، وذَلِكَ هو أصْلُ الدِّينِ الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ الخَلائِقُ في وقْتِ الِاضْطِرارِ، لَمْ يَتَلَعْثَمْ فِيهِ مِنهم ضَعِيفٌ، ولا جَبّارٌ مُنِيفٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٢٥٥)﴿وما اخْتَلَفْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الخَلْقُ ﴿فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ وذَلِكَ هو الفُرُوعُ مُطْلَقًا والأُصُولُ في حالِ الرَّفاهِيَةِ ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي هو الوَلِيُّ لا غَيْرُهُ وهو القَدِيرُ لا غَيْرُهُ، فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، فَحَصُوا عَنْهُ تَجِدُوهُ في كِتابِهِ لِأنَّ فِيهِ تِبْيانَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإنْ قَصَرَتْ أفْهامُكم عَنْ إخْراجِهِ مِنهُ فاطْلُبُوهُ في سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَإنَّ عَزَّ عَلَيْكم فَفي إجْماعِ أهْلِ دِينِهِ، فَإنْ أعْوَزَكم ذَلِكَ فَفي القِياسِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذِهِ الأشْياءُ هي قانُونُ الشَّرِيعَةِ، وجُمْلَتُها مِن كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ الكِتابَ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ - انْتَهى. وما اجْتَهَدْتُمْ فِيهِ عَلى ما شَرَعَ لَكم وفَصَلْتُمُوهُ بِما ظَهَرَ لَكم عَلى حِكَمِ بَذْلِ الجُهْدِ مَضى، وما لا فَصْلُهُ بَيْنَكم سُبْحانَهُ في هَذا اليَوْمِ إنْ أرادَ بِنَصْرِ المُحِقِّ وخِذْلانِ الظّالِمِ، وإنْ أرادَ أخَّرَهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ، فَإنْ شاءَ عَفا وإنْ شاءَ عاقَبَ عَلَيْهِ، فَلا حُكْمَ لِغَيْرِهِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
ولَمّا أنْتَجَ هَذا أنَّهُ لا عَظِيمَ غَيْرُهُ، ولا إلَهَ إلّا هُوَ، تَرْجَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لِلْكُلِّ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أيِ العَظِيمُ الرُّتْبَةِ جِدًّا ﴿اللَّهِ﴾ المُحِيطُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ، فَلا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِنهُ بِوَجْهٍ ﴿رَبِّي﴾ الَّذِي لا مُرَبِّيَ لَهُ غَيْرُهُ في ماضٍ ولا حالٍ ولا اسْتِقْبالٍ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ، أنْتَجَ ولا بُدَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ أسْلَمْتُ (p-٢٥٦)جَمِيعَ أمْرِي ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِهِ ﴿أُنِيبُ﴾ أيْ أرْجِعُ بِالتَّوْبَةِ إذا قَصَّرْتُ في شَيْءٍ مِن فُرُوعِ شَرْعِهِ وأرْجَعَ إلى كِتابِهِ إذا نابَنِي أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ، فَأعْرِفُ مِنهُ حُكْمَهُ فافْعَلُوا أنْتُمْ كَذَلِكَ، اجْعَلُوهُ الحَكَمَ تَفْلِحُوا، ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ تَهْلَكُوا.
الشورى 42:11
ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ قَدْ رَكَّزَ في الفِطَرِ أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ خالِقٌ سِواهُ كَما يَهْدِي إلَيْهِ الِاضْطِرارُ وإنْ أغْفَلَ عَنْهُ البَطَرُ، وصَفَهُ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الفِطَرِ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْتَدِئُهُما بِالخَلْقِ والإخْراجِ مِنَ العَدَمِ، وكُلُّ ما اتَّخَذْتُمُوهُ ولِيًّا مِن دُونِهِ فَهو مِنهُما، فَهو مِمّا فَطَرَهُ كَما يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ مِنكم ذَلِكَ لا يَتَمارى فِيهِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في العِلْمِ المَرْكُوزِ في الفِطَرِ مِن أنَّهُ الواحِدُ الَّذِي لا إلَهَ مَعَهُ كَما كانَ في الأزَلِ ولا شَيْءَ مَعَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما شَقَّ العَدَمَ بِإيجادِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ أصْلًا، أتْبَعُهُ ما سَبَّبَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأنْشَأهُ مِنَ العَناصِرِ الَّتِي أبْدَعَتْها يَدُ القُدْرَةِ في الخافِقِينَ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالفِعْلِيَّةِ تَذْكِيرًا بِما يُوجِبُ لَهُمُ الِاعْتِرافَ بِما اعْتَرَفَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ مِن أنَّهُ وحْدَهُ رَبُّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في ذَلِكَ، فَيُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وحْدَهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ (p-٢٥٧)أنْ خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ ﴿مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ يَكُونُ بِالسُّكُونِ إلَيْها بَقاءَ نَوْعِكُمْ، ولَمّا كانَتِ الأنْعامُ ومَنافِعُها لِأجْلِنا قالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن ﴿الأنْعامِ﴾ إلى هي أمْوالُكم وجِمالُكم وبِها أعْظَمُ قِوامُكم ﴿أزْواجًا﴾ أيْ مِن أنْفُسِها، يَكُونُ بِها أيْضًا بَقاءُ نَوْعِها، وكَذا جَمِيعُ الحَيَواناتِ، ومَعْنى قَوْلِهِ مُغَلِّبًا العُقَلاءَ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم ولَمّا كانَ الأزْواجُ في غايَةِ المَحَبَّةِ لِلزَّواجِ بِحَيْثُ إنَّهُ مُسْتَوْلٍ عَلى القُلُوبِ، كانَ كَأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ التَّزاوُجِ بِحَيْثُ يَجْعَلُكم مُولِعِينَ بِهِ، مِن قَوْلِهِ ذَراهُ: خَلْقَهُ وكَثَّرَهُ وأوْلَعَهُ بِالشَّيْءِ، فَيَكُونُ لَكم في الأزْواجِ مِنَ البَشَرِ نُطَفًا وجَمالًا ووِلادَةً، وفي الأنْعامِ غِذاءً وشَرابًا واكِلًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَكم فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ولا تَزالُونَ في هَذا الوَجْهَ مِنَ الخَلْقِ والتَّزاوُجِ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ وجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
ولَمّا تَقَرَّرَ في الأوْهامِ وثَبَتَ في كَثِيرٍ مِنَ الأذْهانِ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِسَبَبِ التَّزاوُجِ، كانَ رُبَّما سَرى شَيْءٌ مِن هَذا الوَهْمِ في حَقِّ الخالِقِ سُبْحانَهُ فَنَفاهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِقَوْلِهِ: اسْتِئْنافًا في جَوابِ مَن يَسْألُ عَنْهُ: ﴿لَيْسَ﴾ وقَدَّمَ الخَبَرَ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُهُ فَأوْلاهُ النّافِي دَلالَةً عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ (p-٢٥٨)نَفْسِهِ في ذاتِهِ ولا في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ: ﴿شَيْءٌ﴾ يُزاوِجُهُ أوْ يُناسِبُهُ، وكُلُّ ما اتَّخَذْتُمُوهُ ولِيًّا مِن دُونِهِ، فَلَهُ ما يُزاوِجُهُ ويُماثِلُهُ، فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا النَّفْسُ وهو أصْلُهُ وحَقِيقَتُهُ في اللُّغَةِ مِن قَوْلِهِمْ: مِثْلُ الرَّجُلِ يُمَثِّلُ - إذا قامَ وانْتَصَبَ، قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ الواعِي: والمَثَلُ يَكُونُ هو الحَدِيثُ نَفْسُهُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] فَمَثَلُها هو الخَبَرُ عَنْها، وقِيلَ: المَثَلُ هَهُنا الصِّفَةُ ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] أيْ صِفَتُهُمْ، نَقَلَ ذَلِكَ الهَرَوِيُّ ونَقَلَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللهِ القَزّازِ قَوْلَهُ: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] كَذَلِكَ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [الحج: ٧٣] الآيَةُ فَصارَ الخَبَرُ عَنْ ذَلِكَ هو المَثَلُ، قالَ: وهو عَلى أصْلِ ما ذَكَرْنا أنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ صِفَتُهُ وصُورَتُهُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ”مِثال“ وقَرَأ ”أمْثالَ الجَنَّةِ الَّتِي وعَدَ المُتَّقُونَ“ ثُمَّ قالَ: وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ”مَثَل“ صِفَةٌ صُورَةٌ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَثَّلَتْ لَهُ الشَّيْءَ تَمْثِيلًا: صَوَّرَتْهُ لَهُ حَتّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ:
«مَثَّلَتْ لِي الجَنَّةَ والنّارَ» انْتَهى. في القامُوسِ: المِثْلُ - بِالكَسْرِ والتَّحْرِيكِ وكَأمْرِ: المُشَبَّهِ، والمَثَلُ مُحَرَّكَةٌ: الحُجَّةُ (p-٢٥٩)والحَدِيثُ والصِّفَةُ، والمَثِيلُ: المِقْدارُ والقَصاصُ وصِفَةُ الشَّيْءِ والفِراشِ، جَمْعُهُ أمْثِلَةٌ ومُثُلٌ، والتِّمْثالُ - بِالكَسْرِ: الصُّورَةُ ومِثْلُ قائِمًا: قامَ مُنْتَصِبًا كَمَثَلٍ بِلا ضَمٍّ مُثُولًا - انْتَهى. وفي شَمْسِ العُلُومِ: والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يَقُولُ هَذا أيْ أنا انْتَهى. فَقَدْ بانَ أنَّ المَثَلَ بِالإسْكانِ والتَّحْرِيكِ واحِدٌ، وأنَّهُ في الأصْلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْسِ الشَّيْءِ وصُورَتِهِ، ثُمَّ شاعَ فِيما يُشابِهُهُ، فَمَعْنى مَثَّلَ أيِ انْتَصَبَ تَشَكَّلَ وتَصَوَّرَ فَكانَتْ لَهُ صُورَةٌ وشَكْلٌ لِأنَّ بِالِانْتِصابِ تَتَحَقَّقُ صُورَتُهُ وتَظْهَرُ، وكَذا مَثَّلَ بِمَعْنى لَصَقَ الأرْضَ وإنْ كانَ ظُهُورُهُ بِالقِيامِ أوْضَحَ، وكَذا مَثَّلَ إذا زالَ عَنْ مَكانِهِ لِأنَّهُ حَصَلَ الِانْتِصابُ أوِ اللُّصُوقُ، وزادَ الِانْتِقالُ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مَثَّلَهُ لَهُ - إذا صَوَّرَهُ حَتّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّ مَعْنى الآيَةِ ما قُلْتُهُ، وأنَّهُ لَوْ قِيلَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، مِن غَيْرِ كافٍ، لَرُبَّما قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّعَنُّتِ: هَذا مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا، لِأنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ المِثْلَ هو الشَّيْءُ، وقَدْ كانُوا يَتَعَنَّتُونَ بِدُونِ هَذا، فَأتى بِالكافِ إزالَةً لِهَذا التَّعَنُّتِ مَعَ العِلْمِ القَطْعِيِّ بِأنَّ ظاهِرَ ما نَفْهَمُهُ غَيْرُ مُرادٍ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى مُحالِينَ هُما في غايَةِ الضُّمُورِ يُحاشى عَنْ أحَدِهِما فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا مَن لَهُ أدْنى حِكْمَةٍ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحُكَماءِ، أحَدُهُما أنَّ لَهُ مَثَلًا، والثّانِي أنَّ مِثْلَهُ لا مِثْلَ لَهُ مَعَ الحُكْمِ بِأنَّهُ مِثْلُهُ، وذَلِكَ تَناقُضٌ (p-٢٦٠)ظاهِرٌ يَتَعالى اللَّهُ عَنْ إرادَةِ مِثْلِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا - واللهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ قَدْ أبْطَنَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا التَّنْزِيهِ إبْطانًا عَظِيمًا، وكانَ هَذا الإعْراقُ في البُطُونِ لا تَحْتَمِلُهُ العُقُولُ، فَلا يُؤَمِّنُ عَلَيْها النُّزُوعُ إلى التَّعْطِيلِ، قَرَّبَهُ بِنَوْعِ ظُهُورٍ بِذِكْرِ ما نَعْقِلُهُ مِنَ الأوْصافِ بَعْدَ الأمْنِ مِنَ التَّشْبِيهِ لِمَن يَأْمَلُ الكَلامَ، وحُكْمُ العَقْلِ وطَرْدُ الوَهْمِ، فَأتى بِأوْضَحِ ما نُحِسُّهُ مِن أوْصافِنا. وأظْهَرِهِ مَعَ اسْتِلْزامِهِ لِبَقِيَّةِ الصِّفاتِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيِ الكامِلُ في السَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ مِنَ البَصَرِ والبَصِيرَةِ، ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى وجْهِ الخُصُوصِ إلّا بِالوَحْدانِيَّةِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ والكَلامِ، فاسْتَوْفَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما لَوَّحَ إلَيْهِ العاطِفُ في قَوْلِهِ ”وما اخْتَلَفْتُمْ“ بَعْدَ ما صَرَّحَ بِهِ، فاللهُ هو الوَلِيُّ مِن أُصُولِ الدِّينِ بِالصِّفاتِ السَّبْعِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ - واللَّهُ المُوَفِّقُ، قالَ الحَرّالِيُّ: السَّمْعُ إدْراكُ ألْطَفِ المِثْلَيْنِ وهو الِاسْمُ، والصَّرُّ إدْراكُ أظْهَرِ المِثْلَيْنِ وهو الصُّورَةُ، وبِالحَقِّ سُبْحانَهُ بَدَأ كُلُّ مَثَلٍ لَطِيفٍ فَهو السَّمِيعُ بِالحَقِيقَةِ أنْ لا يُسْمَعُ ما هو مُبْدِئٌ ألْطَفَ مَثِيلَهُ، أوْ لا يُبْصِرُ ما هو مُبْدِئٌ أظْهَرَ مَثِيلِهِ، ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِيمًا بِأمْثالِ البادِئاتِ قَبْلَ كَوْنِها كانَ سَمِيعًا لَها بَصِيرًا لَها قَبْلَ كَوْنِها، وإنَّما يَسْتَجِدُّ السَّمْعَ والبَصَرَ مَن يَتْبَعُ عِلْمَهُ إدْراكُ (p-٢٦١)حِسِّهِ، لا مَن هو دائِمًا سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِما هو دائِمًا عَلِيمٌ، فَهو سُبْحانُهُ يَسْمَعُ الأشْياءَ وإنْ لَمْ تَتَّسِمْ، ويَراها وإنْ لَمْ تَتَصَوَّرْ رُؤْيَتُهُ لَها وسَمْعُهُ في خَلْقِها وبِرَبِّها وتَصْوِيرِها رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ وسَمْعٌ دائِمٌ، والخَلْقُ لا يَرَوْنَ الشَّيْءَ قَبْلَ تَصَوُّرِهِ ولا يَسْمَعُونَهُ قَبْلَ تَكَلُّمِهِ - انْتَهى.
فَقَدْ صَرَّحَتِ الآيَةُ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ مُساوٍ في شَيْءٍ ما، فَمَنِ ادَّعى لِأحَدٍ مُساواتَهُ في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ عِلْمٍ أوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أشْرَكَ بِهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ وهو أشَدُّ مَلامَةً مِنَ المُشْرِكِ بِالصَّنَمِ ونَحْوِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِأنَّ إشْراكَ هَذا ظاهِرُ الوَهْيِ واضِحُ الخَلَلِ بَيْنَ السَّفْسَفَةِ، وإشْراكُ الأوَّلِ خَفِيٌّ لا يَقْدِرُ عَلى حِلِّهِ إلّا راسِخٌ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما يَصِيرُ إلى الرَّكاكَةِ والهَذَيانِ لِأنَّهُ لا يُسَوِّغُ في عَقْلٍ أنْ يَكُونَ أحَدٌ شَرِيكًا لِأحَدٍ في شَيْءٍ إلّا وهو مُساوٍ لَهُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، وصالِحٍ في الجُمْلَةِ لِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ مِن مَزَلَّةٍ رُبَّما اسْتَغْوى بِها الشَّيْطانُ بَعْضَ مَن يُرِيدُ التَّرَقِّي في دَرَجاتِ العِرْفانِ، لِيُخْرِجَهُ مِن جَمِيعِ الأدْيانِ.
الشورى 42:12
ولَمّا قَرَّرَ أمْرَ الوَحْيِ بِما ثَبَتَ بِهِ مِنَ الإعْجازِ، وأراهُمُ الآياتِ في الآفاقِ، بِأنَّ لَهُ ما في الوُجُودِ، وأنَّهُ هو الَّذِي فَطَرَهُ، وكانَ رُبَّما كانَ لِلْإنْسانِ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِأنْ يَكُونَ مَفاتِيحُ خَزائِنِهِ مَعَ غَيْرِهِ مِن شَرِيكٍ أوْ غَيْرِهِ، وكانَ رُبَّما اخْتَرَعَ الإنْسانُ بِناءً وكانَ لِغَيْرِهِ، أخْبَرَ إكْمالًا لِتَنْزِيهِ الآيَةِ السّالِفَةِ وشَرْحًا لَهُ أنَّهُ (p-٢٦٢)تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كَغَيْرِهِ في هَذا أيْضًا بَلْ كَما كانَ أنَّ لَهُ ما في الخافِقِينَ وهو مُخْتَرِعُهُما فَلَهُ مَفاتِيحُ خَزائِنِهِما، فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ خَزائِنِهِما ومَفاتِيحِ خَزائِنِهِما مِنَ الأمْطارِ والإنْباتِ وغَيْرِهِما وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ ابْتَدَعَهُما، وأنَّ لَهُ جَمِيعَ ما فِيهِما مِمّا اتَّخَذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا وغَيْرَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والمَفاتِيحُ الخَزائِنُ وخَزائِنُهُ مَقْدُوراتِهِ - انْتَهى. ولَمّا كانَ قَدْ حَصَرَ الأمْرَ فِيهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيِ الَّذِي فِيهِما ولا مانِعَ مِنهُ إلّا قُدْرَتُهُ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ ويَقْبِضُ عَلى مَن يَشاءُ كَما وسَّعَ عَلى فارِسَ والرُّومِ وضَيَّقَ عَلى العَرَبِ وفاوَتَ في الأفْرادِ، بَيْنَ أفْرادِ مَن وسَّعَ عَلَيْهِمْ ومَن ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأنَّهُ هو المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ فَقَطَعَ بِذَلِكَ أفْكارَ المُوَفَّقِينَ مِن عِبادِهِ مِن غَيْرِهِ لِيَقْبَلُوا عَلَيْهِ ويَتَفَرَّغُوا لَهُ، فَإنَّ عِبادَتَهُ هي المَقالِيدُ بِالحَقِيقَةِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ﴾ [نوح: ١٢]
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الطلاق: ١١] (p-٢٦٣)﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥] ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦]
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أعْمالَ غالِبِ النّاسِ في المَعاصِي عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلُهُ: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَلا فِعْلَ لَهُ إلّا وهو جارٍ عَلى أتْقَنِ ما يَكُونُ مِن قَوانِينِ الحِكْمَةِ، فَلَوْ أنَّهُ وسِعَ العَرَبُ وقُواهم ثُمَّ أباحَهم مُلْكَ أهْلِ فارِسَ والرُّومِ لَقَبِلَ بِقُوَّتِهِمْ ومَكَّنَتْهُمْ، ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ دَقَّ أوْ جَلَّ مِنَ الحُكْمِ ما يَعْجَزُ عَنْ إدْراكِ لِطائِفِهِ أفاضِلُ الأُمَمِ.
الشورى 42:13
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ وأنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ في الوُجُودِ سِواهُ، أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا ناهِجَ لِطُرُقِ الأدْيانِ الَّتِي هي أعْظَمُ الرِّزْقِ وأعْظَمُ قاسِمَةٍ لِلرِّزْقِ غَيْرُهُ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ دِينًا قَدِيمًا وحَدِيثًا غَيْرَ ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وقْتَ الشَّدائِدِ. فَقالَ دالًّا عَلى ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها مِن شُمُولِ عِلْمِهِ ومُرَغِّبًا في لُزُومِ ما هَدى إلَيْهِ ودَلَّ عَلَيْهِ: ﴿شَرَعَ﴾ أيْ طَرَقَ وسَنَّ طَرِيقًا ظاهِرًا بَيِّنًا واضِحًا ﴿لَكُمْ﴾ أيَّتُها الأُمَّةُ الخاتِمَةُ مِنَ الطُّرُقِ (p-٢٦٤)الظّاهِرَةُ المُسْتَقِيمَةُ ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ وهو ما يَعْمَلُ فَيُجازِي عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلدِّينِ، وكانُوا هُمُ المَقْصُودِينَ في هَذا السِّياقِ بِالأمْرِ بِهِ، لِأنَّ الشّارِعَ لَهم قَدْ أنْتَجَهُ، وكانُوا لِتَقْلِيدِهِمُ الآباءَ يَرَوْنَ أنَّ ما كانَ مِنهُ أقْدَمَ كانَ أعْظَمَ وأحْكَمَ، ذَكَرَ لَهم أوَّلَ الآباءِ المُرْسَلِينَ إلى المُخالِفِينَ فَقالَ: ﴿ما﴾ أيِ الَّذِي ﴿وصّى بِهِ﴾ تَوْصِيَةً عَظِيمَةً بَعْدَ إعْلامِهِ بِأنَّهُ شَرَعَهُ ﴿نُوحًا﴾ في الزَّمانِ الأقْدَمِ كَما خَتَمَ بِهِ عَلى لِسانِ الخاتَمَ، وأرْسَلَ بِهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ لِأنَّهُ لا يُرْضِيهِ سِواهُ، فَإنْ كُنْتُمْ إنَّما تَأْنَفُونَ مِنَ الدُّخُولِ في هَذا الدِّينِ لِحُدُوثِهِ فَإنَّهُ أقْدَمُ الأدْيانِ وكُلُّ ما سِواهُ حادِثٌ مَعَ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا مِن أنْبِيائِكم ولا مِن غَيْرِهِمْ إلّا بِهِ ومَعَ أنَّهُ تَوَفَّرَتْ عَلى الشَّهادَةِ بِهِ الفِطَرُ الأُولى دائِمًا والفِطَرُ اللّاحِقَةُ حَتّى مِنَ القُلُوبِ العاتِيَةِ في أوْقاتِ الشَّدائِدِ أبَدًا فادْخُلُوا فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ.
ولَمّا كانَ الإعْجازُ خاصًّا بِنا، أبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ مُعَبِّرًا بِالوَحْيِ، وبِالأصْلِ في المُوَصِّلاتِ، ودالًّا عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِتَقْدِيمِهِ عَلى مَن كانُوا قَبْلَهُ مَعَ تَرْتِيبِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ عَلى تَرْتِيبِهِمْ في الوُجُودِ فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وأفْرَدَ الضَّمِيرَ زِيادَةً في عَظَمَتِهِ دَلالَةً عَلى (p-٢٦٥)أنَّهُ لا يُفْهِمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ ﷺ، ودَلَّ عَلى عَظَمِهِ ما كانَ لِإبْراهِيمَ وبَنِيهِ بِما ظَهَرَ مِن آثارِهِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ، وعَلى نَقْصِهِ عَمّا إلى نَبِيِّنا ﷺ بِالتَّعْبِيرِ بِالوَصِيَّةِ فَقالَ: ﴿وما وصَّيْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِها تِلْكَ المُعْجِزاتُ ﴿بِهِ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِي نَجَّيْناهُ مِن كَيْدِ نَمْرُودَ بِالنّارِ وغَيْرِها ووَهَبَنا لَهُ عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وهو أعْظَمُ آباءِ العَرَبِ وهم يُدْعَوْنَ أكْبَرَ بِالآباءِ فَلْيَكُونُوا عَلى ما وصَّيْناهُ بِهِ ﴿ومُوسى﴾ الَّذِي أنْزَلَنا عَلَيْهِ التَّوْراةَ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿وعِيسى﴾ الَّذِي أنْزَلْنا عَلَيْهِ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومَوْعِظَةٌ، ودَخَرْناهُ في سَمائِنا شَرِيعَةَ الخاتَمِ الفاتِحِ.
ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى المُوحى المُوصى بِهِ، أبْرَزَهُ في أُسْلُوبِ الأمْرِ فَقالَ مُبْدِلًا مِن مَعْمُولِ ”شَرَعَ“ أوْ مُسْتَأْنَفًا: ﴿أنْ أقِيمُوا﴾ أيْ أيُّها المَشْرُوعُ لَهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الخاتِمَةِ ومِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿الدِّينِ﴾ أيِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الخَلائِقُ بِالرُّجُوعِ إلى ما فُطِرُوا عَلَيْهِ وقْتَ الِاضْطِرارِ وهو التَّوْحِيدُ والوَصْفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ عَلى الإطْلاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مَصْدَرِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِتَقَدُّمِ ما هو بِمَعْنى القَوْلِ. (p-٢٦٦)ولَمّا عَظَّمَهُ بِالأمْرِ بِالِاجْتِماعِ، أتْبَعَهُ التَّعْظِيمَ بِالنَّهْيِ عَنِ الِافْتِراقِ فَقالَ: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ تَفَرُّقًا عَظِيمًا بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءِ، وكَأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفَرُّقِ في الأصْلِ وأذِنَ في الِاجْتِهادِ عَلى قَدْرِ القُوَّةِ في الفَرْعِ ﴿فِيهِ﴾ أيِ الدِّينِ في أوْقاتِ الرَّخاءِ عِنْدَ التَّقَلُّبِ في لَذِيذِ ما أنْعَمَ بِهِ الشّارِعُ لَهُ الآمِرُ بِهِ المُرَغِّبُ في اتِّباعِهِ المُرْهِبُ مِنِ اجْتِنابِهِ، واجْتَمَعُوا عَلى ما أرْسَلَهُ الَّذِي أثْبَتُّمْ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ عِنْدَ الشَّدائِدِ مِن غَيْرِ خِلافٍ أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبُ الهَلاكِ، والِاجْتِماعَ سَبَبُ النَّجاةِ، فَكُونُوا يَدًا واحِدَةً يا أهْلَ الكِتابِ قالَ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]
ولَمّا نَهى عَنِ التَّفَرُّقِ، حَثَّ عَلى لُزُومِ الِاجْتِماعِ اللّازِمِ بِهِ بِتَعْلِيلِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ جَلَّ وعَظُمَ وشُقَّ حَتّى ضاقَتْ بِهِ صُدُورُهُمْ، وهو ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ أيُّها النَّبِيُّ الفاتِحُ الخاتَمُ مِنَ الِاجْتِماعِ أبَدًا عَلى ما اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وقْتَ الِاضْطِرارِ مِن وحْدانِيَّةِ الواحِدِ القَهّارِ، فَلِأجْلِ كِبَرِهِ عَلَيْهِمْ هم يَسْعَوْنَ في تَفَرُّقِكم عَنْهُ فَإنْ تَفَرَّقْتُمْ عَنْهُ (p-٢٦٧)كُنْتُمْ قَدْ تابَعْتُمُ العَدُوَّ الحَسُودَ وخالَفْتُمُ الوَلِيَّ الوَدُودَ. ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِكَرِّهِ عَلَيْهِمْ رُبَّما أوْهَمَ اتِّباعَ أتْباعِهِمْ لَهُ، أزالَ ذَلِكَ الوَهْمَ بِقَوْلِهِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ السَّبِيلُ مَعَ ذَلِكَ إلى دُخُولِ أحَدٍ في هَذا الدِّينِ، عادِلًا عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ تَعْظِيمًا لِلْقُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ القُلُوبِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ ونُفُوذُ الأمْرِ ﴿يَجْتَبِي﴾ أيْ يَخْتارُ بِغايَةِ العِنايَةِ ويَصْرِفُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ إلى هَذا الدِّينِ الَّذِي تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ اجْتِباءَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِهَذا المُرادِ بِغَيْرِ تَكَسُّبٍ مِنهُ، أتْبَعَهُ المَزِيدَ المَعْنى بِالسُّلُوكِ فَقالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ ﴿مَن يُنِيبُ﴾ أيْ فِيهِ أهْلِيَّةٌ لِأنَّ يُجَدِّدَ الرُّجُوعَ إلى مَراتِبِ طاعاتِهِ كُلَّ حِينٍ بِباطِنِهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ بِظاهِرٍ إلى ما كَتَبَهُ لَهُ مِنَ الدَّرَجاتِ كَأنَّهُ كانَ الوُصُولُ إلَيْها قَدْ نَزَلَ عَنْها وهو بِتَرَقِّيهِ في المُنازَلاتِ بِأحْوالِ الطّاعاتِ يَرْجِعُ إلَيْها.
الشورى 42:14
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالمُشْرِكِينَ مَعَ عُبّادِ الأوْثانِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ لِقَبُولِهِمْ مِنهُمُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ، (p-٢٦٨)وكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِأنَّهم فارَقُوا أهْلَ الطّاعَةِ، وكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِأنَّهم ما فارَقُوهم إلّا عَنْ جَهْلٍ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأتى الرُّسُلُ إلى النّاسِ فَأقامُوا لَهُمُ الدِّينَ وبَيَّنُوا لَهم غايَةَ التَّبْيِينِ فاجْتَبى اللَّهُ بَعْضَهم وأضَلَّ بَعْضَهم فافْتَرَقُوا: ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾ أيِ المُشْرِكِينَ مِن قَبْلِكم مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ في أدْيانِهِمْ ﴿إلا﴾ وأدْخَلَ الجارَّ لِعَدَمِ اسْتِغْراقِ الزَّمانِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُوا لَبْسًا ﴿العِلْمُ﴾ أيْ بِما لا يُسَوِّغُ مَعَهُ التَّفَرُّقَ ومِنهُ أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، وأشارَ الجارُّ أيْضًا إلى أنَّ التَّفَرُّقَ كانَ مَعَ العِلْمِ لَمْ يَكُنْ طالَ الزَّمانُ فَتَطَرَّقَ إلى عِلْمِهِمْ نِسْيانَ كُلِّ ذَلِكَ بَيانًا لِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى في تَصَرُّفِهِ في القُلُوبِ، فَإيّاكم أنْ يَكُونَ حالُكم كَحالِهِمْ فَلْيَشْتَدَّ خَوْفُكم لِرَبِّكم ورَجاءُكم لَهُ.
ولَمّا كانَ تَرْكُ طَرِيقِ العِلْمِ عَجَبًا ومُسْتَبْعَدًا، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ حُظُوظُ الأنْفُسِ الَّتِي لا نَجاةَ مِنها إلّا بِعِصْمَةِ اللهِ تَعالى: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِ تَفَرُّقِهِمْ عَداوَةً ولا شُبْهَةَ فِيها هي بَيِّنَةُ الظُّلْمِ لِأجْلِ حُظُوظِ الأنْفُسِ واتِّباعِ الأهْواءِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العَبْدِ البُعْدُ عَنْها بِأنْ لا تَكُونَ لَهُ إرادَةٌ أصْلًا بَلْ تَكُونُ إرادَتُهُ تابِعَةً لِأمْرِ مَوْلاهُ. (p-٢٦٩)ولَمّا كانَ مُطْلَقُ البَغْيِ مُنافِيًا لِمَكارِمِ الأخْلاقِ، فَكانَ ارْتِكابُهُ عَجَبًا، زادَ في التَّعَجُّبِ مِنهُ بِبَيانِ أنَّ البَغْيَ لَمْ يَعُدْ جَماعَتُهم إلى غَيْرِها، بَلْ كانَ خاصًّا بِها، فَقالَ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي المُعالَجَةَ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا قُدْرَةُ اللهِ ولُطْفُهُ لَما اجْتَمَعُوا بَعْدَ الفُرْقَةِ أبَدًا: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ لا تَبْدِيلَ لَها ﴿سَبَقَتْ﴾ أيْ في الأزَلِ بِتَأْخِيرِهِمْ إلى آجالِهِمْ. ولَمّا كانَ إمْهالُهم والرِّفْقُ بِهِمْ رَحْمَةً لَهُمْ، بَيْنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأجْلِ خَيْرِ الخَلْقِ لِيَكُونُوا أتْباعًا لَهُ فَيَزْدادُوا لِذَلِكَ شَرَفًا، وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ مُؤْنِسًا لَهُ ﷺ بِلَفْتِ الكَلامِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ إرْضاءً لَهُ بِما يَرْجُوهُ في أُمَّتِهِ، وزادَ ذَلِكَ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ فَأفْهَمَ أنَّ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ إحْسانٌ يَلِيقُ بِمَقامِهِ، ويَلْتَئِمُ بِمُرادِهِ الشَّرِيفِ ومَرامِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ خَيْرَ الخَلائِقِ وإمامَهُمْ، سَبَقَتِ الكَلِمَةُ بِإمْهالِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ضَرْبُهُ لِآجالِهِمْ ثُمَّ لِجَمْعِهِمْ في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ﴾ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ حِينَ الِافْتِراقِ بِإهْلاكِ الظّالِمِ وإنْجاءِ المُحِقِّ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانَ مَن في زَمانِهِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ يَدَّعُونَ غايَةَ العِلْمِ بِها والِاجْتِماعِ عَلَيْها، وهي كُلُّها داعِيَةٌ إلى المُبادَرَةِ إلى إرْثِ هَذا الكِتابِ الخاتَمِ الجامِعِ، (p-٢٧٠)وكانَ بَعْضُهم يَتَلَبَّسُ بِالتَّنَسُّكِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، وإنْكارُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَوْعَ شَكٍّ، قالَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ الوُصُولَ إلى الكِتابِ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ، ولَمْ تَدَعْ حاجَةً إلى العِلْمِ بِالمُوصِلِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ:﴿أُورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ الكامِلَ الخاتَمَ، وهم هَذِهِ الأُمَّةُ بِما نَسَخَ كِتابَهم ما تَقَدَّمَهُ كانَ غَيْرُهم كَأنَّهُ ماتَ، فَوَرِثُوا كَما قالَ تَعالى﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] فَكانَ حالُهم في تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ في الكِتابِ بِالحِفْظِ والفَهْمِ وعَدَمِ المُنازِعِ في ادِّعائِهِ حالَ الوارِثِ والمَوْرُوثِ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ المُتَفَرِّقِينَ، وأثْبَتَ الجارَّ لِعَدَمِ اسْتِغْراقِ الزَّمانِ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ إيراثٍ لِلْكِتابِ المُقْتَضِي لِلِاجْتِماعِ لا لِلتَّفَرُّقِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ، وذَلِكَ لِعَمَلِهِمْ عَمَلَ الشّاكِّ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكَهانَةٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وأنَّ الآتِيَ بِهِ غَيْرُ صادِقٍ بَعْدَ اطِّلاعِهِمْ عَلى ما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وبَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، أمّا العَرَبُ ومَن ساكَنَهم مِن أهْلِ الكِتابِ فَبِإعْجازِهِ مَعَ ما في أهْلِ الكِتابِ مِنَ البِشارَةِ بِهِ، (p-٢٧١)وأمّا غَيْرُ مَن ساكَنَهم فَبِدَعْوَةِ كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مُوقِعٍ في التُّهْمَةِ المُوقِعَةِ في الحاجَةِ المُوقِعَةِ في صُرُوفِ الدَّهْرِ وهي شَدائِدُهُ وآفاتُهُ ونَوائِبُهُ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ كِتابُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ خاصَّةً والكِتابُ كِتابَهُمْ، وشَكُّهم فِيهِ عَمَلَهم بِغَيْرِ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ كِتابِنا بِاتِّباعِ نَبِيِّنا ﷺ.
الشورى 42:15
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا زَيْغُهم عَنْ أوامِرِ الكِتابِ الآتِي مِنَ اللَّهِ، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرُهُ ﷺ بِإبْلاغِ النّاسِ ما يَنْفَعُهم عَنْ رِسالَةِ رَبِّهِ الَّذِي أنْزَلَ تِلْكَ الكُتُبَ في آيَةٍ واحِدَةٍ مُفَصَّلَةٍ بِعَشْرِ كَلِماتٍ في كُلِّ كَلِمَةٍ مِنها حُكْمٌ بِرَأْسِهِ، قالُوا: ولا نَظِيرَ لَها إلّا آيَةُ الكُرْسِيِّ فَإنَّها عَشَرَةُ أُصُولٍ كُلُّ أصْلٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِرَأْسِهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ حالِهِمُ الِاجْتِهادُ في إزالَتِها والعَمَلِ بِضِدِّها: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أيْ لِهَذا الوَحْيِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ الَّذِي وصَّيْنا بِمَقاصِدِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ أصْحابَ الشَّرائِعِ الكِبارِ مِن أُولِي العَزْمِ وغَيْرِهِمْ، أوْ لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ المُباعِدِ (p-٢٧٢)لِلصَّوابِ والشَّكِّ في أمْرِ الكِتابِ.
ولَمّا كانَ سِياقُ الدَّعْوَةِ لِلْخَلْقِ إلى ما أوْحى إلَيْهِ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فادْعُ﴾ إلى مَن أرْسَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى ما أمَرَ بِهِ الإلَهُ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ. ولَمّا كانَ الدّاعِي لِغَيْرِهِ لا يَنْفَعُ دُعاءَهُ لِذَلِكَ الغَيْرِ ما لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ، قالَ: ﴿واسْتَقِمْ﴾ أيِ اطْلُبِ القَوْمَ مِن رَبِّكَ عَلى مَشاقِّ الدَّعْوَةِ لِيُعِينَكَ عَلَيْهِ وأوْجَدَهُ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ كِتابَهُ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ ويَجِبُ عَلَيْهِ ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ مِمَّنْ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ في تَفاصِيلِ الدُّعاءِ مِنَ اللِّينِ والغِلْظَةِ والتَّوَسُّطِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَحْدِيثِ النّاسِ بِما تَحْتَمِلُ عُقُولُهم وتَرْبِيَتُهم عَلى حَسَبِ ما يَنْفَعُهم.
ولَمّا كانَ كُلُّ ما خالَفَ كِتابَنا هَوًى، وكُلُّ ما خالَفَ كِتابَنا فَهو عَلى مُجَرَّدِ الهَوى، قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ﴾ أيْ تَعَمُّدًا ﴿أهْواءَهُمْ﴾ في شَيْءٍ ما، فَإنَّ الهَوى لا يَدْعُو إلى خَيْرٍ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ أحَدٍ أنْ يَفْعَلَ ما أمَرَ بِهِ لِأجْلِ أنَّهُ أمَرَ بِهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ يَهْواهُ.
ولَمّا كانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا في الكِتابِ وشَكُّوا فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أمَرَهُ بِما يُخالِفُ حالَهم فَقالَ: ﴿وقُلْ﴾ أيْ لِجَمِيعِ أهْلِ الفِرَقِ، وكُلَّ مَن يُمْكِنُ لَهُ القَوْلُ فَإنَّكَ أُرْسِلْتَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ: ﴿آمَنتُ بِما﴾ (p-٢٧٣)أيْ بِكُلِّ شَيْءٍ. ولَمّا كانَ أكْمَلَ النّاسِ إيمانًا أكْثَرَهُمُ اسْتِحْضارًا لِأوْصافِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، صَرَفَ القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى سُلُوكِ أعْلى المَسالِكِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ ﴿مِن كِتابٍ﴾ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ مِن كُتُبِهِ ولا أحَدٍ مِن رُسُلِهِ، بَلْ كُلُّ كِتابٍ ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ عَلى رَسُولٍ ثَبَتَ رِسالَتَهُ بِالمُعْجِزَةِ فَأنا بِهِ مُؤْمِنٌ وإلَيْهِ داعٍ كَما اقْتَضاهُ كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ القالِيُّ في ذَيْلِ الأمالِي: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ - هو ابْنُ الأنْبارِيِّ - حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ حَدَّثَنا صِحابُ بْنُ الحارِثِ أنا بِشْرُ بْنُ عِمارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ قالَ: أتى عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما الإيمانُ أوْ كَيْفَ الإيمانُ؟ قالَ: الإيمانُ عَلى أرْبَعِ دَعائِمَ: عَلى الصَّبْرِ واليَقِينِ والعَدْلِ والجِهادِ، والصَّبْرِ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى الشَّوْقِ والشَّفَقِ والزَّهادَةِ والتَّرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتاقَ إلى الجَنَّةِ سَلّى عَنِ الشَّهَواتِ، ومَن أشْفَقَ مِنَ النّارِ رَجَعَ عَنِ الحُرُماتِ، ومَن زَهِدَ في الدُّنْيا تَهاوُنَ بِالمُصِيباتِ، ومَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سارَعَ إلى الخَيْراتِ، واليَقِينُ عَلى أرْبَعِ شِعابٍ: تَبْصِرَةُ الفَطِنَةِ وتَأْوِيلُ الحِكْمَةِ ومَوْعِظَةُ العِبْرَةِ وسُنَّةُ الأوَّلِينَ، فَمَن تَبَصَّرَ الفِطْنَةَ تَأوَّلَ الحِكْمَةَ، ومَن تَأوَّلَ الحِكْمَةَ عَرَفَ العِبْرَةَ، ومَن عَرَفَ العِبْرَةَ عَرَفَ السُّنَّةَ، ومَن عَرَفَ السُّنَّةَ فَكَأنَّما كانَ في الأوَّلِينَ، (p-٢٧٤)والعَدْلُ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى غائِصِ الفَهْمِ وزَهْرَةِ الحِلْمِ ورَوْضَةِ العِلْمِ وشَرائِعِ الحُكْمِ، فَمَن فَهِمَ جَمْعَ العِلْمِ، ومَن حَلَمَ لَمْ يَضِلَّ في الحُكْمِ، ومَن عَلَمَ عَرَفَ شَرائِعَ الحُكْمِ، ومَن حَلَمَ لَمْ يُفَرِّطْ أمْرَهُ، وعاشَ في النّاسِ. والجِهادُ عَلى أرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والصِّدْقِ في المَواطِنِ وشَنَآنِ الفاسِقِينَ، فَمَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرُ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَهى عَنِ المُنْكَرِ أرْغَمَ آنافَ الفاسِقِينَ، ومَن صَدَقَ في المُواطِنِ فَقَدْ قَضى الَّذِي عَلَيْهِ، ومَن شَنِئَ المُنافِقِينَ غَضِبَ لِلَّهِ وغَضِبَ اللَّهُ لَهُ فَأزْلَفَهُ وأعْلى مَقامَهُ، قالَ: فَقامَ الرَّجُلُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ.
ولَمّا أخْبَرَ بِالعَدْلِ في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، أتْبَعَهُ ذَلِكَ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ﴾ أيْ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِما أمَرَنِي بِهِ مِمّا أنْزَلَ عَلَيَّ ﴿لأعْدِلَ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ أعْدِلَ ﴿بَيْنَكُمُ﴾ أيُّها المُفَرَّقُونَ في الأدْيانِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كَما دَعى إلَيْهِ كَمالَ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ (p-٢٧٥)﴿رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ مُوجِدُنا ومُتَوَلِّي جَمِيعَ أُمُورِنا، فَلِهَذا أمَرَنا بِالعَدْلِ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ لِأنَّ الكُلَّ عِبادُهُ.
ولَمّا كانَ الرَّبُّ واحِدًا، أنْتَجَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا﴾ خاصَّةً بِنا لا تَعُدُّونا إلى غَيْرِنا ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ خاصَّةً بِكم لا تَعْدُوكم إلى غَيْرِكُمْ، لِأنَّهُ لا داعِيَ لِأنْ نَأْخُذَ عَمَلَ بَعْضِنا فَنُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا ذُو غَرَضٍ، وهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَهو مُنَزَّهٌ عَنِ الأغْراضِ، ولَمّا وصَلَ بِتَمامِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في إزالَةِ الرَّيْبِ وإثْباتِ الحَقِّ إلى ما هو كالشَّمْسِ لِثُبُوتِ الرِّسالَةِ بِالمُعْجِزاتِ وإعْجازِ هَذا الكِتابِ وتَصادُقِهِ مَعَ ما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وبَيانِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا نِزاعَ بَيْنَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فِيهِما كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ: ﴿لا حُجَّةَ﴾ أيْ مَوْجُودَةً بِمُحاجَّةِ أحَدٍ مِنّا لِصاحِبِهِ ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ لِأنَّ الأمْرَ وصَلَ إلى الِانْكِشافِ التّامِّ فَلا فائِدَةَ بَعْدَهُ لِلْمُحاجَّةِ فَما بَقِيَ إلّا المُجادَلَةُ بِالسُّيُوفِ، وإدارَةُ كُؤُوسِ الحُتُوفِ، لِأنّا نَعْلَمُ بِإعْلامِ اللهِ لَنا في كِتابِهِ الَّذِي دَلَّنا إعْجازُهُ لِلْخَلائِقِ عَلى أنَّهُ كَلامُهُ، (p-٢٧٦)فَنَحْنُ نُسْمِعُهُ لِذَلِكَ مِنهُ أنا عَلى مَحْضِ الحَقِّ وأنَّكم عَلى مَحْضِ الباطِلِ، وقَدْ أعْذَرْنا إلَيْكم وأوْصَلْنا بِبَراهِينِهِ إلى المُشاهَدَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ عَمَلًا بِفَضِيلَةِ الشَّجاعَةِ.
ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: أفَما تَخافُونَ اللهَ فِيمَن تُقاتِلُونَهُ وهو عِبادُهُ، أجابَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا غَيْرَ مُضْمِرٍ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ عَلى دِينٍ واحِدٍ أرادَ فَلا يَكُونُ قِتالٌ، وفي الآخِرَةِ عَلى كُلِّ حالٍ فَهو يَحْكُمُ بَيْنَنا ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فَما أقْدَمْنا عَلى القِتالِ إلّا عَنْ بَصِيرَةٍ.
ولَمّا كانَ الجامِعُ بَيْنَ ناسٍ قَدْ يَكُونُ مَآلُهم إلى غَيْرِهِ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ فِيهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمِنهُ كانَ المَبْدَأُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِهِ مِن حَيْثُ هَذا الِاسْمُ الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿المَصِيرُ﴾ حِسًّا ومَعْنًى لِتَمامِ عِزَّتِهِ وشُمُولِ عَظَمَتِهِ وكَمالِ رَحْمَتِهِ، وما كانَ فِيما بَيْنَ المَبْدَأِ والمَعادِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي كانَتْ بِحَيْثُ يَظُنُّ أنَّها خارِجَةٌ - (p-٢٧٧)لِتَصَرُّفِ الغَيْرِ فِيها - إنَّما كانَتِ ابْتِلاءً مِنهُ يُقِيمُ بِها الحُجَّةَ عَلى العِبادِ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ، وما كانَ المُتَصَرِّفُ فِيها غَيْرُهُ فَتَصَرُّفُهم إنَّما كانَ أمْرًا طارِئًا يُصَحِّحُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ويَلْزَمُهُمُ الحُجَّةَ.
الشورى 42:16
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ رَجَعُوا إلَيْهِ طَوْعًا في هَذِهِ الدّارِ بَعْدَ هَذا البَيانِ والإظْهارِ، وتَرَكُوا الجِدالَ حُجَّتَهم ثابِتَةً ولَهُمُ الرِّضا والنَّعِيمُ المُقِيمُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبْتَدِئًا بِالمَوْصُولِ لِيَصِلَهُ بِما يُفْهِمُ التَّجَدُّدَ والِاسْتِمْرارَ: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ﴾ أيْ يُورِدُونَ تَشْكِيكًا عَلى دِينِهِ الحَقِّ مِنَ الشُّبَهِ ما يُسَمُّونَهُ حُجَجًا، ولَعَلَّ الإدْغامَ يُشِيرُ إلى أنَّ أهْلَ هَذا الضَّرْبِ مُنافِقُونَ يُلْقُونَ شَبَهَهم في خَفاءٍ فَتَشْرَبُها قُلُوبُ أمْثالِهِمْ فَتَصِيرُ أهْوِيَةً فَيَضْعُفُ أمْرُها ويُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ الدُّحُوضِ بِما عِنْدَ الرَّبِّ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ لِيُعِيدُوا النّاسَ بَعْدَما دَخَلُوا في نُورِ الهُدى إلى ظَلامِ الضَّلالِ.
ولَمّا كانَتْ إقامَةُ الحُجَّةِ وإظْهارُ المُعْجِزَةِ أمْرًا مُلْزِمًا لِجَمِيعِ مَن بَلَغَهُ (p-٢٧٨)الِاسْتِجابَةَ لِوُصُولِ الأمْرِ إلى حَدٍّ مِنَ البَيانِ سَقَطَ مَعَهُ الجِدالُ، قالَ مُعْلِمًا إنَّ ما كانَ في قُوَّةِ الوُجُودِ يَصِحُّ أنَّ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَوْجُودٌ، ومُنَبِّهًا بِالجارِّ عَلى ذَمِّ هَذا الجِدالِ ولَوْ قَلَّ زَمَنُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مُطْلَقَ الِاسْتِجابَةِ لا مِن مُجِيبٍ مُعَيَّنٍ قالَ: ﴿اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيِ اسْتَجابَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ، وصارَ النّاسُ كُلُّهم بِما يَبِينُ لَهم مُسْتَجِيبِينَ بِالقُوَّةِ وإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا بِالفِعْلِ، فَإنَّ الأمْرَ قَدْ ظَهَرَ غايَةَ الظُّهُورِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا العِنادُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المُرادُ والثَّمَرَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]
ولَمّا كانَ مَن خالَفَ ظاهِرُهُ باطِنَهُ ضَعِيفَ الحُجَّةِ هَلْهَلَ النَّسْجِ، قالَ مُعَبِّرًا بِمُبْتَدَأٍ ثانٍ مُفْرَدًا لِلْحُجَّةِ إشارَةً إلى ضَعْفِها: ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ أيِ الَّتِي زَعَمُوها حُجَّةً، وأخْبَرَ عَنْ هَذا المُبْتَدَأِ الثّانِي لِيَكُونَ هو وخَبَرُهُ خَبَرًا عَنِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿داحِضَةٌ﴾ أيْ زالِقَةٌ فَهي ذاهِبَةٌ غَيْرُ ثابِتَةٍ لِأجْلِ أنَّها في مُعارَضَةِ ما ظُهُورُهُ كالشَّمْسِ بَلْ أجْلى، والعِبارَةُ (p-٢٧٩)لَفْتٌ إلى صِفَةِ الإحْسانِ والعِنْدِيَّةِ إشارَةٌ إلى شِدَّةِ ظُهُورِ ما في حُجَّتِهِمْ مِنَ الدُّحُوضِ لِأنَّ عند لِلْأُمُورِ الظّاهِرَةِ المَأْلُوفَةِ، وصِفَةُ التَّرْبِيَةِ لِلْعَطْفِ والرِّفْقِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْتَضِي مَزِيدَ لُطْفٍ وعَطْفٍ، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّها هَباءٌ مَنثُورٌ عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ ولا سِيَّما إذا كانَ بِصِفَةِ عِزَّةٍ وقَهْرٍ وغَضَبٍ، فالمَعْنى أنَّ دُحُوضَها ظاهِرٌ جِدًّا ولَوْ عُومِلُوا بِصِفَةِ الإحْسانِ ولَوْ خُصُّوا بِمَزِيدِ عَطْفٍ وبِرٍّ، فَأيْنَ هَذا مِمّا لَوْ قِيلَ ”لَدى عَلِيمٍ قَدِيرٍ“ فَإنَّهُ يَفْهَمُ أنَّ دُحُوضَها لا يُدْرِكُهُ إلّا بَلِيغُ العِلْمِ تامُّ القُدْرَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ غَرِيبٌ فَيَصِيرُ فِيهِ نَوْعَ مَدْحٍ لِحُجَّتِهِمْ في الجُمْلَةِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِإفاضَةِ العَقْلِ الَّذِي جَعَلَهم بِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَمَهْما جَرَّدُوهُ عَنِ الهَوى، دَلَّهم عَلى أنَّ جَمِيعَ ما كانُوا فِيهِ باطِلٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أدْنى ما يُعَذِّبُهم بِهِ قَطْعُ إحْسانِهِ عَنْهُمْ، وأنَّهُ يَظْهَرُ بُطْلانُ ما سَمَّوْهُ حُجَّةً لِكُلِّ عاقِلٍ فَيُورِثُهُمُ الخِزْيَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الأُخْرى عَلى أنَّ قَطْعَ إحْسانِهِ هو عِنْدَ (p-٢٨٠)التَّأمُّلِ أعْلى العَذابِ ﴿وعَلَيْهِمْ﴾ زِيادَةٌ عَلى قَطْعِ الإحْسانِ ﴿غَضَبٌ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَلِيقُ بِحالِهِمُ المَذْمُومِ ووَصْفِهِمُ المَذْءُومِ ومِنهُ الطَّرْدُ، فَهم مَطْرُودُونَ عَنْ بابِهِ، مَبْعُودُونَ عَنْ جَنابِهِ، مُهانُونَ بِحِجابِهِ. ولَمّا أفْهَمَ التَّعْبِيرَ بِ ”عَلى“ ذَمَّهم بِاسْتِعْلاءِ النِّقَمِ عَلَيْهِمْ لَمْ يُشْكَلِ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ، بَلْ كانَ مُفْهِمًا التَّهَكُّمَ والمَلامَ فَقالَ: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا تَصِلُونَ إلى إدْراكِ حَقِيقَةِ وصْفِهِ، والآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى الِانْتِصارِ عَلى أهْلِ الرِّدَّةِ وضَرْبِهِمْ بِكُلِّ شِدَّةٍ لِسُوءِ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ كَما كَشَفَ عَنْهُ الحالُ عِنْدَ نَدْبِ الصَّدِيقِ إلَيْهِمْ بِالقِتالِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ.
الشورى 42:17
ولَمّا جَزَمَ سُبْحانَهُ بِما تَوَعَّدَهم بَعْدَ أنْ حَكَمَ عَلى حُجَّتِهِمْ بِالدُّحُوضِ، وكانَ لا يَجْزِمُ بِالشَّيْءِ إلّا مَن كانَ نافِذَ الأمْرِ مُحِيطَ الحُكْمِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ كَذَلِكَ، مُبَيِّنًا ما بِهِ يَعْرِفُ ثَباتَ الحُجَجِ ودُحُوضَها المُسْتَلْزِمَ لِلْغَضَبِ مِنَ اللهِ المُسْتَعْقِبِ لِلْعَذابِ، بِقَوْلِهِ لافِتًا القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ تَنْبِيهًا عَلى عَظْمَةِ المُخْبِرِ عَنْهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ ﴿الَّذِي﴾ وأشارَ بِالتَّعْبِيرِ بِالإنْزالِ إلى أنَّ المُرادَ جُمْلَةُ الكِتابِ الَّذِي لا مَطْعَنَ في شَيْءٍ مِنهُ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ الكِتابَ﴾ أيْ أوْجَدَ إنْزالَهُ هو لا غَيْرُهُ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا (p-٢٨١)عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا يُبَدَّلُ وبِسَبَبِ العَمَلِ الحَقِّ العامِّ لِلْأقْوالِ والأفْعالِ والعَقائِدِ لِتَعْرِفَ الحُجَجَ الثّابِتَةَ مِن غَيْرِها.
ولَمّا كانَ الكِتابُ آمِرًا بِالعَدْلِ قالًّا وحالًّا، وكانَ مِن مَحْسُوساتِ أوامِرِهِ التَّقْدِيرُ بِالمَقادِيرِ الضّابِطَةِ، قالَ مُخَصِّصًا مُعَبِّرًا بِأقْوَمِها إشارَةً إلى أنَّ الكِتابَ أعْدَلُ عَدالَةً عِنْدَ العَقْلِ وأبْيَنُ مِنَ المِيزانِ لِلْحِسِّ: ﴿والمِيزانَ﴾ أيِ الأمْرُ بِهِ مُرِيدًا بِهِ عَيْنَهُ حَقِيقَةً وجَمِيعَها بَلْ جَمِيعُ العَدْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ في ”لا عَدْلَ بَيْنِكُمْ“ مَجازًا. ولَمّا ثَبَتَ أنَّ مَن جادَلَ فِيهِ كانَتْ حُجَّتُهُ داحِضَةً إذا حُوسِبَ في السّاعَةِ فَكانَ مُعَذَّبًا، وكانَ التَّقْدِيرُ بِما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ فِيما يُقاسِي في إنْفاذِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ العَدْلِ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وصَبْرِهِ عَلى أذاهُمْ: فَمَن فَزِعَ إلى الكِتابِ في المَعانِي وإلى المِيزانِ في الأعْيانِ فَبَنى أمْرَهُ عَلى تَحَقُّقِ العَدْلِ فِيهِما بِهِما فازَ، ومَن أهْمَلَ ذَلِكَ خابَ فَدَحَضَتْ حُجَّتُهُ وسَقَطَتْ عِنْدَ رُبْعِ مَنزِلَتِهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ مِن جارٍ يُعاجِلُ في الدُّنْيا بِالأخْذِ لِكَوْنِ أجَلَهِ الَّذِي سَبَقَتِ الكَلِمَةُ بِتَأْخِيرِهِ إلَيْهِ قَدْ حَضَرَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى أعْلى الخَلْقِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ: ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ (p-٢٨٢)يا أكْمَلَ الخَلْقِ ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] بَعْدَ أنَّ صَرَّحَ بِها في غَيْرِ آيَةٍ. ولَمّا كانَ تَأْنِيثُ السّاعَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ لِأنَّها بِمَعْنى الوَقْتِ، ذَكَرَها فَقالَ: ﴿قَرِيبٌ﴾ فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّها ذاتُ الشَّدائِدِ وأنَّ شَدائِدَها ذُكُورُ الشَّدائِدِ وأنَّ قُرْبَها أسْرَعُ مِن لَمْعِ البَرْقِ لِما لَهُ مِنَ الثَّباتِ في الحَقِّ، أوْ ذَكَرَها عَلى إرادَةِ السَّبَبِ أيْ ذاتُ قُرْبٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافَةٍ أيْ مَجِيئِها، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو دالٌّ عَلى تَفْخِيمِها أيْ إنَّكَ بِمَظِنَّةٍ مِن قُرْبِ القِيامَةِ، فَيَقَعُ بِهِمْ ما تَوَعَّدُوا بِهِ مِمّا يَنْبَغِي الإشْفاقُ مِنهُ، فَيَظْهَرُ فِيها العَدْلُ بِمَوازِينِ القِسْطِ لِجَمِيعِ الأعْمالِ ظُهُورًا لا يَتَمارى فِيهِ أحَدٌ فَيُشْرِفُ مَن وفى، ويُخْزِي مَن جارَ وجَفا.
الشورى 42:18
ولَمّا تَصَوَّرَ بِهَذا قُرْبَها مُشارًا بِالتَّعْبِيرِ بِلَعَلَّ إلى أنَّ حالَ المُسْتَعْجِلِ بِها حالَ المُتَرَجِّي لِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ وهو جَهْلٌ مِنهُ عَظِيمٌ، شَرَعَ في تَفْصِيلِ النّاسِ في أمْرِها فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ الِاسْتِعْدادُ لَها لِلْخَلاصِ في وقْتِها لِظُهُورِ دَلائِلِها مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ قُرْبِها أوْ بُعْدِها، فَإنَّهُ لا بُدَّ (p-٢٨٣)مِن كَوْنِها ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها﴾ أيْ يَطْلُبُ أنْ تَكُونَ قَبْلَ الوَقْتِ المَضْرُوبِ لَها ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم ذَلِكَ أصْلًا وهم غَيْرُ مُشْفِقِينَ مِنها ويَظُنُّونَ أنَّها الباطِلُ، وكانَ الحالُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا أنْفَرَ النّاسِ مِنها لَكِنْ حَمْلَهم عَلى ذَلِكَ تَكْذِيبُهم بِها واسْتِهْزاؤُهم وظَنُّهم عَدَمُ كَوْنِها جَهْلًا مِمَّنْ هم مُعْتَرِفُونَ بِقُدْرَتِهِ وعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ.
ولَمّا دَلَّ عَلى جَهْلِ الكافِرِينَ، دَلَّ عَلى أضْدادِهِمْ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإنْ كانُوا في أوَّلِ دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ خَوْفًا عَظِيمًا ﴿مِنها﴾ لِأنَّ اللهَ هَداهم بِإيمانِهِمْ، فَصارَتْ صُدُورُهم مَعادِنَ المَعارِفِ، وقُلُوبُهم مَنابِعُ الأنْوارِ، فَأيْقَنُوا بِما فِيها مِنَ الأهْوالِ الكِبارِ، فَخافُوا لِلَطافَتِهِمْ أنْ يَكُونُوا مَعَ صَلاحِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ. ولَمّا قَدَّمَ الإشْفاقَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي أنْ يَخْشى ما يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، قالَ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ إعْلامًا بِأنَّهم عَلى بَصِيرَةِ مَن أمَرَها، فَهم لا يَسْتَعْجِلُونَ بِها، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاسْتِعْجالَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، والإشْفاقَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ تَبْلُغُ دَرَجَةَ التَّواتُرِ في الصِّحاحِ والحِسانِ والسُّنَنِ والمَسانِيدِ «”أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ (p-٢٨٤)بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ وهو في بَعْضِ أسْفارِهِ فَناداهُ: يا مُحَمَّدُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنَحْوٍ مِن صَوْتِهِ“ هاؤُمُ ”فَقالَ: مَتى السّاعَةُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ:“ ويْحَكَ إنَّها كائِنَةٌ فَما أعْدَدْتَ لَها؟ ”فَقالَ: حُبُّ اللهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ:“ أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» " قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ«المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ» مُتَواتِرٌ لا مَحالَةَ، والغَرَضُ أنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، بَلْ أمَرَهُ بِالِاسْتِعْدادِ لَها - انْتَهى، وهو مَشْرُوطٌ بِالبَراءَةِ مِن أعْداءِ اللهِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ حُبُّ الوَلِيِّ نَفْعًا تامًّا بِدُونِ البَراءَةِ مِنَ العَدْوِّ.
ولَمّا أعْلَمَ بِتَعْرِيفِ الحَقِّ أنَّها ثابِتَةٌ ثَباتًا كامِلًا لا انْقِضاءَ لَهُ أصْلًا ولا زَوالَ لِآثارِها، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا مُعَظِّمًا في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمْ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ شَكَّهم في مَعْرِضِ اللَّجاجَةِ الشَّدِيدَةِ طَلَبًا لِظُهُورِ شَكِّ غَيْرِهِمْ مِن: مَرَيْتُ النّاقَةَ - إذا مَسَحْتُ ضَرْعَها بِشِدَّةٍ لِلْحَلْبِ لِتَسْتَخْرِجَ ما عَساهُ يَكُونُ فِيها مِنَ اللَّبَنِ ﴿فِي السّاعَةِ﴾ أيِ القِيامَةِ وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ ذَهابٍ جائِرٍ عَنِ الحَقِّ (p-٢٨٥)﴿بَعِيدٍ﴾ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، فَإنَّ لَها مِنَ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ في العَقْلِ المُؤَيِّدِ بِجازِمِ النَّقْلِ ما ألْحَقَها حالَ غِيابِها بِالمَحْسُوساتِ لَوْ كَشَفَ الغِطاءَ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا.
الشورى 42:19
ولَمّا كانَ حاصِلُ أمْرِ الفَرِيقَيْنِ أنَّهُ أظْهَرَ خَوْفَ الكافِرِينَ في غايَةِ الأمْنِ وأبْطَنَ أمْنَ المُؤْمِنِينَ في أزْعَجِ خَوْفٍ، وكانَ هَذا عَيْنُ اللُّطْفِ، فَإنَّهُ الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ بِضِدِّهِ، ويُطْلَقُ عَلى إيصالِ البِرِّ إلى الخَلْقِ عَلى وجْهٍ يَدُقُّ إدْراكُهُ، وكانَ أكْثَرَ ما يُبْطِئُ بِالإنْسانِ في أمْرِ الدِّينِ اهْتِمامُهُ بِالرِّزْقِ، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿لَطِيفٌ﴾ أيْ بالِغٌ في العالَمِ وإيقاعِ الإحْسانِ بِإيصالِ المَنافِعِ، وصَرْفِ المَضارِّ عَلى وجْهٍ يَلَطِّفُ إدْراكَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: اللَّطِيفُ العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ وغَوامِضِها وهو المُلَطِّفُ المُحْسِنُ وكِلاهُما في صِفَتِهِ سُبْحانَهُ صَحِيحٌ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ اللُّطْفَ في وصْفِهِ بِالإحْسانِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: هو اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن عِلْمٍ ورَحْمَةٍ ورِفْقٍ خَفِيٍّ ﴿بِعِبادِهِ﴾ - انْتَهى.
أمّا بِالمُؤْمِنِ فَواضِحٌ، وأمّا الكافِرُ فَأقَلُّ لُطْفِهِ بِهِ أنَّهُ لا يُعاجِلُهُ في الدُّنْيا ولا يُعَذِّبُهُ فَوْقَ ما (p-٢٨٦)يَسْتَحِقُّ في الأُخْرى، فالِاسْمُ الأوَّلُ تَخْوِيفٌ والثّانِي تَرْجِيَةٌ ظاهِرَةٌ باطِنُها تَخْوِيفٌ، إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي مِنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، وأنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ.
