Tafsir Al-Alusi — الأنفال 8:67 – التوبة 9:64
المحتويات
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:3
- التوبة 9:4
- التوبة 9:5
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:8
- التوبة 9:9
- التوبة 9:10
- التوبة 9:11
- التوبة 9:12
- التوبة 9:13
- التوبة 9:14
- التوبة 9:15
- التوبة 9:16
- التوبة 9:17
- التوبة 9:18
- التوبة 9:19
- التوبة 9:20
- التوبة 9:21
- التوبة 9:22
- التوبة 9:23
- التوبة 9:24
- التوبة 9:25
- التوبة 9:26
- التوبة 9:27
- التوبة 9:28
- التوبة 9:29
- التوبة 9:30
- التوبة 9:31
- التوبة 9:32
- التوبة 9:33
- التوبة 9:34
- التوبة 9:35
- التوبة 9:36
- التوبة 9:37
- التوبة 9:38
- التوبة 9:39
- التوبة 9:40
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:45
- التوبة 9:46
- التوبة 9:47
- التوبة 9:48
- التوبة 9:49
- التوبة 9:50
- التوبة 9:51
- التوبة 9:52
- التوبة 9:53
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:56
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:62
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
الأنفال 8:67
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ قَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو حَيْوَةَ ( لِلنَّبِيِّ ) بِالتَّعْرِيفِ والمُرادُ بِهِ نَبِيُّنا
صفحة 33
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُرادُ أيْضًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عِنْدَ البَعْضِ، وإنَّما عَبَّرَ بِذَلِكَ تَلَطُّفًا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى لا يُواجَهُ بِالعِتابِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ ذاكَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ( ﴿تُرِيدُونَ﴾ ) ولَوْ قُصِدَ بِخُصُوصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَقِيلَ: تُرِيدُ، ولِأنَّ الأُمُورَ الواقِعَةَ في القِصَّةِ صَدَرَتْ مِنهم لا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ العُمُومُ ولا يَبْعُدُ اعْتِبارُهُ عَلى القِراءَةِ الأُخْرى أيْضًا وهو أبْلَغُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ أنَّ ما يُذْكَرُ سَنَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ اعْتِبارًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قَرَأ أيْضًا ( أُسارى ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقِراءَةُ الجَماعَةِ أقْيَسُ لِأنَّ أسِيرًا فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمُطَّرِدُ فِيهِ جَمْعُهُ عَلى فَعْلى كَجَرِيحٍ وجَرْحى وقَتِيلٍ وقَتْلى، ولِذا قالُوا في جَمْعِهِ عَلى أُسارى: إنَّهُ عَلى تَشْبِيهِ فَعِيلٍ بِفَعْلانَ كَكَسْلانَ وكُسالى، وهَذا كَما قالُوا كَسْلى تَشْبِيهًا لِفَعْلانَ بِفَعِيلٍ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الخَلِيلِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّهُ جَمْعُ أسْرى فَيَكُونُ جَمْعَ الجَمْعِ، واخْتارَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ وقالَ: إنَّ فَعْلى جَمْعٌ لِكُلِّ مَن أُصِيبَ في بَدَنِهِ أوْ في عَقْلِهِ كَمَرِيضٍ ومَرْضى وأحْمَقَ وحَمْقى ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ أيْ يُبالِغَ في القَتْلِ ويُكْثِرَ مِنهُ حَتّى يَذِلَّ الكَفْرُ ويَقِلَّ حِزْبُهُ ويَعِزَّ الإسْلامُ ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ، وأصْلُ مَعْنى الثَّخانَةِ الغِلَظُ والكَثافَةُ في الأجْسامِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْمُبالَغَةِ في القَتْلِ والجِراحَةِ لِأنَّها لِمَنعِها مِنَ الحَرَكَةِ صَيَّرَتْهُ كالثَّخِينِ الَّذِي لا يَسِيلُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِعارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المُبالَغَةِ المَذْكُورَةِ بِالثَّخانَةِ في أنَّ في كُلٍّ مِنهُما شِدَّةً في الجُمْلَةِ، وذَكَرَ في الأرْضِ لِلتَّعْمِيمِ، وقُرِئَ ( يُثَخِّنَ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في المُبالَغَةِ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْعِتابِ، والعَرَضُ ما لا ثَباتَ لَهُ ولَوْ جِسْمًا، وفي الحَدِيثِ «الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ» أيْ لا ثَباتَ لَها، ومِنهُ اسْتَعارُوا العَرَضَ المُقابِلَ لِلْجَوْهَرِ، أيْ تُرِيدُونَ حُطامَ الدُّنْيا بِأخْذِكُمُ الفِدْيَةَ، وقُرِئَ ( يُرِيدُونَ ) بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكم ثَوابَ الآخِرَةِ أوْ سَبَبَ نَيْلِ الآخِرَةِ مِنَ الطّاعَةِ بِإعْزازِ دِينِهِ وقِمْعِ أعْدائِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وذِكْرِ نَيْلٍ في الِاحْتِمالِ الثّانِي قِيلَ: لِلتَّوْضِيحِ لا لِتَقْدِيرِ مُضافَيْنِ، والإرادَةُ هُنا بِمَعْنى الرِّضا، وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ، وزِيادَةُ لَكم لِأنَّهُ المُرادُ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ جَمّازٍ المَدَنِيُّ ( الآخِرَةِ ) بِالجَرِّ وخَرَجَتْ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإبْقاءِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى جَرِّهِ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ عَرَضَ الآخِرَةِ وهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ وإلّا فَلا يَحْسُنُ لِأنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ مُسْتَمِرَّةٌ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ المُضافَ المَحْذُوفَ عَلى القِراءَةِ الأُولى ذَلِكَ لِذَلِكَ أيْضًا لَمْ يَبْعُدْ، وقَدَّرَ بَعْضُهم هُنا كَما قَدَّرْنا هُناكَ مِنَ الثَّوابِ أوِ السَّبَبِ، ونَظِيرُ ما ذُكِرَ قَوْلُهُ:
أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٌ تُوقَدُ في اللَّيْلِ نارًا
فِي رِوايَةٍ مَن جَرَّ نارٍ الأُولى، وأبُو الحَسَنِ يَحْمِلُهُ عَلى العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يَغْلِبُ أوْلِياءَهُ عَلى أعْدائِهِ ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) يَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِكُلِّ حالٍ ويَخُصُّهُ بِها كَما أمَرَ بِالإثْخانِ ونَهى عَنْ أخْذِ الفِدْيَةِ حَيْثُ كانَ الإسْلامُ غَضًّا وشَوْكَةُ أعْدائِهِ قَوِيَّةً، وخَيَّرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ لَمّا تَحَوَّلَتِ الحالُ واسْتَغْلَظَ زَرْعُ الإسْلامِ واسْتَقامَ عَلى سُوقِهِ.
صفحة 34
أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ”«لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى وفِيهِمُ العَبّاسُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمَكَ وأهْلَكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعْناقَهم، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا، فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ ما يَقُولُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوّاحَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ:“ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ إذْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَفْلِتَنَّ أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ مِنِّي في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ ”» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما:“ «قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ قاعِدانِ يَبْكِيانِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي مِن أيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أنْتَ وصاحِبُكَ فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بِكَيْتُ وإنْ لَمْ أجِدْ تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أبْكِي عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ“» .
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ يَجْتَهِدُونَ وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ الوَحْيُ عَلى خِلافِهِ ولا يَقَرُّونَ عَلى الخَطَأِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها إنَّما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ في ( ما كانَ لِنَبِىٍّ ) لِأصْحابِ نَبِيٍّ ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ الإذْنَ لَهم فِيما اجْتَهَدُوا فِيهِ اجْتِهادٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْلِيدًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وأمّا أنَّها إنَّما تَدُلُّ عَلى اجْتِهادٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْلِيدًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وأمّا إنَّها إنَّما تَدُلُّ عَلى اجْتِهادِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا اجْتِهادِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَغَيْرُ وارِدٍ لِأنَّهُ إذا جازَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جازَ لِغَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وتَمامُ البَحْثِ في كُتُبِ الأُصُولِ، لَكِنْ بَقِيَ هَهُنا شَيْءٌ وهو أنَّهُ قَدْ جاءَ مَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ ومَنِ اجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ إلى عَشَرَةِ أُجُورٍ، فَهَلْ بَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ مِن ثُبُوتِ الأجْرِ الواحِدِ لِلْمُجْتَهِدِ المُخْطِئِ وبَيْنَ عِتابِهِ عَلى ما يَقَعُ مِنهُ مُنافاةٌ أمْ لا؟ لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، وإذا قِيلَ: بِالأوَّلِ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ كَما لا يَخْفى.
الأنفال 8:68
﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قِيلَ: أيْ لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمًا قَبْلَ تَقْدِيمِ ما يُبَيِّنُ لَهم أمْرًا أوْ نَهْيًا، ورَوى ذَلِكَ
صفحة 35
الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أوِ المُخْطِئِ في مِثْلِ هَذا الِاجْتِهادِ، وقِيلَ: هو أنْ لا يُعَذِّبَهم ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قِصَّةِ حاطِبٍ وكانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا: وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» وقَرِيبٌ مِن هَذا ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ وزَعَمَ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، والعَجَبُ مِنَ الإمامِ الرّازِيِّ كَيْفَ تَفَوَّهَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ مَن حَضَرَ بَدْرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعالى لِطاعَتِهِ، ويَغْفِرُ لَهُ الذَّنْبَ لَوْ صَدَرَ مِنهُ ويُثْبِتُهُ عَلى الإيمانِ الَّذِي مَلَأ بِهِ صَدْرَهُ إلى المُوافاةِ لِعِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الوَقْعَةِ إذْ هي أوَّلُ وقْعَةٍ أعَزَّ اللَّهُ تَعالى بِها الإسْلامَ وفاتِحَةً لِلْفُتُوحِ والنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ الأمْرُ في الحَدِيثِ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: هو أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَصِيرُ حَلالًا لَهم، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ مِساسِ العَذابِ فَإنَّ الحَلَّ اللّاحِقَ لا يَرْفَعُ حُكْمَ الحُرْمَةِ السّابِقَةِ كَما أنَّ الحُرْمَةَ اللّاحِقَةَ كَما في الخَمْرِ مَثَلًا لا تَرْفَعُ حُكْمَ الإباحَةِ السّابِقَةِ، عَلى أنَّهُ قادِحٌ في تَهْوِيلٍ مانِعِيٍّ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الفِداءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ ) أيْ لَأصابَكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ أخْذِكم أوِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ كَوْنِها سَتَحِلُّ سَبَبًا لِلْعَفْوِ ومانِعًا عَنْ وُقُوعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ المُرادِ بِما في الآيَةِ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَوْنُ المُباحِ سَيُحَرَّمُ سَبَبًا لِلِانْتِقامِ ومانِعًا مِنَ العَفْوِ تَغْلِيبًا لِجانِبِ الرَّحْمَةِ عَلى الجانِبِ الآخَرِ، وحاصِلُ المَعْنى أنَّ ما فَعَلْتُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذابِ العَظِيمِ لَكِنَّ الَّذِي تَسَبَّبَ العَفْوُ عَنْهُ ومَنَعَ تَرَتُّبَ العَذابِ عَلَيْهِ إنِّي سَأُحِلُّهُ قَرِيبًا لَكم، ومِثْلُ ذَلِكَ نَظَرًا إلى رَحْمَتِي الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبِي يَصِيرُ سَبَبًا لِلْعَفْوِ ومانِعًا عَنِ العَذابِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لِتَكَلُّفِ هَذا الجَوابِ أنَّ ما ذُكِرَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأخْرَجاهُما، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المانِعُ مِن مِساسِ العَذابِ كُلَّ ما تَقَدَّمَ، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِمانِعِي عَلَيْهِمْ حَيْثُ مَنَعَ مِن تَرَتُّبِ مِساسِ العَذابِ عَلَيْهِ مَوانِعُ جَمَّةٌ ولَوْلا تِلْكَ المَوانِعُ الجَمَّةُ لَتَرَتَّبَ، وتَعَدُّدُ مَوانِعِ شَيْءٍ واحِدٍ جائِزٌ ولَيْسَ كَتَعَدُّدِ العِلَلِ واجْتِماعُها عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ شَخْصِيٍّ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّواياتِ المُخْتَلِفَةِ عَنِ الحَبْرِ في بَيانِ هَذا الكِتابِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ في كُلِّ مَرَّةٍ ذَكَرَ أمْرًا واحِدًا مِن تِلْكَ الأُمُورِ، والتَّنْصِيصُ عَلى الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ فافْهَمْ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَعْنى لَوْلا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِغَلَبَتِكم ونَصْرِكم لَمَسَّكم عَذابٌ عَظِيمٌ مِن أعْدائِكم بِغَلَبَتِهِمْ لَكم وتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ ويَنْهَبُونَ وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الغَلَبَةِ المَفْرُوضَةِ الغَلَبَةُ في بَدْرٍ فالأخْذُ الَّذِي هو سَبَبُها إنَّما وقَعَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَآلُ المَعْنى لَوْلا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِغَلَبَتِكم لَغَلَبَكُمُ الكَفّارُ قَبْلُ بِسَبَبِ ما فَعَلْتُمْ بَعْدُ وهو كَما تَرى، وإنْ أُرِيدَ الغَلَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهي قَدْ مَسَّتِ القَوْمَ في أُحُدٍ فَإنَّ أعْداءَهم قَدْ قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ عَدَدَ الأسْرى وكانَ ما كانَ؛ فَلا يَصِحُّ نَفْيُ المَسِّ حِينَئِذٍ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”لَوْ أنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَذابٌ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ لِقَوْلِهِ: كانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ»“ وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ
صفحة 36
بِالعَذابِ عَذابُ الدُّنْيا غَيْرُ القَتْلِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ لِمَكانٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ أنَّهُ اسْتُشْهِدَ مِنهم بِعِدَّتِهِمْ لِأنَّ الشَّهادَةَ لا تُعَدُّ عَذابًا، لَكِنَّ هَذا لا يَنْفَعُ ذَلِكَ القائِلَ لِأنَّهُ لَمْ يُفَسِّرِ العَذابَ إلّا بِالغَلَبَةِ وهي صادِقَةٌ في مادَّةِ الشَّهادَةِ.
الأنفال 8:69
﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى كَفَّ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْدِيَهم عَمّا أخَذُوا مِنَ الفِداءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فالمُرادُ مِمّا غَنِمْتُمْ إمّا الفِدْيَةُ وإمّا مُطْلَقُ الغَنائِمِ، والمُرادُ بَيانُ حُكْمِ ما انْدَرَجَ فِيها مِنَ الفِدْيَةِ وإلّا فَحِلُّ الغَنِيمَةِ مِمّا عَداها قَدْ عُلِمَ سابِقًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ إلَخْ بَلْ قالَ بَعْضُهم: إنَّ الحِلَّ مَعْلُومٌ قَبْلَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما في كِتابِ ”الأحْكامِ“ أنَّ أوَّلَ غَنِيمَةٍ في الإسْلامِ حِينَ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِبَدْرٍ الأُولى ومَعَهُ ثَمانِيَةُ رَهْطٍ مِنَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَأخَذُوا عِيرًا لِقُرَيْشٍ وقَدِمُوا بِها عَلى النَّبِيِّ ﷺ فاقْتَسَمُوها وأقَرَّهم عَلى ذَلِكَ.
ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحَلِّلَةٌ لِلْفِدْيَةِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا هو نَصٌّ في ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِما غَنِمْتُمُ الغَنائِمَ مِن غَيْرِ انْدِراجِ الفِدْيَةِ فِيها لِأنَّ القَوْمَ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى امْتَنَعُوا عَنِ الأكْلِ والتَّصَرُّفِ فِيها تَزَهُّدًا مِنهم لا ظَنًّا لِحُرْمَتِها إذْ يُبْعِدُهُ أنَّ الحِلَّ مَعْلُومٌ لَهم مِمّا مَرَّ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، والقَوْلُ بِأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ مِمّا يَأْباهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ مَمْنُوعٌ ودُونَ إثْباتِهِ المَوْتُ الأحْمَرُ.
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى سَبَبٍ مُقَدَّرٍ، أيْ قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا مَثَلًا، وقِيلَ: قَدْ يَسْتَغْنِي عَنِ العَطْفِ عَلى السَّبَبِ المُقَدَّرِ بِعَطْفِهِ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ، أيْ لا أُؤاخِذُكم بِما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ فَكُلُوهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ تَقْدِيرُ دَعَوْا والعَطْفُ عَلَيْهِ، أيْ دَعُوا ما أخَذْتُمْ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مِنَ الإباءِ، وبِنَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ تَشَبَّثَ مَن زَعَمَ أنَّ الأمْرَ الوارِدَ بَعْدَ الحَظْرِ لِلْإباحَةِ، وضُعِّفَ بِأنَّ الإباحَةَ ثَبَتَتْ هُنا بِقَرِينَةِ أنَّ الأكْلَ إنَّما أُمِرَ بِهِ لِمَنفَعَتِهِمْ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَثْبُتَ عَلى وجْهِ المَضَرَّةِ والمَشَقَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿حَلالا﴾ ) حالٌ مِن ( ما ) المَوْصُولَةِ أوْ مِن عائِدِها المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ أكْلًا حَلالًا، وفائِدَةُ ذِكْرِهِ وكَذا ذِكْرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿طَيِّبًا﴾ ) تَأْكِيدُ الإباحَةِ لِما في العِتابِ مِنَ الشِّدَّةِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولِذا غَفَرَ لَكم ذَنْبَكم وأباحَ لَكم ما أخَذْتُمُوهُ، وقِيلَ: فَيَغْفِرُ لَكم ما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ وُرُودِ الإذْنِ ويَرْحَمُكم ويَتُوبُ عَلَيْكم إذا اتَّقَيْتُمُوهُ.
الأنفال 8:70
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ أيْ في مَلَكَتِكم واسْتِيلائِكم كَأنَّ أيْدِيَكم قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿مِنَ الأسْرى﴾ الَّذِينَ أخَذْتُمْ مِنهُمُ الفِداءَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ مِنَ ( الأُسارى )، ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ إيمانًا وتَصْدِيقًا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ.
والآيَةُ عَلى ما في رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ نَزَلَتْ في جَمِيعِ أُسارى بَدْرٍ وكانَ فِداءُ العَبّاسِ مِنهم أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وفِداءُ سائِرِهِمْ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ كانَ فِداؤُهم مِائَةَ أُوقِيَّةٍ والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ.
وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ مُسْلِمًا لَكِنِ اسْتَكْرَهُونِي فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”إنْ يَكُنْ ما تَذْكُرُ حَقًّا فاللَّهُ تَعالى يَجْزِيكَ، فَإمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا فافْدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخَوَيْكَ نَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ، وعَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو فَقُلْتُ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَأيْنَ الَّذِي دَفَنْتَ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ؟ فَقُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في
صفحة 37
وجْهِي هَذا فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ وقُثَمَ فَقَلْتُ: وما يُدْرِيكَ: فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أخْبَرَنِي رَبِّي فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ العَبّاسُ: أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ»“ ورُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ بَعْدَ حِينٍ: أبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا وأعْطانِي زَمْزَمَ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّكم بِتَأْوِيلِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ مُؤَكَّدٌ بِالِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، ورُوِيَ أنَّهُ «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مالُ البَحْرِينِ ثَمانُونَ ألْفًا فَتَوَضَّأ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ، فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي وأرْجُو المَغْفِرَةَ»، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِسائِرِ الأُسارى عَلى ما يَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الجَمْعِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ رِوايَةُ أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ لَمّا قالُوا مِن أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُثِبْكم خَيْرًا ) والحُسْنُ وشَيْبَةُ ( مِمّا أخَذَ مِنكم ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
الأنفال 8:71
﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيِ: الأسْرى ( ﴿خِيانَتَكَ﴾ ) أيْ: نَقْضَ ما عاهَدُوكَ عَلَيْهِ مِن إعْطاءِ الفِدْيَةِ أوْ أنْ لا يَعُودُوا لِمُحارَبَتِكَ ولا إلى مُعاضَدَةِ المُشْرِكِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ يُرِيدُوا نَكْثَ ما بايَعُوكَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والرِّدَّةِ واسْتِحْبابِ دِينِ آبائِهِمْ ( ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ ) بِالكُفْرِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ المَأْخُوذِ عَلى كُلِّ عاقِلٍ بَلِ ادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ الأقْرَبُ ( ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ ) أيْ أقْدَرَكَ عَلَيْهِمْ حَسْبَما رَأيْتَ في بَدْرٍ فَإنْ أعادُوا الخِيانَةَ فاعْلَمْ أنَّهُ سَيُمَكِّنُكَ اللَّهُ تَعالى مِنهم أيْضًا فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَقَدْ خانُوا﴾ ) قائِمٌ مُقامَ الجَوابِ، والجُمْلَةُ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ الوَعْدِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والوَعِيدِ لَهم، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ ما في نِيّاتِهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ.
الأنفال 8:72
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ هُمُ المُهاجِرُونَ الَّذِينَ هَجَرُوا أوْطانَهم وتَرَكُوها لِأعْدائِهِمْ في اللَّهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ( ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾ ) فَصَرَفُوها لِلْكُراعِ والسِّلاحِ وأنْفَقُوها عَلى المَحاوِيجِ مِنَ المُسْلِمِينَ ( ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ ) بِمُباشِرَةِ القِتالِ واقْتِحامِ المَعارِكِ والخَوْضِ في لَجَجِ المَهالِكِ ( ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) قِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِجاهَدُوا قَيْدٌ لِنَوْعَيِ الجِهادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ في العَمَلِ بَيْنَ هاجَرُوا وجاهَدُوا ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ لِما أنَّ المُجاهَدَةَ بِالأمْوالِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأتَمُّ دَفْعًا لِلْحاجَةِ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ بِلا مُجادَّةٍ بِالمالِ، وقِيلَ: تَرْتِيبُ هَذِهِ المُتَعاطِفاتِ في الآيَةِ عَلى حَسَبِ الوُقُوعِ فَإنَّ الأوَّلَ الإيمانُ ثُمَّ الهِجْرَةُ ثُمَّ الجِهادُ بِالمالِ لِنَحْوِ التَّأهُّبِ لِلْحَرْبِ ثُمَّ الجِهادُ بِالنَّفْسِ ( ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ ) هُمُ الأنْصارُ آوَوُا المُهاجِرِينَ وأنْزَلُوهم مَنازِلَهم وآثَرُوهم عَلى أنْفُسِهِمْ ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ ( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَذْكُورُونَ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ الفاضِلَةِ، وهو مُبْتَدَأُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿بَعْضُهُمْ﴾ ) إمّا بَدَلٌ مِنهم، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ ) خَبَرٌ وإمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ و( ﴿أوْلِياءُ﴾ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أيْ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ عَلى ما هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
صفحة 38
تَعالى عَنْهُما، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ فَإنَّهم قالُوا: «آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ واسْتَمَرَّ أمْرُهم عَلى ذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ تَوارَثُوا بِالنَّسَبِ بَعْدُ إذْ لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ»، فالوِلايَةُ عَلى هَذا الوِراثَةُ المُسَبَّبَةُ عَنِ القَرابَةِ الحُكْمِيَّةِ.
والآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وقالَ الأصَمُّ: هي مَحْكَمَةٌ، والمُرادُ الوِلايَةُ بِالنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةُ وكَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ( ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ) بَعْدَ نَفْيِ مُوالاتِهِمْ في الآيَةِ الآتِيَةِ ( ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ ) كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ ( ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ) أيْ: تَوَلِّيهِمْ في المِيراثِ وإنْ كانُوا أقْرَبَ ذَوِي قَرابَتِكم ( ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ ) وحِينَئِذٍ يَثْبُتُ لَهُمُ الحُكْمُ السّابِقُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ( وِلايَتِهِمْ ) بِالكَسْرِ، وزَعَمَ الأصْمَعِيُّ أنَّهُ خَطَأٌ وهو المُخْطِئُ فَقَدْ تَواتَرَتِ القِراءَةُ بِذَلِكَ، وجاءَ في اللُّغَةِ الوِلايَةُ مَصْدَرًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو القُرْبُ الحِسِّيُّ والمَعْنَوِيُّ كَما قِيلَ، وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ فالفَتْحُ وِلايَةُ مَوْلى النَّسَبِ ونَحْوِهِ والكَسْرُ وِلايَةُ السُّلْطانِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى أبِي عُبَيْدَةَ، وأبِي الحَسَنِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والنَّسَبُ وبِالكَسْرَةِ لِلْإمارَةِ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الوِلايَةَ لِاحْتِياجِها إلى تَمَرُّنٍ وتَدَرُّبٍ شُبِّهَتْ بِالصِّناعاتِ ولِذا جاءَ فِيها الكَسْرُ كالإمارَةِ، وذَلِكَ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ مِن أنَّ فِعالَةً بِالكَسْرِ في الأسْماءِ لِما يُحِيطُ بِشَيْءٍ ويُجْعَلُ فِيهِ كاللِّفافَةِ والعِمامَةِ، وفي المَصادِرِ يَكُونُ في الصِّناعاتِ وما يُزاوَلُ بِالأعْمالِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ والزِّراعَةِ والحِراثَةِ، وما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ التَّشْبِيهِ بِالصِّناعاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الواضِعِ بِمَعْنى أنَّ الواضِعَ حِينَ وضَعَها شَبَّهَها بِذَلِكَ فَتَكُونُ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِهِ عَلى طَرْزِ تَشْبِيهِ زَيْدٍ بِالأسَدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ، وهي كَما قالَ بَعْضُ الجُلَّةِ: اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ لِوُقُوعِها في المَصْدَرِ دُونَ المُشْتَقِّ وإنْ كانَ التَّصَرُّفُ في الهَيْئَةِ لا في المادَّةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِعارَةَ الأصْلِيَّةَ قِسْمانِ ما يَكُونُ التَّجَوُّزُ في مادَّتِهِ وما يَكُونُ في هَيْئَتِهِ ( ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ) أيْ فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وأعْدائِكم ( ﴿إلا عَلى قَوْمٍ﴾ ) مِنهم ( ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ ) فَلا تَنْصُرُوهم عَلَيْهِ لِما في ذَلِكَ مِن نَقْضِ عَهْدِهِمْ ( ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ) فَلا تُخالِفُوا أمْرَهُ ولا تَتَجاوَزُوا ما حَدَّهُ لَكم كَيْ لا يَحِلَّ عَلَيْكم عِقابُهُ.
الأنفال 8:73
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم أيْ في المِيراثِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ: في المُؤازَرَةِ، وهَذا بِمَفْهُومِهِ مُفِيدٌ لِنَفْيِ المُوارَثَةِ والمُؤازَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ وإيجابِ ضِدِّ ذَلِكَ وإنْ كانُوا أقارِبَ، ومِن هُنا ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُسامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ ذَلِكَ وقَرَأ الآيَةَ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ المُسْلِمَ يَرِثُ الكافِرَ دُونَ العَكْسِ ولَيْسَ مِمّا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ والفَتْوى عَلى الأوَّلِ كَما تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ ( ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ ) أيْ: إلّا تَفْعَلُوا ما أمَرْتُمْ بِهِ في الآيَتَيْنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْمِيثاقِ أوْ حِفْظِهِ أوِ الإرْثِ أوِ النَّصْرِ أوِ الِاسْتِنْصارِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، والأوْلى ما ذَكَرْنا، وفي الأخِيرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّكَلُّفِ.
( ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ ) أيْ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها، وهي اخْتِلافُ الكَلِمَةِ وضَعْفُ الإيمانِ وظُهُورُ
صفحة 39
الكُفْرِ ( ﴿وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ) وهو سَفْكُ الدِّماءِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ فالمُرادُ فَسادٌ كَبِيرٌ فِيها، وقِيلَ: المُرادُ في الدّارَيْنِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ ( كَثِيرٌ ) بِالمُثَلَّثَةِ.
الأنفال 8:74
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلثَّناءِ عَلى القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِنَ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ بِالقَدْحِ المُعَلّى مِنَ الإيمانِ مَعَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ ) لا يُقادَرُ قَدْرُها ( ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ) أيْ لا تَبِعَةَ لَهُ ولا مِنَّةَ فِيهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يَسْتَحِيلُ نَجْوًا في الأجْوافِ وهو رِزْقُ الجَنَّةِ.
الأنفال 8:75
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ أيْ في بَعْضِ أسْفارِكم، والمُرادُ بِهِمْ قِيلَ: المُؤْمِنُونَ المُهاجِرُونَ مِن بَعْدِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ نُزُولِ الآيَةِ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، والأصَحُّ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى ( ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ ) أيْ: مِن جُمْلَتِكم أيُّها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ السّابِقِينَ هُمُ السّابِقُونَ في الشَّرَفِ وأنَّ هَؤُلاءِ دُونَهم فِيهِ، ويُؤَيِّدُ أمْرَ شَرَفِهِمْ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وبِهَذا القِسْمِ صارَتْ أقْسامُ المُؤْمِنِينَ أرْبَعَةً، والتَّوارُثُ إنَّما هو في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَلى ما عَلِمْتُ؛ وزَعَمَ الطَّبَرَسِيُّ أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ يَثْبُتُ لِهَؤُلاءِ أيْضًا فَيَكُونُ التَّوارُثُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أقْسامٍ، وجُعِلَ مَعْنى ( مِنكم ) مِن جُمْلَتِكم وحُكْمُهم حُكْمُكم في وُجُوبِ المُوالاةِ والمُوارَثَةِ والنُّصْرَةِ ولَمْ أرَهُ لِأصْحابِنا.
( ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ ) أيْ: ذَوُو القَرابَةِ ( ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ ) آخَرِ مِنهم في التَّوْرِيثِ مِنَ الأجانِبِ ( ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ ) أيْ في حُكْمِهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: " «آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ أصْحابِهِ ووَرَّثَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَرَكُوا ذَلِكَ وتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ»، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: تَوارَثَ المُسْلِمُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ بِالهِجْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الفَرْضِيُّونَ، وذَلِكَ لِأنَّها نُسِخَ بِها التَّوارُثُ بِالهِجْرَةِ ولَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ العَصَباتِ وغَيْرِهِمْ فَيَدْخُلُ مَن لا تَسْمِيَةَ لَهم ولا تَعْصِيبَ وهْمٌ – هَمٌّ - وبِها أيْضًا احْتَجَّ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَلى أنَّ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِن مَوْلى العَتاقَةِ، ولَمّا سَمِعَ الحَبْرُ قالَ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ أيْنَ ذَهَبَ؟ إنَّما كانَ المُهاجِرُونَ يَتَوارَثُونَ دُونَ الأعْرابِ فَنَزَلَتْ، وخالَفَهُ سائِرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْضًا عَلى ما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى آياتُ المَوارِيثِ السّابِقَةُ في سُورَةِ النِّساءِ أوْ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ المَعْلُومُ هُناكَ لا يَبْقى لِلِاسْتِدْلالِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ بِالآيَةِ وجْهٌ، وكَذا ما قالَهُ ابْنُ الفَرَسِ مِن أنَّهُ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِها لِمَن قالَ: إنَّ القَرِيبَ أوْلى بِالصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ مِنَ الوالِي ( ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ) ومِن جُمْلَتِهِ ما في تَعْلِيقِ التَّوارُثِ بِالقَرابَةِ الدِّينِيَّةِ أوَّلًا عَلى الوَجْهِ السّابِقِ وبِالقَرابَةِ النِّسْبِيَّةِ آخِرًا مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ العِلْمِيَّ ﴿وهاجَرُوا﴾ مِن أوْطانِ نُفُوسِهِمْ ( ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾ ) بِإنْفاقِها حَتّى تَخَلَّلُوا بِعَباءِ التَّجَرُّدِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ( ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ ) بِإتْعابِها بِالرِّياضَةِ ومُحارَبَةِ الشَّيْطانِ وبَذْلِها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ( ﴿والَّذِينَ آوَوْا﴾ ) إخْوانَهم في الطَّرِيقِ ونَصَرُوهم عَلى عَدُوِّهِمْ بِالإمْدادِ ( ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ ) بِمِيراثِ الحَقائِقِ والعُلُومِ النّافِعَةِ ( ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ )
صفحة 40
عَنْ وطَنِ النَّفْسِ ( ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ) فَلا تَوارُثَ بَيْنَكم وبَيْنَهم إذْ ما عِنْدَكم لا يَصْلُحُ لَهم ما لَمْ يَسْتَعِدُّوا لَهُ وما عِنْدَهم يَأْباهُ اسْتِعْدادُكم ( ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ ) كَما هاجَرْتُمْ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ التَّوارُثُ بَيْنَكم وبَيْنَهم ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فَإنَّ الدِّينَ مُشْتَرَكٌ، وعَلى هَذا الطَّرْزِ يُقالُ في باقِي الآياتِ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ.
التوبة 9:1
سُورَةُ التَّوْبَةِ 9 مَدَنِيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وقَتادَةَ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وحَكى بَعْضُهُمُ الِاتِّفاقَ عَلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: هي كَذَلِكَ إلّا آيَتَيْنِ مِنها ( ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ ) إلَخْ، وهو مُشْكِلٌ بِناءً عَلى ما في المُسْتَدْرَكِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ المَكِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ ( ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ ) إلَخْ ولا يَتَأتّى هُنا ما قالُوهُ في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ في آخِرِ ما نَزَلَ، واسْتَثْنى آخَرُونَ ( ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ ) الآيَةَ بِناءً عَلى ما ورَدَ أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأبِي طالِبٍ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ،» وقَدْ نَزَلَتْ كَما قالَ ابْنُ كَيْسانَ عَلى تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ ولَها عِدَّةُ أسْماءَ؛ التَّوْبَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها: ( ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ ) إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ )، والفاضِحَةُ أخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سُورَةُ التَّوْبَةِ قالَ: التَّوْبَةُ بَلْ هي الفاضِحَةُ ما زالَتْ تَنْزِلُ ومِنهم ومِنهم حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِنّا إلّا ذُكِرَ فِيها، وسُورَةُ العَذابِ أخْرَجَ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: الَّتِي يُسَمُّونَ سُورَةَ التَّوْبَةِ هي سُورَةُ العَذابِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا ذُكِرَ لَهُ سُورَةُ بَراءَةَ وقِيلَ سُورَةُ التَّوْبَةِ قالَ: هي إلى العَذابِ أقْرَبُ ما أقْلَعَتْ عَنِ النّاسِ حَتّى ما كادَتْ تَدَعُ مِنهم أحَدًا والمُقَشْقِشَةُ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيَّتُهُنَّ سُورَةُ التَّوْبَةِ فَقالَ بَراءَةَ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وهَلْ فَعَلَ بِالنّاسِ الأفاعِيلَ إلّا هِيَ، ما كُنّا نَدْعُوها إلّا المُقَشْقِشَةُ أيِ المُبَرِّئَةُ ولَعَلَّهُ أرادَ عَنِ النِّفاقِ، والمُنَقِّرَةُ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَتْ بَراءَةُ تُسَمّى المُنَقِّرَةَ نَقَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، والبَحُوثُ بِفَتْحِ الباءِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ البَحْثِ، بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ كَما رَوى ذَلِكَ الحاكِمُ عَنِ المِقْدادِ، والمُبَعْثَرَةُ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَتْ بَراءَةُ تُسَمّى في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعْدَهُ المُبَعْثِرَةَ لِما كَشَفَتْ مِن سَرائِرِ النّاسِ وظُنَّ أنَّهُ تَصْحِيفُ المُنَقِّرَةِ مِن بَعْدِ الظَّنِّ.
وذَكَرَ ابْنُ الفَرَسِ أنَّها تُسَمّى الحافِرَةَ أيْضًا لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والمُثِيرَةُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ لِأنَّها أثارَتِ المَخازِيَّ والقَبائِحَ، والمُدَمْدِمَةُ كَما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، والمُخْزِيَةُ والمُنَكِّلَةُ والمُشَرِّدَةُ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ وغَيْرُهُ، وسُورَةُ بَراءَةَ. فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الهَمْدانِيَّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ بَراءَةَ وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ وهي مِائَةٌ وتِسْعٌ وعِشْرُونَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ومِائَةٌ وثَلاثُونَ عِنْدَ الباقِينَ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلْأنْفالِ أنَّ في الأُولى قِسْمَةَ الغَنائِمِ وجَعَلَ خُمْسَها لِخَمْسَةِ أصْنافٍ عَلى ما عَلِمْتُ، وفي هَذِهِ قِيمَةُ
صفحة 41
الصَّدَقاتِ وجَعَلَها لِثَمانِيَةِ أصْنافٍ عَلى ما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وفي الأُولى أيْضًا ذَكَرَ العُهُودَ وهُنا نَبَذَها وأنَّهُ تَعالى أمَرَ في الأُولى بِالإعْدادِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ ) ونَعى هُنا عَلى المُنافِقِينَ عَدَمَ الإعْدادِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ ) وأنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ الأُولى بِإيجابِ أنْ يُوالِيَ المُؤْمِنِينَ بَعْضُهم بَعْضًا وأنْ يَكُونُوا مُنْقَطِعِينَ عَنِ الكَفّارِ بِالكُلِّيَّةِ، وصَرَّحَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ( ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ) إلَخْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ المُناسِبَةِ.
وعَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّها مَعَ الأنْفالِ سُورَةٌ واحِدَةٌ ولِهَذا لَمْ تُكْتَبْ بَيْنَهُما البَسْمَلَةُ وقِيلَ: في وجْهِ عَدَمِ كِتابَتِها أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في كَوْنِها سُورَةً أوْ بَعْضَ سُورَةٍ، فَفَصَلُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأنْفالِ رِعايَةً لِمَن يَقُولُ هُما سُورَتانِ ولَمْ يَكْتُبُوا البَسْمَلَةَ رِعايَةً لِمَن يَقُولُ هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، والحَقُّ أنَّهُما سُورَتانِ إلّا أنَّهم لَمْ يَكْتُبُوا البَسْمَلَةَ بَيْنَهُما لِما رَواهُ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن أنَّ البَسْمَلَةَ أمانٌ، وبَراءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ ومِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ومَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّها لَمْ تَنْزِلْ في هَذِهِ السُّورَةِ كَأخَواتِها لِما ذُكِرَ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالِاسْتِقْلالِ تَسْمِيَتُها بِما مَرَّ.
واخْتارَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُتُوحاتِهِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ وأنَّ التَّرْكَ لِذَلِكَ قالَ في البابِ الحادِي والثَّلاثِمِائَةٍ بَعْدَ كَلامِ: وأمّا سُورَةُ التَّوْبَةِ فاخْتَلَفَ النّاسُ فِيها هَلْ هي سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَسائِرِ السُّوَرِ أوْ هَلْ هي وسُورَةُ الأنْفالِ سُورَةٌ واحِدَةٌ فَإنَّهُ لا يُعْرَفُ كَمالُ السُّورَةِ إلّا بِالفَصْلِ بِالبَسْمَلَةِ ولِمَ تَجِئْ هُنا فَدَلَّ عَلى أنَّها مِن سُورَةِ الأنْفالِ وهو الأوْجَهُ وإنْ كانَ لِتَرْكِها وجْهٌ وهو عَدَمُ المُناسِبَةِ بَيْنَ الرَّحْمَةِ والتَّبَرِّي، ولَكِنْ ما لَهُ تِلْكَ القُوَّةُ بَلْ هو وجْهٌ ضَعِيفٌ.
وسَبَبُ ضَعْفِهِ أنَّهُ في الِاسْمِ اللَّهُ مِنَ البَسْمَلَةِ ما يَطْلُبُهُ والبَراءَةُ إنَّما هي مِنَ الشَّرِيكِ لا مِنَ المُشْرِكِ، فَإنَّ الخالِقَ كَيْفَ يَتَبَرَّأُ مِنَ المَخْلُوقِ ولَوْ تَبَرَّأ مِنهُ مَن كانَ يَحْفَظُ وُجُودَهُ عَلَيْهِ والشَّرِيكُ مَعْدُومٌ فَتَصِحُّ البَراءَةُ مِنهُ فَهي صِفَةُ تَنْزِيهٍ، وتَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّرِيكِ والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنِ اعْتِقادِ الجَهْلِ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن ضِعْفِ هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَّرْناهُ وهو أنَّ البَسْمَلَةَ مَوْجُودَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ ( ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ) و( ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ) وأيْنَ الرَّحْمَةُ مِنَ الوَيْلِ انْتَهى، وقَدْ يُقالُ: كَوْنُ البَراءَةِ مِنَ الشَّرِيكِ غَيْرَ ظاهِرٍ مِن آيَتِها أصْلًا، وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المُرادَ مِنها وما ذَكَرَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الوَجْهِ الآخَرِ مِنَ الضَّعْفِ قَدْ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لا تُشْبِهُها سُورَةٌ، فَإنَّها ما تَرَكَتْ أحَدًا كَما قالَ حُذَيْفَةُ إلّا نالَتْ مِنهُ وهَضَمَتْهُ وبالَغَتْ في شَأْنِهِ، أمّا المُنافِقُونَ والكافِرُونَ فَظاهِرٌ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ ) إلى ( ﴿الفاسِقِينَ﴾ ) وهو مِن أشُدِّ ما يُخاطَبُ بِهِ المُخالِفُ فَكَيْفَ بِالمُوافِقِ ولَيْسَ في سُورَةِ ( ويْلٌ ) ولا في سُورَةِ ( تَبَّتْ ) ولا ولا، ولَوْ سَلِمَ اشْتِمالُ سُورَةٍ عَلى نَوْعٍ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ لَكِنَّ الِامْتِيازَ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ مِمّا لا سَبِيلَ لِإنْكارِهِ، ولِذَلِكَ تُرِكَتْ فِيها البَسْمَلَةُ عَلى ما أقُولُ والِاسْمُ الجَلِيلُ وإنْ تَضَمَّنَ القَهْرَ الَّذِي يُناسِبُ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ غَيْرَ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ اقْتِرانِهِ صَرِيحًا بِما لَمْ يَتَضَمَّنا سِوى الرَّحْمَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إلّا إظْهارَ صِفَةِ القَهْرِ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ مَعَ الِافْتِتاحِ بِالبَسْمَلَةِ ولَوْ سَلِمَ خُلُوصُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لَهُ، نَعَمْ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَتْرُكْ عادَتَهُ في افْتِتاحِ السُّوَرِ هُنا بِالكُلِّيَّةِ حَيْثُ افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالباءِ كَما افْتَتَحَ غَيْرَها بِها في ضِمْنِ البَسْمَلَةِ، وإنْ كانَتْ باءُ البَسْمَلَةِ كَلِمَةً وباءُ هَذِهِ السُّورَةِ جُزْءَ كَلِمَةٍ وذَلِكَ لِسِرٍّ دَقِيقٍ يَعْرِفُهُ أهْلُهُ هَذا، ونُقِلَ عَنِ السَّخاوِيِّ أنَّهُ قالَ في جَمالِ القُرّاءِ: اشْتَهَرَ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ
صفحة 42
فِي أوَّلِ بَراءَةَ، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ التَّسْمِيَةُ أوَّلَها وهو القِياسُ لِأنَّ إسْقاطَها إمّا لِأنَّها نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ أوْ لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا بِأنَّها سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَلْ مِنَ الأنْفالِ، ولا يَتِمُّ الأوَّلُ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِ، ونَحْنُ إنَّما نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ بِالِاتِّفاقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ) الآيَةَ ونَحْوُها، وإنْ كانَ التَّرْكُ لِأنَّها لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً، فالتَّسْمِيَةُ في أوَّلِ الأجْزاءِ جائِزَةٌ ورُوِيَ ثُبُوتُها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وذَهَبَ ابْنُ مِنادِرَ إلى قِراءَتِها، وفي الإقْناعِ جَوازُها والحَقُّ اسْتِحْبابُ تَرْكِها حَيْثُ إنَّها لَمْ تُكْتَبْ في الإمامِ، ولا يُقْتَدى بِغَيْرِهِ، وأمّا القَوْلُ بِحُرْمَتِها ووُجُوبِ تَرْكِها كَما قالَهُ بَعْضُ المَشايِخِ الشّافِعِيَّةِ فالظّاهِرُ خِلافُهُ ولا أرى في الإتْيانِ بِها بَأْسًا لِمَن شَرَعَ في القِراءَةِ مِن أثْناءِ السُّورَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ كَما يُؤْذَنُ بِهِ مُقابَلَتُها بِإلى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْخَبَرِ لِفَسادِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، أيْ واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدَّرُوهُ بِذَلِكَ دُونَ حاصِلِهِ لِتَقْلِيلِ التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ( إلى ) الآتِي أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً لِتَخْصِيصِها بِصِفَتِها وخَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو ( بَراءَةً ) بِالنَّصْبِ وهي مَنصُوبَةٌ بِاسْمَعُوا أوِ الزَمُوا عَلى الإغْراءِ، وقَرَأ أهْلُ نَجْرانَ ( مِنَ اللَّهِ ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أنَّ الأصْلَ في تَحْرِيكِ السّاكِنِ الكَسْرُ، لَكِنَّ الوَجْهَ الفَتْحُ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ هَرَبًا مِن تَوالِي الكَسْرَتَيْنِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ ما تَعَلَّقَ بِهِ البَراءَةُ حَسْبَما ذَكَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْهُ إنْباءً ظاهِرًا واحْتِرازًا عَنْ تَكْرارِ لَفْظٍ مِن، والعَهْدُ العَقْدُ المُوَثَّقُ بِاليَمِينِ، والخِطابُ في ( عاهَدْتُمْ ) لِلْمُسْلِمِينَ وقَدْ كانُوا عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ ﷺ، فَنَكَثُوا إلّا بَنِي ضَمْرَةَ وبَنِي كِنانَةَ، وأُمِرَ المُسْلِمُونَ بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأُمْهِلُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا حَيْثُ شاءُوا.
وإنَّما نُسِبَتِ البَراءَةُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ شُمُولِها لِلْمُسْلِمِينَ في اشْتِراكِهِمْ في حُكْمِها ووُجُوبِ العَمَلِ بِمُوجِبِها، وعُلِّقَتِ المُعاهَدَةُ بِالمُسْلِمِينَ خاصَّةً مَعَ كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإنْباءِ عَنْ تَنَجُّزِها وتَحَتُّمِها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى رَأْيِ المُخاطَبِينَ لِأنَّها عِبارَةٌ عَنْ إنْهاءِ حُكْمِ الأمانِ ورَفْعِ الخَطَرِ المُتَرَتِّبِ عَلى العَهْدِ السّابِقِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْكَفَرَةِ وذَلِكَ مَنُوطٌ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، واشْتِراكُ المُسْلِمِينَ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ الِامْتِثالِ لا غَيْرَ، وأمّا المُعاهَدَةُ فَحَيْثُ كانَتْ عَقْدًا كَسائِرِ العُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ لا تَتَحَصَّلُ ولا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها الأحْكامُ إلّا بِمُباشَرَةِ المُتَعاقِدَيْنِ عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنهُ تَعالى، وإنَّما الصّادِرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ الإذْنُ في ذَلِكَ وإنَّما المُباشِرُ لَهُ المُسْلِمُونَ، ولا يَخْفى أنَّ البَراءَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالعَهْدِ لا بِالإذْنِ فِيهِ، فَنُسِبَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما إلى مَن هو أصْلٌ فِيها، عَلى أنَّ في ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ البَراءَةِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِها وتَسْجِيلًا عَلى الكَفَرَةِ بِغايَةِ الذُّلِّ والهَوانِ ونِهايَةِ الخِزْيِ والخِذْلانِ، وتَنْزِيهًا لِساحَةِ الكِبْرِياءِ عَمّا يُوهِمُ شائِبَةَ النَّقْصِ والبَداءِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وإدْراجُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في النِّسْبَةِ الأُولى وإخْراجُهُ عَنِ الثّانِيَةِ لِتَنْوِيهِ شَأْنِهِ الرَّفِيعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كِلا المَقامَيْنِ، كَذا حَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو تَوْجِيهٌ وجِيهٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُعاهَدَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ واجِبَةً بَلْ مُباحَةً مَأْذُونَةً نُسِبَتْ إلَيْهِ بِخِلافِ البَراءَةِ فَإنَّها واجِبَةٌ بِإيجابِهِ تَعالى فَلِذا نُسِبَتْ لِلشّارِعِ وهو كَما تَرى.
وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ نِسْبَةَ العَهْدِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ في مَقامٍ نُسِبَ فِيهِ النَّبْذُ مِنَ المُشْرِكِينَ لا يُحْسِنُ أدَبًا.
صفحة 43
ألا تَرى إلى وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمَراءِ السَّرايا حَيْثُ يَقُولُ لَهم: «إذا نَزَلْتُمْ بِحِصْنٍ فَطَلَبُوا النُّزُولَ عَلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَأنْزِلُوهم عَلى حُكْمِكم فَإنَّكم لا تَدْرُونَ أصادَفْتُمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ أمْ لا، وإنْ طَلَبُوا ذِمَّةَ اللَّهِ تَعالى فَأنْزِلُوهم عَلى ذِمَّتِكم فَلَأنْ تُخْفَرَ ذِمَّتُكم خَيْرٌ مِن أنْ تُخْفَرَ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعالى» فانْظُرْ إلى أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَوْقِيرِ ذِمَّةِ اللَّهِ تَعالى مَخافَةَ أنْ تُخْفَرَ، وإنْ كانَ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ ذَلِكَ الأمْرُ المُتَوَقَّعُ، فَتَوْقِيرُ عَهْدِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَحَقَّقَ مِنَ المُشْرِكِينَ النَّكْثُ وقَدْ تَبَرَّأ مِنهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ لا يُنْسَبَ العَهْدُ المَنبُوذُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أحْرى وأجْدَرُ فَلِذَلِكَ نُسِبَ العَهْدُ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ البَراءَةِ مِنهُ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّهُ غَيْرُ وافٍ وفاءَ ما قَدْ سَبَقَ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ) تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَوْلا قَصْدُ التَّمْهِيدِ لَأُعِيدَتْ ( مِن ) كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ ) وإنَّما نُسِبَتِ البَراءَةُ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُعاهَدَةُ إلَيْهِمْ لِشَرِكَتِهِمْ في الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ مَن بَرَأ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ تَبَرَّأ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، وما ذُكِرَ مِن إعادَةِ الجارِّ لَيْسَ بِلازِمٍ، وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّمْهِيدِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِضَعْفِ التَّهْوِيلِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهُ إنَّما أضافَ العَهْدَ إلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنْ لا عَهْدَ لَهم وأعْلَمَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِذا لَمْ يُضِفِ العَهْدَ إلَيْهِ لِبَراءَتِهِ مِنهم ومِن عَهْدِهِمْ في الأزَلِ، وهَذِهِ نُكْتَةُ الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً خَبَرِيَّةً وإنْ قِيلَ: إنَّها إنْشائِيَّةٌ لِلْبَراءَةِ مِنهم ولِذا دَلَّتْ عَلى التَّجَدُّدِ.
وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ الأزَلِ لا يَتَأتّى في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرًا وبِالتَّأْوِيلِ لا يَبْعُدُ اعْتِبارُ المُسْلِمِينَ أيْضًا، ونُكْتَةُ الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وهي الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ لا تَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ الحَدِيثِ فَقَدْ ذَكَرَها مَعَ ضَمِّ نُكْتَةِ التَّوَسُّلِ إلى التَّهْوِيلِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ مَن لَمْ يَذْكُرْهُ.
التوبة 9:2
﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ أيْ سِيرُوا فِيها حَيْثُ شِئْتُمْ، وأصْلُ السِّياحَةِ جَرَيانُ الماءِ وانْبِساطُهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في السَّيْرِ عَلى مُقْتَضى المَشِيئَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ
فَفِي هَذا الأمْرِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّوْسِعَةِ والتَّرْفِيَةِ ما لَيْسَ في سِيرُوا ونَظائِرِهِ وزِيادَةُ ( ﴿فِي الأرْضِ﴾ ) زِيادَةٌ في التَّعْمِيمِ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: فَقُولُوا لَهم سِيحُوا، أوْ بِدُونِهِ وهو الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَقْصُودُ الإباحَةُ والإعْلامُ بِحُصُولِ الأمانِ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ في المُدَّةِ المَضْرُوبَةِ، وذَلِكَ لِيَتَفَكَّرُوا ويَحْتاطُوا ويَسْتَعِدُّوا بِما شاءُوا، ويَعْلَمُوا أنْ لَيْسَ لَهم بَعْدُ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى الإسْلامِ، ولِأنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ قاتَلُوهم عُقَيْبَ إظْهارِ النَّقْضِ فَرُبَّما نُسِبُوا إلى الخِيانَةِ فَأُمْهِلُوا سَدًّا لِبابِ الظَّنِّ وإظْهارًا لِقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ وعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِهِمْ وبِاسْتِعْدادِهِمْ، ولِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ اخْتِيرَتْ صِيغَةُ الأمْرِ دُونَ فَلَكم أنْ تَسِيحُوا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالسِّياحَةِ وما يَعْقُبُهُ عَلى ما يُؤْذَنُ بِهِ البَراءَةُ المَذْكُورَةُ مِنَ الحَرْبِ عَلى أنَّ الأوَّلَ مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِهِ لِلثّانِي بِكِلا مُتَعَلِّقَيْهِ عَلى عُنْوانِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ جَلَّ شَأْنُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ بَراءَةٌ مُوجِبَةٌ لِقِتالِكم فاسْعَوْا في تَحْصِيلِ ما يُنْجِيكم وإعْدادِ ما يُجْدِيكم ( ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ ) وهي شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الشَّهْرِ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّها وإنْ نَزَلَتْ فِيهِ إلّا أنَّ قِراءَتَها عَلى الكُفّارِ وتَبْلِيغَها إلَيْهِمْ كانَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ فابْتِداءُ المُدَّةِ عاشِرُ ذِي الحِجَّةِ إلى انْقِضاءِ عَشْرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ
صفحة 44
أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومُجاهِدٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.
وقِيلَ: ابْتِداءُ تِلْكَ المُدَّةِ يَوْمُ النَّحْرِ لِعَشْرٍ مِن ذِي القِعْدَةِ إلى انْقِضاءِ عَشْرٍ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلٍ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِسَبَبِ النَّسِيءِ الَّذِي كانَ فِيهِمْ ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ وهي حِجَّةُ الوَداعِ الَّتِي قالَ فِيها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، واسْتَصْوَبَ بَعْضُ الأفاضِلِ الثّانِيَ وادُّعِيَ أنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، رُوِيَ مِن عِدَّةِ أخْبارٍ مُتَداخِلَةٍ بَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عاهَدَ قُرَيْشًا عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى أنْ يَضَعُوا الحَرْبَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ، ودَخَلَتْ خُزاعَةُ في عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَخَلَ بَنُو بَكْرٍ في عَهْدِ قُرَيْشٍ ثُمَّ عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ فَنالَتْ مِنها وأعانَتْهم قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ، فَلَمّا تَظاهَرَ بَنُو بَكْرٍ وقُرَيْشٌ عَلى خُزاعَةَ ونَقَضُوا عَهْدَهم خَرَجَ عَمْرٌو الخُزاعِيُّ حَتّى وقَفَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْشَدَ:
لاهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا
قَدْ كُنْتُمْ ولَدًا وكُنّا والِدا ∗∗∗ ثَمَّتَ أسْلَمْنا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدا
فانْصُرْ رَسُولَ اللهِ نَصْرًا أعْتَدا ∗∗∗ وادْعُ عِبادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا ∗∗∗ إنْ سِيمَ خَسْفًا وجْهُهُ تَرَبَّدا
فِي فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَأْتِي مُزْبِدا ∗∗∗ إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا
ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المُؤَكَّدا ∗∗∗ وجَعَلُوا لِي في كَداءَ رُصَّدا
وزَعَمُوا أنْ لَسْتُ أدْعُو أحَدًا ∗∗∗ وهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا
هم بَيَّتُونا بِالحَطِيمِ جُهَّدا ∗∗∗ وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا نُصِرْتُ إنْ لَمْ أنْصُرْكِ“ ثُمَّ تَجَهَّزَ إلى مَكَّةَ فَفَتَحَها سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ تِسْعٍ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَحُجَّ فَقالَ: إنَّهُ يَحْضُرُ المُشْرِكُونَ فَيَطُوفُونَ عُراةً فَبَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تِلْكَ السَّنَةَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا عَلى النّاسِ لِيُقِيمَ لَهُمُ الحَجَّ وكَتَبَ لَهُ سُنَنَهُ ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ لِيَقْرَأ عَلى أهْلِ المَوْسِمِ صَدْرَ بَراءَةَ، فَلَمّا دَناهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ؟ قالَ: مَأْمُورٌ، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ وقامَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العُقْبَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ تَعالى إلَيْكُمْ، فَقالُوا: بِماذا؟ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً مِنَ السُّورَةِ ثُمَّ قالَ: أُمِرْتُ بِأرْبَعٍ؛ أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يُتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ،» واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَلْ كانَ مَأْمُورًا أوْ لا بِالقِراءَةِ أمْ لا، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا وأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمّا لَحِقَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخَذَ مِنهُ ما أُمِرَ بِقِراءَتِهِ، وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ حِبّانَ، وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أُخِذَ مِنهُ ذَلِكَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ دَخَلَهُ مِن ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ قَدْ أنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ فَلَمّا أتاهُ قالَ: ما لِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: خَيْرٌ أنْتَ أخِي وصاحِبِي في الغارِ وأنْتَ مَعِي عَلى الحَوْضِ غَيْرَ أنَّهُ لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي أوْ رَجُلٌ مِنِّي» .
صفحة 45
وجاءَ مِن رِوايَةِ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَراءَةَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَدَعا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَأعْطاهُ إيّاهُ» .
وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ عَلِيًّا لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ مِن أبِي بَكْرٍ في الطَّرِيقِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى خِلافِهِ، وجاءَ في بَعْضِها ما هو ظاهِرٌ في عَدَمِ عَزْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الأمْرِ بَلْ ضُمَّ إلَيْهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ أبا بَكْرٍ وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ فَحَجّا فَقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ فَنادى أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ولا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، فَكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُنادِي فَإذا أعْيا قامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنادى بِها» وأيًّا ما كانَ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دُونَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي أوْ رَجُلٌ مِنِّي سَواءٌ كانَ بِوَحْيٍ أمْ لا» جارٍ عَلى عادَةِ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى تَقْرِيرَ العَهْدِ ونَقْضَهُ إلّا رَجُلٌ مِنَ الأقارِبِ لِتَنْقَطِعَ الحُجَّةُ بِالكُلِّيَّةِ، فالتَّبْلِيغُ المَنفِيُّ لَيْسَ عامًّا كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ حَدِيثُ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ.
وكَيْفَ يُمْكِنُ إرادَةُ العُمُومِ وقَدْ بَلَّغَ عَنْهُ ﷺ كَثِيرًا مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في حَياتِهِ وبَعْدَ وفاتِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِن أقارِبِهِ ﷺ كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ومِنهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ في تِلْكَ السَّنَةِ حَجَّ بِالنّاسِ وعَلَّمَهم بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَنَ الحَجِّ وما يَلْزَمُ فِيهِ وهو أحَدُ الأُمُورِ الخَمْسَةِ الَّتِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَيْها، عَلى أنَّ مَن أنْصَفَ مِن نَفْسِهِ عَلِمَ أنَّ في نَصْبِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِإقامَةِ مِثْلِ هَذا الرَّكْنِ العَظِيمِ مِنَ الدِّينِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ ) الآيَةَ إشارَةً إلى أنَّهُ الخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في إقامَةِ شَعائِرِ دِينِهِ لا سِيَّما وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِإقامَتِهِ مَقامَهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الصَّلاةِ بِالنّاسِ في آخِرِ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي العِمادُ الأعْظَمُ والرُّكْنُ الأقْوَمُ لِدِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الصَّلاةِ بِالنّاسِ، والقَوْلِ بِأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عُزِلَ في المَسْألَتَيْنِ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ لا أصْلَ لَهُ وعَلى المُدَّعِي البَيانُ ودُونَهُ الشُّمُّ الرّاسِياتُ.
