Tafsir Al-Alusi — المائدة 5:33 – المائدة 5:68
المحتويات
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
المائدة 5:33
﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ - كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وعَلَيْهِ جُمْلَةُ الفُقَهاءِ - إلى أنَّها نَزَلَتْ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ، والكَلامُ - كَما قالَ الجَصّاصُ - عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ .
صفحة 119
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَوْ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَكانُوا مُرْتَدِّينَ بِإظْهارِ مُحارَبَتِهِ ومُخالَفَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: المُرادُ يُحارِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى رِفْعَةِ مَحَلِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ومُحارَبَةُ أهْلِ شَرِيعَتِهِ وسالِكِي طَرِيقَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ مُحارَبَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَعُمُّ الحُكْمُ مَن يُحارِبُهم بَعْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَوْ بِأعْصارٍ كَثِيرَةٍ، بِطَرِيقِ العِبارَةِ لا بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ أوِ القِياسِ كَما يُتَوَهَّمُ؛ لِأنَّ وُرُودَ النَّصِّ لَيْسَ بِطَرِيقِ خِطابِ المُشافَهَةِ حَتّى يَخْتَصَّ بِالمُكَلَّفِينَ حِينَ النُّزُولِ، ويَحْتاجَ في تَعْمِيمِهِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ عَلى ما تَحَقَّقَ في الأُصُولِ.
وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، وإنَّما المُرادُ مُحارَبَةُ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّهُ جَعَلَ مُحارَبَتَهم مُحارَبَةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعْظِيمًا لَهُ وتَرْفِيعًا لِشَأْنِهِمْ، وجَعَلَ ذِكْرَ الرَّسُولِ عَلى هَذا تَمْهِيدًا عَلى تَمْهِيدًا، وفِيهِ ما لا يَخْفى.
والحَرْبُ في الأصْلِ السَّلْبُ والأخْذُ، يُقالُ: حَرَبَهُ إذا سَلَبَهُ، والمُرادُ بِهِ ها هُنا قَطْعُ الطَّرِيقِ، وقِيلَ: الهُجُومُ جَهْرَةً بِاللُّصُوصِيَّةِ وإنْ كانَ في مِصْرٍ.
﴿ويَسْعَوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( يُحارِبُونَ ) وبِهِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ( في الأرْضِ ) وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَسادًا ) وهو إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( يَسْعَوْنَ ) بِتَأْوِيلِهِ بِمُفْسِدِينَ، أوْ ذَوِي فَسادٍ، أوْ لا تَأْوِيلَ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ كَما قِيلَ، وإمّا مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِأجْلِ الفَسادِ، وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ( يَسْعَوْنَ ) لِأنَّهُ في مَعْنى يُفْسِدُونَ، و( فَسادًا ) إمّا مَصْدَرٌ حُذِفَ مِنهُ الزَّوائِدُ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّما جَزاءُ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المُنْسَبِكُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾ أيْ حَدًّا مِن غَيْرِ صَلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ بِآلَةٍ جارِحَةٍ أوْ لا، والإتْيانُ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى القِصاصِ مِن أنَّهُ لِكَوْنِهِ حَقَّ الشَّرْعِ لا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الوَلِيِّ، وكَذا التَّصْلِيبُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾ لِما فِيهِ مِنَ القَتْلِ، أيْ يُصَلَّبُوا مَعَ القَتْلِ إنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ والأخْذِ، وقِيلَ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ، والصَّلْبُ قَبْلَ القَتْلِ، بِأنْ يُصَلَّبُوا أحْياءً، وتُبْعَجُ بُطُونُهم بِرُمْحٍ حَتّى يَمُوتُوا، وأصَحُّ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّ الصَّلْبَ ثَلاثًا بَعْدَ القَتْلِ، قِيلَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ.
وقِيلَ: حَتّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عَلى الطَّرِيقِ في مَمَرِّ النّاسِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِلْغَيْرِ عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ.
وفِي ظاهِرِ الرِّوايَةِ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ إنْ شاءَ اكْتَفى بِذَلِكَ، وإنَّ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافِ، وقَتَلَهم وصَلَّبَهم.
﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾ أيْ تُقَطَّعُ مُخْتَلِفَةً، بِأنْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى، إنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ مِن مُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ، إذْ لَهُ ما لنا وعَلَيْهِ ما عَلَيْنا، وكانَ في المِقْدارِ، بِحَيْثُ لَوْ قُسِّمَ عَلَيْهِمْ أصابَ كُلًّا مِنهم عَشَرَةُ دَراهِمَ أوْ ما يُساوِيها قِيمَةً، وهَذا في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإنْ عادُوا قُطِّعَ مِنهُمُ الباقِي، وقَطْعُ الأيْدِي لِأخْذِ المالِ، وقَطْعُ الأرْجُلِ لِإخافَةِ الطَّرِيقِ وتَفْوِيتِ أمْنِهِ.
﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا غَيْرَ الإخافَةِ والسَّعْيِ لِلْفَسادِ، والمُرادُ بِالنَّفْيِ عِنْدَنا هو الحَبْسُ والسَّجْنُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ النَّفْيَ بِذَلِكَ المَعْنى؛ لِأنَّ الشَّخْصَ بِهِ يُفارِقُ بَيْتَهُ وأهْلَهُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المَسْجُونِينَ:
خَرَجْنا مِنَ الدُّنْيا ونَحْنُ أهْلُها فَلَسْنا مِنَ الأمْواتِ فِيها ولا الأحْيا
إذْ جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا: جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا
ويُعَزَّرُونَ أيْضًا لِمُباشَرَتِهِمْ إخافَةَ الطَّرِيقِ، وإزالَةَ أمْنِهِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - المُرادُ بِهِ النَّفْيُ مِن بَلَدٍ
صفحة 120
إلى بَلَدٍ، ولايَزالُ يُطْلَبُ وهو هارِبٌ فَرَقًا إلى أنْ يَتُوبَ ويَرْجِعَ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامِيَّةُ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنِ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ يُنْفى عَنْ بَلَدِهِ فَقَطْ، وقِيلَ: إلى بَلَدٍ أبْعَدَ، وكانُوا يَنْفُونَهم إلى دَهْلَكَ، وهو بَلَدٌ في أقْصى تِهامَةَ، وناصِعَ وهو بَلَدٌ مِن بِلادِ الحَبَشَةِ.
واسْتُدِلَّ لِلْأوَّلِ بِأنَّ المُرادَ بِنَفْيِ قاطِعِ الطَّرِيقِ زَجْرُهُ، ودَفْعُ شَرِّهِ، فَإذا نُفِيَ إلى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُؤْمَن ذَلِكَ مِنهُ، وإخْراجُهُ مِنَ الدُّنْيا غَيْرُ مُمْكِنٍ، ومِن دارِ الإسْلامِ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنْ حُبِسَ في بَلَدٍ آخَرَ فَلا فائِدَةَ فِيهِ، إذْ بِحَبْسِهِ في بَلَدِهِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، وهو أشَدُّ عَلَيْهِ.
هَذا، ولَمّا كانَتِ المُحارَبَةُ والفَسادُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ ووُجُوهٍ شَتّى شُرِعَتْ لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن تِلْكَ المَراتِبِ عُقُوبَةٌ مُعَيَّنَةٌ بِطَرِيقٍ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ – فَـ( أوْ ) لِلتَّقْسِيمِ واللَّفِّ والنَّشْرِ المُقَدَّرِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: إنَّها تَخْيِيرِيَّةٌ، والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ العُقُوباتِ في كُلِّ قاطِعِ طَرِيقٍ، والأوَّلُ عُلِمَ بِالوَحْيِ، وإلّا فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ دُونَ التَّخْيِيرِ، ولِأنَّ في الآيَةِ أجِزْيَةً مُخْتَلِفَةً غِلَظًا وخِفَّةً فَيَجِبُ أنْ تَقَعَ في مُقابَلَةِ جِناياتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِيَكُونَ جَزاءُ كُلِّ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةً مِثْلَها، ولِأنَّهُ لَيْسَ لِلتَّخْيِيرِ في الأغْلَظِ والأهْوَنِ في جِنايَةٍ واحِدَةٍ كَبِيرُ مَعْنًى.
والظّاهِرُ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هَذا التَّنْوِيعُ والتَّفْصِيلُ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّخْيِيرَ أقْرَبُ، وكَوْنُهُ بَيْنَ الأغْلَظِ والأهْوَنِ بِالنَّظَرِ إلى الأشْخاصِ والأزْمِنَةِ، فَإنَّ العُقُوباتِ لِلِانْزِجارِ وإصْلاحِ الخَلْقِ، ورُبَّما يَتَفاوَتُ النّاسُ في الِانْزِجارِ، فَوُكِلَ ذَلِكَ إلى رَأْيِ الإمامِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، فَتَأمَّلْ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما فُصِّلَ مِنَ الأحْكامِ والأجْزِيَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم خِزْيٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( خِزْيٌ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: ( خِزْيٌ ) خَبَرٌ لِـ( ذَلِكَ ) و( لَهم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( خِزْيٌ ) لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ فَلَمّا قُدِّمَ انْتُصِبَ حالًا، و( في الدُّنْيا ) إمّا صِفَةٌ لِـ( خِزْيٌ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما مَرَّ آنِفًا، والخِزْيُ الذُّلُّ والفَضِيحَةُ.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ لِغايَةِ عِظَمِ جِناياتِهِمْ، واقْتُصِرَ في الدُّنْيا عَلى الخِزْيِ مَعَ أنَّ لَهم فِيها عَذابًا أيْضًا، وفي الآخِرَةِ عَلى العَذابِ مَعَ أنَّ لَهم فِيها خِزْيًا أيْضًا؛ لِأنَّ الخِزْيَ في الدُّنْيا أعْظَمُ مِن عَذابِها، والعَذابَ في الآخِرَةِ أشَدُّ مِن خِزْيِها. والآيَةُ أقْوى دَلِيلٍ لِمَن يَقُولُ: إنَّ الحُدُودَ لا تُسْقِطُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، والقائِلُونَ بِالإسْقاطِ يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ كانَ كَفّارَةً لَهُ»» فَإنَّهُ يَقْتَضِي سُقُوطَ الإثْمِ عَنْهُ، وأنْ لا يُعاقَبَ في الآخِرَةِ، وهو مُشْكِلٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، وأجابَ النَّوَوِيُّ بِأنَّ الحَدَّ يُكَفَّرُ بِهِ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، وأمّا حُقُوقُ العِبادِ فَلا، وها هُنا حَقّانِ لِلَّهِ تَعالى والعِبادِ، ونَظَرٌ فِيهِ.
المائدة 5:34
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وأمّا ما هو مِن حُقُوقِ العِبادِ كَحُقُوقِ الأوْلِياءِ مِنَ القِصاصِ ونَحْوِهِ فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ عَلى الإمامِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ قِصاصًا، ولا يَسْقُطُ جَوازُهُ بِالنَّظَرِ إلى الأوْلِياءِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ قِصاصًا، فَإنَّهم إنْ شاءُوا عَفَوْا وإنْ أحَبُّوا اسْتَوْفَوْا.
وقالَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ: إنَّ القَتْلَ قِصاصًا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ لا جَوازُهُ، وشُنِّعَ عَلَيْهِ لِضِيقِ عِبارَةِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في كِتابِهِ التُّحْفَةِ، وأفْرَدَ لَهُ تَنْبِيهًا، فَقالَ - بَعْدَ نَقْلِهِ - وهو عَجِيبٌ، أعْجَبُ مِنهُ سُكُوتُ شَيْخِنا عَلَيْهِ في حاشِيَتِهِ
صفحة 121
مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ لا دَخْلَ لَها في القِصاصِ أصْلًا؛ إذْ لا يُتَصَوَّرُ - بِقَيْدِ كَوْنِهِ قِصاصًا - حالَتا وُجُوبٍ وجَوازٍ؛ لِأنّا إنْ نَظَرْنا إلى الوَلِيِّ فَطَلَبُهُ جائِزٌ لَهُ لا واجِبٌ مُطْلَقًا، أوْ لِلْإمامِ فَإنْ طَلَبَهُ مِنهُ الوَلِيُّ وجَبَ وإلّا لَمْ يَجِبْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ قِصاصًا، وإنْ جازَ أوْ وجَبَ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ حَدًّا، فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ القاسِمِ فَقالَ: ادِّعاؤُهُ الفَسادَ ظاهِرُ الفَسادِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَدَّعِ ما ذُكِرَ، وإنَّما ادَّعى أنَّ لَها دَخْلًا في صِفَةِ القَتْلِ قِصاصًا، وهي وُجُوبُهُ، وقَوْلُهُ: إذْ لا يُتَصَوَّرُ إلَخْ، قُلْنا: لَمْ يَدَّعِ أنَّ لَهُ حالَتَيْ وُجُوبٍ وجَوازٍ بِهَذا القَيْدِ، بَلِ ادَّعى أنَّ لَهُ حالَتَيْنِ في نَفْسِهِ - وهو صَحِيحٌ - عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ حالَتانِ بِذَلِكَ القَيْدِ، لَكِنْ بِاعْتِبارَيْنِ اعْتِبارِ الوَلِيِّ واعْتِبارِ الإمامِ إذا طُلِبَ مِنهُ، وقَوْلُهُ: لِأنّا إذا نَظَرْنا إلَخْ، كَلامٌ ساقِطٌ، ولا شَكَّ أنَّ النَّظَرَ إلَيْهِما يَقْتَضِي ثُبُوتَ الحالَتَيْنِ قِصاصًا، وقَوْلُهُ: فَتَأمَّلْهُ، تَأمَّلْنا فَوَجَدْنا كَلامَهُ ناشِئًا مِن قِلَّةِ التَّأمُّلِ، انْتَهى.
وجَعَلَ مَوْلانا شَيْخُ الكُلِّ في الكُلِّ صِبْغَةُ اللَّهِ تَعالى الحَيْدَرِيُّ مَنشَأ تَشْنِيعِ العَلّامَةِ ما يُتَبادَرُ مِنَ العِبارَةِ مِن كَوْنِها بَيانًا لِتَفْوِيضِ القِصاصِ إلى الأوْلِياءِ، أمّا لَوْ جُعِلَتْ بَيانًا لِسُقُوطِ الحَدِّ في قَتْلِ قاطِعِ الطَّرِيقِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ دُونَ القَتْلِ قِصاصًا فَلا يَرِدُ التَّشْنِيعُ، فَتَدَبَّرْ، وتَقْيِيدُ التَّوْبَةِ بِالتَّقَدُّمِ عَلى القُدْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ الحَدَّ، وإنْ أسْقَطَتِ العَذابَ.
وذَهَبَ أُناسٌ إلى أنَّ الآيَةَ في المُرْتَدِّينَ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ مُحارَبَةَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولَهُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الكُفّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ: ««أنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَأسْلَمُوا، واجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها، فَقَتَلُوا راعِيَها واسْتاقُوها، فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في طَلَبِهِمْ قافَةً، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهُمْ، وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ولِمَ يَحْسِمْهُمْ، وتَرَكَهم حَتّى ماتُوا» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ) الآيَةَ».
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ قَوْلٌ ساقِطٌ، مُخالِفٌ لِإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ قَطّاعُ الطَّرِيقِ مِن أهْلِ المِلَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ( إلّا الَّذِينَ تابُوا ) إلَخْ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرْتَدِّينَ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهم في زَوالِ العُقُوبَةِ عَنْهم بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ القُدْرَةِ، كَما تُسْقِطُها عَنْهم قَبْلَ القُدْرَةِ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ تَوْبَتِهِمْ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها، وأيْضًا إنَّ الإسْلامَ لا يُسْقِطُ الحَدَّ عَمَّنْ وجَبَ عَلَيْهِ.
وأيْضًا لَيْسَتْ عُقُوبَةُ المُرْتَدِّينَ كَذَلِكَ، ودَعْوى أنَّ المُحارِبَةَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الكُفّارِ يَرُدُّها أنَّهُ ورَدَ في الأحادِيثِ إطْلاقُها عَلى أهْلِ المَعاصِي أيْضًا، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا؛ فَإنَّ العِبْرَةَ - كَما تَقَرَّرَ - بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ التَّيْمِيُّ مِن أهْلِ البَصْرَةِ، قَدْ أفْسَدَ في الأرْضِ، وحارَبَ، فَكَلَّمَ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَسْتَأْمِنُوا لَهُ عَلِيًّا، فَأبَوْا، فَأتى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدانِيَّ، فَأتى عَلِيًّا فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ الفَسادَ؟ قالَ: ( أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ) ثُمَّ قالَ: ( إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) فَقالَ سَعِيدٌ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ ؟ قالَ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ، فَقالَ: هَذا حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ جاءَ تائِبًا، فَهو آمِنٌ؟ قالَ: نَعَمْ، فَجاءَ بِهِ إلَيْهِ فَبايَعَهُ، وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، وكَتَبَ لَهُ أمانًا»، ورُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ما هو بِمَعْناهُ.
ثُمَّ إنَّ السَّمْلَ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ في غَيْرِ أُولَئِكَ، وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: ««إنَّما سَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرِّعاءِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ،
صفحة 122
عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: ذاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ما كانَ مِن سَمْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أعْيُنَهم وتَرْكِهِ حَسْمَهم حَتّى ماتُوا، فَقالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُعاتَبَةً في ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ والقَطْعِ والنَّفْيِ، ولَمْ يُسْمِلْ بَعْدَهم غَيْرَهُمْ، قالَ: وكانَ هَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ لَأبِي عُمَرَ، فَأنْكَرَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُعاتِبَةً، وقالَ: بَلْ كانَتْ تِلْكَ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأعْيانِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عُقُوبَةَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حارَبَ بَعْدَهُمْ، فَرُفِعَ عَنْهُمُ السَّمْلُ.
* * *
هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ:
( ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ ) أيْ ألْزَمْناهم ذَلِكَ لِتَخالُفِ دَواعِي قُواهم بِاحْتِجابِهِمْ عَنْ نُورِ التَّوْحِيدِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ العالَمِ القُدْسِيِّ ( ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ) أيْ إلى وقْتِ قِيامِهِمْ بِظُهُورِ نُورِ الرُّوحِ، أوِ القِيامَةِ الكُبْرى بِظُهُورِ نُورِ التَّوْحِيدِ ( ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ) وذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ، وظُهُورِ الخُسْرانِ بِظُهُورِ الهَيْئاتِ القَبِيحَةِ المُؤْذِيَةِ الرّاسِخَةِ فِيهِمْ.
( ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ ) بِحَسَبِ الدَّواعِي والمُقْتَضَياتِ ( ﴿كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ﴾ ) عَنِ النّاسِ في أنْفُسِكم ( ﴿مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ) إذا لَمْ تَدَعُ إلَيْهِ داعِيَةٌ ( ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ) أبْرَزَتْهُ العِنايَةُ الإلَهِيَّةُ، مِن مَكامِنِ العَماءِ ( ﴿وكِتابٌ﴾ ) خَطَّهُ قَلَمُ البارِي، في صَحائِفِ الإمْكانِ، جامِعًا لِكُلِّ كَمالٍ، وهُما إشارَةٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِذَلِكَ وُحِّدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ ) أيْ بِواسِطَتِهِ ( ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ ) أيْ مَن أرادَ ذَلِكَ ( ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ ) وهي الطُّرُقُ المُوَصِّلَةُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
( ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ ) وهي ظُلُماتُ الشَّكِّ والِاعْتِراضاتِ النَّفْسانِيَّةِ والخَطِراتِ الشَّيْطانِيَّةِ ( ﴿إلى النُّورِ﴾ ) وهو نُورُ الرِّضا والتَّسْلِيمِ ( ﴿ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ) وهو طَرِيقُ التَّرَقِّي في المَقاماتِ العَلِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: الجُمْلَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والثّانِيَةُ إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والثّالِثَةُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ.
( ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ) فَحَصَرُوا الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، وقَيَّدُوا الإلَهَ بِتَعَيُّنِهِ - وهو الوُجُودُ المُطْلَقُ - حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ ( ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ ) فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَيُّناتِ والشُّؤُونِ، واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ.
( ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ ) أيْ عالَمُ الأرْواحِ، وعالَمُ الأجْسادِ، وعالَمُ الصُّوَرِ ( ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ) ويُظْهِرُ ما أرادَ مِنَ الشُّؤُونِ ( ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ) فادَّعَوْا بُنُوَّةَ الأسْرارِ، والقُرْبَ مِن حَضْرَةِ نُورِ الأنْوارِ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وقالَ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، فَقالَ الواسِطِيُّ: ابْنُ الأزَلِ والأبَدِ، لَكِنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ لَمْ يَعْرِفُوا الحَقائِقَ، ولَمْ يَذُوقُوا طَعْمَ الدَّقائِقَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى دَعْواهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ ) والأبْناءُ والأحْبابُ لا يُذْنِبُونَ فَيُعَذَّبُونَ، أوْ لا يُمْتَحَنُونَ؛ إذْ قَدْ خَرَجُوا مِن مَحَلِّ الِامْتِحانِ مِن حَيْثُ الأشْباحُ ( ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ) كَسائِرِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى، لا امْتِيازَ لَكم عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ كَما تَزْعُمُونَ ( ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ ) مِنهم فَضْلًا ( ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ ) مِنهم عَدْلًا.
( ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ) بِالوِلايَةِ ومَعْرِفَةِ الصِّفاتِ، أوْ بِسَلْطَنَةِ الوَجْدِ، وقُوَّةِ الحالِ، وعِزَّةِ عِلْمِ المَعْرِفَةِ، أوْ مالِكِينَ أنْفُسَكم بِمَنعِها عَنْ غَيْرِ طاعَتِي، والمُلُوكُ عِنْدَنا الأحْرارُ مِن رِقِّ الكَوْنَيْنِ وما فِيهِ ( ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ) أيْ عالِمِي زَمانِكُمْ، ومِنهُ اجْتِلاءُ نُورِ التَّجَلِّي مِن وجْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – ( ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ ) وهي حَضْرَةُ القَلْبِ
صفحة 123
( ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ) في القَضاءِ السّابِقِ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ ( ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ ) في المَيْلِ إلى مَدِينَةِ البَدَنِ، والإقْبالِ عَلَيْهِ بِتَحْصِيلِ لَذّاتِهِ ( ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ) لِتَفْوِيتِكم أنْوارَ القَلْبِ وطَيِّباتِهِ.
( ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ ) وهي صِفاتُ النَّفْسِ ( ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ ) بِأنْ يَصْرِفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِلا رِياضَةٍ مِنّا ولا مُجاهَدَةٍ، أوْ يَضْعُفُوا عَنِ الِاسْتِيلاءِ بِالطَّبْعِ ( ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ ) حِينَئِذٍ ( ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ ) سُوءَ عاقِبَةِ مُلازَمَةِ الجِسْمِ ( ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ ) بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ السَّوِيِّ، وهُما العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ ( ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ ) أيْ بابَ قَرْيَةِ القَلْبِ، وهو التَّوَكُّلُ بِتَجَلِّي الأفْعالِ، كَما أنَّ بابَ قَرْيَةِ الرُّوحِ هو الرِّضا ( ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ) بِخُرُوجِكم عَنْ أفْعالِكم وحَوْلِكُمْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ البابَ هو التَّوَكُّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) بِالحَقِيقَةِ، وهو الإيمانُ عَنْ حُضُورٍ، وأقَلُّ دَرَجاتِهِ تَجَلِّي الأفْعالِ ( ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ ) أُولَئِكَ الجَبّارِينَ عَنّا وأزِيلاهُمْ؛ لِتَخْلُوَ لَنا الأرْضُ ( ﴿إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ) أيْ مُلازِمُونَ مَكانَنا في مَقامِ النَّفْسِ، مُعْتَكِفُونَ عَلى الهَوى واللَّذّاتِ ( ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ ) أيْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ، وذَلِكَ مُدَّةُ بَقائِهِمْ في مَقامِ النَّفْسِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن سَماءِ الرُّوحِ نُورُ عَقْدِ المَعاشِ، فَيَنْتَفِعُونَ بِضَوْئِهِ.
( ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ ) القَلْبِ، اللَّذَيْنِ هُما هابِيلُ العَقْلِ وقابِيلُ الوَهْمِ ( ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ ) وذَلِكَ - كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ -: إنَّ تَوْأمَةَ العَقْلِ البُوذا العاقِلَةُ العَمَلِيَّةُ المُدَبِّرَةُ لِأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ، بِالآراءِ الصّالِحَةِ، المُقْتَضِيَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، المُسْتَنْبِطَةِ لِأنْواعِ الصِّناعاتِ والسِّياساتِ، وتَوْأمَةَ الوَهْمِ إقْلِيمِيا القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ المُتَصَرِّفَةُ في المَحْسُوساتِ والمَعانِي الجُزْئِيَّةِ؛ لِتَحْصِيلِ الآراءِ الشَّيْطانِيَّةِ، فَأمَرَ آدَمُ القَلْبُ بِتَزَوُّجِ الوَهْمِ تَوْأمَةَ العَقْلِ لِتُدَبِّرَهُ بِالرِّياضاتِ الإذْعانِيَّةِ والسِّياساتِ الرُّوحانِيَّةِ، وتُصاحِبُهُ بِالقِياساتِ العَقْلِيَّةِ البُرْهانِيَّةِ، فَتُسَخِّرُهُ لِلْعَقْلِ، وتَزْوِيجِ العَقْلِ تَوْأمَةَ الوَهْمِ لِيَجْعَلَها صالِحَةً، ويَمْنَعَها عَنْ شَهَواتٍ التَّخَيُّلاتِ الفاسِدَةِ، وأحادِيثِ النَّفْسِ الكاذِبَةِ، ويُسْتَعْمَلُ فِيما يَنْفَعُ، فَيَسْتَرِيحُ أبُوها ويَنْتَفِعُ، فَحَسَدَ قابِيلُ الوَهْمِ هابِيلَ العَقْلِ لَكَوْنِ تَوْأمَتِهِ أجْمَلَ عِنْدَهُ وأحَبَّ إلَيْهِ، لِمُناسَبَتِها إيّاهُ، فَأُمِرا عِنْدَ ذَلِكَ بِالقُرْبانِ، فَقَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما، وهو هابِيلُ العَقْلِ بِأنْ نَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْهُ، والمُرادُ بِها العَقْلُ الفَعّالُ النّازِلُ مِن سَماءِ عالَمِ الأرْواحِ، وأكْلُهُ إفاضَتُهُ النَّتِيجَةَ عَلى الصُّورَةِ القِياسِيَّةِ الَّتِي هي قُرْبانُ العَقْلِ وعَمَلُهُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ( ﴿ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ ) وهو قابِيلُ الوَهْمِ؛ إذْ يُمْتَنَعُ قَبُولُ الصُّورَةِ الوَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّها لا تُطابِقُ ما في نَفْسِ الأمْرِ.
( ﴿قالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ ) لِمَزِيدِ حَسَدِهِ بِزِيادَةِ قُرْبِ العَقْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبُعْدِهِ عَنْ رُتْبَةِ الوَهْمِ في مُدْرَكاتِهِ وتَصَرُّفاتِهِ، وقَتْلُهُ إيّاهُ إشارَةٌ إلى مَنعِهِ عَنْ فِعْلِهِ، وقَطْعِ مَدَدِ الرُّوحِ، ونُورِ الهِدايَةِ الإلَهِيَّةِ - الَّذِي بِهِ الحَياةُ - عَنْهُ، بِإيرادِ التَّشْكِيكاتِ الوَهْمِيَّةِ والمُعارَضاتِ في تَحْصِيلِ المَطالِبِ النَّظَرِيَّةِ ( ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ) الَّذِينَ يَتَّحِذُونَ اللَّهَ تَعالى وِقايَةً، أوْ يَحْذَرُونَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةَ البَدَنِيَّةَ، والأهْواءَ المُرْدِيَةَ، والتَّسْوِيلاتِ المُهْلِكَةَ.
( ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ ) أيِ إنِّي لا أُبْطِلُ أعْمالَكَ الَّتِي هي سَدِيدَةٌ في مَواضِعِها ( ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ) أيْ لِأنِّي أعْرِفُ اللَّهَ سُبْحانَهُ، فَأعْلَمُ أنَّهُ خَلَقَكَ لِشَأْنٍ، وأوَجَدَكَ لِحِكْمَةٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّ أسْبابَ المَعاشِ لا تُحَصَّلُ إلّا بِالوَهْمِ، ولَوْلا الأمَلُ بَطَلَ العَمَلُ ( ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ ) أيْ بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِ عَمَلِكَ مِنَ الآراءِ الباطِلَةِ ( ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ) وهي نارُ الحِجابِ والحَرَمانِ ( ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ ) الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، كَما وُضِعَ الأحْكامُ الحِسِّيَّةُ مَوْضِعَ المَعْقُولاتِ ( ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ ) بِمَنعِهِ عَنْ أفْعالِهِ الخاصَّةِ
صفحة 124
وحَجْبِهِ عَنْ نُورِ الهِدايَةِ ( ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ) لِتَضَرُّرِهِ بِاسْتِيلائِهِ عَلى العَقْلِ؛ فَإنَّ الوَهْمَ إذا انْقَطَعَ عَنْ مُعاضَدَةِ العَقْلِ حَمَلَ النَّفْسَ عَلى أُمُورٍ تَتَضَرَّرُ مِنها.
( ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا﴾ ) وهو غُرابُ الحِرْصِ ( ﴿يَبْحَثُ في الأرْضِ﴾ ) أيْ أرْضِ النَّفْسِ ( ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ ) وهو العَقْلُ المُنْقَطِعُ عَنْ حَياةِ الرُّوحِ، المَشُوبُ بِالوَهْمِ والهَوى، المَحْجُوبُ عَنْ عالَمِهِ في ظُلُماتِ أرْضِ النَّفْسِ ( ﴿قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ ) بِإخْفائِها في ظُلْمَةِ النَّفْسِ فَأنْتَفِعَ بِها ( ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ ) عِنْدَ ظُهُورِ الخُسْرانِ، وحُصُولِ الحِرْمانِ ( ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مِن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ ) لِأنَّ الواحِدَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أفْرادِ النَّوْعِ، وقِيامُ النَّوْعِ بِالواحِدِ كَقِيامِهِ بِالجَمِيعِ في الخارِجِ، ولا اعْتِبارَ بِالعَدَدِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ النَّوْعِ لا تَزِيدُ بِزِيادَةِ الأفْرادِ، ولا تَنْقُصُ بِنَقْصِها، ويُقالُ في جانِبِ الأحْياءِ مِثْلُ ذَلِكَ.
( ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ) أيْ أوْلِياءَهُما ( ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ) بِتَثْبِيطِ السّالِكِينَ ( ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾ ) بِسَيْفِ الخِذْلانِ ( ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾ ) بِحَبْلِ الهِجْرانِ عَلى جِذْعِ الحِرْمانِ ( ﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ﴾ ) عَنْ أذْيالِ الوِصالِ ( ﴿وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾ ) عَنِ الِاخْتِلافِ والتَّرَدُّدِ إلى لِلسّالِكِينَ ( ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ ) أيْ أرْضِ القُرْبَةِ والِائْتِلافِ، فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمُ السّالِكُ، ولا يَتَوَجَّهُ لَهم ( ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ﴾ ) وهَوانٌ ( ﴿فِي الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ) لِعِظَمِ جِنايَتِهِمْ، وقَدْ جاءَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْضَبُ لِأوْلِيائِهِ كَما يَغْضَبُ اللَّيْثُ لِلْحَرْبِ، ««ومَن أذى ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالمُحارَبَةِ»».
نَسْألُ اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ.
المائدة 5:35
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَزاءَ المُحارِبِ وعِظَمَ جِنايَتِهِ، وأشارَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ إلى مَغْفِرَتِهِ تَعالى لِمَن تابَ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْواهُ - عَزَّ وجَلَّ - في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ بِتَرْكِ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُحارِبَةُ والفَسادُ وبِفِعْلِ الطّاعَةِ الَّتِي مِن عِدادِها التَّوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ ودَفْعُ الفَسادِ ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ﴾ أيِ اطْلُبُوا لِأنْفُسِكم إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ هي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى ما يُتَوَسَّلُ بِهِ ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسَلَ إلى كَذا أيْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِها، وقُدِّمَ عَلَيْها لِلِاهْتِمامِ، وهي صِفَةٌ لا مَصْدَرٌ حَتّى يَمْتَنِعَ تَقَدُّمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها، أيْ كائِنَةً إلَيْهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِها الِاتِّقاءُ المَأْمُورُ بِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ قَتادَةَ، فَإنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ، والذَّرِيعَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ، والمُناجاةُ مِن كُلِّ ضَيْرٍ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى البَيانِ والتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ الأوْلى أمْرٌ بِتَرْكِ المَعاصِي، والثّانِيَةُ أمْرٌ بِفِعْلِ الطّاعاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الوَسِيلَةَ الحاجَةُ، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ عَنْتَرَةَ:
إنَّ الرِّجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ إنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي
وكَأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ: اطْلُبُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ حاجَتَكُمْ؛ فَإنَّ بِيَدِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا تَطْلُبُوها مُتَوَجِّهِينَ إلى غَيْرِهِ، فَتَكُونُوا كَضَعِيفٍ عاذَ بِقَرْمَلَةٍ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الوَسِيلَةَ بِمَنزِلَةٍ في الجَنَّةِ، وكَوْنُها بِهَذا المَعْنى غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِاخْتِصاصِها بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِناءً عَلى ما رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: ««إنَّها مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِعَبْدٍ مِن عِبادِهِ وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا فاسْألُوا لِيَ الوَسِيلَةَ»» وكَوْنُ الطَّلَبِ هُنا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ ذِهْنٌ سَلِيمٌ، وعَلَيْهِ يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِها كَما لا يَخْفى.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِغاثَةِ بِالصّالِحِينَ، وجَعَلَهم وسِيلَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العِبادِ، والقَسَمِ عَلى اللَّهِ تَعالى
صفحة 125
بِهِمْ، بِأنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ إنّا نُقْسِمُ عَلَيْكَ بِفُلانٍ أنْ تُعْطِيَنا كَذا، ومِنهم مَن يَقُولُ لِلْغائِبِ أوِ المَيِّتِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ: يا فُلانُ ادْعُ اللَّهَ تَعالى لِيَرْزُقَنِي كَذا وكَذا، ويَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ ابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ، ويَرْوُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: ««إذا أعْيَتْكُمُ الأُمُورُ فَعَلَيْكم بِأهْلِ القُبُورِ، أوْ فاسْتَغِيثُوا بِأهْلِ القُبُورِ»» وكُلُّ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ الحَقِّ بِمَراحِلَ.
وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ الِاسْتِغاثَةَ بِمَخْلُوقٍ وجَعْلَهُ وسِيلَةً بِمَعْنى طَلَبِ الدُّعاءِ مِنهُ لا شَكَّ في جَوازِهِ، إنْ كانَ المَطْلُوبُ مِنهُ حَيًّا، ولا يُتَوَقَّفُ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ مِنَ الطّالِبِ، بَلْ قَدْ يَطْلُبُ الفاضِلُ مِنَ المَفْضُولِ، فَقَدْ صَحَّ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا اسْتَأْذَنَهُ في العُمْرَةِ: «لا تَنْسَنا يا أخِي مِن دُعائِكَ»،» وأمَرَهُ أيْضًا أنْ يَطْلُبَ مِن أُوَيْسٍ القَرَنِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، وأمَرَ أُمَّتَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَلَبِ الوَسِيلَةِ لَهُ كَما مَرَّ آنِفًا، وبِأنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ.
وأمّا إذا كانَ المَطْلُوبُ مِنهُ مَيِّتًا أوْ غائِبًا فَلا يَسْتَرِيبُ عالِمٌ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وأنَّهُ مِنَ البِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، نَعَمِ، السَّلامُ عَلى أهْلِ القُبُورِ مَشْرُوعٌ، ومُخاطَبَتُهم جائِزَةٌ، فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يُعَلِّمُ أصْحابَهُ إذا زارُوا القُبُورَ أنْ يَقُولُوا: ««السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنّا إنْ شاءَ تَعالى بِكم لاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا ومِنكم والمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجَرْهم ولا تَفْتِنّا بَعْدَهُمْ، واغْفِرْ لَنا ولَهم»».
ولَمْ يَرِدْ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وهم أحْرَصُ الخَلْقِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ - أنَّهُ طَلَبَ مِن مَيِّتٍ شَيْئًا، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يَقُولُ إذْ دَخَلَ الحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ زائِرًا: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا أبا بَكْرٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا أبَتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، ولا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَطْلُبُ مِن سَيِّدِ العالَمِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ مِن ضَجِيعَيْهِ المُكَرَّمَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – شَيْئًا، وهم أكْرَمُ مَن ضَمَّتْهُمُ البَسِيطَةُ، وأرْفَعُ قَدْرًا مِن سائِرِ مَن أحاطَتْ بِهِ الأفْلاكُ المُحِيطَةُ.
نَعَمِ، الدُّعاءُ في هاتِيكَ الحَضْرَةِ المُكَرَّمَةِ والرَّوْضَةِ المُعَظَّمَةِ أمْرٌ مَشْرُوعٌ، فَقَدْ كانَتِ الصَّحابَةُ تَدْعُو اللَّهَ تَعالى هُناكَ، مُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ، ولَمْ يَرِدْ عَنْهُمُ اسْتِقْبالُ القَبْرِ الشَّرِيفِ عِنْدَ الدُّعاءِ، مَعَ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ العَرْشِ.
واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في اسْتِقْبالِهِ عِنْدَ السَّلامِ، فَعَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ لا يُسْتَقْبَلُ، بَلْ يُسْتَدْبَرُ وتُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَقْبَلُ وقْتَ السَّلامِ، وتُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ ويُسْتَدْبَرُ وقْتَ الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُسْتَقْبَلُ وقْتَ السَّلامِ، وعِنْدَ الدُّعاءِ تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ، ويُجْعَلُ القَبْرُ المُكَرَّمُ عَنِ اليَمِينِ أوِ اليَسارِ.
فَإذا كانَ هَذا المَشْرُوعَ في زِيارَةِ سَيِّدِ الخَلِيقَةِ، وعِلَّةِ الإيجادِ عَلى الحَقِيقَةِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَماذا تَبْلُغُ زِيارَةُ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى زِيارَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِيُزادَ فِيها ما يُزادُ، أوْ يُطْلَبَ مِنَ المَزُورِ بِها ما لَيْسَ مِن وظِيفَةِ العِبادِ؟!
وأمّا القَسَمُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، مِثْلُ أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أوْ أسْألُكَ بِفُلانٍ إلّا ما قَضَيْتَ لِي حاجَتِي، فَعَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ جَوازُ ذَلِكَ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والأوْلِياءِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا في دَرَجَتِهِ، وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ المَناوِيُّ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ، ودَلِيلُهُ في ذَلِكَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُعافِيَنِي، فَقالَ: إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وإنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قالَ فادْعُهُ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، ويَدْعُوَ بِهَذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ وأتَوَجَّهُ بِنَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يا رَسُولَ اللَّهِ
صفحة 126
إنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إلى رَبِّي في حاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضى لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»» ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ.
ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ التَّوَسُّلَ بِالذّاتِ والقَسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ مُطْلَقًا، وهو الَّذِي يُرَشَّحُ بِهِ كَلامُ المَجْدِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ونَقَلَهُ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأبِي يُوسُفَ وغَيْرِهِما مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ، وأجابَ عَنِ الحَدِيثِ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِدُعاءِ أوْ شَفاعَةِ نَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَفِيهِ جَعْلُ الدُّعاءِ وسِيلَةً، وهو جائِزٌ بَلْ مَندُوبٌ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: ««اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»» بَلْ في أوَّلِهِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ شَنَّعَ التّاجُ السُّبْكِيُّ - كَما هو عادَتُهُ - عَلى المَجْدِ، فَقالَ: ويَحْسُنُ التَّوَسُّلُ والِاسْتِغاثَةُ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى رَبِّهِ، ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، حَتّى جاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَأنْكَرَ ذَلِكَ، وعَدَلَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وابْتَدَعَ ما لَمْ يَقُلْهُ عالِمٌ، وصارَ بَيْنَ الأنامِ مُثْلَةً، انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ الطّاهِرِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأئِمَّةِ لَيْسَ فِيها التَّوَسُّلُ بِالذّاتِ المُكَرَّمَةِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَوْ فَرَضْنا وُجُودَ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ فَمُؤَوَّلٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ كَما سَمِعْتَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَما تَسْمَعُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ومَنِ ادَّعى النَّصَّ فَعَلَيْهِ البَيانُ، وما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ وغَيْرُهُ مِن «أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «إنّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ إلى اللَّهِ تَعالى ونَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، فَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَتّى رُؤِيَ ذَلِكَ في وُجُوهِ أصْحابِهِ، فَقالَ: ويْحَكَ! أتَدْرِي ما اللَّهُ تَعالى؟ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُشْفَعُ بِهِ عَلى أحَدٍ مِن خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن ذَلِكَ»» لا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى ما نَحْنُ فِيهِ، حَيْثُ أنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: «إنّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ» ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلَهُ: «نَسْتَشْفِعُ بِكَ إلى اللَّهِ تَعالى» لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِشْفاعِ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الدُّعاءُ مِنهُ، ولَيْسَ مَعْناهُ الإقْسامُ بِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ الإقْسامُ مَعْنًى لِلِاسْتِشْفاعِ فَلِمَ أنْكَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى؟ وعَلى هَذا لا يَصْلُحُ الخَبَرُ ولا ما قَبْلَهُ دَلِيلًا لِمَنِ ادَّعى جَوازَ الإقْسامِ بِذاتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيًّا ومَيِّتًا، وكَذا بِذاتِ غَيْرِهِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ مُطْلَقًا؛ قِياسًا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِجامِعِ الكَرامَةِ، وإنْ تَفاوَتَ قُوَّةً وضَعْفًا، وذَلِكَ لِأنَّ ما في الخَبَرِ الثّانِي اسْتِشْفاعٌ لا إقْسامٌ، وما في الخَبَرِ الأوَّلِ لَيْسَ نَصًّا في مَحَلِّ النِّزاعِ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَيْسَ فِيهِ إلّا الإقْسامُ بِالحَيِّ والتَّوَسُّلُ بِهِ.
وتَساوِي حالَتَيْ حَياتِهِ ووَفاتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في هَذا الشَّأْنِ يَحْتاجُ إلى نَصٍّ، ولَعَلَّ النَّصَّ عَلى خِلافِهِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كانَ إذا قُحِطُوا اسْتَسْقى بِالعَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَقالَ: «اللَّهُمَّ إنّا كُنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِنَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَتَسْقِينا، وإنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فاسْقِنا، فَيُسْقَوْنَ».
فَإنَّهُ لَوْ كانَ التَّوَسُّلُ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ انْتِقالِهِ مِن هَذِهِ الدّارِ لَما عَدَلُوا إلى غَيْرِهِ، بَلْ كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِنَبِيِّنا فاسْقِنا، وحاشاهم أنْ يَعْدِلُوا عَنِ التَّوَسُّلِ بِسَيِّدِ النّاسِ إلى التَّوَسُّلِ بِعَمِّهِ العَبّاسِ وهم يَجِدُونَ أدْنى مَساغٍ لِذَلِكَ، فَعُدُولُهم هَذا - مَعَ أنَّهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ - وهم أعْلَمُ مِنّا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – وما يُشْرَعُ مِنَ الدُّعاءِ وما لا يُشْرَعُ، وهم في وقْتِ ضَرُورَةٍ ومَخْمَصَةٍ، يَطْلُبُونَ تَفْرِيجَ الكُرُباتِ، وتَيْسِيرَ العَسِيرِ، وإنْزالَ الغَيْثِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المَشْرُوعَ ما سَلَكُوهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وما ذُكِرَ مِن قِياسِ غَيْرِهِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ التَّفاوُتِ في الكَرامَةِ
صفحة 127
- الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا مُنافِقٌ - مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الإقْسامَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَبِّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - حَيًّا أوْ مَيِّتًا مِمّا لَمْ يَقُمِ النَّصُّ عَلَيْهِ، لا يُقالُ: إنَّ في خَبَرِ البُخارِيِّ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ الإقْسامِ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – حَيًّا، وكَذا بِغَيْرِهِ كَذَلِكَ.
أمّا الأوَّلُ فَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فِيهِ: «كُنّا نَتَوَسَّلُ بِنَبِيِّكَ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وأمّا الثّانِي فَلِقَوْلِهِ: «إنّا نَتَوَسَّلُ بِعَمِّ نَبِيِّكَ» لِما قِيلَ: إنَّ هَذا التَّوَسُّلَ لَيْسَ مِن بابِ الإقْسامِ بَلْ هو مِن جِنْسِ الِاسْتِشْفاعِ، وهو أنْ يَطْلُبَ مِنَ الشَّخْصِ الدُّعاءَ والشَّفاعَةَ، ويَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ وشَفاعَتَهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ العَبّاسَ كانَ يَدْعُو وهم يُؤَمِّنُونَ لِدُعائِهِ حَتّى سُقُوا.
وقَدْ ذَكَرَ المَجْدُ أنَّ لَفْظَ التَّوَسُّلِ بِالشَّخْصِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وبِهِ فِيهِ إجْمالٌ واشْتِراكٌ بِحَسَبِ الِاصْطِلاحِ، فَمَعْناهُ في لُغَةِ الصَّحابَةِ أنْ يَطْلُبَ مِنهُ الدُّعاءَ والشَّفاعَةَ، فَيَكُونُ التَّوَسُّلُ والتَّوَجُّهُ في الحَقِيقَةِ بِدُعائِهِ وشَفاعَتِهِ، وذَلِكَ مِمّا لا مَحْذُورَ فِيهِ، وأمّا في لُغَةِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَمَعْناهُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ ويُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، وهَذا هو مَحَلُّ النِّزاعِ، وقَدْ عَلِمْتَ الكَلامَ فِيهِ.
وجُعِلَ مِنَ الإقْسامِ الغَيْرِ المَشْرُوعِ قَوْلُ القائِلِ: اللَّهُمَّ أسْألُكَ بِجاهِ فُلانٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السُّلَفِ أنَّهُ دَعا كَذَلِكَ، وقالَ: إنَّما يُقْسَمُ بِهِ تَعالى وبِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَيُقالُ: «أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ يا اللَّهُ، المَنّانُ، بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حىُّ يا قَيُّومُ»، و«أسْألُكَ بِأنَّكَ أنْتَ اللَّهُ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ»، و«أسْألُكُ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ» الحَدِيثَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ.
وما يَذْكُرُهُ بَعْضُ العامَّةِ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إذا كانَتْ لَكم إلى اللَّهِ تَعالى حاجَةٌ فاسْألُوا اللَّهَ تَعالى بِجاهِي؛ فَإنَّ جاهِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَظِيمٌ»» لَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، ولا هو شَيْءٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
وما رَواهُ القُشَيْرِيُّ، عَنْ مَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ لِتَلامِذَتِهِ:»إنْ كانَتْ لَكم إلى اللَّهِ تَعالى حاجَةٌ فَأقْسِمُوا عَلَيْهِ بِي؛ فَإنِّي الواسِطَةُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ جَلَّ جَلالُهُ الآنَ» لا يُوجَدُ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ.
وأمّا ما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في دُعاءِ الخارِجِ إلى الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِحَقِّ السّائِلِينَ عَلَيْكَ، وبِحَقِّ مَمْشايَ هَذا؛ فَإنِّي لَمْ أخْرُجْ أشَرًا ولا بَطَرًا ولا رِياءً ولا سُمْعَةً، ولَكِنْ خَرَجْتُ اتِّقاءَ سَخَطِكَ، وابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ أنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النّارِ، وأنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ»» فَفي سَنَدِهِ العَوْفِيُّ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُقالُ فِيهِ: إنَّ حَقَّ السّائِلِينَ عَلَيْهِ تَعالى أنْ يُجِيبَهُمْ، وحَقَّ الماشِينَ في طاعَتِهِ أنْ يُثِيبَهُمْ، والحَقُّ بِمَعْنى الوَعْدِ الثّابِتِ المُتَحَقَّقِ الوُقُوعِ فَضْلًا لا وُجُوبًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ .
وفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ: ««حَقُّ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقُّهم عَلَيْهِ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أنْ لا يُعَذِّبَهم»» فالسُّؤالُ حِينَئِذٍ بِالإثابَةِ والإجابَةِ، وهُما مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلِيَّةِ، والسُّؤالُ بِها مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ كالِاسْتِعاذَةِ في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبِمُعَفاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنكَ»» فَمَتى صَحَّتِ الِاسْتِعاذَةُ بِمُعافاتِهِ صَحَّ السُّؤالُ بِإثْباتِهِ وإجابَتِهِ.
وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ يَخْرُجُ سُؤالُ الثَّلاثَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ –بِأعْمالِهِمْ، عَلى أنَّ التَّوَسُّلَ بِالأعْمالِ مَعْناهُ التَّسَبُّبُ بِها لِحُصُولِ المَقْصُودِ، ولا شَكَّ أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ سَبَبٌ لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى لَنا، ولا كَذَلِكَ ذَواتُ الأشْخاصِ أنْفُسُها، والنّاسُ قَدْ أفْرَطُوا اليَوْمَ في الإقْسامِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَأقْسَمُوا عَلَيْهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - بِمَن لَيْسَ في العِيرِ ولا النَّفِيرِ، ولَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الجاهِ قَدْرُ قِطْمِيرٍ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهم يَطْلُبُونَ مِن أصْحابِ القُبُورِ نَحْوَ إشْفاءِ المَرِيضِ، وإغْناءِ الفَقِيرِ، ورَدِّ الضّالَّةِ، وتَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ، وتُوحِي إلَيْهِمْ شَياطِينُهم خَبَرَ «إذا أعْيَتْكُمُ الأُمُورُ» إلَخْ، وهو حَدِيثٌ مُفْتَرًى
صفحة 128
عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِإجْماعِ العارِفِينَ بِحَدِيثِهِ، لَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ، ولا يُوجَدُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَمَدَةِ.
وقَدْ نَهى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ اتِّخاذِ القُبُورِ مَساجِدَ، ولَعَنَ عَلى ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الأمْرُ بِالِاسْتِعانَةِ والطَّلَبِ مِن أصْحابِها؟! سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.
وعَنْ أبِي يَزِيدَ البِسْطامِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: اسِتْغاثَةُ المَخْلُوقِ بِالمَخْلُوقِ كاسْتِغاثَةِ المَسْجُونِ بِالمَسْجُونِ.
ومِن كَلامِ السَّجّادِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّ طَلَبَ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضِلَّةٌ في عَقْلِهِ.
ومِن دُعاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - «وبِكَ المُسْتَغاثُ».
«وقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: «إذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ تَعالى»» الخَبَرَ.
وقالَ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ أنا لا أرى بَأْسًا في التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِجاهِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حَيًّا ومَيِّتًا، ويُرادُ مِنَ الجاهِ مَعْنًى يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، مِثْلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَحَبَّةُ التّامَّةُ المُسْتَدْعِيَةُ عَدَمَ رَدِّهِ وقَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِ القائِلِ: إلَهِي أتَوَسَّلُ بِجاهِ نَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ تَقْضِيَ لِي حاجَتِي: إلَهِي اجْعَلْ مَحَبَّتَكَ لَهُ وسِيلَةً في قَضاءِ حاجَتِي، ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِكَ: إلَهِي أتَوَسَّلُ بِرَحْمَتِكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، إذْ مَعْناهُ أيْضًا: إلَهِي اجْعَلْ رَحْمَتَكَ وسِيلَةً في فِعْلِ كَذا.
بَلْ لا أرى بَأْسًا أيْضًا بِالإقْسامِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِجاهِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِهَذا المَعْنى، والكَلامُ في الحُرْمَةِ كالكَلامِ في الجاهِ، ولا يَجْرِي ذَلِكَ في التَّوَسُّلِ والإقْسامِ بِالذّاتِ البَحْتِ.
نَعَمْ، لَمْ يُعْهَدِ التَّوَسُّلُ بِالجاهِ والحُرْمَةِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ تَحاشِيًا مِنهم عَمّا يُخْشى أنْ يَعْلَقَ مِنهُ في أذْهانِ النّاسِ إذْ ذاكَ - وهم قَرِيبُو عَهْدٍ بِالتَّوَسُّلِ بِالأصْنامِ – شَيْءٌ، ثُمَّ اقْتَدى بِهِمْ مَن خَلَقَهم مِنَ الأئِمَّةِ الطّاهِرِينَ، وقَدْ «تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هَدْمَ الكَعْبَةِ وتَأْسِيسَها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ لِكَوْنِ القَوْمِ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ،» كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ.
وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ إنَّما هو لِدَفْعِ الحَرَجِ عَنِ النّاسِ، والفِرارِ مِن دَعْوى تَضْلِيلِهِمْ - كَما يَزَعُمُهُ البَعْضُ - في التَّوَسُّلِ بِجاهِ عَرِيضِ الجاهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا لِلْمَيْلِ إلى أنَّ الدُّعاءَ كَذَلِكَ أفْضَلُ مِنِ اسْتِعْمالِ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ الَّتِي جاءَ بِها الكِتابُ، وصَدَحَتْ بِها ألْسِنَةُ السُّنَّةِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَرِيبُ مُنْصِفٌ في أنَّ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ودَرَجَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ الكِرامُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وتَلَقّاهُ مَن بَعْدَهُمُ بِالقَبُولِ أفْضَلُ وأجْمَعُ وأنْفَعُ وأسْلَمُ، فَقَدْ قِيلَ ما قِيلَ، إنْ حَقًّا وإنْ كَذِبًا.
بَقِيَ ها هُنا أمْرانِ:
الأوَّلُ: إنَّ التَّوَسُّلَ بِجاهِ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – لا بَأْسَ بِهِ أيْضًا، إنْ كانَ المُتَوَسَّلُ بِجاهِهِ مِمّا عُلِمَ أنَّ لَهُ جاهًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، كالمَقْطُوعِ بِصَلاحِهِ ووِلايَتِهِ، وأمّا مَن لا قَطْعَ في حَقِّهِ بِذَلِكَ فَلا يُتَوَسَّلُ بِجاهِهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الحُكْمِ الضِّمْنِيِّ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما لَمْ يُعْلَمْ تَحَقُّقُهُ مِنهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - وفي ذَلِكَ جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: إنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا مِن دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأوْلِياءِ الأحْياءِ مِنهم والأمْواتِ، وغَيْرِهِمْ، مِثْلُ: يا سَيِّدِي فُلانُ أغِثْنِي، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّوَسُّلِ المُباحِ في شَيْءٍ، واللّائِقُ بِحالِ المُؤْمِنِ عَدَمُ التَّفَوُّهِ بِذَلِكَ، وأنْ لا يَحُومَ حَوْلَ حِماهُ، وقَدْ عَدَّهُ أُناسٌ مِنَ العُلَماءِ شِرْكًا، وإنْ لا يَكُنْهُ فَهو قَرِيبٌ مِنهُ، ولا أرى أحَدًا مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا وهو يَعْتَقِدُ أنَّ المَدْعُوَّ الحَيَّ الغائِبَ أوِ المَيِّتَ المُغَيَّبَ يَعْلَمُ الغَيْبَ أوْ يَسْمَعُ النِّداءَ، ويَقْدِرُ بِالذّاتِ أوْ بِالغَيْرِ عَلى جَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الأذى، وإلّا لَما دَعاهُ، ولا فَتَحَ فاهُ، وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ.
فالحَزْمُ التَّجَنُّبُ عَنْ ذَلِكَ، وعَدَمُ الطَّلَبِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، القَوِيِّ الغَنِيِّ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ، ومَن وقَفَ عَلى سِرِّ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في مُجْمَعِهِ مِن «أنَّهُ كانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُنافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقالَ الصِّدِّيقُ – رَضِيَ
صفحة 129
اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «قُومُوا بِنا نَسْتَغِيثْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن هَذا المُنافِقِ، فَجاءُوا إلَيْهِ، فَقالَ: إنَّهُ لا يُسْتَغاثُ بِي، إنَّما يُسْتَغاثُ بِاللَّهِ تَعالى»» لَمْ يَشُكَّ في أنَّ الِاسْتِغاثَةَ بِأصْحابِ القُبُورِ - الَّذِينَ هم بَيْنَ سَعِيدٍ شَغَلَهُ نَعِيمُهُ، وتَقَلُّبُهُ في الجِنانِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما في هَذا العالَمِ، وبَيْنَ شَقِيٍّ ألْهاهُ عَذابُهُ وحَبَسُهُ في النِّيرانِ عَنْ إجابَةِ مُنادِيهِ، والإصاخَةِ إلى أهْلِ نادِيهِ - أمْرٌ يَجِبُ اجْتِنابُهُ، ولا يَلِيقُ بِأرْبابِ العُقُولِ ارْتِكابُهُ.
ولا يَغُرَّنَّكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ بِمَخْلُوقٍ قَدْ تُقْضى حاجَتُهُ، وتَنْجَحُ طِلْبَتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ ابْتِلاءً وفِتْنَةً مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ -وقَدْ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ لِلْمُسْتَغِيثِ في صُورَةِ الَّذِي اسْتَغاثَ بِهِ، فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ كَرامَةً لِمَنِ اسْتَغاثَ بِهِ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، إنَّما هو شَيْطانٌ أضَلَّهُ وأغْواهُ، وزَيَّنَ لَهُ هَواهُ، وذَلِكَ كَما يَتَكَلَّمُ الشَّيْطانُ في الأصْنامِ لِيُضِلَّ عَبَدَتَها الطَّغامَ، وبَعْضُ الجَهَلَةِ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَطَوُّرِ رُوحِ المُسْتَغاثِ بِهِ، أوْ مِن ظُهُورِ مَلَكٍ بِصُورَتِهِ كَرامَةً لَهُ، ولَقَدْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ؛ لِأنَّ التَّطَوُّرَ والظُّهُورَ - وإنْ كانا مُمْكَنَيْنِ - لَكِنْ لا في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وعِنْدَ ارْتِكابِ هَذِهِ الجَرِيرَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى بِأسْمائِهِ أنْ يَعْصِمَنا مِن ذَلِكَ، ونَتَوَسَّلُ بِلُطْفِهِ أنْ يَسْلُكَ بِنا وبِكم أحْسَنَ المَسالِكِ.
﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ مَعَ أعْدائِكم بِما أمْكَنَكم.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِنَيْلِ نَعِيمِ الأبَدِ، والخَلاصِ مِن كُلِّ نَكَدٍ.