ولَمّا كانَ أظْهَرَ ما يَكُونُ هَذا الوَصْفُ في الرِّزْقِ، فَإنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى مَن لا حِيلَةَ لَهُ، ويَحْرِمُ مَن هو في غايَةِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ، ويَرْفَعُ الضَّعِيفُ الجَبانَ ويُخَفِّضُ القَوِيُّ الشُّجاعَ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ ويَزِيدُ مِن أعْمالِهِمْ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ اسْتِئْنافًا لِمَن سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ اللُّطْفِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مَهْما شاءَ عَلى سَبِيلٍ مِنَ السِّعَةِ أوِ الضِّيقِ أوِ التَّوَسُّطِ لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ويَمْنَعُ الرِّزْقَ عَمَّنْ يَشاءُ إذا عَلِمَ فَراغَ أجَلِهِ فَيَتَوَفّاهُ إلَيْهِ فاجْهِدُوا أنْفُسَكم في طَلَبِ مَرْضاتِهِ، ولا تَلْتَفِتُوا إلى الخَوْفِ مِنَ الحاجَةِ فَإنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِن تَقْدِيرِ الرِّزْقِ ونَهى عَنِ المُبالَغَةِ في طَلَبِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُهُ أحَدٌ سِواهُ لِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ الكامِلَةِ والعِزَّةِ الشّامِلَةِ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيْ (p-٢٨٧)فَلا يَضِيقُ عَطاؤُهُ بِشَيْءٍ ﴿العَزِيزُ﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَهُ عَنْ شَيْءٍ.
الشورى 42:20
ولَمّا بَيَّنَ بِهَذا أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ إلّا في يَدِهِ، أتْبَعَهُ ما يُزَهِّدُ في طَلَبِ رِزْقِ البَدَنِ، ويُرَغِّبُ في رِزْقِ الرُّوحِ فَقالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ جَوابًا لِمَن يَسْألُ: هَلْ يَكُونُ الرِّزْقُ بِشِدَّةِ السَّعْيِ أوْ لا، وبَدَأ بِرِزْقِ الرُّوحِ لِشَرَفِهِ: ﴿مَن كانَ﴾ أيْ مِن شَرِيفٍ أوْ دَنِيءٍ ﴿يُرِيدُ﴾ ولَمّا كانَ مَدارُ مَقْصِدِ السُّورَةِ عَلى الدِّينِ، وكانَ الدِّينُ مُعامَلَةً بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ يَقْصِدُ بِهِ ما يَقْصِدُ بِالحَرْثِ مِن حُصُولِ الفائِدَةِ، وكانَ الحَرْثُ مِن أجْلِ أسْبابِ المَكاسِبِ، وكانَتِ الجَنَّةُ قِيعانًا غِراسُها ذِكْرُ اللَّهِ، عَبَّرَ عَنْ مُطْلَقِ الكَسْبِ بِالحَرْثِ فَقالَ: ﴿حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ أيْ أعْمالُها الَّتِي تَسْتَنِمِي بِها الفَوائِدُ. ولَمّا كانَتْ أسْبابُ الحُرُوثِ وثَمَراتُها لا يَقْدِرُ عَلى تَعْطِيلِها وإنْجاحِها إلّا اللَّهُ، وكانَ الآدَمِيُّ يَظُنُّ لِنَفْسِهِ في ذَلِكَ قُدْرَةً، نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالِالتِفاتِ إلى أُسْلُوبِ العَظَمَةِ أنَّ أمْرَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ لا يُسْتَطاعُ دِفاعُهُ ولا مُمانَعَتُهُ ونِزاعُهُ: ﴿نَـزِدْ لَهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْوِيلِها ﴿فِي حَرْثِهِ﴾ بِأنْ يُعِينَهُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِإنارَةِ القَلْبِ وتَصْفِيَةِ الحالِ وتَهْدِئَةِ السِّرِّ ونُفُوذِ البَصَرِ فِيما يَضُرُّ ويَنْفَعُ ويُضاعِفُ لَهُ ثَوابَها مِنَ العَشْرِ لِكُلِّ حَسَنَةٍ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ويُغَطِّيهِ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي أعْرَضَ عَنْها ما قَدَّرَ لَهُ إعانَةً لَهُ عَلى ما أقْبَلَ عَلَيْهِ مِنَ (p-٢٨٨)الآخِرَةِ، وطَوى ذِكْرَ الدُّنْيا في هَذا الشِّقِّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها أحْقَرُ مِن أنَّ تُذْكَرَ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ مِن آياتٍ أُخَرَ ﴿ومَن كانَ﴾ أيْ مِن قَوِيٍّ أوْ ضَعِيفٍ ﴿يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾ أيْ أرْزاقِها الَّتِي تُطْلَبُ بِالكَدِّ والسَّعْيِ ويَسْتَنْمِي بِهِ مُكْتَفِيًا بِهِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلى الآخِرَةِ ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ ما قَسَّمْناهُ لَهُ، ولَوْ تَهاوَنَ بِهِ ولَمْ يَطْلُبْهُ لَأتاهُ، ولا يَنالُ كُلُّ ما يَتَمَنّاهُ ولَوْ جَهِدَ كُلَّ الجُهْدِ، وأمّا الآخِرَةُ فَكُلُّ ما نَواهُ طالِبُها مِن أعْمالِها حَصَلَ لَهُ وإنْ لَمْ يَعْمَلْهُ ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا ما ﴿لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ أصْلًا، رَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:
«بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنا والرِّفْعَةَ والنُّصْرَةَ والتَّمْكِينَ في الأرْضِ فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ - وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ - والبَيْهَقِيُّ، وذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى، وهَذا تَهاوُنٌ بِها فَلَمْ يَنْوِها وهي أشْرَفُ مِن أنْ تُقْبَلَ عَلى مَن أعْرَضَ عَنْها (p-٢٨٩)وتَبْعُدُ عَمَّنْ أقْبَلَ عَلَيْها حَتّى تُهْلِكَهُ في مَهاوِيها، والآخِرَةُ تُقْبِلُ عَلى مَن أقْبَلَ عَلَيْها أضْعافَ إقْبالِهِ، وتُنادِي مَن أدْبَرَ عَنْها لِيَنْتَهِيَ عَنْ غَيِّهِ وضَلالِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أهْلُ الإرادَةِ عَلى أصْنافٍ: مُرِيدٌ لِلدُّنْيا ومُرِيدٌ لِلْآخِرَةِ ومُرِيدٌ لِلْحَقِّ جَلَّ وعَلا، وعَلامَةُ إرادَةِ الدُّنْيا أنْ يَرْضى في زِيادَةِ دُنْياهُ بِنَقْصِ دِينِهِ والإعْراضِ عَنْ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ وأنْ تَكُونَ حاجاتُهُ في الدُّعاءِ مَقْصُورَةً عَلى الدُّنْيا، وعَلامَةُ إرادَةِ الآخِرَةِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وأمّا عَلامَةُ إرادَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما قالَ ”يُرِيدُونَ وجْهَهُ“ طَرَحَ الكَوْنَيْنَ والحُرِّيَّةَ عَنِ الخْلْقِ والخَلاصِ مِن يَدِ النَّفْسِ - انْتَهى، وحاصِلُهُ أنْ يَسْتَغْرِقَ أوْقاتَهُ في التَّوْفِيَةِ بِحُقُوقِ الحَقِّ وحُقُوقِ الخَلْقِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ لا طَمَعًا في جَنَّةٍ ولا خَوْفًا مِن نارٍ، بَلِ امْتِثالًا لِأمْرِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ مَعَ اعْتِرافِهِ لِأنَّهُ لَنْ يُقَدِّرَ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
الشورى 42:21
(p-٢٩٠)ولَمّا تَقَرَّرَ ما شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مِمّا وصّى بِهِ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ فَبانَتْ أُصُولُهُ، واتَّضَحَتْ فُرُوعُهُ وفُصُولُهُ، وظَهَرَتْ غَرائِبُهُ وأشْرَقَتْ فَرائِدُهُ وآياتُهُ، وخَتَمَ بِالقانُونِ الأعْظَمِ في أمْرِ الدّارَيْنِ مِمّا هو مُشاهَدٌ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ مِن غَيْرِ خَفاءٍ: هَذا شَرْعُ اللهِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ وحَكَمَ بِأنَّ الإقْبالَ عَلَيْهِ غَيْرُ ضارٍّ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وقَدَّرَ الأرْزاقَ فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ أنْ يَزِيدَ في رِزْقِهِ شَيْئًا، ولا أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْئًا، أقْبَلُوهُ؟ عادِلٌ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُقَرِّرًا مُوَبِّخًا مُنَبِّهًا عَلى ما هو الأصْلُ في الضَّلالِ عَنْ قَوانِينِهِ المُحَرَّرَةِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ المُقَرَّرَةِ: ﴿أمْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرُوغُونَ يَمِينًا وشَمالًا ﴿شُرَكاءُ﴾ عَلى زَعْمِهِمْ شارَكُوا الشّارِعَ الَّذِي مَضى بَيانُ عِزَّتِهِ وظُهُورُ جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ في أمْرِهِ حَتّى ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ طَرَقُوا ونَهَجُوا ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِلْكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: شَرَعَ الكُفّارُ لِشُرَكائِهِمْ ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ في العِباداتِ والعاداتِ الَّتِي تُقَرِّرُ في الأذْهانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها لِما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُهم عَنْ مُحاسَبَةٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ وقَدَّرُوا لَهم مِنَ الأرْزاقِ، وعَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى ما فِيهِ مَعَ العَظَمَةِ (p-٢٩١)مِنَ الإكْرامِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحُلْمُ المُقْتَضِي لِعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالأخْذِ فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ يُمَكِّنُ العِبادَ مِنهُ بِأمْرِهِمْ بِهِ وتَقْرِيرِهِمْ عَلَيْهِ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وقَدْ مَحَقَتْ صِفاتُهُ كُلَّ صِفَةٍ وتَضاءَلَ عِنْدَها كُلُّ عَظَمَةٍ، فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَدًّا بِهِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلْيُسْعِدُوا مَن أقْبَلَ عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي مَحَطُّ أمْرِهِمْ فَلا يَعْرِفُونَ غَيْرَها بِأنْ يُعْطُوهُ جَمِيعَ مُرادِهِ ويُشْقُوا مَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها، ونَسَبَ الشَّرْعَ إلى الأوْثانِ لِأنَّها سَبَبُهُ كَما كانَتْ سَبَبَ الضَّلالِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ويُضافُ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ تارَةً لِأنَّهم مُتَّخِذُوها وتارَةً إلى اللهِ تَعالى لِأنَّهم أشْرَكُوهم بِهِ، والعِبارَةُ تَأْتِي بِحَسَبِ المَقامِ.
ولَمّا عَلِمَ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَوْلا أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ الَّتِي يَفْعَلُونَها مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنهُ لا تُنْقِصُ مِن مُلْكِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ إلّا فاعِلَها مَعَ أنَّها بِإرادَتِهِ، فَكانَتْ لِمَنعِهِمْ عَنْها لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِنها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ الَّتِي سَبَقَ في الأزَلِ أنَّها لا تَكُونُ (p-٢٩٢)ولَمّا كانَ أمْرُهم هَيِّنًا، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقالَ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الَّذِينَ امْتَثَلُوا أمْرَهُ فالتَزَمُوا شَرْعَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما شَرَعُوهُ لِمَن سَمَّوْهم شُرَكاءَ في أقْرَبِ وقْتٍ ولَكِنَّهُ قَدْ سَبَقَ القَضاءَ في أزَلِ الأزَلِ بِمَقادِيرِ الأشْياءِ وتَحْدِيدِها عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَهي تَجْرِي عَلى ما حَدَّ لَها لا تَقَدُّمَ لِشَيْءٍ مِنها ولا تَأخُّرَ ولا تَبَدُّلَ ولا تَغَيُّرَ، وسَتَنْكَشِفُ لَكُمُ الأُمُورُ وتَظْهَرُ مُخَبَّآتُ المَقْدُورِ فَلا يَقَعُ الفَصْلُ إلّا في الآخِرَةِ كَما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُقْسِطِينَ نَعِيمٌ مُقِيمٌ.
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ عَذابٌ، قالَ مُؤَكِّدًا عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ﴾ بِشَرْعِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ بَلِيغٍ إيلامُهُ.
الشورى 42:22
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا السِّياقِ كَما تَرى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الفَصْلِ، وأنَّ الفَصْلَ لا يَكُونُ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ شارِحًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُقْبِلًا عَلى خِطابِ أعْلى الخِلْقِ إشارَةً إلى أنَّ هَذا لا يَفْهَمُهُ حَقَّ الفَهْمِ ويُوقِنُ بِهِ حَقَّ الإيقانِ غَيْرِهِ ﷺ، أوْ يَكُونُ المُرادُ (p-٢٩٣)كُلُّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ في الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِهِ أحَدٌ دُونَ أحَدٍ فَقالَ: ﴿تَرى﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَشُكُّ فِيهِ عاقِلٌ لِما لَهُ مِنَ الأدِلَّةِ الفِطْرِيَّةِ الأوَّلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ الواضِعِينَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ خائِفِينَ أشَدَّ الخَوْفِ كَما هو حالُ مَن يُحاسِبُهُ مَن هو أعْلى مِنهُ وهو مُقَصِّرٌ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في الَّذِينَ ظَلَمَهم صِفَةً راسِخَةً لَهُمْ، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ عَمَلِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِفِعْلِ الكَسْبِ مُجَرَّدًا فَقالَ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ عَمِلُوا مُعْتَقِدِينَ لِأنَّهُ غايَةُ ما يَنْفَعُهم ﴿وهُوَ﴾ أيْ جَزاءُهُ ووَبالُهُ الَّذِي هو مِن جِنْسِهِ حَتّى كَأنَّهُ هو ﴿واقِعٌ بِهِمْ﴾ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَزِيدَهم خَوْفُهم إلّا عَذابًا في غَمَراتِ النِّيرانِ، ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، ذَلِكَ الَّذِي يُنْذَرُ بِهِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَفْعُولِ ﴿تَرى﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَمِيعِ الجُمْلَةِ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وهي الَّتِي أذِنَ اللهُ فِيها غَيْرَ خائِفِينَ مِمّا كَسَبُوا لِأنَّهم مَأْذُونٌ لَهم في فِعْلِهِ وهو مَغْفُورٌ لَهم ما فَرَّطُوا فِيهِ ﴿فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ أيْ في الدُّنْيا بِما يُلَذِّذُهُمُ اللهُ بِهِ مِن لِذائِذِ (p-٢٩٤)الأقْوالِ والأعْمالِ والمَعارِفِ والأحْوالِ، وفي الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ بِلا زَوالٍ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ أيْ دائِمًا أبَدًا كائِنُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الحِفْظِ والتَّرْبِيَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى مِثْلِ هَذا الحِفْظِ لَفَتَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يُوصِلْهم إلى هَذا الثَّوابِ العَظِيمِ إلّا حُسْنَ تَرْبِيَتِهِ لَهُمْ، ولُطْفَ بِرِّهِ بِهِمْ عَلى حَسَبِ ما رَبّاهم.
ولَمّا ذَكَرَ ما لَهم مِنَ الجَزاءِ عَظَّمَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الجَزاءُ العَظِيمُ الرُّتْبَةِ الجَلِيلُ القَدْرِ ﴿هُوَ﴾ لا غَيْرُهُ ﴿الفَضْلُ﴾ أيِ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ يَكُونَ فاضِلًا عَنْ كِفايَةِ صاحِبِهِ، ولَوْ بالَغَ في الإنْفاقِ ﴿الكَبِيرُ﴾ الَّذِي مَلَأ جَمِيعَ جِهاتِ الحاجَةِ وصَغُرَ عِنْدَهُ كُلُّ ما نالَهُ غَيْرُهم مِن هَذا الحُطامِ، فالآيَةُ كَما تَرى مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الإشْفاقَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الأمْنِ ثانِيًا، والجَنّاتِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ النِّيرانِ أوَّلًا.
الشورى 42:23
ولَمّا ذَكَرَ مَحَلَّهم ومَآلَهم فِيهِ، بَيَّنَ دَوامَهُ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِ فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ أيْ مُطْلَقُ بِشارَةٍ عِنْدَ مَن خَفَّفَ وبِشارَةٍ كَثِيرَةٍ عِنْدَ مَن ثَقُلَ، وزادَ البِشارَةَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، فَقالَ لافِتًا القَوْلَ إلَيْهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ والعائِدُ وهو ”بِهِ“ مَحْذُوفٌ (p-٢٩٥)تَفْخِيمًا لِلْمُبَشِّرِ بِهِ لِأنَّ السِّياقَ لِتَعْظِيمِهِ بِالبِشارَةِ وبِجْعَلَها بِأداةِ البُعْدِ وبِالوَصْفِ بِالَّذِي، وذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ والتَّعْبِيرَ بِلَفْظِ العِبادِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ فَأفْهَمَ حَذْفُهُ أنَّ الفِعْلَ واقِعٌ عَلَيْهِ واصِلٌ بِغَيْرِ واسِطَةٍ إلَيْهِ، فَصارَ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ وظاهِرٌ ومَنظُورٌ فَقالَ: ﴿عِبادَهُ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُعَظِّمُ مَنِ اخْتَصَّهُ لِعُبُودِيَّتِهِ.
ولَمّا أشْعَرَ بِالإضافَةِ لِصَلاحِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِالغَيْبِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَحْقِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ وذَلِكَ الَّذِي مَضى قَلْبَهُ الَّذِي يُنْذِرُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا. ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ البَشِيرَ لا بُدَّ لَهُ مِن حَياءٍ وإنْ لَمْ يَسْألْ لِأنَّ بِشارَتَهُ قائِمَةٌ مَقامَ السُّؤالِ، قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَمّا أذِنَ اللهُ بِتَوْبَتِهِ عَلَيْنا رَكَضَ نَحْوِي راكِضٌ عَلى فَرَسٍ وسَعى ساعٍ عَلى رِجْلَيْهِ، فَأوْفى عَلى جَبَلِ سَلْعٍ ونادى: يا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ، فَقَدْ تابَ اللهُ عَلَيْكَ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ خَلَعْتُ لَهُ ثُوبَيَّ، فَدَفَعْتُهُما إلَيْهِ، واللهِ ما أمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُما، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما - إلى آخِرِ حَدِيثِهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَطْلُبُ عَلى هَذِهِ البِشارَةِ، فَأمَرَ (p-٢٩٦)بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَن تَوَهَّمَ فِيكَ ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ المُبَشِّرِينَ: ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيِ الآنَ ولا في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ البَلاغُ بِشارَةً ونِذارَةً ﴿أجْرًا﴾ أيْ وإنْ قَلَّ ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ أسْألُكم ﴿المَوَدَّةَ﴾ أيِ المَحَبَّةَ العَظِيمَةَ الواسِعَةَ.
ولَمّا كانُوا يُثابِرُونَ عَلى صِلَةِ الأرْحامِ وإنْ بَعُدَتْ والأنْسابِ لِذَلِكَ قالَ: ﴿فِي القُرْبى﴾ أيْ مَظْرُوفَةٍ فِيها بِحَيْثُ يَكُونُ القُرْبى مَوْضِعًا لِلْمَوَدَّةِ وظَرْفًا لَها، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن مَحَبَّتِكم عَنْها، فَإنَّها بِها يَتِمُّ أمْرُ الدِّينِ ويَكْمُلُ الِاجْتِماعُ فِيهِ، فَإنَّكم إذا وصَلْتُمْ ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الرَّحِمِ لَمْ تُكَذِّبُونِي بِالباطِلِ، ولَمْ تَرُدُّوا ما جِئْتُكم بِهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ، فَأفْلَحْتُمْ كُلَّ الفَلاحِ ودامَتِ الأُلْفَةُ بَيْنَنا حَتّى نَمُوتَ ثُمَّ نَدْخُلَ الجَنَّةَ فَتَسْتَمِرُّ أُلْفَتُنا دائِمًا أبَدًا وقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ جَمِيعَ القَراباتِ ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا ولَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ قَرابَةٌ، رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما وقالَ: «إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ،» ورَوى البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «إلّا أنْ تُؤْذُونِي في قَرابَتِي» (p-٢٩٧)أيْ تَبَرُّوهم وتُحْسِنُوا إلَيْهِمْ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ السُّدِّيُّ: لِما جِيءَ بِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أسِيرًا فَأُقِيمَ عَلى دُرْجِ دِمَشْقَ قامَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الشّامِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَكم واسْتَأْصَلَكم وقَطَعَ قَرْنَ الفِتْنَةِ، فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: أقَرَأْتَ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما قَرَأْتُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ: وإنَّكم لَأنْتُمْ هُمْ، قالَ: نَعَمْ.
«وعَنِ العَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قُرَيْشًا إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا لَقُوهم بِبِشْرٍ حَسَنٍ وإذا لَقُونا لَقُونا بِوُجُوهٍ لا نَعْرِفُها، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإيمانُ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ ورَسُولِهِ“»، وعَنْهُ «أنَّهُ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنّا لَنَخْرُجُ فَنَرى قُرَيْشًا تُحَدِّثُ، فَإذا رَأوْنا سَكَتُوا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَرَّ عَرَقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ”واللهِ لا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إيمانٌ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ ولِقَرابَتِي“» وعَبَّرَ في المُنْقَطِعِ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ إعْراقًا في النَّفْيِ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لا يُسْتَثْنى أجْرٌ أصْلًا إلّا هَذِهِ المَوَدَّةُ إنْ قَدَّرَ أحَدٌ أنَّها تَكُونُ أجْرًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”(p-٢٩٨)إلّا“ بِمَعْنى ”غَيْرِ“ فَيَكُونُ مِن بابِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فَمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قُرابَةَ فَهو مَسْؤُولٌ أنْ يُراقِبَ اللهَ في قَرابَتِهِ تِلْكَ، فَيَصِلُ صاحِبُها بِكُلِّ ما تَصِلُ قُدْرَتُهُ إلَيْهِ مِن جَمِيعِ ما أمَرَهُ اللهُ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، فَكَيْفَ بِقَرابَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ قَدْ قالَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَن رَكِبَ فِيها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ» وقالَ فِيما رَواهُ في الفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «أصْحابِي بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ بِأيُّهُمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» قالَ الأصْبِهانِيُّ: ونَحْنُ الآنُ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ مُحْتاجُونَ إلى السَّفِينَةِ الصَّحِيحَةِ والنُّجُومِ الزّاهِرَةِ، فالسَّفِينَةُ حُبُّ الآلِ، والنُّجُومُ حُبُّ الصَّحْبِ، فَنَرْجُو مِنَ اللهِ السَّلامَةَ والسَّعادَةَ بِحُبِّهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ - واللهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا: فَمَن يَقْتَرِفُ سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها، ولَكِنَّهُ طَوى لِأنَّ المَقامَ لِلْبِشارَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَتْمُ الآيَةِ مَعَ سابِقِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ﴾ أيْ يَكْسِبَ ويُخالِطَ ويَعْمَلَ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وتَعَمُّدٍ وعِلاجٍ ﴿حَسَنَةً﴾ أيْ ولَوْ صَغُرَتْ، وصَرَفَ القَوْلَ (p-٢٩٩)إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَزِيدُ في الإحْسانِ إلّا العُظَماءُ، وإلى أنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَظَمَةِ المُحْسِنِ فَقالَ: ﴿نَـزِدْ﴾ عَلى عَظَمَتِنا ﴿لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ بِما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ، ومِنَ الزِّيادَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلَ أجْرِ مَنِ اقْتُدِيَ بِهِ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وهَذا مِن أجْرِ الرُّسُلِ عَلى إبْلاغِهِ إلى الأُمَمِ، فَهم أغْنِياءُ عَنْ طَلَبِ غَيْرِهِ - هَذا إنِ اهْتَدَوْا بِهِ، وإنْ دَعاهم فَلَمْ يَهْتَدُوا كانَ لَهُ مِثْلَ أُجُورِهِمْ لَوِ اهْتَدَوْا، فَإنَّ عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ لَيْسَ مِن تَقْصِيرِهِ، بَلْ قَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعَلَ.
ولَمّا كانُوا يَقُولُونَ: إنّا قَدِ ارْتَكَبْنا مِنَ المَساوِئِ ما لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ شَيْءٌ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ مُعَلِّلًا مُبَيِّنًا بِصَرْفِ القَوْلِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِلْكُ غَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ ﴿غَفُورٌ﴾ لِكُلِّ ذَنْبٍ تابَ مِنهُ صاحِبُهُ أوْ كانَ يَقْبَلُ الغُفْرانَ وإنْ لَمْ يَتُبْ مِنهُ إنْ شاءَ، فَلا يَصُدَّنَّ أحَدًا سَيِّئَةً عَمَلِها عَنِ الإقْبالِ عَلى الحَسَنَةِ.
ولَمّا كانَ إثْباتُ الحَسَنَةِ فَضْلًا عَنِ الزِّيادَةِ عَلَيْها لا يَصِحُّ إلّا مَعَ الغُفْرانِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعَ المُناقَشَةِ، فَذِكْرُ ذَلِكَ الوَصْفِ الَّذِي هو أساسُ الزِّيادَةِ، أفادَها - أيِ الزِّيادَةِ - بِقَوْلِهِ: ﴿شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] فَهو يَجْزِي (p-٣٠٠)بِالحَسَنَةِ أضْعافَها ويَتْرُكُ سائِرَ حُقُوقِهِ.
الشورى 42:24
ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ بِنَفْيِ الغَرَضِ في البَلاغِ فَحَصَلَ القَطْعُ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخًا لَهُمْ: هَلْ عَمِلُوا بِما نَبَّهْناهم عَلَيْهِ مِمّا يَدَّعُونَ أنَّهم عَرِيقُونَ فِيهِ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ والإقْبالِ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ بِاجْتِنابِ السَّيِّئاتِ وارْتِكابِ الحَسَناتِ، والبُعْدُ عَنِ الكَذِبِ والمُكابَرَةِ والبُهْتانِ، فاعْتَقَدُوا أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ وحْيٌ مِن عِنْدِ اللهِ بِما قامَ عَلى ذَلِكَ مِنَ البُرْهانِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ عِنادًا: ﴿افْتَرى﴾ أيْ تَعَمُّدٍ أنْ يَقْطَعَ، وقَدَّمَ ذِكْرَ المَلِكِ الأعْظَمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا أفْظَعَ مِنَ الكَذِبِ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ مَعَ فَهْمِ المَفْعُولِ بِهِ مِن لَفْظِ الِافْتِراءِ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ الَّذِي أحاطَ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَلَهُ العِلْمُ الشّامِلُ بِمَن يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ والقُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى عِقابِهِ ﴿كَذِبًا﴾ حِينَ زَعَمَ أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ وأنَّهُ أرْسَلَهُ لِهَذا الدِّينِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا: إنَّهم لَيَقُولُونَ ذَلِكَ وكانَ قَوْلُهم لَهُ قَوْلًا مَعْلُومَ البُطْلانِ لِأنَّهُ تَحَدّاهم بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ في زَعْمِهِمْ أنَّ لَهُ مَثَلًا لِيَعْلَمَ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ فَلَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ وهم وإنْ كانُوا قَدْ يَدَّعُونَ أنَّهُ يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ أنَّهم لا يَسْتَجِيزُونَ الكَذِبَ مُبْطِلُونَ لا يَمْتَرِي عاقِلٌ (p-٣٠١)فِي بُطْلانِ ذَلِكَ مِنهم أيْضًا لِأنَّهم لَمْ يَكْلُبْ مِنهم أنْ يَنْسَوْا ما يَأْتُونَ بِهِ إلى اللهِ عَلى أنَّهُ لَوْ طَلَبَ مِنهم ذَلِكَ لَمّا كانَ عُذْرًا، لِأنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ أحَدٌ في أنَّ الضَّرُوراتِ تُبِيحُ المَحْذُوراتِ، وأنَّهُ يَرْتَكِبُ أخَفَّ الضَّرَرَيْنِ لِدَفْعِ أثْقَلِهِما، فالإتْيانُ بِكَلامٍ يَسِيرٍ يَسْكُنُ بِهِ فِتَنٌ طِوالٌ وتَنْقَطِعُ بِهِ شُرُورٌ كِبارٌ في غايَةِ الحَسَنِ لِأنَّ الخَطْبَ فِيهِ سَهْلٌ، والأمْرُ يَسِيرُ، فَكانَ ذَلِكَ وهم يَرْتَكِبُونَ أكْبَرَ مِنهُ مِن قَطْعِ الأرْحامِ وتَفْرِيقِ الكَلِمَةِ لِقَتْلِ النُّفُوسِ وتَخْرِيبِ الدِّيارِ وإتْلافِ الأمْوالِ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّهم إنَّما يَتْرُكُونَهُ عَجْزًا، تَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا وهو نِسْبَتُهم لَهُ إلى تَعَمُّدِ الكَذِبِ أنْ قالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ بِبَيانِ كَذِبِهِمْ فِيما قالُوا بِبَيانِ ما لَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن نُورِ القَلْبِ اللّازِمِ عَنِ اسْتِقامَةِ القَوْلِ: ﴿فَإنْ﴾ وأظْهَرَ الجَلالَةَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِأنَّ الخَتْمَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا المُتَّصِفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِقَيْدٍ أصْلًا فَقالَ: ﴿يَشَأِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ ﴿يَخْتِمْ﴾ وجَرى عَلى الأُسْلُوبِ السّابِقِ في الخِطابِ لِأعْظَمِ أُولِي الألْبابِ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ فَيَمْنَعُهُ مِن قَبُولِ رُوحِ هَذا (p-٣٠٢)الوَحْيِ كَما خَتَمَ عَلى قُلُوبِ أعْدائِكَ مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَتَسْتَوِي حِينَئِذٍ مَعَهم في عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِنهُ وتَصِيرُ لَوْ قُلْتَ وقَدْ أعاذَكَ اللهُ عَمّا يَقُولُونَ مِمّا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الباطِلِ لَمْ تَقُلْهُ إلّا ومَعَهُ الأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى بُطْلانِهِ كَما أنَّهم هم كَذَلِكَ لا يَزالُونَ مَفْضُوحِينَ بِما عَلى أقْوالِهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ قائِمَةً عَلى بُطْلانِها، وكانَ الأصْلُ في الكَلامِ: أمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ وأنَّهم لَكاذِبُونَ فِيهِ بِسَبَبِ أنَّ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَكَ وأنارَ قَلْبَكَ فَلا تَقُولُ قَوْلًا إلّا كانَتِ الأدِلَّةُ قائِمَةً عَلى صِدْقِهِ، ولَكِنَّهُ ساقَ الكَلامَ هَكَذا لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أنْصَفَ دالٌّ عَلى تَعْلِيقٍ بِالِافْتِراءِ عَلى خَتْمِ القُلُوبِ، وذَلِكَ دالٌّ قَطْعًا عَلى أنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَتْمِ المُوجِبِ لِأنَّها تَقُولُ ما الأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى كَذِبِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ جَعْلُهُ قابِلًا لِرُوحِ الوَحْيِ واعِيًا لِفُنُونِ العِلْمِ فَهو يَقْذِفُ بِأنْواعِ المَعارِفِ، ويَهْتِفُ بِتَلَقِّي أعاجِيبَ اللَّطائِفِ، ويُثْبِتُ اللهُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن غَيْرِ (p-٣٠٣)مانِعٍ ولا صارِفٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿الباطِلَ﴾ وهو قَوْلُهُمُ ”افْتَرى“ وكُلُّ كَذِبٍ فَلا يَدَعُ لَهُ أثَرًا، وهُنالِكَ يَظْهَرُ خُسْرانُ الجاحِدِ ويَنْقَطِعُ لِسانُ الألَدِّ المُعانِدِ، ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ آلَةَ المَحْوِ الكَلِماتِ وغَيْرِها اسْتِهانَةٌ بِهِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ تارَةً يَمْحُوهُ بِنَفْسِهِ بِلا سَبَبٍ وتارَةً بِأضْعَفِ الأسْبابِ وتارَةً بِأعْلى مِنهُ، وحُذِفَتْ واوُهُ في الخَطِّ في جَمِيعِ المَصاحِفِ مَعَ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ غَيْرُ داخِلٍ في الجَوابِ لِأنَّهُ تَعالى يَمْحُو الباطِلَ مُطْلَقًا إيماءً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَمْحَقُ رَفْعَهُ وعُلُوَّهُ وغَلَبَتَهُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الواوُ مُطابَقَةً بَيْنَ خَطِّهِ ولَفْظِهِ، ومَعْناهُ تَأْكِيدًا لِلْبِشارَةِ يَمْحُوهُ مَحْوًا لا يَدْعُ لَهُ عَيْنًا ولا أثَرًا لِمَن ثَبَتَ لِصَوْلَتِهِ: وصَبَرَ كَما أمَرَ لِحُولَتِهِ، اعْتِمادًا عَلى صادِقِ وعْدِ اللهِ إيمانًا بِالغَيْبِ وثِقَةً بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي الحَذْفِ أيْضًا تَشْبِيهٌ لَهُ بِفِعْلِ الأمْرِ إيماءً إلى أنَّ إيقاعَ هَذا المَحْوِ أمْرٌ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأحْكَمِها وأعْلاها وأتْقَنِها كَما يَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ المَلِكِ المُطاعِ، وأمّا الحَقُّ فَإنَّهُ ثابِتٌ شَدِيدٌ مُضاعَفٌ فَلِذا قالَ: ﴿ويُحِقُّ﴾ أيْ يَثْبُتُ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ زَوالُهُ ﴿الحَقَّ﴾ أيْ كُلٍّ مِن شَأْنِهِ الثَّباتُ (p-٣٠٤)لِأنَّهُ أذِنَ فِيهِ وأقَرَّهُ، وعَظُمَ الحَقُّ وإحْقاقُهُ بِذِكْرِ آلَةِ الفِعْلِ فَقالَ: ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيِ الَّتِي ﴿لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] الآيَةُ الَّتِي يَقُولُونَ إنَّ ما أتاهم مِنَ العِبارَةِ عَنْها افْتِراءٌ لِلْكَذِبِ، والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ صَفاءَ لُبِّهِ ونُورانِيَّةَ قَلْبِهِ وسِدادَ قَوْلِهِ وصابَ أمْرِهِ، وظَلامَ قُلُوبِهِمْ وبُطْلانَ أقْوالِهِمْ إثْباتًا مَقْرُونًا بِدَلِيلِهِ أمّا لِأهْلِ البَصائِرِ فَبِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وأمّا لِلْأغْبِياءِ فَإثْباتُ قَوْلِهِ ومَحْوُ قَوْلِهِمْ.
ولَمّا كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ عَلى حَقٍّ وهم عَلى باطِلٍ، وكانَ مَن أحاطَ عِلْمُهُ بِشَيْءٍ قَدَرَ عَلى ما يُرِيدُهُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِأنَّ عَمَلَهم عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ مَكْرَهُمْ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغٌ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ ما هو فِيها مِمّا يَعْلَمُهُ صاحِبُهُ ومِمّا لا يَعْلَمُهُ فَيُبْطِلُ باطِلَهُ ويُثْبِتُ حَقَّهُ وإنْ كَرِهَ الخَلائِقُ ذَلِكَ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ولَقَدْ صَدَقَ اللهُ فَأثْبَتَ بِبَرَكَةِ هَذا القُرْآنِ كُلُّ ما كانَ يَقُولُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبْطَلَ بِسَيْفِ (p-٣٠٥)هَذا البُرْهانُ كُلُّ ما كانُوا يُخالِفُونَهُ فِيهِ، ومَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا.
الشورى 42:25
ولَمّا أخْبَرَ بِضَلالِهِمْ وجَزَمَ بِإبْطالِ أعْمالِهِمْ، رَغَّبَهم رَحْمَةً مِنهُ لَهم في التَّوْبَةِ الَّتِي هي مِنَ الحَقِّ الَّذِي يُحِقُّهُ ولَوْ عَلى أقَلِّ وُجُوهِها بِأنْ يَقُولُوها بِألْسِنَتِهِمْ لِيُبَلِّغَهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَإنَّ قَوْلَ اللِّسانِ يُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ إلى لا غَيْرُهُ أزَلًا وأبَدًا ﴿الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ كُلَّما شاءَ بالِغَةً لَهُ أوْ مُتَجاوِزًا ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ الَّذِينَ هم خالِصُونَ لِطاعَتِهِ، سُئِلَ أبُو الحَسَنِ البُوشِنْجِيُّ عَنِ التَّوْبَةِ فَقالَ: إذا ذَكَرْتَ الذَّنْبَ فَلا تَجِدُ لَهُ حَلاوَةً في قَلْبِكَ.
ولَمّا كانَ القَبُولُ قَدْ يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ الأخْذِ بِما مَضى قالَ: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الَّتِي كانَتِ التَّوْبَةُ عَنْها صَغِيرَةً (p-٣٠٦)أوْ كَبِيرَةً وعَنْ غَيْرِها فَلا يُؤاخِذُ بِها أنْ شاءَ لِأنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ ما قَبْلَها كَما أنَّ الإسْلامَ الَّذِي هو تَوْبَةٌ خاصَّةً يَجِبُ ما كانَ قَبْلَهُ.
ولَمّا كانَتْ تَعْدِيَةُ القَبُولِ بِ ”عَنْ“ مُفْهِمَةً لِبُلُوغِهِ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ، فَكانَ رُبَّما أشْعَرَ بِنَقْصٍ في العِلْمِ، أخْبَرَ بِما يُوجِبُ التَّنْزِيهَ عَنْ ذَلِكَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ وقْتٍ ﴿ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ كُلُّ ما يَتَجَدَّدُ لَهم عَمَلُهُ سَواءٌ كانَ عَنْ عِلْمٍ أوْ داعِيَةِ شَهْوَةٍ وطَبْعِ سَيِّئَةٍ كانَ أوْ حَسَنَةٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسُ عَنْ يَعْقُوبَ بِالخِطابِ لافِتًا لِلْقَوْلِ عَنْ غَيْبِ العِبادِ لِأنَّهُ أبَلَغُ في التَّخْوِيفِ وقَرَأ الباقُونَ بِالعَيْبِ نَسَقًا عَلى العِبادِ وهو أعَمُّ وأوْضَحُ في المُرادِ فَعَفَوْهُ مَعَ العِلْمِ عَنْ سِعَةِ الحِلْمِ.
الشورى 42:26
ولَمّا رَغَّبَ بِالعَفْوِ زادَ الإكْرامُ فَقالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ﴾ أيْ يُوجَدُ بِغايَةِ العِنايَةِ والطَّلَبِ إجابَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ دُعاءِ الَّذِي أقَرُّوا بِالإيمانِ في كُلِّ ما دَعَوْهُ بِهِ أوْ شَفَعُوا عِنْدَهُ فِيهِ لِأنَّهُ لَوْلا إرادَتُهُ لَهُمُ الإكْرامُ بِالإيمانِ ما آمَنُوا، وعَدّى الفِعْلَ بِنَفْسِهِ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ بِرِّهِ لَهم ووَصِلَتِهِمْ بِهِ (p-٣٠٧)﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ فَيُثِيبُهُمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾ أيْ مَعَ ما دَعَوْا لَهُ ما لَمْ يَدْعُوا بِهِ ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قُلُوبِهِمْ ولَمّا كانَ هَذا وإنْ كانَ الأوَّلُ فَضْلًا مِنهُ أبْيَنُ في الفَضْلِ قالَ تَعالى: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالفِعْلَيْنِ.
ولَمّا رَغِبَ الَّذِينَ طالَتْ مُقاطَعَتُهم في المُواصَلَةِ بِذِكْرِ إكْرامِهِمْ إذا أقْبَلُوا عَلَيْهِ، رَهِبَ الَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلى المُقاطَعَةِ فَقالَ: ﴿والكافِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ، الَّذِينَ مَنَعَتْهم عَراقَتُهم مِنَ التَّوْبَةِ والإيمانِ ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ولا يُجِيبُ دُعاءَهُمْ، فَغَيْرُهم مِنَ العُصاةِ لَهم عَذابٌ غَيْرُ لازِمِ التَّقَيُّدِ بِشَدِيدٍ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الِاسْتِجابَةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا والعَذابِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ أوَّلًا، وسَرَّهُ أنَّهُ ذَكَرَ الحامِلَ عَلى الطّاعَةِ والصّادِّ عَنِ المَعْصِيَةِ.
الشورى 42:27
ولَمّا كانَ المُتَبادِرُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ إيجادُ كُلِّ ما سَألُوهُ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى ما أرادُوهُ وكانَ المَوْجُودُ غَيْرَ ذَلِكَ بَلْ كانَ أكْثَرُ أهْلِ اللهِ مُضِيقًا عَلَيْهِمْ، وكانَتِ الإجابَةُ إلى كُلِّ ما يَسْألُ بِأنْ يَكُونَ في هَذِهِ الدّارِ يُؤَدِّي في الغالِبِ إلى البَطَرِ المُؤَدِّي إلى الشَّقاءِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى عَكْسِ المُرادِ، قالَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ لِعِبادِهِ وهو المَلِكُ الأعْظَمُ مُبَيِّنًا أنَّ اسْتِجابَتَهُ تارَةً تَكُونُ كَما ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ لِما سَألُوهُ، وتارَةً تَكُونُ بِدَفْعِ مِثْلِهِ (p-٣٠٨)مِنَ البَلاءِ وتارَةً تَكُونُ بِتَأْخِيرِهِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ ﴿ولَوْ﴾ أيْ هو يَقْبَلُ ويَسْتَجِيبُ والحالُ أنَّهُ لَوْ ﴿بَسَطَ﴾ ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ عَظِيمًا لِاحْتِياجِهِ إلى الإحاطَةِ بِأخْلاقِهِمْ وأوْصافِهِمْ وما يُصْلِحُهم ويُفْسِدُهم والقُدْرَةُ عَلى كُلِّ بَذْلٍ ومَنعٍ، عَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ هَذا المَقامِ: ﴿الرِّزْقَ﴾ لَهْمُ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، لَكِنَّهُ كَرِهَ أنْ يَظُنَّ خُصُوصِيَّتَهُ ذَلِكَ بِالتّائِبِينَ فَقِيلَ: ﴿لِعِبادِهِ﴾ أيْ كُلُّهُمُ التّائِبُ مِنهم وغَيْرُهُ بِأنْ أعْطاهم فَوْقَ حاجَتِهِمْ ﴿لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ لَصارُوا يُرِيدُونَ كُلَّ ما يَشْتَهُونَهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ سَعَوْا في إنْفاذِهِ كالمُلُوكِ بِما لَهم مِنَ المُكْنَةِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُوصِلُهم إلَيْهِ فَيُكْثِرُ القَتْلَ والسَّلْبَ والنَّهْبَ والضَّرْبَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفَسادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في النَّحْلِ مِنَ الكَلامِ عَلى البَغْيِ ما يُتْقِنُ بِهِ عِلْمَ هَذا المَكانِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى الكَلامِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُبْسِطُ لَهم ذَلِكَ بِحَسَبِ ما يُرِيدُونَهُ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنْ يُنَـزِّلُ﴾ أيْ لِعِبادِهِ مِنَ الرِّزْقِ (p-٣٠٩)﴿بِقَدَرٍ﴾ أيْ بِتَقْدِيرٍ لَهم جُمْلَةٌ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم لا يَزِيدُ عَنْ تَقْدِيرِ رَدِّهِ ولا يَنْقُصُها ﴿ما يَشاءُ﴾ مِنَ الماءِ الَّذِي هو أصْلُ الرِّزْقِ والبَرَكاتِ الَّتِي يُدَبِّرُ بِها عِبادُهُ كَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ الَّتِي بَنى عَلَيْها أحْوالَ هَذِهِ الدُّرَرِ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ النّاسِ يَقُولُ في نَفْسِهِ: لَوْ بَسَطَ إلَيَّ الرِّزْقَ لَعَمِلْتُ الخَيْرَ، وتَجَنَّبْتُ الشَّرَّ، وأصْلَحْتُ غايَةَ الإصْلاحِ، قالَ مُعَلِّلًا ما أخْبَرَ بِهِ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ: ﴿إنَّهُ﴾ وكانَ الأصْلُ: بِهِمْ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿بِعِبادِهِ﴾ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّ الأمْرَ خاصٌّ بِمَن وسِعَ عَلَيْهِمْ أوْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْلَمُ جَمِيعَ ظَواهِرِ أُمُورِهِمْ وحَرَكاتِهِمْ وانْتِقالاتِهِمْ وكَلامِهِمْ وبَواطِنِها فَيُقِيمُ كُلُّ واحِدٍ فِيما يَصْلُحُ لَهُ مِن فَسادٍ وصَلاحٍ وبَغْيٍ وعَدْلٍ، ويُهَيِّئُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أسْبابَهُ.
الشورى 42:28
ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الرِّزْقِ عَلى هَذا المِنوال، وكانَ مِنَ النّاسِ مِمَّنْ خَذَلَهُ الإضْلالُ مَن يَقُولُ: إنَّما النّاسُ فِيهِ مِنَ المَطَرِ والنَّباتِ (p-٣١٠)وإخْراجِ الأقْواتِ إنَّما هو عادَةُ الدَّهْرِ بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الفاعِلُ لِذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ بِما هو كالشَّمْسِ مِن أنَّهُ قَدْ يَحْبِسُ المَطَرَ عَنْ إبّانِهِ وإعادَتِهِ في وقْتِهِ وأوانِهِ، حَتّى يَيْأسَ النّاسُ مِنهُ ثُمَّ يُنْزِلُهُ إنْ شاءَ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ الَّذِي هو غَيْبٌ لِأجْلِ أنَّ إنْزالَ الغَيْثِ مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ هو ﴿الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ المَطَرُ الَّذِي يُغاثُ بِهِ النّاسُ أيْ يُجابُّونَ إلى ما سَألُوا ويُغاثُونَ ظاهِرًا كَما يَنْزِلُ الوَحْيُ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا.
ولَمّا كانَ الإنْزالُ لا يَسْتَغْرِقُ زَمانَ القُنُوطِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ يَئِسُوا مِن إنْزالِهِ وعَلِمُوا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْزالِهِ غَيْرُهُ، ولا يُقْصَدُ فِيهِ سِواهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى الشُّكْرِ ويَنْشُرُهُ - هَكَذا كانَ الأصْلَ ولَكِنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ غَيْثٌ قالَ بَيانًا لِأنَّهُ رَحْمَةً، وتَعْمِيمًا لِأثَرِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ: ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ عَلى السَّهْلِ والجَبَلِ فَيَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ المَحْمُولِ بِالرِّيحِ مِنَ الماءِ ما يَمْلَأُ الأرْضَ (p-٣١١)بِحَيْثُ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الخَلائِقُ ما أطاقُوا حَمْلَهُ، فَتُصْبِحُ الأرْضُ ما بَيْنَ غَدَرانَ وأنْهارٍ، ونَباتٍ ونَجْمٍ وأشْجارٍ، وحَبٍّ وثِمارٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ الصِّغارِ والكِبارِ، فَلِلَّهِ ما أعْلى هَذِهِ القُدْرَةَ الباهِرَةَ والآيَةَ الظّاهِرَةَ، فَيَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي هي مِن صَلابَتِها تَعْجِزُ عَنْها المَعاوِلُ نَجْمًا هو في لِينِهِ ألْيَنُ مِنَ الحَرِيرِ، وفي لَطافَتِهِ ألْطَفُ مِنَ النَّسِيمِ، ومَن سُوقِ الأشْجارِ الَّتِي تَنْثَنِي فِيها المَناقِيرُ أغْصانًا ألْطَفَ مِن ألْسِنَةِ العَصافِيرِ، فَما أجْلَفَ مَن يُنْكِرُ إخْراجَهُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ، أوْ يَحِيدُ مِن ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الغُرُورِ.
ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى اتِّخاذَ ولِيٍّ مَن دُونِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الشورى: ٩] وأثْبَتَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، وتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بِآثارِهِ الَّتِي حَوَتْ أفَأنِينَ أنْوارِهِ، وكانَتْ كُلُّها في غايَةِ الكَمالِ مُوجِبَةً لِلْحَمْدِ المُتَواتِرِ المِنوالِ، قالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ ﴿الوَلِيُّ﴾ أيِ الَّذِي لا أحَدَ أقْرَبُ مِنهُ إلى عِبادِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿الحَمِيدُ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَحَقَّ مَجامِعَ الحَمْدِ مَعَ أنَّهُ يَحْمَدُ مَن يُطِيعُهُ فَيَزِيدُهُ مِن فَضْلِهِ ويَصِلُ (p-٣١٢)حَبْلَهُ دائِمًا بِحَبْلِهِ.
الشورى 42:29
ولَمّا كانَ ما مَضى مِن بَسْطِ الرِّزْقِ وقَبْضِهِ، وإنْزالِ الغَيْثِ وحَبْسِهِ. مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ، عَمَّمَ بِذِكْرِ ما ذَلِكَ بَعْضٌ مِنهُ، وهو دالٌّ عَلى جَمِيعِ ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ السّالِفَةَ مِنَ الحَمْدِ الَّذِي هو الِاتِّصافُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ وإنَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي هَذا الوُجُودَ بِالمَعانِي مِن رُوحِ الوَحْيِ وغَيْرِهِ تارَةً والأعْيانِ مِنَ الماءِ وغَيْرِهِ أُخْرى: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ العَظِيمَةِ عَلى ذَلِكَ وعَلى اسْتِحْقاقِهِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿خَلْقُ السَّماواتِ﴾ الَّتِي تَعْلَمُونَ أنَّها مُتَعَدِّدَةً بِما تَرَوْنَ مِن أُمُورِ الكَواكِبِ ﴿والأرْضِ﴾ أيْ جِنْسِها عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئاتِ وما اشْتَمَلا عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ والخَيْراتِ ﴿وما بَثَّ﴾ أيْ فَرْقٍ بِالأبْدانِ والقُلُوبِ عَلى هَذا المِنوالِ الغَرِيبِ مِنَ الحِسِّ والحَرَكَةِ بِالِاخْتِيارِ مَعَ التَّفاوُتِ في الأشْكالِ، والقُدُورِ والهَيْئاتِ والأخْلاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّقْصِ والكَمالِ.
ولَمّا كانَتِ الأرْضُ بِناءً والسَّماءُ سَقْفَهُ، فَمَن كانَ في أحَدِهِما صَحَّ نِسْبَتُهُ إلى أنَّهُ في كُلٍّ مِنهُما: الأسْفَلُ بِالإقْلالِ والأعْلى بِالإظْلالِ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِما﴾ أيِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا سِيَّما وقَدْ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنهُما تَسَبُّبًا (p-٣١٣)فِي ذَلِكَ بِما أوْدَعَهُما مِنَ الجَواهِرِ وأنْشَأ عَنْهُما مِنَ العَناصِرِ.
ولَمّا كانَتِ الحَياةُ الَّتِي هي سَبَبُ الِانْتِشارِ والدَّبِّ رُبَّما أوْرَثَتْ صاحِبَها كِبْرًا وغِلْظًا في نَفْسِهِ نَظُنُّ أنَّهُ تامُّ القُدْرَةِ، أنَّثَ تَحْقِيرًا لِقُدْرَتِهِ وتَوْهِيَةً لِشَأْنِهِ ورُتْبَتِهِ فَقَلَّلَ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ شَيْءٌ فِيهِ أهْلِيَّةُ الدَّبِيبِ بِالحَياةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ وسائِرِ الحَيَواناتِ عَلى اخْتِلافِ أصْنافِهِمْ وألْوانِهِمْ وأشْكالِهِمْ ولُغاتِهِمْ وطِباعِهِمْ وأجْناسِهِمْ وأنْواعِهِمْ أقْطارِهِمْ ونَواحِيهِمْ وأصْقاعِهِمْ ومَن نَظَرَ إلى صَنائِعِهِ سُبْحانَهُ تَيَقَّنَ وجُودَهُ وقُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، ثُمَّ إذا أمْعَنَ في النَّظَرِ وتابَعَ التَّدَبُّرَ في الفِكْرِ وصَلَ إلى مَعْرِفَةِ الصّانِعِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وما يَنْبَغِي لَهُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ فَيَحْمَدُهُ بِمَحامِدِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ويُسَبِّحُهُ بِسُبْحانِهِ ثُمَّ إنْ أمْعَنَ سَما إلى الوُقُوفِ عَلى حِكْمَةِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلَ ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ.
ولَمّا كُنّا عالِمِينَ بِأنَّ مَن أوْجَدَ أشْياءَ عَلى ضَمِّ أشْتاتِهِمْ مَتى شاءَ مَعَ نَقْصِ التَّصَرُّفِ والعَجْزِ في التَّقَلُّبِ كُنّا جَدِيرِينَ بِالعِلْمِ القَطْعِيِّ (p-٣١٤)بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ الَّتِي يَعْلَمُ الظّاهِرَ مَعَها، وما غابَ عَنّا أكْبَرُ ﴿عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ هَذِهِ الدَّوابُّ مِن ذَوِي العُقُولِ وغَيْرِهِمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ بِالقُلُوبِ والأبْدانِ بِالمَوْتِ وغَيْرِهِ مِنَ الحُظُوظِ والأهْواءِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الجَمْعُ لا بُدَّ مِنهُ، عَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ فَقالَ مُعَلِّقًا بِجَمْعِ: ﴿إذا﴾ وحَقَّقَ النَّظَرَ إلى البَعْثِ فَعَبَّرَ بِالمُضارِعِ فَقالَ: ﴿يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ كَما كانَ بالِغَ القُدْرَةِ عِنْدَ الإيجادِ مِنَ العَدَمِ بِجَمْعِهِمْ في صَعِيدٍ واحِدٍ يَسْمَعُهُمُ الدّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ،
الشورى 42:30
ولَمّا ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِنِعَمِهِ، وكانَ السِّياقُ لِتَعْدادِ ما ناسَبَ مَقْصُودَ هَذِهِ السُّورَةِ مِنها، كانَ الفِكْرُ جَدِيرًا بِأنْ يَخْطُرَ لَهُ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْراضِ والأنْكادِ والهُمُومِ والفُهُومِ بِالإشْقاءِ فِيها والإسْعادِ، قالَ شافِيًا لِعَيِّ سُؤالِهِ عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ ما فِيهِ مِن نِعْمَتِهِ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ، عاطِفًا عَلى ما هو مَضْمُونُ ما مَضى بِما تَقْدِيرُهُ: فَهو الَّذِي خَلَقَكم ورَزَقَكم وهو المُتَصَرِّفُ فِيكم بَعْدَ بَثِّكم بِالعافِيَةِ والبَلاءِ تَمامَ التَّصَرُّفِ، فَلا نِعْمَةَ (p-٣١٥)عِنْدَكم ولا نِقْمَةَ إلّا مِنهُ، ولا يَقْدِرُ أصْحابُها عَلى رَدِّها ولا رَدَّ شَيْءٍ مِنها فَهو ولِيُّكم وحْدَهُ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ واجَهَهم بِالخِطابِ زِيادَةً في تَقْرِيبِ الطّائِعِ وتَبْكِيتِ العاصِي، وعَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِما﴾ أيْ كائِنٍ بِسَبَبِ الَّذِي - هَذا عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ، وإثْباتِ الفاءِ في الباقِينَ زِيادَةً في إيضاحِ السَّبَبِيَّةِ فَقَرَءُوا ”فَبِما“ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ الشَّرْطَ أيْ فَهو بِالَّذِي.
ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ مَطْبُوعَةً عَلى النَّقائِضِ، فَهي لا تَنْفَكُّ عَنْها إلّا بِمَعُونَةٍ مِنَ اللهِ شَدِيدَةٍ، وكانَ عَمَلُها كُلُّهُ أوْ جُلُّهُ عَلَيْها، فَعَبَّرَ بِالفِعْلِ المُجَرَّدِ إشارَةً إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿كَسَبَتْ﴾
ولَمّا كانَ العَمَلُ غالِبًا بِاليَدِ قالَ: ﴿أيْدِيكُمْ﴾ أيْ مِنَ الذُّنُوبِ، فَكُلُّ نَكَدٍ لاحِقٍ إنَّما هو بِسَبَبِ ذَنْبٍ سابِقٍ أقَلُّهُ التَّقْصِيرُ، رَوى ابْنُ ماجَةَ في سُنَنِهِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ - والحاكِمُ واللَّفْظُ لَهُ - وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ - عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ:
«لا يَرُدُّ القَدَرَ إلّا الدُّعاءُ ولا يَزِيدُ في العُمْرِ إلّا البِرُّ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» فالآيَةُ داعِيَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ إلى المُبادَرَةِ عِنْدَ وُقُوعِ المُصِيبَةِ إلى مُحاسَبَةِ النَّفْسِ لِيَعْرِفَ مِن أيْنَ جاءَ تَقْصِيرُهُ، (p-٣١٦)فَيُبادِرُ إلى التَّوْبَةِ عَنْهُ والإقْبالِ عَلى اللهِ لِيُنْقِذَ نَفْسَهُ مِنَ الهَلَكَةِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ وإنْ كانَ الكُلُّ بِخَلْقِهِ وإرادَتِهِ إظْهارُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ واسْتِشْعارُ الحاجَةِ والِافْتِقارِ إلى الواحِدِ القَهّارِ، ولَوْلا وُرُودُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يُوجَدْ سَبِيلٌ إلى الهُدى، ولا إلى هَذِهِ الكَمالاتِ البَدِيعِيَّةِ، ومِثْلُ هَذِهِ التَّنْبِيهاتِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنَ العَبْدِ ما أوْدَعَ في طَبِيعَتِهِ ورَكَّزَ في غَرِيزَتِهِ كَغَرْسٍ وزَرْعٍ سَبَقَ إلَيْهِ ماءٌ وشَمْسٌ لِاسْتِخْراجِ ما أوْدَعَ في طَبِيعَتِهِ مِنَ المَعْلُوماتِ الإلَهِيَّةِ والحِكَمِ العَلِيَّةِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَدْلَهُ، أتْبَعَهُ فَضْلَهُ فَقالَ: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ولَوْلا عَفْوُهُ وتَجاوُزُهُ لِما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ويَدْخُلُ في هَذا ما يُصِيبُ الصّالِحِينَ لِإنالَةٍ دَرَجاتٍ وفَضائِلَ وخُصُوصِيّاتٍ لا يَصِلُونَ إلَيْها إلّا بِها لِأنَّ أعْمالَهم لَمْ تَبْلُغْها فَهي خَيْرُ واصِلٍ مِنَ اللهِ لَهُمْ، وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ: ما بالُ العُقَلاءِ أزالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ؟ قالَ: لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللهَ ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ - وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
الشورى 42:31
ولَمّا كانَ مَن يُعاقِبُ بِما دُونَ المَوْتِ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ عاجِزٌ قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لَوْ أُرِيدَ مَحْقُكم بِالكُلِّيَّةِ ولا في شَيْءٍ أرادَ سُبْحانَهُ (p-٣١٧)مِنكم كائِنًا ما كانَ. ولَمّا كانَ مَن ثَبَتَ قُدْرَتَهُ عَلى مَحَلِّ العُلُوِّ بِخَلْقِهِ وما أوْدَعَهُ مِنَ المَصْنُوعاتِ أجْدَرُ بِالقُدْرَةِ عَلى ما دُونَهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَ الكَلامُ في العُقُوبَةِ في الدُّنْيا قَبْلَ المَوْتِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَدَّعِي فِيها التَّوَصُّلَ إلى السَّماءِ، لَمْ يَدْعُ داعٍ إلى ذِكْرِها بِخِلافِ ما مَضى في العَنْكَبُوتِ. ولَمّا نَفى امْتِناعَهم بِأنْفُسِهِمْ، وكانَ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ العُلُوِّ ما تَقْصُرُ عَنْهُ العُقُولُ، فَكانَ كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، فَكانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ قالَ: ﴿وما لَكُمْ﴾ أيْ عِنْدِ الِاجْتِماعِ فَكَيْفَ عِنْدَ الِانْفِرادِ.
ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ في غايَةِ السُّفُولِ عَنْ رُتْبَتِهِ والتَّضاؤُلُ دُونَ حَضْرَتِهِ، أثْبَتَ الجارَّ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءِ عَظْمَةً وكِبْرًا وعِزَّةً، وعَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ يَكُونُ مَتَوَلِّيًا لِشَيْءٍ مِن أُمُورِكم بِالِاسْتِقْلالِ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عَنْكم شَيْئًا يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ بِكم.
الشورى 42:32
ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ وخَتَمَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ اللّازِمِ لِلْوَحْدانِيَّةِ الَّتِي اعْتِقادُها أساسُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، دَلَّ عَلَيْها بِأعْظَمِ الآياتِ عِنْدَهم وأوْضَحِها في أنْفُسِهِمْ وأقْرَبِها إلى أفْهامِهِمْ لِما لَهم مِنَ الإخْلاصِ عِنْدَها فَقالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وعَظِيمِ سُلْطانِهِ تَسْخِيرُهُ وتَذْلِيلُهُ لِسَيْرِ (p-٣١٨)الفُلْكِ فِيهِ حامِلَةً ما لا يَحْمِلُهُ غَيْرُها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الجَوارِ﴾ أيْ مِنَ السُّفُنِ، وهي مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى الأعْلامِ، ودَلَّ عَلى المَوْصُوفِ ما بَعْدَهُ فَلِذَلِكَ حُذِفَ لِأنَّ القاعِدَةَ أنَّ الصِّفَةَ إذا لَمْ تَخُصَّ المَوْصُوفَ امْتَنَعَ حَذْفَهُ فَنَقُولُ: مَرَرْتُ بِمُهَنْدِسٍ، ولا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِماشٍ - إلّا بِقَرِينَةٍ كَما هُنا.
ولَمّا كانَتْ ثَقِيلَةً في أنْفُسِها، وكانَ يُوضَعُ فِيها مِنَ الأحْمالِ ما يُثْقِلُ الجِبالَ، وكانَ كُلُّ ثَقِيلٍ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا الغَوْصُ في الماءِ، كانَتْ كَأنَّها فِيهِ لا عَلَيْهِ لِأنَّها جَدِيرَةٌ بِالغَرَقِ فَقالَ تَعالى مُحَذِّرًا مِن سَطَواتِهِ مُتَعَرِّفًا بِجَلِيلِ نِعْمَتِهِ مُعَرِّفًا بِحَقِيقَةِ الجَوارِي: ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ الجِبالِ الشّاهِقَةِ بِما لَها مِنَ العُلُوِّ في نَفْسِها عَنِ الماءِ ثُمَّ بِما يُوصِلُها وما فِيهِ مِنَ الشِّراعِ عَلَيْها مِنَ الِارْتِفاعِ، وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عِلْمٌ.
الشورى 42:33
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما تِلْكَ الآياتُ؟ ذَكَرَ ما يُخَوِّفُهم مِنها ويُعَرِّفُهم أنَّ جَمِيعَ ما أباحَهم إيّاهُ مِن شُئُونِها إنَّما هو بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ (p-٣١٩)فَقالَ: ﴿إنْ يَشَأْ﴾ أيِ اللهُ الَّذِي حَمَلَكم فِيها عَلى ظَهَرَ الماءُ آيَةً بَيِّنَةً سَقَطَ اعْتِبارُها عِنْدَكم لِشِدَّةِ الفِكْرِ لَها ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي يُسَيِّرُها وأنْتُمْ مُقِرُّونَ أنَّ أمْرَها لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُنَّ يَظْلَلْنَ أنْ يَقُمْنَ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ مَعَ أنَّ أصْلَهُ الإقامَةُ نَهارًا لِأنَّ النَّهارَ مَوْضِعُ الِاقْتِدارِ عَلى الأشْياءِ وهو المُنْتَظِرُ عِنْدَ كُلِّ مُتَعَسِّرٍ لِلسَّعْيِ في إزالَةِ عُسْرِهِ وتَيَسُّرِ أمْرِهِ ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ ثَوابِتَ مُسْتَقِرّاتٍ مِن غَيْرِ سَيْرٍ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ ثَباتًا ظاهِرًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ إثْباتُ اللّامَيْنِ وفَتْحُ لامِهِ الأُولى لِلْكُلِّ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعُ إخْلاصِهِمُ الدَّعْوَةَ لِلَّهِ والإعْراضَ عَنِ الشُّرَكاءِ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا الحالِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم - أيْ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن دُونِ اللهِ - لا تُغْنِي في البَحْرِ شَيْئًا، وكانُوا يَنْسُبُونَ ذَلِكَ شُرَكاءَ مَعَ طُلُوعِهِمْ إلى البِرِّ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يُعَدُّ ذَلِكَ آيَةً أصْلًا، فَلِذَلِكَ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذَكَرَ مِن حالِ السُّفُنِ في سَيْرِها ورُكُودِها مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللهُ سُبْحانَهُ بِدَلِيلِ ما لِلنّاسِ (p-٣٢٠)كافَّةً مِنَ الإجْماعِ عَلى التَّوَجُّهِ في ذَلِكَ إلَيْهِ خاصَّةً والِانْخِلاعِ مِمّا سِواهُ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ عَلى أنَّ إحاطَتَهُ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ أمْرٌ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ ثابِتٌ في الفِطَرِ الأُولى مِمّا لا يَصُدُّ عَنْهُ إلّا الهَوى، وعَلى أنَّ بُطْلانَ أمْرِ ما دُونَهُ لِذَلِكَ هو مِنَ الظُّهُورِ بِمَكانٍ لا يُجْهَلُ.