وبِالجُمْلَةِ دَلالَةُ ”لا يَنْبَغِي“ إلَخْ عَلى الخِلافَةِ مِمّا لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِها، وقُصارى ما في الخَبَرِ الدَّلالَةُ عَلى فَضْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وقُرْبِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُ لا يُنْكِرُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اقْتِضائِهِ التَّقَدُّمَ بِالخِلافَةِ عَلى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ نُكْتَةً في نَصْبِ أبِي بَكْرٍ أمِيرًا لِلنّاسِ في حَجِّهِمْ ونَصْبِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُبَلِّغًا نَقْضَ العَهْدِ في ذَلِكَ المَحْفِلِ وهي أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا كانَ مَظْهَرًا لِصِفَةِ الرَّحْمَةِ والجَمالِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الإسْراءِ وما جاءَ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «أرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ» . أحالَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمْرَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم مَوْرِدُ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الَّذِي هو أسَدُ اللَّهِ مَظْهَرَ جَلالِهِ فَوَّضَ إلَيْهِ نَقْضَ عَهْدِ الكافِرِينَ الَّذِي هو مِن آثارِ الجَلالِ وصِفاتِ القَهْرِ، فَكانا كَعَيْنَيْنِ فَوّارَتَيْنِ يَفُورُ مِن إحْداهُما صِفَةُ الجَمالِ ومِنَ الأُخْرى صِفَةُ الجَلالِ في ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ الَّذِي كانَ أُنْمُوذَجًا لِلْحَشْرِ ومَوْرِدًا لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ انْتَهى، ولا يَخْفى حُسْنُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ في البَيْنِ تَعْلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ .
صفحة 46
وجَعَلَ المُدَّةَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ قِيلَ لِأنَّها ثُلُثُ السَّنَةِ والثُّلُثُ كَثِيرٌ، ونُصِبَ العَدَدُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِسِيحُوا أيْ فَسِيحُوا في أقْطارِ الأرْضِ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ( ﴿واعْلَمُوا أنَّكُمْ﴾ ) لِسِياحَتِكم تِلْكَ ( ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ ) لا تُفَوِّتُونَهُ سُبْحانَهُ بِالهَرَبِ والتَّحَصُّنِ ( ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ ) في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ المُهِينِ، وأظْهَرَ الِاسْمَ الجَلِيلَ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ أمْرِ الإخْزاءِ وهو الإذْلالِ بِما فِيهِ فَضِيحَةٌ وعارٌ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ إمّا المُشْرِكُونَ المُخاطَبُونَ فِيما تَقَدَّمَ والعُدُولُ عَنْ مُخْزِيكم إلى ذَلِكَ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالإشْراكِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّ عِلَّةَ الإخْزاءِ هي كُفْرُهُمْ، وإمّا الجِنْسُ الشّامِلُ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ويَدْخُلُ فِيهِ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
التوبة 9:3
﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: إعْلامٌ وهو فَعالٌ بِمَعْنى الإفْعالِ أيْ إيذانٌ كالأمانِ والعَطاءِ، ونَقَلَ الطَّبَرَسِيُّ أنَّ أصْلَهُ مِنَ النِّداءِ الَّذِي يُسْمَعُ بِالأُذُنِ بِمَعْنى أذَنْتُهُ أوْصَلْتُهُ إلى أُذُنِهِ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ بَراءَةَ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها.
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى بَراءَةٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُقالُ: أنَّ عَمْرًا مَعْطُوفٌ عَلى زَيْدٍ في قَوْلِكَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو قاعِدٌ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”بَراءَةٌ“ عَلى أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ السُّورَةُ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ خاصَّةً وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ( ﴿إلى النّاسِ﴾ ) عامَّةً، نَعَمِ الأوْجَهُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِئَلّا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ جُمَلٌ أجْنَبِيَّةٌ ولِئَلّا تَفُوتَ المُطابَقَةُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ تَذْكِيرًا وتَأْنِيثًا، ونَظَرَ فِيهِ بَعْضُهم أيْضًا بِأنَّهم جَوَّزُوا في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو، وعَدُّوا ذَلِكَ مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ نَحْوَ: زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ أُرِيدَ عَطْفُ أذانٍ وحْدَهُ عَلى بَراءَةٍ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَطْفِ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ كَما في نَحْوِ أُرِيدُ أنْ يَضْرِبَ زَيْدٌ عَمْرًا ويُهِينَ بَكْرٌ خالِدًا، فَلَيْسَ العَطْفُ إلّا في الفِعْلَيْنِ دُونَ مَعْمُولَيْهِما هَذا الَّذِي مَنَعَهُ مَن مَنَعَ؛ وإرادَةُ العُمُومِ مِنَ ( النّاسِ ) هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ لِأنَّ هَذا الأذانَ لَيْسَ كالبَراءَةِ المُخْتَصَّةِ بِالنّاكِثِينَ بَلْ هو شامِلٌ لِلْكَفَرَةِ وسائِرِ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ العَهْدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ ) مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( ﴿إلى النّاسِ﴾ ) لا بِأذانٍ لِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ عَلى المَشْهُورِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ العِيدِ لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ ومُعْظَمَ أفْعالِهِ، ولِأنَّ الإعْلامَ كانَ فِيهِ.
ولَمّا أخْرَجَ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَراتِ في الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقالَ: أيُّ يَوْمٍ هَذا؟ قالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ»، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «الحَجُّ عَرَفَةُ» ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ أنَّهُ سَألَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ هَذا اليَوْمِ فَقالَ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وسُفْيانَ أنَّهُ جَمِيعُ أيّامِ الحَجِّ كَما يُقالُ: يَوْمُ الجَمَلِ، ويَوْمُ صِفِّينَ ويُرادُ بِاليَوْمِ الحِينُ والزَّمانُ، والأوَّلُ أقْوى رِوايَةً ودِرايَةً، ووُصِفَ بِالحَجِّ بِالأكْبَرِ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالحَجِّ ما وقَعَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أعْمالِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِن باقِي الأعْمالِ، فالتَّفْضِيلُ نِسْبِيٌّ وغَيْرُ مَخْصُوصٍ بِحَجِّ تِلْكَ السَّنَةِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ووافَقَ عِيدُهُ أعْيادَ أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ المُسْلِمِينَ وذُلُّ المُشْرِكِينَ،
صفحة 47
فالتَّفْضِيلُ مَخْصُوصٌ بِتِلْكَ السَّنَةِ؛ وأمّا تَسْمِيَةُ الحَجِّ المُوافِقِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِيهِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ بِالأكْبَرِ فَلَمْ يَذْكُرُوها وإنْ كانَ ثَوابُ ذَلِكَ الحَجِّ زِيادَةً عَلى غَيْرِهِ، كَما نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ ( ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ) أيْ: مِن عُهُودِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ ( إنَّ ) بِالكَسْرِ لِما أنَّ الأذانَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ القَوْلُ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ وهو مُطَّرِدٌ في إنَّ وأنَّ، والجارُّ والمَجْرُورُ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أذانٍ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ورَسُولِهِ﴾ ) عُطِفَ عَلى المُسْتَكِنِ في بَرِيءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ لَكِنَّ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ، لِأنَّ المَكْسُورَةَ لَمّا لَمْ تُغَيِّرِ المَعْنى جازَ أنْ تُقَدَّرَ كالعَدَمِ، فَيُعْطَفُ عَلى مَحَلِّ ما عَمِلَتْ فِيهِ أيْ عَلى مَحَلِّ كانَ لَهُ قَبْلَ دُخُولِها فَإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ مُبْتَدَأً، ووَقَعَ في كَلامِهِمْ مَحَلُّ أنَّ مَعَ اسْمِها والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، ولَمْ يُجِيزُوا ذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ مَعَ المَفْتُوحَةِ لِأنَّ لَها مَوْضِعًا غَيْرَ الِابْتِداءِ، وأجازَ ابْنُ الحاجِبِ هاهُنا العَطْفَ عَلى المَحَلِّ في قِراءَةِ الجَماعَةِ أيْضًا بِناءً عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ المَفْتُوحَةَ عَلى قَسَمَيْنِ ما يَجُوزُ فِيهِ العَطْفُ عَلى المَحَلِّ وما لا يَجُوزُ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى إنَّ المَكْسُورَةِ كالَّتِي بَعْدَ أفْعالِ القُلُوبِ نَحْوَ عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو جازَ العَطْفُ لِأنَّها لِاخْتِصاصِها بِالدُّخُولِ عَلى الجُمَلِ يَكُونُ المَعْنى مَعَها أنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو في عِلْمِي، ولِذا وجَبَ الكَسْرُ في عَلِمْتُ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ نَحْوَ أعْجَبَنِي أنَّ زَيْدًا كَرِيمٌ وعَمْرٌو ويَتَعَيَّنُ النَّصْبُ فِيهِ لِأنَّها حِينَئِذٍ لَيْسَتْ مَكْسُورَةً ولا في حُكْمِها، ووَجْهُ الجَوازِ بِناءً عَلى هَذا أنَّ الأذانَ بِمَعْنى العِلْمِ فَيَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ أيْضًا كَعَلِمَ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ بِرِوايَةِ رَوْحٍ، وزَيْدٍ ( ورَسُولَهُ ) بِالنَّصْبِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وعَلَيْها فالعَطْفُ عَلى اسْمِ إنَّ وهو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ ونَصْبُ ( ورَسُولَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ أيْ بَرِيءٌ مَعَهُ مِنهم.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ بِالجَرِّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ وهو كالقَسَمِ بِعُمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿لَعَمْرُكَ﴾ ) وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُ الجَرِّ عَلى الجِوارِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ لَعَمْرِي مُوهِمَةٌ جَدًّا وهي في غايَةِ الشُّذُوذِ الظّاهِرِ أنَّها لَمْ تَصِحَّ.
يُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُها فَقالَ: إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ فَلَبَّبَهُ الرَّجُلُ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ بِتَعْلِيمِ العَرَبِيَّةِ، ونُقِلَ أنَّ أبا الأُسُودِ الدُّؤَلِيَّ سَمِعَ ذَلِكَ فَرَفَعَ الأمْرَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ وضْعِ النَّحْوِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وفَرَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى وهَذِهِ الجُمْلَةِ بِأنَّ تِلْكَ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ، وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِهِما بِالخَبَرِيَّةِ ظاهِرٌ إلّا أنَّ في قَوْلِهِ: إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ تَجَوُّزًا، وأرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ المَقْصُودَ لَيْسَ الإخْبارَ بِالإعْلامِ بَلْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ بَرِيءٌ لِيُعْلِمُوا النّاسَ بِهِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وجْهُهُ أنَّ المَعْنى في الجُمْلَةِ الأُولى البَراءَةُ الكائِنَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حاصِلَةٌ مُنْتَهِيَةٌ إلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهو إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ كَما تَقُولُ فِي: زَيْدٌ مَوْجُودٌ مَثَلًا: إنَّهُ إخْبارٌ بِثُبُوتِ زَيْدٍ، وفي الثّانِيَةِ إعْلامُ المُخاطَبِينَ الكائِنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِتِلْكَ البَراءَةِ ثابِتٌ واصِلٌ إلى النّاسِ فَهو إخْبارٌ بِثُبُوتِ الإعْلامِ الخاصِّ صَرِيحًا ووُجُوبِ أنْ يُعْلِمَ المُخاطَبُونَ النّاسَ ضِمْنًا، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هو المَعْنى المُضَمَّنَ ذُكِرَ أنَّها إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ، وزَعَمَ بَعْضُهم لِدَفْعِ التَّكْرارِ أنَّ البَراءَةَ الأُولى لِنَقْضِ العَهْدِ والبَراءَةَ الثّانِيَةَ لِقَطْعِ المُوالاةِ والإحْسانِ
صفحة 48
ولَيْسَ بِذَلِكَ ( ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ ) مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ بِنَقْضِ العَهْدِ ( ﴿فَهُوَ﴾ ) أيِ: التَّوْبُ ( ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ) في الدّارَيْنِ، والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِزِيادَةِ التَّهْدِيدِ والتَّشْدِيدِ، والفاءُ الأُولى لِتَرْتِيبٍ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى الأذانِ المُذَيَّلِ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ المُؤْذِنِ بِلِينِ عَرِيكَتِهِمْ وانْكِسارِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ ( ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ ) عَنِ التَّوْبَةِ أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الإسْلامِ والوَفاءِ ( ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ ) غَيْرُ سابِقِيهِ سُبْحانَهُ ولا فائِتِيهِ ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ في الآخِرَةِ عَلى ما هو الظّاهِرُ.
ومِن هُنا قَيَّدَ بَعْضُهم غَيْرَ مُعْجِزِي اللَّهَ بِقَوْلِهِ في الدُّنْيا، والتَّعْبِيرُ بِالبِشارَةِ لِلتَّهَكُّمِ، وصَرْفُ الخِطابِ عَنْهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ: لِأنَّ البِشارَةَ إنَّما تَلِيقُ بِمَن يَقِفُ عَلى الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: لا يَبْعُدُ كَوْنُ الخِطابِ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ فِيهِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى.
التوبة 9:4
﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ عَلى ما في الكَشّافِ مِنَ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ( ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ ) إلَخْ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ مَعَ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ المَعْنى بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُولُوا لَهم سِيحُوا إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تُمْهِلُوا النّاكِثِينَ غَيْرَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ وقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ جُمْلَةٌ أجْنَبِيَّةٌ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ) فَإنَّهُ كَما قُرِّرَ عَطْفٌ عَلى ( ﴿بَراءَةٌ﴾ )، وأُجِيبُ بِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ أجْنَبِيَّةً مِن كُلِّ وجْهٍ لِأنَّها في مَعْنى الأمْرِ بِالإعْلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقُولُوا لَهم سِيحُوا واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى بَرِيءٌ مِنهم لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمُ إلَخْ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْتِدْراكًا مِنَ النَّبْذِ السّابِقِ الَّذِي أُخِّرَ فِيهِ القِتالُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ والمَآلُ واحِدٌ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الأُوَلِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُدَّ بِأنَّ بَقاءَ التَّعْمِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ) يُنافِيهِ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الثّانِي، ورُدَّ بِأنَّ بَقاءَ التَّعْمِيمِ في الأوَّلِ يُنافِيهِ، والقَوْلُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِما والمُسْتَثْنى مِنهُما في الجُمْلَتَيْنِ لَيْسَتا عَلى نَسَقٍ واحِدٍ لا يَحْسُنُ، وجَعَلَ الثّانِيَ مَعْهُودًا وهُمُ المُشْرِكُونَ المُسْتَثْنى مِنهم هَؤُلاءِ فَقِيلَ: مَجِيءُ الِاسْتِثْناءِ يُبْعِدُ ارْتِكابَهُ في النَّظْمِ المُعْجِزِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ﴾ ) حِينَئِذٍ لا بُدَّ مِن أنْ يُجْعَلَ جَزاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ وهو أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ والظّاهِرُ الخَبَرِيَّةُ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، وكَوْنُ المُرادِ بِهِ أُناسًا بِأعْيانِهِمْ فَلا يَكُونُ عِلْمًا فَيُشْبِهُ الشَّرْطَ فَتَدْخُلُ الفاءُ في خَبَرِهِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ غَيْرَ مُضِرٍّ فَقَدْ ذَهَبَ الأخْفَشُ إلى زِيادَةِ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ مِن غَيْرِ اشْتِراطِ العُمُومِ، واسْتَدَلَّ القُطْبُ لِما في الكَشّافِ بِأنَّ هاهُنا جُمْلَتَيْنِ يُمْكِنُ أنْ يُعَلَّقَ بِهِما الِاسْتِثْناءُ جُمْلَةُ البَراءَةِ وجُمْلَةُ الإمْهالِ، لَكِنَّ تَعْلِيقَ الِاسْتِثْناءِ بِجُمْلَةِ البَراءَةِ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا بَراءَةَ عَنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ، فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُهُ بِجُمْلَةِ الإمْهالِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ أنَّ المُرادَ البَراءَةُ عَنْ عُهُودِ المُشْرِكِينَ لا عَنْ أنْفُسِهِمْ، ولا كَلامَ في أنَّ المُعاهِدِينَ الغَيْرَ النّاكِثِينَ لَيْسَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَرِيئِينَ مِن عُهُودِهِمْ وإنْ بَرِئا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فافْهَمْ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَسِيحُوا﴾ ) خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ غَيْرَ مُضْمَرٍ قَبْلَهُ القَوْلُ ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ ) كَأنَّهُ قِيلَ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إلى المُعاهِدِينَ إلّا الباقِينَ عَلى العَهْدِ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ أيُّها المُسْلِمُونَ عَهْدَهم، ويَكُونُ فِيهِ خُرُوجٌ مِن خِطابِ المُسْلِمِينَ في ( ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ ) إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ في ( ﴿فَسِيحُوا﴾ ) ثُمَّ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهِ﴾
صفحة 49
والأصْلُ غَيْرُ مُعْجِزِيَّ وإنِّي، وفي هَذا الِالتِفاتِ بَعْدَ الِالتِفاتِ الأوَّلِ افْتِنانٌ في أسالِيبِ البَلاغَةِ وتَفْخِيمٌ لِلشَّأْنِ وتَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ، ثُمَّ يَتْلُو هَذا الِالتِفاتَ العَوْدُ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ إلَخْ وكُلُّ هَذا مِن حَسَناتِ الفَصاحَةِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ التَّعَسُّفِ و( مِن ) قِيلَ بَيانِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، وثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى عَهْدِهِمْ مَعَ تَمادِي المُدَّةِ ويَنْقُصُوا بِالصّادِ المُهْمِلَةِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ فَيَكُونُ شَيْئًا مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا مِنَ النُّقْصانِ لا قَلِيلًا ولا كَبِيرًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فَيَكُونُ ( ﴿شَيْئًا﴾ ) مَفْعُولَهُ الثّانِيَ أيْ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا مِن شُرُوطِ العَهْدِ وأدَّوْها لَكم بِتَمامِها، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ ( يَنْقُضُوكم ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عُهُودَكم شَيْئًا مِنَ النَّقْضِ وهي قِراءَةٌ مُناسِبَةٌ لِلْعَهْدِ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أوْقَعُ لِمُقابَلَةِ التَّمامِ مَعَ اسْتِغْنائِها عَنِ ارْتِكابِ الحَذْفِ ( ﴿شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا﴾ ) أيْ: لَمْ يُعاوِنُوا ( ﴿عَلَيْكم أحَدًا﴾ ) مِن أعْدائِكم كَما عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ فَظاهَرَتْهم قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ كَما تَقَدَّمَ ( ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ ) أيْ أدُّوهُ إلَيْهِمْ كامِلًا ( ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ) أيْ إلى انْقِضائِها ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ قِيلَ: بَقِيَ لِبَنِي ضَمْرَةَ، وبَنِي مُدْلِجٍ حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ فَأتَمَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ: هَؤُلاءِ قُرَيْشٌ عاهَدُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ بَقِيَ مِن مُدَّتِهِمْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُوفِيَ لَهم بِعَهْدِهِمْ ذَلِكَ إلى مُدَّتِهِمْ وهو خِلافُ ما تَظافَرَتْ بِهِ الرِّواياتُ مِن أنَّ قُرَيْشًا نَقَضُوا العَهْدَ عَلى ما عَلِمْتَ والمُعْتَمَدُ هو الأوَّلُ ( ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ ) تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مُراعاةَ العَهْدِ مِن بابِ التَّقْوى وأنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الغادِرِ والوَفِيِّ مُنافِيَةٌ لِذَلِكَ وإنْ كانَ المَعاهِدُ مُشْرِكًا.
التوبة 9:5
﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ أيِ انْقَضَتْ، وأصْلُهُ مِنَ السَّلْخِ بِمَعْنى الكَشْطِ يُقالُ: سَلَخْتُ الإهابَ عَنِ الشّاةِ أيْ كَشَطْتُهُ ونَزَعْتُهُ عَنْها، ويَجِيءُ بِمَعْنى الإخْراجِ كَما يُقالُ: سَلَخْتُ الشّاةَ عَنِ الإهابِ إذا أخْرَجْتَها مِنهُ، وذَكَرَ أبُو الهَيْثَمِ أنَّهُ يُقالُ: أهْلَلْنا شَهْرَ كَذا أيْ دَخَلْنا فِيهِ فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ لِباسًا إلى نِصْفِهِ ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا جُزْءًا فَجُزْءًا حَتّى يَنْقَضِيَ وأنْشَدَ:
إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهْلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي
والِانْسِلاخُ فِيما نَحْنُ فِيهِ اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الزَّمانَ مُحِيطٌ بِما فِيهِ مِنَ الزَّمانِيّاتِ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ اشْتِمالَ الجِلْدِ عَلى الحَيَوانِ، وكَذا كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ المُمْتَدَّةِ كالأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ، فَإذا مَضى فَكَأنَّهُ انْسَلَخَ عَمّا فِيهِ، وفي ذَلِكَ مَزِيدُ لُطْفٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّلْوِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الأشْهُرَ كانَتْ حِرْزًا لِأُولَئِكَ المُعاهِدِينَ عَنْ غَوائِلِ أيْدِي المُسْلِمِينَ، فَنِيطَ قِتالُهم بِزَوالِها، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ جَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ المَعْنى الأوَّلِ لِلسَّلْخِ أوْلى مِن جَعْلِهِ مِنَ المَعْنى الثّانِي بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا انْقَضى كَأنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ إذْ لا يَظْهَرُ هَذا التَّلْوِيحُ عَلَيْهِ ظُهُورَهُ عَلى الأوَّلِ ( وال ) في الأشْهُرِ لِلْعَهْدِ فالمُرادُ بِها الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ المُتَقَدِّمَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ ) وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وغَيْرِهِ، وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ العَرَبَ إذا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أرادَتْ ذِكْرَها ثانِيًا أتَتْ بِالضَّمِيرِ أوْ بِاللَّفْظِ مُعَرَّفًا بِألْ ولا يَجُوزُ أنْ تَصِفَهُ حِينَئِذٍ بِصِفَةٍ تُشْعِرُ بِالمُغايِرَةِ
صفحة 50
فَلَوْ قِيلَ رَأيْتُ رَجُلًا وأكَرَمْتُ الرَّجُلَ الطَّوِيلَ لَمْ تُرِدْ بِالثّانِي الأوَّلَ وإنْ وصَفْتَهُ بِما لا يَقْتَضِي المُغايَرَةَ جازَ كَقَوْلِكَ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ المَذْكُورَ، والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، فَإنَّ ( الحُرُمُ ) صِفَةٌ مَفْهُومَةٌ مِن فَحْوى الكَلامِ فَلا تَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ ووَضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَهُ الإتْيانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَكُونَ تَأْكِيدًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ إباحَةُ السِّياحَةِ مِن حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهم مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَوْصُوفِ.
وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ) النّاكِثُونَ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانَ حُكْمِهِمْ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى إتْمامِ مُدَّةِ مَن لَمْ يَنْكُثْ ولا يَكُونُ حُكْمُ الباقِينَ مَفْهُومًا مِن عِبارَةِ النَّصِّ بَلْ مِن دَلالَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها تِلْكَ الأرْبَعَةَ مَعَ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ) مِن تَتِمَّةِ مُدَّةٍ بَقِيَتْ لِغَيْرِ النّاكِثِينَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ حُكْمُ الباقِينَ مَفْهُومًا مِنَ العِبارَةِ حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالمُشْرِكِينَ حِينَئِذٍ ما يَعُمُّهم والنّاكِثِينَ إلّا أنَّهُ يَكُونُ الِانْسِلاخُ وما نِيطَ بِهِ مِنَ القِتالِ شَيْئًا فَشَيْئًا لا دُفْعَةً واحِدَةً، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا تَمَّ مِيقاتُ كُلِّ طائِفَةٍ فاقْتُلُوهم، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأشْهُرُ المَعْهُودَةُ الدّائِرَةُ في كُلِّ سَنَةٍ وهي رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وهو مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّهُ يَأْباهُ التَّرْتِيبُ بِالفاءِ وهو مُخالِفٌ لِلسِّياقِ الَّذِي يَقْتَضِي تَوالِيَ هَذِهِ الأشْهُرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ أيْضًا لِأنَّهُ قامَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ يَحِلُّ فِيها القِتالُ وأنَّ حُرْمَتَها نُسِخَتْ وعَلى تَفْسِيرِهِ بِها يَقْتَضِي بَقاءَ حُرْمَتِها ولَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ ما يَنْسَخُها، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يُنْسَخَ الكِتابُ بِالكِتابِ بَلْ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وعَلى تَقْدِيرِ لُزُومِهِ كَما هو رَأْيُ البَعْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ناسِخُهُ مِنَ الكِتابِ مَنسُوخَ التِّلاوَةِ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ احْتِمالٌ لا يُفِيدُ ولا يُسْمَعُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَنُقِلَ، والنَّسْخُ لا يَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمالُ، وقِيلَ: إنَّ الإجْماعَ إذا قامَ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ كَفى ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى نَقْلِ سَنَدٍ إلَيْنا، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حاصَرَ الطّائِفَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنَ المُحَرَّمِ، وكَما أنَّ ذَلِكَ كافٍ لِنَسْخِها يَكْفِي لِنَسْخِ ما وقَعَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ وهو «إنَّ الزَّمانَ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ» فَلا يُقالُ: إنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْنا لِعَدَمِ العِلْمِ بِما يَنْسَخُهُ كَما تُوُهِّمَ، وإلى نَسْخِ الكِتابِ بِالإجْماعِ ذَهَبَ البَعْضُ مِنّا، فَفي ”النِّهايَةِ شَرْحِ الهِدايَةِ“ تَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ بِالإجْماعِ، صَرَّحَ بِهِ الإمامُ السَّرَخْسِيُّ، وقالَ فَخْرُ الإسْلامِ: إنَّ النُّسَخَ بِالإجْماعِ جَوَّزَهُ بَعْضُ أصْحابِنا بِطَرِيقِ أنَّ الإجْماعَ يُوجِبُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ كالنَّصِّ، فَيَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ بِهِ النَّسْخُ، والإجْماعُ في كَوْنِهِ حُجَّةً أقْوى مِنَ الخَبَرِ المَشْهُورِ والنَّسْخُ بِهِ جائِزٌ فَبِالإجْماعِ أوْلى، وأمّا اشْتِراطُ حَياةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَوازِ النَّسْخِ فَغَيْرُ مَشْرُوطٍ عَلى قَوْلِ ذَلِكَ البَعْضِ مِنَ الأصْحابِ اهـ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ عِنْدَنا، عَلى أنَّ في الإجْماعِ كَلامًا، فَقَدْ قِيلَ: بِبَقاءِ حُرْمَةِ قِتالِ المُسْلِمِينَ فِيها إلّا أنْ يُقاتِلُوا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ لَكِنَّهُ قَوْلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَنعَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ كانَ في تِلْكَ السَّنَةِ وهو لا يَقْتَضِي مَنعَهُ في كُلِّ ما شابَهَها، بَلْ هو مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَلا يُخالِفُ الإجْماعَ، ويَكُونُ حِلُّهُ مَعْلُومًا مِن دَلِيلٍ آخَرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن يَدَّعِي الإجْماعَ يَدَّعِيهِ في الحَلِّ في تِلْكَ السَّنَةِ أيْضًا، وبِالجُمْلَةِ لا مُعَوِّلَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وهَذِهِ عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ هي آيَةُ السَّيْفِ الَّتِي نَسَخَتْ آياتِ العَفْوِ والصَّفْحِ والإعْراضِ والمُسالَمَةِ.
وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: آيَةُ السَّيْفِ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ وقِيلَ: هُما، واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ بِعُمُومِها عَلى قِتالِ التُّرْكِ والحَبَشَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فاقْتُلُوا الكُفّارَ مُطْلَقًا ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ ( ﴿وخُذُوهُمْ﴾ ) قِيلَ: أيِ أْسِرُوهم
صفحة 51
والأخِيذُ الأسِيرُ، وفُسِّرَ الأسْرُ بِالرَّبْطِ لا لِاسْتِرْقاقٍ، فَإنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَسْتَرِقُّونَ.
وقِيلَ: المُرادُ إمْهالُهم لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ القَتْلِ والإسْلامِ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ أذِيَّتِهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ، وقَدْ شاعَ في العُرْفِ الأخْذُ عَلى الِاسْتِيلاءِ عَلى مالِ العَدُوِّ، فَيُقالُ: إنَّ بَنِي فُلانٍ أخَذُوا بَنِي فُلانٍ أيِ اسْتَوْلَوْا عَلى أمْوالِهِمْ بَعْدَ أنْ غَلَبُوهم ( ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ ) قِيلَ أيِ احْبِسُوهم.
ونَقَلَ الخازِنُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ امْنَعُوهم عَنِ الخُرُوجِ إذا تَحَصَّنُوا مِنكم بِحِصْنٍ.
ونَقَلَ غَيْرُهُ عَنْهُ أنَّ المَعْنى حِيلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أيْ: كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ يَجْتازُونَ مِنهُ في أسْفارِهِمْ، وانْتِصابُهُ عِنْدَ الزَّجّاجِ ومَن تَبِعَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ المَرْصَدَ المَكانُ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ العَدُوُّ فَهو مَكانٌ مَخْصُوصٌ لا يَجُوزُ حَذْفُ في مِنهُ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إلّا سَماعًا، وتَعَقَبَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنِ انْتِصابِهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ﴾ ) لَيْسَ مَعْناهُ حَقِيقَةَ القُعُودِ بَلِ المُرادُ تَرَقُّبُهم وتَرَصُّدُهم، فالمَعْنى ارْصُدُوهم كُلَّ مَرْصَدٍ يُرْصَدُ فِيهِ، والظَّرْفُ مُطْلَقًا يَنْصُبُهُ بِإسْقاطِ- فِي- فِعْلٍ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ نَحْوَ جَلَسْتُ وقَعَدْتُ مَجْلِسَ الأمِيرِ، والمَقْصُورُ عَلى السَّماعِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، و( كُلَّ ) وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا لَكِنْ لَهُ حُكْمُ ما يُضافُ إلَيْهِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْهُ.
وجَوَّزَ ابْنُ المُنِيرِ أنْ يَكُونَ مَرْصَدٌ مَصْدَرًا مِيمِيًّا فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والعامِلُ فِيهِ الفِعْلُ الَّذِي بِمَعْناهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وارْصُدُوهم كُلَّ مَرْصَدٍ ولا يَخْفى بَعْدَهُ، وعَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، فَلَمّا حُذِفَ عَلى انْتَصَبَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ غَيْرُ مَقِيسٍ خُصُوصًا إذا كانَ الخافِضُ عَلى، فَإنَّهُ يَقِلُّ حَذْفُها حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ ( ﴿فَإنْ تابُوا﴾ ) عَنِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ بِسَبَبِ ما يَنالُهم مِنكم ( ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ ) تَصْدِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ، واكْتَفى بِذِكْرِهِما لِكَوْنِهِما رَئِيسَيِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ ( ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ) أيْ فاتْرُكُوهم وشَأْنَهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ.
وقِيلَ: المُرادُ خَلُّوا بَيْنَهم وبَيْنَ البَيْتِ ولا تَمْنَعُوهم عَنْهُ والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ جاءَتْ تَخْلِيَةُ السَّبِيلِ في كَلامِ العَرَبِ كِنايَةً عَنِ التَّرْكِ كَما في قَوْلِهِ:
خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يَبْنِي المَنارَ بِهِ ∗∗∗ وابْرُزْ بِبَرْزَةَ حَيْثُ اضْطَرَّكَ القَدَرُ
ثُمَّ يُرادُ مِنها في كُلِّ مَقامٍ ما يَلِيقُ بِهِ، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ وقِتالِ مانِعِ الزَّكاةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أباحَ دِماءَ الكُفّارِ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ والأحْوالِ ثُمَّ حَرَّمَها عِنْدَ التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ فَما لَمْ يُوجَدْ هَذا المَجْمُوعُ تَبْقى إباحَةُ الدَّمِ عَلى الأصْلِ، ولَعَلَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِها عَلى قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ المُزَنِيَّ مِن جِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أوْرَدَ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ تَشْكِيكًا تَحَيَّرُوا في دَفْعِهِ كَما قالَهُ السُّبْكِيُّ في طَبَقاتِهِ، فَقالَ: إنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَرْكِ صَلاةٍ قَدْ مَضَتْ أوْ لَمْ تَأْتِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المَقْضِيَّةَ لا يُقْتَلُ بِتَرْكِها، والثّانِي كَذَلِكَ لِأنَّهُ ما لَمْ يَخْرُجِ الوَقْتُ فَلَهُ التَّأْخِيرُ فَعَلامَ يُقْتَلُ؟ وسَلَكُوا في الجَوابِ مَسالِكَ.
الأوَّلُ: أنَّ هَذا وارِدٌ أيْضًا عَلى القَوْلِ بِالتَّعْزِيرِ والضَّرْبِ والحَبْسِ كَما هو مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ، فالجَوابُ –الجَوابُ- وهو جَدَلِيٌّ، يا رَسُولَ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى الماضِيَةِ لِأنَّهُ تَرَكَها بِلا عُذْرٍ، ورُدَّ بِأنَّ القَضاءَ لا يَجِبُ عَلى الفَوْرِ وبِأنَّ الشّافِعِيَّ
صفحة 52
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ بِالمَقْضِيَّةِ مُطْلَقًا، والثّالِثُ: أنَّهُ يُقْتَلُ لِلْمُؤَدّاةِ في آخِرِ وقْتِها، ويَلْزَمُهُ أنَّ المُبادَرَةَ إلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ تَكُونُ أحَقَّ مِنها إلى المُرْتَدِّ إذْ هو يُسْتَتابُ وهَذا لا يُسْتَتابُ ولا يُمْهَلُ، إذْ لَوْ أُمْهِلَ صارَتْ مَقْضِيَّةً وهو مَحَلُّ كَلامٍ، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُجابَ مِن طَرَفِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما قِيلَ: بِأنَّ اسْتِدْلالَ الشّافِعِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وهو لا يُعَوَّلُ بِهِ، ولَوْ سَلَّمَهُ فالتَّخْلِيَةُ الِاطِّلاقُ عَنْ جَمِيعِ ما مَرَّ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: تارِكُ الصَّلاةِ لا يُخَلّى ويَكْفِي لِعَدَمِ التَّخْلِيَةِ أنْ يُحْبَسَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَنقُوضٌ بِمانِعِ الزَّكاةِ عِنْدَهُ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِإقامَتِهِما التِزامُهُما وإذا لَمْ يَلْتَزِمْهُما كانَ كافِرًا إلّا أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ وإنْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ مَن تَرَكَ صَلاةً واحِدَةً كَسَلًا بِشَرْطِ إخْراجِها عَنْ وقْتِ الضَّرُورَةِ بِأنْ لا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَثَلًا حَتّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ قُتِلَ حَدّا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أجِلَّةِ مُتَأخِّرِيهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ» الحَدِيثَ، وبَيْنَ ذَلِكَ بِأنَّهُما شَرْطًا في الكَفِّ عَنِ القَتْلِ والمُقاتَلَةِ الإسْلامُ وإقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ، لَكِنَّ الزَّكاةَ يُمْكِنُ الإمامَ أخْذُها ولَوْ بِالمُقاتَلَةِ مِمَّنِ امْتَنَعُوا مِنها وقاتَلُونا فَكانَتْ فِيها عَلى حَقِيقَتِها بِخِلافِها في الصَّلاةِ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ فِعْلُها بِالمُقاتَلَةِ فَكانَتْ فِيها بِمَعْنى القَتْلِ، ثُمَّ قالَ: فَعُلِمَ وُضُوحُ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وكَذا الصَّوْمُ فَإنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّهُ يُحْبَسُ طُولَ النَّهارِ نَواهُ فَأجْدى الحَبْسُ فِيهِ ولا كَذَلِكَ الصَّلاةُ فَتَعَيَّنَ القَتْلُ في حَدِّها ولا يَخْفى أنَّ ظاهِرَ هَذا قَوْلٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الآيَةِ، والحَدِيثُ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ في كُلٍّ مِنهُما، وفي الآيَةِ القَتْلُ وحَقِيقَتُهُ لا تَجْرِي في مانِعِ الزَّكاةِ وفي الحَدِيثِ المُقاتَلَةُ وحَقِيقَتُها لا تَجْرِي في تارِكِ الصَّلاةِ، فَلا بُدَّ أنْ يُرادَ مَعَ القَتْلِ المُقاتَلَةُ في الآيَةِ ومَعَ المُقاتَلَةِ القَتْلُ في الحَدِيثِ لِيَتَأتّى جَرَيانُ ذَلِكَ في تارِكِ الصَّلاةِ ومانِعِ الزَّكاةِ، والجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ لا يَجُوزُ عِنْدَنا، عَلى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ والحَدِيثِ عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ فالنَّقْضُ بِمانِعِ الزَّكاةِ في غايَةِ القُوَّةِ.
وأشارَ إلى ما نُقِلَ عَنِ المُزَنِيِّ مَعَ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: لا يُقالُ: لا قَتْلَ بِالحاضِرَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُخْرِجْها عَنْ وقْتِها ولا بِالخارِجَةِ عَنْهُ لِأنَّهُ لا قَتْلَ بِالقَضاءِ وإنْ وجَبَ فَوْرًا لِأنّا نَقُولُ: بَلْ يُقْتَلُ بِالحاضِرَةِ إذا أُمِرَ بِها مِن جِهَةِ الإمامِ أوْ نائِبِهِ دُونَ غَيْرِهِما فِيما يَظْهَرُ في الوَقْتِ عِنْدَ ضِيقِهِ وتَوَعَّدَ عَلى إخْراجِها عَنْهُ فامْتَنَعَ حَتّى خَرَجَ وقْتُها لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مُعانِدٌ لِلشَّرْعِ عِنادًا يَقْتَضِي مِثْلُهُ القَتْلَ فَهو لَيْسَ لِحاضِرَةٍ فَقَطْ ولا لِفائِتَةٍ فَقَطْ بَلْ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ الأمْرِ والإخْراجِ مَعَ التَّصْمِيمِ ثُمَّ إنَّهم قالُوا: يُسْتَتابُ تارِكُ الصَّلاةِ فَوْرًا نَدْبًا، وفارِقُ الوُجُوبِ في المُرْتَدِّ بِأنَّ تُرْكَ اسْتِتابَتِهِ تُوجِبُ تَخْلِيدَهُ في النّارِ إجْماعًا بِخِلافِ هَذا، ولا يُضَمَّنُ عِنْدَهم مَن قَتَلَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ يَأْثَمُ مِن جِهَةِ الِافْتِياتِ عَلى الإمامِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ أيْضًا -كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ- مَن ذَهَبَ إلى كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ ومانِعِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ والصَّحِيحُ أنَّهُما مُؤْمِنانِ عاصِيانِ، وما يُشْعِرُ بِالكُفْرِ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنهم ويُثِيبُهم بِإيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ.
التوبة 9:6
﴿وإنْ أحَدٌ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ المُتَصَدِّينَ لِمَبادِئِ التَّوْبَةِ مِن سَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى والوُقُوفِ عَلى شَعائِرِ الدِّينِ إثْرَ بَيانِ حُكْمِ التّائِبِينَ عَنِ الكُفْرِ والمُصِرِّينَ عَلَيْهِ، وفِيهِ إزاحَةُ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ )
صفحة 53
إذِ الحُجَّةُ قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلُ مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ كافٍ في إزالَةِ عُذْرِهِمْ بِطَلَبِهِمْ لِلدَّلِيلِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَعْدُ و( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ والِاسْمُ مَرْفُوعٌ بِشَرْطٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ لا بِالِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ كَما قالَ الزَّجّاجُ لِأنَّ إنْ لِكَوْنِها تَعْمَلُ العَمَلَ المُخْتَصَّ بِالفِعْلِ لَفْظًا أوْ مَحَلّا مُخْتَصَّةً بِهِ فَلا يَصِحُّ دُخُولُها عَلى الأسْماءِ أيْ وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ ( ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ ) أيِ اسْتَأْمَنَكَ وطَلَبَ مُجاوَرَتَكَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ المَضْرُوبِ ( ﴿فَأجِرْهُ﴾ ) أيْ فَآمِنهُ ( ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ) ويَتَدَبَّرَهُ ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ ما تَدْعُو إلَيْهِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ السَّماعِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ في الفَهْمِ لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ اللِّسْنِ والفَصاحَةِ، والمُرادُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى الآياتُ المُشْتَمِلَةُ عَلى ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّبَهِ والشَّبِيهِ، وقِيلَ: سُورَةُ بَراءَةَ، وقِيلَ: جَمِيعُ القُرْآنِ لِأنَّ تَمامَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ فِيهِ، و( حَتّى ) لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، ولَيْسَتِ الآيَةُ مِنَ التَّنازُعِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الفاضِلُ ابْنُ العادِلِ حَيْثُ قالَ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِأمْرٍ لَفْظِيٍّ صِناعِيٍّ لِأنّا لَوْ جَعَلْناها مِن ذَلِكَ البابِ وأعْلَمْنا الأوَّلَ أعْنِي اسْتَجارَكَ لَزِمَ إثْباتُ المُمْتَنِعِ عِنْدَهم وهو إعْمالُ حَتّى في الضَّمِيرِ فَإنَّهم قالُوا: لا يُرْتَكَبُ ذَلِكَ إلّا في الضَّرُورَةِ كَما في قَوْلِهِ:
فَلا واللَّهِ لا يَلْقى أُناسٌ فَتًى حَتّاكَ يا ابْنَ أبِي زِيادِ
ضَرُورَةُ أنَّ القائِلِينَ بِإعْمالِ الثّانِي يَجَوِّزُونَ إعْمالَ الأوَّلِ المُسْتَدْعِي لِما ذُكِرَ سِيَّما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المَبْنِيِّ عَلى رُجْحانِ إعْمالِهِ ومَن جَوَّزَ إعْمالَهُ في الضَّمِيرِ يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِعَدَمِ المَحْذُورِ حِينَئِذٍ، ويُفْهِمُ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأفاضِلِ جَوازَ التَّعَلُّقِ بِاسْتَجارَكَ حَيْثُ قالَ: لا داعِيَ لِتَعَلُّقِهِ بِأجْرِهِ سِوى الظَّنِّ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ بِالأوَّلِ وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فَأجِرْهُ حَتّاهُ أيْ حَتّى السَّمْعِ، وهَلْ يَقُولُ عاقِلٌ بِتَوَقُّفِ تَمامِ قَوْلِكَ إنِ اسْتَأْمَنَكَ زَيْدٌ لِأمْرِ كَذا فَآمِنهُ عَلى أنْ تَقُولَ لِذَلِكَ الأمْرِ كُلًّا فَرَضْنا الِاحْتِياجَ ولُزُومَ التَّقْدِيرِ ولَكِنْ ما المُوجِبُ لِتَقْدِيرِ حَتّاهُ المُمْتَنَعِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِذَلِكَ أوَّلُهُ أوْ حَتّى يَسْمَعَهُ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا في مَعْناهُ، وقالَ آخَرُ: إنَّ لُزُومَ الإضْمارِ المُمْتَنِعِ عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ الأوَّلِ لا يُعَيِّنُ إعْمالَ الثّانِي فَلا يَخْرُجُ التَّرْكِيبُ مِن بابِ التَّنازُعِ بَلْ يَعْدِلُ حِينَئِذٍ إلى الحَذْفِ فَإنْ تَعَذَّرَ أيْضًا ذُكِرَ مُظْهَرًا كَما يُسْتَفادُ مِن كَلامِ نَجْمِ الأئِمَّةِ وغَيْرِهِ مِنَ المُحَقِّقِينَ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ المانِعَ مِن كَوْنِهِ مِن بابِ التَّنازُعِ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعْلِيلَ الِاسْتِجارَةِ بِما ذُكِرَ كَما أنَّ المَقْصُودَ تَعْلِيلُ الإجارَةِ بِهِ، نَعَمْ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ تَعَلُّقَ الإجارَةِ بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ الِاسْتِجارَةِ أيْضًا بِذَلِكَ أوْ ما في مَعْناهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: إنْ أرادَ الرَّجُلُ مِنّا أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِحاجَةٍ قُتِلَ؟ قالَ: لا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ( ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ ) إلَخْ فالمُرادُ بِما فِيهِ مِنَ الحاجَةِ هي الحاجَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالدِّينِ لا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الحاجاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ مَن يَأْتِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما يَأْتِيهِ لِلْأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ انْتَهى، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ العُمُومُ، فَيَكُونُ جَوابُ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُؤَيِّدًا لِما قُلْناهُ، ويَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ قَدَّسَ سِرَّهُ أنْ يَأْتِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما يَأْتِيهِ لِلْأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ مَنعٌ ظاهِرٌ فَلا يَتِمُّ بِناءُ الأنْباءِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ حَتّى لِلْغايَةِ والخَبَرُ المَذْكُورُ وجَزالَةُ المَعْنى يَشْهَدانِ بِكَوْنِها لِلتَّعْلِيلِ، بَلْ قالَ المَوْلى سَرِيُّ الدَّيْنِ المِصْرِيُّ:
صفحة 54
إنْ جَعَلَها لِلْغايَةِ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ﴾ ) بَعْدَ سَماعِهِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى إنْ لَمْ يُؤْمَن ( ﴿مَأْمَنَهُ﴾ ) أيْ: مَسْكَنَهُ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ أوْ مَوْضِعَ أمْنِهِ وهو دِيارُ قَوْمِهِ عَلى أنَّ المَأْمَنَ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ والأوَّلُ أوْلى لِسَلامَتِهِ مِن مُؤْنَهِ التَّقْدِيرِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى ما بَيَّنَهُ في ”الكَشْفِ“ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في الآيَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى نَفْيِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ لِأنَّ السَّماعَ قَدْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الدّالِّ عَلَيْهِ أوْ يُقالُ: إنَّ الكَلامَ مَعْقُولٌ بِالِاشْتِراكِ أوْ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ عَلى الكَلامِ النَّفْسِيِّ والكَلامِ اللَّفْظِيِّ، ولا يَلْزَمُ مِن تَعَيُّنِ أحَدِهِما في مَقامِ نَفْيِ ثُبُوتِ الآخَرِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في المُقَدِّماتِ مِنَ الكَلامِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ ( ﴿ذَلِكَ﴾ ) أيِ: الأمْنُ أوِ الأمْرُ ( ﴿بِأنَّهُمْ﴾ ) أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ( ﴿قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ ) ما الإسْلامُ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ أوْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ فَلا بُدَّ مِن إعْطاءِ الأمانِ حَتّى يَفْهَمُوا ذَلِكَ، ولا يَبْقى لَهم مَعْذِرَةٌ أصْلًا، والآيَةُ كَما قالَ الحَسَنُ مَحْكَمَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ ) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ أيْضًا وما قالَهُ الحَسَنُ أحْسَنُ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ مُدَّةِ الإمْهالِ فَقِيلَ: أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ ولَعَلَّهُ الأشْبَهُ.
التوبة 9:7
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ تَبْيِينٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِما سَبَقَ مِنَ البَراءَةِ ولَواحِقِها والمُرادُ ”مِنَ المُشْرِكِينَ“ النّاكِثُونَ لِأنَّ البَراءَةَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ، و( يَكُونُ ) تامَّةٌ و( كَيْفَ ) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ أوِ الظَّرْفِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: ناقِصَةٌ و( كَيْفَ ) خَبَرُها وهو واجِبُ التَّقْدِيمِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ و( المُشْرِكِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ عَمَلَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ بِالظُّرُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِعُهَدٍ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا و( عِنْدَ ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ عَلى ما مَرَّ أوْ بِعَهْدٍ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ بِمَحْذُوفٌ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( لِلْمُشْرِكِينَ) و( عِنْدَ ) فِيها الأوْجُهُ المُتَقَدِّمَةُ، ويَجُوزُ أيْضًا تَعَلُّقُها بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ( لِلْمُشْرِكِينَ ) أوِ الخَبَرُ ( عِنْدَ اللَّهِ ) ولِلْمُشْرِكِينَ إمّا تَبْيِينٌ كَما في سُقْيًا لَكَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ مِثْلِ أقُولُ هَذا الإنْكارَ لَهُمْ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ، وإمّا حالٌ مِن عَهْدٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، ويُغْتَفَرُ تَقَدُّمُ مَعْمُولِ الخَبَرِ لِكَوْنِهِ جارًّا ومَجْرُورًا، و( كَيْفَ ) عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ شَبِيهَةٌ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ كَما في احْتِمالِ كَوْنِ الفِعْلِ تامًّا وهو عَلى ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ الأوْلى؛ لِأنَّ في إنْكارِ ثُبُوتِ العَهْدِ في نَفْسِهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في إنْكارِ ثُبُوتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ الرّابِطِيَّ فَرْعُ ثُبُوتِهِ العَيْنِيِّ، فانْتِفاءُ الأصْلِ يُوجِبُ انْتِفاءَ الفَرْعِ رَأْسًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِما تَقَرَّرَ أنَّ انْتِفاءَ مَبْدَأِ المَحْمُولِ في الخارِجِ لا يُوجِبُ انْتِفاءَ الحِمْلِ الخارِجِيِّ لِاتِّصافِ الأعْيانِ بِالِاعْتِبارِيّاتِ والعَدَمِيّاتِ حَتّى صَرَّحُوا بِأنَّ زَيْدًا عَمِيَ قَضِيَّةٌ خارِجِيَّةٌ مَعَ أنَّهُ لا ثُبُوتَ عَيْنًا لِلْعَمى، وصَرَّحُوا بِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وإنْ لَمْ يَقْتَضِ ثُبُوتَ الشَّيْءِ الثّابِتِ في ظَرْفِ الِاتِّصافِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ في نَفْسِهِ ولَوْ في مَحَلِّ انْتِزاعِهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ نَعَمْ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ العَهْدِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى ثُبُوتِهِ لِأنَّهُ إذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِ الشَّيْءِ وكُلُّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ فَقَدِ انْتَفى وُجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ أيْ في أيِّ حالٍ يُوجَدُ لَهم عَهْدٌ مُعْتَدٍ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُراعى حُقُوقُهُ ويُحافَظَ عَلَيْهِ إلى تَمامِ المُدَّةِ ولا يَتَعَرَّضُ لَهم بِحَسَبِهِ قَتْلًا وأخْذًا.
صفحة 55
وتَكْرِيرُ كَلِمَةِ عِنْدَ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الِاعْتِدادِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حِدَةٍ ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ وهُمُ المُسْتَثْنَوْنَ فِيما سَلَفَ، والخِلافُ هو الخِلافُ والمُعْتَمَدُ هو المُعْتَمَدُ، والتَّعَرُّضُ لِكَوْنِ المُعاهَدَةِ ﴿عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِزِيادَةِ بَيانِ أصْحابِها والإشْعارِ بِسَبَبِ وِكادَتِها، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ مِنَ النَّفْيِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُتَبادَرِ شُمُولُهُ بِجَمِيعِ المُعاهِدِينَ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أوْ هو ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ عَلى ما مَرَّ و( ما ) كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فاسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ لَكُمْ، وإمّا شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ أيْ: أيَّ زَمانٍ اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم وهو أسْلَمُ مِنَ القِيلِ صِناعَةً مِنَ الِاحْتِمالِ الأوَّلِ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ وفي خَبَرِها الخِلافُ المَشْهُورُ، واسْتَقِيمُوا جَوابُ الشَّرْطِ والفاءُ واقِعَةٌ في الجَوابِ، وعَلى احْتِمالِ المَصْدَرِيَّةِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا ومُحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِمُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُونَ، وأيًّا ما كانَ فَحُكْمُ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ يَنْتَهِي بِانْتِهاءِ مُدَّةِ العَهْدِ فَيَرْجِعُ هَذا إلى الأمْرِ بِالإتْمامِ المارِّ خَلا أنَّهُ قَدْ صَرَّحَ هاهُنا بِما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا، وهو تَقْيِيدُ الإتْمامِ المَأْمُورِ بِهِ بِبَقائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَفاءِ، وعَلَّلَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ ) عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ.
التوبة 9:8
﴿كَيْفَ﴾ تَكْرِيرٌ لِاسْتِنْكارِ ما مَرَّ مِن أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ حَقِيقٌ بِالمُراعاةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِاسْتِبْعادِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ وفائِدَةُ التَّكْرارِ التَّأْكِيدُ والتَّمْهِيدُ لِتَعْدادِ العِلَلِ المُوجِبَةِ لَما ذُكِرَ لا خِلالَ تَخَلُّلِ ما في البَيْنِ بِالِارْتِباطِ والتَّقْرِيبِ؛ وحَذْفُ الفِعْلِ المُسْتَنْكَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ النَّفْسَ مُسْتَحْضِرَةٌ لَهُ مُتَرَقِّبَةٌ لِوُرُودِ ما يُوجِبُ اسْتِنْكارَهُ، وقَدْ كَثُرَ حَذْفُ الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَعَ كَيْفَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ حالِيَّةٍ بَعْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبٍ الغَنَوِيِّ يَرْثِي أخاهُ أبا المِغْوارِ:
وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ في القُرى فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
يُرِيدُ فَكَيْفَ ماتَ والحالُ ما ذُكِرَ، والمُرادُ هُنا كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ مُعْتَدٌّ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ( و) حالُهم أنَّهم ( ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ ) أيْ يَظْفَرُوا بِكم ( ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً﴾ ) أيْ: لَمْ يُراعُوا في شَأْنِكم ذَلِكَ، وأصْلُ الرُّقُوبِ النَّظَرُ بِطَرِيقِ الحِفْظِ والرِّعايَةِ ومِنهُ الرَّقِيبُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الرِّعايَةِ، والمُراقَبَةُ أبْلَغُ مِنهُ كالمُراعاةِ، وفي نَفْيِ الرُّقُوبِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في نَفْيِهِما، وما ألْطَفَ ذِكْرَ الرُّقُوبِ مَعَ الظُّهُورِ و( الإلُّ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وقَدْ يُفْتَحُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الرَّحِمُ والقَرابَةُ وأنْشَدَ قَوْلَ حَسّانَ:
لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ
وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الضَّحّاكُ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ الحِلْفُ والعَهْدُ، قِيلَ: ولَعَلَّهُ بِهَذا المَعْنى مُشْتَقٌّ مِنَ الإلِّ وهو الجِوارُ لِأنَّهم كانُوا إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا أصْواتَهم ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْقَرابَةِ لِأنَّ بَيْنَ القَرِيبَيْنِ عَقْدًا أشَدَّ مِن عَقْدِ التَّحالُفِ، وكَوْنُهُ أشَدَّ لا يُنافِي كَوْنَهُ مُشَبَّهًا لِأنَّ الحِلْفَ يُصَرَّحُ بِهِ ويُلْفَظُ فَهو أقْوى مِن وجْهٍ آخَرَ ولَيْسَ التَّشْبِيهُ مِنَ المَقْلُوبِ كَما تُوُهِّمَ، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ مَن ألَّلَ الشَّيْءَ إذا حَدَّدَهُ أوْ مِن ألَّ البَرْقُ إذا لَمَعَ وظَهَرَ، ووَجْهُ المُناسِبَةِ ظاهِرٌ.
صفحة 56
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٌ أنَّ الإلَّ بِمَعْنى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِنهُ ما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قُرِئَ عَلَيْهِ كَلامُ مُسَيْلِمَةَ، فَقالَ: لَمْ يَخْرُجْ هَذا مِن إلٍّ فَأيْنَ تَذْهَبُ بِكُمْ؟ قِيلَ: ومِنهُ اشْتُقَّ الإلُّ بِمَعْنى القَرابَةِ كَما اشْتُقَّتِ الرَّحِمُ مِنَ الرَّحْمَنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ إذْ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ إلٌّ بِمَعْنى إلَهٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبْرِيٌّ ومِنهُ جِبْرالُ: وأيَّدَهُ بِأنَّهُ قُرِئَ إيلًا وهو عِنْدَهم بِمَعْنى اللَّهِ أوِ الإلَهِ أيْ لا يَخافُونَ اللَّهَ ولا يُراعُونَهُ فِيكم، والذِّمَّةُ الحَقُّ الَّذِي يُعابُ ويُذَمُّ عَلى إغْفالِهِ، أوِ العَهْدُ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ نَقْضَهُ يُوجِبُ الذَّمَّ، وهي في قَوْلِهِمْ: في ذِمَّتِي كَذا مَحَلُّ الِالتِزامِ ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالَ: هو مَعْنى يَصِيرُ بِهِ الآدَمِيُّ عَلى الخُصُوصِ أهْلًا لِوُجُوبِ الحُقُوقِ عَلَيْهِ، وقَدْ تُفَسَّرُ بِالأمانِ والضَّمانِ وهي مُتَقارِبَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإلَّ والذِّمَّةَ كِلاهُما هُنا بِمَعْنى العَهْدِ، والعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، ويَأْباهُ إعادَةً لا ظاهِرًا فَلَيْسَ هو نَظِيرَ:
فَألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا
فالحَقُّ المُغايَرَةُ بَيْنَهُما، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ قِيلَ: بَيانُ أنَّهم أُسَراءُ الفُرْصَةِ فَلا عَهْدَ لَهم، وقِيلَ: الإرْشادُ إلى أنَّ وُجُوبَ مُراعاةِ حُقُوقِ العَهْدِ عَلى كُلٍّ مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ مَشْرُوطٌ بِمُراعاةِ الآخَرِ لَها، فَإذا لَمْ يُراعِها المُشْرِكُونَ فَكَيْفَ تُراعُونَها فَهو عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ:
عَلامَ تَقْبَلُ مِنهم فِدْيَةً وهم ∗∗∗ لا فِضَّةَ قَبِلُوا مِنّا ولا ذَهَبًا
ولَمْ أجِدْ لِهَؤُلاءِ مِثْلًا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿وإنْ يَظْهَرُوا﴾ ) إلَخْ إلّا أُناسًا مُتَزَيِّنِينَ بِزِيِّ العُلَماءِ ولَيْسُوا مِنهُمْ، ولا قُلامَةَ ظُفْرٍ فَإنَّهم مَعِي وحَسْبِي اللَّهُ وكَفى عَلى هَذا الطَّرْزِ فَرَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى لا قَدْرًا وحَطَّهم ولا حَطَّ عَنْهم وِزْرًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ ) اسْتِئْنافٌ لِلْكَشْفِ عَنْ حَقِيقَةِ شُؤُونِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ دافِعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن تَعْلِيقِ عَدَمِ رِعايَةِ العَهْدِ بِالظَّفَرِ أنَّهم يُراعُونَهُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ حَيْثُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّهم في حالَةِ العَجْزِ أيْضًا لَيْسُوا مِنَ الوَفاءِ في شَيْءٍ، وأنَّ ما يُظْهِرُونَهُ أخْفاهُمُ اللَّهُ تَعالى مُداهَنَةً لا مُهادَنَةً، وكَيْفِيَّةُ إرْضائِهِمُ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يُبْدُونَ لَهُمُ الوَفاءَ والمُصافاةَ ويَعِدُونَهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ ويُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، والمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ إذا قالَ صَدَقَ وإذا قِيلَ لَهُ صَدَّقَ، ويَتَعَلَّلُونَ لَهم عِنْدَ ظُهُورِ خِلافِ ذَلِكَ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ.