المائدة 5:36
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأوامِرِ السّابِقَةِ، وتَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في المُسارَعَةِ إلى تَحْصِيلِ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - قَبْلَ انْقِضاءِ أوانِهِ، بِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَوَسُّلِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما هو مِن أقْوى الوَسائِلِ إلى النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، فَضْلًا عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ ﴿لَوْ أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ إلَخْ، وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الحالِ ما لَيْسَ في قَوْلِنا: لِجَمِيعِهِمْ ﴿ما في الأرْضِ﴾ أيْ مِن أصْنافِ أمْوالِها وذَخائِرِها، وسائِرِ مَنافِعِها قاطِبَةً، وهو اسْمُ ( أنَّ ) و( لَهم ) خَبَرُها، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عِنْدَهُمْ، خَلا أنَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، لا حاجَةَ فِيهِ إلى الخَبَرِ؛ لِاشْتِمالِ صِلَتِها عَلى المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، وقَدِ اخْتَصَّتْ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يُؤَوَّلُ بِالِاسْمِ بِالوُقُوعِ بَعْدَ ( لَوْ ) وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا قَوْلانِ، وعِنْدَ الزَّجّاجِ والمُبَرِّدِ والكُوفِيِّينَ رُفِعَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: لَوْ ثَبَتْ لَهم مافِي الأرْضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ تَوْكِيدٌ لِلْمَوْصُولِ، أوْ حالٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِثْلَهُ﴾ بِالنَّصْبِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿مَعَهُ﴾ ظَرْفٌ وقَعَ حالًا مِنَ المَعْطُوفِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ - بِفَرْضِ كَيْنُونَتِهِما لَهم - بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ لا بِطَرِيقِ التَّعاقُبِ؛ تَحْقِيقًا لِكَمالِ فَظاعَةِ الأمْرِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ ( أنَّ ) وهو الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ في ( لَهم ) وبِالخَبَرِ المُقَدَّرِ عِنْدَ مَن يَراهُ، وبِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ ( لَوْ ) عِنْدَ الزَّجّاجِ ومَن نَحا نَحْوَهُ، قِيلَ: ولا رَيْبَ في أنَّ مَدارَ الِاقْتِداءِ بِما ذُكِرَ هو كَوْنُهُ لَهم لا ثُبُوتُ كَوْنِهِ لَهُمْ، وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، والباءُ في ( بِهِ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِافْتِداءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، ( ومِثْلَهُ مَعَهُ ) وتَوْحِيدُهُ لِكَوْنِهِما بِالمَعِيَّةِ شَيْئًا واحِدًا، أوْ لِإجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والعائِدُ إلى المَعْطُوفِ أعْنِي ( مِثْلَهُ ) مِثْلُهُ، وهو مَحْذُوفٌ، كَما حُذِفَ الخَبَرُ مِن ( قَيّارٍ ) في قَوْلِهِ:
ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ نُصِبَ ( ومِثْلَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، ناصِبُهُ الفِعْلُ المُقَدَّرُ بَعْدَ ( لَوْ ) تَفْرِيعًا عَلى رَأْيِ الزَّجّاجِ،
صفحة 130
ومَن رَأى رَأْيَهُ، وأمْرُ تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ؛ إذْ حُكْمُ الضَّمِيرِ بَعْدَ المَفْعُولِ مَعَهُ الإفْرادُ، وأجازَ الأخْفَشُ أنْ يُعْطى حُكْمَ المُتَعاطِفَيْنِ، فَيُثَنّى الضَّمِيرُ، وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: الصَّحِيحُ جَوازُهُ عَلى قِلَّةٍ، واعْتَرَضَ هَذا الوَجْهَ أبُو حَيّانَ؛ بِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مَعَ مِثْلِهِ ( مَعَهُ ) وإذا كانَ ما في الأرْضِ مَعَ مِثْلِهِ كانَ مِثْلُهُ مَعَهُ ضَرُورَةً، فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِ ( مَعَهُ ) مَعَهُ لِمُلازِمَةِ مَعِيَّةِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخَرِ، وأجابَ الطِّيبِيُّ بِأنَّ ( مَعَهُ ) عَلى هَذا تَأْكِيدٌ، وقالَ السَّفاقِسِيُّ: جَوابُهُ أنَّ التَّقْدِيرَ لَيْسَ كالتَّصْرِيحِ، و( الواوُ ) مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى مَعَ، وإنَّما يَقْبُحُ لَوْ صُرِّحَ بِـ( مَعَ ) وكَثِيرًا ما يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِخِلافِ التَّصْرِيحِ، كَقَوْلِهِمْ: رَبِّ شاةً وسَخْلَتَها، ولَوْ صَرَّحْتَ بِـ( رَبِّ ) فَقُلْتَ: ورَبِّ سَخْلَتَها لَمْ يَجْزِ، وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الضَّمِيرَ في ( مَعَهُ ) عائِدٌ عَلى ( مِثْلَهُ ) ويَصِيرُ المَعْنى: مَعَ مِثْلَيْنِ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يَكُونَ مَعَ مِثْلٍ واحِدٍ، نَعَمْ، إنَّ كَوْنَ العامِلِ ( ثَبَتَ ) لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ العامِلَ في المَفْعُولِ مَعَهُ هو العامِلُ في المُصاحِبِ لَهُ، كَما صَرَّحُوا بِهِ، وهو هُنا ( ما ) أوْ ضَمِيرُها، وشَيْءٌ مِنهُما لَيْسَ عامِلًا فِيهِ ( ثَبَتَ ) المُقَدَّرُ، وأمّا صِحَّتُهُ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ لَهم أوْ مُتَعَلِّقِهِ - عَلى ما قِيلَ - فَمُمْتَنِعٌ أيْضًا عَلى ما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: وأمّا: هَذا لَكَ وأباكَ فَقَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِعْلٌ، ولا حَرْفٌ فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ، حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالفِعْلِ، فَإنَّ فِيهِ تَصْرِيحًا بِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ، وحَرْفَ الجَرِّ، والظَّرْفَ لا تَعْمَلُ في المَفْعُولِ مَعَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِداءِ أيْضًا، أيْ لَوْ أنَّ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ لَهم لِيَجْعَلُوهُ فَدِيَةً لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ الواقِعِ ذَلِكَ اليَوْمَ.
﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ ذَلِكَ، وهو جَوابُ ( لَوْ ) وتَرْتِيبُهُ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - عَلى ذَلِكَ لَهم لِأجْلِ افْتِدائِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الِافْتِداءِ، بِأنْ يُقالَ: ( وافْتَدَوْا بِهِ ) مَعَ أنَّ الرَّدَّ والقَبُولَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا عَلى مَبادِيهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، غَنِيٌّ عَنِ الذِّكْرِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى الفَرْضِ قُدْرَتُهم عَلى ما ذُكِرَ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ الرَّدِّ، وتَخْيِيلِ أنَّهُ وقَعَ قَبْلَ الِافْتِداءِ عَلى مِنهاجِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقِلُّ: فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ، إلَخْ، وما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ مِن غَيْرِ ذِكْرِ خُرُوجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِنَّ ورُؤْيَتِهِنَّ لَهُ.
وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّما لَمْ يُكْتَفَ بِقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ يَفْتَدُونَ بِما في الأرْضِ جَمِيعًا مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ؛ لِأنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ يُفِيدُ أنَّهم لَوْ حَصَّلُوا ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ، وكانُوا خائِفِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وحَفِظُوا الفِدْيَةَ وتَفَكَّرُوا في الِافْتِداءِ ورِعايَةِ أسْبابِهِ - كَما هو شَأْنُ مَن هو بِصَدَدِ أمْرٍ - ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْ تَحْصِيلِ الفِدْيَةِ وقَصَدُوا الفِدْيَةَ فَجْأةً، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ ويَفْتَدُونَ بِهِ ما تُقُبِّلَ إلَخْ، والجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ بِحالِها خَبَرُ: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وهي كِنايَةٌ عَنْ لُزُومِ العَذابِ لَهُمْ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ، فَإنَّ لُزُومَ العَذابِ مِن لَوازِمِهِ أنَّ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لَوِ افْتَدَوْا بِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُمْ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ - بَلْ هَذِهِ المُلازَمَةُ - لازِمَةً لِلُزُومِ العَذابِ عُبِّرَ عَنْها بِها.
وأطْلَقَ بَعْضُهم عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَمْثِيلًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ - عَلى ما ذَكَرَهُ القُطْبُ - ما ذَكَرَهُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ، بَلْ إيرادُ مِثالٍ وحُكْمٍ يُفْهَمُ مِنهُ لُزُومُ العَذابِ لَهُمْ، أيْ: لَمْ يُقْصَدْ بِهَذا الكَلامِ إثْباتُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، بَلِ انْتِقالُ الذِّهْنِ مِنهُ إلى هَذا المَعْنى، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يُقالُ لَهُ: كِنايَةٌ، ويُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ الِاصْطِلاحِيِّ بِأنْ يُقالَ: إنَّ حالَهم في حالِ التَّفَصِّي عَنِ العَذابِ بِمَنزِلَةِ حالِ مَن يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ الأمْرُ الجَسِيمُ، ويُحاوِلُ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنَ العَذابِ، فَلا يُتَقَبَّلُ مِنهُ ولا يَتَخَلَّصُ.
صفحة 131
﴿ولِهَمِّ عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَطْفًا عَلى خَبَرِ ( إنَّ ) وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( إنَّ الَّذِينَ ) فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مِثْلَهُ، وفائِدَةُ الجُمْلَةِ التَّصْرِيحُ بِالمَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ وبَيانِ هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ بِها الإيذانُ بِأنَّهُ كَما لا يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ عَذابُهم لا يُخَفَّفُ، بَلْ لَهم بَعْدُ عَذابٌ في كَمالِ الإيلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
المائدة 5:37
﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ فَإنَّهُ لِإفادَةِ أنَّهُ كَما لا يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ الِافْتِداءِ عَذابُهم لا يَنْدَفِعُ دَوامُهُ، ولا يَنْفَصِلُ، وهو - عَلى ما تَقَدَّمَ - اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في أثْناءَ مُكابَدَةِ العَذابِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُمْ؟ أوْ ماذا يَصْنَعُونَ؟ فَقِيلَ: ( يُرِيدُونَ ) إلَخْ.
وقَدْ بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ أنَّ عَذابَهم عَذابُ النّارِ، والإرادَةُ – قِيلَ - عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ، وذَلِكَ أنَّهم يَرْفَعُهم لَهَبُ النّارِ، فَيُرِيدُونَ الخُرُوجَ، وأنّى بِهِ! ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: الإرادَةُ بِمَعْنى التَّمَنِّي، أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المَعْنى يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنها لِقُوَّتِها وزِيادَةِ رَفْعِها إيّاهُمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ يَكادُ ويُقارِبُ، لا يُقالُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا الخُرُوجَ مِنَ النّارِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالخُلُودِ؟ لِأنّا نَقُولُ: الهَوْلُ يَوْمَئِذٍ يُنْسِيهِمْ ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ النِّسْيانِ يُقالُ: العِلْمُ بِعَدَمِ حُصُولِ الشَّيْءِ لا يَصْرِفُ عَنْ إرادَتِهِ، كَما أنَّ العِلْمَ بِالحُصُولِ كَذَلِكَ، فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الإرادَةِ حُسْنُ الشَّيْءِ والحاجَةُ إلَيْهِ.
﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( يُرِيدُونَ ) أوِ اعْتِراضٌ وأيّا ما كانَ فَإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ مُصَدِّرَةً بِـ( ما ) الحِجازِيَّةِ الدّالَّةِ - بِما في حَيِّزِها مِنَ الباءِ - عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ خُرُوجِهِمْ مِنها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ - كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ - كَما تُفِيدُ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الثُّبُوتِ، تُفِيدُ السَّلْبِيَّةَ أيْضًا بِمَعُونَةِ دَوامِ النَّفْيِ لا نَفْيِ الدَّوامِ.
وقَرَأ أبُو واقِدٍ: ( أنْ يُخْرَجُوا ) بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مِنَ الإخْراجِ، ويَشْهَدُ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ( بِخارِجِينَ ) دُونَ ( بِمُخْرَجِينَ ) وهَذِهِ الآيَةُ - كَما تَرى - في حَقِّ الكُفّارِ، فَلا تُنافِي القَوْلَ بِالشَّفاعَةِ لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ في الخُرُوجِ مِنها، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى إيمانٍ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، قالَ يَزِيدُ الفَقِيرُ: فَقُلْتُ لِجابِرٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ) قالَ: اتْلُ أوَّلَ الآيَةِ: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ ) ألا إنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ( وما هم بِخارِجِينَ مِنها )؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ويْحَكَ! اقْرَأْ ما فَوْقَها، هَذِهِ لِلْكُفّارِ.
ورِوايَةُ أنَّهُ قالَ لَهُ: يا أعْمى البَصَرِ، أعْمى القَلْبِ، تَزْعُمُ إلَخْ، حَكاها الزَّمَخْشَرِيُّ، وشَنَّعَ إثْرَها عَلى أهْلِ السُّنَّةِ، ورَماهم بِالكَذِبِ والِافْتِراءِ، فَحَقِّقْ ما قِيلَ:
رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ
ولَسْنا مُضْطَرِّينَ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا وقَفَ اللَّهُ تَعالى صِحَّةَ العَقِيدَةِ عَلى صِحَّتِها، فَكَمْ لَنا مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ شاهِدٍ عَلى حَقِيقَةِ ما نَقُولُ وبُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، تَبًّا لَهم.
﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ تَناهِي مُدَّةِ العَذابِ بَعْدَ بَيانِ شِدَّتِهِ، أيْ عَذابٌ دائِمٌ ثابِتٌ، لا يَزُولُ ولا يَنْتَقِلُ أبَدًا.
المائدة 5:38
﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ السَّرِقَةِ الصُّغْرى، بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ الكُبْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ اقْتِضاءِ الحالِ لِإيرادِ ما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ المَقالِ، والكَلامُ جُمْلَتانِ - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - إذِ التَّقْدِيرُ:
صفحة 132
فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ - السّارِقُ والسّارِقَةُ - أيْ حُكْمُهُما، وجُمْلَةٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِالنَّصْبِ، وفَضَّلَها سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ العامَّةِ لِأجْلِ الأمْرِ؛ لِأنَّ ( زَيْدًا فَأضْرِبُهُ ) أحْسَنُ مِن ( زَيْدٌ فَأضْرِبُهُ )، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ واتَّبَعَهُ مَنِ تَبِعَهُ، ومِنهُمُ ابْنُ الحاجِبِ.
وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ أحْمَدُ في الِانْتِصافِ بِكَلامٍ كُلُّهُ مَحاسِنُ، فَلا بَأْسَ في نَقْلِهِ بِرُمَّتِهِ فَنَقُولُ:
قالَ فِيهِ: المُسْتَقْرَأُ مِن وُجُوهِ القِراءاتِ أنَّ العامَّةَ لا تَتَّفِقُ فِيها أبَدًا عَلى العُدُولِ عَنِ الأفْصَحِ، وجَدِيرٌ بِالقُرْآنِ أنْ يُحْرِزَ أفْصَحَ الوُجُوهِ، وأنْ لا يَخْلُوَ مِنَ الأفْصَحِ ويَشْتَمِلَ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ أحَدٌ مِنهم إلى ذُرْوَةِ فَصاحَتِهِ، ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِأهْدابِها، وسِيبَوَيْهِ يُحاشِي مِنِ اعْتِقادِ عَراءِ القُرْآنِ عَنِ الأفْصَحِ واشْتِمالِ الشّاذِّ - الَّذِي لا يُعَدُّ مِنَ القُرْآنِ عَلَيْهِ - ونَحْنُ نُورِدُ الفَصْلَ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ لِيَتَّضِحَ لِسامِعِهِ بَراءَةُ سِيبَوَيْهِ مِن عُهْدَةِ هَذا النَّقْلِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ في تَرْجَمَةِ بابِ الأمْرِ والنَّهْيِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ المَواضِعَ الَّتِي يُخْتارُ فِيها النَّصْبُ ولَخَّصَها: إنَّهُ مَتى بُنِيَ الِاسْمُ عَلى فِعْلِ الأمْرِ فَذاكَ مَوْضِعُ اخْتِيارِ النَّصْبِ، ثُمَّ قالَ - كالمُوَضِّحِ لِامْتِيازِ هَذِهِ الآيَةِ عَمّا اخْتارَ فِيهِ النَّصْبَ -: وأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ( ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ ) فَإنَّ هَذا لَمْ يُبْنَ عَلى الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى مِثالِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ( ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ ) ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ( فِيها أنْهارٌ ) مِنها كَذا، يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ تَمْيِيزَ هَذِهِ الآيَ عَنِ المَواضِعِ الَّتِي بَيَّنَ اخْتِيارَ النَّصْبِ فِيها، ووَجْهُ التَّمْيِيزِ أنَّ الكَلامَ حَيْثُ يُخْتارُ النَّصْبُ يَكُونُ الِاسْمُ فِيهِ مَبْنِيًّا عَلى الفِعْلِ، وأمّا في هَذِهِ الآيِ فَلَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَيْهِ، فَلا يَلْزَمُ فِيهِ اخْتِيارُ النَّصْبِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما وُضِعَ المَثَلُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، فَذَكَرَ أخْبارًا وقَصَصًا، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ القَصَصِ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) فَهو مَحْمُولٌ عَلى هَذا الإضْمارِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وكَذَلِكَ ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ لَمّا قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها﴾ قالَ جَلَّ وعَلا في جُمْلَةِ الفَرائِضِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ ثُمَّ جاءَ ﴿فاجْلِدُوا﴾ بَعْدَ أنْ مَضى فِيهِما الرَّفْعُ، يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ مَبْنِيًّا عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ، بَلْ بُنِيَ عَلى مَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ، وجاءَ الفِعْلُ طارِئًا، ثُمَّ قالَ: كَما جاءَ:
وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ
فَجاءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ عَمِلَ فِيهِ المُضْمَرُ، وكَذَلِكَ ( والسّارِقُ والسّارِقَةُ ) فِيما فُرِضَ عَلَيْكُمُ ( السّارِقُ والسّارِقَةُ ) وإنَّما دَخَلَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بَعْدَ قَصَصٍ وأحادِيثَ، وقَدْ قَرَأ أُناسٌ: ( السّارِقَ والسّارِقَةَ ) بِالنَّصْبِ، وهو في العَرَبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ القُوَّةِ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَّفْعَ، يُرِيدُ إنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ جاءَ الِاسْمُ فِيها مَبْنِيًّا عَلى الفِعْلِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى مُتَقَدِّمٍ، فَكانَ النَّصْبُ قَوِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّفْعِ، حَيْثُ يُبْنى الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ لا عَلى مُتَقَدِّمٍ، ولَيْسَ يَعْنِي أنَّهُ قَوِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّفْعِ، حَيْثُ يَعْتَمِدُ الِاسْمُ عَلى المَحْذُوفِ المُتَقَدِّمِ، فَإنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنِ البابِ الَّذِي يُخْتارُ فِيهِ النَّصْبُ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ عَنْهُ تَرْجِيحُهُ عَلَيْهِ؟! والبابُ مَعَ القَرائِنِ مُخْتَلَفٌ، وإنَّما يَقَعُ التَّرْجِيحُ بَعْدَ التَّساوِي في البابِ، فالنَّصْبُ أرْجَحُ مِنَ الرَّفْعِ، حَيْثُ يُبْنى الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ، والرَّفْعُ مُتَعَيَّنٌ، لا أقُولُ أرْجَحُ، حَيْثُ يُبْنى الِاسْمُ عَلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وإنَّما التَبَسَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، مِن حَيْثُ اعْتَقَدَ أنَّهُ بابٌ واحِدٌ عِنْدَهُ، ألا تُرى إلى قَوْلِهِ: لِأنَّ ( زَيْدًا فَأضْرِبُهُ ) أحْسَنُ مِن ( زَيْدٌ فَأضْرِبُهُ ) كَيْفَ رَجَّحَ النَّصْبَ عَلى الرَّفْعِ، حَيْثُ يُبْنى الكَلامُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الفِعْلِ.
وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ بِأنَّ الكَلامَ في الآيَةِ - مَعَ الرَّفْعِ - مَبْنِيٌّ عَلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، ثُمَّ حَقَّقَ هَذا المُقَدَّرَ بِأنَّ الكَلامَ واقِعٌ بَعْدِ قَصَصٍ وأخْبارٍ، ولَوْ كانَ كَما ظَنَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَحْتَجْ سِيبَوَيْهِ إلى تَقْدِيرٍ، بَلْ كانَ يَرْفَعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، ويَجْعَلُ الأمْرَ خَبَرَهُ، كَما أعْرَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فالمُلَخَّصُ عَلى
صفحة 133
هَذا أنَّ النَّصْبَ عَلى وجْهٍ واحِدٍ، وهو بِناءُ الِاسْمِ عَلى فِعْلِ الأمْرِ، والرَّفْعَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ضَعِيفٌ وهو الِابْتِداءُ وبَناءُ الكَلامِ عَلى الفِعْلِ، والآخَرُ قَوِيٌّ بالِغٌ كَوَجْهِ النَّصْبِ وهو رَفْعُهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وإذا تَعارَضَ لَنا وجْهانِ في الرَّفْعِ أحَدُهُما قَوِيٌّ والآخَرُ ضَعِيفٌ تَعَيَّنَ حَمْلُ القِراءَةِ عَلى القَوِيِّ، كَما أعْرَبَهُ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ - انْتَهى.
والفاءُ إذا بُنِيَ الكَلامُ عَلى جُمْلَتَيْنِ سَبَبِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وكَذا عَلى الوَجْهِ الضَّعِيفِ، فَإنَّ المُبْتَدَأ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، إذِ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ.
وزَعَمَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ لا يَتَوَجَّهُ إلّا بِأحَدِ أمْرَيْنِ: زِيادَةُ الفاءِ، كَما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ، أوْ تَقْدِيرُ ( أمّا )؛ لِأنَّ دُخُولَ الفاءِ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ إمّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وإمّا لِوُقُوعِ المُبْتَدَأِ بَعْدَ ( أمّا ) ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأوَّلُ وجَبَ الثّانِي، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وعَلى قِراءَةِ عِيسى بْنِ عُمَرَ يَكُونُ النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، والفاءُ أيْضًا - كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ - لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذا حَسُنَتْ مَعَ الأمْرِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ، ألا تَراهُ جُزِمَ جَوابُهُ لِذَلِكَ، إذْ مَعْنى ( أسْلِمْ تَدْخُلِ الجَنَّةَ ) ( إنْ تُسْلِمْ تَدَخُلِ الجَنَّةَ ).
والمُرادُ - كَما يُشِيرُ إلَيْهِ بَعْضُ شُرُوحِ الكَشّافِ -: إنْ أرَدْتُمْ حُكْمَ السّارِقِ والسّارِقَةِ فاقْطَعُوا إلَخْ، ولِذا لَمْ يَجُزْ ( زَيْدًا فَضَرَبْتُهُ ) لِأنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ في جَوابِ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا، وتَقْدِيرُهُ: ( إنْ أرَدْتُمْ مَعْرِفَةَ ) إلَخْ، أحْسَنُ مِن تَقْدِيرِهِ: ( إنْ قَطَعْتُمْ ) لِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ المُرادِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الفاءَ في جَوابِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَنَبَّهْ لِحُكْمِهِما ( فاقْطَعُوا )، وقِيلَ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ؛ لِأنَّ حَقَّ المُفَسِّرِ أنْ يُذْكَرَ عَقِبَ المُفَسَّرِ كالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وبِما ذَكَرَ صاحِبُ الِانْتِصافِ يُعْلَمُ فَسادُ ما قِيلَ: إنَّ سَبَبَ الخِلافِ السّابِقِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلَ يَشْتَرِطانِ في دُخُولِ الفاءِ الخَبَرَ كَوْنَ المُبْتَدَأِ مَوْصُولًا بِما يَقْبَلُ مُباشَرَةَ أداةِ الشَّرْطِ، وغَيْرُهُما لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ هَذا عَدَمُ الوُقُوفِ عَلى المَقْصُودِ، فَلْيُحْفَظْ.
والسَّرِقَةُ أخْذُ مالِ الغَيْرِ خُفْيَةً، وإنَّما تُوجِبُ القَطْعَ إذا كانَ الأخْذُ مِن حِرْزٍ، والمَأْخُوذُ يُساوِي عَشَرَةَ دَراهِمَ فَما فَوْقَها، مَعَ شُرُوطٍ تَكَفَّلَتْ بِبَيانِها الفُرُوعُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ والأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ والإمامِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ القَطْعَ فِيما يُساوِي رُبُعُ دِينارِ فَصاعِدًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تُقْطَعُ الخَمْسُ إلّا بِخَمْسَةِ دَراهِمَ، واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، قِيلَ: يَجِبُ القَطْعُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الخَوارِجُ، والمُرادُ بِالأيْدِي الأيْمانُ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وعامَّةِ التّابِعِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ( أيْمانَهُما ) ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ، كَذا قالُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: وحَقِيقَةُ هَذا البابِ أنَّ ما كانَ في الشَّيْءِ مِنهُ واحِدٌ لَمْ يُثَنَّ، ولَفْظُ ( بِهِ ) عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ تُبَيِّنُهُ، فَإذا قُلْتَ: أشْبَعْتُ بُطُونَهُما، عُلِمَ أنَّ لِلِاثْنَيْنِ بَطْنَيْنِ فَقَطْ.
وفَرَّعَ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ عَدَمَ اسْتِقامَةِ تَشْبِيهِ ما في الآيَةِ هُنا بِما في الآيَةِ الأُخْرى؛ لِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ السّارِقِ يَدَيْنِ فَيَجُوزُ الجَمْعُ، وأنْ تُقْطَعَ الأيْدِي كُلُّها مِن حَيْثُ ظاهِرُ اللُّغَةِ، وكَذا قالَ أبُو حَيّانَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ اليَدِ يَدٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي اليَمِينُ، فَجَرَتْ مَجْرى القَلْبِ والظَّهْرِ، واليَدُ اسْمٌ لِتَمامِ العُضْوِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والإمامِيَّةُ عَلى أنَّهُ يُقْطَعُ مِن أُصُولِ الأصابِعِ، ويُتْرَكُ لَهُ الإبْهامُ والكَفُّ، ورْوَرَهُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ إذْ لا شَكَّ في أنَّهم إنَّما يَكْتُبُونَهُ بِالأصابِعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ المُدَّعى، وحالُ رِوايَتِهِمْ
صفحة 134
أظْهَرُ مِن أنْ تُخْفى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَقْطَعَ هو الرُّسْغُ.
فَقَدْ أخْرَجَ البَغَوِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ مِن حَدِيثِ الحارِثِ بْنِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ««أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ»».
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فاقْطَعُوا ) عَلى ما في البَحْرِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ وُلاةُ الأُمُورِ كالسُّلْطانِ، ومَن أُذِنَ لَهُ في إقامَةِ الحُدُودِ، أوِ القُضاةُ والحُكّامُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، ولَمْ تُدْرَجِ السّارِقَةُ في السّارِقِ تَغْلِيبًا - كَما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِهِ - لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالبَيانِ، والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ.
﴿جَزاءً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ فاقْطَعُوا لِلْجَزاءِ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ( اقْطَعُوا ) مِن مَعْناهُ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( اقْطَعُوا ) مُجازِينَ لَهُما ﴿بِما كَسَبا﴾ بِسَبَبِ كَسْبِهِما، أوْ ما كَسَباهُ مِنَ السَّرِقَةِ الَّتِي تُباشَرُ بِالأيْدِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَكالا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْضًا، كَما قالَ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ، وقالَ السَّمِينُ: مَنصُوبٌ كَما نُصِبَ ( جَزاءً ) واعْتُرِضَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ لَهُ لا يَتَعَدَّدُ بِدُونِ عَطْفٍ وإتْباعٍ؛ لِأنَّهُ عَلى مَعْنى اللّامُ، فَيَكُونُ كَتَعَلُّقِ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى بِعامِلٍ واحِدٍ وهو مَمْنُوعٌ، ودُفِعَ بِأنَّ النَّكالَ نَوْعٌ مِنَ الجَزاءِ، فَهو بَدَلٌ مِنهُ، وقالَ الحَلَبِيُّ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ إنَّما تُرِكَ العَطْفُ؛ إشْعارًا بِأنَّ القَطْعَ لِلْجَزاءِ، والجَزاءَ لِلنَّكالِ والمَنعِ عَنِ المُعاوَدَةِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ مُتَداخِلًا كالحالِ المُتَداخِلَةِ، وبِهِ أيْضًا يَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ، وهو حَسَنٌ.
وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّما لَمْ يُعْطَفْ؛ لِأنَّ العِلَّةَ مَجْمُوعُهُما كَما في ( هَذا حُلْوٌ حامِضٌ ) والجَزاءُ إشارَةٌ إلى أنَّ فِيهِ حَقَّ العَبْدِ، والنَّكالُ إشارَةٌ إلى أنَّ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَتَأمَّلْ.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّهُ أجازَ تَعَدُّدَ المَفْعُولِ لَهُ بِلا إتْباعٍ، وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ السُّؤالُ رَأْسًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( نَكالًا ) أيْ نَكالًا كائِنًا مِنهُ تَعالى.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في شَرْعِ الرَّدْعِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في إيجابِ القَطْعِ، أوْ عَزِيزٌ في انْتِقامِهِ مِنَ السّارِقِ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ المَعاصِي، حَكِيمٌ في فَرائِضِهِ وحُدُودِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
ومِنَ الغَرِيبِ أنَّهُ نُقِلَ عَنْ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – أنَّهُ قَرَأ: ( والسَّرَّقُ والسَّرَّقَةُ ) بِتَرْكِ الألْفِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَصْحِيفٌ؛ لِأنَّ السّارِقَ والسّارِقَةَ قَدْ كُتِبا في المُصْحَفِ بِدُونِ الألِفِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِهِما أنَّهُما جَمْعُ سارِقٍ وسارِقَةٍ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُنْقُلْ هَذا الجَمْعُ في جَمْعِ المُؤَنَّثِ، فَلَوْ قِيلَ: إنَّهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لَكانَ أقْرَبَ.
واعْتَرَضَ المُلْحِدُ المِعَرِّي عَلى وُجُوبِ قَطْعِ اليَدِ بِسَرِقَةِ القَلِيلِ فَقالَ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبُعِ دِينارٍ
تَحَكُّمٌ ما لَنا إلّا السُّكُوتُ لَهُ ∗∗∗ وأنْ نَعُوذَ بِمَوْلانا مِنَ النّارِ
فَأجابَهُ - ولِلَّهِ دُرُّهُ - عَلَمُ الدِّينِ السَّخاوِيُّ بِقَوْلِهِ:
عِزُّ الأمانَةِ أغْلاها وأرْخَصُها ∗∗∗ ذُلُّ الخِيانَةِ فافْهَمْ حِكْمَةَ البارِي
وفِي الأحْكامِ لِابْنِ عَرَبِيٍّ أنَّهُ كانَ جَزاءُ السّارِقِ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا اسْتِرْقاقُهُ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – ونُسِخَ، فَعَلى الأوَّلِ شَرْعُنا ناسِخٌ لِما قَبْلَهُ، وعَلى الثّانِي مُؤَكِّدٌ لِلنَّسْخِ.
المائدة 5:39
﴿فَمَن تابَ﴾ مِنَ السُّرّاقِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الَّذِي هو سَرِقَتُهُ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِبَيانِ عِظَمِ نِعْمَتِهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ عِظَمِ جِنايَتِهِ ﴿وأصْلَحَ﴾ أمْرَهُ بِالتَّفَصِّي عَنِ التَّبِعاتِ، بِأنْ يَرُدَّ مالَ السَّرِقَةِ إنْ أمْكَنَ، أوْ يَسْتَحِلَّ لِنَفْسِهِ مِن مالِكِهِ،
صفحة 135
أوْ يُنْفِقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إنْ جَهِلَهُ، وقِيلَ: المَعْنى وفَعَلَ الفِعْلَ الصّالِحَ الجَمِيلَ، بِأنِ اسْتَقامَ عَلى التَّوْبَةِ، كَما هو المَطْلُوبُ مِنهُ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ، وأمّا القَطْعُ فَلا يُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ عِنْدَنا؛ لِأنَّ فِيهِ حَقَّ المَسْرُوقِ مِنهُ، ويُسْقِطُهُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن تَرْغِيبِ العاصِي بِالتَّوْبَةِ، وأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهو في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ تَفَضُّلٌ مِنهُ تَعالى.
المائدة 5:40
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ، واتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ - عَلى ما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ -: اتِّصالُ الحِجاجِ والبَيانِ عَنْ صِحَّةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: المُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ما سَيَأْتِي مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ، أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ، والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ، المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما، وفِيما اشْتَمَلا عَلَيْهِ إيجادًا وإعْدامًا، إحْياءً وإماتَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مُلْكُ السَّماواتِ ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ( أنَّ ) وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ( تَعْلَمْ ) عِنْدَ الجُمْهُورِ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ إمّا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ سُبْحانَهُ، وإمّا خَبَرٌ آخَرُ لِـ( أنَّ ) وكانَ الظّاهِرُ لِحَدِيثِ: ««سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضْبِي»» تَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ، وإنَّما عُكِسَ هُنا لِأنَّ التَّعْذِيبَ لِلْمُصِرِّ عَلى السَّرِقَةِ، والمَغْفِرَةَ لِلتّائِبِ مِنها، وقَدْ قُدِّمَتِ السَّرِقَةُ في الآيَةِ أوَّلًا ثُمَّ ذُكِرَتِ التَّوْبَةُ بَعْدَها فَجاءَ هَذا اللّاحِقُ عَلى تَرْتِيبِ السّابِقِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالتَّعْذِيبِ القَطْعُ، وبِالمَغْفِرَةِ التَّجاوُزُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ في الدُّنْيا، والثّانِي في الآخِرَةِ، فَجِيءَ بِهِ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، أوْ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الوَعِيدِ، أوْ لِأنَّ المَقْصُودَ وصْفُهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ، والقُدْرَةُ في تَعْذِيبِ مَن يَشاءُ أظْهَرُ مِنَ القُدْرَةِ في مَغْفِرَتِهِ؛ لِأنَّهُ لا إباءَ في المَغْفِرَةِ مِنَ المَغْفُورِ، وفي التَّعْذِيبِ إباءٌ بَيِّنٌ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ووَجْهُ الإظْهارِ كالنَّهارِ
المائدة 5:41
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ خُوطِبَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلتَّشْرِيفِ، والإشْعارِ بِما يُوجِبُ عَدَمَ الحُزْنِ، والمُرادُ بِالمُسارَعَةِ في الشَّيْءِ الوُقُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ ورَغْبَةٍ، وإيثارُ كَلِمَةِ ( في ) عَلى ( إلى ) لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في الكُفْرِ لا يَبْرَحُونَ، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ بِالمُسارَعَةِ عَنْ بَعْضِ فُنُونِهِ وأحْكامِهِ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها، كَإظْهارِ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، وإبْرازِ آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ إلى مَدارِ الحُزْنِ، وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكَفَرَةِ عَنْ أنْ يُحْزِنُوهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ التَّأثُّرِ مِن ذَلِكَ والمُبالاةِ، والغَرَضُ مِنهُ مُجَرَّدُ التَّسْلِيَةِ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدِهِ؛ فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وقَطْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ.
وقُرِئَ: ( يُحْزِنْكَ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن ( أحْزَنَ ) وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ: ( يُسْرِعُونَ ) يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ أيْ: وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا، أيْ لا تَحْزَنْ ولا تُبالِ بِتَهافُتِهِمْ في الكُفْرِ بِسُرْعَةٍ حَذَرًا - كَما قِيلَ - مِن شَرِّهِمْ ومُوالاتِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ،
صفحة 136
فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ، أوْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلْهِدايَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمُسارِعِينَ في الكُفْرِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ( يُسارِعُونَ ) أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: كائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ إلَخْ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( قالُوا ) لا بِـ( آمَنّا ) لِظُهُورِ فَسادِهِ، وتَعَلُّقُها بِهِ عَلى مَعْنى: بِذِي أفَواهِهِمْ أيْ: يُؤْمِنُونَ بِما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، مِن غَيْرِ أنْ تَلْتَفَّ بِهِ قُلُوبُهم مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ.
﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( قالُوا )، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا ) وبِهِ تَمَّ تَقْسِيمُ المُسارِعِينَ إلى قِسْمَيْنِ: مُنافِقِينَ ويَهُودَ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم سَمّاعُونَ، والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ لِلَّذِينَ يُسارِعُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ هادُوا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُخِلٌّ بِعُمُومِ الوَعِيدِ الآتِي ومَبادِيهِ لِلْكُلِّ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وكَذا جَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ ( ومِنَ الَّذِينَ ) إلَخْ، خَبَرًا عَلى أنَّ ( سَمّاعُونَ ) صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ومِنهم قَوْمٌ سَمّاعُونَ لِأدائِهِ، إلى اخْتِصاصِ ما عُدِّدَ مِنَ القَبائِحِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الغَوائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِهِمْ، عَلى أنَّهُ قَدْ قُرِئَ ( سَمّاعِينَ ) بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ، وهو ظاهِرٌ في أرْجَحِيَّةِ العَطْفِ، فالوَجْهُ ذَلِكَ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقِيلَ: لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ، أيْ قابِلُونَ لِما يَفْتَرِيهِ الأحْبارُ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَحْرِيفِ كِتابِهِ، واعْتَرَضَهُ الشِّهابُ بِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ إنَّما فُسِّرَ بِالقَبُولِ لِيُعَدِّيَهُ بِاللّامِ.
وقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لا تَسْمَعْ مِن فُلانٍ أيْ لا تَقْبَلْ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ تَقَبَّلَ مِنهُ حَمْدَهُ، وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُخالِفُهُ أيْضًا، ويَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى التَّضْمِينِ، وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ القَبُولَ أيْضًا مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، فَفي القامُوسِ: قَبِلَهُ كَعَمِلَهُ وتَقَبَّلَهُ بِمَعْنى أخَذَهُ، نَعَمْ، يَتَعَدّى السَّماعُ - بِمَعْنى القَبُولِ - بِاللّامِ بِمَعْنى ( مِن ) كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ قَبِلَ اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ حَمِدَهُ، لَكِنْ هَذِهِ اللّامُ تَدْخُلُ عَلى المَسْمُوعِ مِنهُ لا المَسْمُوعِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ سَمّاعُونَ كَلامَكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ فِيهِ، بِأنْ يَمْسَخُوهُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، أوْ كَلامَ النّاسِ الدّائِرِ فِيما بَيْنَهم لِيَكْذِبُوا بِأنْ يَرْجُفُوا بِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ وانْكِسارِ سَراياهُمْ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ ضَرَرٌ بِهِمْ، وأيّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ - عَلى ما قِيلَ - مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، أوْ مَسُوقَةٌ لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ، كَما يَقْتَضِيهِ قِراءَةُ النَّصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ لِلْأوَّلِ، ومُبَيِّنُ لِما هو المُرادُ بِالكَذِبِ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْوِيَةِ والتَّضْمِينِ، واللّامُ هُنا مِثْلُها في ( سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ ) والمَعْنى: مُبالِغُونَ في قَبُولِ كَلامِ قَوْمٍ آخَرِينَ، واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.
وجُوِّزَ كَوْنُها لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ سَمّاعُونَ كَلامَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الصّادِرَ مِنهُ؛ لِيَكْذِبُوا عَلَيْهِ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ، والمُرادُ أنَّهم عُيُونٌ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأُولَئِكَ القَوْمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ، واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، ولَيْسَ في النَّظْمِ ما يَأْباهُ، ولا بُعْدَ فِيهِ.
نَعَمْ، ما قِيلَ مِن أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِالكَذِبِ عَلى أنَّ ( سَمّاعُونَ ) الثّانِيَ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ بِمَعْنى: ( سَمّاعُونَ لِيَكْذِبُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَ ) بَعِيدٌ، و( آخَرِينَ ) صِفَةٌ لِـ( قَوْمٍ ) وجُمْلَةُ ( لَمْ يَأْتُوكَ ) صِفَةٌ أُخْرى، والمَعْنى لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَكَ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَهُ، وفَرْطِ عَدَواتِهِمْ، واحْتِمالُ كَوْنِها صِفَةَ
صفحة 137
( سَمّاعُونَ ) أيْ ( سَمّاعُونَ ) لَمْ يَقْصِدُوكَ بِالإتْيانِ، بَلْ قَصَدُوا السَّماعَ لِلْإنْهاءِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ( قَوْمٍ ) وُصِفُوا أوَّلًا بِمُغايَرَتِهِمْ لِلسَّمّاعِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِهِمْ وأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ، ثُمَّ بِعَدَمِ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إيذانًا بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ في الضَّلالِ، أوْ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيذانًا بِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّحْرِيفِ؛ بَيانًا لِإفْراطِهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ والِاجْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَعْيِينًا لِلْكَذِبِ الَّذِي سَمِعَهُ السَّمّاعُونَ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، كَما هو الظّاهِرُ.
وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ شَنائِعَهُمْ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ راجِعٍ إلى القَوْمِ، وقِيلَ: إلى الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: يَمِيلُونَ ويُزِيلُونَ التَّوْراةَ أوْ كَلامَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ كِلَيْهِما، أوْ مُطْلَقَ الكَلِمِ - في قَوْلٍ - عَنِ المَواضِعِ الَّتِي وُضِعَ ذَلِكَ فِيها، إمّا لَفْظًا بِإهْمالِهِ أوْ تَغْيِيرِ وضْعِهِ، وإمّا مَعْنًى بِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِ المُرادِ، وإجْرائِهِ في غَيْرِ مَوْرِدِهِ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ دُونَ ( عَنْ مَواضِعِهِ ).
وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ إدْراجَ لَفْظِ ( بَعْدِ ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَنْزِيلِ الكَلِمِ مَنزِلَةً هي أدْنى مِمّا وُضِعَتْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إبْطالُ النّافِعِ بِالضّارِّ، لا بِالنّافِعِ أوِ الأنْفَعِ، فَكَأنَّ المُحَرِّفَ واقِفٌ في مَوْضِعٍ هو أدْنى مِن مَوْضِعِ الكَلِمَةِ يُحَرِّفُها إلى مَوْضِعِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ( مِن ) لِلِابْتِداءِ، ولَفْظَ ( بَعْدِ ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّحْرِيفَ مِمّا بَعُدَ إلى مَوْضِعٍ أبْعَدَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ ما لا يَخْفى، وقَرَأ إبْراهِيمُ: ( يُحَرِّفُونَ الكَلامَ عَنْ مَواضِعِهِ ).
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( يَقُولُونَ ) كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ في الوُجُوهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يُحَرِّفُونَ ) وجُوِّزَ كَوْنُها كالَّتِي قَبْلَها صِفَةً لِـ( سَمّاعُونَ ) أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا، كَيْفَ لا وأنَّ مَقُولَ القَوْلِ ناطِقٌ بِأنَّ قائِلَهُ مِمَّنْ لا يَحْضُرُ مَجْلِسَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُخاطَبُ بِهِ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَهُ السَّمّاعُونَ المُتَرَدِّدُونَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمَن لا يَحُومُ حَوْلَ حَضْرَتِهِ قَطْعًا، وادِّعاءُ قَوْلِ السَّمّاعِينَ لِأعْقابِهِمُ المُخالِطِينَ لِلْمُسْلِمِينَ تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ وعَلَيْهِ دَرَجَ غالِبُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحَرِّفِينَ والقائِلِينَ هُمُ القَوْمُ الآخَرُونَ، أيْ: يَقُولُونَ لِأتْباعِهِمُ السَّمّاعِينَ لَهم ﴿إنْ أُوتِيتُمْ﴾ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما هو الظّاهِرُ ﴿هَذا فَخُذُوهُ﴾ واعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ؛ فَإنَّهُ مُوافِقٌ لِلْحَقِّ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ مِن جِهَتِهِ، بَلْ أُوتِيتُمْ غَيْرَهُ ﴿فاحْذَرُوا﴾ قَبُولَهُ، وإيّاكم وإيّاهُ، أوْ فاحْذَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالحَذَرِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ إيتاءِ المُحَرَّفِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى.
أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُمْ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «إنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ اليَهُودِ قَهَرَتْ إحْداهُما الأُخْرى في الجاهِلِيَّةِ، حَتّى ارْتَضَوْا واصْطَلَحُوا عَلى أنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ العَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وسْقًا، وكُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وسْقٍ، فَكانُوا عَلى ذَلِكَ حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – المَدِينَةَ، فَذَلَّتِ الطّائِفَتانِ كِلْتاهُما لِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ قَتِيلًا، وأرْسَلَتِ العَزِيزَةُ إلى الذَّلِيلَةِ أنِ ابْعَثُوا إلَيْنا بِمِائَةِ وسْقٍ، فَقالَتِ الذَّلِيلَةُ: وهَلْ كانَ هَذا في حَيَّيْنِ قَطُّ، دِينُهُما واحِدٌ، ونَسَبُهُما واحِدٌ، وبَلَدُهُما واحِدٌ، ودِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ؟! إنَّما أعْطَيْناكم هَذا ضَيْمًا مِنكم
صفحة 138
لَنا وقُوَّةً مِنكُمْ، فَأمّا إذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَلا نُعْطِيكم ذَلِكَ، فَكادَتِ الحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُما، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلى أنْ جَعَلُوا رَسُولَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بَيْنَهُما، فَفَكَّرَتِ العَزِيزَةُ فَقالَتْ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكم مِنهم ضَعْفَ ما يُعْطِيهِمْ مِنكُمْ، ولَقَدْ صَدَقُوا، ما أعْطُونا هَذا إلّا ضَيْمًا وقَهْرًا لَهُمْ، فَدُسُّوا إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَن يُخْبِرُ لَكم رَأْيَهُ، فَإنْ أعْطاكم ما تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ، وإنْ لَمْ يُعْطِكُمُوهُ حَذَرْتُمُوهُ فَلَمْ تُحُكِّمُوهُ، فَدَسُّوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ لِيَخْتَبِرُوا لَهم رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأمْرِهِمْ كُلِّهِ وماذا أرادُوا، فَأنْزَلَ ( يا أيُّها الرَّسُولُ ) الآيَةَ»، وعَلى هَذا يَكُونُ أمْرُ التَّحْرِيفِ غَيْرُ ظاهِرِ الدُّخُولِ في القِصَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ««أنَّ أحْبارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا في بَيْتِ المِدْراسِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – المَدِينَةَ، وقَدْ زَنى رَجُلٌ بَعْدَ إحْصانِهِ بِامْرَأةٍ مِن يَهُودَ، وقَدْ أحْصَنَتْ، فَقالُوا: ابْعَثُوا بِهَذا الرَّجُلِ وبِهَذِهِ المَرْأةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاسْألُوهُ كَيْفَ الحُكْمُ فِيهِما، ووَلُّوهُ الحُكْمَ فِيهِما، فَإنْ عَمِلَ فِيهِما عَمَلَكم مِنَ التَّجْبِيَةِ - وهي الجَلْدُ بِحَبْلٍ مِن لِيفٍ مَطْلِيٍّ بِقارٍ - ثُمَّ تُسَوَّدُ وُجُوهُهُما، ثُمَّ يُحْمَلانِ عَلى حِمارَيْنِ، وُجُوهُهُما مِن قِبَلِ دُبُرِ الحِمارِ فاتَّبِعُوهُ، فَإنَّما هو مَلِكٌ، سَيِّدُ قَوْمٍ، وإنَّ حَكَمَ فِيهِما بِغَيْرِهِ فَإنَّهُ نَبِيٌّ فاحْذَرُوهُ عَلى ما في أيْدِيكم أنْ يَسْلُبَكم إيّاهُ، فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَذا رَجُلٌ قَدْ زَنى بَعْدَ إحْصانِهِ بِامْرَأةٍ قَدْ أحْصَنَتْ، فاحْكم فِيهِما فَقَدْ ولَّيْناكَ الحُكْمَ فِيهِما، فَمَشى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَتّى أتى أحْبارَهم في بَيْتِ المِدْراسِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أخْرِجُوا إلَيَّ عُلَماءَكُمْ، فَأخْرَجُوا إلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيا، وأبا ياسِرِ بْنَ أخْطَبَ، ووَهْبَ بْنَ يَهُوذا، فَقالُوا: هَؤُلاءِ عُلَماؤُنا، فَسَألَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ حَصَلَ أمْرُهم إلى أنْ قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا: هَذا أعْلَمُ مَن بَقِيَ بِالتَّوْراةِ، فَخَلا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكانَ غُلامًا شابًّا مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَألَظَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَسْألَةَ يَقُولُ: يا ابْنَ صُورِيا أنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى، وأُذَكِّرُكَ أيّامَهُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ فِيمَن زَنى بَعْدَ إحْصانِهِ بِالرَّجْمِ في التَّوْراةِ؟ فَقالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، أما واللَّهِ يا أبا القاسِمِ إنَّهم لَيَعْرِفُونَ أنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَ بِهِما فَرُجِما عِنْدَ بابِ مَسْجِدِهِ» ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُورِيا، وجَحَدَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( يا أيُّها الرَّسُولُ ) إلَخْ».
وأخْرَجَ الحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ««زَنى رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، فَكَتَبُوا إلى ناسٍ مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ أنْ سَلُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَإنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ فَخُذُوهُ عَنْهُ، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أرْسِلُوا إلى أعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنكُمْ، فَجاءُوا بِرَجُلٍ أعْوَرَ يُقالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيا، وآخَرَ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَهُما: ألَيْسَ عِنْدَكُما التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تَعالى؟ قالا: بَلى، قالَ: فَأنْشُدُكم بِالَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لَبَنِي إسْرائِيلَ، وظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الغَمامَ، ونَجّاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْزَلَ المَنَّ السَّلْوى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما أُنْشِدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، قالا: نَجِدُ تَرْدادَ النَّظَرِ رِيبَةً، والِاعْتِناقَ رِيبَةً، والقُبُلَ رِيبَةً، فَإذا شَهِدَ أرْبَعَةٌ أنَّهم رَأوْهُ يُبْدِي ويُعِيدُ كَما يَدْخُلُ المِيلُ في المُكْحُلَةِ فَقَدْ وجَبَ الرَّجْمُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو كَذَلِكَ، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ».
صفحة 139
وفِي جَرَيانِ الإحْصانِ الشَّرْعِيِّ المُوجِبِ لِلرَّجْمِ في الكافِرِ ما هو مَذْكُورٌ في الفُرُوعِ، ولَعَلَّ هَذا عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ الإسْلامَ كالإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كانَ عَلى اعْتِبارِ شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ - أوْ كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِزْيَةِ، فَلْيُتَدَبَّرْ.
﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أيْ عَذابَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ، أوْ إهْلاكَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ والضَّحّاكِ، أوْ خِزْيَهُ وفَضِيحَتَهُ بِإظْهارِ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ، كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ، أوِ اخْتِيارَهُ بِما يَبْتَلِيهِ بِهِ مِنَ القِيامِ بِحُدُودِهِ، فَيَدْفَعُ ذَلِكَ ويُحَرِّفُهُ - كَما قِيلَ - ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
والمُرادُ العُمُومُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ المَذْكُورُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِظُهُورِهِ، واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ في دَفْعِ تِلْكَ الفِتْنَةِ، والفاءُ جَوابِيَّةٌ و( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( تَمْلِكُ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( شَيْئًا ) لِأنَّهُ صِفَتُهُ في الأصْلِ، أيْ شَيْئًا كائِنًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بَدَلُ اللَّهِ - عَزَّ اسْمُهُ، و( شَيْئًا ) مَفْعُولٌ بِهِ لِـ( تَمْلِكُ ) وجَوَّزَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، والجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، أوْ مُبَيِّنَةٌ لِعَدَمِ انْفِكاكِ أُولَئِكَ عَنِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ أبَدًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِرارًا، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ مِن رِجْسِ الكُفْرِ، وخُبْثِ الضَّلالَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ، مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ إرادَتِهِ تَعالى لِفِتْنَتِهِمْ مَنُوطَةً بِسُوءِ اخْتِيارِهِمُ المُقْتَضِي لَها، لا واقِعَةً مِنهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً، وفِيها كالَّتِي قَبْلَها - عَلى أحَدِ التَّفاسِيرِ - دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّ الشُّرُورَ لَيْسَتْ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هي مِنَ العِبادِ.
وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ المُرادَ لَمْ يُرِدْ تَطْهِيرَ قُلُوبِهِمْ مِنَ الغُمُومِ بِالذَّمِّ والِاسْتِخْفافِ والعِقابِ، أوْ لَمْ يُرِدْ أنْ يُطَهِّرَها مِنَ الكُفْرِ بِالحُكْمِ عَلَيْها بِأنَّها بَرِيئَةٌ مِنهُ مَمْدُوحَةٌ بِالإيمانِ - كَما قالَ البَلْخِيُّ - لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ.
ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمّا رَأى ما ذُكِرَ خِلافَ مَذْهَبِهِ قالَ: مَعْنى ( مَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ) مَن يُرِدْ تَرْكَهُ مَفْتُونًا وخِذْلانَهُ ( فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ مِن لُطِفِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ شَيْئًا، ومَعْنى ( لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم ) لَمْ يُرِدْ أنْ يَمْنَحَهم مِن ألْطافِهِ ما يُطَهِّرُ بِهِ قُلُوبَهُمْ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِها، لِعِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْجَعُ فِيهِمْ ولا يَنْفَعُ، انْتَهى.
وقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِقَوْلِهِ:
كَمْ يَتَلَجْلَجُ والحَقُّ أبْلَجُ
وهَذِهِ الآيَةُ - كَما تَراها - مُنْطَبِقَةٌ عَلى عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ الفِتْنَةَ مِنَ المَفْتُونِينَ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم مِن دَنَسِ الفِتْنَةِ، ووَضَرِ الكُفْرِ، لا كَما تَزْعُمُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرادَ الفِتْنَةَ مَن أحَدٍ، وأرادَ مِن كُلِّ أحَدٍ الإيمانَ وطَهارَةِ القَلْبِ، وأنَّ الواقِعَ مِنَ الفِتَنِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ غَيْرَ الواقِعِ مِن طَهارَةِ قُلُوبِ الكُفّارِ مُرادٌ، ولَكِنْ لَمْ يَقَعْ، فَحَسْبُهم هَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها لَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم مِن وضَرِ البِدَعِ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ وما أشْنَعَ صَرْفَ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذِهِ الآيَةَ عَنْ ظاهِرِها بِقَوْلِهِ: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعالى أنْ يَمْنَحَهم ألْطافَهُ لِعِلْمِهِ أنَّ ألْطافَهُ لا تَنْجَعُ، تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ، وإذا لَمْ تَنْجَعْ ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ولَمْ تَنْفَعْ فَلُطْفُ مَن يَنْفَعُ؟! وإرادَةُ مَن تَنْجَعُ؟!
ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ مَطْمَعُ
انْتَهى، وتَفَصِّيهِمْ عَنْ ذَلِكَ عَسِيرٌ.
﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أمّا المُنافِقُونَ فَخِزْيُهم فَضِيحَتُهُمْ، وهَتْكُ سِتْرِهِمْ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وازْدِيادُ غَمِّهِمْ بِمَزِيدِ انْتِشارِ الإسْلامِ، وقُوَّةِ شَوْكَتِهِ، وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ. وأمّا خِزْيُ اليَهُودِ فالذُّلُّ، والجِزْيَةُ، والِافْتِضاحُ بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ في كِتْمانِ نَصِّ التَّوْراةِ، وإجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ مِن دِيارِهِمْ.
وتَنْكِيرُ ( خِزْيٌ ) لِلتَّفْخِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ و( لَهم ) خَبَرُهُ و( في الدُّنْيا ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ
صفحة 140
بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن أحْوالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْعِقابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم عَلى ذَلِكَ مِنَ العُقُوبَةِ؟ فَقِيلَ: ( لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ) وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ مَعَ الخِزْيِ الدُّنْيَوِيِّ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وهو الخُلُودُ في النّارِ، مَعَ ما أُعِدَّ لَهم فِيها، وضَمِيرُ ( لَهم ) في الجُمْلَتَيْنِ لِـ( أُولَئِكَ ) مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِلْيَهُودِ خاصَّةً، وقِيلَ: لَهم إنِ اسْتَأْنَفْتَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ) وإلّا فَلِلْفَرِيقَيْنِ.
والتَّكْرِيرُ مَعَ اتِّحادِ المَرْجِعِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ كُرِّرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
المائدة 5:42
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ) إلَخْ، أوْ تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، أوِ المُرادُ بِالكَذِبِ هُنا الدَّعْوى الباطِلَةُ، وفِيما مَرَّ ما يَفْتَرِيهِ الأحْبارُ، ويُؤَيِّدُهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما.
﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أيِ الحَرامِ، مِن ( سَحَتَهُ ) إذا اسْتَأْصَلَهُ، وسُمِّيَ الحَرامُ سُحْتًا عِنْدَ الزَّجّاجِ؛ لِأنَّهُ يَعْقُبُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ والبَوارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: لِأنَّهُ لا بَرَكَةَ لِأهْلِهِ فَيُهْلِكُ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ غالِبًا، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ في طَرِيقِ كَسْبِهِ عارًا، فَهو يُسْحِتُ مُرُوءَةَ الإنْسانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى المَشْهُورِ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما السُّحْتُ؟ قالَ: الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ»».
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««هَدايا الأُمَراءِ سُحْتٌ»».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «أرَأيْتَ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ أمِنَ السُّحْتِ هِيَ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ كُفْرٌ، إنَّما السُّحْتُ أنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ السُّلْطانِ جاهٌ ومُنْزِلَةٌ، ويَكُونُ لِلْآخَرِ إلى السُّلْطانِ حاجَةٌ فَلا يَقْضِي حاجَتَهُ حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ هَدِيَّةً».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّحْتِ؟ فَقالَ: الرِّشا، فَقِيلَ لَهُ: في الحُكْمِ؟ قالَ: ذاكَ الكُفْرُ».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««سِتُّ خِصالٍ مِنَ السُّحْتِ؛ رَشْوَةُ الإمامِ وهي أخْبَثُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وعَسْبُ الفَحْلِ، ومَهْرُ البَغِيِّ، وكَسْبُ الحَجّامِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ»» وعَدَّ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في رِوايَةِ ابْنِ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيِّ عَنْهُ أشْياءَ أُخَرَ.
قِيلَ: ولِعِظَمِ أمْرِ الرِّشْوَةِ اقْتَصَرَ عَلَيْها مَنِ اقْتَصَرَ، وجاءَ مِن طُرُقٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لُعِنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي والرّائِشُ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما»».