ولَمّا كانُوا يَتَمادَحُونَ بِالصَّبْرِ عَلى نَوازِلِ الحَدَثانِ والشُّكْرِ لِكُلِّ إحْسانٍ ويَتَذامُّونَ بِالجَزَعِ والكُفْرانِ، وكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي ثَباتَهم عَلى حالٍ واحِدٍ فَإنْ كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ لِمَعْبُوداتِهِمْ فَرُجُوعُهم عَنْها عِنْدَ الشَّدائِدِ مِمّا لا يَنْحُو نَحْوَهُ ولا يَلْتَفِتُ لَفْتَةَ أحَدٍ مِن كُمَّلِ الرِّجالِ الَّذِينَ يُجانِبُونَ العارَ والِاتِّسامَ بِمَسِيمِ الإغْمارِ، وإنْ كانَ الحَقُّ كَما هو الحَقُّ لِلَّهِ فَرُجُوعُهم عَنْهُ عِنْدَ الرَّخاءِ بَعْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِإنْجائِهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ لا يَفْعَلُهُ ذُو عَزِيمَةٍ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ أيْ في الشِّدَّةِ ﴿شَكُورٍ﴾ أيْ في الرَّخاءِ وإنْ كَثُرَ مُخالِفُوهُ، وعَظُمَ نِزاعُهم لَهُ، وهاتانِ صِفَتا المُؤْمِنِ المُخْلِصِ الَّذِي وكَّلَ هِمَّتَهُ بِالنَّظَرِ في الآياتِ فَهو يَسْتَمْلِي مِنها العِبَرَ ويَجْلُو بِها مِنَ البَصِيرَةِ عَيْنَ البَصَرِ.
الشورى 42:34
(p-٣٢١)ولَمّا نَبَّهَ بِهَذا الِاعْتِراضِ بَيْنَ الجَزاءِ ومَعْطُوفِهِ عَلى ما فِيهِ مِن دَقائِقِ المَعانِي في جَلائِلِ المَبانِي، قالَ مُكَمِّلًا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّرْغِيبِ في صُورَةِ التَّرْهِيبِ: ﴿أوْ﴾ أيْ أوْ إنْ يَشاءُ في كُلِّ وقْتٍ أرادَهُ، وأسْنَدَ الإيباقَ إلى الجَوارِي تَأْكِيدًا لِإرادَةِ العُمُومِ في هَلاكِ الرُّكّابِ فَقالَ: ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ يُهْلِكُهُنَّ بِالإغْراقِ بِإرْسالِ الرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّبارِيحِ حَتّى كَأنَّهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ العُلُوِّ في وقْبِهِ أيْ حُفَرِهِ، وطاقَ في الماءِ وقَعْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى ”وبَقَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ، ومِنهُ أنَّ وبَقَ كَوَعَدَ ووَجَلَ ووَرِثَ وُبُوقًا ومَوْبِقًا: هَلَكَ، والمَوْبِقُ كَمَجْلِسٍ: المُهْلِكُ وكُلُّ شَيْءٍ حالَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأنَّ الوَقْبَةَ تَحُولُ بَيْنَ ما فِيها وبَيْنَ غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَوْعِدِ: مَوْبِقٌ، وأوْبَقَهُ: حَبَسَهُ أوْ أهْلَكَهُ.
ولَمّا كانَ الإهْلاكُ لَهُنَّ إهْلاكًا لِلرُّكّابِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ مُجَرَّدًا الفِعْلَ إشارَةً إلى أنَّ ابْنَ آدَمَ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقائِصِ (p-٣٢٢)لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ فِعْلٌ خالٍ عَنْ شَوْبِ نَقْصٍ حَثًّا لَهُ عَلى اللُّجُوءِ إلى اللهِ في تَهْذِيبِ نَفْسِهِ وإخْلاصِ فِعْلِهِ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ فَعَلُوا مِنَ المَعاصِي بِجِدِّهِمْ فِيهِ واجْتِهادِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَفْصِيلًا لِلْإيباقِ: فَيَغْرَقُ كُلُّ مَن فِيهِنَّ إنْ شاءَ ويَغْرَقُ كَثِيرًا مِنهم إنْ شاءَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْفُ﴾ أيْ إنْ يَشاءْ ﴿عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ في هَذِهِ السُّفُنِ المَوْبِقَةِ، فَيُنْجِيهِمْ بِعَوْمٍ أوْ حَمْلٍ عَلى خَشَبَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإنْ يَشَأْ يُرْسِلِ الرِّيحَ طَيِّبَةً فَيُنْجِيها ويَبْلُغُها أقْصى المُرادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّقادِيرِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ المَشِيئَةِ، فالفِعْلُ كَما تَرى عُطِفَ عَلى يُوبِقُ، وعُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ قِسْمٌ مِن حالِي المُوبِقَةِ، وهو بِمَعْنى ما ورى عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ مِن نَصْبِ ”يَعْفُو“ بِتَقْدِيرِ ”إنْ“ لِيَكُونَ المَعْنى: يُوقِعُ إيباقًا وعَفْوًا.
الشورى 42:35
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ عَلى صُورَةِ الِاخْتِبارِ لَنْ يَسْتَبْصِرَ فَيَدُومُ إخْلاصُهُ، ومَن يَرْجِعُ إلى العَمى فَلا يَكُونُ خَلاصَهُ، قالَ مُبَيِّنًا بِالنَّصْبِ (p-٣٢٣)لِلصَّرْفِ عَنِ العَطْفِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ الماضِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى لِكَوْنِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، فَيَصِيرُ العِلْمُ أيْضًا مَشْرُوطًا: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ عِنْدِ النَّجاةِ بِالعَفْوِ. ولَمّا كانَ مَقامُ العَظَمَةِ شَدِيدَ المُنافاةِ لِلْمُجادَلَةِ، لَفَتَ القَوْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فِي آياتِنا﴾ أيْ هَذِهِ الَّتِي لا تُضاهِي عَظَمَتَها ولا تُقايِسُ جَلالَتَها وعِزَّتَها رُجُوعًا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والنِّزاعِ في تَمامِ القُدْرَةِ بِإنْكارِ البَعْثِ، ومِن واوِ الصَّرْفِ يَعْرِفُ أنَّ مَدْخُولَها مُفْرَدٌ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ لِأنَّ النَّصْبَ فِيها بِتَقْدِيرٍ أنْ فَيَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ فالتَّقْدِيرِ هُنا: وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِالمُجادِلِينَ عِنْدَ هَذا حاصِلٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ لِتَجَدُّدٍ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِكُلِّ مُجادِلٍ كُلَّما حَصَلَ جِدالٌ، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالرَّفْعِ دالَّةٌ عَلى هَذا، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: وهو يَعْلَمُ - فالرَّفْعُ هُنا والنَّصْبُ سَواءٌ، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ في نَواصِبِ الفِعْلِ: والفاءُ - أيْ ناصِبَةً - بِشَرْطَيْنِ: السَّبَبِيَّةُ، والثّانِي أنْ يَكُونَ قَبْلَها أحَدُ الأشْياءِ الثَّمانِيَةِ، والواوُ الواقِعَتَيْنِ بَعْدَ الشَّرْطِ قَبْلَ الجَزاءِ نَحْوُ إنْ تَأْتِنِي فَتُكْرِمَنِي (p-٣٢٤)أوْ تُكْرِمُنِي أنْتَ، أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ والجَزاءِ: إنْ تَأْتِنِي إنَّكَ فَأُكْرِمْكَ أوْ وأُكْرِمْكَ، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ والجَزاءِ في الثّانِي النَّفْيِ، إذِ الجَزاءُ مَشْرُوطٌ ووُجُودُهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، ووُجُودُ الشَّرْطِ مَفْرُوضٌ، فَكِلاهُما غَيْرُ مَوْصُوفَيْنِ بِالوُجُودِ حَقِيقَةً، وعَلَيْهِ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ﴾ في قِراءَةِ النَّصْبِ، ثُمَّ قالَ: وكَذا يَقُولُ في الفِعْلِ المَنصُوبِ بَعْدَ واوِ الصَّرْفَ أنَّهم لَمّا قَصَدُوا فِيها مَعْنى الجَمْعِيَّةِ نَصَبُوا المُضارِعَ بَعْدَها لِيَكُونَ الصَّرْفُ عَنْ سُنَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مُرْشِدًا مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّها لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ فَهي إذَنْ إمّا واوُ الحالِ وأكْثَرُ دُخُولِها عَلى الِاسْمِيَّةِ فالمُضارِعُ بَعْدَها في تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ الخَبَرِ وُجُوبًا، فَمَعْنى قُمْ وأقُومُ: قُمْ وقِيامِي ثابِتٌ: أيْ في حالِ ثُبُوتِ قِيامِي، وأمّا بِمَعْنى مَعَ وهي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ قَصَدُوا ها هُنا مُصاحَبَةَ الفِعْلِ لِلْفِعْلِ مَنصُوبًا ما بَعْدَها، فَمَعْنى قُمْ وأقُومُ: قُمْ مَعَ قِيامِي كَما قَصَدُوا في المَفْعُولِ مَعَهُ مُصاحَبَةَ الِاسْمِ لِلِاسْمِ فَنَصَبُوا ما بَعْدَ الواوِ، ولَوْ جَعَلْنا الواوَ عاطِفَةً لِلْمَصْدَرِ مُتَصَيِّدٌ مِنَ الفِعْلِ قَبْلَهُ النَّجاةُ، أيْ لَمْ يَكُنْ مِنكَ قِيامٌ وقِيامٌ مِنِّي، لَمْ يَكُنْ فِيهِ نُصُوصِيَّةٌ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، والأوْلى في قَصْدِ النُّصُوصِيَّةِ في شَيْءٍ عَلى مَعْنى أنْ يَجْعَلَ عَلى وجْهٍ (p-٣٢٥)يَكُونُ ظاهِرًا فِيما قَصَدُوا النُّصُوصِيَّةَ عَلَيْهِ، وإنَّما شَرَطُوا في نَصْبِ ما بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَوْنُ ما قَبْلَها أحَدُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ أيِ الأمْرِ والنَّهْيِ والنَّفْيِ والِاسْتِفْهامِ والتَّمَنِّي والعَرْضِ والتَّحْضِيضِ والرَّجاءِ لِأنَّها غَيْرُ حاصِلَةِ المَصادِرِ فَتَكُونُ كالشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَحَقِّقِ الوُقُوعِ، ويَكُونُ ما بَعْدَ الفاءِ كَجَزائِها ثُمَّ حَمَلُوا ما قَبْلَ واوِ الجَمْعِيَّةِ في وُجُوبِ كَوْنِ أحَدِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ عَلى ما قَبْلَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي هي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ الواوِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أعْنِي في انْتِصابِ المُضارِعِ بَعْدَها، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الواوِ لِلْفاءِ في أصْلِ العَطْفِ، وفي صَرْفِ ما بَعْدَهُما عَنْ سُنَنِ العَطْفِ لِقَصْدِ السَّبَبِيَّةِ في إحْداهُما والجَمْعِيَّةِ في الأُخْرى، ولِقُرْبِ الجَمْعِيَّةِ مِنَ التَّعَقُّبِ الَّذِي هو لازِمُ السَّبَبِيَّةِ ثُمَّ قالَ: وكَذا رُبَّما لَمْ يَصْرِفْ بَعْدَ واوِ الحالِ قَدْ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ المُثْبَتِ كَما ذَكَرْنا في بابِ الحالِ، نَحْوُ قُمْتُ وأضْرِبُ زَيْدًا أيْ وأنا أضْرِبُ.
ولَمّا كانَ عِلْمُ القادِرِ بِالمَعْصِيَةِ مُوجِبًا لِعَذابِ مَن عَصاهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ خَسِرَ مِن فِعْلِ ذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي ما يَكُونُ حالُهُمْ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مَحِيدٍ ومَفَرٍّ أصْلًا عَنْ عَذابِهِ، ولا بِشَيْءٍ (p-٣٢٦)يَسِيرٍ، وإنْ تَأخَّرَ في نَظَرِكم إيقاعُ العَذابِ بِهِمْ فَإنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ ما هو باطِنٌ وهو الِاسْتِدْراجُ بِالنِّعَمِ وهَذا لا يُدْرِكُهُ إلّا أرْبابُ القُلُوبِ المُقَرَّبُونَ لَدى عَلّامِ الغُيُوبِ، ومِنهُ ما هو ظاهِرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الَّذِينَ“ فاعِلُ ”يَعْلَمُ“، وحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ لِسَدِّها مَسَدَّ مَفْعُولِ العِلْمِ.
الشورى 42:36
ولَمّا عَلِمَ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ الغَيْثِ وآثارِهِ، ومِن نَشْرِ الدَّوابِّ بَرًّا وبَحْرًا بِمَعْرَضٍ مِنَ الزَّوالِ وهو عَظِيمُ التَّقَلُّباتِ هائِلُ الأحْوالِ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُحَقِّرًا لِدُنْياهم وما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ بِسُرْعَةِ الذُّبُولِ والزَّوالِ، والَأُفُولِ والِارْتِحالِ، ولَهم بِأنَّها مَعَ ما ذَكَرَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِنها إلّا يَمُوتُ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِها، وأمّا هم فَقَوْمٌ ضُعَفاءُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ ولَيْسَ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ إلّا العَجْزُ، فَلَوْ عَقَلُوا لَعَلِمُوا ولَوْ عَلِمُوا لَعَمِلُوا عَمَلَ العَبِيدِ، وأطاعُوا القَوِيَّ الشَّدِيدَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ أيُّها النّاسُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، وأجابَ ”ما“ الشَّرْطِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ القَرِيبَةِ الدَّنِيئَةِ لا نَفْعَ فِيهِ لِأحَدٍ (p-٣٢٧)إلّا مُدَّةَ حَياتِهِ، وذَلِكَ جَدِيرٌ بِالإعْراضِ عَنْهُ وعَمّا يُسَبِّبُهُ مِنَ الأعْمالِ إلّا ما يُقَرِّبُ إلى اللهِ ﴿وما﴾ أيْ والَّذِي، ولَفَتَ الكَلامَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنها بِذِكْرِ الِاسْمِ الجامِعِ لِلتَّرْغِيبِ في ذِكْرِ آثارِ الأوْصافِ الجَمالِيَّةِ والتَّرْهِيبِ مِن آثارِ النُّعُوتِ الجَلالِيَّةِ فَقالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا مِن نِعَمِ الدّارَيْنِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وأشَدِّ خَيْرِيَّةً مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ لِانْقِطاعِ نَفْعِها. ولَمّا كانَتِ النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ قَدْ تَصْحَبُ الإنْسانَ طُولَ عُمْرِهِ فَتُسَبِّبُ بِذَلِكَ إلى البَقاءِ قالَ: ﴿وأبْقى﴾ أيْ مِنَ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن نَزْعِها مِنهُ بِالمَوْتِ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ بِالحَياةِ فَلا تُؤْثِرُ الفانِي عَلى خَساسَتِهِ عَلى الباقِي مَعَ نَفاسَتِهِ.
ولَمّا بَيَّنَ ما لَها مِنَ النَّفاسَةِ تَرْغِيبًا فِيها، بَيْنَ مَن هي لَهُ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿وعَلى﴾ أيْ والحالُ أنَّهم صَدَّقُوها بِأنَّهم عَلى، ولَفَتَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ لِأنَّها نَسَبُ شَيْءٍ لِلْمُتَوَكِّلِ، وأحْكَمُ الأمْرِ بِالإضافَةِ إشارَةً إلى ”إنَّهُ إحْسانٌ“ هو في غايَةِ (p-٣٢٨)المُناسَبَةِ لِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يَرَوْا إحْسانًا قَطُّ إلّا مِنهُ وحْدَهُ بِما رَبّاهم مِنَ الإخْلاصِ لَهُ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ يَحْمِلُونَ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ عَلَيْهِ كَما يَحْمِلُ غَيْرُهم مَتاعَهُ عَلى مَن يَتَوَسَّمُ فِيهِ قُوَّةً عَلى الحَمْلِ ولا يَلْتَفِتُونَ في ذَلِكَ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ أصْلًا لِيَنْتَفِيَ عَنْهم بِذَلِكَ الشِّرْكُ الخَفِيُّ كَما انْتَفى بِالإيمانِ الشِّرْكُ الجَلِيُّ، والتَّعْبِيرُ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ تَمْثِيلٌ لِلْإسْنادِ والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ لِأنَّ الحَمْلَ أبْيَنُ في الرّاحَةِ، وأظْهَرُ في البُعْدِ مِنَ الهَمِّ والمَشَقَّةِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ لِلتَّخْفِيفِ في أمْرِ التَّوَكُّلِ بِالرِّضى بِتَجْدِيدِهِ كُلَّما تَجَدَّدَ مُهِمٌّ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ اللهُ كافِيهِ كُلَّ مُلِمٍّ، فَيُشارِكُونَ أهْلَ الدُّنْيا في نَيْلِ نِعَمِها ويُفارِقُونَهم في أنَّ رَبَّهم سُبْحانَهُ يَجْعَلُها عَلى وجْهٍ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ فِيها، بَلْ ولَهم فِيها الأُجُورُ المُوجِبَةُ لِلنِّعْمَةِ والحُبُورِ، وفي أنَّهُ يَجْعَلُها كافِيَةً لِمُهِمّاتِهِمْ وِسادَةً لِخَلّاتِهِمْ، ويَزِيدُهُمُ الباقِياتِ الصّالِحاتِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَنْها نَعِيمُ الآخِرَةِ بَعْدَ راحَةِ الدُّنْيا.
الشورى 42:37
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّوَكُّلِ أمْرًا باطِنًا فَكانَ لا بُدَّ مِن (p-٣٢٩)دَلائِلِهِ مِن ظَواهِرِ الأعْمالِ، وكانَتْ تَخْلِياتٌ مِنَ الرَّذائِلِ وتَحْلِياتٌ بِالفَضائِلِ وكانَتِ التَّخْلِيّاتُ لِكَوْنِها دَرْءً لِلْمَفاسِدِ مُقَدَّمَةً عَلى التَّحَلِّياتِ الَّتِي هي جَلْبٌ لِلْمَصالِحِ قالَ عاطِفًا عَلى ”الَّذِينَ“: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم أنْ يُجابُوا ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ جِنْسِ الفِعالِ الكِبارِ الَّتِي لا تُوجِدُ إلّا ضِمْنَ أفْرادِها ويَحْصُلُ بِها دَنَسٌ لِلنَّفْسِ، فَيُوجِبُ عِقابًا لَها مَعَ الجِسْمِ، وعَطَفَ عَلى ﴿كَبائِرَ﴾ قَوْلَهُ: ﴿والفَواحِشَ﴾ وهي ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ والعَقْلُ والطَّبْعُ الَّتِي هي آياتُ اللهِ الثَّلاثُ الَّتِي نَصْبُها حُجَّةٌ عَلى عِبادِهِ ولَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ فاسْتَعْظَمَ النّاسُ أمْرَها ولَوْ أنَّها صَغائِرُ لِدَلالَتِها عَلى الإخْلالِ بِالمُرُوءَةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ والإقْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ مِن شَيْخٍ جَلِيلِ القَدْرِ لِمَن لا يَخْشاهُ ولا يَرْجُوهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: كَبِيرٌ، وهو لِلْجِنْسِ، فَهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجَمْعِ أوْ هي أبْلَغُ لِشُمُولِها المُفْرَدِ. ولَمّا ذَكَرَ ما قَدْ تَقُودُ إلَيْهِ المَطامِعُ دُونَ حَمْلِ الغَضَبِ الصّارِعِ قالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ مُعَبِّرًا بِأداةِ (p-٣٣٠)التَّحَقُّقِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا بِهِ مِنهُ تَوْطِينًا لِلنَّفْسِ عَلَيْهِ مُعَلِّقًا بِفِعْلِ الغَفْرِ: ﴿وإذا﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما﴾ وقَدَّمَ الغَضَبَ إشارَةً إلى الِاهْتِمامِ بِإطْفاءِ جَمْرِهِ وتَبْرِيدِ حَرِّهِ فَقالَ: ﴿غَضِبُوا﴾ أيْ غَضَبًا هو عَلى حَقِيقَتِهِ مِن أمْرٍ مُغْضِبٍ في العادَةِ، وبَيَّنَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ أنَّ بَواطِنَهم في غَفْرِهِمْ كَظَواهِرِهِمْ فَقالَ: ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ أيِ الإحْصاءِ والإخْفاءِ بِأنَّهم كُلَّما تَجَدَّدَ لَهم غَضَبٌ جَدَّدُوا غَفْرًا أيْ مَحْوًا لِلذَّنْبِ عَيْنًا وأثَرًا مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ فَسَجاياهم تَقْتَضِي الصَّفْحَ دُونَ الِانْتِقامِ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ الظّالِمِ بَغْيٌ لِأنَّهُ لا يُؤاخَذُ عَلى مُجَرَّدِ الغَضَبِ إلّا مُتَكَبِّرٌ، والكِبْرُ لا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الإلَهِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُغَيِّبُ أحْلامَهم عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ ما يُغَيِّبُ أحْلامَ غَيْرِهِمْ مِن طَيْشِ الجَهْلِ وسَفاهَةِ الرَّأْيِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الغَفْرَ دُونَ غَضَبٍ لا يُعَدُّ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَفْرِ مَعَهُ، وفي الصَّحِيحِ «أنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرُماتُ اللَّهِ،» ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَكْرَهُونَ أنْ يَسْتَذِلُّوا وكانُوا (p-٣٣١)إذا قَدَرُوا عَفَوْا.
الشورى 42:38
ولَمّا أتَمَّ ما مِنهُ التَّحَلِّي، أتْبَعَهُ ما بِهِ التَّخَلِّي، وذَكَرَ أوْصافًا أرْبَعَةً هي قَواعِدُ النَّصَفَةِ ما انْبَنى عَلَيْها قَطُّ رُبْعُها إلّا كانَ الفاعِلُونَ لَها كالجَسَدِ الواحِدِ لا تَأْخُذُهم نازِلَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الإجابَةَ بِمالِهِمْ مِنَ العِلْمِ الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ أيِ الدّاعِي لَهم إلى إجابَتِهِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ إيجادًا مِن شِدَّةِ حَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ يَطْلُبُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ طَلَبًا عَظِيمًا صادِقًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ لِأحَدِهِمْ نَفْسٌ ولا بَقِيَّةٌ مِن وهْمٍ ولا رَسْمٍ إلّا عَلى مُوافَقَةِ رِضاهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ ما دَعاهم إلَيْهِ وهو مُرَبِّيهِمْ لِصَلاحِهِمْ وسَعْدِهِمْ وفَلاحِهِمْ، لِأنَّهُ مُحِيطُ العِلْمِ شَدِيدُ الرَّحْمَةِ لا يَتَّهِمُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ولَمّا كانَ هَذا عامًّا لِكُلِّ خَيْرٍ دَعا إلَيْهِ سُبْحانَهُ، خَصَّ أعْظَمَ عِباداتِ البَدَنِ، وزادَ في عَظَمَتِها بِالتَّعْبِيرِ بِالإقامَةِ فَقالَ: ﴿وأقامُوا﴾ أيْ بِما لَهم مِنَ القُوَّةِ ﴿الصَّلاةَ﴾ فَأفْهَمَ ذَلِكَ مَعَ اللّامِ أنَّهم أوْجَدُوا صُورَتَها مَحْمُولَةً بِرُوحِها عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَها دائِمًا. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِجابَةُ تُوجِبُ لِلِاتِّحادِ القُلُوبَ بِالإيمانِ المُوجِبِ لِلِاتِّحادِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، والصَّلاةُ تُوجِبُ الِاتِّحادَ بِالأبْدانِ، ذَكَرَ الِاتِّحادَ بِالأقْوالِ (p-٣٣٢)النّاشِئِ عَنْهُ عِنْدَ أُولِي الكَمالِ الِاتِّحادُ في الأفْعالِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِيَّةِ حَثًّا عَلى أنْ جَعَلُوا ذَلِكَ لَهم خَلْقًا ثابِتًا لا يَنْفَكُّ: ﴿وأمْرُهُمْ﴾ أيْ كُلُّ ما يَنُوبُهم مِمّا يُحْوِجُهم إلى تَدْبِيرِ ﴿شُورى﴾ أيْ يَتَشاوَرُونَ فِيهِ مُشاوَرَةً عَظِيمَةً مُبالِغِينَ مِمّا لَهم مِن قُوَّةِ الباطِنِ وصَفائِهِ في الإخْلاصِ والنُّصْحِ، مِنَ الشَّوْرِ وهو العَرْضُ والإظْهارُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بِحَيْثُ إنَّهم لا فَرْقَ في حالِ المُشاوَرَةِ بَيْنَ كَبِيرٍ مِنهم وصَغِيرٍ بَلْ كُلٌّ مِنها يُصْغِي إلى كَلامِ الآخَرِ ويَنْظُرُ في صِحَّتِهِ وسَقَمِهِ بِتَنْزِيلِهِ عَلى أُصُولِ الشَّرْعِ وفُرُوعِهِ، فَلا يَسْتَبْدِلُ أحَدٌ مِنهم بِرَأْيٍ لِدَوامِ اتِّهامِهِ لِرَأْيِهِ لِتَحَقُّقِهِ نَقْصَهُ بِما لَهُ مِن غَزارَةِ العِلْمِ وصَفاءِ الفَهْمِ ولا يُعَجِّلُونَ في شَيْءٍ بَلْ صارَ التَّأبِّي لَهم خَلْقًا، وسُوقُ المَشُورَةِ هَذا السِّياقُ دالٌّ عَلى عَظِيمِ جَدْواها وجَلالَةِ نَفْعِها قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ - عَلى أنَّهُ رَوى الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والأوْسَطِ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ ولا عالَ مَنِ اقْتَصَدَ» ورَوى في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن (p-٣٣٣)أرادَ أمْرًا فَشاوَرَ فِيهِ امْرَأً مُسْلِمًا وفَّقَهُ اللهُ لِأرْشَدِ أمْرِهِ» .
ولَمّا كانَتِ المُواساةُ بِالأمْوالِ بَعْدَ الِاتِّحادِ في الأقْوالِ والِاتِّفاقُ في الأفْعالِ أعْظَمُ جامِعٍ عَلى مَحاسِنِ الخِلالِ، وأظْهَرُ دالٍّ عَلى ما ادَّعى مِنَ الِاتِّحادِ في الحالِ والمَآلِ قالَ مُسَهِّلًا عَلَيْهِمْ أمْرَها بِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهم في الحَقِيقَةِ في تَحْصِيلِها راضِيًا مِنهم بِاليَسِيرِ مِنها: ﴿ومِمّا﴾ ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَذْكِيرًا بِما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهم مِن أنَّهُ لا مَطْمَعَ في التَّقَرُّبِ مِنَ العُظَماءِ إلّا بِالهَدايا فَقالَ: ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنهم ولا قُوَّةٍ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يُدِيمُونَ الإنْفاقَ كَرَمًا مِنهم وإنْ قَلَّ ما بِأيْدِيهِمُ اعْتِمادًا عَلى فَضْلِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْبِضُونَ أيْدِيَهم كالمُنافِقِينَ، وذَلِكَ الإنْفاقُ عَلى حَسَبِ ما حَدَّدْناهُ لَهم فَواسَوْا بِالمَشُورَةِ في فَضْلِ عُقُولِهِمْ وبِالإنْفاقِ في فَضْلِ أمْوالِهِمْ تَقْوى مِنهم ومُراقَبَةً لِلَّهِ لا شَهْوَةَ نَفْسٍ.
الشورى 42:39
ولَمّا كانَ في العُقُوبَةِ مُصْلِحَةٌ ومَفْسَدَةٌ فَنَدَبَ سُبْحانَهُ إلى المَغْفِرَةِ تَقْدِيمًا لِدَرْءِ المَفْسَدَةِ لِأنَّ الإنْسانَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالقُلُوبِ لا يَصِحُّ لَهُ بِوَجْهٍ أنْ يُعاقَبَ بِمُجَرَّدِ الغَضَبِ لِأنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فَيُعاقِبُ مَن أغْضَبَهُ، وهو (p-٣٣٤)شَرِيفُ الذّاتِ كَرِيمُ الطَّبْعِ عَلى الهِمَّةِ أبِيُّ النَّفْسِ، ما وقَعَ مِنهُ الذَّنْبُ الَّذِي أغْضَبَ إلّا خَطَأً مَعْفُوًّا عَنْهُ أوْ كَذَبَ عَلَيْهِ فِيهِ فَيُرَبِّي في نَفْسِهِ أُخْتَهُ تُفْسِدُ ذاتَ البَيْنِ فَيَجُرُّ إلى خَرابٍ كَبِيرٍ، وكانَتْ إدامَةُ الغَفْرِ جالِبَةً لِلْفَسادِ مُجَرِّئَةً عَلى العِنادِ، وكانَ البَغْيُ هو التَّمادِي في السُّوءِ مُحَقِّقًا لِقَصْدِ الذَّنْبِ مُجَوِّزًا لِلْإقْدامِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ الِانْتِصارُ مِنَ الفُجّارِ رُبَّما أحْوَجَ مَعَ قُوَّةِ الجِنانِ إلى إنْفاقِ المالِ، عَقِبَ الإنْفاقِ بِمَدْحِ الِانْتِصارِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ﴾ وذَكَرَ أداةَ التَّحَقُّقِ إشارَةً إلى أنَّ شَرْطَها لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ فَقالَ ناصِبًا بِفِعْلِ الِانْتِصارِ مُقَدِّمًا لِما مِن شَأْنِ النَّفْسِ الِاهْتِمامُ بِدَفْعِهِ لِعَدَمِ صَبْرِها عَلَيْهِ: ﴿إذا أصابَهُمُ﴾ أيْ وقَعَ بِهِمْ وأثَّرَ فِيهِمْ ﴿البَغْيُ﴾ وهو التَّمادِي عَلى الرَّمْيِ بِالشَّرِّ ﴿هُمْ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً لِما لَهم مِن قُوَّةِ الجِنانِ والأرْكانِ المُعْلِمَةِ بِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن غُفْرانِهِ ما كانَ إلّا لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ لا لِهَوانِهِمْ ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ بِالعِلاجِ بِما أعْطاهُمُ اللهُ مِن سِعَةِ العَقْلِ وشِدَّةِ البَطْشِ وقُوَّةِ القَلْبِ النَّصْرِ لِأنْفُسِهِمْ في مَحَلِّهِ عَلى ما يَنْبَغِي مِن زَجْرِ الباغِي عَنْ مُعاوَدَتِهِمْ وعَنِ (p-٣٣٥)الِاجْتِراءِ عَلى غَيْرِهِمْ مُكَرِّرِينَ لِذَلِكَ كُلَّما كَرَّرَ لَهم فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، لَيْسُوا بِعاجِزِينَ ولا في أمْرِ دِينِهِمْ مُتَوانِينَ، والتَّعْبِيرُ في هَذِهِ الأفْعالِ بِالإسْنادِ إلى الجَمْعِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ تَمامَ التَّمَكُّنِ الرّادِعِ إلّا مَعَ الِاجْتِماعِ، ومَن كانَ فِيها مُفْرَدًا كانَ هَمُّهُ طَوِيلًا وبَثُّهُ جَلِيلًا، قالَ النَّخْعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ.
الشورى 42:40
ولَمّا كانَ الإذْنُ في الِانْتِصارِ في هَذا السِّياقِ المادِحِ مُرَغِّبًا فِيهِ مَعَ ما لِلنَّفْسِ مِنَ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، زَجَرَ عَنْهُ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوَّلًا بِكَفِّها عَنِ الِاسْتِرْسالِ فِيهِ ورَدِّها عَلى حَدِّ المُماثَلَةِ، وثانِيًا بِتَسْمِيَتِهِ سَيِّئَةً وإنْ كانَ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وثالِثًا بِالنَّدْبِ إلى العَفْوِ، فَصارَ المَحْمُودُ مِنهُ إنَّما هو ما كانَ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ لا شائِبَةَ فِيهِ لِلنَّفْسِ أصْلًا فَقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ أيْ أيُّ سَيِّئَةٍ كانَتْ ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ لا تَزِيدُ عَلَيْها في عَيْنٍ ولا مَعْنًى أصْلًا، وقَدْ كَفَلَتْ هَذِهِ الجُمَلُ بِالدُّعاءِ إلى أُمَّهاتِ الفَضائِلِ الثَّلاثِ العِلْمِ والعِفَّةِ والشَّجاعَةِ عَلى (p-٣٣٦)أحْسَنِ الوُجُوهِ، فالمَدْحُ بِالِاسْتِجابَةِ والصَّلاةِ دُعاءٌ إلى العِلْمِ، وبِالنَّفَقَةِ إلى العِفَّةِ، وبِالِانْتِصارِ إلى الشَّجاعَةِ، حَتّى لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ إذْعانَهم لِما مَضى مُجَرَّدُ ذُلٍّ، والقَصْرُ عَلى المُماثَلَةِ دُعاءٌ إلى فَضِيلَةِ التَّقْسِيطِ بَيْنَ الكُلِّ وهي العَدْلُ، وهَذِهِ الأخِيرَةُ كافِلَةٌ بِالفَضائِلِ الثَّلاثِ، فَإنَّ مَن عَلِمَ المُماثِلَةَ كانَ عالِمًا، ومَن قَصَدَ الوُقُوفَ عِنْدَها كانَ عَفِيفًا، ومَن قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى ذَلِكَ كانَ شُجاعًا، وقَدْ ظَهَرَ مِنَ المَدْحِ بِالِانْتِصارِ بَعْدَ المَدْحِ بِالغُفْرانِ أنَّ الأوَّلَ لِلْعاجِزِ والثّانِي لِلْمُتَغَلِّبِ المُتَكَبِّرَ بِدَلِيلِ البَغْيِ.
ولَمّا كانَ شَرْطُ المُماثَلَةِ نادِبًا بَعْدَ شَرْعِ العَدْلِ الَّذِي هو القَصاصُ إلى العَفْوِ الَّذِي هو الفَصْلُ لِأنَّ تَحَقُّقَ المِثْلِيَّةِ مِنَ العَبْدِ المَلْزُومِ لِلْعَجْزِ لا يَكادُ يُوجَدُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا﴾ أيْ بِإسْقاطِ حَقِّهِ كُلِّهِ أوْ بِالنَّقْصِ عَنْهُ لِتَتَحَقَّقَ البَراءَةُ مِمّا حَرُمَ مِنَ المُجاوَزَةِ ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ أوْقَعَ الإصْلاحَ بَيْنَ النّاسِ بِالعَفْوِ والإصْلاحِ لِنَفْسِهِ لِيُصْلِحَ اللهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُنْتَصِرًا مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَهو يُعْطِيهِ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ، وهَذا سِرُّ لَفْتِ الكَلامِ إلَيْهِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ وقَوْلُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”ما زادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا“ . (p-٣٣٧)ولَمّا كانَ هَذا نَدْبًا إلى العَفْوِ بَعْدَ المَدْحِ بِالِانْتِصارِ، بَيَّنَ أنَّ عِلَّتَهُ كَراهَةَ أنْ يُوضَعَ شَيْءٌ في غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ المُماثَلَةَ في ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ مُضْمِرًا إشارَةً إلى أنَّ المِثْلِيَّةَ مِنَ الغَيْبِ الخَفِيِّ مُؤَكِّدًا لِكَفِّ النَّفْسِ لِما لَها مِن عِظَمِ الِاسْتِرْسالِ في الِانْتِصارِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا يُكْرِمُ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ دَأْبَ مَن يَمْشِي في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ إذا كانَ عَرِيقًا في ذَلِكَ سَواءٌ كانَ ابْتِداءً أوْ مُجاوَزَةً في الِانْتِقامِ بِأخْذِ الثَّأْرِ.
الشورى 42:41
ولَمّا كانَ هَذا سادًّا لِبابِ الِانْتِصارِ لِما يَشْعُرُ بِهِ مِن أنَّهُ ظَلَمَ عَلى كُلٍّ، قالَ مُؤَكِّدًا نَفْيًا لِهَذا الإشْعارِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ أيْ سَعى في نَصْرِ نَفْسِهِ بِجُهْدِهِ ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ بَعْدَ ظُلْمِ الغَيْرِ لَهُ ولَيْسَ قاصِدَ البُعْدِ عَنْ حَقِّهِ ولَوِ اسْتَغْرَقَ انْتِصارُهُ جَمِيعَ زَمانِ البُعْدِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما لِذَلِكَ النّاظِرِ في مَصالِحِ العِبادِ المُنْسَلِخِ مِن خَطِّ نَفْسِهِ إحْسانًا إلى عِبادِ اللهِ مِنَ الرُّتْبَةِ العُلْيا، بَيْنَ ما لِهَذا الذّابِّ عَنْ نَفْسِهِ القاصِدِ لِشِفاءِ صَدْرِهِ وذَهابِ غَيْظِهِ، فَقالَ رابِطًا لِلْجَزاءِ بِفاءِ السَّبَبِ بَيانًا لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُ ﴿مِن﴾ مَوْصُولَةً والفاءُ (p-٣٣٨)لِما لِلْمَوْصُولِ مِن شَبَهِ الشَّرْطِ.
ولَمّا عَبَّرَ أوَّلًا بِالإفْرادِ فَكانَ رُبَّما قُصِرَ الإذْنُ عَلى الواحِدِ لِئَلّا تَعْظُمَ الفِتْنَةُ، جَمْعُ إشارَةٍ إلى أنَّ الفِتْنَةَ إنَّما هي في إقْرارِ الظُّلْمِ لا في نَصْرِ المَظْلُومِ واحِدًا كانَ أوْ جَماعَةً فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ المُنْتَصِرُونَ لِأجْلِ دَفْعِ ظُلْمِ الظّالِمِ عَنْهم فَقَطْ ﴿ما عَلَيْهِمْ﴾ وأكَّدَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ عِقابٍ ولا عِتابٍ، ورَوى النِّسائِيُّ وابْنُ ماجَةَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: ”ما عَلِمْتُ حَتّى دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِغَيْرِ إذْنٍ وهي غَضْبى ثُمَّ أقْبَلَتْ عَلَيَّ فَأعْرَضْتُ عَنْها حَتّى قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: دُونَكِ فانْتَصِرِي، فَأقْبَلَتْ عَلَيْها حَتّى رَأيْتُها قَدْ يَبِسَ رِيقُها في فِيها ما تَرُدُّ عَلِيَّ شَيْئًا، فَرَأيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ وجْهُهُ“» .
الشورى 42:42
ولَمّا نَفى السَّبِيلَ عَنْهُ بَعْدَ تَشَوُّفِ السّامِعِ إلى مَوْضِعِ ما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الظُّلْمِ، بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيِ الطَّرِيقُ السّالِكُ إلى لا مَنعَ مِنهُ أصْلًا بِالحَرَجِ والعَنَتِ ﴿عَلى﴾ وجَمَعَ إعْلامًا بِكَثْرَةِ المُفْسِدِينَ تَجْرِئَةً عَلى الِانْتِصارِ مِنهم وإنْ كانُوا كَثِيرًا (p-٣٣٩)فَإنَّ اللهَ خاذِلُهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ بِهِمْ ظُلْمَهم تَعَمُّدًا عُدْوانًا ﴿ويَبْغُونَ﴾ أيْ يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِما يُفْسِدُها بَعْدَ إصْلاحِها بِتَهْيِئَتِها لِلصَّلاحِ طَبْعًا وفِعْلًا وعِلْمًا وعَمَلًا. ولَمّا كانَ الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ بَغْيًا وإنْ كانَ مَصْحُوبًا بِحَقٍّ كالِانْتِصارِ المُقْتَرَنِ بِالتَّعَدِّي فِيهِ قالَ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ ولَمّا أثْبَتَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الكَلامِ السَّبِيلُ، كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُغْضاءُ البُعَداءُ مِنَ اللهِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ بِما آلَمُوا مَن ظَلَمُوهُ مِن عِبادِ اللهِ بِحَيْثُ يَعُمُّ إيلامُهُ أبْدانَهم وأرْواحَهم بِما لَها مِنَ المَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ.
الشورى 42:43
ولَمّا أفْهَمَ سِياقُ هَذا الكَلامِ وتَرْتِيبُهُ هَكَذا أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلِمَن صَبَرَ عَنِ الِانْتِصارِ أحْسَنُ حالًا مِمَّنِ انْتَصَرَ، لِأنَّ الخَطَأ في العَفْوِ أوْلى مِنَ الخَطَأِ في الِانْتِقامِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لِما أفْهَمَهُ السِّياقُ أيْضًا مِن مَدْحِ المُنْتَصِرِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ عَنِ الِانْتِصارِ مِن غَيْرِ انْتِقامٍ ولا شَكْوى (p-٣٤٠)﴿وغَفَرَ﴾ فَصَرَّحَ بِإسْقاطِ العِقابِ والعِتابِ فَمَحا عَيْنَ الذَّنْبِ وأثَرَهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ ذَلِكَ الفِعْلُ الواقِعُ مِنهُ البالِغُ في العُلُوِّ جِدًّا لا يُوصَفُ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيِ الأُمُورُ الَّتِي هي لِما لَها مِنَ الأهْلِيَّةِ لِأنْ يَعْزِمَ عَلَيْها قَدْ صارَتْ في أنْفُسِها كَأنَّها دَواتُ العَزْمِ أوْ مُتَأهِّلَةٌ لِأنْ تَعْزِمَ عَلى ما تُرِيدُ، والعَزْمُ: الإقْدامُ عَلى الأمْرِ بَعْدَ الرَّوِيَّةِ والفِكْرَةِ، قالَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الفَرّاءِ؛ آياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى الجانِي النّادِمِ، وآياتُ مَدْحِ الِانْتِصارِ عَلى المُصِرِّ، وذَلِكَ إنَّما يُحْمَدُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَمامِ النُّصْرَةِ كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإخْوَتِهِ
﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وقالَ: فَعَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ مِنها المَوْقِفُ الأعْظَمُ الَّذِي وقَفَهُ يَوْمَ الفَتْحِ عِنْدَ بابِ الكَعْبَةِ وقالَ لِقُرَيْشٍ وهم تَحْتَهُ كالغَنَمِ المَطِيرَةِ: «ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ قالُوا: خَيْرًا، أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، قالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ»، ورَوى أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَلَمّا رَدَّ عَلَيْهِ قامَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (p-٣٤١)ثُمَّ قالَ: ”يا أبا بَكْرٍ ! ثَلاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ ما مِن عَبْدٍ ظَلَمَ مَظْلَمَةً فَعَفى عَنْها لِلَّهِ إلّا أعَزَّ اللهُ بِها نَصْرَهُ، وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِها صِلَةً إلّا زادَهُ اللهُ بِها كَثْرَةً وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ مَسْألَةٍ يُرِيدُ بِها كَثْرَةً إلّا زادَهُ اللهُ بِها قِلَّةً“» .
الشورى 42:44
ولَمّا بانَ في هَذا الكَلامِ المُقْتَصِرِ عَلى الصَّبْرِ والجامِعِ إلَيْهِ الغَفْرِ والمُقْتَضِي بِالنَّصْرِ أدْرَجَهم كُلَّهم في دائِرَةِ الحَقِّ، أتْبَعَهُ مَن خَرَجَ عَنْ تِلْكَ الدّائِرَةِ، فَقالَ مُخْبِرًا أنَّ ما شاءَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ عَطْفًا عَلى نَحْوِ: فَمَن يَهْدِي اللهُ لِلْوُقُوفِ عِنْدَ هَذِهِ الحُدُودِ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ، مُبَيِّنًا بِلَفْظِ الضَّلالِ أنَّ ما شَرَعَهُ مِنَ الطَّرِيقِ في غايَةِ الوُضُوحِ لا يَزِيغُ عَنْهُ أحَدٌ إلّا بِطَرْدٍ عَظِيمٍ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ إضْلالًا واضِحًا بِما أفادَهُ الفَكُّ بِعَدَمِ البَيانِ أوْ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِمُطْلَقِ الصَّبْرِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ الِاقْتِصارُ عَلى أخْذِ الحَقِّ وبِتَأْخِيرِ الحَقِّ إلى وقْتٍ وبِالعَفْوِ وبِالغَفْرِ.
ولَمّا كانَ الضّالُّ عَنْ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَجْبُولًا عَلى الشَّرِّ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهُ﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ يَتَوَلّى (p-٣٤٢)أمْرَهُ في الهِدايَةِ بِالبَيانِ لِما أخْفاهُ اللهُ عَنْهُ أوِ التَّوْفِيقُ لِما بَيَّنَهُ لَهُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ مُعامَلَةِ اللهِ لَهُ مُعامَلَةَ البَعِيدِ مَن وكَلَهُ إلى نَفْسِهِ وغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ في شَيْءٍ مِن زَمانِ البُعْدِ ولَوْ قَلَّ.
ولَمّا كانَ مَبْنى أمْرِ الضّالِّ عَلى النَّدَمِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، قالَ عاطِفًا عَلى نَحْوٍ: فَتَرى الظّالِمِينَ قَبْلَ رُؤْيَةِ العَذابِ في غايَةِ الجَبَرُوتِ والبَطَرِ والتَّكْذِيبِ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَهم لِذَلِكَ لا يَرْجُونَ حِسابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا: ﴿وتَرى﴾ وقالَ: ﴿الظّالِمِينَ﴾ مَوْضِعُ ”وتَراهُمْ“ لِبَيانِ أنَّ الضّالَّ لا يَضَعُ شَيْئًا في مَوْضِعِهِ، ولَمّا كانَ عَذابُهم حَتْمًا، عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي فَقالَ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيِ المَعْلُومَ مَصِيرُ الظّالِمِ إلَيْهِ رُؤْيَةٌ مُحِيطَةٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ يَتَمَنَّوْنَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا لِتَدارُكِ ما فاتَ مِنَ الطّاعاتِ المُوجِبَةِ لِلنَّجاةِ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ مُكَرِّرِينَ مِمّا اعْتَراهم مِنَ الدَّهَشِ وغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الوَجَلِ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ﴾ أيْ رَدٍّ إلى دارِ العَمَلِ وزَمانُهُ مُخَلِّصٌ مِن هَذا العَذابِ ﴿مِن سَبِيلٍ﴾
الشورى 42:45
ولَمّا أثْبَتَ رُؤْيَتَهُمُ العَذابَ، أثْبَتَ دُنُوَّهم مِن مَحَلِّهِ وبَيْنَ حالِهِمْ في ذَلِكَ الدُّنُوِّ فَقالَ: ﴿وتَراهُمْ﴾ أيْ يا أكْمَلَ الخَلْقِ ويا أيُّها المُتَشَوِّفُ (p-٣٤٣)إلى العِلْمِ بِحالِهِمْ بِعَيْنِكَ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُ عَرْضَهم ويُكَرِّرُ، وهو إلْجاؤُهم إلى أنْ يُقارِنُوها بِعَرْضِهِمُ الَّذِي يُلْزِمُ مُحاذاتِهِمْ لَها أيْضًا بِطُولِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّها مَصِيرُهم فَلا مانِعَ لَها مِنهم ﴿عَلَيْها﴾ أيِ النّارِ الَّتِي هي دارُ العَذابِ مُكَرِّرًا عَرْضَهم في طُولِ المَوْقِفِ مَعَ ما هم فِيهِ مِن تِلْكَ الأهْوالِ بِمُقاساةِ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْمالِ الثِّقالِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ في غايَةِ الضَّعَةِ والإلْقاءِ بِاليَدِ خُشُوعًا هو ثابِتٌ لَهم.
ولَمّا كانَ الخُشُوعُ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا قالَ: ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ لِأنَّهم عَرَفُوا إذْ ذاكَ ذُنُوبُهم وانْكَشَفَتْ لَهم عَظْمَةُ مَن عَصَوْهُ.
ولَمّا كانَ الذُّلُّ ألْوانًا، صَوَّرَهُ بِأقْبَحِ صُورَةٍ فَقالَ مُعَبِّرًا بِلَفْظِ النَّظَرِ الَّذِي هو مُماسَّةُ البَصَرِ لِظاهِرِ المُبْصِرِ: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرَهُمُ المُتَكَرِّرَ ﴿مِن طَرْفٍ﴾ أيْ تَحْرِيكٍ لِلْأجْفانِ ﴿خَفِيٍّ﴾ يَعْرِفُ فِيهِ الذُّلَّ لِأنَّهُ لا يَكادُ مِن عَدَمِ التَّحْدِيقِ يَظُنُّ أنَّهُ يَطْرِفُ لِأنَّهم يُسارِقُونَ النَّظَرَ مُسارَقَةً كَما تَرى الإنْسانَ يَنْظُرُ إلى المَكارِهِ، والصَّبُورَ يَنْظُرُ (p-٣٤٤)إلى السَّيْفِ الَّذِي جُرِّدَ لَهُ فَهو بِحَيْثُ لا يُحَقِّقُ مَنظُورًا إلَيْهِ، بَلْ رُبَّما تَخَيَّلَهُ بِأعْظَمِ مِمّا هو عَلَيْهِ. ولَمّا صَوَّرَ حالَهم وكانَ مِن أفْظَعِ الأشْياءِ وأقْطَعِها لِلْقُلُوبِ شَماتَةُ العَدُوِّ، قالَ مُبَشِّرًا لِجَمِيعِ أصْنافِ أهْلِ الإيمانِ ورادِعًا لِأهْلِ الكُفْرانِ: ﴿وقالَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ الأعْظَمِ عَلى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ لَهم والتَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ سَواءٌ كانَ إيقاعُهم لَها في أدْنى الرُّتَبِ أوْ أعْلاها عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم عَلى هَذا الحالِ، مُؤَكِّدِينَ لِتَحْقِيقِ مَقالِهِمْ عِنْدَ مَن قَضى بِضَلالِهِمْ والإعْلامِ بِما لَهم مِنَ السُّرُورِ بِصَلاحِ حالِهِمْ، والحَمْدُ لِمَن مَنَّ عَلَيْهِمْ بِحِسِّ مُنْقَلَبِهِمْ ومَآلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا في الدُّنْيا لِما غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ عِنْدَما تَحَقَّقُوا هَذِهِ المَواعِظَ: ﴿إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ كَمُلَتْ خَسارَتُهم هم خاصَّةً ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِما اسْتَغْرَقَها مِنَ العَذابِ ﴿وأهْلِيهِمْ﴾ بِمُفارَقَتِهِمْ لَهم إمّا في إطْباقِ العَذابِ إنْ كانُوا مِثْلَهم في الخُسْرانِ أوْ في دارِ الثَّوابِ إنْ كانُوا مِن أهْلِ الإيمانِ. (p-٣٤٥)ولَمّا أخْبَرَ بِخَسارَتِهِمْ بَيْنَ ظَرْفِها تَهْوِيلًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِهَذا القَوْلِ وهو أرْدَعُ لِمَن لَهُ مَسْكَةٌ لِأنَّ مَن جَوَّزَ أنْ يَخْسَرَ وأنَّ عَدُوَّهُ يَطَّلِعُ عَلى خَسارَتِهِ ويَظْهَرُ الشَّماتَةَ بِهِ، كانَ جَدِيرًا بِأنْ يَتْرُكَ السَّبَبَ الحامِلَ عَلى الخَسارَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِي هو يَوْمُ فَوْتِ التَّدارُكِ لِأنَّهُ لِلْجَزاءِ لا لِلْعَمَلِ لِفَواتِ شَرْطِهِ بِفَواتِ الإيمانِ بِالغَيْبِ لِانْكِشافِ الغِطاءِ. ولَمّا كانَ هَذا نِهايَةَ الخَسارَةِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُنادِيًا ذاكِرًا سَبَبَ هَذِهِ الخَسارَةِ المُعَيَّنَةِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الظّالِمِينَ لَها وإنْ كانَ مَن تَتِمَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ هُناكَ، فالتَّأْكِيدُ مَعَ ما يُفِيدُ الإخْبارُ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ مِن رَدْعِ المُنْكِرِ لِلْإعْلامِ بِما لَهم مِنَ اللَّذَّةِ فِيما رَأوْا مِن سُوءِ حالِهِمْ وتَقَطُّعِ أوْصالِهِمْ ورَجائِهِمْ مِن أنْ يَنْقَطِعَ عَنْهم ذَلِكَ كَما يَنْقَطِعُ عَنْ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في هَذا الوَصْفِ فَهم بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ فِعْلِ الماشِي في الظَّلامِ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ لا يُزايِلُهم أصْلًا، فَلِذَلِكَ لا يَفْرَغُونَ مِنهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَلِذَلِكَ كانَ خُسْرانُهم لِكُلِّ شَيْءٍ.
الشورى 42:46
ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن وقَعَ في ورْطَةٍ وجَدَ في الأغْلَبِ ولِيًّا يَنْصُرُهُ أوْ سَبِيلًا يُنَجِّيهِ، قالَ عاطِفًا عَلى﴿وتَراهُمْ﴾ [الشورى: ٤٥] أوْ ”(p-٣٤٦)ألا إنَّ“: ﴿وما كانَ﴾ أيْ صَحَّ ووَجَدَ ﴿لَهُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ فَما لَهم مِن ولِيٍّ لِأنَّ النُّصْرَةَ إذا انْتَفَتْ مِنَ الجَمْعِ انْتَفَتْ مِنَ الواحِدِ مِن بابِ الأوْلى.
ولَمّا كانَ مَن يَفْعَلُ فِعْلَ القَرِيبِ لا يُفِيدُ إلّا إنْ كانَ قادِرًا عَلى النُّصْرَةِ قالَ: ﴿يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أيْ يُوجِدُونَ نَصْرَهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لا في الدُّنْيا بِأنْ يَقْدِرُوا عَلى إنْقاذِهِمْ مِن وصْفِ الظُّلْمِ ولا في الآخِرَةِ بِإنْقاذِهِمْ مِمّا جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ. ولَمّا كانَ اللهُ تَعالى يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ بِواسِطَةٍ أوْ غَيْرِها قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ ذَلِكَ وما اسْتَقامَ بِوَجْهٍ بِغَيْرِهِ، وأمّا هو فَيَصِحُّ ذَلِكَ مِنهُ ويَسْتَقِيمُ لَهُ لِإحاطَتِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ ولَوْ أرادَ لَفَعَلَ ولَمّا بَيَّنَ ما لَهم بَيَّنَ ما لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ كائِنًا مَن كانَ، فَقالَ بِناءً عَلى نَحْوِ: لِأنَّهُ هو الَّذِي أضَلَّهُمْ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ يُوجَدُ ضَلالُهُ إيجادًا بَلِيغًا بِما أفادَهُ الفَكُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِعَدَمِ البَيانِ لَهُ أوْ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ بَعْدَ البَيانِ: ﴿فَما لَهُ﴾ بِسَبَبِ إضْلالٍ لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ تَنْجِيَةٍ مِنَ الضَّلالِ ولا مِمّا تَسَبَّبَ عَنْهُ مِنَ العَذابِ.
الشورى 42:47
ولَمّا كانَ (p-٣٤٧)هَذا، أنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أيِ اطْلُبُوا الإجابَةَ وأوْجِدُوها، ولَفَتَ القَوْلَ إلى الوَصْفِ الإحْسانِيِّ تَذْكِيرًا بِما يُحِثُّ عَلى الوِفاقِ، ويَخْجَلُ مِنَ الخِلافِ والشِّقاقِ، فَقالَ: ﴿لِرَبِّكُمْ﴾ الَّذِي لَمْ تَرَوْا إحْسانًا إلّا وهو مِنهُ فِيما دَعاكم إلَيْهِ بِرَسُولِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الوَفاءِ بِعَهْدِهِ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ولا تَكُونُوا مِمَّنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَتَكُونُوا مِمَّنْ عَلِمَ أنَّهُ أضَلَّهُ فانْسَدَّ عَلَيْهِ السَّبِيلُ.
ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ الفَوْتِ مُوجِبًا لِلْمُبادَرَةِ، قالَ مُشِيرًا بِالجارِّ إلى أنَّهُ يُعْتَدُّ بِأدْنى خَيْرٍ يَكُونُ في أدْنى زَمَنٍ يَتَّصِلُ بِالمَوْتِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ أيْ يَكُونُ فِيهِ ما لا يُمْكِنُ مَعَهُ فَلاحٌ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ لافِتًا إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِأوْصافِ الإحْسانِ والإنْعامِ عَلى المُطِيعِينَ والقَهْرِ والِانْتِقامِ مِنَ العاصِينَ: ﴿لا مَرَدَّ﴾ أيْ لا رَدَّ ولا مَوْضِعَ رَدٍّ ولا زَمانَ رَدٍّ ﴿لَهُ﴾ كائِنٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرَدٌّ مِنهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرَدٌّ مِن غَيْرِهِ، ومَتى عُدِمَ ذاكَ أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ مَكانٍ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحِصْنٍ تَتَحَصَّنُونَ فِيهِ مِن شَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، وزادَ في التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ النّافِي وما في حَيِّزِهِ إبْلاغًا في التَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ (p-٣٤٨)أيْ مِن إنْكارٍ يُمَكِّنُكم بِهِ مِنَ النَّجاةِ لِأنَّ الحَفَظَةَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكم فَإنْ صَدَقْتُمُوهم وإلّا شَهِدَتْ عَلَيْكم أعْضاؤُكم وجُلُودُكُمْ، ولا لَكم مِن أحَدٍ يُنْكِرُ شَيْئًا مِمّا تَتَجاوَزُونَ بِهِ لِيُخَلِّصَكم مِنهُ.
الشورى 42:48
ولَمّا أنْهى ما قَدَّمَهُ في قَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣] نِهايَتُهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ وعَلى كُلِّ ما قادَتْهُ الحِكْمَةُ في حَيِّزِهِ حَتّى لَمَّ يَبْقَ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَهْدِيدِهِمْ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ وتَسْلِيَةَ رَسُولِهِمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيْ عَنْ إجابَةِ هَذا الدُّعاءِ الَّذِي وجَبَتْ إجابَتُهُ والشَّرْعُ الَّذِي وضَّحَتْ وصَحَّتْ طَرِيقَتُهُ بِما تَأيَّدَ بِهِ مِنَ الحُجَجِ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ دَفْعًا لِما قَدْ يُوهِمُ الإرْسالَ مِنَ الحاجَةِ فَقالَ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ نَقْهَرُهم عَلى امْتِثالِ ما أرْسَلْناكَ بِهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ. فَأعْرَضَ عَنْ غَيْرِ إبْلاغِهِمْ لِأنّا إنَّما أرْسَلْناكَ مُبَلِّغًا، وُضِعَ مَوْضِعُهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ لِما أرْسَلْناكَ بِهِ، وأمّا الهِدايَةُ والإضْلالُ فَإلَيْنا. (p-٣٤٩)ولَمّا ضَمِنَ لِهَذِهِ الآيَةِ ما أرْسَلَهُ لَهُ، أتْبَعَهُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ بَيانًا لِأنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا حُكْمَ لَهُ عَلى الطِّباعِ وأنَّ الَّذِي عَلَيْهِ إنَّما هو الإسْماعُ لا السَّماعُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما قَبْلَ آيَةِ الشَّرْعِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٢] حاكِيًا لَهُ في أُسْلُوبِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَمّا هو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُعْرِضَ عَنْهُ عاقِلٌ، وإيماءٌ إلى أنَّ الإنْسانَ لِغَلَبَةِ جَهْلِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ يَجْتَرِئُ بِأدْنى تَأْنِيسٍ عَلى مَن تُجَسَّدُ الجِبالُ لِعَظَمَتِهِ وتَنْدَكُّ الشَّوامِخُ مِن هَيْبَتِهِ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لا يُمْكِنُ مُخالَفَتُها. ولَمّا كانَ مَن يَفْرَحُ بِالنِّعْمَةِ عِنْدَ انْفِرادِهِ بِها مَذْمُومًا، عَبَّرَ بِالجِنْسِ الصّالِحِ لِلْواحِدِ فَما فَوْقَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَبْعَ الإنْسانِ عَدَمُ الِاهْتِمامِ بِشَدائِدِ الإخْوانِ إلّا مَن أقامَهُ اللهُ في مَقامِ الإحْسانِ فَقالَ: ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ بِما جَبَلْناهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ بِالعَجَلَةِ وعَدَمِ التَّمالُكِ ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ نَوْعًا مِن أنْواعِ الإكْرامِ مِن صِحَّةٍ (p-٣٥٠)أوْ غِنًى ونَحْوِ ذَلِكَ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا مِن نَفْسِهِ ولَوْ كانَ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وكَذا عَبَّرَ بِالإنْسانِ فَقالَ: ﴿فَرِحَ بِها﴾ أيْ ولَوْ أنَّ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم في نِقْمَةٍ وبُؤْسٍ وعَمًى فَأخْرَجَهُ الفَرَحُ عَنْ تَأمُّلِ ما يَنْفَعُهُ لِيَشْكُرَ، فَكانَ ذَلِكَ لِذَلِكَ كافِرًا لِلنِّعْمَةِ لِأنَّهُ أبْدَلَ الشُّكْرَ بِالفَرَحِ والكُفْرَ فَتَوَصَّلَ بِالعافِيَةِ إلى المُخالَفَةِ، فَأوْقَعَ نَفْسَهُ في أعْظَمِ البَلاءِ.
ولَمّا دَلَّ بِأداةِ التَّحَقُّقِ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ هي الأصْلُ لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ، وأنَّها سَبَقَتْ غَضَبَهُ، دَلَّ عَلى أنَّ السَّيِّئَةَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِأداةِ الشَّكِّ والمُضارِعِ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾ ولَمّا كانَتِ المُشارَكَةُ في الشَّدائِدِ تُهَوِّنُ المَصائِبَ، فَكانَ مَن يَزِيدُ غَمَّهُ بِخُصُوصِ مُصِيبَتِهِ عِنْدَ العُمُومِ مَذْمُومًا، نَبَّهَ عَلى نَقْصِ الإنْسانِ بِذَلِكَ بِالجَمْعِ فَقالَ: ﴿تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ نِقْمَةٌ وبَلاءٌ وشِدَّةٌ. ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ فَضْلًا مِنهُ، أعْلَمَهم أنَّ السَّيِّئَةَ مُسَبِّبَةٌ عَنْهم فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ الجُمْلَةِ لِأنَّ أكْثَرَ العَمَلِ بِها. ولَمّا كانَ الجَوابُ عَلى نَهْجِ الأوَّلِ: حَزِنُوا فَكَفَرُوا، وعَدَلَ عَنْهُ إلى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مَوْضِعُ الكُفْرانِ، (p-٣٥١)ولَمّا كانُوا يَدْعُونَ الشُّكْرَ ويُنْكِرُونَ الكُفْرَ، أكَّدَ قَوْلَهُ وسَبَّبَ عَنْ تِلْكَ الإصابَةِ والإذاقَةِ مَعًا إشارَةً إلى أنَّهُ لا أصْلَ لَهُ غَيْرُهُما، فَقالَ مُظْهِرًا مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِيَنُصَّ عَلى الحُكْمِ عَلى الجِنْسِ مِن حَيْثُ هُوَ: ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ أيِ الآنِسَ بِنَفْسِهِ المُعْرِضَ عَنْ غَيْرِهِ بِما هو طَبْعٌ لَهُ بِسَبَبِ مَسِّهِ بِضُرٍّ ﴿كَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ لِلنِّعَمِ نَسّاءً لَهُ، يَنْسى بِأوَّلِ صَدْمَةٍ مِنَ النِّقْمَةِ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ النِّعَمِ، ولا يَعْرِفُ إلّا الحالَةَ الرّاهِنَةَ، فَإنْ كانَ في نِعَمِهِ أشَرٌ وبَطَرٌ، وإنْ كانَ في نِقَمِهِ أيْسٌ وقَنَطٌ، وهَذا حالُ الجِنْسِ مِن حَيْثُ هُوَ، ومَن وفَّقَهُ اللهُ جَنَّبَهُ ذَلِكَ كَما قالَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”المُؤْمِنُ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ“ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلْمُؤْمِنِ،» والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الفَرَحِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الحُزْنِ ثانِيًا، وذِكْرُ الكُفْرانِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.
الشورى 42:49
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ في عالَمِ (p-٣٥٢)الخَلْقِ بِالأجْسامِ المَرْئِيَّةِ وفي عالِمِ الأمْرِ بِالأرْواحِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ القائِمَةِ بِالأبْدانِ والمُدَبِّرَةِ لِلْأدْيانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن بَدِيعِ الشَّأْنِ، فَقالَ في افْتِتاحِ السُّورَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣] وأتْبَعَهُ أشْكالَهُ إلى أنْ قالَ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] الآيَةُ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ [الشورى: ١١] - الآيَةُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشورى: ١٢] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] - الآيَةُ،
﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] - الآيَةُ إلى أنْ ذَكَرَ أحْوالَ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ﴾ [الشورى: ٤٤] - الآياتُ، وخَتَمَ بِتَصَرُّفِهِ المُطْلَقِ في الإنْسانِ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ، وما لَهُ مِنَ الطَّبْعِ المُعْوَجِّ مَعَ ما وهَبَهُ لَهُ مِنَ العَقْلِ المُقَيَّمِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ مُلْكًا ومَلَكُوتًا خَلْقًا وأمْرًا، أتْبَعُهُ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ تَصَرُّفَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُلْكِ والقَهْرَ إيجادًا وإعْدامًا إهانَةً وإكْرامًا، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ الَّتِي (p-٣٥٣)مِن حَقِّها دَوامُ الخُضُوعِ وإهْلاكِ الجَبابِرَةِ إلى أعْظَمَ مِنها بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِمَظْهَرِ العَظَمَةِ ومَقامِ اللُّطْفِ والإحْسانِ والرَّحْمَةِ نَتِيجَةً لِكُلِّ ما مَضى: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾ كُلُّها عَلى عُلُوِّها وارْتِفاعِها وتَطابُقِها وكِبَرِها وعِظَمِها وتَباعُدِ أقْطارِها ﴿والأرْضِ﴾ جَمِيعُها عَلى تَبايُنِها وتَكاثُفِها واخْتِلافُ أقْطارِها وسُكّانِها واتِّساعِها.