وتَقْيِيدُ الإرْضاءِ بِالأفْواهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم مُجَرَّدُ ألْفاظٍ يَتَفَوَّهُونَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ في قُلُوبِهِمْ، وأكَّدَ هَذا بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ ( ﴿يَرْقُبُوا﴾ ) لا اسْتِئْنافِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّ الحالَ تَقْتَضِي المُقارَنَةَ والإرْضاءَ قَبْلَ الظُّهُورِ الَّذِي هو قَبْلَ عَدَمِ الرُّقُوبِ الواقِعِ جَزاءً، فَأيْنَ المُقارَنَةُ ؟ وأيْضًا إنَّ بَيْنَ الحالَتَيْنِ مُنافاةً ظاهِرَةً فَإنَّ الإرْضاءَ بِالأفْواهِ حالَةَ إخْفاءِ الكُفْرِ والبُغْضِ مُداراةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وحالَةَ عَدَمِ المُراعاةِ والوُقُوفِ حالَةُ مُجاهَرَةٍ بِالعَداوَةِ لَهُمْ، وحَيْثُ تَنافَيا لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ إحْداهُما بِالأُخْرى ( ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ) خارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ مُتَمَرِّدُونَ لا عَقِيدَةَ تَزَعُهم ولا مُرُوءَةَ تَرُدُّهُمْ، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِما في بَعْضِ الكَفَرَةِ مِنَ التِحامِي عَنِ العُذْرِ والتَّعَفُّفِ عَمّا يَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ، ووَصْفُ الكَفَرَةِ بِالفِسْقِ في غايَةِ الذَّمِّ.
التوبة 9:9
﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: المُتَضَمِّنَةِ لِلْأمْرِ بِإيفاءِ العُهُودِ والِاسْتِقامَةِ في كُلِّ أمْرٍ أوْ جَمِيعِ آياتِهِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ ويَتْبَعُها مُكَنِّيَةٌ حَيْثُ شُبِّهَتِ الآياتُ بِالشَّيْءِ المُبْتاعِ، وقَدْ يَكُونُ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِاسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ وهو الِاشْتِراءُ في المُطْلَقِ وهو الِاسْتِبْدالُ عَلى حَدِّ ما قالُوا في المَرْسَنِ أيِ اسْتَبْدَلُوا بِذَلِكَ ( ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ) أيْ شَيْئًا حَقِيرًا مِن حُطامِ الدُّنْيا وهو أهْواؤُهم وشَهَواتُهُمُ الَّتِي اتَّبَعُوها،
صفحة 57
والجُمْلَةُ- كَما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ- مُسْتَأْنَفَةٌ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ) فِيهِ أنَّ مَن فَسَقَ وتَمَرَّدَ كانَ سَبَبُهُ مُجَرَّدَ اتِّباعِ الشَّهَواتِ والرُّكُونِ إلى اللَّذّاتِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الثَّمَنَ القَلِيلَ بِما أنْفَقَهُ أبُو سُفْيانَ مِنَ الطَّعامِ وصَرَفَهُ إلى الأعْرابِ ( ﴿فَصَدُّوا﴾ ) أيْ عَدَلُوا وأعْرَضُوا عَلى أنَّهُ لازِمٌ مِن صَدَّ صُدُودًا أوْ صَرَفُوا ومَنَعُوا غَيْرَهم عَلى أنَّهُ مُتَعَدٍّ مِن صَدَّهُ عَنِ الأمْرِ صَدًّا، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اشْتِراءَهم أدّاهم إلى الصُّدُودِ أوِ الصَّدِّ ( ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ) أيِ: الدِّينِ الحَقِّ المُوصِلِ إلَيْهِ تَعالى، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، أوْ سَبِيلِ بَيْتِهِ الحَرامِ حَيْثُ كانُوا يَصُدُّونَ الحُجّاجَ والعُمّارَ عَنْهُ، فالسَّبِيلُ إمّا مَجازٌ وإمّا حَقِيقَةٌ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مُضافٌ أوْ تُجْعَلَ النِّسْبَةُ الإضافِيَّةُ مُتَجَوَّزًا فِيها ( ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ) أيْ بِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ أوْ عَمَلَهُمُ المُسْتَمِرُّ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.
وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ ساءَ عَلى بابِها مِنَ التَّصَرُّفِ لازِمَةً بِمَعْنى قَبُحَ أوْ مُعْتَدِيَةً والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ساءَهُمُ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ أوْ عَمَلُهم، وإذا كانَ جارِيَةً مَجْرى بِئْسَ تَحَوَّلَ إلى فِعْلٍ بِالضَّمِّ ويَمْتَنِعُ تَصَرُّفُها كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ.
التوبة 9:10
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ نَعى عَلَيْهِمْ عَدَمَ مُراعاةِ حُقُوقِ عَهْدِ المُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ بِخِلافِ الأوَّلِ لِمَكانِ ( فِيكم ) فِيهِ، و( ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾ ) في هَذا فَلا تَكْرارَ كَما في المَدارِكِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما يَعْمَلُونَ، وهو مُشْعِرٌ بِاخْتِصاصِ الذَّمِّ والسُّوءِ لِعَمَلِهِمْ هَذا دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ عامٌّ في النّاقِضِينَ وهَذا خاصٌّ بِالَّذِينِ اشْتَرَوْا وهُمُ اليَهُودُ والأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ وأطْعَمَهم لِلِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عَلى حَرْبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالآياتِ ما يَشْمَلُ القُرْآنَ والتَّوْراةَ، وفي هَذا القَوْلِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ وارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ.
والجُبّائِيُّ يَخُصُّ هَذا بِاليَهُودِ وفِيهِ ما فِيهِ ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِما عَدَّدَ مِنَ الصِّفاتِ السَّيِّئَةِ ( ﴿هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ ) المُجاوِزُونَ الغايَةَ القُصْوى مِنَ الظُّلْمِ والشَّرارَةِ.
التوبة 9:11
﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وسائِرِ العَظائِمِ كَنَقْضِ العَهْدِ وغَيْرِهِ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَقْرِيعَهم بِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن فَظائِعِ الأعْمالِ مُزْجِرَةٌ عَنْها ومَظِنَّةٌ لِلتَّوْبَةِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ ( ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ ) أيْ: فَهم إخْوانُكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَهم ما لَكَمَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِإخْوانِكم كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، قِيلَ: والِاخْتِلافُ بَيْنَ جَوابِ هَذِهِ الشُّرْطِيَّةِ وجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ مَعَ اتِّحادِ الشَّرْطِ فِيهِما لِما أنَّ الأُولى سِيقَتْ إثْرَ الأمْرِ بِالقَتْلِ ونَظائِرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جَوابُها أمْرًا بِخِلافِ هَذِهِ، وهَذِهِ سِيقَتْ بَعْدَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالِاعْتِداءِ وأشْباهِهِ فَلا بُدَّ مِن كَوْنِ جَوابِها حُكْمًا البَتَّةَ، وهَذِهِ الآيَةُ أجْلَبُ لِقُلُوبِهِمْ مِن تِلْكَ الآيَةِ إذْ فَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ وبَيْنَ إثْباتِ الأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ لَهم، وبِها اسْتُدِلَّ عَلى تَحْرِيمِ دِماءِ أهْلِ القِبْلَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وأبِي الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّها حَرَّمَتْ قِتالَ أوْ دِماءَ أهْلِ الصَّلاةِ والمَآلُ واحِدٌ، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ إذْ مَفْهُومُها نَفْيُ الأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ عَنْهُ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، ويَلْزَمُهُ القَوْلُ بِكُفْرِ مانِعِ الزَّكاةِ أيْضًا بِعَيْنِ ما ذَكَرَهُ، وبَعْضُ مَن لا يَقُولُ بِإكْفارِهِما التَزَمَ تَفْسِيرَ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ بِالتِزامِهِما والعَزْمِ عَلى إقامَتِهِما، ولا شَكَّ في كُفْرِ مَن لَمْ يَلْتَزِمْهُما بِالِاتِّفاقِ.
وذَكَرَ بَعْضُ جِلَّةِ الأفاضِلِ أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى مَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ؛ التَّوْبَةِ وإقامِ الصَّلاةِ
صفحة 58
وإيتاءِ الزَّكاةِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ( إنْ ) يَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ لا تَحْصُلُ الأُخُوَّةُ في الدِّينِ وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّ المُكَلَّفَ المُسْلِمَ لَوْ كانَ فَقِيرًا أوْ كانَ غَنِيًّا لَكِنْ لَمْ يَنْقَضِ عَلَيْهِ الحَوْلُ لا يُلْزِمُهُ إيتاءُ الزَّكاةِ فَإذا لَمْ يُؤْتَها فَقَدِ انْعَدَمَ عَنْهُ ما تَوَقَّفَ عَلَيْهِ حُصُولُ أُخُوَّةِ الدِّينِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ مُؤْمِنًا، إلّا أنْ يُقالَ: التَّعْلِيقُ بِكَلِمَةِ ( إنْ ) إنَّما يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ كَوْنِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ مُسْتَلْزِمًا ما عُلِّقَ عَلَيْهِ ولا يَدُلُّ عَلى انْعِدامِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ بِانْعِدامِهِ بَلْ يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ خارِجِيٍّ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُعَلَّقُ لازِمًا أعَمَّ، فَيَتَحَقَّقُ بِدُونِ تَحَقُّقِ ما جُعِلَ مَلْزُومًا لَهُ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ نَفْسَ التَّعْلِيقِ يَدُلُّ عَلى انْعِدامِ المُعَلَّقِ عِنْدَ انْعِدامِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ المُسْلِمُ الفَقِيرُ مُؤْمِنًا بِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ وإنَّما يَلْزَمُ ذَلِكَ أنْ لَوْ كانَ المُعَلَّقُ عَلَيْهِ إيتاؤُها عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المُعَلَّقُ عَلَيْهِ هو الإيتاءُ عِنْدَ تَحَقُّقِ شَرائِطَ مَخْصُوصَةٍ مُبَيَّنَةٍ بِدَلائِلَ شَرْعِيَّةٍ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ ما في القَوْلِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ مِنَ الخِلافِ، والحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا البَحْثَ كَما يَجْرِي في إيتاءِ الزَّكاةِ يَجْرِي في إقامَةِ الصَّلاةِ، واسْتَدَلَّ ابْنُ زَيْدٍ بِاقْتِرانِهِما عَلى أنَّهُ لا تُقْبَلُ الصَّلاةُ إلّا بِالزَّكاةِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ فَمَن لَمْ يُزَلَّ فَلا صَلاةَ لَهُ ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ نُبَيِّنُها، والمُرادُ بِها إمّا ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ مِنَ النّاكِثِينَ وغَيْرِهِمْ وأحْكامِهِمْ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ وإمّا جَمِيعُ الآياتِ فَيَنْدَرِجُ فِيها تِلْكَ الآياتُ انْدِراجًا أوَّلِيًا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ما فَصَّلْنا أوْ مِن ذَوِي العِلْمِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ أوْ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، والعِلْمُ كَما قِيلَ كِنايَةٌ عَنِ التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ ذَلِكَ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِلْحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ في الآياتِ وتَدَبُّرِها
التوبة 9:12
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ نَكَثُوا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ نَقَضُوا ﴿أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ المُوَثَّقِ بِها وأظْهَرُوا ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ وأخْرَجُوهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ ثَبَتُوا واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّكْثِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّكْثَ بِالِارْتِدادِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في مُقابَلَةِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ والأوَّلُ أوْلى بِالمَقامِ ﴿وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ قَدَحُوا فِيهِ بِأنْ أعابُوهُ وقَبَّحُوا أحْكامَهُ عَلانِيَةً.
وجَعَلَ ابْنُ المُنِيرِ طَعْنَ الذِّمِّيِّ في دِينِنا بَيْنَ أهْلِ دِينِهِ إذا بَلَغَنا كَذَلِكَ، وعَدَّ هَذا كَثِيرٌ ومِنهُمُ الفاضِلُ المَذْكُورُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فالعَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ وبِهِ يَنْحَلُّ ما يُقالُ: كانَ الظّاهِرُ أوْ طَعَنُوا لِأنَّ كُلًّا مِنَ الطَّعْنِ وما قَبْلَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ القَتْلِ والقِتالِ، وكَوْنُ الواوِ بِمَعْنى أوْ بَعِيدٌ، وقِيلَ: العَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ كَما في قَوْلِكَ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ بِي وفَعَلَ مَعِي كَذا، عَلى مَعْنى وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم بِطَعْنِهِمْ في دِينِكُمْ، والأوَّلُ أوْلى، ولا فَرْقَ بَيْنَ تَوْجِيهِ الطَّعْنِ إلى الدِّينِ نَفْسِهِ إجْمالًا وبَيْنَ تَوْجِيهِهِ إلى بَعْضِ تَفاصِيلِهِ كالصَّلاةِ والحَجِّ مَثَلًا، ومِن ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالقُرْآنِ وذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحاشاهُ بِسُوءٍ فَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِهِ عِنْدَ جَمْعٍ مُسْتَدِلِّينَ بِالآيَةِ سَواءٌ شُرِطَ انْتِقاضُ العَهْدِ بِهِ أمْ لا، ومِمَّنْ قالَ بِقَتْلِهِ إذا أظْهَرَ الشَّتْمَ والعِياذُ بِاللَّهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وهو قَوْلُ اللَّيْثِ وأفْتى بِهِ ابْنُ الهُمامِ، والقَوْلُ بِأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ يُقِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمُ الأصْلِيِّ بِالجِزْيَةِ وذا لَيْسَ بِأعْظَمَ مِنهُ فَيَقَرُّونَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أيْضًا، ولَيْسَ هو مِنَ الطَّعْنِ المَذْكُورِ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ الإنْصافِ في شَيْءٍ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يُعَزَّرُوا أيْضًا كَما لا يُعَزَّرُونَ بَعْدَ الجِزْيَةِ عَلى الكُفْرِ الأصْلِيِّ، وفِيهِ لَعَمْرِي بَيْعُ يَتِيمَةِ الوُجُودِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 59
بِثَمَنٍ بَخْسٍ والدُّنْيا بِحَذافِيرِها بَلْ والآخِرَةُ بِأسْرِها في جَنْبِ جَنابِهِ الرَّفِيعِ جَناحُ بَعُوضَةٍ أوْ أدْنى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ما ادَّعاهُ الجَمْعُ بِفَرْدٍ مِنَ الدَّلالاتِ وإنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّ اجْتِماعَ النَّكْثِ والطَّعْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يَتَرَتَّبُ فَكَيْفَ تَدُلُّ عَلى القَتْلِ بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ وفِيهِ ما فِيهِ، ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ الطَّعْنِ مِنَ القِتالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، ووُضِعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وسُمُّوا أئِمَّةً لِأنَّهم صارُوا بِذَلِكَ رُؤَساءَ مُتَقَدِّمِينَ عَلى غَيْرِهِمْ بِزَعْمِهِمْ فَهم أحِقّاءُ بِالقِتالِ والقَتْلِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِأئِمَّتِهِمْ رُؤَساؤُهم وصَنادِيدُهم مِثْلُ أبِي سُفْيانَ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ لا لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُهم، وقِيلَ: لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لَها أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ فَإنَّ قَتْلَهم غالِبًا يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ مَن دُونَهم، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم فارِسُ والرُّومُ وفِيهِ بُعْدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ وما أدْرِي ما مُرادُهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو ( أئِمَّةَ ) بِهَمْزَتَيْنِ ثانِيَتُهُما بَيْنَ بَيْنَ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ والألِفِ بَيْنَهُما، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِتَحْقِيقِهِما مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ، وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ أدْخَلَ بَيْنَهُما الألِفَ هَذا هو المَشْهُورُ عَنِ القُرّاءِ السَّبْعَةِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ نافِعٍ المَدَّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ والياءِ.
وضَعَّفَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ قِراءَةَ التَّحْقِيقِ وبَيْنَ بَيْنَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ كالفارِسِيِّ، ومِنهم مَن أنْكَرَ التَّسْهِيلَ بَيْنَ بَيْنَ وقَرَأ بِياءٍ خَفِيفَةِ الكَسْرَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ فارْتَضاها أبُو عَلِيٍّ، وجَماعَةٌ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَها لَحْنًا، وخَطَّأهُ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ لِأنَّها قِراءَةُ رَأْسِ القُرّاءِ والنُّحاةِ أبُو عَمْرٍو، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وهي صَحِيحَةٌ رِوايَةً، وعَدَمُ ثُبُوتِها مِن طَرِيقِ التَّيْسِيرِ يُوجِبُ التَّضْيِيقَ؛ وكَذا دِرايَةً فَقَدْ ذَكَرَ هو في المُفَصَّلِ وسائِرُ الأئِمَّةِ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ في كَلِمَةٍ فالوَجْهُ قَلْبُ الثّانِيَةِ حَرْفَ لِينٍ كَما في آدَمَ وأئِمَّةٍ فَما اعْتَذَرَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، والحاصِلُ أنَّ القِراءاتِ هُنا تَحْقِيقُ الهَمْزَتَيْنِ وجَعْلُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ بِلا إدْخالِ ألِفٍ وبِهِ والخامِسَةُ بِياءٍ صَرِيحَةٍ وكُلُّها صَحِيحَةٌ لا وجْهَ لِإنْكارِها، ووَزْنُ أئِمَّةٍ أفْعِلَةٌ كَحِمارِ وأحْمِرَةٍ، وأصْلُهُ أئِمْمَةٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى الهَمْزَةِ وأُدْغِمَتْ، ولَمّا ثَقُلَ اجْتِماعُ الهَمْزَتَيْنِ فَرُّوا مِنهُ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ لا يُراعُونَها ولا يَفُونَ بِها ولا يَرَوْنَ نَقْضَها نَقْصًا وإنْ أجْرَوْها عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِها كالنَّكْثِ فِيما سَلَفَ لا بِالعَهْدِ المُؤَكَّدِ بِها لِأنَّها العُمْدَةُ في المَواثِيقِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ إمّا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا كَما هو المُتَوَقَّعُ مِنهم إذْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً حَتّى يَنْكُثُوها فَقاتِلُوا، أوْ لِاسْتِمْرارِ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ المُسْتَفادِ مِنَ السِّياقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقاتِلُوهم إلى أنْ يُؤْمِنُوا إنَّهم لا أيْمانَ لَهم حَتّى يُعْقَدَ مَعَهم عَقْدٌ آخَرُ، وجَعَلَها تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقِتالِ لا يُساعِدُهُ تَعْلِيقُهُ بِالنَّكْثِ والطَّعْنِ لِأنَّ حالَهم في أنْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً بَعْدَ ذَلِكَ كَحالِهِمْ قَبْلَهُ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى عَدَمِ بَقاءِ أيْمانِهِمْ بَعْدَ النَّكْثِ والطَّعْنِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ أيْ إنَّهم رُؤَساءُ الكَفَرَةِ وأعْظَمُهم شَرًّا حَيْثُ ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ عَدَمَ مُراعاةِ الأيْمانِ وهو كَما تَرى، والنَّفْيُ في الآيَةِ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ما هو المُتَبادَرُ، فَيَمِينُ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا عِنْدَهُ مُعْتَدًّا بِها شَرْعًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ هي يَمِينٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ في صَدْرِ الآيَةِ وهو لا يَكُونُ حَيْثُ لا يَمِينَ
صفحة 60
ولا أيْمانَ لَهم بِما عَلِمْتَ.
وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ يَمِينٌ، ويَبْعُدُهُ أنَّ الإخْبارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالنَّكْثِ عَلى اليَمِينِ إشارَةٌ أوِ اقْتِضاءٌ ولا أيْمانَ لَهم عِبارَةً فَتَتَرَجَّحُ، والقَوْلُ بِأنَّها تُؤَوَّلُ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ إذا كانَ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ في أحَدِ الجانِبَيْنِ فَتَأْوِيلُ غَيْرِ الصَّرِيحِ أوْلى، ولَعَلَّهُ لا يُعْتَبَرُ في ذَلِكَ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ، وثَمَرَةُ الخِلافِ أنَّهُ لَوْ أسْلَمَ الكافِرُ بَعْدَ يَمِينٍ انْعَقَدَتْ في كُفْرِهِ ثُمَّ حَنِثَ هَلْ تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ؟ فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَعَمْ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( إيمانَ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ آمَنَهُ إيمانًا بِمَعْنى أعْطاهُ الأمانَ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ وهو الأمانُ، والمُرادُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تُعْطُوهم أمانًا بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا، قِيلَ: وهَذا النَّفْيُ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في مُشْرِكِي العَرَبِ ولَيْسَ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ لا سَبِيلَ إلى أنْ يُعْطُوكُمُ الأمانَ بَعْدُ، وفِيهِ أنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ مُعاهَدَتَهم مَعَنا عَلى طَرِيقَةِ أنْ يَكُونَ إعْطاءُ الأمانِ مِن قِبَلِهم وهو بَيْنَ البُطْلانِ، أوْ عَلى أنَّ الإيمانَ بِمَعْنى الإسْلامِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ لا غَيْرَ عَلى ما بَيَّنَهُ شَيْخُ الإسْلامِ كَأنَّهُ قِيلَ، إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا كَما هو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ لِأنَّهُ إسْلامٌ لَهم حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنْ نَقْضِ جِنْسِ إيمانِهِمْ وعَنِ الطَّعْنِ في دِينِكم، وتَشَبَّثَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَن قالَ: إنَّ المُرْتَدَّ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِناءً عَلى أنَّ النّاكِثَ هو المُرْتَدُّ وقَدْ نَفى الإيمانَ عَنْهُ، ونَفْيُهُ مَعَ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنهُ نَفْيٌ لِصِحَّتِهِ والِاعْتِدادِ بِهِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ لِما عَلِمْتَ مِن مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ قالُوا: الِاحْتِمالُ يُسْقِطُ الِاسْتِدْلالَ، وقالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ في بَيانِ ضَعْفِهِ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ الإيمانِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ والإخْبارَ عَنْهم بِأنَّهُ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَصْدُرُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ لا إيمانَ لَهم حَتّى يُراقَبُوا ويُمْهَلُوا لِأجَلِهِ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ كَما ذَكَرْنا، والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَها تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَقاتِلُوا﴾ ) يَعْنِي أنَّ المانِعَ مِن قَتْلِهِمْ أحَدُ أمْرَيْنِ إمّا العَهْدُ وقَدْ نَقَضُوهُ أوِ الإيمانُ وقَدْ حَرَّمُوهُ، ورُبَّما يُؤَوَّلُ ذَلِكَ إلى جَعْلِها عِلَّةً لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا فَقاتِلُوهم ولا تَتَوَقَّفُوا لِأنَّهُ لا مانِعَ أصْلًا بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا إيمانَ لَهم لِيَكُونَ مانِعًا ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وإنْ قِيلَ: إنَّهُ سَقَطَ بِهِ ما قِيلَ: إنَّ وصْفَ أئِمَّةِ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إسْلامَ لَهم تَكْرارٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ أيْ رُؤَساؤُهُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ الإخْبارُ عَنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ بِالطَّبْعِ أظْهَرُ مِن جَعْلِها تَعْلِيلًا لَها عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ، نَعَمْ يَأْبى حَدِيثُ الإخْبارِ بِالطَّبْعِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ إذْ مَعَ الطَّبْعِ لا يُتَصَوَّرُ الِانْتِهاءُ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَقاتِلُوا﴾ ) أيْ قاتِلُوهم إرادَةَ أنْ يَنْتَهُوا، أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم مِنَ القِتالِ انْتِهاءَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وسائِرِ العَظائِمِ لا مُجَرَّدَ إيصالِ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو شَنْشَنَةُ المُؤْذِينَ، ومِمّا قُرِّرَ يُعْلَمُ أنَّ التَّرَجِّيَ مِنَ المُخاطِبِينَ لا مِنَ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ.
التوبة 9:13
﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ لِلْإنْكارِ، والِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ وقَدْ دَخَلَ النَّفْيَ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، وحَيْثُ كانَ التَّرْكُ مُسْتَقْبَحًا مُنْكَرًا أفادَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ أنَّ إيجادَهُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَيُفِيدُ الحَثَّ والتَّحْرِيضَ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: وجْهُ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ أنَّهم حُمِلُوا عَلى الإقْرارِ بِانْتِفائِهِ كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِفَ بِهِ طائِعًا لِكَمالِ شَناعَتِهِ فَيَلْجَئُونَ إلى ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الإقْرارِ بِهِ فَيَخْتارُونَ القِتالَ فَيُقاتِلُونَ ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها عِنْدَ المُعاهَدَةِ لَكم
صفحة 61
عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْكم فَعاوَنُوا حُلَفاءَهم بَنِي بَكْرٍ عَلى خُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خُزاعَةَ، والمُرادُ بِهِمْ قُرَيْشٌ ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ مِن مَكَّةَ مَسْقَطِ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ تَشاوَرُوا بِدارِ النَّدْوَةِ حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ الجُبّائِيُّ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ وخَرَجُوا مَعَ الأحْزابِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ وعَدَمُ القَرِينَةِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِما، واعْتُرِضَ بِأنَّ ما وقَعَ في دارِ النَّدْوَةِ هو الهَمُّ بِالإخْراجِ أوِ الحَبْسِ أوِ القَتْلِ والَّذِي اسْتَقَرَّ رَأْيُهم عَلَيْهِ هو القَتْلُ لا الإخْراجُ فَما وجْهُ التَّخْصِيصِ ؟
وأُجِيبُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ لِأنَّهُ الَّذِي وقَعَ في الخارِجِ ما يُضاهِيهِ مِمّا تَرَتَّبَ عَلى هَمِّهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلٍ مِنهم بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِحِكْمَةٍ وما عَداهُ لَغْوٌ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ المُقْتَضِي لِلتَّحْرِيضِ لا غَيْرَهُ مِمّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ.
وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَصَرَ عَلى الأدْنى لِيَعْلَمَ غَيْرُهُ بِطَرِيقٍ أوْلى، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِأدْنى مِنَ الحَبْسِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ بَقاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في يَدِ عَدُوِّهِ المُقْتَضِي لِلتَّبْرِيحِ بِالتَّهْدِيدِ ونَحْوِهِ أشَدُّ مِنهُ بِلا شُبْهَةٍ ﴿وهم بَدَءُوكُمْ﴾ بِالمُقاتَلَةِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وقَدْ قالُوا بَعْدَ أنْ بَلَغَهم سَلامَةُ العِيرِ: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَدَءُوا بِقِتالِ خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، واخْتارَ جَمْعٌ الأوَّلَ لِسَلامَتِهِ مِنَ التَّكْرارِ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ كُلٌّ مِنها يُوجِبُ مُقاتَلَتَهم لَوِ انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها حالَ الِاجْتِماعِ، فَفي ذَلِكَ مِنَ الحَثِّ عَلى القِتالِ ما فِيهِ ثُمَّ زادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ ) وقَدْ أُقِيمَ فِيهِ السَّبَبُ والعِلَّةُ مَقامَ المُسَبَّبِ والمَعْلُولِ، والمُرادُ أتَتْرُكُونَ قِتالَهم خَشْيَةَ أنْ يَنالَكم مَكْرُوهٌ مِنهم ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ وتَرْكِ قِتالِ عَدُوِّهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ و( ﴿أحَقُّ﴾ ) خَبَرُهُ و﴿أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَلالَةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ أيْ بِأنْ تَخْشَوْهُ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ بَعْدَ الحَذْفِ عَلى الخِلافِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿أنْ تَخْشَوْهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( ﴿أحَقُّ﴾ ) والجُمْلَةُ خَبَرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى أحَقُّ أوِ اللَّهُ أحَقُّ مِن غَيْرِهِ بِالخَشْيَةِ أوِ اللَّهُ حَشِيَّتُهُ أحَقُّ، وخَيْرُ الأُمُورِ عِنْدِي أوْسَطُها ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ مُقْتَضى إيمانِ المُؤْمِنَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا ضارَّ ولا نافِعَ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَضَرَّةٍ ونَفْعٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ أنْ لا يَخافَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَن خافَ اللَّهَ تَعالى خافَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ، وفي هَذا مِنَ التَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى.
التوبة 9:14
﴿قاتِلُوهُمْ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ بَعْدَ بَيانِ مُوجِبِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ والتَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِمْ وبِتَعْذِيبِ أعْدائِهِمْ وإخْزائِهِمْ وتَشْجِيعٌ لَهم ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ بِالقَتْلِ ( ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ ) ويُذِلَّهم بِالأسْرِ، وقَدْ يُقالُ: يُعَذِّبُهم قَتْلًا وأسْرًا ويُذِلُّهم بِذَلِكَ ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ يَجْعَلْكم جَمِيعًا غالِبِينَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ ولِذَلِكَ أُخِّرَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَنِ التَّعْذِيبِ والإخْزاءِ ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قَدْ تَألَّمُوا مِن جِهَتِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ أُناسٌ مِن خُزاعَةَ حُلَفائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ عِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُ، «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ وأسْلَمُوا فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى كَثِيرًا فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْكُونَ إلَيْهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ“» .
صفحة 62
ورُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ إلَخْ تَرْغِيبٌ في فَتْحِ مَكَّةَ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَكَيْفَ يَتَأتّى ما ذُكِرَ، وأُجِيبُ بِأنَّ أوَّلَها نَزَلَ بَعْدَ الفَتْحِ وهَذا قَبْلَهُ، وفائِدَةُ عَرْضِ البَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ مِن قِتالِ الفَتْحِ وما وقَعَ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِهِ لِكُلِّ المُشْرِكِينَ ومَنعِهِمْ مِنَ البَيْتِ، فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ، قِيلَ: ولا يَبْعُدُ حَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ لِأنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُسَرُّ بِقَتْلِ الكَفّارِ وهَوانِهِمْ.
التوبة 9:15
﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ بِما نالَهم مِنهم مَنِ الأذى ولَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى دَفْعِهِ، وقِيلَ: المُرادُ يُذْهِبُ غَيْظَهم لِانْتِهاكِ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى والكَفْرِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَكْذِيبِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ظاهِرُ العَطْفِ أنَّ إذْهابَ الغَيْظِ غَيْرُ شِفاءِ الصُّدُورِ، ووُجِّهَ بِأنَّ الشِّفاءَ بِقَتْلِ الأعْداءِ وخِزْيِهِمْ وإذْهابَ الغَيْظِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، ولِكَوْنِ النُّصْرَةِ مَدارَ القَصْدِ كانَ أثَرُها إذْهابَ الغَيْظِ مِنَ القَلْبِ الَّذِي هو أخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وقِيلَ: إذْهابُ الغَيْظِ كالتَّأْكِيدِ لِشِفاءِ الصَّدْرِ وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في جَعْلِهِمْ مَسْرُورِينَ بِما يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن تَعْذِيبِهِ أعْداءَهم وإخْزائِهِمْ ونُصْرَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ إذْهابَ الغَيْظِ مِنَ القَلْبِ أبْلَغُ مِمّا عُطِفَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ مِن بابِ التَّرَقِّي ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وقِيلَ: إنَّ شِفاءَ الصُّدُورِ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ بِالفَتْحِ وإذْهابَ الغَيْظِ بِوُقُوعِ الفَتْحِ نَفْسِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ ما وعَدَهم بِهِ عَلى أجْمَلِ ما يَكُونُ، فالآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ لِما فِيها مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ ووُقُوعِ ما أُخْبِرَ عَنْهُ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: إنَّ أسْنادَ التَّعْذِيبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَجازٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا مَكَّنَهم مِنهُ وأقْدَرَهم عَلَيْهِ.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ ) كالصَّرِيحِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْبارِي فِعْلٌ لَهُ تَعالى وإنَّما لِلْعَبْدِ الكَسْبُ بِصَرْفِ القُوى والآلاتِ، ولَيْسَ الحَمْلُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ بِمُرْضِي عِنْدَ العارِفِ بِأسالِيبِ الكَلامِ، ولا الإلْزامُ بِالِاتِّفاقِ عَلى امْتِناعِ كَتْبِ اللَّهِ تَعالى بِأيْدِيكم وامْتِناعِ كَذِبِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ بِألْسِنَةِ الكَفّارِ بِوارِدٍ لِأنَّ مُجَرَّدَ خَلْقِ الفِعْلِ لا يُصَحِّحُ إسْنادَهُ إلى الخالِقِ ما لَمْ يَصْلُحْ مَحَلًّا لَهُ، وامْتِناعُ ما ذُكِرَ لِلِاحْتِرازِ عَنْ شَناعَةِ العِبارَةِ إذْ لا يُقالُ: يا خالِقَ القاذُوراتِ ولا المُقَدِّرُ لِلزِّنا والمُمَكِّنُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّهُ تَعالى لا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْقَتْلِ ولا لِلضَّرْبِ، ونَحْوُهُ مِمّا قُصِدَ بِالإذْلالِ وإنَّما هو خالِقٌ لَهُ، والفِعْلُ لا يُسْنَدُ حَقِيقَةً إلى خالِقِهِ وإنْ كانَ هو الفاعِلَ الحَقِيقِيَّ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاعِلِ اللُّغَوِيِّ إذْ لا يُقالُ: كَتَبَ اللَّهُ تَعالى بِيَدِ زَيْدٍ عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ بِلا شُبْهَةٍ مَعَ أنَّهُ لا شَناعَةَ فِيهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( كَتَبَ اللَّهُ ) فَما ذَكَرَهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ا هـ، وأنا أقُولُ: إنَّ مَسْألَةَ خَلْقِ الأفْعالِ قَدْ قَضى العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ الوَطَرَ مِنها فَلا حاجَةَ إلى بَسْطِ الكَلامِ فِيها، وقَدْ تَكَلَّمُوا في الآيَةِ بِما تَكَلَّمُوا لَكِنْ بَقِيَ فِيها شَيْءٌ وهو السِّرُّ في نِسْبَةِ التَّعْذِيبِ إلَيْهِ تَعالى وذِكْرِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرُوهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في النِّسْبَةِ إرادَةَ المُبالَغَةِ فَإنَّهُ تَعْذِيبُ اللَّهِ تَعالى القَوِيِّ العَزِيزِ وإنْ كانَ بِأيْدِي العِبادِ، وفي ذِكْرِ الأيْدِي إمّا التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ وإمّا لِتَكُونَ البِشارَةُ بِالتَّعْذِيبِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شِفاءُ الصُّدُورِ ونَحْوُهُ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، إذْ فَرَّقَ بَيْنَ تَعْذِيبِ العَدُوِّ بِيَدِ عَدُوِّهِ وتَعْذِيبِهِ لا بِيَدِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ الأوَّلَ أحْلى وأوْقَعُ في النَّفْسِ فافْهَمْ.
ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِانْسِجامِ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنها بَيْتٌ كامِلٌ مِنَ الشِّعْرِ ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِمُقاتَلَتِهِمْ يَتُوبُ مِن كُفْرِهِ فَيَتُوبُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ حَيْثُ أسْلَمَ مِنهم
صفحة 63
أُناسٌ وحَسُنَ إسْلامُهم، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( ويَتُوبَ ) بِالنَّصْبِ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ أيْضًا، واسْتَشْكَلَها الزَّجّاجُ بِأنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن يَشاءُ واقِعَةٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، والمَنصُوبُ في جَوابِ الأمْرِ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، فَلا وجْهَ لِإدْخالِ التَّوْبَةِ في جَوابِهِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّ ذَلِكَ كَقَوْلِكَ: إنْ تَزُرْنِي أُحْسِنْ إلَيْكَ وأعْطِ زَيْدًا كَذا عَلى أنَّ المُسَبَّبَ عَنِ الزِّيارَةِ جَمِيعُ الأمْرَيْنِ لا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مُسَبَّبٌ بِالِاسْتِقْلالِ، وقَدْ قالُوا بِنَظِيرِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ إلَخْ وفِيهِ تَعَسُّفٌ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى البَعْضِ، فَإذا قاتَلُوا جَرى قِتالُهم جَرْيَ التَّوْبَةِ مِن تِلْكَ الكَراهِيَةِ فَيَصِيرُ المَعْنى إنْ تُقاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ ويَتُبْ عَلَيْكم مِن كَراهَةِ قِتالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ التَّوْبَةَ لِلْكُفّارِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنَّ دُخُولَ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ مِن طَرِيقِ المَعْنى لِأنَّهُ يَكُونُ مَنصُوبًا بِالفاءِ فَهو عَلى عَكْسِ ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ وهو المُسَمّى بِعَطْفِ التَّوَهُّمِ، ووَجْهُهُ أنَّ القِتالَ سَبَبٌ لِغَلِّ شَوْكَتِهِمْ وإزالَةِ نَخْوَتِهِمْ فَيَتَسَبَّبُ لِذَلِكَ لِتَأمُّلِهِمْ ورُجُوعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ كَما كانَ مِن أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وغَيْرِهِما، والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها السَّبَبُ الأصْلِيُّ وأنَّ الأوَّلَ سَبَبٌ عادِيٌّ ولِلتَّنْبِيهِ إلى أنَّ إفْضاءَ القِتالِ إلى التَّوْبَةِ لَيْسَ كَإفْضائِهِ إلى البَواقِي؛ وزَعَمَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ قِراءَةَ الرَّفْعِ عَلى مُراعاةِ المَعْنى حَيْثُ ذُكِرَ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ بَعْدَ مَجْزُومٍ هو جَوابُ الأمْرِ فَفُهِمَ مِنهُ أنَّ المَعْنى ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى تَقْدِيرِ المُقابَلَةِ لِما يَرَوْنَ مِن ثَباتِكم وضَعْفِ حالِهِمْ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَمُراعاةُ اللَّفْظِ إذْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ نَصْبِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَقُّ أنَّهُ عَلى الرَّفْعِ مُسْتَأْنَفٌ كَما قَدَّمْنا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) لا يَفْعَلُ ولا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فامْتَثِلُوا أمْرَهُ عَزَّ وجَلَّ، وإيثارُ إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِهِ الرَّوْعَةَ.
التوبة 9:16
﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن شَقَّ عَلَيْهِ القِتالُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ المُنافِقِينَ و( أمْ ) مُنْقَطِعَةٌ جِيءَ بِها لِلِانْتِقالِ عَنْ أمْرِهِمْ بِالقِتالِ إلى تَوْبِيخِهِمْ أوْ مِنَ التَّوْبِيخِ السّابِقِ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ مَعَ بَلْ لِلتَّوْبِيخِ عَلى الحُسْبانِ المَذْكُورِ أيْ بَلْ أحَسِبْتُمْ وظَنَنْتُمْ ﴿أنْ تُتْرَكُوا﴾ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تُؤْمَرُوا بِالجِهادِ ولا تُبْتَلُوا بِما يُمَحِّصُكم ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ الواوُ حالِيَّةٌ و( لَمّا ) لِلنَّفْيِ مَعَ التَّوَقُّعِ ونَفْيِ العِلْمِ، والمُرادُ نَفْيُ المَعْلُومِ وهو الجِهادُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ هو بِطْرِيقِ البُرْهانِ إذْ لَوْ وقَعَ جِهادُهم عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى لا مَحالَةَ فَإنَّ وُقُوعَ ما لا يَعْلَمُهُ عَزَّ وجَلَّ مُحالٌ كَما أنَّ عَدَمَ وُقُوعِ ما يَعْلَمُهُ كَذَلِكَ وإلّا لَمْ يُطابِقْ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ الواقِعَ فَيَكُونُ جَهْلًا وهو مِن أعْظَمِ المُحالاتِ، فالكَلامُ مِن بابِ الكِنايَةِ، وقِيلَ: إنَّ العِلْمَ مَجازٌ عَنِ التَّبْيِينِ مَجازًا مُرْسَلًا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ، وفي الكَشّافِ ما يُشْعِرُ أوَّلًا بِأنَّ العِلْمَ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، وثانِيًا ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ مِن بابِ الكِنايَةِ، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِنَفْيِ الوُجُودِ مُبالَغَةً في نَفْيِ التَّبْيِينِ، وما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن قَوْلِهِ: إنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكم وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهِهِ جَلَّ شَأْنُهُ حاصِلَ المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلْهابًا لَهم وحَثًّا عَلى ما حَضَّهم عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ فَإذا
صفحة 64
وُبِّخُوا عَلى حُسْبانِ أنْ يُتْرَكُوا ولَمْ يُوجَدْ فِيما بَيْنَهم مُجاهِدٌ مُخْلِصٌ دَلَّ عَلى أنَّهم إنْ لَمْ يُقاتِلُوا لَمْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ وأنَّ الإخْلاصَ إذا لَمْ يَظْهَرْ أثَرُهُ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ومُضادَّةِ الكَفّارِ كَلا إخْلاصٍ، ولَوْ فُسِّرَ العِلْمُ بِالتَّبَيُّنِ لَمْ يَفِدْ هَذِهِ المُبالَغَةَ فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جاهِدُوا وداخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ جاهِدُوا حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً وصاحِبَ سِرٍّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وهي مِنَ الوُلُوجِ وهو الدُّخُولُ وكُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ ولَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةُ، ويَكُونُ لِلْمُفْرَدِ وغَيْرِهِ بِلَفْظٍ واحِدٍ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى ولائِجَ، و﴿مِن دُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّخاذِ إنْ أُبْقِيَ عَلى حالِهِ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ وفي هَذا إزاحَةٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾ إلَخْ مِن أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ وُقُوعِها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ هِشامٌ مُسْتَدِلًّا بِذَلِكَ.
ووَجْهُ الإزاحَةِ أنَّ ( ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ) مُسْتَقْبَلٌ فَيَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرَهُ.
التوبة 9:17
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لَهم ولا يَلِيقُ وإنْ وقَعَ ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ فَيَعُمُّ ويَدْخُلُ فِيهِ المَسْجِدُ الحَرامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَعْمِيرُهُ مَناطُ افْتِخارِهِمْ، ونَفْيُ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنِ الفَرْدِ المُعَيَّنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها المُتَوَجِّهَةُ إلَيْهِ مَحارِيبُها فَعامِرُهُ كَعامِرِها، أوْ لِأنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ ناحِيَةٌ مِن نَواحِيهِ المُخْتَلِفَةِ مَسْجِدٌ عَلى حِيالِهِ بِخِلافِ سائِرِ المَساجِدِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ، وابْنِ كَثِيرٍ، وكَثِيرٍ ( مَسْجِدَ ) بِالتَّوْحِيدِ، وحَمَلَ بَعْضُهم ( ما كانَ ) عَلى نَفْيِ الوُجُودِ والتَّحَقُّقِ، وقُدِّرَ بِأنْ يَعْمُرُوا بِحَقٍّ لِأنَّهم عَمَرُوها بِدُونِهِ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْنا ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ بِإظْهارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: نَحْنُ كُفّارٌ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ كَفَرْنا بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( ﴿يَعْمُرُوا﴾ ) قِيلَ: أيْ ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ البَيْتِ والكُفْرِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مُحالٌ أنْ يَكُونَ ما سَمَّوْهُ عِمارَةَ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُلابَسَتِهِمْ لِما يُنافِيها ويُحْبِطُها مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ العِمارَةِ في شَيْءٍ، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ المَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُعْرِبٍ عَنْ كُنْهِ المَرامِ، فَإنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ الجَمِيعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ إنَّما يَسْتَدْعِي انْتِفاءَ أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ لا انْتِفاءَ العِمارَةِ الَّذِي هو المَقْصُودُ، وظاهِرُهُ أنَّ النَّفْيَ في الكَلامِ راجِعٌ إلى المُقَيِّدِ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ( ما كانَ ) نَفْيَ اللِّياقَةِ عَلى ما ذَكَرْنا، والغَرَضُ إبْطالُ افْتِخارِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِ بِما يُنافِيهِ وهو الشِّرْكُ، وجُوِّزَ أنْ يُوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ كَما هو الشّائِعُ وتُكَلِّفُ لَهُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، ولَعَلَّ مَن قالَ في بَيانِ المَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا إلَخْ جُعِلَ مَحَطُّ النَّظَرِ المُقارَنَةَ الَّتِي أشْعَرَ بِها الحالَ، ومَعَ هَذا لا يَأْبى أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ نَظَرًا لِلْمَقامِ نَفْيَ صِحَّةِ الِافْتِخارِ بِالعِمارَةِ والسِّقايَةِ فَتَدَبَّرْ جِدًّا.
صفحة 65
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ لِنَفْيِ الِافْتِخارِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحْمَنِ وأغْلَظَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في القَوْلِ، فَقالَ: تَذْكُرُونَ مَساوِينا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ ونَقْرِي الحَجِيجَ ونَفُكُّ العانِيَ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ ( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الكُفْرِ فَصارَتْ كَلا شَيْءٍ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِعِظَمِ ما ارْتَكَبُوهُ، وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومُراعاةً لِلْفاصِلَةِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ( ﴿حَبِطَتْ﴾ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِأُولَئِكَ، وقِيلَ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ كَجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ وفائِدَتُهُما تَقْرِيرُ النَّفْيِ السّابِقِ الأُولى مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِتْباعِ الثَّوابِ والثّانِيَةُ مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِدْفاعِ العَذابِ.
التوبة 9:18
﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمَساجِدِ هُنا كَما اخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هُناكَ، خَلا أنَّ مَن قالَ هُناكَ بِأنَّ المُرادَ المَسْجِدُ الحَرامُ لا غَيْرَ جَوَّزَ هُنا إرادَةَ جَمِيعِ المَساجِدِ قائِلًا: إنَّها غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِمُقْتَضى الحالِ فَإنَّ الإيجابَ لَيْسَ كالسَّلْبِ، وادَّعى أنَّ المَقْصُودَ قَصْرُ تَحَقُّقِ العِمارَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ لا قَصْرُ لِياقَتِها وجَوازِها، وأنا أرى قَصْرَ اللِّياقَةِ لائِقًا بِلا قُصُورٍ، وقُرِئَ بِالتَّوْحِيدِ أيْ إنَّما يَلِيقُ أنْ يَعْمُرَها ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الوَحْيُ ﴿وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ الَّتِي أُتِيَ بِهِما الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتْمًا إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطُّ طُوِيَ تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى دَلالَةً عَلى أنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ إذا ذُكِرَ أحَدُهُما فُهِمَ الآخَرُ، عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِذِكْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ إلى ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ أجْمَعَ، ومِن جُمْلَتِهِ رِسالَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ المُرادَ ( بِمَن ) هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ أيِ المُسْتَحِقُّ لِعِمارَةِ المَساجِدِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ كائِنًا مَن كانَ، ولَيْسَ الكَلامُ في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيمانِ بِهِ بَلْ فِيهِ نَفْسِهِ وعِمارَتِهِ المَسْجِدَ واسْتِحْقاقِهِ لَها، فالآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ والوَجْهُ الثّانِي أوْلى، والمُرادُ بِالعِمارَةِ ما يَعُمُّ مَرَمَّةَ ما اسْتَرَمَّ مِنها وقَمَّها وتَنْظِيفَها وتَزْيِينَها بِالفَرْشِ لا عَلى وجْهٍ يُشْغِلُ قَلْبَ المُصَلِّي عَنِ الحُضُورِ، ولَعَلَّ ما هو مِن جِنْسِ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ كالقُطْنِ والحُصُرِ السّامانِيَّةِ أوْلى مِن نَحْوِ الصُّوفِ إذْ قِيلَ: بِكَراهَةِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ، وتَنْوِيرِها بِالسُّرُجِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَن يَسْتَضِيءُ بِها عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وإدامَةُ العِبادَةِ والذِّكْرِ ودِراسَةُ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فِيها ونَحْوُ ذَلِكَ، وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ في نَظَرِ الشّارِعِ كَحَدِيثِ الدُّنْيا، ومِن ذَلِكَ الغِناءُ عَلى مَآذِنِها كَما هو مُعْتادُ النّاسِ اليَوْمَ لا سِيَّما بِالأبْياتِ الَّتِي غالِبُها هُجْرٌ مِنَ القَوْلِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ» وهَذا الحَدِيثُ في الحَدِيثِ المُباحِ فَما ظَنُّكَ بِالمُحَرَّمِ مُطْلَقًا أوِ المَرْفُوعِ فَوْقَ المَآذِنِ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن تَوَضَّأ في بَيْتِهِ ثُمَّ أتى المَسْجِدَ فَهو زائِرُ اللَّهِ تَعالى وحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ الزّائِرَ» .
وأخْرَجَ سُلَيْمٌ الرّازِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ:
صفحة 66
قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ما دامَ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ضَوْؤُهُ» وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: ”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحَوَرِ العِينِ»“ وسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ «مَن بَنى لِلَّهِ تَعالى مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ تَعالى لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الغُدُوُّ والرَّواحُ إلى المَسْجِدِ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى،»“ وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ، وتَلا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿إنَّما يَعْمُرُ﴾»“ الآيَةَ.
واسْتَشْكَلَ ذِكْرُ إيتاءِ الزَّكاةِ في الآيَةِ بِأنَّهُ لا تَظْهَرُ مَدْخَلِيَّتُهُ في العِمارَةِ، وتُكُلِّفَ لِذَلِكَ بِأنَّ الفُقَراءَ يَحْضُرُونَ المَساجِدَ لِلزَّكاةِ فَتَعْمُرُ بِهِمْ وأنَّ مَن لا يَبْذُلُ المالَ لِلزَّكاةِ الواجِبَةِ لا يَبْذُلُهُ لِعِمارَتِها وهو كَما تَرى، والحَقُّ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ أنَّ مَن يَعْمُرُ المَساجِدَ هو المُؤْمِنُ الظّاهِرُ إيمانُهُ وهو إنَّما يَظْهَرُ بِإقامَةِ واجِباتِهِ، فَعَطْفُ الإقامَةِ والإيتاءِ عَلى الإيمانِ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ ﴿ولَمْ يَخْشَ﴾ أحَدٌ ﴿إلا اللَّهَ﴾ فَعَمِلَ بِمُوجِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ غَيْرَ آخِذٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةَ لائِمٍ ولا مانِعَ لَهُ خَوْفُ ظالِمٍ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَدَمُ الخَشْيَةِ عِنْدَ القِتالِ المُوَبِّخِ عَلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ وأمّا الخَوْفُ الجَبَلِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُخَوِّفَةِ فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ ولا هو مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، والخِطابُ والنَّهْيُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهم ﴿فَعَسى أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِأكْمَلِ النُّعُوتِ ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ: إلى الجَنَّةِ وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى فِيها لِعِبادِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحُسْنِ، وإبْرازُ اهْتِدائِهِمْ لِذَلِكَ مَعَ ما بِهِمْ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ في مَعْرِضِ التَّوَقُّعِ لِحَسْمِ أطْماعِ الكافِرِينَ عَنِ الوُصُولِ إلى مَواقِفِ الِاهْتِداءِ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ وهم هم إذا كانَ أمْرُهم دائِرًا بَيْنَ لَعَلَّ وعَسى فَما بالُ الكَفَرَةِ بَيْتُ المَخازِي والقَبائِحِ، وفِيهِ قَطْعُ اتِّكالِ المُؤْمِنِينَ عَلى أعْمالِهِمْ وما هم عَلَيْهِ وإرْشادُهم إلى تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى جانِبِ الرَّجاءِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِلْمَقامِ لا الأطْماعُ وسُلُوكُ سُنَنِ المُلُوكِ مَعَ كَوْنِ القَصْدِ إلى الوُجُوبِ، وكَوْنُ الكَفَرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُحِقُّونَ وأنَّ غَيْرَهم عَلى الباطِلِ فَلا يَتَأتّى حَسْمُ أطْماعِهِمْ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وهَذا لا رَيْبَ فِيهِ.
وقِيلَ: إنَّ الأوْصافَ المَذْكُورَةَ، وإنْ أوْجَبَتِ الِاهْتِداءَ، ولَكِنَّ الثَّباتَ عَلَيْها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطْرَأُ ما يُوجِبُ ضِدَّ ذَلِكَ والعِبْرَةُ لِلْعاقِبَةِ، فَكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِهَذا ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ النَّظَرَ إلى العاقِبَةِ هُنا لا يُناسِبُ المَقامَ الَّذِي يَقْتَضِي تَفْضِيلَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في الحالِ.
التوبة 9:19
﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ إذْ عَمَّرَ المُشَدَّدُ يُقالُ في عُمْرِ الإنْسانِ لا في العِمارَةِ كَما يَتَوَهَّمُهُ العَوامُّ، وصَحَّتِ الياءُ في سِقايَةٍ لِأنَّ بَعْدَها هاءُ التَّأْنِيثِ، وظاهِرُ الآيَةِ تَشْبِيهُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ والصِّفَةِ بِالذّاتِ وأنَّهُ
صفحة 67
لا يَحْسُنُ هُنا فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، إمّا في جانِبِ الصِّفَةِ أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ كَمَن آمَنَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وأبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ وهو مِنَ القُرّاءِ وإنِ اشْتُهِرَ بِالشِّعْرِ ( أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ ) بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ ساقٍ ( وعَمَرَةَ المَسْجِدِ ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عامِرٍ، وكَذا قِراءَةُ الضَّحّاكِ ( سُقايَةَ ) بِالضَّمِّ أيْضًا مَعَ الياءِ والتّاءِ ( وعَمَرَةَ ) كَما في القِراءَةِ السّابِقَةِ، ووَجْهُ سُقايَةٍ فِيها أنْ يَكُونَ جَمْعًا جاءَ عَلى فُعالٍ ثُمَّ أُنِّثَ كَما أُنِّثَ مِنَ الجُمُوعِ نَحْوَ حِجارَةٍ، فَإنَّ في كِلا القِراءَتَيْنِ تَشْبِيهَ ذاتٍ بِذاتٍ، وإمّا في جانِبِ الذّاتِ أيْ أجَعَلْتُمُوهُما كَإيمانِ مَن آمَنَ وجِهادِ مَن جاهَدَ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ في شَيْءٍ وإنَّما المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ إمّا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ واخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ وهو المُتَبادَرُ مِنَ النَّظْمِ، وتَخْصِيصُ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَيْرَ الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى عُمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلى العَبّاسِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، فَقالَ العَبّاسُ: أما واللَّهِ لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَفُكُّ العانِيَ ونَحْجُبُ البَيْتَ ونَسَقِي الحاجَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿أجَعَلْتُمْ﴾ ) الآيَةَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ الخِطابَ لَهم وهم مُشْرِكُونَ.
وإمّا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وجَماعَةٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ تَعالى بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهم عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُمُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وبِما رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والعَبّاسِ، وذَلِكَ أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ لَهُ: يا عُمَرُ لَوْ هاجَرْتَ إلى المَدِينَةِ؟ فَقالَ لَهُ: أوَلَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ وألَسْتُ أسْقِي الحاجَّ وأعْمُرُ البَيْتَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ العَبّاسَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ إذْ ذاكَ مُسْلِمًا عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمِ بَعْضُها، وأيَّدَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِاكْتِفاءِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ مُساواتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقِ الثّانِي وبَيانِ أعْظَمِيَّةِ دَرَجَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرِ دُخُولِهِ في الرَّدِّ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِ الأوَّلِينَ بِالكُلِّيَّةِ لِمَكانِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وجُعِلَ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ اسْتِطْرادًا لِتَفْضِيلِ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ خِلافَ الظّاهِرِ، وكَذا القَوْلُ بِأنَّهُ سِيقَ لِتَفْضِيلِهِمْ عَلى أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ الكَفَرَةِ وهم وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جاءَ عَلى زَعْمِهِمْ ومَدْعاهم، عَلى أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُشْعِرْ بِعَدَمِ الحِرْمانِ فَلَيْسَ بِمُشْعِرٍ بِالحِرْمانِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ ومَدارُهُ إنْكارُ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِوَصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِالمُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ والجِهادِ، أوْ عَلى
صفحة 68
إنْكارِ تَشْبِيهِ وصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ في حَدِّ ذاتِهِما مَعَ الإغْماضِ عَنْ مُقارَنَتِهِما لِلشِّرْكِ بِالإيمانِ والجِهادِ.
والقَوْلُ بِاعْتِبارِ المُقارَنَةِ مِمّا أغْمَضَ عَنْهُ المُحَقِّقُونَ لِإباءِ المَقامِ إيّاهُ، كَيْفَ لا وقَدْ بُيِّنَ حُبُوطُ أعْمالِهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وكَوْنُها بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَتَوْبِيخُهم بَعْدُ عَلى تَشْبِيهِها بِالإيمانِ والجِهادِ، ثُمَّ رُدَّ ذَلِكَ بِما يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِهِمْ عَنْ أصْلِ الفَضِيلَةِ بِالكُلِّيَّةِ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ولَوِ اعْتُبِرَ لَما احْتِيجَ إلى تَقْرِيرِ إنْكارِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ إذْ لا شَيْءَ أظْهَرُ بُطْلانًا مِن نِسْبَةِ المَعْدُومِ إلى المَوْجُودِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِها، ويُقْطَعُ النَّظَرُ عَمّا تَقَدَّمَ مِن بَيانِ الحُبُوطِ، وعَدَمُ الحِرْمانِ المَشْعُورِ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، والمَعْنى أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ في الفَضِيلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما في ذَلِكَ كالإيمانِ والجِهادِ وشَتّانَ ما بَيْنَهُما، فَإنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ وإنْ كانَتا في أنْفُسِهِما مِن أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ لَكِنَّهُما وإنْ خَلَتا عَنِ القَوادِحِ بِمَعْزِلِ أنْ يُشَبَّهَ أهْلُهُما بِأهْلِ الإيمانِ والجِهادِ أوْ يُشَبَّهُ نَفْسُهُما بِنَفْسِ الإيمانِ والجِهادِ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا يُساوِي الفَرِيقُ الأوَّلُ الثّانِيَ وبِظاهِرِهِ يَتَرَجَّحُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ، وإذا كانَ المُرادُ لا يَسْتَوُونَ بِأوْصافِهِمْ يَرْجِعُ إلى نَفْيِ المُساواةِ في الأوْصافِ فَيُوافِقُ الإنْكارَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وإسْنادُ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إلى المَوْصُوفَيْنِ لِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ تَفاوُتِهِمْ، وتَوْجِيهُ النَّفْيِ هَهُنا والإنْكارُ فِيما سَلَفَ إلى الِاسْتِواءِ والتَّشْبِيهِ مَعَ أنَّ دَعْوى المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ إنَّما هي الأفْضَلِيَّةُ دُونَ التَّساوِي والتَّشابُهِ لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فَإنَّ نَفْيَ التَّساوِي والتَّشابُهِ نَفْيٌ لِلْأفْضَلِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الأفْضَلِيَّةَ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ تُشْعِرُ بِثُبُوتِ أصْلِ الفَضِيلَةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ، وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهم أنَّ في جِهادِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَضِيلَةً أوْ أنَّ في الإيمانِ المُسْتَلْزِمِ لِتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ فَضِيلَةً، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ المُجاراةِ فَلا تَغْفُلْ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ المَذْكُورِ وتَأْكِيدِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولَيِ الجَعْلَ والرّابِطُ ضَمِيرُ الجَمْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: سَوَّيْتُمْ بَيْنَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَفاوِتِينَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ وبِالظُّلْمِ الشِّرْكُ أوْ وُضِعَ الشَّيْءُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ شِرْكًا كانَ أوْ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُلْمُهم في ذَلِكَ الجَعْلِ وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ لا مُطْلَقُ الدَّلالَةِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ، وهَذا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُوَفِّقُ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ وتَمْيِيزِ الرّاجِحِ مِنَ المَرْجُوحِ ولَعَلَّهُ سِيقَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ عَدَمِ التَّساوِي.