ولِتَفاقُمِ الأمْرِ في هَذِهِ الأزْمانِ بِالِارْتِشاءِ صَدَرَ الأمْرُ مِن حَضْرَةِ مَوْلانا - ظِلُّ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلِيقَةِ، ومُجَدِّدُ نِظامِ رُسُومِ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ - السُّلْطانُ العَدْلِيُّ مَحْمُودْ خانَ، لا زالَ مُحاطًا بِأمانِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُما كانَ - في السَّنَةِ الرّابِعَةِ والخَمْسِينَ بَعْدَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ - بِمُؤاخَذَةِ المُرْتَشِي وأخَوَيْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وحَدَّ لِلْهَدِيَّةِ حَدًّا لِئَلّا يُتَوَصَّلَ بِها إلى الِارْتِشاءِ، كَما يَفْعَلُهُ اليَوْمَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمَراءِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««سَتَكُونُ مِن بَعْدِي وُلاةٌ يَسْتَحِلُّونَ الخَمْرَ، والنَّبِيذَ، والنَّجْشَ بِالصَّدَقَةِ، والسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ، والقَتْلَ بِالمَوْعِظَةِ، يَقْتُلُونَ البَرِيءَ؛ لِيُوَطِّئُوا العامَّةَ، يُمْلى لَهم فَيَزْدادُوا إثْمًا»».
هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: ( السُّحُتَ ) بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالعُنْقِ والعُنُقِ.
صفحة 141
وقُرِئَ ( السَّحْتُ ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، أُرِيدَ بِهِ المَسْحُوتُ، كالصَّيْدِ بِمَعْنى المَصِيدِ، و( السَّحَتُ ) بِفَتْحَتَيْنِ، و( السِّحْتُ ) بِكَسْرِ السِّينِ.
﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ حالُهم كَما شُرِحَ ( فَإنْ جاءُوكَ ) مُتَحاكِمِينَ إلَيْكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ بِما أراكَ اللَّهُ تَعالى ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا مُكْتَرِثٍ، وهَذا كَما تَرى تَخْيِيرٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهو مُعارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ وتَحْقِيقُ المَقامِ عَلى ما ذَكَرَ الجَصّاصُ في كِتابِ الأحْكامِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّخْيِيرَ مَنسُوخٌ بِالآيَةِ الأُخْرى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ السَّلَفِ: قالُوا: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ أوَّلًا مُخَيَّرًا، ثُمَّ أُمِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِإجْراءِ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيمَن لَمْ يُعْقَدْ لَهُ ذِمَّةٌ، والأُخْرى في أهْلِ الذِّمَّةِ، فَلا نَسْخَ، وأثْبَتَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ مَن أُخِذَتْ مِنهُ الجِزْيَةُ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الإسْلامِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا.
وقالَ أصْحابُنا: أهْلُ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ عَلى أحْكامِ الإسْلامِ في البُيُوعِ والمَوارِيثِ وسائِرِ العُقُودِ، إلّا في بَيْعِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ فَإنَّهم يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، ويُمْنَعُونَ مِنَ الزِّنا كالمُسْلِمِينَ، فَإنَّهم نُهُوا عَنْهُ، ولا يُرْجَمُونَ لِأنَّهم غَيْرُ مُحْصَنِينَ، وخَبَرُ الرَّجْمِ السّابِقُ سَبَقَ تَوْجِيهُهُ.
واخْتُلِفَ في مُناكَحَتِهِمْ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يُقَرُّونَ عَلَيْها، وخالَفَهُ في بَعْضِ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وزُفَرُ، ولَيْسَ لَنا عَلَيْهِمُ اعْتِراضٌ قَبْلَ التَّراضِي بِأحْكامِنا، فَمَتى تَراضَوْا بِها وتَرافَعُوا إلَيْنا وجَبَ إجْراءُ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، وتَمامُ التَّفْصِيلِ في الفُرُوعِ.
﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ الأمْرَيْنِ بَعْدَ تَخْيِيرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ حالِ الإعْراضِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أنَّهُ لا ضَرَرَ فِيهِ، حَيْثُ كانَ مَظِنَّةً لِتَرَتُّبِ العَداوَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّصَدِّي لِلضَّرَرِ، فَمَآلُ المَعْنى: إنْ تُعْرِضْ عَنْهم ولَمْ تَحْكم بَيْنَهم فَعادُوكَ وقَصَدُوا ضَرَرَكَ ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُكَ مِن ضَرَرِهِمْ.
﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، وهو ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ الإسْلامِ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِن أنَّهُ قالَ: «لَوْ ثُنِّيَتْ لِي الوِسادَةُ لَأفْتَيْتُ أهْلَ التَّوْراةِ بِتَوْراتِهِمْ، وأهْلَ الإنْجِيلِ بِإنْجِيلِهِمْ» إنْ صَحَّ يُرادُ مِنهُ لازِمُ المَعْنى.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيِ العادِلِينَ، فَيَحْفَظُهم عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، ويُعَظِّمُ شَأْنَهُمْ
المائدة 5:43
﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ مَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، والحالُ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّحْكِيمَ لَمْ يَكُنْ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وإنَّما هو لِطَلَبِ الأهْوَنِ، وإنْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِزَعْمِهِمْ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( يُحَكِّمُونَكَ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، إنْ جُعِلَتْ مُرْتَفِعَةً بِالظَّرْفِ، وكَوْنُ ذَلِكَ ضَعِيفًا لِعَدَمِ اعْتِمادِ الظَّرْفِ سَهْوٌ؛ لِأنَّهُ مُعْتَمِدٌ - كَما قالَ السَّمِينُ - عَلى ذِي الحالِ، لَكِنْ قالَ: جَعْلُ التَّوْراةُ مَرْفُوعًا بِالظَّرْفِ المُصَدَّرِ بِالواوِ مَحَلُّ نَظَرٍ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّها تَجْعَلُهُ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مُعْتَمِدَةٍ، أوْ أنَّهُ لا يُقْرَنُ بِالواوِ، وإنْ جُعِلَتْ مُبْتَدَأً فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ عَنْ سِيبَوَيْهِ.
صفحة 142
وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، وأُنِّثَتِ التَّوْراةُ مُعامَلَةً لَها - بَعْدَ التَّعْرِيبِ - مُعامَلَةَ الأسْماءِ العَرَبِيَّةِ المُوازِنَةِ لَها كَمَوْماةٍ ودَوْداةٍ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( يُحَكِّمُونَكَ ) داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ التَّحْكِيمَ - مَعَ وُجُودِ ما فِيهِ الحَقُّ المُغْنِي عَنِ التَّحْكِيمِ - وإنْ كانَ مَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ، لَكِنْ مَعَ الإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ أعْجَبُ و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وجَوَّزَ الأُجْهُورِيُّ كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً غَيْرَ داخِلَةٍ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، أيْ ثُمَّ هم يَتَوَلَّوْنَ، أيْ عادَتُهم فِيما إذا وُضِّحَ لَهم مِنَ الحَقِّ أنْ يُعْرِضُوا ويَتَوَلَّوْا، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أنْ يُحَكِّمُوكَ، تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِفَحْوى ما قَبْلَهُ، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ قَصْدًا إلى إحْضارِهِمْ في الذِّهْنِ بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ؛ إيماءً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهم قَدْ تَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ حَتّى انْتَظَمُوا في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، أيْ ( وما أُولَئِكَ ) المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) بِكِتابِهِمْ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ، المُنْبِئِ عَنْ عَدَمِ الرِّضا القَلْبِيِّ بِهِ أوَّلًا، وعَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لَهُ ثانِيًا، أوْ بِكَ وبِهِ، وقِيلَ: هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى عَنْ أُولَئِكَ اليَهُودِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِحُكْمِهِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى وما أُولَئِكَ بِالكامِلِينَ؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ
المائدة 5:44
﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَقْرِيرِ مَزِيدِ فَظاعَةِ حالِ أُولَئِكَ اليَهُودِ بِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ التَّوْراةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿فِيها هُدًى﴾ أيْ إرْشادٌ لِلنّاسِ إلى الحَقِّ ﴿ونُورٌ﴾ أيْ ضِياءٌ يُكْشَفُ بِهِ ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ وأظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ( فِيها هُدًى ) أيْ بَيانٌ لِلْحُكْمِ الَّذِي جاءُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ( ونُورٌ ) أيْ بَيانٌ أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – حَقٌّ، ولَعَلَّ تَعْمِيمُ المُهْدى إلَيْهِ - كَما في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ – أوْلى، ويَنْدَرِجُ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِنَ الحُكْمِ.
وإطْلاقُ النُّورِ عَلى ما في التَّوْراةِ مَجازٌ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُ عَلى ذَلِكَ دُونَ إطْلاقِهِ عَلى القُرْآنِ بِناءً عَلى أنَّ النُّورَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ إطْلاقَهُ عَلى ما بِهِ بَيانُ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِناءً عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ - بِاعْتِبارِ كَوْنِ الأمْرِ المُبَيَّنِ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الأنْوارِ الَّذِي لَوْلاهُ ما خُلِقَ الفَلَكُ الدَّوّارُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَ الإطْلاقَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرًا، والظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( هُدًى ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، أيْ كائِنًا فِيها ذَلِكَ، وكَذا جُمْلَةُ ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ في قَوْلٍ، إلّا أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِرِفْعَةِ رُتْبَةِ التَّوْراةِ، وسُمُوِّ طَبَقَتِها، والمُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ مَن كانَ مِنهم مِن لَدُنْ مُوسى إلى عِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ، وكانَ بَيْنَ النَّبِيَّيْنِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ألْفُ نَبِيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ المُرادَ بِهِمْ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومَن قَبْلَهُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وعَلى هَذا بَنى الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يُنْسَخْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والمُرادُ: يَحْكُمُ بِأحْكامِها النَّبِيُّونَ.
﴿الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى ( النَّبِيِّينَ ) - كَما قِيلَ - عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، والظّاهِرِ لَهُمْ، ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ المَدْحَ إنَّما يَكُونُ غالِبًا بِالصِّفاتِ الخاصَّةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها المَمْدُوحُ عَمَّنْ دُونَهُ، والإسْلامُ أمْرٌ عامٌّ يَتَناوَلُ أُمَمَ الأنْبِياءِ ومُتَّبِعِيهِمْ كَما يَتَناوَلُهُمْ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَحْسُنُ في مَدْحِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُقْتَصَرَ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا، فَإنَّ أقَلَّ مُتَّبِعِيهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فالوَجْهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -
صفحة 143
أنَّ الصِّفَةَ قَدْ تُذْكَرُ لِتُعَظَّمَ في نَفْسِها، ولِيُنَوَّهَ بِها إذا وُصِفَ بِها عَظِيمُ القَدْرِ، كَما تُذْكَرُ تَنْوِيهًا بِقَدْرِ مَوْصُوفِها، وعَلى هَذا الأُسْلُوبِ جَرى وصْفُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالصَّلاحِ في غَيْرِما آيَةٍ؛ تَنْوِيهًا بِمِقْدارِ الصَّلاحِ، إذْ جُعِلَ صِفَةً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبَعْثًا لِآحادِ النّاسِ عَلى الدَّأْبِ في تَحْصِيلِ صِفَتِهِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ بِالإيمانِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وبَعْثًا لِلْبَشَرِ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، لِيُساوُوا المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ في هَذِهِ الصِّفَةِ، وإلّا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلائِكَةَ مُؤْمِنُونَ لَيْسَ إلّا، كَيْفَ لا؟! وهم ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) كَما في الخَبَرِ.
ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي مِنَ البَشَرِ لِثُبُوتِ حَقِّ الأُخُوَّةِ في الإيمانِ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - جَرى وصْفُ الأنْبِياءِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإسْلامِ؛ تَنْوِيهًا بِهِ، ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ: أوْصافُ الأشْرافِ أشْرافُ الأوْصافِ، وحَسّانُ النّاظِمُ في مَدْحِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ:
ما إنْ مَدَحْتُ مُحَمَّدًا بِمَقالَتِي لَكِنْ مَدَحْتُ مَقالَتِي بِمُحَمَّدِ
والإسْلامُ - وإنْ كانَ مِن أشْرَفِ الأوْصافِ، إذْ حاصِلُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِما يَجِبُ لَهُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ في حُكْمِهِ - إلّا أنَّ النُّبُوَّةَ أشْرَفُ وأجَلُّ لِاشْتِمالِها عَلى عُمُومِ الإسْلامِ مَعَ خَواصِّ المَواهِبِ الَّتِي لا تَسَعُها العِبارَةُ، فَلَوْ لَمْ نَذْهَبْ إلى الفائِدَةِ المَذْكُورَةِ في ذِكْرِ الإسْلامِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَخَرَجْنا عَنْ قانُونِ البَلاغَةِ المَأْلُوفِ في الكِتابِ العَزِيزِ، وفي كَلامِ العَرَبِ الفَصِيحِ، وهو التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى لا النُّزُولُ عَلى العَكْسِ، ألا تَرى أنَّ أبا الطَّيِّبِ كَيْفَ تَزَحْزَحَ عَنْ هَذا المَهْيَعِ في قَوْلِهِ:
شَمْسٌ ضُحاها هِلالٌ لَيْلَتُها ∗∗∗ دُرٌّ مَقاصِيرُها زَبَرْجَدُها
فَنَزَلَ عَنِ الشَّمْسِ إلى الهِلالِ، وعَنِ الدُّرِّ إلى الزَّبَرْجَدِ، فَمَضَغَتِ الألْسُنُ عِرْضَ بَلاغَتِهِ، ومَزَّقَتْ أدِيمَ صَنْعَتِهِ، فَعَلَيْنا أنْ نَتَدَبَّرَ الآياتِ المُعْجِزاتِ حَتّى يَتَعَلَّقَ فَهْمُنا بِأهْدابِ عُلُوِّها في البَلاغَةِ المَعْهُودَةِ لَها، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، انْتَهى.
وفِي المِفْتاحِ والتَّخْلِيصِ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ، وإيرادُ الطِّيبِيِّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ غَيْرُ طَيِّبٍ، نَعَمْ، قَدْ يُقالُ: إنَّ القائِلَ بِكَوْنِها مادِحَةً لِمَن جَرَّتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ قَدْ يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ إذا قُصِدَ مَعَ المَدْحِ فَوائِدُ أُخَرُ كالتَّنْوِيهِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ المُسْلِمِينَ هُنا، والتَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ بِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإسْلامِ، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ في الفَصِيحِ - بَلْ في الأفْصَحِ - ذِكْرُ غَيْرِ الأبْلَغِ بَعْدَ الأبْلَغِ مِنَ الصِّفاتِ، ومِن ذَلِكَ ( الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) حَيْثُ كانَ مُتَضَمِّنًا نُكْتَةً.
وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ الإسْلامَ لِلنَّبِيِّ كَمالُ المَدْحِ؛ لِأنَّ الِانْقِيادَ مِنَ المُقْتَدِي لِلْخَلائِقِ الَّتِي لا تُحْصى وصْفٌ لا وصْفَ فَوْقَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ بِهِ هُنا إشْعارًا بِمَنشَأِ الحُكْمِ؛ لِيُحافِظَ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، ولا يُخْرَمَ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّ الحُكْمَ لِلنُّبُوَّةِ، فَغَيْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خارِجٌ عَنْ هَذا المَسْلَكِ، انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، إذِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، ونِهايَةُ الأمْرِ الرُّجُوعُ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمْ، فافْهَمْ.
﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، كَما قالَ الحَسَنُ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ( يَحْكُمُ ) أيْ يَحْكُمُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، واللّامُ إمّا لِبَيانِ اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِهِمْ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأجْلِ الَّذِينَ هادُوا، وإمّا لِلْإيذانِ بِنَفْعِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أيْضًا بِإسْقاطِ التَّبِعَةِ عَنْهُ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِكَمالِ رِضاهم بِهِ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، كَأنَّهُ أمْرُ نافِعٌ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُحَرِّفِينَ، وقِيلَ: مِن بابِ ﴿سَرابِيلَ
صفحة 144
تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ( أنْزَلْنا ) ولَعَلَّ الفاصِلَ لَيْسَ بِالأجْنَبِيِّ لِيَضُرَّ، وقِيلَ: بِـ( أُنْزِلَ ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُعْتَرِضَةً، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ نَصًّا في تَخْصِيصِ النَّبِيِّينَ بِأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إنْزالِها لَهُمُ اخْتِصاصُها بِهِمْ، وقِيلَ: الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( هُدًى ونُورٌ ) وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُما، أيْ هُدًى ونُورٌ كائِنانِ لَهُما، وكَلامُ الزَّجّاجِ يَحْتَمِلُ هَذا وما قَبْلَهُ.
﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ أيِ العُبّادُ والعُلَماءُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ( الرَّبّانِيُّونَ ) العُلَماءُ الفُقَهاءُ وهم فَوْقَ الأحْبارِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ( الرَّبّانِيُّونَ ) الوُلاةُ، ( والأحْبارُ ) العُلَماءُ، والواحِدُ حَبْرٌ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، قالَ الفَرّاءُ: وأكْثَرُ ما سَمِعْتُ فِيهِ الكَسْرُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحْبِيرِ والتَّحْسِينِ، فَإنَّ العُلَماءَ يُحَبِّرُونَ العِلْمَ ويُزَيِّنُونَهُ ويُبَيُّونَهُ، ومِن ذَلِكَ الحِبْرِ - بِكَسْرِ الحاءِ لا غَيْرُ - لِما يُكْتَبُ بِهِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى ( النَّبِيُّونَ ) أيْ هم أيْضًا يَحْكُمُونَ بِأحْكامِها، وتَوْسِيطُ المَحْكُومِ لَهم - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأصْلَ في الحُكْمِ بِها وحَمْلَ النّاسِ عَلى ما فِيها هُمُ النَّبِيُّونَ، وإنَّما الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ خُلَفاءُ ونُوّابٌ لَهم في ذَلِكَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾ أيْ بِالَّذِي اسْتُحْفِظُوهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّينَ، وهو التَّوْراةُ، حَيْثُ سَألُوهم أنْ يَحْفَظُوها مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ عَلى الإطْلاقِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُشْعِرٌ بِاسْتِخْلافِهِمْ في إجْراءِ أحْكامِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يَحْكُمُ ) و( ما ) مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِـ( ما ) وفي الإبْهامِ والبَيانِ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى مِن تَفْخِيمِ أمْرِ التَّوْراةِ ذاتًا وإضافَةً، وفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدُ إيجابِ حِفْظِها والعَمَلِ بِما فِيها، والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولِ سَبَبِيَّةٌ، فَلا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحَدِي المَعْنى بِفِعْلٍ واحِدٍ، أيْ: ويَحْكُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ أيْضًا بِالتَّوْراةِ بِسَبَبِ ما حَفِظُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ حَسْبَما وصّاهم بِهِ أنْبِياؤُهُمْ، وسَألُوهم أنْ يَحْفَظُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ بِسَبَبِيَّتِهِ لِحُكْمِهِمْ ذَلِكَ سَبَبِيَّتَهُ مِن حَيْثُ الذّاتُ، بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا، فَإنَّ تَعْلِيقَ حُكْمِهِمْ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِسَبَبِيَّةِ الحِفْظِ المُتَرَتِّبِ - لا مَحالَةَ – عَلى ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِاسْتِحْفاظِ لَهُ، وتَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ ( ما ) بِمَعْنى أمْرٍ، و( مِن ) لِتَبْيِينِ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِـ( اسْتُحْفِظُوا ) والتَّقْدِيرُ: بِسَبَبِ أمْرٍ ( اسْتُحْفِظُوا ) بِهِ شَيْئًا ( مِن كِتابِ اللَّهِ ) وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ تَعالى.
وقِيلَ: الأوْلى أنْ تُجْعَلَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً؛ لِيُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ العائِدِ، وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّ ( مِن ) بَيانٌ لَها، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ ( بِما ) بَدَلًا مِن ( بِها ) وأُعِيدَ الجارُّ لِطُولِ الفَصْلِ، وهو جائِزٌ أيْضًا وإنْ لَمْ يَطُلْ، ومِنهم مَن أرْجَعَ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ لِلنَّبِيِّينَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ، فالمُسْتَحْفِظُ حِينَئِذٍ هو اللَّهُ تَعالى، وحَدِيثُ الأنْباءِ لا يَتَأتّى إذْ ذاكَ، وقِيلَ: إنَّ ( الرَّبّانِيُّونَ ) فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والباءُ صِلَةٌ لَهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، أيْ: ويَحْكُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِحُكْمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي سَألَهم أنْبِياؤُهم أنْ يَحْفَظُوهُ مِنَ التَّغْيِيرِ.
﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( اسْتُحْفِظُوا ) ومَعْنى ( شُهَداءَ ) رُقَباءَ، يَحْمُونَهُ مِن أنْ يَحُومَ حَوْلَ حِماهُ التَّغْيِيرُ والتَّبْدِيلُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أوْ ( شُهَداءَ ) عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ورُجِّحَ - عَلى الأوَّلِ - بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ( الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ) رُقَباءَ عَلى أنْفُسِهِمْ لا يَتْرُكُونَها أنْ تُغَيِّرَ وتُحَرِّفَ التَّوْراةَ؛ لِأنَّ المُحَرِّفَ لا يَكُونُ إلّا مِنهم لا مِنَ العامَّةِ، وهو - كَما تَرى - لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَعْنًى، وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( كانُوا ) لِلنَّبِيِّينَ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( يَحْكُمُ ) المَحْذُوفِ المُرادِ مِنهُ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ، أيْ: حَكَمَ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى،
صفحة 145
وكانُوا شُهَداءَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا - بِلا خَفاءٍ - أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُسْتَعارَةً لِلْبَيانِ، أيْ مُبَيِّنِينَ ما يَخْفى مِنهُ، وأمْرُ التَّعَدِّي بِـ( عَلى ) سَهْلٌ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ شَيْءٌ وراءَ الحُكْمِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ هُنا كَسابِقِهِ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّينَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والعَطْفُ إمّا عَلى ( اسْتُحْفِظُوا ) أوْ عَلى ( يَحْكُمُ ).
وتَوَهُّمُ عِبارَةِ البَعْضِ - حَيْثُ قالَ: وبِسَبَبِ كَوْنِهِمْ شُهَداءَ - أنَّ العَطْفَ عَلى ( ما ) المَوْصُولَةِ فَيُؤَوَّلُ ( كانُوا ) بِالمَصْدَرِ، وكَأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَلْخِيصُ المَعْنى لِكَوْنِ ما ذُكِرَ ضَعِيفًا فِيما لا يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ حَدَثًا، وأمّا العَطْفُ عَلى كِتابِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِ حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ لِيَكُونَ المَعْطُوفُ داخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ، فَكَما تَرى.
وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( عَلَيْهِ ) إلى حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالرَّجْمِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِمّا تَأْباهُ العَرَبِيَّةُ في بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ، وهو - وإنْ جازَ عَرَبِيَّةً في البَعْضِ الآخَرِ - لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ مُرادَ الحَبْرِ بَيانُ بَعْضِ ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ الَّذِي هم شُهَداءُ عَلَيْهِ، وبِالجُمْلَةِ احْتِمالاتُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ.
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ خِطابٌ لِرُؤَساءِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ، ويَتَناوَلُ النَّهْيُ غَيْرَ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، والفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إذا كانَ الشَّأْنُ كَما ذُكِرَ يا أيُّها الأحْبارُ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ كائِنًا مَن كانَ، واقْتَدُوا في مُراعاةِ أحْكامِ التَّوْراةِ وحِفْظِها بِمَن قَبْلَكم مِنَ النَّبِيِّينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ، ولا تَعْدِلُوا عَنْ ذَلِكَ، ولا تُحَرِّفُوا خَشْيَةً مِن أحَدٍ ﴿واخْشَوْنِ﴾ في تَرْكِ أمْرِي؛ فَإنَّ النَّفْعَ والضُّرَّ بِيَدِي، أوْ في الإخْلالِ بِحُقُوقِ مُراعاتِها، فَضْلًا عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ أيْ لا تَسْتَبْدِلُوا بَآياتِي الَّتِي فِيها بِأنْ تُخْرِجُوها مِنها، أوْ تَتْرُكُوا العَمَلَ بِها، وتَأْخُذُوا لِأنْفُسِكم ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِنَ الرِّشْوَةِ والجاهِ وسائِرِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّها - وإنْ جَلَّتْ - قَلِيلَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ في نَفْسِها، لاسِيَّما بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَفُوتُهم بِمُخالَفَةِ الأمْرِ، وذَهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ إلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ، وهو الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ كَلامُ الشَّعْبِيِّ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - وهو الوَجْهُ كَما في الكَشْفِ - أنَّهُ عامٌّ، والفاءُ عَلى الوَجْهَيْنِ فَصِيحَةٌ، أيْ: وحِينَ عَرَفْتُمْ ما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّونَ والأحْبارُ، وما تَواطَأ عَلَيْهِ الخُلُوفُ مِن أمْرِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ لِلرِّشْوَةِ والخَشْيَةِ، فَلا تَخْشَوُا النّاسَ، ولا تَكُونُوا أمْثالَ هَؤُلاءِ الخالِفِينَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ بَعْضِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ أنَّها عَلى الوَجْهِ فَصِيحَةٌ أيْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، فَتَذَكَّرْ.
﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الأحْكامِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ( مَن ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ في سابِقِهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هم ) ضَمِيرَ فَصْلٍ، و( الكافِرُونَ ) هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أبْلَغَ تَقْرِيرٍ، وتَحْذِيرٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِ أشَدَّ تَحْذِيرٍ، واحْتَجَّتِ الخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ كافِرٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنَّ كَلِمَةَ ( مَن ) فِيها عامَّةٌ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَيَدْخُلُ الفاسِدُ المُصَدِّقُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حاكِمٍ وعامِلٍ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وأُجِيبَ بِأنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ؛ فَإنَّ الحُكْمَ - وإنْ كانَ شامِلًا لِفِعْلِ القَلْبِ والجَوارِحِ - لَكِنَّ المُرادَ بِهِ هُنا عَمَلُ القَلْبِ، وهو التَّصْدِيقُ، ولا نِزاعَ في كُفْرِ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وأيْضًا إنَّ المُرادَ عُمُومُ النَّفْيِ بِحَمْلِ ( ما ) عَلى الجِنْسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن لَمْ يَحْكم بِشَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لا يَكُونُ إلّا غَيْرَ مُصَدِّقٍ، ولا نِزاعَ في كُفْرِهِ.
وأيْضًا أخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، وأبُو الشَّيْخِ،
صفحة 146
وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «إنَّما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ( ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ والظّالِمُونَ والفاسِقُونَ ) في اليَهُودِ خاصَّةً».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: «الثَّلاثُ الآياتُ الَّتِي في المائِدَةِ ( ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ ) إلَخْ، لَيْسَ في أهْلِ الإسْلامِ مِنها شَيْءٌ، هي في الكُفّارِ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَ ذَلِكَ.
ولَعَلَّ وصْفَهم بِالأوْصافِ الثَّلاثِ بِاعْتِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَلِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ وُصِفُوا بِالكافِرِينَ، ولِوَضْعِهِمُ الحُكْمَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وُصِفُوا بِالظّالِمِينَ، ولِخُرُوجِهِمْ عَنِ الحَقِّ وُصِفُوا بِالفاسِقِينَ، أوْ أنَّهم وُصِفُوا بِها بِاعْتِبارِ أطْوارِهِمْ وأحْوالِهِمُ المُنْضَمَّةِ إلى الِامْتِناعِ عَنِ الحُكْمِ، فَتارَةً كانُوا عَلى حالٍ تَقْتَضِي الكُفْرَ، وتارَةً عَلى أُخْرى تَقْتَضِي الظُّلْمَ أوِ الفِسْقَ.
وأخْرَجَ أبُو حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ قالَ: «الثَّلاثُ الآياتُ الَّتِي في المائِدَةِ أوَّلُها لِهَذِهِ الأُمَّةِ، والثّانِيَةُ في اليَهُودِ، والثّالِثَةُ في النَّصارى»ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ أسْوَأ حالًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّ الكُفْرَ إذا نُسِبَ إلى المُؤْمِنِينَ حُمِلَ عَلى التَّشْدِيدِ والتَّغْلِيظِ، والكافِرُ إذا وُصِفَ بِالفِسْقِ والظُّلْمِ أشْعَرَ بِعُتُوِّهِ وتَمَرُّدِهِ فِيهِ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الكُفْرِ الواقِعِ في أُولى الثَّلاثِ: «إنَّهُ لَيْسَ بِالكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ، إنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ» والوَجْهُ أنَّ هَذا كالخِطابِ عامٌّ لِلْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ، وهو مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ، أوْ يَلْتَزِمُ أحَدَ الجَوابَيْنِ، واخْتِلافُ الأوْصافِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ، والمُرادُ مِنَ الأخِيرَيْنِ مِنها الكُفْرُ أيْضًا عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وذَلِكَ بِحَمْلِهِما عَلى الفِسْقِ والظُّلْمِ الكامِلَيْنِ.
وما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ الآياتِ الثَّلاثَ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: نِعْمَ الأُخُوَّةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ، إنْ كانَ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ، كَلّا واللَّهِ، لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدَّ الشِّراكِ» يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَيْلًا مِنهُ إلى القَوْلِ بِالعُمُومِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ -كَما قِيلَ: - مَيْلًا إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ في المُسْلِمِينَ، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - إلّا أنَّهُ قالَ: كُفْرٌ لَيْسَ كَكُفْرِ الشِّرْكِ، وفِسْقٌ لَيْسَ كَفِسْقِ الشِّرْكِ، وظُلْمٌ لَيْسَ كَظُلْمِ الشِّرْكِ.
هَذا، وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ العارِفِينَ عَلى ما في بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ الإشارَةِ فَقالَ: ( ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ) أيِ اتَّقُوهُ سُبْحانَهُ بِتَزْكِيَةِ نُفُوسِكم مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ ( ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ) أيْ: واطْلُبُوا إلَيْهِ تَعالى الزُّلْفى بِتَحْلِيَتِها بِالأخْلاقِ المَرْضِيَّةِ ( ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ ) بِمَحْوِ الصِّفاتِ والفَناءِ في الذّاتِ ( لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ) أيْ لِكَيْ تَفُوزُوا بِالمَطْلُوبِ، وقِيلَ: ابْتِغاءُ الوَسِيلَةِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِما سَبَقَ مِن إحْسانِهِ وعَظِيمِ رَحْمَتِهِ، وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
أيا جُودُ مَعْنٍ ناجِ مَعْنًا بِحاجَتِي ∗∗∗ فَلَيْسَ إلى مَعْنٍ سِواهُ شَفِيعُ
( ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾ ) أيْ ما في الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ ( ﴿جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ) الكُبْرى ( ﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ ) لِأنَّهُ سَبَبُ زِيادَةِ الحِجابِ والبُعْدِ، ولا يَنْجَعُ ثَمَّةَ إلّا ما في الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ مِنَ المَعارِفِ والحَقائِقِ النُّورِيَّةِ.
( ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ ) أيِ المُتَناوِلُ مِنَ الأنْفُسِ والمُتَناوِلَةُ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ لِلشَّهَواتِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْها ( ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ ) أيِ: امْنَعُوهُما بِحَسْمِ قُدْرَتِهِما بِسَيْفِ المُجاهِدَةِ وسِكِّينِ الرِّياضَةِ ( جَزاءً بِما كَسَبا ) مِن تَناوُلِ ما لا يَحِلُّ تَناوُلُهُ لَها ( ﴿نَكالا﴾ ) أيْ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – ( ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ ) ووَساوِسِ شَيْطانِ النَّفْسِ ( ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ) وهُمُ القُوى النَّفْسانِيَّةُ ( ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ ) أيْ: يَنْقادُوا لَكُمْ،
صفحة 147
أوْ: سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ يَسُنُّونَ السُّنَنَ السَّيِّئَةَ ( ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ ) وهي التَّعَيُّناتُ الإلَهِيَّةِ ( ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ ) فَيُزِيلُونَها عَمّا هي مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الوُجُودِ الحَقّانِيِّ، أوْ يُغَيِّرُونَ قَوانِينَ الشَّرِيعَةِ بِتَمْوِيهاتِ الطَّبِيعَةِ، كَمَن يُؤَوِّلُ القُرْآنَ والأحادِيثَ عَلى وفْقِ هَواهُ، ولَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ كَما يَزْعُمُهُ المَحْجُوبُونَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وقَصْرِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ، ونَحْنُ نَبْرَأُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ كُفْرٌ صَرِيحٌ، وإنَّما نَقُولُ: المُرادُ هو الظّاهِرُ، وبِهِ تَعَبَّدَ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ، لَكِنْ فِيهِ إشارَةٌ إلى أشْياءَ أُخَرَ لا يَكادُ يُحِيطُ بِها نِطاقُ الحَصْرِ، يُوشِكُ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ بَعْضًا مِنها.
( ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهُ شَيْئًا﴾ ) قالَ ابْنُ عَطاءٍ: مَن يَحْجُبُهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ فَوائِدِ أوْقاتِهِ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ إيصالَهُ إلَيْهِ ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم ) أيْ: بِالمُراقَبَةِ والمُراعاةِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: طَهارَةُ القَلْبِ في شَيْئَيْنِ: إخْراجُ الحَسَدِ والغِشِّ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ ( ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ) وهو ما يَأْكُلُونَهُ بِدِينِهِمْ ( ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ ) مُداوِيًا لِدائِهِمْ، إنْ رَأيْتَ التَّداوِيَ سَبَبًا لِشِفائِهِمْ ( ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ) إنْ تَيَقَّنْتَ إعْوازَ الشِّفاءِ لِشَقائِهِمْ ( وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ ) أيْ داوِهِمْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ ويَقْتَضِيهِ داؤُهُمْ، والكَلامُ في باقِي الآياتِ ظاهِرٌ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
المائدة 5:45
﴿وكَتَبْنا﴾ عَطْفٌ عَلى ( أنْزَلْنا التَّوْراةَ ) والمَعْنى قَدَّرْنا وفَرَضْنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الَّذِينَ هادُوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وأنْزَلَنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِيها﴾ أيْ: في التَّوْراةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( كَتَبْنا ) وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، أيْ فَرَضْنا هَذِهِ الأُمُورَ مُبَيَّنَةً فِيها، وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ ( كَتَبْنا ) كِتابَةً مُبَيَّنَةً ( فِيها ).
﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ أوْ مَقْتُولَةٌ أوْ مُقْتَصَّةٌ بِها إذا قَتَلَتْها بِغَيْرِ حَقٍّ، ويُقَدَّرُ في كُلٍّ مِمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ ما يُناسِبُهُ كالفَقْءِ، والجَذْعِ، والصَّلْمِ، والقَلْعِ، ومِنهم مَن قَدَّرَ الكَوْنَ المُطْلَقَ، وقالَ: إنَّهُ مُرادُهُمْ، أيْ يَسْتَقِرُّ أخْذُها بِالعَيْنِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( العَيْنُ ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالرَّفْعِ، ووَجَّهَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ جُمَلٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) لَكِنْ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، فَإنَّ مَعْنى ( كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) قُلْنا لَهُمُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، فالجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ما كُتِبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ، وهو غَيْرُ مَقِيسٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، بِمَعْنى أنَّ الجُمَلَ اسْمِيَّةٌ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، ويَكُونُ هَذا ابْتِداءَ تَشْرِيعٍ، وبَيانَ حُكْمٍ جَدِيدٍ غَيْرِ مُنْدَرِجٍ فِيما كُتِبَ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِيهِ أيْضًا عَلى هَذا، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ العَيْنُ بِالعَيْنِ إلَخْ؛ لِتَتَوافَقَ القِراءَتانِ.
وقالَ الخَطِيبُ: لا عَطْفَ، والِاسْتِئْنافُ بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ مِنهُ، والكَلامُ جَوابُ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُ غَيْرِ النَّفْسِ؟ فَقالَ سُبْحانَهُ: ( العَيْنُ بِالعَيْنِ ) إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ العَيْنَ وكَذا سائِرَ المَرْفُوعاتِ مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَها حالٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَعْنى، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّهُ يَلْزَمُهُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ ولا تَأْكِيدٍ، وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا ضَرُورَةً.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَفْصُولٌ تَقْدِيرًا؛ إذْ أصْلُهُ: النَّفْسُ مَأْخُوذَةٌ أوْ مُقْتَصَّةٌ هي بِالنَّفْسِ، إذِ الضَّمِيرُ مُسْتَتِرٌ في المُتَعَلِّقِ المُقَدَّمِ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ بِحَسَبِ الأصْلِ، وإنَّما تَأخَّرَ بَعْدَ الحَذْفِ وانْتِقالِهِ إلى الظَّرْفِ، كَذا قِيلَ، وهو يَقْتَضِي
صفحة 148
أنَّ الفَصْلَ المُقَدَّرَ يَكْفِي لِلْعَطْفِ، وفِيهِ نَظَرٌ، ويُقَدَّرُ المُتَعَلَّقُ عَلى هَذا عامًّا لِيَصِحَّ العَطْفُ، إذْ لَوْ قُدِّرَ ( النَّفْسَ مَقْتُولَةً بِالنَّفْسِ والعَيْنَ ) لَمْ يَسْتَقِمِ المَعْنى، كَما لا يَخْفى، فَلْيُفْهَمْ.
واعْلَمْ أنَّ النَّفْسَ في كَلامِهِمْ - إذا أُرِيدَ مِنها الإنْسانُ بِعَيْنِهِ – مُذَكَّرٌ، ويُقالُ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ، عَلى مَعْنى ثَلاثَةِ أشْخاصٍ، وإذا أُرِيدَ بِها الرُّوحُ فَهي مُؤَنَّثَةٌ لا غَيْرُ، وتَصْغِيرُها نُفَيْسَةٌ لا غَيْرُ، والعَيْنُ بِمَعْنى الجارِحَةِ المَخْصُوصَةِ مُؤَنَّثَةٌ، وإطْلاقُ القَوْلِ بِالتَّأْنِيثِ لا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ؛ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذِهِ عَيْنُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ، وأنْتَ تُرِيدُ الخِيارَ، والأُذُنُ مِثالُها، والأنْفُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرُ، والسِّنُّ تُؤَنَّثُ ولا تُذَكَّرُ، وإنْ كانَتِ السِّنَّ مِنَ الكِبَرِ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أنَّ السِّنَّ تُطْلَقُ عَلى الضِّرْسِ والنّابِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُما مُذَكَّرانِ، وكَذا النّاجِذُ والضّاحِكُ والعارِضُ، ونَصَّ ابْنُ عُصْفُورٍ عَلى أنَّ الضِّرْسَ يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ، ونَظَمَ ما يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
وهاكَ مِنَ الأعْضاءِ ما قَدْ عَدَدْتُهُ تُؤَنَّثُ أحْيانًا وحِينًا تُذَكَّرُ
لِسانُ الفَتى والإبْطُ والعُنُقُ والقَفا ∗∗∗ وعاتِقُهُ والمَتْنُ والضِّرْسُ يُذَكَّرُ
وعِنْدِي الذِّراعُ والكُراعُ مَعَ المِعى ∗∗∗ وعُجُزُ الفَتى ثُمَّ القَرِيضُ المُحَبَّرُ
كَذا كُلُّ نُحْوِيٍّ حَكى في كِتابِهِ ∗∗∗ سِوى سِيبَوَيْهِ وهو فِيهِمْ مُكَبَّرُ
يَرى أنَّ تَأْنِيثَ الذِّراعِ هو الَّذِي ∗∗∗ أتى وهو لِلتَّذْكِيرِ في ذاكَ مُنْكِرُ
وقَدْ شاعَ أنَّ ما مِنهُ اثْنانِ في البَدَنِ كاليَدِ والضِّلْعِ والرِّجْلِ مُؤَنَّثٌ، وما مِنهُ واحِدٌ كالرَّأْسِ والفَمِ والبَطْنِ مُذَكَّرٌ، ولَيْسَ ذاكَ بِمُطَّرِدٍ؛ فَإنَّ الحاجِبَ والصُّدْغَ والخَدَّ والمِرْفَقَ والزَّنْدَ كُلٌّ مِنها مُذَكَّرٌ، مَعَ أنَّ في البَدَنِ مِنهُ اثْنَيْنِ، والكَبِدُ والكَرِشُ فَإنَّهُما مُؤَنَّثانِ ولَيْسَ مِنهُما في البَدَنِ إلّا واحِدٌ.
وتَفْصِيلُ ما يُذَكَّرُ ولا يُؤَنَّثُ وما يُؤَنَّثُ ولا يُذَكَّرُ مَنَ الأعْضاءِ يُفْضِي إلى بَسْطِ يَدِ المَقالِ، والكَفُّ أوْلى بِمُقْتَضى الحالِ هَذا، ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ بِالنَّصْبِ، عَطْفٌ عَلى اسْمِ ( أنَّ ) و( قِصاصٌ ) هو الخَبَرُ، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالقِتالِ ولَيْسَ عَيْنَ المُخْبَرِ عَنْهُ يُؤَوَّلُ بِأحَدِ التَّأْوِيلاتِ المَعْرُوفَةِ في أمْثالِهِ، والكِسائِيُّ كَما قَرَأ بِالرَّفْعِ فِيما قَبْلُ قَرَأ بِهِ هُنا أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو - وإنْ نَصَبُوا فِيما تَقَدَّمَ - رَفَعُوا هُنا، عَلى أنَّهُ إجْمالٌ لِحُكْمِ الجِراحِ بَعْدَما فُصِّلَ حُكْمُ غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ، وهَذا الحُكْمُ فِيما إذا كانَتْ بِحَيْثُ تُعْرَفُ المُساواةُ، كَما فُصِّلَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ.
واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ ( أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) مَن قالَ: يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ، والحُرُّ بِالعَبْدِ، والرَّجُلُ بِالمَرْأةِ، ومَن خالَفَ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ وبِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ»» وأجابَ بَعْضُ أصْحابِنا بِأنَّ النَّصَّ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ، فَلا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، والمُرادُ بِما رُوِيَ الحَرْبِيُّ لِسِياقِهِ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَتَلَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ» .
وذَكَرَ ابْنُ الفَرَسِ أنَّ الآيَةَ في الأحْرارِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ اليَهُودَ المَكْتُوبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في التَّوْراةِ كانُوا مِلَّةً واحِدَةً لَيْسُوا مُنْقَسِمِينَ إلى مُسْلِمٍ وكافِرٍ، وكانُوا كُلُّهم أحْرارًا لا عَبِيدَ فِيهِمْ؛ لِأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ والِاسْتِعْبادَ إنَّما أُبِيحَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعْبادَ مِنَ الغَنائِمِ، ولَمْ تَحِلَّ لِغَيْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَقْدَ الذِّمَّةِ لِبَقاءِ الكُفّارِ، ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في عَهْدِ نَبِيٍّ، بَلْ كانَ المُكَذِّبُونَ يُهْلَكُونَ جَمِيعًا بِالعَذابِ، وأُخِّرَ ذَلِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ رَحْمَةً، انْتَهى.
صفحة 149
وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في العُمُومِ، لَكِنْ لَمْ يُبْقُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ الأصْحابُ: لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالمُسْتَأْمَنِ ولا الذِّمِّيُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلى التَّأْبِيدِ، وكَذا كُفْرُهُ باعِثٌ عَلى الحِرابِ؛ لِأنَّهُ عَلى قَصْدِ الرُّجُوعِ، ولا المُسْتَأْمَنُ بِالمُسْتَأْمَنِ؛ اسْتِحْسانًا لِقِيامِ المُبِيحِ، ويُقْتَلُ قِياسًا لِلْمُساواةِ، ولا الرَّجُلُ بِابْنِهِ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا يُقادُ الوالِدُ بِوَلَدِهِ»» وهو بِإطْلاقِهِ حُجَّةٌ عَلى مالِكٍ في قَوْلِهِ: يُقادُ إذا ذَبَحَهُ ذَبْحًا، ولِأنَّهُ سَبَبٌ لِإحْيائِهِ فَمِنَ المُحالِ أنْ يَسْتَحِقَّ لَهُ إفْناؤُهُ، ولِهَذا لا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وإنْ وجَدَهُ في صَفِّ الأعْداءِ مُقاتِلًا، أوْ أوْ زانِيًا وهو مُحْصَنٌ.
والقِصاصُ يَسْتَحِقُّهُ المَقْتُولُ أوَّلًا ثُمَّ يَخْلُفُهُ وارِثُهُ، والجَدُّ مِن قِبَلِ الرِّجالِ والنِّساءِ وإنْ عَلا في هَذا بِمَنزِلَةِ الأبِ، وكَذا الوالِدَةُ والجَدَّةُ مِن قِبَلِ الأُمِّ أوِ الأبِ قَرُبَتْ أوْ بَعُدَتْ لِما بَيَّنّا، ولا الرَّجُلُ بِعَبْدِهِ، ولا مُدَبَّرِهِ، ولا مُكاتَبِهِ، ولا بِعَبْدِ ولَدِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَوْجِبُ لِنَفْسِهِ عَلى نَفْسِهِ القِصاصَ، ولا ولَدُهُ عَلَيْهِ، وكَذا لا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ؛ لِأنَّ القِصاصَ لا يَتَجَزَّأُ، فَلْيُفْهَمْ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن أنَّهُ لا يُقْتَلُ الجَماعَةُ بِالواحِدِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها: ( أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) بِالإفْرادِ، وأُجِيبَ بِأنَّ حِكْمَةَ القِصاصِ - وهو صَوْنُ الدِّماءِ والأحْياءِ - اقْتَضَتِ القَتْلَ، وصَرْفُ الآيَةِ عَمّا ذُكِرَ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ قُتِلُوا مُجْتَمِعِينَ حَتّى يَسْقُطَ عَنْهُمُ القِصاصُ، وحِينَئِذٍ تُهْدَرُ الدِّماءُ، ويَكْثُرُ الفَسادُ، كَذا قِيلَ.
﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾ أيْ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْقِصاصِ ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِالقِصاصِ، أيْ فَمَن عَفا عَنْهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّصَدُّقِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ ﴿فَهُوَ﴾ أيِ التَّصَدُّقُ المَذْكُورُ ﴿كَفّارَةٌ لَهُ﴾ لِلْمُتَصَدِّقِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يُكْسَرُ سِنُّهُ، أوْ يُجْرَجُ مِن جَسَدِهِ، فَيَعْفُو، فَيُحَطُّ عَنْهُ مِن خَطاياهُ بِقَدْرِ ما عَفا عَنْهُ مِن جَسَدِهِ، إنْ كانَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَنِصْفُ خَطاياهُ، وإنْ كانَ رُبُعَ الدِّيَةِ فَرُبُعُ خَطاياهُ، وإنْ كانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَثُلُثُ خَطاياهُ، وإنْ كانَ الدِّيَةَ كُلَّها خَطاياهُ كُلُّها»».
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وغَيْرُهُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَجُلًا هَتَمَ فَمَ رَجُلٍ عَلى عَهْدِ مُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَأُعْطِيَ دِيَةً فَأبى إلّا أنْ يَقْتَصَّ، فَأُعْطِيَ دِيَتَيْنِ فَأبى، فَأُعْطِيَ ثَلاثًا، فَحَدَّثَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «مَن تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَما دُونَهُ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ مِن يَوْمِ وُلِدَ إلى يَوْمِ يَمُوتُ»».
وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الجانِي، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومُجاهِدٌ وجابِرٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُما ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ كَفّارَةً لَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ ما لَزِمَهُ، ويَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَجْمُوعَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنِ العائِدُ إلّا في الشَّرْطِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ العَلّامَةُ الثّانِي.
وقِيلَ: إنَّ في الجَزاءِ عائِدًا أيْضًا بِاعْتِبارِ ( أنَّ ) هو بِمَعْنى تَصَدُّقِهِ، فَيَشْتَمِلُ بِحَسَبِ المَعْنى عَلى ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ، فالتَّعَيُّنُ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن تَصَدَّقَ واعْتَرَفَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ القِصاصِ وانْقادَ لَهُ فَهو كَفّارَةٌ لِما جَناهُ مِنَ الذَّنْبِ، ويُلائِمُهُ كُلَّ المُلاءَمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَضَمِيرُ ( لَهُ ) حِينَئِذٍ عائِدٌ إلى المُتَصَدِّقِ، مُرادًا بِهِ الجانِي نَفْسُهُ وفِيهِ بُعْدٌ ظاهِرٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ ( فَهو كَفّارَتُهُ لَهُ ) فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ حِينَئِذٍ لِلْمُتَصَدِّقِ لا لِلتَّصَدُّقِ، وكَذا الضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لِذَلِكَ، أيْ: فالمُتَصَدِّقُ كَفّارَتُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها بِالتَّصَدُّقِ لَهُ لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ لا يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وهو تَعْظِيمٌ لِما فَعَلَ، حَيْثُ جُعِلَ مُقْتَضِيًا لِلِاسْتِحْقاقِ اللّائِقِ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في العَفْوِ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - لَمّا اصْطَلَحَ اليَهُودُ عَلى أنْ
صفحة 150
لا يَقْتُلُوا الشَّرِيفَ بِالوَضِيعِ، والرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، فَلَمْ يُنْصِفُوا المَظْلُومَ مِنَ الظّالِمِ.
وعَنِ السَّيِّدِ السَّنَدِ أنَّ القِصاصَ كانَ في شَرِيعَتِهِمْ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ التَّصَدُّقُ مِمّا زِيدَ في شَرِيعَتِنا. وقالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يُجْعَلْ في التَّوْراةِ دِيَةٌ في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ، وإنَّما كانَ العَفْوُ أوِ القِصاصُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ.
المائدة 5:46
﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ الإنْجِيلِ - كَما قِيلَ - إثْرَ بَيانِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وهو عَطْفٌ عَلى ( أنْزَلْنا التَّوْراةَ ) وضَمِيرُ الجَمْعِ المَجْرُورِ لِلنَّبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا، كَما قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، واخْتارَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والبَلْخِيُّ، وقِيلَ: لِلَّذِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الحُكْمُ الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ، ولَيْسَ بِالمُخْتارِ، والتَّقْفِيَةُ الإتْباعُ، ويُقالُ: قَفّا فُلانٌ أثَرَ فُلانٍ إذا تَبِعَهُ، وقَفَّيْتُهُ بِفُلانٍ إذا أتْبَعْتَهُ إيّاهُ، والتَّقْدِيرُ هُنا أتْبَعْناهم عَلى آثارِهِمْ.
﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فالفِعْلُ - كَما قِيلَ - مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدِهِما بِنَفْسِهِ والآخَرِ بِالباءِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، و( عَلى آثارِهِمْ ) كالسّادِّ مَسَدَّهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَفّا بِهِ عَلى آثارِهِمْ فَقَدْ قَفّاهم بِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الفِعْلَ قَبْلَ التَّضْعِيفِ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، وتَعْدِيَةُ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ لِاثْنانِ بِالباءِ لا تَجُوزُ، سَواءٌ كانَ بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، ورُدَّ بِأنَّ الصَّوابَ أنَّهُ جائِزٌ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ، وقَدْ جاءَ مِنهُ ألْفاظٌ قالُوا: صَكَّ الحَجَرُ الحَجَرَ، وصَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ، ودَفَعَ زَيْدٌ عَمْرًا، ودَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو، أيْ جَعَلْتُهُ دافِعًا لَهُ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ التَّضْعِيفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، وأنَّ تَعَلُّقَ الجارِّ بِالفِعْلِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَجِيءِ، أيْ جِئْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلى آثارِهِمْ قافِيًّا لَهُمْ، فَهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ - لا غَيْرُ - بِالباءِ، وحاصِلُ المَعْنى: أرْسَلْنا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِيبَهم ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ حالٌ مِن ( عِيسى ) مُؤَكِّدَةٌ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن لازِمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قَفَّيْنا ).
وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُ صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، فَلا بَأْسَ بِأنْ يَكُونَ عَلى ما لَيْسَ في أوْزانِ العَرَبِ، وهو بِأفْعِيلٍ أوْ فَعْلِيلٍ بِالفَتْحِ، وأمّا إفْعِيلٌ بِالكَسْرِ فَلَهُ نَظائِرُ كَإبْزِيمٍ وإحْلِيلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ كَما في التَّوْراةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِنَ الإنْجِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ، وهو حالٌ أيْضًا، وعَطْفُ الحالِ المُفْرَدَةِ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ وعَكْسُهُ جائِزٌ لِتَأْوِيلِها بِمُفْرَدٍ، وتَكْرِيرُ هَذا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ الحالِيَّةِ، وجَعْلُ كُلِّهِ هُدًى بَعْدَما جُعِلَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ؛ مُبالَغَةً في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ لِما أنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أظْهَرُ، وتَخْصِيصُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ المُهْتَدُونَ بِهُداهُ، والمُنْتَفِعُونَ بِجَدْواهُ، وجُوِّزَ نَصْبُ ( هُدًى ومَوْعِظَةٌ ) عَلى المَفْعُولِ لَها عَطْفًا عَلى مَفْعُولٍ لَهُ آخَرَ مُقَدَّرٍ، أيِ: إثْباتًا لِنُبُوَّتِهِ وهُدًى إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُعَلِّلَيْنِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عامِلٍ فِيهِ، أيْ: ( وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) آتَيْناهُ ذَلِكَ.
المائدة 5:47
﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أمْرٌ مُبْتَدَأٌ لَهم بِأنْ يَحْكُمُوا ويَعْلَمُوا بِما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما قَرَّرَتْهُ شَرِيعَتُهُ الشَّرِيفَةُ مِن أحْكامِهِ، وأمّا الأحْكامُ المَنسُوخَةُ فَلَيْسَ الحُكْمُ بِها حُكْمًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، بَلْ هو إبْطالٌ وتَعْطِيلٌ لَهُ؛ إذْ هو شاهِدٌ بِنَسْخِها وانْتِهاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها؛ لِأنَّ شَهادَتَهُ بِصِحَّةِ ما يَنْسَخُها مِنَ الشَّرِيعَةِ الأحْمَدِيَّةِ شاهِدَةٌ بِنَسْخِها، وأنَّ أحْكامَهُ ما قَرَّرَتْهُ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِحَّتِها، كَما قَرَّرَ شَيْخُ الإسْلامِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - واخْتارَ كَوْنَهُ أمْرًا
صفحة 151
مُبْتَدَأً الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِلْأمْرِ الوارِدِ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ( آتَيْناهُ ) أيْ: وقُلْنا: ( لِيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ ) وحَذْفُ القَوْلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ واخْتارَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وقَرَأ حَمْزَةُ ( ولِيَحْكُمَ ) بِلامِ الجَرِّ، ونَصْبِ الفِعْلِ بِـ( أنْ ) مُضْمَرَةً، والمَصْدَرُ مَعْطُوفٌ عَلى ( هُدًى ومَوْعِظَةً ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما مُعَلِّلَيْنِ، وأُظْهِرَتِ اللّامُ فِيهِ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ، فَإنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى، وفاعِلُ هَذا أهْلُ الكِتابِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في ( هُدًى ومَوْعِظَةً ) أيْ: وآتَيْناهُ لِيَحْكُمَ إلَخْ، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ لِعَدَمِ صِحَّةِ عَطْفِ العِلَّةِ عَلى الحالِ، ومِنهم مَن جَوَّزَ العَطْفَ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ هُنا في مَعْنى العِلَّةِ، وهو ضَعِيفٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهم في الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ التَّعْلِيلِ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِـ( أنْزَلَ ) لِيَصِحَّ كَوْنُهُ عِلَّةً لِإيتاءِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – ما ذُكِرَ.
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( وأنْ لِيَحْكُمَ ) عَلى أنَّ ( أنْ ) مَوْصُولَةٌ بِالأمْرِ كَما في قَوْلِكَ: أمَرْتُهُ بِأنْ قُمْ، ومَعْنى الوَصْلِ أنَّ ( أنْ ) تُتِمُّ بِما بَعْدَها جُزْءَ كَلامٍ كالَّذِي وأخَواتِهِ، ووَصْلُ ( أنِ ) المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلِ الأمْرِ مِمّا تَكَرَّرَ القَوْلُ بِهِ في الكَشّافِ، وذَكَرَ فِيهِ نَقْلًا عَنْ سِيبَوَيْهِ، وقُدِّرَ هُنا أمَرْنا، كَأنَّهُ قِيلَ: وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وأمَرْنا بِأنْ يَحْكُمَ، وأوْرَدَ عَلى سِيبَوَيْهِ ما دَقَّقَ صاحِبُ الكَشْفِ في الجَوابِ عَنْهُ، وأتى بِما يَنْدَفِعُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الأسْئِلَةِ عَلى ( أنِ ) المَصْدَرِيَّةِ والتَّفْسِيرِيَّةِ.
﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ: المُتَمَرِّدُونَ الخارِجُونَ عَنْ حُكْمِهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْجِيلَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأحْكامِ، وأنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ مَأْمُورًا بِالعَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ لا بِما في التَّوْراةِ خاصَّةً، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ البُخارِيِّ: ««أُعْطِيَ أهْلُ التَّوْراةِ التَّوْراةَ فَعَمِلُوا بِها، وأهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ»» وخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُضَلاءِ، فَفي المِلَلِ والنِّحَلِ لِلشَّهْرِسْتانِيِّ: جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُتَعَبَّدِينَ بِشَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُكَلَّفِينَ التِزامَ أحْكامِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ النّازِلِ عَلى المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – لا يَحْتَضِنَّ أحْكامًا ولا يَسْتَبْطِنَّ حَلالًا وحَرامًا، ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ، وما سِواها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ مُحالٌ عَلى التَّوْراةِ، ولِهَذا لَمْ تَكُنِ اليَهُودُ لِتَنْقادَ لِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحَمَلَ المُخالِفُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى ( ولْيَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ) تَعالى فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، كَتَخْصِيصِ ما أُنْزِلَ فِيهِ نُبُوَّةُ نَبِيِّنا، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
المائدة 5:48
﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ الفَرْدَ الكامِلَ الحَقِيقَ بِأنْ يُسَمّى كِتابًا عَلى الإطْلاقِ؛ لِتَفَوُّقِهِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ( أنْزَلْنا ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ ( الكِتابَ ) أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( أنْزَلَنا ) وقِيلَ: حالٌ مِنَ الكافِ في ( إلَيْكَ ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أيْ حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ تَصْدِيقِهِ لِذَلِكَ، وزَعَمَ أبُو البَقاءِ عَدَمَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا مِمّا ذُكِرَ إذْ لا يَكُونُ حالانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، وأوْجَبَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ بَيانٌ ( لِما ) واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ بِناءً عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما عَدا الكُتُبِ
صفحة 152
السَّماوِيَّةِ لَيْسَتْ كِتابًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، ويَجُوزُ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلى جِنْسِ مَدْلُولِ لَفْظِ الكِتابِ، بَلْ إلى نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنهُ، هو بِالنَّظَرِ إلى مُطْلَقِ الكِتابِ مَعْهُودٌ بِالنَّظَرِ إلى وصْفِ كَوْنِهِ سَماوِيًّا، غايَتُهُ أنَّ عَهْدِيَّتَهُ لَيْسَتْ إلى حَدِّ الخُصُوصِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، بَلْ إلى خُصُوصِيَّةِ نَوْعِيَّةٍ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ، وهو ظاهِرٌ، ومِنَ الكِتابِ السَّماوِيِّ أيْضًا، حَيْثُ خُصَّ بِما عَدا القُرْآنِ.
﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أيْ رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ المَحْفُوظَةِ عَنِ التَّغْيِيرِ، حَيْثُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، ويُقَرِّرُ أُصُولَ شَرائِعِها وما يَتَأبَّدُ مِن فُرُوعِها، ويُعَيِّنُ أحْكامَها المَنسُوخَةَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: أيْ شاهِدًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ الحَقُّ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ لِلتَّأْكِيدِ، وهاؤُهُ أصْلِيَّةٌ، وفِعْلُهُ هَيْمَنَ، ولَهُ نَظائِرُ بَيْطَرَ وخَيْمَرَ وسَيْطَرَ، وزادَ الزَّجّاجُ: بَيْقَرَ، ولا سادِسَ لَها، وقِيلَ: إنَّها مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ، ومادَّتُهُ مِنَ الأمْنِ، كَـ( هَراقَ ) وقالَ المُبَرِّدَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ المُهَيْمِنَ أصْلُهُ مُؤْمِنٌ، وهو مِن أسْمائِهِ تَعالى، فَصُغِّرَ وأُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً، وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ وغَيْرُهُ بِأنَّ ذَلِكَ خَطَأً، بَلْ كُفْرٌ أوْ شَبِيهٌ بِهِ؛ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى لا تُصَغَّرُ، وكَذا كُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ شَرْعًا.
وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُما قَرَآ ( مُهَيْمَنًا ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِنْيَةِ المَفْعُولِ، فَضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) عَلى هَذا يَعُودُ عَلى الكِتابِ الأوَّلِ، والمَعْنى أنَّهُ حُفِظَ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، والحافِظُ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ بِذَلِكَ الشَّأْنِ مِن مُوجِباتِ الحُكْمِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ إذا كانَ القُرْآنُ كَما ذُكِرَ ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما أنْزَلَهُ إلَيْكَ، فَإنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ، والمُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الباقِيَةِ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وتَقْدِيمُ ( بَيْنَهم ) لِلِاعْتِناءِ بِتَعْمِيمِ الحُكْمِ لَهُمْ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى عِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، وتَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ، والِالتِفاتُ بِإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ مِرارًا.
﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يُرِيدُ ما حَرَّفُوا وبَدَّلُوا مِن أمْرِ الرَّجْمِ ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، و( عَنْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( لا تَتَّبِعْ ) عَلى تَضْمِينِ مَعْنى العُدُولِ ونَحْوِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْدِلْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا لَأهْواءَهُمْ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْوائَهم عادِلًا عَمّا جاءَكَ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عادِلَةً عَمّا جاءَكَ، واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّ ما وقَعَ حالًا لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا عامًّا، ولَعَلَّ القائِلَ لا يُسَلِّمُ ذَلِكَ، و( مِن ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَرْفُوعِ ( جاءَكَ ) أوْ مِن ( ما ) ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلْإيماءِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى ما يُوجِبُ كَمالَ الِاجْتِنابِ عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ، والنَّهْيُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَن لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ وُقُوعُ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ نُهِيَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعْصُومٌ عَنِ ارْتِكابِ ما دُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ سائِرُ الأحْكامِ.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِحَمْلِ أهْلِ الكِتابِ مِن مُعاصِرِيهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، بِبَيانِ أنَّهُ هو الَّذِي كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ
صفحة 153
مِمّا في كِتابِهِمْ، وإنَّما الَّذِينَ كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ مَن مَضى قَبْلَ النَّسْخِ.
والخِطابُ - كَما قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - لِلنّاسِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ والماضِينَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، و( الشِّرْعَةُ ) - بِكَسْرِ الشِّينِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها – الشَّرِيعَةُ، وهي في الأصْلِ الطَّرِيقُ الظّاهِرُ الَّذِي يُوصَلُ مِنهُ إلى الماءِ، والمُرادُ بِها الدِّينُ، واسْتِعْمالُها فِيهِ لِكَوْنِهِ سَبِيلًا مُوَصِّلًا إلى ما هو سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الفانِيَةِ، أوْ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى العَمَلِ الَّذِي يُطَهِّرُ العامِلَ عَنِ الأوْساخِ المَعْنَوِيَّةِ، كَما أنَّ الشَّرِيعَةَ طَرِيقٌ إلى الماءِ الَّذِي يُطَهِّرُ مُسْتَعْمِلَهُ عَنِ الأوْساخِ الحِسِّيَّةِ.
وقالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ الدِّينُ شَرِيعَةً تَشْبِيهًا بِشَرِيعَةِ الماءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَن شَرَعَ في ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ رُوِيَ وتَطَهَّرَ، وأعْنِي بِالرِّيِّ ما قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: كُنْتُ أشْرَبُ فَلا أُرْوى، فَلَمّا عَرَفْتُ اللَّهَ تَعالى رُوِيتُ بِلا شُرْبٍ، وبِالتَّطَهُّرِ ما قالَ تَعالى: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ .
والمِنهاجُ الطَّرِيقُ الواضِحُ في الدِّينِ، مِن نَهِجَ الأمْرُ إذا وضَحَ، والعَطْفُ بِاعْتِبارِ جَمْعِ الأوْصافِ، وقالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْعَةُ ابْتِداءً الطَّرِيقُ، والمِنهاجُ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو الطَّرِيقُ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، والعَطْفُ مِثْلُهُ في قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ
وقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
وقِيلَ: الشِّرْعَةُ الطَّرِيقُ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ واضِحًا أمْ لا، وقِيلَ: المِنهاجُ الدَّلِيلُ، وقِيلَ: الشِّرْعَةُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمِنهاجُ الكِتابُ، وقِيلَ: الشِّرْعَةُ الأحْكامُ الفَرْعِيَّةُ، والمِنهاجُ الأحْكامُ الِاعْتِقادِيَّةُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( جَعَلْنا ) المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ، وهو إخْبارٌ بِجَعْلٍ ماضٍ لا إنْشاءٍ، وتَقْدِيمُها عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، و( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما عَوَّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ ( كُلٍّ ) أيْ ولِكُلِّ أُمَّةٍ كائِنَةٍ مِنكم أيُّها الأُمَمُ الباقِيَةُ والخالِيَةُ عَيَّنّا ووَضَعْنا ( شِرْعَةً ومِنهاجًا ) خاصَّيْنِ بِتِلْكَ الأُمَّةِ، لا تَكادُ أُمَّةٌ تَتَخَطّى شِرْعَتَها.
والأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - شِرْعَتُهم ما في التَّوْراةِ، والَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى مَبْعَثِ أحْمَدَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شِرْعَتُهم ما في الإنْجِيلِ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها المَوْجُودُونَ فَشِرْعَتُكم ما في الفُرْقانِ لَيْسَ إلّا فَآمِنُوا بِهِ واعْمَلُوا بِما فِيهِ.
وأوْجَبَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَ ( مِنكم ) بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أعْنِي، ولَمْ يُجَوِّزِ الوَصْفِيَّةَ لِما أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالأجْنَبِيِّ الَّذِي لا تَسْدِيدَ فِيهِ لِلْكَلامِ، ويُوجِبُ أيْضًا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ ( جَعَلْنا ) ومَعْمُولِهِ وهو شِرْعَةٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ ( جَعَلْنا ) بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخْ، والفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لازِمٌ عَلى كُلِّ حالٍ، وما ذُكِرَ مِن كَوْنِ الخِطابِ لِلْأُمَمِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلْأنْبِياءِ الَّذِينَ أُشِيرَ إلَيْهِمْ في الآياتِ قَبْلُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الخِطابِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا اللِّحاقُ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ الخِطابَ كَما عَلِمْتَ يَعُمُّ الأُمَمَ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ دِينٌ يَخُصُّها، ولَوْ كانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرِيعَةٍ أُخْرى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ.
وأجابَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بَعْدَ تَسْلِيمِ دَلالَةِ اللّامِ عَلى الِاخْتِصاصِ الحَصْرِيِّ بِمَنعِ المُلازِمَةِ؛ لِجَوازِ أنْ نَكُونَ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا مَعَ زِيادَةِ خُصُوصِيّاتٍ في دِينِنا بِها يَكُونُ الِاخْتِصاصُ، وفِيهِ أنَّهُ لا حاجَةَ في إفادَةِ الحَصْرِ لِما ذُكِرَ مَعَ تَقَدُّمِ المُتَعَلَّقِ، وأيْضًا إنَّ الخُصُوصِيّاتِ المَذْكُورَةَ لا تُنافِي تَعَبُّدَنا بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ القائِلِينَ بِهِ يَدَّعُونَ أنَّهُ فِيما لَمْ يُعْلَمْ نَسْخُهُ ومُخالَفَةُ دِينِنا لَهُ إلّا مُطْلَقًا، إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ عَلى الإطْلاقِ، ولِذا جَمَعَ المُحَقِّقُونَ بَيْنَ أضْرابِ هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِلافِ الشَّرائِعِ وبَيْنَ ما يُخالِفُها، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى
صفحة 154
بِهِ نُوحًا﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ بِأنَّ كُلَّ آيَةٍ دَلَّتْ عَلى عَدَمِ الِاخْتِلافِ مَحْمُولَةٌ عَلى أُصُولِ الدِّينِ ونَحْوِها، والتَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ أنّا مُتَعَبَّدُونَ بِأحْكامِ الشَّرائِعِ الباقِيَةِ مِن حَيْثُ أنَّها أحْكامُ شِرْعَتِنا لا مِن حَيْثُ أنَّها شِرْعَةٌ لِلْأوَّلِينَ.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ، أوْ ذِي مِلَّةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، ولا نَسْخَ ولا تَحْوِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ومَفْعُولُ ( شاءَ ) مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ ذَلِكَ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرَبِيُّ: المَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ إلَيْكم نَبِيًّا فَتَكُونُونَ مُتَعَبَّدِينَ بِما في العَقْلِ، وتَكُونُونَ أُمَّةً واحِدَةً ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ الجَعْلَ بَلْ شاءَ غَيْرَهُ لِيُعامِلَكم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم.
﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ؛ لِحِكَمٍ إلَهِيَّةٍ يَقْتَضِيها كُلُّ عَصْرٍ، هَلْ تَعْلَمُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها، مُعْتَقِدِينَ أنَّ في اخْتِلافِها ما يَعُودُ نَفْعُهُ لَكم في مَعاشِكم ومَعادِكُمْ، أوْ تَزِيغُونَ عَنْها، وتَبْتَغُونَ الهَوى، وتَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، وبِهَذا - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - اتَّضَحَ أنَّ مَدارَ عَدَمِ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِابْتِلاءِ، بَلِ العُمْدَةُ في ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنِ انْطِواءِ الِاخْتِلافِ عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُهم مَعاشًا ومَعادًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَسارِعُوا إلى ما هو خَيْرٌ لَكم في الدّارَيْنِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ المُنْدَرِجَةِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وابْتَدَرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ، وإحْرازًا لِفَضْلِ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ، فالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، و( جَمِيعًا ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ إمّا المَصْدَرُ المُضافُ المُنْحَلُّ إلى فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ أوْ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وإمّا الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ في الجارِّ، وقِيلَ - وفِيهِ بُعْدٌ -: إنَّ الجُمْلَةَ واقِعَةٌ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ما في ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّكم سَتُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُحْشَرُونَ إلى دارِ الجَزاءِ الَّتِي تَنْكَشِفُ فِيها الحَقائِقُ، وتَتَّضِحُ الحِكَمُ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ فَيَفْعَلُ بِكم مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ شائِبَةُ شَكٍّ ( فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) في الدُّنْيا مِن أمْرِ الدِّينِ، فالإنْباءُ هُنا مَجازٌ عَنِ المُجازاةِ لِما فِيها مِن تَحَقُّقِ الأمْرِ.
المائدة 5:49
﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وقَوْلَنا: ( احْكم ) أيِ الأمْرُ بِالحُكْمِ لا الحُكْمُ؛ لِأنَّ المُنَزَّلَ الأمْرُ بِالحُكْمِ لا الحُكْمُ، ولِئَلّا يُلْزَمَ إبْطالُ الطَّلَبِ بِالكُلِّيَّةِ، ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ الأمْرَ بِالحُكْمِ مِن أوَّلِ الأمْرِ مِن دُونِ إضْمارِ القَوْلِ، كَما حَقَّقَهُ في الكَشْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الحَقِّ، وفي المَحَلِّ وجْهانِ: الجَرُّ والنَّصْبُ، عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ وأمَرْنا أنِ احْكُمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( أنْ ) هَذِهِ تَفْسِيرِيَّةٌ، ووَجَّهَهُ أبُو البَقاءِ بِأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناكَ، ثُمَّ فُسِّرَ هَذا الأمْرُ بِالحُكْمِ، ومَنَعَ أبُو حَيّانَ مِن تَصْحِيحِهِ بِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مِن لِسانِهِمْ حَذْفُ المُفَسَّرِ بِـ( أنْ ) والأمْرُ كَما ذَكَرَ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: ولَوْ جُعِلَ هَذا الكَلامُ عَطْفًا عَلى ( فاحْكم )
صفحة 155
مِن حَيْثُ المَعْنى لِيَكُونَ التَّكْرِيرُ لِإناطَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ كانَ أحْسَنَ، ورُدَّ بِأنَّ ( أنْ ) هي المانِعَةُ مِن ذَلِكَ العَطْفِ، وأمْرُ الإناطَةِ مُلْتَزَمٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما كُرِّرَ الأمْرُ بِالحُكْمِ؛ لِأنَّ الِاحْتِكامَ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في زِنا المُحْصَنِ، ومَرَّةً في قَتِيلٍ كانَ بَيْنَهُمْ، فَجاءَ كُلُّ أمْرٍ في أمْرٍ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ، والقاضِي أبِي يَعْلى، ونُونُ ( أنْ ) فِيها الضَّمُّ والكَسْرُ، والمُنْسَبِكُ مِن ( أنْ يَفْتِنُوكَ ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، أيْ: واحْذَرْ فِتْنَتَهم لَكَ وأنْ يَصْرِفُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ، ولَوْ كانَ أقَلَّ قَلِيلٍ، بِتَصْوِيرِ الباطِلِ بِصُورَةِ الحَقِّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِالكَذِبِ عَلى التَّوْراةِ في أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ لَيْسَ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيِ: احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإعادَةُ ( ما أنْزَلَ اللَّهُ ) تَعالى ( إلَيْكَ ) لِتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، ولَعَلَّ هَذا لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: «اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ، وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَتْنا اليَهُودُ كُلُّهُمْ، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَنَزَلَتْ»».
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ، وأرادُوا غَيْرَهُ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وهو ذَنْبُ التَّوَلِّي والإعْراضِ، فَهو بَعْضٌ مَخْصُوصٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وهَذا - مَعَ كَمالِ عِظَمِهِ - واحِدٌ مِن جُمْلَتِها، وفي هَذا الإبْهامِ تَعْظِيمٌ لِلتَّوَلِّي، كَما في قَوْلِهِ:
تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
يُرِيدُ بِالبَعْضِ نَفْسَهُ، أيْ نَفْسًا كَبِيرَةً، ونَفْسًا أيَّ نَفْسٍ، وقالَ الجُبّائِيُّ: ذُكِرَ البَعْضُ وأُرِيدَ الكُلُّ، كَما يُذْكَرُ العُمُومُ ويُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْضٌ مُبْهَمٌ؛ تَغْلِيظًا لِلْعِقابِ، كَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّهُ يَكْفِي أنْ يُؤْخَذُوا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أيَّ بَعْضٍ كانَ، ويُهْلَكُوا ويُدَمَّرُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ الكُلِّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الإصابَةِ عُقُوبَةُ الدُّنْيا، وهي تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ، والَّذِي يَعُمُّ إنَّما هو عَذابُ الآخِرَةِ، وهَذِهِ الإصابَةُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وقِيلَ: هي أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وما عَرى بَنِي قَيْنُقاعَ، وأهْلَ خَيْبَرَ وفَدَكَ، ولَعَلَّهُ الأوْلى.
﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ أيْ مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ، مُصِرُّونَ عَلَيْهِ، خارِجُونَ مِنَ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيُّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ يَعْنِي كَتَبْنا حُكْمَ القِصاصِ في التَّوْراةِ، وقَرَّرْناهُ في الإنْجِيلِ، وأنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ مُصَدِّقًا لِما فِيهِما ( وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ) مِنَ الأحْكامِ الإلَهِيَّةِ المُقَرَّرَةِ في الأدْيانِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ العُمُومُ، وقِيلَ: اليَهُودُ.
المائدة 5:50
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، وتَوْبِيخٌ لَهُمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَتَوَلَّوْنَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ؟! وقِيلَ: مَحَلُّ الهَمْزَةِ بَعْدَ الفاءِ وقُدِّمَتْ لِأنَّ لَها الصَّدارَةَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبَ حُكْمٍ آخَرَ مُنْكَرٌ عَجِيبٌ، وطَلَبَ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ أقْبَحُ وأعْجَبُ.
صفحة 156
والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ المِلَّةُ الجاهِلِيَّةِ، الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى، المُوجِبَةُ لِلْمَيْلِ والمُداهَنَةِ في الأحْكامِ، أوِ الأُمَّةُ الجاهِلِيَّةُ، وحُكْمُهُمْ: ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاضُلِ فِيما بَيْنَ القَتْلى، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ، وحُكْمُهم ما ذُكِرَ.
فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خُصُومَةِ قَتِيلٍ وقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ طَلَبَ بَعْضُهم مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «القَتْلى بِواءٌ» فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ».
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَبْغُونَ ) بِالتّاءِ، وهي إمّا عَلى الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ( قُلْ لَهم أفَحُكْمَ ) إلَخْ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْرَجُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهُمْ: ( أفَحُكْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و( يَبْغُونَ ) خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ صِفَتُهُ، أيْ: حُكْمٌ يَبْغُونَ، واسْتُضْعِفَ حَذْفُ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ، وذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّهُ جاءَ الحَذْفُ مِنهُ كَما جاءَ الحَذْفُ مِنَ الصِّلَةِ والصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ:
قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أصْنَعِ
وقالَ أبُو حَيّانَ: وحُسْنُ الحَذْفِ في الآيَةِ شِبْهُ ( يَبْغُونَ ) بِرَأْسِ الفاصِلَةِ فَصارَ كالمُشارَكَةِ، وزَعْمُ أنَّ القِراءَةَ المَذْكُورَةَ خَطَأٌ خَطَأٌ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ قَتادَةُ: ( أفَحَكَمَ ) بِفَتْحِ الفاءِ والحاءِ والكافِ، أيْ: أفَحاكِمًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ ( يَبْغُونَ ) وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُسَمّى مِن قَبْلُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ – عالَمِيَّةً، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ في الجاهِلِيَّةِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الجاهِلِيَّةِ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا العُنْوانِ.
﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ حُكْمُهُ أحْسَنُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مُساوٍ لَهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ وإنْكارِها ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ عِنْدَ قَوْمٍ، فاللّامُ بِمَعْنى عِنْدَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وضَعَّفَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، وصَحَّحَ أنَّها لِلْبَيانِ، مُتَعَلِّقَهٌ بِمَحْذُوفٍ، كَما في ( هَيْتَ لَكَ ) و( سَقْيًا لَكَ ) أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ مَضْمُونُ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لِقَوْمٍ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ، ويَتَحَقَّقُونَ الأشْياءَ بِأنْظارِهِمْ، وأمّا غَيْرُهم فَلا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا أحْسَنَ حُكْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ مَن فَسَّرَ بِـ( عِنْدَ ) أرادَ بَيانَ مُحَصِّلِ المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ عَلى أصْلِها، وأنَّها صِلَةٌ، أيْ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ أحْسَنُ الأحْكامِ وأعْدَلُها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى الإنْكارِ السّابِقِ.
المائدة 5:51
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ كافَّةَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُخْلِصِينَ وغَيْرِهِمْ، وإنْ كانَ سَبَبُ وُرُودِهِ بَعْضًا كَما سَتَعْرِفُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ووَصْفُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لِحَمْلِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِانْزِجارِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ تَذْكِيرَ اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ صِفاتِ الفَرِيقَيْنِ مِن أقْوى الزَّواجِرِ عَنْ مُوالاتِهِما، أيْ: لا يَتَّخِذْ أحَدٌ مِنكم ولِيًّا، بِمَعْنى: لا تُصافُوهم مُصافاةَ الأحْبابِ ولا تَسْتَنْصِرُوهم.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ اشْتَدَّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ، وتَخَوَّفُوا أنْ تُدالَ عَلَيْهِمُ الكُفّارُ، فَقالَ رَجُلٌ لِصاحِبِهِ: أمّا أنا فَألْحَقُ بِذَلِكَ اليَهُودِيِّ فَآخُذُ مِنهُ أمانًا وأتَهَوَّدُ مَعَهُ؛ فَإنِّي أخافُ أنْ تُدالَ عَلَيْنا اليَهُودُ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَألْحَقُ بِفُلانٍ النَّصْرانِيِّ بِبَعْضِ أرْضِ الشّامِ، فَآخُذُ مِنهُ أمانًا وأتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما يَنْهاهُما: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ.
صفحة 157
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «جاءَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مَوالِيَ مَن يَهُودَ، كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن وِلايَةِ يَهُودَ، وأتَوَلّى اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ، لا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِيَّ، فَنَزَلَتْ» ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ بَعْضُ اليَهُودِ أوْلِياءُ لِبَعْضٍ مِنهُمْ، وبَعْضُ النَّصارى أوْلِياءُ لِبَعْضٍ مِنهُمْ، وأُوثِرَ الإجْمالُ لِوُضُوحِ المُرادِ بِظُهُورِ أنَّ اليَهُودَ لا يُوالُونَ النَّصارى كالعَكْسِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ قَبْلَها، وتَأْكِيدًا لِإيجابِ اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، مُتَّفِقُونَ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ إجْماعُ الكُلِّ عَلى مُضادَّتِكم ومَضارَّتِكم بِحَيْثُ يَسُومُونَكُمُ السُّوءَ، ويَبْغُونَكُمُ الغَوائِلَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بَيْنَكم وبَيْنَهم مُوالاةٌ، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ( أوْلِياءُ ) والظّاهِرُ هو الأوَّلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِهِمْ، وحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، كالمُسْتَنْتَجِ مِمّا قَبْلَهُ، وهو مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّشْدِيدِ والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُتَوَلِّي مِنهم حَقِيقَةً لَكانَ كافِرًا، ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وقِيلَ: المُرادُ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ كافِرٌ مِثْلُهم حَقِيقَةً، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ولَعَلَّ ذَلِكَ إذا كانَ تَوَلِّيهِمْ مِن حَيْثُ كَوْنُهم يَهُودًا أوْ نَصارى، وقِيلَ: بَلْ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، والمُرادُ أنَّهم بِالمُوالاةِ يَكُونُونَ كُفّارًا مُجاهِرِينَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكُفّارِ، أوِ المُؤْمِنِينَ بِمُوالاةِ أعْدائِهِمْ، تَعْلِيلٌ آخَرُ - عَلى ما قِيلَ -: يَتَضَمَّنُ عَدَمَ نَفْعِ مُوالاةِ الكَفَرَةِ، بَلْ تَرَتُّبَ الضَّرَرِ عَلَيْها، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ مَن يَتَوَلّاهم مِنهم أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، بَلْ يُخَلِّيهِمْ وشَأْنَهم فَيَقَعُونَ في الكُفْرِ والضَّلالَةِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم ظُلْمٌ؛ لِما أنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلنَّفْسِ لِلْعَذابِ الخالِدِ، ووَضْعٌ للِشَيْءٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
المائدة 5:52
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأضْرابِهِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَوْلِيَتِهِمْ، وإشْعارٌ بِسَبَبِهِ، وبِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى عَدَمِ الهِدايَةِ، وهي لِلسَّبَبِيَّةِ المَحْضَةِ.
وجَوَّزَ الكَرْخِيُّ كَوْنَها لِلْعَطْفِ عَلى ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، مِن حَيْثُ المَعْنى، والخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وإمّا لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةٌ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ دُونَ ضَمِيرِ القَوْمِ لِيُشارَ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ ما كَمَنَ مِنَ المَرَضِ، والرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ - وهو الأنْسَبُ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ - وإمّا قَلْبِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ: مُسارِعِينَ في مُوالاتِهِمْ، إلّا أنَّهُ قِيلَ فِيهِمْ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ رَغْبَتِهِمْ فِيها وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، وإيثارُ كَلِمَةِ ( في ) عَلى كَلِمَةِ ( إلى ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في المُوالاةِ، وإنَّما مُسارَعَتُهم مِن بَعْضِ مَراتِبِها إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها.
وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ المُسارَعَةَ بِالِانْكِماشِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ بِـ( في ) وعَدَلَ عَنْهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا بِالأخْفى، واخْتِيرَ أنْ تُعَدّى المُسارَعَةُ هُنا بِـ( إلى ) لِتَضَمُّنِها مَعْنى الدُّخُولِ، وقُرِئَ ( فَيَرى ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِمَن يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو المَوْصُولُ، والمَفْعُولُ هو الجُمْلَةُ عَلى حَذْفِ ( أنِ ) المَصْدَرِيَّةِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ فَيَرى القَوْمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مُرْضٌ أنْ يُسارِعُوا فِيهِمْ، فَلَمّا حُذِفَتْ
صفحة 158
( أنِ ) انْقَلَبَ الفِعْلُ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِهِ:
ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( يُسارِعُونَ ) و( الدّائِرَةُ ) مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا يُذْكَرُ مَعَها مَوْصُوفُها، وأصْلُها دَوّارَةٌ؛ لِأنَّها مِن دارَ يَدُورُ، ومَعْناها لُغَةً - عَلى ما في القامُوسِ – ما أحاطَ بِالشَّيْءِ، وفي شَرْحِ المُلَخَّصِ: إنَّ الدّائِرَةَ سَطْحٌ مُسْتَوٍ يُحِيطُ بِهِ خَطٌّ مُسْتَدِيرٌ، يُمْكِنُ أنْ يُفْرَضَ في داخِلِهِ نُقْطَةٌ يَكُونُ البُعْدُ بَيْنَها وبَيْنَهُ واحِدًا في حَدِّ جَمِيعِ الجِهاتِ، وقَدْ تُطْلَقُ الدّائِرَةُ عَلى ذَلِكَ الخَطِّ المُحِيطِ أيْضًا، انْتَهى.
واخْتُلِفَ في أنَّ: أيُّ المَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةٌ، فَقِيلَ: إنَّها حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ مَجازٌ في الثّانِي، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، قالَ البَرَجَنْدِيُّ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ إذا ثُبِّتَ أحَدُ طَرَفَيْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وأُدِيرَ دَوْرَةً تامَّةً يَحْصُلُ سَطْحُ دائِرَةٍ يُسَمّى بِها؛ لِأنَّ هَيْئَةَ هَذا السَّطْحِ ذاتُ دَوْرٍ، عَلى أنَّ صِيغَةَ الفاعِلِ لِلنِّسْبَةِ، وإذا تُوُهِّمَ حَرَكَةُ نُقْطَةٍ حَوْلَ نُقْطَةٍ ثابِتَةٍ دَوْرَةً تامَّةً بِحَيْثُ لا يَخْتَلِفُ بُعْدُ النُّقْطَةِ المُتَحَرِّكَةِ عَنِ النُّقْطَةِ الثّابِتَةِ يَحْصُلُ مُحِيطُ دائِرَةٍ يُسَمّى بِها؛ لِأنَّ النُّقْطَةَ كانَتْ دائِرَةً، فَسُمِّيَ ما حَصَلَ مِن دَوَرانِها دائِرَةً، فَإنِ اعْتُبِرَ الأوَّلُ ناسَبَ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ الدّائِرَةِ عَلى السَّطْحِ حَقِيقَةً وعَلى المُحِيطِ مَجازًا، وإذا اعْتُبِرَ الثّانِي ناسَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، انْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ إطْلاقَها بِالِاعْتِبارِ الثّانِي عَلى المُحِيطِ أيْضًا مَجازٌ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِكَوْنِ إطْلاقِها عَلى المُحِيطِ حَقِيقَةً أنَّ إطْلاقَها عَلَيْهِ لَيْسَ مَجازًا بِالوَجْهِ الَّذِي كانَ بِهِ مَجازًا في الِاعْتِبارِ الأوَّلِ، فَإنَّ وجْهَ المَجازِ فِيهِ التَّسْمِيَةُ لِلْمُحِيطِ بِاسْمِ المُحاطِ، وها هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ كَما سَمِعْتَ، لَكِنْ هَذا تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، ولَوْ قالَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ في اللّاحِقِ: لِأنَّ هَيْئَةَ الخَطِّ ذاتُ دَوْرٍ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ السّابِقِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ هَذا، فَتَدَبَّرْ.
وكَيْفَما كانَ فَقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِنَوائِبِ الزَّمانِ بِمُلاحَظَةِ إحاطَتِها، وقَوْلُهم هَذا كانَ اعْتِذارًا عَنِ المُوالاةِ، أيْ نَخْشى أنْ تَدُورَ عَلَيْنا دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الدَّهْرِ، ودَوْلَةٌ مِن دُوَلِهِ، بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ لِلْكُفّارِ، وتَكُونَ الدَّوْلَةُ لَهم عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَحْتاجُ إلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: نَخْشى أنْ يَدُورَ الدَّهْرُ عَلَيْنا بِمَكْرُوهٍ كالجَدْبِ والقَحْطِ فَلا يُمِيرُونَنا ولا يُقْرِضُونَنا، ولا يَبْعُدُ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّهم يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهم يُرِيدُونَ بِالدّائِرَةِ ما قالَهُ الكَلْبِيُّ، ويُضْمِرُونَ في دَوائِرِ قُلُوبِهِمْ ما قالَهُ الجَماعَةُ، المُنْبِئَ عَنِ الشَّكِّ في أمْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عِلَلَهُمُ الباطِلَةَ، وقَطَعَ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ، وبَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِحُصُولِ أُمْنِيَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ فَإنَّ عَسى مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدٌ مَحْتُومٌ؛ لِما أنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ أطْعَمَ فَما ظَنَّكُ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ؟!
والمُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وقِيلَ: فَتْحُ بِلادِ الكُفّارِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو القَضاءُ الفَصْلُ بِنَصْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى مَن خالَفَهُ، وإعْزازِ الدِّينِ، و( أنْ يَأْتِيَ ) في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو خَبَرٌ لِـ( عَسى ) عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، ومَفْعُولٌ بِهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الإخْبارُ بِالحَدَثِ عَنِ الذّاتِ، والأمْرُ في ذَلِكَ عِنْدَ الأخْفَشِ سَهْلٌ.
﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ وهو القَتْلُ وسَبْيُ الذَّرارِيِّ لَبَنِي قُرَيْظَةُ، والجَلاءُ لَبَنِي النَّضِيرِ عِنْدَ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: إظْهارُ نِفاقِ المُنافِقِينَ مَعَ الأمْرِ بِقَتْلِهِمْ، ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: مَوْتُ رَأْسِ النِّفاقِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ.
﴿فَيُصْبِحُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ المُنافِقُونَ، وهو عَطْفٌ عَلى ( يِأْتِيَ ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ
صفحة 159
خَبَرِ ( عَسى ) وفاءُ السَّبَبِيَّةِ لِجَعْلِها الجُمْلَتَيْنِ كَجُمْلَةٍ واحِدَةٍ مُغْنِيَةٌ عَنِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى الِاسْمِ، والمُرادُ فَيَصِيرُوا ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والشَّكِّ في أمْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿نادِمِينَ﴾ خَبَرُ ( يُصْبِحُ )، وبِهِ يَتَعَلَّقُ ﴿عَلى ما أسَرُّوا﴾، وتَخْصِيصُ النَّدامَةِ بِهِ لا بِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ لِما أنَّهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ المُوالاةِ ويُغْرِيهِمْ عَلَيْها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَدامَتَهم عَلى التَّوَلِّي بِأصْلِهِ وسَبَبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، أنَّهُ سَمَعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ ( عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُ الفُسّاقُ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ) قالَ عَمْرٌو: لا أدْرِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُ قِراءَةً أمْ تَفْسِيرًا.
المائدة 5:53
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ، عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ؟ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: ( ويَقُولَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( فَيُصْبِحُوا ) وقِيلَ: عَلى ( أنْ يَأْتِيَ ) بِحَسَبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: عَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ( ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بِإسْنادِ ( يَأْتِيَ ) إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ ضَمِيرِهِ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ لِأنَّ العَطْفَ عَلى خَبَرِ ( عَسى ) أوْ مَفْعُولِها يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى لِيَصِحَّ الإخْبارُ بِهِ، أوْ لِيُجْرى عَلى اسْتِعْمالِهِ، ولا ضَمِيرَ فِيهِ هُنا ولا ما يُغْنِي عَنْهُ، وفي صُورَةِ العَطْفِ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَكُونُ ( عَسى ) تامَّةً لِإسْنادِها إلى ( أنْ ) وما في حَيِّزِها، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى ضَمِيرٍ، وهَذا - كَما قِيلَ - قَرِيبٌ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِذَلِكَ دُونَهُ تَأدُّبًا، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ( أنْ يَأْتِيَ ) بَدَلًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، والعَطْفُ عَلى البَدَلِ و( عَسى ) تامَّةٌ أيْضًا - كَما صَرَّحَ بِهِ الفارِسِيُّ - وبَعْضُهم يَجْعَلُ العَطْفَ عَلى خَبَرِ ( عَسى )، ويُقَدِّرُ ضَمِيرًا، أيْ: ( ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بِهِ، وذَهَبَ ابْنُ النَّحّاسِ إلى أنَّ العَطْفَ عَلى الفَتْحِ، وهو نَظِيرُ:
ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ، وهو لا يَجُوزُ، وبِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ عَسى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ، وهو رَكِيكٌ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الإجْزاءِ بِالفِعْلِ والإجْزاءِ بِالتَّقْدِيرِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ عَسى اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْتِيَ بِما يُوجِبُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ النُّصْرَةِ المُظْهِرَةِ لِحالِهِمْ.
واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ - قُدِّسَ سِرُّهُ – ما قَدَّمْناهُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ مَؤُونَةِ تَقْدِيرِ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ ( فَتُصْبِحُوا ) كَما عَلِمْتَ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَأْتِيَ ) والفاءُ كافِيَةٌ فِيهِ عَنِ الضَّمِيرِ، فَتَكْفِي عَنِ الضَّمِيرِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُتَعاطِفَيْنِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ولا حاجَةَ - مَعَ هَذا - إلى القَوْلِ بِأنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ في جَوابِ التَّرَجِّي إجْراءً لَهُ مَجْرى التَّمَنِّي - كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ - لِأنَّ هَذا إنَّما يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، بِخِلافِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والمَعْنى: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مُخاطِبِينَ لِلْيَهُودِ، مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ، الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهُمْ، ويَرْجُونَ دَوْلَتَهُمْ، ويُظْهِرُونَ لَهم غايَةَ المَحَبَّةِ، وعَدَمَ المُفارَقَةِ عَنْهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ - عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ تَخْيِبَةَ رَجائِهِمْ وانْعِكاسَ تَقْدِيرِهِمْ لِوُقُوعِ ضِدِّ ما كانُوا يَتَرَقَّبُونَهُ ويَتَعالَوْنَ بِهِ - تَعْجِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن حالِهِمْ، وتَعْرِيضًا بِهِمْ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ - كَما قالُوهُ - فِيما حُكِيَ عَنْهُمْ: ( وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم ) فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَعْنى إنْكارُ ما فَعَلُوهُ واسْتِعْبادُهُ، وتَخْطِئَتُهم في ذَلِكَ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَعْنى: يَقُولُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ تَعالى لِلْيَهُودِ ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ والخِطابُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلْيَهُودِ، إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِن
صفحة 160
جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى الثّانِي مِن جِهَةِ المُقْسِمِينَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ الخِطابَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مَن حالَ المُنافِقِينَ إذْ أغْلَظُوا بِالأيْمانِ لَهُمْ، وأقْسَمُوا أنَّهم مَعَكُمْ، وأنَّهم مُعاضِدُوكم عَلى أعْدائِكُمُ اليَهُودِ، فَلَمّا حَلَّ بِاليَهُودِ ما حَلَّ أظْهَرُوا ما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِن مُوالاتِهِمْ والتَّمالِئِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ عَطاءٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
وجُمْلَةُ ( إنَّهم لَمَعَكم ) لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّها تَفْسِيرٌ وحِكايَةٌ لِمَعْنى ( أقْسَمُوا ) لَكِنْ لا بِألْفاظِهِمْ، وإلّا لَقِيلَ: إنّا مَعَكُمْ، وذَكَرَ السَّمِينُ وغَيْرُهُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ ولَيُفْعَلَنَّ ( وجَهْدَ أيْمانِهِمْ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ( أقْسَمُوا ) مِن مَعْناهُ، والمَعْنى أقْسَمُوا إقْسامًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، أوْ هو حالٌ بِتَأْوِيلِ مُجْتَهِدِينَ، وأصْلُهُ يَجْتَهِدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، فالحالُ في الحَقِيقَةِ الجُمْلَةُ، ولِذا ساغَ كَوْنُهُ حالًا، كَقَوْلِهِمُ: افْعَلْ ذَلِكَ جَهْدَكَ، مَعَ أنَّ الحالَ حَقُّها التَّنْكِيرُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حالًا بِحَسَبِ الأصْلِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا يُبالى بِتَعْرِيفِ الحالِ هُنا؛ لِأنَّها في التَّأْوِيلِ نَكِرَةٌ، وهو مُسْتَعارٌ مِن ( جَهَدَ نَفْسَهُ ) إذا بَلَغَ وُسْعَها، فَحاصِلُ المَعْنى: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أكَّدُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها.
﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ مَآلِ ما صَنَعُوهُ مِنِ ادِّعاءِ الوِلايَةِ والقَسَمِ عَلى المَعِيَّةِ في كُلِّ حالٍ إثْرَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالِاسْتِفْهامِ، وأنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُجْعَلَ خَبَرًا ثانِيًا لِاسْمِ الإشارَةِ، وقَدْ قالَ بِجَوازِ نَحْوِ ذَلِكَ بَعْضُ النُّحاةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ أوْ يُجْعَلَ هو الخَبَرَ، والمَوْصُولُ مَعَ ما في حَيِّزِ صِلَتِهِ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ، فالِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّقْرِيرِ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهُمْ! فَما أخْسَرَهُمْ! والمَعْنى: بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في شَأْنِ مُوالاتِكم وسَعَوْا في ذَلِكَ سَعْيًا بَلِيغًا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَكم دَوْلَةٌ كَما ظَنُّوا فَيَنْتَفِعُوا بِما صَنَعُوا مِنَ المَساعِي وتَحَمَّلُوا مِن مُكابَدَةِ المَشاقِّ، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُنافِقِينَ والتَّقْرِيعِ لِلْمُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ إذا كانَتْ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالقَوْلِ بِتَقْدِيرِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ماذا قالَ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ كَلامِهِمْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ( حَبِطَتْ أعْمالُهم ) إلَخْ، والجُمْلَةُ إمّا إخْبارِيَّةٌ وشَهادَةُ المُؤْمِنِينَ بِمَضْمُونِها عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ خُسْرانًا دُنْيَوِيًّا، وذَهابُ الأعْمالِ بِلا نَفْعٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها هو ما أمَّلُوهُ مِن دَوْلَةِ اليَهُودِ مِمّا لا إشْكالَ فِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرًا أُخْرَوِيًّا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ بِاعْتِبارِ ما يَظْهَرُ مِن حالِ المُنافِقِينَ في ارْتِكابِ ما ارْتَكَبُوا، وأنْ تَكُونَ بِاعْتِبارِ إخْبارِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بِذَلِكَ، وإمّا جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ ولاضَيْرَ في الدُّعاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وأشْعَرَ كَلامُ البَعْضِ أنَّ في الجُمْلَةِ مَعْنى التَّعَجُّبِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّهُ بَعِيدٌ عِنْدَ مَن يَتَدَبَّرُ.
المائدة 5:54
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُرْتَدِّينَ عَلى الإطْلاقِ بَعْدَ أنْ نَهى سُبْحانَهُ - فِيما سَلَفَ - عَنْ مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى، وبَيَّنَ أنَّ مُوالاتَهم مُسْتَدْعِيَةٌ لِلِارْتِدادِ عَنِ الدِّينِ، وفَصَّلَ مَصِيرَ مَن يُوالِيهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، قِيلَ: وهَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ عَنْها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها.
فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ إحْدى عَشْرَةَ فِرْقَةً، ثَلاثٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:
بَنُو مُدْلَجٍ، ورَئِيسُهم ذُو الحِمارِ، وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ، كانَ كاهِنًا، تَنَبَّأ بِاليَمَنِ، واسْتَوْلى عَلى بِلادِهِ، فَأخْرَجَ مِنها عُمّالَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وإلى ساداتِ اليَمَنِ، فَأهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدَيْ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ،
صفحة 161
بَيَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وأُخْبِرَ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ قُتِلَ، فَسُرَّ بِهِ المُسْلِمُونَ، وقُبِضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَدِ، وأتى خَبَرُهُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ.
وبَنُو حَنِيفَةَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ بْنِ حَبِيبٍ، تَنَبَّأ، وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَلامٌ عَلَيْكَ أمّا بَعْدُ:
فَإنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ الأمْرَ مَعَكَ، وأنَّ لَنا نِصْفَ الأرْضِ ولِقُرَيْشٍ نِصْفَ الأرْضِ، ولَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَسُولانِ لَهُ بِذَلِكَ، فَحِينَ قَرَأ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كِتابَهُ قالَ لَهُما: «فَما تَقُولانِ أنْتُما؟» قالا: نَقُولُ كَما قالَ، فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «أما واللَّهِ لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أعْناقَكُما» ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمّا بَعْدُ:
فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»».
وكانَ ذَلِكَ في سَنَةِ عَشْرٍ، فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِجُنُودِ المُسْلِمِينَ، وقُتِلَ عَلى يَدَيْ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وكانَ يَقُولُ: قَتَلْتُ في جاهِلِيَّتِي خَيْرَ النّاسِ وفي إسْلامِي شَرَّ النّاسِ، وقِيلَ: اشْتَرَكَ في قَتْلِهِ هو وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ طَعَنَهُ وحْشِيٌّ، وضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَسَيْفِهِ، وهو القائِلُ:
يُسائِلُنِي النّاسُ عَنْ قَتْلِهِ فَقُلْتُ: ضَرَبْتُ وهَذا طَعَنْ
فِي أبْياتٍ.
وبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، تَنَبَّأ، فَبَعَثَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فانْهَزَمَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ، فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وارْتَدَّتْ سَبْعٌ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وبَنُو سُلَيْمٍ قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعَ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ قَوْمُ سَجاحَ بِنْتِ المُنْذِرِ الكاهِنَةِ، تَنَبَّأتْ، وزَوَّجَتْ نَفْسَها مِن مُسَيْلِمَةَ في قِصَّةٍ شَهِيرَةٍ، وصَحَّ أنَّها أسْلَمَتْ بَعْدُ، وحَسُنَ إسْلامُها، وكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحَطْمِ بْنِ زَيْدٍ، وكَفى اللَّهُ تَعالى أمْرَهم عَلى يَدَيْ أبِي بَكْرٍ - رَضِي اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وفِرْقَةٌ واحِدَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهم غَسّانُ قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، تَنَصَّرَ، ولَحِقَ بِالشّامِ، وماتَ عَلى رِدَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ.
ويُرْوى أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَتَبَ إلى أحْبارِ الشّامِ لَمّا لَحِقَ بِهِمْ كِتابًا فِيهِ: إنَّ جَبَلَةَ ورَدَ إلَيَّ في سَراةِ قَوْمِهِ فَأسْلَمَ، فَأكْرَمْتُهُ، ثُمَّ سارَ إلى مَكَّةَ فَطافَ فَوَطِئَ إزارَهُ رَجُلٌ مَن بَنِي فَزارَةَ فَلَطَمَهُ جَبَلَةُ فَهَشَمَ أنْفَهُ، وكَسَرَ ثَناياهُ - وفي رِوايَةٍ: قَلَعَ عَيْنَهُ - فاسْتَعْدى الفَزارِيُّ عَلى جَبَلَةَ إلَيَّ، فَحَكَمْتُ إمّا بِالعَفْوِ وإمّا بِالقِصاصِ، فَقالَ: أتَقْتَصُّ مِنِّي وأنا مَلِكٌ وهو سُوقَةٌ؟! فَقُلْتُ: شَمَلَكَ وإيّاهُ الإسْلامُ، فَما تَفْضُلُهُ إلّا بِالعافِيَةِ، فَسَألَ جَبَلَةُ التَّأْخِيرَ إلى الغَدِ، فَلَمّا كانَ مِنَ اللَّيْلِ رَكِبَ مَعَ بَنِي عَمِّهِ ولَحِقَ بِالشّامِ مُرْتَدًّا.
ورُوِيَ أنَّهُ نَدِمَ عَلى ما فَعَلَهُ وأنْشَدَ:
تَنَصَّرْتُ بَعْدَ الحَقِّ عارًا لِلَطْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَكْ فِيها لَوْ صَبَرْتُ لَها ضَرَرُ
فَأدْرَكَنِي مِنها لَجاجُ حِمْيَةٍ ∗∗∗ فَبِعْتُ لَها العَيْنَ الصَّحِيحَةَ بِالعَوَرِ
فَيا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ولَيْتَنِي ∗∗∗ صَبَرْتُ عَلى القَوْلِ الَّذِي قالَهُ عُمَرُ
هَذا، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّ هَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قَبْلَ وُقُوعِها بِأنَّ ( مَن ) شَرْطِيَّةِ، والشَّرْطُ لا يَقْتَضِي الوُقُوعَ، إذْ أصْلُهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الأُمُورِ المَفْرُوضَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّرْطَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ المُحَقَّقَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لا يَلِيقُ وُقُوعُها، بَلْ كانَ يَنْبَغِي أنْ تُدْرَجَ في الفَرْضِيّاتِ وهو كَثِيرٌ، وقَدْ عُلِمَ مِن وُقُوعِ ذَلِكَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ هَذا.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ومَن يَرْتَدِدْ ) بِفَكِّ الِادِّغامِ، وهو الأصْلُ لِسُكُونِ
صفحة 162
ثانِي المِثْلَيْنِ، وهو كَذَلِكَ في بَعْضِ مَصاحِفِ الإمامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ جَوابٌ ( مَنِ ) الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةُ مُبْتَدَأً، واخْتُلِفَ في خَبَرِها، فَقِيلَ: مَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقِيلَ: الجَزاءُ فَقَطْ، فَعَلى الأوَّلِ لا يَحْتاجُ الجَزاءُ وحْدَهُ إلى ضَمِيرٍ يَرْبُطُهُ، وعَلى الثّانِي يَحْتاجُ إلَيْهِ، وهو هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ تَعالى مَكانَهَمْ - بَعْدَ إهْلاكِهِمْ - بِقَوْمٍ يُحِبُّهم مَحَبَّةً تَلِيقُ بِشَأْنِهِ تَعالى، عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ ﴿ويُحِبُّونَهُ﴾ أيْ يَمِيلُونَ إلَيْهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - مَيْلًا صادِقًا، فَيُطِيعُونَهُ في امْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ مَناهِيهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( يُحِبُّونَهُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ فِيهِ، أيْ وهم ( يُحِبُّونَهُ ).
وفِي الكَشّافِ: مَحَبَّةُ العِبادِ لِرَبِّهِمْ طاعَتُهُ وابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، وأنْ لا يَفْعَلُوا ما يُوجِبُ سَخَطَهُ وعِقابَهُ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ أنْ يُثِيبَهم أحْسَنَ الثَّوابِ عَلى طاعَتِهِمْ، ويُعَظِّمَهُمْ، ويُثْنِيَ عَلَيْهِمْ، ويَرْضى عَنْهم.
وأمّا ما يَعْتَقِدُهُ أجْهَلُ النّاسِ - وأعْداهم لِلْعِلْمِ وأهْلِهِ، وأمْقَتُهم لِلشَّرْعِ، وأسْوَأُهم طَرِيقَةً، وإنْ كانَتْ طَرِيقَتُهم عِنْدَ أمْثالِهِمْ مِنَ الجَهَلَةِ والسُّفَهاءِ – شَيْئًا، وهُمُ الفِرْقَةُ المُفْتَعَلَةُ المُنْفَعِلَةُ مِنَ الصُّوفِ، وما يَدِينُونَ بِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والعِشْقِ، والتَّغَنِّي عَلى كَراسِيِّهِمْ - خَرَّبَها اللَّهُ تَعالى - وفي مَراقِصِهِمْ - عَطَّلَها اللَّهُ تَعالى - بِأبْياتِ الغَزَلِ المَقُولَةِ في المُرْدِ، إنَّ الَّذِينَ يُسَمُّونَهم شُهَداءَ، وصَعَقاتُهُمُ الَّتِي أيْنَ مِنها صَعْقَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ دَكُّ الطُّورِ، فَتَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومِن كَلِماتِهِمْ: كَما أنَّهُ بِذاتِهِ يُحِبُّهم كَذَلِكَ يُحِبُّونَ ذاتَهُ، فَإنَّ الهاءَ راجِعَةٌ إلى الذّاتِ دُونَ النُّعُوتِ والصِّفاتِ، ومِنها: الحُبُّ شَرْطُهُ أنْ تَلْحَقَهُ سَكَراتُ المَحَبَّةِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقِيقَةٌ، انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ خَلَّطَ فِيهِ الغَثَّ بِالسَّمِينِ، فَأطْلَقَ القَوْلَ بِالقَدَحِ الفاحِشِ في المُتَصَوِّفَةِ، ونَسَبَ إلَيْهِمْ ما لا يُعْبَأُ بِمُرْتَكِبِهِ، ولا يُعَدُّ في البَهائِمِ فَضْلًا عَنْ خَواصِّ البَشَرِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَسَمِّي طائِفَةٍ بِهَذا الِاسْمِ - غاصِبِينَ لَهُ مِن أهْلِهِ ثُمَّ ارْتِكابِهِمْ ما نُقِلَ عَنْهُمْ، بَلْ وزِيادَةُ أضْعافِ أضْعافِهِ مِمّا نَعْلَمُهُ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ في زَمانِنا مِمّا يُنافِي حالَ المُسَمَّيْنَ بِهِ حَقِيقَةً - أنْ نُؤاخِذَ الصّالِحَ بِالطّالِحِ، ونَضْرِبَ رَأْسَ البَعْضِ بِالبَعْضِ، فَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.
وتَحْقِيقُ هَذا المَقامِ - عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ المُنِيرِ في الِاتِّصافِ - أنْ لا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى بِطاعَتِهِ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وهو مِنَ المَجازِ الَّذِي يُسَمّى فِيهِ المُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ، والمَجازُ لا يُعْدَلُ إلَيْهِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِها، فَلْيُمْتَحَنْ حَقِيقَةُ المَحَبَّةِ لُغَةً بِالقَواعِدِ؛ لِنَنْظُرَ أهِيَ ثابِتَةٌ لِلْعَبْدِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِاللَّهِ تَعالى أمْ لا؟ فالمَحَبَّةُ لُغَةً: مَيْلُ المُتَّصِفِ بِها إلى أمْرٍ مَلَذٍّ، واللَّذّاتُ الباعِثَةُ عَلى المَحَبَّةِ مُنْقَسِمَةٌ إلى مُدْرَكٍ بِالحِسِّ كَلَذَّةِ الذَّوْقِ في المَطْعُومِ، ولَذَّةِ النَّظَرِ في الصُّوَرِ المُسْتَحْسَنَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإلى لَذَّةٍ مُدْرَكَةٍ بِالعَقْلِ، كَلَذَّةِ الجاهِ والرِّياسَةِ والعُلُومِ، وما يَجْرِي مَجْراها، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ في اللَّذّاتِ الباعِثَةِ عَلى المَحَبَّةِ ما لا يُدْرِكُهُ إلّا العَقْلُ دُونَ الحِسِّ، ثُمَّ تَتَفاوَتُ المَحَبَّةُ ضَرُورَةً بِحَسَبِ تَفاوُتِ البَواعِثِ عَلَيْها، فَلَيْسَ اللَّذَّةُ بِرِياسَةِ الإنْسانِ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ كَلَذَّتِهِ بِالرِّياسَةِ عَلى أقالِيمَ مُعْتَبَرَةٍ، وإذا تَفاوَتَتِ المَحَبَّةُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ البَواعِثِ فَلَذّاتُ العُلُومِ أيْضًا مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفاوُتِ المَعْلُوماتِ، ولَيْسَ مَعْلُومٌ أكْمَلَ ولا أجَلَّ مِنَ المَعْبُودِ الحَقِّ، فاللَّذَّةُ الحاصِلَةُ مِن مَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ جَلالِهِ وكَمالِهِ تَكُونُ أعْظَمَ، والمَحَبَّةُ المُنْبَعِثَةُ عَنْها تَكُونُ أمْكَنَ، وإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ بَعَثَتْ عَلى الطّاعاتِ والمُوافَقاتِ.
فَقَدْ تَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ أنَّ مَحَبَّةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ مُمْكِنَةٌ، بَلْ واقِعَةٌ مِن كُلِّ مُؤْمِنٍ، فَهي مِن لَوازِمِ الإيمانِ وشُرُوطِهِ، النّاسُ فِيها مُتَفاوِتُونَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ إيمانِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَفْسِيرُ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ لُغَةً، وكانَتِ الطّاعاتُ والمُوافَقاتُ كالمُسَبَّبِ عَنْها، والمُغايِرِ لَها، ألا تَرى إلى «الأعْرابِيِّ الَّذِي سَألَ عَنِ السّاعَةِ فَقالَ النَّبِيُّ
صفحة 163
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أعْدَدْتَ لَها»؟ قالَ: ما أعْدَدْتُ لَها كَبِيرَ عَمَلٍ، ولَكِنْ حَبَّ اللَّهِ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ»» فَهَذا ناطِقٌ بِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ المَحَبَّةِ لِلَّهِ تَعالى غَيْرُ الأعْمالِ والنِزامِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ الأعْرابِيَّ نَفاها وأثْبَتَ الحُبَّ، وأقَرَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أثْبَتَ إجْراءَ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى عَلى حَقِيقَتِها لُغَةً، والمَحَبَّةُ إذا تَأكَّدَتْ سُمِّيَتْ عِشْقًا، فَهو المَحَبَّةُ البالِغَةُ المُتَأكِّدَةُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ فَوْقَ قَدْرِ المَحْبُوبِ، فَيَكْفُرُ مَن قالَ: أنا عاشِقٌ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِرَسُولِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما قالَهُ بَعْضُ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ - في حَيِّزِ المَنعِ عِنْدِي.
والمُعْتَرِفُونَ بِتَصَوُّرِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ يَنْسُبُونَ المُنْكِرِينَ إلى أنَّهم جَهِلُوا فَأنْكَرُوا، كَما أنَّ الصَّبِيَّ يُنْكِرُ عَلى مَن يَعْتَقِدُ أنَّ وراءَ اللَّعِبِ لَذَّةً مِن جِماعٍ أوْ غَيْرِهِ، والمُنْهَمِكُ في الشَّهَواتِ والغَرامِ بِالنِّساءِ يَظُنُّ أنْ لَيْسَ وراءَ ذَلِكَ لَذَّةٌ مِن رِياسَةٍ أوْ جاهٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وكُلُّ طائِفَةٍ تَسْخَرُ مِمّا فَوْقَها، وتَعْتَقِدُ أنَّهم مَشْغُولُونَ في غَيْرِ شَيْءٍ.
قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ - رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ-: والمُحِبُّونَ اللَّهَ تَعالى يَقُولُونَ لِمَن أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ انْتَهى، مَعَ أدْنى زِيادَةٍ، ولَمْ يَتَكَلَّمْ عَلى مَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُتَشابَهِ، والمَذاهِبُ فِيهِ مَشْهُورَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، فَتَذَكَّرْ.
والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ في المَشْهُورِ أهْلُ اليَمَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ عُمَرَ الأشْعَرِيَّ، «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِما نَزَلَتْ أشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو مِن صَمِيمِ اليَمَنِ، وقالَ: «هم قَوْمُ هَذا»».
وعَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والضِّحاكِ، أنَّهم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ - الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِّدَّةِ.
وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُمُ الأنْصارُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا يَوْمَ القادِسِيَّةِ، ألْفانِ مِنَ النَّخَعِ، وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أفْناءِ النّاسِ، وقَدْ حارَبَ هُناكَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رُسْتُمَ الشَّقِيَّ صاحِبَ جَيْشِ يَزْدَجَرَ.
وقالَ الإمامِيَّةُ: هم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وشِيعَتُهُ يَوْمَ وقْعَةِ الجَمَلِ وصِفِّينَ، وعَنْهم أنَّهُمُ المَهْدِيُّ ومَن يَتْبَعُهُ، ولا سَنَدَ لَهم في ذَلِكَ إلّا مَرْوِيّاتُهُمُ الكاذِبَةُ، وقِيلَ: هُمُ الفُرْسُ؛ «لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْهم فَضَرَبَ يَدَهُ عَلى عاتِقِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – وقالَ: «هَذا وذَوُوهُ»» وتَعَقَّبَهُ العِراقِيُّ قائِلًا: لَمْ أقِفْ عَلى خَبَرٍ فِيهِ، وهو هُنا وهِمَ، وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كَما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَمَن ذَكَرَهُ هُنا فَقَدْ وهِمَ.
﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عاطِفِينَ عَلَيْهِمْ، مُتَذَلِّلِينَ لَهُمْ، جَمْعُ ذَلِيلٍ لا ذَلُولٍ، فَإنَّ جَمْعَهُ ذُلَلٌ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: ( أذِلَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ) كَما يُقالُ: تَذَلَّلَ لَهُ، ولا يُقالُ: تَذَلَّلَ عَلَيْهِ، لِلْمُنافاةِ بَيْنَ التَّذَلُّلِ والعُلُوِّ، لَكِنَّهُ عُدِّيَ بِـ( عَلى ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى العَطْفِ والحُنُوِّ المُتَعَدّى بِها، وقِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ خافِضُونَ لَهم أجْنِحَتَهم.
ولَعَلَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ اسْتُعِيرَتْ ( عَلى ) لِمَعْنى اللّامِ؛ لِيُؤْذِنَ بِأنَّهم غَلَبُوا غَيْرَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في التَّواضُعِ حَتّى عَلَوْهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لَكِنْ في اسْتِفادَةِ هَذا مِن ذاكَ خَفاءٌ، وكَوْنُ المُرادِ بِهِ أنَّهُ ضُمِّنَ الوَصْفُ مَعْنى الفَضْلِ والعُلُوِّ - يَعْنِي أنَّ كَوْنَهم أذِلَّةً لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ أذِلّاءَ في أنْفُسِهِمْ بَلْ لِإرادَةِ أنْ يَضُمُّوا إلى عُلُوِّ مَنصِبِهِمْ وشَرَفِهِمْ فَضِيلَةَ التَّواضُعِ - لا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ قائِلَ ذَلِكَ قابَلَهُ بِالتَّضْمِينِ، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وجْهًا آخَرَ لا تَضْمِينَ فِيهِ.
وكَوْنُ الجارِّ عَلى ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً أُخْرى لِـ( قَوْمٍ ) ومَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ - إلَخْ - تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عَلى المُؤْمِنِينَ ) وخافِضُونَ – إلَخْ - تَفْسِيرٌ لِـ( أذِلَّةٍ ) مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
وقِيلَ: عُدِّيَتِ الذِّلَّةُ بِـ( عَلى ) لِأنَّ
صفحة 164
العِزَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ عُدِّيَتْ بِها كَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمالُها، وقَدْ قارَنَتْها فاعْتُبِرَتِ المُشاكَلَةُ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ يَجُوزُ فِيها التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، وقِيلَ: لِأنَّ العِزَّةَ تَتَعَدّى بِـ( عَلى ) والذِّلَّةَ ضِدُّها فَعُومِلَتْ مُعامَلَتَها؛ لِأنَّ النَّظِيرَ كَما يُحْمَلُ عَلى النَّظِيرِ يُحْمَلُ الضِّدُّ عَلى الضِّدِّ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرُهُ.
وجَرُّ ( أذِلَّةٍ ) و( أعِزَّةٍ ) عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِـ( قَوْمٍ ) كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وتُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِكُلٍّ مِنهُما، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ تَأْخِيرِ الصِّفَةِ الصَّرِيحَةِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحَةِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في غَيْرِما آيَةٍ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ هُنا مُعْتَرِضَةً، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ.
ومَعْنى كَوْنِهِمْ ( أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ) أنَّهم أشِدّاءُ مُتَغَلِّبُونَ عَلَيْهِمْ، مِن عَزَّهُ إذا غَلَبَهُ، ونَصَّ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا الوَصْفَ جِيءَ بِهِ لِلتَّكْمِيلِ؛ لِأنَّ الوَصْفَ قَبْلَهُ يُوهِمُ أنَّهم أذِلّاءُ مُحَقَّرُونَ في أنْفُسِهِمْ، فَدُفِعَ ذَلِكَ الوَهْمُ بِالإتْيانِ بِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
جُلُوسٌ في مَجالِسِهِمْ رَزانٌ ∗∗∗ وإنَّ ضَيْفٌ ألَمَّ فَهم خُفُوفُ
وقُرِئَ ( أذِلَّةً ) و( أعِزَّةً ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ( قَوْمٍ ) لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالقِتالِ لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ سُبْحانَهُ، وإعْزازِ دِينِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وهو صِفَةٌ أُخْرى لِـ( قَوْمٍ ) مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها، مُبَيِّنَةٌ مَعَ ما بَعْدَها لِكَيْفِيَّةِ عِزَّتِهِمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( أعِزَّةٍ ) أيْ: يُعَزُّونَ مُجاهِدِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فِيما يَأْتُونَ مِنَ الجِهادِ، أوْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وهو عَطْفٌ عَلى ( يُجاهِدُونَ ) بِمَعْنى أنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ المُجاهَدَةِ والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( يُجاهِدُونَ ) أيْ يُجاهِدُونَ وحالُهم غَيْرُ حالِ المُنافِقِينَ، والتَّعْرِيضُ فِيهِ حِينَئِذٍ أظْهَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الأوَّلِ لا تَعْرِيضَ فِيهِ، بَلْ هو تَتْمِيمٌ لِمَعْنى ( يُجاهِدُونَ ) مُفِيدٌ لِلْمُبالَغَةِ والِاسْتِيعابِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
واعْتُرِضَ القَوْلُ بِالحالِيَّةِ بِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ بِـ( لا ) أوْ ( ما ) كالمُثْبَتِ في عَدَمِ جَوازِ دُخُولِ الواوِ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيِّ القائِلِ بِجَوازِ اقْتِرانِ المُضارِعِ المَنفِيِّ بِـ( لا ) و( ما ) بِالواوِ، فَإنَّ النُّحاةَ جَوَّزُوهُ في المَنفِيِّ بِـ( لَمْ ) و( لَمّا ) ولا فَرْقَ بَيْنَهُما.
و( اللَّوْمَةُ ) المَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ أيِ الِاعْتِراضِ، وهو مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وأصْلُ ( لائِمٍ ) ( لاوِمٌ ) فاعِلٌ كَقائِمٍ، وفي اللَّوْمَةِ مَعَ تَنْكِيرِ ( لائِمٍ ) مُبالَغَتانِ - عَلى ما قِيلَ - ووَجَّهَ ذَلِكَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ لا يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ الخَوْفِ مِنَ اللَّوْمَةِ الواحِدَةِ خَوْفُ جَمِيعِ اللُّوماتِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، ثُمَّ إذا انْضَمَّ إلَيْها تَنْكِيرُ فاعِلِها يَسْتَوْعِبُ انْتِفاءَ خَوْفِ جَمِيعِ اللُّوّامِ، فَيَكُونُ هَذا تَتْمِيمًا في تَتْمِيمٍ، أيْ لا يَخافُونَ شَيْئًا مِنَ اللَّوْمِ مِن أحَدٍ مِنَ اللُّوّامِ.
وقِيلَ عَلَيْهِ: بِأنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ ( لَوْمَةُ ) أبْلَغَ مِن ( لَوْمٍ ) مَعَ ما فِيها مِن مَعْنى الوَحْدَةِ؟ فَلَوْ قِيلَ: ( لَوْمُ لائِمٍ ) كانَ أبْلَغَ! وأُجِيبَ بِأنَّها في الأصْلِ لِلْمَرَّةِ، لَكِنِ المُرادُ بِها هُنا الجِنْسُ، وأُتِيَ بِالتّاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ جِنْسَ اللَّوْمِ عِنْدَهم بِمَنزِلَةٍ لَوْمَةٍ واحِدَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ؛ لِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى هَذا التَّجَوُّزِ مَعَ بَقاءِ الإبْهامِ فِيهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ مَقامَ المَدْحِ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ لا بَعْضِها - كَما قِيلَ - والإفْرادُ لِما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ ما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيْ لُطْفُهُ وإحْسانُهُ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ إيتاءَهُ إيّاهُ لا أنَّهم مُسْتَقِلُّونَ في الِاتِّصافِ بِهِ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ الفَضْلِ، أوْ جَوادٌ لا يُخافُ نَفادُ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلِيمٌ﴾
صفحة 165
مُبالِغٌ في تَعَلُّقِ العِلْمِ في جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَن هو أهْلُ الفَضْلِ ومَحَلُّهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِالعِلَّةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ، كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
* * *
هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ:
﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ الأوَّلُ إشارَةً إلى عِلْمِ الفُرْقانِ، والثّانِي إشارَةً إلى عِلْمِ القُرْآنِ، والأوَّلِ هو ظُهُورُ تَفاصِيلِ الكَمالِ، والثّانِي هو العِلْمُ الإجْمالِيُّ الثّابِتُ في الِاسْتِعْدادِ، ومَعْنى كَوْنِهِ ( مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) حافِظًا عَلَيْهِ بِالإظْهارِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ إشارَةً إلى ما بَيْنَ أيْدِينا مِنَ المُصْحَفِ، والثّانِي إشارَةً إلى الجِنْسِ الشّامِلِ لِلتَّوْراةِ الَّتِي دَعْوَتُها لِلظّاهِرِ، والإنْجِيلِ الَّذِي هو دَعْوَتُهُ لِلْباطِنِ، وكِتابُنا مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرَيْنِ، حافِظٌ لِكُلٍّ مِنَ الكِتابَيْنِ.
( ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ) مِنَ العَدْلِ الَّذِي هو ظِلُّ المَحَبَّةِ، الَّتِي هي ظِلُّ الوَحْدَةِ، الَّتِي انْكَشَفَتْ عَلَيْكَ ( ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ ) في تَغْلِيبِ أحَدِ الجانِبَيْنِ، إمّا الظّاهِرُ وإمّا الباطِنُ ( ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً﴾ ) مَوْرِدًا كَمَوْرِدِ النَّفْسِ، ومَوْرِدِ القَلْبِ، ومَوْرِدِ الرُّوحِ، ( ﴿ومِنهاجًا﴾ ) طَرِيقًا كَعِلْمِ الأحْكامِ والمَعارِفِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ، وسُلُوكِ طَرِيقِ الباطِنِ المُوصِلِ إلى جَنَّةِ الصِّفاتِ، وعِلْمِ التَّوْحِيدِ والمُشاهَدَةِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالرُّوحِ، وسُلُوكِ طَرِيقِ الفَناءِ المُوصِلِ إلى جَنَّةِ الذّاتِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِحارًا لِلْأرْواحِ، وأنْهارًا لِلْقُلُوبِ، وسَواقِيَ لِلْعُقُولِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها شِرْعَةٌ في ذَلِكَ تَرِدُ مِنها؛ كَشِرْعَةِ العِلْمِ، وشِرْعَةِ القُدْرَةِ، وشِرْعَةِ الصَّمَدِيَّةِ، وشِرْعَةِ المَحَبَّةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَهُ عَزَّ وجَلَّ طُرُقٌ بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ، كَما قالَ أبُو يَزِيدَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - والمُرادُ بِها الطُّرُقُ الشَّخْصِيَّةُ لا مُطْلَقًا، وكُلُّها تُوصِلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى اخْتِلافِ مَشارِبِ القَوْمِ، وعَدَمِ اتِّحادِ مَسالِكِهِمْ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وفَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ في ذَلِكَ، وقَلَّما يَتَّفِقُ اثْنانِ في مَشْرَبٍ ومَنهَجٍ، ومِن هُنا يَنْحَلُّ الإشْكالُ فِيما حُكِيَ عَنْ حَضْرَةِ البازِ الأشْهَبِ مَوْلانا الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: لا زِلْتُ أسِيرُ في مَهامِهِ القُدْسِ حَتّى قَطَعْتُ الآثارَ، فَلاحَ لِي أثَرُ قَدَمٍ مِن بَعِيدٍ، فَكادَتْ رُوحِي تَزْهَقُ، فَإذا النِّداءُ: هَذا أثَرُ قَدَمِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي سَبْقَهُ لِلْأنْبِياءِ والرُّسُلِ أرْبابِ التَّشْرِيعِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَحْوِهِمْ مِنَ الكامِلِينَ، وهو كَما تَرى.
ووَجْهُهُ أنَّهُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - قَطَعَ الآثارَ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي السَّبْقَ عَلى سالِكِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ لا غَيْرُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمَن ذَكَرْنا مِنَ السّالِكِينَ طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وهَذا أحْسَنُ ما يَخْطُرُ لِي في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ الإشْكالِ؛ نَظَرًا إلى مَشْرَبِي، ومَشارِبُ القَوْمِ شَتّى.
( ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ ) مُتَّفِقِينَ في المَشْرَبِ والطَّرِيقِ ( ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ ) أيْ لِيُظْهِرَ عَلَيْكم ما آتاكم بِحَسَبِ اسْتِعْداداتِكم عَلى قَدْرِ قَبُولِ كُلِّ واحِدٍ مِنكم ( ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ ) أيِ الأُمُورَ المُوصِلَةَ لَكم إلى كَمالِكُمُ الَّذِي قُدِّرَ لَكم بِحَسَبِ الِاسْتِعْداداتِ المُقَرِّبَةِ إيّاكم إلَيْهِ بِإخْراجِهِ إلى الفِعْلِ.
( ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ) في عَيْنِ جَمْعِ الوُجُودِ عَلى حَسَبِ المَراتِبِ ( ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ) وذَلِكَ بِإظْهارِ آثارِ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ ( ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهُمْ﴾ ) حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ويَقْبَلُهُ الِاسْتِعْدادُ ( ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ) إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ الجامِعِ لِلظّاهِرِ والباطِنِ ( ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ) فَتُقْصَرُ عَلى الظّاهِرِ البَحْتِ، أوِ الباطِنِ المَحْضِ، وتَنْفِي الآخَرَ ( ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ) كَذَنْبِ حَجْبِ الأفْعالِ لِلْيَهُودِ، وذَنْبِ حَجْبِ الصِّفاتِ لِلنَّصارى ( وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ) وأنْواعُ الفِسْقِ مُخْتَلِفَةٌ، فَفِسْقُ اليَهُودِ خُرُوجُهم عَنْ حُكْمِ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ، بِرُؤْيَةِ
صفحة 166
النَّفْسِ أفْعالَها، وفِسْقُ النَّصارى خُرُوجُهم عَنْ حُكْمِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ الحَقّانِيَّةِ، بِرُؤْيَةِ النَّفْسِ صِفاتِها، والفِسْقُ الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ الِالتِفاتُ إلى ذَواتِهِمْ، والخُرُوجُ عَنْ حُكْمِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ ( ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ) وهو الحُكْمُ الصّادِرُ عَنْ مَقامِ النَّفْسِ بِالجَهْلِ، لا عَنْ عِلْمٍ إلَهِيٍّ ( ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ ) الحَقِّ، فَيَحْتَجِبُ بِبَعْضِ الحُجُبِ ( ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ ) في الأزَلِ لا لِعِلَّةٍ ( ﴿ويُحِبُّونَهُ﴾ ) كَذَلِكَ، ومَرْجِعُ المَحَبَّةِ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ الذّاتُ دُونَ الصِّفاتِ، كَما قالَهُ الواسِطِيُّ، وطَعَنَ فِيهِ - كَما قَدَّمْنا – الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَيْثُ أحَبَّهم - ولَمْ يَكُونُوا إلّا في العِلْمِ - كانَ المُحِبُّ والمَحْبُوبُ واحِدًا في عَيْنِ الجَمْعِ.
وقالَ السُّلَمِيُّ: إنَّهم بِفَضْلِ حُبِّهِ لَهُمُ أحَبُّوهُ، وإلّا فَمِن أيْنَ لَهُمُ المَحَبَّةُ لِلَّهِ تَعالى، وما لِلتُّرابِ ورَبِّ الأرْبابِ! وشَرْطُ الحُبِّ - كَما قالَ - أنْ يَلْحَقَهُ سَكَراتُ المَحَبَّةِ، وإلّا فَلَيْسَ بِحُبٍّ حَقِيقَةً، وقالَتْ أعْرابِيَّةٌ في صِفَةِ الحُبِّ: خَفِيَ أنْ يُرى، وجَلَّ أنْ يَخْفى، فَهو كامِنٌ كَكُمُونِ النّارِ في الحَجَرِ، إنْ قَدَحْتَهُ أوْرى وإنْ تَرَكْتَهُ تَوارى، وإنْ لَمْ يَكُنْ شُعْبَةً مِنَ الجُنُونِ فَهو عُصارَةُ السِّحْرِ، وهَذا شَأْنُ حُبِّ الحادِثِ، فَكَيْفَ شَأْنُ حُبِّ القَدِيمِ - جَلَّ شَأْنُهُ - والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ.
( ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ) لِمَكانِ الجِنْسِيَّةِ الذّاتِيَّةِ، ورابِطَةِ المَحَبَّةِ الأزَلِيَّةِ، والمُناسَبَةِ الفِطْرِيَّةِ بَيْنَهم ( ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ ) المَحْجُوبِينَ لِضِدِّ ما ذُكِرَ ( ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) بِمَحْوِ صِفاتِهِمْ، وإفْناءِ ذَواتِهِمُ الَّتِي هي حُجُبُ المُشاهَدَةِ ( ﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ) لِفَرْطِ حُبِّهِمُ الَّذِي هو الرَّشادُ الأعْظَمُ لِلْمُتَّصَفِ بِهِ:
وإذا الفَتى عَرَفَ الرَّشادَ لِنَفْسِهِ هانَتْ عَلَيْهِ مَلامَةُ العُزّالِ
بَلْ إذا صَدَقَتِ المَحَبَّةُ التَذَّ المُحِبُّ بِالمَلامَةِ، كَما قِيلَ:
أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً ∗∗∗ حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
( ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ ) الَّذِي لا يُدْرَكُ شَأْوُهُ ( ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ ) مِن عِبادِهِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ العِنايَةُ الإلَهِيَّةِ ( ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ ) الفَضْلِ ( ﴿عَلِيمٌ﴾ ) حَيْثُ يَجْعَلُ فَضْلَهُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِفَضْلِهِ الواسِعِ، وجُودِهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مانِعٌ.
المائدة 5:55
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ( ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ ) وعَلَّلَهُ بِما عَلَّلَهُ ذَكَرَ عَقِبَ ذَلِكَ مَن هو حَقِيقٌ بِالمُوالاةِ بِطَرِيقِ القَصْرِ فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ( ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا أُولَئِكَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، ولَيْسُوا بِأوْلِيائِكُمْ، إنَّما أوْلِياؤُكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – والمُؤْمِنُونَ، فاخْتَصُّوهم بِالمُوالاةِ، ولا تَتَخَطَّوْهم إلى الغَيْرِ، وأفْرَدَ الوَلِيَّ مَعَ تَعَدُّدِهِ لِيُفِيدَ - كَما قِيلَ - أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ تَعالى بِالأصالَةِ، ولِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ بِالتَّبَعِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وكَذَلِكَ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والَّذِينَ آمَنُوا، فَيَكُونُ في الكَلامِ أصْلٌ وتَبَعٌ، لا أنَّ ( ﴿ولِيُّكُمُ﴾ ) مُفْرَدٌ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ كَما ظَنَّ صاحِبُ الفَرائِدِ، فاعْتَرَضَ بِأنَّ ما ذُكِرَ بَعِيدٌ عَنْ قاعِدَةِ الكَلامِ لِما فِيهِ مِن جَعْلِ ما لا يَسْتَوِي الواحِدُ والجَمْعُ جَمْعًا، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) أوْلِياؤُكُمْ، فَحُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ السّابِقِ عَلَيْهِ، وفائِدَةُ الفَصْلِ في الخَبَرِ هي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كَوْنَهم أوْلِياءَ بَعْدَ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ ولِيًّا، ثُمَّ بِجَعْلِهِ إيّاهم أوْلِياءَ، فَفي الحَقِيقَةِ هو الوَلِيُّ، انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ أنَّ المَآلَ مُتَّحِدٌ والمَوْرِدَ واحِدٌ، ومِمّا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الحَلَبِيِّ يَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ ولِيًّا زِنَةُ فَعِيلٍ، وقَدْ نَصَّ أهْلُ اللِّسانِ أنَّهُ يَقَعُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ تَذْكِيرًا وتَأْنِيثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ ( كَصَدِيقٍ ) غَيْرَ واقِعٍ مَوْقِعَهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ في سِرٍّ بَيانِيٍّ، وهو نُكْتَةُ العُدُولِ مِن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ، ولا يَرِدُ عَلى ما قَدَّمْناهُ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ كَذَلِكَ لَنافى حَصْرُ الوِلايَةِ في اللَّهِ تَعالى ثُمَّ إثْباتُها لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 167
ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الحَصْرَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ الوَلِيُّ أصالَةً وحَقِيقَةً، ووِلايَةُ غَيْرِهِ إنَّما هي بِالإسْنادِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ إجْرائِهِ مَجْرى الأسْماءِ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ وصْلَةٌ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، والوَصْفُ لا يُوصَفُ إلّا بِتَأْوِيلٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ ومَرْفُوعًا عَلَيْهِ أيْضًا، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( والَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) بِالواوِ.
﴿وهم راكِعُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ، أيْ يَعْمَلُونَ ما ذُكِرَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وهم خاشِعُونَ ومُتَواضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى.
وقِيلَ: هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِإيتاءِ الزَّكاةِ، والرُّكُوعُ رُكُوعُ الصَّلاةِ، والمُرادُ بَيانُ كَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الإحْسانِ، ومُسارَعَتِهِمْ إلَيْهِ، وغالِبُ الإخْبارِيِّينَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ قالَ: ««أقْبَلَ ابْنَ سَلامٍ ونَفَرٌ مِن قَوْمِهِ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مَنازِلَنا بَعِيدَةٌ، ولَيْسَ لَنا مَجْلِسٌ ولا مُتَحَدَّثٌ دُونَ هَذا المَجْلِسِ، وإنَّ قَوْمَنا لَمّا رَأوْنا آمَنّا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقْناهُ رَفَضُونا، وآلُوا عَلى نُفُوسِهِمْ أنْ لا يُجالِسُونا ولا يُناكِحُونا ولا يُكَلِّمُونا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ( إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ) ثُمَّ إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَرَجَ إلى المَسْجِدِ والنّاسُ بَيْنَ قائِمٍ وراكِعٍ، فَبُصِّرَ بِسائِلٍ، فَقالَ: هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا؟ فَقالَ: نَعَمْ، خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، فَقالَ: مَن أعْطاكَهُ؟ فَقالَ: ذَلِكَ القائِمُ، وأوْمَأ إلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى أيِّ حالٍ أعْطاكَ؟ فَقالَ: وهو راكِعٌ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ» فَأنْشَأ حَسّانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ:
أبا حَسَنٍ تَفْدِيكَ نَفْسِي ومُهْجَتِي وكُلُّ بَطِيءٍ في الهُدى ومُسارِعِ
أيَذْهَبُ مَدِيحُكَ المُحَبَّرُ ضائِعًا ∗∗∗ وما المَدْحُ في جَنْبِ الإلَهِ بِضائِعِ
فَأنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَ إذْ كُنْتَ راكِعًا ∗∗∗ زَكاةً فَدَتْكَ النَّفْسُ يا خَيْرَ راكِعِ
فَأنْزَلَ فِيكَ اللَّهُ خَيْرَ وِلايَةٍ ∗∗∗ وأثْبَتَها أثْنا كِتابِ الشَّرائِعِ
»
واسْتَدَلَّ الشِّيعَةُ بِها عَلى إمامَتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها عِنْدَهم أنَّها بِالإجْماعِ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وكَلِمَةُ ( إنَّما ) تُفِيدُ الحَصْرَ، ولَفْظُ الوَلِيِّ بِمَعْنى المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ، والمُسْتَحِقِّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ هُنا التَّصَرُّفُ العامُّ المُساوِي لِلْإمامَةِ بِقَرِينَةِ ضَمِّ وِلايَتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِوِلايَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَثَبَتَ إمامَتُهُ وانْتَفَتْ إمامَةُ غَيْرِهِ، وإلّا لَبَطَلَ الحَصْرُ ولا إشْكالَ في التَّعْبِيرِ عَنِ الواحِدِ بِالجَمْعِ، فَقَدْ جاءَ في غَيْرِما مَوْضِعٍ، وذَكَرَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ يَكُونُ لِفائِدَتَيْنِ:
تَعْظِيمُ الفاعِلِ، وأنَّ مَن أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ عَظِيمُ الشَّأْنِ بِمَنزِلَةِ جَماعَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ لِيُرَغِّبَ النّاسَ في الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ.
وتَعْظِيمُ الفِعْلِ أيْضًا، حَتّى إنَّ فِعْلَهُ سَجِيَّةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وهَذِهِ نُكْتَةٌ سَرِيعَةٌ، تُعْتَبَرُ في كُلِّ مَكانٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.
وقَدْ أجابَ أهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: النَّقْضُ بِأنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ بِزَعْمِهِمْ عَلى نَفْيِ إمامَةِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ، كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى سَلْبِ الإمامَةِ عَنِ الأئِمَّةِ المُتَأخِّرِينَ، كالسِّبْطَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وباقِي الاثْنَيْ عَشَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - بِعَيْنٍ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ، فالدَّلِيلُ يَضُرُّ الشِّيعَةَ أكْثَرَ مِمّا يَضُرُّ أهْلَ السُّنَّةِ كَما لا يَخْفى، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن تَقَدَّمُهُ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ حَصْرَ وِلايَةِ مَنِ اسْتَجْمَعَ
صفحة 168
تِلْكَ الصِّفاتِ لا يُفِيدُ إلّا إذا كانَ حَقِيقِيًّا، بَلْ لا يَصِحُّ لِعَدَمِ اسْتِجْماعِها فِيمَن تَأخَّرَ عَنْهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وإنْ أجابُوا عَنِ النَّقْضِ بِأنَّ المُرادَ حَصْرُ الوِلايَةِ في الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في بَعْضِ الأوْقاتِ، أعْنِي وقْتَ إمامَتِهِ لا وقْتَ إمامَةِ السِّبْطَيْنِ ومَن بَعْدَهم - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – قُلْنا: فَمَرْحَبًا بِالوِفاقِ؛ إذْ مَذْهَبُنا أيْضًا أنَّ الوِلايَةَ العامَّةَ كانَتْ لَهُ وقْتَ كَوْنِهِ إمامًا لا قَبْلَهُ، وهو زَمانُ خِلافَةِ الثَّلاثَةِ ولا بَعْدَهُ وهو زَمانُ خِلافَةِ مَن ذُكِرَ.
فَإنْ قالُوا: إنَّ الأمِيرَ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لَوْ لَمْ يَكُنْ صاحِبَ وِلايَةٍ عامَّةٍ في عَهْدِ الخُلَفاءِ يَلْزَمُهُ نَقْصٌ، بِخِلافِ وقْتِ خِلافَةِ أشْبالِهِ الكِرامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ تَصِرْ إمامَةُ غَيْرِهِ مُوجِبَةً لِنَقْصِ شَرَفِهِ الكامِلِ؛ لِأنَّ المَوْتَ رافِعٌ لِجَمِيعِ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، يُقالُ: هَذا فِرارٌ وانْتِقالٌ إلى اسْتِدْلالٍ آخَرَ، لَيْسَ مَفْهُومًا مِنَ الآيَةِ، إذْ مَبْناهُ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ:
الأُولى أنَّ كَوْنَ صاحِبِ الوِلايَةِ العامَّةِ في وِلايَةِ الآخَرِ - ولَوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ - غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالوِلايَةِ نَقْصٌ لَهُ.
والثّانِيَةُ أنَّ صاحِبَ الوِلايَةِ العامَّةِ لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ ما بِأيِّ وجْهٍ، وأيِّ وقْتٍ كانَ، وكِلْتاهُما لا يُفْهَمانِ مِنَ الآيَةِ أصْلًا، كَما لا يَخْفى عَلى ذِي فَهْمٍ، عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مَنقُوضٌ بِالسِّبْطَيْنِ زَمَنَ وِلايَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَلْ وبِالأمِيرِ أيْضًا في عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
والثّانِي أنّا لا نُسَلِّمُ الإجْماعَ عَلى نُزُولِها في الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ في ذَلِكَ، فَرَوى أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ صاحِبُ التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّها نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقالَ قائِلٌ: نَحْنُ سَمِعْنا أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: هو مِنهُمْ، يَعْنِي أنَّهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - داخِلٌ أيْضًا في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ومِن جُمْلَتِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، عَنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ أوْفَقُ بِصِيَغِ الجَمْعِ في الآيَةِ.
ورَوى جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
والثّالِثُ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ والمُسْتَحِقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها تَصَرُّفًا عامًّا، بَلِ المُرادُ بِهِ النّاصِرُ؛ لِأنَّ الكَلامَ في تَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَسَلِّيها، وإزالَةِ الخَوْفِ عَنْها مِنَ المُرْتَدِّينَ، وهو أقْوى قَرِينَةً عَلى ما ذَكَرَهُ، ولا يَأْباهُ الضَّمُّ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن فَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَ بَصِيرَتِهِ.
ومَن أنْصَفَ نَفْسَهُ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ آبٍ عَنْ حَمْلِ الوَلِيِّ عَلى ما يُساوِي الإمامَ الأعْظَمَ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يَتَّخِذِ اليَهُودَ والنَّصارى والكُفّارَ أئِمَّةً لِنَفْسِهِ، وهم أيْضًا لَمْ يَتَّخِذْ بَعْضُهم بَعْضًا إمامًا، وإنَّما اتَّخَذُوا أنْصارًا وأحْبابًا، وكَلِمَةُ ( إنَّما ) المُفِيدَةُ لِلْحَصْرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا؛ لِأنَّ الحَصْرَ يَكُونُ فِيما يَحْتَمِلُ اعْتِقادَ الشَّرِكَةِ والتَّرَدُّدِ والنِّزاعِ، ولَمْ يَكُنْ - بِالإجْماعِ - وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ تَرَدُّدٌ ونِزاعٌ في الإمامَةِ ووِلايَةِ التَّصَرُّفِ، بَلْ كانَ في النُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ.
والرّابِعُ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرُوهُ، فَلَفْظُ الجَمْعِ عامٌّ أوْ مُساوٍ - كَما ذَكَرَهُ المُرْتَضى في الذَّرِيعَةِ وابْنُ المُطَهَّرِ في النِّهايَةِ - والعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الفَرِيقانِ.
فَمُفادُ الآيَةِ حِينَئِذٍ حَصْرُ الوِلايَةِ العامَّةِ لِرِجالٍ مُتَعَدِّدِينَ، يَدْخُلُ فِيهِمُ الأمِيرُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وحَمْلُ العامِّ عَلى الخاصِّ خِلافُ الأصْلِ، لا يَصِحُّ ارْتِكابُهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، ولا ضَرُورَةَ.
فَإنْ قالُوا: الضَّرُورَةُ مُتَحَقِّقَةٌ ها هُنا، إذِ التَّصَدُّقُ عَلى السّائِلِ في حالِ الرُّكُوعِ لَمْ يَقَعْ مِن أحَدٍ غَيْرِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – قُلْنا: لَيْسَتِ الآيَةُ نَصًّا في كَوْنِ التَّصَدُّقِ واقِعًا حالَ رُكُوعِ الصَّلاةِ، لِجَوازِ أنْ يَكُونَ
صفحة 169
الرُّكُوعُ بِمَعْنى التَّخَشُّعِ والتَّذَلُّلِ لا بِالمَعْنى المَعْرُوفِ في عُرْفِ أهْلِ الشَّرْعِ، كَما في قَوْلِهِ:
لا تُهِينُ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ
وقَدِ اسْتُعْمِلَ بِهَذا المَعْنى في القُرْآنِ أيْضًا، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ إذْ لَيْسَ في صَلاةِ مَن قَبْلَنا مِن أهْلِ الشَّرائِعِ رُكُوعٌ هو أحَدُ الأرْكانِ بِالإجْماعِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ وقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ عَلى ما بَيَّنَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ، ولَيْسَ حَمْلُ الرُّكُوعِ في الآيَةِ عَلى غَيْرِ مَعْناهُ الشَّرْعِي بِأبْعَدَ مِن حَمْلِ الزَّكاةِ المَقْرُونَةِ بِالصَّلاةِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ التَّصَدُّقِ، وهو لازِمٌ عَلى مُدَّعِي الإمامِيَّةِ قَطْعًا.
وقالَ بَعْضٌ مِنّا أهْلَ السُّنَّةِ: إنَّ حَمْلَ الرُّكُوعِ عَلى مَعْناهُ الشَّرْعِيِّ وجَعْلَ الجُمْلَةِ حالًا مِن فاعِلِ ( يَأْتُونَ ) يُوجِبُ قُصُورًا بَيِّنًا في مَفْهُومِ ( يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) إذِ المَدْحُ والفَضِيلَةُ في الصَّلاةِ كَوْنُها خالِيَةً عَمّا لا يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الحَرَكاتِ، سَواءٌ كانَتْ كَثِيرَةً أوْ قَلِيلَةً، غايَةُ الأمْرِ أنَّ الكَثِيرَةَ مُفْسِدَةٌ لِلصَّلاةِ دُونَ القَلِيلَةِ، ولَكِنْ لا تُؤَثِّرُ قُصُورًا في مَعْنى إقامَةِ الصَّلاةِ البَتَّةَ، فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ، انْتَهى.
وبَلَغَنِي أنَّهُ قِيلَ لِابْنِ الجَوْزِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: كَيْفَ تَصَدَّقَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِالخاتَمِ وهو في الصَّلاةِ والظَّنُّ فِيهِ - بَلِ العِلْمُ الجازِمُ - أنَّ لَهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - شُغُلًا شاغِلًا فِيها عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما لا يَتَعَلَّقُ بِها، وقَدْ حُكِيَ مِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَثِيرٌ؟! فَأنْشَأ يَقُولُ:
يُسْقِي ويَشْرَبُ لا تُلْهِيهِ سَكْرَتُهُ ∗∗∗ عَنِ النَّدِيمِ ولا يَلْهُو عَنِ النّاسِ
أطاعَهُ سُكْرُهُ حَتّى تَمَكَّنَ مِن ∗∗∗ فِعْلِ الصُّحاةِ فَهَذا واحِدُ النّاسِ
وأجابَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُرْدِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - عَنْ أصْلِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الدَّلِيلَ قائِمٌ في غَيْرِ مَحَلِّ النِّزاعِ، وهو كَوْنُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - إمامًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَيْرِ فَصْلٍ؛ لِأنَّ وِلايَةَ الَّذِينَ آمَنُوا - عَلى زَعْمِ الإمامِيَّةِ - غَيْرُ مُرادَةٍ في زَمانِ الخِطابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَهْدُ النُّبُوَّةِ، والإمامِيَّةُ نِيابَةٌ، فَلا تُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ انْتِقالِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإذا لَمْ يَكُنْ زَمانُ الخِطابِ مُرادًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الزَّمانَ المُتَأخِّرَ عَنْ زَمَنِ الِانْتِقالِ، ولا حَدَّ لِلتَّأْخِيرِ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَعْدَ مُضِيِّ زَمانِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ مُدَّعى الإمامِيَّةِ.
ومِنَ العَجائِبِ أنَّ صاحِبَ إظْهارِ الحَقِّ قَدْ بَلَغَ سَعْيُهُ الغايَةَ القُصْوى في تَصْحِيحِ الِاسْتِدْلالِ بِزَعْمِهِ، ولَمْ يَأْتِ بِأكْثَرَ مِمّا يُضْحِكُ الثَّكْلى، وتَفْزَعُ مِن سَماعِهِ المَوْتى، فَقالَ: إنَّ الأمْرَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَكُونُ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ لا مَحالَةَ، فالأمْرُ بِمَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ ووِلايَتِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ، إذِ الحُكْمُ في كَلامٍ واحِدٍ يَكُونُ مَوْضِعُهُ مُتَّحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا أوْ مُتَعاطِفًا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ واجِبًا وبَعْضُهُ مَندُوبًا، وإلّا لَزِمَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ بِمَعْنَيَيْنِ، فَإذا كانَتْ مَحَبَّةُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ ووِلايَتُهم واجِبَةً وُجُوبَ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - امْتَنَعَ أنْ يُرادَ مِنهم كافَّةُ المُسْلِمِينَ وكُلُّ الأُمَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ مِن شَأْنِهِمُ الِاتِّصافُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ كُلٍّ مِنهم لِيُحِبَّ ويُوالِيَ مِمّا لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأيْضًا قَدْ تَكُونُ مُعاداةُ المُؤْمِنِينَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ مُباحَةٌ بَلْ واجِبَةٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يُرادَ مِنهُمُ البَعْضُ، وهو عَلِيٌّ المُرْتَضى - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - انْتَهى.
ويُرَدُّ عَلَيْهِ: أنَّهُ مَعَ تَسْلِيمِ المُقَدِّماتِ، أيْنَ اللُّزُومُ بَيْنَ الدَّلِيلِ والمُدَّعى؟ وكَيْفَ اسْتِنْتاجُ المُتَعَيَّنِ مِنَ المُطْلَقِ؟ وأيْضًا لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ أنَّ مُوالاةَ المُؤْمِنِينَ مِن جِهَةِ الإيمانِ أمْرٌ عامٌّ بِلا قَيْدٍ ولا جِهَةٍ، وتَرْجِعُ إلى مُوالاةِ
صفحة 170
إيمانِهِمْ في الحَقِيقَةِ، والبُغْضِ لِسَبَبٍ غَيْرِ ضارٍّ فِيها، وأيْضًا ماذا يَقُولُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ ؟ وأيْضًا ماذا يُجابُ عَنْ مُعاداتِ الكُفّارِ وكَيْفَ الأمْرُ فِيها وهم أضْعافُ المُؤْمِنِينَ؟ ومَتى كَفَتِ المُلاحَظَةُ الإجْمالِيَّةُ هُناكَ فَلْتَكْفِ هُنا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُلاحَظَةَ الكَثْرَةِ بِعُنْوانِ الوَحْدَةِ مِمّا لا شَكَّ في وُقُوعِها فَضْلًا عَنْ إمْكانِها، والرُّجُوعُ إلى عِلْمِ الوَضْعِ يَهْدِي لِذَلِكَ، والمَحْذُورُ كَوْنُ المُوالاةِ الثَّلاثَةِ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ فَلَيْسَ؛ إذِ الأُولى أصْلٌ، والثّانِيَةُ تَبَعٌ، والثّالِثَةٌ تَبَعُ التَّبَعِ، فالمَحْمُولُ مُخْتَلِفٌ، ومِثْلُهُ المَوْضُوعُ، إذِ المُوالاةُ مِنَ الأُمُورِ العامَّةِ وكالعَوارِضِ المُشَكِّكَةِ، والعَطْفُ مُوجِبٌ لِلتَّشْرِيكِ في الحُكْمِ لا في جِهَتِهِ، فالمَوْجُودُ في الخارِجِ الواجِبُ والجَوْهَرُ والعَرَضُ، مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الوُجُودِ إلى كُلٍّ غَيْرُ نِسْبَتِهِ إلى الآخَرِ، والجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ بِلا رَيْبٍ، وهَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ مَعَ أنَّ الدَّعْوَةَ واجِبَةٌ عَلى الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَندُوبَةٌ في غَيْرِهِ، ولِهَذا قالَ الأُصُولِيُّونَ: القِرانُ في النَّظْمِ لا يُوجِبُ القِرانَ في الحُكْمِ، وعَدُّوا هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ مِنَ المَسالِكِ المَرْدُودَةِ، ثُمَّ إنَّهُ أجابَ عَنْ حَدِيثِ عَدَمِ وُقُوعِ التَّرَدُّدِ مَعَ اقْتِضاءِ ( إنَّما ) لَهُ بِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن بَعْضِ أحادِيثِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ - التَمَسُوا مِن حَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – الِاسْتِخْلافَ.
فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم قالُوا: ««يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اسْتَخْلَفْتَ؟ قالَ: لَوِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكم فَعَصَيْتُمُوهُ عُذِّبْتُمْ، ولَكِنْ ما حَدَّثَكم حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ، وما أقْرَأكم عَبْدُ اللَّهِ فاقْرَءُوهُ»».
وأيْضًا اسْتَفْسَرُوا مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَمَّنْ يَكُونُ إمامًا بَعْدَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن نُؤَمِّرُ بَعْدَكَ؟ قالَ: إنْ تُؤَمِّرُوا أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تَجِدُوهُ أمِينًا، زاهِدًا في الدُّنْيا، راغِبًا في الآخِرَةِ، وإنْ تُؤَمِّرُوا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تَجِدُوهُ قَوِيًّا، أمِينًا، لا يَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وإنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا - ولا أراكم فاعِلِينَ - تَجِدُوهُ هادِيًا مَهْدِيًّا، يَأْخُذُ بِكُمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ»» وهَذا الِالتِماسُ والِاسْتِفْسارُ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنهُما وُقُوعَ التَّرَدُّدِ في حُضُورِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلَمْ يَبْطُلْ مَدْلُولُ ( إنَّما ) انْتَهى.
وفِيهِ أنَّ مَحْضَ السُّؤالِ والِاسْتِفْسارِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ التَّرَدُّدِ، نَعَمْ، لَوْ كانُوا شاوَرُوا في هَذا الأمْرِ ونازَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بَعْدَما سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جَوابَ ما سَألُوهُ لَتَحَقَّقَ المَدْلُولُ، ولَيْسَ فَلَيْسَ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ والِاسْتِفْسارِ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِـ( إنَّما ) ولا مِن مَقاماتِهِ، بَلْ هو مِن مَقاماتِ ( إنَّ ) والفَرْقُ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ.
وأيْضًا لَوْ سَلَّمْنا التَّرَدُّدَ، ولَكِنْ كَيْفَ العِلْمُ بِأنَّهُ بَعْدَ الآيَةِ أوْ قَبْلَها؟ مُنْفَصِلًا أوْ مُتَّصِلًا؟ سَبَبًا لِلنُّزُولِ أوِ اتِّفاقِيًّا؟ ولا بُدَّ مِن إثْباتِ القَبْلِيَّةِ والِاتِّصالِ والسَّبَبِيَّةِ، وأيْنَ ذَلِكَ؟ والِاحْتِمالُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ ولا كافٍ في الِاسْتِدْلالِ.
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ الحَدِيثُ الثّانِي يُنافِي الحَصْرَ صَرِيحًا؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَقامِ السُّؤالِ عَنِ المُسْتَحِقِّ لِلْخِلافَةِ ذَكَرَ الشَّيْخَيْنِ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةً لَزِمَ مُخالَفَةُ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – القُرْآنَ، أوْ بِالعَكْسِ لَزِمَ التَّكْذِيبُ، والنَّسْخُ لا يُعْقَلُ في الأخْبارِ عَلى ما قُرِّرَ، ومَعَ ذا تَقَدُّمُ كُلٍّ عَلى الآخَرِ مَجْهُولٌ، فَسَقَطَ العَمَلُ.
فَإنْ قالُوا: الحَدِيثُ خَبَرُ الواحِدِ، وهو غَيْرُ مَقْبُولٍ في بابِ الإمامَةِ، قُلْنا: وكَذَلِكَ لا يُقْبَلُ في إثْباتِ التَّرَدُّدِ والنِّزاعِ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِالآيَةِ، والحَدِيثُ الأوَّلُ يُفِيدُ أنَّ تَرْكَ الِاسْتِخْلافِ أصْلَحُ، فَتَرْكُهُ - كَما تُفْهِمُهُ الآيَةُ بِزَعْمِهِمْ – تَرْكُهُ، وهم لا يُجَوِّزُونَهُ، فَتَأمَّلْ.
وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ في مَجْمَعِ البَيانِ وجْهًا آخَرَ - غَيْرَ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ إظْهارِ الحَقِّ - في أنَّ الوِلايَةَ مُخْتَصَّةٌ، وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ فَخاطَبَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، ودَخَلَ في الخِطابِ
صفحة 171
النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغَيْرُهُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَسُولُهُ﴾ فَأخْرَجَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جُمْلَتِهِمْ؛ لِكَوْنِهِمْ مُضافِينَ إلى وِلايَتِهِ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الَّذِي خُوطِبَ بِالآيَةِ غَيْرَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ الوِلايَةُ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُضافُ هو المُضافُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولِيَّ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُرادَ وِلايَةُ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ بَعْضًا، لا أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولِيَّ نَفْسِهِ، وكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِكَ مَثَلًا: أيُّها النّاسُ لا تَغْتابُوا النّاسَ إنَّهُ نَهْيٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَغْتابَ نَفْسَهُ، وفي الخَبَرُ أيْضًا: ««صُومُوا يَوْمَ يَصُومُ النّاسُ»» ولا يَخْتَلِجُ في القَلْبِ أنَّهُ أمْرٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَصُومَ يَوْمَ يَصُومُ النّاسُ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، وما قَدَّمْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ ظاهِرٌ في أنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ، وعَلَيْهِ لا إشْكالَ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُعْتَبَرُ مُخَصِّصًا كَما لا يَخْفى، فالآيَةُ عَلى كُلِّ حالٍ لا تَدُلُّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَزْعُمُهُ الإمامِيَّةُ، وهو ظاهِرٌ لِمَن تَوَلّى اللَّهُ تَعالى حِفْظَ ذِهْنِهِ عَنْ غُبارِ العَصَبِيَّةِ.
المائدة 5:56
﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ومَن يَتَّخِذُهم أوْلِياءَ، وأُوثِرَ الإظْهارُ عَلى الإضْمارِ؛ رِعايَةً لِما مَرَّ مِن نُكْتَةِ بَيانِ أصالَتِهِ تَعالى في الوِلايَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ حَيْثُ أُضِيفَ الحِزْبُ - أيِ الطّائِفَةُ والجَماعَةُ مُطْلَقًا، أوِ الجَماعَةُ الَّتِي فِيها شِدَّةٌ - إلَيْهِ تَعالى خاصَّةً، وفي هَذا - عَلى رَأْيِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ - أيْضًا العائِدُ إلى ( مَن ) أيْ: فَإنَّهُمُ الغالِبُونَ، لَكِنَّهم جُعِلُوا حِزْبَ اللَّهِ تَعالى؛ تَعْظِيمًا لَهم وإثْباتًا لِغَلَبَتِهِمْ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَإنَّهم حِزْبُ اللَّهِ تَعالى، وحِزْبُ اللَّهِ تَعالى هُمُ الغالِبُونَ، والجُمْلَةُ دَلِيلُ الجَوابِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُعْرِبِينَ.
المائدة 5:57
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: كانَ رَفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرُوا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ورَتَّبَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَلى وصْفٍ يَعُمُّهُما وغَيْرَهُما؛ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ، وتَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ، وإيذانًا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ جَدِيرٌ بِالمُعاداةِ، فَكَيْفَ بِالمُوالاةِ؟!
والهُزُؤُ - كَما في الصِّحاحِ – السُّخْرِيَةُ، تَقُولُ: هَزِئْتُ مِنهُ وهَزِئْتُ بِهِ - عَنِ الأخْفَشِ - واسْتَهْزَأْتُ بِهِ، وتَهَزَّأْتُ وهَزَأْتُ بِهِ أيْضًا هُزُؤًا ومَهْزَأةً - عَنْ أبِي زَيْدٍ - ورَجُلٌ هُزْأةٌ - بِالتَّسْكِينِ - أيْ يُهْزَأُ بِهِ، وهُزَأةٌ بِالتَّحْرِيكِ يَهْزَأُ بِالنّاسِ.
وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ يَجُوزُ في ( هُزُوًا ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: هُزُؤٌ بِضَمِّ الزّايِ مَعَ الهَمْزَةِ، وهو الأصْلُ والأجْوَدُ.
والثّانِي: هُزُوٌ بِضَمٍّ الزّايِ مَعَ إبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها.
والثّالِثُ: هُزْأٌ بِإسْكانِ الزّايِ مَعَ الهَمْزَةِ.
والرّابِعُ: هَزْيٌ كَهَدْيٍ، ويَجُوزُ القِراءَةُ بِما عَدا الأخِيرِ.
و( اللَّعِبُ ) بِفَتْحِ أوَّلِهِ وكَسْرِ ثانِيهِ ( كالضَّحِكِ ) واللَّعْبُ - بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ العَيْنِ - والتَّلْعابُ مَصْدَرُ لَعِبَ كَسَمِعَ وهو ضِدُّ الجِدِّ - كَما في القامُوسِ - وفي مَجْمَعِ البَيانِ: هو الأخْذُ عَلى غَيْرِ طَرِيقِ الجَدِّ، ومِثْلُهُ العَبَثُ، وأصْلُهُ مِن لُعابِ الصَّبِيِّ، يُقالُ: لَعِبَ كَسَمِعَ ومَنَعَ إذا سالَ لُعابُهُ وخَرَجَ إلى غَيْرِ جِهَةٍ، والمَصْدَرانِ: إمّا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أوِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ قَصْدِ المُبالَغَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( الَّذِينَ ) قَبْلَهُ، أوْ مِن فاعِلِ ( اتَّخَذُوا )، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ لِبَيانِ كَمالِ شَناعَتِهِمْ، وغايَةِ ضَلالَتِهِمْ لِما أنَّ إيتاءَ الكِتابِ وازِعٌ لَهم عَنِ اتِّخاذِ دِينِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِكِتابِهِمْ ( هُزُوًا ولَعِبًا ).
﴿والكُفّارَ﴾
صفحة 172
أيِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وخُصُّوا بِهِ لِتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ، وعَلَيْهِ لا تَصْرِيحَ بِاسْتِهْزائِهِمْ هُنا، وإنْ أُثْبِتَ لَهم في آيَةِ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ إذِ المُرادُ بِهِمْ مُشْرِكُو العَرَبِ، ولا يَكُونُ النُّهْيُ حِينَئِذٍ - بِالنَّظَرِ إلَيْهِمْ - مُعَلَّلًا بِالِاسْتِهْزاءِ، بَلْ نُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمُ ابْتِداءً.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وأهْلُ البَصْرَةِ ( والكَفّارِ ) بِالجَرِّ، عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ الأخِيرِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ( ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ) فَهم أيْضًا مِن جُمْلَةِ المُسْتَهْزِئِينَ صَرِيحًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْلِياءَ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ( لا تَتَّخِذُوا ) والمُرادُ جانِبُوهم كُلَّ المُجانَبَةِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ذَلِكَ بِتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، أوْ بِتَرْكِ المَناهِيِّ عَلى الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ مُوالاتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ حَقًّا، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ الِاتِّقاءَ لا مَحالَةَ
المائدة 5:58
﴿وإذا نادَيْتُمْ﴾ أيْ دَعا بَعْضُكم بَعْضًا ﴿إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها﴾ أيِ الصَّلاةَ أوِ المُناداةَ إلَيْها ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾ .
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««كانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها، قالَتِ اليَهُودُ: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رُكَّعًا وسُجَّدًا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ، وضَحِكُوا مِنهم»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ إذا سَمِعَ المُنادِيَ يُنادِي: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: حُرِّقَ الكاذِبُ، فَدَخَلَتْ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وهو نائِمٌ وأهْلُهُ نِيامٌ فَسَقَطَتْ شَرارَةٌ فَأحْرَقَتِ البَيْتَ، وأُحْرِقَ هو وأهْلُهُ».
والكَلامُ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِهْزائِهِمْ بِحُكْمٍ خاصٍّ مِن أحْكامِ الدِّينِ بَعْدَ بَيانِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالدِّينِ عَلى الإطْلاقِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ شَقاوَتِهِمْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الِاتِّخاذُ المَذْكُورُ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِمَحاسِنِ الحَقِّ والهُزْءِ بِهِ، ولَوْ كانَ لَهم عَقْلٌ في الجُمْلَةِ لَما اجْتَرَءُوا عَلى تِلْكَ العَظِيمَةِ.
قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصِّ الكِتابِ لا بِالمَنامِ وحْدَهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى الأذانِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: حَيْثُ ورَدَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ كانَ إشارَةً إلَيْهِ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لَهُ، قالَ في الكَشْفِ: أقُولُ فِيهِ: إنَّ اتِّخاذَ المُناداةِ هُزُؤًا مُنْكَرٌ مِنَ المَناكِيرِ لِأنَّها مِن مَعْرُوفاتِ الشَّرْعِ، فَمِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ دَلَّ عَلى أنَّ المُناداةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها حَقٌّ مَشْرُوعٌ مِنهُ تَعالى، وهو المُرادُ بِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَ ابْتِداءً بِالسُّنَّةِ، ومَنامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، الحَدِيثَ بِطُولِهِ، ولا يُنافِيهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ أوَّلَ ما قَدِمُوا المَدِينَةَ، والمائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا.
وقَوْلُهُ: لا بِالمَنامِ وحْدَهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّنَّةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ في الدَّلالَةِ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُعْرِفاتٌ وأماراتٌ، لا مُؤَثِّراتٌ ومُوجِباتٌ، وتَرادُفُ المَعْرِفاتِ لا يُنْكَرُ، انْتَهى.
ولِأبِي حَيّانَ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ المُكابَرَةِ الظّاهِرَةِ، وسُمِّيَ الأذانُ مُناداةً لِقَوْلِ المُؤَذِّنِ فِيهِ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ حَيَّ عَلى الفَلّاحِ.
المائدة 5:59
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ - بَعْدَ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قَوْلِ المُسْتَهْزِئِينَ - بِأنْ يُخاطِبَهم ويُبَيِّنَ أنَّ الدِّينَ مُنَزَّهٌ عَمّا يُصَحِّحُ صُدُورَ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، ويُظْهِرَ لَهم سَبَبَ ما ارْتَكَبُوهُ، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ، ووُصِفُوا بِأهْلِيَّةِ الكِتابِ تَمْهِيدًا لِما سَيَذْكُرُ سُبْحانَهُ مِن تَبْكِيتِهِمْ وإلْزامِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ الفَجَرَةِ ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ أيْ: هَلْ تُنْكِرُونَ وتَعِيبُونَ مِنّا، وهو مِن ( نَقَمَ مِنهُ كَذا ) إذا أنْكَرَهُ وكَرِهَهُ، مَن حَدِّ ضَرَبَ.
وقَرَأ الحَسَنُ: ( تَنْقَمُونَ )
صفحة 173
بِفَتْحِ القافِ، مِن حَدِّ عَلِمَ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَقَِمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، ومَعْناهُ بالَغَ في كَراهَةِ الشَّيْءِ، وأنْشَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ:
ما نَقِمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
وفِي النِّهايَةِ يُقالُ: نَقَمَ يَنْقِمُ إذْ بَلَغَتْ بِهِ الكَراهَةُ حَدَّ السَّخَطِ، ويُقالُ: نَقِمَ مِن فُلانٍ الإحْسانَ إذا جَعَلَهُ مِمّا يُؤَدِّيهِ إلى كُفْرِ النِّعْمَةِ، ومِنهُ حَدِيثُ الزَّكاةِ: ««ما يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلّا أنَّهُ كانَ فَقِيرًا فَأغْناهُ اللَّهُ تَعالى»» أيْ: ما يَنْقِمُ شَيْئًا مِن مَنعِ الزَّكاةِ إلّا أنْ يَكْفُرَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّ غِناهُ أدّاهُ إلى كُفْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الرّاغِبِ: إنَّ تَفْسِيرَ ( نَقَمَ ) بِـ( أنْكَرَ ) و( أعابَ ) لِأنَّ النِّقْمَةَ مَعْناها الإنْكارُ بِاللِّسانِ أوْ بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُعاقَبُ إلّا عَلى ما يُنْكِرُ، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ
وهُوَ - كَما قالَ الشِّهابُ - مِمّا يُعَدّى بِـ( مِن ) و( عَلى ).
وقالَ أبُو حَيّانَ: أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِـ( عَلى ) ثُمَّ افْتَعَلَ المَبْنِيُّ مِنهُ يُعَدّى بِـ( مِن ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصابَةِ بِالمَكْرُوهِ، وهُنا فَعَلَ بِمَعْنى افْتَعَلَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا في ذَلِكَ.
﴿إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ، ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِهِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وسائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ أيْ مُتَمَرِّدُونَ خارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ، فَإنَّ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ بِسائِرِ الكُتُبِ كَما لا يَخْفى، والواوُ لِلْعَطْفِ، وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ).
واخْتارَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِـ( تَنْقِمُونَ ) والمَفْعُولُ بِهِ الدِّينُ، وحُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ وما بَعْدُ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ اتِّخاذَ الدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا عَيْنُ نَقْمِهِ وإنْكارِهِ، والإيمانَ بِما فُصِّلَ عَيْنُ الدِّينِ الَّذِي نَقَمُوهُ، خَلا أنَّهُ في مَعْرِضِ عِلَّةِ نَقْمِهِمْ لَهم تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ المُكابَرَةِ والتَّعْكِيسِ، حَيْثُ جَعَلُوهُ مُوجِبًا لِنَقْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُوجِبًا لِقَبُولِهِ وارْتِضائِهِ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ ما تَنْقِمُونَ مِنّا دِينَنا لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِإيمانِنا بِاللَّهِ تَعالى، وما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ مِن كُتُبِكُمْ؛ ولِأنَّ أكْثَرَكم مُتَمَرِّدُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ حَتّى لَوْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِكِتابِكُمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ كِتابِنا لَآمَنتُمْ بِهِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ شَيْئًا ولا أرى فِيهِ بَأْسًا.
وقِيلَ: العَطْفُ عَلى ( أنْ آمَنّا ) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ المَفْعُولَ بِهِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مَجْمُوعُ المَعْطُوفَيْنِ؛ إذْ لا يَعْتَرِفُونَ أنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ حَتّى يُنْكِرُوهُ، بَلْ هو ما يَلْزَمُهُما مِنَ المُخالَفَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تُنْكِرُونَ مِنّا إلّا أنّا عَلى حالٍ يُخالِفُ حالَكُمْ، حَيْثُ دَخَلْنا في الإسْلامِ وخَرَجْتُمْ مِنهُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واعْتِقادِ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى المُؤْمَنِ بِهِ، أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ، وما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، وبِأنَّ أكْثَرَكم كافِرُونَ، وهَذا في المَعْنى كالوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقِيلَ: العَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، وقَدْ حُذِفَ الجارُّ في جانِبِ المَعْطُوفِ، ومَحَلُّهُ إمّا جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِقِلَّةِ إنْصافِكُمْ، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَنفِيٍّ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ: ولا تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عِنْدَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ لا يَقَعُ ما مَعَها مُبْتَدَأً إلّا إذا تَقَدَّمَ الخَبَرُ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ( أنَّ ) لا يُبْتَدَأُ بِها مُتَقَدِّمَةً إلّا بَعْدَ ( أمّا ) فَقَطْ، وخالَفَ الكَثِيرَ مِنَ النُّحاةِ في هَذا الشَّرْطِ، عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ في الأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِها، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ حالِيَّةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: وفِسْقُكم
صفحة 174
ثابِتٌ أوْ مَعْلُومٌ وقِيلَ: الواوُ بِمَعْنى ( مَعَ ) أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكُمْ، إلَخْ.
وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ هَذا لا يَتِمُّ عَلى ظاهِرِ كَلامِ النُّحاةِ مِن أنَّهُ لا بُدَّ في المَفْعُولِ مَعَهُ مِنَ المُصاحَبَةِ في مَعْمُولِيَّةِ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ المَحْذُورُ، وهو أنَّهم نَقَمُوا كَوْنَ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ، نَعَمْ، يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ حَيْثُ اكْتُفى في المَفْعُولِ مَعَهُ بِالمُقارَنَةِ في الوُجُودِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِمْ: سِرْتُ والنِّيلَ، وجِئْتُكَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ، وبَحْثٌ فِيهِ، بِأنَّ ذَلِكَ الِاشْتِراطَ في المَفْعُولِ مَعَهُ لا يُوجِبُ الِاشْتِراطَ في كُلِّ واوٍ بِمَعْنى مَعَ، فَلْيَكُنِ الواوُ بِمَعْنى مَعَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ وهو مُصاحَبَتُهُ مَعْمُولَ الفِعْلِ، بَلْ يَكُونُ لِلْعَطْفِ.
وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ ( وأنَّ أكْثَرَكم ) إلَخْ، في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ، أيْ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ؛ لِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ.
وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ( وإنَّ أكْثَرَكم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ أكْثَرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ مَن لَمْ يُؤْمِن وما آمَنَ مِنهم إلا قليل.
المائدة 5:60
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ تَبْكِيتٌ لِأُولَئِكَ الفَجَرَةِ أيْضًا، بِبَيانِ أنَّ الحَقِيقَ بِالنَّقْمِ والعَيْبِ حَقِيقَةً ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ المُحَرَّفِ، وفِيهِ نَعْيٌ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ بِجِناياتِهِمْ، وما حاقَ بِهِمْ مِن تَبِعاتِها وعُقُوباتِها، ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَحْمِلَهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَلى رُكُوبِ مَتْنِ المُكابَرَةِ والعِنادِ، وخاطَبَهم قَبْلَ البَيانِ بِما يُنْبِئُ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ، ويَسْتَدْعِي إقْبالَهم عَلى تَلَقِّيهِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُشَوِّقَةِ إلى المُخْبَرِ بِهِ، والتَّنْبِئَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِهِ أمْرًا خَطِرًا لِما أنَّ النَّبَأ هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، والإشارَةُ إلى الدِّينِ المُتَقَوَّمِ لَهُمْ، واعْتُبِرَتِ الشَّرِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - مَعَ أنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ الشَّرِّيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ - مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ المُنْعَقِدِ عَلى كَمالٍ شَرِّيَّتِهِ - وحاشاهُ - لِيُثْبِتَ أنَّ دِينَهم شَرٌّ مِن كُلِّ شَرٍّ، ولَمْ يَقِلْ سُبْحانَهُ بِـ( أنْقَمَ ) تَنْصِيصًا عَلى مَناطِ الشَّرِّيَّةِ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّقْمِ لا يُفِيدُها البَتَّةَ لِجَوازِ كَوْنِ العَيْبِ مِن جِهَةِ العائِبِ.
فَكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
وفِي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِشَرِّيَّةِ ما سَيُذْكَرُ، وزِيادَةُ تَقْرِيرٍ لَها، وقِيلَ: إنَّما قالَ: ( بِشَرٍّ ) لِوُقُوعِهِ في عِبارَةِ المُخاطَبِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««أتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَفَرٌ مِن يَهُودَ، فِيهِمْ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ، ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ، وغازِي بْنُ عَمْرٍو، وزَيْدٌ، وخالِدٌ، وإزارُ بْنُ أبِي إزارٍ، فَسَألُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ؟ قُلْ: أُومِنُ بِاللَّهِ تَعالى، وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى، ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، ثُمَّ قالُوا - كَما في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ – لا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»» وبِهَذا الخَبَرِ انْتَصَرَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ بِـ( أُنَبِّئُكم ) هم أهْلُ الكِتابِ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المُخاطَبُ هُمُ الكُفّارُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، وكَما اخْتُلِفَ في الخِطابِ اخْتُلِفَ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ، فالجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الأكْثَرِ الفاسِقِينَ، ووُحِّدَ الِاسْمُ إمّا لِأنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ وغَيْرِهِ ولَيْسَ كالضَّمِيرِ، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ ونَحْوِهِ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الأشْخاصِ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، والمُرادُ أنَّ السَّلَفَ شَرٌّ مِنَ الخَلَفِ ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ جَزاءً ثابِتًا عِنْدَهُ تَعالى، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الثَّوابِ، ويُقالُ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِأنَّهُ
صفحة 175
ما رَجَعَ إلى الإنْسانِ مِن جَزاءِ أعْمالِهِ، سُمِّيَ بِهِ بِتَصَوُّرِ أنَّ ما عَلِمَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: يَرَ جَزاءَهُ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ المُتَعارَفَ اسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ المَثُوبَةُ، واسْتِعْمالُها هُنا في الشَّرِّ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، كَقَوْلِهِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ
ونَصْبُها عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَفْعُولًا لَهُ لِـ( أُنَبِّئُكم )، أيْ: هَلْ أُنَبِّئُكم لِطَلَبِ مَثُوبَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في هَذا الإنْباءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِيرَ سَبَبَ مَخافَتِكم ويُفْضِي إلى هِدايَتِكُمْ، وعَلَيْهِ فالمَثُوبَةُ في المُتَعارَفِ مِنِ اسْتِعْمالِها، وهو وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
وقُرِئَ: ( مَثْوَبَةً ) بِسُكُونِ الثّاءِ وفَتْحِ الواوِ، ومِثْلُها مَشُورَةٌ ومَشْوَرَةٌ خِلافًا لِلْحَرِيرِيِّ في إيجابِهِ مَشُورَةً كَمَعُونَةٍ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَهُ مُناسِبٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، أيْ: دِينِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ إلَخْ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مُناسِبٍ لِـ( مَن ) أيْ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - إمّا عَلى حالِها أوْ بِاعْتِبارِ التَّقْدِيرِ فِيها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي هو شَرٌّ مِن ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: هو دِينُ مَن لَعَنَهُ إلَخْ، أوْ مَنِ الَّذِي هو شَرٌّ مِن أهْلِ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، إلَخْ.
وجُوِّزَ – ولا يَنْبَغِي أنْ يُجَوَّزَ عِنْدَ التَّأمُّلِ - أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن شَرٍّ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ آنِفًا، والِاحْتِياجُ إلَيْهِ ها هُنا لِيُخْرَجَ مِن كَوْنِهِ بَدَلَ غَلَطٍ، وهو لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ فَأظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، وإذا جُعِلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الأشْخاصِ لَمْ يَحْتَجِ الكَلامُ إلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، كَما هو ظاهِرٌ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَهْوِيلِ أمْرِ اللَّعْنِ وما تَبِعَهُ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ رَحْمَتِهِ، وسَخِطَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي، بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، وسُطُوعِ البَيِّناتِ.
﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً، وهم أصْحابُ السَّبْتِ، وبَعْضَهم خَنازِيرَ، وهم كُفّارُ مائِدَةِ عِيسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المَسْخَيْنِ كانا في أصْحابِ السَّبْتِ، مُسِخَتْ شُبّانُهم قِرَدَةً، وشُيُوخُهم خَنازِيرَ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) راجِعٌ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وكَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ فَإنَّهُ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ ( مَن ) كَما قالَ الزَّجّاجُ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ في الكَلامِ مَوْصُولًا مَحْذُوفًا، أيْ: ومَن عَبَدَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَنصُوبِ ( جَعَلَ ) أيْ: وجَعَلَ مِنهم مَن عَبَدَ إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، والمُرادُ بِالطّاغُوتِ - عِنْدَ الجُبّائِيِّ - العِجْلُ الَّذِي عَبَدَ اليَهُودُ،وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والحَسَنِ أنَّهُ الشَّيْطانُ، وقِيلَ: الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، والعِبادَةُ - فِيما عَدا القَوْلِ الأوَّلِ - مَجازٌ عَنِ الإطاعَةِ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وتَقْدِيمُ أوْصافِهِمُ المَذْكُورَةِ بِصَدَدِ إثْباتِ شَرِّيَّةِ دِينِهِمْ عَلى وصْفِهِمْ هَذا مَعَ أنَّهُ الأصْلُ المُسْتَتْبِعُ لَها في الوُجُودِ، وأنَّ دَلالَتَهُ عَلى شَرِّيَّتِهِ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ عِبادَةَ الطّاغُوتِ عَيْنُ دِينِهِمُ البَيِّنِ البُطْلانِ، ودَلالَتُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ بِشَرِّيَّةِ الآثارِ عَلى شَرِّيَّةِ ما يُوجِبُها مِنَ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ، إمّا لِلْقَصْدِ إلى تَبْكِيتِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِوَصْفِهِمْ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى الجُحُودِ لا بِشَرِّيَّتِهِ وفَظاعَتِهِ ولا بِاتِّصافِهِمْ بِهِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ بِالدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الشَّرِّيَّةِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ وقِيلَ: مَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، ولَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ - إلَخْ - لَرُبَّما فُهِمَ أنَّ عِلِّيَّةَ الشَّرِّيَّةِ هو المَجْمُوعُ، انْتَهى.
صفحة 176
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الوَصْفِ أصْلًا غَيْرُ ظاهِرٍ - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُبّائِيُّ - وأنَّ كَوْنَ الِاتِّصافِ بِاللَّعْنِ والغَضَبِ مِمّا لا سَبِيلَ لَهُمُ إلى الجُحُودِ بِهِ في حَيِّزِ المَنعِ، كَيْفَ وهَمَ يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؟! إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الآثارَ المُتَرَتِّبَةَ عَلى ذَلِكَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في غايَةِ الظُّهُورِ، بِحَيْثُ يَكُونُ إنْكارُ مَدْلُولِها مُكابَرَةً.
وقِيلَ: قَدَّمَ وصْفَيِ اللَّعْنِ والغَضَبِ؛ لِأنَّهُما صَرِيحانِ في أنَّ القَوْمَ مَنقُومُونَ، ومُشِيرانِ إلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ عَظِيمٌ، وعَقَّبَهُما بِالجَعْلِ المَذْكُورِ لِيَكُونَ كالِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ، وأرْدَفَهُ بِعِبادَةِ الطّاغُوتِ الدّالَّةِ عَلى شَرِّيَّةِ دِينِهِمْ أتَمَّ دَلالَةٍ لِيَتَمَكَّنَ في الذِّهْنِ أتَمَّ تَمَكُّنٍ لِتَقَدُّمِ ما يُشِيرُ إلَيْها إجْمالًا، وهَذا أيْضًا غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى مَذْهَبِ الجُبّائِيِّ، ولَعَلَّ رِعايَتَهُ غَيْرُ لازِمَةٍ لِانْحِطاطِ دَرَجَتِهِ في هَذا المَقامِ، والظّاهِرُ مِن عِبارَةِ شَيْخِ الإسْلامِ أنَّهُ بَنى كَلامَهُ عَلى هَذا المَذْهَبِ، حَيْثُ قالَ بَعْدَما قالَ: والمُرادُ مِنَ الطّاغُوتِ العِجْلُ، وقِيلَ: الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَيَعُمُّ الحُكْمُ دِينَ النَّصارى أيْضًا، ويَتَّضِحُ وجْهُ تَأْخِيرِ عِبادَتِهِ عَنِ العُقُوباتِ المَذْكُورَةِ، إذْ لَوْ قُدِّمَتْ عَلَيْها لَزِمَ اشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في تِلْكَ العُقُوباتِ، انْتَهى، فَتَدَبَّرْ حَقَّهُ.
وفِي الآيَةِ - كَما قالَ جَمْعٌ - عِدَّةُ قِراءاتٍ، اثْنَتانِ مِنَ السَّبْعَةِ، وما عَداهُما شاذٌّ، فَقَرَأ الجُمْهُورُ غَيْرَ حَمْزَةَ ( عَبَدَ ) عَلى صِيغَةِ الماضِي المَعْلُومِ و( الطّاغُوتَ ) بِالنَّصْبِ، وهي القِراءَةُ الَّتِي بُنِيَ التَّفْسِيرُ عَلَيْها، وقَرَأ حَمْزَةُ و( عَبُدَ الطّاغُوتِ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الدّالِّ وخَفْضِ الطّاغُوتِ، عَلى أنَّ ( عَبُدَ ) واحِدٌ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهُ في أبْنِيَتِهِ، بَلْ هو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ الغُلُوُّ في العُبُودِيَّةِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ طَرَفَةَ:
أبَنِي لُبَيْنى إنَّ أُمَّكم ∗∗∗ أمَةٌ وإنَّ أباكم عَبُدُ
أرادَ عَبْدًا، وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجُ، فَقالا: ضُمَّتِ الباءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ لِلْفَطِنِ والحَذِرِ: فَطُنٌ وحَذُرٌ بِضَمِّ العَيْنِ، فَطَعْنُ أبِي عُبَيْدَةَ والفَرّاءِ في هَذِهِ القِراءَةِ ونِسْبَةُ قارِئِها إلى الوَهْمِ وهْمٌ، والنُّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ.
وقُرِئَ ( وعَبُدِ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الدّالِّ وجَرِّ الطّاغُوتِ بِالإضافَةِ والعَطْفِ عَلى ( مِن ) بِناءً عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أوْ بِالبَدَلِيَّةِ عَلى ما قِيلَ، ولَمْ يُرْتَضَ.
وقَرَأ أُبَيٌّ ( عَبَدُوا ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ العائِدِ عَلى ( مِن ) بِاعْتِبارِ مَعْناها، والعَطْفُ مِثْلُهُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ ( عِبادَ ) جَمْعُ عَبْدٍ، و( عَبْدَ ) بِالإفْرادِ، بِجَرِّ الطّاغُوتِ ونَصْبِهِ، والجَرُّ بِالإضافَةِ، والنَّصْبُ إمّا عَلى أنَّ الأصْلَ ( عَبَدَ ) بِفَتْحِ الباءِ، أوْ ( عَبْدٌ ) بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ كَقَوْلِهِ:
ولا ذاكِرِ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا
بِنَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، والعَطْفُ ظاهِرٌ.
وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ وأبانٌ ( عُبِدَ ) عَلى صِيغَةِ الماضِي المَجْهُولِ مَعَ رَفْعِ الطّاغُوتِ، عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، والعَطْفُ عَلى صِلَةِ ( مِن ) وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ ( عُبِدَ ) فِيهِمْ أوْ بَيْنَهُمْ، وقَرَأ بَعْضٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ أنَّثَ فَقَرَأ ( عُبِدَتْ ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ السّاكِنَةِ، والطّاغُوتُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما مَرَّ، وأمْرُ العَطْفِ والعائِدِ عَلى طِرْزِ القِراءَةِ قَبْلُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( عَبُدَ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الدّالِّ مَعَ رَفْعِ الطّاغُوتِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِـ( عَبُدَ ) وهو كَـ( شَرُفَ )، كَأنَّ العِبادَةَ صارَتْ سَجِيَّةً لَهُ، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى صارَ مَعْبُودًا كَـ( أُمِرَ ) أيْ صارَ أمِيرًا، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ عَلى هَذا أيْضًا مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( عُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ وفَتْحِ الدّالِّ وجَرِّ ( الطّاغُوتِ )، فَعَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ جَمْعُ ( عَبِيدٍ ) جَمْعِ ( عَبْدٍ ) فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، أوْ جَمْعُ ( عابِدٍ ) كَـ( شارِفٍ ) و( شُرُفٍ ) أوْ جَمْعُ ( عَبْدٍ ) كَـ( سَقْفٍ ) و( سُقُفٍ ) أوْ جَمْعُ ( عِبادٍ ) كَـ( كِتابٍ ) و( كُتُبٍ ) فَهو جَمْعُ الجَمْعِ أيْضًا، مِثْلُ ( ثِمارٍ ) و( ثُمُرٍ ).
صفحة 177
وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا ( عُبَّدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وفَتْحِ الدّالِّ، وجَرِّ ( الطّاغُوتِ )، جَمْعُ ( عابِدٍ ) و( عَبْدٍ ) ( كَحُطَّمٍ وزُفَّرٍ ) مَنصُوبًا مُضافًا لِلطّاغُوتِ مُفْرِدًا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا ( عُبَّدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ، وفَتَحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، وفَتْحِ الدّالِّ، ونَصْبِ ( الطّاغُوتِ ) عَلى حَدِّ:
ولا ذاكِرِ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا
بِنَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ.
وقُرِئَ ( وعابِدَ الشَّيْطانِ ) بِنَصْبِ ( عابِدٍ ) وجَرِّ ( الشَّيْطانِ ) بَدَلَ الطّاغُوتِ، وهو تَفْسِيرٌ عِنْدَ بَعْضِ لا قِراءَةٌ.
وقُرِئَ ( عُبّادَ ) كَجُهّالٍ و( عِبادَ ) كَرِجالٍ، جَمْعُ عابِدٍ أوْ عَبْدٍ، وفِيهِ إضافَةُ العِبادِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ مَنَعَهُ بَعْضُهم.
وقُرِئَ ( عابِدُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، وجَرِّ الطّاغُوتِ.
وقُرِئَ ( عابِدُوا ) بِالجَمْعِ والإضافَةِ.
وقُرِئَ ( عابَدَ ) مَنصُوبًا.
وقُرِئَ ( عَبَدَ الطّاغُوتِ ) بِفَتَحاتٍ مُضافًا عَلى أنَّ أصْلَهُ ( عَبَدَةٌ ) كَـ( كَفَرَةٍ ) فَحُذِفَتْ تاؤُهُ لِلْإضافَةِ، كَقَوْلِهِ:
وأخْلَفُوكَ عِدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا
أيْ عِدَتَهُ، كَإقامِ الصَّلاةِ، أوْ هو جَمْعٌ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِعابِدٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ.
وقُرِئَ ( أعْبُدَ ) كَأكْلُبٍ، و( عَبِيدَ ) جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ، و( عابِدِي ) جَمْعٌ بِالياءِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا ( ومَن عَبَدُوا ).
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ والفَضائِحِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿شَرٌّ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكانًا﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، وإثْباتُ الشَّرارَةِ لِمَكانِهِمْ؛ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الدَّلالَةِ عَلى شَرارَتِهِمْ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ إثْباتَ الشَّرارَةِ لِمَكانِ الشَّيْءِ كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِها لَهُ كَقَوْلِهِمْ:
سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي.
والمَجْدُ بَيْنَ بُرْدَيْهِ.
فَكَأنَّ شَرَّهم أثَّرَ في مَكانِهِمْ، أوْ عَظُمَ حَتّى صارَ مُجَسَّمًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا، كَـ( جَرى النَّهْرُ ) وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَكانُ بِمَعْنى مَحَلِّ السُّكُونِ والقَرارِ الَّذِي يَكُونُ أمْرُهم إلى التَّمَكُّنِ فِيهِ، أيْ شَرٌّ مُنْصَرِفًا، والمُرادُ بِهِ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَسُوقَةٌ مِنهُ تَعالى شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ، وداخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ؛ تَأْكِيدًا لِلْإلْزامِ، وتَشْدِيدًا لِلتَّبْكِيتِ، وجَعْلُها جَوابًا لِلسُّؤالِ النّاشِئِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِيَسْتَقِيمَ احْتِمالُ البَدَلِيَّةِ السّابِقُ مِمّا لا يَكادُ يَسْتَقِيمُ.
﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ أكْثَرَ ضَلالًا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ المُعْتَدِلِ، وهو دِينُ الإسْلامِ والحَنِيفِيَّةِ، وهو عَطْفٌ عَلى ( شَرٌّ ) مُقَرِّرٌ لَهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ دِينِهِمْ شَرًّا مَحْضًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما يَسْلُكُونَهُ مِنَ الطَّرِيقِ دِينُهُمْ، فَإذا كانُوا أضَلَّ كانَ دِينُهم ضَلالًا مُبِينًا لا غايَةَ وراءَهُ، والمَقْصُودُ مِن صِيغَتَيِ التَّفْضِيلِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُشارَكَةِ غَيْرٍ في ذَلِكَ، وقِيلَ: لِلتَّفْضِيلِ عَلى زَعْمِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مانِعَ أنْ يُقالَ: إنَّ مَكانَهم في الآخِرَةِ شَرٌّ مِن مَكانِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا؛ لِما لَحِقَهم فِيهِ مِن مَكارِهِ الدَّهْرِ، وسَماعِ الأذى، والهَضْمِ مِن جانِبِ أعْدائِهِمْ.
المائدة 5:61
﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ - في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ، كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ والرِّضا بِما جاءَ بِهِ؛ نِفاقًا، فالخِطابِ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ مَن عِنْدَهُ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أيْ إذا جاءُوكم أظْهَرُوا لَكُمُ الإسْلامَ.
﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِن عِنْدِكَ كَما دَخَلُوا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحُضُورِهِمْ بَيْنَ يَدَيْكَ، ولَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، والجُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) عَلى الأظْهَرِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( آمَنّا ) وباءُ ( بِالكُفْرِ ) و( بِهِ ) لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ
صفحة 178
حالانِ مِن فاعِلِ ( دَخَلُوا ) و( خَرَجُوا ) والواوُ الدّاخِلَةُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الحالِيَّةِ لِلْحالِ، ومَن مَنَعَ تَعَدَّدَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ يَقُولُ: إنَّها عاطِفَةٌ، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ أيْضًا، ودُخُولُ ( قَدْ ) في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الماضَوِيَّةِ - كَما قالَ العَلامَةَ الثّانِي - لِتُقَرِّبَ الماضِيَ إلى الحالِ فَتَكْسِرَ سُورَةَ اسْتِبْعادِ ما بَيْنَ الماضِي والحالِ في الجُمْلَةِ، وإلّا ( فَقَدَ ) إنَّما تُقَرِّبُ إلى حالِ التَّكَلُّمِ.
وهَذا إشارَةٌ إلى ما أوْضَحَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ في حاشِيَةِ المُتَوَسِّطِ مِن أنَّهُ قِيلَ: إنَّ الماضِيَ إنَّما يَدُلُّ عَلى انْقِضاءِ زَمانٍ قَبْلَ زَمانِ التَّكَلُّمِ، والحالُ الَّذِي يُبَيِّنُ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ قَيْدٌ لِعامِلِهِ، فَإنْ كانَ العامِلُ ماضِيًا كانَ الحالُ أيْضًا ماضِيًا بِحَسَبِ المَعْنى، وإنْ كانَ حالًا كانَ حالًا، وإنْ كانَ مُسْتَقْبَلًا كانَ مُسْتَقْبَلًا، فَما ذَكَرُوهُ غَلَطٌ نَشَأ مِنِ اشْتِراكِ لَفْظِ الحالِ بَيْنَ الزَّمانِ الحاضِرِ - وهو الَّذِي يُقابِلُ الماضِيَ - وبَيْنَ ما يُبَيِّنُ الحالَةَ المَذْكُورَةَ، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الفِعْلَ إذا وقَعَ قَيْدًا لِشَيْءٍ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ ماضِيًا أوْ حالًا أوْ مُسْتَقْبَلًا بِالنَّظَرِ إلى ذَلِكَ المُقَيَّدِ، فَإذا قِيلَ: ( جاءَنِي زَيْدٌ رَكِبَ ) يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الرُّكُوبَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى المَجِيءِ، فَلا بُدَّ مِن ( قَدْ ) حَتّى يُقَرِّبَهُ إلى زَمانِ المَجِيءِ فَيُقارِنُهُ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ العَلّامَةِ الكافَيْجِيُّ في شَرْحِ القَواعِدِ، ثُمَّ قالَ: وأمّا الِاعْتِذارُ بِأنَّ تَصْدِيرَ الماضِي المُثْبَتِ بِلَفْظَةِ ( قَدْ ) لِمُجَرَّدِ اسْتِحْسانٍ لَفْظِيٍّ فَإنَّما هو تَسْلِيمٌ لِذَلِكَ الِاعْتِراضِ، فَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ ولا مَرْضِيٍّ، انْتَهى.
ولِذَلِكَ زِيادَةُ تَفْصِيلٍ في مَحَلِّهِ، وقَدْ ذُكِرَ لَها مَعْنًى آخَرُ في الآيَةِ غَيْرُ التَّقْرِيبِ، وهو التَّوَقُّعُ، فَتُفِيدُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَتَوَقَّعُ دُخُولَ أُولَئِكَ الفَجَرَةِ وخُرُوجَهم مِن خَضِيلَةِ حَضَرْتِهِ - أفْرَغُ مِن يَدٍ تَفُتُّ اليَرْمَعَ - لَمْ يَعْلَقْ بِهِمْ شَيْءٌ مِمّا سَمِعُوا مِن تَذْكِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِآياتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -لِظَنِّهِ - بِما يَرى مِنَ الأماراتِ اللّائِحَةَ عَلَيْهِمْ - نِفاقَهُمُ الرّاسِخَ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ:
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى، وفي الكَشّافِ: إنَّ أماراتِ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَوَقَّعًا لِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى ما كَتَمُوهُ، فَدَخَلَ حَرْفُ التَّوَقُّعِ لِذَلِكَ، واعْتَرَضَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ ( قَدْ ) مَوْضُوعَةٌ لِتَوَقُّعِ مَدْخُولِها، وهو ها هُنا عَيْنُ النِّفاقِ، فَكَيْفَ يُقالُ: لِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى ما كَتَمُوهُ؟! وأجابَ بِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ المُتَوَقَّعَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حاصِلًا، وكَوْنُهم مُنافِقِينَ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ - صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ - بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ( إنَّ أماراتِ النِّفاقِ ) إلَخْ، فَيَجِبُ المَصِيرُ إلى المَجازِ، والقَوْلِ بِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى ما كَتَمُوهُ، وقالَ في الكَشْفِ مُعَرِّضًا بِهِ: إنَّ الدُّخُولَ في الكُفْرِ والخُرُوجَ بِهِ إظْهارٌ لَهُ، فَلِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوَقُّعِ؛ لا أنَّهُ عَيْنَ النِّفاقِ لِيَحْتاجَ إلى تَجَوُّزٍ في رُجُوعِ التَّوَقُّعِ إلى إظْهارِهِ، وإنَّ ظُهُورَ أمارَتِهِ غَيْرُ إظْهارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِإخْبارِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، وأنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِالكُفْرِ، مُتَقَلِّبُونَ فِيهِ خُرُوجًا ودُخُولًا، انْتَهى، فَلْيُتَأمَّلْ.
وإنَّما لَمْ يَقِلْ سُبْحانَهُ: ( وقَدْ خَرَجُوا ) عَلى طِرْزِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ إفادَةً لِتَأْكِيدِ الكُفْرِ حالَ الخُرُوجُ؛ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، إذْ كانَ الظّاهِرُ بَعْدَ تَنَوُّرِ أبْصارِهِمْ بِرُؤْيَةِ مَطْلَعِ شَمْسِ الرِّسالَةِ، وتَشَنُّفِ أسْماعِهِمْ بِلَآلِئِ كَلِماتِ بَحْرِ البَسالَةِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَوايَةِ، ويَحُلُّوا جِيادَ قُلُوبِهِمُ العاطِلَةِ عَنْ حَلْيِ الهِدايَةِ، وأيْضًا أنَّهم إذا سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنْكَرُوهُ ازْدادَ كُفْرُهُمْ، وتَضاعَفَ ضَلالُهم.
المائدة 5:62
﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ اليَهُودِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ - والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: قَلْبِيَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن
صفحة 179
( كَثِيرًا ) المَوْصُوفِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ( تَرى ) والمُسارَعَةُ مُبادَرَةُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، وإيثارُ ( في ) عَلى ( إلى ) لِلْإشارَةِ إلى تَمَكُّنِهِمْ فِيما يُسارِعُونَ إلَيْهِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، وإحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمْ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالإثْمِ الحَرامُ، وقِيلَ: الكَذِبُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الكَذِبُ بِقَوْلِهِمْ ( آمَنّا ) لِأنَّهُ إمّا إخْبارٌ أوْ إنْشاءٌ مُتَضَمِّنٌ الإخْبارَ بِحُصُولِ صِفَةِ الإيمانِ لَهُمْ، واسْتُدِلَّ عَلى التَّخْصِيصِ بِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ولَعَلَّ الدّاعِيَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ كَوْنُهُ الفَرْدَ الكامِلَ، والمُرادُ مِنَ العُدْوانِ الظُّلْمُ، أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِمْ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِوَصْفِهِمْ بِسُوءِ الأعْمالِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِسُوءِ الِاعْتِقادِ.
﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أيِ الحَرامَ مُطْلَقًا، وقالَ الحَسَنُ: الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، والتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ بِالذِّكْرِ - مَعَ انْدِراجِهِ في المُتَقَدِّمِ - لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْبِيحِ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا يَعْمَلُونَهُ هَذِهِ الأُمُورُ، فَـ( ما ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وقَعَتْ تَمْيِيزًا لِضَمِيرِ الفاعِلِ المُسْتَتِرِ في ( بِئْسَ ) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - وجُوِّزَ جَعْلُ ( ما ) مَوْصُولَةً فاعِلَ ( بِئْسَ ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
المائدة 5:63
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهم في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ يَتَّصِلُ بِذِكْرِهِمْ، و( لَوْلا ) الدّاخِلَةُ عَلى المُضارِعِ - كَما قَرَّرَهُ ابْنُ الحاجِبِ وغَيْرُهُ – لِلتَّحْضِيضِ، والدّاخِلَةُ عَلى الماضِي لِلتَّوْبِيخِ، والمُرادُ هُنا تَحْضِيضُ الَّذِينَ يَقْتَدِي بِهِمْ أفَناؤُهم - ويَعْلَمُونَ قَباحَةَ ما هم فِيهِ، وسُوءَ مَغَبَّتِهِ - عَلى نَهْيِ أسافِلِهِمْ.
﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقُبْحِهِما، واطِّلاعِهِمْ عَلى مُباشَرَتِهِمْ لَهُما، وفي البَحْرِ: إنَّ هَذا التَّحْضِيضَ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَهم عَلى السُّكُوتِ وتَرْكِ النَّهْيِ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ السّابِقِ في نَظِيرِهِ، خَلا أنَّ هَذا أبْلَغُ مِمّا تَقَدَّمَ في حَقِّ العامَّةِ؛ لِما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ أنَّ الفِعْلَ ما صَدَرَ عَنِ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، فَإنْ كانَ عَنْ قَصْدٍ سُمِّيَ عَمَلًا، ثُمَّ إنْ حَصَلَ بِمُزاوَلَةٍ وتَكَرُّرٍ حَتّى رَسَخَ وصارَ مَلِكَةً لَهُ سُمِّيَ صُنْعًا وصَنْعَةً وصِناعَةً، فَلِذا كانَ الصُّنْعُ أبْلُغَ لِاقْتِضائِهِ الرُّسُوخَ، ولِذا يُقالُ لِلْحاذِقِ: صانِعٌ، ولِلثَّوْبِ الجَيِّدِ النَّسْجِ: صَنِيعٌ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ أقْبَحُ مِنَ الِارْتِكابِ، ووُجِّهَ بِأنَّ المُرْتَكِبَ لَهُ في المَعْصِيَةِ لَذَّةٌ وقَضاءُ وطَرٍ بِخِلافِ المُقِرِّ لَهُ، ولِذا ورَدَ: إنَّ جُرْمَ الدَّيُّوثِ أعْظَمُ مِنَ الزّانِيَيْنِ.
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ عَنِ الزِّنا والقَتْلِ أشَدُّ إثْمًا مِنهُما، وهو بَعِيدٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إثْمُ تَرْكِ النَّهْيِ - مِمَّنْ يُؤَثِّرُ نَهْيُهُ كَفَّ المَنهِيِّ عَنْ فِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ - أشَدَّ مِن إثْمِ المُرْتَكِبِ كَيْفَما كانَ مُرْتَكَبُهُ قَتْلًا أوْ زِنًا أوْ غَيْرَهُما.
وقالَ الشِّهابُ: إنَّ قَيْدَ الأشَدِّيَّةِ يَخْتَلِفُ بِالِاعْتِبارِ، فَكَوْنُهُ أشَدَّ بِاعْتِبارِ ارْتِكابِ ما لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ يُنافِي كَوْنَ المُباشِرَةِ أكْثَرَ إثْمًا مِنهُ، فَتَأمَّلْ.
وفِي الآيَةِ مِمّا يُنْعى عَلى العُلَماءِ تَوانِيهِمْ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ ما لا يَخْفى، ومِن هُنا قالَ الضَّحّاكُ: ما أخْوَفَنِي مِن هَذِهِ الآيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وقُرِئَ: ( لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ العُدْوانَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ).
المائدة 5:64
﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَسَطَ لِلْيَهُودِ الرِّزْقَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -
صفحة 180
كَفَّ عَنْهم ما كانَ بَسَطَ لَهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، رَأْسُ يَهُودِ قَيْنُقاعَ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - النَّبّاشُ بْنُ قَيْسٍ ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ وحَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ عَلى القائِلِ الآخَرُونَ ورَضُوا بِهِ نُسِبَتْ تِلْكَ العَظِيمَةُ إلى الكُلِّ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنها، وأرادُوا بِذَلِكَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ سُبْحانَهُ مُمْسِكٌ ما عِنْدَهُ، بَخِيلٌ بِهِ - تَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإنَّ كُلًّا مِن غِلِّ اليَدِ وبَسْطِها مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ لا تَصِحُّ يَدٌ كَقَوْلِهِ:
جادَ الحِمى بَسَطَ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ
ولَقَدْ جَعَلُوا لِلشَّمالِ يَدًا كَما في قَوْلِهِ:
أضَلَّ صِوارَهُ وتَضَيَّفَتْهُ ∗∗∗ نَطُوفٌ أمْرُها بِيَدِ الشَّمالِ
وقَوْلِ لَبِيدٍ:
وغَداةِ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقِرَّةٍ ∗∗∗ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
ويُقالُ: بَسَطَ اليَأْسُ كَفَّيْهِ في صَدْرِ فُلانٍ، فَيُجْعَلُ لِلْيَأْسِ الَّذِي هو مِنَ المَعانِي لا مِنَ الأعْيانِ كَفّانِ، قالَ الشّاعِرُ:
وقَدْ رابَنِي وهَنُ المُنى وانْقِباضُها ∗∗∗ وبَسْطُ جَدِيدِ اليَأْسِ كَفَّيْهِ في صَدْرِي
وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَقِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ وقِيلَ: اليَدُ هُنا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، أيْ: إنَّ نِعْمَتَهُ مَقْبُوضَةٌ عَنّا.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى أنَّ يَدَ اللَّهِ تَعالى مَكْفُوفَةٌ عَنْ عَذابِنا، فَلَيْسَ يُعَذِّبُنا إلّا بِما يَبَرُّ بِهِ قَسَمَهُ قَدْرَ ما عَبَدَ آباؤُنا العِجْلَ، وكَأنَّهُ حَمَلَ اليَدَ عَلى القُدْرَةِ، والغِلَّ عَلى عَدَمِ التَّعَلُّقِ.
وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَقْصِدُوا اليَدَ الجارِحَةَ؛ فَإنَّهم مُجَسِّمَةٌ، وقَدْ حُكِيَ عَنْهم أنَّهم زَعَمُوا أنَّ رَبَّهم أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، قاعِدٌ عَلى كُرْسِيٍّ، وأنَّهُ فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، واسْتَلْقى عَلى ظَهْرِهِ واضِعًا إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، وإحْدى يَدَيْهِ عَلى صَدْرِهِ لِلِاسْتِراحَةِ مِمّا عَراهُ مِنَ النَّصَبِ في خَلْقِ ذَلِكَ - تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - والأقْوالُ كُلُّها كَما تَرى، وكُلُّ العَجَبِ مِنَ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن قَوْلِ ذَلِكَ ولَيْتَهُ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ الحَسَنِ، ولَعَلَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، والَذى تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ ويَشْهَدُ لَهُ مَساقُ الكَلامِ القَوْلُ الأوَّلُ، ولا يَبْعُدُ مِن قَوْمٍ قالُوا لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ وعَبَدُوا العِجْلَ أنْ يَعْتَقِدُوا اتِّصافَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ –بِالبُخْلِ، ويَقُولُوا ما قالُوا.
وقالَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَهُودُ قالُوا قَوْلًا واعْتَقَدُوا مَذْهَبًا يُؤَدِّي مَعْناهُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى - عَزَّ شَأْنُهُ - يَبْخَلُ في حالٍ ويَجُودُ في حالٍ آخَرَ، فَحُكِيَ عَنْهم عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ مِنهم والتَّكْذِيبِ لَهم.
وقالَ آخَرُ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزْءِ، حَيْثُ لَمْ يُوَسِّعُ سُبْحانَهُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ لا يُساعِدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِغْرابِ، والمُرادُ يَدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَغْلُولَةٌ عَنّا، حَيْثُ قَتَّرَ المَعِيشَةَ عَلَيْنا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ المَذْمُومِ - كَما قالَهُ الزَّجّاجُ - ودُعاؤُهُ بِذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِهِ الشُّحَّ في قُلُوبِهِمْ، والقَبْضَ في أيْدِيهِمْ، ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ عَلى ما مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، وقِيلَ: تُغَلُّ الأيْدِي حَقِيقَةً، يُغَلُّونَ في الدُّنْيا أُسارى، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبِينَ في أغْلالِ جَهَنَّمَ، ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ
صفحة 181
اللَّفْظُ، فَيَكُونُ تَجْنِيسًا، وقِيلَ: هي مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ أصْلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: سَبَّنِي، سَبَّ اللَّهُ تَعالى دابِرَهُ، أيْ قَطَعَهُ؛ لِأنَّ السَّبَبَ أصْلُهُ القَطْعُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتَطْيَبَهُ الطِّيبِيُّ، وقالَ: إنَّ هَذِهِ مُشاكَلَةٌ لَطِيفَةٌ، بِخِلافِ قَوْلِهِ:
قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ∗∗∗ قُلْتُ: اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا
واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ شُدَّتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ في جَهَنَّمَ جَزاءَ هَذِهِ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ الفاءِ أوِ الواوِ، فَقَدْ تَمَّ كَلامُهم واسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ، ومِن عادَتِهِمْ أنْ يَحْذِفُوا فِيما يَجْرِي هَذا المَجْرى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، ولا حاجَةَ فِيهِ إلى تَجَشُّمِ مَؤُونَةِ التَّقْدِيرِ، عَلى أنَّ كَلامَ الحَسَنِ - فِيما نَرى - لَيْسَ نَصًّا في كَوْنِ الجُمْلَةِ إخْبارِيَّةً؛ إذْ قُصارى ما قالَ: ( غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ) في جَهَنَّمَ، وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ﴿ولُعِنُوا﴾ أيْ أُبْعِدُوا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ ﴿بِما قالُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ، أوْ بِالَّذِي قالُوهُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ، وهَذا دُعاءٌ ثانٍ مَعْطُوفٌ عَلى الدُّعاءِ الأوَّلِ، والقائِلُ بِخَبَرِيَّتِهِ قائِلٌ بِخَيْرِيَّتِهِ، وقُرِئَ: ( ولُعْنُوا ) بِسُكُونِ العَيْنِ.
﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: كَلّا، لَيْسَ الشَّأْنُ كَما زَعَمُوا، بَلْ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وإلَيْهِ - كَما قِيلَ - أُشِيرَ بِتَثْنِيَةِ اليَدِ، فَإنَّ أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأسْخِياءِ أنْ يُعْطُوا بِكِلْتا يَدَيْهِمْ، وقِيلَ: اليَدُ هُنا أيْضًا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ نِعَمُ الدُّنْيا ونِعَمُ الآخِرَةِ، أوِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والنِّعَمُ الباطِنَةُ، أوْ ما يُعْطى لِلِاسْتِدْراجِ وما يُعْطى لِلْإكْرامِ، وقِيلَ - ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - أنَّها بِمَعْنى القُدْرَةِ كاليَدِ الأُولى، وتَثْنِيَتُها بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِالثَّوابِ وتَعَلُّقِها بِالعِقابِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ التَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما في ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ والمُرادُ مِنَ التَّكْثِيرِ مُجَرَّدُ المُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ وسِعَتِها، لا أنَّها مُتَعَدِّدَةٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَسُرَّتْ أسِرَّةُ طُرَّتَيْهِ فَغُوِّرَتْ ∗∗∗ في الخَصْرِ مِنهُ وأنْجَدَتْ في نَجْدِهِ
فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ ذَلِكَ الرَّشادَ طُرَّتَيْنِ، إذْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا طُرَّةٌ واحِدَةٌ، وإنَّما أرادَ المُبالَغَةَ.
وقالَ سَلَفُ الأُمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّ هَذا مِنَ المُتَشابَهِ، وتَفْوِيضُ تَأْوِيلِهِ إلى اللَّهِ تَعالى هو الأسْلَمُ، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أثْبَتَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – يَدَيْنِ، وقالَ: ««وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ»» ولَمْ يُرْوَ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أوَّلَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ أوْ بِالقُدْرَةِ، بَلْ أبْقَوْها كَما ورَدَتْ، وسَكَتُوا، ولَئِنْ كانَ الكَلامُ مِن فِضَّةٍ فالسُّكُوتُ مِن ذَهَبٍ، لاسِيَّما في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( بَلْ يَداهُ بُسُطانِ ) يُقالُ: يَدٌ بُسُطٌ بِالمَعْرُوفِ، ونَحْوُهُ: مِشْيَةٌ سُجُحٌ، وناقَةٌ سُرُحٌ.
﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ كَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْمِيمِ الأحْوالِ المُسْتَفادِ مِن ( كَيْفَ ) و( فِيها ) تَنْبِيهٌ عَلى سِرِّ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مِن غايَةِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ ذَرِيعَةً إلى الِاجْتِراءِ عَلى كَلِمَةٍ مَلَأ الفَضاءَ قُبْحُها، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِقُصُورٍ في فَيْضِهِ، بَلْ لِأنَّ إنْفاقَهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي عَلَيْها تَدُورُ أفْلاكُ المَعاشِ والمَعادِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ - إذْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وكَذَّبُوا رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، و( كَيْفَ ) ظَرْفٌ لِـ( يَشاءُ ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ( يُنْفِقُ ) أيْ: يُنْفِقُ كائِنًا
صفحة 182
عَلى أيِّ حالٍ يَشاءُ، أيْ: عَلى مَشِيئَتِهِ، أيْ مُرِيدًا، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ( يُنْفِقُ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( يَداهُ ) واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالخَبَرِ، وبِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والحالُ لا يَجِيءُ مِنهُ، ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها لَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ إذْ قِيلَ: إنَّ ( شَيْخًا ) حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والعامِلُ فِيهِ التَّنْبِيهُ، وأنَّ المَمْنُوعَ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ جُزْءًا أوْ كَجُزْءٍ أوْ عامِلًا، وها هُنا المُضافُ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ كَجُزْءٍ، فَلَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ اليَدَيْنِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِما، ورُدَّ بِأنَّهُ لا ضَمِيرَ لَهُما فِيها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ لَهُما، أيْ يُنْفِقُ بِهِما، ومِن هُنا قِيلَ بِجَوازِ كَوْنِها خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ، نَعَمِ، التَّقْدِيرُ خِلافُ الأصْلِ والظّاهِرِ، وهو إنَّما يَقْتَضِي المَرْجُوحِيَّةَ لا الِامْتِناعَ، وتَرَكَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ ما يُنْفِقُهُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.
﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ وهم عُلَماؤُهم ورُؤَساؤُهُمْ، أوِ المُقِيمُونَ عَلى الكُفْرِ مِنهم مُطْلَقًا ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الآياتِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( أُنْزِلَ ) كَما أنَّ ( إلَيْكَ ) كَذَلِكَ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ - مَعَ أنَّ حَقَّ المُبْتَدَأِ أنْ يُقَدَّمَ عَلى المُنْتَهى لِاقْتِضاءِ المَقامِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - الِاهْتِمامُ بِبَيانِ المُنْتَهى؛ لِأنَّ مَدارَ الزِّيادَةِ هو النُّزُولُ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْرِيفِ.
والمَوْصُولُ فاعِلُ ( لَيَزِيدَنَّ ) والإسْنادُ مَجازِيٌّ، و( كَثِيرًا ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، و( مِنهم ) صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي، أيْ لَيَزِيدَنَّهم طُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا عَلى كُفْرِهِمُ القَدِيمَيْنِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ المَزِيدِ عَلَيْهِ قَبْلَها، وهَذِهِ الزِّيادَةُ إمّا مِن حَيْثُ الشِّدَّةِ والغُلُوِّ، وإمّا مِن حَيْثُ الكَمِّ والكَثْرَةِ، إذْ كَلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِها، فَيَزْدادُ طُغْيانُهم وكُفْرُهم بِحَسَبِ المِقْدارِ، وهَذا كَما أنَّ الطَّعامَ الصّالِحَ لِلْأصِحّاءِ يَزِيدُ المَرْضى مَرَضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ ) النِّعَمُ الَّتِي مَنَحَها اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – أيْ أنَّهم كَفَرُوا وتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ، وقالُوا ما قالُوا حَيْثُ ضَيَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَفَّ عَنْهم ما بَسَطَ لَهُمْ، فَمَتّى رَأوْا مَعَ ذَلِكَ بَسْطَ نَعْمائِهِ وتَواتُرَ آلائِهِ عَلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّذِي هو أعْدى أعْدائِهِمُ ازْدادُوا غَيْظًا وحَنَقًا عَلى رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، فَضَمُّوا إلى طُغْيانِهِمُ الأوَّلِ طُغْيانًا، وإلى كُفْرِهِمْ كَفْرًا، وحِينَئِذٍ تُلائِمُ الآيَةُ ما قَبْلَها أشَدَّ مُلائَمَةٍ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، ولَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ.
﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ أيِ: اليَهُودِ، وقالَ في البَحْرِ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى﴾ ولِشُمُولِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.
﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ فَلا تَكادُ تَتَوافَقُ قُلُوبُهُمْ، ولا تَتَّحِدُ كَلِمَتُهُمْ، فَمِنَ اليَهُودِ جَبْرِيَّةٌ، ومِنهم قَدَرِيَّةٌ، ومِنهم مُرْجِئَةٌ، ومِنهم مُشَبِّهَةٌ، و( العَداوَةُ والبَغْضاءُ ) بَيْنَ فِرْقَةٍ وفِرْقَةِ قائِمَتانِ عَلى ساقٍ، وكَذا مِنَ النَّصارى المَلْكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وحالُهم حالُهم في ذَلِكَ، وحالُ اليَهُودِ مَعَ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى، ورُجِّحَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى اليَهُودِ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وفائِدَةُ هَذا الإخْبارِ هُنا إزاحَةُ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن ذِكْرِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى أمْرٍ يُؤَدِّي إلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ - بَعْدَ أنْ أرْجَعَ الضَّمِيرَ لِلطّائِفَتَيْنِ -: إنَّ المَعْنى: لايَزالُ اليَهُودُ والنَّصارى مُتَباغِضِينَ مُتَعادِينَ، قَلَّما تُوافِقُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ الأُخْرى، ولا تَجْتَمِعانِ عَلى قِتالِكَ وحَرْبِكَ، وفي ذَلِكَ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ جَيْشُ يَهُودَ ونَصارى مُنْذُ سُلَّ سَيْفُ الإسْلامِ.
صفحة 183
وفَرَّقَ السَّمِينُ بَيْنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، بِأنَّ العَداوَةَ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغِضٌ، وقَدْ يُبْغِضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( ألْقَيْنا ) وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالبَغْضاءِ، أيْ: إنَّ التَّباغُضَ بَيْنَهم مُسْتَمِرٌّ ما دامُوا، ولَيْسَتْ حَقِيقَةُ الغايَةِ مُرادَّةً، ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالعَداوَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المُصَدِّرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ.
﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ وُصُولِ غائِلَةِ ما هم فِيهِ إلى المُسْلِمِينَ، والمُرادُ: كُلَّما أرادُوا مُحارَبَةَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ورَتَّبُوا مَبادِيَها رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَهَرَهُمْ، بِتَفَرُّقِ آرائِهِمْ، وحَلِّ عَزائِمِهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَإيقادُ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ إرادَةِ الحَرْبِ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ إذا تَواعَدَتْ لِلْقِتالِ جَعَلُوا عَلامَتَهم إيقادَ نارٍ عَلى جَبَلٍ أوْ رَبْوَةٍ، ويُسَمُّونَها نارَ الحَرْبِ، وهي إحْدى نِيرانٍ مَشْهُورَةٍ عِنْدَهُمْ، وإطْفاؤُها عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ شَرِّهِمْ، وحَكى في البَحْرِ قَوْلَيْنِ في الآيَةِ: فَعَنْ قَوْمٍ أنَّ الإيقادَ حَقِيقَةٌ، وكَذا الإطْفاءُ، أيْ أنَّهم كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْمُحارَبَةِ أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الرُّعْبُ فَتَقاعَدُوا وأطْفَئُوها، وإضافَةُ الإطْفاءِ إلَيْهِ تَعالى إضافَةُ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ الأصْلِيِّ.
وعَنِ الجُمْهُورِ أنَّ الكَلامَ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، والمُرادُ مِن إيقادِ النّارِ إظْهارُ الكَيْدِ بِالمُؤْمِنِينَ الشَّبِيهِ بِالنّارِ في الإضْرارِ، ومِن إطْفائِها صَرْفُ ذَلِكَ عَنِ المُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالكِنايَةِ ألْطَفُ مِنهُما، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ الحَرْبِ مُحارَبَةَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، أيْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا، فَإنَّ اليَهُودَ لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ - جَلَّ شَأْنُهُ - عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأبادَ خَضْراءَهُمْ، واسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُمْ، وفَرَّقَ جَمْعَهُمْ، وأذَلَّهُمْ، فَأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ، وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأسَرَ أهْلَ خَيْبَرَ، وغَلَبَ عَلى فَدَكَ، ودانَ لَهُ أهْلُ وادِي القُرى، وضَرَبَ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ الجِزْيَةَ، وأبْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذُلٍّ لا يُعَزُّونَ بَعْدَهُ أبَدًا، وإطْفاءُ النّارِ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى - و( لِلْحَرْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( أوْقَدُوا ) واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِنارٍ، وهو الأوْفَقُ بِالتَّسْمِيَةِ.
﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ يَجْتَهِدُونَ في الكَيْدِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ وإثارَةِ الشَّرِّ والفِتْنَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، مِمّا يُغايِرُ ما عُبِّرَ عَنْهُ بِإيقادِ نارِ الحَرْبِ، كَتَغْيِيرِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإدْخالِ الشُّبَهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ مَعَ الِافْتِراءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، و( فَسادًا ) إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ، أوْ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَسْعَوْنَ ) أيْ: يَسْعَوْنَ لِلْفَسادِ، أوْ سَعْيَ فَسادٍ، أوْ مُفْسِدِينَ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ بَلْ يُبْغِضُهُمْ، ولِذَلِكَ أطْفَأ نائِرَةَ فَسادِهِمْ، واللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّعْلِيلِ، وبَيانِ كَوْنِهِمْ راسِخِينَ في الإفْسادِ.
والجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ مَسُوقَةٌ لِإزاحَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن تَأْثِيرِ اجْتِهادِهِمْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ، وجَعَلَها بَعْضُهم في مَوْضِعِ الحالِ، وفائِدَتُها مَزِيدُ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وتَفْظِيعِ شَأْنِهِمْ
المائدة 5:65
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودُ والنَّصارى، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَطْ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لَيْسَ نَصًّا في اقْتِضاءِ العُمُومِ، إلّا أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ العُمُومُ، وذُكِرُوا بِذَلِكَ العُنْوانِ تَأْكِيدًا لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – أيْ: ولَوْ أنَّهم مَعَ صُدُورِ ما صَدَرَ مِنهم مِن فُنُونِ الجِناياتِ
صفحة 184
قَوْلًا وفِعْلًا ﴿آمَنُوا﴾ - بِما نُفِيَ عَنْهُمُ – الإيمانَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ فَرْضُ إيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ ثِقَةً بِظُهُورِهِ مِمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ، وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ﴾ إلَخْ.
وتَخْصِيصُ المَفْعُولِ بِالإيمانِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَأْباهُ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ – المَقامُ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن كُفْرِهِمْ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّما ذُكِرَ مَشْفُوعًا بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ أيْضًا؛ قَصْدًا إلى الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بِبَيانِ أنَّ الكُفْرَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ بِكِتابِهِمْ، فَحَمْلُ الإيمانِ ها هُنا عَلى الإيمانِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدَّرَ قَتادَةُ - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ - المُتَعَلِّقَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو مَيْلٌ إلى التَّعْمِيمِ، وكَذا عَمَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقَوْا﴾ فَقالَ: أيْ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: ما عَدَّدْنا مِن مَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ كِتابِهِمْ ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي اقْتَرَفُوها وسارَعُوا فِيها، وإنْ كانَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ، ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها، وجَمْعُها جَمْعَ قِلَّةٍ إمّا بِاعْتِبارِ الأنْواعِ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّها - وإنْ كَثُرَتْ - قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَرَمِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أشَرْنا -فِيما تَقَدَّمَ - أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ قَدْ يَقُومُ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ إذا اقْتَضاهُ المَقامُ ﴿ولأدْخَلْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
وجَعَلَ أبُو حَيّانَ تَكْفِيرَ السِّيِّئاتِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ، وإدْخالَ جَنّاتِ النَّعِيمِ في مُقابَلَةِ التَّقْوى، وفَسَّرَها بِامْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي، فالآيَةُ مِن بابِ التَّوْزِيعِ، والظّاهِرُ عَدَمُهُ، وتَكْرِيرُ اللّامِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ عِظَمِ ذُنُوبِهِمْ، وكَثْرَةِ مَعاصِيهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ - وإنْ جَلَّ وجاوَزَ الحَدَّ - وفي إضافَةِ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ قالَ: «جَنّاتُ النَّعِيمِ بَيْنَ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ وجَنّاتِ عَدْنٍ، وفِيها جَوارٍ خُلِقْنَ مِن ورْدِ الجَنَّةِ، قِيلَ: فَمَن يَسْكُنُها؟ قالَ: الَّذِينَ هَمُّوا بِالمَعاصِي فَلَمّا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ - تَعالى شَأْنُهُ – راقَبُوهُ» ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ لِسائِرِ الجَنّاتِ: ( جَنّاتُ النَّعِيمِ ) وإنِ اخْتَلَفَتِ مَراتِبُ النَّعِيمِ فِيها
المائدة 5:66
﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ وفَّوْا حَقَّهُما بِمُراعاةِ ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَواهِدُ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومُبَشِّراتُ بِعْثَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مُراعاةَ جَمِيعِ ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ مَنسُوخَةً كانَتْ أوْ غَيْرَها؛ فَإنْ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الإقامَةِ في شَيْءٍ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ، المُصَدِّقِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَكِتابِ شَعْيا، وكِتابِ حِزْقِيلَ، وكِتابِ حَبْقُوقَ، وكِتابِ دانْيالَ، فَإنَّها مَمْلُوءَةٌ بِالبَشائِرِ بِمَبْعَثِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ، والقُرْآنَ العَظِيمَ.
وإنْزالُ الكِتابِ إلى أحَدٍ مُجَرَّدُ وُصُولِهِ إلَيْهِ، وإيجابُ العَمَلِ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الوَحْيُ نازِلًا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ القُرْآنِ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ إقامَتِهِ عَلَيْهِمْ لِنُزُولِهِ إلَيْهِمْ، ولِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن عَدَمِ نُزُولِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَقْدِيمُ ( إلَيْهِمْ ) لِما مَرَّ آنِفًا، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الإقامَةِ.
صفحة 185
﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: لَأعْطَتْهُمُ السَّماءُ مَطَرَها وبَرَكَتَها، والأرْضُ نَباتَها وخَيْرَها، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: المُرادُ: لانْتَفَعُوا بِكَثْرَةِ ثِمارِ الأشْجارِ، وغِلالِ الزُّرُوعِ، وقِيلَ: بِما يَهْدِلُ مِنَ الثِّمارِ مِن رُءُوسِ الأشْجارِ، وما يَتَساقَطُ مِنها عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: بِما يَأْتِيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ ومُلُوكِهِمْ، وما يُعْطِيهِ لَهم سَفَلَتُهم وعَوامُّهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ السَّعَةِ والخَصْبِ لا تَعْيِينُ الجِهَتَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَأكَلُوا مِن كُلِّ جِهَةٍ، وجَعَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ نَظِيرَ قَوْلِكَ: فُلانٌ في الخَيْرِ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، أيْ يَأْتِيهِ الخَيْرُ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَلْتَمِسُهُ مِنها، والمُرادُ بِالأكْلِ الِانْتِفاعُ مُطْلَقًا، وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ الِانْتِفاعاتِ، ويَسْتَتْبِعُ سائِرَها، ومَفْعُولُ ( أكَلُوا ) مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ، كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، و( مِن ) في المَوْضِعَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ.
وسَنُشِيرُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في بابِ الإشارَةِ إلى سِرِّ ذِكْرِ الأرْجُلِ، وفي الشَّرْطِيَّةِ الأُولى تَرْغِيبٌ بِأمْرٍ أُخْرَوِيٍّ، وفي الثّانِيَةِ تَرْغِيبٌ بِأمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما أصابَ أُولَئِكَ الفَجَرَةَ مِنَ الضَّنْكِ والضِّيقِ إنَّما هو مِن شُؤْمِ جِناياتِهِمْ لا لِقُصُورٍ في فَيْضِ الفَيّاضِ، وتَقْدِيمُ التَّرْغِيبِ بِالأمْرِ الأُخْرَوِيِّ لِأنَّهُ أهَمُّ؛ إذْ بِهِ النَّجاةُ السَّرْمَدِيَّةُ، والنَّعِيمُ المُقِيمُ، وخُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ فَقِيلَ أوَّلًا: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وثانِيًا: ( أقامُوا ) ذا وذا سُلُوكًا لِطَرِيقِ البَلاغَةِ، قِيلَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ( ما ) في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ إشارَةٌ إلى ما جَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ مِن قَطْعِ نَخِيلِهِمْ، وإفْسادِ زُرُوعِهِمْ، وإجْلائِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ في حَقِّهِمْ: لَوْ أنَّهم أقامُوا في دِيارِهِمْ وانْتَفَعُوا بِنَخِيلِهِمْ وزُرُوعِهِمْ! لَكِنَّهم تَعَدَّوْا عَنِ الإقامَةِ فَحُرِمُوا وتاهُوا في مَهامِهِ الضَّنْكِ إذْ ظَلَمُوا.
وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِأنَّ الأُولى مُتَحَقِّقَةُ اللُّزُومِ في أهْلِ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ إذا آمَنَ كِتابِيٌّ واتَّقى كَفَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، وأدْخَلَهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - في رَحْمَتِهِ، سَواءٌ في ذَلِكَ مُعاصِرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وغَيْرُهُ، ولا كَذَلِكَ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ اخْتِصاصُ تَحَقُّقِ اللُّزُومِ في المُعاصِرِ، إذْ نَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ الكِتابِ اليَوْمَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الإقامَةِ المَذْكُورَةِ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِمّا وُسِّعَ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ أقامَ، ونَرى الكَثِيرَ أيْضًا مِنهم يُقِيمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ وهو في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ قَبْلُ، ولا يَتَغَيَّرُ حالُهُ، ورُبَّما كانَ في رَفاهِيَةٍ حَتّى إذا أقامَ وقَفَتْ بِهِ سَفِينَةُ العَيْشِ، فَوَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ.