ولَمّا أخْبَرَ بِانْفِرادِهِ بِالمُلْكِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ اخْتِيارِ العِبادِ، ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما يُشاهِدُ مِن حالِ النّاسِ فَإنَّهُ لِما اسْتَوى البَشَرُ في الإنْسانِيَّةِ والنِّكاحِ الَّذِي هو سَبَبُ الوِلادَةِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُ أوْلادِهِمْ. كانَ ذَلِكَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ لا اخْتِيارَ لِأحَدٍ مَعَهُ وأنَّ الأسْبابَ لا تُؤَثِّرُ أصْلًا إلّا بِهِ. ولَمّا كانَتْ وِلادَةُ الإناثِ أدَلُّ عَلى عَدَمِ اخْتِيارِ الوَلَدِ وكانُوا يَعُدُّونَهُ مِنَ البَلاءِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها قَدَّمَهُنَّ في الذِّكْرِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ﴾ خَلْقًا ومَوْلِدًا ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أوْلادًا (p-٣٥٤)﴿إناثًا﴾ أيْ فَقَطْ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذِكْرٌ كَما في لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ الأوْهامَ العادِيَّةَ قَدْ تَكْتَنِفُ العَقْلَ فَتَحْجُبُهُ عَنْ تَأمُّلِ مَحاسِنِ التَّدْبِيراتِ الإلَهِيَّةِ، وتَرْمِي بِهِ في مُهاوِي الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَيَقَعُ المُسْلِمُ مَعَ إسْلامِهِ في مُضاهاةِ الكُفّارِ في كَراهَةِ البَناتِ وفي وادِي الوَأْدِ بِتَضْيِيعِهِنَّ أوِ التَّقْصِيرِ في حُقُوقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُنْثى نِعْمَةٌ، وأنَّ نِعْمَتَها لا تَنْقُصُ عَنْ نِعْمَةِ الذَّكَرِ ورُبَّما زادَتْ، وإيقاظًا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ وإنْ كانَ لِما قَدَّمَتْهُ لا يُقَدِّمُ تَأْنِيسًا وتَوْصِيَةً لَهُنَّ واهْتِمامًا بِأمْرِهِنَّ، نَقَلَ ابْنُ مَيْلَقٍ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّ واثِلَةَ بْنَ الأسْقَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: مَن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ، ولِذَلِكَ رَغَّبَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الإحْسانِ إلَيْهِنَّ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أجَرًا كَبِيرًا ولِأجْلِ تَضْمِينِ الهِبَةِ مَعَ الخَلْقِ عَداها بِاللّامِ مَعَ أنَّ فِعْلَها مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ الوَلَدَ كانَ لِغَيْرِ الوالِدِ ووَهَبَهُ اللهُ لَهُ. (p-٣٥٥)ولَمّا كانَ الذَّكَرُ حاضِرًا في الذِّهْنِ لِشَرَفِهِ ومَيْلِ النَّفْسِ إلَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ ذَكَرَ بِهِ ذِكْرَ الإناثِ، عَرَّفَ لِذَلِكَ وجَبْرًا لِما فَوَّتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ في الذَّكَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ما أخَّرَ إلّا لَمّا ذَكَرَ مِنَ المَعْنى فَقالَ: ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ أيْ فَقَطْ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ أُنْثى كَما صَنَعَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو عَمُّ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشورى 42:50
ولَمّا فَرَغَ مِنَ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَطَفَ عَلَيْهِما قَسِيمًا لَهُما ودَلَّ عَلى أنَّهُ قَسَّمَ بِأوْ فَقالَ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أيِ الأوْلادُ بِجَعْلِهِمُ أزْواجًا أيْ صِنْفَيْنِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾ مُجْتَمِعَيْنِ في بَطْنٍ ومُنْفَرِدَيْنِ كَما مَنَحَ مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَتَّبَهُما هُنا عَلى الأصْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ما فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فِيما مَضى إلّا لِنُكَتٍ جَلِيلَةٍ فَيَجِبُ تَطَلُّبُها، وعَبَّرَ في الذِّكْرِ بِما هو أبْلَغُ في الكَثْرَةِ تَرْغِيبًا في سُؤالِهِ، والخُضُوعِ لَدَيْهِ رَجاءَ نُوالِهِ.
ولَمّا فَرَغَ مِن أقْسامِ المَوْهُوبِينَ الثَّلاثَةِ، عَطَفَ عَلى الإنْعامِ بِالهِبَةِ سَلْبَ ذَلِكَ، فَقالَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ مَثَلًا: ولا يَهَبُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِمَن (p-٣٥٦)يَشاءُ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ أيْ لا يُولَدُ لَهُ كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذا قالُوهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ مِثالًا فَإنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ، قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ، وأصْلُ العَقِيمِ اليُبْسُ المانِعُ مِن قابِلِيَّةِ التَّأثُّرِ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤَثِّرَ، والدّاءُ العِقامُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ البُرْءَ - انْتَهى. فَهَذا الَّذِي ذَكَرَ أصْرَحَ في المُرادِ لِأجْلِ ذِكْرِ العُقْمِ، وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ لِأنَّ شامِلَ لِمَن لَهُ قُوَّةُ الجِماعِ والإنْزالِ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّ عَدَمَ الوَلَدِ لِعَدَمِ تَعاطِي أسْبابِهِ، وذَكَرُوا في هَذا القِسْمِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولا يَصِحُّ لِأنَّهُ ورَدَ أنَّهُ يَتَزَوَّجُ بَعْدَ نُزُولِهِ ويُولَدُ لَهُ، وهَذِهِ القِسْمَةُ الرُّباعِيَّةُ في الأُصُولِ كالقِسْمَةِ الرُّباعِيَّةِ في الفُرُوعِ، بَعْضُهم لا مَن ذَكَرَ ولا أُنْثى كَآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَعْضُهم مِن ذَكَرٍ فَقَطْ كَحَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ، وبَعْضُهم مِن أُنْثى فَقَطْ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْضُهم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وهو أغْلَبُ النّاسِ، فَتَمَّتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ ما شاءَ كانَ ولا رادَّ لَهُ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولا مُكَوِّنَ لَهُ ولا مانِعَ أعْطى ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ.
ولَمّا دَلَّ هَذا الدَّلِيلُ الشُّهُودِيُّ عَلى ما بُنِيَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ مِن إثْباتِ المُلْكِ لَهُ وحْدَهُ مَعَ ما زادَتْ بِهِ مِن جِنْسِ السِّياقِ وعُذُوبَةِ الألْفاظِ (p-٣٥٧)وإحْكامُ الشَّكِّ وإعْجازُ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ، كانَتِ النَّتِيجَةُ قَطْعًا لِتَضَمُّنِ إشْراكِهِمْ بِهِ الطَّعْنَ في تَوَحُّدِهِ بِالمُلْكِ مُقَدِّمًا فِيها الوَصْفَ الَّذِي هو أعْظَمُ شُرُوطِ المُلْكِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِمَصالِحِ العِبادِ وغَيْرِها ﴿قَدِيرٌ﴾ شامِلُ القُدْرَةِ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
الشورى 42:51
ولَمّا تَمَّ القَسَمُ الأوَّلُ مِمّا بَنى عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ، والقُدْرَةُ فِيهِ أظْهَرُ وِفاقًا لِما خُتِمَتْ بِهِ الآيَةُ، وكانَ قَدْ يَكُونُ خَلْقُهُ إيّاهُ إبْداعًا مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ، وقَدْ يَكُونُ بِتَوْسِيطِ سَبَبٍ، أتْبَعَهُ القَسَمُ الآخَرُ الأعْلى الَّذِي العِلْمُ فِيهِ أظْهَرُ وهو الوَحْيُ الَّذِي خُتِمَتْ آيَتُهُ أوَّلَ السُّورَةِ بِالحِكْمَةِ الَّتِي هي سِرُّ العِلْمِ وقَسَمُهُ أيْضًا إلى ما هو بِواسِطَةٍ وإلى ما هو بِغَيْرِ واسِطَةٍ ولَكِنْ سِرَّ التَّقْدِيرِ في القَسَمِ الأوَّلِ الكَلامِ وهو الَّذِي شَرُفَ بِهِ وكانَ لا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَتَكَلَّمَ إلّا بِتَكْلِيمِ اللهِ لَهُ أيْ إيجادُهُ الكَلامَ في قَلْبِهِ قالَ: ﴿وما﴾ أيْ وهو سُبْحانَهُ تامُّ العِلْمِ شامِلُ القُدْرَةِ غَرَزَ في البَشَرِ غَرِيزَةَ العِلْمِ وأقْدَرَهُ عَلى النُّطْقِ بِهِ بِقُدْرَتِهِ وحْيًا مِنهُ إلَيْهِ كَما أوْحى إلى النَّحْلِ ونَحْوِها والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ لِبَشَرٍ﴾ مِنَ الأقْسامِ المَذْكُورَةِ، وحَلَّ المَصْدَرَ الَّذِي هو اسْمُ ”كانَ“ لِيَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ فَقالَ: ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ﴾ (p-٣٥٨)وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ إعْظامًا لِلْوَحْيِ وتَشْرِيفًا لِمِقْدارِهِ بِجَلالَةِ إيثارِهِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ يُوجَدُ المَلِكُ الأعْظَمُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ في قَلْبِهِ كَلامًا ﴿إلا وحْيًا﴾ أيْ كَلامًا خَفِيًّا يُوجِدُهُ فِيهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ بِوَجْهٍ خَفِيٍّ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا بِخارِقِ العادَةِ إمّا بِإلْهامٍ أوْ بِرُؤْيا مَنامٍ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ سَواءٌ خَلَقَ اللهُ في المُكَلِّمِ بِهِ قُوَّةَ السَّماعِ لَهُ وهو أشْرَفُ هَذِهِ الأقْسامِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مَعَ الرُّؤْيَةِ لِيَكُونَ قَسِيمًا لِما بَعْدَهُ أوَّلًا أوْ يَخْلُقُ فِيهِ ذَلِكَ ومِن هَذا القَسَمِ الأخِيرِ ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فصلت: ١٢] فَإنَّ إيداعَها القُوى الَّتِي يَحْصُلُ بِها المَنافِعُ مِثْلَ إيداعِ الإنْسانِ قُوَّةَ الكَلامِ ثُمَّ قُوَّةَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ - واللهُ أعْلَمُ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ القاضِي عِياضٍ في الشِّفاءِ في آخِرِ الفَصْلِ الثّانِي مِنَ البابِ الرّابِعِ في الإعْجازِ: وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا﴾ الآيَةُ أيْ ما يُلْقِيهِ في قَلْبِهِ دُونَ واسِطَةٍ، ومَعْنى قَوْلِ الإمامِ شِهابِ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيِّ في البابِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن عَوارِفِهِ: والعُلُومِ اللَّدُنْيَّةِ (p-٣٥٩)فِي قُلُوبِ المُنْقَطِعِينَ إلى اللهِ ضَرْبٌ مِنَ المُكالَمَةِ.
ولَمّا كانَ الحِجابُ الحِسِّيُّ يُخْفِي ما وراءَهُ عَنِ العِيانِ، اسْتُعِيرَ لِمُطْلَقِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿أوْ مِن﴾ أيْ كَلامًا كائِنًا بِلا واسِطَةٍ، لَكِنَّهُ مَعَ السَّماعِ لَعِينِ كَلامِ اللهِ كائِنٌ صاحِبَهُ مِن ﴿وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ مِن وجْهٍ لا يُرى فِيهِ المُتَكَلِّمُ مَعَ السَّماعِ لِلْكَلامِ عَلى وجْهِ الجَهْرِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والمَحْجُوبُ العَبْدُ لا الرَّبُّ، والحِجابُ أنْ يَخْلُقَ في مَحَلِّ الرُّؤْيَةِ ضِدُّ الرُّؤْيَةِ، وتَعالى اللهُ أنْ يَكُونَ مِن وراءِ حِجابٍ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الأجْسامِ - انْتَهى.
والآيَةُ يُمْكِنُ تَنْزِيلُها عَلى الِاحْتِباكِ بِأنْ يَكُونَ ذِكْرُ الحِجابِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِ أوَّلًا، وذِكْرُ الوَحْيِ الدّالِّ عَلى الخَفاءِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الجَهْرِ ثانِيًا، والحِجابُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الرُّؤْيَةِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنْ تَرْكَ التَّصْرِيحِ والدَّلالَةِ عَلَيْها بِالحِجابِ أوْلى بِسِياقِ العَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ الَّذِي بَلا واسِطَةٍ مَعَ كَوْنِهِ أخْفى الأقْسامِ لَيْسَ فِيهِ صَوْتٌ ولا تَرَتَّبَ في كَلِماتٍ، عَبَّرَ فِيهِ بِالمَصْدَرِ وعَبَّرَ بِما يُلْقِيهِ المَلِكُ بِما يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ فَقالَ: ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى المَصْدَرِ بَعْدَ تَقْدِيرِ حَلِّهِ ﴿رَسُولا﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ. ولَمّا كانَ الوَحْيُ مُسَبِّبًا (p-٣٦٠)عَنِ الإرْسالِ ومُرَتِّبًا عَلَيْهِ قالَ: ﴿فَيُوحِيَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والتَّرْتِيبِ، وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعٍ يُرْسِلُ ويُوحِي بِتَقْدِيرِ: أوْ هو يُرْسِلُ. ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ لِلْواسِطَةِ فِعْلًا يَخْرُجُ عَنْ فِعْلِهِ، رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِإقْدارِهِ وتَمْكِينِهِ، فَذَلِكَ المَبْلَغُ إنَّما هو آلَةٌ. ولَمّا كانَ رَسُولُهُ لا يَخْرُجُ عَمّا حَدَّهُ لَهُ بِوَجْهٍ قالَ: ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ لا يَتَعَدّى مُرادَهُ وإقْدارَهُ أصْلًا فَهو المُكَلِّمُ في الحَقِيقَةِ وقَدْ بانَ أنَّها ثَلاثَةُ أقْسامٍ: أوَّلُها فِيهِ قَسَمانِ، خُصَّ الأوَّلُ بِقَسَمَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِ الوَحْيِ لِأنَّهُ كَما مَرَّ أخْفاها وهو أيْضًا يَقَعُ دُفْعَةً، والوَحْيُ يَدُورُ مَعْناهُ عَلى الخَفاءِ والسُّرْعَةِ.
ولَمّا كانَتِ الأقْسامُ دالَّةً عَلى العَظَمَةِ الباهِرَةِ، وكانَتْ لِلرُّوحِ البَدَنِيِّ لِأنَّ رُوحُ الوَحْيِ يُكْسِبُ الرُّوحَ البَدَنِيَّ حَياةَ العِلْمِ كَما أفادَ الرُّوحُ البَدَنَ حَياةَ الحَرَكَةِ بِالإرادَةِ والحِسِّ، كانَتِ النَّتِيجَةُ مُؤَكَّدَةٌ لِتَضَمُّنِ طَعْنِهِمْ في الرَّسُولِ والقُرْآنِ والتَّوْحِيدِ طَعْنِهِمْ في مَضْمُونِ الجُمْلَةِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذا التَّصَرُّفُ العَظِيمُ في هَذا الوَحْيِ الكَرِيمِ ﴿عَلِيٌّ﴾ أيْ بالِغُ العُلُوِّ حَدًّا مِمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ وبِما يَكُونُ لِلْخَلْقِ عَنْ جَنابِهِ مِنَ السُّفُولِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَجْبِ فَلا يَلْبَسُ شَيْءٌ مِمّا يُعَبِّرُ (p-٣٦١)بِهِ تَقْرِيبًا لِلْعُقُولِ فَيَحْمِلُ عَلى ما يُوهِمُ نَقْصًا، فَإنَّ المَجازاتِ في لِسانِ العَرَبِ شَهِيرَةٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُتْقِنُ ما يَفْعَلُهُ إتْقانًا لا تُحِيطُ العُقُولُ بِإدْراكِهِ فَيَسْكُنُ رُوحُ العِلْمِ الَّذِي هو مِن ألْطَفِ أسْرارِهِ في رُوحِ البَدَنِ المُدَبِّرِ لَهُ فَيَكُونُ سِرًّا في سِرٍّ كَما كانَ بِرًّا بَعْدَ بِرٍّ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ تارَةً بِواسِطَةٍ وتارَةً بِغَيْرِ واسِطَةٍ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ، ويُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ مَعْنًى بِما يَقْتَضِيهِ حالُهُ في ذَلِكَ السِّياقِ، ومَهْما أوْهَمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نَقْصًا فَرَدَّ المُسْتَبْصِرَ إلى المُحْكَمِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الشّائِعُ مِنَ اسْتِعْمالاتٍ رَجَعَ رُجُوعًا بَيِّنًا مُتْقَنًا بِحَيْثُ يَصِيرُ في غايَةِ الجَلاءِ.
الشورى 42:52
ولَمّا كانَ الوَحْيُ رُوحًا مُدَبَّرًا لِلرُّوحِ كَما أنَّ الرُّوحَ مُدَبِّرٌ لِلْبَدَنِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ما أخْبَرْناكَ بِالكَيْفِيّاتِ الَّتِي نُوحِيها إلى عِبادِنا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لِما أوْحى إلَيْهِ وأفاضَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِ عَلى جَمِيعِ تِلْكَ الأقْسامِ، فالتَفَّتْ في الرَّوْعِ مَذْكُورًا غَيْرَ مَنكُورٍ، والسَّماعُ مِن دُونِ الحِجابِ أصْلًا مَنقُولٌ في الإخْبارِ عَنْ لَيْلَةِ المِعْراجِ ومَعْقُولٌ في السَّماعِ مِن وراءِ الحِجابِ أيْضًا ذَكَرَ فِيها في قَوْلِهِ: «أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي» والوَحْيُ بِواسِطَةِ المُلْكِ كَثِيرًا جِدًّا، وأعْظَمَ الوَحْيَ وشَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا لَهُ تَعْظِيمًا (p-٣٦٢)لِما عِنْدَهُ مِنَ الرُّوحِ الأمْرِيِّ بِإفادَةِ أنَّ هَذا الكِتابَ الَّذِي أبْكَمَ الفُصَحاءَ وأعْجَزَ البُلَغاءَ وحَيَّرَ الألْبابَ مِنَ الحُكَماءِ شُعْبَةٌ مِنهُ وذَرَّةٌ بارِزَةٌ عَنْهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ وإجْلالٍ وتَكْرِيمٍ ﴿رُوحًا﴾ أيْ مَن خالَطَهُ صارَ قَلْبُهُ حَيًّا ومَن عُرِّيَ عَنْهُ كانَ قَلْبُهُ مَيِّتًا. وزادَ عِظَمُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِنا﴾ أيْ بِجَعْلِهِ مِن قِسْمِ الأمْرِ وإظْهارِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَيا لَهُ مِن عُلُوٍّ يَتَضاءَلُ دُونَهُ كُلُّ شامِخٍ ويَتَحاقَرُ إكْبارًا لَهُ كُلُّ مادِحٍ، والمُرادُ بِهَذا رَدُّ ما تَقَدَّمَ مَن نَسَبْتَهم لَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الِافْتِراءِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِهِ بَلْ فَتَحَهُ بِيَدِ القُدْرَةِ وأحْياهُ بِرُوحِ الوَحْيِ فَأنْطَقَهُ بِالحِكَمِ الَّتِي خَضَعَتْ لَها الحُكَماءُ، وأقَرَّتْ بِالعَجْزِ عَنْ إدانَتِها ألْبابُ العُلَماءِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، نافِيًا مُبَيِّنًا حالَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ هَذا الوَحْيِ: ﴿ما كُنْتَ﴾ أيْ فِيما قَبْلَ الأرْبَعِينَ الَّتِي مَضَتْ لَكَ وأنْتَ بَيْنَ ظَهَرانِيِّ قَوْمِكَ مُساوِيًا لَهم في كَوْنِكَ لا تَعْلَمُ شَيْئًا ولا تَتَفَوَّهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وهو مَعْنى ﴿تَدْرِي﴾ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى أنَّ ما بَعْدَها مِمّا يَجِبُ الِاهْتِمامُ بِهِ والسُّؤالُ عَنْهُ، وعَلَّقَ بِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ الدِّرايَةَ عَنِ العَمَلِ وسَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الدِّرايَةِ ﴿ما الكِتابُ﴾ أيْ (p-٣٦٣)ما كانَ في جِبِلَّتِكَ أنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ بِأدْنى أنْواعِ العِلْمِ بِمُجادَلَةٍ ولا غَيْرِها ﴿ولا الإيمانُ﴾ أيْ بِتَفْصِيلِ الشَّرائِعِ عَلى ما حَدَّدْناهُ لَكَ بِما أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مُقِرًّا بِوَحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ الرُّسُلَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّهادَةَ لَهُ نَفْسُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرِّسالَةِ رَكَنَ الإيمانَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وكَذا المَلائِكَةُ واليَوْمُ الآخِرُ فَيَصِحُّ نَفْيُ المَنفِيِّ لِفَواتِهِ بِفَواتِ جُزْئِهِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: ولَكِنَّ نَحْنُ أدْرَيْناكَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، عَبَّرَ عَنْهُ إعْلامًا بِأنَّ الخَلْقَ كانُوا في ظَلامٍ لِكَوْنِهِمْ كانُوا يَفْعَلُونَ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها فِعْلُ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أيِ الرُّوحِ الَّذِي هو الكِتابُ المُنَزَّلُ مِنّا إلَيْكَ المُعْلِمَ بِالإيمانِ وكُلُّ عِرْفانٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نُورًا نَهْدِي﴾ عَلى عَظَمَتِنا ﴿بِهِ مَن نَشاءُ﴾ خاصَّةً لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى هِدايَتِهِ بِغَيْرِ مَشِيئَتِنا ﴿مِن عِبادِنا﴾ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَمَن رَزَقَهُ الفَرْقانَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَشابِهاتِ والنُّورُ الَّذِي يَمْشِي بِهِ في الظُّلُماتِ، فَذَلِكَ الَّذِي أبْصَرَ شُعاعَ النُّورِ وشاهَدَ الضِّياءِ المَبْثُوثَ في العالَمِ المَفْطُورِ، وعَلى قَدْرِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ (p-٣٦٤)والتَّفَرُّغِ عَنْ كُلِّ شاغِلٍ عَنْهُ يَكُونُ قَبُولُهُ لَهُ وهِدايَتُهُ بِهِ، وقالَ الأصْبَهانِيُّ في سُورَةِ النُّورِ: هو الكَيْفِيَّةُ الفائِضَةُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ مَثَلًا عَلى الأرْضِ والجِدارِ وغَيْرِهِما، يُقالُ: اسْتَنارَتِ الأرْضُ، وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ لِأنَّ المَرْئِيّاتِ تَصِيرُ بِسَبَبِها ظاهِرَةً ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ كَما يَتَوَقَّفُ إدْراكُ هَذِهِ المَرْئِيّاتِ عَلى كَوْنِها مُسْتَنِيرَةً فَكَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ العَيْنِ الباصِرَةِ وهي المُدْرِكَةُ وبِها الإدْراكُ، فَكانَ وصْفُ الإظْهارِ بِالنُّورِ الباصِرِ أحَقَّ بِالنُّورِ المُبْصِرِ فَلا جَرَمَ أطْلَقُوا اسْمَ النُّورِ عَلى نُورِ العَيْنِ المُبْصِرَةِ فَقالُوا في الخُفّاشِ: إنَّ نُورَ عَيْنَيْهِ ضَعِيفٌ، وفي الأعْمى أنَّهُ فَقَدَ نُورَ البَصَرِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْإنْسانِ بَصَرٌ وبَصِيرَةٌ، فالبَصَرُ هو العَيْنُ الظّاهِرَةُ المُدْرِكَةُ لِلْأضْواءِ والألْوانِ والبَصِيرَةُ هي القُوَّةُ العاقِلَةُ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي نُورًا، ونُورُ العَقْلِ أقْوى وأشَدُّ مِن نُورِ العَيْنِ، لِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ نَفْسَها ولا إدْراكَها ولا آلاتَها، والقُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ نَفْسَها، وإدْراكُها (p-٣٦٥)وآلَتُها فَنُورُ العَقْلِ أكْمَلُ مِن نُورِ البَصَرِ، والقُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ والقُوَّةُ الباصِرَةُ لا تُدْرِكُها، وإدْراكُ الكُلِّيّاتِ أشْرَفُ مِنهُ لا يَتَغَيَّرُ بِخِلافِ الجُزْئِيّاتِ، وإدْراكُ العَقْلِ مُنْتَجٌ وإدْراكُ الجُزْئِيِّ غَيْرُ مُنْتَجٍ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ لا تُدْرَكُ إلّا السَّطْحُ الظّاهِرُ مِنَ الجِسْمِ واللَّوْنُ القائِمُ بِذَلِكَ السَّطْحِ بِشَرْطِ الضَّوْءِ فَإذا أدْرَكَتِ الإنْسانَ لَمْ تُدْرِكْ مِنهُ إلّا السَّطْحَ الظّاهِرَ مِن جِسْمِهِ واللَّوْنِ القائِمِ بِهِ، والقُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ ظاهِرَ الأشْياءِ وباطِنَها فَإنَّ الباطِنَ والظّاهِرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى السَّواءِ فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ نُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى الظّاهِرِ والباطِنِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ ظُلْمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الباطِنِ، ومُدْرِكُ القُوَّةِ العاقِلَةِ هو اللهُ وصِفاتُهُ وأفْعالُهُ، ومُدْرِكُ القُوَّةِ هو الألْوانُ والأشْكالُ فَيَكُونُ نِسْبَةَ شَرَفِ القُوَّةِ العاقِلَةِ إلى شَرَفِ القُوَّةِ الباصِرَةِ كَنِسْبَةِ شَرَفِ ذاتِ اللهِ إلى شَرَفِ الألْوانِ والأشْكالِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ كالخادَمِ والقُوَّةُ العاقِلَةُ كالأمِيرِ، والأمِيرُ أشْرَفُ مِنَ الخادِمِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ قَدْ تَغْلَطُ والقُوَّةُ العاقِلَةُ لا تَغْلَطُ، فَثَبَتَ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أكَمُلُ وأقْوى وأشْرَفُ مِنَ الإدْراكِ البَصَرِيِّ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي الظُّهُورَ الَّذِي هو أشْرَفُ خَواصِّ النُّورِ، فَكانَ الإدْراكُ العَقْلِيُّ أوْلى بِكَوْنِهِ نُورًا، والإدْراكُ العَقْلِيُّ قِسْمانِ: أحَدُهُما واجِبُ الحُصُولِ (p-٣٦٦)عِنْدَ سَلامَةِ القُوى والآلاتِ وهي التَّعَقُّلاتُ الفِطْرِيَّةُ، والثّانِي ما يَكُونُ مُكْتَسَبًا، وهي التَّعَقُّلاتُ النَّظَرِيَّةُ، ولا يَكُونُ مِن لَوازِمِ جَوْهَرِ الإنْسانِ لِأنَّهُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا البَتَّةَ، فَهَذِهِ الأنْوارُ إنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ فَلا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ، والفِطْرَةُ الإنْسانِيَّةُ قَدْ يَعْتَرِيها الزَّيْغُ فَلا بُدَّ مِن هادٍ ومُرْشِدٍ، ولا مُرْشِدَ فَوْقَ كَلامِ اللهِ وأنْبِيائِهِ، فَتَكُونُ مَنزِلَةُ آياتِ القُرْآنِ عِنْدَ عَيْنِ العَقْلِ مَنزِلَةَ نُورِ الشَّمْسِ كَما يُسَمّى نُورُ الشَّمْسِ نُورًا فَنُورُ القُرْآنِ يُشْبِهُ نُورَ الشَّمْسِ ونُورُ العَقْلِ يُشْبِهُ نُورَ العَيْنِ، وبِهَذا يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْـزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وإذا ثَبَتَ أنَّ بَيانَ الرَّسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْوى مِن نُورِ الشَّمْسِ وجَبَ أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ القُدْسِيَّةُ أعْظَمَ في النُّورانِيَّةِ مِنَ الشَّمْسِ كَما أنَّ الشَّمْسَ في عالَمِ الأجْسامِ تُفِيدُ النُّورَ لِغَيْرِها ولا تَسْتَفِيدُ مِن غَيْرِها فَكَذا نَفْسُ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ لِسائِرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ولا تَسْتَفِيدُ النُّورَ العَقْلِيَّ مِن شَيْءٍ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، فَلِذَلِكَ وصَفَ اللهُ الشَّمْسَ بِأنَّها سِراجٌ، ووَصَفَ مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهُ سِراجٌ، ثُمَّ قالَ: ولِمَراتِبِ الأنْوارِ في (p-٣٦٧)عالَمِ الأرْواحِ مِثالٌ، وهو أنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى القَمَرِ ثُمَّ دَخَلَ في كُوَّةِ بَيْتٍ ووَقَعَ عَلى مِرْآةٍ مَنصُوبَةٍ عَلى حائِطٍ ثُمَّ انْعَكَسَ مِنهُ إلى طَشْتٍ مَمْلُوءٍ ماءٍ مَوْضُوعٍ عَلى الأرْضِ ثُمَّ انْعَكَسَ مِنهُ إلى سَقْفِ البَيْتِ فالنُّورُ الأعْظَمُ في الشَّمْسِ الَّتِي هي المَعْدِنُ، وثانِيها في القَمَرِ، وثالِثُها في المِرْآةِ، ورابِعُها في الماءِ، وخامِسُها في السَّقْفِ، وكُلُّ ما كانَ أقْرَبُ إلى المَعْدِنِ كانَ أقْوى فَكَذا الأنْوارُ السَّماوِيَّةُ لَمّا كانَتْ مُتَرَتِّبَةً لا جَرَمَ كانَ النُّورُ المُفِيدُ أشَدَّ إشْراقًا، ثُمَّ تِلْكَ الأنْوارُ لا تَزالُ مُتَرَتِّبَةً حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النُّورِ الأعْظَمِ والرُّوحُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأرْواحِ مَنزِلَةً عِنْدَ اللهِ الَّذِي هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ سُفْلِيَّةٌ كانَتْ كَأنْوارِ النِّيرانِ أوْ عُلْوِيَّةً كَأنْوارٍ فَإنَّها مُمْكِنَةٌ لِذَواتِها والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ لِذاتِهِ بَلْ وُجُودُهُ مِن غَيْرِهِ، والعَدَمُ هو الظُّلْمَةُ والوُجُودُ هو النُّورُ، فَكُلُّ ما سِوى اللهِ مُظْلِمٌ لِذاتِهِ مُسْتَنِيرٌ بِإنارَةِ اللهِ تَعالى، وكَذا جَمِيعُ مَعارِفِها وجُودُها حاصِلٌ مِن وُجُودِ اللهِ تَعالى فَإنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أظْهَرَها (p-٣٦٨)بِالوُجُودِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ العَدَمِ، وأفاضَ عَلَيْها أنْوارَ المَعارِفِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ الجَهالَةِ، فَلا ظُهُورَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِإظْهارِهِ، وخاصَّةً النُّورُ إعْطاءُ الإظْهارِ والتَّجَلِّي والِانْكِشافِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ النُّورَ المُطْلَقَ هو اللهُ سُبْحانَهُ وإنَّ إطْلاقَ النُّورِ عَلى غَيْرِهِ مَجازٌ، وكُلُّ ما سِوى اللهِ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ مَحْضَةٌ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مُمْكِنٌ عَدَمٌ مَحْضٌ بَلِ الأنْوارُ إذا نَظَرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هي هي فَهي ظُلُماتٌ لِأنَّها مِن حَيْثُ هي هي مُمْكِناتٌ، والمُمْكِنُ مِن حَيْثُ هو هو مَعْدُومٌ، والمَعْدُومُ مُظْلِمٌ، فالنُّورُ إذا نَظَرَ مِن حَيْثُ هو مُمْكِنٌ مُظْلِمٌ، فَأمّا إذا التَفَتَ إلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ أفاضَ عَلَيْها نُورَ الوُجُودِ بِهَذا الِاعْتِبارِ صارَتْ أنْوارًا فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو النُّورُ وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ لَيْسَ بِنُورٍ، وأضافَ النُّورَ إلى الخافِقَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] لِأنَّهُما مَشْحُونَتانِ بِالأنْوارِ العَقْلِيَّةِ والأنْوارِ الحِسِّيَّةِ، أمّا الحِسِّيَّةُ فَما نُشاهِدُهُ في السَّماواتِ مِنَ الكَواكِبِ وغَيْرِها، وفي الأرْضِ مِنَ الأشِعَّةِ المُنْبَسِطَةِ عَلى سُطُوحِ الأجْسامِ حَتّى ظَهَرَتْ بِها الألْوانُ المُخْتَلِفَةُ، ولَوْلاها (p-٣٦٩)لِما كانَ لِلْألْوانِ ظُهُورٌ بَلْ وُجُودٌ، وأمّا الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ فالعالَمُ الأعْلى مَشْحُونٌ بِها وهي جَواهِرُ المَلائِكَةِ، والعالَمُ الأدْنى مَشْحُونٌ بِها وهي القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ والإنْسانِيَّةُ، وبِالنُّورِ الإنْسانِيِّ السُّفْلِيِّ ظَهَرَ نِظامُ العالَمِ الأسْفَلِ كَما أنَّهُ بِالنُّورِ المَلَكِيِّ ظَهَرَ نِظامُ العالَمِ العُلْوِيِّ وإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ العالَمَ بِأسْرِهِ مَشْحُونٌ بِالأنْوارِ البَصَرِيَّةِ الظّاهِرَةِ والعَقْلِيَّةِ الباطِنَةِ، ثُمَّ عَرَفْتَ أنَّ السُّفْلِيَّةَ فائِضَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَيَضانُ النُّورِ مِنَ السِّراجِ والسِّراجُ هو الرُّوحُ النَّبَوِيُّ ثُمَّ إنَّ الأنْوارَ القُدْسِيَّةَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ اقْتِباسَ السِّراجِ مِنَ النُّورِ وإنَّ العَلَوِيّاتِ مُقْتَبَسَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ وإنَّ بَيْنَها تَرْتِيبًا في الغاياتِ، ثُمَّ تَرْتَقِي جُمْلَتُها إلى نُورِ الأنْوارِ ومَعْدَنُها ومَنبَعُها الأوَّلُ، وذَلِكَ هو اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإذا الكُلُّ نُورُهُ، ثُمَّ قالَ: قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ القُوى المُدْرَكَةَ أنْوارٌ.
ومَراتِبُ القُوَّةِ المُدْرَكَةِ الإنْسانِيَّةِ خَمْسَةٌ، أحَدُهُما القُوَّةُ الحَسّاسَةُ وهي الَّتِي تَتَلَقّى ما تُورِدُهُ الحَواسُّ الخَمْسُ، وكَأنَّها أصْلُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ إذْ بِها يَصِيرُ الحَيَوانُ حَيَوانًا، وهي مَوْجُودَةٌ لِلصَّبِيِّ والرَّضِيعِ وثانِيها القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ وهي الَّتِي تُسَبِّبُ ما أوْرَدَتْهُ الحَواسُّ وتَحْفَظُهُ مَخْزُونًا (p-٣٧٠)عِنْدَها لِتَعَرُّضِهِ عَنِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وثالِثُها القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ المُدْرِكَةُ لِلْحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ، ورابِعُها القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ وهي الَّتِي تَأْخُذُ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ فَتُؤَلِّفُها تَأْلِيفًا تَسْتَنْتِجُ مِنهُ عِلْمًا بِالمَجْهُولِ، وخامِسُها القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الأنْبِياءُ وبَعْضُ الأوْلِياءِ، وتَنْجَلِي فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ، وإلَيْهِ أشارَ قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ الآيَةُ، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ القُوى فَهي بِجُمْلَتِها أنْوارٌ إذْ بِها تَظْهَرُ أصْنافُ المَوْجُوداتِ، وهَذِهِ المَراتِبُ الخَمْسُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُها بِالأُمُورِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ في المِشْكاةِ والزُّجاجَةِ والمِصْباحِ والشَّجَرَةِ والزَّيْتِ، أمّا الرُّوحُ الحَسّاسُ فَإذا نَظَرْتَ إلى خاصَّتِهِ وجَدْتَ أنْوارَهُ خارِجَةً مَن ثُقْبٍ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ والمِنخَرَيْنِ، فَأرْفَقُ مِثالٍ لَهُ مِن عالَمِ الأجْسامِ المِشْكاةُ، وأمّا الثّانِي وهو الرُّوحُ الخَيالِيُّ فَلَهُ خَواصٌّ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ أنَّهُ مِن طِينَةِ العالَمِ السُّفْلِيِّ الكَثِيفِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَخَيِّلَ ذُو شَكْلٍ وحَيِّزٍ، ومِن شَأْنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ أنْ تَحْجُبَ عَنِ الأنْوارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ، والثّانِي أنَّ هَذا الخَيالَ الكَثِيفَ إذا صَفا ورَقَّ صارَ مُوازِنًا لِلْمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ ومُؤَدِّيًا لِأنْوارِها، ولِذَلِكَ يَسْتَدِلُّ المُعَبِّرُ بِالصُّوَرِ (p-٣٧١)الخَيالِيَّةِ عَلى المَعانِي العَقْلِيَّةِ كَما يَسْتَدِلُّ بِالشَّمْسِ عَلى المُلْكِ، وبِالقَمَرِ عَلى الوَزِيرِ، وبِخَتْمِ فُرُوجِ النّاسِ وأفْواهِهِمْ عَلى الآذانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، والثّالِثُ أنَّ الخَيالَ في البِدايَةِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ لِتَضْبُطَ بِهِ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ ولا تَضْطَرِبَ، وأنْتَ لا تَجِدُ شَيْئًا في الأجْسامِ يُشْبِهُ الخَيالَ في هَذِهِ الصِّفاتِ إلّا الزُّجاجَةُ فَإنَّها في الأصْلِ مِن جَوْهَرٍ كَثِيفٍ ولَكِنْ صَفا ورَقَّ حَتّى صارَ لا يَحْجُبُ نُورَ المِصْباحِ بَلْ يُؤَدِّيهِ عَلى وجْهِهِ ثُمَّ يَحْفَظُهُ مِنَ الِانْطِفاءِ بِالزُّجاجِ، وأمّا الثّالِثُ وهو القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ الماهِيّاتِ الكُلِّيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَلا يَخْفى عَلَيْكَ وجْهُ تَمْثِيلِهِ بِالمِصْباحِ، وأمّا الرّابِعُ وهو القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ فَمِن خاصِّيَّتِها أنَّها تَأْخُذُ ماهِيَّةً واحِدَةً ثُمَّ تُقَسِّمُها إلى قِسْمَيْنِ كَقَوْلِنا: المَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَجْعَلُ كُلَّ قِسْمٍ قِسْمَيْنِ، وهَكَذا إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى ما لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، ثُمَّ تَنْتَهِي بِالآخِرَةِ إلى نَتائِجَ هي ثَمَرَتُها، فَبِالحَرِيِّ أنْ يَكُونَ مِثالُهُ مِن هَذا العالَمِ الشَّجَرَةَ وإذا كانَتْ ثِمارُها مادَّةً لِتَزايُدِ أنْوارِ المَعارِفِ وبَيانِها فَبِالحَرِيِّ أنْ لا تُمَثَّلَ بِشَجَرَةِ السَّفَرْجَلِ والتُّفّاحِ بَلْ بِشَجَرَةِ الزَّيْتُونِ خاصَّةً لِأنَّ لُبَّ ثَمَرَتِها هو الزَّيْتُ الَّذِي هو مادَّةُ المَصابِيحِ ولَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأدْهانِ خاصَّةً زِيادَةُ الإشْراقِ وقِلَّةُ الدُّخانِ، وإذا كانَتِ الماشِيَةُ الَّتِي يَكْثُرُ دَرُّها ونَسْلُها (p-٣٧٢)والشَّجَرَةُ الَّتِي تَكْثُرُ ثَمَرَتُها تُسَمّى مُبارَكَةً فالَّتِي لا نِهايَةَ لِمَنفَعَتِها وثَمَرَتِها أوْلى أنْ تُسَمّى شَجَرَةً مُبارَكَةً، وإذا كانَتْ شُعَبُ الأفْكارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ لَواحِقِ الأجْسامِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ لا تَكُونَ شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً، وأمّا الخامِسُ وهو القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَهي في نِهايَةِ الشَّرَفِ والصَّفاءِ، فَإنَّ القُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلى ما تَحْتاجُ إلى تَعْلِيمٍ وإلى ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا بُدَّ مِن وُجُودِ هَذا القَسَمِ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فَبِالحَرِيِّ أنَّ يُعَبِّرَ عَنْ هَذا القَسَمِ لِكَمالِهِ وصِفاتِهِ بِأنَّهُ يَكادُ زَيْتُهُ يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمَسَّهُ نارٌ، فَهَذا المِثالُ مُوافِقٌ لِهَذِهِ الأقْسامِ، وهَذِهِ الأنْوارُ مُرَتَّبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فالحِسُّ هو الأوَّلُ وهو كالمُقَدِّمَةِ لِلْخَيالِ، والخَيالُ كالمُقَدِّمَةِ لِلْعَقْلِ - انْتَهى كَلامُ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى عَنْ نَقْلِ الأصْفَهانِيِّ في تَفْسِيرِهِ عَنْهُ - واللهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ المَعْنى بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن صِفَةِ الرُّوحِ الإلَهِيِّ: فَهَدَيْناكَ بِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أيْ تُبَيِّنُ وتُرْشِدُ، وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ ﴿إلى صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ واضِحٍ جِدًّا، وإنْ (p-٣٧٣)عانَيْتَ في البَيانِ مَشَقَّةً بِنَفْسِكَ وبِالوَسائِطِ بِما أفادَتْهُ التَّعْدِيَةُ بِ ”إلى“ فَيُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَهْدِي لِلصِّراطِ بِدُونِ ذَلِكَ مِنَ العِنايَةِ لِمَن يَسَّرَ اللهُ أمْرَهُ ويُهْدِي الصِّراطَ لِمَن هو أعْظَمُ تَوْفِيقًا مِن ذَلِكَ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ شَدِيدِ التَّقَوُّمِ لِأنَّهُ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُقَوِّمَ نَفْسَهُ فَهو بَعْدَ وُجُودِ تَقَوُّمِهِ حافِظٌ لَها مِن أدْنى خَلَلٍ، وهو كُلُّ ما دَعا إلَيْهِ مِن خِصالِ هَذا الدِّينِ الحَنِيفِ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ قَوْلُهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلِّ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ لافِتًا القَوْلَ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ إشارَةً إلى جَلالَةِ هَذا الصِّراطِ بِما فِيهِ مِن مَجامِعِ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا:
الشورى 42:53
﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ مالِكٌ لِما افْتَتَحَ هَذا الكَلامَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ مُلْكُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيْ هو جَمِيعُ السَّماواتِ الَّتِي هي في عَرْشِهِ والأرْضِ لِأنَّها في السَّماواتِ وما في ذَلِكَ مِنَ المَعانِي والأعْيانِ ﴿وما في الأرْضِ﴾
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ المُخْتَرِعُ لِجَمِيعِ الأشْياءِ والمالِكُ لِعالَمَيِ الغَيْبِ (p-٣٧٤)والشَّهادَةِ والخَلْقِ والأمْرِ وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالعَظَمَةِ كُلِّها، وكانَ مَرْكُوزًا في العُقُولِ مَغْرُوزًا في الفِطَرِ أنَّ مَنِ ابْتَدَأ شَيْئًا ولَيْسَ لَهُ كُفُوءً قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وأنْ يَكُونَ مَرْجِعُ أمْرِهِ كُلِّهِ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كانَتْ نَتِيجَةُ جَمِيعِ ما مَضى عَلى سَبِيلِ المُناداةِ عَلى المُنْكِرِينَ لِذَلِكَ وعْدًا ووَعِيدًا لِأهْلِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِناءً عَلى ما تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ما ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ ونَحْنُ نَرى لِغَيْرِهِ أشْياءَ كَثِيرَةً تُضافُ إلَيْهِ ويُوقَفُ تَصْرِيفُها والتَّصَرُّفُ فِيها عَلَيْهِ: ﴿ألا إلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّذِي تَعالى عَنْ مَثَلٍ أوْ مُدانٍ وهو الكَبِيرُ المُتَعالِي، لا إلى أحَدٍ غَيْرُهُ ﴿تَصِيرُ﴾ أيْ عَلى الدَّوامِ وإنْ كانَتْ في الظّاهِرِ في مُلْكِ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ مُلْكَها مُسْتَقِرٌّ لَهُ، قالَ أبُو حَيّانَ: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ أيْ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ: ﴿الأُمُورُ﴾ أيْ كُلُّها مِنَ الخَلْقِ والأمْرِ مَعْنًى وحِسًّا خَفِيًّا في الدُّنْيا بِما نَصَبَ مِنَ الحُكّامِ وجَعَلَ بَيْنَ النّاسِ مِنَ الأسْبابِ، وجَلِيًّا فِيما وراءَها حَيْثُ قَطَعَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ (p-٣٧٥)وحْدَهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ العَلِيُّ العَظِيمُ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها، وانْعَطَفَ مَفْصِلُها عَلى مُوصِلِها، واتَّصَلَ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ في الوَحْيِ الهادِي في أوَّلِ الزُّخْرُفِ عَلى أتَمِّ عادَةٍ لِهَذا الكِتابِ المُنِيرِ مِنَ اتِّصالِ الخَواتِمِ فِيهِ بِالبَوادِي والرَّوائِحِ بِالغَوادِي - واللهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الزخرف 43:1
(p-٣٧٦)سُورَةُ الزخرف
مَقْصُودُها البِشارَةُ بِإعْلاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالعَقْلِ والحِكْمَةِ حَتّى يَكُونُوا أعْلى الأُمَمِ في العِلْمِ وما يَنْشَأُ عَنْهُ شَأْنًا لِأنَّ هِدايَتَهم بِأمْرٍ لَدُنْيٍّ هو مِن أغْرَبِ الغَرِيبِ الَّذِي هو لِلْخَواصِّ، فَهو في الرُّتْبَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الغَرابَةِ وأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا بُدَّ لَهم مِنهُ وإنِ اشْتَدَّتْ نَفْرَتُهم مِنهُ وإعْراضُهم عَنْهُ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَتّى تَكُونُوا أهْلًا لِلْجَنَّةِ وفِيهِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ، ولَمْ يَقُلْ: وهم وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِالزُّخْرُفِ لِما في آيَتِها مِن أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يَعُمَّ الكُفْرُ جَمِيعَ النّاسِ لَعَمَّهم بِسُبُوغِ النِّعَمِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَعُمُّهم بِذَلِكَ، بَلْ فاوَتَ بَيْنَهم فَأفْقَرَ بَعْضَهم وأكْثَرَ بُؤْسَهم وضُرَّهم وفَرَّقَ أمْرَهُمْ، لِيَسْهُلَ رَدُّهم عَنِ الكُفْرِ الَّذِي أدَّتْهم إلَيْهِ طَبائِعُهم وحُظُوظُهم ونَقائِصُهم بِما يَشْهَدُونَ مِن قَباحَةِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ إلى ما يَرَوْنَهُ مِن مَحاسِنِ الدِّينِ والإيمانِ، ولَذَّةِ الخُضُوعِ لِلْمَلِكِ الدَّيّانِ، فَتُخْضِعُ لَهُمُ المُلُوكَ والأعْيانَ، ويَصِيرُ لَهُمُ الفَرْقانُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ العِصْيانِ (بِسْمِ اللهِ ) الَّذِي لَهُ مَقالِيدُ الأُمُورِ كُلِّها فَهو (p-٣٧٧)يُعْلِي مَن شاءَ وإنْ طالَ سُفُولُهُ (الرَّحْمَنُ ) الَّذِي نالَ بِرَّهُ جَمِيعُ خَلْقِهِ عَلى حَسَبِ مَنازِلِهِمْ عِنْدَهُ (الرَّحِيمُ ) الَّذِي يَقْبَلُ بِمَن شاءَ إلى ما يُقَرِّبُهُ لَدَيْهِ زُلْفى وإنْ وصَلَ في البُعْدِ إلى الحَدِّ الأقْصى
* *
﴿حم﴾ حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ الَّتِي أوْحاها اللهُ إلَيْهِ.
ولَمّا قَدَّمَ آخِرَ تِلْكَ أنَّهُ جَعَلَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُورًا يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ، وكانَ قَدْ تَقَرَّرَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ ما لَهُ مِنَ الجَلالَةِ بِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وخَتَمَ بِأنَّهُ لا أمْرَ يَخْرُجُ عَنْهُ سُبْحانَهُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَرُدُّهم عَنْ غَيِّهِمْ وكانُوا يَمْكُرُونَ أنْ يَرْجِعُوا، فاقْتَضى الحالُ غايَةَ التَّأْكِيدِ، وكانَ إقْسامُ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ إعْلامًا بِجَلالَةِ ما فِيها مِنَ الحُكْمِ وتَنْبِيهًا عَلى النَّظَرِ فِيما أوْدَعَها مِنَ الأسْرارِ الَّتِي أهَّلَها لِلْإقْسامِ بِها، افْتَتَحَ هَذِهِ بِتَعْظِيمِ هَذا الوَحْيِ بِالإقْسامِ بِهِ حَثًّا عَلى تَدَبُّرِ ما فِيهِ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي أوْجَبَتْ أنْ يَكُونَ قِسْمًا ثُمَّ تَعْظِيمُ أثَرِهِ.
فَقالَ: ﴿والكِتابِ﴾ (p-٣٧٨)أيْ وإعْجازُ هَذا الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ عَظَمَتِهِ ﴿المُبِينِ﴾ أيِ البَيِّنُ في نَفْسِهِ، المُبَيِّنُ لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ العَظْمَةِ والشَّرائِعِ والسُّنَنِ، واللَّطائِفِ والمَعارِفِ والمِنَنِ، بَيانًا عَظِيمًا شافِيًا.
الزخرف 43:2
(p-٣٧٦)سُورَةُ الزخرف
مَقْصُودُها البِشارَةُ بِإعْلاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالعَقْلِ والحِكْمَةِ حَتّى يَكُونُوا أعْلى الأُمَمِ في العِلْمِ وما يَنْشَأُ عَنْهُ شَأْنًا لِأنَّ هِدايَتَهم بِأمْرٍ لَدُنْيٍّ هو مِن أغْرَبِ الغَرِيبِ الَّذِي هو لِلْخَواصِّ، فَهو في الرُّتْبَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الغَرابَةِ وأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا بُدَّ لَهم مِنهُ وإنِ اشْتَدَّتْ نَفْرَتُهم مِنهُ وإعْراضُهم عَنْهُ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ حَتّى تَكُونُوا أهْلًا لِلْجَنَّةِ وفِيهِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ، ولَمْ يَقُلْ: وهم وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِالزُّخْرُفِ لِما في آيَتِها مِن أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يَعُمَّ الكُفْرُ جَمِيعَ النّاسِ لَعَمَّهم بِسُبُوغِ النِّعَمِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَعُمُّهم بِذَلِكَ، بَلْ فاوَتَ بَيْنَهم فَأفْقَرَ بَعْضَهم وأكْثَرَ بُؤْسَهم وضُرَّهم وفَرَّقَ أمْرَهُمْ، لِيَسْهُلَ رَدُّهم عَنِ الكُفْرِ الَّذِي أدَّتْهم إلَيْهِ طَبائِعُهم وحُظُوظُهم ونَقائِصُهم بِما يَشْهَدُونَ مِن قَباحَةِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ إلى ما يَرَوْنَهُ مِن مَحاسِنِ الدِّينِ والإيمانِ، ولَذَّةِ الخُضُوعِ لِلْمَلِكِ الدَّيّانِ، فَتُخْضِعُ لَهُمُ المُلُوكَ والأعْيانَ، ويَصِيرُ لَهُمُ الفَرْقانُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ العِصْيانِ (بِسْمِ اللهِ ) الَّذِي لَهُ مَقالِيدُ الأُمُورِ كُلِّها فَهو (p-٣٧٧)يُعْلِي مَن شاءَ وإنْ طالَ سُفُولُهُ (الرَّحْمَنُ ) الَّذِي نالَ بِرَّهُ جَمِيعُ خَلْقِهِ عَلى حَسَبِ مَنازِلِهِمْ عِنْدَهُ (الرَّحِيمُ ) الَّذِي يَقْبَلُ بِمَن شاءَ إلى ما يُقَرِّبُهُ لَدَيْهِ زُلْفى وإنْ وصَلَ في البُعْدِ إلى الحَدِّ الأقْصى
* *
﴿حم﴾ حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ الَّتِي أوْحاها اللهُ إلَيْهِ.
ولَمّا قَدَّمَ آخِرَ تِلْكَ أنَّهُ جَعَلَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُورًا يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ، وكانَ قَدْ تَقَرَّرَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ ما لَهُ مِنَ الجَلالَةِ بِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وخَتَمَ بِأنَّهُ لا أمْرَ يَخْرُجُ عَنْهُ سُبْحانَهُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَرُدُّهم عَنْ غَيِّهِمْ وكانُوا يَمْكُرُونَ أنْ يَرْجِعُوا، فاقْتَضى الحالُ غايَةَ التَّأْكِيدِ، وكانَ إقْسامُ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ إعْلامًا بِجَلالَةِ ما فِيها مِنَ الحُكْمِ وتَنْبِيهًا عَلى النَّظَرِ فِيما أوْدَعَها مِنَ الأسْرارِ الَّتِي أهَّلَها لِلْإقْسامِ بِها، افْتَتَحَ هَذِهِ بِتَعْظِيمِ هَذا الوَحْيِ بِالإقْسامِ بِهِ حَثًّا عَلى تَدَبُّرِ ما فِيهِ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي أوْجَبَتْ أنْ يَكُونَ قِسْمًا ثُمَّ تَعْظِيمُ أثَرِهِ.
فَقالَ: ﴿والكِتابِ﴾ (p-٣٧٨)أيْ وإعْجازُ هَذا الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ عَظَمَتِهِ ﴿المُبِينِ﴾ أيِ البَيِّنُ في نَفْسِهِ، المُبَيِّنُ لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ العَظْمَةِ والشَّرائِعِ والسُّنَنِ، واللَّطائِفِ والمَعارِفِ والمِنَنِ، بَيانًا عَظِيمًا شافِيًا.
الزخرف 43:3
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَرْجِعُوا بِهِ عَمّا هم فِيهِ، وأنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أكَّدَ ما يُكَذِّبُهم مِن قَوْلِهِ فِيما مَضى آخِرُ الشُّورى أنَّهُ نُورٌ وهُدًى ورُوحٌ مُعَبِّرًا بِالجَعْلِ لِذَلِكَ دُونَ الإنْزالِ لِأنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ السُّوَرِ الماضِيَةِ تارَةً بِلَفْظِهِ وأُخْرى بِلَفْظِ الوَحْيِ، فَقالَ مُقْسِمًا بِالكِتابِ عَلى عَظَمَةِ الكِتابِ، قالَ السَّمِينُ: ومِنَ البَلاغَةِ عِنْدَهم كَوْنُ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن وادٍ واحِدٍ، وهَذا إنْ أُرِيدَ بِالكِتابِ القُرْآنُ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ أعَمَّ مِنهُ كانَ بَعْضُ القَسَمِ بِهِ، وصَرَفَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَشْرِيفًا لِلْكِتابِ: ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ أيْ صَيَّرْناهُ ووَضَعْناهُ وسَمَّيْناهُ مُطابَقَةً لِحالِهِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْ مَعانِيهِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿قُرْآنًا﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِ مَجْمُوعَ الحُرُوفِ والمَعانِي جامِعًا، ومَعَ كَوْنِهِ جامِعًا فارِقًا بَيْنَ (p-٣٧٩)المُلْتَبِساتِ ﴿عَرَبِيًّا﴾ أيْ جارِيًا عَلى قَوانِينَ لِسانِهِمْ في الحَقائِقِ والمَجازاتِ والمَجازُ فِيهِ أغْلَبُ لِأنَّهُ أبْلَغُ ولا سِيَّما الكِناياتُ والتَّمْثِيلاتُ، وصَرَفَ القَوْلَ عَنْ تَخْصِيصِ نَبِيِّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالخِطابِ إلى خِطابِهِمْ تَشْرِيفًا لَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَهم فِيما يُرِيدُهُ بِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى سُفُولِ أمْرِهِمْ في وقْتِ نُزُولِها فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا أيُّها العَرَبُ عَلى رَجاءٍ عِنْدَ مَن يَصِحُّ مِنهُ رَجاءً مِن أنْ تَعْقِلُوا أنَّهُ مِن عِنْدِنا لَمْ تَبْغُوا لَهُ أحَدًا عَلَيْنا وتَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وجَمِيعَ ما في طاقَةِ البَشَرِ مِمّا يُرادُ بِهِ مِن حُكْمِهِ وأحْكامِهِ، وبَدِيعِ وصْفِهِ ومُعْجِزِ وصْفِهِ ونِظامِهِ، فَتَرْجِعُوا عَنْ كُلِّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ المُغالَبَةِ، ولا بُدَّ أنْ يَقَعَ هَذا الفِعْلُ، فَإنَّ القادِرَ إذا عَبَّرَ بِأداةِ التَّرَجِّي حَقَّقَ ما يَقَعُ تَرَجِّيهِ، لِيَكُونَ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ العاجِزِ فَرْقٌ، وسَيَبْلُغُ هَذا الجامِعُ أقْصاكم كَما عَرَضَ عَلى أدْناكم وكُلٌّ مِنكم يَعْلَمُ أنَّهُ عاجِزٌ عَنْ مُباراةِ آيَةٍ مِنهُ في حُسْنِ مَعْناها، وجَزالَةِ ألْفاظِها وجَلالَةِ سَبْكِها، ونَظَّمَ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنها بِالمَحَلِّ الَّذِي لا يُمْكِنُ زَحْزَحَتُها عَنْهُ بِتَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ، ولا أنْ يُبَدَّلَ شَيْءٌ مِنها بِما يُؤَدِّي مَعْناهُ أوْ يَقُومُ مَقامَهُ، كَما أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ في مُوازَنَةِ ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] مَعَ ”القَتْلِ أنْفى لِلْقَتْلِ“ وذَلِكَ بَعْضُ آيَةٍ فَكَيْفَ بِآيَةٍ (p-٣٨٠)فَما فَوْقَها فَتَخْضَعُ لَهُ جَبابِرَةُ ألْبابِكم وتَسْجُدُ لَهُ جِباهُ عُقُولِكُمْ، وتَذِلُّ لِعِزَّتِهِ شَوامِخُ أفْكارِكُمْ، فَتُبادِرُونَ إلى تَقَبُّلِهِ وتُسارِعُونَ إلى حِفْظِهِ وتَحَمُّلِهِ عِلْمًا مِنكم بِأنَّهُ فَخْرٌ لَكم لا يُقارِبُهُ فَخْرٌ، وعِزٌّ لا يُدانِيهِ عِزٌّ، ثُمَّ يَتَأمَّلُ الإنْسانُ مِنكم مَن خالَفَهُ فِيهِ مِن بَعِيدٍ أوْ قَرِيبٍ ولَدٌ أوْ والِدٌ إلى أنْ تَدِينَ لَهُ الخَلائِقُ، وتَتَصاغَرَ لِعَظَمَتِهِ الجِبالُ الشَّواهِقُ، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى آيَةِ فُصِّلَتْ
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا﴾ [فصلت: ٤٤] الآيَةُ.
الزخرف 43:4
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ تَعْظِيمَهُ عِنادًا وإنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ، قالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُقْسِمَ بِهِ، ويُزادُ في تَعْظِيمِهِ لِأنَّهُ لا كَلامَ يُشْبِهُ، بَلْ ولا يُدانِيهِ بِوَجْهٍ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ، وقَدَّمَ الظَّرْفَيْنِ عَلى الخَبَرِ المُقْتَرِنِ بِاللّامِ اهْتِمامًا بِهِما لِيُفِيدَ بادِئَ بَدْءٍ أنَّ عُلُوَّهُ وحِكْمَتَهُ ثابِتَةٌ في الأُمِّ وأنَّ الأُمَّ في غايَةِ الغَرابَةِ عِنْدَهُ ﴿فِي أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ كائِنًا في أصْلِ كُلِّ كِتابٍ سَماوِيٍّ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وزادَ في شَرَفِهِ بِالتَّعْبِيرِ بَلَدِي الَّتِي هي لِخاصِّ الخاصِّ وأغْرَبَ المُسْتَغْرِبُ ونُونُ العَظَمَةِ فَقالَ (p-٣٨١)مُرَتِّبًا لِلظَّرْفِ عَلى الجارِّ لِيُفِيدَ أنَّ أُمَّ الكِتابِ مِن أغْرَبِ الغَرِيبِ الَّذِي عِنْدَهُ ﴿لَدَيْنا﴾ عَلى ما هو عَلَيْهِ هُناكَ ﴿لَعَلِيٌّ﴾
ولَمّا كانَ العَلِيُّ قَدْ يَتَّفِقُ عُلُوُّهُ ولا تَصْحَبُهُ في عُلُوِّهِ حِكْمَةٌ، فَلا يَثْبُتُ لَهُ عُلُوُّهُ، فَيَتَهَوَّرُ بُنْيانُهُ ويَنْقُصُ سُفُولُهُ ودُنُوُّهُ، قالَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في كُلٍّ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ راسِخٌ فِيهِما رُسُوخًا لا يُدانِيهِ فِيهِ كِتابٌ فَلا يُعارِضُ في عَلِيِّ لَفْظِهِ، ولا يُبارى في حَكِيمِ مَعْناهُ، ويَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ بِنَسْخٍ ولا غَيْرِهِ، بَلْ هُناكَ مَكْتُوبٌ بِأحْرُفٍ وعِباراتٍ فائِقَةٍ رائِقَةٍ تَعْلُو عَنْ فَهْمِ أعْقَلِ العُقَلاءِ، ولا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ أنْ يَبْلُغَها أنْبَلُ النُّبَلاءِ، إلّا بِتَفْهِيمِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أخَّرَ سُبْحانَهُ بِامْتِحانٍ خَلْفَ بَنِي إسْرائِيلَ في شَكِّهِمْ في كِتابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ووَصّى نَبِيَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّبَرِّي مِن سَيِّئِ حالِهِمْ والتَّنَزُّهِ عَنْ سُوءِ مَحالِهِمْ فَقالَ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْـزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥] الآيَةُ وتَكَرَّرَ الثَّناءُ عَلى الكِتابِ العَرَبِيِّ كَقَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] وقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْـزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا (p-٣٨٢)مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مِن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] - إلى آخِرِ السُّورَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ بِهِ وعَضَّدَ الثَّناءَ عَلَيْهِ فَقالَ ﴿حم﴾ [الزخرف: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ولَمّا أوْضَحَ عَظِيمَ حالِ الكِتابِ وجَلِيلَ نِعْمَتِهِ بِهِ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ سِعَةِ عَفْوِهِ وجَمِيلِ إحْسانِهِ إلى عِبادِهِ ورَحْمَتِهِمْ بِكِتابِهِ مَعَ إسْرافِهِمْ وقَبِيحِ مُرْتَكِبِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] ولَمّا قَدَّمَ في الشُّورى قَوْلَهُ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] فَأعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، والجارِي عَلى هَذا أنْ يُسْلِمَ الواقِعَ مِن ذَلِكَ ويَرْضى بِما قَسَّمَ واخْتارَ، عَنَّفَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ مَنِ اعْتَدى وزاغَ فَقالَ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] فَكَمَّلَ الواقِعَ هُنا بِما تَعَلَّقَ بِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَوْلُهُ في الزُّخْرُفِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] إلى آخِرِهِ - انْتَهى.