التوبة 9:20
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَراتِبِ فَضْلِهِمْ زِيادَةً في الرَّدِّ وتَكْمِيلًا لَهُ، وزِيادَةُ الهِجْرَةِ وتَفْصِيلُ نَوْعَيِ الجِهادِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الجِهادِ لا أنَّهُ اعْتُبِرَ بِطَرِيقِ التَّدارُكِ أمْرٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيما سَلَفَ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ أشَرْنا إلى مالِهِ وما عَلَيْهِ حَسْبَما ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ، وأنا أقُولُ: إذا أُرِيدَ مِن أفْعَلَ المُبالَغَةُ في الفَضْلِ وعُلُوُّ المَرْتَبَةِ والمَنزِلَةِ فالأمْرُ هَيِّنٌ، وإذا أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَهُناكَ احْتِمالانِ؛ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إيذانًا بِالعُمُومِ، أيْ إنَّ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفُ بِها كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، ويَكْفِي في تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ أفْعَلَ
صفحة 69
وُجُودُ أصْلِ الفِعْلِ في بَعْضِ الأفْرادِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ العُمُومِ كَما يُقالُ: فُلانٌ أعْلَمُ الخَلْقِ مَعَ أنَّ مِنهم مَن لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ العِلْمِ بَلْ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ أصْلًا، وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ سِوى أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْنا أنَّ المَقْصُودَ بِالمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في المِثالِ مَن لَهُ مُشارَكَةٌ في أصْلِ الفِعْلِ ولا كَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَضُرَّ هَذا فالأمْرُ ذاكَ وإلّا فَهو كَما تَرى، الثّانِي: أنْ يُقالَ: ما أفْهَمَتْهُ الصِّيغَةُ مِن أنَّ لِلسُّقاةِ والعُمّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ دَرَجَةً جاءَ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ وحَسَّنَ ذَلِكَ وُقُوعُ مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم قالُوا كَما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ السّابِقَةِ: السِّقايَةُ والعِمارَةُ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ، ولا شَكَّ أنَّ ما يُشْعَرُ بِهِ خَيْرٌ مِن أنَّ في الإيمانِ والجِهادِ خَيْرًا إنَّما جاءَ عَلى زَعْمِ المُؤْمِنِينَ فَما في الآيَةِ خارِجٌ مَخْرَجَ المُشاكَلَةِ مَعَ ما في كَلامِهِمْ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، وما قِيلَ: مِن أنَّ جَعْلَ مَعْنى التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ الكَفَرَةِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ذاقَ طَعْمَ البَلاغَةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ التَّفْضِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإغْماضِ العَيْنِ أيِ المُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ أعْلى رُتْبَةً مِمَّنْ خَلا مِنها وإنْ حازَ جَمِيعَ ما عَداها مِمّا هو كَمالٌ في حَدِّ ذاتِهِ كالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ هُنا الإخْلاصُ أوْ نَحْوُهُ لا الجِهادُ فالمَعْنى جاهِدُوا مُخْلِصِينَ ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ العَظِيمِ أوْ بِالفَوْزِ المُطْلَقِ كَأنَّ فَوْزَ مَن عَداهم لَيْسَ بِفَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ.
والكَلامُ عَلى الثّانِي تَوْبِيخٌ لِمَن يُؤْثِرُ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَهُما مِنَ المُؤْمِنِينَ في الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما كالإيمانِ والجِهادِ، قالُوا: وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ في جانِبِ المُشَبَّهِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ وإشْعارًا بِأنَّ مَدارَ إنْكارِ التَّشْبِيهِ هو السِّقايَةُ والعِمارَةُ دُونَ الإيمانِ، وإنَّما لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا تَقْوِيَةً لِلْإنْكارِ وتَذْكِيرًا لِأسْبابِ الرُّجْحانِ ومَبادِئِ الأفْضَلِيَّةِ، وإيذانًا بِكَمالِ التَّلازُمِ بَيْنَ الإيمانِ وما تَلاهُ.
ومَعْنى عَدَمِ الِاسْتِواءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأعْظَمِيَّةُ دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي عَلى هَذا التَّقْرِيرِ ظاهِرٌ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ الظُّلْمُ بِوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ في مَوْضِعِ الآخَرِ لا الظُّلْمُ الأعَمُّ، وبِعَدَمِ الهِدايَةِ عَدَمُ هِدايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْثِرِينَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لا عَدَمُ الهِدايَةِ مُطْلَقًا، والقَصْرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ) بِالنِّسْبَةِ إلى دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي أوْ إلى الفَوْزِ المُطْلَقِ ادِّعاءٌ كَما مَرَّ ا هـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ ظاهِرٌ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما تَنازَعُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ السّابِقُ إلّا فِيما هو الأفْضَلُ بَعْدَهُ فَمِن قائِلٍ: السِّقايَةُ، ومِن قائِلٍ: العِمارَةُ ومِن قائِلٍ: الجِهادُ، نَعَمْ يَحْتاجُ ذِكْرُهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ إلى نُكْتَةٍ، والتَّوْبِيخُ في الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أبْلَغُ مِنهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَأمَّلْ.
التوبة 9:21
﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( يَبْشُرُهم ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مِن بَشَرَ الثُّلاثِيِّ وأخْرَجَها أبُو الشَّيْخِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ وكَوْنِهِ سُبْحانَهُ هو المُبَشِّرُ ما لا يَخْفى مِنَ اللَّطافَةِ واللُّطْفِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ واسِعَةٍ ( ﴿ورِضْوانٍ﴾ ) كَبِيرٍ ( ﴿وجَنّاتٍ﴾ ) عالِيَةِ قُطُوفُها دانِيَةٌ ﴿لَهم فِيها﴾ أيِ: الجَنّاتِ وقِيلَ: الرَّحْمَةِ ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ لا يَرْتَحِلُ ولا يُسافِرُ عَنْهم، وهو
صفحة 70
اسْتِعارَةٌ لِلدّائِمِ.
التوبة 9:22
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ: الجَنّاتِ ( أبَدًا ) تَأْكِيدٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخُلُودُ ودَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُرادَ مِنهُ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا قَدْرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِأُجُورِ الدُّنْيا أوْ لِلْأعْمالِ الَّتِي في مُقابَلَتِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثِ صِفاتٍ؛ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ قابَلَهم عَلى ذَلِكَ بِالتَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ؛ الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنَّةِ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالرَّحْمَةِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ لِتَوَقُّفِها عَلَيْهِ ولِأنَّها أعَمُّ النِّعَمِ وأسْبَقُها كَما أنَّ الإيمانَ هو السّابِقُ، وثَنّى تَعالى بِالرِّضْوانِ الَّذِي هو نِهايَةُ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الجِهادِ الَّذِي فِيهِ بَذْلُ الأنْفُسِ والأمْوالِ، وثَلَّثَ عَزَّ وجَلَّ بِالجِنانِ في مُقابَلَةِ الهِجْرَةِ وتَرْكِ الأوْطانِ إشارَةً إلى أنَّهم لَمّا آثَرُوا تَرْكَها بَدَّلَهم بِدارِ الكُفْرِ الجِنانَ الدّارَ الَّتِي هي في جِوارِهِ.
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: «يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلْتَنا جَنَّتَكَ؟ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: أُحِلَّ لَكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا» ولا يَخْفى أنَّ وصْفَ الجَنّاتِ بِأنَّ لَهم فِيها نَعِيمًا مُقِيمًا عَلى هَذا التَّوْزِيعِ في غايَةِ اللَّطافَةِ لِما أنَّ في الهِجْرَةِ السَّفَرَ الَّذِي هو قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ.
التوبة 9:23
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ نَهْيٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُخاطَبِينَ عَنْ مُوالاةِ فَرْدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لا عَنْ مُوالاةِ طائِفَةٍ مِنهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ دَلالَةً لا عِبارَةً، والآيَةُ عَلى ما رَوى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ فَإنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالُوا: إنْ هاجَرْنا قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشِيرَتَنا وذَهَبَتْ تِجاراتُنا وهَلَكَتْ أمْوالُنا وخُرِّبَتْ دِيارُنا وبَقِينا ضائِعِينَ، فَنَزَلَتْ: فَهاجِرُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ أوْ أخُوهُ أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ولا يُنْزِلُهُ ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ ثُمَّ رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها نَزَلَتْ في التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا مَكَّةَ نَهْيًا عَنْ مُوالاتِهِمْ، ورُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهم بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا عَزَمَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا ونَحْوُهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الفَتْحِ، واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ النُّزُولِ ما ذُكِرَ، وأُجِيبُ بِأنَّ نُزُولَها قَبْلَ الفَتْحِ لا يُنافِي كَوْنَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَهُ لِأنَّ المُرادَ مُعْظَمُها وصَدْرُها، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في حاطِبٍ فالمُعْتَبَرُ عُمُومُ اللَّفْظِ لا خُصُوصُ السَّبَبِ ويَدْخُلُ حاطِبٌ في النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ بِلا شُبْهَةٍ ( إنِ ) أيِ اخْتارُوا ﴿الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ وأصَرُّوا عَلَيْهِ إصْرارًا لا يُرْجى مَعَهُ إقْلاعٌ أصْلًا، ولِتُضْمَنَ اسْتُحِبَّ مَعْنى ما ذُكِرَ تَعَدّى بِعَلى، وتَعْلِيقُ النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ رُبَّما يُؤَدِّي بِهِمْ إلى الإسْلامِ بِسَبَبِ شُعُورِهِمْ بِمَحاسِنِ الدِّينِ ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ واحِدًا مِنهم، والضَّمِيرُ في الفِعْلِ لِمُراعاةِ لَفْظِ المَوْصُولِ ولِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِالِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ الآتِي لِأنَّ المُرادَ تَوَلّى فَرْدٌ واحِدٌ مِنهم و( مِن ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿مِنكُمْ﴾ ) لِلْجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ ( ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المُتَوَلُّونَ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها فالظُّلْمُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وقَدْ يُرادُ بِهِ التَّجاوُزُ والتَّعَدِّي عَمّا حَدَّ اللَّهُ تَعالى إنْ كانَ المُرادُ ومَن يَتَوَلَّهم بَعْدَ النَّهْيِ، والحَصْرُ ادِّعائِيٌّ كَأنَّ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ كَلا ظُلْمٍ عِنْدَ ظُلْمِهِمْ
صفحة 71
وفِي ذَلِكَ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المُوالاةِ ما فِيهِ.
التوبة 9:24
﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وأمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُثَبِّتَ المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّيَ عَزائِمَهم عَلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِن مُوالاةِ الآباءِ والإخْوانِ ويُزَهِّدَهم فِيهِمْ وفِيمَن يَجْرِي مَجْراهم ويَقْطَعَ عَلائِقَهم عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّرْهِيبِ، أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكُمْ﴾ لَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ والأزْواجَ فِيما سَلَفَ وذَكَرَهم هُنا لِأنَّ ما تَقَدَّمَ في الأوْلِياءِ وهم أهْلُ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ والأبْناءُ والأزْواجُ تَبَعٌ لَيْسُوا كَذَلِكَ وما هُنا في المَحَبَّةِ، وهم أحَبُّ إلى كُلِّ أحَدٍ ( ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ ) أيْ: ذَوُو قَرابَتِكم، وقِيلَ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ الأدْنَوْنَ، وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُهُ لِلتَّعْمِيمِ والشُّمُولِ وهو مِنَ العِشْرَةِ أيِ الصُّحْبَةِ لِأنَّها مِن شَأْنِ القُرْبى، وقِيلَ مِنَ العَشْرَةِ العَدَدِ المَعْرُوفِ وسُمِّيَتِ العَشِيرَةُ بِذَلِكَ عَلى هَذا لِكَمالِهِمْ لِأنَّ العَشْرَةَ كَما عَلِمْتَ عَدَدٌ كامِلٌ أوْ لِأنَّ بَيْنَهم عَقْدَ نَسَبٍ كَعَدِّ العِشْرَةِ فَإنَّهُ عَقْدٌ مِنَ العُقُودِ وهو مَعْنًى بَعِيدٌ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( عَشِيراتُكم )، والحَسَنُ ( عَشائِرُكم ) وأنْكَرَ أبُو الحَسَنِ وُقُوعَ الجَمْعِ الأوَّلِ في كَلامِهِمْ وإنَّما الواقِعُ الجَمْعُ الثّانِي ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها، وأصْلُ الِاقْتِرافِ اقْتِطاعُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ إلى غَيْرِهِ مِن قَرَفْتُ القُرْحَةَ إذا قَشَرْتَها، والقَرْفُ القَشْرُ، ووُصِفَتِ الأمْوالُ بِذَلِكَ إيماءً إلى عِزَّتِها عِنْدَهم لِحُصُولِها بِكَدِّ اليَمِينِ وعَرَقِ الجَبِينِ ( ﴿وتِجارَةٌ﴾ ) أيْ: أمْتِعَةٌ اشْتَرَيْتُمُوها لِلتِّجارَةِ والرِّبْحِ ﴿تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ بِفَواتِ وقْتِ رَواجِها بِغَيْبَتِكم عَنْ مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ في أيّامِ المَواسِمِ ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ مَنازِلُ تُعْجِبُكُمُ الإقامَةُ فِيها، والتَّعَرُّضُ لِلصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى مَحَبَّةِ ما ذُكِرَ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لا يُنافِي ما فِيها مِن مَبادِئِ المَحَبَّةِ ومُوجِباتِ الرَّغْبَةِ فِيها وأنَّها مَعَ مالِها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ كَما ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِالحُبِّ الِاخْتِيارِيِّ المُسْتَتْبَعِ لِأثَرِهِ الَّذِي هو المُلازِمَةُ وتَقْدِيمُ الطّاعَةِ لا مَيْلُ الطَّبْعِ فَإنَّهُ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ لا يُمْكِنُ تَرْكُهُ ولا يُؤاخَذُ عَلَيْهِ ولا يُكَلَّفُ الإنْسانُ بِالِامْتِناعِ عَنْهُ ﴿وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ ثَوابِهِ ورِضاهُ سُبْحانَهُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ هُنا أيْضًا الإخْلاصُ ونَحْوُهُ لا الجِهادُ وإنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى، ونَظَّمَ حُبَّ هَذا في سِلْكِ حُبِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وحُبُّ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحَبَّ فَضْلًا عَنْ أنْ يُكْرَهَ وإيذانًا بِأنَّ مَحَبَّتَهُ راجِعَةٌ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَحَبَّةِ حَبِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ قِتالِ أعْدائِهِما لِأجْلِ عَداوَتِهِمْ، فَمَن يُحِبُّهُما يَجِبُ أنْ يُحِبَّ قِتالَ مَن لا يُحِبُّهُما ( ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ) أيِ انْتَظِرُوا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِعُقُوبَتِهِ سُبْحانَهُ لَكم عاجِلًا أوْ آجِلًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ وتَقْدِيمِ مَحَبَّةِ مَن ذُكِرَ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولِهِ ﷺ أوِ القَوْمِ الفاسِقِينَ كافَّةً ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى ما هو خَيْرٌ لَهم، والآيَةُ أشَدُّ آيَةِ نَعْتٍ عَلى النّاسِ ما لا يَكادُ يَتَخَلَّصُ مِنهُ إلّا مَن تَدارَكَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا يَطْعَمُ أحَدُكم طَعْمَ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ تَعالى ويُبْغِضَ في اللَّهِ تَعالى حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ أبْعَدَ النّاسِ ويُبْغُضُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أقْرَبَ النّاسِ» واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِأحْسَنِ الأعْمالِ.
* * *
صفحة 72
ومِن بابِ الإشارَةِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ إلى تَمَكُّنِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ووُصُولِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلى مَقامِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُحْتَجِبِينَ بِالأفْعالِ تارَةً وبِالصِّفاتِ أُخْرى، وبِذَلِكَ تَحَقَّقَتِ الضِّدِّيَةُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتِ البَراءَةُ وأُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ لِيَقَعَ التَّوافُقُ بَيْنَ الباطِنِ والظّاهِرِ وأُمِرَ المُشْرِكُونَ بِالسِّياحَةِ في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَدَدِ مَواقِفِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَنْبِيهًا لَهُمْ، فَإنَّهم لَمّا وقَفُوا في الدُّنْيا مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ حُجِبُوا عَنِ الدِّينِ والأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ في بَرْزَخِ النّاسُوتِ فَلَزِمَهم أنْ يُوقَفُوا في الآخِرَةِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ عَلى الجَبَرُوتِ ثُمَّ عَلى المَلَكُوتِ ثُمَّ عَلى النّارِ في جَحِيمِ الآثارِ فَيُعَذَّبُوا بِأنْواعِ العَذابِ، ومَن طَبَّقَ الآياتِ عَلى ما في الأنْفُسِ ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ هي مُدَّةُ كَمالِ الأوْصافِ الأرْبَعَةِ النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ لَهم: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ إذْ لا بُدَّ مِن حَبْسِكم في تِلْكَ المَواقِفِ بِسَبَبِ وُقُوفِكم مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ المَحْجُوبِينَ عَنِ الحَقِّ بِافْتِضاحِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ رُتْبَةِ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ ووُقُوفِهِمْ مَعَهُ عَلى النّارِ ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ أيْ: وقْتَ ظُهُورِ الجَمْعِ الذّاتِيِّ في صُورَةِ التَّفْصِيلِ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ المُرادُ بِذَلِكَ كَمالُ المُخالَفَةِ والتَّضادِّ وانْقِطاعُ المَدَدِ الرُّوحانِيِّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ الَّذِينَ بَقِيَتْ فِيهِمْ مُسْكَةٌ مِنَ الِاسْتِعْدادِ وأثَرٌ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وبَقايا مِنَ المُرُوءَةِ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ أنْ يُتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ وهي مُدَّةُ تَراكُمُ الدِّينِ وتَحَقُّقِ الحِجابِ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا ويَتُوبُوا ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما ذَكَرَ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أيْ عِلْمًا ( ﴿وهاجَرُوا﴾ ) أيْ هَجَرُوا الرَّغائِبَ الحِسِّيَّةَ والأوْطانَ النَّفْسِيَّةَ ﴿وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ﴾ وهي أمْوالُ مَعْلُوماتِهِمْ ومُراداتِهِمْ ومَقْدُوراتِهِمْ، والجِهادُ بِهَذِهِ إشارَةٌ إلى مَحْوِ صِفاتِهِمْ، والجِهادُ بِالأنْفُسِ إشارَةٌ إلى فَنائِها في اللَّهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ في التَّوْحِيدِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعالى ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ وهو ثَوابُ الأعْمالِ ( ﴿ورِضْوانٍ﴾ ) وهو ثَوابُ الصِّفاتِ ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ وهو مُشاهَدَةُ المَحْبُوبِ الَّذِي لا يَزُولُ وذَلِكَ جَزاءُ الأنْفُسِ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ عَلى هَذا ظاهِرٌ وإنَّما تَوَلّى اللَّهُ تَعالى بِشارَتَهم بِنَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزْدادُوا حُبًّا لَهُ تَبارَكَ وتَعالى لِأنَّ القُلُوبَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ مَن يُبَشِّرُها بِالخَيْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ القَرابَةَ المَعْنَوِيَّةَ والتَّناسُبَ المَعْنَوِيَّ والوَصْلَةَ الحَقِيقِيَّةَ أحَقُّ بِالمُراعاةِ مِنَ الِاتِّصالِ الصُّورِيِّ مَعَ فَقْدِ الِاتِّصالِ المَعْنَوِيِّ واخْتِلافِ الوُجْهَةِ، وذَمَّ سُبْحانَهُ التَّقَيُّدَ بِالمَأْلُوفاتِ الحِسِّيَّةِ وتَقْدِيمِها عَلى المَحْبُوبِ الحَقِيقِيِّ والتَّعَيُّنِ الأوَّلِ لَهُ والسَّبَبِ الأقْوى لِلْوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ، وتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِما تَوَعَّدَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ إلى ما يُقَرِّبُنا مِنهُ إنَّهُ ولِيُّ ذَلِكَ.
التوبة 9:25
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً وامْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِالنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ الَّتِي يَتْرُكُ لَها الغَيُورُ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ، والمُواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ صاحِبُهُ، وأُرِيدَ بِها مُواطِنُ الحَرْبِ أيْ مَقاماتُها ومَواقِفُها ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
والمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ أيْ أُقْسِمُ واللَّهِ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواقِفَ ووَقائِعَ ( ﴿كَثِيرَةٍ﴾ ) مِنها وقْعَةُ بَدْرٍ الَّتِي ظَهَرَتْ بِها شَمْسُ الإسْلامِ، ووَقْعَةُ قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرُ، والحُدَيْبِيَةُ وأنْهاها بَعْضُهم إلى ثَمانِينَ، ورُوِيَ أنَّ المُتَوَكِّلَ اشْتَكى شِكايَةً شَدِيدَةً فَنَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ إنْ شَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِمالٍ كَثِيرٍ،
صفحة 73
فَلَمّا شُفِيَ سَألَ العُلَماءَ عَنْ حَدِّ الكَثِيرِ فاخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فَأُشِيرَ إلَيْهِ أنْ يَسْألَ أبا الحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الكاظِمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وقَدْ كانَ حَبَسَهُ في دارِهِ، فَأمَرَ أنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ، فَكَتَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَتَصَدَّقُ بِثَمانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ العِلَّةِ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: عَدَدْنا تِلْكَ المَواطِنَ فَبَلَغَتْ ثَمانِينَ ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ مُواطِنَ وعَطْفُ ظَرْفِ الزَّمانِ عَلى المَكانِ وعَكْسُهُ جائِزٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ أبِي عَلِيٍّ ومَن تَبِعَهُ، نَعَمْ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ المَنعُ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الظَّرْفَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِلا تَوَسُّطِ العاطِفِ، ومُتَعَلِّقاتُ الفِعْلِ إنَّما يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ إذا كانَتْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وقالَ آخَرُونَ: لا مَنعَ مِن نَسَقِ زَمانٍ عَلى مَكانٍ وبِالعَكْسِ إلّا أنَّ الأحْسَنَ تَرْكُ العاطِفِ في مِثْلِهِ، ومَن مَنَعَ العَطْفَ أوِ اسْتَحْسَنَ تَرْكَهُ قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ ومَوْطِنَ يَوْمِ حُنَيْنٍ، ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ لِلْإيماءِ إلى ما وقَعَ فِيهِ مِن قِلَّةِ الثَّباتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.
وقَدْ يُعْتَبَرُ الحَذْفُ في جانِبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ في أيّامِ مُواطِنَ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، ومَزِيَّةُ هَذا الخاصِّ الَّتِي أشارَ إلَيْها العَطْفُ هي كَوْنُ شَأْنِهِ عَجِيبًا وما وقَعَ فِيهِ غَرِيبًا لِلظَّفَرِ بَعْدَ اليَأْسِ والفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِها كَثْرَةَ الثَّوابِ وعِظَمَ النَّفْعِ لِيُرَدَّ أنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَيْسَ بِأفْضَلَ مِن يَوْمِ بَدْرٍ الَّذِي نالُوا بِهِ القِدْحَ المُعَلّى وفازُوا فِيهِ بِالدَّرَجاتِ العُلا، فَلا تَتَأتّى فِيهِ نُكْتَةُ العَطْفِ؛ وقِيلَ: إنَّ مَوْطِنَ اسْمِ زَمانٍ كَمَقْتَلِ الحُسَيْنِ فالمَعْطُوفانِ مُتَجانِسانِ وهو بَعِيدٌ عَنِ الفَهْمِ، وأوْجَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( يَوْمَ ) مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ والعَطْفُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ أيْ ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ناصِبُهُ ( نَصَرَكُمُ ) المَذْكُورَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ حُنَيْنٍ فَيَلْزَمُ كَوْنُ زَمانِ الإعْجابِ بِالكَثْرَةِ ظَرْفَ النُّصْرَةِ الواقِعَةِ في المَواطِنِ الكَثِيرَةِ لِاتِّحادِ الفِعْلِ ولِتَقْيِيدِ المَعْطُوفِ بِما يُقَيَّدُ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وبِالعَكْسِ.
واليَوْمُ مُقَيَّدٌ بِالإعْجابِ بِالكَثْرَةِ والعامِلُ مُنْسَحِبٌ عَلى البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ جَمِيعًا، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ زَمانُ الإعْجابِ ظَرْفًا وقَيْدًا لِلنُّصْرَةِ الواقِعَةِ في المَواطِنِ الكَثِيرَةِ وهو باطِلٌ إذْ لا إعْجابَ في تِلْكَ المَواطِنِ.
وأُجِيبُ بِأنَّ الفِعْلَ في المُتَعاطِفَيْنِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ واحِدًا بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ تَعَدُّدُ أفْرادٍ كَضَرَبْتُ زَيْدًا اليَوْمَ وعَمْرًا قَبْلَهُ، وأضْرِبُهُ حِينَ يَقُومُ وحِينَ يَقْعُدُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ في نَحْوِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ وعَمْرٌو مِنِ اعْتِبارِ الأفْرادِ وإلّا لَزِمَ قِيامُ العَرْضِ الواحِدِ بِالشَّخْصِ بِمَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وهو لا يَجُوزُ ضَرُورَةً فَلا يَلْزَمُ مِن تَقْيِيدِهِ في حَقِّ المَعْطُوفِ بِقَيْدِ تَقْيِيدِهِ في حَقِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا هو الأصْلُ حَتّى يَفْتَقِرَ غَيْرُهُ إلى دَلِيلٍ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ التَّنْحِيَةِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ لِيُؤَوَّلَ إلى نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُؤَوَّلُ إلى نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وإذْ أعْجَبَتْكم ولا مَحْذُورَ فِيهِ، وفي كَوْنِ البَدَلِ قَيْدًا لِلْمُبْدَلِ مِنهُ نَظَرٌ، وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ حارَبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ هَوازِنَ، وثَقِيفًا، وحَشَمًا وفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ يَتَيَمَّنُونَ بِرَأْيِهِ وأُناسًا مِن بَنِي هِلالٍ وغَيْرَهُمْ، وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ وكانَ المُسْلِمُونَ عَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ عَشَرَةَ آلافٍ وعَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ آلافٍ، وصُحِّحَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا العَشْرُ الَّذِينَ حَضَرُوا مَكَّةَ وألْفانِ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ مِنَ الطُّلَقاءِ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ أوْ أبُو بَكْرٍ
صفحة 74
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ إعْجابًا بِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ قائِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ لِانْقِطاعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إذا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْها أمْرٌ آخَرُ لا تُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى ولا تَسْتَلْزِمُ الِاعْتِمادَ عَلى الأسْبابِ، وإنَّما شَقَّتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما انْضَمَّ إلَيْها مِن قَرائِنِ الأحْوالِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الإعْجابِ، ولَعَلَّ القائِلَ أخَذَها مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَيْرُ الأصْحابِ أرْبَعَةٌ وخَيْرُ السَّرايا أرْبَعُمِائَةٍ وخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ، ولا يُغْلَبُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ كَلِمَتُهم واحِدَةٌ» لَكِنْ صَحِبَها ما صَحِبَها مِنَ الإعْجابِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ اقْتَتَلُوا قِتالًا شَدِيدًا فَأدْرَكَ المُسْلِمُونَ إعْجابَهم، والجَمْعُ قَدْ يُؤْخَذُ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وكانَ أوَّلَ مَنِ انْهَزَمَ الطُّلَقاءُ مَكْرًا مِنهم وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخَلَلِ وهَزِيمَةِ غَيْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم حَمَلُوا أوَّلًا عَلى المُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهُمْ، فَأقْبَلُوا عَلى الغَنائِمِ فَتَراجَعُوا عَلَيْهِمْ، فَكانَ ما كانَ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ تَزُولُ الجِبالُ ولا يَزُولُ ومَعَهُ العَبّاسُ، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، وابْنُهُ جَعْفَرٌ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَبِيعَةُ بْنُ الحارِثِ، والفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ، وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ وقُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَؤُلاءِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وثَبَتَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَكانُوا عَشَرَةَ رِجالٍ، ولِذا قالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ في الحَرْبِ تِسْعَةً ∗∗∗ وقَدْ فَرَّ مَن قَدْ فَرَّ مِنهم وأقْشَعُوا
وعاشِرْنا لاقِيَ الحِمامَ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ بِما مَسَّهُ في اللَّهِ لا يَتَوَجَّعُ
وقَدْ ظَهَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الشَّجاعَةِ في تِلْكَ الوَقْعَةِ ما أبْهَرَ العُقُولَ وقَطَعَ لِأجْلِهِ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشْجَعُ النّاسِ، وكانَ يَقُولُ إذْ ذاكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِأعْداءِ اللَّهِ تَعالى:
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المَطْلَبْ
واخْتارَ رُكُوبَ البَغْلَةِ إظْهارًا لِثَباتِهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا الحِمارُ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ مُفارَقَةُ القِتالِ «فَقالَ لِلْعَبّاسِ وكانَ صَيِّتًا: ”صِحْ بِالنّاسِ“ فَنادِ يا عِبادَ اللَّهِ، يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَّرُوا عُنُقًا واحِدًا لَهم حَنِينٌ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فالتَقَوْا مَعَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا حِينَ حَمى الوَطِيسُ، ثُمَّ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ فَرَماهم ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ“» فانْهَزَمُوا، وتَفْصِيلُ القِصَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في كُتُبِ السِّيَرِ ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تَنْفَعْكم تِلْكَ الكَثْرَةُ ( ﴿شَيْئًا﴾ ) مِنَ النَّفْعِ في أمْرِ العَدُوِّ أوْ لَمْ تُعْطِكم شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ بِرَحَبِها وسِعَتِها عَلى أنَّ ( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ أيْ ضاقَتْ مَعَ سِعَتِها عَلَيْكم، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ إمّا لِعَدَمِ وُجْدانِ مَكانٍ يَقِرُّونَ بِهِ مُطْمَئِنِّينَ أوْ أنَّهم لا يَجْلِسُونَ في مَكانٍ كَما لا يُجْلَسُ في المَكانِ الضَّيِّقِ ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ﴾ أيِ: الكُفّارَ ظُهُورَكم عَلى أنَّ ولّى مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولَيْنِ لِما في ”القامُوسِ“ ولّى تَوْلِيَةً أدْبَرَ بَلْ لا وجْهَ لَهُ عِنْدَ بَعْضٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والِاعْتِمادُ عَلى كَلامِ
صفحة 75
الرّاغِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ أرْغَبُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ بَلْ قِيامُ: إنَّ كَلامَ ”القامُوسِ“ لَيْسَ بِعُمْدَةٍ في مِثْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ وهو مِنَ الإدْبارِ بِمَعْنى الذَّهابِ إلى خَلْفٍ والمُرادُ مُنْهَزِمِينَ.
التوبة 9:26
﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أيْ: رَحْمَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ بِها القُلُوبُ وتَطْمَئِنُّ اطْمِئْنانًا كُلِّيًّا مُسْتَتْبِعًا لِلنَّصْرِ القَرِيبِ، وأمّا مُطْلَقُ السَّكِينَةِ فَقَدْ كانَتْ حاصِلَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى رَسُولِهِ، وإعادَةُ الجارِّ لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ، والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَبِيرَةَ لا تُنافِي الإيمانَ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ الطّائِفَتَيْنِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ أصْلِ السَّكِينَةِ في الثّابِتِينَ مِن قَبْلُ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّكِينَةَ بِالأمانِ وهو لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُعايَنَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولِمَن مَعَهُ بِظُهُورِ عَلاماتِ ذَلِكَ ولِلْمُنْهَزِمِينَ بِزَوالِ قَلَقِهِمْ واضْطِرابِهِمْ بِاسْتِحْضارِ إنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ ( ثُمَّ ) في مَحَلِّها لِلتَّراخِي بَيْنَ الِانْهِزامِ وإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وقِيلَ: إذا أُرِيدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُنْهَزِمُونَ فَهي عَلى مَحَلِّها، وإنَّ أُرِيدَ الثّابِتُونَ يَكُونُ التَّراخِي في الإخْبارِ أوْ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ هَذا الإنْزالِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجَعْلُها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ بِعِيدٌ ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ بِأبْصارِكم كَما يَرى بَعْضُكم بَعْضًا وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى خُيُولٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمُ البَياضُ، وكَوْنُ المُرادِ لَمْ تَرَوْا مِثْلَها قَبْلَ ذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ ولَمْ نَرَ في الآثارِ ما يُساعِدُهُ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ فَقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ وقِيلَ: خَمْسَةُ آلافٍ لِلْآيَةِ الثّانِيَةِ والثَّلاثَةِ، الأُولى داخِلَةٌ في هَذِهِ الخَمْسَةِ، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا بِعَدَدِ العَسْكَرَيْنِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا عَسْكَرُ المُسْلِمِينَ وأرْبَعَةُ آلافٍ عَسْكَرُ المُشْرِكِينَ، وكَذا اخْتَلَفُوا في أنَّهم قاتَلُوا في هَذِهِ الوَقْعَةِ أمْ لا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وإنَّما نَزَلُوا لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِإلْقاءِ الخَواطِرِ الحَسَنَةِ وتَأْيِيدِهِمْ بِذَلِكَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا فَرَجَعْنا فَرَكِبُوا أكْنافَنا.
واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهم قاتَلُوا بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ القِتالِ: أيْنَ الخَيْلُ البُلْقُ والرِّجالُ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ بِيضٌ؟ ما كُنّا نَراهم فِيكم إلّا كَهَيْئَةِ الشّامَةِ وما كانَ قَتْلُنا إلّا بِأيْدِيهِمْ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”تِلْكَ المَلائِكَةُ»“ ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ ( ﴿وذَلِكَ﴾ ) أيْ: ما فَعَلَ بِهِمْ مِمّا ذَكَرَ ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.
التوبة 9:27
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ التَّعْذِيبِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ مِنهم لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ والمُرادُ يُوَفِّقُهُ لِلْإسْلامِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَمّا سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ( ﴿رَحِيمٌ﴾ ) يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ ويُثِيبُهم بِلا وُجُوبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، رَوى البُخارِيُّ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ «أنَّ أُناسًا مِنهم جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ خَيْرُ النّاسِ
صفحة 76
وأبَرُّ النّاسِ وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا، وقَدْ سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ عِنْدِي ما تَرَوْنَ إنَّ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ اخْتارُوا إمّا ذَرارِيَّكم ونِساءَكم وإمّا أمْوالَكم قالُوا: ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا، فَقامَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ جاءُونا مُسْلِمِينَ وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا، فَمَن كانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ وطابَتْ بِهِ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ، ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ قالُوا: قَدْ رَضِينا وسَلِمْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا لا نَدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى فَمُرُوا عُرَفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْنا فَرَفَعَتْ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ العَرْفاءُ أنَّهم قَدْ رَضُوا» .
التوبة 9:28
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أخْبَرَ عَنْهم بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالِغَةِ كَأنَّهم عَيْنُ النَّجاسَةِ، أوِ المُرادُ ذَوُو نَجَسٍ لِخُبْثِ بَواطِنِهِمْ وفَسادِ عَقائِدِهِمْ أوْ لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ أوْ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ فَهي مُلابَسَةٌ لَهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ﴿نَجَسٌ﴾ ) صِفَةً مُشَبَّهَةً وإلَيْهِ ذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ، ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ مُفْرِدٍ لَفْظًا مَجْمُوعٍ مَعْنًى لِيَصِحَّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ أيْ جِنْسُ نَجَسٍ ونَحْوُهُ، وتَخْرِيجُ الآيَةِ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ لِلذُّكُورَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلى أنَّ أعْيانَ المُشْرِكِينَ طاهِرَةٌ ولا فَرْقَ بَيْنَ عَبَدَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِن أصْنافِ الكُفّارِ في ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ والخَنازِيرِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ أوْ لِيَغْسِلْ كَفَّيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَأبى أنْ يَتَناوَلَها فَقالَ: يا جِبْرِيلُ ما مَنَعَكَ أنْ تَأْخُذَ بِيَدِي؟ فَقالَ: إنَّكَ أخَذْتَ بِيَدِ يَهُودِيٍّ فَكَرِهْتُ أنْ تَمَسَّ يَدِي يَدًا قَدْ مَسَّتْها يَدُ كافِرٍ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِماءٍ فَتَوَضَّأ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَتَناوَلَها» وإلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مالَ الإمامُ الرّازِيُّ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، قِيلَ: وعَلى ذَلِكَ فَلا يَحِلُّ الشُّرْبُ مِن أوانِيهِمْ ولا مُؤاكَلَتُهم ولا لُبْسُ ثِيابِهِمْ لَكِنْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والسَّلَفِ خِلافُهُ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَهو مَنسُوخٌ بَعِيدٌ، والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، والِاسْتِدْلالُ عَلى طَهارَتِهِمْ بِأنَّ أعْيانَهم لَوْ كانَتْ نَجِسَةً ما أمْكَنَ بِالإيمانِ طَهارَتُها إذْ لا يُعْقَلُ كَوْنُ الإيمانِ مُطَهِّرًا، ألا تَرى أنَّ الخِنْزِيرَ لَوْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لا يُطَهَّرُ، وإنَّما يُطَهَّرُ نَجَسُ العَيْنِ بِالِاسْتِحالَةِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ، وعَيْنُ الكافِرِ لَمْ تَسْتَحِلَّ بِالإيمانِ عَيْنًا أُخْرى لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ ظَنَّهُ مَن تَهُولُهُ القَعْقَعَةُ شَيْئًا، لِأنَّ الطَّهارَةَ والنَّجاسَةَ أمْرانِ تابِعانِ لِما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَتا مَرْبُوطَتَيْنِ بِالِاسْتِحالَةِ وعَدَمِها، فَإذا فُهِمَ مِنهُ نَجاسَةُ شَيْءٍ في وقْتٍ وطَهارَتُهُ في وقْتٍ آخَرَ أوْ ما بِالعَكْسِ كَما في الخَمْرِ اتُّبِعَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ اسْتِحالَةٌ وذَلِكَ ظاهِرٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ ( أنْجاسٌ ) عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( نِجْسٌ ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو تَخْفِيفُ نَجَسٍ كَكِبْدٍ في كَبَدٍ، ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مَوْصُوفٌ كَما قَرَّرْناهُ آنِفًا فِيما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وأكْثَرُ ما جاءَ هَذا اللَّفْظُ تابِعًا لِرِجْسٍ، وقَوْلُ الفَرّاءِ وتَبِعَهُ الحَرِيرِيُّ في دُرَّتِهِ إنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ بِغَيْرِ اتِّباعٍ تَرُدُّهُ هَذِهِ القِراءَةُ إذْ لا اتِّباعَ فِيها ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى نَجاسَتِهِمْ والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ إلّا أنَّهُ نُهِيَ عَنِ القُرْبِ لِلْمُبالَغَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والنَّحّاسُ عَنْ
صفحة 77
عَطاءٍ أنَّهم نُهُوا عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ كُلِّهِ فَيَكُونُ المَنعُ مِن قُرْبِ نَفْسِ المَسْجِدِ عَلى ظاهِرِهِ، وبِالظّاهِرِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذْ صَرَفَ المَنعُ عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ إلى المَنعِ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ فَإنَّ تَقْيِيدَ النَّهْيِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِوَقْتٍ مِن أوْقاتِ العامِ أيْ: لا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا بَعْدَ حَجِّ عامِهِمْ هَذا وهو عامُ تِسْعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ حِينَ أُمِّرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى المَوْسِمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ نِداءُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَوْمَ نادى بِبَراءَةَ ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ لَمّا أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ في المَوْسِمِ بِالمَتاجِرِ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ إذا مُنِعُوا مِن دُخُولِ الحَرَمِ كَما لا يَخْفى.
والحاصِلُ أنَّ الإمامَ الأعْظَمَ يَقُولُ بِالمَنعِ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ ويَحْمِلُ النَّهْيَ عَلَيْهِ ولا يَمْنَعُونَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَهُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما قالَ الخازِنُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْكافِرِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْتَأْمَنًا أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَلَوْ جاءَ رَسُولٌ مِن دارِ الكُفْرِ والإمامُ فِيهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ في دُخُولِهِ بَلْ يَخْرُجُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أوْ يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يَسْمَعُ رِسالَتَهُ خارِجَهُ، ويَجُوزُ دُخُولُهُ سائِرَ المَساجِدِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وعَنْ مالِكٍ: كُلُّ المَساجِدِ سَواءٌ في مَنعِ الكافِرِ عَنْ دُخُولِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في الآيَةِ إنَّما هو عَنْ تَوَلِّي المَسْجِدَ الحَرامَ والقِيامَ بِمَصالِحِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والظّاهِرُ النَّهْيُ عَلى ما عَلِمْتَ، وكَوْنُ العِلَّةِ فِيهِ نَجاسَتَهم إنْ لَمْ نَقُلْ بِأنَّها ذاتِيَّةٌ لا يَقْتَضِي جَوازَ الفِعْلِ مِمَّنِ اغْتَسَلَ ولَبِسَ ثِيابًا طاهِرَةً لِأنَّ خُصُوصَ العِلَّةِ لا يُخَصِّصُ الحُكْمَ كَما في الِاسْتِبْراءِ، والكَلامُ عَلى حَدٍّ- لا أُرِينَكَ هُنا - فَهو كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِمّا ذُكِرَ بِدَلِيلِ أنَّ ما قَبْلُ وما بَعْدُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ حَيْثُ إنَّهم نُهُوا فِيهِ والنَّهْيُ مِنَ الأحْكامِ، وكَوْنُهم لا يَنْزَجِرُونَ بِهِ لا يَضُرُّ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَعْنى مُخاطَبَتِهِمْ بِها.
يُرْوى أنَّهُ لَمّا جاءَ النَّهْيُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا وبِالمَتاعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَطائِهِ أوْ تَفْضِيلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ ( فَمَن ) عَلى الأوَّلِ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ وعَلى الثّانِي سَبَبِيَّةٌ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ بِأنْ أرْسَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ووَفَّقَ أهْلَ نَجْدٍ وتُبالَةَ وجُرَشَ فَأسْلَمُوا وحَمَلُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ، ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِمُ البِلادَ والغَنائِمَ وتَوَجَّهَ إلَيْهِمُ النّاسُ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ الفَضْلَ بِالجِزْيَةِ، ويُؤَيَّدُ بِأنَّ الأمْرَ الآتِيَ شاهِدٌ لَهُ وما ذَكَرْناهُ أوْلى وأمْرُ الشَّهادَةِ هَيِّنٌ وقُرِئَ ( عائِلَةً ) عَلى أنَّهُ إمّا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ أوِ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ مُقَدَّرٍ أيْ حالًا عائِلَةً أيْ مُفْتَقِرَةً، وتَقْيِيدُ الإغْناءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ لَيْسَ لِلتَّرَدُّدِ لِيُشْكِلَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ وسَبَبَ النُّزُولِ، بَلْ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ لا سَبَبَ لَهُ غَيْرُها حَتّى يَنْقَطِعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ويَقْطَعُوا النَّظَرَ عَنْ غَيْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَفَضِّلٌ بِذَلِكَ الإغْناءِ لا واجِبَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِالإيجابِ لَمْ يُوكَلْ إلى المَشِيئَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ لَأنَّ الإغْناءَ لَيْسَ مُطَّرِدًا بِحَسَبِ الأفْرادِ والأحْوالِ والأوْقاتِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِكم ومَصالِحِكم ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) فِيما يُعْطِي ويَمْنَعُ.
التوبة 9:29
﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾
صفحة 78
أمْرٌ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ ومَنعِهِمْ مِن أنْ يَحُومُوا حَوْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وفي تَضاعِيفِهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى بَعْضِ طُرُقِ الإغْناءِ المَوْعُودِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصَّلاةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ وبِانْتِظامِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سَلَكِ المُشْرِكِينَ وإيمانِهِمُ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ، لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي فَهو كَلا إيمانٍ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالوَحْيِ مَتْلُوًّا وغَيْرَ مَتْلُوٍّ، فالمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ رَسُولُهُمُ الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ فَإنَّهم بَدَّلُوا شَرِيعَتَهُ وأحَلُّوا وحَرَّمُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ لا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَتَنا ولا شَرِيعَتَهم، ومَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ سَبَبٌ لِقِتالِهِمْ وإنْ كانَ التَّحْرِيفُ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ أيِ: الدَّيْنَ الثّابِتَ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والمُرادُ بِهِ دِينُ الإسْلامِ الَّذِي لا يُنْسَخُ بِدِينٍ كَما نُسِخَ كُلُّ دِينٍ بِهِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى وبِدِينِهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ أيْ لا يَدِينُونَ بِدِينٍ مِنَ الأدْيانِ الَّتِي أنْزَلَها سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ وشَرْعِها لِعِبادِهِ والإضافَةُ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِها ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَهُ الشّامِلَ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ و( مِن ) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم عَلى خِلافِ ما نَعَتَ ﴿حَتّى يُعْطُوا﴾ أيْ يَقْبَلُوا أنْ يُعْطُوا ( ﴿الجِزْيَةَ﴾ ) أيْ: ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعْطُوهُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِن جَزى دَيْنَهُ أيْ قَضاهُ أوْ مِن جَزَيْتُهُ بِما فَعَلَ أيْ جازَيْتُهُ لِأنَّهم يُجْزُونَ بِها مَن مُنَّ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ عَنِ القَتْلِ، وفي ”الهِدايَةِ“ أنَّها جَزاءُ الكُفْرِ فَهي مِنَ المُجازاةِ، وقِيلَ: أصْلُها الهَمْزُ مِنَ الجَزْءِ والتَّجْزِئَةِ لِأنَّها طائِفَةٌ مِنَ المالِ يُعْطى، وقالَ الخُوارِزْمِيُّ: إنَّها مُعَرَّبٌ- كَزَيْتٍ، وهو الخَراجُ بِالفارِسِيَّةِ وجَمْعُها جِزًى كَلِحْيَةٍ ولِحًى ﴿عَنْ يَدٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُعْطُوا ) وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الجِزْيَةِ؛ واليَدُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اليَدَ المُعْطِيَةَ وأنْ تَكُونَ اليَدَ الآخِذَةَ و( عَنْ ) تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ وغَيْرَها أيْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مُؤاتِيَةٍ أيْ مُنْقادِينَ أوْ مَقْرُونَةٍ بِالِانْقِيادِ أوْ عَنْ يَدِهِمْ أيْ مُسَلِّمِينَ أوْ مُسَلِّمَةً بِأيْدِيهِمْ لا بِأيْدِي غَيْرِهِمْ مِن وكِيلٍ أوْ رَسُولٍ لِأنَّ القَصْدَ فِيها التَّحْقِيرُ وهَذا يُنافِيهِ ولِذا مُنِعَ مِنَ التَّوْكِيلِ شَرْعًا أوْ عَنْ غِنًى أيْ أغْنِياءَ أوْ صادِرَةٍ عَنْهُ ولِذَلِكَ لا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ العاجِزِ أوْ عَنْ قَهْرٍ وقُوَّةٍ أيْ أذِلّاءَ عاجِزِينَ، أوْ مَقْرُونَةً بِالذُّلِّ أوْ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ فَإنَّ إبْقاءَ مُهَجِهِمْ بِما بَذَلُوا مِنَ الجِزْيَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ أيْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ أوْ كائِنَةً عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ أوْ نَقْدًا أيْ مُسَلَّمَةً عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ أوْ مُسَلِّمِينَ نَقْدًا، واسْتِعْمالُ اليَدِ بِمَعْنى الِانْقِيادِ إمّا حَقِيقَةً أوْ كِنايَةً، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هَذِي يَدِي لِعَمّارٍ أيْ أنا مُنْقادٌ مُطِيعٌ لَهُ، واسْتِعْمالُها بِمَعْنى الغِنى لِأنَّها تَكُونُ مَجازًا عَنِ القُدْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لَهُ، واسْتِعْمالُها بِمَعْنى الإنْعامِ وكَذا النِّعْمَةُ شائِعٌ ذائِعٌ، وأمّا مَعْنى النَّقْدِيَّةِ فَلِشُهْرَةِ يَدًا بِيَدٍ في ذَلِكَ، ومِنهُ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في الرِّبا، وما في الآيَةِ يُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ اليَدُ الطُّولى في المَعانِي والبَيانِ.
وتَفْسِيرُ اليَدِ هُنا بِالقَهْرِ والقُوَّةِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَمَلَها عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها طَرْزُ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّانِي، وسائِرُ الأوْجَهِ ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وغايَةُ القِتالِ لَيْسَ نَفْسَ هَذا الإعْطاءِ بَلْ قَبُولَهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الفُقَهاءِ حَيْثُ قالُوا: إنَّهم يُقاتِلُونَ إلى أنْ يَقْبَلُوا الجِزْيَةَ، وإنَّما عَبَّرُوا بِالإعْطاءِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ القَبُولِ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ أيْ: أذِلّاءُ
صفحة 79
وذَلِكَ بِأنْ يُعْطُوها قائِمِينَ والقابِضُ مِنهم قاعِدٌ قالَهُ عِكْرِمَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ الذِّمِّيِّ ويُوجَأُ عُنُقُهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ يُؤْخَذُ بِتَلْبِيبِهِ ويُهَزُّ هَزًّا ويُقالُ: أعْطِ الجِزْيَةَ يا ذِمِّيُّ، وقِيلَ: هو أنْ يُؤْخَذَ بِلِحْيَتِهِ وتُضْرَبَ لَهْزَمَتُهُ، ويُقالَ: أدِّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى يا عَدُوَّ اللَّهِ، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الصَّغارَ هو جَرَيانُ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ الأقْوالِ لَمْ نَرَ اليَوْمَ لَها أثَرًا لِأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ فِيهِ قَدِ امْتازُوا عَلى المُسْلِمِينَ والأمْرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَثِيرٍ حَتّى أنَّهُ قُبِلَ مِنهم إرْسالُ الجِزْيَةِ عَلى يَدِ نائِبٍ مِنهم، وأصَحُّ الرِّواياتِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم بَلْ يُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِها بِأنْفُسِهِمْ مُشاةً غَيْرَ راكِبِينَ وكُلُّ ذَلِكَ مِن ضَعْفِ الإسْلامِ عامَلَ اللَّهُ تَعالى مَن كانَ سَبَبًا لَهُ بِعَدْلِهِ، وهي تُؤْخَذُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا ومِن مُشْرِكِي العَجَمِ والمَجُوسِ لا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ؛ لِأنَّ كُفْرَهم قَدْ تَغَلَّظَ لِما أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وأُرْسِلَ إلَيْهِمْ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنْفُسِهِمْ ونَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، وذَلِكَ مِن أقْوى البَواعِثِ عَلى إيمانِهِمْ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلّا السَّيْفُ أوِ الإسْلامُ زِيادَةً في العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ اتِّباعِ الوارِدِ في ذَلِكَ، فَلا يُرَدُّ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ تَغَلَّظَ كُفْرُهم أيْضًا لِأنَّهم عَرَفُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعْرِفَةً تامَّةً ومَعَ ذَلِكَ أنْكَرُوهُ وغَيَّرُوا اسْمَهُ ونَعْتَهُ مِنَ الكِتابِ، وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ لا تُؤْخَذُ مِنَ العَرَبِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا وتُؤْخَذُ مِنَ العَجَمِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وأخْذُها مِنَ المَجُوسِ إنَّما ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْها مِنهم حَتّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ»، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّها تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ عَرَبِيًّا كانَ أوْ عَجَمِيًّا ولا تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الأوْثانِ مُطْلَقًا لِثُبُوتِها في أهْلِ الكِتابِ بِالكِتابِ وفي المَجُوسِ بِالخَبَرِ، فَبَقِيَ مَن وراءَهم عَلى الأصْلِ.
ولَنا أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم وكُلُّ مَن يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهُ يَجُوزُ ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِ إذا كانَ مِن أهْلِ النُّصْرَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَشْتَمِلُ عَلى سَلْبِ النَّفْسِ، أمّا الِاسْتِرْقاقُ فَظاهِرٌ لِأنَّ نَفْعَ الرَّقِيقِ يَعُودُ إلَيْنا جُمْلَةً، وأمّا الجِزْيَةُ فَلِأنَّ الكافِرَ يُؤَدِّيها مِن كَسْبِهِ، والحالُ أنَّ نَفَقَتَهُ في كَسْبِهِ فَكانَ أداءُ كَسْبِهِ الَّذِي هو سَبَبُ حَياتِهِ إلى المُسْلِمِينَ راتِبَةً في مَعْنى أخْذِ النَّفْسِ مِنهُ حُكْمًا، وذَهَبَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ إلى أنَّها تُؤْخَذُ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ ولا تُؤْخَذُ عِنْدَنا مِنِ امْرَأةٍ ولا صَبِيٍّ ولا زَمِنٍ ولا أعْمى، وكَذَلِكَ المَفْلُوجُ والشَّيْخُ، وعَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّها تُؤْخَذُ مِنهُ إذا كانَ لَهُ مالٌ ولا مِن فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ، ولا مِن مَمْلُوكٍ ومَكاتَبٍ ومُدَبَّرٍ، ولا تُؤْخَذُ مِنَ الرّاهِبِينَ الَّذِينَ لا يُخالِطُونَ النّاسَ كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ أصْحابِنا، وذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّها تُؤْخَذُ مِنهم إذا كانُوا يَقْدِرُونَ عَلى العَمَلِ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ.
ثُمَّ إنَّها عَلى ضَرْبَيْنِ؛ جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّراضِي والصُّلْحِ فَتُقَدَّرُ بِحَسَبِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ كَما صالَحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنِي نَجْرانَ عَلى ألْفٍ ومِائَتَيْ حُلَّةٍ ولِأنَّ المُوجِبَ التَّراضِي فَلا يَجُوزُ التَّعَدِّي إلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ.
وجِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الإمامُ بِوَضْعِها إذا غَلَبَ عَلى الكُفّارِ وأقَرَّهم عَلى أمْلاكِهِمْ فَيَضَعُ عَلى الغِنِيِّ الظّاهِرِ الغِنى في كُلِّ سَنَةٍ ثَمانِيَةً وأرْبَعِينَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ في كُلِّ شَهْرٍ مِنهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، وعَلى الوَسَطِ الحالِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ في كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ وعَلى الفَقِيرِ المُعْتَمِلِ وهو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى العَمَلِ وإنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا في كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا، والظّاهِرُ أنَّ مَرْجِعَ الغِنى وغَيْرِهِ إلى عُرْفِ البَلَدِ.
وبِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الفَقِيهُ أبُو جَعْفَرٍ، وإلى ما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِنِ اخْتِلافِها غِنًى وفَقْرًا وتَوَسُّطًا ذَهَبَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الإمامَ يَضَعُ عَلى كُلِّ حالِمٍ دِينارًا أوْ ما يَعْدِلُهُ والغَنِيُّ والفَقِيرُ في ذَلِكَ سَواءٌ، لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا بَعَثَ مُعاذًا إلى
صفحة 80
اليَمَنِ قالَ لَهُ: خُذْ مِن كُلِّ حالِمٍ دِينارًا أوْ عِدْلَهُ مَعافِرَ ولَمْ يُفَصِّلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ صُلْحًا، ويُؤَيِّدُهُ ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن كُلِّ حالِمٍ وحالِمَةٍ لِأنَّ الجِزْيَةَ لا تَجِبْ عَلى النِّساءِ، والأصَحُّ عِنْدَنا أنَّ الوُجُوبَ أوَّلَ الحَوْلِ لِأنَّ ما وجَبَ بَدَلًا عَنْهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المُسْتَقْبَلِ فَتَعَذَّرَ إيجابُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الحَوْلِ فَأوْجَبْناها في أوَّلِهِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّها تَجِبُ في آخِرِهِ اعْتِبارًا بِالزَّكاةِ.
وتَعَقَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُنا الزَّكاةُ لِأنَّها وجَبَتْ في آخِرِ الحَوْلِ لِيَتَحَقَّقَ النَّماءُ فَهي لا تَجِبُ إلّا في المالِ النّامِي ولا كَذَلِكَ الجِزْيَةُ فالقِياسُ غَيْرُ صَحِيحٍ، واقْتَضى كَما قالَ الجَصّاصُ في أحْكامِ القُرْآنِ وُجُوبَ قَتْلِ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ إلى أنْ تُؤْخَذَ مِنهُمُ الجِزْيَةُ عَلى وجْهِ الصَّغارِ والذِّلَّةِ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم ذِمَّةٌ إذا تَسَلَّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ بِالوِلايَةِ ونَفاذِ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما جَعَلَ لَهُمُ الذِّمَّةَ بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ وكَوْنِهِمْ صاغِرِينَ فَواجِبُ عَلى هَذا قَتْلُ مَن تَسَلَّطَ عَلى المُسْلِمِينَ بِالغَضَبِ وأخْذِ الضَّرائِبِ بِالظُّلْمِ وإنْ كانَ السُّلْطانُ ولّاهُ ذَلِكَ، وإنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وأمْرِهِ فَهو أوْلى وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والنَّصارى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أعْمالَ السُّلْطانِ وأُمَرائِهِ ويَظْهَرُ مِنهُمُ الظُّلْمُ والِاسْتِعْلاءُ وأخْذُ الضَّرائِبِ لا ذِمَّةَ لَهم وأنَّ دِماءَهم مُباحَةٌ، ولَوْ قَصَدَ المُسْلِمُ مُسْلِمًا لِأخْذِ مالِهِ أُبِيحَ قَتْلُهُ في بَعْضِ الوُجُوهِ فَما بالُكَ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أعْداءِ الدِّينِ.
وقَدْ أفْتى فُقَهاؤُنا بِحُرْمَةِ تَوَلَّيْتِهِمُ الأعْمالَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالنَّصِّ، وقَدِ ابْتُلِيَ الحُكّامُ بِذَلِكَ حَتّى احْتاجَ النّاسُ إلى مُراجَعَتِهِمْ بَلْ تَقْبِيلِ أيْدِيهِمْ كَما شاهَدْناهُ مِرارًا، وما كَلُّ ما يُعْلَمُ يُقالُ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، هَذا وقَدِ اسْتَشْكَلَ أخْذُ الجِزْيَةِ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِأنَّ كُفْرَهم مِن أعْظَمِ الكُفْرِ، فَكَيْفَ يُقِرُّونَ عَلَيْهِ بِأخْذِ دَراهِمَ مَعْدُوداتٍ.
وأجابَ القُطْبُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ لَيْسَ تَقْرِيرَهم عَلى الكُفْرِ بَلْ إمْهالَ الكافِرِ مُدَّةً رُبَّما يَقِفُ فِيها عَلى مَحاسِنِ الإسْلامِ وقُوَّةِ دَلائِلِهِ فَيُسْلِمُ، وقالَ الأتْقانِيُّ: إنَّ الجِزْيَةَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ تَقْرِيرِ الكُفْرِ وإنَّما هي عِوَضٌ عَنِ القَتْلِ والِاسْتِرْقاقِ الواجِبَيْنِ فَجازَتْ كَإسْقاطِ القِصاصِ بِعِوَضٍ، أوْ هي عُقُوبَةٌ عَلى الكُفْرِ كالِاسْتِرْقاقِ، والشِّقُّ الأوَّلِ أظْهَرُ حَيْثُ يُوهِمُ الثّانِي جَوازَ وضْعِ الجِزْيَةِ عَلى النِّساءِ ونَحْوِهِنَّ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّها بَدَلٌ عَنِ النُّصْرَةِ لِلْمُقاتِلَةِ مِنّا، ولِهَذا تَفاوَتَتْ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ يَجِبُ عَلَيْهِ النُّصْرَةُ لِلدّارِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وحَيْثُ إنَّ الكافِرَ لا يَصْلُحُ لَها لِمَيْلِهِ إلى دارِ الحَرْبِ اعْتِقادًا أُقِيمَتِ الجِزْيَةُ المَأْخُوذَةُ المَصْرُوفَةُ إلى الغُزاةِ مَقامَها، ولا يَرِدُ أنَّ النُّصْرَةَ طاعَةٌ وهَذِهِ عُقُوبَةٌ فَكَيْفَ تَكُونُ العُقُوبَةُ خَلَفًا عَنِ الطّاعَةِ لِما في النِّهايَةِ مِن أنَّ الخَلِيفَةَ عَنِ النُّصْرَةِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ لِما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ القُوَّةِ لَهُمْ، وهم يُثابُونَ عَلى تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ أمْوالِهِمْ، وهَذا بِمَنزِلَةِ ما لَوْ أعارُوا دَوابَّهم لِلْغُزاةِ، ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّ مَن قالَ: إنَّها بَدَلٌ عَنِ الإقْرارِ عَلى الكُفْرِ فَقَدْ تَوَهَّمَ وهْمًا عَظِيمًا.