وجَعْلُها كالشَّرْطِيَّةِ الأُولى، وحَمْلُ التَّوْسِعَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ التَّوْسِعَةِ الصُّورِيَّةِ الظّاهِرَةِ والتَّوْسِعَةِ المَعْنَوِيَّةِ - كَأنْ يَرْزُقُهم سُبْحانَهُ القَناعَةَ والرِّضا بِما في أيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ عِنْدَهم كالكَثِيرِ وإنْ كانَ قَلِيلًا – لا أظُنُّهُ يَأْخُذُ مَحَلًّا مِن فُؤادِكَ، ولا أحْسَبُهُ حاسِمًا لِما يُقالُ، والقَوْلُ بِأنَّها كالأُولى - إلّا أنَّ المُلازَمَةَ بَيْنَ إقامَتِهِمْ بِأسْرِهِمْ ما تَقَدَّمَ، وانْتِفاعُهم كَذَلِكَ، أيْ لَوْ أنَّهم كُلَّهم أقامُوا التَّوْراةَ إلَخْ، لَأكَلُوا كُلُّهم مِن فَوْقِهِمْ إلَخْ، لا لَوْ أقامَ بَعْضُهم - لا أُراهُ إلّا مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ بَعْضًا فَسَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( لَأكَلُوا ) إلَخْ، بِقَوْلِهِ: لَوُسِّعَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، وفَسَّرَ التَّوْسِعَةَ بِأوْجُهٍ ذَكَرَها، ولَمْ يَجْعَلْهُ شامِلًا لِرِزْقِ الدّارَيْنِ، ولَوْ حُمِلَ عَلى التَّرَقِّي وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في الأوَّلِ شَرْطًا وجَزاءً لَكانَ وجْهًا، انْتَهى.
وبِهَذا الوَجْهِ أقُولُ، وإلَيْهِ أتَوَجَّهُ، وإنّى أُراهُ كالمُتَعَيَّنِ، إلّا أنَّ الشَّرْطِيَّتَيْنِ عَلَيْهِ لَيْسَتا سَواءً، والإشْكالُ فِيهِ باقٍ مِن وجْهٍ، ولا مُخَلِّصَ عَنْهُ عَلى ما أُرى إلّا بِالذَّهابِ إلى اخْتِلافِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ، ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - إلى تَحْقِيقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ أيْ: طائِفَةٌ عادِلَةٌ غَيْرُ غالِيَةٍ ولا مُقَصِّرَةٍ،
صفحة 186
كَمًّا رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ، وتابَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وأُولَئِكَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ مِنَ اليَهُودِ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَّصارى وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِحَرْفِ الِامْتِناعِ، الدّالَّتَيْنِ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ والِاتِّقاءِ والإقامَةِ المَذْكُوراتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ كُلُّهم مَصْرُوفٌ عَلى عَدَمِ الإيمانِ وأخَوَيْهِ؟ فَقِيلَ: ( مِنهم ) إلَخْ، وتَفْسِيرُ الِاقْتِصادِ بِالتَّوَسُّطِ في العَداوَةِ بِعِيدٌ، ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهُمُ الأجْلافُ المُتَعَصِّبُونَ؛ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأشْباهِهِ والرُّومِ.
﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ العِنادِ، والمُكابَرَةِ، وتَحْرِيفِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنْهُ.
وقِيلَ: مِنَ الإفْراطِ في العَداوَةِ، و( كَثِيرٌ ) مُبْتَدَأٌ و( مِنهم ) صِفَتُهُ، و( ساءَ ) كَبِئْسَ لِلذَّمِّ.
وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّ فِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَقَضْوِ زَيْدٍ، أيْ: ما أقْضاهُ، فالمَعْنى هُنا: ما أسْوَأ عَمَلَهُمْ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هي لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ، والتَّعَجُّبُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَقامِ، وتَمْيِيزُها مَحْذُوفٌ، و( ما ) مَوْصُولَةٌ فاعِلٌ لَها، أيْ: ساءَ عَمَلًا الَّذِي يَعْمَلُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) نَكِرَةً في مَوْضِعِ التَّمْيِيزِ، والجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ.
* * *
هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ:
( ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ) أيْ صَلاةَ الشُّهُودِ والحُضُورِ الذّاتِيِّ ( ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ) أيْ زَكاةَ وجُودِهِمْ ( ﴿وهم راكِعُونَ﴾ ) أيْ خاضِعُونَ في البَقاءِ بِاللَّهِ.
والآيَةُ عِنْدَ مُعْظَمِ المُحَدِّثِينَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والإمامِيَّةُ - كَما عَلِمْتَ - يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى خِلافَتِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِلا فَصْلٍ، وقَدْ عَلِمْتَ مِنّا رَدَّهم - والحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ - رَدَّ كَلامٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم - يُشِيرُ إلى القَوْلِ بِخِلافَتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَعْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِلا فَصْلٍ أيْضًا، إلّا أنَّ تِلْكَ الخِلافَةَ عِنْدَهم هي الخِلافَةُ الباطِنَةُ الَّتِي هي خِلافَةُ الإرْشادِ والتَّرْبِيَةِ والإمْدادِ والتَّصَرُّفِ الرُّوحانِيِّ، لا الخِلافَةُ الصُّورِيَّةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إقامَةِ الحُدُودِ الظّاهِرَةِ، وتَجْهِيزِ الجُيُوشِ، والذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الإسْلامِ، ومُحارَبَةِ أعْدائِهِ بِالسَّيْفِ والسِّنّانِ، فَإنْ تِلْكَ عِنْدَهم عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي وقَعَ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، والفَرْقُ عِنْدَهم بَيْنَ الخِلافَتَيْنِ كالفَرْقِ بَيْنَ القِشْرِ واللُّبِّ، فالخِلافَةُ الباطِنَةُ لُبُّ الخِلافَةِ الظّاهِرَةِ، وبِها يُذَبُّ عَنْ حَقِيقَةِ الإسْلامِ، وبِالظّاهِرَةِ يُذَبُّ عَنْ صُورَتِهِ، وهي مَرْتَبَةُ القُطْبِ في كُلِّ عَصْرٍ، وقَدْ تَجْتَمِعُ مَعَ الخِلافَةِ الظّاهِرَةِ، كَما اجْتَمَعَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أيّامَ إمارَتِهِ، وكَما تَجْتَمِعُ في المَهْدِيِّ أيّامَ ظُهُورِهِ، وهي والنُّبُوَّةُ رَضِيعا ثَدْيٍ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِما يَرْوُونَهُ عِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ««خُلِقْتُ أنا وعَلِيٌّ مِن نُورٍ واحِدٍ»» وكانَتْ هَذِهِ الخِلافَةُ فِيهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ.
ومِن هَنا كانْتْ سَلاسِلُ أهْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُنْتَهِيَةً إلَيْهِ، إلّا ما هو أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ؛ فَإنَّهُ يَنْتَهِي إلى الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَسِلْسِلَةِ ساداتِنا النَّقْشَبَنْدِيَّةِ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِعُلُومِهِمْ - ومَعَ هَذا تَرِدُ عَلَيْهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – أيْضًا.
وبِتَقْسِيمِ الخِلافَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ جَمَعَ بَعْضُ العارِفِينَ بَيْنَ الأحادِيثِ المُشْعِرَةِ أوِ المُصَرِّحَةِ بِخِلافَةِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّرْتِيبِ المَعْلُومِ وبَيْنَ الأحادِيثِ المُشْعِرَةِ أوِ المُصَرِّحَةِ بِخِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَعْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِلا فَصْلٍ، فَحَمَلَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في خِلافَةِ الخُلَفاءِ
صفحة 187
الثَّلاثَةِ عَلى الخَلافَةِ الظّاهِرَةِ، والأحادِيثَ الوارِدَةَ في خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الخِلافَةِ الباطِنَةِ، ولَمْ يُعَطِّلْ شَيْئًا مِنَ الأخْبارِ، وقالَ بِحَقِيقَةِ خِلافَةِ الأرْبَعِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مُشْعِرٌ بِأفْضَلِيَّةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ، وبَعْضُهم يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، ويَقُولُ بِجَوازِ خِلافَةِ المَفْضُولِ خِلافَةً صُورِيَّةً مَعَ وُجُودِ الفاضِلِ، لَكِنْ قَدْ قَدَّمْنا عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ - أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – رَجُلٌ، ولَيْسَ مَقْصُودُهُ سِوى بَيانِ المَرْتَبَةِ في الفَضْلِ، فافْهَمْ.
( ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) فَإنَّهُ مِن حِزْبِ اللَّهِ تَعالى، أيْ أهْلِ خاصَّتِهِ القائِمِينَ مَعَهُ عَلى شَرائِطِ الِاسْتِقامَةِ ( ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ ) عَلى أعْدائِهِمُ الأنْفَسِيَّةِ والأفّاقِيَّةِ، وقَدْ صَحَّ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قائِمَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وهم عَلى ذَلِكَ»».
( ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ ) أيْ حالَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ في السَّيْرِ والسُّلُوكِ ( ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾ ) فَطَعَنُوا فِيهِ ( ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ ) وهُمُ المُقْتَصِرُونَ عَلى الظّاهِرِ فَقَطْ، كاليَهُودِ، أوْ عَلى الباطِنِ فَقَطْ كالنَّصارى ( ﴿والكُفّارَ﴾ ) الَّذِينَ حُجِبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الحَقِّ ( ﴿أوْلِياءَ﴾ ) لِلْمُبايَنَةِ في الأحْوالِ ( ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ( ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ ) أيِ الحُضُورِ في حَضْرَةِ الرَّبِّ ( ﴿اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ) الأسْرارَ، ولَمْ يَفْهَمُوا ما في الصَّلاةِ مِن بُلُوغِ الأوْطارِ، فَقَدْ صَحَّ: ««حُبِّبَ لِي مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ»».
( ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ ) وتُنْكِرُونَ ( ﴿مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ ) فَجَمَعْنا بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وطِرْنا بِهَذَيْنِ الجَناحَيْنِ إلى الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ ( ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ ) أيْ بَدَّلَنا صِفاتِهِمْ بِصِفاتِ هاتِيكَ الحَيَواناتِ مِنَ الحِيَلِ والحِرْصِ والشَّهْوَةِ وقِلَّةِ الغَيْرَةِ ( ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ ) وهو كُلُّ ما يَطْغى مِمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، أيْ أنَّهُمُ انْقادُوا إلَيْهِ وخَضَعُوا لَهُ، ومِن أُولَئِكَ مَن هو عابِدُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ ( ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ ) لِأنَّهم أبْطَلُوا اسْتِعْدادَهُمُ الفِطْرِيَّ، وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا ( ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ) أيْ يَقْدَمُونَ بِسُرْعَةٍ عَلى جَمِيعِ الرَّذائِلِ لِاعْتِيادِهِمْ لَها، وتَدَرُّبِهِمْ فِيها، وكَوْنِها مَلَكاتٍ لِنُفُوسِهِمْ، فالإثْمُ رَذِيلَةُ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، والعُدْوانُ رَذِيلَةُ القُوى الغَضَبِيَّةِ، وأكْلُ السُّحْتِ رَذِيلَةُ القُوى الشَّهَوِيَّةِ، ( ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ ) لِحِرْمانِهِمْ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أهْلُ الظّاهِرِ ( يَدُ اللَّهِ ) تَعالى عَمّا يَقُولُونَ ( ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ ) فَلا يُفِيضُ غَيْرَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الظّاهِرَةِ ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) وحُرِمُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَنْ تَناوُلِ ثِمارِ أشْجارِ الأسْرارِ ( ﴿ولُعِنُوا﴾ ) أيْ أُبْعِدُوا عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ ( ﴿بِما قالُوا﴾ ) مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ﴾ ) بِهِما ( ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ ) فَيُفِيضُ حَسَبَ الحِكْمَةِ مِن أنْواعِ العُلُومِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ عَلى مَن وجَدَهُ أهْلًا لِذَلِكَ، وإلى الظّاهِرِ والباطِنِ أشارَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ: ««يَدُ اللَّهِ تَعالى مَلْأى لا يَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ»».
( ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ ) الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ( ﴿واتَّقَوْا﴾ ) شِرْكَ أفْعالِهِمْ وصِفاتِهِمْ وذَواتِهِمْ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِالعُلُومِ الظّاهِرَةِ، واتَّقَوُا الإنْكارَ والِاعْتِراضَ عَلى مَن رَوى مِنَ العُلُومِ الباطِنَةِ، وسَلَّمُوا لَهم أحْوالَهم كَما قِيلَ:
وإذا لَمْ تَرَ الهِلالَ فَسَلِّمْ لِأُناسٍ رَأوْهُ بِالأبْصارِ
( ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ) الَّتِي ارْتَكَبُوها ( ﴿ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ) في مُقابَلَةِ إيمانِهِمْ واتِّقائِهِمْ ( ﴿ولَوْ أنَّهم
صفحة 188
أقامُوا التَّوْراةَ﴾ ) بِتَحَقُّقِ عُلُومِ الظّاهِرِ، والقِيامِ بِحُقُوقِ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ، والمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِها في المُعامَلاتِ ( ﴿والإنْجِيلَ﴾ ) بِتَحَقُّقِ عُلُومِ الباطِنِ، والقِيامِ بِحُقُوقِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ، والمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِها في المُكاشَفاتِ ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ ) مِن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ، وتَوْحِيدِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ مِن عالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي هو عالَمُ الأسْماءِ ( ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ) أيْ لَرُزِقُوا مِنَ العالَمِ الرُّوحانِيِّ العُلُومَ الإلَهِيَّةَ والحَقائِقَ العَقْلِيَّةَ والمَعارِفَ الحَقّانِيَّةَ ( ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) أيْ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ الجُسْمانِيِّ العُلُومَ الطَّبِيعِيَّةَ والإدْراكاتِ الحِسِّيَّةَ، وبِالأوَّلِ يَهْتَدُونَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ المُلْكِ والجَبَرُوتِ، وبِالثّانِي يَهْتَدُونَ إلى مَعْرِفَةِ عالَمِ المُلْكِ، فَيَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى إذا تَمَّ لَهُمُ الأمْرانِ بِاسْمِهِ الباطِنِ والظّاهِرِ، بَلْ بِجَمِيعِ الأسْماءِ والصِّفاتِ.
ولِلطِّيبِيِّ هُنا كَلامٌ طَيِّبٌ يَصْلُحُ لِهَذا البابِ، فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ حَكى عَنِ البَعْضِ أنَّهُ قالَ في ( ﴿لأكَلُوا﴾ ) إلَخْ، أيْ لَوُسِّعَ عَلَيْهِمْ خَيْرُ الدّارِينَ، وقُلْتُ: هَذا في حَقِّ مَن عَدَّدَ سَيِّئاتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا أقامُوا مُجَرَّدَ حُدُودِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَما ظَنُّكَ بِالعارِفِ السّالِكِ إذا قَمَعَ هَوى النَّفْسِ وانْكَمَشَ مِن هَذا العالَمِ إلى مَعالِمِ القُدْسِ مُعْتَصِمًا بِحَبْلِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ حَبِيبِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلى قَلْبِهِ سِجالَ فَضائِلِهِ وسَحائِبَ بَرَكاتِهِ، فَكَمَنَ فِيهِ كُمُونَ الأمْطارِ في الأرْضِ، فَتَظْهَرُ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ.
وفِي تَعْلِيقِ الأكْلِ مِن فَوْقِ ومِن تَحْتِ الأرْجُلِ عَلى الإقامَةِ بِما ذُكِرَ، واخْتِصاصِ ( مِنَ ) الِابْتِدائِيَّةِ ما يَلُوحُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» لِأنَّهم إذا أقامُوا العَمَلَ بِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتَنْزَلَ ذَلِكَ مِن فَوْقِهِمُ البَرَكاتِ، فَإذا اسْتَجْدَوُا العَمَلَ لِتِلْكَ البَرَكاتِ المُنَزَّلَةِ وقامُوا عَلَيْها بِثَباتِ أقْدامِهِمُ الرّاسِخَةِ اسْتَنْزَلَ ذَلِكَ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بَرَكاتٍ هي أزْكى مِنَ الأُولى، فَلا يَزالُ العِلْمُ والعَمَلُ يَتَناوَبانِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ السّالِكُ إلى مَقامِ القُرْبِ ومَنازِلِ العارِفِينَ، وفي ذِكْرِ الأرْجُلِ إشارَةٌ إلى حُصُولِ ثَباتِ القَدَمِ ورُسُوخِ العِلْمِ، وفي اقْتِرانِها مَعَ ( تَحْتِ ) دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ الثَّباتِ، وأنَّهم مِنَ الرّاسِخِينَ المُقْتَبِسِينَ عُلُومَهم مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ دُونَ المُتَزَلْزِلِينَ الَّذِينَ أخَذُوا عُلُومَهم مِنَ الأوْهامِ، ولِذا كَتَبَ بَعْضُ العارِفِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الإمامِ إرْشادًا لَهُ إلى مَعْرِفَةِ طَرِيقِ أهْلِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ، انْتَهى.
وقَدْ وجَّهَ بَعْضُ أهْلِ العِبارَةِ - مِمَّنْ هو مِنِّي في مَوْضِعِ التّاجِ مِنَ الرَّأْسِ لا زالَ باقِيًا - ذِكْرَ الأرْجُلِ هُنا بِأنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ) الأُمُورُ السُّفْلِيَّةُ الحاصِلَةُ بِالسَّعْيِ والِاكْتِسابِ، كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ الأُمُورُ الحاصِلَةُ بِمُجَرَّدِ الفَيْضِ، وحِينَئِذٍ يَقْوى الطِّباقُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
ولَعَلَّكَ تَسْتَنْبِطُ مِمّا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ مِمّا يُوافِقُ أيْضًا مَشْرَبَ أهْلِ الظّاهِرِ، فَتَدَبَّرْ.
( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) قِيلَ: عادِلَةٌ واصِلَةٌ إلى تَوْحِيدِ الأسْماءِ والصِّفاتِ ( ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ ) وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِالكُلِّيَّةِ، الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ بَعْدُ، فَضْلًا عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
المائدة 5:67
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ إلى الثَّقَلَيْنِ كافَّةً، وهو نِداءُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ مِنَّةُ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، وكَرامَتُهُ الكُبْرى، وفي هَذا العُنْوانِ إيذانٌ أيْضًا بِما يُوجِبُ الإتْيانَ بِما أُمِرَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.
﴿بَلِّغْ﴾ أيْ أوْصِلِ الخَلْقَ ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ كائِنًا ما كانَ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِكَ ومُبَلِّغِكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ، وفِيهِ عِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِحِفْظِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – وكِلاءَتِهِ، أيْ: بَلِّغْهُ غَيْرَ مُراقَبٍ في ذَلِكَ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ أبَدًا ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أيْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ
صفحة 189
﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ أيْ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِن رِسالَتِهِ؛ لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ غَيْرُها، وكَوْنِها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ، ولِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها - كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ - فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يُنْتَقَضُ بِهِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِنَفْيِ أوْلَوِيَّةِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ بِالأداءِ بِأنَّ الأوْلَوِيَّةَ ثابِتَةٌ بِاعْتِبارِ الوُجُوبِ قَطْعًا وظَنًّا، وجَلاءً وخَفاءً، أصْلًا وفَرْعًا، وأجابَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ نَفى الأوْلَوِيَّةَ نَظَرًا إلى أصْلِ الوُجُوبِ، وأيْضًا إنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى المُبَلَّغِ والكَلامِ في التَّبْلِيغِ، وهو غَيْرُ مُخْتَلَفِ الوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ نَظَرًا إلى ذاتِهِ، ثُمَّ كِتْمانُ البَعْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، بَلْ إلى ما في المُبَلَّغِ مِنَ المَصْلَحَةِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ هَذا الأمْرَ أصْلًا، فَلَمْ يُبَلِّغْ، وإنْ أعْلَمَ النّاسَ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّهُ مُخْبِرٌ إذْ ذاكَ لا مُبَلِّغٌ، ونُوقِشَ في التَّعْلِيلِ الثّانِي بِأنَّ الصَّلاةَ اعْتَبَرَها الشّارِعُ أمْرًا واحِدًا بِخِلافِ التَّبْلِيغِ، وهي مُناقَشَةٌ غَيْرُ وارِدَةٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى ألْزَمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَبْلِيغَ الجَمِيعِ، فَقَدْ جَعَلَها كالصَّلاةِ بِلا رَيْبٍ.
ومِمّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الشَّرْطِيَّةِ يُعْلَمُ أنَّ لا اتِّحادَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ومَنِ ادَّعاهُ بِناءً عَلى أنَّ المَآلَ إنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ جَعَلَهُ نَظِيرَ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي.
حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ بِلا مَزِيدٍ في اللَّفْظِ، وشِعْرِي شِعْرِي المَشْهُورُ بَلاغَتُهُ، والمُسْتَفِيضُ فَصاحَتُهُ، ولَكِنَّهُ أخَبَرَ بِالسُّكُوتِ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي بِها تَحْصُلُ الفائِدَةُ أنَّها مِن لَوازِمِ شِعْرِهِ في أفْهامِ النّاسِ السّامِعِينَ لِاشْتِهارِهِ بِها، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها وذِياعِها، وكَذَلِكَ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ: - أُرِيدَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ النّاسِ، مُسْتَقِرٌّ في الأفْهامِ أنَّهُ عَظِيمٌ شَنِيعٌ يُنْعى عَلى مُرْتَكِبِهِ، ألا تَرى أنَّ عَدَمَ نَشْرِ العِلْمِ مِنَ العالِمِ أمْرٌ فَظِيعٌ؟! فَكَيْفَ كِتْمانُ الرِّسالَةِ مِنَ الرَّسُولِ؟! فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ الزِّياداتِ الَّتِي يَتَفاوَتُ بِها الشَّرْطُ والجَزاءُ لِلُصُوقِها بِالجَزاءِ في الأفْهامِ، وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فَهِمَ ما وراءَهُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وحُسِّنَ هَذا الأُسْلُوبُ في الكِتابِ العَزِيزِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ عامًّا، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ) ولَمْ يَقِلْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ فَما بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ لِيَتَغايَرا لَفْظًا وإنِ اتَّحَدا مَعْنًى، وهَذا أحْسَنُ رَوْنَقًا وأظْهَرُ طَلاوَةً مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ الواحِدِ في الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهَذِهِ الذُّرْوَةُ انْحَطَّ عَنْها أبُو النَّجْمِ بِذِكْرِ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِ الخَبَرِ، وحُقَّ لَهُ أنْ تَتَضاءَلَ فَصاحَتُهُ عِنْدَ فَصاحَةِ المُعْجِزِ، فَلا مَعابَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ راهُويَهْ في مُسْنَدِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ حِبّانَ في تَفْسِيرِهِ مِن مُرْسَلِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِالرِّسالَةِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي عَذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لِي العِصْمَةَ فَقَوِيتُ»».
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: إنْ تَرَكْتَ تَبْلِيغَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ حُكِمَ عَلَيْكَ بِأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغْ أصْلًا، وقِيلَ - ولَيْتَهُ ما قِيلَ – المُرادُ بِما أُنْزِلَ القُرْآنُ، وبِما في الجَوابِ بَقِيَّةُ المُعْجِزاتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ، ونُسِبَ إلى الشِّيعَةِ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ البَعْضَ تَقِيَّةً.
وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُرادَ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِدَ بِإنْزالِهِ اطِّلاعُهم عَلَيْهِ، وأمّا ما خُصَّ بِهِ مِنَ الغَيْبِ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصالِحُ أُمَّتِهِ فَلَهُ - بَلْ عَلَيْهِ – كِتْمانُهُ، ورَوى السُّلَمِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ قالَ: أوْحى بِلا واسِطَةٍ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سِرًّا إلى قَلْبِهِ،
صفحة 190
ولا يَعْلَمُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ إلّا في العُقْبى حِينَ يُعْطِيهِ الشَّفاعَةَ لِأُمَّتِهِ، وقالَ الواسِطِيُّ: ألْقى إلى عَبْدِهِ ما ألْقى، ولَمْ يُظْهِرْ ما الَّذِي أوْحى؛ لِأنَّهُ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما كانَ مَخْصُوصًا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَسْتُورًا، وما بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ إلى الخَلْقِ كانَ ظاهِرًا، قالَ الطِّيبِيُّ: وإلى هَذا يُنْظَرُ مَعْنى ما رُوِّينا في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وِعاءَيْنِ: فَأمّا أحَدَهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ مِنِّي هَذا البُلْعُومُ»»، أرادَ عُنُقَهُ وأصْلُ مَعْناهُ مَجْرى الطَّعامِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ البُخارِيُّ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ عِلْمَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وعِلْمَ الحَقِيقَةِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ رَئِيسُ العارِفِينَ عَلِيٌّ زَيْنُ العابِدِينَ حَيْثُ قالَ:
إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ ∗∗∗ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا
وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا
فَرُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لى: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا
ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنًا
ومِن ذَلِكَ عِلْمُ وِحْدَةِ الوُجُودِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ طَوْرُ ما وراءِ طَوْرِ العَقْلِ، وقالُوا: إنَّهُ مِمّا تَعْلَمُهُ الرُّوحُ بِدُونِ واسِطَةِ العَقْلِ، ومِن هُنا قالُوا بِالعِلْمِ الباطِنِ عَلى مَعْنى أنَّهُ باطِنٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْبابِ الأفْكارِ وذَوِي العُقُولِ المُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، لا المُتَجَرِّدِينَ العارِجِينَ إلى حَضائِرِ القُدْسِ، ورِياضِ الأنْوارِ.
وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرانِيُّ - رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ - في كِتابِهِ الدُّرَرِ المَنثُورَةِ في بَيانِ زُبَدِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ ما نَصُّهُ: وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمُ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا، وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامُهُ عَلى الأفْهامِ، حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلى فَهْمِي! فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ، فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءَ ونَحْوَهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ؛ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ الخَلْقَ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ، فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.
وقَدْ فَهِمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ تَبْلِيغَ الأحْكامِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَصالِحِ دُونَ ما يَشْمَلُ عِلْمَ الأسْرارِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما أنْزَلْنا إلَيْكَ ) دُونَ: ما تَعَرَّفْنا بِهِ إلَيْكَ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَ الأسْرارِ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بِالوَحْيِ بَلْ بِطَرِيقِ الإلْهامِ والمُكاشَفَةِ، وقِيلَ: يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ الرِّسالَةِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ ما يُرْسَلُ إلى الغَيْرِ.
وقَدْ أطالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ - الكَلامَ في هَذا المَقامِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ما عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ المُنَزَّلُ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ وقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ: ««سَتَكُونُ فِتَنٌ، قِيلَ: وما المَخْرَجُ مِنها؟ قالَ: كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فِيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكُمْ، وخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ ما فِيكم»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، ولَكِنْ عِلْمُنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ» .
وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: جَمِيعُ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مِمّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ
صفحة 191
عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنِّي لا أُحِلُّ إلّا ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، ولا أُحَرِّمُ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ»».
وقالَ المُرْسِي: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – وأعْلامُهُمْ، مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ومِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - حَتّى قالَ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ، ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ، وفَتَرَتِ العَزائِمُ، وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ، وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ، فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ، وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ لِمَن فَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، حَتّى إنَّ البَعْضَ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثَلاثًا وسِتِّينَ سَنَةً مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُنافِقِينَ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ فَإنَّها رَأْسُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سُورَةً، وعَقَّبَها بِالتَّغابُنِ لِيَظْهَرَ التَّغابُنُ في فَقْدِهِ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كانَ تَبْلِيغُ القُرْآنِ تَبْلِيغًا لَهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّوْقِيفَ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ سِرًّا سِرًّا، وحُكْمًا حُكْمًا لَمْ يَثْبُتْ بِصَرِيحِ العِبارَةِ لِكُلِّ أحَدٍ، وكَمْ مِن سِرٍّ وحُكْمٍ نَبَّهَتْ عَلَيْهِما الإشارَةُ، ولَمْ تُبَيِّنْهُما العِبارَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ هُناكَ أسْرارًا خارِجَةً عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَلَقّاها الصُّوفِيَّةُ مِن رَبِّهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، وجاءَ بِالضَّلالِ ابْنِ السَّبَهْلَلِ بِلا مِرْيَةٍ.
وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ عَنِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الزَّعْمِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الأخْذُ مِنَ القُرْآنِ بِواسِطَةِ فَهْمٍ قُدْسِيٍّ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ الآخِذِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما صَحَّ «عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «هَلْ عِنْدَكم كِتابٌ خَصَّكم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قالَ: لا، إلّا كِتابٌ اللَّهِ تَعالى، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أوْ ما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ - وكانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقَبْضَةِ سَيْفِهِ - قالَ: قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، ولا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»».
ويُفْهَمُ مِنهُ - كَما قالَ القَسْطَلّانِيُّ - جَوازُ اسْتِخْراجِ العالِمِ مِنَ القُرْآنِ بِفَهْمِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَنقُولًا عَنِ المُفَسِّرِينَ إذا وافَقَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ - عَلى ما أقُولُ - كُلُّهُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ بَعْضَ كَلِماتِهِمْ مُخالِفٌ ظاهِرُها لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ، لَكِنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى اصْطِلاحاتٍ فِيما بَيْنَهم إذا عُلِمَ المُرادُ مِنها يَرْتَفِعُ الغُبارُ، وكَوْنُهم مُلامِينَ عَلى تِلْكَ الِاصْطِلاحاتِ - لِقَوْلِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ««حَدِّثُوا النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»» - أوْ غَيْرَ مُلامِينَ لِوُجُودِ داعٍ لَهم إلى ذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.
وقَرِيبٌ مِن خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونا فَيُخْبِرُونا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – لِلنّاسِ! فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَوْداءَ في بَيْضاءَ.
وحَمْلُ وِعاءِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلى عِلْمِ الأسْرارِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أخْبارُ الفِتَنِ وأشْراطِ السّاعَةِ، وما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن فَسادِ الدِّينِ عَلى أيْدِي أغُلَيْمَةٍ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ، وقَدْ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: «لَوْ شِئْتُ أنَّ أُسَمِّيَهم بِأسْمائِهِمْ لَفَعَلْتُ».
صفحة 192
أوِ المُرادُ الأحادِيثُ الَّتِي فِيها تَعْيِينُ أسْماءِ أُمَراءِ الجَوْرِ وأحْوالِهِمْ وذَمِّهِمْ، وقَدْ كانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكَنِّي عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ ولا يُصَرِّحُ؛ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهُمْ، بِقَوْلِهِ: «أعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن رَأْسِ السِّتِّينَ وإمارَةِ الصِّبْيانِ» يُشِيرُ إلى خِلافَةِ يَزِيدَ الطَّرِيدِ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رَغْمِ أنْفِ أوْلِيائِهِ - لِأنَّها كانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَةِ، واسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَماتَ قَبْلَها بِسَنَةٍ.
وأيْضًا قالَ القَسْطَلّانِيُّ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وسِعَ أبا هُرَيْرَةَ كِتْمانُهُ مَعَ ما أخْرَجَ عَنْهُ البُخارِيُّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ، ولَوْلا آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾» إلى آخِرِ ما قالَ، فَإنَّ ما تَلاهُ دالٌّ عَلى ذَمِّ كِتْمانِ العِلْمِ، لا سِيَّما العِلْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ الأسْرارِ، فَإنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَدِّعِي أنَّهُ لُبُّ ثَمَرَةِ العِلْمِ، وأيْضًا إنَّ أبا هُرَيْرَةَ نَفى بَثَّ ذَلِكَ الوِعاءِ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ؟! وأبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكْشِفْ مَسْتُورَهُ فِيما أعْلَمُ، فَمِن أيْنَ عُلِمَ أنَّ الَّذِي عَلِمَهُ هو هَذا؟! ومَنِ ادَّعى فَعَلَيْهِ البَيانُ، ودُونَهُ قَطْعُ الأعْناقِ.
فالِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ لِطَرِيقِ القَوْمِ فِيهِ ما فِيهِ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – نَعَمْ، لِلْقَوْمِ مُتَمَسَّكٌ غَيْرُ هَذا مُبِينٌ في مَوْضِعِهِ، لَكِنْ لا يُسَلَّمُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِمّا خَلا عَنْهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلُ، أوْ أنَّهُ أمْرٌ وراءَ الشَّرِيعَةِ، ومَن بَرْهَنَ عَلى ذَلِكَ بِزَعْمِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، فَقَدْ قالَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الأجْوِبَةِ المَرْضِيَّةِ عَنِ الفُقَهاءِ والصُّوفِيَّةِ: سَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا المَرْصِفِيَّ يَقُولُ: لا يَكْمُلُ الرَّجُلُ في مَقامِ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ حَتّى يَرى الحَقِيقَةَ مُؤَيِّدَةً لِلشَّرِيعَةِ، وأنَّ التَّصَوُّفَ لَيْسَ بِأمْرٍ زائِدٍ عَلى السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وإنَّما هو عَيْنُها.
وسَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا الخَوّاصَ يَقُولُ مِرارًا: مَن ظَنَّ أنَّ الحَقِيقَةَ تَخالِفُ الشَّرِيعَةِ أوْ عَكْسَهُ فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ شَرِيعَةٌ تُخالِفُ حَقِيقَةً أبَدًا، حَتّى قالُوا: شَرِيعَةٌ بِلا حَقِيقَةٍ عاطِلَةٌ، وحَقِيقَةٌ بِلا شَرِيعَةٍ باطِلَةٌ، خِلافُ ما عَلَيْهِ القاصِرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والفُقَراءِ، وقَدْ يَسْتَنِدُ مَن زَعَمَ المُخالَفَةَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والشَّرِيعَةِ إلى قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يَسْتَطِيعُ المُخالِفُ مَعَهُ عَلى فَتْحِ شَفَةٍ.
ومِمّا نَقَلْنا عَنِ القَسْطَلّانِيِّ في خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ في الِاعْتِراضِ عَلى الصُّوفِيَّةِ، مِن أنَّ ما عِنْدَهم إنْ كانَ مُوافِقًا لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ فَهُما بَيْنَ أيْدِينا، وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُما فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.
والجَوابُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وكَوْنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بَيْنَ أيْدِينا لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إمْكانِ اسْتِنْباطِ شَيْءٍ مِنهُما بَعْدُ، ولا يَقْتَضِي انْحِصارَ ما فِيهِما فِيما عَلِمَهُ العُلَماءُ قَبْلُ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْطِي اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ خَواصِّ عِبادِهِ فَهْمًا يُدْرِكُ بِهِ مِنهُما ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ المُجْتَهِدِينَ في الدِّينِ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخِرِ، وحَيْثُ سُلِّمَ لِلْأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا اجْتِهادُهم واسْتِنْباطُهم مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ مَعَ مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَما المانِعُ مِن أنْ يُسَلَّمَ لِلْقَوْمِ ما فُتِحَ لَهم مِن مَعانِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ خالَفَ ما عَلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ لَكِنْ لَمْ يُخالِفْ ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ الصَّرِيحُ مِنَ الأُمَّةِ المَعْصُومَةِ؟! وأرى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ عِلْمِ كُلٍّ في القَبُولِ والرَّدِّ تَحَكُّمًا بَحْتًا، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ المُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) خِلافَةُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ رَوَوْا بِأسانِيدِهِمْ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْتَخْلِفَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَكانَ يَخافُ أنَّ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلى جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ؛ تَشْجِيعًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَهُ بِأدائِهِ».
صفحة 193
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حَيْثُ أمَرَ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِوِلايَتِهِ، فَتَخَوَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولُوا: حابى ابْنَ عَمِّهِ، وأنْ يَطْعَنُوا في ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقامَ بِوِلايَتِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، وأخَذَ بِيَدِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»».
وأخْرَجَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، عَنْ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدُويَهْ، وابْنِ عَساكِرَ، راوِينَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ»».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ - إنَّ عَلِيًّا ولِيُّ المُؤْمِنِينَ - وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ»».
وخَبَرُ الغَدِيرِ عُمْدَةُ أدِلَّتِهِمْ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وقَدْ زادُوا فِيهِ - إتْمامًا لِغَرَضِهِمْ - زِياداتٍ مُنْكَرَةً، ووَضَعُوا في خِلالَهِ كَلِماتٍ مُزَوَّرَةً، ونَظَمُوا في ذَلِكَ الأشْعارَ، وطَعَنُوا عَلى الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِزَعْمِهِمْ أنَّهم خالَفُوا نَصَّ النَّبِيِّ المُخْتارِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحِمْيَرِيُّ - عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ - مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ:
عَجِبْتُ مِن قَوْمٍ أتَوْا أحَمَدا ∗∗∗ بِخُطَّةٍ لَيْسَ لَها مَوْضِعُ
قالُوا لَهُ: لَوْ شِئْتَ أعْلَمْتَنا ∗∗∗ إلى مَنِ الغايَةُ والمَفْزَعُ
إذا تُوُفِّيتَ وفارَقْتَنا ∗∗∗ وفِيهِمْ في المُلْكِ مَن يَطْمَعُ
فَقالَ: لَوْ أعْلَمْتُكم مَفْزَعًا ∗∗∗ كُنْتُمْ عَسَيْتُمْ فِيهِ أنْ تَصْنَعُوا
كَصُنْعِ أهْلِ العِجْلِ إذْ فارَقُوا ∗∗∗ هارُونَ فالتَّرْكُ لَهُ أوْرَعُ
ثُمَّ أتَتْهُ بَعْدَهُ عَزْمَةٌ ∗∗∗ مِن رَبِّهِ لَيْسَ لَها مَدْفَعُ
أبْلِغْ وإلّا لَمْ تَكُنْ مُبَلِّغا ∗∗∗ واللَّهُ مِنهم عاصِمٌ يَمْنَعُ
فَعِنْدَها قامَ النَّبِيُّ الَّذِي ∗∗∗ كانَ بِما يَأْمُرُهُ يَصْدَعُ
يَخْطُبُ مَأْمُورًا وفي كَفِّهِ ∗∗∗ كَفُّ عَلِيٍّ نُورُها يَلْمَعُ
رافِعَها أكْرِمْ بِكَفِّ الَّذِي ∗∗∗ يَرْفَعُ والكَفِّ الَّتِي تُرْفَعُ
مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا لَهُ ∗∗∗ مَوْلًى فَلَمْ يَرْضَوْا ولَمْ يَقْنَعُوا لَهُ
وظَلَّ قَوْمٌ غاظَهم قَوْلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما آنافُهم تُجْدَعُ
حَتّى إذا وارَوْهُ في لَحْدِهِ ∗∗∗ وانْصَرَفُوا عَنْ دِينِهِ ضَيَّعُوا
ما قالَ بِالأمْسِ وأوْصى بِهِ ∗∗∗ واشْتَرَوُا الضُّرَّ بِما يَنْفَعُ
وقَطَّعُوا أرْحامَهم بَعْدَهُ ∗∗∗ فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ بِما قَطَّعُوا
وأزْمَعُوا مَكْرًا بِمَوْلاهُمُ ∗∗∗ تَبًّا لِما كانُوا بِهِ أزْمَعُوا
لا هم عَلَيْهِ يَرِدُوا حَوْضَهُ ∗∗∗ غَدًا ولا هو لَهم يَشْفَعُ
إلى آخَرِ ما قالَ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَثْرَتَهُ وأقالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أخْبارَ الغَدِيرِ الَّتِي فِيها الأمْرُ بِالِاسْتِخْلافِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، ولا مُسَلَّمَةٌ لَدَيْهِمْ أصْلًا، ولْنُبَيِّنْ ما وقَعَ هُناكَ أتَمَّ تَبْيِينٍ ولْنُوَضِّحِ الغَثَّ مِنهُ والسَّمِينَ، ثُمَّ نَعُودُ عَلى اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِالإبْطالِ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ الِاسْتِمْدادُ، وعَلَيْهِ الِاتِّكالُ.
صفحة 194
فَنَقُولُ: إنِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ في مَكانٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن حَجَّةِ الوَداعِ - قَرِيبٍ مِنَ الجُحْفَةِ يُقالُ لَهُ: غَدِيرُ خُمٍّ، فَبَيَّنَ فِيها فَضْلَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وبَراءَةَ عِرْضِهِ مِمّا كانَ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ مَن كانَ مَعَهُ بِأرْضِ اليَمَنِ بِسَبَبِ ما كانَ صَدَرَ مِنَ المَعْدَلَةِ الَّتِي ظَنَّها بَعْضُهم جَوْرًا وتَضْيِيقًا وبُخْلًا، والحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في ذَلِكَ، وكانَتْ يَوْمَ الأحَدِ ثامِنَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُناكَ.
فَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ قالَ: ««لَمّا أقْبَلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنَ اليَمَنِ لِيَلْقى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ تَعَجَّلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واسْتَخْلَفَ عَلى جُنْدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَعَمَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَكَسا كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ البَزِّ الَّذِي كانَ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَلَمّا دَنا جَيْشُهُ خَرَجَ لِيَلْقاهُمْ، فَإذا عَلَيْهِمُ الحُلَلُ، قالَ: ويْلَكَ! ما هَذا؟ قالَ: كَسَوْتُ القَوْمَ لِيَتَجَمَّلُوا بِهِ إذا قَدِمُوا في النّاسِ، قالَ: ويْلَكَ! انْتَزِعْ قَبْلَ أنْ نَنْتَهِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: فانْتَزَعَ الحُلَلَ مِنَ النّاسِ، فَرَدَّها في البَزِّ، وأظْهَرَ الجَيْشُ شَكَواهُ لِما صَنَعَ بِهِمْ»».
وأخْرَجَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ - وكانَتْ عِنْدَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««اشْتَكى النّاسُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِينا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ لا تَشْكُوا عَلِيًّا؛ فَواللَّهِ إنَّهُ لَأخْشَنُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.
ورَوى - أيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ اليَمَنَ، فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَغَيَّرَ، فَقالَ: «بُرَيْدَةُ ! ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» وكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ رِجالُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ، ورُوِيَ بِإسْنادٍ آخَرَ تَفَرَّدَ بِهِ.
وقالَ الذَّهَبِيُّ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: ««لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حَجَّةِ الوَداعِ، ونَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أمَرَ بِدَوْحاتٍ فَغُمِّمْنَ، ثُمَّ قالَ: كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، أنّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِما، فَإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ، اللَّهُ تَعالى مَوْلايَ، وأنا ولِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا ولِيُّهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَما كانَ في الدَّوْحاتِ أحَدٌ إلّا رَآهُ بِعَيْنِهِ وسَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وأبِي هارُونَ العُبَيْدِيِّ، ومُوسى بْنِ عُثْمانَ، عَنِ البَراءِ قالَ: ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ، فَلَمّا أتَيْنا عَلى غَدِيرِ خُمٍّ كُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، ونُودِيَ في النّاسِ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ، ودَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأخَذَ بِيَدِهِ وأقامَهُ عَنْ يَمِينِهِ فَقالَ: ألَسْتُ أوْلى بِكُلٍّ امْرِئٍ مِن نَفْسِهِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَإنَّ هَذا مَوْلى مَن أنا مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَنِيئًا لَكَ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ»» وهَذا ضَعِيفٌ، فَقَدْ نَصُّوا أنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ، وأبا هارُونَ، ومُوسى ضُعَفاءُ، لا يُعْتَمَدُ عَلى رِوايَتِهِمْ، وفي السَّنَدِ أيْضًا أبُو إسْحاقَ وهو شِيعِيٌّ مَرْدُودُ الرِّوايَةِ.
ورَوى ضِمْرَةُ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ:
صفحة 195
وهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ، ومَن صامَ يَوْمَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن ذِي الحِجَّةِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صِيامَ سِتِّينَ شَهْرًا،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرًا جِدًّا، ونُصَّ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ.
وقَدِ اعْتَنى بِحَدِيثِ الغَدِيرِ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَجَمَعَ فِيهِ مُجَلَّدَيْنِ، أوْرَدَ فِيهِما سائِرَ طُرُقِهِ وألْفاظِهِ، وساقَ الغَثَّ والسَّمِينَ، والصَّحِيحَ والسَّقِيمَ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ؛ فَإنَّهم يُورِدُونَ ما وقَعَ لَهم في البابِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ صَحِيحٍ وضَعِيفٍ، وكَذَلِكَ الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو القاسِمِ ابْنُ عَساكِرَ أوْرَدَ أحادِيثَ كَثِيرَةً في هَذِهِ الخُطْبَةِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ ونَحْوُهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ خَبَرُ الِاسْتِخْلافِ، كَما يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ.
وعَنِ الذَّهَبِيِّ أنَّ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» مُتَواتِرٌ، يُتَيَقَّنُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – قالَهُ، وأمّا: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ»» فَزِيادَةٌ قَوِيَّةُ الإسْنادِ، وأمّا: «صِيامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ ذِي الحِجَّةِ» فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولا واللَّهِ نَزَلَتْ تِلْكَ الآيَةُ إلّا يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأيّامٍ.
والشَّيْخانِ لَمْ يَرْوِيا خَبَرَ الغَدِيرِ في صَحِيحَيْهِما لِعَدَمِ وِجْدانِهِما لَهُ عَلى شَرْطِهِما، وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ ذَلِكَ لِقُصُورٍ وعَصَبِيَّةٍ فِيهِما، وحاشاهُما مِن ذَلِكَ.
ووَجْهُ اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِخَبَرِ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، وأوْلَوِيَّةُ التَّصَرُّفِ عَيْنُ الإمامَةِ، ولا يَخْفى أنَّ أوَّلَ الغَلَطِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ جَعْلُهُمُ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ قاطِبَةً، بَلْ قالُوا: لَمْ يَجِئْ مَفْعَلٌ بِمَعْنى أفْعَلَ أصْلًا، ولِمَ يُجَوِّزْ ذَلِكَ إلّا أبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ أوْلى بِكم.
ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ: ( فُلانٌ مَوْلًى مِن فُلانٍ ) كَما يَصِحُّ: ( فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ ) واللّازِمُ باطِلٌ إجْماعًا، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وتَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، يَعْنِي: النّارُ مَقَرُّكم ومَصِيرُكُمْ، والمَوْضِعُ اللّائِقُ بِكُمْ، ولَيْسَ نَصًّا في أنَّ لَفْظَ المَوْلى ثَمَّةَ بِمَعْنى الأوْلى.
والثّانِي: أنا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صِلَتَهُ بِالتَّصَرُّفِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلى بِالمَحَبَّةِ، وأوْلى بِالتَّعْظِيمِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَمْ جاءَ الأوْلى في كَلامٍ لا يَصِحُّ مَعَهُ تَقْدِيرُ التَّصَرُّفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
عَلى أنَّ لَنا قَرِينَتَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوِلايَةِ - مِن لَفْظِ المَوْلى أوِ الأوْلى - المَحَبَّةُ:
إحْداهُما ما رُوِّينا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في شَكْوى الَّذِينَ كانُوا مَعَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في اليَمَنِ كَبُرَيْدٍ الأسْلَمِيِّ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وغَيْرِهِما ولَمْ يَمْنَعْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشّاكِّينَ بِخُصُوصِهِمْ؛ مُبالَغَةً في طَلَبِ مُوالاتِهِ، وتَلَطُّفًا في الدَّعْوَةِ إلَيْها، كَما هو الغالِبُ في شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِلتَّلَطُّفِ المَذْكُورِ افْتَتَحَ الخُطْبَةَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟
وثانِيهُما: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ -: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَإنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَوْلى المُتَصَرِّفُ في الأُمُورِ أوِ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، لَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: اللَّهُمَّ والِ مَن كانَ في تَصَرُّفِهِ وعادِ مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَحَيْثُ ذَكَرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَحَبَّةَ والعَداوَةَ فَقَدْ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيجابُ مَحَبَّتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والتَّحْذِيرُ عَنْ عَداوَتِهِ وبُغْضِهِ، لا التَّصَرُّفُ وعَدَمُهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ الخِلافَةُ لَصَرَّحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها.
ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الحَسَنِ المُثَنّى بْنِ الحَسَنِ السِّبْطِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم سَألُوهُ عَنْ هَذا الخَبَرِ هَلْ هو نَصٌّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أرادَ خِلافَتَهُ لَقالَ: أيُّها النّاسُ هَذا ولِيُّ أمْرِي، والقائِمُ عَلَيْكم بَعْدِي، فاسْمَعُوا وأطِيعُوا، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – لَوْ آثَرا عَلِيًّا لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ولَمْ يُقْدِمْ
صفحة 196
عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلَيْهِ لَكانَ أعْظَمَ النّاسِ خَطَأً.
وأيْضًا رُبَّما يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوِلايَةِ المَحَبَّةُ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ بِلَفْظِ ( بَعْدِي ) والظّاهِرُ حِينَئِذٍ اجْتِماعُ الوِلايَتَيْنِ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُتَصَوَّرُ الِاجْتِماعُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلَوِيَّةَ التَّصَرُّفِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المُرادُ المَحَبَّةَ.
وتَمَسَّكَ الشِّيعَةُ في إثْباتِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْلى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِاللَّفْظِ الواقِعِ في صَدْرِ الخَبَرِ عَلى إحْدى الرِّواياتِ، وهو قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟ ونَحْنُ نَقُولُ: المُرادُ مِن هَذا أيْضًا الأوْلى بِالمَحَبَّةِ، يَعْنِي ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالمَحَبَّةِ؟ بَلْ قَدْ يُقالُ: الأوْلى ها هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ، والمَعْنى: ألَسْتُ أحَبَّ إلى المُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ؟ لِيَحْصُلَ تَلاؤُمُ أجْزاءِ الكَلامِ، ويَحْسُنَ الِانْتِظامُ، ويَكُونَ حاصِلُ المَعْنى هَكَذا: يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكم تُحِبُّونِي أكْثَرَ مِن أنْفُسِكُمْ، فَمَن يُحِبَّنِي يُحِبَّ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أحِبَّ مَن أحَبَّهُ وعادِ مَن عاداهُ.
ويُرْشَدُ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأوْلى - في تِلْكَ الجُمْلَةِ - الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وهو مَسُوقٌ لِنَفْيِ نَسَبِ الأدْعِياءِ مِمَّنْ يَتَبَنَّوْنَهُمْ، وبَيانُهُ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأنَّ نِسْبَةَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كالأبِ الشَّفِيقِ، بَلْ أزْيَدُ، وأزْواجُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – أُمَّهاتُهُمْ، والأقْرِباءُ في النَّسَبِ أحَقُّ وأوْلى مِن غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَتِ الشَّفَقَةُ والتَّعْظِيمُ لِلْأجانِبِ أزِيدَ، لَكِنْ مَدارُ النَّسَبِ عَلى القَرابَةِ وهي مَفْقُودَةٌ في الأدْعِياءِ، لا عَلى الشَّفَقَةِ والتَّعْظِيمِ، وهَذا ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ في حُكْمِهِ، ولا دَخْلَ لِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ في المَقْصُودِ أصْلًا، فالمُرادُ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - هو المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ في المَأْخُوذِ مِنهُ، ولَوْ فَرَضْنا كَوْنَ الأوْلى في صَدْرِ الخَبَرِ بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ الخِطابِ؛ لِيَتَوَجَّهُوا إلى سَماعِ كَلامِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَمالَ التَّوَجُّهِ، ويَلْتَفِتُوا إلَيْهِ غايَةَ الِالتِفاتِ، فَيُقَرَّرُ ما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ أتَمَّ تَقَرُّرٍ، وذَلِكَ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِأبْنائِهِ في مَقامِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ: ألَسْتُ أباكُمْ؟ وإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ يَأْمُرُهم بِما قَصَدَهُ مِنهُمْ؛ لِيَقْبَلُوا بِحُكْمِ الأُبُوَّةِ والنُّبُوَّةِ ويَعْمَلُوا عَلى طِبْقِهِما.
فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»» مِثْلُ: ألَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْكُمْ؟ أوْ: ألَسْتُ نَبِيَّكُمْ؟ ولا يُمْكِنُ إجْراءُ مِثْلِ ذَلِكَ فِيما بَعْدَهُ؛ تَحْصِيلًا لِلْمُناسَبَةِ.
ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ مَعْنى المَحَبَّةِ، وهو أنَّ مَحَبَّةَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أمْرٌ ثابِتٌ في ضِمْنِ آيَةِ ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فَلَوْ أفادَ هَذا الحَدِيثُ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا كانَ لَغْوًا، ولا يَخْفى فَسادُهُ، ومَنشَؤُهُ أنَّ المُسْتَدِلَّ لَمْ يَفْهَمْ أنَّ إيجابَ مَحَبَّةِ أحَدٍ في ضِمْنِ العُمُومِ شَيْءٌ، وإيجابَ مَحَبَّتِهِ بِالخُصُوصِ شَيْءٌ آخَرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ ظُهُورًا أنَّهُ لَوْ آمَنَ شَخْصٌ بِجَمِيعِ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخُصُوصِهِ بِالذِّكْرِ لَمْ يَكُنْ إيمانُهُ مُعْتَبَرًا، وأيْضًا لَوْ فَرَضْنا اتِّحادَ مَضْمُونِ الآيَةِ والخَبَرِ لا يَلْزَمُ اللَّغْوُ، بَلْ غايَةُ ما يَلْزَمُ التَّقْرِيرُ والتَّأْكِيدُ، وذَلِكَ وظِيفَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَثِيرًا ما يُؤَكِّدُ مَضامِينَ القُرْآنِ ويُقَرِّرُها، بَلِ القُرْآنُ نَفْسُهُ قَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ المَضامِينُ لِذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - وأيْضًا التَّنْصِيصُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - تَكَرَّرَ مِرارًا عِنْدَ الشِّيعَةِ، فَيَلْزَمُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ - القَوْلُ اللُّغَوِيُّ، ويُجَلُّ كَلامُ الشّارِعِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ ما أشارَ إلَيْهِ الحِمْيَرِيُّ في قَصِيدَتِهِ - الَّتِي أسْرَفَ فِيها - مِن أنَّ الصَّحابَةَ
صفحة 197
- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِهَذِهِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ جاءُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الإمامَ بَعْدَهُ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ المُؤَرِّخُونَ وأهْلُ السِّيَرِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ - فِيما أعْلَمُ - بَلْ هو مَحْضُ زُورٍ وبُهْتانٍ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ.
ومَن وقَفَ عَلى تِلْكَ القَصِيدَةِ الشَّنِيعَةِ بِأسْرِها وما يَرْوِيهِ الشِّيعَةُ فِيها - وكانَ لَهُ أدْنى خِبْرَةٍ - رَأى العَجَبَ العُجابَ، وتَحَقَّقَ أنَّ قَعاقِعَ القَوْمِ كَصَرِيرِ بابٍ، أوْ كَطَنِينِ ذُبابٍ، ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ الدّالَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها وكَوْنِها بِمَرْتَبَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها - لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِالمَعْنى الَّذِي قَرَّرْناهُ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ ذَلِكَ، ومَلْعُونٌ مَن يُنْكِرُهُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِالذِّكْرِ لِما قَدَّمْناهُ.
وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ: إنَّ الآيَةَ عَلى خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وكَذا خَبَرِ الغَدِيرِ - عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ - عَلى تَقْدِيرِ دَلالَتِهِما عَلى أنَّ المُرادَ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا بُدَّ أنْ يُقَيَّدا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في المَآلِ، وحِينَئِذٍ فَمَرْحَبًا بِالوِفاقِ؛ لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قائِلُونَ بِذَلِكَ حِينَ إمامَتِهِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَئِذٍ بِالذِّكْرِ ما عَلِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ مِن وُقُوعِ الفَسادِ والبَغْيِ في زَمَنِ خِلافَتِهِ، وإنْكارِ بَعْضِ النّاسِ لِإمامَتِهِ الحَقَّةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بَعْدَ الوَفاةِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
والخَبَرُ المُصَدَّرُ بِـ( كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ» لَيْسَ نَصًّا في المَقْصُودِ كَما لا يَخْفى، ومِمّا يُبْعِدُ دَعْوى الشِّيعَةِ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ المَوْصُولَ فِيها خاصٌّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّ النّاسَ فِيهِ - وإنْ كانَ عامًّا - إلّا أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ، ويَهْدِيكَ إلَيْهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّهُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِعِصْمَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى أُمْنِيَتِهِمْ فِيكَ، ومَتى كانَ المُرادُ بِهِمُ الكُفّارَ بَعْدَ إرادَةِ الخِلافَةِ؟! بَلْ لَوْ قِيلَ: لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأنَّ التَّخَوُّفَ الَّذِي تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ مِنهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحاشاهُ - في تَبْلِيغِ أمْرِ الخِلافَةِ إنَّما هو مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَيْثُ أنَّ فِيهِمْ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - مَن يَطْمَعُ فِيها لِنَفْسِهِ، ومَتى رَأى حِرْمانَهُ مِنها لَمْ يَبْعُدْ مِنهُ قَصْدُ الإضْرارِ بِرَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتِزامُ القَوْلِ - والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - بِكُفْرِ مَن عَرَّضُوا بِنِسْبَةِ الطَّمَعِ في الخِلافَةِ إلَيْهِ مِمّا يَلْزَمُهُ مَحاذِيرُ كُلِّيَّةٌ، أهْوَنُها تَفْسِيقُ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو هُوَ، أوْ نِسْبَةُ الجُبْنِ إلَيْهِ، وهو أسَدُ اللَّهِ تَعالى الغالِبُ، أوِ الحَكَمُ عَلَيْهِ بِالتَّقِيَّةِ، وهو الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَخْشى إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، أوْ نِسْبَةُ فِعْلِ الرَّسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَلِ الأمْرِ الإلَهِيِّ إلى العَبَثِ، والكُلُّ كَما تَرى.
لا يُقالُ: إنَّ عِنْدَنا أمْرَيْنِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الخِلافَةُ:
أحَدُهُما أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَأْمُورًا بِأبْلَغِ عِبارَةٍ بِتَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِها، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ مُخاطِبًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هُنا فَرْدٌ هو أهَمُّ الأفْرادِ وأعْظَمُها شَأْنًا - ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا الخِلافَةُ إذْ بِها يَنْتَظِمُ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا - لَخَلا الكَلامُ عَنِ الفائِدَةِ.
وثانِيهُما أنَّ ابْنَ إسْحاقَ ذَكَرَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ النّاسَ في حَجَّةِ الوَداعِ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيها ما بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «أيُّها النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي؛ فَإنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا بِهَذا المَوْقِفِ أبَدًا، أيُّها النّاسُ إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا، وكَحُرْمَةِ شَهْرِكم هَذا، وإنَّكم سَتَلْقَوْنَ رَبَّكم فَيَسْألَنَّكم عَنْ أعْمالِكُمْ، وقَدْ بَلَّغْتُ» ثُمَّ أوْصى
صفحة 198
- صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بِالنِّساءِ، ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «فاعْقِلُوا قَوْلِي فَإنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وقَدْ تَرَكْتُ فِيكم ما إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أبَدًا؛ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وسَنَةَ نَبِيِّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» إلى أنْ قالَ - بِأبِي هو وأمِّي، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِي أنَّ النّاسَ قالُوا: «اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اشْهَدِ»» انْتَهى.
فَإنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ظاهِرَةٌ في أنَّ الخُطْبَةَ كانَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ويَوْمُ الغَدِيرِ كانَ اليَوْمَ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ بَعْدَ أنْ فَرَغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمَ مِن شَأْنِ المَناسِكِ، وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ غَيْرَ ما بَلَّغَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – قَبْلُ، وشَهَّدَ النّاسَ عَلى تَبْلِيغِهِ، وأشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا إلّا الخِلافَةُ الكُبْرى، والإمامَةُ العُظْمى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ كَوْنَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – خَلِيفَتَكَ، وقائِمًا مَقامَكَ بَعْدَكَ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وإنْ قالَ لَكَ النّاسُ حِينَ قُلْتَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ في الأمْرِ الأوَّلِ - بَعْدَ غَمْضِ العَيْنِ عَمّا فِيهِ - مَمْنُوعَةٌ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ في الآيَتَيْنِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَصالِحِ العِبادِ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، ولا يَلْزَمُ الخُلُوُّ عَنِ الفائِدَةِ؛ إذْ كَمْ آيَةٍ تَكَرَّرَتْ في القُرْآنِ، وأمْرٌ ونَهْيٌ ذُكِرَ مِرارًا لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ هُنا إزالَةُ تَوَهُّمِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَرَكَ أوْ يَتْرُكُ تَبْلِيغَ شَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ تَقِيَّةً.
ويَرِدُ عَلى الأمْرِ الثّانِي أمْرانِ:
الأوَّلُ أنَّ كَوْنَ يَوْمِ الغَدِيرِ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لِيَكُونَ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ، بَلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخُطْبَةِ وقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فِيها: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ يَوْمِي الغَدِيرِ وعَرَفَةَ، وما ورَدَ في غَيْرِما أثَرٍ مِن أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ في حِجَّةِ الوَداعِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْبَعْدِيَّةِ ولِلْقَبْلِيَّةِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الإيابِ ولا الذَّهابِ، وظاهِرُ حالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تِلْكَ الحَجَّةِ مِن إراءَةِ المَناسِكِ، ووَضْعِ الرِّبا ودِماءِ الجاهِلِيَّةِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ - يُرْشِدُ إلى أنَّ النُّزُولَ كانَ في الذَّهابِ.
والثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَ النُّزُولِ يَوْمَ الغَدِيرِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ حِينَئِذٍ لُزُومُ التَّكْرارِ، وقَدْ عَلِمْتَ فائِدَتَهُ وكَثْرَةَ وُقُوعِهِ، سَلَّمْنا أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ لَكِنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا الخِلافَةُ، وكَمْ قَدْ بَلَّغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَذى يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والضِّياءُ في المُخْتارَهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ؟ فَقالَ: كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسِمٍ، واجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ: يا أيُّها النّاسُ، مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّي ولَكُمُ الجَنَّةُ؟ أيُّها النّاسُ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم تُفْلِحُوا وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَما بَقِيَ رَجُلٌ، ولا امْرَأةٌ، ولا أمَةٌ، ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ عَلَيَّ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ، ويَقُولُونَ: كَذّابٌ، صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ أنْ يُجِيبُونِي إلى طاعَتِكَ، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهُمْ، وطَرَدَهم عَنْهُ»».
صفحة 199
قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ تَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ، ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هَوى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ تَعالى عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وأصْرَحُ مِن هَذا ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ( الدَّلائِلِ ) وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – يُحْرَسُ، وكانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأرادَ عَمُّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَن يَحْرُسُهُ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَنِي»» فَإنَّ أبا طالِبٍ ماتَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وحِجَّةَ الوَداعِ بَعْدَها بِكَثِيرٍ، والظّاهِرُ اتِّصالُ الآيَةِ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لَيْلًا؛ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – يُحْرَسُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعالى»» ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ.
والَذى أمِيلُ إلَيْهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِمّا تَكَرَّرَ نُزُولُهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ حِفْظُ رُوحِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القَتْلِ والهَلاكِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شُجَّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى العُمُومِ، وادَّعى أنَّ الآياتِ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ واسْتُشْكِلَ الأمْرانِ بِأنَّ اليَهُودَ سَمُّوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى قالَ: ««لا زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي وهَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي»» وأُجِيبَ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ مِنَ القَتْلِ ونَحْوِهِ بِسَبَبِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ، وأمّا ما فُعِلَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَلِلذَّبِّ عَنِ الأمْوالِ والبِلادِ والأنْفُسِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: عِصْمَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِفْظُهم بِما خُصُّوا بِهِ مِن صَفاءِ الجَوْهَرِ، ثُمَّ بِما أوْلاهم مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ، ثُمَّ بِالنُّصْرَةِ وتَثْبِيتِ أقْدامِهِمْ، ثُمَّ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِمْ، وبِحِفْظِ قُلُوبِهِمْ، وبِالتَّوْفِيقِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعِصْمَةِ الحِفْظُ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ، والمَعْنى: بَلِّغْ، واللَّهُ تَعالى يَمْنَحُكَ الحِفْظَ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ مِن بَيْنِ النّاسِ، أيْ يَعْصِمُكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَوْجِيهٌ لَمْ يَصْدُرْ إلّا مِمَّنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَطَأِ.
ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ حَيْثُ قالَ: لا يَهْدِيهِمْ بِالمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والألْطافِ إلى الكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، وزَعَمَ أنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى الكُفّارَ إلى الإيمانِ بِأنْ دَلَّهم عَلَيْهِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم مِن خِلافِهِ - وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ المُرادَ بِالآيَةِ - عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما لا يَخْفى مِنَ النَّظَرِ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ: أنَّ عَلَيْكَ البَلاغَ لا الهِدايَةَ، فَمَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والوَفاةِ عَلَيْهِ لا يَهْتَدِي أبَدًا، وهو كَما تَرى، فَلْيُفْهَمْ جَمِيعُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولْيُحْفَظْ؛ فَإنِّي لا أظُنُّ أنَّكَ تَجِدُهُ في كِتابٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمِيعِ، وإيرادُ الآيَةِ في تَضاعِيفِ الآياتِ الوارِدَةِ في أهْلِ الكِتابِ لِما أنَّ الكُلَّ قَوارِعُ يَسُوءُ الكُفّارَ سَماعُها، ويَشُقُّ عَلى الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُشافَهَتُهم بِها، خُصُوصًا ما يَتْلُوها مِنَ النَّصِّ النّاعِي عَلَيْهِمْ كَمالَ ضَلالِهِمْ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ فَقالَ سُبْحانَهُ:
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى - كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ،فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جاءَ رافِعُ بْنُ حارِثَةَ، وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى
صفحة 200
مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ؟ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى حُقٌّ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بَلى، ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، وكَتَمْتُمْ مِنها ما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئَتْ مِن إحْداثِكُمْ، قالُوا: فَإنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ، ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾» أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلِيقُ بِأنْ يُسَمّى شَيْئًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ووُضُوحِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَّعْبِيرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّحْقِيرِ، ومَن أمْثالُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ تُراعُوهُما، وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مَن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما وتَوْفِيَةَ حُقُوقِهِما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ لا بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما فِيهِما مَنسُوحًا كانَ أوَغِيَرَهُ، فَإنَّ مُراعاةَ المَنسُوخِ تَعْطِيلٌ لَهُما ورَدٌّ لِشَهادَتِهِما.
﴿وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ القُرْآنُ المَجِيدُ، وإقامَتُهُ بِالإيمانِ بِهِ، وقُدِّمَتْ إقامَةُ الكِتابَيْنِ عَلى إقامَتِهِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ؛ رِعايَةً لِحَقِّ الشَّهادَةِ، واسْتِنْزالًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الشِّقاقِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ؛ فَإنَّها كُلَّها ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الإيمانِ بِمَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، ووُجُوبِ طاعَةِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ لَهُ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ عَلى مِثْلِ هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ، وكَذا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - مُبَيِّنَةٌ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وعَدَمِ إفادَةِ التَّبْلِيغِ نَفْعًا، وتَصْدِيرُها بِالقِسْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها وتَحْقِيقِهِ، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ نِسْبَتِهِ فِيما مَرَّ إلَيْهِمْ لِلْإنْباءِ عَنِ انْسِلاخِهِمْ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وإذا أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ النِّعَمُ الَّتِي أُعْطِيَها - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأمْرُ النِّسْبَةِ ظاهِرٌ جِدًّا.
﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تَأْسَفْ ولا تَحْزَنْ لِزِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَإنَّ غائِلَةَ ذَلِكَ مَوْصُولَةٌ بِهِمْ، وتَبِعَتَهُ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ، وفي المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهُمْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الكُفْرِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَحْزَنْ عَلى هَلاكِهِمْ وعَذابِهِمْ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ الأسى، ولا يَخْلُو عَنْ
المائدة 5:68
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ إلى الثَّقَلَيْنِ كافَّةً، وهو نِداءُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ مِنَّةُ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، وكَرامَتُهُ الكُبْرى، وفي هَذا العُنْوانِ إيذانٌ أيْضًا بِما يُوجِبُ الإتْيانَ بِما أُمِرَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.
﴿بَلِّغْ﴾ أيْ أوْصِلِ الخَلْقَ ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ كائِنًا ما كانَ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِكَ ومُبَلِّغِكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ، وفِيهِ عِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِحِفْظِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – وكِلاءَتِهِ، أيْ: بَلِّغْهُ غَيْرَ مُراقَبٍ في ذَلِكَ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ أبَدًا ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أيْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ
صفحة 189
﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ أيْ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِن رِسالَتِهِ؛ لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ غَيْرُها، وكَوْنِها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ، ولِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها - كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ - فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يُنْتَقَضُ بِهِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِنَفْيِ أوْلَوِيَّةِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ بِالأداءِ بِأنَّ الأوْلَوِيَّةَ ثابِتَةٌ بِاعْتِبارِ الوُجُوبِ قَطْعًا وظَنًّا، وجَلاءً وخَفاءً، أصْلًا وفَرْعًا، وأجابَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ نَفى الأوْلَوِيَّةَ نَظَرًا إلى أصْلِ الوُجُوبِ، وأيْضًا إنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى المُبَلَّغِ والكَلامِ في التَّبْلِيغِ، وهو غَيْرُ مُخْتَلَفِ الوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ نَظَرًا إلى ذاتِهِ، ثُمَّ كِتْمانُ البَعْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، بَلْ إلى ما في المُبَلَّغِ مِنَ المَصْلَحَةِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ هَذا الأمْرَ أصْلًا، فَلَمْ يُبَلِّغْ، وإنْ أعْلَمَ النّاسَ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّهُ مُخْبِرٌ إذْ ذاكَ لا مُبَلِّغٌ، ونُوقِشَ في التَّعْلِيلِ الثّانِي بِأنَّ الصَّلاةَ اعْتَبَرَها الشّارِعُ أمْرًا واحِدًا بِخِلافِ التَّبْلِيغِ، وهي مُناقَشَةٌ غَيْرُ وارِدَةٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى ألْزَمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَبْلِيغَ الجَمِيعِ، فَقَدْ جَعَلَها كالصَّلاةِ بِلا رَيْبٍ.
ومِمّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الشَّرْطِيَّةِ يُعْلَمُ أنَّ لا اتِّحادَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ومَنِ ادَّعاهُ بِناءً عَلى أنَّ المَآلَ إنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ جَعَلَهُ نَظِيرَ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي.
حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ بِلا مَزِيدٍ في اللَّفْظِ، وشِعْرِي شِعْرِي المَشْهُورُ بَلاغَتُهُ، والمُسْتَفِيضُ فَصاحَتُهُ، ولَكِنَّهُ أخَبَرَ بِالسُّكُوتِ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي بِها تَحْصُلُ الفائِدَةُ أنَّها مِن لَوازِمِ شِعْرِهِ في أفْهامِ النّاسِ السّامِعِينَ لِاشْتِهارِهِ بِها، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها وذِياعِها، وكَذَلِكَ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ: - أُرِيدَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ النّاسِ، مُسْتَقِرٌّ في الأفْهامِ أنَّهُ عَظِيمٌ شَنِيعٌ يُنْعى عَلى مُرْتَكِبِهِ، ألا تَرى أنَّ عَدَمَ نَشْرِ العِلْمِ مِنَ العالِمِ أمْرٌ فَظِيعٌ؟! فَكَيْفَ كِتْمانُ الرِّسالَةِ مِنَ الرَّسُولِ؟! فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ الزِّياداتِ الَّتِي يَتَفاوَتُ بِها الشَّرْطُ والجَزاءُ لِلُصُوقِها بِالجَزاءِ في الأفْهامِ، وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فَهِمَ ما وراءَهُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وحُسِّنَ هَذا الأُسْلُوبُ في الكِتابِ العَزِيزِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ عامًّا، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ) ولَمْ يَقِلْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ فَما بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ لِيَتَغايَرا لَفْظًا وإنِ اتَّحَدا مَعْنًى، وهَذا أحْسَنُ رَوْنَقًا وأظْهَرُ طَلاوَةً مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ الواحِدِ في الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهَذِهِ الذُّرْوَةُ انْحَطَّ عَنْها أبُو النَّجْمِ بِذِكْرِ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِ الخَبَرِ، وحُقَّ لَهُ أنْ تَتَضاءَلَ فَصاحَتُهُ عِنْدَ فَصاحَةِ المُعْجِزِ، فَلا مَعابَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ راهُويَهْ في مُسْنَدِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ حِبّانَ في تَفْسِيرِهِ مِن مُرْسَلِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِالرِّسالَةِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي عَذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لِي العِصْمَةَ فَقَوِيتُ»».
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: إنْ تَرَكْتَ تَبْلِيغَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ حُكِمَ عَلَيْكَ بِأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغْ أصْلًا، وقِيلَ - ولَيْتَهُ ما قِيلَ – المُرادُ بِما أُنْزِلَ القُرْآنُ، وبِما في الجَوابِ بَقِيَّةُ المُعْجِزاتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ، ونُسِبَ إلى الشِّيعَةِ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ البَعْضَ تَقِيَّةً.
وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُرادَ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِدَ بِإنْزالِهِ اطِّلاعُهم عَلَيْهِ، وأمّا ما خُصَّ بِهِ مِنَ الغَيْبِ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصالِحُ أُمَّتِهِ فَلَهُ - بَلْ عَلَيْهِ – كِتْمانُهُ، ورَوى السُّلَمِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ قالَ: أوْحى بِلا واسِطَةٍ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سِرًّا إلى قَلْبِهِ،
صفحة 190
ولا يَعْلَمُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ إلّا في العُقْبى حِينَ يُعْطِيهِ الشَّفاعَةَ لِأُمَّتِهِ، وقالَ الواسِطِيُّ: ألْقى إلى عَبْدِهِ ما ألْقى، ولَمْ يُظْهِرْ ما الَّذِي أوْحى؛ لِأنَّهُ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما كانَ مَخْصُوصًا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَسْتُورًا، وما بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ إلى الخَلْقِ كانَ ظاهِرًا، قالَ الطِّيبِيُّ: وإلى هَذا يُنْظَرُ مَعْنى ما رُوِّينا في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وِعاءَيْنِ: فَأمّا أحَدَهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ مِنِّي هَذا البُلْعُومُ»»، أرادَ عُنُقَهُ وأصْلُ مَعْناهُ مَجْرى الطَّعامِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ البُخارِيُّ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ عِلْمَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وعِلْمَ الحَقِيقَةِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ رَئِيسُ العارِفِينَ عَلِيٌّ زَيْنُ العابِدِينَ حَيْثُ قالَ:
إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ ∗∗∗ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا
وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا
فَرُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لى: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا
ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنًا
ومِن ذَلِكَ عِلْمُ وِحْدَةِ الوُجُودِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ طَوْرُ ما وراءِ طَوْرِ العَقْلِ، وقالُوا: إنَّهُ مِمّا تَعْلَمُهُ الرُّوحُ بِدُونِ واسِطَةِ العَقْلِ، ومِن هُنا قالُوا بِالعِلْمِ الباطِنِ عَلى مَعْنى أنَّهُ باطِنٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْبابِ الأفْكارِ وذَوِي العُقُولِ المُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، لا المُتَجَرِّدِينَ العارِجِينَ إلى حَضائِرِ القُدْسِ، ورِياضِ الأنْوارِ.
وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرانِيُّ - رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ - في كِتابِهِ الدُّرَرِ المَنثُورَةِ في بَيانِ زُبَدِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ ما نَصُّهُ: وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمُ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا، وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامُهُ عَلى الأفْهامِ، حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلى فَهْمِي! فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ، فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءَ ونَحْوَهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ؛ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ الخَلْقَ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ، فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.
وقَدْ فَهِمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ تَبْلِيغَ الأحْكامِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَصالِحِ دُونَ ما يَشْمَلُ عِلْمَ الأسْرارِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما أنْزَلْنا إلَيْكَ ) دُونَ: ما تَعَرَّفْنا بِهِ إلَيْكَ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَ الأسْرارِ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بِالوَحْيِ بَلْ بِطَرِيقِ الإلْهامِ والمُكاشَفَةِ، وقِيلَ: يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ الرِّسالَةِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ ما يُرْسَلُ إلى الغَيْرِ.
وقَدْ أطالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ - الكَلامَ في هَذا المَقامِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ما عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ المُنَزَّلُ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ وقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ: ««سَتَكُونُ فِتَنٌ، قِيلَ: وما المَخْرَجُ مِنها؟ قالَ: كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فِيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكُمْ، وخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ ما فِيكم»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، ولَكِنْ عِلْمُنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ» .
وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: جَمِيعُ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مِمّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ
صفحة 191
عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنِّي لا أُحِلُّ إلّا ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، ولا أُحَرِّمُ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ»».
وقالَ المُرْسِي: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – وأعْلامُهُمْ، مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ومِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - حَتّى قالَ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ، ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ، وفَتَرَتِ العَزائِمُ، وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ، وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ، فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ، وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ لِمَن فَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، حَتّى إنَّ البَعْضَ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثَلاثًا وسِتِّينَ سَنَةً مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُنافِقِينَ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ فَإنَّها رَأْسُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سُورَةً، وعَقَّبَها بِالتَّغابُنِ لِيَظْهَرَ التَّغابُنُ في فَقْدِهِ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كانَ تَبْلِيغُ القُرْآنِ تَبْلِيغًا لَهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّوْقِيفَ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ سِرًّا سِرًّا، وحُكْمًا حُكْمًا لَمْ يَثْبُتْ بِصَرِيحِ العِبارَةِ لِكُلِّ أحَدٍ، وكَمْ مِن سِرٍّ وحُكْمٍ نَبَّهَتْ عَلَيْهِما الإشارَةُ، ولَمْ تُبَيِّنْهُما العِبارَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ هُناكَ أسْرارًا خارِجَةً عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَلَقّاها الصُّوفِيَّةُ مِن رَبِّهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، وجاءَ بِالضَّلالِ ابْنِ السَّبَهْلَلِ بِلا مِرْيَةٍ.
وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ عَنِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الزَّعْمِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الأخْذُ مِنَ القُرْآنِ بِواسِطَةِ فَهْمٍ قُدْسِيٍّ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ الآخِذِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما صَحَّ «عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «هَلْ عِنْدَكم كِتابٌ خَصَّكم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ قالَ: لا، إلّا كِتابٌ اللَّهِ تَعالى، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أوْ ما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ - وكانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقَبْضَةِ سَيْفِهِ - قالَ: قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، ولا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»».
ويُفْهَمُ مِنهُ - كَما قالَ القَسْطَلّانِيُّ - جَوازُ اسْتِخْراجِ العالِمِ مِنَ القُرْآنِ بِفَهْمِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَنقُولًا عَنِ المُفَسِّرِينَ إذا وافَقَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ - عَلى ما أقُولُ - كُلُّهُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ بَعْضَ كَلِماتِهِمْ مُخالِفٌ ظاهِرُها لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ، لَكِنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى اصْطِلاحاتٍ فِيما بَيْنَهم إذا عُلِمَ المُرادُ مِنها يَرْتَفِعُ الغُبارُ، وكَوْنُهم مُلامِينَ عَلى تِلْكَ الِاصْطِلاحاتِ - لِقَوْلِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ««حَدِّثُوا النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»» - أوْ غَيْرَ مُلامِينَ لِوُجُودِ داعٍ لَهم إلى ذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.
وقَرِيبٌ مِن خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونا فَيُخْبِرُونا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – لِلنّاسِ! فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَوْداءَ في بَيْضاءَ.
وحَمْلُ وِعاءِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلى عِلْمِ الأسْرارِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أخْبارُ الفِتَنِ وأشْراطِ السّاعَةِ، وما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن فَسادِ الدِّينِ عَلى أيْدِي أغُلَيْمَةٍ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ، وقَدْ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: «لَوْ شِئْتُ أنَّ أُسَمِّيَهم بِأسْمائِهِمْ لَفَعَلْتُ».
صفحة 192
أوِ المُرادُ الأحادِيثُ الَّتِي فِيها تَعْيِينُ أسْماءِ أُمَراءِ الجَوْرِ وأحْوالِهِمْ وذَمِّهِمْ، وقَدْ كانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكَنِّي عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ ولا يُصَرِّحُ؛ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهُمْ، بِقَوْلِهِ: «أعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن رَأْسِ السِّتِّينَ وإمارَةِ الصِّبْيانِ» يُشِيرُ إلى خِلافَةِ يَزِيدَ الطَّرِيدِ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رَغْمِ أنْفِ أوْلِيائِهِ - لِأنَّها كانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَةِ، واسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَماتَ قَبْلَها بِسَنَةٍ.
وأيْضًا قالَ القَسْطَلّانِيُّ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وسِعَ أبا هُرَيْرَةَ كِتْمانُهُ مَعَ ما أخْرَجَ عَنْهُ البُخارِيُّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ، ولَوْلا آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾» إلى آخِرِ ما قالَ، فَإنَّ ما تَلاهُ دالٌّ عَلى ذَمِّ كِتْمانِ العِلْمِ، لا سِيَّما العِلْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ الأسْرارِ، فَإنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَدِّعِي أنَّهُ لُبُّ ثَمَرَةِ العِلْمِ، وأيْضًا إنَّ أبا هُرَيْرَةَ نَفى بَثَّ ذَلِكَ الوِعاءِ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ؟! وأبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكْشِفْ مَسْتُورَهُ فِيما أعْلَمُ، فَمِن أيْنَ عُلِمَ أنَّ الَّذِي عَلِمَهُ هو هَذا؟! ومَنِ ادَّعى فَعَلَيْهِ البَيانُ، ودُونَهُ قَطْعُ الأعْناقِ.
فالِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ لِطَرِيقِ القَوْمِ فِيهِ ما فِيهِ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – نَعَمْ، لِلْقَوْمِ مُتَمَسَّكٌ غَيْرُ هَذا مُبِينٌ في مَوْضِعِهِ، لَكِنْ لا يُسَلَّمُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِمّا خَلا عَنْهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلُ، أوْ أنَّهُ أمْرٌ وراءَ الشَّرِيعَةِ، ومَن بَرْهَنَ عَلى ذَلِكَ بِزَعْمِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، فَقَدْ قالَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الأجْوِبَةِ المَرْضِيَّةِ عَنِ الفُقَهاءِ والصُّوفِيَّةِ: سَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا المَرْصِفِيَّ يَقُولُ: لا يَكْمُلُ الرَّجُلُ في مَقامِ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ حَتّى يَرى الحَقِيقَةَ مُؤَيِّدَةً لِلشَّرِيعَةِ، وأنَّ التَّصَوُّفَ لَيْسَ بِأمْرٍ زائِدٍ عَلى السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وإنَّما هو عَيْنُها.
وسَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا الخَوّاصَ يَقُولُ مِرارًا: مَن ظَنَّ أنَّ الحَقِيقَةَ تَخالِفُ الشَّرِيعَةِ أوْ عَكْسَهُ فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ شَرِيعَةٌ تُخالِفُ حَقِيقَةً أبَدًا، حَتّى قالُوا: شَرِيعَةٌ بِلا حَقِيقَةٍ عاطِلَةٌ، وحَقِيقَةٌ بِلا شَرِيعَةٍ باطِلَةٌ، خِلافُ ما عَلَيْهِ القاصِرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والفُقَراءِ، وقَدْ يَسْتَنِدُ مَن زَعَمَ المُخالَفَةَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والشَّرِيعَةِ إلى قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يَسْتَطِيعُ المُخالِفُ مَعَهُ عَلى فَتْحِ شَفَةٍ.
ومِمّا نَقَلْنا عَنِ القَسْطَلّانِيِّ في خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ في الِاعْتِراضِ عَلى الصُّوفِيَّةِ، مِن أنَّ ما عِنْدَهم إنْ كانَ مُوافِقًا لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ فَهُما بَيْنَ أيْدِينا، وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُما فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.
والجَوابُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وكَوْنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بَيْنَ أيْدِينا لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إمْكانِ اسْتِنْباطِ شَيْءٍ مِنهُما بَعْدُ، ولا يَقْتَضِي انْحِصارَ ما فِيهِما فِيما عَلِمَهُ العُلَماءُ قَبْلُ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْطِي اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ خَواصِّ عِبادِهِ فَهْمًا يُدْرِكُ بِهِ مِنهُما ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ المُجْتَهِدِينَ في الدِّينِ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخِرِ، وحَيْثُ سُلِّمَ لِلْأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا اجْتِهادُهم واسْتِنْباطُهم مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ مَعَ مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَما المانِعُ مِن أنْ يُسَلَّمَ لِلْقَوْمِ ما فُتِحَ لَهم مِن مَعانِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ خالَفَ ما عَلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ لَكِنْ لَمْ يُخالِفْ ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ الصَّرِيحُ مِنَ الأُمَّةِ المَعْصُومَةِ؟! وأرى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ عِلْمِ كُلٍّ في القَبُولِ والرَّدِّ تَحَكُّمًا بَحْتًا، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ المُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) خِلافَةُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ رَوَوْا بِأسانِيدِهِمْ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْتَخْلِفَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَكانَ يَخافُ أنَّ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلى جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ؛ تَشْجِيعًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَهُ بِأدائِهِ».
صفحة 193
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حَيْثُ أمَرَ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِوِلايَتِهِ، فَتَخَوَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولُوا: حابى ابْنَ عَمِّهِ، وأنْ يَطْعَنُوا في ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقامَ بِوِلايَتِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، وأخَذَ بِيَدِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»».
وأخْرَجَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، عَنْ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدُويَهْ، وابْنِ عَساكِرَ، راوِينَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ»».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ - إنَّ عَلِيًّا ولِيُّ المُؤْمِنِينَ - وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ»».
وخَبَرُ الغَدِيرِ عُمْدَةُ أدِلَّتِهِمْ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وقَدْ زادُوا فِيهِ - إتْمامًا لِغَرَضِهِمْ - زِياداتٍ مُنْكَرَةً، ووَضَعُوا في خِلالَهِ كَلِماتٍ مُزَوَّرَةً، ونَظَمُوا في ذَلِكَ الأشْعارَ، وطَعَنُوا عَلى الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِزَعْمِهِمْ أنَّهم خالَفُوا نَصَّ النَّبِيِّ المُخْتارِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحِمْيَرِيُّ - عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ - مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ:
عَجِبْتُ مِن قَوْمٍ أتَوْا أحَمَدا ∗∗∗ بِخُطَّةٍ لَيْسَ لَها مَوْضِعُ
قالُوا لَهُ: لَوْ شِئْتَ أعْلَمْتَنا ∗∗∗ إلى مَنِ الغايَةُ والمَفْزَعُ
إذا تُوُفِّيتَ وفارَقْتَنا ∗∗∗ وفِيهِمْ في المُلْكِ مَن يَطْمَعُ
فَقالَ: لَوْ أعْلَمْتُكم مَفْزَعًا ∗∗∗ كُنْتُمْ عَسَيْتُمْ فِيهِ أنْ تَصْنَعُوا
كَصُنْعِ أهْلِ العِجْلِ إذْ فارَقُوا ∗∗∗ هارُونَ فالتَّرْكُ لَهُ أوْرَعُ
ثُمَّ أتَتْهُ بَعْدَهُ عَزْمَةٌ ∗∗∗ مِن رَبِّهِ لَيْسَ لَها مَدْفَعُ
أبْلِغْ وإلّا لَمْ تَكُنْ مُبَلِّغا ∗∗∗ واللَّهُ مِنهم عاصِمٌ يَمْنَعُ
فَعِنْدَها قامَ النَّبِيُّ الَّذِي ∗∗∗ كانَ بِما يَأْمُرُهُ يَصْدَعُ
يَخْطُبُ مَأْمُورًا وفي كَفِّهِ ∗∗∗ كَفُّ عَلِيٍّ نُورُها يَلْمَعُ
رافِعَها أكْرِمْ بِكَفِّ الَّذِي ∗∗∗ يَرْفَعُ والكَفِّ الَّتِي تُرْفَعُ
مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا لَهُ ∗∗∗ مَوْلًى فَلَمْ يَرْضَوْا ولَمْ يَقْنَعُوا لَهُ
وظَلَّ قَوْمٌ غاظَهم قَوْلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما آنافُهم تُجْدَعُ
حَتّى إذا وارَوْهُ في لَحْدِهِ ∗∗∗ وانْصَرَفُوا عَنْ دِينِهِ ضَيَّعُوا
ما قالَ بِالأمْسِ وأوْصى بِهِ ∗∗∗ واشْتَرَوُا الضُّرَّ بِما يَنْفَعُ
وقَطَّعُوا أرْحامَهم بَعْدَهُ ∗∗∗ فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ بِما قَطَّعُوا
وأزْمَعُوا مَكْرًا بِمَوْلاهُمُ ∗∗∗ تَبًّا لِما كانُوا بِهِ أزْمَعُوا
لا هم عَلَيْهِ يَرِدُوا حَوْضَهُ ∗∗∗ غَدًا ولا هو لَهم يَشْفَعُ
إلى آخَرِ ما قالَ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَثْرَتَهُ وأقالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أخْبارَ الغَدِيرِ الَّتِي فِيها الأمْرُ بِالِاسْتِخْلافِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، ولا مُسَلَّمَةٌ لَدَيْهِمْ أصْلًا، ولْنُبَيِّنْ ما وقَعَ هُناكَ أتَمَّ تَبْيِينٍ ولْنُوَضِّحِ الغَثَّ مِنهُ والسَّمِينَ، ثُمَّ نَعُودُ عَلى اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِالإبْطالِ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ الِاسْتِمْدادُ، وعَلَيْهِ الِاتِّكالُ.
صفحة 194
فَنَقُولُ: إنِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ في مَكانٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن حَجَّةِ الوَداعِ - قَرِيبٍ مِنَ الجُحْفَةِ يُقالُ لَهُ: غَدِيرُ خُمٍّ، فَبَيَّنَ فِيها فَضْلَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وبَراءَةَ عِرْضِهِ مِمّا كانَ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ مَن كانَ مَعَهُ بِأرْضِ اليَمَنِ بِسَبَبِ ما كانَ صَدَرَ مِنَ المَعْدَلَةِ الَّتِي ظَنَّها بَعْضُهم جَوْرًا وتَضْيِيقًا وبُخْلًا، والحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في ذَلِكَ، وكانَتْ يَوْمَ الأحَدِ ثامِنَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُناكَ.
فَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ قالَ: ««لَمّا أقْبَلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنَ اليَمَنِ لِيَلْقى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ تَعَجَّلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واسْتَخْلَفَ عَلى جُنْدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَعَمَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَكَسا كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ البَزِّ الَّذِي كانَ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَلَمّا دَنا جَيْشُهُ خَرَجَ لِيَلْقاهُمْ، فَإذا عَلَيْهِمُ الحُلَلُ، قالَ: ويْلَكَ! ما هَذا؟ قالَ: كَسَوْتُ القَوْمَ لِيَتَجَمَّلُوا بِهِ إذا قَدِمُوا في النّاسِ، قالَ: ويْلَكَ! انْتَزِعْ قَبْلَ أنْ نَنْتَهِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: فانْتَزَعَ الحُلَلَ مِنَ النّاسِ، فَرَدَّها في البَزِّ، وأظْهَرَ الجَيْشُ شَكَواهُ لِما صَنَعَ بِهِمْ»».
وأخْرَجَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ - وكانَتْ عِنْدَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««اشْتَكى النّاسُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِينا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ لا تَشْكُوا عَلِيًّا؛ فَواللَّهِ إنَّهُ لَأخْشَنُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.
ورَوى - أيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ اليَمَنَ، فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَغَيَّرَ، فَقالَ: «بُرَيْدَةُ ! ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» وكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ رِجالُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ، ورُوِيَ بِإسْنادٍ آخَرَ تَفَرَّدَ بِهِ.
وقالَ الذَّهَبِيُّ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: ««لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حَجَّةِ الوَداعِ، ونَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أمَرَ بِدَوْحاتٍ فَغُمِّمْنَ، ثُمَّ قالَ: كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، أنّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِما، فَإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ، اللَّهُ تَعالى مَوْلايَ، وأنا ولِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا ولِيُّهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَما كانَ في الدَّوْحاتِ أحَدٌ إلّا رَآهُ بِعَيْنِهِ وسَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وأبِي هارُونَ العُبَيْدِيِّ، ومُوسى بْنِ عُثْمانَ، عَنِ البَراءِ قالَ: ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ، فَلَمّا أتَيْنا عَلى غَدِيرِ خُمٍّ كُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، ونُودِيَ في النّاسِ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ، ودَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأخَذَ بِيَدِهِ وأقامَهُ عَنْ يَمِينِهِ فَقالَ: ألَسْتُ أوْلى بِكُلٍّ امْرِئٍ مِن نَفْسِهِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَإنَّ هَذا مَوْلى مَن أنا مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَنِيئًا لَكَ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ»» وهَذا ضَعِيفٌ، فَقَدْ نَصُّوا أنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ، وأبا هارُونَ، ومُوسى ضُعَفاءُ، لا يُعْتَمَدُ عَلى رِوايَتِهِمْ، وفي السَّنَدِ أيْضًا أبُو إسْحاقَ وهو شِيعِيٌّ مَرْدُودُ الرِّوايَةِ.
ورَوى ضِمْرَةُ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ:
صفحة 195
وهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ، ومَن صامَ يَوْمَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن ذِي الحِجَّةِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صِيامَ سِتِّينَ شَهْرًا،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرًا جِدًّا، ونُصَّ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ.
وقَدِ اعْتَنى بِحَدِيثِ الغَدِيرِ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَجَمَعَ فِيهِ مُجَلَّدَيْنِ، أوْرَدَ فِيهِما سائِرَ طُرُقِهِ وألْفاظِهِ، وساقَ الغَثَّ والسَّمِينَ، والصَّحِيحَ والسَّقِيمَ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ؛ فَإنَّهم يُورِدُونَ ما وقَعَ لَهم في البابِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ صَحِيحٍ وضَعِيفٍ، وكَذَلِكَ الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو القاسِمِ ابْنُ عَساكِرَ أوْرَدَ أحادِيثَ كَثِيرَةً في هَذِهِ الخُطْبَةِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ ونَحْوُهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ خَبَرُ الِاسْتِخْلافِ، كَما يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ.
وعَنِ الذَّهَبِيِّ أنَّ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» مُتَواتِرٌ، يُتَيَقَّنُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – قالَهُ، وأمّا: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ»» فَزِيادَةٌ قَوِيَّةُ الإسْنادِ، وأمّا: «صِيامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ ذِي الحِجَّةِ» فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولا واللَّهِ نَزَلَتْ تِلْكَ الآيَةُ إلّا يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأيّامٍ.
والشَّيْخانِ لَمْ يَرْوِيا خَبَرَ الغَدِيرِ في صَحِيحَيْهِما لِعَدَمِ وِجْدانِهِما لَهُ عَلى شَرْطِهِما، وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ ذَلِكَ لِقُصُورٍ وعَصَبِيَّةٍ فِيهِما، وحاشاهُما مِن ذَلِكَ.
ووَجْهُ اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِخَبَرِ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، وأوْلَوِيَّةُ التَّصَرُّفِ عَيْنُ الإمامَةِ، ولا يَخْفى أنَّ أوَّلَ الغَلَطِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ جَعْلُهُمُ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ قاطِبَةً، بَلْ قالُوا: لَمْ يَجِئْ مَفْعَلٌ بِمَعْنى أفْعَلَ أصْلًا، ولِمَ يُجَوِّزْ ذَلِكَ إلّا أبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ أوْلى بِكم.
ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ: ( فُلانٌ مَوْلًى مِن فُلانٍ ) كَما يَصِحُّ: ( فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ ) واللّازِمُ باطِلٌ إجْماعًا، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وتَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، يَعْنِي: النّارُ مَقَرُّكم ومَصِيرُكُمْ، والمَوْضِعُ اللّائِقُ بِكُمْ، ولَيْسَ نَصًّا في أنَّ لَفْظَ المَوْلى ثَمَّةَ بِمَعْنى الأوْلى.
والثّانِي: أنا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صِلَتَهُ بِالتَّصَرُّفِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلى بِالمَحَبَّةِ، وأوْلى بِالتَّعْظِيمِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَمْ جاءَ الأوْلى في كَلامٍ لا يَصِحُّ مَعَهُ تَقْدِيرُ التَّصَرُّفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
عَلى أنَّ لَنا قَرِينَتَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوِلايَةِ - مِن لَفْظِ المَوْلى أوِ الأوْلى - المَحَبَّةُ:
إحْداهُما ما رُوِّينا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في شَكْوى الَّذِينَ كانُوا مَعَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في اليَمَنِ كَبُرَيْدٍ الأسْلَمِيِّ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وغَيْرِهِما ولَمْ يَمْنَعْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشّاكِّينَ بِخُصُوصِهِمْ؛ مُبالَغَةً في طَلَبِ مُوالاتِهِ، وتَلَطُّفًا في الدَّعْوَةِ إلَيْها، كَما هو الغالِبُ في شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِلتَّلَطُّفِ المَذْكُورِ افْتَتَحَ الخُطْبَةَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟
وثانِيهُما: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ -: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَإنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَوْلى المُتَصَرِّفُ في الأُمُورِ أوِ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، لَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: اللَّهُمَّ والِ مَن كانَ في تَصَرُّفِهِ وعادِ مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَحَيْثُ ذَكَرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَحَبَّةَ والعَداوَةَ فَقَدْ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيجابُ مَحَبَّتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والتَّحْذِيرُ عَنْ عَداوَتِهِ وبُغْضِهِ، لا التَّصَرُّفُ وعَدَمُهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ الخِلافَةُ لَصَرَّحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها.
ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الحَسَنِ المُثَنّى بْنِ الحَسَنِ السِّبْطِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم سَألُوهُ عَنْ هَذا الخَبَرِ هَلْ هو نَصٌّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أرادَ خِلافَتَهُ لَقالَ: أيُّها النّاسُ هَذا ولِيُّ أمْرِي، والقائِمُ عَلَيْكم بَعْدِي، فاسْمَعُوا وأطِيعُوا، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – لَوْ آثَرا عَلِيًّا لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ولَمْ يُقْدِمْ
صفحة 196
عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلَيْهِ لَكانَ أعْظَمَ النّاسِ خَطَأً.
وأيْضًا رُبَّما يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوِلايَةِ المَحَبَّةُ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ بِلَفْظِ ( بَعْدِي ) والظّاهِرُ حِينَئِذٍ اجْتِماعُ الوِلايَتَيْنِ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُتَصَوَّرُ الِاجْتِماعُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلَوِيَّةَ التَّصَرُّفِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المُرادُ المَحَبَّةَ.
وتَمَسَّكَ الشِّيعَةُ في إثْباتِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْلى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِاللَّفْظِ الواقِعِ في صَدْرِ الخَبَرِ عَلى إحْدى الرِّواياتِ، وهو قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟ ونَحْنُ نَقُولُ: المُرادُ مِن هَذا أيْضًا الأوْلى بِالمَحَبَّةِ، يَعْنِي ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالمَحَبَّةِ؟ بَلْ قَدْ يُقالُ: الأوْلى ها هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ، والمَعْنى: ألَسْتُ أحَبَّ إلى المُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ؟ لِيَحْصُلَ تَلاؤُمُ أجْزاءِ الكَلامِ، ويَحْسُنَ الِانْتِظامُ، ويَكُونَ حاصِلُ المَعْنى هَكَذا: يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكم تُحِبُّونِي أكْثَرَ مِن أنْفُسِكُمْ، فَمَن يُحِبَّنِي يُحِبَّ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أحِبَّ مَن أحَبَّهُ وعادِ مَن عاداهُ.
ويُرْشَدُ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأوْلى - في تِلْكَ الجُمْلَةِ - الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وهو مَسُوقٌ لِنَفْيِ نَسَبِ الأدْعِياءِ مِمَّنْ يَتَبَنَّوْنَهُمْ، وبَيانُهُ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأنَّ نِسْبَةَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كالأبِ الشَّفِيقِ، بَلْ أزْيَدُ، وأزْواجُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – أُمَّهاتُهُمْ، والأقْرِباءُ في النَّسَبِ أحَقُّ وأوْلى مِن غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَتِ الشَّفَقَةُ والتَّعْظِيمُ لِلْأجانِبِ أزِيدَ، لَكِنْ مَدارُ النَّسَبِ عَلى القَرابَةِ وهي مَفْقُودَةٌ في الأدْعِياءِ، لا عَلى الشَّفَقَةِ والتَّعْظِيمِ، وهَذا ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ في حُكْمِهِ، ولا دَخْلَ لِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ في المَقْصُودِ أصْلًا، فالمُرادُ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - هو المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ في المَأْخُوذِ مِنهُ، ولَوْ فَرَضْنا كَوْنَ الأوْلى في صَدْرِ الخَبَرِ بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ الخِطابِ؛ لِيَتَوَجَّهُوا إلى سَماعِ كَلامِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَمالَ التَّوَجُّهِ، ويَلْتَفِتُوا إلَيْهِ غايَةَ الِالتِفاتِ، فَيُقَرَّرُ ما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ أتَمَّ تَقَرُّرٍ، وذَلِكَ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِأبْنائِهِ في مَقامِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ: ألَسْتُ أباكُمْ؟ وإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ يَأْمُرُهم بِما قَصَدَهُ مِنهُمْ؛ لِيَقْبَلُوا بِحُكْمِ الأُبُوَّةِ والنُّبُوَّةِ ويَعْمَلُوا عَلى طِبْقِهِما.
فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»» مِثْلُ: ألَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْكُمْ؟ أوْ: ألَسْتُ نَبِيَّكُمْ؟ ولا يُمْكِنُ إجْراءُ مِثْلِ ذَلِكَ فِيما بَعْدَهُ؛ تَحْصِيلًا لِلْمُناسَبَةِ.
ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ مَعْنى المَحَبَّةِ، وهو أنَّ مَحَبَّةَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أمْرٌ ثابِتٌ في ضِمْنِ آيَةِ ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فَلَوْ أفادَ هَذا الحَدِيثُ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا كانَ لَغْوًا، ولا يَخْفى فَسادُهُ، ومَنشَؤُهُ أنَّ المُسْتَدِلَّ لَمْ يَفْهَمْ أنَّ إيجابَ مَحَبَّةِ أحَدٍ في ضِمْنِ العُمُومِ شَيْءٌ، وإيجابَ مَحَبَّتِهِ بِالخُصُوصِ شَيْءٌ آخَرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ ظُهُورًا أنَّهُ لَوْ آمَنَ شَخْصٌ بِجَمِيعِ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخُصُوصِهِ بِالذِّكْرِ لَمْ يَكُنْ إيمانُهُ مُعْتَبَرًا، وأيْضًا لَوْ فَرَضْنا اتِّحادَ مَضْمُونِ الآيَةِ والخَبَرِ لا يَلْزَمُ اللَّغْوُ، بَلْ غايَةُ ما يَلْزَمُ التَّقْرِيرُ والتَّأْكِيدُ، وذَلِكَ وظِيفَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَثِيرًا ما يُؤَكِّدُ مَضامِينَ القُرْآنِ ويُقَرِّرُها، بَلِ القُرْآنُ نَفْسُهُ قَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ المَضامِينُ لِذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - وأيْضًا التَّنْصِيصُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - تَكَرَّرَ مِرارًا عِنْدَ الشِّيعَةِ، فَيَلْزَمُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ - القَوْلُ اللُّغَوِيُّ، ويُجَلُّ كَلامُ الشّارِعِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ ما أشارَ إلَيْهِ الحِمْيَرِيُّ في قَصِيدَتِهِ - الَّتِي أسْرَفَ فِيها - مِن أنَّ الصَّحابَةَ
صفحة 197
- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِهَذِهِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ جاءُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الإمامَ بَعْدَهُ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ المُؤَرِّخُونَ وأهْلُ السِّيَرِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ - فِيما أعْلَمُ - بَلْ هو مَحْضُ زُورٍ وبُهْتانٍ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ.
ومَن وقَفَ عَلى تِلْكَ القَصِيدَةِ الشَّنِيعَةِ بِأسْرِها وما يَرْوِيهِ الشِّيعَةُ فِيها - وكانَ لَهُ أدْنى خِبْرَةٍ - رَأى العَجَبَ العُجابَ، وتَحَقَّقَ أنَّ قَعاقِعَ القَوْمِ كَصَرِيرِ بابٍ، أوْ كَطَنِينِ ذُبابٍ، ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ الدّالَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها وكَوْنِها بِمَرْتَبَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها - لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِالمَعْنى الَّذِي قَرَّرْناهُ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ ذَلِكَ، ومَلْعُونٌ مَن يُنْكِرُهُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِالذِّكْرِ لِما قَدَّمْناهُ.
وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ: إنَّ الآيَةَ عَلى خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وكَذا خَبَرِ الغَدِيرِ - عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ - عَلى تَقْدِيرِ دَلالَتِهِما عَلى أنَّ المُرادَ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا بُدَّ أنْ يُقَيَّدا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في المَآلِ، وحِينَئِذٍ فَمَرْحَبًا بِالوِفاقِ؛ لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قائِلُونَ بِذَلِكَ حِينَ إمامَتِهِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَئِذٍ بِالذِّكْرِ ما عَلِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ مِن وُقُوعِ الفَسادِ والبَغْيِ في زَمَنِ خِلافَتِهِ، وإنْكارِ بَعْضِ النّاسِ لِإمامَتِهِ الحَقَّةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بَعْدَ الوَفاةِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
والخَبَرُ المُصَدَّرُ بِـ( كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ» لَيْسَ نَصًّا في المَقْصُودِ كَما لا يَخْفى، ومِمّا يُبْعِدُ دَعْوى الشِّيعَةِ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ المَوْصُولَ فِيها خاصٌّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّ النّاسَ فِيهِ - وإنْ كانَ عامًّا - إلّا أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ، ويَهْدِيكَ إلَيْهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّهُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِعِصْمَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى أُمْنِيَتِهِمْ فِيكَ، ومَتى كانَ المُرادُ بِهِمُ الكُفّارَ بَعْدَ إرادَةِ الخِلافَةِ؟! بَلْ لَوْ قِيلَ: لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأنَّ التَّخَوُّفَ الَّذِي تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ مِنهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحاشاهُ - في تَبْلِيغِ أمْرِ الخِلافَةِ إنَّما هو مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَيْثُ أنَّ فِيهِمْ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - مَن يَطْمَعُ فِيها لِنَفْسِهِ، ومَتى رَأى حِرْمانَهُ مِنها لَمْ يَبْعُدْ مِنهُ قَصْدُ الإضْرارِ بِرَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتِزامُ القَوْلِ - والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - بِكُفْرِ مَن عَرَّضُوا بِنِسْبَةِ الطَّمَعِ في الخِلافَةِ إلَيْهِ مِمّا يَلْزَمُهُ مَحاذِيرُ كُلِّيَّةٌ، أهْوَنُها تَفْسِيقُ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو هُوَ، أوْ نِسْبَةُ الجُبْنِ إلَيْهِ، وهو أسَدُ اللَّهِ تَعالى الغالِبُ، أوِ الحَكَمُ عَلَيْهِ بِالتَّقِيَّةِ، وهو الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَخْشى إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، أوْ نِسْبَةُ فِعْلِ الرَّسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَلِ الأمْرِ الإلَهِيِّ إلى العَبَثِ، والكُلُّ كَما تَرى.
لا يُقالُ: إنَّ عِنْدَنا أمْرَيْنِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الخِلافَةُ:
أحَدُهُما أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَأْمُورًا بِأبْلَغِ عِبارَةٍ بِتَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِها، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ مُخاطِبًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هُنا فَرْدٌ هو أهَمُّ الأفْرادِ وأعْظَمُها شَأْنًا - ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا الخِلافَةُ إذْ بِها يَنْتَظِمُ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا - لَخَلا الكَلامُ عَنِ الفائِدَةِ.
وثانِيهُما أنَّ ابْنَ إسْحاقَ ذَكَرَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ النّاسَ في حَجَّةِ الوَداعِ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيها ما بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «أيُّها النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي؛ فَإنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا بِهَذا المَوْقِفِ أبَدًا، أيُّها النّاسُ إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا، وكَحُرْمَةِ شَهْرِكم هَذا، وإنَّكم سَتَلْقَوْنَ رَبَّكم فَيَسْألَنَّكم عَنْ أعْمالِكُمْ، وقَدْ بَلَّغْتُ» ثُمَّ أوْصى
صفحة 198
- صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – بِالنِّساءِ، ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «فاعْقِلُوا قَوْلِي فَإنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وقَدْ تَرَكْتُ فِيكم ما إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أبَدًا؛ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وسَنَةَ نَبِيِّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» إلى أنْ قالَ - بِأبِي هو وأمِّي، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِي أنَّ النّاسَ قالُوا: «اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اشْهَدِ»» انْتَهى.
فَإنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ظاهِرَةٌ في أنَّ الخُطْبَةَ كانَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ويَوْمُ الغَدِيرِ كانَ اليَوْمَ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ بَعْدَ أنْ فَرَغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمَ مِن شَأْنِ المَناسِكِ، وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ غَيْرَ ما بَلَّغَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – قَبْلُ، وشَهَّدَ النّاسَ عَلى تَبْلِيغِهِ، وأشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا إلّا الخِلافَةُ الكُبْرى، والإمامَةُ العُظْمى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ كَوْنَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – خَلِيفَتَكَ، وقائِمًا مَقامَكَ بَعْدَكَ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وإنْ قالَ لَكَ النّاسُ حِينَ قُلْتَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ في الأمْرِ الأوَّلِ - بَعْدَ غَمْضِ العَيْنِ عَمّا فِيهِ - مَمْنُوعَةٌ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ في الآيَتَيْنِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَصالِحِ العِبادِ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، ولا يَلْزَمُ الخُلُوُّ عَنِ الفائِدَةِ؛ إذْ كَمْ آيَةٍ تَكَرَّرَتْ في القُرْآنِ، وأمْرٌ ونَهْيٌ ذُكِرَ مِرارًا لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ هُنا إزالَةُ تَوَهُّمِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَرَكَ أوْ يَتْرُكُ تَبْلِيغَ شَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ تَقِيَّةً.
ويَرِدُ عَلى الأمْرِ الثّانِي أمْرانِ:
الأوَّلُ أنَّ كَوْنَ يَوْمِ الغَدِيرِ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لِيَكُونَ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ، بَلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخُطْبَةِ وقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فِيها: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ يَوْمِي الغَدِيرِ وعَرَفَةَ، وما ورَدَ في غَيْرِما أثَرٍ مِن أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ في حِجَّةِ الوَداعِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْبَعْدِيَّةِ ولِلْقَبْلِيَّةِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الإيابِ ولا الذَّهابِ، وظاهِرُ حالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تِلْكَ الحَجَّةِ مِن إراءَةِ المَناسِكِ، ووَضْعِ الرِّبا ودِماءِ الجاهِلِيَّةِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ - يُرْشِدُ إلى أنَّ النُّزُولَ كانَ في الذَّهابِ.
والثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَ النُّزُولِ يَوْمَ الغَدِيرِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ حِينَئِذٍ لُزُومُ التَّكْرارِ، وقَدْ عَلِمْتَ فائِدَتَهُ وكَثْرَةَ وُقُوعِهِ، سَلَّمْنا أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ لَكِنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا الخِلافَةُ، وكَمْ قَدْ بَلَّغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَذى يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والضِّياءُ في المُخْتارَهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ؟ فَقالَ: كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسِمٍ، واجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ: يا أيُّها النّاسُ، مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّي ولَكُمُ الجَنَّةُ؟ أيُّها النّاسُ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم تُفْلِحُوا وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَما بَقِيَ رَجُلٌ، ولا امْرَأةٌ، ولا أمَةٌ، ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ عَلَيَّ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ، ويَقُولُونَ: كَذّابٌ، صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ أنْ يُجِيبُونِي إلى طاعَتِكَ، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهُمْ، وطَرَدَهم عَنْهُ»».
صفحة 199
قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ تَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ، ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هَوى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ تَعالى عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وأصْرَحُ مِن هَذا ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ( الدَّلائِلِ ) وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – يُحْرَسُ، وكانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأرادَ عَمُّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَن يَحْرُسُهُ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَنِي»» فَإنَّ أبا طالِبٍ ماتَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وحِجَّةَ الوَداعِ بَعْدَها بِكَثِيرٍ، والظّاهِرُ اتِّصالُ الآيَةِ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لَيْلًا؛ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – يُحْرَسُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعالى»» ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ.
والَذى أمِيلُ إلَيْهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِمّا تَكَرَّرَ نُزُولُهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ حِفْظُ رُوحِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القَتْلِ والهَلاكِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شُجَّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى العُمُومِ، وادَّعى أنَّ الآياتِ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ واسْتُشْكِلَ الأمْرانِ بِأنَّ اليَهُودَ سَمُّوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى قالَ: ««لا زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي وهَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي»» وأُجِيبَ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ مِنَ القَتْلِ ونَحْوِهِ بِسَبَبِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ، وأمّا ما فُعِلَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَلِلذَّبِّ عَنِ الأمْوالِ والبِلادِ والأنْفُسِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: عِصْمَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِفْظُهم بِما خُصُّوا بِهِ مِن صَفاءِ الجَوْهَرِ، ثُمَّ بِما أوْلاهم مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ، ثُمَّ بِالنُّصْرَةِ وتَثْبِيتِ أقْدامِهِمْ، ثُمَّ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِمْ، وبِحِفْظِ قُلُوبِهِمْ، وبِالتَّوْفِيقِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعِصْمَةِ الحِفْظُ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ، والمَعْنى: بَلِّغْ، واللَّهُ تَعالى يَمْنَحُكَ الحِفْظَ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ مِن بَيْنِ النّاسِ، أيْ يَعْصِمُكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَوْجِيهٌ لَمْ يَصْدُرْ إلّا مِمَّنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَطَأِ.
ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ حَيْثُ قالَ: لا يَهْدِيهِمْ بِالمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والألْطافِ إلى الكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، وزَعَمَ أنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى الكُفّارَ إلى الإيمانِ بِأنْ دَلَّهم عَلَيْهِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم مِن خِلافِهِ - وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ المُرادَ بِالآيَةِ - عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما لا يَخْفى مِنَ النَّظَرِ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ: أنَّ عَلَيْكَ البَلاغَ لا الهِدايَةَ، فَمَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والوَفاةِ عَلَيْهِ لا يَهْتَدِي أبَدًا، وهو كَما تَرى، فَلْيُفْهَمْ جَمِيعُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولْيُحْفَظْ؛ فَإنِّي لا أظُنُّ أنَّكَ تَجِدُهُ في كِتابٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمِيعِ، وإيرادُ الآيَةِ في تَضاعِيفِ الآياتِ الوارِدَةِ في أهْلِ الكِتابِ لِما أنَّ الكُلَّ قَوارِعُ يَسُوءُ الكُفّارَ سَماعُها، ويَشُقُّ عَلى الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُشافَهَتُهم بِها، خُصُوصًا ما يَتْلُوها مِنَ النَّصِّ النّاعِي عَلَيْهِمْ كَمالَ ضَلالِهِمْ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ فَقالَ سُبْحانَهُ:
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى - كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ،فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جاءَ رافِعُ بْنُ حارِثَةَ، وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى
صفحة 200
مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ؟ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى حُقٌّ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بَلى، ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، وكَتَمْتُمْ مِنها ما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئَتْ مِن إحْداثِكُمْ، قالُوا: فَإنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ، ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾» أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلِيقُ بِأنْ يُسَمّى شَيْئًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ووُضُوحِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَّعْبِيرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّحْقِيرِ، ومَن أمْثالُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ تُراعُوهُما، وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مَن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما وتَوْفِيَةَ حُقُوقِهِما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ لا بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما فِيهِما مَنسُوحًا كانَ أوَغِيَرَهُ، فَإنَّ مُراعاةَ المَنسُوخِ تَعْطِيلٌ لَهُما ورَدٌّ لِشَهادَتِهِما.
﴿وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ القُرْآنُ المَجِيدُ، وإقامَتُهُ بِالإيمانِ بِهِ، وقُدِّمَتْ إقامَةُ الكِتابَيْنِ عَلى إقامَتِهِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ؛ رِعايَةً لِحَقِّ الشَّهادَةِ، واسْتِنْزالًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الشِّقاقِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ؛ فَإنَّها كُلَّها ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الإيمانِ بِمَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، ووُجُوبِ طاعَةِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ لَهُ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ عَلى مِثْلِ هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ، وكَذا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - مُبَيِّنَةٌ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وعَدَمِ إفادَةِ التَّبْلِيغِ نَفْعًا، وتَصْدِيرُها بِالقِسْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها وتَحْقِيقِهِ، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ نِسْبَتِهِ فِيما مَرَّ إلَيْهِمْ لِلْإنْباءِ عَنِ انْسِلاخِهِمْ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وإذا أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ النِّعَمُ الَّتِي أُعْطِيَها - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأمْرُ النِّسْبَةِ ظاهِرٌ جِدًّا.
﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تَأْسَفْ ولا تَحْزَنْ لِزِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَإنَّ غائِلَةَ ذَلِكَ مَوْصُولَةٌ بِهِمْ، وتَبِعَتَهُ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ، وفي المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهُمْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الكُفْرِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَحْزَنْ عَلى هَلاكِهِمْ وعَذابِهِمْ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ الأسى، ولا يَخْلُو عَنْ