الزخرف 43:5
(p-٣٨٣)ولَمّا أفْهَمَ تَكْرِيرَ هَذا التَّأْكِيدِ أنَّهم يَطْعَنُونَ في عُلاهُ، ويَقْدَحُونَ في بَدِيعِ حُلاهُ، فَعَلَ مَن يَكْرَهُهُ ويَأْباهُ، إرادَةً لِلْإقامَةِ عَلى ما لا يُحِبُّهُ اللهُ ولا يَرْضاهُ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ أيْ نُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ أنْ نُنَحِّيَ ونَسِيرَ مُجاوِزِينَ ﴿عَنْكُمُ﴾ خاصَّةً مِن بَيْنِ بَنِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الذِّكْرَ﴾ أيِ الوَعْظِ المُسْتَلْزِمِ لِلشَّرَفِ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ بِحَيْثُ يَكُونُ حالُنا مَعَكم حالَ المُعْرِضِ المُجانِبِ بِصَفْحَةِ عُنُقِهِ، فَلا نُرْسِلُ إلَيْكم رَسُولًا، ولا نُنْزِلُ مَعَهُ كِتابًا فَهو مَفْعُولٌ لَهُ أيْ نَضْرِبُ لِأجْلِ إعْراضِنا عَنْكُمْ، أوْ يَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى جانِبًا أيْ نَضْرِبُهُ عَنْكم جانِبًا، قالَ الجامِعُ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: أضْرَبْتُ عَنِ الشَّيْءِ: كَفَفْتُ وأعْرَضْتُ، وضَرَبَ عَنْهُ الذِّكْرَ وأضْرَبَ عَنْهُ: صَرَفَهُ، وقالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ في الواعِي: والأصْلُ في ضَرَبَ عَنْهُ الذِّكْرَ أنَّ الرّاكِبَ إذا رَكِبَ دابَّتَهُ فَأرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ جِهَتِهِ ضَرَبَهُ بِعَصاهُ لِيَعْدِلَهُ عَنْ جِهَتِهِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُها، فَوَضَعَ الضَّرْبَ في مَوْضِعِ الصَّرْفِ والعَدْلِ، قالَ الهَرَوِيُّ: قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، ونَقَلَ النَّواوِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُجَرَّدَ قَلِيلٌ، فالحاصِلُ أنَّ الضَّرْبَ (p-٣٨٤)إيقاعُ شَيْءٍ عَلى آخَرَ بِقُوَّةٍ، فَمُجَرَّدُهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، فَإنَّ عُدِّيَ إلى آخَرَ بِ ”عَنْ“ ضِمْنَ مَعْنى الصَّرْفِ، وإذا زِيدَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ فَقِيلَ: أضْرَبْتُ عَنْهُ، أفادَتِ الهَمْزَةُ قَصَرَ الفِعْلِ، وأفْهَمَتْ إزالَةَ الضَّرْبِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أفَنَضْرِبُ صارِفِينَ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، أيْ مُعْرِضِينَ إعْراضًا شَدِيدًا حَتّى كَأنّا ضَرَبْنا الذِّكْرَ لِيَنْصَرِفَ عَنْكم مَعْرِضًا كَإعْراضِ مَن ولّى إلى صَفْحَةِ عُنُقِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ إرادَتَهم هَذا الإعْراضَ بِما يَقْتَضِي الإقْبالَ بِعَذابٍ أوْ مَتابٍ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ أنَفْعَلُ ذَلِكَ لِأنْ ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ كانَ الإسْرافُ جِبِلَّةً لَكم وخَلْقًا راسِخًا، وكُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى القِيامِ بِهِ في تَكْذِيبِ الرَّسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والقَدْحُ فِيما يَأْتِي بِهِ والِاسْتِهْزاءُ بِأمْرِهِ بِتَرْكِكم خَشْيَةً مِن شِدَّتِكم أوْ رَجاءً مِن غَيْرِ تَذْكِيرٍ لِتَوْبَتِكم وقَدْ جَعَلَ حِينَئِذٍ المُقْتَضى مانِعًا، فَإنَّ المُسْرِفَ أجْدَرُ بِالتَّذْكِيرِ وأحْوَجُ إلى الوَعْظِ، هَذا إنْ كانَ مُقَرَّبًا، وأمّا البَعِيدُ فَإنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، بَلْ لَوْ أرادَ طَرْد، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ ”إنَّ“ عَلى كَوْنِها شَرْطِيَّةً يَكُونُ الكَلامُ مَسْبُوقًا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الإنْصافِ، فَيَكُونُ المَعْنى: (p-٣٨٥)أنَتْرُكُكم مُهْمِلِينَ فَنُنَحِّي عَنْكُمُ الذِّكْرَ والحالُ أنَّكم قَوْمٌ يُمْكِنُ أنْ تَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالإسْرافِ، يَعْنِي أنَّ المُسْرِفَ أهْلٌ لِأنْ يُوعَظَ ويُكَلَّمَ بِما يَرُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ، وأنْتُمْ وإنِ ادَّعَيْتُمْ أنَّكم مُصْلِحُونَ لا تَقْدِرُونَ أنْ تَدْفَعُوا عَنْكم إمْكانَ الإسْرافِ فَكَيْفَ يَدْفَعُ عَنْكم إنْزالَ الذِّكْرِ الواعِظِ وأنْتُمْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونُوا مُسْرِفِينَ فَتَحْتاجُوا إلَيْهِ - هَذا ما لا يَفْعَلُهُ حَكِيمٌ في عِبادِهِ، بَلْ هو سُبْحانَهُ لِلُطْفِهِ وزِيادَةِ بِرِّهِ لا يَتْرُكُ دُعاءَ عِبادِهِ إلى رَحْمَتِهِ وإنْ كانُوا مُسْرِفِينَ قَدْ أمْعَنُوا في الشِّرادِ، والجَحْدِ والعِنادِ، فَيَدْعُوهم بِأبْلَغِ الحُجَّةِ، وهو هَذا القُرْآنُ الَّذِي هو أشْرَفُ الكِتابِ عَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي هو أعْظَمُ الرُّسُلِ لِيَهْتَدِيَ مَن قُدِّرَتْ هِدايَتُهُ وتَقُومُ الحُجَّةُ عَلى غَيْرِهِ.
الزخرف 43:6
ولَمّا كانَ المَعْنى أنْ لا نَتْرُكَكم هَمَلًا، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَيْهاتَ مِنكم فَلْنَرْفَعَنَّكم كَما رَفَعْنا بَنِي إسْحاقَ مِن إسْرائِيلَ وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَقَدْ أرْسَلْنا إلَيْكم مَعَ أنَّكم أعْلى النّاسِ رَسُولًا هو أشْرَفُكم نَسَبًا وأزْكاكم (p-٣٨٦)نَفْسًا وأعْلاكم هِمَّةً وأرْجَحَكم عَقْلًا وأوْفاكم أمانَةً وأكْرَمَكم خَلْقًا وأوْجَهَكم عَشِيرَةً، فَعَطَفَ قَوْلَهُ تَأْنِيسًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَأْسِيَةً وتَعْزِيَةً وتَسْلِيَةً: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ والعَظَمَةِ الباهِرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإرْسالُ يَقَعُ عَلى أنْحاءٍ مِنَ الأشْكالِ، مَيَّزَهُ بِأنْ قالَ: ﴿مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾
الزخرف 43:7
ثُمَّ حَكى حالَهُمُ الماضِيَةَ إشارَةً إلى اسْتِمْرارِ حالِ الخَلْقِ عَلى هَذا فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ أيْ في أُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ وزَمانٍ بَعْدَ زَمانٍ ﴿إلا كانُوا﴾ أيْ خَلْقًا وطَبْعًا وجِبِلَّةً ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما اسْتَهْزَأ قَوْمُكَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِهِ لِشِدَّةِ مُبالَغَتِهِمْ فِيهِ كَأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ.
الزخرف 43:8
ولَمّا كانَ الِاسْتِهْزاءُ بِرَسُولِ المَلِكِ اسْتِهْزاءً بِهِ، وكانَتِ المَمالِيكُ إنَّما تُقامُ بِالسِّياسَةِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ وإيقاعِ الهَيْبَةِ حَتّى يُتِمَّ الجَلالَ وتَثْبُتَ العَظَمَةُ، فَكانَ لِذَلِكَ لا يَجُوزُ في عَقْلِ عاقِلٍ أنْ يُقِرَّ مَلِكٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، سَبَّبَ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالرُّسُلِ الهَلاكُ فَقالَ: ﴿فَأهْلَكْنا﴾ وكانَ الأصْلُ الإضْمارُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الضَّمِيرَ بَيانًا لَمّا كانَ في الأوَّلِينَ مِنَ (p-٣٨٧)الضَّخامَةِ صارِفًا أُسْلُوبَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إقْبالًا عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيَةً لَهُ وإبْلاغًا في وعِيدِهِمْ فَقالَ: ﴿أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قُرَيْشٍ الَّذِي يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿بَطْشًا﴾ مِن جِهَةِ العَدِّ والعَدَدِ والقُوَّةِ والجَلْدِ فَما ظَنُّهم بِأنْفُسِهِمْ وهم أضْعَفُ مِنهم إنْ تَمادَوْا في الِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِ اللهِ الأعْلى.
ولَمّا ذَكَرَ إهْلاكَ أُولَئِكَ ذَكَرَ أنَّ حالَهم عَنِ الإهْلاكِ كانَ أضْعَفَ حالٍ لِيُعْتَبَرَ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ وقَعَ إهْلاكُهُمُ الَّذِي كانَ مَثَلًا يَتَمَثَّلُ بِهِ مِن بُعْدِهِمْ، وذَكَرَ أيْضًا في القُرْآنِ الخَبَرَ عَنْهُ بِما حَقُّهُ أنْ يُشِيرَ مُشِيرُ المَثَلِ بَلْ ذَكَرَ أنَّ مَن عَبَدَهُ الأوَّلُونَ واعْتَمَدُوا عَلَيْهِ مِثْلَ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ فَكَيْفَ بِالأوَّلِينَ أنْفُسَهم فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ، فَإنَّ الحالَ أدّى إلى أنَّهم أضْعَفُ مِنَ الأضْعَفِ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ فَلْيَنْتَظِرُوا أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بِأيْدِي جُنْدِ اللهِ مِنَ البَشَرِ أوِ المَلائِكَةِ.
الزخرف 43:9
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَئِنْ سَألْتَهم عَمَّنْ سَمِعُوا بِخَبَرِهِ مِمَّنْ ذَكَرْناهم مِنَ الأوَّلِينَ لِيَعْتَرِفْنَ بِما سَمِعُوا مِن خَبَرَهِمْ لِأنّا لَمْ نَجْعَلْ لَهم عَلى المُباهَتَةِ فِيهِ جُرْأةً لِما طَبَعْناهم عَلَيْهِ في أغْلَبِ أحْوالِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ، عَطْفَ (p-٣٨٨)عَلَيْهِ قَوْلَهم مُبَيِّنًا لِجَهْلِهِمْ بِوُقُوعِهِمْ في التَّناقُضِ مُؤَكِّدًا لَهُ لِما في اعْتِرافِهِمْ بِهِ مِنَ العَجَبِ المُنافِي لِحالِهِمْ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْضًا عَمّا هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وجَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ فَقُلْتُ لَهُمْ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ﴾ عَلى عُلُوِّها وسِعَتِها ﴿والأرْضَ﴾ عَلى كَثْرَةِ عَجائِبِها وعَظَمَتِها ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أيْ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.
ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ المُبْتَدَأِ، كانَ الجَوابُ المُطابِقُ ذِكْرَ الخَبَرِ، فَكانَ الجَوابُ هُنا: اللهُ - كَما في غَيْرِهِ مِنَ الآياتِ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى المُطابَقَةِ المَعْنَوِيَّةِ لافِتًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى ما يُفِيدُ مِنَ الأوْصافِ القُدْرَةَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ تَعالى يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ، ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ مُكَرَّرًا لِلْفِعْلِ تَأْكِيدًا لِاعْتِرافِهِمْ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ غَلَطِهِمْ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِما هو لازِمٌ لِاعْتِرافِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ بِالتَّفَرُّدِ بِالإيجادِ لِأنَّهُ أنْسَبُ الأشْياءِ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ ولِلْإبانَةِ الَّتِي هي مَطْلَعُها.
﴿خَلَقَهُنَّ﴾ الَّذِي هو مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ ﴿العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيِ الَّذِي يُلْزِمُ المُعْتَرِفَ بِإسْنادِ هَذا الخَلْقِ إلَيْهِ أنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّهُ يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ (p-٣٨٩)وأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَيَقْدِرُ عَلى إيجادِهِ عَلى وجْهٍ مِنَ البَداعَةِ ثُمَّ عَلى أكْمَلِ مِنهُ ثُمَّ أبْهَجِ مِنهُ وهَلُمَّ جَرًّا إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ - هَذا هو الألْيَقُ بِكَمالِ ذاتِهِ وجَلِيلِ صِفاتِهِ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِن عَمى المُعْتَزِلَةِ والفَلاسِفَةِ أصْحابِ الأذْهانِ الجامِدَةِ والعُقُولِ الكاسِدَةِ والعَرَبِ لِجَهْلِهِمْ يَعْبُدُونَ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِهَذا غَيْرَهُ، وذَلِكَ الغَيْرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، ولا عِلْمَ لَهُ بِشَيْءٍ أصْلًا، فَقَدْ كَسَرَ هَذا السُّؤالَ بِجَوابِهِ حُجَّتَهُمْ، وبانَ بِهِ غَلَطُهم وفَضِيحَتُهُمْ، حَتّى بانَ لِأُولِي الألْبابِ أنَّهم مُعانِدُونَ.
الزخرف 43:10
ولَمّا كانَ جَوابُهم بِغَيْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ودَلَّ بِذِكْرِهِما عَلى أنَّهُما لا زَمانَ لِاعْتِرافِهِمْ تَنْبِيهًا لَهم عَلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ، أتْبَعُهُما مِن كَلامِهِ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ التِفاتًا إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أمْكَنَ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ وتَذْكِيرًا لَهم بِالإحْسانِ المُوجِبِ لِلْإذْعانِ وتَفْصِيلًا لِلْقُدْرَةِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ فَإنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ قَوْلُهم لَقالُوا لَنا ﴿الأرْضَ مَهْدًا﴾ أيْ فِراشًا، قارَّةٌ ثابِتَةٌ وطَيِّةٌ، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَها مُزَلْزَلَةً لا يَثْبُتُ فِيها شَيْءٌ كَما تَرَوْنَ مِن بَعْضِ الجِبالِ، أوْ جَعَلَها مائِدَةً لا تَثْبُتُ لِكَوْنِها عَلى تَيّارِ الماءِ، ولَمّا جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا لِأشْباحِكم جَعَلَ الأشْباحَ قَرارًا لِأرْواحِكم وطَوْقُها حَمَلَ قَرارَها وقُوَّةَ التَّصَرُّفِ بِهِ في حُضُورِها (p-٣٩٠)وأسْفارِها لِيَدُلَّكم ذَلِكَ عَلى تَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ في الكَوْنِ وتَصْرِيفِهِ لَهُ حَيْثُ أرادَ، وأنَّهُ الظّاهِرُ الَّذِي لا أُظْهِرَ مِنهُ والباطِنُ الَّذِي لا أُبْطِنَ مِنهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فَإذا انْتَهى مُدَّةُ كَوْنِ النُّفُوسِ عَلى الأرْضِ حَكَمَ اللهُ بِخَرابِها، كَذَلِكَ إذا فارَقَتِ الأرْواحُ الأشْباحَ بِالكُلِّيَّةِ قَضى اللهُ بِخَرابِها، وأعادَ الفِعْلَ تَنْبِيهًا عَلى تَمَكُّنِهِ تَعالى مِن إقامَةِ الأسْبابِ لِتَيْسِيرِ الأُمُورِ الصِّعابِ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ أيْ طُرُقًا تَسْلُكُونَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَها بِحَيْثُ لا يَسْلُكُ في مَكانٍ مِنها كَما جَعَلَ بَعْضَ الجِبالِ كَذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الغائِبَةَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ خَلْقُنا لَها كَذَلِكَ جاعِلًا حالَكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ الهِدايَةُ إلى مَقاصِدِ الدُّنْيا في الأسْفارِ وغَيْرِها ظاهِرًا فَتَتَوَصَّلُونَ بِها إلى الأقْطارِ الشّاسِعَةِ والأقالِيمِ الواسِعَةِ لِلْأُمُورِ الرّافِقَةِ النّافِعَةِ، فَإنَّها إذا تَكَرَّرَ سُلُوكُها صارَ لَها مِنَ الآثارِ النّاشِئَةِ مِن كَثْرَةِ التَّكْرارِ ما يَهْدِي كُلَّ مارٍّ وإلى المَقاصِدِ الأُخْرى وحِكْمَتِها (p-٣٩١)باطِنًا إذا تَأمَّلَ الفَطِنُ حِكْمَةَ مُسَخِّرِها وواضِعِها ومُيَسِّرِها.
الزخرف 43:11
ولَمّا كانَ إنْزالُ الماءِ مِنَ العُلُوِّ في غايَةِ العَجَبِ لا سِيَّما إذا كانَ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وكانَ إنْباتُ النَّباتِ بِهِ أعْجَبُ، وكانَ دالًّا عَلى البَعْثِ ولا بُدَّ، وكانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن رَدِّهِمْ عَنْ عِنادِهِمْ بِأعْظَمِ الكُفْرانِ إلى الإيمانِ، والخُضُوعِ لَهُ بِغايَةِ الإذْعانِ، قالَ دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ الوَصْفِ بِالعَطْفِ وبِإعادَةِ المَوْصُولِ الدّالِّ عَلى الفاعِلِ المُذَكَّرِ بِعَظَمَتِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإعادَةَ الَّتِي هَذا دَلِيلُها هي سِرُّ الوُجُودِ، فَهي أشْرَفُ مِمّا أُرِيدَ مِنَ الآيَةِ الماضِيَةِ بِمَهْدِ الأرْضِ وسَلْكِ السُّبُلِ: ﴿والَّذِي نَـزَّلَ﴾ أيْ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ، ولَوْلا قُدْرَتُهُ الباهِرَةُ لَكانَ دُفْعَةً واحِدَةً أوْ قَرِيبًا مِنها ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ المَحَلُّ العالِي ﴿ماءً﴾ عَذْبًا لِزُرُوعِكم وثِمارِكم وشُرْبِكم بِأنْفُسِكم وأنْعامِكم ﴿بِقَدَرٍ﴾ وهو بِحَيْثُ يَنْفَعُ النّاسَ ولا يَضُرُّ بِأنْ يَكُونَ عَلى مِقْدارِ حاجاتِهِمْ، ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ الإنْباتِ بِلَفْتِ القَوْلِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الدَّلِيلُ الظّاهِرُ عَلى ما وصَلَ بِهِ مِن نَشْرِ الأمْواتِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَأنْشَرْنا﴾ أيْ أحْيَيْنا، والمادَّةُ تَدُورُ عَلى الحَرَكَةِ والِامْتِدادِ (p-٣٩٢)والِانْبِساطِ ﴿بِهِ﴾ أيِ الماءِ ﴿بَلْدَةً﴾ أيْ مَكانًا يَجْتَمِعُ النّاسُ فِيهِ لِلْإقامَةِ مُعْتَنُونَ بِإحْيائِهِ مُتَعاوِنُونَ عَلى دَوامِ إبْقائِهِ ﴿مَيْتًا﴾ أيْ كانَ قَدْ يَبِسَ نَباتُهُ وعَجَزَ أهْلُهُ عَنْ إيصالِ الماءِ إلَيْهِ لِيَحْيى بِهِ، ولَعَلَّهُ أنَّثَ البَلَدَ وذَكَّرَ المَيِّتَ إشارَةً إلى أنَّ بُلُوغَها في الضَّعْفِ والمَوْتِ بَلَغَ الغايَةَ بِضَعْفِ أرْضِهِ في نَفْسِها وضَعْفِ أهْلِهِ عَنْ إحْيائِهِ وقَحْطِ الزَّمانِ واضْمِحْلالِ ما كانَ بِهِ مِنَ النَّباتِ.
ولَمّا كانَ لا فَرْقَ بَيْنَ جَمْعِ الماءِ لِلنَّباتِ مِن أعْماقِ الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ تُرابًا مِن جُمْلَةِ تُرابِها وإخْراجُهُ كَما كانَ رابِيًا يَهْتَزُّ بِالحَياةِ عَلى هَيْئَتِهِ وألْوانِهِ وما كانَ مِن تَفارِيعِهِ أغْصانُهُ بِأمْرِ اللهِ وبَيْنَ جَمِيعِ اللهِ تَعالى لِما تَفَتَّتَ مِن أجْسادِ الآدَمِيِّينَ وإخْراجُهُ كَما كانَ بِرُوحِهِ وجَمِيعِ جَواهِرِهِ وأعْراضِهِ إلّا أنَّ اللهَ قادِرٌ بِكُلِّ اعْتِبارٍ وفي كُلِّ وقْتٍ بِلا شَرْطٍ أصْلًا، والماءُ لا قُدْرَةَ لَهُ إلّا بِتَقْدِيرِ اللهِ تَعالى، كانَ فَخْرًا عَظِيمًا لِأنْ تُنْتَهَزُ الفُرْصَةُ لِتَقْدِيرِ ما هم لَهُ مُنْكِرُونَ وبِهِ يَكْفُرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ تَعالى إيقاظًا لَهم مِن رَقْدَتِهِمْ بَعْثًا مِن مَوْتِ سَكْرَتِهِمْ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الإخْراجِ العَظِيمِ لِما تُشاهِدُونَهُ مِنَ النَّباتِ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مِنَ المَوْتِ الحِسِّيِّ والمَعْنَوِيِّ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِن أمْرِهِ تَعالى وأسْهَلِ شَأْنٍ (p-٣٩٣)فَتَخْرُجُونَ في زُمْرَةِ الأمْواتِ مِنَ الأرْضِ ثانِيًا ﴿إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] وتَخْرُجُونَ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ الإيمانِ فَإذا أنْتُمْ حُكَماءُ عالِمُونَ.
الزخرف 43:12
ولَمّا انْتُهِزَتْ هَذِهِ الفُرْصَةُ، وسَوَّغَ ذِكْرَها ما أثَرُهُ سُوءُ اعْتِقادِهِمْ مِن عَظِيمِ الغُصَّةِ، شَرَعَ في إكْمالِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ مِنَ الأوْصافِ، فَقالَ عائِدًا إلى أُسْلُوبِ العِزَّةِ والعِلْمِ لِلْإيماءِ إلى الحَثِّ عَلى تَأمُّلِ الدَّلِيلِ عَلى بَعْثِ الأمْواتِ بِانْتِشارِ المَواتِ مُعِيدًا لِلْعاطِفِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ذَلِكَ الوَصْفِ المُوجِبِ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِ السُّورَةِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى رَدِّهِمْ بَعْدَ صَدِّهِمْ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾ أيِ الأصْنافِ المُتَشاكِلَةِ الَّتِي لا يَكْمُلُ شَيْءٌ مِنها غايَةَ الكَمالِ إلّا بِالآخَرِ عَلى ما دَبَّرَهُ سُبْحانَهُ في نُظُمِ هَذا الوُجُودِ ﴿كُلَّها﴾ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأكْوانِ، لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنها أحَدٌ.
ولَمّا ذَكَرَ الأزْواجَ، وكانَ المُتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ إطْلاقَها عَلى ما هو مِن نَوْعٍ واحِدٍ، دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ ما هو أعَمُّ، فَقالَ ذاكِرًا ما تَشاكَلَ في الحَمْلِ وتَبايَنَ في الجِسْمِ: ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾ لا لِغَيْرِكم فاشْكُرُوهُ ﴿مِنَ الفُلْكِ﴾ أيِ السُّفُنِ العِظامِ في البَحْرِ ﴿والأنْعامِ﴾ في البَرِّ ﴿ما تَرْكَبُونَ﴾ وحَذْفِ العائِدِ لِفَهْمِ المَعْنى تَغْلِيبًا لِلْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ في الأنْعامِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ في الفَلَكِ.
الزخرف 43:13
(p-٣٩٤)ولَمّا ذَكَرَ النِّعْمَةَ النّاشِئَةَ عَنْ مُطْلَقِ الإيجادِ، ذَكَرَ بِنِعْمَةِ الرّاحَةِ فِيهِ فَقالَ مُعَلِّلًا: ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ أيْ تَكُونُوا مَعَ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ والرّاحَةِ ﴿عَلى ظُهُورِهِ﴾ أيْ ظُهُورِ كُلِّ مِن ذَلِكَ المَجْعُولِ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما جَمَعَ الظَّهْرَ نَظَرًا لِلْمَعْنى تَكْثِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ رَدًّا عَلى اللَّفْظِ دَلالَةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ بِعَظِيمِ التَّصْرِيفِ بَرًّا وبَحْرًا أوْ تَنْبِيهًا بِالتَّذْكِيرِ عَلى قُوَّةِ المَرْكُوبِ لِأنَّ الذَّكَرَ أقْوى مِنَ الأُنْثى.
ولَمّا أتَمَّ النِّعْمَةَ بِخَلْقِ كُلِّ ما تَدْعُو إلَيْهِ الحاجَةُ، وجَعَلَهُ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ، ذَكَرَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن غايَتِها عَلى ما هو المُتَعارَفُ بَيْنَهم مِن شُكْرِ المُنْعِمِ، فَقالَ دالًّا عَلى عَظِيمِ قَدْرِ النِّعْمَةِ وعُلُوِّ غايَتِها وعُلُوِّ أمْرِ الذِّكْرِ بِحَرْفِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ أيْ بِقُلُوبِكُمْ، وصَرَفَ القَوْلَ إلى وصْفِ التَّرْبِيَةِ حَثًّا عَلى تَذَكُّرِ إحْسانِهِ لِلِانْتِهاءِ عَنْ كُفْرانِهِ والإقْبالِ عَلى شَكْرانِهِ فَقالَ: ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكم بِنِعْمَةِ تَسْخِيرِها لَكم وما تَعْرِفُونَها مِن غَيْرِها.
ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ عَلَيْهِ أمْرًا خارِقًا لِلْعادَةِ بِدَلِيلِ ما لا يُرْكَبُ مِنَ الحَيَواناتِ في البَرِّ والجَوامِدِ في البَحْرِ وإنْ كانَ قَدْ أسْقَطَ العَجَبَ فِيهِ كَثْرَةُ إلْفِهِ ذَكَّرَ بِهِ فَقالَ: ﴿إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ولَمّا كانَ تَذَكُّرُ النِّعْمَةِ (p-٣٩٥)يَبْعَثُ الجَنانَ واللِّسانَ والأرْكانَ عَلى الشُّكْرِ لِمَن أسْداها قالَ: ﴿وتَقُولُوا﴾ أيْ بِألْسِنَتِكم جَمْعًا بَيْنَ القَلْبِ واللِّسانِ. ولَمّا كانَ الِاسْتِواءُ عَلى ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِتَذَكُّرِ النَّقْصِ بِالِاحْتِياجِ إلَيْها في بُلُوغِ ما رَكِبْتُ لِأجْلِهِ وفي الثَّباتِ عَلَيْها وخَوْفَ العَطَبِ مِنها وتَذَكَّرَ أنَّ مَن لا يَزالُ يُحْسِنُ إلى أهْلِ العَجْزِ الَّذِينَ هم في قَبْضَتِهِ ابْتِداءً وانْتِهاءً مِن غَيْرِ شَيْءٍ يَرْجُوهُ مِنهم لا يَكُونُ إلّا بَعِيدًا مِن صِفاتِ الدَّناءَةِ وأنَّ اسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ لَيْسَ كَهَذا الِاسْتِواءِ المُقارَنِ لِهَذِهِ النَّقائِصِ وأنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، كانَ المَقامُ لِلتَّنْزِيهِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ أيْ بِعِلْمِهِ الكامِلِ وقُدْرَتِهِ التّامَّةِ ﴿لَنا هَذا﴾ أيِ الَّذِي رَكِبْناهُ سَفِينَةً كانَ أوْ دابَّةً ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنا ما ﴿كُنّا﴾ ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المَرْكُوبِينَ في الواقِعِ أقْوى مِنَ الرِّكابِ، جَعَلَ عَدَمَ إطاقَتِهِمْ لَهُ وقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ كَأنَّهُ خاصٌّ بِهِ، فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْجارِّ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ: ﴿لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أيْ ما كانَ في جِبِلَّتِنا إطاقَةَ أنْ يَكُونَ قَرْنًا لَهُ وحْدَهُ لِخُرُوجِ قُوَّتِهِ مِن بَيْنِ ما نُعالِجُهُ ونُعانِيهِ عَنْ طاقَتِنا (p-٣٩٦)بِكُلِّ اعْتِبارٍ ولا مُكافِئِينَ في القُوَّةِ غالِبِينَ ضابِطِينَ، مُطِيقِينَ مِن أقْرَنَ الأمْرَ: أطاقَهُ وقَوِيَ عَلَيْهِ فَصارَ بِحَيْثُ يُقْرِنُهُ بِما شاءَ.
الزخرف 43:14
ولَمّا كانَ كُلُّ راكِبٍ شَيْئًا مِن هَذَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مُسْتَحْضِرًا كُلَّ حِينٍ أنَّهُ يَنْقَلِبُ بَطْنُ شَقَّةِ أسْفارِهِ إلى مَحَلِّ قَرارِهِ، ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِذَلِكَ أنَّ ظَهْرَ هَذِهِ الأرْضِ لَهم مِثْلُ ظُهُورِ السُّفُنِ والدَّوابِّ يَسْبَحُونَ بِها في لُجُجِ أمْواجِ الزَّمانِ وتَصارِيفِ الحَدَثانِ، هم عَلى ظَهْرِها مُسافِرُونَ، ولَكِنَّهم لِطُولِ الإلْفِ عَنْهُ غافِلُونَ، وقَلِيلًا ما يَذْكُرُونَ، وأنَّهم عَلى خَطَرٍ فِيما صارُوا إلَيْهِ مِن ظُهُورِ هَذِهِ الأشْياءِ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ مَوْتِهِمْ ومُثِيرَ هَلَكِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمِن رَبِّنا كانَ ابْتِداؤُنا لا نَعْلَمُ شَيْئًا ولا نَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والآنَ نَحْنُ مَتى شِئْنا ساكِنُونَ، ومَهْما أرَدْنا مُنْتَشِرُونَ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا﴾ المُحْسِنِ إلَيْنا بِالبُداءَةِ والإقْرارِ عَلى هَذِهِ التَّنَقُّلاتِ عَلى هَذِهِ المَراكِيبِ لا إلى غَيْرِهِ ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ لَصائِرُونَ ومُتَوَجِّهُونَ وسائِرُونَ بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ انْقِلابًا لا إيابَ مَعَهُ إلى هَذِهِ الدّارِ، فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ بِالسَّيْرِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى السَّيْرِ الأُخْرَوِيِّ، وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ حَتّى لا يَزالُوا مُراقِبِينَ (p-٣٩٧)لِلْمُنْعِمِ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالمُراقَبَةِ عَلى نِعْمَةِ الرُّكُوبِ، عَبَّرَ بِالِانْقِلابِ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في حالِ الدَّعَةِ والسُّكُونِ قَبْلَ الِانْقِلابِ وبَعْدَهُ، أيْ وإنّا بَعْدَ رُجُوعِنا إلى نِعْمَةِ رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أيْ وإنّا في نِعْمَةٍ في كُلِّ حالٍ، رَوى أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ - وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ - والنِّسائِيُّ «عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّهُ وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمّا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا - الآيَةُ، ثُمَّ حَمِدَ اللهَ ثَلاثًا وكَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: سُبْحانَكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، ثُمَّ ضَحِكَ، وأخْبَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلَ مِثْلَهُ،» وقالَ: «يَعْجَبُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ إذا قالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ويَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي»
رَوى أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما «أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْدَفَهُ عَلى دابَّةٍ، فَلَمّا اسْتَوى عَلَيْها كَبَّرَ ثَلاثًا وحَمِدَ اللهَ ثَلاثًا وسَبَّحَ ثَلاثًا وهَلَّلَ اللهَ واحِدَةً ثُمَّ اسْتَلْقى عَلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ فَقالَ: ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَرْكَبُ دابَّتَهُ فَيَصْنَعُ كَما صَنَعْتُ إلّا أقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ يَضْحَكُ إلَيْهِ كَما ضَحِكْتُ إلَيْكَ» ورَوى أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ (p-٣٩٨)والنِّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا رَكِبَ راحِلَتَهُ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ”سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ في سَفَرِي هَذا البِرَّ والتَّقْوى ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنا السَّفَرَ واطْوِ لَنا البَعِيدَ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ والخَلِيفَةُ في الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنا في سَفَرِنا واخْلُفْنا في أهْلِنا، وكانَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ قالَ: آيِبُونَ تائِبُونَ إنْ شاءَ اللهُ عابِدُونَ لِرَبِّنا حامِدُونَ“»
ورَوى أحْمَدُ عَنْ أبِي لاسٍّ الخُزاعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: «حَمَلَنا رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ عَلى إبِلٍ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ إلى الحَجِّ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما نَرى أنْ تَحْمِلَنا هَذِهِ، فَقالَ: ما مِن بَعِيرٍ إلّا في ذُرْوَتِهِ شَيْطانٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها إذا رَكِبْتُمُوها كَما أمَرَكم ثُمَّ امْتَهِنُوها لِأنْفُسِكم فَإنَّما يَحْمِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ» .
الزخرف 43:15
ولَمّا عَلِمَ بِهَذا الِاعْتِرافِ مِنهُ وما تَبِعَهُ مِنَ التَّقْرِيبِ أنَّ العالَمَ كُلَّهُ مُتَزاوِجٌ بِتَسْخِيرِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَهُ مُبايِنٌ لَهُ لا يَصِحُّ أصْلًا أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا بِوَجْهٍ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ أصْلًا، كانَ مَوْضِعُ التَّعْجِيبِ مِن نِسْبَتِهِمُ الوَلَدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ: فَقالَ لافِتًا القَوْلَ عَنْ خِطابِهِمْ لِلْإعْراضِ المُؤْذِنِ بِالغَضَبِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم لِيَقُولُنَّ كَذا اللّازِمُ مِنهُ قَطْعًا لِأنَّهُ لا مِثْلَ ﴿لَهُ﴾ والحالُ أنَّهم نَسَبُوا لَهُ وصَيَّرُوا بِقَوْلِهِمْ قَبْلَ (p-٣٩٩)سُؤالِكَ إيّاهم نِسْبَةً هم حاكِمُونَ بِها حُكْمًا لا يَتَمارَوْنَ فِيهِ كَأنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن ذَلِكَ تَمَكُّنَ الجاعِلِ فِيهِ يَجْعَلُهُ ﴿مِن عِبادِهِ﴾ الَّذِينَ أبْدَعَهم كَما أبْدَعَ غَيْرَهم ﴿جُزْءًا﴾ أيْ ولَدًا هو لِحَصْرِهِمْ إيّاهُ في الأُنْثى أحَدُ قِسْمَيِ الأوْلادِ، وكُلُّ فَهو جُزْءٌ مِن والِدِهِ، ومَن كانَ لَهُ جُزْءٌ كانَ مُحْتاجًا فَلَمْ يَكُنْ إلَهًا وذَلِكَ لِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ طَيْشُ عُقُولِهِمْ وسَخافَةُ آرائِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَذا في غايَةِ الغِلْظَةِ مِنَ الكُفْرِ، قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم كُفْرٌ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ الَّذِي هم بَعْضُهُ ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ مُبَيِّنٌ الكُفْرَ في نَفْسِهِ مُنادٍ عَلَيْها بِالكُفْرِ بَيانًا لِذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ، هَذا ما يَقْتَضِيهِ طَبْعُهُ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ بِالشَّهَواتِ والحُظُوظِ لِيُبَيِّنَ فَضْلَ مَن حَفِظَهُ اللهُ بِالعَقْلِ عَلى مَن سِواهُ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ بِمُجاهَدَتِهِ لِعَدُوٍّ وهو بَيْنَ جَنْبَيْهِ مَعَ ظُهُورِ قُدْرَةِ اللهِ الباهِرَةِ بِذَلِكَ.
الزخرف 43:16
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَهَكُّمًا بِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا بِأنْ جَعَلُوا لِمَن إلَيْهِ الجَعْلَ مِن عِبادِهِ جُزْءًا حَتّى جَعَلُوهُ شَرَّ الجُزْأيْنِ الإناثِ، وهم أشَدُّ النّاسِ نَفْرَةً مِنهُنَّ: أُوهِبَ لَهُ ذَلِكَ الجُزْءُ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ إناثًا غَيْرَهُ قَسْرًا بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ كَما قَدَّمَ في السُّورَةِ (p-٤٠٠)الَّتِي قَبْلَهُ عَنْ نَفْسِهِ المُقَدَّسِ أنَّهُ يَهُبُّ لِمَن يَشاءُ إَناثًا ولا يَقْدِرُ عَلى التَّقْصِيرِ عَنْهُنَّ بِوَجْهٍ، عادَلَهُ بِقَوْلِهِ عائِدًا إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أقْعَدَ في التَّبْكِيتِ عَلى اخْتِيارِ الغَيِّ عَنِ الصَّوابِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ﴾ أيْ عالَجَ هو نَفْسَهُ فَأخَذَ بَعْدَ المُعالَجَةِ وهو خالِقُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ ﴿مِمّا يَخْلُقُ﴾ أيْ يُجَدِّدُ إبْداعَهُ في كُلِّ وقْتٍ كَما اعْتَرَفْتُمْ ﴿بَناتٍ﴾ فَلَمْ يَقْدِرْ بَعْدَ التَّكْلِيفِ والتَّعَبِ عَلى غَيْرِ البَناتِ الَّتِي هي أبْغَضُ الجُزْأيْنِ إلَيْكُمْ، ونَكَّرَ لِتَخْصِيصِهِمُ اتِّخاذَهُ بِبَعْضِ هَذا الصِّنْفِ الَّذِي شارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وعَطَفَ عَلى قَوْلِهِ ”اتَّخَذَ“ لِيَكُونَ مَنفِيًّا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ الإنْكارِ: ﴿وأصْفاكُمْ﴾ وهو السَّيِّدُ وأنْتُمْ عَبِيدُهُ ﴿بِالبَنِينَ﴾ أيِ الجُزْءُ الأكْمَلُ لَدَيْكُمُ المُسْتَحَقُّ لِأنْ يَكُونَ دائِمًا مُسْتَحْضَرًا في الخاطِرِ فَلِذَلِكَ عَرَّفَهُ ولِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ هَذا النَّوْعَ كُلَّهُ خاصٌّ بِهِمْ لَمْ يُشارِكْهم في شَيْءٍ مِنهُ، فَكانَ هَذا الكَفْرُ الثّانِي أعْرَقَ في المَحالِّ مِنَ الأوَّلِ لِلزِّيادَةِ عَلى مُطْلَقِ الحاجَةِ بِالسَّفَهِ في أنَّهُ رَضِيَ بِالدُّونِ الخَسِيسِ فَلَمْ يُشارِكْهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْلى، بَلْ جَعَلَ لَهم ذَلِكَ خالِصًا صافِيًا عَنْ أدْنى ما يَشُوبُهُ مِن كَدَرٍ.
الزخرف 43:17
ولَمّا كانَتْ نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ. (p-٤٠١)وكانَتْ نِسْبَتُهُ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ أبْعَدَ مِنها عَلى طَرِيقِ المِثالِ بِأنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ عِنْدَهُ في العِزَّةِ بِمَنزِلَةِ البَناتِ عِنْدَ الأبِ، قالَ مُرْشِدًا إلى أنَّ ما قالُوهُ لَوْ كانَ عَلى قَصْدِ التَّمْثِيلِ في غايَةِ القَباحَةِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ عَلى التَّحْقِيقِ، عائِدًا إلى الإعْراضِ المُؤْذِنِ بِالمَقْتِ والإبْعادِ: ﴿وإذا﴾ أيْ جَعَلُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ إذا ﴿بُشِّرَ﴾ مِن أيِّ مُبَشِّرٍ كانَ ﴿أحَدُهُمْ﴾ أطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَسُرُّ كالذَّكَرِ سَواءٌ في أنَّ كُلًّا مِنهُما ولَدٌ وتارَةً يَسُرُّ وتارَةً يَضُرُّ وهو نِعْمَةٌ مِنَ الخالِقِ لِأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ العُقْمِ ﴿بِما ضَرَبَ﴾ وعَدَلَ عَنِ الوَصْفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّهُ قَدْ يَدَّعِي المُشارَكَةَ في مُطْلَقِ التَّرْبِيَةِ إلى الوَصْفِ الدّالِّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ، فَتَأمَّلْهُ بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في الزَّجْرِ عَنْ سُوءِ قَوْلِهِمْ فَقالَ: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي لا نِعْمَةَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ إلّا وهي مِنهُ ﴿مَثَلا﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ شَبَهًا وهو الأُنْثى، وعَبَّرَ بِهِ دُونَهُ أنْ يَقُولَ: بِما جَعَلَ، مَوْضِعُ ”بِما ضَرَبَ“ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي مَقْصُودُها العِلْمُ المُوجِبُ لِلْأدَبِ وزِيادَةً في تَقْبِيحِ كُفْرِهِمْ لا سِيَّما إنْ أرادُوا الحَقِيقَةَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ إلّا مِثْلَ الوالِدِ، لا يَتَصَوَّرُ أصْلًا أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ شَبَهِهِ في خاصِّ أوْصافِهِ. (p-٤٠٢)ولَمّا كانَ تَغَيُّرُ الوَجْهِ لا سِيَّما بِالسَّوادِ لا يُدْرَكُ حَقَّ الإدْراكِ إلّا بِالنَّهارِ، عَبَّرَ بِما هو حَقِيقَةٌ في الدَّوامِ نَهارًا وإنْ كانَ المُرادُ هَنا مُطْلَقَ الدَّوامِ: ﴿ظَلَّ﴾ أيْ دامَ ﴿وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ شَدِيدَ السَّوادِ لِما يَجِدُ مِنَ الكَراهَةِ المُوصِلَةِ إلى الحَنَقِ بِهَذِهِ البِشارَةِ الَّتِي أبانَتِ التَّجْرِبَةَ عَنْ أنَّها قَدْ تَكُونُ سارَّةً ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ حابِسٌ نَفْسَهُ عَلى ما مَلَئٍ مِنَ الكَرْبِ فَكَيْفَ يَأْنَفُ عاقِلٌ مِن شَيْءٍ ويَرْضاهُ لِعَبْدِهِ فَضْلًا عَنْ مُكافِيهِ فَضْلًا عَنْ سَيِّدِهِ - هَذا ما لا يَرْضى عاقِلٌ أنْ يَمُرَّ بِفِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ.
الزخرف 43:18
ولَمّا كانَ المَلَكُ لا يَأْخُذُ في جُنْدِهِ إلّا مَن يَصْلُحُ لِلْجُنْدِيَّةِ بِالمُجالَدَةِ والمُجادَلَةِ أوْ بِإحْداهُما، نَبَّهَ عَلى إنْكارٍ آخَرَ بِأنَّ الإناثَ لا يَصْلُحْنَ لِشَيْءٍ مِن هَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَقالَ مُعَبِّدًا لِإنْكارِ الثّالِثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ بالِغٌ جِدًّا في إثارَةِ الغَضَبِ: ﴿أوَمَن﴾ أيِ اتَّخَذَ مَن لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ.
. . لِنَفْسِهِ مَعَ أنَفَتِهِمْ مِنهُ واتَّخَذَ مَن ﴿يُنَشَّأُ﴾ أيْ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُكم عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، ومَن تُنْشِئُونَهُ وتُحِلُّونَهُ بِجُهْدِكم عَلى قِراءَةِ ضَمِّ الباءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ ﴿فِي الحِلْيَةِ﴾ أيْ في الزِّينَةِ فَيَكُونُ كُلًّا عَلى أبِيهِ لا يَصْلُحُ لِحَرْبٍ ولا مُعالَجَةِ طَعْنٍ ولا ضَرْبٍ ﴿وهُوَ﴾ (p-٤٠٣)أيْ والحالُ أنَّهُ، وقَدَّمَ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ قَوْلَهُ: ﴿فِي الخِصامِ﴾ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ مِنهُ إبانَةٌ مُطْلَقَةٌ كامِلَةٌ لِما يُرِيدُهُ لِنُقْصانِ العَقْلِ وضَعْفِ الرَّأْيِ بِتَدافُعِ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ وتَمَكُّنِ السِّعَةِ، فَلا دِفاعَ عِنْدَهُ بِيَدٍ ولا لِسانٍ.
الزخرف 43:19
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ المَحْذُورَ إنَّما هو جَعْلُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ إناثًا بِقَيْدِ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَبِيحٌ في نَفْسِهِ مُطْلَقًا لِدَلالَتِهِ عَلى احْتِقارِهِمْ وانْتِقاصِهِمْ فَهو كَفْرٌ ثالِثٌ إلى الكُفْرَيْنِ قَبْلَهُ: نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ جَعَلَ أخَصَّ النَّوْعَيْنِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ مُجْتَرِئِينَ عَلى ما لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ فِعْلَهُ ﴿المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ﴾ مُتَّصِفُونَ بِأشْرَفِ الأوْصافِ أنَّهم ﴿عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ العامَّةُ النِّعْمَةُ الَّذِي خَلَقَهم فَهم بَعْضُ مَن يَتَعَبَّدُ لَهُ وهم عِبادُهُ وحَقِيقَةٌ لِأنَّهم ما عَصَوْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَهم أهْلٌ لِأنْ يَكُونُوا عَلى أكْمَلِ الأحْوالِ، وقِراءَةُ ”عِنْدَ“ بِالنُّونِ شَدِيدَةِ المُناداةِ عَلَيْهِمْ بِالسَّفَهِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ حَضْرَةِ المَلِكِ الَّذِينَ يَصْرِفُهم في المُهِمّاتِ لا يَكُونُونَ إلّا عَلى أكْمَلِ الأحْوالِ وعِنْدِيَّتُهُ أنَّهم لَمْ يَعْصُوهُ قَطُّ وهم مَحَلٌّ مُقَدَّسٌ عَنِ المَعاصِي مُشْرِفٌ بِالطّاعاتِ وأهْلِ الِاصْطِفاءِ، (p-٤٠٤)وذِكْرُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْجَعْلِ الَّذِي بِمَعْنى التَّعْبِيرِ الِاعْتِقادِيِّ والقَوْلِ فَقالَ: ﴿إناثًا﴾ وذَلِكَ أدْنى الأوْصافِ خَلْقًا وذاتًا وصِفَةً، ثُمَّ دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ في هَذا المُطْلَقِ لِيَدُلَّ عَلى كَذِبِهِمْ في المُقَيَّدِ مِن بابِ الأوْلى فَقالَ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم وإنْكارًا عَلَيْهِمْ إظْهارًا لِفَسادِ عُقُولِهِمْ بِأنَّ دَعاوِيهِمْ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الأدِلَّةِ: ﴿أشَهِدُوا﴾ أيْ حَضَرُوا حُضُورًا هم فِيهِ عَلى تَمامِ الخِبْرَةِ ظاهِرًا وباطِنًا - هَذا هو مَعْنى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وأدْخَلَ نافِعٌ هَمْزَةَ التَّوْبِيخِ عَلى أُخْرى مَضْمُومَةً بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ تَنْبِيهًا عَلى عَجْزِهِمْ عَنْ شُهُودِ ذَلِكَ إلّا بِمَن يُشْهِدُهم إيّاهُ، وهو الخالِقُ لا غَيْرُهُ، ومَدُّها في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ زِيادَةً في المادَّةِ عَلَيْهِمْ بِالفَضِيحَةِ، وسَهَّلَ الثّانِيَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الواوِ إشارَةً إلى انْحِطاطِ أمْرِهِمْ وسُفُولِ آرائِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وجَمِيعُ تَقَلُّباتِهِمْ وأحْوالِهِمْ كَما سَيَكْشِفُ عَنْهُ الزَّمانُ ونَوازِلُ الحَدَثانِ ﴿خَلْقَهُمْ﴾ أيْ مَطْلَبُ الخَلْقِ في أصْلِهِ أوْ عِنْدَ الوِلادَةِ أوْ بَعْدَها عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ حُضُورًا أوْجَبَ لَهم تَحَقُّقَ ما قالُوا بِأنْ لَمْ يَغِيبُوا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ تِلْكَ الشَّهادَةُ حِسِّيَّةً بِنَظَرِ العَيْنِ أوْ مَعْنَوِيَّةً بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أوِ اسْتِدْلالِيٍّ بِعَقْلٍ أوْ سَمْعٍ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا، قالَ مُهَدِّدًا لَهم مُؤَكِّدًا لِتَهْدِيدِهِمْ (p-٤٠٥)بِالسِّينِ لِظَنِّهِمْ أنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ ولا حَشْرَ ولا نَشْرَ فَقالَ: ﴿سَتُكْتَبُ﴾ بِكِتابَةِ مَن وكَّلْناهم بِهِمْ مِنَ الحَفَظَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَنا فَنَحْنُ نُقَدِّرُهم عَلى جَمِيعِ ما نَأْمُرُهم بِهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعِظَمِ الكِتابَةِ تَفْخِيمًا لِلْوَعِيدِ وإكْبارًا لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهْدِيدِ في قِراءَةِ النُّونِ المُفِيدَةِ لِلْعَظَمَةِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصَبَ الشَّهادَةَ ﴿شَهادَتُهُمْ﴾ أيْ قَوْلِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم إناثٌ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا بَعْدَ تَمامِ المُشاهَدَةِ، فَهو قَوْلٌ رَكِيكٌ سَخِيفٌ ضَعِيفٌ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّأْنِيثُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ ﴿ويُسْألُونَ﴾ عَنْها عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في السِّينِ اسْتِعْطافُ إلى التَّوْبَةِ قَبْلَ كِتابَةٍ ولا عِلْمٍ لَهم بِهِ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى أبُو أُمامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
«كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ الرَّجُلِ وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِ الرَّجُلِ، وكاتِبُ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ، لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ اللهَ أوْ يَسْتَغْفِرُ» رَواهُ الشَّعْبِيُّ والبَغَوِيُّ مِن طَرِيقِهِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ جَعْفَرٍ عَنِ القاسِمِ عَنْ أبِي أُمامَةَ والبَيْهَقِيِّ مِن رِوايَةِ بِشْرِ بْنِ نَمِيرٍ عَنِ القاسِمِ نَحْوُهُ وأبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ وابْنِ مَرْدُويَهْ (p-٤٠٦)مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ رَجاءٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمَ عَنِ القاسِمِ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ورَوى الحاكِمُ وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ عَنْ أُمِّ عِصْمَةَ العُوصِيَّةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْها قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَعْمَلُ ذَنْبًا إلّا وقَفَ المَلِكُ ثَلاثَ ساعاتٍ، فَإنِ اسْتَغْفَرَ مِن ذَنْبِهِ لَمْ يُوقِعْهُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَذَّبْ يَوْمَ القِيامَةِ» .
الزخرف 43:20
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم يَسْألُونَ بِطَرِيقِ الأوْلى عَنِ العِبادَةِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهم عَبَدُوهم مَعَ ادِّعاءِ الأُنُوثَةِ فِيهِمْ، فَقالَ مُعْجِبًا مِنهم في ذَلِكَ وفي جَعْلِ قَوْلِهِمْ حُجَّةً دالَّةً عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ وهو مِن أوْهى الشُّبَهِ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ بَعْدَ عِبادَتِهِمْ لَهم ونَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ عُمُومُ الرَّحْمَةِ ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ لِأنَّ عُمُومَ الرَّحْمَةِ يَمْنَعُ الإقْرارَ عَلى ما لا يَنْبَغِي ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ عَدَمَ عِبادَتِنا لَهم فَعَبَدْناهم طَوْعَ مَشِيئَتِهِ، فَعِبادَتُنا لَهم حَقٌّ، ولَوْلا أنَّها حَقٌّ يَرْضاهُ لَنا لَعَجَّلَ لَنا العُقُوبَةَ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِماذا يُجابُونَ عَنْ هَذا، قالَ مُنَبِّهًا عَلى جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ أُصُولَ الدِّينِ لا يَتَكَلَّمُ فِيها إلّا بِقاطِعٍ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ﴾ (p-٤٠٧)أيْ بِهَذا المَعْنى البَعِيدِ عَنِ الصَّوابِ الَّذِي قَصَدُوا جَعْلَهُ دَلِيلًا عَلى حَقِّيَّةِ عِبادَتِهِمْ لَهم وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ إلّا ما هو حَقٌّ ويَرْضاهُ ويَأْمُرُ بِهِ، ومِن أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أيْ لِأنَّهُ لَوْ لَزِمَ هَذا لَكانَ وضْعُهُ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ حِينَئِذٍ اضْطِرارِيًّا لا اخْتِيارِيًّا فَيُؤَدِّي إلى نَقْصٍ لا إلى كَمالٍ، ولَكانَ أيْضًا ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى إيجابِ أنْ يَكُونَ النّاسُ كُلُّهم مَرْضِيًّا عَنْهم لِكَوْنِهِمْ عَلى حَقٍّ، وذَلِكَ مُؤَدٍّ بِلا رَيْبٍ إلى كَوْنِ النَّقِيضَيْنِ مَعًا حَقًّا، وهو بَدِيهِيُّ الِاسْتِحالَةِ.
ولَمّا كانَ العِلْمُ قَدْ يَنْتَفِي والمَعْلُومُ ثابِتٌ في نَفْسِهِ قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿إنْ هُمْ﴾ أيْ ما هم ﴿إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ في هَذِهِ النَّتِيجَةِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها دَلَّتْهم عَلى رِضى اللهِ سُبْحانَهُ لِكُفْرِهِمْ فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ إلّا ما هو حَقٌّ، والَّذِي جَرَّأهم عَلى ذَلِكَ أنَّهم يُجَدِّدُونَ عَلى الدَّوامِ القَوْلَ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا تَحَرٍّ، فَكانَ أكْثَرُ قَوْلِهِمْ كَذِبًا، فَصارُوا لِذَلِكَ يَجْتَرِئُونَ عَلى تَعَمُّدِ القَوْلِ لِلظَّنِّ الَّذِي لا يَأْمَنُ صاحِبَهُ مِنَ الوُقُوعِ في صَرِيحٍ، وسَيَأْتِي تَمامُ إبْطالِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وأنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ لا ما طالَ الخَبْطُ فِيهِ لِإهْمالٍ في السَّوابِقِ واللَّواحِقِ المُوجِبَةِ لِسُوقِ المُقالِ، مُطابِقًا لِمُقْتَضى الحالِ، (p-٤٠٨)وقَدْ جَهِلُوا في هَذا الكَلامِ عِدَّةَ جَهالاتٍ: ادِّعاءُ الوَلْدِيَّةِ لِلْغَنِيِّ المُطْلَقِ، وكَوْنُ الوَلَدِ أدْنى الصِّنْفَيْنِ، وعِبادَتُهم لَهم مَعَ أنْفُسِهِمْ مِنهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ، واحْتِياجُهم عَلى صِحَّةِ فِعْلِهِمْ بِتَقْدِيرِ عِلْمٍ عَلى ذَلِكَ وهو قَدْ نَهاهم عَنْهُ بِلِسانِ كُلِّ رَسُولٍ، وظَنُّهم أنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما هو الحَقُّ المُؤَدِّي إلى الجَمِيعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ إذْ لا رَيْبَ فِيهِ ولا خَفاءَ بِهِ.
الزخرف 43:21
ولَمّا كانَ الإيمانُ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم جُنْدُ المَلِكِ مِن دَعائِمِ أُصُولِ الدِّينِ، وكانَ الإيمانُ بِالشَّيْءِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلى ما هو عَلَيْهِ الشَّيْءُ ولَوْ بِأدْنى الوُجُوهِ كانَ مُخْتَلًّا، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم وصَفُوهم بِغَيْرِ ما هم عَلَيْهِ فَفَرَّطُوا بِوَصْفِهِمْ بِالبَناتِ حَتّى أنْزَلُوهم إلى الحَضِيضِ وأفْرَطُوا بِالعِبادَةِ حَتّى أعْلُوهم عَنْ قَدْرِهِمْ فانْسَلَخُوا في كِلا الأمْرَيْنِ مِن صَرِيحِ العَقْلِ بِما أشارَ إلَيْهِ ما مَضى، أتْبَعَ ذَلِكَ أنَّهم عَرِيئُونَ أيْضًا مِن صَحِيحِ النَّقْلِ، فَقالَ مُعادِلًا لِقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] إنْكارًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ إنْكارٍ، مُوجِبًا ذَلِكَ أعْظَمَ العارِ، لافِتًا القَوْلَ عَنِ الوَصْفِ بِالرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ عَلى أنَّ حُكْمَهُ تَعالى مَتى بَرَزَ لَمْ يَسَعْ سامِعَةً إلّا الوُقُوفُ عِنْدَهُ والِامْتِثالُ عَلى كُلِّ حالٍ وإلّا حَلَّ بِهِ أعْظَمُ النَّكالِ: ﴿أمْ آتَيْناهُمْ﴾ (p-٤٠٩)بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كِتابًا﴾ أيْ جامِعًا لِما يُرِيدُونَ اعْتِقادَهُ مِن أقْوالِهِمْ هَذِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ أخْبَرْناهم فِيهِ أنّا جَعَلْناهم إناثًا وأنّا لا نَشاءُ إلّا ما هو حَقٌّ نَرْضاهُ ونَأْمُرُ بِهِ ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإيتاءِ أنَّهم ﴿بِهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أيْ مُوجِدُونَ الِاسْتِمْساكَ بِهِ وطالِبُونَ لِلثَّباتِ عَلَيْهِ في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وفي أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِكَوْنِهِ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، وفي وصْفِهِمُ المَلائِكَةَ بِالأُنُوثَةِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يَرْتَكِبُونَهُ باطِلًا، والإنْكارُ يَقْتَضِي نَفْيَ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِن إيتاءِ الكِتابِ كَما انْتَفى إشْهادَهُ لَهم خَلْقَهُمْ، وهَذِهِ المُعادَلَةُ الَّتِي لا يَشُكُّ فِيها مَن لَهُ بَصَرٌ بِالكَلامِ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ كَوْنِ الإشارَةَ في ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] شامِلَةٌ لِدَعْواهُمُ الأُنُوثَةَ في المَلائِكَةِ.
الزخرف 43:22
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا عَنْ هَذَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ: لَيْسَ لَهم ذَلِكَ عَلى مُطْلَقِ ما قالُوا ولا مُقَيِّدِهِ مِن صَرِيحِ عَقْلٍ ولا صَحِيحِ نَقْلٍ إلى مَن يَصِحُّ النَّقْلُ عَنْهُ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالأخْبارِ الإلَهِيَّةِ، نَسَّقَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إرْشادًا إلَيْهِ: ﴿بَلْ قالُوا﴾ أيْ في جَوابِهِمْ عَنْ قَوْلِ ذَلِكَ واعْتِقادِهِ مُؤَكِّدِينَ إظْهارًا جَهْلًا أوْ تَجاهُلًا لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَعِبْ عَلَيْهِمْ إلّا لِظَنِّ أنَّهُ لا سَلَفَ لَهم أصْلًا فِيهِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُمُ انْفَصَلَ النِّزاعُ: (p-٤١٠)﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا﴾ أيْ وهم أرْجَحُ مِنّا عُقُولًا وأصْبَحَ أفْهامًا ﴿عَلى أُمَّةٍ﴾ أيْ طَرِيقَةٍ عَظِيمَةٍ يَحِقُّ لَها أنْ تَقْصِدَ وتَؤُمَّ مِثْلَ رِحْلَةٍ بِمَعْنى شَيْءٍ هو أهْلٌ لِأنْ يَرْحَلَ إلَيْهِ، وكَذا قُدْوَةٌ ونَحْوُهُ.
وقِراءَةُ الكَسْرِ مَعْناها حالَةٌ حَسَنَةٌ يَحِقُّ لَها أنْ تَؤُمَّ ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً لا عَلى غَيْرِها ونَحْنُ في غايَةِ الِاجْتِهادِ والقَصِّ لِلْآثارِ وإنْ لَمْ نَجِدْ عَيْنًا نَتَحَقَّقُها.
ولَمّا عَلِمَ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ صَرِيحًا في الدَّلالَةِ عَلى الهِدايَةِ، بَيَّنُوا الجارَّ والمَجْرُورَ، وأخْبَرُوا بَعْدَ الإخْبارِ واسْتَنْتَجُوا مِنهُ قَوْلَهُمُ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ مَن سَألَ: ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أيْ نَحْنُ، فَإذا ثَبَتَ بِهَذا الكَلامِ المُؤَكَّدِ أنّا ما أتَيْنا بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِنا ولا غَلَطْنا في الِاتِّباعِ واقْتِفاءِ الآثارِ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْنا بِوَجْهٍ، هَذا قَوْلُهُ في الدِّينِ بَلْ في أُصُولِهِ الَّتِي مَن ضَلَّ في شَيْءٍ مِنها هَلَكَ، ولَوْ ظَهَرَ لِأحَدٍ مِنهم خَلَلٌ في سَعْيِ أبِيهِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي بِهِ يُحَصِّلُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ ما اقْتَدى بِهِ أصْلًا وخالَفَهُ أيَّ مُخالَفَةِ، ما هَذا إلّا لِمَحْضِ الهَوى وقُصُورِ النَّظَرِ، وجَعَلَ مَحَطَّهُ الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ الحاضِرَ، لا نُفُوذَ لَهم في المَعانِي بِوَجْهٍ.
الزخرف 43:23
ولَمّا كانَ تَرْكُ المَدْعُوِّ لِلدَّلِيلِ واتِّباعِهِ لِلْهَوى غائِظًا مُوجِعًا ومُنِكِّئًا مُولِمًا، قالَ يُسَلِّيهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ (p-٤١١)أيْ ومِثْلُ هَذا الفِعْلِ المُتَناهِي في البَشاعَةِ فَعَلَتِ الأُمَمُ الماضِيَةُ مَعَ إخْوانِكَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أرْسَلْنا﴾ مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.
ولَمّا كانَتْ مَقالَةُ قُرَيْشٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ والمُرادُ التَّسْلِيَةُ بِغَيْرِهِمْ، وكانَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ فَلا أُمَّةَ لِغَيْرِهِ في زَمانِهِ ولا بَعْدَهُ يُسَلِّيهِ بِها، سَلاهُ بِمَن مَضى، وقَدَّمَ ذِكْرَ القِبْلِيَّةِ اهْتِمامًا بِالتَّسْلِيَةِ وتَخْلِيصًا لَها مِن أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ في زَمانِهِ أوْ بَعْدَهُ نَذِيرٌ، وإفْهامًا لِأنَّ المُجَدِّدَ لِشَرِيعَتِهِ إنَّما يَكُونُ مُغِيثًا لِأُمَّتِهِ وبَشِيرًا لا نَذِيرًا لِثَباتِهِمْ عَلى الدِّينِ بِتَصْدِيقِهِمْ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ فَقالَ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ في الأزْمِنَةِ السّالِفَةِ حَتّى القَرِيبَةِ مِنكَ جِدًّا، فَإنَّ التَّسْلِيَةَ بِالأقْرَبِ أعْظَمُ، وأثْبَتَ الجارَّ لِأنَّ الإرْسالَ بِالفِعْلِ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ الأزْمِنَةِ وأسْقَطُ هَذِهِ القِبْلِيَّةَ في ”سَبَأٍ“ لِأنَّ المُرادَ فِيها التَّعْمِيمُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِقُرَيْشٍ ذِكْرٌ حَتّى يَخُصَّ مَن قَبْلَهم. ولَمّا كانَ أهْلُ القُرى أقْرَبَ إلى العَقْلِ وأوْلى بِالحِكْمَةِ والحِكَمِ، قالَ: ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ وبَيَّنَ بِهِ أنَّ مَوْضِعَ الكَراهَةِ والخِلافِ الإنْذارُ عَلى مُخالَفَةِ الأهْواءِ ﴿إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ أيْ أهْلُ التَّرَفُّهِ بِالضَّمِّ وهي النِّعْمَةُ والطَّعامُ الطَّيِّبُ والشَّيْءُ الطَّرِيقُ يَكُونُ خاصَّةً بِالمُتْرَفِ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْقِلَّةِ وهو مُوجِبٌ لِلرّاحَةِ والبِطالَةِ (p-٤١٢)الصّارِفُ عَنْ جُهْدِ الِاجْتِهادِ إلى سَفالَةِ التَّقْلِيدِ، وهو مُوجِبٌ لِرُكُونِ الهَواءِ ولَوْ بانَ الدَّلِيلُ، وهو مُوجِبٌ لِلْبَغْيِ والإصْرارِ عَلَيْهِ واللَّجاجَةِ فِيهِ والتَّجَبُّرِ والطُّغْيانِ، ومُعْظَمُ النّاسِ في الأغْلَبِ أتْباعٌ لِهَؤُلاءِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا﴾ أيْ وهم أعْرَفُ مِنّا بِالأُمُورِ ﴿عَلى أُمَّةٍ﴾ أيْ أمْرٌ جامِعٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْصَدَ ويُؤَمَّ وطَرِيقَةٌ ودِينٌ، وأكَّدُوا قَطْعًا لِرَجاءِ المُخالِفِ مِن لَفْتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ﴾ لا غَيْرُها، ثُمَّ بَيَّنُوا الجارَّ والمَجْرُورَ وأخْبَرُوا خَبَرًا ثانِيًا واسْتَأْنَفُوا لِإتْمامِ مُرادِهِمْ قَوْلَهم إيضاحًا لِأنَّ سَبَبَ القَصِّ القُدْوَةُ: ﴿مُقْتَدُونَ﴾ أيْ مُسْتَنُّونَ أيْ راكِبُونَ سُنَنَ طَرِيقِهِمْ لازِمُونِ لَهُ لِأنَّهم مُقْتَدُونَ لِأنْ تُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، وحالُنا أطْيَبُ ما يَكُونُ في الِاسْتِقامَةِ وأقْرَبُ وأسْرَعُ.