التوبة 9:30
﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَقْرِيرِ ما مَرَّ مِن عَدَمِ إيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وانْتِظامِهِمْ بِذَلِكَ في المُشْرِكِينَ، والقائِلُ ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ مُتَقَدِّمُو اليَهُودِ، ونِسْبَةُ الشَّيْءِ القَبِيحِ إذا صَدَرَ مِن بَعْضِ القَوْمِ إلى الكُلِّ مِمّا شاعَ، وسَبَبُ ذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ عُزَيْرًا كانَ في أهْلِ الكِتابِ، وكانَتِ التَّوْراةُ عِنْدَهم يَعْمَلُونَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَعْمَلُوا، ثُمَّ أضاعُوها، وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، وكانَ التّابُوتُ عِنْدَهم، فَلَمّا رَأى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم قَدْ أضاعُوا التَّوْراةَ وعَمِلُوا بِالأهْواءِ رَفَعَ عَنْهُمُ التّابُوتُ وأنْساهُمُ التَّوْراةَ ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ
صفحة 81
وابْتَهَلَ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي مُبْتَهِلًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَدَخَلَ جَوْفَهُ فَعادَ الَّذِي كانَ ذَهَبَ مِن جَوْفِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَأذَّنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمِ قَدْ آتانِي اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ ورَدَّها إلَيَّ فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَمْكُثُوا وهو يُعَلِّمُهم، ثُمَّ إنَّ التّابُوتَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَهابِهِ مِنهُمْ، فَعَرَضُوا ما كانَ فِيهِ عَلى الَّذِي كانَ عُزَيْرٌ يُعَلِّمُهم فَوَجَدُوهُ مِثْلَهُ فَقالُوا: واللَّهِ ما أُوتِيَ عُزَيْرٌ هَذا إلّا لِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ في سَبَبِ ذَلِكَ: إنَّ بُخْتُنَصَّرَ غَزا بَيْتَ المَقْدِسِ وظَهَرَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ مَن قَرَأ التَّوْراةَ، وكانَ عُزَيْرٌ إذْ ذاكَ صَغِيرًا فَلَمْ يَقْتُلْهُ لِصِغَرِهِ، فَلَمّا رَجَعَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يَقْرَأُ التَّوْراةَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عُزَيْرًا لِيُجَدِّدَ لَهُمُ التَّوْراةَ ولِيَكُونَ آيَةً لَهم بَعْدَ ما أماتَهُ اللَّهُ تَعالى مِائَةَ سَنَةٍ، فَأتاهُ مَلَكٌ بِإناءٍ فِيهِ ماءٌ فَشَرِبَ مِنهُ فَمَثُلَتْ لَهُ التَّوْراةُ في صَدْرِهِ، فَلَمّا أتاهم قالَ: أنا عُزَيْرٌ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فَأمْلِ عَلَيْنا التَّوْراةَ فَكَتَبَها لَهم مِن صَدْرِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: إنَّ أبِي حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّي أنَّهُ وُضِعَتِ التَّوْراةُ في خابِيَةٍ ودُفِنَتْ في كَرْمٍ فانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتّى أخْرَجُوها فَعارَضُوها بِما كَتَبَ لَهم عُزَيْرٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ غادَرَ حَرْفًا، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْذِفِ التَّوْراةَ في قَلْبِ عُزَيْرٍ إلّا لِأنَّهُ ابْنُهُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَرْجِعُ الرِّواياتِ إلى أنَّ السَّبَبَ حِفْظُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوْراةِ، وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ مِنهم سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: كَيْفَ نَتْبَعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قُبْلَتَنا وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وهو عَلى ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ القائِلُ: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ .
وبِالجُمْلَةِ إنَّ هَذا القَوْلَ كانَ شائِعًا فِيهِمْ ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِهِمْ لَهُ أصْلًا ولا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الواقِعَ قَوْلُنا عُزَيْرُ أبانَ اللَّهُ أيْ أوْضَحَ أحْكامَهَ وبَيَّنَ دِينَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أخْبَرَ، وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ ( عُزَيْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ والباقُونَ بِتَرْكِهِ، أمّا التَّنْوِينُ فَعَلى أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِابْنٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ أعْجَمِيٌّ لَكِنَّهُ صُرِفَ لِخِفَّتِهِ بِالتَّصْغِيرِ كَنُوحٍ ولُوطٍ وإلى هَذا ذَهَبَ الصَّغانِيُّ.
وهُوَ مُصَغَّرُ عَزارَ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، والقَوْلُ بِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ جاءَ عَلى هَيْئَةِ المُصَغَّرِ ولَيْسَ بِهِ، فِيهِ نَظَرٌ، وأمّا حَذْفُ التَّنْوِينِ فَقِيلَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَإنَّ نُونَ التَّنْوِينِ ساكِنَةٌ والباءُ في ابْنِ ساكِنَةٌ أيْضًا فالتَقى السّاكِنانِ فَحُذِفَتِ النُّونُ لَهُ كَما يُحْذَفُ حُرُوفُ العِلَّةِ لِذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ النُّونِ بِحَرْفِ اللِّينِ وإلّا فَكانَ القِياسُ تَحْرِيكُها، وهو مُبْتَدَأٌ وابْنٌ خَبَرُهُ أيْضًا ولِذا رُسِمَ في جَمِيعِ المَصاحِفِ بِالألِفِ؛ وقِيلَ: لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ الِابْنَ وصْفٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ مِثْلَ مَعْبُودِنا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَمَحَّلَ عَنْهُ مَندُوحَةٌ ورَدَّهُ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ بِأنَّ الِاسْمَ إذا وُصِفَ بِصِفَةٍ ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْهُ فَمَن كَذَّبَهُ انْصَرَفَ تَكْذِيبُهُ إلى الخَبَرِ وصارَ ذَلِكَ الوَصْفُ مُسَلَّمًا، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ قَوْلَهم عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مَعْبُودِنا لَتَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى كَوْنِهِ مَعْبُودًا لَهم وحَصَلَ تَسْلِيمُ كَوْنِهِ ابْنًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وذَلِكَ كُفْرٌ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ الإمامُ قائِلًا: إنَّ قَوْلَهُ يَتَوَجَّهُ الإنْكارُ إلى الخَبَرِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ: يَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِلْوَصْفِ مَمْنُوعٌ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِذَلِكَ الخَبَرِ كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِذَلِكَ
صفحة 82
الوَصْفِ إلّا أنْ يُقالَ: ذَلِكَ بِالخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما سِواهُ لا يُكَذِّبُهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ وهو ضَعِيفٌ، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ الوَصْفَ لِلْعِلِّيَّةِ، فَإنْكارُ الحُكْمِ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ عِلَّتِهِ، وفِيهِ أنَّ إنْكارَ الحُكْمِ قَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةِ عَدَمِ الإفْضاءِ لا لِأنَّ الوَصْفَ كالأبْنِيَةِ مَثَلًا مُنْتَفٍ.
وفِي الإيضاحِ أنَّ القَوْلَ بِمَعْنى الوَصْفِ وأرادَ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الخَبَرِ كَما أنَّ أحَدًا إذا قالَ مُقالَةً يُنْكِرُ مِنها البَعْضَ فَحَكَيْتَ مِنها المُنْكَرَ فَقَطْ، وهو كَما في ”الكَشْفِ“ وجْهٌ حَسَنٌ في رَفْعِ التَّمَحُّلِ لَكِنَّهُ خِلافَ الظّاهِرِ كَما يَشْهَدُ لَهُ آخِرُ الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ صاحِبُنا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مَثَلًا، والخَبَرُ إذا وُصِفَ تَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى وصْفِهِ نَحْوَ هَذا الرَّجُلِ العاقِلِ وهَذا مُوافِقٌ لِلْبَلاغَةِ وجارٍ عَلى وفْقِ العَرَبِيَّةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا غُبارٍ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ تَرْكِهِ مَعَ ظُهُورِهِ، والظّاهِرُ أنَّ التَّرْكِيبَ خَبَرٌ ولا حَذْفَ هُناكَ، واخْتُلِفَ في عُزَيْرٍ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا؟ والأكْثَرُونَ عَلى الثّانِي ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ هو أيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، ولَعَلَّهم إنَّما قالُوهُ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ ولَدٌ مِن غَيْرِ أبٍ أوْ لِأنَّهم رَأوْا مِن أفْعالِهِ ما رَأوْا.
ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ عِنْدِي أنَّهم وجَدُوا إطْلاقَ الِابْنِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا إطْلاقُ الأبِ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما عِنْدَهم مِنَ الإنْجِيلِ فَقالُوا ما قالُوا وأخْطَأُوا في فَهْمِ المُرادِ مِن ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ ما فِيهِ كِفايَةٌ في هَذا المَقامِ.
ومِنَ الغَرِيبِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ما قِيلَ: إنَّ السَّبَبَ في قَوْلِهِمْ هَذا أنَّهم كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إحْدى وثَمانِينَ سَنَةً يَصِلُونَ ويَصُومُونَ ويُوَحِّدُونَ حَتّى وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ حَرْبٌ وكانَ في اليَهُودِ رَجُلٌ شُجاعٌ يُقالُ لَهُ بُولَصَ قَتَلَ جَماعَةً مِنهم ثُمَّ قالَ لِلْيَهُودِ: إنْ كانَ الحَقُّ مَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ كَفَرْنا والنّارُ مَصِيرُنا ونَحْنُ مَغْبُونُونَ أنْ دَخْلَنا النّارَ ودَخَلُوا الجَنَّةَ وإنِّي سَأحْتالُ عَلَيْهِمْ وأُضِلُّهم حَتّى يَدْخُلُوا النّارَ مَعَنا، ثُمَّ إنَّهُ عَمَدَ إلى فَرَسٍ يُقاتِلُ عَلَيْهِ فَعَقَرَهُ وأظْهَرَ النَّدامَةَ والتَّوْبَةَ ووَضَعَ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ وأتى النَّصارى فَقالُوا لَهُ مَن أنْتَ؟ فَقالَ عَدُوُّكم بُولَصُ قَدْ نُودِيَتْ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ حَتّى تَتَنَصَّرَ وقَدْ تُبْتُ وأتَيْتُكم فَأدْخَلُوهُ الكَنِيسَةَ ونَصَرُوهُ ودَخَلَ بَيْتًا فِيها فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ سَنَةً حَتّى تَعَلَّمَ الإنْجِيلَ ثُمَّ خَرَجَ وقالَ: قَدْ نُودِيَتْ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبِلَ تَوْبَتَكَ فَصَدَقُوهُ وأحَبُّوهُ وعَلا شَأْنُهُ فِيهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَمَدَ إلى ثَلاثَةِ رِجالٍ مِنهم نُسْطُورٌ، ويَعْقُوبُ، ومَلْكا فَعَلِمَ نُسْطُورٌ أنَّ الإلَهَ ثَلاثَةٌ، اللَّهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وعَلِمَ يَعْقُوبُ أنَّ عِيسى لَيْسَ بِإنْسانٍ ولَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَلِمَ مَلْكا أنَّ عِيسى هو اللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ فَلَمّا اسْتَمْكَنَ ذَلِكَ مِنهم دَعا كُلَّ واحِدٍ مِنهم في الخَلْوَةِ وقالَ لَهُ: أنْتَ خالِصَتِي فادْعُ النّاسَ إلى ما عَلَّمْتُكَ، وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلى ناحِيَةٍ مِنَ البِلادِ، ثُمَّ قالَ لَهم: إنِّي رَأيْتُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَنامِ، وقَدْ رَضِيَ عَنِّي وأنا ذابِحٌ نَفْسِي تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى المَذْبَحِ فَذَبَحَ نَفْسَهُ، وتَفَرَّقَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ فَذَهَبَ واحِدٌ مِنهم إلى الرُّومِ، وواحِدٌ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، والآخَرُ إلى ناحِيَةٍ أُخْرى، وأظْهَرَ كُلَّ مَقالَتِهِ ودَعا النّاسَ إلَيْها فَتَبِعَهُ مَن تَبِعَهُ وكانَ ما كانَ مِنَ الِاخْتِلالِ والضَّلالِ ( ذَلِكَ ) أيْ: ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ العَظِيمَتَيْنِ ﴿قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ مُماثِلٌ لِلْألْفاظِ المُهْمَلَةِ الَّتِي لا وُجُودَ لَها إلّا في الأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ في الخارِجِ، وقِيلَ: هو تَأْكِيدٌ لِنِسْبَةِ القَوْلِ المَذْكُورِ إلَيْهِمْ ونَفْيِ التَّجَوُّزِ عَنْها وهو الشّائِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقَوْلِ الرَّأْيُ والمَذْهَبُ، وذَكَرَ الأفْواهَ إمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ في قُلُوبِهِمْ وإنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ جَهْلًا وعِنادًا وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُخْتارٌ لَهم غَيْرُ مُتَحاشِينَ عَنِ التَّصْرِيحِ
صفحة 83
بِهِ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما يُنَبِّهُ عَلى مَذْهَبِهِ بِالكِتابَةِ أوْ بِالكِنايَةِ مَثَلًا، فَإذا صَرَّحَ بِهِ وذَكَرَهُ بِلِسانِهِ كانَ ذَلِكَ الغايَةَ في اخْتِيارِهِ، وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَعْلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُهُ بِأُذُنِي مَثَلًا مِمّا يَأْباهُ المَقامُ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّأْكِيدَ مَعَ التَّعْجِيبِ مِن تَصْرِيحِهِمْ بِتِلْكَ المَقالَةِ الفاسِدَةِ لا يُنافِيهِ المَقامُ ولا تَزاحُمَ في النِّكاتِ ( ﴿يُضاهِئُونَ﴾ ) أيْ يُضاهِي قَوْلَهم في الكُفْرِ والشَّناعَةِ ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وصُيِّرَ مَرْفُوعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّجَوُّزِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ، فالمُرادُ يُضاهِئُونَ في قَوْلِهِمْ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ( مِن قَبْلُ ) أيْ: مِن قَبْلِهِمْ وهم كَما رُوِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ قُدَماؤُهُمْ، فالمُضاهى مَن كانَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم لِقُدَمائِهِمْ وأسْلافِهِمْ، والمُرادُ الإخْبارُ بِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَعَدُّدَ في القَوْلِ حَتّى يَتَأتّى التَّشْبِيهُ، وجَعَلَهُ بَيْنَ قَوْلَيِ الفَرِيقَيْنِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّصارى، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ مَعَ أنَّ مُضاهاتَهم قَدْ عُلِمَتْ مِن صَدْرِ الآيَةِ، ويَسْتَدْعِي أيْضًا اخْتِصاصَ الرَّدِّ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ بِقَوْلِ النَّصارى، وقَرَأ الأكْثَرُ ( يُضاهُونَ ) بِهاءٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ، وقَدْ جاءَ ضاهَيْتُ وضاهَأْتُ بِمَعْنى مِنَ المُضاهاةِ وهي المُشابَهَةُ وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُها بِالمُوافَقَةِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الياءُ فَرْعٌ عَنِ الهَمْزَةِ كَما قالُوا فَرَيْتٌ وتَوَضَّيْتُ، وقِيلَ: الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ لِضَمِّها، ورُدَّ بِأنَّ الياءَ لا تَثْبُتُ في مِثْلِهِ حَتّى تُقْلَبَ بَلْ تُحْذَفُ كَرامُونَ مِنَ الرَّمْيِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ ضَهْيا بِالقَصْرِ وهي الَّتِي لا ثَدْيَ لَها أوْ لا تَحِيضُ أوْ لا تَحْمِلُ لِمُشابَهَتِها الرِّجالَ، ويُقالُ: ضَهْياءُ بِالمَدِّ كَحَمْراءَ وضَهْياءَةُ بِالمَدِّ وتاءِ التَّأْنِيثِ، وشَذَّ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ فَإنَّ الهَمْزَةَ في ضَهْياءَ عَلى لُغَتِها الثَّلاثِ زائِدَةٌ وفي المُضاهاةِ أصْلِيَّةٌ ولَمْ يَقُولُوا: إنَّ هَمْزَةَ ضَهْياءَ أصْلِيَّةٌ وياءَها زائِدَةٌ لِأنَّ فَعْيَلاءَ لَمْ يَثْبُتْ في أبْنِيَتِهِمْ، ولَمْ يَقُولُوا وزْنُها فَعْلَلَ كَجَعْفَرٍ لِأنَّهُ ثَبَتَ زِيادَةُ الهَمْزَةِ في ضَهْياءَ بِالمَدِّ فَتَتَعَيَّنُ في اللُّغَةِ الأُخْرى، وفي هَذا المَقامِ كَلامٌ مُفَصَّلٌ في مَحَلِّهِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ( ﴿قَوْلُهُمْ﴾ ) وجَعَلَ ( ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ ) مُتَعَلِّقًا بِيُضاهِئُونَ ولا تُوقَفُ في أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي الجُمْلَةِ ذَمٌّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وإنْ لَمْ تُسَقْ لِذَمِّهِمْ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ فَإنَّ مَن قاتَلَ اللَّهَ تَعالى فَمَقْتُولٌ ومَن غالَبَهُ فَمَغْلُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى لَعَنَهُمُ اللَّهُ وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ لِقاتَلَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّعَجُّبَ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ فَقَدْ شاعَتْ في ذَلِكَ حَتّى صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ فَيُقالُ: قاتَلَهُ اللَّهُ تَعالى ما أفْصَحَهُ.
وقِيلَ: هي لِلدُّعاءِ والتَّعَجُّبِ يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ لِأنَّها كَلِمَةٌ لا تُقالُ إلّا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ مِن شَناعَةِ فِعْلِ قَوْمٍ أوْ قَوْلِهِمْ ولا يَخْفى ما فِيهِ مَعَ أنَّ تَخْصِيصَها بِالشَّناعَةِ شَناعَةٌ أيْضًا ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ وسُطُوعِ البُرْهانِ.
التوبة 9:31
﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما سَلَفَ مِن
صفحة 84
كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى، والأحْبارُ عُلَماءُ اليَهُودِ، واخْتُلِفَ في واحِدِهِ فَقالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي أهْوَ حِبْرٌ أوْ حَبْرٌ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: هو بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، وذَكَرَ ابْنُ الأثِيرِ أنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، والصَّحِيحُ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْلِمًا فَقَدْ كانَ يُقالُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: الحَبْرُ ويَجْمَعُ كَما في ”القامُوسِ“ عَلى حُبُورٍ أيْضًا وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن تَحْبِيرِ المَعانِي بِحُسْنِ البَيانِ عَنْها ( ﴿ورُهْبانَهُمْ﴾ ) وهم عُلَماءُ النَّصارى مِن أصْحابِ الصَّوامِعِ، وهو جَمْعُ راهِبٍ وقَدْ يَقَعُ عَلى الواحِدِ ويُجْمَعُ عَلى رَهابِينَ ورَهابِنَةٍ وفي ”مَجْمَعِ البَيانِ“ أنَّ الرّاهِبَ هو الخاشِي الَّذِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى مُتَنَسِّكِي النَّصارى وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهْبَةِ أيِ الخَوْفِ، وكانُوا لِذَلِكَ يَتَخَلَّوْنَ مِن أشْغالِ الدُّنْيا وتَرْكِ مَلاذِّها والزُّهْدِ فِيها والعُزْلَةِ عَنْ أهْلِها وتَعَمُّدِ مَشاقِّها حَتّى أنَّ مِنهم مَن كانَ يَخْصِي نَفْسَهُ ويَضَعُ السِّلْسِلَةَ في عُنُقِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ» والمُرادُ في الآيَةِ اتَّخَذَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عُلَماءَهم لا الكُلَّ الكُلَّ ﴿أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَهُ سُبْحانَهُ وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ رَوى الثَّعْلَبِيُّ، وغَيْرُهُ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذا الوَثَنَ وسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ،﴾ فَقُلْتُ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ! فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى فَيُحَرِّمُونَهُ ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَحِلُّونَ؟ فَقُلْتُ: بَلى، قالَ: ذَلِكَ عِبادَتُهم»، وسُئِلَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الآيَةِ، فَأجابَ بِمِثْلِ ما ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهم: فُلانٌ يَعْبُدُ فُلانًا إذا أفْرَطَ في طاعَتِهِ فَهو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الإطاعَةِ بِالعِبادَةِ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِإطْلاقِ العِبادَةِ وهي طاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ عَلى مُطْلَقِها، والأوَّلُ أبْلَغُ، وقِيلَ: اتِّخاذُهم أرْبابًا بِالسُّجُودِ لَهم ونَحْوِهِ مِمّا لا يَصْلُحُ إلّا لِلرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ وحِينَئِذٍ فَلا مَجازَ إلّا أنَّهُ لا مَقالَ لِأحَدٍ بَعْدَ صِحَّةِ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والآيَةُ ناعِيَةٌ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الفِرَقِ الضّالَّةِ الَّذِينَ تَرَكُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَلامِ عُلَمائِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ فَمَتى ظَهَرَ وجَبَ عَلى المُسْلِمِ اتِّباعُهُ وإنْ أخْطَأهُ اجْتِهادُ مُقَلِّدِهِ ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( رُهْبانَهم ) بِأنِ اتَّخَذُوهُ رَبًّا مَعْبُودًا أوْ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ كَما يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ عَلى ما قِيلَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وتَخْصِيصُ الِاتِّخاذِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يُشِيرُ إلى أنَّ اليَهُودَ ما فَعَلُوا ذَلِكَ بِعُزَيْرٍ، وتَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ اتِّخاذَهم لَهُ كَذَلِكَ أقْوى مِن مُجَرَّدِ الإطاعَةِ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّصارى، ونِسْبَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمِّهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ رَأْيِهِمْ والقَضاءِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الجَهْلِ والحَماقَةِ.
﴿وما أُمِرُوا﴾ أيْ والحالُ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ما أُمِرُوا في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وعَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ جَلِيلَ الشَّأْنِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ ويُطِيعُوا أمْرَهُ ولا يُطِيعُوا أمْرَ غَيْرِهِ بِخِلافِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مُنافٍ لِعِبادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وأمّا إطاعَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهي في الحَقِيقَةِ إطاعَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ وما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ الكَفَرَةُ أرْبابًا مِنَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ والأحْبارِ والرُّهْبانِ إلّا لِيُطِيعُوا
صفحة 85
أوْ لِيُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا أرْبابًا وهم مَأْمُورُونَ مُسْتَعْبَدُونَ مِثْلُهم، ولا يَخْفى أنَّ تَخْصِيصَ العِبادَةِ بِهِ تَعالى لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَخْصِيصِ الطّاعَةِ أيْضًا بِهِ تَعالى ومَتى لَمْ يُخَصَّ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ تُخَصَّ العِبادَةُ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِإلَهًا أوِ اسْتِئْنافٌ، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهو أنَّ ما سَبَقَ يَحْتَمِلُ غَيْرَ التَّوْحِيدِ بِأنْ يُؤْمَرُوا بِعِبادَةِ إلَهٍ واحِدٍ مِن بَيْنِ الآلِهَةِ، فَإذا وُصِفَ المَأْمُورُ بِعِبادَتِهِ بِأنَّهُ هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ تَعَيَّنَ المُرادُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُفَسِّرَةً لِواحِدًا ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ أيْ تَنْزِيهٌ عَنِ الإشْراكِ بِهِ في العِبادَةِ والطّاعَةِ.
التوبة 9:32
﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ إطْفاءُ النّارِ عَلى ما في ”القامُوسِ“ إذْهابُ لَهَبِها المُوجِبِ لِإذْهابِ نُورِها لا إذْهابُ نُورِها عَلى ما قِيلَ، لَكِنْ لَمّا كانَ الغَرَضُ مِن إطْفاءِ نارٍ لا يُرادُ بِها إلّا النُّورُ كالمِصْباحِ إذْهابُ نُورِها جَعَلَ إطْفاءَها عِبارَةً عَنْهُ ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى كانَ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ إذْهابِ النُّورِ وإنْ كانَ لِغَيْرِ النّارِ، والمُرادُ بِنُورِ اللَّهِ حُجَّتُهُ تَعالى النَّيِّرَةُ المُشْرِقَةُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ الصّادِعُ الصّادِحُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: نُبُوَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَعْدَ أنِ اسْتَطالَ دُجا الكُفْرِ صُبْحًا مُنِيرًا، وأيًّا ما كانَ فالنُّورُ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِما ذُكِرَ، وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى قَرِينَةٌ، والمُرادُ مِنَ الإطْفاءِ الرَّدُّ والتَّكْذِيبُ أيْ يُرِيدُ أهْلُ الكِتابَيْنِ أنْ يَرُدُّوا ما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ( ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ ) أيْ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الخارِجَةِ عَنْها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أوْ أصْلٌ تَسْتَنِدُ إلَيْهِ بَلْ كانَتْ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالمُهْمَلاتِ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبَّهَ حالُهم في مُحاوَلَةِ إبْطالِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ لِأنَّ إتْمامَ النُّورِ زِيادَةٌ في اسْتِنارَتِهِ وفُشُوِّ ضَوْئِهِ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ وما بَعْدُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿هُوَ الَّذِي﴾ ) إلَخْ تَجْرِيدٌ عَلى الفَرْعِ، ورُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مَعْنى الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ حَيْثُ شَبَّهَ الإبْطالَ بِالإطْفاءِ بِالفَمِ، ونَسَبَ النُّورَ إلى اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ الشَّأْنِ ومِن شَأْنِ النُّورِ المُضافِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا فَكَيْفَ يُطْفَأُ بِنَفْخِ الفَمِ، وتَمَّمَ كُلًّا مِنَ التَّرْشِيحِ والتَّجْرِيدِ بِما تَمَّمَ لِما بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي هو سَتْرٌ وإزالَةٌ لِلظُّهُورِ والإطْفاءِ مِنَ المُناسَبَةِ وبَيْنَ دِينِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والشِّرْكُ مِنَ المُقابَلَةِ انْتَهى.
ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ هُنا هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ وأُضِيفَ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ فالمَصْدَرُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ والمُصَحَّحُ لِلتَّفْرِيغِ عِنْدَ جَمْعِ كَوْنِ ( يَأْبى ) في مَعْنى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِ إمّا لا يُرِيدُ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةٍ يُرِيدُونَ كَما قِيلَ أوْ لا يَرْضى كَما ارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِإرادَةِ إتْمامِ نُورِهِ سُبْحانَهُ إرادَةً خاصَّةً وهي الإرادَةُ عَلى وجْهِ الرِّضا بِقَرِينَةِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ لا الإرادَةُ الجامِعَةُ لِعَدَمِ الرِّضا كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ خِلافًا لِمَن يُسَوِّي بَيْنَهُما، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مُصَحِّحَ التَّفْرِيغِ عُمُومُ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو مَحْذُوفٌ ولا يَضُرُّ كَوْنُ ذَلِكَ نِسْبِيًّا إذْ غالِبُ العُمُومِيّاتِ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ قِيلَ: ما مِن عامٍّ إلّا وقَدْ خُصَّ مِنهُ البَعْضُ، أيْ يُكْرَهُ كُلُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِنُورِهِ إلّا إتْمامَهُ، وقَرِينَةُ التَّخْصِيصِ السِّياقُ.
صفحة 86
ولا يَجُوزُ تَأْوِيلُ الجَماعَةِ عِنْدَهُ إذْ ما مِن إثْباتٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِالنَّفْيِ فَيَلْزَمُ جَرَيانُ التَّفْرِيغِ في كُلِّ شَيْءٍ وهو كَما تَرى، والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ التَّأْوِيلِ إذا اقْتَضاهُ المَقامُ، وإتْمامُ النُّورِ بِإعْلاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ دِينِ الإسْلامِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ جَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ يُتِمُّ نُورَهُ.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَها مُقَدَّرَةٍ أيْ لَوْ لَمْ يَكْرَهِ الكافِرُونَ ولَوْ كَرِهَ وكِلْتاهُما في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُتِمُّ نُورَهُ ولا بُدَّ.
التوبة 9:33
﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَلَبِّسًا ( ﴿بِالهُدى﴾ ) أيِ: القُرْآنِ الَّذِي هو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: الثّابِتِ، وقِيلَ: دِينِهِ تَعالى وهو دِينُ الإسْلامِ ( ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ) أيِ: الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ: عَلى أهْلِ الأدْيانِ كُلِّها فَيَخْذُلُهم أوْ لِيُظْهِرَ دِينَ الحَقِّ عَلى سائِرِ الأدْيانِ بِنَسْخِهِ إيّاها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَـ ( ألْ ) في الدِّينِ سَواءٌ كانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمْ لِلدِّينِ الحَقِّ لِلِاسْتِغْراقِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و( ألْ ) لِلْعَهْدِ أيْ لِيُعَلِّمَهُ شَرائِعَ الدِّينِ كُلَّها ويُظْهِرَهُ عَلَيْها حَتّى لا يَخْفى عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ مِنها، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي قالُوا: وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَبْقى دِينٌ سِوى دِينِ الإسْلامِ، والجُمْلَةُ بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ مَآلَ الإتْمامِ هو الإظْهارُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ عَلى طَرْزِ ما قَبْلَهُ خَلا إنَّ وصْفَهم بِالشِّرْكِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ قِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ضَمُّوا الكُفْرَ بِالرَّسُولِ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعالى، وظاهِرُ هَذا أنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ فِيما تَقَدَّمَ الكُفْرُ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَكْذِيبُهُ وبِالشِّرْكِ الكُفْرُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ بِقَرِينَةِ التَّقابُلِ ولا مانِعَ مِنهُ.
وقَدْ عَلِمْتَ ما في هَذَيْنَ المُتَمِّمَيْنِ مِنَ المُناسَبَةِ الَّتِي يَلِيقُ أنْ يَكُونَ فَلَكُ البَلاغَةِ حاوِيًا لَها فَتَدَبَّرْ.
التوبة 9:34
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ في إغْوائِهِمْ لِأراذِلِهِمْ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الأتْباعِ في اتِّخاذِهِمْ لَهم أرْبابًا، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يَحُومُوا حَوْلَ ذَلِكَ الحِمى ولِذا وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ يَأْخُذُونَها بِالِارْتِشاءِ لِتَغْيِيرِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ والتَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ فِيها، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ والعَلاقَةُ العِلِّيَّةُ والمُعْلَوْلِيَةُ أوِ اللّازِمِيَّةُ والمَلْزُومِيَّةُ فَإنَّ الأكْلَ مَلْزُومٌ لِلْأخْذِ كَما قِيلَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْوالِ الأطْعِمَةَ الَّتِي تُؤْكَلُ بِها مَجازًا مُرْسَلًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكافًا
فَإنَّهُ يُرِيدُ عَلَفًا يُشْتَرى بِثَمَنِ إكافٍ، واخْتارَ هَذا العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وهو أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، وثانِيهِما أنْ يُسْتَعارَ الأكْلُ لِلْأخْذِ وذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ العَلّامَةُ أنْ يُشَبِّهَ حالَةَ أخْذِهِمْ أمْوالَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وتَفْرِقَةٍ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ لِلتَّهالُكِ عَلى جَمْعِ حُطامِها بِحالَةِ مُنْهَمِكٍ جائِعٍ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ طَعامٍ وطَعامٍ في التَّناوُلِ، ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وأنَّ اسْتِشْهادَهُ بِأخْذِ الطَّعامِ وتَناوُلِهِ سَمِجٌ، وأُجِيبُ بِأنَّ الِاسْتِشْهادَ بِهِ عَلى أنَّ بَيْنَ الأخْذِ والتَّناوُلِ شَبَهًا وإلّا فَذاكَ عَكْسُ المَقْصُودِ، وفائِدَةُ الِاسْتِعارَةِ المُبالَغَةُ في أنَّهُ أُخِذَ بِالباطِلِ لِأنَّ الأكْلَ غايَةُ الِاسْتِيلاءِ عَلى الشَّيْءِ ويَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿بِالباطِلِ﴾ ) عَلى هَذا زِيادَةَ مُبالَغَةٍ ولا كَذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَأْخُذُونَ ( ﴿ويَصُدُّونَ﴾ ) النّاسَ
صفحة 87
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِ الإسْلامِ أوْ عَنِ المَسْلَكِ المُقَرَّرِ في كُتُبِهِمْ إلى ما افْتَرَوْهُ وحَرَّفُوهُ بِأخْذِ الرِّشا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( يَصُدُّونَ ) مِنَ الصُّدُودِ عَلى مَعْنى أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيُحَرِّفُونَ ويَفْتَرُونَ بِأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ أيْ يَجْمَعُونَهُما ومِنهُ: ناقَةٌ كِنازُ اللَّحْمِ أيْ مُجْتَمِعَتُهُ، ولا يُشْتَرَطُ في الكَنْزِ الدَّفْنُ بَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ الجَمْعِ والحِفْظِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا الكَثِيرُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لِأنَّ الكَلامَ في ذَمِّهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مُبالَغَةً فِيهِ حَيْثُ وُصِفُوا بِالحِرْصِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِما سَبَقَ مِن أخْذِ البَرَطِيلِ في الأباطِيلِ وإمّا المُسْلِمُونَ لِجَرْيِ ذِكْرِهِمْ أيْضًا وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهم مِمَّنْ يُنْفِقُ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِنَ النَّفْيِ عُرْفًا فَيَكُونُ نَظْمُهم في قَرْنِ المُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ تَغْلِيظًا ودَلالَةً عَلى كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في اسْتِحْقاقِ البِشارَةِ بِالعَذابِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَمْلَهُ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ فِيهِ الأحْبارُ والرُّهْبانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالزَّكاةِ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنا أُفَرِّجُ عَنْكم فانْطَلَقَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ كَبُرَ عَلى أصْحابِكَ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»“ أيْ بِكَنْزٍ أُوعَدُ عَلَيْهِ فَإنَّ الوَعِيدَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْفَقَ فِيهِ، ولا يُعارِضَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها» لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ما لَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها إلّا إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ فَيُكْوى بِها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ» وقِيلَ: إنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الزَّكاةُ وعَلَيْهِ حُمِلَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ كَيَّةٌ، ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيَّتانِ»، وقِيلَ: بَلْ هَذا لِأنَّ الرَّجُلَيْنِ أظْهَرا الفَقْرَ ومَزِيدَ الحاجَةِ بِانْتِظامِهِما في سَلَكِ أهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ هم بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ أنَّ عِنْدَهُما ما عِنْدَهُما فَكانَ جَزاؤُهُما الكَيَّةَ والكَيَّتَيْنِ لِذَلِكَ، وأخَذَ بِظاهِرِ الآيَةِ فَأوْجَبَ إنْفاقَ جَمِيعِ المالِ الفاضِلِ عَنِ الحاجَةِ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَرى بَيْنَهُ لِذَلِكَ وبَيْنَ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الشّامِ ما شَكاهُ لَهُ إلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المَدِينَةِ فاسْتَدْعاهُ إلَيْها فَرَآهُ مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ حَتّى إنَّ كَعْبَ الأحْبارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ: يا أبا ذَرٍّ إنَّ المِلَّةَ الحَنِيفِيَّةَ أسْهَلُ المِلَلِ وأعْدَلُها، وحَيْثُ لَمْ يَجِبْ إنْفاقُ كُلِّ المالِ في المِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ وهي أضْيَقُ المِلَلِ وأشَدُّها كَيْفَ يَجِبُ فِيها، فَغَضِبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَتْ فِيهِ حِدَّةٌ وهي الَّتِي دَعَتْهُ إلى تَعْيِيرِ بِلالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأُمِّهِ وشِكايَتِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَوْلُهُ فِيهِ: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ» فَرَفَعَ عَصاهُ لِيَضْرِبَهُ وقالَ لَهُ: يا يَهُودِيُّ ما ذاكَ مِن هَذِهِ المَسائِلِ، فَهَرَبَ كَعْبٌ فَتَبِعَهُ حَتّى اسْتَعاذَ بِظَهْرِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتّى ضَرَبَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّ الضَّرْبَةَ وقَعَتْ عَلى عُثْمانَ، وكَثُرَ المُعْتَرِضُونَ عَلى أبِي ذَرٍّ في دَعْواهُ تِلْكَ، وكانَ النّاسُ يَقْرَءُونَ لَهُ آيَةَ المَوارِيثِ ويَقُولُونَ: لَوْ وجَبَ إنْفاقُ كُلِّ المالِ لَمْ يَكُنْ لِلْآيَةِ وجْهٌ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مُزْدَحِمِينَ حَيْثُ حَلَّ مُسْتَغْرِبِينَ مِنهُ ذَلِكَ فاخْتارَ العُزْلَةَ فاسْتَشارَ عُثْمانَ فِيها فَأشارَ إلَيْهِ بِالذَّهابِ إلى الرَّبَذَةِ فَسَكَنَ فِيها حَسْبَما
صفحة 88
تُرِيدُ، وهَذا ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذِهِ القِصَّةِ، ورَواها الشِّيعَةُ عَلى وجْهٍ جَعَلُوهُ مِن مُطاعِنِ ذِي النُّورَيْنِ وغَرَضُهم بِذَلِكَ إطْفاءُ نُورِهِ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ المَوْصُولِ، والفاءُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( فَبَشِّرْهم ) والتَّعْبِيرُ بِالبِشارَةِ لِلتَّهَكُّمِ.
التوبة 9:35
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ ألِيمٍ أوْ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أيْ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ أوْ بِـ ”اذْكُرْ“، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَذابُ يَوْمٍ والمُقَدَّرُ بَدَلٌ مِنَ المَذْكُورِ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: تُوقَدُ النّارُ ذاتَ حِمًى وحَرٍّ شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ تُحْمى بِالنّارِ مِن قَوْلِكَ حَمَيْتُ المِيسَمَ وأحْمَيْتُهُ فَجَعَلَ الإحْماءَ لِلنّارِ مُبالَغَةً لِأنَّ النّارَ في نَفْسِها ذاتُ حِمًى فَإذا وُصِفَتْ بِأنَّها تُحْمى دَلَّ عَلى شِدَّةِ تَوَقُّدِها ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وحُوِّلَ الإسْنادُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ بِأتَمِّ وجْهٍ فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إلى التَّذْكِيرِ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ فَإذا طُرِحَتِ القِصَّةُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ قُلْتَ رُفِعَ إلى الأمِيرِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ ( تُحْمِي ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ بِإسْنادِهِ إلى النّارِ كَأصْلِهِ وإنَّما قِيلَ ( عَلَيْها ) والمَذْكُورُ شَيْئانِ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِما مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنهُما ولا الجِنْسُ الصّادِقُ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ بَلِ المُرادُ الكَثِيرُ مِنَ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ لِأنَّهُ الَّذِي يَكُونُ كَنْزًا فَأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ ولَوْ أتى بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ احْتَمَلَ خِلافَهُ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِكُنُوزِ الأمْوالِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ فَيَكُونُ الحُكْمُ عامًّا ولِذا عَدَلَ فِيهِ عَنِ الظّاهِرِ، وتَخْصِيصُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما الأصْلُ الغالِبُ في الأمْوالِ لا لِلتَّخْصِيصِ أوْ لِلْفِضَّةِ، واكْتَفى بِها لِأنَّها أكْثَرُ والنّاسُ إلَيْها أحْوَجُ ولِأنَّ الذَّهَبَ يُعْلَمُ مِنها بِالطَّرِيقِ الأوْلى مَعَ قُرْبِها لَفْظًا ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَرَضَ الكانِزِينَ مِنَ الكَنْزِ والجَمْعِ أنْ يَكُونُوا عِنْدَ النّاسِ ذَوِي وجاهَةٍ ورِياسَةٍ بِسَبَبِ الغِنى وأنْ يَتَنَعَّمُوا بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ فَلِوَجاهَتِهِمْ كانَ الكَيُّ بِجِباهِهِمْ ولِامْتِلاءِ جُنُوبِهِمْ بِالطَّعامِ كُوُوا عَلَيْها ولِما لَبِسُوهُ عَلى ظُهُورِهِمْ كُوِيَتْ، أوْ لِأنَّهم إذا رَأوُا الفَقِيرَ السّائِلَ زَوَوْا ما بَيْنَ أعْيُنِهِمْ وازْوَرُّوا عَنْهُ وأعْرَضُوا وطَوَوْا كَشْحًا ووَلَّوْهُ ظُهُورَهم واسْتَقْبَلُوا جِهَةً أُخْرى، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، وقِيلَ: لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِيرِهِ وجَنْبَتاهُ فَيَكُونُ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، ويَبْقى عَلَيْهِ نُكْتَةُ الِاقْتِصارِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعِ مِن بَيْنِ الجِهاتِ السِّتِّ وتَكَلَّفَ لَها بَعْضُهم بِأنَّ الكانِزَ وقْتَ الكَنْزِ لِحَذَرِهِ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا وأمامًا ووَراءً ولا يَكادُ يَنْظُرُ إلى فَوْقُ أوْ يَتَخَيَّلُ أنَّ أحَدًا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن تَحْتُ؛ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الجِهاتُ الأرْبَعُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ ومَظِنَّةَ حَذَرِهِ دُونَ الجِهَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ اقْتَصَرَ عَلَيْها دُونَهُما، وهو مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى اعْتِبارِ الدَّفْنِ في الكَنْزِ في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ: إنَّما خُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ لِأنَّ داخِلَها جَوْفًا بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ، وفِيهِ أنَّ البَطْنَ كَذَلِكَ، وفي جَمْعِهِ مَعَ الظّاهِرِ لَطافَةٌ أيْضًا، وقِيلَ: لِأنَّ الجَبْهَةَ مَحَلُّ الوَسْمِ لِظُهُورِها والجَنْبَ مَحَلُّ الألَمِ والظَّهْرَ مَحَلُّ الحُدُودِ لِأنَّ الدّاعِيَ لِلْكانِزِ عَلى الكَنْزِ وعَدَمِ الإنْفاقِ خَوْفُ الفَقْرِ الَّذِي هو المَوْتُ الأحْمَرُ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ والِاضْطِرابِ يَمِينًا وشِمالًا وعَدَمِ اسْتِقْرارِ الجَنْبِ لِتَحْصِيلِ المَعاشِ مَعَ خُلُوِّ المُتَّصَفِ بِهِ عَمّا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ
صفحة 89
ويُعَوَّلُ في المُهِمّاتِ عَلَيْهِ، فَلِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ تُكْوى جَبْهَتُهُ، ولِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الِاضْطِرابِ والطَّمَعِ في اسْتِقْرارِ الجَنْبِ يُكْوى جَنْبُهُ، ولِمُلاحَظَةِ اسْتِنادِ الظَّهْرِ والِاتِّكالِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ الرَّكْنُ الأقْوى والوِزْرُ الأوْقى يُكْوى ظَهْرُهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وهي أقْوالٌ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُوضَعُ دِينارٌ عَلى دِينارٍ أوْ دِرْهَمٌ عَلى دِرْهَمٍ فَيُكْوى بِها ولا أنَّهُ يُكْوى بِكُلٍّ بِأنْ يُرْفَعَ واحِدٌ ويُوضَعَ بَدَلُهُ آخَرُ حَتّى يُؤْتِيَ عَلى آخِرِها بَلْ أنَّهُ يُوَسِّعُ جِلْدَ الكانِزِ فَيُوضَعُ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الآثارُ وتَظافَرَتْ بِهِ الأخْبارُ ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ وبِهِ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ السّابِقُ في قَوْلٍ أيْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها: هَذا ما كَنَزْتُمْ ( ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ ) أيْ لِمَنفَعَتِها فَكانَ عَيْنَ مُضِرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وأنْتُ في تَقْدِيرِ المُضافِ في النُّظُمِ بِالخِيارِ، ولَمْ تُجْعَلِ اللّامُ لِلْمِلْكِ لِعَدَمِ جَدْواهُ ( وما ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ وبالُ كَنْزِكم أوْ وبالُ كَوْنِكم كانِزِينَ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ في كَوْنِ كانَ النّاقِصَةِ لَها مَصْدَرٌ كَلامًا وبِأنَّ المَقْصُودَ الخَبَرُ، وكانَ إنَّما ذُكِرَتْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ وبالُ الَّذِي تَكْنِزُونَهُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ، وقُرِئَ ( تَكْنُزُونَ ) بِضَمِّ النُّونِ فالماضِي كَنَزَ كَضَرَبَ وقَعَدَ.
التوبة 9:36
﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ: مَبْلَغَ عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ وهي الشُّهُورُ القَمَرِيَّةُ المَعْلُومَةُ إذْ عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
وقِيلَ: فِيما أثْبَتَهُ وأوْجَبَ عَلى عِبادِهِ الأخْذَ بِهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ لِأنَّ فِيهِ آياتٌ تَدُلُّ عَلى الحِسابِ ومَنازِلِ القَمَرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ في ابْتِداءِ إيجادِ هَذا العالَمِ، وهَذا الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما في كِتابِ اللَّهِ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ الدّالِّ عَلَيْهِ بِمَنطُوقِهِ أوْ بِمُتَعَلِّقِهِ أوْ بِالكِتابِ إنْ كانَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الكِتابَةِ، والمُرادُ أنَّهُ في ابْتِداءِ ذَلِكَ كانَتْ عِدَّتُها ما ذُكِرَ وهي الآنَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ ﴿اثْنا عَشَرَ﴾ وهي خَبَرُ ( إنَّ ) و( عِنْدَ ) مَعْمُولُ ( عِدَّةَ ) لِأنَّها مَصْدَرٌ كالشَّرِكَةِ و( شَهْرًا ) تَمْيِيزٌ مُؤَكِّدٌ كَما في قَوْلِكَ: عِنْدِي مِنَ الدَّنانِيرِ عِشْرُونَ دِينارًا، وما يُقالُ: إنَّهُ لِرَفْعِ الإبْهامِ إذْ لَوْ قِيلَ: عِدَّةُ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ سَنَةً لَكانَ كَلامًا مُسْتَقِيمًا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عَلى ما قِيلَ، وانْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الشُّهُورُ في ابْتِداءِ الدُّنْيا كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ ونَحْوِهِ ولا مانِعَ مِنهُ فَإنَّهُ أحْسَنُ مِنَ الزِّيادَةِ المَحْضَةِ، ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَ ( في كِتابٍ ) بِعِدَّةٍ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا أُخْبِرَ عَنْهُ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ بَدَلًا مِن ( عِنْدَ اللَّهِ ) وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِخَبَرِ العامِلِ في المُبْدَلِ، وجَوَّزَ بَعْضٌ أنْ يَجْعَلَ ﴿اثْنا عَشَرَ﴾ مُبْتَدَأً و( عِنْدَ ) خَبَرًا مُقَدَّمًا والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ إنَّ الظَّرْفَ لِاعْتِمادِهِ عَمِلَ الرَّفْعَ في ( اثْنا عَشَرَ )، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لاثْنا عَشَرَ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً وضَمِيرُ ( مِنها ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِاثْنا عَشَرَ، وهَذِهِ
صفحة 90
الأرْبَعَةُ ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ، واخْتُلِفَ في تَرْتِيبِها فَقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ وآخِرُها ذُو الحِجَّةِ فَهي مِن شُهُورِ عامٍ، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقْتَضِيهِ.
وقِيلَ: أوَّلُها رَجَبٌ فَهي مِن عامَيْنِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ فَهو اليَوْمُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وإنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرٍ بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ»“ .
وقِيلَ: أوَّلُها ذُو القِعْدَةِ وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِتَوالِيها، وأخْرَجَ الشَّيْخانِ «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ ورَجَبُ مُضَرَ» الحَدِيثَ وأُضِيفَ رَجَبٌ إلَيْهِمْ لِأنَّ رَبِيعَةَ كانُوا يُحَرِّمُونَ رَمَضانَ ويُسَمُّونَهُ رَجَبًا ولِهَذا بَيَّنَ في الحَدِيثِ بِما بَيَّنَ.
وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ الأوَّلِ مِن شُهُورِ عامٍ وعَلى الثّانِي مِن شُهُورِ عامَيْنِ إنَّما يَتَمَشّى عَلى أنَّ أوَّلَ السَّنَةِ المُحَرَّمُ وهو إنَّما حَدَثَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ يُؤَرَّخُ قَبْلَهُ بِعامِ الفِيلِ وكَذا بِمَوْتِ هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ ثُمَّ أُرِّخَ بِصَدْرِ الإسْلامِ بِرَبِيعٍ الأوَّلِ وعَلى هَذا التّارِيخِ يَكُونُ الأمْرُ عَلى عَكْسِ ما ذُكِرَ ولَمْ يُبَيِّنْ هَذا القائِلُ ما أوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ العَرَبِ قَبْلَ الفِيلِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ أوَّلَ الشُّهُورِ المُحَرَّمُ عِنْدَهُ مِن قَبْلُ أيْضًا إلّا أنَّ عِنْدَهم في اليَمَنِ والحِجازِ تَوارِيخَ كَثِيرَةً يَتَعارَفُونَها خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ولَعَلَّها كانَتْ بِاعْتِبارِ حَوادِثَ وقَعَتْ في الأيّامِ الخالِيَةِ، وأنَّهُ لَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اتَّخَذَ المُسْلِمُونَ هِجْرَتَهُ مَبْدَأ التّارِيخِ وتَناسَوْا ما قَبْلَهُ وسَمَّوْا كُلَّ سَنَةٍ أتَتْ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ حادِثَةٍ وقَعَتْ فِيها كَسَنَةِ الإذْنِ، وسَنَةِ الأمْرِ، وسَنَةِ الِابْتِلاءِ وعَلى هَذا المِنوالِ إلى خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَسَألَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ وقالَ: هَذا يَطُولُ ورُبَّما يَقَعُ في بَعْضِ السِّنِينَ اخْتِلافٌ وغَلَطٌ فاخْتارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عامَ الهِجْرَةِ مَبْدَأً مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ السِّنِينَ بِما وقَعَ فِيها فاسْتَحْسَنَتِ الصَّحابَةُ رَأْيَهُ في ذَلِكَ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ البُخارِيِّ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ: إنَّهُ يَأْتِينا مِن أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كُتُبٌ لا نَدْرِي بِأيِّها نَعْمَلُ، وقَدْ قَرَأْنا صَكًّا مَحَلُّهُ شَعْبانُ فَلَمْ نَدْرِ أيَّ الشَّعْبانَيْنِ الماضِي أمِ الآتِي.
وقِيلَ: إنَّهُ هو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَفَعَ إلَيْهِ صَكَّ مَحِلِّهِ شَعْبانَ فَقالَ: أيُّ شَعْبانَ هُوَ؟ ثُمَّ قالَ: إنَّ الأمْوالَ قَدْ كَثُرَتْ فِينا وما قَسَّمْناهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَكَيْفَ التَّوَصُّلُ إلى ضَبْطِهِ؟ فَقالَ لَهُ مَلِكُ الأهْوازِ وكانَ قَدْ أُسِرَ وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ: إنَّ لِلْعَجَمِ حِسابًا يُسَمُّونَهُ ماهُرُوزَ يُسْنِدُونَهُ إلى مَن غَلَبَ مِنَ الأكاسِرَةِ ثُمَّ شَرَحَهُ لَهُ وبَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ضَعُوا لِلنّاسِ تارِيخًا يَتَعامَلُونَ عَلَيْهِ وتَضْبُطُ أوْقاتَهُمْ، فَذَكَرُوا لَهُ تارِيخَ اليَهُودِ فَما ارْتَضاهُ، والفُرْسِ فَما ارْتَضاهُ، فاسْتَحْسَنُوا الهِجْرَةَ تارِيخًا. انْتَهى.
وما ذُكِرَ مِن أنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ بِرَبِيعٍ الأوَّلِ فِيهِ إجْمالٌ، ويَتَّضِحُ المُرادُ مِنهُ بِما في النِّبْراسِ مِن أنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَنَةِ القُدُومِ وبِأوَّلِ شَهْرٍ مِنها، وهو رَبِيعٌ الأوَّلُ عَلى الأصَحِّ فَلْيُفْهَمْ، والشَّهْرُ عِنْدَهم يَنْقَسِمُ إلى شَرْعِيٍّ وحَقِيقِيٍّ، واصْطِلاحِيٍّ؛ فالشَّرْعِيُّ مُعْتَبَرٌ بِرُؤْيَةِ الهِلالِ بِالشَّرْطِ المَعْرُوفِ في الفِقْهِ، وكانَ أوَّلُ هِلالِ المُحَرَّمِ في التّارِيخِ الهِجْرِيِّ لَيْلَةَ الخَمِيسِ، كَما اعْتَمَدَهُ يُونُسُ الحاكِمِيُّ المِصْرِيُّ وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى الحِسابِ، وأمّا بِاعْتِبارِ الرُّؤْيَةِ فَقَدْ حَرَّرَ ابْنُ
صفحة 91
الشّاطِرِ أنَّ هِلالَهُ رُئِيَ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، والحَقِيقِيُّ مُعْتَبَرٌ مِنِ اجْتِماعِ القَمَرِ مَعَ الشَّمْسِ في نُقْطَةِ وعُودِهِ بَعْدَ المُفارَقَةِ إلى ذَلِكَ ولا دَخْلَ لِلْخُرُوجِ مِن تَحْتِ الشُّعاعِ إلّا في إمْكانِ الرُّؤْيَةِ بِحَسَبِ العادَةِ الشّائِعَةِ، قِيلَ: ومُدَّةُ ما ذُكِرَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا ومِائَةٌ وأحَدٌ وتِسْعُونَ جُزْءًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا لِلْيَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، وتَكُونُ السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا وخُمُسَ يَوْمٍ وسُدُسَهُ وثانِيَةً وذَلِكَ إحْدى عَشَرَ جُزْءًا مِن ثَلاثِينَ جُزْءًا مِنَ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، وإذا اجْتَمَعَ مِن هَذِهِ الأجْزاءِ أكْثَرُ مِن نِصْفِ عَدْوِهِ يَوْمًا كامِلًا وزادُوهُ في الأيّامِ، وتَكُونُ تِلْكَ السَّنَةُ حِينَئِذٍ كَبِيسَةً وتَكُونُ أيّامُها ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، ولَمّا كانَتِ الأجْزاءُ السّابِقَةُ أكْثَرَ مِن نِصْفٍ جَبَرُوها بِيَوْمٍ كامِلٍ، واصْطَلَحُوا عَلى جَعْلِ الأشْهُرِ شَهْرًا كامِلًا وشَهْرًا ناقِصًا فَهَذا هو الشَّهْرُ الِاصْطِلاحِيُّ، فالمُحَرَّمُ في اصْطِلاحِهِمْ ثَلاثُونَ يَوْمًا وصَفَرُ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ، وهَكَذا إلى آخِرِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ الأفْرادُ مِنها ثَلاثُونَ وأوَّلُها المُحَرَّمُ والأزْواجُ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ وأوَّلُها صَفَرٌ إلّا ذا الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الكَبِيسَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِاصْطِلاحِهِمْ عَلى جَعْلِ ما زادُوهُ في أيّامِ السَّنَةِ الكَبِيسَةِ في ذِي الحِجَّةِ آخِرَ السَّنَةِ.
وحَيْثُ كانَ مَدارُ الشَّهْرِ الشَّرْعِيِّ عَلى الرُّؤْيَةِ اخْتَلَفَتِ الأشْهُرُ فَكانَ بَعْضُها ثَلاثِينَ وبَعْضُها تِسْعَةً وعِشْرِينَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ رَمَضانُ وذُو الحِجَّةِ» مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى لا يَنْقُصُ أجْرُهُما والثَّوابُ المُرَتَّبُ عَلَيْهِما، وإنْ نَقَصَ عَدَدُهُما، وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَنْقُصانِ جَمِيعًا في سَنَةٍ واحِدَةٍ غالِبًا، وقِيلَ: لا يَنْقُصُ ثَوابُ ذِي الحِجَّةِ عَنْ ثَوابِ رَمَضانَ حَكاهُ الخَطّابِيُّ وهو ضَعِيفٌ، والأوَّلُ كَما قالَ النَّوَوِيُّ هو الصَّوابُ المُعْتَمَدُ ( ذَلِكَ ) أيْ: تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ لِكَوْنِ العِدَّةِ كَذَلِكَ، ورَجَّحَهُ الإمامُ بِأنَّهُ كَوْنُها أرْبَعَةً مُحَرَّمَةً مُسَلَّمٌ عِنْدَ الكُفّارِ وإنَّما القَصْدُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في النَّسِيءِ والزِّيادَةِ عَلى العِدَّةِ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ التَّفْرِيعَ الآتِيَ يَقْتَضِيهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مَجْمُوعِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ والتَّفْرِيعُ لا يَأْبى ذَلِكَ ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ دِينُ إبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ تَمَسَّكَتْ بِهِ وِراثَةً مِنهُما، وكانُوا يُعَظِّمُونَ الأشْهُرَ الحُرُمَ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ يَلْقى فِيها قاتِلَ أبِيهِ وأخِيهِ فَلا يَهْجُوهُ ويُسَمُّونَ رَجَبَ الأصَمَّ ومُنْصِلَ الأسِنَّةِ حَتّى أحْدَثُوا النَّسِيءَ فَغَيَّرُوا، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( الدِّينُ ) الحُكْمُ والقَضاءُ ومِنَ ( القَيِّمُ ) الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: الدِّينُ هُنا بِمَعْنى الحِسابِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ» أيْ ذَلِكَ الحِسابُ المُسْتَقِيمُ والعَدَدُ الصَّحِيحُ المُسْتَوِي لا ما تَفْعَلُهُ العَرَبُ مِنَ النَّسِيءِ واخْتارَ ذَلِكَ الطَّبَرَسِيُّ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ الإشارَةُ لِما رَجَّحَهُ الإمامُ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ بِهَتْكِ حُرْمَتِهِنَّ وارْتِكابِ ما حُرِّمَ فِيهِنَّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأشْهُرِ الحُرُمِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الشُّهُورِ كُلِّها أيْ فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم في جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ بِفِعْلِ المَعاصِي وتَرْكِ الطّاعاتِ أوْ لا تَجْعَلُوا حَلالَها حَرامًا وحَرامَها حَلالًا كَما فَعَلَ أهْلُ الشِّرْكِ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والعُدُولُ عَنْ ”فِيها“ الأوْفَقُ بِـ ”مِنها“ إلى ( فِيهِنَّ ) مُؤَيِّدٌ لِما عَلَيْهِ الأكْثَرُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ فِيهِنَّ مَنسُوخَةٌ وأنَّ
صفحة 92
الظُّلْمَ مُؤَوَّلٌ بِارْتِكابِ المَعاصِي، وتَخْصِيصُها بِالنَّهْيِ عَنِ ارْتِكابِ ذَلِكَ فِيها مَعَ أنَّ الِارْتِكابَ مَنهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا لِتَعْظِيمِها ولِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يُمَيِّزَ بَعْضَ الأوْقاتِ عَلى بَعْضٍ، فارْتِكابُ المَعْصِيَةِ فِيهِنَّ أعْظَمُ وِزْرًا كارْتِكابِها في الحَرَمِ وحالَ الإحْرامِ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ أنَّ يَغْزُوا في الحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا، واسْتَثْنى هَذا لِأنَّهُ لِلدَّفْعِ فَلا يُمْنَعُ مِنهُ بِالِاتِّفاقِ أوْ لِأنَّ هَتْكَ الحُرْمَةِ في ذَلِكَ لَيْسَ مِنهم بَلْ مِنَ البادِي.
ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالنَّسْخِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ الطّائِفَ وغَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ في شَوّالٍ، وذِي القِعْدَةِ سَنَةَ ثَمانٍ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا، واشْتُهِرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَنْكِيرِهِ ونَصْبِهِ عَلى الحالِ وكَوْنِ ذِي الحالِ مِنَ العُقَلاءِ، وخَطَّئُوا الزَّمَخْشَرِيَّ في قَوْلِهِ في خُطْبَةِ المُفَصَّلِ: مُحِيطًا بِكافَّةِ الأبْوابِ ومُخَطِّؤُهُ هو المُخْطِئُ لِأنّا إذا عَلِمْنا وضْعَ لَفْظٍ لِمَعْنًى عامٍّ بِنَقْلٍ مِنَ السَّلَفِ وتَتَبُّعٍ لِمَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ في كَلامِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ ورَأيْناهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ عَلى حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ جازَ لَنا عَلى ما هو الظّاهِرُ أنْ نُخْرِجَهُ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ لِأنّا لَوِ اقْتَصَرْنا في الألْفاظِ عَلى ما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ العارِبَةُ والمُسْتَعْرِبَةُ نَكُونُ قَدْ حَجَرْنا الواسِعَ وعَسُرَ التَّكَلُّمُ بِالعَرَبِيَّةِ عَلى مَن بَعْدَهُمْ، ولَمّا لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَمّا وُضِعَ لَهُ فَهو حَقِيقَةٌ فَكافَّةٌ، وإنِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ مُنَكَّرًا مَنصُوبًا في النّاسِ خاصَّةً يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا بِوُجُوهِ الإعْرابِ في النّاسِ وغَيْرِهِمْ وهو في كُلِّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْناهُ الَّذِي وضَعُوهُ لَهُ وهو مَعْنى الجَمِيعِ، ومُقْتَضى الوَضْعِ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ ما ذُكِرَ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا جاهِلٌ أوْ مُكابِرٌ، عَلى أنَّهُ ورَدَ في كَلامِ البُلَغاءِ عَلى ما ادَّعَوْهُ، فَفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ: قَدْ جَعَلْتُ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ عَلى كافَّةِ بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ لِكُلِّ عامٍ مِائَتَيْ مِثْقالٍ عَيْنًا ذَهَبًا إبْرِيزًا، وهَذا كَما في ”شَرْحِ المَقاصِدِ“ مِمّا صَحَّ، والخَطُّ كانَ مَوْجُودًا في آلِ بَنِي كاكِلَةَ إلى قَرِيبِ هَذا الزَّمانِ بِدِيارِ العِراقِ، ولَمّا آلَتِ الخِلافَةُ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عُرِضَ عَلَيْهِ فَنَفَّذَ ما فِيهِ لَهم وكَتَبَ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ: ”لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ“ أنا أوَّلُ مَن تَبِعَ أمْرًا مِنَ الإسْلامِ ونَصَرَ الدِّينَ والأحْكامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ورُسِمَتْ بِمِثْلِ ما رُسِمَ لِآلِ بَنِيَ كاكِلَةَ في كُلِّ عامٍ مِائَتَيْ دِينارٍ ذَهَبًا إبْرِيزًا، واتَّبَعْتُ أثَرَهُ وجَعَلْتُ لَهم مِثْلَ ما رَسَمَ عُمَرُ إذْ وجَبَ عَلَيَّ وعَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ اتِّباعُ ذَلِكَ. كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. فانْظُرْ كَيْفَ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مَعْرِفَةً غَيْرَ مَنصُوبَةٍ لِغَيْرِ العُقَلاءِ وهو مَن هو في الفَصاحَةِ، وقَدْ سَمِعَهُ مِثْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولَمْ يُنْكِرْهُ وهو واحِدُ الأحَدِينَ، فَأيُّ إنْكارٍ واسْتِهْجانٍ يُقْبَلُ بَعْدُ. فَقَوْلُهُ في ”المُغْنِي“: - كافَّةً - مُخْتَصٌّ بِمَن يَعْقِلُ ووَهِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ إذْ قَدَّرَ كافَّةً نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِسالَةً كافَّةً لِأنَّهُ أضافَ إلى اسْتِعْمالِهِ فِيما لا يَعْقِلُ إخْراجَهُ عَمّا التُزِمَ فِيهِ مِنَ الحالِ كَوَهْمِهِ في خُطْبَةِ المُفَصَّلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وإذا جازَ تَعْرِيفُهُ بِالإضافَةِ جازَ بِالألِفِ واللّامِ أيْضًا ولا عِبْرَةَ بِمَن خَطَّأ فِيهِ كَصاحِبِ القامُوسِ وابْنِ الخَشّابِ، وهو عِنْدَ الأزْهَرِيِّ مَصْدَرٌ عَلى فاعِلَةٍ كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ رِوايَةٍ وعَلامَةٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ، ونُقِلَ أنَّ المَعْنى هُنا: قاتِلُوهم كافِّينَ لَهم كَما يُقاتِلُونَكم كافِّينَ لَكم، وقِيلَ: مَعْناهُ جَماعَةً، وقِيلَ لِلْجَماعَةِ الكافَّةِ كَما يُقالُ لَهُمُ الوَزَعَةُ لِقُوَّتِهِمْ بِاجْتِماعِهِمْ، وِتاؤُهُ كَتاءِ جَماعَةٍ، والحاصِلُ أنَّهم رِوايَةً ودِرايَةً لَمْ يُصِيبُوا
صفحة 93
فِيما التَزَمُوهُ مِن تَنْكِيرِهِ ونَصْبِهِ واخْتِصاصِهِ بِالعُقَلاءِ، وأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أصْلِهِ هَلْ هو مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الكَفِّ وأنَّ تاءَهُ هَلْ هي لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِلتَّأْنِيثِ، ثُمَّ إنَّهم تَصَرَّفُوا فِيهِ واسْتَعْمَلُوهُ لِلتَّعْمِيمِ بِمَعْنى جَمِيعًا وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الأكْثَرُونَ ما في الآيَةِ قالُوا: وهو مَصْدَرُ كَفَّ عَنِ الشَّيْءِ، وإطْلاقُهُ عَلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَكْفُوفٌ عَنِ الزِّيادَةِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَكُفُّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ أوِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ، وهو حالٌ إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ، فَمَعْنى قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً لا يَتَخَلَّفُ أحَدٌ مِنكم عَنْ قِتالِهِمْ أوْ لا تَتْرُكُوا قِتالَ واحِدٍ مِنهم، وكَذا في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ عَلى أنَّ القِتالَ فَرْضُ عَيْنٍ.
وقِيلَ: وهو كَذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ وأنْكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ( ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ) بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ فاتَّقُوا لِتَفُوزُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ سُبْحانَهُ فَهو إرْشادٌ لَهم إلى ما يَنْفَعُهم في قِتالِهِمْ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ مَعَكم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ فِيما تُباشِرُونَهُ مِنَ القِتالِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى وحَثًّا لِلْقاصِرِينَ عَلى ذَلِكَ وإيذانًا بِأنَّهُ المَدارُ في النَّصْرِ، وقِيلَ: هي بِشارَةٌ وضَمانٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ بِسَبَبِ تَقْواهم كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّعْلِيقُ بِالمُشْتَقِّ، وما ذَكَرْناهُ نَحْنُ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى فِيهِ أعَمُّ مِنَ الأحْداثِ والدَّوامِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
التوبة 9:37
﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾ هو مَصْدَرُ نَسَأهُ إذا أخَّرَهُ وجاءَ النَّسْيُ كالنَّهْيِ والنَّسْءُ كالبَدْءِ والنِّساءُ كالنِّداءِ وثَلاثَتُها مَصادِرُ نَسَأهُ كالنَّسِيءِ، وقِيلَ: هو وصْفٌ كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرٍ بِخِلافِ ما إذا كانَ صِفَةً فَإنَّهُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ بِزِيادَةٍ إلّا بِتَأْوِيلِ ”ذُو زِيادَةٍ“ أوْ ”إنْساءُ النَّسِيءِ زِيادَةٌ“، وقَدْ قُرِئَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ ( النَّسِيُّ ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ، والمُرادُ بِهِ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى آخَرَ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا جاءَ شَهْرٌ حَرامٌ وهم مُحارِبُونَ أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ فَيَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ ويُحَرِّمُونَ صَفَرًا فَإنِ احْتاجُوا أيْضًا أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ حَتّى اسْتَدارَ التَّحْرِيمُ عَلى شُهُورِ السَّنَةِ كُلِّها، وكانُوا يَعْتَبِرُونَ في التَّحْرِيمِ مُجَرَّدَ العَدَدِ لا خُصُوصِيَّةَ الأشْهُرِ المَعْلُومَةِ، ورُبَّما زادُوا في عَدَدِ الشُّهُورِ بِأنْ يَجْعَلُوها ثَلاثَةَ عَشَرَ أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ لِيَتَّسِعَ لَهُمُ الوَقْتُ ويَجْعَلُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ حَرامًا أيْضًا، ولِذَلِكَ نُصَّ عَلى العَدَدِ المُعَيَّنِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وكانَ يَخْتَلِفُ وقْتُ حَجِّهِمْ لِذَلِكَ، وكانَ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ الَّتِي حَجَّ بِها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالنّاسِ في ذِي القِعْدَةِ وفي حِجَّةِ الوَداعِ في ذِي الحِجَّةِ وهو الَّذِي كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ» الحَدِيثَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عامَيْنِ فَحَجُّوا في ذِي الحِجَّةِ عامَيْنِ وفي المُحَرَّمِ عامَيْنِ وهَكَذا، ووافَقَتْ حَجَّةُ الصِّدِّيقِ في ذِي القِعْدَةِ مِن سَنَتِهِمُ الثّانِيَةِ، وكانَتْ حَجَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ مِن قَبْلُ ولِذا قالَ ما قالَ، أيْ إنَّما ذَلِكَ التَّأْخِيرُ ( ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ ) الَّذِي هم عَلَيْهِ لِأنَّهُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى وقَدِ اسْتَحَلُّوهُ واتَّخَذُوهُ شَرِيعَةً وذَلِكَ كُفْرٌ ضَمُّوهُ إلى كَفْرِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَعْصِيَةٌ ضُمَّتْ إلى الكُفْرِ وكَما يَزْدادُ الإيمانُ بِالطّاعَةِ يَزْدادُ الكُفْرُ بِالمَعْصِيَةِ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ المَعْصِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الكُفْرِ بِخِلافِ الطّاعَةِ فَإنَّها مِنَ الإيمانِ عَلى رَأْيٍ، وأُجِيبُ عَنْهُ بِما لا يَصْفُو عَنِ الكَدَرِ ( ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ) إضْلالًا عَلى إضْلالِهِمُ القَدِيمِ، وقُرِئَ ( يُضِلُّ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ
صفحة 94
مِنَ الأفْعالِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ يَخْلُقُ فِيهِمُ الضَّلالَ عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِمَبادِيهِ وأسْبابِهِ وهو المَعْنى عَلى قِراءَةِ الأُولى أيْضًا، وقِيلَ الفاعِلُ في القِراءَتَيْنِ الشَّيْطانُ، وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ فاعِلًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أتْباعُهم، وقِيلَ: الفاعِلُ الرُّؤَساءُ والمَفْعُولُ المَوْصُولُ، وقُرِئَ ( يَضِلُّ ) بِفَتْحِ الياءِ والضّادِ مِن ضَلَلَ يَضْلِلُ، و( نَضِلُّ ) بِنُونِ العَظَمَةِ ( ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ ) أيِ: الشَّهْرَ المُؤَخَّرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنَّسِيءِ عَلى أنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ( ﴿عامًا﴾ ) مِنَ الأعْوامِ ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ مِمّا لَيْسَ بِحَرامٍ ( ﴿ويُحَرِّمُونَهُ﴾ ) أيْ يُحافِظُونَ عَلى حُرْمَتِهِ كَما كانَتْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ بِاعْتِبارِ إحْلالِهِمْ في العامِ الماضِي أوْ لِإسْنادِهِمْ لَهُ إلى آلِهَتِهِمْ كَما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ( ﴿عامًا﴾ ) آخَرَ إذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَغْيِيرِهِ غَرَضٌ مِن أغْراضِهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ يُقالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وكانَ إذا هَمَّ النّاسُ بِالصُّدُورِ مِنَ المَوْسِمِ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ويَقُولُ لا مَرَدَّ لِما قَضَيْتُ أنا الَّذِي لا أُعابَ ولا أُخابُ فَيَقُولُ لَهُ المُشْرِكُونَ: لَبَّيْكَ، ثُمَّ يَسْألُونَهُ أنْ يُنْسِئَهم شَهْرًا يَغْزُونَ فِيهِ فَيَقُولُ: إنَّ صَفَرَ العامِ حَرامٌ، فَإذا قالَ ذَلِكَ حَلُّوا الأوْتارَ ونَزَعُوا الأسِنَّةَ والأزِجَّةَ وإنْ قالَ: حَلالٌ عَقَدُوا الأوْتارَ ورَكِبُوا الأزِجَّةَ وأغارُوا.
وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ وكانَ مُطاعًا في الجاهِلِيَّةِ وكانَ يَقُومُ عَلى جَمَلٍ في المَوْسِمِ فَيُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ إنَّ آلِهَتَكم قَدْ أحَلَّتْ لَكُمُ المُحَرَّمَ فَأحَلُّوهُ، ثُمَّ يَقُومُ في العامِ القابِلِ فَيَقُولُ: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحَرَّمَ فَحَرِّمُوهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَتِ النَّسّاءَةُ حَيًّا مِن بَنِي مالِكِ بْنِ كِنانَةَ وكانَ آخِرُهم رَجُلًا يُقالُ لَهُ القَلَمَّسُ وهو الَّذِي أنْسَأ المُحَرَّمَ وكانَ مَلِكًا في قَوْمِهِ وأنْشَدَ شاعِرُهم:
ومِنّا ناسِئُ الشَّهْرِ القَلَمَّسُ
وقالَ الكُمَيْتُ:
ونَحْنُ النّاسِئُونَ عَلى مَعَدٍّ ∗∗∗ شُهُورُ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أوَّلَ مَن سَنَّ النَّسِيءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ فَلا مَحَلَّ لَهُما مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُما حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ عامِلُهُ ( ﴿لِيُواطِئُوا﴾ ) أيْ لِيُوافِقُوا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( لِيُوَطِّئُوا ) بِالتَّشْدِيدِ ( ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يُحَرِّمُونَهُ“ أيْ يُحَرِّمُونَهُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ ذَلِكَ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الفِعْلَيْنِ أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا لِأجْلِ المُوافَقَةِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِنَ التَّنازُعِ ( ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ ) بِخُصُوصِهِ مِنَ الأشْهُرِ المُعَيَّنَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمُ العِدَّةُ والتَّخْصِيصُ فَحَيْثُ تَرَكُوا التَّخْصِيصَ فَقَدِ اسْتَحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ ) وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى أيْ جَعَلَ أعْمالَهم مُشْتَهاةً لِلطَّبْعِ مَحْبُوبَةً لِلنَّفْسِ، وقِيلَ: خَذَلَهم حَتّى رَأوْا حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ، وقِيلَ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ وذَلِكَ بِالوَسْوَسَةِ والإغْواءِ بِالمُقَدِّماتِ الشِّعْرِيَّةِ ( ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ) هِدايَةً مُوَصِّلَةً لِلْمَطْلُوبِ البَتَّةَ وإنَّما يَهْدِيهِمْ إلى ما يُوصَلُ إلَيْهِ عِنْدَ سُلُوكِهِ وهم قَدْ صَدُّوا عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ فَتاهُوا في تِيهِ الضَّلالِ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ إمّا المُتَقَدِّمُونَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ أوِ الأعَمِّ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
التوبة 9:38
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَوْدٌ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ وحَثِّهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ طَرَفٍ مِن فَضائِحِ أعْدائِهِمْ ( ﴿ما لَكُمْ﴾ ) اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ( ﴿إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) أيِ اخْرُجُوا لِلْجِهادِ، وأصْلُ النَّفْرِ عَلى ما قِيلَ الخُرُوجُ
صفحة 95
لِأمْرٍ أوْجَبَ ذَلِكَ ( ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ ) أيْ تَباطَأْتُمْ ولَمْ تُسْرِعُوا وأصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِلتَّوَصُّلِ إلى الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
تُؤْتِي الضَّجِيعَ إذا ما اشْتاقَها خَفَرًا عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبُلَ
وبِهِ تَتَعَلَّقُ ( إذا ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والفِعْلُ ماضٍ لَفْظًا مُضارِعٌ مَعْنًى أيْ ما لَكم مُتَثاقِلِينَ حِينَ قالَ لَكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ انْفِرُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ في ( إذا ) الِاسْتِقْرارَ المُقَدَّرَ في ( لَكم ) أوْ مَعْنى الفِعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أيْ أيُّ شَيْءٍ حاصِلٌ أوْ حَصَلَ لَكم أوْ ما تَصْنَعُونَ حِينَ قِيلَ لَكُمُ انْفَرُوا، وقُرِئَ ( أثّاقَلْتُمْ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهَمْزَةُ الوَصْلِ سَقَطَتْ في الدَّرْجِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَصِحُّ تَعَلُّقِ ( إذا ) بِهَذا الفِعْلِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدارَةُ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ: يُتَوَسَّعُ في الظَّرْفِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ يَجَوِّزُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿إلى الأرْضِ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِاثّاقَلْتُمْ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ ولَوْلاهُ لَمْ يُعَدَّ بِإلى، أيِ اثّاقَلْتُمْ مائِلِينَ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها الفانِيَةِ عَمّا قَلِيلٍ وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ الجِهادِ ومَتاعِبَهُ المُسْتَتْبَعَةَ لِلرّاحَةِ الخالِدَةِ والحَياةِ الباقِيَةِ أوْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم ودِيارِكم والأوَّلُ أبْلَغُ في الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ أبْعَدُ عَنْ تَوَهُّمِ شائِبَةِ التَّكْرارِ في الآيَةِ، وكانَ هَذا التَّثاقُلُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وكانَتْ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ أنْ رَجَعَ مِنَ الطّائِفِ أقامَ بِالمَدِينَةِ قَلِيلًا ثُمَّ اسْتَنْفَرَ النّاسَ في وقْتِ عُسْرَةٍ وشِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ وجَدْبٍ مِنَ البِلادِ، وقَدْ أُدْرِكَتْ ثِمارُ المَدِينَةِ وطابَتْ ظِلالُها مَعَ بَعْدِ الشُّقَّةِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ فَشَقَّ عَلَيْهِ الشُّخُوصُ لِذَلِكَ.
وذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ قَلَّما يَخْرُجُ في غَزْوَةٍ إلّا كَنّى عَنْها وأخْبَرَ أنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الوَجْهِ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ إلّا ما كانَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَها لِلنّاسِ لِيَتَأهَّبُوا لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ» ( ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ ) وغُرُورِها ( ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ ) أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها الدّائِمِ ( ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ) أيْ فَما فَوائِدُها ومَقاصِدُها أوْ فَما التَّمَتُّعُ بِها وبِلَذائِذِها ( ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ) أيْ في جَنْبِ الآخِرَةِ ( ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ ) مُسْتَحْقَرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، و( في ) هَذِهِ تُسَمّى القِياسِيَّةَ لِأنَّ المَقِيسَ يُوضَعُ في جَنْبِ ما يُقاسُ بِهِ، وفي تَرْشِيحِ الحَياةِ الدُّنْيا بِما يُؤْذِنُ بِنَفاسَتِها ويَسْتَدْعِي الرَّغْبَةَ فِيها وتَجْرِيدُ الآخِرَةِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ حَقارَةِ الدُّنْيا ودَناءَتِها وعِظَمِ شَأْنِ الآخِرَةِ ورِفْعَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ المِسْوَرِ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واللَّهُ «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ في اليَمِّ ثُمَّ يَرْفَعُها فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ»“ . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَهْلٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَرَأى شاةً شائِلَةً بِرِجْلِها فَقالَ: أتَرَوْنَ هَذِهِ الشّاةَ هَيِّنَةً عَلى صاحِبِها؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ عَلى صاحِبِها ولَوْ كانَتْ تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ»“ ولا أرى الِاسْتِدْلالَ عَلى رَداءَةِ الدُّنْيا إلّا اسْتِدْلالًا في مَقامِ الضَّرُورَةِ، نَعَمْ هي نِعْمَتُ الدّارُ لِمَن تَزَوَّدَ مِنها لِآخِرَتِهِ.
التوبة 9:39
﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ أيْ: إلّا تَخْرُجُوا إلى ما دَعاكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْخُرُوجِ لَهُ ( ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ )
صفحة 96
أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ( ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ ) بِالإهْلاكِ بِسَبَبٍ فَظِيعٍ لِقَحْطٍ، وظُهُورِ رَعْدٍ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ التَّعْذِيبَ بِالآخِرَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَمَّمَهُ آخَرُونَ واعْتَبَرُوا فِيهِ الإهْلاكَ لِيَصِحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ويَسْتَبْدِلْ ) عَلَيْهِ أيْ ويَسْتَبْدِلْ بِكم بَعْدَ إهْلاكِكم ( قَوْمًا غَيْرَكم ) وصَفَهم بِالمُغايَرَةِ لَهم لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ والتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ بِالدَّلالَةِ عَلى المُغايَرَةِ الوَصْفِيَّةِ والذّاتِيَّةِ المُسْتَلْزَمَةِ لِلِاسْتِئْصالِ، أيْ قَوْمًا مُطِيعِينَ مُؤْثِرِينَ لِلْآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا لَيْسُوا مِن أوْلادِكم ولا أرْحامِكم وهم أبْناءُ فارِسَ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أوْ أهْلُ اليَمَنِ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي رَوْقٍ أوْ ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ كَما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ( ﴿ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ ) مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نُصْرَةِ دِينِهِ أصْلًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ أمْرٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَهُ العِصْمَةَ والنَّصْرَ وكانَ وعْدُهُ سُبْحانَهُ مَفْعُولًا لا مَحالَةَ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وغَيْرُهُ، ويُقَرِّبُ الثّانِيَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ الآتِي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اتِّفاقًا ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى إهْلاكِهِمْ والإتْيانِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، وقِيلَ: عَلى التَّبْدِيلِ وتَغْيِيرِ الأسْبابِ والنُّصْرَةِ بِلا مَدَدٍ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَتْمِيمًا لِما قَبْلُ وتَوْطِئَةً لِما بَعْدُ.
التوبة 9:40
﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن مَكَّةَ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلَيْهِمْ إسْنادٌ إلى السَّبَبِ البَعِيدِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخُرُوجِ حِينَ كانَ مِنهم ما كانَ فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِنَفْسِهِ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ أحَدَ اثْنَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ورابِعُ أرْبَعَةٍ ونَحْوُ ذَلِكَ أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا لا الثّالِثُ والرّابِعُ خاصَّةً، ولِذا مَنَعَ الجُمْهُورُ أنْ يُنْصَبَ ما بَعْدُ بِأنْ يُقالَ ثالِثُ ثَلاثَةً ورابِعُ أرْبَعَةً، فَلا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ تَوْجِيهِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثانِيَهُما كَما فَعَلَهُ بَعْضُهم، وقُرِئَ ( ثانِي ) بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُجْرِي النّاقِصَ مَجْرى المَقْصُورِ في الإعْرابِ، ولَيْسَ بِضَرُورَةٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ وقالَ: إنَّهُ مِن أحْسَنَ الضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، واسْتَشْكَلَتِ الشَّرْطِيَّةُ بِأنَّ الجَوابَ فِيها ماضٍ ويَتَشَرَّطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا حَتّى إذا كانَ ماضِيًا قُلِبَ مُسْتَقْبَلًا وهُنا لَمْ يَنْقَلِبْ، وأُجِيبُ بِأنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ سَبَبُهُ مَقامَهُ وهو مُسْتَقْبَلٌ أيْ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَسَيَنْصُرُهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي قَدْ نَصَرَهُ في وقْتِ ضَرُورَةٍ أشَدَّ مِن هَذِهِ المَرَّةِ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ حِينَ نَصَرَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَنْ يَخْذُلَهُ في غَيْرِهِ، وفَرْقٌ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بَعْدَ اشْتِراكِهِما في أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ بِأنَّ الدّالَّ عَلَيْهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ النُّصْرَةُ المُقَيَّدَةُ بِزَمانِ الضَّعْفِ والقِلَّةِ في السّالِفِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مَعْرِفَتُهم بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَنصُورِينَ، وقالَ القُطْبُ: الوَجْهانِ مُتَقارِبانِ إلّا أنَّ الأوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلى القِياسِ والثّانِيَ عَلى الِاسْتِصْحابِ، فَإنَّ النُّصْرَةَ ثابِتَةٌ في تِلْكَ الحالَةِ فَتَكُونُ ثابِتَةً في الِاسْتِقْبالِ إذِ الأصْلُ بَقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يُقَدَّرُ الجَوابُ وعَلى الثّانِي هو نَصْرٌ مُسْتَمِرٌّ فَيَصِحُّ تَرْتِيبُهُ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِشُمُولِهِ لَهُ ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ بَدَلُ البَعْضِ إذِ المُرادُ بِهِ زَمانٌ مُتَّسِعٌ فَلا يُتَوَهَّمُ التَّغايُرُ المانِعُ مِنَ البَدَلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ والمُرادُ بِالغارِ ثُقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ وهو جَبَلٌ في الجِهَةِ اليُمْنى لِمَكَّةَ عَلى مَسِيرِ ساعَةٍ، مَكَثا فِيهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
صفحة 97
تَعالى عَنْهُما ثَلاثَةَ أيّامٍ يَخْتَلِفُ إلَيْهِما بِالطَّعامِ عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ؛ وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُجَهِّزُهُما فاشْتَرى ثَلاثَةَ أباعِرَ مِن إبِلِ البَحْرَيْنِ واسْتَأْجَرَ لَهُما دَلِيلًا، فَلَمّا كانا في بَعْضِ اللَّيْلِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ أتاهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالإبِلِ والدَّلِيلِ، فَرَكِبُوا وتَوَجَّهُوا نَحْوَ المَدِينَةِ، ولِاخْتِفائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الغارِ ثَلاثَةً اخْتَفى الإمامُ أحْمَدُ فِيما يُرْوى زَمَنَ فِتْنَةِ القُرْآنِ كَذَلِكَ لَكِنْ لا في الغارِ، واخْتَفى هَذا العَبْدُ الحَقِيرُ زَمَنَ فَتْحِ بَغْدادَ بَعْدَ المُحاصَرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وأرْبَعِينَ بَعْدَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ خَوْفًا مِنَ العامَّةِ وبَعْضِ الخاصَّةِ لِأُمُورٍ نُسِبَتْ إلَيَّ وافْتَراها بَعْضُ المُنافِقِينَ عَلَيَّ في سِرْدابٍ عِنْدَ بَعْضِ الأحِبَّةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ أخْرَجَنِي مِنهُ بِالعِزِّ أمِينٌ وأيَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِالغُرِّ المَيامِينَ ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، وقِيلَ: أوَّلُ ( لِصاحِبِهِ ) وهو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنْتَ صاحِبِي في الغارِ، وأنْتَ مَعِي عَلى الحَوْضِ» وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ هو، وابْنُ عُدَيٍّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِحَسّانَ: هَلْ قُلْتَ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَيْئًا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُلْ وأنا أسْمَعُ، فَقالَ حَسّانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
وثانِيَ اثْنَيْنِ في الغارِ المَنِيفِ وقَدْ طافَ العَدُوُّ بِهِ إذْ صاعَدَ الجَبَلا
وكانَ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ مِنَ البَرِّيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلًا
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ ثُمَّ قالَ: صَدَقْتَ يا حَسّانُ هو كَما قُلْتَ» ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ أحَدٌ حَتّى الشِّيعَةُ فِيما أعْلَمُ لَكِنَّهم يَقُولُونَ ما سَتَعْلَمُهُ ورَدَّهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ بِالعِصْمَةِ والمَعُونَةِ فَهي مَعِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ وإلّا فَهو تَعالى مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَلْقِهِ، رَوى الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو بَكْرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الغارِ فَرَأيْتُ آثارَ المُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدَهم رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا تَحْتَ قَدَمِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا أبا بَكْرٍ ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ تَعالى ثالِثُهُما» . ورَوى البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ. «أنَّهُ لَمّا دَخَلا الغارَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى العَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلى فَمِ الغارِ وبَعَثَ حَمامَتَيْنِ وحْشِيَّتَيْنِ فَباضَتا فِيهِ، وأقْبَلَ فِتْيانُ قُرَيْشٍ مِن كُلِّ بَطْنٍ رُجْلًا بِعِصِيِّهِمْ وسُيُوفِهِمْ حَتّى إذا كانُوا قَدْرَ أرْبَعِينَ ذِراعًا تَعَجَّلَ بَعْضُهم فَنَظَرَ في الغارِ لِيَرى أحَدًا فَرَأى حَمامَتَيْنِ فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: لَيْسَ في الغارِ أحَدٌ ولَوْ كانَ قَدْ دَخَلَهُ أحَدٌ ما بَقِيَتْ هاتانِ الحَمامَتانِ ”. وجاءَ في رِوايَةٍ قالَ بَعْضُهم: إنَّ عَلَيْهِ لَعَنْكَبُوتًا قَبْلَ مِيلادِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْصَرَفُوا، وأوَّلُ مَن دَخَلَ الغارَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ»، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا انْطَلَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغارِ قالَ أبُو بَكْرٍ: لا تَدْخُلْ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى أسْتَبْرِئَهُ فَدَخَلَ الغارَ فَأصابَ يَدَهُ شَيْءٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ أُصْبُعِهِ وهو يَقُولُ:
ما أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
»
صفحة 98
رَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ“ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُهاجِرًا تَبِعَهُ أبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يَمْشِي مَرَّةً أمامَهُ ومَرَّةً خَلْفَهُ ومَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ ومَرَّةً عَنْ يَسارِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما هَذا يا أبا بَكْرٍ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أذْكُرُ الرَّصْدَ فَأكُونُ أمامَكَ وأذْكُرُ الطَّلَبَ فَأكُونُ خَلْفَكَ، ومَرَّةً عَنْ يَمِينِكَ ومَرَّةً عَنْ يَسارِكَ، لا آمَنُ عَلَيْكَ، فَمَشى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَتَهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ حَتّى حَفِيَتْ رِجْلاهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ حَمَلَهُ عَلى كاهِلِهِ وجَعَلَ يَشْتَدُّ بِهِ حَتّى أتى فَمَ الغارِ فَأنْزَلَهُ ثُمَّ قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا تَدْخُلْ حَتّى أدْخُلَهُ فَإنْ كانَ فِيهِ شَيْءٌ نَزَلَ بِي قَبْلَكَ، فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَحَمَلَهُ فَأدْخَلَهُ، وكانَ في الغارِ خَرْقٌ فِيهِ حَيّاتٌ وأفاعِي فَخَشِيَ أبُو بَكْرٌ أنْ يَخْرُجَ مِنهُنَّ شَيْءٌ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَألْقَمَهُ قَدَمَهُ فَجَعَلْنَ يَضْرِبْنَهُ ويَلْسَعْنَهُ وجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَتَحَدَّرُ وهو لا يَرْفَعُ قَدَمَهُ حُبًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ”. وفي رِوايَةٍ:“ أنَّهُ سَدَّ كُلَّ خَرْقٍ في الغارِ بِثَوْبِهِ قَطَعَهُ لِذَلِكَ قِطَعًا وبَقِيَ خَرْقٌ سَدَّهُ بِعَقِبِهِ ”» رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ وهي الطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي تَسْكُنُ عِنْدَها القُلُوبُ ( عَلَيْهِ ) أيْ: عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الضَّمِيرَ لِلصّاحِبِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ نَحْوَهُ، وقِيلَ: وهو الأظْهَرُ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَنْزَعِجْ حَتّى يَسْكُنَ ولا يُنافِيهُ تَعَيُّنُ ضَمِيرِ ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَطْفِهِ عَلى ( نَصَرَهُ اللَّهُ ) لا عَلى ( أنْزَلَ ) حَتّى تَتَفَكَّكَ الضَّمائِرُ عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَطْفُ عَلَيْهِ كَما قِيلَ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلصّاحِبِ أيْضًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:“ يا أبا بَكْرٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَكَ» إلَخْ وأنْ أبَيْتُ فَأيُّ ضَرَرٍ في التَّفْكِيكِ إذا كانَ الأمْرُ ظاهِرًا.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ وادَّعى أنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ، وإنْزالُ السَّكِينَةِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِدَفْعِ الِانْزِعاجِ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِرِفْعَتِهِ ونَصْرِهِ ﷺ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ وفِيهِ بُعْدٌ، وفَسَّرَها بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ بِما لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ خَوْفٍ أصْلًا، والمُرادُ بِالجُنُودِ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ، وقِيلَ: هم مَلائِكَةٌ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى لِيَحْرُسُوهُ في الغارِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَأى رَجُلًا يُواجِهُ الغارَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَرَآنا، قالَ: كَلّا إنَّ المَلائِكَةَ تَسْتُرُهُ الآنَ بِأجْنِحَتِها فَلَمْ يَنْشَبِ الرَّجُلُ أنْ قَعَدَ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَهُما فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ لَوْ كانَ يَرانا ما فَعَلَ هَذا»، والظّاهِرُ أنَّهُما عَلى هَذا كانا في الغارِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُما عادَةً مِمَّنْ هو خارِجَ الغارِ، واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يَأْباهُ وصْفُ الجُنُودِ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ المُخاطِبِينَ لَهم إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن هَذا الوَصْفُ مُجَرَّدُ تَعْظِيمِ أمْرِ الجُنُودِ، ومَن جَعَلَ العَطْفَ عَلى ( أنْزَلَ ) التَزَمَ القَوْلَ المَذْكُورَ لِاقْتِضائِهِ لِظاهِرِ حالِ الفاءِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْزالُ مُتَعَقَّبًا عَلى ما قَبْلَهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَأتّى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في الجُنُودِ ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أيْ: كَلِمَتُهُمُ الَّتِي اجْتَمَعُوا عَلَيْها في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في دارِ النَّدْوَةِ حَيْثُ نَجّاهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ وحَفِظَهُ مِن كَيْدِهِمْ مَعَ أنَّهم لَمْ يَدَعُوا في القَوْسِ مَنزَعًا في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِ، وجَعَلُوا الدِّيَةَ لِمَن يَقْتُلُهُ أوْ يَأْسِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَرَجُوا في طَلَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رِجالًا ورُكْبانًا فَرَجَعُوا صِفْرَ الأكُفِّ سُودَ الوُجُوهِ، وصارَ لَهُ بَعْضُ
صفحة 99
مَن كانَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبُو بَكْرٍ التَفَتَ أبُو بَكْرٍ فَإذا هو بِفارِسٍ قَدْ لَحِقَهم فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَذا فارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنا فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ فَصُرِعَ عَنْ فَرَسِهِ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِما شِئْتَ قالَ: فَقِفْ مَكانَكَ لا تَتْرُكَنَّ أحَدًا يَلْحَقُ بِنا، فَكانَ أوَّلَ النَّهارِ جاهِدًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآخِرَ النَّهارِ مَسْلَحَةً» وكانَ هَذا الفارِسُ سُراقَةَ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ لِأبِي جَهْلٍ:
أبا حَكَمٍ واللَّهِ لَوْ كُنْتَ شاهِدًا ∗∗∗ لِأمْرِ جَوادِي إذْ تَسِيخُ قَوائِمُهُ
عَلِمْتَ ولَمْ تَشْكُكْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ∗∗∗ رَسُولٌ بِبُرْهانٍ فَمَن ذا يُقاوِمُهُ
وصَحَّ مِن حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ القَوْمَ طَلَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبا بَكْرٍ، وقالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يُدْرِكْنا مِنهم إلّا سِراقَةُ عَلى فَرَسٍ لَهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنا فَقالَ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ حَتّى إذا دَنا فَكانَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ قَدْرَ رُمْحٍ أوْ رُمْحَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنا وبَكَيْتُ قالَ: لِمَ تَبْكِي؟ قُلْتُ: أما واللَّهِ ما أبْكِي عَلى نَفْسِي ولَكِنْ أبْكِي عَلَيْكَ فَدَعا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ أكْفِناهُ بِما شِئْتَ فَساخَتْ فَرَسُهُ إلى بَطْنِها في أرْضٍ صَلْدَةٍ ووَثَبَ عَنْها وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ هَذا عَمَلُكَ فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُنْجِيَنِي مِمّا أنا فِيهِ فَواللَّهِ لَأُعْمِيَنَّ عَلى مَن ورائِي مِنَ الطَّلَبِ وهَذِهِ كِنانَتِي فَخُذْ مِنها سَهْمًا فَإنَّكَ سَتَمُرُّ بِإبِلِي وغَنَمِي في مَوْضِعِ كَذا وكَذا فَخُذْ مِنها حاجَتَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لا حاجَةَ لِي فِيها ودَعا لَهُ فانْطَلَقَ ورَجَعَ إلى أصْحابِهِ ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى قَدِمْنا المَدِينَةَ» الحَدِيثَ، ويَجُوزُ تَفْسِيرُ الكَلِمَةِ بِالشِّرْكِ وهو الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَهي مَجازٌ عَنْ مُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي مِن شَأْنِهِمُ التَّكَلُّمُ بِهِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِدَعْوَةِ الكُفْرِ فَهي بِمَعْنى الكَلامِ مُطْلَقًا، وزَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ الجَعْلَ المَذْكُورَ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ آبَ عَنْ حَمْلِ الجُنُودِ عَلى المَلائِكَةِ الحارِسِينَ لِأنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الإنْجاءِ بَلْ بِالقَتْلِ والأسْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا إباءَ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ نَحْنُ عَلى أنَّ كَوْنَ الإنْجاءِ مَبْدَأٌ لِلْجَعْلِ بِتَفْسِيرَيْهِ كافٍ في دَفْعِ الإباءِ بِلا امْتِراءٍ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها وعْدُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ وإمّا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وإمّا دَعْوَةُ الإسْلامِ كَما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ مِنَ المُبالَغَةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الجَعْلَ لَمْ يَتَطَرَّقْ لِتِلْكَ الكَلِمَةِ وأنَّها في نَفْسِها عالِيَةٌ بِخِلافِ عُلُوِّ غَيْرِها فَإنَّهُ غَيْرُ ذاتِيٍّ بَلْ بِجَعْلٍ وتَكَلُّفٍ فَهو عَرَضٌ زائِلٌ وأمْرٌ غَيْرُ قارٍّ ولِذَلِكَ وسَّطَ ضَمِيرَ الفَصْلِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( وكَلِمَةَ اللَّهِ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ﴾ وهو دُونُ الرَّفْعِ في البَلاغَةِ، ولَيْسَ الكَلامُ عَلَيْهِ كَأعْتَقَ زَيْدٌ غُلامَ زَيْدٍ كَما لا يَخْفى ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ في أمْرَهِ ( حَكِيمٌ ) لا قُصُورَ في تَدْبِيرِهِ هَذا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو لَعَمْرِي مِمّا يَدَعُ الرّافِضِيَّ في جُحْرِ ضَبٍّ أوْ مَهامِهِ قَفْرٍ فَإنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ العِتابِ لِلْمُؤْمِنِينَ ما عَدا أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ
صفحة 100
عَساكِرَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: عاتَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا في نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ وحْدَهُ فَإنَّهُ خَرَجَ مِنَ المُعاتَبَةِ ثُمَّ قَرَأ ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ الآيَةَ، بَلْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: عاتَبَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ إلَخْ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِلَفْظِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ النّاسَ كُلَّهم ومَدَحَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ إلَخْ، وفِيها النَّصُّ عَلى صُحْبَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِواهُ، وكَوْنُهُ المُرادَ مِنَ الصّاحِبِ مِمّا وقَعَ عَلَيْهِ الإجْماعُ كَكَوْنِ المُرادِ مِنَ العَبْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ إنْكارَ صُحْبَتِهِ كُفْرٌ، مَعَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِمَعِيَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الخاصَّةِ المُفادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ ولَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ ذَلِكَ في غَيْرِهِ بَلْ لَمْ يُثْبِتْ نَبِيٌّ مَعِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ ولِآخَرَ مِن أصْحابِهِ وكَأنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ كَأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وفِي إنْزالِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ ما يُفِيدُ السَّكِينَةَ في أنَّهُ هُوَ- هُوَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولَعَنَ باغِضِيهِ، وكَذا في إنْزالِها عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ المُنْزَعِجَ صاحِبُهُ ما يُرْشِدُ المُنْصِفَ إلى أنَّهُما كالشَّخْصِ الواحِدِ، وأظْهَرَ مِن ذَلِكَ إشارَةَ ما ذُكِرَ إلى أنَّ الحُزْنَ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما مَرَّ في حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ، وأنْكَرَ الرّافِضَةُ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الفَضْلِ في حَقِّ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالُوا: إنَّ الدّالَّ عَلى الفَضْلِ إنْ كانَ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن كَوْنِ أبِي بَكْرٍ مُتِمًّا لِلْعَدَدِ، وإنْ كانَ ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ فَلا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِنِ اجْتِماعِ شَخْصَيْنِ في مَكانٍ وكَثِيرًا ما يَجْتَمِعُ فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، وإنْ كانَ ( لِصاحِبِهِ ) فالصُّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ و﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ بَلْ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ مَن يَعْقِلُ وغَيْرُهُ كَقَوْلِهِ:
إنَّ الحِمارَ مَعَ الحَمِيرِ مَطِيَّةٌ ∗∗∗ وإذا خَلَوْتَ بِهِ فَبِئْسَ الصّاحِبُ
وإنْ كانَ ﴿لا تَحْزَنْ﴾ فَيُقالُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الحُزْنُ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً لا جائِزَ أنْ يَكُونَ طاعَةً وإلّا لِما نَهى عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً لِمَكانِ النَّهْيِ وذَلِكَ مُثْبَتٌ خِلافَ مَقْصُودِكم عَلى أنَّ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الجُبْنِ ما فِيهِ، وإنْ كانَ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إثْباتَ مَعِيَّةِ اللَّهِ تَعالى الخاصَّةِ لَهُ ﷺ وحْدَهُ لَكِنْ أتى بِـ ”نا“ سَدًّا لِبابِ الإيحاشِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الإتْيانُ بِأوْفى قَوْلُهُ:
﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وإنْ كانَ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ فالضَّمِيرُ فِيهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَلْزَمَ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ في تَخْصِيصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالسَّكِينَةِ هُنا مَعَ عَدَمِ التَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى ضِدِّ ما ادَّعَيْتُمُوهُ، وإنْ كانَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن خُرُوجِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُخْرِجْهُ مَعَهُ إلّا حَذَرًا مِن كَيْدِهِ لَوْ بَقِيَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وفي كَوْنِ المُجْهِّزِ لَهم بِشِراءِ الإبِلِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إشارَةٌ لِذَلِكَ، وإنْ كانَ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ فَبَيِّنُوهُ لِنَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ. انْتَهى كَلامُهم.
ولَعَمْرِي إنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِهَذَيانِ المَحْمُومِ أوْ عَرْبَدَةِ السَّكْرانِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَكى في كِتابِهِ الجَلِيلِ عَنِ إخْوانِهِمُ اليَهُودِ والنَّصارى ما هو مِثْلُ ذَلِكَ ورَدَّهُ رَحْمَةً بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ ما كُنّا نَفْتَحُ في رَدِّهِ فَمًا أوْ نُجْرِي
صفحة 101
فِي مَيْدانِ تَزْيِيفِهِ قَلَمًا لَكِنِّي لِذَلِكَ أقُولُ: لا يَخْفى أنَّ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وكَذا ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ إنَّما يَدُلّانِ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا نَدَّعِي دَلالَتَهُما مُطْلَقًا، ومَعُونَةُ المَقامِ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ ولا يَكادُ يَنْتَطِحُ كَبْشانِ في أنَّ الرَّجُلَ لا يَكُونُ ثانِيًا بِاخْتِيارِهِ لِآخَرَ ولا مَعَهُ في مَكانٍ إذا فَرَّ مِن عَدُوٍّ ما لَمْ يَكُنْ مُعَوَّلًا عَلَيْهِ مُتَحَقِّقًا صِدْقُهُ لَدَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ تَرَكَ الآخَرُ لِأجْلِهِ أرْضًا حَلَّتْ فِيها قَوابِلُهُ وحَلَّتْ عَنْهُ بِها تَمائِمُهُ وفارَقَ أحْبابَهُ وجَفا أتْرابُهُ وامْتَطى غارِبَ سَبْسَبٍ يَضِلُّ بِهِ القَطا وتَقْصُرُ فِيهِ الخُطا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَضْلِ تِلْكَ الِاثْنَيْنِيَّةِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَسَكِّنًا جَأْشَ أبِي بَكْرٍ: «ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ تَعالى ثالُهُما» والصُّحْبَةُ اللُّغَوِيَّةُ وإنْ لَمْ تَدُلَّ بِنَفْسِها عَلى المُدَّعِي لَكِنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ أيْضًا فَإضافَةُ صاحِبٍ إلى الضَّمِيرِ لِلْعَهْدِ أيْ صاحِبِهِ الَّذِي كانَ مَعَهُ في وقْتٍ يَجْفُو فِيهِ الخَلِيلُ خَلِيلَهُ ورَفِيقَهُ الَّذِي فارَقَ لِمُرافَقَتِهِ أهْلَهُ وقَبِيلَهُ، وأنَّ ﴿لا تَحْزَنْ﴾ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ حَقِيقَةَ النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ فَإنَّهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ نَحْوُها، وما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّرْدِيدِ يَجْرِي مَثَلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى خِطابًا لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أفَتَرى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَهى عَنْ طاعَتِهِ؟ أوْ أنَّ أحَدًا مِن أُولَئِكَ المَعْصُومِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً، سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، ولا يُنافِي كَوْنُ الحُزْنِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَوْرِدًا لِلْمَدْحِ والذَّمِّ كالحُزْنِ عَلى فَواتِ طاعَةٍ فَإنَّهُ مَمْدُوحٌ والحُزْنُ عَلى فَواتِ مَعْصِيَةٍ فَإنَّهُ مَذْمُومٌ لِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارٍ آخَرَ كَما لا يَخْفى، وما ذُكِرَ في حَيِّزِ العِلاوَةِ مِن أنَّ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الجُبْنِ ما فِيهِ، فِيهِ مِنِ ارْتِكابِ الباطِلِ ما فِيهِ، فَإنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الخَوْفَ يَدُلُّ عَلى الجُبْنِ وإلّا لَزِمَ جُبْنُ مُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ فَما ظَنُّكَ بِالحُزْنِ؟ ولَيْسَ حُزْنُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأعْظَمَ مِنَ الِاخْتِفاءِ بِالغارِ، ولا يَظُنُّ مُسْلِمٌ أنَّهُ كانَ عَنْ جُبْنٍ أوْ يَتَّصِفُ بِالجُبْنِ أشْجَعُ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟، ومَن أنْصَفَ رَأى أنَّ تَسْلِيَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي بَكْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ كَما سَلّاهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ:
( لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم ) مُشِيرَةً إلى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَنزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَهو حَبِيبُ حَبِيبِ اللَّهِ تَعالى بَلْ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ وُقُوعِ مِثْلِ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ النَّبِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ نَفْسُ الخِطابِ بِلا تَحْزَنْ كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإلّا فَكَيْفَ تَكُونُ مُحاوَرَةُ الأحِبّاءِ وهَذا ظاهِرٌ إلّا عِنْدَ الأعْداءِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ المَعِيَّةَ الخاصَّةَ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحْدَهُ والإتْيانُ بِنا لِسَدِّ بابِ الإيحاشِ مِن بابِ المُكابَرَةِ الصِّرْفَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ المارُّ آنِفًا، عَلى أنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُزْنُ إشْفاقًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا غَيْرَ فَأيُّ إيحاشٍ في قَوْلِهِ لا تَحْزَنْ عَلى أنَّ اللَّهَ مَعِي، وإنْ كانَ إشْفاقًا عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى نَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَقَعِ التَّعْلِيلُ مَوْقِعَهُ والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لَهُ ولَوْ سَلَّمْنا الإيحاشَ عَلى الأوَّلِ ووُقُوعَ التَّعْلِيلِ مَوْقِعَهُ عَلى الثّانِي يَكُونُ ذَلِكَ الحُزْنُ دَلِيلًا واضِحًا عَلى مَدْحِ الصِّدِّيقِ، وإنْ كانَ عَلى نَفْسِهِ فَقَطْ كَما يَزْعُمُهُ ذُو النَّفْسِ الخَبِيثَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ مَعْنًى أصْلًا، وأيُّ مَعْنًى في لا تَحْزَنْ عَلى نَفْسِكَ إنَّ اللَّهَ مَعِي لا مَعَكَ.
عَلى أنَّهُ يُقالُ لِلرّافِضِيِّ هَلْ فَهِمَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الآيَةِ ما فَهِمْتَ مِنَ التَّخْصِيصِ وأنَّ التَّعْبِيرَ
صفحة 102
بِـ ”نا“ كانَ سَدًّا لِبابِ الإيحاشِ أمْ لا؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ يَحْصُلُ الإيحاشُ ولا بُدَّ فَنَكُونُ قَدْ وقَعْنا فِيما فَرَرْنا عَنْهُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَقَدْ زَعَمْتَ لِنَفْسِكَ رُتْبَةً لَمْ تَكُنْ بالِغَها ولَوْ زَهَقَتْ رُوحُكَ، ولَوْ زَعَمْتَ المُساواةَ في فَهْمِ عِباراتِ القُرْآنِ الجَلِيلِ وإشاراتِهِ لِمَصاقِعِ أُولَئِكَ العَرَبِ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْيِ ما سَلِمَ لَكَ أوْ تَمُوتَ فَكَيْفَ يَسْلَمُ لَكَ الِامْتِيازُ عَلى الصِّدِّيقِ وهو –هُوَ- وقَدْ فُهِمَ مِن إشارَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ التَّخْيِيرِ ما خَفِيَ عَلى سائِرِ الصَّحابَةِ حَتّى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فاسْتَغْرَبُوا بُكاءَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ، وما ذُكِرَ مِنَ التَّنْظِيرِ في الآيَةِ مُشِيرٌ إلى التَّقِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَها الرّافِضَةُ دِينًا وحَرَّفُوا لَها الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِها، وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ الكَلامَ في ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَتَذَكَّرْهُ، وما ذُكِرَ في أمْرِ السَّكِينَةِ فَجَوابُهُ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْناهُ، وكَوْنُ التَّخْصِيصِ مُشِيرًا إلى إخْراجِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ كَما رَمَزَ إلَيْهِ الكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ لَوْ كانَ ما خَفِيَ عَلى أُولَئِكَ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْيِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَكَيْفَ مَكَّنُوهُ مِنَ الخِلافَةِ الَّتِي هي أُخْتُ النُّبُوَّةِ عِنْدَ الشِّيعَةِ وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، وكَوْنُ الصَّحابَةِ قَدِ اجْتَمَعُوا في ذَلِكَ عَلى ضَلالَةٍ، والأمِيرُ كانَ مُسْتَضْعَفًا فِيما بَيْنَهم أوْ مَأْمُورًا بِالسُّكُوتِ وغَمْدِ السَّيْفِ إذْ ذاكَ كَما زَعَمَهُ المُخالِفُ قَدْ طَوى بِساطَ رَدِّهِ وعادَ شَذَرَ مَذَرَ فَلا حاجَةَ إلى إتْعابِ القَلَمِ في تَسْوِيدِ وجْهِ زاعِمِهِ، وما ذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخْرِجْهُ إلّا حَذَرًا مِن كَيْدِهِ فِيهِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ دَلالَةً عَلى إخْراجِهِ لَهُ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ حَذَرًا مِنَ الكَيْدِ، عَلى أنَّ الحَذَرَ لَوْ كانَ في مَعِيَّتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيُّ فُرْصَةٍ تَكُونُ مِثْلَ الفُرْصَةِ الَّتِي حَصَلَتْ حِينَ جاءَ الطَّلَبُ لِبابِ الغارِ؟ فَلَوْ كانَ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحاشاهُ أدْنى ما يُقالُ لَقالَ: هَلُمُّوا فَهَهُنا الغَرَضُ، ولا يُقالُ: إنَّهُ خافَ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُخَلِّصَها مِنهم بِأُمُورٍ ولا أقَلَّ مِن أنْ يَقُولَ لَهم: خَرَجْتُ لِهَذِهِ المَكِيدَةِ، وأيْضًا لَوْ كانَ الصِّدِّيقُ كَما يَزْعُمُ الزِّنْدِيقُ فَأيُّ شَيْءٍ مَنَعَهُ مِن أنْ يَقُولَ لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أوِ ابْنَتِهِ أسْماءَ أوْ مَوْلاهُ عامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَقَدْ كانُوا يَتَرَدَّدُونَ إلَيْهِ في الغارِ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ فَيُخْبِرُ أحَدُهُمُ الكَفّارَ بِمَكانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى أنَّهُ عَلى هَذا الزَّعْمِ يَجِيءُ حَدِيثُ التَّمْكِينِ وهو أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّهُ هو هُوَ، وأيْضًا إذا انْفَتَحَ بابُ هَذا الهَذَيانِ أمْكَنَ لِلنّاصِبِيِّ أنْ يَقُولَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالبَيْتُوتَةِ عَلى فِراشِهِ الشَّرِيفِ لَيْلَةَ هاجَرَ إلّا لِيَقْتُلَهُ المُشْرِكُونَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَسْتَرِيحُ مِنهُ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِأعْجَبَ ولا أبْطَلَ مِن قَوْلِ الشِّيعِيِّ: إنَّ إخْراجَ الصِّدِّيقِ إنَّما كانَ حَذَرًا مِن شَرَهٍ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سُبْحانَهُ مِن فَتْحِ هَذا البابِ المُسْتَهْجَنِ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ، وزَعَمَ أنَّ تَجْهِيزَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَهم بِشِراءِ الأباعِرِ إشارَةً إلى ذَلِكَ لا يُشِيرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ وإنْ ذَكَرْناهُ فِيما قَبْلُ إنَّما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحْدَثِينَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا بَأْسَ بِإيرادِهِ تَكْمِيلًا لِلْفائِدَةِ وتَنْوِيرًا لِفَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنَقُولُ:
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِّينَ ولَمْ يَمْرُرْ عَلَيْنا يَوْمٌ إلّا يَأْتِينا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهارِ بِكُرَةً وعَشِيَّةً ولَمّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا قَبْلَ أرْضِ الحَبَشَةِ حَتّى إذا بَلَغَ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وهو سَيِّدُ القارَةِ فَقالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: أيْنَ تُرِيدُ يا أبا بَكْرٍ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ أنْ أسِيحَ في الأرْضِ وأعْبُدَ رَبِّي، قالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ إنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ
صفحة 103
وتَصِلُ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ فَأنا لَكَ جارٌ فارْجِعْ فاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أبِي بَكْرٍ فَطافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ في كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ أتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَحْمِلُ الكَلَّ ويَقْرى الضَّيْفَ ويُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ فَأنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وأمَّنُوا أبا بَكْرٍ وقالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دارِهِ ولْيُصَلِّ فِيهِ ما شاءَ ولْيَقْرَأْ ما شاءَ ولا يُؤْذِينا ولا يَسْتَعْلِنْ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ في غَيْرِ دارِهِ فَفَعَلَ ثُمَّ بَدا لِأبِي بَكْرٍ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ فَكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ المُشْرِكِينَ وأبْناؤُهم يَعْجَبُونَ مِنهُ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وكانَ رَجُلًا بَكّاءً لا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَأفْزَعُ ذَلِكَ أشْرافَ قُرَيْشٍ فَأرْسَلُوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: إنَّما أجَرْنا أبا بَكْرٍ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ وإنَّهُ جاوَزَ ذَلِكَ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ وأعْلَنَ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ وإنّا خَشِينا أنْ يُفْتَتَنَ نِساؤُنا وأبْناؤُنا فَإنْ أحَبَّ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ فَعَلَ وإنْ أبى إلّا أنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإنّا قَدْ كَرِهْنا أنْ نُخْفِرَكَ ولَسْنا مُقِرِّينَ لِأبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلانَ فَأتى ابْنُ الدَّغِنَةِ أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإمّا أنْ تَقْتَصِرَ عَلى ذَلِكَ وإمّا أنْ تَرُدَّ إلى ذِمَّتِي فَإنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أنِّي أُخْفِرْتُ في عَقْدِ رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنِّي أرُدُّ إلَيْكَ جِوارَكَ وأرْضى بِجِوارِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، قالَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ أرَيْتُ دارَ هِجْرَتِكم أرَيْتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ وهُما حَرَّتانِ، فَهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وتَجَهَّزَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلى رِسْلِكَ فَإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لِي.
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: وتَرْجُو ذَلِكَ بِأبِي أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِصُحْبَتِهِ وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا عِنْدَهُ ورَقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَبَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ في بَيْتِنا في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قالَ قائِلٌ لِأبِي بَكْرٍ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُقْبِلًا في ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينا فِيها فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَداهُ أبِي وأُمِّي إنْ جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْتَأْذَنَ مَن عِنْدَكَ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما هم أهْلُكَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَإنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فالصَّحابَةَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ إحْدى راحِلَتَيَّ هاتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بِالثَّمَنِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَجَهَّزْناهُما أحَثَّ الجِهازَ فَصَنَعْنا لَهُما سُفْرَةً في جِرابٍ فَقَطَعَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ مِن نِطاقِها فَأوْكَأتْ بِهِ الجِرابَ فَلِذَلِكَ كانَتْ تُسَمّى ذاتَ النِّطاقِ، ولَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَوَأبُو بَكْرٍ بِغارٍ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ ثَوْرٌ، فَمَكَثا فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ وهو غُلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيَخْرُجُ مِن عِنْدِهِما سَحَرًا فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أمْرًا يُكادانِ بِهِ إلّا وعاهُ حَتّى يَأْتِيَهُما بِخَبَرِ ذَلِكَ حَتّى يَخْتَلِطَ الظَّلامُ ويَرْعى عَلَيْهِما عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلًى لِأبِي بَكْرٍ مَنِيحَةً مِن غَنَمٍ، فَيُرِيحُها عَلَيْهِما حِينَ يَذْهَبُ بِغَلَسٍ ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ، فَيَبِيتانِ في رِسْلِها حَتّى يَنْعَقَ بِها عامِرٌ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِن تِلْكَ اللَّيالِي الثَّلاثِ، واسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الدِّئْلِ مِن بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هادِيًا خِرِّيتًا، قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ العاصِ بْنِ وائِلٍ وهو عَلى دِينِ كُفّارِ قُرَيْشٍ فَأمِناهُ فَدَفَعا إلَيْهِ راحِلَتَيْهِما،
صفحة 104
وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثٍ فَأتاهُما بِراحِلَتَيْهِما صَبِيحَةَ ثَلاثِ لَيالٍ، فَأخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ أذاخِرَ وهو طَرِيقُ السّاحِلِ» " الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما فِيهِ، وهو نَصٌّ في أنَّ تَجْهِيزَهُما كانَ في بَيْتِ أبِي بَكْرٍ وأنَّ الرّاحِلَتَيْنِ كانَتا لَهُ، وذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ إحْداهُما إلّا بِالثَّمَنِ يَرُدُّ عَلى الرّافِضِيِّ زَعْمَ تُهْمَةِ الصَّدِيقَةِ وحاشاها في الحَدِيثِ.