الزخرف 43:24
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالَ كُلُّ نَذِيرٍ: فَما أصْنَعُ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ”قُلْ“ أيْ يا أيُّها النَّذِيرُ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ وعاصِمٍ يَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّ السّامِعَ قالَ: فَما قالُ النَّذِيرُ في جَوابِهِمْ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: قالَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ: ﴿أوَلَوْ﴾ أيْ أتَقْتَدُونَ بِآبائِكم عَلى كُلِّ حالٍ وتَعُدُّونَهم مُهْتَدِينَ ولَوْ ﴿جِئْتُكُمْ﴾ والضَّمِيرُ (p-٤١٣)فِيهِ لِلنَّذِيرِ، وفي قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ: أوَ لَوْ جِئْتُكم لِلنُّذُرِ كُلِّهِمْ ﴿بِأهْدى﴾ أيْ أمْرٍ أعْظَمَ في الهِدايَةِ وأوْضَحَ في الدَّلالَةِ ﴿مِمّا وجَدْتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُقْتَدُونَ بِالآباءِ ﴿عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ كَما تَضْمَّنَ قَوْلُكم أنَّكم تَقْتَفُونَ في اتِّباعِهِمْ بِالآثارِ في أعْظَمِ الأشْياءِ، وهو الدِّينُ الَّذِي الخَسارَةُ فِيهِ خَسارَةٌ لِلنَّفْسِ وأنْتُمْ تُخالِفُونَهم في أمْرِ الدُّنْيا إذا وجَدْتُمْ طَرِيقًا أهْدى مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها مِن طَرِيقِهِمْ ولَوْ بِأمْرٍ يَسِيرٍ، ويَفْتَخِرُ أحَدُكم بِأنَّهُ أدْرَكَ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يُدْرِكْ أبُوهُ فَحَصَّلَ مِنَ المالِ أكْثَرَ مِمّا حَصَّلَ، فَيا لَهُ مِن نَظَرٍ ما أقْصَرَهُ، ومَتْجَرٍ ما أخْسَرَهُ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ النُّذُرَ قالُوا لَهم ما أمَرُوا بِهِ؟ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمْ لَهُمْ، أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ مُؤَكِّدِينَ رَدًّا لِما قَطَعَ بِهِ كُلُّ عاقِلٍ سَمِعَ هَذا الكَلامَ مِن أنَّهم يُبادِرُونَ النَّظَرَ في الدَّلِيلِ والرُّجُوعِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أيُّها المُدَّعُونَ لِلْإرْسالِ مِن أيِّ مُرْسَلٍ كانَ، ولَوْ ثَبَتَ ما زَعَمْتُمُوهُ مِنَ الرِّسالَةِ ولَوْ جِئْتُمُونا بِما هو أهْدى ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ ساتِرُونَ لَما ظَهَرَ مِن ذَلِكَ جُهْدُنا حَتّى لا يَظْهَرَ لِأحَدٍ ولا يَتْبَعَهم فِيهِ مَخْلُوقٌ.
الزخرف 43:25
ولَمّا عَلِمَ بِهَذا أنَّ أمْرَهم وصَلَ إلى العِنادِ المُسْقِطِ لِلِاحْتِجاجِ، (p-٤١٤)سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مَوْعِظَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ وبَيانًا لِما خَصَّها بِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ: ﴿فانْتَقَمْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها ﴿مِنهُمْ﴾ فَأهْلَكْناهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وعَظُمَ أثَرُ النِّقْمَةِ بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ﴾ أيْ بِسَبَبِ التَّعَرُّفِ لِذَلِكَ وبِالِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ هو جَدِيرٌ لِعِظَمِهِ بِخَفاءِ سَبَبِهِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ آخِرُ أمْرِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ إرْسالُنا فَإنَّهم هَلَكُوا أجْمَعُونَ، ونَجا المُؤْمِنُونَ أجْمَعُونَ، فَلْيَحْذَرْ مَن رَدَّ رِسالَتَكَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ.
الزخرف 43:26
ولَمّا ذَكَرَ لَهُمُ الأدِلَّةَ وحَذَّرَهم بِالأخْذِ وتَحَرَّرَ أنَّهم مَعَ التَّقْلِيدِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، ذَكَّرَهم بِأعْظَمِ آبائِهِمْ ومَحَطِّ فَخْرِهِمْ وأحَقِّهِمْ بِالِاتِّباعِ لِلْفَوْزِ بِأتْباعِ الأبِ في تَرْكِ التَّقْلِيدِ أوْ في تَقْلِيدِهِ إنْ كانَ لا بُدَّ لَهم مِنَ التَّقْلِيدِ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ الآباءِ ولِكَوْنِهِ مَعَ الدَّلِيلِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ لِلْإشارَةِ إلى تَأمُّلِهِ وإمْعانِ النَّظَرِ فِيهِ: اذْكُرْ لَهم ذَلِكَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم حِينَ ﴿قالَ﴾ أعْظَمُ آبائِهِمْ ومَحَطُّ فَخْرِهِمْ والمُجْمَعِ عَلى مَحَبَّتِهِ وحَقِّيَّةِ دِينِهِ مِنهم ومِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ ﴿إبْراهِيمُ لأبِيهِ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُقَلِّدَهُ كَما أنْتُمْ قَلَّدْتُمْ آبائِكُمْ، ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الواحِدِ لِلْجَمْعِ شَدِيدَةً، ذَكَرَ لَهم حالَهُ فِيها بَيانًا لِأنَّهم أحَقُّ مِنهم بِالِانْفِكاكِ عَنِ (p-٤١٥)التَّقْلِيدِ ﴿وقَوْمِهِ﴾ الَّذِينَ كانُوا هُمُ القَوْمُ في الحَقِيقَةِ لِاحْتِوائِهِمْ عَلى مِلْكِ جَمِيعِ الأرْضِ كَما قُلْتُ: إنّا لَكم سَواءٌ ولَمّا كانُوا لا يَتَخَيَّلُونَ أصْلًا أنَّ أحَدًا يَكُونُ مُخالِفًا لَهُمْ، أكَّدَ بِالحَرْفِ وإظْهارِ نُونِ الوِقايَةِ فَقالَ: ﴿إنَّنِي﴾ وزادَ بِالنَّعْتِ بِالمَصْدَرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ والمُذَكَّرُ وغَيْرُهُ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا وإنْ وقَعَ مَوْقِعَ الصِّفَةِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مُجَسَّدٌ مِنَ البَراءَةِ جَعَلَهُ عَلى صُورَةِ المَزِيدِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿بَراءٌ﴾ ومَن ضَمَّهُ جَعَلَهُ وصْفًا مَحْضًا مِثْلَ طُوالٍ في طَوِيلٍ ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ مَهْما كانَ غَيْرَ مَنِ اشْتَبَهَ، فَإنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِثْناءِ ومِن كَوْنِهِ مُتَّصِلًا، قالَ الإمامُ أبُو عَلِيِّ الحَسَنُ بْنُ يَحْيى بْنُ نَصْرٍ الجُرْجانِيُّ في كِتابِ بَيانِ نُظُمِ القُرْآنِ ما حاصِلُهُ: سِرُّ قَوْلِ السَّلَفِ أنَّ الكَلِمَةَ هُنا أيِ الآيَةَ في قَوْلِهِ كَلِمَةٌ باقِيَةٌ ”لا إلَهَ إلّا الله“ أنَّ النَّفْيَ والتَّبْرِئَةَ واحِدٌ فَإنَّنِي بَراءٌ بِمَنزِلَةِ لا، وقَوْلُهُ ﴿مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ بِمَنزِلَةِ إلَهٍ إذْ كَلُّ مَعْبُودٍ يُسَمّى إلَهًا
الزخرف 43:27
فَآلَ ذَلِكَ إلى: لا إلَهَ ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ قالَ: فَقَدْ ضَمَمْتُ بِهَذا التَّأْوِيلِ إلى فَهْمِكَ الأوَّلِ الَّذِي اسْتَفَدْتُهُ مِنَ الخَبَرِ فَهُمُ المَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّذِي أفادَ لَهُ طِباعَكَ (p-٤١٦)بِالعِبْرَةِ، ونَبَّهَ بِالوَصْفِ بِالفِطَرِ عَلى دَلِيلِ اعْتِقادِهِ أيِ الَّذِي شَقَّ العَدَمَ فَأخْرَجَنِي مِنهُ ثُمَّ شَقَّ هَذِهِ المَشاعِرَ والمُدْرِكَ، ومَن كانَ بِهَذِهِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ كانَ مُنْفَرِدًا بِالعَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ اللهُ سُبْحانَهُ - ولَهُ المَنُّ - قَدْ أنْعَمَ بَعْدَ الإيجادِ بِما أشارَ إلَيْهِ مِنَ العَقْلِ والحَواسِّ المُهَيِّئِ لِلْهِدايَةِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يَمْنَحَ قاصِدَهُ بِأعْظَمِ هِدايَةٍ قالَ مُسَبِّبًا عَنْ قَطْعِهِ العَلائِقَ مَن سِواهُ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يُنْكِرُ وُصُولَهُ إلى حَدٍّ عَمِيَ عَنْهُ أسْلافُهُ ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أيْ هِدايَةً هي الهِدايَةُ إلى ما لاحَ لِي مِنَ الحَقائِقِ مِن كُلِّ ما يُصْلِحُنِي لِتَوَجُّهِي إلَيْهِ وتَوَكُّلِي عَلَيْهِ، لا مِرْيَةَ عِنْدِي في هَذا الِاعْتِقادِ، وقَدْ أفادَ بِهَذِهِ المُقْتَرِنَةِ بِالسِّينِ هِدايَتُهُ في الِاسْتِقْبالِ بَعْدَ أنْ أفادَ بِقَوْلِهِ المَحْكِيِّ في الشُّعَراءِ ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] الهِدايَةُ في الحالِ وكَأنَّهُ خَصَّ هَذا بِالسِّينِ لِأجْلِ ما عَقَبَها بِهِ مِن عَقِبِهِ، فَجَعَلَ هِدايَتَهم هِدايَتَهُ
الزخرف 43:28
﴿وجَعَلَها﴾ أيْ جَعَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ بِدَلِيلِهِ ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ أيْ ذُرِّيَّتِهِ دَعا وهو مُجابُ الدَّعْوَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وفي قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ (p-٤١٧)مَن يَنْظُرُ إلَيْهِمْ إنْ حَصَلَ مِنهم مُخالَفَةٌ واعْوِجاجٌ حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ، فَإنَّهم إذا ذَكَرُوا أنَّ أباهُمُ الأعْظَمَ الَّذِي بَنى لَهُمُ البَيْتَ وأوْرَثَهُمُ الفَخْرَ قالَ ذَلِكَ تابَعُوهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ”إذْ“ أيِ اذْكُرْ لَهم قَوْلَ أبِيهِمْ لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ مَن يَجْهَلُ العَواقِبَ حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنْ تَقْلِيدِ الجَهَلَةِ مِنَ الآباءِ إلى اتِّباعِ هَذا الأبِ الَّذِي اتِّباعُهُ لا يُعَدُّ تَقْلِيدًا لِما عَلى قَوْلِهِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ فَتَضَمَّنَ لِمُتَّبِعِها حَتْمًا تَمامَ النَّصْرِ، وفي سُوقِهِ المُتَرَجِّي إشارَةٌ إلى أنَّهم يَكُونُونَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ يَرْجِعُ وآخَرُ لا يَرْجِعُ.
الزخرف 43:29
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ السّامِعَ يَقُولُ لِمَن أحاطَ عِلْمُهُ بِهِمْ ويَعْلَمُ سِرَّهم وعَلَنَهُمْ: يا رَبِّ! بَلْ رَجَعُوا، أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَمْ يَرْجِعُوا بَلِ اسْتَمَرُّوا لِأجْلِ إظْهارِي لِقُدْرَتِي عَلى القُلُوبِ بِإقْحامِ أرْبابِها بِرِضاهم واخْتِيارِهِمْ في أقْبَحِ الخُطُوبِ وأفْحَشِ الذُّنُوبِ عَلى تَرْكِ الطَّرِيقِ المَنِيعِ والصِّراطِ الأقْوَمِ وزاغُوا عَنْهُ زَيْغًا عَظِيمًا، واسْتَمَرُّوا في ضَلالِهِمْ وتِيهِهِمْ ولَمْ أُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ لِأنِّي ﴿مَتَّعْتُ﴾ بِإفْرادِهِ ضَمِيرَهم سُبْحانَهُ لِأنَّ التَّمْتِيعَ يَتَضَمَّنُ إطالَةَ العُمْرِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها ظاهِرًا ولا باطِنًا سِواهُ وأمّا الِانْتِقامُ فَقَدْ يَجْعَلُهُ بِأيْدِي عِبادِهِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهو مِن وادِي ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥] (p-٤١٨)﴿هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّذِينَ بِحَضْرَتِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأعْداءِ الدِّينِ ﴿وآباءَهُمْ﴾ فَمَدَدْتُ مِنَ الأعْمارِ مَعَ سَلامَةِ الأبْدانِ ومَتانَةِ الأرْكانِ، وإسْباغِ النِّعَمِ والإعْفاءِ مِنَ البَلايا والنِّقَمِ، فَأبْطَرَتْهم نَعَمِي وأزْهَدَتْهم أيادِي جُودِي وكَرَمِي، وتَمادى بِهِمْ رُكُوبُ ذَلِكَ الباطِلِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ بِهَذا الدِّينِ المَتِينِ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أمْرُهُ ظاهِرٌ في نَفْسِهِ، لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آياتٌ مُبَيِّنَةٌ كانَتْ بَدِيهِيَّةً تَنَبُّئِكَ بِالخَبَرِ وهو مَعَ ظُهُورِهِ في نَفْسِهِ مَظْهَرٌ لِكُلِّ مَعْنًى يَحْتاجُ إلَيْهِ، و﴿مَتَّعْتُ﴾ بِالخِطابِ مِن لِسانِ الرَّسُولِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ هَذا الكِتابِ لِأنَّهُ يَدْعُو انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ لَعَلَّهُ يُجابُ بِما يُزِيلُ الغُصَّةَ يَقُولُ: يا رَبِّ! قَدْ أقَمْتَهم لِمَن يَجْهَلُ العَواقِبَ في مَقامِ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ فَما قَضَيْتَ بِذَلِكَ بَلْ مَتَّعْتَ إلى آخِرِهِ.
الزخرف 43:30
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَرُدَّهُمُ التَّمْتِيعُ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإسْراعِنا بِها إلَيْهِمْ مَعَ وُضُوحِ الأمْرِ لَهُمْ، بَلْ كانَ الإنْعامُ عَلَيْهِمْ سَبَبًا لِبَطَرِهِمْ، وكانَ البَطَرُ سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِنِعْمَتِنا عَلى عِصْيانِ أمْرِنا وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أتْبَعُ النّاسِ لِلْحَقِّ وأكَفُّهم عَنِ الباطِلِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في حَقِّيَّتِهِ بِمُطابَقَةِ الواقِعِ إيّاهُ مِن غَيْرِ إلْباسٍ ولا اشْتِباهٍ، الظّاهِرُ في كَمالِهِ لِكُلِّ مَن لَهُ أدْنى لُبٍّ بِما عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الإعْجازِ في نَظْمِهِ، وما عَلَيْهِ ما يَدْعُو إلَيْهِ (p-٤١٩)مِنَ الحِكْمَةِ مِن جَمِيعِ حِكَمِهِ، والتَّصادُقِ مَعَ ما يَعْلَمُونَهُ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبَدِّلُوهُ ومِن أمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّوْحِيدِ، زادُوا عَلى تِلْكَ الغَفْلَةِ الَّتِي أدّى إلَيْها البَطَرُ بِالنِّعْمَةِ ما هو شَرٌّ مِن ذَلِكَ وهو التَّكْذِيبُ بِأنْ ﴿قالُوا﴾ مُكابَرَةً وعِنادًا وحُسْنًا وبَغْيًا مِن غَيْرِ وقْفَةٍ ولا تَأمُّلٍ: ﴿هَذا﴾ مُشِيرِينَ إلى الحَقِّ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، فَلا شَيْءَ أثْبَتُ مِنهُ وهو القُرْآنُ وغَيْرُهُ مِمّا أتى بِهِ مِن دَلائِلِ العِرْفانِ ﴿سِحْرٌ﴾ أيْ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا مِن غَيْرِ شَكٍّ ولا وقْفَةٍ لِمَعْرِفَتِهِمْ لِما جاءَ بِهِ وإذْعانِهِمْ لَهُ قالُوا مُؤَكِّدِينَ لِمُدافِعِهِ ما ثَبَتَ في النُّفُوسِ مِن ذَلِكَ: ﴿وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في سَتْرِهِ بِخُصُوصِهِ حَتّى لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ ولا يَكُونُ لَهُ تابِعٌ.
الزخرف 43:31
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ طَعْنِهِمْ في القُرْآنِ أتْبَعَهُ الإخْبارُ عَنْ طَعْنِهِمْ فِيمَن جاءَ بِهِ تَغْطِيَةً لِأمْرِهِ عَمَلًا بِأخْبارِهِمْ في خِتامِ ما قَبْلَها عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ زِيادَةً وإمْعانًا فِيما كانَتِ النِّعَمُ أدَّتْهم إلَيْهِ مِنَ البَطَرِ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ لَمّا قَهَرَهم ما ذُكِّرُوا بِهِ مِمّا يَعْرِفُونَهُ مِن أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وكَذا مِن بَعْدِهِ مِن أوْلادِهِ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُمُ الإصْرارُ عَلى العِنادِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ مِنَ البَشَرِ قَوْلُ مَن لَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ في التَّصَرُّفِ في الكَوْنِ والتَّحَكُّمِ عَلى المَلِكِ الَّذِي (p-٤٢٠)لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، فَأنْكَرُوا التَّخْصِيصَ بِما أتَوْا بِهِ مِنَ التَّخْصِيصِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلْ لا ولَوْلا.
ولَمّا كانَ إنْزالُ القُرْآنِ نُجُومًا عَلى حَسَبِ التَّدْرِيجِ، عَبَّرُوا بِما يُوافِقُ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿نُـزِّلَ﴾ أيْ مِنَ المُنْزَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَيَّنُوا مُرادَهم ونَفَوُا اللَّبْسَ فَقالُوا بِقَسْرٍ وغِلْظَةِ كَلِمَةٍ عَلى مَن يَطْلُبُهم لِإصْلاحِ حالِهِمْ ﴿هَذا القُرْآنُ﴾ أيِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وادَّعى أنَّهُ جامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّحْقِيرِ ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ﴾ أيْ مَكَّةُ والطّائِفُ، ولَمْ يَقُلْ: إحْدى - اغْتِناءً عَنْها بِوَحْدَةِ رَجُلٍ ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ بِما بِهِ عِنْدَهم مِنَ العَظَمَةِ والجاهِ والمالِ والسِّنِّ ونَحْوِ ذَلِكَ وهم عالِمُونَ أنَّ شَأْنَ المَلَكِ إنَّما هو إرْسالُ مَن يَرْتَضُونَهُ لا مَن يَقْتَرِحُهُ الرَّعِيَّةُ، ويَعْلَمُونَ أنَّ لِلْمَلَكِ المُرْسَلِ لَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الغِنى المُطْلَقَ لَكِنَّهم جَهِلُوا - مَعَ أنَّهُ هو الَّذِي أفاضَ المالَ والجاهَ - أنَّهُ نَدَبَ إلى الزُّهْدِ فِيهِما والتَّخَلِّي عَنْهُما، وأنَّهُ لا يَقْرُبُ إلَيْهِ إلّا إخْلاصُ الإقْبالِ عَلَيْهِ النّاشِئِ عَنْ طَهارَةِ الرُّوحِ وذَكاءِ الأخْلاقِ وكَمالِ الشَّمائِلِ والتَّحَلِّي بِسائِرِ الفَضائِلِ والتَّخَلِّي عَنْ جَمِيعِ الرَّذائِلِ، فَقَدَ (p-٤٢١)جَعَلُوا لِإفْراطِهِمْ في الجَهْلِ الحالَةَ البَهِيمِيَّةَ شَرْطًا لِلْوُصُولِ إلى الحالَةِ المَلَكِيَّةِ المُضادَّةِ لَها بِكُلِّ اعْتِبارٍ.
الزخرف 43:32
ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم إثْباتَ عَظَمَةٍ لِأنْفُسِهِمْ بِالِاعْتِراضِ عَلى المَلِكِ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم بِما مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ مَرْدُودًا إلَيْهِمْ ولا مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ بَلْ هو إلى اللهِ وحْدَهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿أهُمْ﴾ أيْ أهَؤُلاءِ الجَهَلَةُ العَجَزَةُ ﴿يَقْسِمُونَ﴾ أيْ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ: ولَفَتَ القَوْلَ عَنْ إفْرادِ الضَّمِيرِ إلى صِفَةِ الرَّحْمَةِ المُضافَةِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ وإظْهارًا لَعَلِيٌّ قَدْرُهُ: ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أيْ إكْرامِ المُحْسِنِ إلَيْكَ وإنْعامِهِ وتَشْرِيفِهِ بِأنْواعِ اللُّطْفِ والبِرِّ وإعْظامِهِ بِما رَبّاكَ لَهُ مِن تَخْصِيصِكَ بِالإرْسالِ إلَيْهِمْ بِتَأْهِيلِهِمْ لِلْإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ، وجَعَلَكَ وأنْتَ أفْضَلُ العالَمِينَ الرَّسُولُ إلَيْهِمْ فَفَضَّلُوا بِفَضِيلَتِكَ مَعَ أنَّكَ أشْرَفُهم نَسَبًا وأفْضَلُهم حَسَبًا وأعْظَمُهم عَقْلًا وأصْفاهم لُبًّا وأرْحَمُهم قَلْبًا لِيَتَصَرَّفُوا في تِلْكَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي رُوحُ الوُجُودِ وسِرُّ الأمْرِ بِحَسَبِ شَهَواتِهِمْ وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في المَتاعِ الزّائِلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ مِنَ القَسْمِ قالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ (p-٤٢٢)قالَ: فَمَنِ القاسِمُ ؟ دالًّا عَلى بُعْدِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن قِسْمِ ما أعَدَّ لِأدْيانِهِمْ بِما يُشاهِدُونَهُ مَن بُعْدِهِمْ عَنْ قَسْمِ ما أُعِدَّ لِأبْدانِهِمْ، لافِتًا القَوْلَ عَنْ صِفَةِ الإحْسانِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّها تَأْبى المُشارَكَةَ في شَيْءٍ وتَقْتَضِي التَّفَرُّدَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا﴾ أيْ بِما مَنَّ العَظَمَةُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ في الأمْرِ الَّذِي يَعُمُّهم ويُوجِبُ تَخْصِيصَ كُلٍّ مِنهم بِما لَدَيْهِمْ ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾ الَّتِي يَعُدُّونَهُ رَحْمَةً ويُقْصِرُونَ عَلَيْها النِّعْمَةَ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي هي أدْنى الأشْياءِ عِنْدَنا، وأشارَ إلى أنَّها حَياةٌ ناقِصَةٌ لا يَرْضاها عاقِلٌ، وأمّا الآخِرَةُ فَعَبَّرَ عَنْها بِالحَيَوانِ لِأنّا لَوْ تَرَكْنا قَسْمَها إلَيْهِمْ لَتَعاوَنُوا عَلى ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ فَكَيْفَ يَدْخُلُ في الوَهْمِ أنْ يَجْعَلَ إلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هي رُوحُ الوُجُودِ، وبِها سَعادَةُ الدّارَيْنِ: ﴿ورَفَعْنا﴾ بِما لَنا مِن نُفُوذِ الأمْرِ ﴿بَعْضَهُمْ﴾ وإنْ كانَ ضَعِيفَ البَدَنِ قَلِيلَ العَقْلِ ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾ وإنْ كانَ قَوِيًّا عَزِيزَ العَقْلِ ﴿دَرَجاتٍ﴾ في الجاهِ والمالِ ونُفُوذِ الأمْرِ وعِظَمِ القَدْرِ لِيَنْتَظِرَ حالَ الوُجُودِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ في انْتِظامِهِ مِن تَشارُكِ المَوْجُودِينَ وتَعاوُنِهِمْ، تَفاوَتْنا بَيْنَهم في الجُثَثِ والقُوى والهِمَمِ لِيَقْتَسِمُوا الصَّنائِعَ، والمَعارِفَ والبَضائِعَ، ويَكُونُ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وجانِحًا إلى ما هي لَهُ لِتَعاطِيهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِن دَنِيءٍ أوْ غَنِيٍّ أنْ يَعْدُوَ قَدْرَهُ (p-٤٢٣)وتَرْتَقِيَ فَوْقَ مَنزِلَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِما ثَمَرَتُهُ عِمارَةُ الأرْضِ فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿بَعْضُهم بَعْضًا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ هُنا الِاسْتِخْدامَ دُونَ الهَزْءِ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ التَّعْلِيلُ بِهِ، أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ هَذا الحَرْفِ هُنا فَقالَ: ﴿سُخْرِيًّا﴾ أيْ أنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيما يَنُوبُهُ أوْ يَتَعَسَّرُ أوْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مُباشَرَتُهُ ويَأْخُذُ لِلْآخَرِ مِنهُ مِنَ المالِ ما هو مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ، فَهَذا بِمالِهِ، وهَذا بِأعْمالِهِ، وقَدْ يَكُونُ الفَقِيرُ أكْمَلَ مِنَ الغَنِيِّ لِيَكْمُلَ بِذَلِكَ نِظامُ العالَمِ لِأنَّهُ لَوْ تَساوَتِ المَقادِيرُ لَتَعَطَّلَتِ المَعايِشُ، فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَنْفَكَّ عَمّا جَعَلْناهُ إلَيْهِ مِن هَذا الأمْرِ الدَّنِيءِ فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ في الِاعْتِراضِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ، أيَتَصَوَّرُ عاقِلٌ أنْ يَتَوَلّى قِسْمَ النّاقِصِ ونَكِلُ العالِي إلى غَيْرِنا، قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: فَإذا كانَتِ الأرْزاقُ بِقَدَرِ اللهِ لا بِحَوَلِ المُحْتالِ وهي دُونَ النُّبُوَّةِ فَكَيْفَ تَكُونُ النُّبُوَّةُ - انْتَهى. وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظْمَةِ والسُّلْطانِ إلى الوَصْفِ بِالإحْسانِ إظْهارًا لِشَرَفِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُرَبِّي لَكَ والمُدَبِّرُ لِأمْرِكَ بِإرْسالِكَ وإنارَةِ الوُجُودِ بِرِسالَتِكَ الَّتِي هي لِعَظَمَتِها جَدِيرَةٌ بِأنْ تُضافَ إلَيْهِ ولا يُسَمّى غَيْرُكَ رَحْمَةً ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِنَ الحُطامِ الفانِي فَإنَّهُ وإنْ تَأْتِي فِيهِ خَيْرٌ بِاسْتِعْمالِهِ في وُجُوهِ البِرِّ بِشَرْطِهِ، فَهَذا بِالنِّسْبَةِ إلى النُّبُوَّةِ، وما قارَنّا (p-٤٢٤)مِمّا دَعا إلى الإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا مُتَلاشٍ.
الزخرف 43:33
ولَمّا دَلَّتْ صَرِيحُ آيَةِ التَّمْتِيعِ وتَلْوِيحِ ما بَعْدَها أنَّ البَسْطَ في الرِّزْقِ المُوجِبِ لِلْعُلُوِّ مَعَ أنَّهُ خَسِيسُ المَنزِلَةِ ناقِصُ المِقْدارِ مُقْتَضٍ لِلْخُرُوجِ عَنِ السَّواءِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَنَحْنُ نَخُصُّ بِهَذا الخَيْرِ لِلْأفْرادِ في الأدْوارِ الآحادِ مِنَ الأبْرارِ لِنَسْتَنْقِذَ بِهِمْ مَن شِئْنا مِنَ الضَّلالِ ونُعْطِي الحُطامَ لِلْعُتاةِ الطُّغامِ الأرْذالِ ابْتِلاءً لِلْعِبادِ لِيُبَيِّنَ لَهم أهْلَ البَغْيِ مِن أهْلِ الرَّشادِ، ولَوْلا ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُنا بِتَرْتِيبِ هَذا الوُجُودِ عَلى الأسْبابِ مِنَ المُفاوَتَةِ بَيْنَ النّاسِ لِقِيامِ الوُجُودِ لَساوَيْنا بَيْنَهُمْ، وعَطَفَ: عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُذَكِّرًا بِلُطْفِهِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِرِّهِ لَهم بِرَفْعِهِ ما يَقْتَضِي لَهم شَدِيدُ المُجاهَدَةِ وعَظِيمُ المُصابَرَةِ والمُكابَدَةِ لِحالٍ تَزِلُّ فِيهِ الأقْدامُ عَنْ سُنَنِ الهُدى مِنَ المَيْلِ والإصْغاءِ إلى مَظانِّ الغِنى والمُلْكِ وتَمامِ المُكْنَةِ والعَظَمَةِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ﴾ أيْ أهْلُ التَّمَتُّعِ بِالأمْوالِ بِما فِيهِمْ مِنَ الِاضْطِرابِ والأُنْسِ بِأنْفُسِهِمْ ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ في الضَّلالِ بِالكُفْرِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ إعْطاءَنا المالَ دَلِيلٌ عَلى مَحَبَّتِنا لِمَن أعْطَيْناهُ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا وجَعْلِها مَحَطَّ أنْظارِها وهِمَمِهِمْ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ ﴿لَجَعَلْنا﴾ أيْ في كُلِّ زَمانٍ وكُلِّ مَكانٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِها لِحَقارَةِ الدُّنْيا عِنْدَنا وبُغْضِنا لَها (p-٤٢٥)﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾ أيِ العامِّ الرَّحْمَةِ دَلِيلٌ عَلى حَقارَةِ الدُّنْيا مِن جِهَةِ إعْطائِها لِلْمُبْعَدِ المَمْقُوتِ، وعَلى أنَّ صِفَةَ الرَّحْمَةِ مُقْتَضِيَةٌ لِتَناهِي بَسْطِ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ لَوْلا العِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ مِنَ الرِّفْقِ بِالمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا كانَ تَزْيِينُ الظَّرْفِ دائِمًا بِحَسَبِ زِينَةِ المَظْرُوفِ، دَلَّ عَلى ما لَهم مِن مَلابِسِهِمْ ومَراكِبِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ بِزِينَةِ المَنازِلِ، فَقالَ مُبَدِّلًا مِن ﴿لِمَن﴾ بَدَلُ الِاشْتِمالِ لِأنَّ سُوقَهُ عَلى طَرِيقِ الإبْدالِ أرْوَعُ: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي يُنْزِلُونَها ﴿سُقُفًا﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالمُوَحَّدَةِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ الباقِينَ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعًا ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ كَأنَّهُ خَصَّها لِإفادَتِها النُّورَ ﴿ومَعارِجَ﴾ أيْ مِن فِضَّةٍ، وهي المَصاعِدُ مِنَ الدُّرْجِ لِأنَّ المَشْيَ عَلَيْها مِثْلُ مَشْيِ الأعْرَجِ ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أيْ يَعْلُونَ ويَرْتَقُونَ عَلى ظُهُورِها إلى المَعالِي
الزخرف 43:34
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا﴾ أيْ مِن فِضَّةٍ أيْضًا.
ولَمّا كانَ إفْرادُ السَّرِيرِ يُوهِمُ أنَّهُ واحِدٌ يُدارُ بِهِ عَلى الكُلِّ، جَمْعٌ لِيَفْهَمَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ ما يَخُصُّهُ مِنَ الأُسْرَةِ بِخِلافِ السَّقْفِ فَإنَّهُ لا يُوهِمُ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ قُرِئَ بِإفْرادِهِ وجَمْعِهِ، فَقالَ: ﴿وسُرُرًا﴾ بِالجَمْعِ خاصَّةً، ودَلَّ (p-٤٢٦)عَلى هُدُوءِ بالِهِمْ وصَفاءِ أوْقاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾
الزخرف 43:35
ودَلَّ عَلى ما لا يَتَناهى مِن غَيْرِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وزُخْرُفًا﴾ أيْ ذَهَبًا وزِينَةً عامَّةً كامِلَةً.
ولَمّا كانَ لَفْظُ الزُّخْرُفِ دالًّا عَلى كَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا ظاهِرِيًّا مُتَلاشِيًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما تَقَرَّرَ في النُّفُوسِ مِن أنَّ السّادَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ، وما كانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهم مِن أنَّ السَّعِيدَ في الأوَّلِ سَعِيدٌ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها: ﴿وإنْ﴾ أيْ وما ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ البَعِيدُ عَنِ الخَيْرِ لِكَوْنِهِ في الأغْلَبِ مُبْعَدًا مِمّا يُرْضِينا، ولِأنَّ صاحِبَهُ لا يَزالُ فَقِيرًا وإنِ اسْتَوْسَقَتْ لَهُ الدُّنْيا مُلْكًا ومَلِكًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَبْقى في نَفْسِهِ شَيْءٌ لا تُبَلِّغُهُ قُدْرَتُهُ فَهو لا يَزالُ مَغْبُونًا ﴿لَمّا﴾ أيْ إلّا - هَذا عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ: وهي في قِراءَةِ الباقِينَ بِالتَّخْفِيفِ فارِقَةٌ بَيْنَ النّافِيَةِ والمُخَفَّفَةِ، وما مُؤَكَّدَةٌ والخَبَرُ هو ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الَّتِي اسْمُها دالٌّ عَلى دَناءَتِها وأنَّ لَها ضَرَّةً هي الآخِرَةُ، وهو مُنْقَطِعٌ بِالمَوْتِ، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ رَحْمَتُهُ أنْ لا يُضَيِّقَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الأغْلَبِ لِأنَّ السِّعَةَ تَنْقُصُهم في الآخِرَةِ ويَطُولُ الحِسابُ ﴿والآخِرَةُ﴾ الَّتِي لا دارَ تَعْدِلُها بَلْ لا دارَ الحَقِيقَةِ إلى هي. (p-٤٢٧)ولَمّا كانَتِ الإضافَةُ إلى الجَلِيلِ دالَّةً عَلى جَلالَةِ المُضافِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وأشارَ بِالوَصْفِ بِالرَّبِّ إلى أنَّ الجَلالَةَ بِالحُسْنِ والرّاحَةِ، وبِالإضافَةِ إلَيْهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أعْلى الغاياتِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم دائِمًا واقِفُونَ عَنْ أدْنى تَصَرُّفٍ إلّا بِدَلِيلٍ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهُمْ، وهَذا لَمّا «ذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كِسْرى وقَيْصَرَ وما كانا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”ألا تَرْضى أنْ يَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيا ولَنا الأُخْرى“» ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما صارَ إلَيْهِ الفَسَقَةُ مِنَ الجَبابِرَةِ مِن زَخْرَفَةِ الأبْنِيَةِ وتَرْكِيبِ السُّقُوفِ وغَيْرِها مِن مَساوِئِ الفِتْنَةِ بِأنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً بِالكُفْرِ قُرْبَ السّاعَةِ حَتّى لا تَقُومَ السّاعَةُ عَلى مَن يَقُولُ: اللَّهُ، وفي زَمَنِ الدَّجّالِ مَن يَبْقى إذْ ذاكَ عَلى الحَقِّ في غايَةِ القِلَّةِ بِحَيْثُ إنَّهم لا عِدادَ لَهم في جانِبِ الكَفَرَةِ لِأنَّ كَلامَ المُلُوكِ لا يَخْلُو عَنْ حَقِيقَةٍ، وإنْ خَرَجَ مُخْرَجَ الشَّرْطِ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ.
الزخرف 43:36
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ عِلْمًا مِنّا بِأنَّ النّاسَ كادُوا يَكُونُونَ أُمَّةً واحِدَةً وإنْ كُنّا نَقِيضُ مَن جَبَلْناهُ عَلى الخَيْرِ عَلى الإيمانِ لَكِنْ يَنْقُصُهُ ما أُوتِيَ في الدُّنْيا مِن خَطَرٍ في الآخِرَةِ لِأنَّ مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ في دُنْياهُ اشْتَغَلَ في الأغْلَبِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ فَنَفَرَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ ولَزِمَتْهُ الشَّياطِينُ، فَساقَهُ ذَلِكَ إلى كُلِّ سُوءٍ، ومَن يَتَّقِ اللهَ فَيُدِيمُ ذِكْرَهُ يُؤَيِّدُهُ (p-٤٢٨)بِمَلَكٍ فَهو لَهُ مُعِينٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا عَنْ غَفْلَةِ البَصِيرَةِ بِالعَشا الَّذِي هو ضَعْفُ البَصَرِ تَصَوُّرًا لِمَن يَنْسى ذِكْرَ اللهِ بِأقْبَحِ صُورَةٍ تَنْفِيرًا عَنْ ذَلِكَ ﴿ومَن يَعْشُ﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ المَعاشِيِّ، وهو مَن شاءَ بَصَرُهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ أوْ عَمِيَ عَلى قِراءَةٍ شاذَّةٍ ورَدَتْ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الشِّينِ ورَكَّبَ الأُمُورَ مُتَجاوِزًا ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ، فَلا رَحْمَةَ عَلى أحَدٍ إلّا وهي مِنهُ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ حِينَ مَتَّعْناهم وآباءَهم حَيْثُ أبْطَرَهم ذَلِكَ، وهو شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا، فَأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ والدَّلائِلِ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيها إلّا نَظَرًا ضَعِيفًا كَنَظَرِ مَن عُشِيَ بَصَرُهُ ﴿نُقَيِّضْ﴾ أيْ نُقَرِّرُ ونُسَلِّطُ ونُقَدِّرُ عِقابًا ﴿لَهُ﴾ عَلى إعْراضِهِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ﴿شَيْطانًا﴾ أيْ شَخْصًا نارِيًّا بَعِيدًا مِنَ الرَّحْمَةِ يَكُونُ غالِبًا مُحِيطًا بِهِ مُضِيقًا عَلَيْهِ مِثْلُ قَيْضِ البَيْضَةِ وهو القِشْرُ الدّاخِلُ ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ مَشْدُودٌ بِهِ كَما يَشُدُّ الأسِيرُ، مُلازِمٌ فَلا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنهُ ما دامَ مُتَعامِيًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهو يُزَيَّنُ لَهُ العَمى ويُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ عَلى عَيْنِ الهُدى، كَما أنَّ مَن يَسْتَبْصِرُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ يَسْخَرُ لَهُ مَلَكٌ فَهو لَهُ ولِيٌّ يُبَشِّرُهُ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَذِكْرُ اللهِ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ، مَتى خَرَجَ العَبْدُ مِنهُ أسَرَهُ العَدُوُّ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ، قالَ في القامُوسِ: (p-٤٢٩)العَشى مَقْصُورٌ: سُوءُ البَصَرِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ أوِ العَمى، عَشى كَرِضى ودَعا، والعَشْوَةِ بِالضَّمِّ والكَسْرِ: رُكُوبُ الأمْرِ عَلى غَيْرِ بَيانٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ العَشْوِ النَّظَرُ بِغَيْرِ ثَبْتٍ لِعِلَّةٍ في العَيْنِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأصْلُ اللُّغَةِ أنَّ العَيْنَ والشِّينَ والحَرْفَ المُعْتَلَّ يَدُلُّ عَلى ظَلامِ وقِلَّةِ وُضُوحِ في الشَّيْءِ.
الزخرف 43:37
ولَمّا كانَتْ ”مِن“ عامَّةً، وكانَ القَرِينُ لِلْجِنْسِ، وأفْرَدَهُ لِأنَّهُ نَصَّ عَلى كُلِّ فَرْدٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم لَيَحْمِلُونَهم عَلى أنْواعِ الدَّنايا ويَفْتَحُونَ لَهم أبْوابَ الرَّذائِلِ والبَلايا، ويُحْسِنُونَ لَهُمُ ارْتِكابَ القَبائِحِ والرَّزايا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما في أنْفُسِ الأغْلَبِ - كَما أشارَ إلَيْهِ آخِرَ الآيَةِ - أنَّ المُوَسَّعَ عَلَيْهِ هو المُهْتَدِي، جامِعًا دَلالَةً عَلى كَثْرَةِ الضّالِّ: ﴿وإنَّهُمْ﴾ أيِ القُرَناءُ ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيِ العاشِينَ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ الطَّرِيقُ الَّذِي مَن حادَ عَنْهُ هَلَكَ، لِأنَّهُ لا طَرِيقَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ.
ولَمّا كانَتِ الحَيْدَةُ عَنِ السَّبِيلِ إلى غَيْرِ سَبِيلِ، بَلْ إلى مَعاطِبَ لا يَهْتَدِي فِيها دَلِيلٌ، عَجَبًا، أتْبَعَهُ عَجَبًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أيِ العاشُونَ مَعَ سَيْرِهِمْ في المَهالِكِ لِتَزْيِينِ القُرَناءِ بِإحْضارِ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ وإبْعادِ المَواعِظِ: ﴿أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ لِما يَسْتَدْرِجُونَ بِهِ مِنَ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ والتَّضْيِيقِ عَلى الذّاكِرِينَ.
الزخرف 43:38
ولَمّا كانَ مَن ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ، ومَن ظَنَّ أنَّهُ عَلى صَوابٍ لا يَكادُ (p-٤٣٠)يَتَمادى بَلْ يَنْجَلِي لَهُ الحالُ عَنْ قُرْبِ ضَمٍّ إلى العَجْبَيْنِ الماضِيَيْنِ عَجَبًا ثالِثًا بَيانًا لَهُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ونُمْلِي لِهَذا العاشِي اسْتِدْراجًا لَهُ وابْتِلاءً لِغَيْرِهِ ونَمُدُّ ذَلِكَ طُولَ حَياتِهِ ﴿حَتّى﴾ وحَقَّقَ الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا﴾ ولَمّا عَلِمَ مِنَ الجَمْعِ فِيما قِيلَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ، وكانَ التَّوْحِيدُ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى تَناوُلِ كُلِّ فَرْدٍ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِهِ أهْوَلَ، وكانَ السِّياقُ دالًّا عَلى مَنِ الضَّمِيرُ لَهُ قالَ: ﴿جاءَنا﴾ أيِ العاشِي، ومَن قَرَأ بِالتَّثْنِيَةِ أرادَ العاشِي والقَرِينَ ﴿قالَ﴾ أيِ العاشِي تَنَدُّمًا وتَحَسُّرًا لا انْتِفاعَ لَهُ بِهِ لِفَواتِ مَحَلِّهِ وهو دارُ العَمَلِ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ أيُّها القَرِينُ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ عَلى التَّغْلِيبِ - قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، أوْ مَشْرِقُ الشِّتاءِ والصَّيْفِ أيْ بُعْدُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا التَّمَنِّي قَوْلَهُ جامِعًا لَهُ أنْواعُ المَذامِّ: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيْ إنِّي عَلِمْتُ أنَّكَ الَّذِي أضَلَّنِي وأوْصَلَنِي إلى هَذا العَيْشِ الضَّنْكِ والمَحَلِّ الدَّحْضِ وأحْسَسْتُ في هَذا الوَقْتِ بِذَلِكَ الَّذِي كُنْتُ تُؤْذِينِي بِهِ أنَّهُ أذًى (p-٤٣١)بالِغٌ، فَكُنْتُ كالَّذِي يَحُكُّ جِسْمَهُ لِما بِهِ مِن قُرُوحٍ مُتَأكِّلَةٍ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ الدَّمُ فَهو في أوَّلِهِ يَجِدُ لَهُ لَذَّةً بِما هو مُؤْلِمٌ لَهُ في نَفْسِهِ غايَةَ الإيلامِ.
الزخرف 43:39
ولَمّا كانَ الإيلامُ قَدْ يُؤْذِي الجَسَدَ، وكانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا بِما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ فَيُقالُ لَهُمْ: فَلَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ جِئْتُمُونا إذْ تَمَنَّيْتَهم هَذا التَّمَنِّي حِينَ عايَنْتُمْ تِلْكَ الأهْوالِ اشْتِراكُكُمُ اليَوْمَ في يَوْمِ الدُّنْيا في الظُّلْمِ وتَمالُؤُكم عَلَيْهِ ومُنافَرَةُ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ في الدُّنْيا شَيْئًا مِن نَفْعٍ أصْلًا ﴿إذْ﴾ حِينَ ﴿ظَلَمْتُمْ﴾ حالَ كَوْنِكم مُشْتَرِكِينَ في الظُّلْمِ مُتَعاوِنِينَ عَلَيْهِ مُتَناصِرِينَ فِيهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنكم يَقُولُ لِصاحِبِهِ سُرُورًا بِهِ وتَقَرُّبًا إلَيْهِ وتَوَدُّدًا: يا لَيْتَ أنّا لا نَفْتَرِقُ أبَدًا فَنِعْمَ القَرِينُ أنْتَ، فَيُقالُ لَهم تَوْبِيخًا: ﴿أنَّكم في العَذابِ﴾ أيِ العَظِيمِ، وقَدَّمَهُ اهْتِمامًا بِالزَّجْرِ بِهِ والتَّخْوِيفِ مِنهُ ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ (p-٤٣٢)أيِ اشْتِراكُكم فِيهِ دائِمًا ظُلْمُكم أنْفُسَكم ظُلْمًا باطِنًا بِأُمُورٍ أخْفاها الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ وهو مُوجِبٌ لِلِارْتِباكِ في أشْراكِ المَعاصِي المُوصِلَةِ إلى العَذابِ الظّاهِرِ يَوْمَ التَّمَنِّي ويَوْمَ القِيامَةِ عَذابًا ظاهِرًا مَحْسُوسًا، وذَلِكَ كَمَن يَجْرَحُ جِراحَةً بالِغَةً وهو مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ بِها قَطْعًا، ولَكِنَّهُ لا يُحِسُّ إلّا إذا أفاقَ فَهو كَما تَقُولُ لِأُناسٍ يُرِيدُونَ أنْ يَتَمالَئُوا عَلى قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ تَتَعاوَنُونَ عَلى قَتْلِهِ اشْتِراكِكم غَدًا في الهَلاكِ بِالسِّجْنِ الضَّيِّقِ والضَّرْبِ المُتْلَفِ وضَرْبِ الأعْناقِ، مُرادُكَ بِذَلِكَ زَجْرُهم عَنْ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم يَصِلُونَ إلى هَذا الحالِ ويَزُولُ ما هم فِيهِ مِنَ المُناصَرَةِ فَلا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِنها - واللهُ المُوَفِّقُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، وبِهِ زالَ عَنْها ما كانَ مِن إعْرابِ المُعْرِبِينَ لَها مُوجِبًا لِلِارْتِباكِ ”فَيا لَيْتَ“ - إلى آخِرِهِ، دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ ضِدِّهِ ثانِيًا ”ولَنْ يَنْفَعَكُمْ“ - إلى آخِرِهِ، دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ مِثْلِهِ أوَّلًا.
الزخرف 43:40
ولَمّا كانَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَدِيدَ الإرادَةِ لِإقْبالِهِمْ يَكادُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ أسَفًا عَلى إدْبارِهِمْ، وكانَ هَذا الزَّجْرُ الَّذِي لا يَسْمَعُهُ مَن لَهُ أدْنى (p-٤٣٣)عَقْلٍ إلّا خَلْعُ قَلْبِهِ فَرَجَعَ عَنْ غَيِّهِ وراجَعَ رُشْدَهُ قَدْ تَلا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَصُمٌّ عُمْيٌ مُحِيطٌ بِهِمُ الضَّلالُ إحاطَةً لا يَكادُونَ يَنْفَكُّونَ عَنْهُ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلا وُصُولَ لِأحَدٍ إلى إسْماعِهِمْ ولا تَبْصِيرِهِمْ ولا هِدايَتِهِمْ، قالَ بانِيًا عَلَيْهِ مُسَبِّبًا عَنْهُ تَخْفِيفًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما يُقاسِي مِنَ الكُرَبِ في المُبالَغَةِ في إبْلاغِهِمْ حِرْصًا عَلى إقْبالِهِمْ والغَمِّ مِن إعْراضِهِمْ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ الدّالَّةِ عَلى نَفْيِ ما سِيقَتْ لَهُ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ وحْدَكَ مِن غَيْرِ إرادَةِ اللهِ تَعالى ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ وقَدْ أصْمَمْناهم بِما صَبَبْنا في مَسامِعِ أفْهامِهِمْ مِن رَصاصِ الشَّقاءِ ﴿أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ الَّذِينَ أعْمَيْناهم بِما غَشِيَنا بِهِ أبْصارَ بَصائِرِهِمْ مِن أغْشِيَةِ البَلادَةِ والخَسارَةِ، فَصارَ ما اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَشى عَمًى مَقْرُونًا بِصَمَمِهِمْ ﴿ومَن كانَ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بَيِّنٍ في نَفْسِهِ أنَّهُ ضالٌّ وأنَّهُ مُحِيطٌ بِالضَّلالِ مُظْهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ ذَلِكَ، فَهو بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، فالمَعْنى: لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلَيْكَ، بَلْ هو إلى اللهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا أنْتَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ.
الزخرف 43:41
(p-٤٣٤)ولَمّا كانَ هَذا كالمُؤَيِّسِ مِنهُمْ، وكانَ اليَأْسُ مِن صَلاحِ الخَصْمِ مُوجِبًا لِتَمَنِّي الرّاحَةِ مِنهُ بِمَوْتِ أحَدِهِما، سَبَّبَ عَنِ التَّقْدِيرَيْنِ قَوْلُهُ مُبِينًا أنَّ الإمْلاءَ لَهم لَيْسَ لِعَجْزٍ عَنْهم ولا لِإخْلافٍ في الوَعْدِ، مُؤَكِّدًا بِالنُّونِ و”ما“ ثُمَّ ”أنا“ والِاسْمِيَّةُ لِمَن يَظُنُّ خِلافَ ذَلِكَ، ولِأنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُشَرَّفٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُعَظَّمٌ لَدَيْهِ فَذَهابُهُ بِهِ مِمّا يَسْتَبْعِدُ، ومِن حَقِّهِ أنْ يُنْكِرَ، وكَذا إراءَتُهُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ لِأنَّ المَظْنُونَ إكْرامُهم لِأجْلِهِ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أيْ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ بِمَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَإنّا مِنهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ التَّعْرِيضُ بِأنَّهم صُمٌّ عُمْيٌ ضُلّالٌ لِأنَّهم لَنْ تَنْفَعَهم مَشاعِرُهم ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ بَعْدَ فِراقِكَ لِأنَّ وجُودَكَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ هو سَبَبُ تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهُمْ
الزخرف 43:42
﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ وأنْتَ بَيْنُهم ﴿الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ وعَبَّرَ فِيهِ بِالوَعْدِ لِيَدُلَّ عَلى الخَيْرِ بِلَفْظِهِ وعَلى الشَّرِّ بِأُسْلُوبِهِ فَيَعُمُّ ﴿فَإنّا﴾ بِما تَعْلَمُ مِن عَظَمَتِنا الَّتِي أنْتَ أعْلَمُ الخَلْقِ بِهِمْ ﴿عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، وأكَّدَ بِ ”أنَّ“ لِأنَّ أفْعالَهم أفْعالُ مَن يُنْكِرُ قُدْرَتَهُ، وكَذا بِالإتْيانِ (p-٤٣٥)بِنُونِ العَظَمَةِ وصِيغَةِ الِافْتِعالِ، وأحَدُ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ سَبَقَ العِلْمُ الأزَلِيُّ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، فالآيَةُ مِن أدِلَّةِ القُدْرَةِ عَلى المُحالِّ لِغَيْرِهِ وهي كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ أكْرَمَ اللهُ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أنْ يُرِيَهُ شَيْئًا يَكْرَهُهُ في أُمَّتِهِ حَتّى قُبِضَ.
الزخرف 43:43
ولَمّا أوْقَفَ سُبْحانَهُ السّامِعَ بِهاتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ لِبَيانِ الِاسْتِبْدادِ بِعِلْمِ الغَيْبِ تَغْلِيبًا لِلْخَوْفِ، وأفْهَمَ السِّياقُ وإنْ كانَ شَرْطًا أنَّ الِانْتِقامَ مِنهم أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ضُرِّهِمْ ولا نَفْعِهِمْ إلّا اللَّهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَمْسِكْ﴾ أيْ أطْلُبُ وأُوجِدُ بِجِدٍّ عَظِيمٍ عَلى كُلِّ حالِ الإمْساكِ ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ مِن حِينِ نُبُوَّتِكَ وإلى الآنَ في الِانْتِقامِ مِنهم وفي غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِكَثْرَةِ المُخالِفِ مُحْتاجًا إلى تَأْكِيدٍ يَطِيبُ خَواطِرَ الأتْباعِ ويَحْمِلُهم عَلى حُسْنِ الِاتِّباعِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ واضِحٍ جِدًّا: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مَوْصِلُ إلى المَقْصُودِ لا يَصْحُّ أصْلًا أنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ مِن عِوَجٍ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ مِن نِقْمَتِهِمْ.
الزخرف 43:44
ولَمّا أثْبَتَ حُسْنَهُ في نَفْسِهِ المُتَقَضِّي لِلُزُومِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ نَفْعَهُ (p-٤٣٦)لَهم. وأكَّدَ لِإنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي أوْحى إلَيْكَ في الدُّنْيا ﴿لَذِكْرٌ﴾ أيْ شَرَفٌ عَظِيمٌ جِدًّا ومَوْعِظَةٌ وبَيانٌ، عَبَّرَ عَنِ الشَّرَفِ بِالذِّكْرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سَبَبَهُ الإقْبالُ عَلى الذِّكْرِ وعَلى ما بَيَّنَهُ وشَرَعَهُ والِاسْتِمْساكُ بِهِ والِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ: ﴿لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ قُرَيْشٌ خُصُوصًا والعَرَبُ عُمُومًا وسائِرُ مَنِ اتَّبَعَكَ ولَوْ كانَ مَن غَيْرِهِمْ مِن جِهَةِ نُزُولِهِ عَلى واحِدٍ مِنهم وبِلِسانِهِمْ، فَكانَ سائِرُ النّاسِ تَبَعًا لَهم ومِن جِهَةِ إيراثِهِ الطَّرِيقَةَ الحُسْنى والعُلُومَ الزّاكِيَةَ الواسِعَةَ وتَأْثِيرِهِ الظُّهُورَ عَلى جَمِيعِ الطَّوائِفِ والإمامَةِ لِقُرَيْشٍ بِالخُصُوصِ كَما قالَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما بَقِيَ في النّاسِ اثْنانِ ما أقامُوا الدِّينَ» فَمَن أقامَ هَذا الدِّينَ كانَ شَرِيفًا مَذْكُورًا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا سُئِلَ: لِمَن هَذا الأمْرُ، مِن بَعْدِكَ، لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إذا سُئِلَ قالَ: لِقُرَيْشٍ» - وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهِمَ مِن هَذا أنَّهُ يَلِي عَلى المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ القُرْآنِ، وأنَّ قَوْمَهُ يُخْلِفُونَهُ مِن بَعْدِهِ في الوِلايَةِ بِشَرَفِ القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَجُلٍ (p-٤٣٧)مِنهُمُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَسَوْفَ تُشْرِفُونَ عَلى سائِرِ المُلُوكِ وتَعْلَمُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ أيْ تَصِيرُونَ في سائِرِ أنْواعِ العِلْمِ مَحَطَّ رِحالِ السّائِلِينَ دِينًا ودُنْيا بِحَيْثُ يَسْألُكم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِن غَيْرِهِمْ عَمّا يُهِمُّهم مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم لِما يَعْتَقِدُونَ مِن أنَّهُ لا يُوازِيكم أحَدٌ في العِلْمِ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عِنْدَهم أحْقَرَ الأُمَمِ ضَعْفًا وجَهْلًا كَما وقَعَ لِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ رَفَعَهُمُ اللَّهُ، وكانَ ذَلِكَ أبْعَدَ الأشْياءِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَتَضاحَكُونَ اسْتِهْزاءً بِتِلْكَ الآياتِ ويَنْسُبُونَ الآتِي بِها إلى ما لا يَلِيقُ بِمَنصِبِهِ العالِي مِنَ المُحالاتِ، وتَسْألُونَ عَنْ حَقِّهِ وأداءِ شُكْرِهِ وكَيْفَ كُنْتُمْ في العَمَلِ بِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ، وهَذا بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ أصْلًا.
الزخرف 43:45
ولَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ إلَهِيَّةَ غَيْرِهِ الَّتِي أدّى إلَيْها الجَهْلُ، واسْتَمَرَّ إلى أنْ خَتَمَ بِالعِلْمِ المُوجِبِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَكانَ التَّقْدِيرُ إبْطالًا لَشُبْهَتِهِمُ الوَهْمِيَّةِ القائِلَةِ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] فاسْتَحْضَرَ جَمِيعَ ما أوْحى إلَيْكَ وتَأمَّلْهُ غايَةَ التَّأمُّلِ، هَلْ تَرى فِيهِ خَفاءً في الإلَهِيَّةِ لِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ نَفْيًا لِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ المُمْكِنُ تَعَرُّفَهُ مِن آثارِ الرُّسُلِ إنَّما هو لِمُوسى وعِيسى ومِن بَيْنِهِما مِن أنْبِياءِ بَنِي (p-٤٣٨)إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الحافِظُ لِسُنَّتِهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ وسِفْرِ الأنْبِياءِ، قالَ مُثْبِتًا لِلْجارِّ المُفْهِمِ لِبَعْضِ الزَّمانِ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾
ولَمّا كانَ أتْباعُهم قَدْ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا فَلَمْ تَكُنْ بِهِمْ ثِقَةٌ، عَبَّرَ بِالرُّسُلِ فَقالَ: ﴿مِن رُسُلِنا﴾ أيْ بِقِراءَةِ أتْباعِهِمْ لِكُتُبِهِمُ الَّتِي حَرَّفُوا بَعْضَها، وجَعَلْتَ كِتابَكَ مُهَيْمِنًا عَلَيْها فَإنَّهم إذا قَرَءُوها بَيْنَ يَدَيْكَ وعَرَضُوها عَلَيْكَ عَلِمْتَ مَعانِيَها وفَضَحْتَ تَحْرِيفَهم وبَيَّنْتَ اتِّفاقَ الكُتُبِ كُلِّها بِرَدِّ ما ألْبَسَ عَلَيْهِمْ مِن مُتَشابِهِها إلى مُحَكِّمِها، فالمُرادُ مِن هَذا نَحْوُ المُرادِ مِن آيَةِ يُونُسَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ومِن آيَةِ الأنْبِياءِ ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤] مَعَ زِيادَةِ الإشارَةِ إلى تَحْرِيفِهِمْ، فالمَسْؤُولُ في الحَقِيقَةِ القُرْآنُ المُعْجِزُ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإيمانِ بِهِ والمُتابَعَةِ لَهُ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ سُؤالُ الرُّسُلِ حَقِيقَةً لِما جَمَعُوا لَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْلَةَ الإسْراءِ، فَإنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا إلّا تَبْكِيتُ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ ومِمَّنْ عَزَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِمْ: دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِهِ وأنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا مِنهُ، فَإنَّهم (p-٤٣٩)إذا أحْضَرُوا كُتُبَهم عَلِمْتَ دَلالَتَها القَطْعِيَّةَ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِي هَذا يَرُدُّ المُتَشابِهَ مِنها إلى المُحْكَمِ، وجَعَلَها ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] وقالَ: ومَعْلُومٌ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَرَدُّوهُ إلى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ: فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الرُّسُلِ عَنْ ذِكْرِ الكُتُبِ. وهو عَيْنُ ما قُلْتُهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ حَقِيقَةَ السُّؤالِ وسُؤالُ جَمِيعِ الرُّسُلِ لَقالَ ”قَبْلَكَ“ بِإسْقاطِ ”مَن“ لِيَسْتَغْرِقَ الكُلَّ - واللهُ أعْلَمُ.
ولَمّا ذَكَرَ المَسْؤُولُ مُفَخِّمًا لَهُ بِما اقْتَضَتْهُ العِبارَةُ مِنَ الإرْسالِ والإضافَةِ إلَيْهِ، ذَكَرَ المَسْؤُولُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجَعَلْنا﴾ أيْ أبَحْنا وأمَرْنا ورَضِينا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ، مِمّا يُنافِي ذَلِكَ، وقَرَّرَ حَقارَةَ ما سِواهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ﴾ وزادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي رَحْمَتُهُ عَمَّتْ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ ﴿آلِهَةً﴾ ولَمّا كانَ قَدْ جُعِلَ لِكُلِّ قَوْمٍ وجِهَةٌ يَتَوَجَّهُونَ في عِبادَتِهِمْ إلَهًا، وشَيْئًا مَحْسُوسًا بِغَلَبَةِ الأوْهامِ عَلى الأفْهامِ يَشْهَدُونَهُ وكانَ رُبَّما تَعَنَّتَ بِهِ مُتَعَنِّتٌ، قالَ مُحْتَرِزًا: ﴿يُعْبَدُونَ﴾ أيْ مِن عابِدٍ ما بِوَجْهٍ ما. (p-٤٤٠)ولَمّا كانَ المُتْرَفُونَ مُولَعِينَ بِأنْ يَزْدَرُوا مَن جاءَهم بِالرَّدِّ عَنْ أغْراضِهِمُ الفاسِدَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الِازْدِراءِ كَما قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ولا يَزالُونَ يَرُدُّونَ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ الضَّلالِ حَتّى يَقْهَرَهم ذُو الجَلالِ بِما أتَتْهم بِهِ رُسُلَهُ إمّا بِإهْلاكِهِمْ أوْ غَيْرِهِ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ، أوْرَدَ سُبْحانَهُ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاهِدَةً عَلى ذَلِكَ بِما قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَحْوِ ذَلِكَ ومِن إهْلاكِهِ عَلى قُوَّتِهِ وإنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ضَعْفِهِمْ، وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَرْجِيَةً.
الزخرف 43:46
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ أرْسَلْنا جَمِيعَ رُسُلِنا وهم أشْرَفُ الخَلْقِ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، وما كُنّا في إرْسالِنا إيّاهم مُراعِينَ لِما يُرِيدُهُ الأُمَمُ مِن جاهٍ أوْ مالٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِلِاتِّكالِ عَلَيْكَ فِيما أرْسَلْناكَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، ولا لِمُعاداتِكَ فِيهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ أوَّلُ مَن أرْشَدَ إلى سُؤالِ أتْباعِهِمْ فَقالَ مُؤَكِّدًا أجَلَ ما يُعانِدُونَ بِهِ مِن إنْكارِ الرِّسالَةِ، وأتى بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِما اقْتَضاهُ مِنَ الأمْرِ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما ظَهَرَ مِن عَظَمَتِنا.
ولَمّا كانَ الإرْسالُ مِنهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ عَلى حَسَبِ العَظَمَةِ في الدُّنْيا (p-٤٤١)بِما يَراهُ أهْلُها كَما قالَ هَؤُلاءِ ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ﴾ [الزخرف: ٣١] - الآيَةُ، قالَ مُناقِضًا لَهُمْ: ﴿مُوسى﴾ أيِ الَّذِي كانَ فِرْعَوْنُ يَرى أنَّهُ أحَقُّ النّاسِ بِتَعْظِيمِهِ لِأنَّهُ رَبّاهُ وكَفَلَهُ ﴿بِآياتِنا﴾ أيِ الَّتِي قَهَرَ بِها عُظَماءَ الخَلْقِ وجَبابِرَتَهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ وعَلى جَمِيعِ الآياتِ لِتَساوِيها في القُدْرَةِ وخَرْقِ العادَةِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِسُؤالِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرُّسُلَ عَنْ أمْرِ التَّوْحِيدِ، كانَتِ الآياتُ كافِيَةً، فَلَمْ يَذْكُرِ السُّلْطانَ لِأنَّهُ لِلْقَهْرِ والغَلَبَةِ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ لِأنَّهُ طَغى وبَغى وادَّعى أنَّهُ هو الرَّبُّ الأعْلى ووافَقَهُ الضّالُّونَ: ﴿ومَلأهُ﴾ [يونس: ٨٨] الَّذِينَ جَعَلَهم آلِهَةً دُونَهُ وعَبَدَهم قَوْمُهم فَلَمْ يُقِرَّهم عَلى ذَلِكَ لِأنّا ما رَضِيناهُ ﴿فَقالَ﴾ بِسَبَبِ إرْسالِنا ﴿إنِّي رَسُولُ﴾ وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ ما أنْكَرَهُ قَوْمُكَ مِنَ الرِّسالَةِ. ولَمّا كانَ الإحْسانُ سَبَبًا لِلْإذْعانِ قالَ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ مالِكِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ ومُدَبِّرِهِمْ.
الزخرف 43:47
ولَمّا كانُوا قَدْ فَعَلُوا مِنَ الرَّدِّ لِرِسالَتِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والِاسْتِهْزاءِ بِها ما فَعَلَتْهُ قُرَيْشٌ، قالَ مُسَلِّيًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُهَدِّدًا لَهم تَسْبِيبًا عَمّا تَقْدِيرُهُ: فَقالُوا لَهُ ائْتِ بِآيَةٍ، فَأتى بِها عَلى ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ بِما هو كالشَّمْسِ بَيانًا وحُسْنًا: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا﴾ بِالإتْيانِ بِآيَتِيِ (p-٤٤٢)اليَدِ والعَصا اللَّتَيْنِ شَهِدُوا فِيهِما عَظَمَتَنا ودَلَّتاهم عَلى قُدْرَتِنا عَلى جَمِيعِ الآياتِ ﴿إذا هُمْ﴾ أيْ بِأجْمَعِهِمُ اسْتِهْزاءً بِرَسُولِنا، وطالَ ما يَضْحَكُ عَلَيْهِمْ هو ومَن آمَنَ بِرِسالَتِهِ وبِما جاءَ بِهِ عَنّا يَوْمَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ ﴿مِنها يَضْحَكُونَ﴾ أيْ فاجَئُوا المَجِيءَ بِها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا كَسَلٍ بِالضَّحِكِ سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً.
الزخرف 43:48
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ في الآياتِ ما يَقْبَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، بَيَّنَ حالَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنّا ما ﴿نُرِيهِمْ﴾ عَلى ما لَنا مِنَ الجَلالِ والعُلُوِّ والكَمالِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِإثْباتِ الجارِّ وأداةِ الحَصْرِ لِأجْلِ مَن قَدْ يَتَوَهَّمُ أنَّهم مَعْذُورُونَ في ضَحِكِهِمْ فَقالَ: ﴿مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ﴾ أيْ في الرُّتْبَةِ ﴿مِن أُخْتِها﴾ أيِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ النّاظِرِينَ لَها لِأنَّ الآدَمِيَّ لِما لَهُ مِنَ النِّسْيانِ إذا أتاهُ الثّانِي مِنَ المُتَساوِيِينَ رَأى جَمِيعَ مَن أتاهُ ناسِيًا ولا بَعْضَ مَن أتى الأوَّلَ فَيَقْطَعُ بِأنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ، أوْ أنَّ هَذا كِنايَةٌ عَنْ أنَّها كُلُّها في نِهايَةِ العَظَمَةِ كَما قالَ شاعِرُهُمْ:
؎”مَن تَلْقَ مِنهم (p-٤٤٣)تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ“ ∗∗∗
أوْ أنَّ بَيْنَها في الكِبَرِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ مِن أنَّ كُلَّ آيَةٍ أوْضَحُ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وأوْكَدُ مِمّا قَبْلَها، لِأنَّها دَلَّتْ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ وزادَتْ ما أفادَتْهُ المُعاضَدَةُ مِنَ الضَّخامَةِ فَصارَتْ هي مَعَ ما قَبْلَها أكْبَرُ مِمّا قَبْلَها عِنْدَ وُرُودِها وإقامَةِ الحُجَّةِ بِها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ ولَمْ يَرْجِعُوا لِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ لِأنّا أصْمَمْناهم وأعْمَيْناهم وأحَطْنا بِهِمُ الضَّلالَ لِعِلْمِنا بِحالِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأخَذْناهُمْ﴾ أيْ أخْذُ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿بِالعَذابِ﴾ أيْ كُلُّهُ لِأنّا واتَرْنا عَلَيْهِمْ ضَرَباتِهِ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِأنّا قادِرُونَ عَلى ما نُرِيدُ مِنهُ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] والقِطَعُ: البَرْدُ الكِبارُ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ مُلْتَهِبًا بِالنّارِ، ومَوْتُ الأبْكارِ، فَكانَتْ آياتٍ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما لَها مِنَ الإعْجازِ، وعَذابًا لَهم في الدُّنْيا مَوْصُولًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَيا لَها مِن قُدْرَةٍ باهِرَةٍ وحِكْمَةٍ ظاهِرَةٍ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ ناظَرِهِمُ الجاهِلِ بِالعَواقِبِ حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ.
الزخرف 43:49
ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ في كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَباتِ الَّتِي كانَ يَضْرِبُهُ بِها (p-٤٤٤)سُبْحانَهُ - كَما مَضى في الأعْرافِ عَنِ التَّوْراةِ - يَقُولُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: قَدْ أخْطَأْتَ والرَّبُّ بارٌّ وأنا وشَعْبِي فُجّارٌ، فَصَلَّيْنا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ فَإنَّهُ ذُو إمْهالٍ وأناةٍ، فَيَصْرِفُ عَنِّي كَذا، فَإذا صَرَفَ اللهُ ذَلِكَ عَنْهم عادَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الفُجُورِ، كانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِعْلَ مَن لا يَعْتَقِدُ أنَّهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيٌّ حَقِيقَةً، بَلْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ ساحِرٌ، وأنَّ أفْعالَهُ إنَّما هي خَيالٌ، فَكَذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ، فَلَمْ يَرْجِعُوا: ﴿وقالُوا﴾ أيْ فِرْعَوْنُ بِالمُباشَرَةِ وأتْباعُهُ بِالمُوافَقَةِ لَهُ: ﴿يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ فَنادَوْهُ بِأداةِ البُعْدِ مَعَ الإفْهامِ بِقالُوا دُونَ ”نادَوْا“ أنَّهُ حاضِرٌ إشارَةً إلى بُعْدِهِ مِن قُلُوبِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم وغَيْرُهم مِمَّنْ مَضى يَرْمُونَ الرَّسُولَ بِالسِّحْرِ ويُقِرُّونَ بِرِسالَتِهِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى دُعائِهِ في كَشْفِ ما عَذَّبَهم رَبُّهم بِهِ، وذَلِكَ قادِحٌ فِيما يَدَّعُونَ مِنَ الثَّباتِ والشَّجاعَةِ والعَقْلِ والإنْصافِ والشَّهامَةِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ لِقُرَيْشٍ لَمّا «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ”اللَّهُمَّ أعْنِّي عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسَنِي يُوسُفَ“ فَقَحَطُوا، فَلَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلاءُ أتى أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّكَ قَدْ جِئْتَ بِصِلَةِ الأرْحامِ وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَدَعا لَهم فَأُغِيثُوا،» فَلا شَكَّ أنَّ تَرْجَمَةَ حالِهِمْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ مِنَ التَّناقُضِ الَّذِي لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ عاقِلٌ، وهو وصْفُهُ بِالسِّحْرِ (p-٤٤٥)وطَلَبُ الدُّعاءِ مِنهُ يَمْنَعُ اعْتِقادَ أنَّهُ ساحِرٌ، واعْتِقادُ أنَّهُ ساحِرٌ يَمْنَعُ طَلَبَ الدُّعاءِ مِنهُ عِنْدَ العاقِلِ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما يَفْعَلُ مَعَكَ مِن هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي نَهَيْتَنا بِها إكْرامًا لَكَ ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ مِن أنَّهُ يَفْعَلُ مِن وضْعِها ورَفْعِها عَلى ما تُرِيدُ عَلى ما أخْبَرْتَنا أنَّهُ إنْ آمَنّا أكْرَمْنا، وإنْ تَمادَيْنا أهانَنا، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ مُؤَكِّدًا تَقْرِيبًا لِحالِهِمُ البَعِيدَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ بِما يُخْبِرُ بِهِ شاهِدُ الوُجُودِ: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أيِ اهْتِداءً ثابِتًا يَصِيرُ لَنا وصْفًا لازِمًا عِنْدَ كَشْفِ ذَلِكَ عَنّا.
الزخرف 43:50
ولَمّا كانَ العاقِلُ لا يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ إلّا بِما هو صَحِيحٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ عَظِيمًا بَيْنَ قَوْمِهِ فَكَيْفَ إذا أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْواعٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، فَكانَ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ يَقْطَعُ بِصِدْقِهِ، بَيَّنَ تَعالى ما يُصَحِّحُ أنَّ حالَهم حالُ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ ساحِرٌ بِأنَّهم أسْرَعُوا الخِيانَةَ بِالكَذِبِ فِيهِ مِن غَيْرِ اسْتِحْياءٍ ولا خَوْفٍ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالفاءِ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تُرْهِبُ الجِبالَ ﴿عَنْهُمُ العَذابَ﴾ أيِ الَّذِي أنْزَلْناهُ بِهِمْ ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ فاجَئُوا الكَشْفَ بِتَجْدِيدِ النَّكْثِ بِإخْلافٍ بَعْدَ إخْلافٍ
الزخرف 43:51
﴿ونادى فِرْعَوْنُ﴾ أيْ زِيادَةً عَلى نَكْثِهِ ﴿فِي قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم غايَةُ القِيامِ مَعَهُ، وأمَرَ كُلًّا مِنهم أنْ يُشِيعَ قَوْلَهُ إشاعَةً تَعُمُّ البَعِيدَ كَما تَشْمَلُ القَرِيبَ فَتَكُونُ كَأنَّها مُناداةٌ إعْلامًا (p-٤٤٦)بِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى الكُفْرِ لِئَلّا يَظُنَّ بَعْضُهم أنَّهُ رَجَعَ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ نادى؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ خَوْفًا مِن إيمانِ القِبْطِ لِما رَأى مِن أنَّ ما شاهَدُوا مِن باهِرِ الآياتِ مِثْلَهُ يُزَلْزِلُ ويَأْخُذُ بِالقُلُوبِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِإعْلامِهِمْ بِأنَّهم لُحْمَةٌ واحِدَةٌ، ومُسْتَنْهِضًا بِوَصْفِهِمْ بِأنَّهم ذَوُو قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ، مُقَرَّرًا لَهم عَلى عُذْرِهِ في نَكْثِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ لِي﴾ أيْ وحْدِي ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾ أيْ كُلُّهُ، فَلا اعْتِراضَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ولا غَيْرِهِمْ، لِيُنْتِجَ لَهُ ذَلِكَ عَلى زَعْمِهِ أنَّ غَلَبَتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومُقاهَرَتِهِ عَلى إخْراجِهِمْ مِن تَحْتِ يَدِهِ بَغى عَلى مَن لَهُ المُلْكُ فَتَكُونُ فَسادًا فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ إذا خَدَعَ مَن فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ بِما عاهَدَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَسِّ الضُّرِّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالصَّرْفِ لِيَكُونَ نَصًّا عَلى مُرادِهِ مِنَ العِلْمِيَّةِ، ولِأنَّ المُصِرَّ يُطْلَقُ عَلى المَدِينَةِ الواحِدَةِ، والتَّنْوِينُ يَأْتِي لِلتَّحْقِيرِ وهو ضِدُّ مُرادِهِ.
ولَمّا كانَ قَدْ حَصَلَ لَهُ مِمّا رَأى مِنَ الآياتِ ووَرَدَ عَلَيْهِ مِن تِلْكَ الضَّرَباتِ بِأنْواعِ المُثُلاتِ ما أدْهَشَهُ بِحَيْثُ صارَ في عِدادِ مَن (p-٤٤٧)يَشُكُّ أتْباعُهُ في مِلْكِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِما بَناهُ مِنَ الحالِ: ﴿وهَذِهِ﴾ أيْ والحالُ أنَّ هَذِهِ ﴿الأنْهارُ﴾ وكَأنَّهُ كانَ قَدْ أكْثَرَ مِن تَشْقِيقِ الخُلْجانِ إلى بَساتِينِهِ وقُصُورِهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِ فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ مِن أيِّ مَوْضِعٍ أرَدْتَهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرِي، وزادَ في التَّقْرِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم فَتَعْلَمُوا بِبَصائِرِ قُلُوبِكم أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُنازِعَنِي، وهَذا لَعَمُرِي قَوْلُ مَن ضَعُفَتْ قُواهُ وانْحَلَّتْ عُراهُ.
الزخرف 43:52
ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَهَذا الَّذِي جاءَ يَسْلُبُنا عَبِيدُنا بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرٌ عِنْدَكم مِنِّي؟ نَسَّقَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ مَعَ ما وصَفْتُ لَكم مِن ضَخامَتِي وما لِي مِنَ القُدْرَةِ عَلى إجْراءِ المِياهِ الَّتِي بِها حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، ونَقَلَ ابْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وأُسْتاذِهِ الخَلِيلِ أنَّها مُعادَلَةٌ لِتَقْرِيرِهِمْ بِالإبْصارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أفَلا تُبْصِرُونَ ما ذَكَّرْتُكم بِهِ فَتَرَوْنَ لِعَدَمِ إبْصارِكم أنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي أمْ أنا خَيْرٌ مِنهُ لِأنَّكم لا تُبْصِرُونَ، وكانَ هو أحَقُّ بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ مِنهم فَإنَّهُ أراهُمُ الطَّرِيقَ الواضِحَةَ إلى الضَّلالِ والمُوصِلَةِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ ولا تَعَبٍ بِقَوْلِهِ: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ أنْتُمْ بُصَراءُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ احْتِباكًا تَقْدِيرُهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ ما (p-٤٤٨)نَبَّهْتُكم عَلَيْهِ، فَذَكَرَ الإبْصارَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِها ثانِيًا والخَيْرِيَّةِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِها أوَّلًا، وحَقَّرَ مِن عَظَمَةِ الآتِي لَهُ بِتِلْكَ الآياتِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يُسْرِعَ النّاسُ إلى اتِّباعِهِ لِأنَّ آياتِهِ - لِكَوْنِها مِن عِنْدِ اللهِ - كالشَّمْسِ بَهْجَةً وعُلُوًّا وشُهْرَةً فَقالَ: ﴿مِن هَذا﴾ فَكَنّى بِإشارَةِ القَرِيبِ عَنْ تَحْقِيرِهِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُبَيِّنُ مُرادَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ أيْ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ قَلِيلٌ ذَلِيلٌ، لِأنَّهُ يَتَعاطى أُمُورَهُ بِنَفْسِهِ، ولَيْسَ لَهُ مُلْكٌ ولا قُوَّةٌ يَجْرِي بِها نَهْرًا ولا يُنَفِّذُ بِها أمْرًا ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ أيْ لا يَقْرُبُ مِن أنْ يُعْرِبَ عَنْ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لِما في لِسانِهِ مِنَ الحَبْسَةِ فَلا هو قادِرٌ في نَفْسِهِ ولا لَهُ قُوَّةٌ بِلِسانِهِ عَلى تَصْرِيفِ المَعانِي وتَنْوِيعِ البَيانِ يَسْتَجْلِبُ القُلُوبَ ويُدْهِشُ الألْبابَ فَيَكْثُرُ أتْباعُهُ ويُضَخِّمُ أمْرَهُ، وقَدْ كَذَبَ في جَمِيعِ قَوْلِهِ، فَقَدْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبْلَغَ أهْلِ زَمانِهِ قَوْلًا وفِعْلًا بِتَقْدِيرِ اللهِ الَّذِي أرْسَلَهُ لَهُ وأمَرَهُ إيّاهُ ولَكِنَّ الخَبِيثَ أسْنَدَ هَذا إلى ما بَقِيَ في لِسانِهِ مِنَ الحَبْسَةِ تَخْيِيلًا لِأتْباعِهِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما دَعا بِإزالَةِ حَبْسَتِهِ بَلْ بِعُقْدَةٍ مِنها.
الزخرف 43:53
ولَمّا كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وعِنْدَ مَن كانَ مِثْلُهُ مَطْمُوسَ البَصِيرَةِ فاقِدَ (p-٤٤٩)الفَهْمِ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ أنَّ القُرْبَ مِنَ المُلُوكِ والغَلَبَةِ عَلى الأُمُورِ لا تَكُونُ إلّا بِكَثْرَةِ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والتَّحَلِّي بِحُلِيِّ المُلُوكِ، سَبَّبَ عَنِ ادِّعائِهِ لِرِسالَتِهِ عَنْ مَلِكِ المُلُوكِ اللّازِمَةِ لِلْقُرْبِ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا﴾ ولَمّا كانَتِ الكَراماتُ والحُبى والخُلَعُ تُلْقى عَلى المُكَرَّمِ بِها إلْقاءً، عَبَّرَ بِهِ فَقالَ: ﴿أُلْقِيَ﴾ أيْ مِن أيِّ مُلْقٍ كانَ ﴿عَلَيْهِ﴾ مِن عِنْدِ مُرْسِلِهِ الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ المُلْكُ بِالحَقِيقَةِ ﴿أسْوِرَةٌ﴾ جَمْعُ أسْوِرَةٍ - قالَهُ الزَّجّاجُ، وصَرَفَ لِصَيْرُورَتِهِ عَلى وزْنِ المُفْرَدِ نَحْوُ عَلانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ، والسُّوارُ: ما يُوضَعُ في المِعْصَمِ مِنَ الحِلْيَةِ ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ أمارَةً عَلى صِدْقِ صِحَّةِ دَعَواهُ كَما نَفْعَلُ نَحْنُ عِنْدَ إنْعامِنا عَلى أحَدٍ مِن عَبِيدِنا بِالإرْسالِ إلى ناحِيَةٍ مِنَ النَّواحِي لِمُهِمٍّ مِنَ المُهِمّاتِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ﴾ أيْ صُحْبَتُهُ عِنْدَما أتى إلَيْنا بِهَذا النَّبَأِ الجَسِيمِ والمُلِمِّ العَظِيمِ ﴿المَلائِكَةُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ، وأشارَ إلى كَثْرَتِهِمْ بِما بَيَّنَ مِنَ الحالِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ أيْ يُقارِنُ بَعْضُهم بَعْضًا بِحَيْثُ يَمْلَئُونَ الفَضاءَ ويَكُونُونَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ بِحَيْثُ يَكُونُ مُقارِنًا لَهم لِيُجابَ إلى هَذا الأمْرِ الَّذِي جاءَ يَطْلُبُهُ كَما نَفْعَلُ نَحْنُ (p-٤٥٠)إذا أرْسَلْنا رَسُولًا إلى أمْرٍ يَحْتاجُ إلى دِفاعٍ وخِصامٍ ونِزاعٍ، فَكانَ حاصِلُ أمْرِهِ كَما تَرى أنَّهُ تَعَزَّزَ بِإجْراءِ المِياهِ، فَأهْلَكَهُ اللهُ بِها إيماءً إلى أنَّ مَن تَعَزَّزَ بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ أهْلَكَهُ اللهُ بِهِ، واسْتَصْغَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعابَهُ بِالفَقْرِ والغَيِّ فَسَلَّطَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ ما اسْتَصْغَرَ أحَدٌ شَيْئًا إلّا غَلَبَهُ - أفادَهُ القُشَيْرِيُّ.
الزخرف 43:54
ولَمّا كانَ كَلامُهُ هَذا واضِعًا لَهُ عِنْدَ مَن تَأمَّلَ لا رافِعًا، وكانَ قَدْ مَشى عَلى أتْباعِهِ لِأنَّهم مَعَ المَظِنَّةِ دُونَ المِنَّةِ، فَهم أذَلُّ شَيْءٍ لِمَن ثَبَتَتْ لَهُ رِئاسَتُهُ دُنْيَوِيَّةٌ وإنْ صارَ تُرابًا، وأعْصى شَيْءٍ عَلى مَن لَمْ تَفَقَّهَ لَهُ النّاسُ وإنْ فَعَلَ الأفاعِيلَ العِظامَ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَتَأثَّرُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الخُدَعِ الَّتِي سَحَرَهم بِها في هَذا الكَلامِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ مُحَقِّرٌ لَهُ مُوهِنٌ لِأمْرِهِ قاصِمٌ لِمُلْكِهِ عِنْدَ مَن لَهُ لُبٌّ ﴿قَوْمَهُ﴾ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَحَمَلَهم بِغُرُورِهِ عَلى ما كانُوا مُهَيَّئِينَ لَهُ في خِفَّةِ الحُلْمِ ﴿فَأطاعُوهُ﴾ بِأنْ أقَرُّوا بِمُلْكِهِ وأذْعَنُوا لِضَخامَتِهِ واعْتَرَفُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ ورَدُّوا أمْرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ كَلامُهُ كَما مَضى أعْظَمُ مُوهِنٍ لِأمْرِهِ وهو مَنقُوضٌ (p-٤٥١)عَلى تَقْدِيرِ مَتانَتِهِ بِأنَّ مُوسى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ أتى بِما يُغْنِي عَمّا قالَهُ مِنَ الأساوِرَةِ وظُهُورِ المَلائِكَةِ بِأنَّهُ مَهْما هَدَّدَهم فِعْلُهُ ومَهْما طَلَبُوهُ مِنهُ أجابَهم إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْقِبْطِ داعٍ إلى طاعَةِ فِرْعَوْنَ بَعْدَما رَأوْا مِنَ الآياتِ إلّا المُشاكَلَةَ في خَباثَةِ الأرْواحِ، عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما يُناسِبُ أحْوالَهم فَيَرْتَضِي أفْعالَهم وهُمُ الأكْثَرُ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الشَّرِّ والنِّفاقِ لِأنَّهم كانُوا ﴿قَوْمًا﴾ أيْ عِنْدَهم قُوَّةُ شَكائِمِ تُوجِبُ لَهُمُ الشَّمّاخَةُ إلّا عِنْدَ مَن يَقْهَرُهم بِما يَأْلَفُونَ مِن أسْبابِ الدُّنْيا ﴿فاسِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللهِ إلى مَعْصِيَةٍ، قَدْ صارَ لَهم ذَلِكَ خَلْقًا ثانِيًا،
الزخرف 43:55
وكَأنَّ مُدَّةَ مُحاوَلَةِ الكَلِيمِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم كانَتْ قَرِيبَةً، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ فَعَلُوا مَعْناهُ ما يُغْضِبُ إغْضابًا شَدِيدًا بِإغْضابِ أوْلِيائِنا كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ ”مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي“ لِنَكْثِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً في إثْرِ كَرَّةٍ ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أوْقَعْنا بِهِمْ عَلى وجْهِ المُكافَأةِ لِما فَعَلُوا بِرَسُولِنا عَلَيْهِ السَّلامُ عُقُوبَةً عَظِيمَةً مُنْكَرَةً مَكْرُوهَةً (p-٤٥٢)كَأنَّها بِعِلاجِ ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليَمِّ ﴿أجْمَعِينَ﴾ إهْلاكَ نَفْسٍ واحِدَةٍ لَمْ يُفْلِتْ مِنهم أحَدٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وشِدَّتِهِمْ، وهَذا لا يَكُونُ في العادَةِ إلّا بَعْدَ عِلاجٍ كَثِيرٍ أوِ اعْتِناءٍ كَبِيرٍ.
الزخرف 43:56
ولَمّا كانَ إهْلاكُهم بِسَبَبِ إغْضابِهِمْ لِلَّهِ وبِالكِبَرِ عَلى رُسُلِهِ، كانُوا سَبَبًا لِأنْ يَتَّعِظَ بِحالِهِمْ مَن يَأْتِي بَعْدَهم فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ بِأخْذِنا لَهم عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الإغْراقِ وغَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَهُ ﴿سَلَفًا﴾ مُتَقَدِّمًا لِكُلِّ مَن يَهْلَكُ بَعْدَهم إهْلاكَ غَضَبٍ في الهَلاكِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ وقُدْوَةً لِمَن يُرِيدُ العُلُوَّ في الأرْضِ فَتَكُونُ عاقِبَتُهُ في الهَلاكِ في الدّارَيْنِ أوْ إحْداهُما عاقِبَتُهم كَما قالَ سُبْحانَهُ عَزَّ مِن قائِلٍ وتَبارَكَ وتَعالى ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] ﴿ومَثَلا﴾ أيْ حَدِيثًا عَجِيبًا سائِرًا مَسِيرَ المَثَلِ ﴿لِلآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ خَلَّفُوا بَعْدَهم مِن زَمَنِهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ فَيَكُونُ حالُهم عِظَةً لِناسٍ وإضْلالًا لِآخَرِينَ، فَمَن قَضى أنْ يَكُونَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ عَمِلَ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، ومَن أرادَ (p-٤٥٣)النَّجاةَ مِمّا نالَهم تَجَنَّبَ أفْعالَهُمْ، فَمَن أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ وُفِّقَ لِمِثْلِ خَيْرٍ يَرُدُّهُ عَنْ غَيِّهِ، ومَن أُرِيدَ بِهِ الشَّرُّ، وجُعِلَ لَهُ مِنهم مَثَلًا يَجْتَرِئُ بِهِ عَلى شَرِّهِ، ويَقْوى عَلى خُبْثِهِ ومَكْرِهِ، فَيَجْعَلُ الشِّرِّيرَ ما أُوتُوهُ مِنَ الدُّنْيا مِنَ النِّعْمَةِ والحِبَرَةِ الرَّفاهِيَةِ والنُّصْرَةِ مَثَلًا لَهُ في التَّوَصُّلِ إلَيْهِ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ، ويَجْعَلُ الخَيْرَ إهْلاكَهم مَثَلًا لَهُ فَيَبْعُدُ عَنْ أفْعالِهِمْ لِيَنْجُوَ مِن مِثْلِ نَكالِهِمْ، يَقُولُ أحَدُهُمْ: أخَذَ الفُلانِيُّونَ أخْذَ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ لَمْ يُفْلِتْ مِنهم إنْسانٌ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن أمْثالِهِمْ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، ونَقُولُ نَحْنُ: إنّا نُهْلِكُ مَن ظَلَمَ وتَمادى في ظُلْمِهِ بَعْدَ تَحْذِيرِنا لَهُ وغَشْمٍ وإنْ عَظُمَ آلُهُ وأتْباعُهُ، وظَنَّ عِزَّهُ وامْتِناعَهُ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويَقُولُ مَن أُرِيدَ بِهِ الشَّرَّ: لَيْسَ عَلى ظَهْرِها أحَدٌ يَبْقى إنْ خافَ العَواقِبَ فَأحْجَمَ عَنْ شَهَواتِهِ وانْهَمَكَ في رِياضِ أهَوِيَتِهِ وإرادَتِهِ وشَهِيِّ طَيِّباتِهِ وكَذا ذاتُهُ كَما وقَعَ لِفِرْعَوْنَ فَإنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ لِشَيْءٍ عَنْ رِئاسَتِهِ، وبُلُوغِ النِّهايَةِ مِن صَلَفِهِ ونَفاسَتِهِ إلى أنْ ذَهَبَ بِهِ كَما ذَهَبَ بِغَيْرِهِ سَواءٌ سارَ بِسِيَرِهِ أوْ بِغَيْرِ سَيْرِهِ، ولَقَدْ ضَلَّ بِهِ قَوْمٌ وأضَلُّوا، وحَلُّوا لِمَن داناهم (p-٤٥٤)عُرى الدِّينِ فَزَلُّوا، وما كَفاهم ذَلِكَ حَتّى ادَّعَوْا أنَّهُ مِن أعَزِّ المُقَرَّبِينَ لِأنَّ الَّذِي كانَ آخِرُ كَلامِهِ الإيمانَ، فَجَبَّ ما كانا قَبْلَهُ ولَمْ يَتَدَنَّسْ بَعْدَهُ فَماتَ طاهِرًا مُطَهَّرًا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّنَسِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا عِنْدَ اليَأْسِ حَيْثُ لا نَفْعَ فِيهِ، وغَرُّوا الضُّعَفاءَ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ لا صَرِيحَ في القُرْآنِ بِعَذابِهِ بَعْدَ المَوْتِ تَعْمِيَةً عَنِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ المُنْتَظِمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] المُنْتَجُ مِن غَيْرِ شَكٍّ أنَّ فِرْعَوْنَ مِن أصْحابِ النّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١]
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ [ص: ١٢] إلى أنْ قالَ ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] غَيْرَ ذَلِكَ مِن مُحْكَمِ الآياتِ وصَرِيحِ الدَّلالاتِ البَيِّناتِ، وكَذا غَيْرُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الصّالِحِينَ والطّالِحِينَ جَعَلَهم سُبْحانَهُ سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ، فَمَن أرادَ بِهِ خَيْرًا يُسَرُّ لَهُ مِثْلُ خَيْرٍ احْتَذى بِهِ، ومَن أرادَ بِهِ شَرًّا أضَلَّهُ بِمِثْلِ سُوءٍ اقْتَدى بِهِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَثَلًا لِتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلى اخْتِراعِ الأشْياءِ بِأسْبابٍ وبِغَيْرِ أسْبابٍ، وكانَ أعْبَدَ أهْلِ زَمانِهِ وأعْلَمَهم وأزْهَدَهم وأقْرَبَهم إلى الخَيْرِ وأبْعَدَهم عَنِ الشَّرِّ، فاقْتَدى (p-٤٥٥)بِهِ مَن أرادَ اللهُ بِهِ الخَيْرَ في مِثْلِ ذَلِكَ فاهْتَدى بِهِ، وضَلَّ بِهِ آخَرُونَ وضَرَبُوا بِهِ لِأنْفُسِهِمْ أمْثالَ الآلِهَةِ، وصارُوا يَفْرَحُونَ بِما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ ولا يَراهُ، وضَرَبَهُ قَوْمُكَ مَثَلًا لِآلِهَتِهِمْ لَمّا أخْبَرَنا أنَّهم مَعَهم حَصَبُ جَهَنَّمَ وسُرُّوا بِذَلِكَ وطَرِبُوا وظَنُّوا أنَّهم فازُوا وغَلَبُوا:
الزخرف 43:57
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أيْ ضَرَبَهُ ضارِبٌ مِنهم ﴿مَثَلا﴾ لِآلِهَتِهِمْ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ أيِ الَّذِينَ أعْطَيْناهم قُدْرَةً عَلى القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ ﴿مِنهُ﴾ أيْ ذَلِكَ المَثَلُ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَضِجُّونَ ويُعْلُونَ أصْواتَهم سُرُورًا بِأنَّهم ظَفِرُوا عَلى زَعْمِهِمْ بِتَناقُضٍ، فَيُعَرِّضُونَ بِهِ عَنْ إجابَةِ دُعائِكَ، يُقالُ: صَدَّ عَنْهُ صُدُودًا: أعْرَضَ، وصَدَّ يَصُدُّ ويَصِلُ: ضَجَّ - قالَهُ في القامُوسِ، فَلِذَلِكَ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: مَعْناهُما جَمِيعًا - أيْ قِراءَةُ ضَمِّ الصّادِ وقِراءَةُ كَسْرِها - يَضِجُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَضْمُومَةِ: يُعْرِضُونَ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: والكَسْرُ أعْلى القِراءَتَيْنِ - انْتَهى.
وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا كَما مَضى في الأنْبِياءِ ”إنّا وما نَعْبُدُ في جَهَنَّمَ“ مُقْتَضٍ أنْ يَكُونَ عِيسى كَذَلِكَ، وأنْ نَسْتَوِيَ نَحْنُ وآلِهَتُنا بِهِ، فَإنَّهُ مِمّا عُبِدَ ونَحْنُ راضُونَ بِمُساواتِهِ لَنا - إلى آخِرِ ما قالُوا (p-٤٥٦)وما رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ الآيَةِ مِنَ العامِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ كَما هو مُقْتَضى كَلامِهِمْ ولِسانِهِمْ في أنَّ الأصْلَ في ”ما“ لِما لا يَعْقِلُ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْهُمْ:
الزخرف 43:58
﴿وقالُوا أآلِهَتُنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِنَ الأصْنامِ والمَلائِكَةِ ﴿خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ أيْ عِيسى فَنَحْنُ راضُونَ بِأنْ نَكُونَ مَعَهُ.
ولَمّا اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى جَوابِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ في الأنْبِياءِ، قَدَّمَ عَلَيْهِ هُنا أنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ إنَّما هو المُماحَكَةُ والمُماحَلَةُ والمُراوَغَةُ والمُقاتَلَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ﴾ أيْ ما ضَرَبَ الكُفّارُ: ابْنُ الزَّبَعْرى حَقِيقَةٌ وغَيْرُهُ مِن قَوْمِكَ مَجازًا، المَثَلُ لِآلِهَتِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَكَ إلا جَدَلا﴾ أيْ لِإرادَةِ أنْ يَقْتُلُوكَ عَنْ دَعْوَتِكَ مُغالَطَةً وهم عالِمُونَ بِأنَّ ما ألْزَمُوكَ بِهِ غَيْرُ لازِمٍ ولَمْ يَعْتَقِدُوا لُزُومَهُ قَطُّ لِأنَّ الكَلامَ ما كانَ إلّا في أصْنامِهِمْ، ولِأنَّ الخُصُوصَ في كَلامِهِمْ شائِعٌ، ولِأنَّهُ قَدْ عَقَّبَ بِما يُبَيِّنُ الخُصُوصَ ويُزِيلُ اللَّبْسَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَقْتَدُوا قَطُّ بِما أُلْزِمُوا بِهِ أنَّهُ لازِمٌ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ﴾ أيْ أصْحابُ قُوَّةٍ عَلى القِيامَةِ بِما يُحاوِلُونَهُ ﴿خَصِمُونَ﴾ أيْ شَدِيدُو الخِصامِ قادِرُونَ عَلى اللَّدَدِ، رَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ عَنْ (p-٤٥٧)أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» .
الزخرف 43:59
ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا أنَّهُ غَيْرُ مُهانٍ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهِ الحَصْرِ قَصْرَ قَلْبٍ لِمَن يَدَّعِي أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الإلَهِيَّةِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلا عَبْدٌ﴾ ولَيْسَ هو بِإلَهٍ ﴿أنْعَمْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والإحْسانِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالنُّبُوَّةِ والإقْدارِ عَلى الخَوارِقِ ﴿وجَعَلْناهُ﴾ بِما خَرَقْنا بِهِ العادَةَ في مِيلادِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِهِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ أمْرًا عَجِيبًا مَعَ وُضُوحِهِ وجَلائِهِ فِيهِ خَفاءٌ ومَوْضِعُ شُبْهَةٍ بِأنْ جَعَلْناهُ مِن أُنْثى فَقَطْ بِلا واسِطَةٍ ذَكَرٍ لِيُضِلَّ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ مَعَ المَحْسُوساتِ، ودَلَلْنا عَلى الحَقِّ فِيهِ بِما مَنَحَنا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ وزُكاءِ الأخْلاقِ وطِيبِ الشِّيَمِ والإعْراقِ إسْعادًا لِمَن أعْلَيْناهُ بِنُورِ قَلْبِهِ وصَفاءِ لُبِّهِ إلى إحْسانِ النَّظَرِ في المَعانِي ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الَّذِينَ هم أعْلَمُ النّاسِ بِهِ، بَعْضُهم بِالمُشاهَدَةِ وبَعْضُهم بِالنَّقْلِ القَرِيبِ، فَلَمّا جاءَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ الجَلِيَّةِ في كَوْنِها حَقًّا بِما كانَ عَلى يَدَيْهِ ويَدَيْ أُمِّهِ مِنَ الكَراماتِ، آمَنَ بِهِ مَن بَصَّرَهُ اللهُ مِنهُ بِالحَقِّ مِن أمْرِهِ بِما كانَ فِيهِ (p-٤٥٨)مِنَ الكَراماتِ، وكانَ كُلَّما رَأى رَجُلًا مِنهم عَلى مِنهاجِهِ في أعْمالِهِ وكَرامَتِهِ اهْتَدى إلى الحَقِّ مِن أمْرِهِ، وقالَ: هَذا مَثَلُهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْتَفَعَ بِالنَّبِيِّ ومَن تَبِعَهُ بِإحْسانٍ، فَنالَ مِنَ اللهِ الرِّضْوانَ، وقالَ أيْضًا هَذا المُوَفَّقُ مُسْتَبْصِرًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَثَلُهُ في ذَلِكَ مَثَلُ أبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إخْراجِهِ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، بَلْ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْجَبُ، ومِثْلُ ابْنِ خالَتِهِ يَحْيى وجَدَهُ إسْحاقُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في إخْراجِ كُلٍّ مِنهُما بِسَبَبٍ هو في غايَةِ الضَّعْفِ، هَذِهِ أمْثالُهُ الحَسَنَةُ وقالَ مَن أرادَ اللهُ بِهِ الضَّلالَ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحالِ، فَلَمّا جَعَلُوا لَهُ أمْثالَ السُّوءِ ضَرَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ، وقالابْنُ بُرْجانَ: خَصَّهم - أيْ بَنِي إسْرائِيلَ - بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المَفْتُونُونَ بِالدَّجّالِ المُسارِعُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما المَثَلُ في ذَلِكَ مَتى جاءَ الدَّجّالُ بِتِلْكَ الآياتِ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ فَيُعارِضُ ما يَأْتِي بِهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إحْياءِ المَوْتى وتَأْيِيدِهِ بِرُوحِ القُدُسِ، أيْ فَيُضِلُّ عَنِ الأمْرِ الواضِحِ مَن أرادَ اللهُ فِتْنَتَهُ - انْتَهى، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا أنَّهُ جَعَلَ أمْرَهُ واضِحًا جِدًّا بِحَيْثُ أنَّهُ يُمَثِّلُ بِهِ فَيَكُونُ مُوَضِّحًا لِغَيْرِهِ، ولا يَحْتاجُ هو إلى مَثَلٍ يُوَضِّحُهُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ.
الزخرف 43:60
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا النّاسَ كُلَّهم مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، ولَوْ شِئْنا لَساوَيْناكم بِهِمْ في ذَلِكَ الَّذِي ضَرَبْناهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّلِّ عِنْدَما (p-٤٥٩)جَعَلُوا لَهُ مَثَلَ السَّوْءِ فَزِدْنا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والحَقارَةِ عَنْ سائِرِ الأُمَمِ بِأنَّ سُلْطانَهم عَلَيْكم حَتّى اسْتَباحُوكُمْ، ولَوْ شِئْنا لَمَحَوْناكم أجْمَعِينَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَرَكْناها بَيْتًا؟ لا أنِيسَ بِها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ﴾ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ إشارَةً إلى دَوامِ قُدْرَتِهِ عَلى تَجْدِيدِ الإبْداعِ فَقالَ: ﴿نَشاءُ لَجَعَلْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ما هو أغْرَبُ مِمّا صَنَعْناهُ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ جَعْلًا مُبْتَدَئًا مِنكُمْ، إمّا بِالتَّوْلِيدِ كَما جَعَلْنا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أُنْثى مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وجَعَلْنا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ أُنْثى ولا ذَكَرٍ وإمّا بِالبَدَلِيَّةِ ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أيْ يَكُونُونَ خَلَفًا لَكم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بَعْدَ إعْدامِكم فَجَعَلْناهم مَثَلًا لَكم كَما جَعَلْنا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَجَعَلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً بِأنْ نُحَوِّلَ خِلْقَتَهم فَنَجْعَلَهم خَلَفًا لِمَن تَحَوَّلُوا عَنْهم ونَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ عِبادِنا أجْسامٌ تَقْبَلُ التَّوْلِيدَ كَما تَقْبَلُ الإبْداعَ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَذَلِكَ إشارَةُ إلى أنَّ المَلائِكَةَ ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ مِن جُمْلَةِ عَبِيدِهِ سُبْحانَهُ، يَصْرِفُهم في مُرادِهِ إنْ شاءَ في السَّماءِ، وإنْ شاءَ في الأرْضِ، لا شَيْءَ مِنكم إلّا وهو بِعِيدٌ جِدًّا عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ إرْشادًا لَهم إلى الِاعْتِقادِ (p-٤٦٠)الحَقِّ في أمْرِهِ سُبْحانَهُ بِشُمُولِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ اللّازِمِ مِنهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.
الزخرف 43:61
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الإعْدامَ والخِلافَةَ بِسَبَبِهِ فَرْضًا، ذَكَرَ أنَّ إنْزالَهُ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ أمارَةٌ عَلى إعْدامِ النّاسِ تَحْقِيقًا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أيْ نُزُولِهِ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِقُرْبِ السّاعَةِ الَّتِي هي إعْدامُهُ الخَلائِقَ كُلَّهم بِالمَوْتِ، وكَذا ما نُقِلَ عَنْهُ مِن أنَّهُ كانَ يَحْيى وكَذا إبْراؤُهُ الأسْقامَ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِلْقَطْعِ بِالسّاعَةِ الَّتِي هي القِيامَةُ، فَهو سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِالأمْرَيْنِ: عُمُومُ الإعْدامِ وعُمُومُ القِيامِ.
ولَمّا كانَ قُرَيْشٌ يَسْتَنْصِحُونَ اليَهُودَ يَسْألُونَهم - لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الكِتابِ - عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ النَّصارى مِثْلُهم في ذَلِكَ، وكانَ كَوْنُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أعْلامِ السّاعَةِ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ، أمّا النَّصارى فَيَقُولُونَ: إنَّهُ الَّذِي أتى إلَيْهِمْ ورُفِعَ إلى السَّماءِ كَما هو عِنْدَنا، وأمّا اليَهُودُ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ إلى الآنَ لَمْ يَأْتِ، ويَأْتِي بَعْدُ، فَثَبَتَ بِهَذا أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنْهُ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ، ومِن أنَّهُ مِن أعْلامِ السّاعَةِ بِشَهادَةِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ ثَباتًا عَظِيمًا جِدًّا، فَصارَتْ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ، فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَمّا سَبَقَ قَوْلُهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لافِتًا القَوْلَ إلى مُواجَهَتِهِمْ مُؤَكِّدًا في مُقابَلَةِ (p-٤٦١)إنْكارِهِمْ لَها بِما ثَبَتَ مِن شَهادَةِ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ﴾ أيْ تَشُكُّوا أدْنى شَكٍّ وتَضْطَرِبُوا أدْنى اضْطِرابٍ وتَجْحَدُوا أدْنى جَحْدٍ وتُجادِلُوا أدْنى جَدَلٍ ﴿بِها﴾ أيْ بِسَبَبِها، يُقالُ: مَرى الشَّيْءُ وامْتَراهُ: اسْتَخْرَجَهُ، ومَراهُ مِائَةَ سَوْطٍ: ضَرَبَهُ، ومَراهُ حَقَّهُ، أيْ جَحَدَهُ، والمِرْيَةُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ: الجَدَلُ والشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ أيْ أوْجَدُوا تَبِعَكم بِغايَةِ جُهْدِكم ﴿هَذا﴾ أيْ كُلُّ ما أمَرْتُكم بِهِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿صِراطٌ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ واضِحٍ ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ لا عِوَجَ فِيهِ.
الزخرف 43:62
ولَمّا حَثَّهم عَلى السُّلُوكِ لِصِراطِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ بِدَلالَةِ الشَّفُوقِ النَّصُوحِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، حَذَّرَهم مِنَ العَدُوِّ البَعِيدِ المُحْتَرِقِ الطَّرِيدِ، فَقالَ دالًّا عَلى عَظِيمِ فِتْنَتِهِ بِما لَهُ مِنَ التَّزْيِينِ لِلْمُشْتَهى والأخْذِ مِنَ المَأْمَنِ والتَّلْبِيسِ لِلْمُشْكِلِ والتَّغْطِيَةِ لِلْخَوْفِ بِالتَّأْكِيدِ، لِما هم تابِعُونَ مِن ضِدِّهِ عَلى وجْهِ التَّقْلِيدِ: ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ﴾ أيْ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ الواضِحِ الواسِعِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى المَقْصُودِ بِأيْسَرِ سَعْيٍ ﴿الشَّيْطانُ﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ (p-٤٦٢)ما لَهُ يَصُدُّنا عَنْ سَبِيلِ رَبِّنا؟ ذَكَرَ العِلَّةَ تَحْذِيرًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ عامَّةً، وأكَّدَ الخَبَرُ لِأنَّ أفْعالَ التّابِعِينَ لَكم أفْعالُ مَن يُنْكِرُ عَداوَتَهُ: ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ واضِحُ العَداوَةِ في نَفْسِهِ مُنادٍ بِها، وذَلِكَ بِإبْلاغِهِ في عَداوَةِ أبِيكم حَتّى أنْزَلَكم بِإنْزالِهِ عَنْ مَحَلِّ الرّاحَةِ إلى مَوْضِعِ النَّصْبِ، عَداوَةٌ ناشِئَةٌ عَنِ الحَسَدِ، فَهي لا تَنْفَكُّ أبَدًا.
الزخرف 43:63
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْعَمَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ولَوَّحَ إلى اخْتِلافِهِمْ وأنَّ بَعْضَهم نَزَلَ مِثْلَهُ عَلى غَيْرِ ما هو بِهِ، وحَذَّرَ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ في نَحْوِ ذَلِكَ الضَّلالِ، وأمَرَ بِاتِّباعِ الهادِي، ونَهى عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّ، صَرَّحَ بِما كانَ مِن حالِهِمْ حِينَ أبْرَزَهُ اللهُ لَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ الغَرِيبَةِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى﴾ أيْ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ المَسْمُوعَةِ والمَرْئِيَّةِ،
﴿قالَ﴾ مُنَبِّهًا لَهُمْ: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ ما يَدُلُّكم قَطْعًا عَلى أنَّهُ آيَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ وكَلِمَةٌ مِنهُ أيْضًا ﴿بِالحِكْمَةِ﴾ أيِ الأمْرِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ نَقْضُهُ ولا يُدْفَعُ إلّا بِالمُعانَدَةِ لِأُخَلِّصَكم بِذَلِكَ مِمّا وقَعْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ. (p-٤٦٣)ولَمّا كانَ المُرادُ بِالحِكْمَةِ ما نُسِخَ مِنَ التَّوْراةِ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما أتاهم بِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: لِتَتَّبِعُوهُ وتَتْرُكُوا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ أمْرًا خاصًّا هو مِن أحْكَمِ الحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿ولأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ بَيانًا واضِحًا جِدًّا ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ﴾ أيِ الآنِ ﴿فِيهِ﴾ ولا تَزالُونَ تُجَدِّدُونَ الخِلافَةَ بِسَبَبِهِ، وهَذا البَعْضُ الظّاهِرُ بِما يُرْشِدُ إلَيْهِ خِتامُ الآيَةِ أنَّهُ المُتَشابِهُ الَّذِي كَفَرُوا بِسَبَبِهِ بَيَّنَهُ بَيانًا يَرُدُّهُ إلى المُحْكَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُتَشابِهِ، وهو ما يَكُونُ بَيانُهُ كافِيًا في رَدِّ بَقِيَّةِ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ بِالقِياسِ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشَّأْنَ في كُلِّ كِتابٍ أنْ يَجْمَعَ المُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، فالمُحْكَمُ ما لا لَبْسَ فِيهِ، والمُتَشابِهُ ما يَكُونُ مُلْبِسًا، وفِيهِ ما يَرُدُّهُ إلى المُحْكَمِ لَكِنْ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والإشارَةِ الَّتِي لا يَذُوقُها إلّا أهْلُ البَصائِرِ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ فالصّادِقُ الَّذِي رَسَّخَ عِلْمًا وإيمانًا يَرُدُّ المُتَشابِهَ مِنهُ إلى المُحْكَمِ، أوْ يَعْجَزُ فَيَقُولُ: اللهُ أعْلَمُ، رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ولا يَتَزَلْزَلُ، والكاذِبُ يَتَّبِعُ المُتَشابِهَ فَيُجْرِيهِ عَلى ظاهِرِهِ فَيُشَبِّهُ كَأهْلِ الِاتِّحادِ الجَوامِدِ المَفْتُونِينَ بِالمُشاهَدَةِ ويُؤَوِّلُ بِحَسَبِ هَواهُ بِما لا يَتَمَشّى عَلى قَواعِدِ العِلْمِ ولا يُوافِقُ المُحْكَمَ فَيُفْتَتَنُ.
ولَمّا صَحَّ بِهَذا أنَّ الَّذِي أرْسَلَهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ (p-٤٦٤)كُلُّهُ، فَهو فَعّالٌ لِما يَشاءُ، وكانَ الحامِلُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَّقْوى، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوهُ لِما لَهُ مِنَ الجَلالِ بِحَيْثُ لا تُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ إلّا بِبَيانٍ مِنهُ لِأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنكم ومِن غَيْرِكُمْ، ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ في مِلْكِ الغَيْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِإذْنِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أنْقُلُكم إلَيْهِ وأُبَيِّنُهُ لَكم مِمّا أُبْقِيكم عَلَيْهِ، فَإنِّي لا آخُذُ شَيْئًا إلّا عَنْهُ، ولا أتَلَقّى إلّا مِنهُ، فَطاعَتِي لِأمْرِهِ بِما يُرْضِيهِ هي ثَمَرَةُ التَّقْوى، وكُلَّما زادَ المُتَّقِي في أعْمالِ الطّاعَةِ زادَتْ تَقْواهُ.
الزخرف 43:64
ولَمّا أمَرَهم بِطاعَتِهِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِما أزالَ تُهْمَتَهُ ما يُطاعُ فِيهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجامَلَةِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالجَلالِ والجَمالِ، فَكانَ أهْلًا لِأنْ يُتَّقى ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ نَحْنُ في العُبُودِيَّةِ بِإحْسانِهِ إلَيْنا وسِيادَتِهِ لَنا عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَلَوْلا أنَّهُ أرْسَلَنِي لَما خَصَّنِي عَنْكم بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ بِما آمُرُكم بِهِ لِأنَّهُ صَدَّقَنِي في أمْرِكم بِاتِّباعِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِي فَصارَ هو الآمِرُ لا أنا.
ولَمّا كانَ دُعاؤُهُ إلى اللهِ بِما لا حَظَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ دَلَّ قَطْعِيًّا عَلى صِدْقِهِ ولا سِيَّما وقَدِ اقْتَرَنَ بِالمُعْجِزاتِ مَعَ كَوْنِهِ في (p-٤٦٥)نَفْسِهِ في غايَةِ الخُفْيَةِ لا يُسْتَطاعُ بَعْضُهُ بِوَجْهٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا مَضى مُرَغِّبًا فِيهِ دالًّا عَلى اقْتِضائِهِ الطّاعَةَ ﴿هَذا﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿صِراطٌ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ جِدًّا واضِحٍ ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ لا عِوَجَ لَهُ.
ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِالحِكْمَةِ مِنَ الإنْجِيلِ:
قالَ مَتّى أحَدُ مُتَرْجِمِيهِ الأرْبَعَةِ وقَدْ خَلَطَتْ تَراجِمُهم وأغْلَبُ السِّياقِ لِمَتّى: فَلَمّا خَرَجَ يَسُوعُ وجاءَ إلى نَواحِي صُوَرَ وصِيدا إذا بِامْرَأةٍ كَنْعانِيَّةٍ - وقالَ مُرْقُسُ: يُونانِيَّةٌ - خَرَجَتْ مِن تِلْكَ التُّخُومِ تَصِيحُ وتَقُولُ: ارْحَمْنِي يا رَبِّ يا ابْنِ داوُدَ! ابْنَتِي بِها شَيْطانٌ رَدِيءٌ، فَلَمْ يُجِبْها بِكَلِمَةٍ، فَجاءَ تَلامِيذُهُ وسَألُوهُ قائِلِينَ: اصْرِفْ هَذِهِ المَرْأةَ لِأنَّها تَصِيحُ خَلْفَنا، أجابَ وقالَ لَهُمْ: لَمْ أُرْسِلْ إلّا إلى الخِرافِ مِن بَيْتِ إسْرائِيلَ، فَأتَتْ وسَجَدَتْ لَهُ قائِلَةً: يا رَبِّ أعْنِي فَأجابَ: لَيْسَ هو جَيِّدًا أنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ فَيُعْطى لِلْكِلابِ، فَقالَتْ: نَعَمْ! يا رَبِّ، (p-٤٦٦)والكِلابُ تَأْكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِن مَوائِدِ أرْبابِها، حِينَئِذٍ أجابَ يَسُوعُ وقالَ لَها: يا امْرَأةً عَظِيمَةً أمانَتُكِ يَكُونُ لَكِ كَما أرَدْتِ، فَبَرِئَتِ ابْنَتُها مِنهُ تِلْكَ السّاعَةَ، وقالَ مُرْقُسُ: فَقالَ لَها مِن أجْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ اذْهَبِي، قَدْ خَرَجَ الشَّيْطانُ مِنَ ابْنَتِكِ، فَذَهَبَتْ إلى ابْنَتِها فَوَجَدَتِ الصَّبِيَّةَ عَلى السَّرِيرِ والشَّيْطانُ قَدْ خَرَجَ مِنها، فَجائُوا إلَيْهِ بِأخْرَسَ أصَمَّ فَطَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَأخْرَجُوهُ وحْدَهُ مِنَ الشَّعْبِ، وتَرَكَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ، وتُفَلَ ثُمَّ مَسَّ لِسانَهُ ونَظَرَ إلى السَّماءِ وشَهِدَ وقالَ: الفاثا الَّذِي هو التَّفَتُّحُ، ولِلْوَقْتِ انْفَتَحَ سَمْعُهُ وسَمِعَ، وانْحَلَّ رِباطُ لِسانِهِ وتَكَلَّمَ مُسْتَوِيًا، ووَصّاهم أنْ لا يَقُولُوا لِأحَدٍ شَيْئًا فَأتاهم فَكانُوا يُنْكِرُونَ كَثِيرًا ويَبْهَتُونَ جِدًّا، قائِلِينَ: ما أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ! يَصْنَعُ الخُرْسُ يَتَكَلَّمُونَ والصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وقالَ مُرْقُسُ: ثُمَّ جاءَ إلى بَيْتِ صِيدا فَقَدَّمُوا إلَيْهِ أعْمى، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَلْمِسَهُ، فَأخَذَ بِيَدِ الأعْمى ثُمَّ أخْرَجَهُ خارِجًا مِنَ القَرْيَةِ، وتَفَلَ في عَيْنَيْهِ ووَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وسَألَهُ: ما يَنْظُرُ؟ قالَ: أنْظُرُ النّاسَ مِثْلَ الشَّجَرِ يَمْشُونَ، فَوَضَعَ يَدَهُ أيْضًا عَلى عَيْنَيْهِ، فَأبْصَرَ حِينًا ونَظَرَ إلى كُلِّ شَيْءٍ ظاهِرًا، قالَ: ثُمَّ جاءَ إلى ناحِيَةٍ قِيسارِيَّةَ فَيَلْقَسُ فَسَألَ تَلامِيذَهُ: ماذا يَقُولُ النّاسُ في ابْنِ (p-٤٦٧)الإنْسانِ؟ فَقالَ قَوْمٌ: يُوحَنّا المُعَمَّدانِ، وآخَرُونَ: إلْيا، وآخَرُونَ: إرْمِيا، وواحِدٌ مِنَ الأنْبِياءِ، فَقالَ لَهُمْ: فَأنْتُمْ ماذا تَقُولُونَ؟ أجابَ سَمْعانُ بُطْرُسَ - وقالَ: أنْتَ هو المَسِيحُ، أجابَ يَسُوعَ وقالَ لَهُ: طُوبى لَكَ يا سَمْعانُ ابْنُ يُونا لِأنَّهُ لَيْسَ جَسَدٌ يَسْعى وأبْوابُ الجَحِيمِ لا تَقْوى عَلَيْهِ ولَكَ أُعْطِي مَلَكُوتَ السَّماواتِ، وما رَبَطَتْهُ الأرْضُ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّماواتِ، وما حَلَلْتُهُ عَلى الأرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا في السَّماواتِ، وبَدَأ يَسُوعُ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ يُخْبِرُ تَلامِيذَهُ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَمْضِيَ إلى يُرُوشَلِيمَ ويَقْبَلَ آلامًا كَثِيرَةً مِنَ المَشايِخِ ورُؤَساءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ، وقالَ: مَن أرادَ أنْ يَتَّبِعَنِي فَلْيَكْفُرْ بِنَفْسِي، ومَن أرادَ أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ فَلْيُهْلِكْها، وهُنَّ أهْلَكَ نَفْسَهُ مِن أجْلِي وجَدَها، وما يَنْفَعُ الإنْسانُ لَوْ رَبِحَ العالَمُ كُلُّهُ وخَسِرَ نَفْسَهُ؟ وماذا يُعْطِي الإنْسانُ فِداءً لِنَفْسِهِ، وقالَ لُوقا: وكانَ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَنْطَلِقُ فالتَفَتَ لَهم وقالَ لَهُمْ: مَن يَأْتِي إلَيَّ ولا يُبْغِضُ أباهُ وأُمَّهُ وامْرَأتَهُ وبَنِيهِ وإخْوَتَهُ وأخَواتِهِ نَعِمَ حَتّى نَفْسِهِ، فَلا يَقْدِرُ أنْ يَكُونَ لِي تَلْمِيذًا، مَن مِنكم يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بُرْجًا ولا يَجْلِسُ أوَّلًا ويَحْسَبَ (p-٤٦٨)نَفَقَتَهُ؟ وهَلْ لَهُ ما يُكْمِلُهُ لِكَيْما يَسْتَهْزِئُ بِهِ كُلُّ مَن يَنْظُرُهُ إذا وضَعَ الأساسَ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى إكْمالِهِ، وأيُّ مَلِكٍ يَخْرُجُ إلى مُحارَبَةِ مَلِكٍ آخَرَ فَلا يَجْلِسُ أوَّلًا ويُفَكِّرُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أنْ يُلْقِيَ بِعَشَرَةِ آلافِ المُوافِي إلَيْهِ في عِشْرِينَ ألْفًا إلّا فَما دامَ بَعِيدًا مِنهُ يُرْسِلُ رُسُلًا رُسُلُ سَلامَةٍ، وهَكَذا كُلٌّ مِنكم إنْ لَمْ يُرْفَضْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا، وذَكَرَ لُوقا أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في ولِيمَةٍ فَقالَ مَثَلًا لِأنَّهم كانُوا يَتَخَيَّرُونَ المُتَّكَآتِ فَقالَ لَهُمْ: مَتى دَعاكَ أحَدٌ إلى عُرْسٍ فَلا تَجْلِسْ في أوَّلِ الجَماعَةِ، فَلَعَلَّهُ قَدْ دَعا هُناكَ أكْرَمَ مِنكَ عَلَيْهِ فَيَأْتِي الَّذِي دَعاهُ فَيَقُولُ لَهُ: يا حَبِيبُ! ارْتَفِعْ إلى فَوْقٍ، حِينَئِذٍ يَكُونُ لَكَ مَجْدًا قُدّامَ المُتَّكِئِينَ مَعَكَ لِأنَّ كُلَّ مَن يَرْتَفِعُ يَتَّضِعُ، وكُلُّ مَن يَتَّضِعُ يَرْتَفِعُ، وقالَ لِلَّذِي دَعاهُ: وإذا صَنَعْتَ ولِيمَةً فَلا تَدَعْ أحِبّاءَكَ ولا إخْوَتَكَ ولا أقارِبَكَ ولا أغْنِياءَ جِيرانِكَ لَعَلَّهم أنْ يَدْعُوكَ أيْضًا فَيَكُونُ لَكَ مُكافَأةً، لَكِنْ إذا صَنَعْتَ طَعامًا فادْعُ المَساكِينَ والعُورَ والضُّعَفاءَ والعُمْيانَ، وطُوباكَ لِأنَّهُ لَيْسَ لَكَ ما يُكافِئُونَكَ، ومُجازاتُكَ تَكُونُ في قِيامَةِ الصَّدِيقَيْنِ، فَسَمَعَ واحِدٌ مِنَ المُتَّكِئِينَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: طُوبى لِمَن يَأْكُلُ خُبْزًا في مَلَكُوتِ اللَّهِ، وقالَ مَتى: وجاءَ تَلامِيذُ يَسُوعَ إلَيْهِ وقالُوا لَهُ: مَن هو العَظِيمُ في مَلَكُوتِ (p-٤٦٩)السَّماواتِ، فَدَعا طِفْلًا وأقامَهُ بَيْنَهم وقالَ: الحَقُّ أقُولُ: إنْ لَمْ تَرْجِعُوا وتَكُونُوا مِثْلَ الصِّبْيانِ لا تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماواتِ، ومَنِ اتَّضَعَ مِثْلَ هَذا الصَّبِيِّ فَهو العَظِيمُ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ، ومِن قَبَّلَ صَبِيًّا مِثْلَ هَذا بِاسْمِي فَقَدْ قَبَّلَنِي، قالَ مُرْقُسُ: ومَن قَبَّلَنِي فَلَيْسَ يُقَبِّلُنِي فَقَطْ بَلْ والَّذِي أرْسَلَنِي، وقالَ لُوقا: ومَن قَبَّلَنِي فَقَدْ قَبَّلَ الَّذِي أرْسَلَنِي، والَّذِي هو الصَّغِيرُ فِيكم هو الأكْبَرُ، قالَ مَتّى: ومَن شَكَّ أحَدُ هَؤُلاءِ الصِّغارِ المُؤْمِنِينَ فَخَيْرٌ أنْ يُعَلِّقَ حَجَرَ الرَّحى في رَقَبَتِهِ، ويَغْرَقَ في البَحْرِ، الوَيْلُ لِلْعالَمِ مِنَ الشُّكُوكِ لَكِنِ الوَيْلُ لِلْإنْسانِ الَّذِي يَأْتِي مِنهُ الشُّكُوكُ، إنْ شَكَتْكَ يَدُكَ أوْ رِجْلُكَ فاقْطَعْها وألْقِها عَنْكَ، فَخَيْرٌ لَكَ أنْ تَدْخُلَ الحَياةَ وأنْتَ أعْرَجُ أوْ أعْشَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ يَدانِ أوْ رِجْلانِ وتُلْقى في نارِ الأبَدِ، وقالَ مُرْقُسُ: وتَذْهَبُ إلى جَهَنَّمَ حَتّى لا تُطْفَأ نارُها ولا يَمُوتُ دَوْرُها - انْتَهى.
وإنْ شَكَتْكَ عَيْنُكَ فاقْلَعْها وألْقِها عَنْكَ فَخَيْرٌ لَكَ أنْ تَدْخُلَ الحَياةَ بِعَيْنٍ واحِدَةٍ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ عَيْنانِ وتُلْقى في جَهَنَّمَ، وقالَ مُرْقُسُ: وكُلُّ شَيْءٍ بِالنّارِ يُمْلَحُ وكُلُّ ذَبِيحَةٍ تُمْلَحُ بِالمِلْحِ جَيِّدٌ هو المِلْحُ، فَإنْ فَسَدَ المِلْحُ فَبِماذا يُمْلَّحُ فَلْيَكُنْ فِيكُمُ المِلْحُ، ويَكُونُ سَلامُ بَعْضِكم بَعْضًا، وقالَ لُوقا: ثُمَّ قالَ: مِن أجْلِ (p-٤٧٠)أقْوامٍ يَقُولُونَ: إنَّهم صِدِّيقُونَ ويُحَقِّرُونَ البَقِيَّةَ، هَذا المَثَلُ رَجُلانِ صَعِدا إلى الهَيْكَلِ لِيُصَلِّيا، أحَدُهُما فَرَيْسِي والآخِرُ عِشارٌ، فَأمّا الفَرِيسِي فَإنَّهُ كانَ يُصَلِّي بِهَذا في نَفْسِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُرُكَ لِأنِّي لَسْتُ مِثْلَ سائِرِ النّاسِ العاصِينَ الظَّلَمَةِ الفُجّارِ، ولا مِثْلَ هَذا العِشارِ، فَكانَ قائِمًا مِن بَعِيدٍ ولا يَرى أنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ، وكانَ يَضْرِبُ عَلى صَدْرِهِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَإنِّي خاطِئٌ، أقُولُ لَكُمْ: إنَّ هَذا نَزَلَ إلى بَيْتِهِ أمْرٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، ولَكَ مَن يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ، ثُمَّ قَدِمَ إلَيْهِ صِبْيانٌ لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا نَظَرَهُمُ التَّلامِيذُ نَهَرُوهم فَقالَ: دَعُوا الصِّبْيانَ يَأْتُوا إلَيَّ ولا تَمْنَعُوهم لِأنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لِمِثْلِ هَؤُلاءِ، الحَقُّ أقُولُ لَكُمْ، إنَّ مَن لا يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ صَبِيٍّ لا يَدْخُلُها، وقالَ مَتّى: انْظُرُوا لا تُحَقِّرُوا أحَدَ هَؤُلاءِ الصِّغارِ، لَمْ يَأْتِ ابْنُ الإنْسانِ إلّا لِيَطْلُبَ ويُخَلِّصَ مَن كانَ ضالًّا، ماذا تَظُنُّونَ إذا كانَ الإنْسانُ مِائَةَ خَرُوفٍ فَضَلَّ مِنها واحِدٌ لَيْسَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ في الجَبَلِ، ويَمْضِي يَطْلُبُ الضّالَّ؟ وقالَ لُوقا: حَتّى يَجِدَهُ، الحَقُّ أقُولُ لَكُمْ، إنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أكْثَرُ مِنَ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ الَّتِي لَمْ تَضِلَّ، هَكَذا لَيْسَ مَشِيئَةَ رَبِّي الَّذِي في السَّماواتِ أنْ يَهْلَكَ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الصِّغارِ، وقالَ لُوقا: ودَنا مِنهُ (p-٤٧١)العَشّارُونَ والخَطَأةُ لِيَسْمَعُوا مِنهُ فَتَذَمَّرَ الفَرِيسِيُّونَ والكَتَبَةُ قائِلِينَ: هَذا يَقْبَلُ الخَطَأةَ ويَأْكُلُ مَعَهُمْ، فَقالَ لَهُمْ: أيُّ رَجُلٍ مِنكم لَهُ مِائَةُ خَرُوفٍ فَيُتْلِفُ واحِدٌ مِنها لَيْسَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ في البَرِّيَّةِ ويَمْضِي إلى الضّالِّ حَتّى يَجِدَهُ، فَإذا وجَدَهُ حَمَلَهُ عَلى مَنكِبَيْهِ فَرِحًا، ويَأْتِي بِهِ إلى بَيْتِهِ ويَدْعُو أصْدِقاءَهُ وجِيرانَهُ ويَقُولُ لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي لِوُجُودِي خَرُوفِي الضّالِّ، أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ يَكُونُ فَرِحٌ في السَّماءِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتُوبُ أكْثَرُ مِنَ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ الصَّدِيقُ الَّذِينَ لا يَحْتاجُونَ إلى تَوْبَةٍ، وأيُّ امْرَأةٍ لَها عَشَرَةُ دَراهِمَ يَتْلَفُ واحِدٌ مِنها ألَيْسَ تُوقِدُ سِراجًا وتَكْنُسُ بَيْتَها وتَطْلُبُهُ مُجْتَهِدَةً حَتّى تَجِدَهُ، فَإذا وجَدَتْهُ دَعَتْ أحْبابَها وجاراتِها قائِلَةً: افْرَحُوا لِي لِوُجُودِي دِرْهَمِي الضّالِّ، هَكَذا أقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدّامَ مَلائِكَةِ اللهِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتُوبُ، وقالَ: إنْسانٌ لَهُ ابْنانِ فَقالَ الأصْغَرُ يا أبَتاهُ! أعْطِنِي نَصِيبِي مِن مالِكَ فَقَسَّمَ بَيْنَهُما مالَهُ، وبَعْدَ أيّامٍ قَلِيلَةٍ جَمَعَ الأصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ وسافَرَ إلى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وبَذَرَ (p-٤٧٢)مالَهُ هُناكَ بِعَيْشٍ بَذَخٍ، فَلَمّا نَفَدَ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ في تِلْكَ الكَوْرَةِ فافْتَقَرَ وانْقَطَعَ إلى رَجُلٍ مِنها فَأرْسَلَهُ إلى حَقْلِهِ يَرْعى خَنازِيرَ، وكانَ يَشْتَهِي أنْ يَمْلَأ بَطْنَهُ مِنَ الخَرَنُوبِ الَّذِي كانَتِ الخَنازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلا يُعْطى ذَلِكَ، فَفَكَّرَ في نَفْسِهِ وقالَ: كَمْ مِن أُجَراءِ أبِي يَفْضَلُ عَنْهُمُ الخُبْزُ وأنا هَهُنا أهْلَكُ جُوعًا، أقُومُ أمْضِي إلى أبِي وأقُولُ: يا أبَتاهُ! أخْطَأْتَ في السَّماءِ وبَيْنَ يَدَيْكَ، ولَسْتَ بِمُسْتَحِقٍّ أنْ أُدْعى لَكَ ابْنًا لَكِنِ اجْعَلْنِي كَأحَدِ أُجَرائِكَ فَجاءَ إلَيْهِ فَنَظَرَهُ أبَوْهُ فَتَحَنَّنَ وأسْرَعَ واعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ فَقالَ: يا أبَتاهُ! أخْطَأْتَ في السَّماءِ وقُدّامَكَ، ولَسْتَ بِمُسْتَحِقٍّ أنِ ادَّعِي لَكَ ابْنًا، فَقالَ أبُوهُ لِعَبِيدِهِ: قَدِّمُوا الحُلَّةَ الأوْلى وألْبِسُوهُ وأعْطُوهُ خاتَمًا في يَدِهِ، وحِذاءً في رِجْلَيْهِ، وائْتُوا بِالعِجْلِ المَعْلُوفِ واذْبَحُوهُ ونَأْكُلُ ونَفْرَحُ لِأنَّ ابْنِي هَذا كانَ مَيِّتًا فَعاشَ، وضالًّا فَوَجَدَ، فَبَدَءُوا يَفْرَحُونَ، وكانَ ابْنُهُ الأكْبَرُ في الحَقْلِ، فَلَمّا جاءَ وقَرُبَ مِنَ البَيْتِ سَمِعَ المَزاهِرَ واتِّفاقَ الأصْواتِ والرَّقْصِ، فَدَعا واحِدًا مِنَ الغِلْمَةِ وسَألَهُ فَقالَ لَهُ: إنَّ أخاكَ قَدَّمَ، وذَبَحَ أبُوكَ (p-٤٧٣)العِجْلَ المَعْلُوفَ، فَغَضِبَ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَدْخُلَ، فَخَرَجَ أبُوهُ وطَلَبَ إلَيْهِ فَقالَ: كَمْ لِي مِن سَنَةٍ أخْدُمُكَ ولَمْ أُخالِفْ لَكَ وصِيَّةً قَطُّ ولَمْ تُعْطِنِي جِدْيًا واحِدًا أتَنَعَّمُ بِهِ مَعَ أصْدِقائِي، فَلَمّا جاءَ ابْنُكَ هَذا الَّذِي أكَلَ مالَكَ مَعَ الزُّناةِ ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ المَعْلُوفَ، فَقالَ لَهُ: يا بُنَيَّ! أنْتَ مَعِي في كُلِّ حِينٍ وُفي كُلِّ شَيْءٍ هو لِي، ويَنْبَغِي لَكَ أنْ تُسَرَّ وتَفْرَحَ لِأنَّ أخاكَ هَذا كانَ مَيِّتًا فَعاشَ، وضالًّا فَوَجَدَ.