هَذا ومَن أحاطَ خَبَرًا بِأطْرافِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُ: كانَ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ فَبَيَّنُوهُ لَنا حَتّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ناشِئٌ عَنْ مُحْصِ الجَهْلِ أوِ العِنادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ. وبِالجُمْلَةِ إنَّ الشِّيعَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَأْبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَتُهُ هي العُلْيا.
التوبة 9:41
( ﴿انْفِرُوا﴾ ) تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالنُّفُورِ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ والإنْكارِ عَلى المُساهَلَةِ فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خِفافًا وثِقالا﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ مِن يُسْرٍ أوْ عُسْرٍ حاصِلِينَ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ مِنَ الصِّحَّةِ والمَرَضِ أوِ الغِنى والفَقْرِ أوْ قِلَّةِ العِيالِ وكَثْرَتِهِمْ أوِ الكِبَرِ والحَداثَةِ أوِ السِّمَنِ والهُزالِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَظِمُ في مُساعَدَةِ الأسْبابِ وعَدَمِها بَعْدَ الإمْكانِ والقُدْرَةِ في الجُمْلَةِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدِينِيِّ قالَ: كانَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ، والمِقْدادُ بْنُ الأُسُودِ يَقُولانِ: أُمِرْنا أنْ نَنْفِرَ عَلى كُلِّ حالٍ ويَتَأوَّلانِ الآيَةَ، وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ وذا الحاجَةِ والصَّنْعَةِ، والشُّغْلِ، والمُنْتَشِرَ بِهِ أمْرُهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ وأبى أنْ يَعْذُرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وعَلى ما كانَ مِنهم، فَما رُوِيَ في تَفْسِيرِهِما مِن قَوْلِهِمْ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ وثِقالًا مِنهُ أوْ رُكْبانًا ومُشاةً أوْ شُبّانًا وشُيُوخًا أوْ أصِحّاءَ ومِراضًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلْأمْرَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ مُقارِنَةٍ لِلْباقِي، «وعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعْلى أنْ أنْفِرَ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنْ لا نَسْخَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي راشِدٍ قالَ: رَأيْتُ المِقْدادَ فارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِمْصَ يُرِيدُ الغَزْوَ فَقُلْتُ: لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ قالَ: أبَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُحُوثِ يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ مِنها.
﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما أمْكَنَ لَكم مِنهُما كِلَيْهِما أوْ أحَدِهِما، والجِهادُ بِالمالِ إنْفاقُهُ عَلى السِّلاحِ وتَزْوِيدُ الغُزاةِ ونَحْوُ ذَلِكَ ( ﴿ذَلِكُمْ﴾ ) أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ النَّفِيرِ والجِهادِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ( ﴿خَيْرٌ﴾ ) عَظِيمٌ في نَفْسِهِ ( ﴿لَكُمْ﴾ ) في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَيْرٌ لَكم مِمّا يُبْتَغى بِتَرْكِهِ مِنَ الرّاحَةِ، والدَّعَةِ، وسَعَةِ العَيْشِ، والتَّمَتُّعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الخَيْرَ عَلِمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ إذْ لا احْتِمالَ لِغَيْرِ الصِّدْقِ في أخْبارِهِ تَعالى فَبادِرُوا إلَيْهِ، فَجَوابُ إنَّ مُقَدَّرٌ، وعَلِمَ إمّا مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ بِمَعْنى عَرَفَ تَقْلِيلًا لِلتَّقْدِيرِ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ لِاثْنَيْنِ عَلى بابِها هَذا.
* * *
صفحة 105
/ ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَحْتَجِبَ بِشَيْءٍ عَنْ مُشاهَدَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ومَنِ احْتَجَبَ بِشَيْءٍ وُكِلَ إلَيْهِ، ومِن هُنا قالُوا: اسْتِجْلابُ النَّصْرِ في الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ والعَجْزِ، ولَمّا رَأى سُبْحانَهُ نَدَمَ القَوْمِ عَلى عَجَبِهِمْ بِكَثْرَتِهِمْ رَدَّهم إلى ساحَةِ جُودِهِ وألْبَسَهم أنْوارَ قُرْبِهِ وأمَدَّهم بِجُنُودِهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ، وكانَتْ سَكِينَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ مِن مُشاهَدَةِ الذّاتِ، وسَكِينَةُ المُؤْمِنِينَ مِن مُعايَنَةِ الصِّفاتِ، ولَهم في تَعْرِيفِ السَّكِينَةِ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى فَقِيلَ: هي اسْتِحْكامُ القَلْبِ عِنْدَ جَرَيانِ حُكْمِ الرَّبِّ بِنَعْتِ الطُّمَأْنِينَةِ بِخُمُودِ آثارِ البَشَرِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ والرِّضا بِالبادِي مِنَ الغَيْبِ مِن غَيْرِ مُعارِضَةٍ واخْتِيارٍ، وقِيلَ: هي القَرارُ عَلى بِساطِ الشُّهُودِ وبِشَواهِدِ الصَّحْوِ والتَّأدُّبِ بِإقامَةِ صَفاءِ العُبُودِيَّةِ مِن غَيْرِ لُحُوقِ مَشَقَّةٍ ولا تَحَرُّكِ عَرَقٍ بِمُعارَضَةِ حُكْمٍ وقِيلَ: هي المُقامُ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِفَناءِ الحُظُوظِ، والجُنُودُ رَوادِفُ آثارِ قُوَّةٍ تُجْلِي الحَقَّ سُبْحانَهُ، ويُقالُ: هي وُفُودُ اليَقِينِ وزَوائِدُ الِاسْتِبْصارِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ إلَخْ إلى أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِالمَيْلِ إلى السِّوى وأشْرَكَ بِعِبادَةِ الهَوى لا يَصْلُحُ لِلْحَضْرَةِ، وهَلْ يَصْلُحُ لِبِساطِ القُدْسِ إلّا المُقَدَّسُ، وذَكَرَ أبُو صالِحٍ حَمْدُونُ أنَّ المُشْرِكَ في عَمَلِهِ مَن يَحْسُنُ ظاهِرُهُ لِمُلاقاةِ النّاسِ ومُخالَطَتِهِمْ ويُظْهِرُ لِلْخَلْقِ أحْسَنَ ما عِنْدَهُ ويَنْظُرُ إلى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الرِّضا عَنْها، ويَنْجُسُ باطِنُهُ بِنَحْوِ الرِّياءِ، والسُّمْعَةِ، والعُجْبِ، والحِقْدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ فالحَرَمُ الإلَهِيُّ حَرامٌ عَلى هَذا وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ يَلِجَ المَلَكُوتَ أوْ يَلِجَ الجُمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مِن فَقَدَ طَهارَةَ الإسْرارِ بِماءِ التَّوْحِيدِ وبَقِيَ في قاذُوراتِ الظُّنُونِ والأوْهامِ فَذَلِكَ هو المُشْرِكُ وهو مَمْنُوعٌ عَنْ قُرْبانِ المَساجِدِ الَّتِي هي مَشاهِدُ القُرْبِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَنعِ الِاخْتِلاطِ مَعَ المُشْرِكِينَ، وقاسَ الصُّوفِيَّةُ أهْلَ الدُّنْيا بِهِمْ، ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ: الصُّوفِيَّةُ أهْلُ غَيْبٍ لا يَدْخُلُ فِيهِمْ غَيْرُهم، وقالَ بَعْضُهم: مَن بَقِيَ في قَلْبِهِ نَظَرٌ إلى غَيْرِ خالِقِهِ لا يَجُوزُ أنْ يَدْنُوَ إلى مَجالِسِ الأوْلِياءِ غَيْرَ مُسْتَشْفٍ بِهِمْ فَإنَّ صُحْبَتَهُ تُشَوِّشُ خَواطِرَهم ويُنَجِّسُ بِنَفْسِهِ أنْفاسَهم، وصُحْبَةُ المُنْكِرِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى تُورِثُ فَتْقًا يَصْعُبُ عَلى الخَيّاطِ رَتْقُهُ وتُؤْثِرُ خَرْقًا يُعْيِي الواعِظَ رَقْعُهُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ الجُنَيْدَ قُدِّسَ سِرُّهُ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ خاصَّةِ أصْحابِهِ وقَدْ أغْلَقَ بابَ المَجْلِسِ حَذَرًا مَنِ الأغْيارِ وشَرَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَلَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الحُضُورُ وفَتَحَ لَهم بابَ التَّجَلِّي الَّذِي يَعْهَدُونَهُ عِنْدَ الذِّكْرِ فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ فَقالَ الجُنَيْدُ، هَلْ مَعَكم مُنْكِرٌ حُرِمْنا بِسَبَبِهِ؟ فَقالُوا: لا، ثُمَّ اجْتَهَدُوا في مَعْرِفَةِ المانِعِ فَلَمْ يَجِدُوا إلّا نَعْلًا لِمُنْكِرٍ فَقالَ الجُنَيْدُ: مِن هُنا أُوتِينا، فانْظُرْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعالى إذا كانَ هَذا حالَ نَعْلِ المُنْكِرِ فَما ظَنُّكَ بِهِ إذا حَضَرَ بِلِحْيَتِهِ؟
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ بِالِاحْتِجابِ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ حَيْثُ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ وذَمِّ البُخَلاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ، ولَعَمْرِي إنَّهم أحِقّاءُ بِالذَّمِّ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: مَن بَخِلَ بِالقَلِيلِ مِن مِلْكِهِ فَقَدْ سَدَّ عَلى نَفْسِهِ بابَ نَجاتِهِ وفَتَحَ عَلَيْها طَرِيقَ هَلاكِهِ.
ولا يَخْفى أنَّ جَمْعَ المالِ وكَنْزَهُ وعَدَمَ الإنْفاقِ لا يَكُونُ إلّا لِاسْتِحْكامِ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وكُلُّ رَذِيلَةٍ كَيَّةٌ يُعَذَّبُ بِها صاحِبُها في الآخِرَةِ ويَخْزى بِها في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتْ مادَّةُ رُسُوخِ تِلْكَ الرَّذِيلَةِ واسْتِحْكامِها هي ذَلِكَ المالَ كانَ هو الَّذِي يُحْمى عَلَيْهِ في نارِ جَهَنَّمَ الطَّبِيعَةَ وهاوِيَةَ الهَوى فَيُكْوى صاحِبُهُ بِهِ، وخُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ لِأنَّ
صفحة 106
الشُّحَّ مَرْكُوزٌ في النَّفْسِ تَغْلِبُ القَلْبَ مِن هَذِهِ الجِهاتِ لا مِن جِهَةِ العُلُوِّ الَّتِي هي جِهَةُ اسْتِيلاءِ الرُّوحِ ومَمَدُّ الحَقائِقِ والأنْوارِ ولا مِن جِهَةِ السُّفْلى الَّتِي هِي جِهَةُ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الطَّبِيعَةِ مِن ذَلِكَ، فَبَقِيَتْ سائِرُ الجِهاتِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ ويُعَذَّبُ، وهَذا كَما تَراهُ يُعابُ في الدُّنْيا ويَخْزى مِن هَذِهِ الجِهاتِ فَيُواجَهُ بِالذَّمِّ جَهْرًا فَيُفْضَحُ أوْ يَسارُ في جَنْبِهِ أوْ يُغْتابُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ، ولَهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ يُطْلَبُ مِن مَحِلِّهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ إلَخْ عِتابٌ لِلْمُتَثاقِلِينَ أوْ لِأهْلِ الأرْضِ كافَّةً وإرْشادٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَغْنٍ بِنُصْرَةِ اللَّهِ عَنْ نُصْرَةِ المَخْلُوقِينَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رُتْبَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدِ انْفَرَدَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ انْفِرادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ في مَقامِ قابِ قَوْسَيْنِ، ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطاءٍ إنَّهُ مَعَنا في الأزَلِ حَيْثُ وُصِلَ بَيْنَنا بِوَصْلَةِ الصُّحْبَةِ، وأثَرُ هَذِهِ المَعِيَّةِ قَدْ ظَهَرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلَمْ يُفارِقْهُ حَيًّا ولا مَيِّتًا، وقِيلَ: مَعَنا بِظُهُورِ عِنايَتِهِ ومُشاهَدَتِهِ وقُرْبِهِ الَّذِي لا يُكَيَّفُ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
يا طالِبَ اللَّهِ في العَرْشِ الرَّفِيعِ بِهِ لا تَطْلُبُ العَرْشَ إنَّ المَجْدَ لِلْغارِ
ولا يَخْفى ما بَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ وقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ مِنَ الفَرْقِ الظّاهِرِ لِأرْبابِ الأذْواقِ حَيْثُ قَدَّمَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْمَهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَكَسَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأتى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاسْمِ الجامِعِ وأتى الكَلِيمُ بِاسْمِ الرَّبِّ، وأتى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنا في ( مَعَنا ) وأتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِياءِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى خُلُقٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ إنْ كانَ لِلصّاحِبِ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيُقالُ: في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَقامِ الفَناءِ في الشَّيْخِ إذْ ذاكَ.
وقالَ بَعْضُ الأكابِرِ: أُنْزِلَتِ السَّكِينَةُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَسْكِينِ قَلْبِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإذْهابِ الحُزْنِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِانْعِكاسِ والإشْراقِ ولَوْ أُنْزِلَتْ عَلى الصِّدِّيقِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لَذابَ لَها ولِعِظَمِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ سَكِينَةَ صاحِبِهِ عَلَيْهِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ أيِ انْفِرُوا إلى طاعَةِ مَوْلاكم خِفافًا بِالأرْواحِ ثِقالًا بِالقُلُوبِ، أوْ خِفافًا بِالقُلُوبِ وثِقالًا بِالأجْسامِ بِأنْ يُطِيعُوهُ بِالأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، أوْ خِفافًا بِأنْوارِ المَوَدَّةِ وثِقالًا بِأماناتِ المَعْرِفَةِ، أوْ خِفافًا بِالبَسْطِ وثِقالًا بِالقَبْضِ، وقِيلَ: خِفافًا بِالطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ بِأنْ تُنْفِقُوها لِلْفُقَراءِ ( ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾ ) بِأنْ تَجُودُوا بِها لِلَّهِ تَعالى ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلرَّشادِ.
التوبة 9:42
﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ما دَعَوْا إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ أيْ غَنَمًا سَهْلَ المَأْخَذِ قَرِيبَ المَنالِ، وأصْلُ العَرَضِ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا ومَتاعِها، وفي الحَدِيثِ «الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنهُ البَرُّ والفاجِرُ» ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ أيْ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ وهو مِن بابِ تامِرٍ ولِابْنٍ ( ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ ) أيْ لَوافَقُوكَ في النَّفِيرِ طَمَعًا في الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، وهَذا شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الهَناتِ قَوْلًا وفِعْلًا وبَيانُ قُصُورِ هَمِّهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ مائِلِينَ إلى الإقامَةِ بِأرْضِهِمْ، وتَعْلِيقُ الِاتِّباعِ بِكِلا الأمْرَيْنِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِهِ عِنْدَ تَوَسُّطِ السَّفَرِ فَقَطْ
صفحة 107
﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ: المَسافَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ( بَعِدَتْ ) بِكَسْرِ العَيْنِ، و( الشِّقَّةُ ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وبَعِدَ يَبْعَدُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ لُغَةٌ واخْتَصَّ بِبُعْدِ المَوْتِ غالِبًا، وجاءَ لا تُبْعِدُ لِلتَّفَجُّعِ والتَّحَسُّرِ في المَصائِبِ كَما قالَ:
لا يُبْعِدُ اللَّهُ إخْوانًا لَنا ذَهَبُوا أفْناهم حَدَثانُ الدَّهْرِ والأبَدِ
( ﴿وسَيَحْلِفُونَ﴾ ) أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الغَزْوِ ( ﴿بِاللَّهِ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ في الوَجْهَيْنِ أيْ سَيَحْلِفُونَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ بِاللَّهِ قائِلِينَ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ أوْ سَيَحْلِفُونَ قائِلِينَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا إلَخْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِأنَّ الحَلِفَ مِن جِنْسِ القَوْلِ وهو أحَدُ المَذْهَبَيْنِ المَشْهُورَيْنِ، والمَعْنى لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةٌ مِن جِهَةِ العُدَّةِ أوْ مِن جِهَةِ الصِّحَّةِ أوْ مِن جِهَتَيْهِما مَعًا حَسْبَما عَنَّ لَهم مِنَ التَّعَلُّلِ والكَذِبِ ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ لِما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ وهَذا جَوابُ القَسَمِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ وهو اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، واخْتارَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ جَوابُ ( لَوْ ) ولَوْ وجَوابُها جَوابُ القَسَمِ، وقِيلَ: إنَّهُ سادَ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ جَمِيعًا، والقَسَمُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ في قُوَّةٍ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لِأنَّهُ بَيانٌ لِسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ وتَصْدِيقٌ لَهُ كَما قِيلَ.
واعْتُرِضَ القَوْلُ الأخِيرُ بِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ ( لَوْ ) دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سادَ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ ( لَوُ اسْتَطَعْنا ) بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ و﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْضًا ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بِإيقاعِها في العَذابِ، قِيلَ: وهو بَدَلٌ مِن ( سَيَحْلِفُونَ ) واعْتُرِضَ بِأنَّ الهَلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ ولا هو نَوْعٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ.
وأُجِيبُ بِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إهْلاكٌ لِلنَّفْسِ ولِذَلِكَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اليَمِينُ الفاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» وحاصِلُهُ أنَّهُما تُرادَفانِ ادِّعاءً فَيَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ إنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ إذِ الحَلِفُ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ والمُسَبَّبُ يُبْدَلُ مِنَ السَّبَبِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ سَيَحْلِفُونَ مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( ﴿لَخَرَجْنا﴾ ) جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنْهم كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا أيْ لَخَرَجْنا مُهْلِكِينَ أنْفُسَنا كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّ مَكانَ لَأفْعَلَنَّ ولَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وفِيما ادَّعَوْا ضِمْنًا مِنِ انْتِفاءِ تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ حَيْثُ كانُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْخُرُوجِ ولَمْ يَخْرُجُوا.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القُدْرَةَ قَبْلَ الفِعْلِ.
التوبة 9:43
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ لِأيِّ سَبَبٍ أذِنْتَ لِهَؤُلاءِ الحالِفِينَ المُتَخَلِّفِينَ في التَّخَلُّفِ حِينَ اسْتَأْذَنُوا فِيهِ مُعْتَذِرِينَ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، وهَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ سُبْحانَهُ لِحَبِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَرْكِ الأُولى وهو التَّوَقُّفُ عَنِ الإذْنِ إلى انْجِلاءِ الأمْرِ وانْكِشافِ الحالِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: فِيما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مِن عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ ﴿وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ في ذَلِكَ، فَحَقَّ سَواءٌ كانَتْ بِمَعْنى اللّامِ أوْ إلى مُتَعَلِّقَةٍ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم ولَمْ تَتَوَقَّفْ حَتّى يَنْجَلِيَ الأمْرُ كَما هو قَضِيَّةُ الحَزْمِ اللّائِقِ بِشَأْنِكَ الرَّفِيعِ يا سَيِّدَ أُولِي العَزْمِ.
ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالمَذْكُورِ نَفْسُهُ مُطْلَقًا لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ إذْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم مُعَلَّلًا أوْ مُغَيًّا بِالتَّبَيُّنِ
صفحة 108
والعِلْمِ ويَكُونُ تَوَجُّهُ الِاسْتِفْهامِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وهو بَيِّنُ الفَسادِ، وكِلْتا اللّامَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإذْنِ وهُما مُخْتَلِفَتانِ مَعْنًى فَإنَّ الأُولى لِلتَّعْلِيلِ والثّانِيَةَ لِلتَّبْلِيغِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِجَمِيعِ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ.
وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإذْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِهِ لِلْكُلِّ لا بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ اسْتِطاعَةِ البَعْضِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في حَيِّزِ ( حَتّى ) والتَّعْبِيرُ عَنِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالمَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ وعَنِ الفَرِيقِ الثّانِي باسِمِ الفاعِلِ المُفِيدِ لِلدَّوامِ لِلْيَدانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِنَ الأوَّلِينَ صِدْقٌ حادِثٌ في أمْرٍ خاصٍّ غَيْرِ مُصَحِّحٍ لِنَظْمِهِمْ في سِلْكِ الصّادِقِينَ وأنَّ ما صَدَرَ مِنَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ كَذِبًا حادِثًا مُتَعَلِّقًا بِأمْرٍ خاصٍّ لَكِنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ ناشِئٌ عَنْ رُسُوخِهِمْ في الكَذِبِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ظُهُورِ الصِّدْقِ بِالتَّبَيُّنِ وعَمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَذِبِ بِالعِلْمِ لِما اشْتُهِرَ مِن أنَّ مَدْلُولَ الخَبَرِ هو الصِّدْقُ والكَذِبُ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ وإسْنادُ العِلْمِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دُونَ المَعْلُومِينَ بِأنْ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ مَعَ إسْنادِ التَّبَيُّنِ لِلْأوَّلِينَ لِما أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا عِلْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ ومُؤاخَذَتُهم بِمُوجِبِهِ بِخِلافِ الأوَّلِينَ حَيْثُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِمْ؛ وإسْنادُ التَّبَيُّنِ إلَيْهِمْ وتَعْلِيقُ العِلْمِ بِالآخَرِينَ مِن أنَّ مَدارَ الإسْنادِ والتَّعَلُّقِ أوَّلًا وبِالذّاتِ هو وصْفُ الصِّدْقِ والكَذِبِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما أنَّ القَصْدَ هو العِلْمُ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِما بِوَصْفَيْهِما المَذْكُورَيْنِ ومُعامَلَتِهِما بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِما لا العِلْمِ بِالوَصْفَيْنِ بِذاتَيْهِما أوْ بِاعْتِبارِ قِيامِهِما بِمَوْصُوفَيْهِما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ، وفي تَصْدِيرِ الخِطابِ بِما صَدَرَ بِهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَوْقِيرٌ لَهُ وتَوْفِيرٌ لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَثِيرًا ما يَصْدُرُ الخِطابُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ فَيُقالُ: عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكَ ما صَنَعْتَ في أمْرِي؟ ورَضِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْكَ ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي؟ والغَرَضُ التَّعْظِيمُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الجَهْمِ يُخاطِبُ المُتَوَكِّلَ وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ:
عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَجُودُ بِفَضْلِكَ يا ابْنَ العُلا
ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورُشْدًا هُدى
أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى
ومِمّا يُنْظَمُ في هَذا السَّلَكِ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ، واللَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطَ أنْ يُخْرِجُونِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتَبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: إنَّ فِيهِ تَعْلِيمَ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وسَلامُهُ ولَوْلا تَصْدِيرُ العَفْوِ في العِتابِ لَما قامَ بِصَوْلَةِ الخِطابِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: انْظُرُوا إلى هَذا اللُّطْفِ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْفُوِّ، ولَقَدْ أخْطَأ وأساءَ الأدَبَ وبِئْسَما فَعَلَ فِيما قالَ وكَتَبَ صاحِبُ الكَشّافِ كَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سِتْرَهُ ولا إذْنَ لَهُ لِيَذْكُرَ عُذْرَهُ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنِ الجِنايَةِ وأنَّ مَعْناهُ أخْطَأْتُ وبِئْسَما فَعَلْتَ، وفي الِانْتِصافِ لَيْسَ لَهُ أنَّ يُفَسِّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ وهو بَيْنَ أحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا أنْ لا يَكُونَ هو المُرادَ أوْ يَكُونَ ولَكِنْ قَدْ أجَلَّ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ الكَرِيمَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ بِذَلِكَ ولَطَفَ بِهِ في الكِنايَةِ عَنْهُ أفَلا يَتَأدَّبُ بِآدابِ اللَّهِ خُصُوصًا في حَقِّ المُصْطَفى ﷺ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو ذاهِلٌ عَمّا يَجِبُ مِن حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ويا سُبْحانَ اللَّهِ مِن أيْنَ أخَذَ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ ما عَبَّرَ عَنْهُ بِبِئْسَما، والعَفْوُ لَوْ سَلِمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخَطَأِ فَهو
صفحة 109
غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِكَوْنِهِ مِنَ القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ بِحَيْثُ يُصَحِّحُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ المُشافَهَةِ بِالسُّوءِ ويُسَوِّغُ إنْشاءَ الِاسْتِقْباحِ بِكَلِمَةِ بِئْسَما المُنْبِئَةِ عَنْ بُلُوغِ القُبْحِ إلى رُتْبَةٍ يُتَعَجَّبُ مِنها، واعْتَذَرَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشْفِ حَيْثُ قالَ: أرادَ أنَّ الأصْلَ ذَلِكَ وأُبْدِلَ بِالعَفْوِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَنْبِيهًا عَلى لُطْفِ مَكانِهِ ولِذَلِكَ قَدَّمَ العَفْوَ عَلى ذِكْرِ ما يُوجِبُ الجِنايَةَ، ولَيْسَ تَفْسِيرُهُ هَذا بِناءًا عَلى أنَّ العُدُولَ إلى عَفا اللَّهُ لا لِلتَّعْظِيمِ حَتّى يُخَطَّأ.
وأمّا المُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ فَهو إذا كانَ دُعاءً لا خَبَرًا، عَلى أنَّ الدُّعاءَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاسْتِقْصاءِ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ حَقارَةٍ بِشَأْنِ المُخاطَبِ أوِ الغائِبِ حَسَبَ اخْتِلافِ الصِّيغَةِ، وأمّا التَّعْظِيمُ أوِ التَّعْرِيضُ فَقَدْ وقَدِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَهو اعْتِذارٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ، وكَمْ لِهَذِهِ السَّقْطَةِ في الكَشّافِ نَظائِرُ، ولِذَلِكَ امْتَنَعَ مِن إقْرائِهِ بَعْضُ الأكابِرِ كالإمامِ السُّبْكِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ولَيْتَ العَلّامَةَ البَيْضاوِيَّ لَمْ يُتابِعْهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، هَذا واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ صُدُورَ الذَّنْبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ العَفْوَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ.
الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ كانَ مَعْصِيَةً، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها خارِجَةٌ مَخْرَجَ العِتابِ كَما عَلِمْتَ عَلى تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ قالُوا: لا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَما في خُرُوجِهِمْ مُصْلِحَةً لِلدِّينِ أوْ مَنفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ كانَ فِيهِ فَسادٌ وخَبالٌ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ إلَخْ، وقَدْ كَرِهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ الآيَةَ، نَعَمْ كانَ الأوْلى تَأْخِيرَ الإذْنِ حَتّى يَظْهَرَ كَذِبُهم ويَفْتَضِحُوا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ولا يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّمَتُّعِ بِالعَيْشِ عَلى الأمْنِ والدَّعَةِ ولا يَتَسَنّى لَهُمُ الِابْتِهاجُ فِيما بَيْنَهم بِأنَّهم غَرُّوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأرْضَوْهُ بِالأكاذِيبِ عَلى أنَّهم لَمْ يَهْنَأْ لَهم عَيْشٌ ولا قَرَّتْ لَهم عَيْنٌ إذْ لَمْ يَكُونُوا عَلى أمْنٍ واطْمِئْنانٍ بَلْ كانُوا عَلى خَوْفٍ مِن ظُهُورِ أمْرِهِمْ، وقَدْ كانَ.
ومِنَ النّاسِ مَن ضَعَّفَ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ بِأنّا لَوْ نُسَلِّمُ أنَّ ﴿عَفا اللَّهُ﴾ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ، والسَّنَدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ سَلَّمْنا لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ مَقُولٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَنْبٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ أوْ لَمْ يَصْدُرْ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ إنْكارًا، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ إذا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ فَكَيْفَ يَتَأتّى الإنْكارُ عَلَيْهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ صَدْرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ وبَعْدَ حُصُولِهِ يَسْتَحِيلُ تَوَجُّهُ الإنْكارِ فافْهَمْ.
واسْتَدَلَّ بِها جَمْعٌ عَلى أنَّ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اجْتِهادًا وأنَّهُ قَدْ يَنالُهُ مِنهُ أجْرٌ واحِدٌ والوَجْهُ فِيهِ ظاهِرٌ، وما فَعَلَهُ ﷺ في هَذِهِ الواقِعَةِ أحَدُ أمْرَيْنِ فَعَلَهُما ولَمْ يُؤْمَرْ بِفِعْلِهِما كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، ثانِيهِما أخْذُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الفِداءَ مِنَ الأُسارى وقَدْ تَقَدَّمَ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الحَصْرَ في هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإنَّ لَهُما ثالِثًا وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ كالمَذْكُورِ في سُورَةِ عَبَسَ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ تَقْيِيدُ الأمْرَيْنِ بِما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ الجِهادِ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الرَّشادِ.
التوبة 9:44
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْتِئْذانِهِمْ عَلى حالِهِمْ ولا يَأْذَنُ لَهم أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ وعادَتِهِمْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في ﴿أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾
صفحة 110
فَإنَّ الخُلَّصَ مِنهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الإذْنِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ، أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مِن خَيْرِ مَعاشِ النّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلى مَتْنِهِ كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً أوْ فَزَعًا طارَ عَلى مَتْنِهِ يَبْتَغِي القَتْلَ أوِ المَوْتَ مَظانَّهُ» ونَفْيُ العادَةِ مُسْتَفادٌ مِن نَفْيِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ نَحْوَ فُلانٍ يَقْرِي الضَّيْفَ ويَحْمِي الحَرِيمَ، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ الِاسْتِمْرارِ، ولَوْ حُمِلَ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى عادَتُهم عَدَمُ الِاسْتِئْذانِ لَمْ يَبْعُدْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الحَماسِيِّ:
لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
قِيلَ: وهَذا الأدَبُ يَجِبُ أنْ يُقْتَفى مُطْلَقًا فَلا يَلِيقُ بِالمَرْءِ أنْ يَسْتَأْذِنَ أخاهُ في أنْ يُسْدِيَ إلَيْهِ مَعْرُوفًا ولا بِالمُضِيفِ أنَّ يَسْتَأْذِنَ ضَيْفَهُ في أنْ يُقَدِّمَ إلَيْهِ طَعامًا، فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ أمارَةُ التَّكَلُّفِ والتَّكَرُّهِ، ولَقَدْ بَلَغَ مِن كَرَمِ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وأدَبِهِ مَعَ ضُيُوفِهِ أنَّهُ لا يَتَعاطى شَيْئًا مِن أسْبابِ التَّهَيُّؤِ لِلضِّيافَةِ بِمَرْأًى مِنهم فَلِذَلِكَ مَدَحَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ الخَلَّةِ الجَمِيلَةِ والآدابِ الجَلِيلَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أيْ ذَهَبَ عَلى خَفاءٍ مِنهم كَيْلا يَشْعُرُوا بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِئْذانِ مَحْذُوفًا و﴿أنْ يُجاهِدُوا﴾ بِتَقْدِيرِ كَراهَةِ أنْ يُجاهِدُوا، والمَحْذُوفُ قِيلَ: التَّخَلُّفُ عَلَيْهِ، والمَعْنى لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ لِلِاسْتِئْذانِ والكَراهَةِ مَعًا، وقالَ بَعْضٌ: إنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ وبِهِ ويَمْتازُ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ وهو وإنْ كانَ في نَفْسِهِ أمْرًا خَفِيًّا لا يُوقَفُ عَلَيْهِ بادِئَ الأمْرِ لَكِنَّ عامَّةَ أحْوالِهِمْ لَمّا كانَتْ مُنْبِئَةً عَنْ ذَلِكَ جُعِلَ أمْرًا ظاهِرًا مُقَرَّرًا.
وقِيلَ: الجِهادُ أيْ لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ في الجِهادِ بِما يَكُونُ لِكَراهَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ الِاسْتِئْذانَ في الشَّيْءِ لِكَراهَتِهِ مِمّا لا يَقَعُ بَلْ لا يُعْقَلُ، ولَوْ سَلِمَ وُقُوعُهُ فالِاسْتِئْذانُ لِعِلَّةِ الكَراهَةِ مِمّا لا يَمْتازُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِنَ الِاسْتِئْذانِ لِعِلَّةِ الرَّغْبَةِ، لَوْ سَلِمَ فالَّذِي نُفِيَ عَنِ المُؤْمِنِينَ يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ لِلْمُنافِقِينَ وظاهِرٌ أنَّهم لَمْ يَسْتَأْذِنُوا في الجِهادِ لِكَراهَتِهِمْ لَهُ بَلْ إنَّما اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ فَتَدَبَّرْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ شَهادَةٌ لَهم بِالتَّقْوى لِوَضْعِ المُظْهَرِ فِيهِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ أوْ إرادَةِ جِنْسِ المُتَّقِينَ ودُخُولِهِمْ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وعِدَةٌ لَهم بِالثَّوابِ الجَزِيلِ، فَإنَّ قَوْلَنا: أحْسَنْتَ إلَيَّ فَأنا أعْلَمُ بِالمُحْسِنِ وُعِدَ بِأجْزَلِ الثَّوابِ وأسَأْتَ إلَيَّ فَأنا أعْلَمُ بِالمُسِيءِ وُعِدَ بِأشَدِّ العِقابِ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ عَلِيمٌ بِأنَّهم كَذَلِكَ وإشْعارٌ بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مُعَلَّلٌ بِالتَّقْوى.
التوبة 9:45
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ في التَّخَلُّفِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَخْصِيصُ الإيمانِ بِهِما في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الباعِثَ عَلى الجِهادِ والمانِعَ عَنْهُ الإيمانُ بِهِما وعَدَمُ الإيمانِ بِهِما، فَمَن آمَنَ بِهِما قاتَلَ في سَبِيلِ دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ وهانَ عَلَيْهِ القَتْلُ فِيهِ لِما يَرْجُوهُ في اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِما مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ وتَقَرُّرِهِ ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ﴾ وشَكِّهِمُ المُسْتَمِرِّ في قُلُوبِهِمْ ( ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ ) أيْ يَتَحَيَّرُونَ، وأصْلُ مَعْنى التَّرَدُّدِ الذَّهابُ والمَجِيءُ وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّحَيُّرُ مَجازًا أوْ كِنايَةً لِأنَّ المُتَحَيِّرَ لا يَقَرُّ في مَكانٍ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما
صفحة 111
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في المُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وكانُوا عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنً المُنْذِرِ، وغَيْرُهُما عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ إلَخْ نَسَخَتْهُ الآيَةُ الَّتِي في النُّورِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ.
التوبة 9:46
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ: أُهْبَةً مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ وسائِرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ في السَّفَرِ الَّذِي يُرِيدُهُ.
وقُرِئَ ( عُدَّهُ ) بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الخُرُوجِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: سُمِعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ يَقْرَأُ بِها، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الأصْلَ عُدَّتُهُ إلّا أنَّ التّاءَ سَقَطَتْ كَما في إقامِ الصَّلاةِ وهو سَماعِيٌّ وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، والضَّمِيرُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عِوَضٌ عَنِ التّاءِ المَحْذُوفَةِ، قِيلَ: ولا تُحْذَفُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وقَدْ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في عِدَةٍ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى الوَعْدِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا وأخْلَفُوكَ عِدى الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا
وقُرِئَ ( عِدَهُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ بِإضافَةٍ وغَيْرِها ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: خُرُوجَهم كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أوْ نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ ( ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ ) أيْ: حَبَسَهم وعَوَّقَهم عَنْ ذَلِكَ: والِاسْتِدْراكُ قِيلَ عَمّا يُفْهَمُ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ فَإنَّ انْتِفاءَ إرادَةِ الخُرُوجِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ خُرُوجِهِمْ وكَراهَةَ اللَّهِ تَعالى انْبِعاثَهَمْ يَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا لَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَهو اسْتِدْراكُ نَفْيِ الشَّيْءِ بِإثْباتِ ضِدِّهِ كَما يُسْتَدْرَكُ نَفْيُ الإحْسانِ بِإثْباتِ الإساءَةِ في قَوْلِكَ: ما أحْسَنَ إلَيَّ لَكِنْ أساءَ، والِاتِّفاقُ في المَعْنى لا يَمْنَعُ الوُقُوعَ بَيْنَ طَرَفَيْ لَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِاخْتِلافِ نَفْيًا وإثْباتًا في اللَّفْظِ، وبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهم بِأنَّ ( لَكِنْ ) تَقَعُ بَيْنَ ضِدَّيْنِ أوْ نَقِيضَيْنِ أوْ مُخْتَلِفَيْنِ عَلى قَوْلٍ ووَقَعَتْ فِيما نَحْنُ فِيهِ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّأْكِيدِ كَما أثْبَتُوا مَجِيئَها لِذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ: واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ الِاسْتِدْراكِ مِن نَفْسِ المُقَدَّمِ عَلى نَهْجِ ما في الأقْيِسَةِ الِاسْتِثْنائِيَّةِ، والمَعْنى لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ ما أرادُوهُ لَمّا أنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم مِنَ المَفاسِدِ فَحَبَسَهم بِالجُبْنِ والكَسَلِ فَتَثَبَّطُوا عَنْهُ ولَمْ يَسْتَعِدُّوا لَهُ.
﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى داعِيَةً القُعُودَ فِيهِمْ وإلْقائِهِ سُبْحانَهُ كَراهَةَ الخُرُوجِ في قُلُوبِهِمْ بِالأمْرِ بِالقُعُودِ أوْ تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ أيْ أماتَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ إذْنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم في القُعُودِ، فالقَوْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُرادُ بِالقاعِدِينَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى أوِ الرِّجالِ الَّذِينَ يَكُونُ لَهم عُذْرٌ يَمْنَعُهم عَنِ الخُرُوجِ، وفِيهِ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ مِنَ الذَّمِّ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.
التوبة 9:47
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ بَيانٌ لِكَراهَةِ اللَّهِ تَعالى انْبِعاثَهم أيْ لَوْ خَرَجُوا مُخالِطِينَ لَكم ﴿ما زادُوكُمْ﴾ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا خَبالا﴾ أيْ: شَرًّا وفَسادًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَجْزًا وجُبْنًا، وعَنِ الضَّحّاكِ غَدْرًا ومَكْرًا، وأصْلُ الخَبالِ كَما قالَ الخازِنُ: اضْطِرابٌ ومَرَضٌ يُؤَثِّرُ في العَقْلِ كالجُنُونِ، وفي مُجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ الِاضْطِرابُ في الرَّأْيِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مُتَّصِلٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ ما عَلِمْتَ
صفحة 112
ولا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ لَهم خَبالٌ حَتّى لَوْ خَرَجُوا زادُوهُ لَأنَّ الزِّيادَةَ بِاعْتِبارِ أعَمِّ العامِّ الَّذِي وقَعَ مِنهُ الِاسْتِثْناءُ، وقالَ بَعْضُهم: تَوَهُّمًا مِنهُ لُزُومَ ما ذُكِرَ هو مُفَرَّغٌ مُنْقَطِعٌ والتَّقْدِيرُ ما زادُوكم قُوَّةً وخَيْرًا لَكِنْ شَرًّا وخَبالًا.
واعْتُرِضَ بِأنَّ المُنْقَطِعَ لا يَكُونُ مُفَرَّغًا وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهُ مانِعٌ مِنهُ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلَيْهِ كَما إذا قِيلَ: ما أنِيسُكَ في البادِيَةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي بِها إلّا اليَعافِيرُ، أيْ ما لِي بِها أنِيسٌ إلّا ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في وُجُودِ القَرِينَةِ هَهُنا مَقالًا.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ كانَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ لَهم خَبالٌ فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا واجْتَمَعُوا بِهِمْ زادَ الخَبالُ فَلا فَسادَ في ذَلِكَ الِاسْتِلْزامِ لَوْ تَرَتَّبَ ( ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ ) الإيضاعُ سَيْرُ الإبِلِ يُقالُ: أوْضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ إذا أسْرَعَتْ وأوْضَعْتُها أنا إذا حَمَلْتَها عَلى الإسْراعِ، والخِلالُ جَمْعُ خَلَلٍ وهو الفُرْجَةُ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا بِمَعْنى بَيْنَ ومَفْعُولُ الإيضاعِ مُقَدَّرٌ أيِ النَّمائِمَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتِ النَّمائِمُ بِالرَّكائِبِ في جَرَيانِها وانْتِقالِها، وأثْبَتَ لَها الإيضاعَ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ، والمَعْنى ولَسَعَوْا بَيْنَكم بِالنَّمِيمَةِ وإفْسادِ ذاتِ البَيْنِ.
وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ سُرْعَةَ إفْسادِهِمْ ذاتَ البَيْنِ بِالنَّمائِمِ بِسُرْعَةِ سَيْرِ الرّاكِبِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَها الإيضاعُ وهو لِلْإبِلِ والأصْلُ ولَأوْضَعُوا رَكائِبَ نَمائِمِهِمْ خِلالَكم ثُمَّ حُذِفَ النَّمائِمُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَقِيلَ لَأوْضَعُوا رَكائِبَهم ثُمَّ حُذِفَتِ الرَّكائِبُ، ومَنَعَ الأخْفَشُ في كِتابِ الغاياتِ أنْ يُقالَ: أوْضَعَتِ الرَّكائِبُ ووَضَعَ البَعِيرُ بِمَعْنى أسْرَعَ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ بِدُونِ قَيْدٍ، وجَوَّزَ ذَلِكَ غَيْرُهُ واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ:
فَلَمْ أرَ سُعْدى بَعْدَ يَوْمِ لَقِيتُها غَداةً بِها أجْمالُها صاحَ تَوْضَعُ
وقُرِئَ ( ولَأرْقَصُوا ) مِن رَقَصَتِ النّاقَةُ إذا أسْرَعَتْ وأرْقَصْتُها ومِنهُ قَوْلُهُ:
يا عامُ لَوْ قَدَرَتْ عَلَيْكَ رِماحُنا ∗∗∗ والرّاقِصاتُ إلى مِنًى فالغَبْغَبِ
وقُرِئَ ( لَأوْفَضُوا ) والمُرادُ لَأسْرَعُوا أيْضًا يُقالُ: أوْفَضَ واسْتَوْفَضَ إذا اسْتَعْجَلَ وأسْرَعَ والوَفْضُ العَجَلَةُ، وكَتَبَ قَوْلَهُ تَعالى: ( لَأوْضَعُوا ) في الإمامِ بِألِفَيْنِ الثّانِيَةُ مِنهُما هي فَتْحَةُ الهَمْزَةِ والفُتْحَةُ تُرْسَمُ لَها ألِفٌ كَما ذَكَرَهُ الدّانِي، وفي الكَشّافِ كانَتِ الفَتْحَةُ تُكْتَبُ ألِفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ اخْتُرِعَ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ وقَدْ بَقِيَ مِن ذَلِكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِّباعِ فَكَتَبُوا صُورَةَ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحَتَها ألِفًا أُخْرى ومِثْلُ ذَلِكَ ﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكم وتَهْوِيلِ أمْرِ العَدُوِّ عَلَيْكم وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكم وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الشِّرْكِ أيْ يُرِيدُونَ أنْ تَكُونُوا مُشْرِكِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْضَعُوا أيْ باغِينَ لَكُمُ الفِتْنَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم لِأجْلِ نَقْلِهِ إلَيْهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ أوْ فِيكم أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعَفَةٌ يَسْمَعُونَ قَوْلَهم ويُطِيعُونَهم كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقَ، وجَماعَةٍ.
واللّامُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ وعَلى الثّانِي لِلتَّقْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ ) أوْ مِن فاعِلِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِهِما أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ولَعَلَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَكُونُوا في كَمِّيَّةِ العَدَدِ وكَيْفِيَّةِ الفَسادِ بِحَيْثُ يَخِلُّ مَكانُهم فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِأمْرِ الجِهادِ إخْلالًا عَظِيمًا ولَمْ يَكُنْ فَسادُ خُرُوجِهِمْ مُعادِلًا لِمَنفَعَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ عَدَمَ خُرُوجِهِمْ فَخَرَجُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ حَيْثُ كانَ انْضِمامُ المُنافِقِينَ القاعِدِينَ إلَيْهِمْ مُسْتَتْبَعًا لِخَلَلٍ كُلِّيٍّ كَرِهَ اللَّهُ تَعالى انْبِعاثَهم فَلَمْ
صفحة 113
يَتَسَنَّ اجْتِماعُهم فانْدَفَعَ فَسادُهُمُ. انْتَهى، والِاحْتِياجُ إلَيْهِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أظْهَرُ مِنهُ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِأنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، ووَجْهُ العِتابِ عَلى الإذْنِ في قُعُودِهِمْ مَعَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ أنَّهم لَوْ قَعَدُوا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَظَهَرَ نِفاقُهم فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُخالَطَتِهِمْ والسَّعْيِ فِيما بَيْنَهم بِالأراجِيفِ ولَمْ يَتَسَنَّ لَهُمُ التَّمَتُّعُ بِالعَيْشِ إلى أنْ يَظْهَرَ حالُهم بِقَوارِعِ الآياتِ النّازِلَةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ عِلْمًا مُحِيطًا بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الماضِيَةِ والمُسْتَقْبَلَةِ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ والإشْعارِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالظّالِمِينَ الجِنْسُ ويَدْخُلَ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنهم إمّا القاعِدُونَ أوْ هم والسَّمّاعُونَ.
التوبة 9:48
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ تَشْتِيتَ شَمْلِكَ وتَفَرُّقَ أصْحابِكَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ بِأصْحابِهِ المُنافِقِينَ، وقَدْ تَخَلَّفَ بِهِمْ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ أيْضًا بَعْدَ أنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلى قَرِيبٍ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ الفَتْكُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَمَعَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ ووَقَفُوا عَلى الثَّنِيَّةِ لِيَفْتِكُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى خاسِئِينَ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيِ: المَكايِدَ تَقْلِيبُها مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِها أوِ الآراءِ وهو مَجازٌ عَنْ تَفْتِيشِها، أيْ دَبَّرُوا لَكَ المَكايِدَ والحِيَلَ أوْ دَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ، وقُرِئَ ( وقَلَبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: النَّصْرُ والظَّفَرُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى ﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ غَلَبَ دِينُهُ وعَلا شَرْعُهُ سُبْحانَهُ ﴿وهم كارِهُونَ﴾ أيْ في حالِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ أيْ عَلى رَغْمٍ مِنهم، والإتْيانُ كَما قالُوا لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُتَخَلِّفِينَ وبَيانِ ما ثَبَّطَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِأجْلِهِ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ وإزاحَةِ أعْذارِهِنَّ تَدارُكًا لِما عَسى يَفُوتُ بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْنِ وإيذَنًا بِأنَّ ما فاتَ بِها لَيْسَ مِمّا لا يُمْكِنُ تَلافِيهِ تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ.
التوبة 9:49
﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ أيْ لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ بِنِساءِ الرُّومِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أُفْتَتَنُ فائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي فَنَزَلَتْ»، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوَّلًا تُوقِعُنِي في المَعْصِيَةِ والَإثْمِ بِمُخالَفَةِ أمْرِكَ في الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وفي الكَلامِ عَلى هَذا إشْعارٌ بِأنَّهُ لا مَحالَةَ مُتَخَلِّفٌ أذِنَ لَهُ ﷺ أوْ لَمْ يَأْذَنْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الفِتْنَةَ بِالضَّرَرِ أيْ لا تُوقِعُنِي في ذَلِكَ فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي لِعَدَمِ مَن يَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا تُعَذِّبْنِي بِتَكْلِيفِ الخُرُوجِ في شِدَّةِ الحَرِّ، وقُرِئَ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ مِن أفْتَنَهُ بِمَعْنى فِتْنَةٍ ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ أيْ في نَفْسِها وعَيْنِها وأكْمَلِ أفْرادِها الغِنى عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الجِنْسِ بِهِ ( ﴿سَقَطُوا﴾ ) لا في شَيْءٍ مُغايِرٍ لَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَهْرَبًا ومُخَلَّصًا عَنْها، وذَلِكَ بِما فَعَلُوا مِنَ العَزِيمَةِ عَلى التَّخَلُّفِ والجَراءَةِ عَلى هَذا الِاسْتِئْذانِ والقُعُودِ بِالإذْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ وعَلى الِاعْتِذاراتِ الكاذِبَةِ، وفي
صفحة 114
مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( سُقِطَ ) بِالإفْرادِ مُراعاةً لِلَفْظِ ( مِن ) ولا يَخْفى ما في تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ مِنَ التَّحْقِيقِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الِافْتِتانِ بِالسُّقُوطِ في الفِتْنَةِ تَنْزِيلٌ لَها مَنزِلَةَ المُهْواةِ المُهْلِكَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ تَرَدِّيهِمْ في دَرَكاتِ الرَّدى أسْفَلَ سافِلِينَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لا يَخْفى وجْهُهُ ( ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ) وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا وهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ داخِلٌ تَحْتَ التَّنْبِيهِ، أيْ جامِعَةٌ لَهم مِن كُلِّ جانِبٍ لا مَحالَةَ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمَجازُ في اسْمِ الفاعِلِ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ في الِاسْتِقْبالِ بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها حِيطَةٌ بِهِمُ الآنَ بِأنْ يُرادَ مِن جَهَنَّمَ أسْبابُها مِنَ الكُفْرِ والفِتْنَةِ الَّتِي سَقَطُوا فِيها ونَحْوَ ذَلِكَ مَجازًا.
وقَدْ يُجْعَلُ الكَلامُ تَمْثِيلًا بِأنْ تُشَبَّهَ حالُهم في إحاطَةِ الأسْبابِ بِحالِهِمْ عِنْدَ إحاطَةِ النّارِ، وكَوْنُ الأعْمالِ الَّتِي هم فِيها هي النّارَ بِعَيْنِها لَكِنَّها ظَهَرَتْ بِصُورَةِ الأعْمالِ في هَذِهِ النَّشْأةِ وتَظْهَرُ بِالصُّورَةِ النّارِيَّةِ في النَّشْأةِ الأُخْرى كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ ) مَنزَعٌ صُوفِيٌّ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ إمّا المُنافِقُونَ المَبْحُوثُ عَنْهم، وإيثارُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِأنَّهُ مُعْظَمُ أسْبابِ الإحاطَةِ المَذْكُورَةِ وإمّا جَمِيعُ الكافِرِينَ ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
التوبة 9:50
﴿إنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِ مُغازِيكَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ مِنَ الظُّفْرِ والغَنِيمَةِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تِلْكَ الحَسَنَةُ أيْ تُورِثُهم مَساءَةً وحُزْنًا لِفَرِطِ حَسَدِهِمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى وعَداوَتَهِمْ ( ﴿وإنْ تُصِبْكَ﴾ ) في بَعْضِها ( ﴿مُصِيبَةٌ﴾ ) كانْكِسارِ جَيْشٍ وشَدَّةٍ ( ﴿يَقُولُوا﴾ ) مُتَبَجِّحِينَ بِما صَنَعُوا حامِدِينَ لِآرائِهِمْ ( ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ ) أيْ تَلا فِينا ما يُهِمُّنا مِنَ الأمْرِ يَعْنُونَ بِهِ التَّخَلُّفَ والقُعُودَ عَنِ الحَرْبِ والمُداراةِ مَعَ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الكُفْرِ والنِّفاقِ قَوْلًا وفِعْلًا ( ﴿مِن قَبْلُ﴾ ) أيْ: مِن قَبْلِ إصابَةِ المُصِيبَةِ حَيْثُ يَنْفَعُ التَّدارُكُ، يُشِيرُونَ بِذَلِكَ إلى أنَّ نَحْوَ ما صَنَعُوهُ إنَّما يُرَوَّجُ عِنْدَ الكَفَرَةِ بِوُقُوعِهِ حالَ قُوَّةِ الإسْلامِ لا بَعْدَ إصابَةِ المُصِيبَةِ ( ﴿ويَتَوَلَّوْا﴾ ) أيْ ويَنْصَرِفُوا عَنْ مُتَحَدِّثِهِمْ، ومَحَلُّ اجْتِماعِهِمْ إلى أهْلِيهِمْ وخاصَّتِهِمْ أوْ يَتَفَرَّقُوا ويَنْصَرِفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ( ﴿وهم فَرِحُونَ﴾ ) بِما صَنَعُوا وبِما أصابَكَ مِنَ السَّيِّئَةِ، والجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَقُولُوا، ويَتَوَلَّوْا ) فَإنَّ الفَرَحَ مُقارِنٌ لِلْأمْرَيْنِ مَعًا، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ السُّرُورِ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِالشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ عَلى طَرْزِ الأوْلى بِأنْ يُقالَ: وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ تَسُرُّهم بَلْ أُقِيمَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مَقامَهَ مُبالَغَةً في فَرْطِ سُرُورِهِمْ مَعَ الإيذانِ بِأنَّهم في مَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ، وقُلْ: إنَّ إسْنادَ المَساءَةِ إلى الحَسَنَةِ والمَسَرَّةِ إلى أنْفُسِهِمْ لِلْإيذانَ بِاخْتِلافِ حالِهِمْ حالَتَيْ عُرُوضِ المَساءَةِ والمَسَرَّةِ بِأنَّهم في الأُولى مُضْطَرُّونَ وفي الثّانِيَةِ مُخْتارُونَ، وقُوبِلَ هُنا الحَسَنَةُ بِالمُصِيبَةِ ولَمْ تُقابَلْ بِالسَّيِّئَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ( ﴿وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ ) لِأنَّ الخِطابَ هُنا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو هُناكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَرَّقَ بَيْنَ المُخاطَبِينَ فَإنَّ الشِّدَّةَ لا تَزِيدُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا ثَوابًا فَإنَّهُ المَعْصُومُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقْيِيدِ الإصابَةِ في بَعْضِ الغَزَواتِ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ بَعْضًا مُعَيَّنًا هو هَذِهِ الغَزْوَةُ الَّتِي اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ عَنْها وهو ظاهِرٌ، نَعَمْ سَبَبُ النُّزُولِ يُوهِمُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جُعِلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا في المَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 115
أخْبارَ السُّوءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ قَدْ جَهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ. فَتَأمَّلْ.
التوبة 9:51
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿لَنْ يُصِيبَنا﴾ أبَدًا ﴿إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ: ما اخْتَصَّنا بِإثْباتِهِ وإيجابِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ كالنُّصْرَةِ أوِ الشَّهادَةِ المُؤَدِّيَةِ لِلنَّعِيمِ الدّائِمِ، فالكَتْبُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَتْبِ الخَطَّ في اللَّوْحِ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والأجْلِ، أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما خَطَّ اللَّهُ تَعالى لِأجْلِنا في اللَّوْحِ ولا يَتَغَيَّرُ بِمُوافَقَتِكم ومُخالَفَتِكم، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الحَوادِثَ كُلَّها بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ) أيْ: ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا يُعَيِّنُ الأوَّلَ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ أنَّ مَعْنى اللّامِ الِاخْتِصاصُ ويُخَصِّصُ المَوْصُولَ بِالنَّصْرِ والشَّهادَةِ أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ذَلِكَ دُونَ الخِذْلانِ والشَّقاوَةِ كَما هو مَصِيرُ حالِكم لِأنّا مُؤْمِنُونَ وأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم، وقَدْ يُقالُ: هو تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ مِنَ الرِّضا أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَلا يَضُرُّنا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ونَحْنُ بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى راضُونَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُنا ونَحْنُ عَبِيدُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( هَلْ يُصِيبُنا ) وطَلْحَةُ ( هَلْ يُصَيِّبُنا ) بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن صَيَّبَ الَّذِي وزْنُهُ فَيْعَلَ لا فَعَّلَ بِالتَّضْعِيفِ لِأنَّ قِياسَهُ صَوَّبَ لِأنَّهُ مِنَ الواوِيِّ فَلا وجْهَ لِقَلْبِها ياءً بِخِلافِ ما إذا كانَ صَيْوَبَ عَلى وزْنِ فَيْعَلَ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ والأوَّلُ مِنهُما ساكِنٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءًا وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ مِنَ التَّفْعِيلِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ صابَ يُصِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
واسْتَبى الكاعِبَ العَقِيلَةَ إذْ أسْهُمِي الصّائِباتُ والصُّيُبُ
( ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ ) وحْدَهُ ( ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ) بِأنْ يُفَوِّضُوا الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ التَّشَبُّثَ بِالأسْبابِ العادِيَّةِ إذا لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْها، وظاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ أنَّ الجُمْلَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ التَّبَرُّكِ والِاسْتِلْذاذِ بِهِ.
ووَضَعَ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ اخْتِصاصُ التَّوَكُّلِ بِاللَّهِ تَعالى، وجِيءَ بِالفاءِ الجَزائِيَّةِ لِتُشْعِرَ بِالتَّرَتُّبِ أيْ إذا كانَ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ أيْ خَصَّنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ أوِ الشَّهادَةِ وأنَّهُ مُتَوَلِّي أمْرَنا فَلْنَفْعَلْ ما هو حَقُّنا مِنِ اخْتِصاصِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالتَّوَكُّلِ، قالَ الطِّيبِيُّ: وكَأنَّهُ قُوبِلَ قَوْلُ المُنافِقِينَ بِهَذِهِ الفاصِلَةِ، والمَعْنى دَأْبُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَتَّكِلُوا عَلى حَزْمِهِمْ وتَيَقُّظِ أنْفُسِهِمْ كَما أنَّ دَأْبَ المُنافِقِينَ ذَلِكَ بَلْ أنْ يَتَّكِلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ويُفَوِّضُوا أُمُورَهم إلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ تَفَرُّعُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ) كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَسُوقَةً مِن قِبَلِهِ تَعالى أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ إثْرَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ذُكِرَ، وأمْرُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في المَوْضِعَيْنِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ وكَذا إعادَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
التوبة 9:52
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ بِنا لِانْقِطاعِ حُكْمِ الأمْرِ الأوَّلِ بِالثّانِي، وإنْ كانَ أمْرًا لِغائِبٍ، وأمّا عَلى كَلامِ الجَماعَةِ فالإعادَةُ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّمَهُّلُ وإحْدى التّاءَيْنِ مَحْذُوفَةٌ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما تَنْتَظِرُونَ بِنا ( ﴿إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ ) أيْ إحْدى العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ
صفحة 116
كُلٌّ مِنهُما أحْسَنُ مِن جَمِيعِ العَواقِبِ غَيْرِ الأُخْرى أوْ أحْسَنُ مِن جَمِيعِ عَواقِبِ الكَفَرَةِ، أوْ كُلٌّ مِنهُما أحْسَنُ مِمّا عَداهُ مِن جِهَةٍ، والمُرادُ بِهِما النُّصْرَةُ والشَّهادَةُ والحاصِلُ أنَّ ما تَنْتَظِرُونَهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما عاقِبَتُهُ حُسْنى لا كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ ما يُصِيبُنا مِنَ القَتْلِ في الغَزْوِ سُوءٌ ولِذَلِكَ سُرِرْتُمْ بِهِ
وصَحَّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» ( ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ ) إحْدى السَّوْأيَيْنِ مِنَ العَواقِبِ إمّا أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ فَيُهْلِكَكم كَما فَعَلَ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ قَبْلَكُمْ، والظَّرْفُ صِفَةُ ( عَذابٍ ) وكَوْنُهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِلا مُباشَرَةِ البَشَرِ، ويُظْهِرُ ذَلِكَ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ ) أيْ أوْ بِعَذابٍ كائِنٍ بِأيْدِينا كالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ والعَطْفِ عَلى صِفَةِ عَذابٍ فَهو صِفَةٌ أيْضًا لا أنَّ هُناكَ عَذابًا مُقَدَّرًا، وتَقْيِيدُ القَتْلِ بِكَوْنِهِ عَلى الكُفْرِ لِأنَّهُ بِدُونِهِ شَهادَةٌ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يُقْتَلُونَ حَتّى يُظْهِرُوا الكُفْرَ ويُصِرُّوا عَلَيْهِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ والمُنافِقُ لا يُقْتَلُ ابْتِداءً ( ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ) الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَتَرَبَّصُوا بِنا ما هو عاقِبَتُنا ( ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ) ما هو عاقِبَتُكم فَإذا لَقِيَ كُلٌّ مِنّا ومِنكم ما يَتَرَبَّصُهُ لا نُشاهِدُ إلّا ما يَسُوءُكم ولا تُشاهِدُونَ إلّا ما يَسُرُّنا، وما ذَكَرْناهُ مِن مَفْعُولِ التَّرَبُّصِ هو الظّاهِرُ ولَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْ فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ إنّا مُتَرَبِّصُونَ مُواعِدَ اللَّهِ تَعالى مِن إظْهارِ دِينِهِ واسْتِئْصالِ مَن خالَفَهُ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّهْدِيدُ.