وقالَ: رَجُلٌ كانَ غَنِيًّا يَلْبَسُ الأُرْجُوانَ وكانَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ ويَلَذُّ، ومِسْكِينٌ كانَ اسْمُهُ العازِرُ مَطْرُوحًا عِنْدَ بابِهِ مَضْرُوبًا بِقُرُوحٍ، وكانَ يَشْتَهِي أنْ يَشْبَعَ مِنَ الفُتاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِن مائِدَةِ ذَلِكَ الغَنِيِّ، وكانَتِ الكِلابُ تَأْتِي وتَلْطَعُ قُرُوحَهُ، فَلَمّا ماتَ ذَلِكَ المِسْكِينُ أخَذَتْهُ المَلائِكَةُ إلى حِصْنِ إبْراهِيمَ، وماتَ ذَلِكَ الغَنِيُّ وقُبِرَ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ في الهاوِيَةِ وهو في العَذابِ، فَنَظَرَ إبْراهِيمَ مِن بَعِيدٍ والعازِرَ في حِصْنِهِ، فَنادى: يا أبَتاهُ إبْراهِيمُ! ارْحَمْنِي وأرْسِلِ العازِرَ لِيَبَلَّ طَرَفُ إصْبَعِهِ بِما يُبَرِّدُ لِسانِي لِأنِّي مُعَذَّبٌ في اللَّهَبِ، فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ: يا ابْنِي اذْكُرْ أنَّكَ قَدْ قَتَلْتَ جِيرانَكَ في حَياتِكَ والعازِرُ في بَلائِهِ والآنَ فَهو يَسْتَرِيحُ هَهُنا وأنْتَ تُعَذَّبُ، ومَعَ ذَلِكَ فَبَيْنَنا وبَيْنَكم أهْوِيَةٌ عَظِيمَةٌ نائِيَةٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى العُبُورِ مِن هَهُنا إلَيْكُمْ، ولا مِن هُنا إلَيْنا، (p-٤٧٤)قالَ لَهُ: أسْألُكَ يا أبَتاهُ أنْ تُرْسِلَهُ إلى بَيْتِ أبِي، فَإنَّ خَمْسَةَ أُخْوَةٍ لِكَيْ يُناشِدَهم لِئَلّا يَأْتُوا إلى مَوْضِعِ هَذا العَذابِ، قالَ لَهُ إبْراهِيمُ: عِنْدَهم مُوسى والأنْبِياءُ فَلْيَسْمَعُوا مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ: يا أبَتاهُ إبْراهِيمُ! إنْ لَمْ يَمْضِ إلَيْهِمْ واحِدٌ مِنَ الأمْواتِ ما يَتُوبُونَ؟ فَقالَ لَهُ: إنْ كانُوا لا يَسْمَعُونَ مِن مُوسى والأنْبِياءِ فَلَيْسَ إنْ قامَ واحِدٌ مِنَ الأمْواتِ يُصَدِّقُونَهُ، وقالَ لِتَلامِيذِهِ: سَوْفَ تَأْتِي الشُّكُوكُ والوَيْلُ، الَّذِي تَأْتِي الشُّكُوكُ مِن قَبْلِهِ خَيْرٌ لَهُ لَوْ عَلَّقَ حَجَرَ رَحى الحِمارِ في عُنُقِهِ ويُطْرَحُ في البَحْرِ مِن أنْ يَشُكَّ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ - واللهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:65
ولَمّا كانَ الطَّرِيقُ الواضِحُ القَدِيمُ مُوجِبًا لِلِاجْتِماعِ عَلَيْهِ، والوِفاقُ عِنْدَ سُلُوكِهِ، بَيَّنَ أنَّهم سَبَّبُوا عَنْهُ بِهَذا الوَعْظِ غَيْرَ ما يَلِيقُ بِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَفَ﴾ وبَيَّنَ أنَّهم أكْثَرُوا الِاخْتِلافَ بِقَوْلِهِ: ﴿الأحْزابُ﴾ أيْ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ، بَلْ فِرَقًا كَثِيرَةً. ولَمّا كانَتِ العادَةُ أنْ يَكُونَ الخِلافُ بَيْنَ أُمَّتَيْنِ وقَبِيلَتَيْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكانَ اخْتِلافُ الفِرْقَةِ الواحِدَةِ عَجَبًا، بَيَّنَ أنَّهم مِن أهْلِ القَسَمِ فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيِ اخْتِلافًا ناشِئًا ابْتَدَأ مِن بَيْنِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ جَعَلْناهم مَثَلًا لَهُمْ: (p-٤٧٥)وقالَ لَهُمْ: قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ، فَسَبَّبَ عَنِ اخْتِلافِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ﴾ وكانَ أنْ يُقالَ: لَهُمْ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الوَصْفَ المُوجِبَ لِلْوَيْلِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ. ولَمّا كانَ في سِياقِ الحِكْمَةِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ في أتْقَنِ مَواضِعِهِ، جُعِلَ الوَصْفُ الظُّلْمَ الَّذِي أدّى إلَيْهِ الِاخْتِلافُ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مُضادَّةً لِما أتاهم صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ، وإذا كانَ اليَوْمُ مُؤْلِمًا لِما الظَّنُّ بِعَذابِهِ.
الزخرف 43:66
ولَمّا عَمَّ الظّالِمِينَ بِالوَعِيدِ بِذَلِكَ اليَوْمِ فَدَخَلَ فِيهِ قُرَيْشٌ وغَيْرُهُمْ، أتْبَعَهُ ما هو كالتَّعْلِيلِ مُبْرِزًا لَهُ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ أهْوَلُ فَقالَ: ﴿هَلْ﴾ وجَرَّدَ الفِعْلَ إشارَةً إلى شِدَّةِ القُرْبِ حَتّى كَأنَّهُ بِمَرْأًى فَقالَ: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا السّاعَةَ﴾ أيْ ساعَةَ المَوْتِ العامِّ والبَعْثِ والقِيامِ، فَإنَّ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ أمْرِهِ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ مَنظُورٌ إلَيْهِ.
ولَمّا قَدَّمَ السّاعَةَ تَهْوِيلًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لِشِدَّةِ ظُهُورِ دَلائِلِها كَأنَّها مَرْئِيَّةً بِالعَيْنِ هَزًّا لَهم إلى تَقْلِيبِ أبْصارِهِمْ لِتَطْلُبَ رُؤْيَتَها، أبْدَلَ مِنها زِيادَةً في التَّهْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ وحَقَّقَ احْتِمالَ (p-٤٧٦)رُؤْيَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ ولَمّا كانَ البَعْثُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما يَجْهَلُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، أزالَ هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ لَهم بِعَيْنِ الوَقْتِ الَّذِي يَجِيءُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِلْمِ، ولا بِما كالشَّعْرَةِ مِنهُ.
الزخرف 43:67
ولَمّا كانَتِ السّاعَةُ تُطْلَقُ عَلى الحَبْسِ بِالمَوْتِ وعَلى النَّشْرِ بِالحَياةِ، بَيَّنَ ما يَكُونُ في الثّانِي الَّذِي هم لَهُ مُنْكِرُونَ مِن أحْوالِ المَبْعُوثِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابِ مَن يَقُولُ: هَلْ يَقُومُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ الآنَ؟ فَقالَ: ﴿الأخِلاءُ﴾ أيْ في الدّارِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تَكُونُ السّاعَةُ وهي ساعَةُ البَعْثِ الَّتِي هي بَعْضُ مَدْلُولِ السّاعَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ولَمّا يَنْكَشِفْ لَهم مِن أنَّ تَأْخِيرَهم في الحَياةِ هو السَّبَبُ في عَذابِهِمْ، فَيَقُولُ التّابِعُ لِلْمَتْبُوعِ: أنْتَ غَرَرْتَنِي فَضَرَرْتَنِي، ويَقُولُ المَتْبُوعُ: بَلْ أنْتَ كَبَّرْتَنِي فَصَغَّرْتَنِي، ورَفَعْتَنِي فَوَضَعْتَنِي، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ المُؤْلِمِ أشَدَّ الإيلامِ ﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أمْرُهم بِالتَّقْوى وحَثَّهم عَلَيْها.
الزخرف 43:68
ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّهم لا عَداوَةَ بَيْنَهُ، بَلْ يَكُونُونَ في التَّوادِّ عَلى أضْعافِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا لِما ظَهَرَ لَهم مِن تَوادِّهِمْ فِيها وتَناصُرِهِمْ هو أفْضى بِهِمْ إلى الفَوْزِ الدّائِمِ بِرِضْوانِ اللَّهِ، وصَلَ بِهِ حالًا بَيَّنَ فِيها ما يَتَلَقّاهم بِهِ مِن تَوادٍّ فِيهِ سُبْحانَهُ تَشْرِيفًا لَهم وتَسْكِينًا لِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ (p-٤٧٧)المَقامُ مِنَ الأهْوالِ: ﴿يا عِبادِ﴾ أيْ مَقُولًا لَهم هَذا، فَخَصَّ بِالإضافَةِ إلَيْهِ كَما خَصُّوهُ بِالعِبادَةِ ﴿لا خَوْفٌ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ في الآخِرَةِ مِمّا يَحْوِيهِ ذَلِكَ اليَوْمُ العَظِيمُ مِنَ الأهْوالِ والأُمُورِ الشِّدادِ والزَّلازِلِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَكم حُزْنٌ عَلى شَيْءٍ فاتَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الآتِيَةِ لِأنَّكم لا يَفُوتُكم شَيْءٌ تُسِرُّونَ بِهِ.
الزخرف 43:69
ولَمّا ناداهم بِما يَطْمَعُ فِيهِ سائِرُ أهْلِ المَوْقِفِ لِأنَّ كُلَّ حِزْبٍ يَقُولُونَ: نَحْنُ عِبادُهُ، خَصَّ المُرادِينَ بِما يُوئِسُ غَيْرَهم ولِئَلّا يَكُونَ الوَصْفُ بِالتَّقْوى مَوْقِفًا لِمَن سَمِعَهُ اليَوْمَ مِنَ الكُفّارِ عَنِ الدُّخُولِ وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، فَوَصَفَ سُبْحانَهُ المُتَّقِينَ بِما يُهَوِّنُ الوُصُولَ إلى دَرَجَتِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿بِآياتِنا﴾ الظّاهِرُ عَظَمَتُها في نَفْسِها أوَّلًا وبِنِسْبَتِها إلَيْنا ثانِيًا ﴿وكانُوا﴾ أيْ دائِمًا بِما هو لَهم كالجِبِلَّةِ والخَلْقِ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ أيْ مُنْقادِينَ لِلْأوامِرِ والنَّواهِي أتَمَّ انْقِيادٍ، فَبِذَلِكَ يَصِلُونَ إلى حَقِيقَةِ التَّقْوى التّامَّةِ.
الزخرف 43:70
ولَمّا ذَكَرَ ما لَهم بِشارَةً لَهم وتَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ في اللِّحاقِ بِهِمْ عَلى وجْهٍ فِيهِ إجْمالٌ، شَرَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ولَمّا كانَتِ الدّارُ (p-٤٧٨)لا تَكْمُلُ إلّا بِالرَّفِيقِ السّارِّ، قالَ تَعالى: ﴿أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾ أيْ نِساؤُكُمُ اللّاتِي كُنَّ مُشاكِلاتٍ لَكم في الصِّفاتِ، وأمّا قُرَناؤُهم مِنَ الرِّجالِ فَدَخَلُوا في قَوْلِهِ ﴿كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] ﴿تُحْبَرُونَ﴾ أيْ تُكْرَمُونَ وتُزَيَّنُونَ فَتَسُرُّونَ سُرُورًا يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلَيْكم مُسْتَمِرًّا يَتَجَدَّدُ أبَدًا.
الزخرف 43:71
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا سائِقًا إلى حالِهِمْ سابِقًا لِمَن كانَ واقِفًا عَنْهم إلى وِصالِهِمْ، أقْبَلَ عَلى ما لَعَلَّهُ يُوقِفُهُ الِاشْتِغالُ بِلَهْوٍ أوْ مالٍ مُحَرَّكًا لِما جَهِلَ مِنهُ، ومُنَبِّهًا عَلى ما غَفَلَ عَنْهُ، فَقالَ عائِدًا إلى الغَيْبَةِ تَرْغِيبًا في التَّقْوى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ المُتَّقِينَ الَّذِينَ جَعَلْناهم بِهَذا النِّداءِ مُلُوكًا ﴿بِصِحافٍ﴾ جَمْعُ صَحْفَةٍ وهي القَصْعَةُ ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ فِيها مِن ألْوانِ الأطْعِمَةِ والفَواكِهِ والحَلْوى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ.
ولَمّا كانَتْ آنِيَةُ الشُّرْبِ في الدُّنْيا أقَلَّ مِن آنِيَةِ الأكْلِ، جَرى عَلى ذَلِكَ المَعْهُودِ، فَعَبَّرَ بِجَمْعِ القِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأكْوابٍ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ مُسْتَدِيرٌ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ لا عُرْوَةَ لَهُ، قَدْ تَفُوقُ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ اليَدُ أوِ الشَّفَقَةُ أوْ يُلْزَمُ مِنها بَشاعَةً في شَيْءٍ مِن دائِرِ الكُوزِ، وإيذانًا بِأنَّهُ لا حاجَةَ أصْلًا إلى تَعْلِيقِ شَيْءٍ لِتَزِيدَ أوْصافُهُ عَنْ أذًى (p-٤٧٩)أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
ولَمّا رَغِبَ فِيها بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ، أجْمَلَ بِما لا يَتَمالَكُ مَعَهُ عاقِلٌ عَنِ المُبادَرَةِ إلى الدُّخُولِ فِيما يَخُصُّها فَقالَ: ﴿وفِيها﴾ أيِ الجَنَّةُ. ولَمّا كانَتِ اللَّذَّةُ مَحْصُورَةً في المُشْتَهى قالَ تَعالى: ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ مِنَ الأشْياءِ المَعْقُولَةِ والمَسْمُوعَةِ والمَلْمُوسَةِ وغَيْرِها جَزاءً لَهم عَلى ما مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ الشَّهَواتِ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ ما يَخُصُّ المُبْصِراتِ مِن ذَلِكَ أعْظَمَ، خَصَّها فَقالَ: ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ مِنَ الأشْياءِ المُبْصِرَةِ الَّتِي أعْلاها النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ تَعالى، جَزاءَ ما تَحَمَّلُوهُ مِن مَشاقِّ الِاشْتِياقِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ طِيبُهُ إلّا بِالدَّوامِ، قالَ عائِدًا إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أشْرَفُ وألَذُّ مُبَشِّرٍ لِجَمِيعِ المُقْبِلِينَ عَلى الكِتابِ، والمُلْتَفِتِ إلَيْهِمْ بِالتَّرْغِيبِ في هَذا الثَّوابِ، بِشارَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ بِما قَدَّمَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ وأثْنائِها مِن بُلُوغِ قَوْمِهِ نِهايَةَ العَقْلِ والعِلْمِ والمُوَصِّلَيْنِ إلى أحْسَنِ العَمَلِ المُوجِبِ لِلسَّعادَةِ: ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لِبَقائِها وبَقاءِ كُلِّ ما فِيها، فَلا كُلْفَةَ عَلَيْكم أصْلًا مِن خَوْفٍ مِن زَوالٍ ولا حُزْنٍ مِن فَواتٍ.
الزخرف 43:72
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: الجَنَّةُ الَّتِي لِمِثْلِها يَعْمَلُ العامِلُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مُشِيرًا إلى فَخامَتِها بِأداةِ البُعْدِ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ﴾ أيِ العالِيَةُ المَقامِ ﴿الَّتِي﴾ ولَمّا كانَ الإرْثُ أمْكَنَ لِلْمِلْكِ، وكانَ مَطْمَحُ النُّفُوسِ إلى المُكْنَةِ (p-٤٨٠)فِي الشَّيْءِ مُطْلَقًا لا يَبْعُدُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ ولَمّا كانَ ما حَصَّلَهُ الإنْسانُ بِسَعْيِهِ ألَذَّ في نَفْسِهِ لِسُرُورِهِ بِالتَّمَتُّعِ بِهِ وبِالعَمَلِ الَّذِي كانَ مِن سَبَبِهِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما﴾ وبَيَّنَ أنَّ العَمَلَ كانَ لَهم كالجِبِلَّةِ الَّتِي جُبِلُوا عَلَيْها، فالمِنَّةُ لِرَبِّهِمْ في الحَقِيقَةِ بِما زَكّى لَهم أنْفُسَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُواظِبِينَ عَلى ذَلِكَ لا تَفْتَرُونَ.
الزخرف 43:73
ولَمّا كانَ الأكْلُ أعَمَّ الحاجاتِ وأعَمَّ الطَّلَباتِ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا أنَّ جَمِيعَ أكْلِهِمْ تَفُكُّهٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ تَقَوُّتًا لِأنَّهُ لا فَناءَ فِيها لِقُوَّةٍ ولا غَيْرِها لِتُحْفَظَ بِالأكْلِ ولُأُضَعِّفَ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ﴾ أيْ ما يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا وإنْ كانَ لَحْمًا وخُبْزًا. ولَمّا كانَ ما يَتَفَكَّهُ في الدُّنْيا قَلِيلًا قالَ تَعالى: ﴿كَثِيرَةٌ﴾ ودَلَّ مَعَ الكَثْرَةِ عَلى دَوامِ النِّعْمَةِ بِقَصْدِ التَّفَكُّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنها﴾ أيْ لا مِن غَيْرِها مِمّا يَلْحَظُ فِيهِ التَّقَوُّتُ ﴿تَأْكُلُونَ﴾ فَلا تَنْفُدُ أبَدًا ولا تَتَأثَّرُ بِأكْلِ الآكِلِينَ لِأنَّها عَلى صِفَةِ الماءِ النّابِعِ، لا يُؤْخَذُ مِنهُ شَيْءٌ إلّا خَلْفَ مَكانِهِ مِثْلُهُ أوْ أكْثَرُ مِنهُ في الحالِ.
الزخرف 43:74
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْقِسْمِ الثّانِي مِنَ الإخْلاءِ وهُمُ المُتَّقُونَ تَرْغِيبًا (p-٤٨١)لَهم في التَّقْوى، أتْبَعُهُ ما لِأضْدّادِهِمْ أهْلُ القِسْمِ الأوَّلِ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ أعْمالِهِمْ، فَقالَ اسْتِئْنافًا مُؤَكِّدًا في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في قَطْعٍ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارِ الَّتِي مِن شَأْنِها لِقاءُ داخِلِها بِالتَّجَهُّمِ والكَراهَةِ والعَبُوسَةِ كَما كانَ يَعْمَلُ عِنْدَ قَطْعِهِ لِأوْلِياءِ اللهِ تَعالى ﴿خالِدُونَ﴾ لِأنَّ إجْرامَهم كانَ طَبْعًا لَهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ أصْلًا ما بَقُوا.
الزخرف 43:75
ولَمّا بَيَّنَ إحاطَتَهُ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ النّارَ لا تَفْتُرُ عَمَّنْ لابَسَتْهُ إلّا بِمُفْتَرٍ بِمَنعِها بِماءٍ يَصُبُّهُ عَلَيْها أوْ تَقْلِيلٍ مِن وقُودِها أوْ غَيْرِ ذَلِكَ خَرْقًا لِلْعادَةِ، بَيْنَ أنْ لا يَعْتَرِيها نُقْصانٌ أصْلًا كَما يَعْهَدُ في عَذابِ الدُّنْيا لِأنَّهم هم وقُودُها فَقالَ تَعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ يَقْصِدُ إضْعافَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الضَّعْفِ، فَنَفْيُ التَّفْتِيرِ نَفْيٌ لِلْفُتُورِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ، قالَ البَيْضاوِيُّ: وهو مَن فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى - إذا سَكَنَتْ، والتَّرْكِيبُ لِلضَّعْفِ.
ولَمّا كانَ انْتِظارُ الفَرَجِ مِمّا يُخَفِّفُ عَنِ المُتَضايِقِ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: (p-٤٨٢)﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أيْ ساكِتُونَ سُكُوتَ يَأْسٍ مِنَ النَّجاةِ والفَرَجِ.
الزخرف 43:76
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ أنَّ هَذا العَذابَ أكْبَرُ وأكْثَرُ مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ، أجابَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ لِيَزِيدَ عَذابَهم بِرُجُوعِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى نُفُوسِهِمْ ووُقُوعِهِمْ في مُنادَماتِ النَّداماتِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ نَوْعًا مِنَ الظُّلْمِ لِأنَّهُ تَعالى مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِ الظُّلْمُ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا وعَمَلًا وصُنْعًا دائِمًا ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الظّالِمِينَ﴾ لِأنَّهم بارَزُوا المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِالعَظائِمِ ونَوَوْا أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذَلِكَ بَقُوا، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، ولَوْ كانُوا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ لا يَمُوتُوا لَما ماتُوا.
الزخرف 43:77
ولَمّا كانَ مِن مَفْهُومِ الإبْلاسِ السُّكُوتُ، أعْلَمَ بِأنَّ سُكُوتَهم لَيْسَ دائِمًا لِأنَّ الإنْسانَ إذا وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ رُبَّما خَفَّ عَنْهُ بَعْدَ الألَمِ، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم مِنَ البُعْدِ بِمَحَلٍّ كَبِيرٍ لا يَطْمَعُونَ مَعَهُ في خِطابِ المَلِكِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِاليَأْسِ يُعَلِّقُونَ آمالَهم بِالخَلاصِ كَما يَقَعُ لِلْمُتَمَنِّينَ لِلْمُحالاتِ في الدُّنْيا لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في المُهِمِّ: ﴿ونادَوْا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُنادِي خازِنُ النّارِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِبَيانِ البُعْدِ بِأداتِهِ: ﴿يا مالِكُ﴾ وقِراءَةُ ”يا مالِ“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ العَذابَ أوْهَنَهم (p-٤٨٣)عَنْ إتْمامِ الكَلامِ، ولِذا قالُوا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا﴾ أيْ سَلْهُ سُؤالًا حَتْمًا أنَّ القَضاءَ إلى لا قَضاءَ مِثْلِهِ، وهو المَوْتُ عَلى كَلٍّ وحَدٍّ مِنّا، وجَرْوًا عَلى عادَتِهِمْ في الغَباوَةِ والجَلافَةِ فَقالُوا: ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ فَلَمْ يَرَوْا لِلَّهِ عَلَيْهِمْ إحْسانًا وهم في تِلْكَ الحالَةِ، فَلا شَكَّ أنَّ إحْسانَهُ ما انْقَطَعَ عَنْ مَوْجُودٍ أصْلًا، وأقَلُّ ذَلِكَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِنهم فَوْقَ اسْتِحْقاقِهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ النّارَ دَرَكاتٍ كَما كانَتِ الجَنَّةُ دَرَجاتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِبارَتُهم بِذَلِكَ تَغْيِيظًا لَهُ بِما رَأوْا مِن مُلابَسَةِ النّارِ مِن تَأْثِيرٍ فِيهِ، ونِداؤُهم لا يُنافِي إبْلاسَهم لِأنَّهُ السُّكُوتُ عَنْ يَأْسٍ، فَسُكُوتُهُمُ المُقَيَّدُ بِاليَأْسِ دائِمٌ، فَلِذَلِكَ سَألُوا المَوْتَ، والحاصِلُ أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ ما يَدُلُّ عَلى رَجاءِ الفَرَجِ بَلْ هم ساكِتُونَ أبَدًا عَنْ ذَلِكَ.
. . اليَأْسُ لا عَلى رَجاءِ الفَرَجِ بِاللَّحاقِ بِرُتْبَةِ المُتَّقِينَ.
ولَمّا ذَكَرَ نِداءَهُمُ، اسْتَأْنَفَ ذِكْرَ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ مالِكُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُؤَكِّدًا قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ لِأنَّ كَلامَهم هَذا بِحَيْثُ يُفْهَمُ الرَّجاءُ ويُفْهَمُ بِأنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَعالى الَّتِي هي مَوْضِعُ الرَّجاءِ خاصَّةً (p-٤٨٤)بِغَيْرِهِمْ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾
الزخرف 43:78
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ السّاعَةَ عِنْدَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] وأكَّدَ أمْرَها وشَرَحَ بَعْضَ أحْوالِها إلى أنَّ خَتَمَ بِما دَلَّ عَلى انْحِلالِ عَزائِمِهِمْ ولِينِ شَكائِمِهِمٍ، وكانُوا غَيْرَ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ، قالَ مُؤَكِّدًا جَوابًا لِمَن يُبْصِرُ بَعْضُ البَصَرِ فَيَقُولُ: أحَقٌّ هَذا؟ ويَتَوَقَّعُ الجَوابَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ أيْ في هَذِهِ السُّورَةِ خُصُوصًا وجَمِيعُ القُرْآنِ عُمُومًا، سَمّى مَجِيءَ الرُّسُلِ مَجِيئًا لَهم لِما لِمَجِيئِهِمْ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها النُّونُ ﴿بِالحَقِّ﴾ الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ، ولَمّا كانَ ظُهُورُ حَقِّيَّتِهِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ولَكِنَّ شِدَّةَ البُغْضِ وشِدَّةَ الحُبِّ تَرَيانِ الأشْياءَ عَلى غَيْرِ ما هي عَلَيْهِ، قالَ إشارَةً إلى ذَلِكَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُخاطِبُونَ ﴿لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ لِما فِيهِ مِنَ المَنعِ عَنِ الشَّهَواتِ فَلِذَلِكَ أنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لِأجْلِ كَراهَتِكم فَقَطْ، لا لِأجْلِ أنَّ في حَقِّيَّتِهِ نَوْعًا مِنَ الخَفاءِ.
الزخرف 43:79
ولَمّا كانَ هَذا خَبَرًا لا جَوابَ فِيهِ لِظُهُورِ الدَّلائِلِ وتَعالِي العَظَمَةِ إلّا الرُّجُوعُ، وكانَ مَن لا يَرْجِعُ إنَّما يُرِيدُ بِمُحارَبَةِ الإلَهِ الأعْظَمِ، قالَ (p-٤٨٥)عادِلًا عَنِ الخِطابِ إَنْزالًا لَهم بِالغِيبَةِ مَنزِلَةَ البَعِيدِ الَّذِي لا يُلْتَفِتُ إلَيْهِ مُعادِلًا لِما تَقْدِيرُهُ: ارْجِعُوا لِما ظَهَرَ لَهم مِنَ الحَقِّ الظّاهِرِ ﴿أمْ أبْرَمُوا﴾ أيِ احْكُمُوا ﴿أمْرًا﴾ في رَدِّ أمْرِنا ومُعاداةِ أوْلِيائِنا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنّا مُطَّلِعُونَ عَلَيْهِمْ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ مُطَّلِعًا بِطَيَّةِ أمْرِهِمْ وغائِبِ سِرِّهِمْ، سَبَبٌ عَمّا سَألَ عَنْهُ مِن إبْرامِهِمْ ما دَلَّ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِهِ وقَدْ أبْرَمَ لَهُ قَبْلَ كَوْنِهِ ما يُزِيلُهُ ويَعْدِمُهُ ويُحِيلُهُ، عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِإنْكارِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا فَقالَ: ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ أيْ دائِمًا لِلْأُمُورِ لِعِلْمِنا بِها قَبْلَ كَوْنِها وقُدْرَتِنا واخْتِيارِنا، تِلْكَ صِفَتُنا الَّتِي لا تَحُولُ بِوَجْهِ: العِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، لَمْ يَتَجَدَّدْ لَنا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ.
الزخرف 43:80
ولَمّا كانَ إصْرارُهم بَيْنَ العَزْمِ عَلى مُجاهَرَةِ القَدِيرِ بِالمُعاداةِ وبَيْنَ مُعامَلَتِهِ وهو عَلِيمٌ بِالمُساتَرَةِ والمُماكَرَةِ في المُعاداةِ والمُباكَرَةِ والمُسالَمَةِ والمُناكَرَةِ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لا نَسْمَعُ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ إثْباتَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِالخَفِيِّ والجَلِيِّ، نِسْبَةُ كُلٍّ مِنهُما إلَيْهِ عَلى السَّواءِ، ذَكَرَهُما (p-٤٨٦)وقَدَّمَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُخْفِيَ وهو المَكْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِالإبْرامِ، لِأنَّ السِّياقَ لَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿سِرَّهُمْ﴾ أيْ كَلامَهُمُ الخَفِيَّ ولَوْ كانَ في الضَّمائِرِ فِيما يَعْصِينا، ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في الأوْهامِ أنَّ المُرادَ بِالسَّمْعِ إنَّما هو العِلْمُ لِأنَّ السِّرَّ ما يَخْفى وهو يَعُمُّ ما في الضَّمائِرِ وهي مِمّا يُعْلَمُ، حَقَّقَ أنَّ المُرادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَجْواهُمْ﴾ أيْ كَلامَهُمُ المُرْتَفِعَ حَتّى كَأنَّهُ عَلى نَجْوَةٍ أيْ مَكانٍ عالٍ، فَعَلِمَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ السَّمْعِ، وأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ ولَوْ لَمْ يَكُنْ في قُدْرَتِنا نَحْنُ سَماعُهُ، فَنَكُونُ فِيهِ كالأصَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما نَسْمَعُهُ نَحْنُ مِنَ الجَهْرِ ولا يَسْمَعُهُ هو لِفَقْدِ قُوَّةِ السَّمْعِ فِيهِ، لا لِأنَّهُ مِمّا مِن حَقِّهِ ألّا يُسْمَعَ.
ولَمّا كانَ إنْكارُ عَدَمِ السَّماعِ مَعْناهُ السَّماعُ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى﴾ أيْ نَسْمَعُ الصِّنْفَيْنِ كِلَيْهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ ﴿ورُسُلُنا﴾ وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما لَهم مِنَ العَظَمَةِ بِنِسْبَتِهِمْ إلَيْنا. ولَمّا كانَ حُضُورُ المَلائِكَةِ مَعَنا وكِتابَتُهم لِجَمِيعِ أعْمالِنا عَلى وجْهٍ لا نُحِسُّ بِهِ نَوْعَ إحْساسٍ أمْرًا هو في غايَةِ الغَرابَةِ، قالَ مُعَبِّرًا بِلِدى الَّتِي يُعَبِّرُ بِها عَبْرَ اشْتِدادِ الغَرابَةِ: ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الكِتابَةَ كُلَّما تَجَدَّدَ (p-٤٨٧)ما يَقْتَضِيها لِأنَّ الكِتابَةَ أوْقَعُ في التَّهْدِيدِ، لِأنَّ مِن عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ مُحْصاةٌ مَكْتُوبَةٌ تَجَنَّبَ ما يَخافُ عاقِبَتَهُ.
الزخرف 43:81
ولَمّا تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ تَبْكِيتُهم والتَّعْجِيبُ مِنهم في ادِّعائِهِمْ لِلَّهِ ولَدًا مِنَ المَلائِكَةِ وهَدَّدَهم بِقَوْلِهِ ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَكَرَ شَبَهَهم في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] وجَهْلَهم فِيها بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] ونَفى أنْ يَكُونَ لَهم عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا مُوَبِّخًا ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ [الزخرف: ٢١] ومَرَّ في تَوْهِيَةِ أمْرِهِمْ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ بِما لاحَمَ بَعْضُهُ بَعْضًا عَلى ما تَقَدَّمَ إلى ما تَمَّمَ نَفْيَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] ونَظَّمَ بِهِ ما أتى بِهِ رَسُولُهُ أهْلَ الكِتابِ مِمّا يُصَدِّقُ ما أتى بِهِ كِتابُنا مِنَ التَّوْحِيدِ وما هَدَّدَ بِهِ مِن أعْراضٍ عَنْهُ إلى أنْ أخْبَرَ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا زَوالَ أصْلًا لِشَيْءٍ مِنهُ، وأنَّ رُسُلَهُ سُبْحانَهُ تَكْتُبُ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ مِن شَهادَتِهِمْ في المَلائِكَةِ وغَيْرِها، أعادَ الكَلامَ في إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ في أنَّ عِبادَتَهم لَهم لَوْ كانَتْ مَمْنُوعَةً لَمْ يَشَأْها الَّذِي لَهُ عُمُومُ الرَّحْمَةِ لَأنَّ عُمُومَ رَحْمَتِهِ يَمْنَعُ عَلى زَعْمِهِمْ مَشِيئَةَ ما هو مُحَرَّمٌ، فَقالَ بَعْدَ أنْ نَفى قَوْلَهُ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] أنْ يَكُونَ لَهم (p-٤٨٨)دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ عَلى أحَدٍ مِن رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ العامُّ الرَّحْمَةِ ﴿ولَدٌ﴾ عَلى ما زَعَمْتُمْ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ لِادِّعائِهِمْ في المَلائِكَةِ، وغَيْرِهِمْ في غَيْرِهِمْ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ عَلى أنَّهُ جَمَعَ عَلى إرادَةِ الكَثْرَةِ. ولَمّا كانَ المَعْنى: فَأنا ما عَبَدْتُ ذَلِكَ الوَلَدَ ولا أعْبُدُهُ، ولَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما تَرَكْتُ عِبادَتَهُ، ولَكِنَّهُ شاءَ تَرْكِي لَها وشاءَ فِعْلَكم لَها، فَإحْداهُما قَطْعًا مَشِيئَةٌ لِلْباطِلِ، وإلّا لاجْتَمَعَ النَّقِيضانِ بِأنْ يَكُونَ الشَّيْءُ حَقًّا باطِلًا في حالٍ واحِدٍ مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو بَدِيهِيُّ الِاسْتِحالَةِ، فَبَطَلَتْ شُبْهَتُكم بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما يُفِيدُ مَعْناهُ وزِيادَةُ أنَّهُ يَعْبُدُ اللهَ مُخْلِصًا ولا يَعْبُدُ غَيْرَهُ، أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ اسْمَ العِبادَةِ إلّا ما كانَ لَهُ خالِصًا، فَقالَ: ﴿فَأنا﴾ أيْ في الرُّتْبَةِ ﴿أوَّلُ العابِدِينَ﴾ لِلرَّحْمَنِ، العِبادَةُ الَّتِي هي العِبادَةُ ولا يَسْتَحِقُّ غَيْرَها أنْ يُسَمّى عِبادَةً وهي الخالِصَةُ، أيْ فَأنا لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا ولَدًا ولا غَيْرَهُ، ولَمْ يَشَأِ الرَّحْمَنُ لِي أنْ أعْبُدَ الوَلَدَ، أوْ يَكُونَ المَعْنى: أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلرَّحْمَنِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، لَمْ أُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا أصْلًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِمّا سَمَّيْتُمُوهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ غَيْرَهُ، ولَوْ شاءَ ما عَبَدْتُهُ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، ولا شَكَّ عِنْدِكم وعِنْدَ غَيْرِكم أنَّ مَن أخْلَصَ لِأحَدٍ كانَ أوْلى مَن غَيْرِهِ بِرَحْمَةٍ، فَلَوْ أنَّ الإخْلاصَ (p-٤٨٩)لَهُ مَمْنُوعٌ ما شاءَ لِي، ولَوْلا أنَّ عِبادَةَ غَيْرِهِ مَمْنُوعَةٌ لَشاءَها لِي، ولَوْ أنَّ لَهُ ولَدًا لَشاءَ لِي عِبادَتِهُ، فَإنَّ عُمُومَ رَحْمَتِهِ لِكافَّةِ خَلْقِهِ لِكَوْنِهِمْ خَلْقَهُ وخُصُوصُها بِي لِكَوْنِي عَبْدُهُ خالِصًا لَهُ يَمْنَعُ عَلى زَعْمِكم مِن أنْ يُشْقِينِي وأنا أُخْلِصُ لَهُ، فَبَطَلَتْ شُبْهَتُكم بِمِثْلِها بَلْ أقْوى مِنها، وهَذا مِمّا عَلَّقَ بِشَيْءٍ هو بِنَقِيضِهِ أوْلى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أنَّ ”أنْ“ نافِيَةٌ بِمَعْنى: ما يَنْبَغِي أيْ ما كانَ لَهُ ولَدٌ، فَإنِّي أوَّلُ مَن عَبَدَهُ رُتْبَةً وما عَلِمْتُ لَهُ ولَدًا، ولَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَلِمْتُهُ فَعَبَدْتُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ بِعِبادَةِ ولَدِهِ.
الزخرف 43:82
ولَما بَطَلَتِ الشُّبْهَةُ عَلى تَقْدِيرٍ بِبُرْهانٍ، وعَلى آخَرَ بِشُبْهَةٍ أقْوى مِنها، وظَهَرَ الأمْرُ واتَّضَحَ الحَقُّ في أنَّهُ سُبْحانَهُ يَشاءُ لِشَخْصٍ فِعْلَ شَيْءٍ ولِآخَرَ عَدَمُ فِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وفِعْلِ ضِدِّهِ أوْ نَقِيضِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّهُ لا يَكُونُ فِعْلُ النَّقِيضَيْنِ ولا الضِّدَّيْنِ في آنٍ واحِدٍ حَقًّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، فَعَرَفَ بِذَلِكَ أنَّ العِبْرَةَ في الحَلالِ والحَرامِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ لا بِإرادَتِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَما عَلِمَ أنَّهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما يَشاءُ بَعْدَ أنَّ عَمَّهم بِما شاءَ، كانَ مَوْضِعُ التَّنْزِيهِ عَمّا نَسَبُوهُ (p-٤٩٠)إلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ مُنَزِّهًا عَلى وجْهٍ مُظْهِرٍ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ولَدٌ أصْلًا: ﴿سُبْحانَ رَبِّ﴾ أيْ مُبْدِعٌ ومالِكٌ ﴿السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّنْزِيهِ وُجْهَةُ العَلَوِيَّةِ أجْدَرُ، لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ النَّقْصِ والنَّقِيضِ، ولَمْ يَقْتَضِ الحالُ إعادَةَ لَفْظِ الرَّبِّ بِخِلافِ ما يَأْتِي آخِرَ الجاثِيَةِ، فَإنَّهُ لِإثْباتِ الكَمالِ ونَظَرِهِ إلى جَمِيعِ الأشْياءِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيِ اللَّتَيْنِ كَلُّ ما فِيهِما ومَن فِيهِما مَقْهُورٌ مَرْبُوبٌ مُحْتاجٌ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ مِنهُ سُبْحانَهُ نِسْبَةً بِغَيْرِ العُبُودِيَّةِ بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ.
ولَمّا كانَتْ خاصَّةَ المِلْكِ أنْ يَكُونَ لَهُ ما لا يَصِلُ إلَيْهِ غَيْرُهُ بِوَجْهٍ أصْلًا، قالَ مُحَقِّقًا لِمُلْكِهِ لِجَمِيعِ ما سِواهُ ومِن سِواهُ ومِلْكِهِ لَهُ، ولَمْ يَعُدِ العاطِفَ لِأنَّ العَرْشَ مِنَ السَّماواتِ: ﴿رَبِّ العَرْشِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِهِ لِكَوْنِهِ خاصَّةَ المِلْكِ الَّذِي وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن أنَّهُ لَهُ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ.
الزخرف 43:83
ولَمّا حَصْحَصَ الحَقُّ لَمَعَتْ في المَوْجُودِ كُلِّهِ أعْلامُ الصِّدْقِ بَعْدَ بُطْلانِ شُبْهَتِهِمْ وبَيانِ أُغْلُوطَتِهِمْ، عَرَفَ أنَّهم فاعِلُونَ بِوَضْعٍ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَواضِعِها فِعْلَ الخائِضِ اللّاعِبِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ (p-٤٩١)أيِ اتْرُكْهم عَلى أسْوَأِ أحْوالِهِمْ ﴿يَخُوضُوا﴾ أيْ يَفْعَلُوا فِعْلَ الخائِضِ في الماءِ في وضْعِ رِجْلِهِ الَّتِي هي عِمادُهُ فِيما لا يَعْرِفُهُ، وقَدْ لا يَرْضاهُ لِكَوْنِهِ لا عِلْمَ لَهُ بِهِ ﴿ويَلْعَبُوا﴾ أيْ يَفْعَلُوا فِعْلَ اللّاعِبِ في انْهِماكِهِ في فِعْلِ ما يُنْقِصُهُ ولا يَزِيدُهُ ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ أيْ يَفْعَلُوا بِتَصْرِيمِ أعْمارِهِمْ في فِعْلِ ما لا يَنْفَعُهم فِعْلَ المُجْتَهِدِينَ في أنْ يُلْقُوا ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ فَيَظْهَرُ فِيهِ وعِيدُهم ويَحِقُّ تَهْدِيدُهم.
الزخرف 43:84
ولَمّا نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ عَنِ الوَلَدِ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِكُهُ، وكانَ ذَلِكَ غَيْرُ مُلازِمٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ هو الإلَهُ لا غَيْرُهُ في الكَوْنَيْنِ بِدَلِيلٍ بَدِيهِيٍّ يَشْتَرِكُ في عِلْمِهِ النّاسُ كُلُّهُمْ، وقَدَّمَ السَّماءَ لِيَكُونَ أصْلًا في ذَلِكَ يُتْبَعُ لِأنَّ الأرْضَ تَبَعٌ لَها في غالِبِ الأُمُورِ، فَقالَ دالًّا عَلى أنَّ نِسْبَةَ الوُجُودِ كُلِّهِ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى مَكانٍ أوْ زَمانٍ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: تَنَزُّهٌ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ الَّذِي هو مَعْنى ﴿سُبْحانَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿وهُوَ الَّذِي﴾ هو ﴿فِي السَّماءِ إلَهٌ﴾ أيْ مَعْبُودٌ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ﴿وفِي الأرْضِ إلَهٌ﴾ تَوَجُّهُ الرَّغَباتِ إلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، ويُخْلِصُ لَهُ في جَمِيعِ أوْقاتِ (p-٤٩٢)الِاضْطِرارِ، فَقَدْ وقَعَ الإجْماعُ مِن جَمِيعِ مَن في السَّماءِ والأرْضِ عَلى إلَهِيَّتِهِ فَثَبَتَ اسْتِحْقاقُهُ لِهَذِهِ الرُّتْبَةِ وثَبَتَ اخْتِصاصُهُ بِاسْتِحْقاقِها في الشَّدائِدِ فَباقِي الأوْقاتِ كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ لِأنَّهُ لا مُشارِكَ لَهُ في مِثْلِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ، فَعِبادَةُ غَيْرِهِ باطِلَةٌ، قالَ في القامُوسِ: ألَهَ - أيْ بِالفَتْحِ - إلاهَةٌ وأُلُوهَةٌ وأُلُوهِيَّةٌ: عَبَدَ عِبادَةً، ومِنهُ: لَفْظُ الجَلالَةِ - وأصْلُهُ: إلَهٌ بِمَعْنى مَعْبُودٍ وكُلُّ ما اتُّخِذَ مَعْبُودًا فَهو إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وألِهَ كَفَرِحَ: تَحَيَّرَ، فَقَدْ عَلِمَ مِن هَذا جَوازَ تَعَلُّقِ الجارِّ بِإلَهٍ.
ولَمّا كانَ الإلَهُ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ إلّا إذا كانَ يَضَعُ الأشْياءَ في مَحَلِّها بِحَيْثُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَسادٌ، ولا يَضُرُّها إفْسادُ مُفْسِدٍ، وكانَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بالِغَ العِلْمِ قالَ: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ الحِكْمَةِ، وهي العِلْمُ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ مِن قِوامٍ مِن أمْرِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ، ولَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ العِلْمَ بِما لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ قالَ تَعالى: ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البالِغِ في عِلْمِهِ إلى حَدٍّ لا يَدْخُلُ في عَقْلِ العُقَلاءِ (p-٤٩٣)أكْثَرَ مِن وصْفِهِ بِهِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ ولَوْ وسِعُوا أفْكارَهم وأطالُوا أنْظارَهم لِأنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ ولا صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ لِيُقاسَ بِهِ، وكُلُّ مَنِ ادَّعى فِيهِ أنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ لا يَقْدِرُ مَن أشْرَكَ بِهِ أنْ يَدَّعِيَ لَهُ ما وصَفَ بِهِ مِنَ الإجْماعِ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ ومِن كَمالِ عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، فَثَبَتَ قَطْعًا بِبُطْلانِ الشَّرِكَةِ بِوَجْهٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَلا خَلاصَ حِينَئِذٍ إنْ خالَفَ كائِنًا مَن كانَ، وإذًا قَدْ صَحَّ أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ شَرِيكٍ ووَلَدٍ وكُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ كانَ بِحَيْثُ لا يَخافُ وعِيدَهُ، فَلا يَخُوضُ ولا يَلْعَبُ عَبِيدُهُ، ومَن خاضَ مِنهم أوْ لَعِبَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، فَإنَّ عَمَلَهُ مَحْفُوظٌ بِعِلْمِهِ فَهو مُجازٍ عَلَيْهِ بِحِكْمَتِهِ.
الزخرف 43:85
ولَمّا نَزَّهَ ذاتَهُ الأقْدَسَ وأثْبَتَ لِنَفْسِهِ اسْتِحْقاقَ الإلَهِيَّةِ بِالإجْماعِ مِن خَلْقِهِ بِما رَكَّزَهُ في فِطَرِهِمْ وهَداهم إلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ أدِلَّةً أُخْرى بِإثْباتِ كُلِّ كَمالٍ بِما تَسَعُهُ العُقُولُ وبِما لا تَسَعُهُ مُصَرِّحًا بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿وتَبارَكَ﴾ أيْ ثَبَتَ ثَباتًا لا يُشْبِهُهُ ثَباتٌ لِأنَّهُ لا زَوالَ مَعَ التَّيَمُّنِ والبَرَكَةِ وكُلِّ كَمالٍ، فَلا تَشْبِيهَ لَهُ حَتّى يُدَّعى أنَّهُ ولَدٌ لَهُ (p-٤٩٤)أوْ شَرِيكٌ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُبَيِّنُ تَبارُكَهُ واخْتِصاصَهُ بِالإلَهِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ أيْ كُلِّها ﴿والأرْضِ﴾ كَذَلِكَ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وبَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنها، والدَّلِيلُ عَلى هَذا الإجْماعُ القائِمُ عَلى تَوْحِيدِهِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ.
لَمّا ثَبَتَ اخْتِصاصُهُ بِالمُلْكِ وكانَ المَلِكُ لا يَكُونُ إلّا عالِمًا بِمُلْكِهِ وكانَ رُبَّما ادَّعى مُدَّعٍ وتَكَذَّبَ مُعانِدٌ في المُلْكِ أوِ العِلْمِ، قَطَعَ الأطْماعَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿عِلْمُ السّاعَةِ﴾ سائِقًا لَهُ مَساقُ ما هو مَعْلُومُ الكَوْنِ، لا مَجالَ لِلْخِلافِ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما عَلَيْها مِنَ الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ المَرْكُوزَةِ في الفِطْرَةِ الأُولى فَكَيْفَ بِما يُؤَدِّي إلَيْهِ الفِكْرُ مِنَ الذِّكْرِ المُنَبِّهِ عَلَيْهِ السَّمْعُ، ولِأنَّ مَن ثَبَتَ اخْتِصاصُهُ بِالمُلْكِ وجَبَ قَبُولُ أخْبارِهِ لِذاتِهِ، وخَوْفًا مِن سَطَواتِهِ، ورَجاءً في بَرَكاتِهِ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ تَحْقِيقًا لِمُلْكِهِ وقَطْعًا لِلنِّزاعِ في وحْدانِيَّتِهِ، وقِراءَةِ الجَماعَةِ وهم مَن عَدا ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ووِرَشٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالخِطابِ أشَدُّ تَهْدِيدًا مِن قِراءَةِ الباقِينَ بِالغَيْبِ، وأدَلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ عَلى مَن لا يَقْبَلُ إلَيْهِ بِالمَتابِ بَعْدَ رَفْعِ كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْهُ ارْتِيابٌ.
الزخرف 43:86
(p-٤٩٥)ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ قَطْعًا إلى التَّقْدِيرِ: فَلا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا ولَدَهُ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنهم عَلى التَّخَلُّفِ عَنِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ كَما أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُدافَعَةِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَمْلِكُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في وقْتٍ ما ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ يَجْعَلُونَهم في مَوْضِعِ الدُّعاءِ بِعِبادَتِهِمْ لَهُمْ، وبَيْنَ سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِهِ﴾ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتْبَتِهِ مِنَ الأصْنامِ والمَلائِكَةِ والبَشَرِ وغَيْرِهِمْ ﴿الشَّفاعَةَ﴾ أيْ فَلا يَكُونُ مِنهم شَفِيعٌ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم ﴿إلا مَن شَهِدَ﴾ أيْ مِنهم ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ التَّوْحِيدُ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ إذا انْكَشَفَ أتَمَّ انْكِشافٍ وكَذا ما يَتْبَعُهُ فَإنَّهُ يَكُونُ أهْلًا لِأنْ يَشْفَعَ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَعْنى أنَّ أصْنامَهُمُ الَّتِي ادَّعَوْا أنَّها تَشْفَعُ لَهم لا تَشْفَعُ غَيْرَ أنَّهُ تَعالى ساقَهُ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ لِأنَّهُ كالدَّعْوى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَرْكُوزًا حَتّى في فِطَرِ الكُفّارِ فَلا يَفْزَعُونَ في وقْتِ الشَّدائِدِ إلّا إلى اللهِ، ولَكِنَّهم لا يَلْبَثُونَ أنْ يَعْمَلُوا مِنَ الإشْراكِ بِما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ لا عِلْمَ لَهم قالَ: ﴿وهُمْ﴾ أوْ والحالُ أنَّ (p-٤٩٦)مَن شَهِدَ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عَلى بَصِيرَةٍ مِمّا شَهِدُوا بِهِ، فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِخِلافِ ما شَهِدُوا إلّا جَهْلًا مِنهم بِتَحْقِيقِ مَعْنى التَّوْحِيدِ، فَلِذَلِكَ يَظُنُّونَ أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا عَنْهُ وإنْ أشْرَكُوا، أوْ يَكُونُ المَعْنى: وهم مِن أهْلِ العِلْمِ، والأصْنامُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وكَأنَّهُ أفْرَدَ أوَّلًا إشارَةً إلى أنَّ التَّوْحِيدَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِخُصُوصِهِ وإنْ خالَفَهُ كُلُّ غَيْرٍ، وجَمَعَ ثانِيًا إيذانًا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ لِيَجْتَمِعَ الكُلُّ عَلى العِلْمِ والتَّوْحِيدِ هو الأساسُ الَّذِي لا تَصِحُّ عِبادَةٌ إلّا بِهِ، وتَحْقِيقُهُ هو العِلْمُ الَّذِي لا عِلْمَ يَعْدِلُهُ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وجَمِيعُ الفَرْقِ إنَّما ضَلُّوا حَيْثُ لَمْ يُعْرَفُوا مَعْنى الواحِدِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي إذِ الواحِدُ قَدْ يَكُونُ مَبْدَأ العَدَدِ، وقَدْ يَكُونُ مُخالِطًا لِلْعَدَدِ، وقَدْ يَكُونُ مُلازِمًا لِلْعَدَدِ، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ الوِحْداتِ - انْتَهى.
فَفِي الآيَةِ تَبْكِيتٌ لَهم في أنَّهم يُوَحِّدُونَ في أوْقاتٍ، فَإذا أنْجاهُمُ الَّذِي وحَّدُوهُ جَعَلُوا شُكْرَهم لَهُ في الرَّخاءِ إشْراكَهم بِهِ، ومَنَعَ لَهم مِنَ ادِّعاءٍ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وهي الشَّهادَةُ بِالحَقِّ لِأنَّهُمُ انْسَلَخُوا بِإشْراكِهِمْ عَنِ العِلْمِ، وأنَّ المَلائِكَةَ لا تَشْفَعُ لَهم لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ تَكُونَ قَدْ عَمِلَتْ بِخِلافِ ما تَعْلَمُ، وذَلِكَ يُنْتِجُ الِانْسِلاخَ (p-٤٩٧)مِنَ العِلْمِ المُؤَهَّلِ لِلشَّفاعَةِ، وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَرْطَ جَمِيعِ الشَّهاداتِ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ عالِمًا بِما يَشْهَدُ بِهِ.
الزخرف 43:87
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِتَقْرِيرِ وُجُودِ إلَهِيَّتِهِ في الأرْضِ بِالِاجْتِماعِ: فَلَئِنْ سَألْتَهم مَن يُنَجِّيهِمْ في وقْتِ كُرُوبِهِمْ لِيَقُولَنَّ: اللَّهُ، لَيْسَ لِمَن نَدْعُوهُ مَن دُونِهِ هُناكَ فِعْلٌ، فَقالَ عَطْفًا عَلَيْهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ ﴿مَن خَلَقَهُمْ﴾ أيِ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ مَعًا، أجابُوا بِما يَدُلُّ عَلى عَمى القَلْبِ الحَقِيقِيِّ المَجْبُولِ عَلَيْهِ والمَطْبُوعِ بِطابَعِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ، ولَمْ يُصَدِّقُوا في جَوابِ مِثْلِهِ بِقَوْلِهِ: ”إذْ سَألْتهمْ“: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ هو الَّذِي خَلَقَ الكُلَّ لَيْسَ لِمَن يَدْعُوهُ مِنهُ شَيْءٌ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ بَعْدِ أنْ أثْبَتُوا لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يُقَلِّبُونَ عَنْ وُجُوهِ الأُمُورِ إلى أقْفائِها مِن قالَبٍ ما كائِنًا مَن كانَ، فَيَدَّعُونَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا تارَةً بِالوَلَدِيَّةِ، وتارَةً بِغَيْرِها، مَعَ ما رَكَزَ في فِطَرِهِمْ مِمّا ثَبَتَ بِهِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ لِأنَّ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ كُلُّهُ.
الزخرف 43:88
(p-٤٩٨)ولَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ شُبْهَتَهم ووَهى غايَةَ التَّوْهِيَةِ أمْرُهم في شِرْكِهِمْ وادِّعائِهِمُ الوَلَدَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ أقْوالُهُمُ الفاسِدَةُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأقامَ حُجَجَ الحَقِّ، ونَصَبَ بَراهِينَ الصِّدْقِ، وأثْبَتَ ما يَنْفَعُهُمْ، وحَذَّرَهم ما يَضُرُّهُمْ، حَتّى خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُقْسِمًا مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وعِظَمِ أمْرِهِ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ [الزخرف: ٧٨] ثُمَّ حَصَرَ أمْرَهم في رَدِّ ذَلِكَ إنَّ رَدُّوهُ إلى قِسْمَيْنِ في حالَيْنِ: حالُ مُجاهَرَةٍ وحالُ مُماكَرَةٍ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا نَجاةَ لَهم عَلى حالَةٍ مِنهُما، وأخْبَرَ أنَّ رُسُلَهُ تَعالى يَكْتُبُونَ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ، ذَلِكَ مَعَ غِناهُ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِما يَكْتُبُونَهُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا لا يَطَّلِعُونَ، عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ فَخْرًا عَظِيمًا مُلاحِمًا أشَدَّ المُلاحَمَةِ لِما قَدَّمَهُ مِن شُبْهَتِهِمْ في ادِّعاءِ الوَلَدِ فَأكَّدَ إبْطالَها وحَقَّقَ زَوالَها، وخَتَمَ بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ في تَرْكِهِمْ وُجُوهَ الأُمُورِ واتِّباعِهِمْ أقْفائِها، وكانَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ عَمَلُهم عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ لا يَسْمَعُ قَوْلَهُمُ المُوجِبَ لِأخْذِهِمْ وقَوْلِ رَسُولِهِ: المُوجِبُ لِنَصْرِهِ، عَطَفَ عَلى ما مَضى مِن إنْكارِهِمْ عَلَيْهِمْ عَدَمَ سَماعِهِ لِقَوْلِهِمْ، ولَمّا كانَ اشْتِدادُهم في تَكْذِيبِهِمْ ومُباعَدَتِهِمْ وعِنادِهِمْ لا يَزْدادُ بِمُرُورِ الزَّمانِ (p-٤٩٩)إلّا قُوَّةٌ أوْقَعُ في نَفْسِ الرَّسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسَفًا ورِقَّةً وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ وعَطْفًا، وصارَ يَشْكُو أمْرَهم إلى رَبِّهِ شَكْوى المُضْطَرِّ سِرًّا وعَلَنًا إرادَةَ التَّيْسِيرِ في أمْرِهِمْ والتَّهْوِينِ لِشَأْنِهِمْ، فاخْتِيرَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ هَذا المَعْنى مَصْدَرُ ”قالَ“ المُشْتَرِكُ لَفْظُهُ مَعَ لَفْظِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى أنَّ شَكْواهُ بِذَلِكَ كَأنَّها صارَتْ أمْرًا ضَرُورِيًّا لَهُ لا اخْتِيارَ لَهُ في قَوْلِهِ فَكَأنَّهُ صارَ قَوْلًا مِن غَيْرِ قائِلٍ أوْ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، لِأنَّهُ صارَ حالًا مِنَ الأحْوالِ، ووَصَلَ بِهِ الضَّمِيرُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمٍ ذُكِرَ، إشارَةً إلى أنَّ ضَمِيرَهُ قَدِ امْتَلَأ بِتِلْكَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهُمْ، فَقالَ تَعالى عَطْفًا عَلى سِرِّهِمُ المُقَدَّرِ بَعْدَ ﴿بَلى﴾ [الزخرف: ٨٠] في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى﴾ [الزخرف: ٨٠] أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ أيْ ”ويَعْلَمُ قِيلَهُ“ قالَهُ الزَّجّاجُ، وعَدَلَ في هَذا الوَجْهِ - وهو قِراءَةُ عاصِمٍ لَهُ وحَمْزَةُ بِالجَرِّ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في تَعَلُّقِهِ بِذَلِكَ لِعَطْفِهِ عَلى لَفْظِ (p-٥٠٠)﴿السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] وقُرِئَ شاذًّا بِالرَّفْعِ، ووَجْهُهُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ كَيْفَ يَصْرِفُونَ عَنِ اتِّباعِ رَسُولِنا الآمِرِ لَهم بِتَوْحِيدِنا في العِبادَةِ كَما أنّا تَوَحَّدْنا بِالخَلْقِ والحالِ أنَّ قِيلَهُ كَذا في شِكايَتِهِمْ، أفَيَظُنُّونَ أنّا لا نَنْصُرُهُ وقَدْ أرْسَلْناهُ: ﴿وقِيلِهِ﴾ الَّذِي صارَ في مُلازَمَتِهِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ حالًا مِنَ الأحْوالِ، الدّالِّ عَلى وجْهِ قِيلِهِ وانْكِسارِ نَفْسِهِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَسْرَةُ المَصْدَرِ وياؤُهُ المُجانِسَةُ لَها، والتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا رَبِّ﴾ دالٌّ عَلى ذَلِكَ بِما تُفِيدُهُ ”يا“ الدّالَّةُ عَلى بَعْدُ، أوْ تَقْدِيرُهُ، والرَّبُّ الدّالُّ عَلى الإحْسانِ والعَطْفِ والشَّفَقَةِ والتَّدْبِيرِ والسِّيادَةِ الِاخْتِصاصِ والوِلايَةِ، وذَلِكَ عَلى غَيْرِ العادَةِ في دُعاءِ المُقَرَّبِينَ، فَإنَّها جارِيَةٌ في القُرْآنِ بِإسْقاطِ أداةِ النِّداءِ.
ولَمّا كانَ الإرْسالُ إلَيْهِمْ - والمُرْسَلُ قادِرٌ - مُقْتَضِيًا لِإيمانِهِمْ، أكَّدَ ما ظَهَرَ لَهُ مِن حالِهِمْ بِقَوْلِهِ زِيادَةً في التَّحَسُّرِ وإشارَةً إلى أنَّ تَأْخِيرَ أمْرِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيمانَهم مَطْمُوعٌ فِيهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ لَمْ يُضِفْهم إلى نَفْسِهِ بِأنْ يَقُولَ: قُومِي، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ ولا سَمّاهم بِاسْمِ قَبِيلَتِهِمْ لِما ساءَهُ مِن حالِهِمْ، وأتى بِهاءِ المُنَبِّهَةِ قَبْلَ اسْمٍ عَلى غَيْرِ عادَةِ الأصْلِ إشارَةً إلى أنِ اسْتَشْعَرَ مِن نَفْسِهِ بُعْدًا واسْتِصْغارًا لَها واحْتِقارًا (p-٥٠١)﴿قَوْمٌ﴾ أيْ أقْوِياءُ عَلى الباطِلِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم هَذا الفِعْلُ.
الزخرف 43:89
ولَمّا كانَ هَذا قَوْلًا دالًّا عَلى غايَةٍ ما يَكُونُ مِن بُلُوغِ الجُهْدِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ ما يُسِرُّهُ بِإيمانِهِمْ وبُلُوغِهِمُ الرُّتَبَ العالِيَةَ الَّتِي هي نَتِيجَةُ ما كانَ مُتَرَجّى لَهم أوَّلَ السُّورَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِبَرَكَتِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سِياقٍ ظاهِرُهُ التَّهْدِيدُ وباطِنُهُ - بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ - البِشارَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَقالَ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أيِ اعْفُ عَمَّنْ أعْرَضَ مِنهم صَفْحًا فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ التَّبْلِيغِ ﴿وقُلْ﴾ أيْ لَهُمْ: ﴿سَلامٌ﴾ أيْ شَأْنِي الآنَ مُتارَكَتِكم بِسَلامَتِكم مِنِّي وسَلامَتِي مِنكم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، فَهَذا ظاهِرُهُ تَهْدِيدٌ كَبِيرٌ، وقِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وابْنِ عامِرٍ بِالخِطابِ أشَدُّ تَهْدِيدًا، وباطِنُهُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالصَّفْحِ عَنْهم والسَّلامِ بِشارَةٌ لِأنَّهم يَصِيرُونَ عُلَماءَ فَيَفُوقُونَ الأُمَمَ في العِلْمِ بَعْدَ أنْ يَفُوقَهم في العَقْلِ - بِما أفْهَمَهُ أوَّلَ السُّورَةِ - فَيُعْلُونَ الأُمَمَ في المَشْيِ عَلى مَناهِيجِ العَقْلِ، فَلِلَّهِ دَرُّهُ مِن (p-٥٠٢)آخَرَ عانَقَ الأوَّلَ، ومَقْطَعٌ رُدَّ إلى المَطْلَعِ تَنْزِلُ، يا ناظِمَ اللَّآلِئِ! أيْنَ تَذْهَبُ عَنْ هَذا البِناءِ العالِي، وتَغْفُلُ عَنْ هَذا الجَوْهَرِ الرَّخِصِ الغالِي، وتَضِلُّ عَنْ هَذا الضِّياءُ اللّامِعُ المُتَلَأْلِئُ، ثُمَّ أعْلاهُ فَأنْزَلَهُ، وأغْلاهُ بَدْرَ المَعانِي وفَضَّلَهُ.