التوبة 9:53
﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ أمْوالَكم في مَصالِحِ الغُزاةِ طَوْعًا وكَرْهًا أيْ طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ فَهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ، وصِيغَةُ ( ﴿أنْفِقُوا﴾ ) وإنْ كانَتْ لِلْأمْرِ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الخَبَرُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ كَعَكْسِهِ ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
وهُوَ كَما قالَ الفَرّاءُ في مَعْنى الشَّرْطِ أيْ إنْ أنْفَقْتُمْ عَلى أيِّ حالٍ ( ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ) وأخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ كَأنَّهم أُمِرُوا أنْ يُجَرِّبُوا فَيُنْفِقُوا في الحالَيْنِ فَيَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهم فَيُشاهِدُوا عَدَمَ القَبُولِ، وفِيهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَتْ حالَهم في النَّفَقَةِ وعَدَمِ قَبُولِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحالِ مَن يُؤْمَرُ بِفِعْلٍ لِيُجَرِّبَهُ فَيَظْهَرُ لَهُ عَدَمُ جَدْواهُ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ إذا أُمِرَ بِالإنْفاقِ كَيْفَ لا يُقْبَلُ.
والآيَةُ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَوابًا عَمّا في قَوْلِ الجِدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ لَكَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أُفْتَتَنَ، لَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي،» ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الأخْذِ مِنهم ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الإثابَةِ عَلَيْهِ، وكُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ واقِعٌ في الِاسْتِعْمالِ فَقَبُولُ النّاسِ لَهُ أخْذُهُ وقَبُولُ اللَّهِ تَعالى ثَوابُهُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ) تَعْلِيلٌ لِرَدِّ إنْفاقِهِمْ، والمُرادُ بِالفِسْقِ العُتُوُّ والتَّمَرُّدُ فَلا يُقالُ: كَيْفَ عَلَّلَ مَعَ الكُفْرِ بِالفِسْقِ الَّذِي هو دُونَهُ، وكَيْفَ صَحَّ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِتَعْلِيلِهِ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
التوبة 9:54
صفحة 117
﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ وقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو الكامِلُ وهو الكُفْرُ، ويَكُونُ هَذا مِنهُ تَعالى بَيانًا وتَقْرِيرًا لِذَلِكَ، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ ما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ نَفَقاتُهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا كُفْرُهُمْ، ومَنَعَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ وقَدْ تَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ وهو مِن أوْ عَنْ، وإذا عُدِّيَ بِحَرْفٍ صَحَّ أنْ يُقالَ: مَنَعَهُ مِن حَقِّهِ ومَنَعَ حَقَّهُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الحَيْلُولَةِ بَيْنَهُما والحِمايَةِ، ولا قَلْبَ فِيهِ كَما يُتَوَهَّمُ وجازَ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِلثّانِي بِنَفْسِهِ وأنْ يُقْدَّرَ حَرْفٌ، وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ إنْ وأنْ مَقِيسٌ مُطَّرِدٌ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( ﴿أنْ تُقْبَلَ﴾ ) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن هم في ( ﴿مَنَعَهُمْ﴾ ) وهو خِلافُ الظّاهِرِ وفاعِلُ مَنَعَ ما في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى ( وأنَّهم كَفَرُوا ) بِتَقْدِيرِ لِأنَّهم كَفَرُوا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يُقْبَلَ“ بِالتَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفَقاتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ مَعَ كَوْنِهِ مَفْصُولًا عَنِ الفِعْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وقُرِئَ ”نَفَقَتُهم“ عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ ”أنْ يَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ“ بِبِناءِ ”يَقْبَلَ“ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ النَّفَقاتِ، والفاعِلُ إمّا ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوْ ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ القَبُولَ بِمَعْنى الأخْذِ ( ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ﴾ ) المَفْرُوضَةَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ( ﴿إلا وهم كُسالى﴾ ) أيْ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ ( ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ ) الإنْفاقَ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ بِهِما ثَوابًا ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِهِما عِقابًا، وهاتانِ الجُمْلَتانِ داخِلَتانِ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ لِعَدَمِ القَبُولِ، فَما وجْهُ التَّعْلِيلِ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وعِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ المُسْتَقِلِّ لا يَبْقى لِغَيْرِهِ أثَرٌ، وأجابَ الإمامُ بِأنَّهُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ الكُفْرَ لِكَوْنِهِ كُفْرًا يُؤَثِّرُ في هَذا الحُكْمِ، وأمّا عَلى أهْلِ السُّنَّةِ فَلا لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذِهِ الأسْبابُ مُعَرِّفاتُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ ولا لِلْعِقابِ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ جائِزٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِما لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ ولَيْسَتا داخِلَتَيْنِ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، وإنْ كانَ يَنْدَفِعُ بِهِ الإشْكالُ عَلى رَأْيِالمُعْتَزِلَةِ خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى، فَإنْ قِيلَ: الكَراهِيَةُ خِلافُ الطَّواعِيَةِ، وقَدْ جُعِلَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ فِيما تَقَدَّمَ طائِعِينَ ووُصِفُوا هاهُنا بِأنَّهم لا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ، وظاهِرُ ذَلِكَ المُنافاةُ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِطَوْعِهِمْ أنَّهم يَبْذُلُونَ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا أنَّهم يَبْذُلُونَ رَغْبَةً فَلا مُنافاةَ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في ذَلِكَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ ) لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُنْفِقُونَ طائِعِينَ بَلْ غايَتُهُ أنَّهُ رَدَّدَ حالَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وكَوْنُ التَّرْدِيدِ يُنافِي القَطْعَ مَحَلُّ نَظَرٍ، كَما إذا قُلْتَ: إنْ أحْسَنْتَ أوْ أسَأْتَ لا أزُورُكَ مَعَ أنَّهُ لا يَحْسُنُ قَطْعًا، ويَكُونُ التَّرْدِيدُ لِتَوَسُّعِ الدّائِرَةِ وهو مُتَّسِعُ الدّائِرَةِ.
التوبة 9:55
﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ أيْ لا يَرُوقُكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهم ووَبالٌ عَلَيْهِمْ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ) والخِطابُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ) ومَفْعُولُ الإرادَةِ قِيلَ: التَّعْذِيبُ واللّامُ زائِدَةٌ وقِيلَ: مَحْذُوفٌ واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ يُرِيدُ إعْطاءَهم لِتَعْذِيبِهِمْ، وتَعْذِيبُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ في الدُّنْيا لِما أنَّهم يُكابِدُونَ بِجَمْعِها وحِفْظِها المَتاعِبَ ويُقاسُونَ فِيها الشَّدائِدَ والمَصائِبَ ولَيْسَ عِنْدَهم مِنَ الِاعْتِقادِ بِثَوابِ اللَّهِ تَعالى ما يُهَوِّنُ عَلَيْهِمْ ما يَجِدُونَهُ، وقِيلَ: تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا بِالأمْوالِ لِأخْذِ الزَّكاةِ مِنهم والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ
صفحة 118
تَعالى مَعَ عَدَمِ اعْتِقادِهِمُ الثَّوابَ عَلى ذَلِكَ، وتَعْذِيبُهم فِيها بِالأوْلادِ أنَّهم قَدْ يُقْتَلُونَ في الغَزْوِ فَيَجْزَعُونَ لِذَلِكَ أشَدَّ الجَزَعِ حَيْثُ لا يَعْتَقِدُونَ شَهادَتَهم وأنَّهم أحْياءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّ الِاجْتِماعَ بِهِمْ قَرِيبٌ ولا كَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ فِيما ذُكِرَ، وقِيلَ: تَعْذِيبُهم بِالأمْوالِ بِأنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ وبِالأوْلادِ بِأنْ يَكُونُوا سَبَبًا لَهم إذا أظْهَرُوا الكُفْرَ وتَمَكَّنُوا مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا أيْ لا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ ( ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ﴾ ) أيْ يَمُوتُونَ وأصْلُ الزُّهُوقِ الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ ( ﴿وهم كافِرُونَ﴾ ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ، والفِعْلُ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الإرادَةِ، واسْتُدِلَّ بِتَعْلِيقِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِإرادَتِهِ تَعالى عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ.
وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ المُرادَ إنَّما هو إمْهالُهم وإدامَةُ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ إلى أنْ يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ مُشْتَغِلِينَ بِما هم فِيهِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، والإمْهالُ والإدامَةُ المَذْكُورَةُ مِمّا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا لَهُ تَعالى، واعْتَرَضَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِيهِ شَيْئًا لِأنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ في الحَقِيقَةِ، وحاصِلُهُ أنَّ ما يُؤَدِّي إلى القُبْحِ ويَكُونُ سَبَبًا لَهُ حُكْمُهُ حُكْمُهُ في القُبْحِ وهو في حَيِّزِ المَنعِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ زَهُوقَ أنْفُسِهِمْ في حالِ الكُفْرِ وهو لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ فَإنَّ المَرِيضَ يُرِيدُ المُعالَجَةَ في وقْتِ المَرَضِ ولا يُرِيدُ المَرَضَ، والسُّلْطانُ يَقُولُ لِعَسْكَرِهِ: اقْتُلُوا البُغاةَ حالَ هُجُومِهِمْ ولا يُرِيدُ هُجُومَهم، ورَدَّهُ الإمامُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِما ذُكِرَ مِنَ المِثالِ إلّا إرادَةَ إزالَةِ المَرَضِ وطَلَبِ إزالَةِ هُجُومِ البُغاةِ، وإذا كانَ المُرادُ إعْدامَ الشَّيْءِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ مُرادًا بِخِلافِ إرادَةِ زُهُوقِ نَفْسِ الكافِرِ، فَإنَّها لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إرادَةِ إزالَةِ الكُفْرِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى زُهُوقَ أنْفُسِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِكُفْرِهِمْ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ والزُّهُوقُ حالَ الكُفْرِ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ إلّا حالَ حُصُولِ الكُفْرِ، وإرادَةُ الشَّيْءِ تَقْتَضِي إرادَةَ ما هو مِن ضَرُورِيّاتِهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْكُفْرِ.
وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ إرادَةَ المُعالَجَةِ شَيْءٌ غَيْرُ إرادَةِ إزالَةِ المَرَضِ وكَذا إرادَةُ القَتْلِ غَيْرُ إرادَةِ إزالَةِ الهُجُومِ، ولِهَذا يُعَلَّلُ إحْدى الإرادَتَيْنِ بِالأُخْرى فَكَيْفَ تَكُونُ نَفْسَها، وأمّا أنَّ كَوْنَ إرادَةِ ضَرُورِيّاتِ الشَّيْءِ مِن لَوازِمِ إرادَتِهِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَكَمْ مِن ضَرُورِيٍّ لِشَيْءٍ لا يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ إرادَتِهِ فَضْلًا عَمّا ادَّعاهُ، فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ تامٍّ.
التوبة 9:56
﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ في الدِّينِ والمُرادُ أنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ مِثْلَكم ( ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ ) في ذَلِكَ لِكُفْرِ قُلُوبِهِمْ ( ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ) أيْ يَخافُونَ مِنكم أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُوا بِالمُشْرِكِينَ، فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً ويُؤَيِّدُونَهُ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وأصْلُ الفَرَقِ انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الضَّرَرِ، قِيلَ: وهو مِن مُفارَقَةِ الأمْنِ إلى حالِ الخَوْفِ.
التوبة 9:57
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أيْ حِصْنًا يَلْجَأُونَ إلَيْهِ كَما قالَ قَتادَةُ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ أيْ: غَيْرَ أنْ يُخْفُونَ فِيها أنْفُسَهم وهو جَمْعُ مَغارَةٍ بِمَعْنى الغارِ، ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الغارَ في الجَبَلِ والمَغارَةَ في الأرْضِ، وقُرِئَ ( ﴿مَغاراتٍ﴾ ) بِضَمِّ المِيمِ مِن أغارَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ الغَوْرَ، وقِيلَ: هو تَعْدِيَةُ غارَ الشَّيْءُ وأغَرْتُهُ أنا أيْ أمْكِنَةٍ يُغَيِّرُونَ فِيها أشْخاصَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ بِمَعْنى مَهارِبَ
صفحة 119
ومَغارٍ ( ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ ) أيْ نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ يَنْجَحِرُونَ فِيهِ، وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ فَأُدْغِمَ بَعْدَ قَلْبِ تائِهِ دالًّا، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وسَهْلٌ ( مَدْخَلًا ) بِفَتْحِ المِيمِ اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ الثُّلاثِيِّ وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنِ، وقَرَأ سَلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ ( مُدْخَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الخاءِ مِن أدْخَلَ المَزِيدِ أيْ مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم أوْ يُدْخِلُهُمُ الخَوْفُ فِيهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( مُتَدَخَّلًا ) اسْمُ مَكانٍ مِن تَدَخَّلَ تَفَعَّلَ مِنَ الدُّخُولِ، وقُرِئَ ( مُنْدَخَلًا ) مِنِ انْدَخَلَ، وقَدْ ورَدَ في شِعْرِ الكُمَيْتِ:
ولا يَدِي في حَمِيتِ السَّمْنِ تَنْدَخِلُ
وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: إنَّما هي بِالتّاءِ بِناءً عَلى إنْكارِ هَذِهِ اللُّغَةِ ولَيْسَ بِذاكَ ( ﴿لَوَلَّوْا﴾ ) أيْ لَصَرَفُوا وُجُوهَهم وأقْبَلُوا، وقُرِئَ ( لَوَأْلَوُا ) أيْ لالتَجَأُوا ( ﴿إلَيْهِ﴾ ) أيْ إلى أحَدِ ما ذُكِرَ ( ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ ) أيْ يُسْرِعُونَ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَرُدُّهم شَيْءٌ كالفَرَسِ الجَمُوحِ وهو النُّفُورُ الَّذِي لا يَرُدُّهُ لِجامٌ، ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ ( يَجْمِزُونَ ) بِالزّايِ وهو بِمَعْنى يَجْمَحُونَ ويَشْتَدُّونَ، ومِنهُ الجَمّازَةُ النّاقَةُ الشَّدِيدَةُ العَدْوِ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ما ذُكِرَ قِراءَةً، وزَعَمَ أنَّهُ تَفْسِيرٌ وهو مَرْدُودٌ.
والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ وأنَّ التِجاءَهم إلى الِانْتِماءِ إلَيْهِمْ إنَّما هو لِلتَّقِيَّةِ اضْطِرارًا، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ الوِجْدانِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: لَوْ تُحْسِنُ إلَيَّ لَشَكَرْتُكَ، نَعَمْ كَثِيرًا ما يَكُونُ المُضارِعُ المَنفِيُّ الواقِعُ مَوْقِعَ الماضِي لِإفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ هَهُنا.
التوبة 9:58
﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ أيْ يَعِيبُكَ في شَأْنِها، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( يَلْمُزُكَ ) بِضَمِّ المِيمِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( يُلامِزُكَ ) هو مِنَ المُلامَزَةِ بِمَعْنى اللَّمْزِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مُطْلَقُ العَيْبِ كالهَمْزِ، ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما بَأنَّ اللَّمْزَ في الوَجْهِ والهَمْزَ في الغَيْبِ وهو المَحْكِيُّ عَنِ اللَّيْثِ وقَدْ عُكِسَ أيْضًا وأصْلُ مَعْناهُ الدَّفْعُ ( ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها﴾ ) بَيانٌ لِفَسادِ لَمْزِهِمْ وأنَّهُ لا مَنشَأ لَهُ إلّا حِرْصُهم عَلى حُطامِ الدُّنْيا أيْ إنْ أعْطَيْتُهم مِن تِلْكَ الصَّدَقاتِ قَدْرَ ما يُرِيدُونَ ( ﴿رَضُوا﴾ ) بِما وقَعَ في القِسْمَةِ واسْتَحْسَنُوا فِعْلَكَ ( ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها﴾ ) ذَلِكَ المِقْدارَ ( ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ ) أيْ: يُفاجَئُونَ السَّخَطَ، و( إذا ) نابَتْ مَنابَ فاءِ الجَزاءِ وشَرْطٌ لِنِيابَتِها عَنْهُ كَوْنُ الجَزاءِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ووَجْهُ نِيابَتِها دَلالَتُها عَلى التَّعْقِيبِ كالفاءِ، وغايَرَ سُبْحانَهُ بَيْنَ جَوابَيِ الجُمْلَتَيْنِ إشارَةً إلى أنَّ سَخَطَهم ثابِتٌ لا يَزُولُ ولا يَفْنى بِخِلافِ رِضاهم، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ ( إذا هم ساخِطُونَ ) والآيَةُ نَزَلَتْ في «ذِي الخُوَيْصِرَةِ واسْمُهُ حَرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ التَّمِيمِيُّ جاءَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقَسِّمُ غَنائِمَ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ“ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»“ الحَدِيثَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا قَسَّمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى فَأتَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى مُوسى قَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ»“ ونَزَلَتِ الآيَةُ.
صفحة 120
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي عاصِمٍ قالَ: «أُوتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِصَدَقَةٍ فَقَسَّمَها هاهُنا وهاهُنا حَتّى ذَهَبَتْ ووَراءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ فَنَزَلَتْ»، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الجَوّاظِ المُنافِقِ قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رِعاءِ الغَنَمِ ويَزْعُمُ أنَّهُ يَعْدِلُ.
وتَعَقَّبَ هَذا ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أصَحَّ الرِّواياتِ الأُولى إلّا أنَّ كَوْنَ سَبَبِ النُّزُولِ قِسْمَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلصَّدَقَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ أوْفَقُ بِالآيَةِ مِن كَوْنِ ذَلِكَ قِسْمَتَهُ لِلْغَنِيمَةِ. فَتَأمَّلْ.
التوبة 9:59
﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ما أعْطاهُمُ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقاتِ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِهِ وإنْ قَلَّ- فَما- وإنْ كانَتْ مِن صِيَغِ العُمُومَ إلّا أنَّ ما قَبْلُ وما بَعْدُ قَرِينَةٌ عَلى التَّخْصِيصِ، وبَعْضٌ أبْقاها عَلى العُمُومِ أيْ ما أعْطاهم مِنَ الصَّدَقَةِ أوِ الغَنِيمَةِ قِيلَ لِأنَّهُ الأنْسَبُ، وذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلتَّعْظِيمِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ ( ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ ) أيْ كَفانا فَضْلُهُ وما قَسَمَهُ لَنا كَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى ( ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ ) بَعْدَ هَذا حَسْبَما نَرْجُو ونَأْمُلُ ( ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ ) في أنْ يُخَوِّلَنا فَضْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، والآيَةُ بِأسْرِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ بِناءً عَلى ظُهُورِهِ أيْ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأعْوَدَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ ( قالُوا ) والواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِذَلِكَ،
التوبة 9:60
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ المُنافِقِينَ وطَعْنَهم وسَخَطَهم بَيَّنَ أنَّ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإصْلاحِ الدِّينِ وأهْلِهِ لا لِأغْراضٍ نَفْسانِيَّةٍ كَأغْراضِهِمْ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ إلَخْ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقْسَمَ مالُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَنِ اتَّصَفَ بِإحْدى هَذِهِ الصِّفاتِ دُونَ غَيْرِهِ، إذِ القَصْدُ الصَّلاحُ والمُنافِقُونَ لَيْسَ فِيهِمْ سِوى الفَسادِ فَلا يَسْتَحِقُّونَهُ، وفي ذَلِكَ حَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ ورَدٌّ لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، والمُرادُ مِنَ الصَّدَقاتِ الزَّكَواتُ فَيَخْرُجُ غَيْرُها مِنَ التَّطَوُّعِ، والفَقِيرُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ وهو ما دُونَ النِّصابِ، أوْ قَدْرُ نِصابٍ غَيْرِ نامٍ وهو مُسْتَغْرِقٌ في الحاجَةِ، والمِسْكِينُ مَن لا شَيْءَ لَهُ فَيَحْتاجُ لِلْمَسْألَةِ لِقُوَّتِهِ وما يُوارِي بَدَنَهُ ويَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ بِخِلافِ الأوَّلِ حَيْثُ لا تَحِلُّ لَهُ المَسْألَةُ فَإنَّها لا تَحِلُّ لِمَن يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ بَعْدَ سَتْرِ بَدَنِهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ لا تَحِلُّ لِمَن كانَ كَسُوبًا أوْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «مَن سَألَنا ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ومَسْألَتُهُ في وجْهِهِ خُمُوشٌ أوْ خُدُوشٌ أوْ كُدُوحٌ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما يُغْنِيهِ؟ قالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أوْ قِيمَتُها مِنَ الذَّهَبِ»“ وإلى هَذا ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وابْنُ المُبارَكِ، وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقِيلَ: مَن مَلَكَ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا حَرُمَ عَلَيْهِ السُّؤالُ لِما أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن سَألَ ولَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ ألْحَفَ»“ وكانَ الأُوقِيَّةُ في ذَلِكَ الزَّمانِ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ويَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ لِمَن لا تَحِلُّ لَهُ المَسْألَةُ بَعْدَ كَوْنِهِ فَقِيرًا، ولا يُخْرِجُهُ عَنِ الفَقْرِ مِلْكُ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ نامِيَةٍ إذا كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً لِلْحاجَةِ، ولِذا قالُوا: يَجُوزُ لِلْعالِمِ وإنْ كانَتْ لَهُ كُتُبٌ تُساوِي نُصُبًا كَثِيرَةً إذا كانَ مُحْتاجًا إلَيْها لِلتَّدْرِيسِ ونَحْوِهِ أخْذُ الزَّكاةِ بِخِلافِ العامِّيِّ وعَلى هَذا جَمِيعُ آلاتِ المُحْتَرِفِينَ.
وعَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ يَكُونُ المِسْكِينُ أسْوَأ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ) أيْ
صفحة 121
ألْصَقَ جِلْدَهُ بِالتُّرابِ في حُفْرَةٍ اسْتَتَرَ بِها مَكانَ الإزارِ، وألْصَقَ بَطْنَهُ بِهِ لِفِرَطِ الجُوعِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الضَّرَرِ والشِّدَّةِ ولَمْ يُوصَفِ الفَقِيرُ بِذَلِكَ، وبِأنَّ الأصْمَعِيَّ، وأبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ وغَيْرَهُما مِن أهْلِ اللُّغَةِ فَسَّرُوا المِسْكِينَ بِمَن لا شَيْءَ لَهُ، والفَقِيرَ بِمَن لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ، وأُجِيبُ بِأنَّ تَمامَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ الصِّفَةَ كاشِفَةٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأنَّ النَّقْلَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ مَعارَضٌ بِالنَّقْلِ عَنِ البَعْضِ الآخَرِ، وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الفَقِيرُ مَن لا مالَ لَهُ ولا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِن حاجَتِهِ، والمِسْكِينُ مَن لَهُ مالٌ أوْ كَسْبٌ لا يَكْفِيهِ، فالفَقِيرُ عِنْدَهُ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ ) فَأثْبَتَ لِلْمِسْكِينِ سَفِينَةً، وبِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالا: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا واحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَساكِينِ»“ مَعَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي بَكْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُو بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ والفَقْرِ» وخَبَرُ ”الفَقْرِ فَخْرِيٌّ“ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ، وبِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ الفَقِيرَ في الآيَةِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ حاجَتُهُ أشَدَّ لِما بَدَأ بِهِ، وبِأنَّ الفَقِيرَ بِمَعْنى المَفْقُورِ أيْ مَكْسُورِ الفِقارِ أيْ عِظامِ الصُّلْبِ فَكانَ أسْوَأ، وأُجِيبُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهم بَلْ هم أُجَراءُ فِيها أوْ كانَتْ عارِيَةً مَعَهم أوْ قِيلَ لَهم مَساكِينُ تَرَحُّمًا كَما في الحَدِيثِ: «مَساكِينُ أهْلِ النّارِ» .
وقَوْلُهُ:
مَساكِينُ أهْلُ الحُبِّ حَتّى قُبُورُهم عَلَيْها تُرابُ الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ
وهَذا أوْلى، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ الفَقْرَ المُتَعَوَّذَ مِنهُ لَيْسَ إلّا فَقْرُ النَّفْسِ لِما رُوِيَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَسْألُ العَفافَ والغِنى والمُرادُ بِهِ غِنى النَّفْسِ لا كَثْرَةُ الدُّنْيا، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لا دَلِيلَ فِيهِ إذْ لَهُ اعْتِباراتٌ كَثِيرَةٌ في كَلامِهِمْ، وعَنِ الرّابِعِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَقارِ لِجَوازِ كَوْنِهِ مِن فَقَرْتُ لَهُ فِقْرَةً مِن مالِي إذا قَطَعْتَها فَيَكُونُ لَهُ شَيْءٌ، وأيًّا ما كانَ فَهُما صِنْفانِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُما صِنْفٌ واحِدٌ والعَطْفُ لِلِاخْتِلافِ في المَفْهُومِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وأبِي يُوسُفَ، وفائِدَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ فِيما إذا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ مَثَلًا لِفُلانٍ ولِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، فَمَن قالَ: إنَّهُما صِنْفٌ واحِدٌ جَعَلَ لِفُلانٍ النِّصْفَ ومَن قالَ: إنَّهُما صِنْفانِ جَعَلَ لَهُ الثُّلُثَ مِن ذَلِكَ ( ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ ) وهُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الإمامُ لِجِبايَتِها، وفي البَحْرِ أنَّ العامِلَ يَشْمَلُ العاشِرَ والسّاعِيَ، والأوَّلُ مَن نَصَّبَهُ الإمامُ عَلى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقاتِ مِنَ التُّجّارِ المارِّينَ بِأمْوالِهِمْ عَلَيْهِ.
والثّانِي هو الَّذِي يَسْعى في القَبائِلِ لِيَأْخُذَ صَدَقَةَ المَواشِي في أماكِنِها، ويُعْطِي العامِلَ ما يَكْفِيهِ وأعْوانَهُ بِالوَسَطِ مُدَّةَ ذَهابِهِمْ وإيابِهِمْ ما دامَ المالُ باقِيًا، إلّا إذا اسْتَغْرَقَتْ كِفايَتُهُ الزَّكاةَ فَلا يُزادُ عَلى النِّصْفِ لِأنَّ التَّصْنِيفَ عَيْنُ الإنْصافِ.
وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يُعْطى الثَّمَنَ لِأنَّ القِسْمَةَ تَقْتَضِيهِ وفِيهِ نَظَرٌ، وقُيِّدَ بِالوَسَطِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتْبَعَ شَهْوَتَهُ في المَأْكَلِ والمُشْرَبِ والمَلْبَسِ لِكَوْنِهِ إسْرافًا مَحْضًا، وعَلى الإمامِ أنْ يَبْعَثَ مَن يَرْضى بِالوَسَطِ مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وبِبَقاءِ المالِ لِأنَّهُ لَوْ أخَذَ الصَّدَقَةَ وضاعَتْ مِن يَدِهِ بَطَلَتْ عِمالَتُهُ ولا يُعْطِي مِن بَيْنِ المالِ شَيْئًا وما يَأْخُذُهُ صَدَقَةٌ، ومِن هُنا قالُوا: لا تَحِلُّ العِمالَةُ لِهاشِمِيٍّ لِشَرَفِهِ، وإنَّما حَلَّتْ لِلْغَنِيِّ مَعَ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِهَذا العَمَلِ فَيَحْتاجُ إلى الكِفايَةِ، والغِنى لا يَمْنَعُ مِن تَناوُلِها عِنْدَ الحاجَةِ كابْنِ السَّبِيلِ كَذا في البَدائِعِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ في ذَلِكَ شَبَهًا بِالأُجْرَةِ وشَبَهًا بِالصَّدَقَةِ، فَبِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ حَلَّتْ لِلْغَنِيِّ ولِذا لا يُعْطى لَوْ أدّاها صاحِبُ المالِ إلى الإمامِ، وبِالِاعْتِبارِ الثّانِي لا تَحِلُّ لِلْهاشِمِيِّ، وفي النِّهايَةِ رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ اسْتُعْمِلَ عَلى الصَّدَقَةِ فَأُجْرِيَ لَهُ مِنها
صفحة 122
رِزْقٌ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن ذَلِكَ، وإنْ عَمِلَ فِيها ورُزِقَ مِن غَيْرِها فَلا بَأْسَ بِهِ، وهو يُفِيدُ صِحَّةَ تَوْلِيَتِهِ وأنَّ أخْذَهُ مِنها مَكْرُوهٌ لا حَرامٌ، وصَرَّحَ في الغايَةِ بِعَدَمِ صِحَّةِ كَوْنِ العامِلِ هاشِمِيًّا أوْ عَبْدًا أوْ كافِرًا، ومِنهُ يُعْلَمُ حُرْمَةُ تَوْلِيَةِ اليَهُودِ عَلى بَعْضِ الأعْمالِ وقَدْ تَقَدَّمَتْ نُبْذَةٌ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ ( ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ) وهم كانُوا ثَلاثَةَ أصْنافٍ، صِنْفٌ كانَ يُؤَلِّفُهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُسْلِمُوا، وصِنْفٌ أسْلَمُوا لَكِنْ عَلى ضَعْفٍ كَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، والأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ، والعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُعْطِيهِمْ لِتَقْوى نِيَّتِهِمْ في الإسْلامِ، وصِنْفٌ كانُوا يُعْطَوْنَ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ، وعُدَّ مِنهم مَن يُؤَلَّفُ قَلْبُهُ بِإعْطاءِ شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقاتِ عَلى قِتالِ الكُفّارِ ومانِعِي الزَّكاةِ، وفي الهِدايَةِ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ قَدْ سَقَطَ وانْعَقَدَ إجْماعُ الصَّحابَةِ عَلى ذَلِكَ في خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، رُوِيَ أنْ عُيَيْنَةَ والأقْرَعَ جاءا يَطْلُبانِ أرْضًا مِن أبِي بَكْرٍ فَكَتَبَ بِذَلِكَ خَطًّا فَمَزَّقَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: هَذا شَيْءٌ يُعْطِيكُمُوهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَأْلِيفًا لَكم فَأمّا اليَوْمَ فَقَدْ أعَزَّ اللَّهُ تَعالى الإسْلامَ وأُغْنِيَ عَنْكم فَإنْ ثَبَتُّمْ عَلى الإسْلامِ وإلّا فَبَيْنَنا وبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، فَرَجَعُوا إلى أبِي بَكْرٍ فَقالُوا: أنْتَ الخَلِيفَةُ أمْ عُمَرُ؟ بَذَلْتَ لَنا الخَطَّ ومَزَّقَهُ عُمَرُ، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو إنْ شاءَ ووافَقَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعَ احْتِمالِ أنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً كارْتِدادِ بَعْضٍ مِنهم وإثارَةِ ثائِرَةٍ، واخْتَلَفَ كَلامُ القَوْمِ في وجْهِ سُقُوطِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالكِتابِ إلى حِينِ وفاتِهِ بِأبِي هو وأُمِّي عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمِنهم مَنِ ارْتَكَبَ جَوازَ نَسْخِ ما ثَبَتَ بِالكِتابِ بِالإجْماعِ بِناءً عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ كالكِتابِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنَ المَذْهَبِ؛ ومِنهم مَن قالَ: هو مِن قَبِيلِ انْتِهاءِ الحُكْمِ بِانْتِهاءِ عِلَّتِهِ كانْتِهاءِ جَوازِ الصَّوْمِ بِانْتِهاءِ وقْتِهِ وهو النَّهارُ، ورُدَّ بِأنَّ الحُكْمَ في البَقاءِ لا يَحْتاجُ إلى عِلَّةٍ كَما في الرَّمْلِ والِاضْطِباعِ في الطَّوافِ فانْتِهاؤُها لا يَسْتَلْزِمُ انْتِهاءَهُ وفِيهِ بَحْثٌ، وقالَ عَلاءُ الدِّينِ عَبْدُ العَزِيزِ: والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: هَذا تَقْرِيرٌ لِما كانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَيْثُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ كانَ إعْزازَ الإسْلامِ لِضَعْفِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِغَلَبَةِ أهْلِ الكُفْرِ وكانَ الإعْزازُ بِالدَّفْعِ، ولَمّا تَبَدَّلَتِ الحالُ بِغَلَبَةِ أهْلِ الإسْلامِ صارَ الإعْزازُ في المَنعِ، وكانَ الإعْطاءُ في ذَلِكَ الزَّمانِ والمَنعُ في هَذا الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ الآلَةِ لِإعْزازِ الدِّينِ والإعْزازُ هو المَقْصُودُ وهو باقٍ عَلى حالِهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا، كالمُتَيَمِّمِ وجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ التُّرابِ لِلتَّطْهِيرِ لِأنَّهُ آلَةٌ مُتَعَيِّنَةٌ لِحُصُولِ التَّطْهِيرِ عِنْدَ عَدَمِ المارِّ فَإذا تَبَدَّلَتْ حالُهُ فَوَجَدَ الماءَ سَقَطَ الأوَّلُ ووَجَبَ اسْتِعْمالُ الماءِ؛ لِأنَّهُ صارَ مُتَعَيِّنًا لِحُصُولِ المَقْصُودِ لا يَكُونُ هَذا نَسْخًا لِلْأوَّلِ فَكَذا هَذا وهو نَظِيرُ إيجابِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ، فَإنَّها كانَتْ واجِبَةً عَلى العَشِيرَةِ في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيوانِ لِأنَّ الإيجابَ عَلى العاقِلَةِ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والِاسْتِنْصارِ في زَمَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بِالعَشِيرَةِ وبَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأهْلِ الدِّيوانِ، فَإيجابُها عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا بَلْ كانَ تَقْرِيرًا لِلْمَعْنى الَّذِي وجَبَتِ الدِّيَةُ لِأجْلِهِ وهو الِاسْتِنْصارُ ا هـ. واسْتَحْسَنَهُ في النِّهايَةِ.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الهُمامِ بِأنَّ هَذا لا يَنْفِي النَّسْخَ لِأنَّ إباحَةَ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كانَ ثابِتًا وقَدِ ارْتَفَعَ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ نَسْخٌ ولا يُقالُ: نُسِخَ الكِتابُ بِالإجْماعِ لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ لِأنَّ النّاسِخَ دَلِيلُ الإجْماعِ لا هو بِناءً عَلى أنَّهُ لا إجْماعَ إلّا عَنْ مُسْتَنَدٍ فَإنْ ظَهَرَ وإلّا وجَبَ الحُكْمُ بِأنَّهُ ثابِتٌ، عَلى أنَّ الآيَةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ) يَصْلُحُ لِذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ هَذِهِ ولَمْ يَثْبُتْ، وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَسْقُطْ سَهْمُ هَذا الصِّنْفِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ
صفحة 123
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وأبِي ثَوْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقالَ أحْمَدُ: يُعْطَوْنَ إنِ احْتاجَ المُسْلِمُونَ إلى ذَلِكَ.
وقالَ البَعْضُ: إنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهم مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ والسّاقِطُ سَهْمُ الكُفّارِ فَقَطْ، وصُحِّحَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُعْطِيهِمْ مِن خُمْسِ الخُمْسِ الَّذِي كانَ خاصَّ مالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ( ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ ) أيْ لِلصَّرْفِ في فَكِّ الرِّقابِ بِأنْ يُعانَ المُكاتَبُونَ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أداءِ نُجُومِهِمْ، وقِيلَ: بِأنْ يُبْتاعَ مِنها الرِّقابُ فَتَعْتِقُ، وقِيلَ: بِأنْ يُفْدى الأُسارى، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ، واللَّيْثُ، والزُّهْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وعَزاهُ الطِّيبِيُّ إلى الحَسَنِ، وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ أنَّ الأوَّلَ هو المَنقُولُ عَنْهُ ( ﴿والغارِمِينَ﴾ ) أيِ: الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ، والدَّفْعُ إلَيْهِمْ كَما في الظَّهِيرِيَّةِ أوْلى مِنَ الدَّفْعِ إلى الفَقِيرِ وقَيَّدُوا الدِّينَ بِكَوْنِهِ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ كالخَمْرِ والإسْرافِ فِيما لا يَعْنِيهِ، لَكِنْ قالَ النَّوَوِيُّ في المِنهاجِ قُلْتُ: والأصَحُّ أنَّ مَنِ اسْتَدانَ لِلْمَعْصِيَةِ يُعْطى إذا تابَ وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ، والمانِعُ مُطْلَقًا قالَ: إنَّهُ قَدْ يُظْهِرُ التَّوْبَةَ لِلْأخْذِ، واشْتَرَطَ أنْ لا يَكُونَ لَهم ما يُوفُونَ بِهِ دَيْنَهم فاضِلًا عَنْ حَوائِجِهِمْ ومَن يَعُولُونَهُ، وإلّا فَمُجَرَّدُ الوَفاءِ لا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ وهو الأظْهَرُ.
وقِيلَ: لا يُشْتَرَطُ لِعُمُومِ الآيَةِ، وأطْلَقَ القُدُورِيُّ، وصاحِبُ الكَنْزِ مِن أصْحابِنا المَدْيُونَ في بابِ المَصْرِفِ، وقَيَّدَهُ في الكافِي بِأنْ لا يَمْلِكَ نِصابًا فَضْلًا عَنْ دَيْنِهِ، وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّهُ المُرادُ بِالغارِمِ في الآيَةِ إذْ هو في اللُّغَةِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ ولا يَجِدُ قَضاءً كَما ذَكَرَهُ العُتْبِيُّ، واعْتُذِرَ عَنْ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِأنَّ الفَقْرَ شَرْطٌ في الأصْنافِ كُلِّها إلّا العامِلَ وابْنَ السَّبِيلِ إذا كانَ لَهُ في وطَنِهِ مالٌ فَهو بِمَنزِلَةِ الفَقِيرِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ حُلُولُ الدَّيْنِ أوَّلًا قَوْلانِ لِلشّافِعِيَّةِ، ويُعْطى عِنْدَهم مَنِ اسْتَدانَ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، كَأنْ يَخافَ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ تَنازَعَتا في قَتِيلٍ لَمْ يَظْهَرْ قاتِلُهُ أوْ ظَهَرَ فَأُعْطِيَ الدِّيَةَ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ، ويُعْطى مَعَ الغِنى مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنْ كانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ لا يُعْطى.
( ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) أُرِيدَ بِذَلِكَ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ مُنْقَطِعُو الغُزاةِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ مُنْقَطِعُو الحَجِيجِ، وقِيلَ: المُرادُ طَلَبَةُ العِلْمِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ في الفَتاوى الظَّهِيرِيَّةِ، وفَسَّرَهُ في ”البَدائِعِ“ بِجَمِيعِ القُرَبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن سَعى في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وسُبُلِ الخَيْراتِ، قالَ في البَحْرِ: ولا يَخْفى أنَّ قَيْدَ الفَقْرِ لا بُدَّ مِنهُ عَلى الوُجُوهِ كُلِّها فَحِينَئِذٍ لا تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ في الزَّكاةِ، وإنَّما تَظْهَرُ في الوَصايا والأوْقافِ انْتَهى، وفي النِّهايَةِ فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ( ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) مُكَرَّرٌ سَواءٌ أُرِيدَ مُنْقَطِعُ الغُزاةِ أوْ غَيْرُهُ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ في وطَنِهِ مالٌ أمْ لا، فَإنْ كانَ فَهو ابْنُ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَهو فَقِيرٌ، فَمِن أيْنَ يَكُونُ العَدَدُ سَبْعَةً عَلى ما يَقُولُ الأصْحابُ أوْ ثَمانِيَةً عَلى ما يَقُولُ غَيْرُهم، وأُجِيبُ بِأنَّهُ فَقِيرٌ إلّا أنَّهُ ازْدادَ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى الفَقْرِ وهو الِانْقِطاعُ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مِن جِهادٍ أوْ حَجٍّ فَلِذا غايَرَ الفَقِيرُ المُطْلَقُ فَإنَّ المُقَيَّدَ يُغايِرُ المُطْلَقَ لا مَحالَةَ، ويَظْهَرُ أثَرُ التَّغايُرِ في حُكْمٍ آخَرَ أيْضًا وهو زِيادَةُ التَّحْرِيضِ والتَّرْغِيبِ في رِعايَةِ جانِبِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَنْقُصِ المَصارِفُ عَنْ سَبْعَةٍ وفِيهِ تَأمُّلٌ انْتَهى، ولا يَخْفى وجْهُهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّحْقِيقَ ما ذَكَرَهُ الجَصّاصُ في الأحْكامِ أنَّ مَن كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ بِدارِهِ وخَدَمِهِ وفَرَسِهِ ولَهُ فَضْلُ دَراهِمَ حَتّى لا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ فَإذا عَزَمَ عَلى سَفَرِ جِهادٍ احْتاجَ لِعِدَّةٍ وسِلاحٍ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا لَهُ في إقامَتِهِ فَيَجُوزُ أنْ يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ وإنْ كانَ غَنِيًّا في مِصْرِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الصَّدَقَةُ تَحِلُّ لِلْغازِي الغَنِيِّ» فافْهَمْ
صفحة 124
ولا تَغْفُلْ ( ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ) وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ عَنْ مالِهِ، والِاسْتِقْراضُ لَهُ خَيْرٌ مِن قَبُولِ الصَّدَقَةِ عَلى ما في الظَّهِيرِيَّةِ، وفي ”فَتْحِ القَدِيرِ“ أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ، وأُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَن هو غائِبٌ عَنْ مالِهِ وإنْ كانَ في بَلَدِهِ، وفي المُحِيطِ وإنْ كانَ تاجِرًا لَهُ دَيْنٌ عَلى النّاسِ لا يَقْدِرُ عَلى أخْذِهِ ولا يَجِدُ شَيْئًا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ الزَّكاةِ لِأنَّهُ فَقِيرٌ يَدًا كابْنِ السَّبِيلِ، وفي الخانِيَةِ تَفْصِيلٌ في هَذا المَقامِ قالَ: والَّذِي لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلى إنْسانٍ إذا احْتاجَ إلى النَّفَقَةِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكاةِ قَدَرَ كِفايَتِهِ إلى حُلُولِ الأجَلِ، وإنْ كانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ، فَإنْ كانَ مَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْسِرًا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ الزَّكاةَ في أصَحِّ الأقاوِيلِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ، وإنْ كانَ المَدْيُونُ مُوسِرًا مُعْتَرِفًا لا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ الزَّكاةِ وكَذا إذا كانَ جاحِدًا ولَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ عادِلَةً لا يَحِلُّ لَهُ الأخْذُ أيْضًا ما لَمْ يَرْفَعِ الأمْرَ إلى القاضِي فَيُحْلِفُهُ فَإذا حَلَّفَهُ يَحِلُّ لَهُ الأخْذُ بَعْدَ ذَلِكَ ا هـ، والمُرادُ مِنَ الدَّيْنِ ما يَبْلُغُ نِصابًا كَما لا يَخْفى.
وفِي ”فَتْحِ القَدِيرِ“ ولَوْ دَفَعَ إلى فَقِيرَةٍ لَها مَهْرُ دَيْنٍ عَلى زَوْجِها يَبْلُغُ نِصابًا وهو مُوسِرٌ بِحَيْثُ لَوْ طَلَبَتْ أعْطاها لا يَجُوزُ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُعْطِي لَوْ طَلَبَتْ جازَ ا هـ، وهو مُقَيَّدٌ لِعُمُومِ ما في الخانِيَةِ، والمُرادُ مِنَ المَهْرِ ما تُعُورِفَ تَعْجِيلُهُ لِأنَّ ما تُعُورِفَ تَأْجِيلُهُ فَهو دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لا يَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ، ويَكُونُ في الأوَّلِ عَدَمُ إعْطائِهِ بِمَنزِلَةِ إعْسارِهِ، ويُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الدُّيُونِ بِأنَّ رَفْعَ الزَّوْجِ لِلْقاضِي مِمّا لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، لَكِنَّ في البَزّازِيَّةِ دَفْعَ الزَّكاةِ إلى أُخْتِهِ وهي تَحْتَ زَوْجٍ إنْ كانَ مَهْرُها المُعَجَّلُ أقَلَّ مِنَ النِّصابِ أوْ أكْثَرَ لَكِنَّ الزَّوْجَ مُعْسِرٌ لَهُ أنْ يَدْفَعَ إلَيْها الزَّكاةَ وإنْ كانَ مُوسِرًا والمُعَجَّلُ قَدْرُ النِّصّابِ لا يَجُوزُ عِنْدَهُما وبِهِ يُفْتى لِلِاخْتِياطِ، وعِنْدَ الإمامِ يَجُوزُ مُطْلَقًا هَذا، والعُدُولُ عَنِ اللّامِ إلى ( في ) في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلْإيذانِ بِأنَّهم أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ لِما أنَّ ( في ) لِلظَّرْفِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ إحاطَتِهِمْ بِها وكَوْنِهِمْ مَحَلَّها ومَرْكَزَها وعَلَيْهِ فاللّامُ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصاصِ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ ثَمَّ سِرًّا آخِرَ هو أظْهَرُ وأقْرَبُ وذَلِكَ أنَّ الأصْنافَ الأوائِلَ مُلّاكٌ لِما عَساهُ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِمْ وإنَّما يَأْخُذُونَهُ تَمَلُّكًا، فَكانَ دُخُولُ اللّامِ لائِقًا بِهِمْ، وأمّا الأرْبَعَةُ الأواخِرُ فَلا يَمْلِكُونَ لِما يُصْرَفُ نَحْوَهم بَلْ ولا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ ولَكِنْ يُصْرَفُ في مَصالِحَ تَتَعَلَّقُ بِهِمْ، فالمالُ الَّذِي يُصْرَفُ في الرِّقابِ إنَّما يَتَناوَلُهُ السّادَةُ المُكاتِبُونَ أوِ البائِعُونَ فَلَيْسَ نَصِيبُهم مَصْرُوفًا إلى أيْدِيهِمْ حَتّى يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللّامِ المُشْعِرَةِ بِمِلْكِهِمْ لِما يُصْرَفُ نَحْوَهُمْ، وإنَّما هم مَحالُّ لِهَذا الصَّرْفِ ولِمَصالِحِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وكَذَلِكَ الغارِمُونَ إنَّما يُصْرَفُ نَصِيبُهم لِأرْبابِ دُيُونِهِمْ تَخْلِيصًا لِذِمَمِهِمْ لا لَهم، وأمّا في سَبِيلِ اللَّهِ فَواضِحٌ فِيهِ ذَلِكَ، وأمّا ابْنُ السَّبِيلِ فَكَأنَّهُ كانَ مُنْدَرِجًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنَّما أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّتِهِ مَعَ أنَّهُ مُجَرَّدٌ مِنَ الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا.
وعَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ بِاللّامِ مُمْكِنٌ ولَكِنَّ عَطْفَهُ عَلى القَرِيبِ أقْرَبُ، وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ المَكاتَبَ لا يَمْلِكُ وإنَّما يَمْلِكُ المَكاتِبُ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، فَفي المُحِيطِ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاءُ الزَّكاةِ لِمَكاتَبٍ هاشِمِيٍّ لِأنَّ المِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلى مِن وجْهٍ والشُّبْهَةُ مُلْحَقَةٌ بِالحَقِيقَةِ في حَقِّهِمْ، وفي ”البَدائِعِ“ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ المِلْكَ يَقَعُ لِلْمَكاتَبِ وحِينَئِذٍ فَبَقِيَّةُ الأرْبَعَةِ بِالطَّرِيقِ الأُولى.
والمَشْهُورُ أنَّ اللّامَ لِلْمِلْكِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهم حَيْثُ قالُوا: لا بُدَّ مِن صَرْفِ الزَّكاةِ إلى جَمِيعِ الأصْنافِ إذا وُجِدَتْ ولا تُصْرَفُ إلى صِنْفٍ مِثْلًا ولا إلى أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَلْ إلى ثَلاثَةٍ أوْ أكْثَرَ إذا وُجِدَ ذَلِكَ، وعِنْدَنا يَجُوزُ لِلْمالِكِ أنْ يَدْفَعَ الزَّكاةَ إلى كُلِّ واحِدٍ
صفحة 125
مِنهم ولَهُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى صِنْفٍ واحِدٍ لِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ بَيانُ الأصْنافِ الَّتِي يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ لا تَعْيِينُ الدَّفْعِ لَهم، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ) وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتاهُ مالٌ مِنَ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهُ في صِنْفٍ واحِدٍ وهو المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم ثُمَّ أتاهُ مالٌ آخَرُ فَجَعَلَهُ في الغارِمِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى صِنْفٍ واحِدٍ، ودَلِيلُ جَوازِ الِاقْتِصارِ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ مِنهُ أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ بَـ ( ألْ ) مَجازٌ عَنِ الجِنْسِ، فَلَوْ حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ النِّساءَ ولا يَشْتَرِي العَبِيدَ يَحْنَثُ بِالواحِدِ؛ فالمَعْنى في الآيَةِ أنَّ جِنْسَ الصَّدَقَةِ لِجِنْسِ الفَقِيرِ، فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلى واحِدٍ لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى إنَّ كُلَّ صَدَقَةٍ لِكُلِّ فَقِيرٍ وهو ظاهِرُ الفَسادِ، ولَيْسَ هُناكَ مَعْهُودٌ لِيُرْتَكَبَ العَهْدُ، ولا يُرِدْ خالِعْنِي عَلى ما في يَدِي مِنَ الدَّراهِمِ ولا شَيْءَ في يَدِها فَإنَّهُ يَلْزَمُها ثَلاثَةٌ، ولَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُهُ الأيّامَ أوِ الشُّهُورَ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى العَشْرَةِ عِنْدَ الإمامِ وعَلى الأُسْبُوعِ والسَّنَةِ عِنْدَ الإمامَيْنِ لِأنَّهُ أمْكَنَ العَهْدَ فَلا يُحْمَلُ عَلى الجِنْسِ، فالحاصِلُ أنَّ حَمْلَ الجَمْعِ عَلى الجِنْسِ مَجازٌ وعَلى العَهْدِ أوِ الِاسْتِغْراقِ حَقِيقَةٌ، ولا مَساغَ لِلْخُلْفِ إلّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الأصْلِ، وعَلى هَذا يُنَصَّفُ المُوصى بِهِ لِزَيْدٍ والفُقَراءِ كالوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ وفَقِيرٍ.
وما ذَهَبْنا إلَيْهِ هو المُرْوى عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ومالِكٌ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ جَدَّهُ أبا العَبّاسِ أحْمَدَ بْنَ فارِسٍ كانَ يَسْتَنْبِطُ مِن تَغايُرِ الحَرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الغَرَضَ بَيانُ المَصْرِفِ واللّامِ لِذَلِكَ فَيَقُولُ: مُتَعَلِّقُ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا عَنِ الصَّدَقاتِ مَحْذُوفًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنَّما الصَّدَقاتُ مَصْرُوفَةٌ لِلْفُقَراءِ كَما يَقُولُ مالِكٌ ومَن مَعَهُ أوْ مَمْلُوكَةٌ لِلْفُقَراءِ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ لَكِنَّ الأوَّلَ مُتَعَيِّنٌ لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ يَكْتَفِي بِهِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا ويَصِحُّ تَعَلُّقُ اللّامِ ( وفي ) مَعًا بِهِ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا الشَّيْءُ مَصْرُوفٌ في كَذا ولِكَذا بِخِلافِ تَقْدِيرِ مَمْلُوكَةٍ فَإنَّهُ إنَّما يَلْتَئِمُ مَعَ اللّامِ وعِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى ( في ) يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَصْرُوفَةٍ لِيَلْتَئِمَ بِها فَتَقْدِيرُهُ مِنَ الأوَّلِ عامُّ التَّعَلُّقِ شامِلُ الصِّحَّةِ مُتَعَيِّنٌ ا هـ، وبِالجُمْلَةِ لا يَخْفى قُوَّةُ مَنزَعِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ في الأخْذِ.
ولِذا اخْتارَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وكانَ والِدُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وهو مُفْتِي الشّافِعِيَّةِ في عَصْرِهِ يُفْتِي بِهِ ( ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمُقَدَّرٍ مَأْخُوذٍ مِن مَعْنى الكَلامِ أيْ فُرِضَ لَهُمُ الصَّدَقاتُ فَرِيضَةً، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ مُقَدَّرًا أيْ فَرَضَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَرِيضَةً، واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسَكَّنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ ) أيْ: إنَّما الصَّدَقاتُ كائِنَةٌ لَهم حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً أيْ مَفْرُوضَةً، قِيلَ: ودَخَلَتْهُ التّاءُ لِإلْحاقِهِ بِالأسْماءِ كَنَطِيحَةٍ ( ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ ) بِأحْوالِ النّاسِ ومَراتِبِ اسْتِحْقاقِهِمْ ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها سَوْقُ الحُقُوقِ إلى مُسْتَحِقِّيها.
التوبة 9:61
﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم: الحُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ، ورِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وغَيْرُهم قالُوا ما لا يَنْبَغِي في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما تَقُولُونَ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الحُلاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ فَإنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ، وفي رِوايَةٍ: أُذُنٌ سامِعَةٌ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ رَجُلًا آدَمَ أحْمَرَ العَيْنَيْنِ أسْفَعَ الخَدَّيْنِ
صفحة 126
مُشَوَّهَ الخِلْقَةِ وكانَ يُنِمُّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المُنافِقِينَ فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، نَقُولُ شَيْئًا ثُمَّ نَأْتِيهِ ونَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَّيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلِ بْنِ الحارِثِ» وأرادُوا سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى وُجُوهَهم وأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم بِقَوْلِهِمْ أُذُنٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ فَيَكُونُ وصْفُ ( أُذُنٌ ) بِما يُفِيدُ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ كَشْفًا لَهُ، وهي في الأصْلِ اسْمٌ لِلْجارِحَةِ، وإطْلاقُها عَلى الشَّخْصِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَما يُؤَيِّدُهُ بَعْضُ الرِّواياتِ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ عَلى ما في المِفْتاحِ كَإطْلاقِ العَيْنِ عَلى رَبِيئَةِ القَوْمِ حَيْثُ كانَتِ العَيْنُ هي المَقْصُودَةَ مِنهُ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ:
إذا ما بَدَتْ لَيْلى فَكُلِّي أعْيُنٌ وإنْ هي ناجَتْنِي فَكُلِّي مَسامِعُ
وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَـ ”رَجُلٌ عَدْلٌ“ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُبالَغَةُ هُنا عَلى ما قِيلَ في أنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ قَوْلٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُصَدِّقُهُ لا في مُجَرَّدِ السَّماعِ، وما قِيلَ: إنَّ مُرادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنًا تَصْدِيقُهُ بِكُلِّ ما يُسْمَعُ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما يَلِيقُ بِالقَبُولِ لِمُساعَدَةِ أماراتِ الصِّدْقِ لَهُ وبَيْنَ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ إطْلاقِ العَيْنِ عَلى الرَّبِيئَةِ، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُذُنِ في أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وراءَ الِاسْتِماعِ تَمْيِيزُ حَقٍّ عَنْ باطِلٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: ذُو أُذُنٍ ولا يَخْفى أنَّهُ مَذْهَبٌ لِرَوْنَقِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أُذُنٌ ) صِفَةً مُشَبَّهَةً مِن أذِنَ يَأْذَنُ إذْنًا إذا اسْتَمَعَ وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِقَعْنَبٍ:
إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ مِنِّي وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
وعَلى هَذا هو صِفَةٌ بِمَعْنى سَمِيعٍ ولا تَجُوزُ فِيهِ، وما تَأذّى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما قالُوهُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن سائِرِ الأقْوالِ الباطِلَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ويَقُولُونَ﴾ ) إلَخْ غَيْرَ ما تَأذّى بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَفْسُ قَوْلِهِمْ ( ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ ) فَيَكُونُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ و( ﴿يُؤْذُونَ﴾ ) مُضارِعُ آذاهُ والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ أذًى وأذاةٍ وأذِيَّةٍ وجاءَ أيْضًا الإيذاءُ كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً- خَطَأٌ مِنهُ.
( ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ) مِن قَبِيلِ: رَجُلُ صِدْقٍ فَهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الجَوْدَةِ والصَّلاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، أيْ: هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ وفِيما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ ( ﴿ورَحْمَةٌ﴾ ) فِيما يَأْتِي بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى خَيْرٍ، فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ وصْفُ الأُذُنِ بِالرَّحْمَةِ، ويَحْسُنُ أنْ يُقالَ: أُذُنٌ في الخَيْرِ والرَّحْمَةِ، وهَذا كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ أبْلَغُ أُسْلُوبٍ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّ فِيهِ أطْماعًا لَهم بِالمُوافَقَةِ عَلى مَدْعاهم ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ بِحَسْمِ طَمَعِهِمْ وبَتِّ أُمْنِيَتِهِمْ وهو كالقَوْلِ المُوجِبِ، وقَرَأ نافِعٌ ( أُذُنُ ) بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ ( أُذُنٌ ) بِالتَّنْوِينِ فَخَيْرٌ صِفَةٌ لَهُ بِمَعْنى خَيِّرٍ المُشَدَّدِ أوْ أفْعَلِ تَفْضِيلٍ أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنَ خَيْرٍ لَهم، أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ تَعالى لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ والآياتِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ كَما أنَّهُ خَيْرٌ لِلْعالَمِينَ مِمّا لا يَخْفى ( ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ يُصَدِّقُهم لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِنَ
صفحة 127
الخُلُوصِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُنْدَرِجٌ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لَكِنَّ الغالِبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يُبَيِّنُوا وجْهَهُ كَوْنَهُ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ، نَعَمْ قالَ مَوْلانا الشِّهابُ: إنَّ المَعْنى هو أُذُنُ خَيْرٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ودَلائِلَهُ فَيُصَدِّقُها ويَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ فَيُسَلِّمُهُ لَهم ويُصَدِّقُهم بِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ أُذُنُ شَرٍّ يَسْمَعُونَ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَنْتَفِعُونَ بِها ويَسْمَعُونَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ولا يَقْبَلُونَهُ، وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَسْمَعُ قَوْلَهم إلّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا أنَّهُ يَقْبَلُهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما زَعَمُوا، وبِهَذا يَصِحُّ وجْهُ التَّفْسِيرِ فَتَدَبَّرْ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ في إرادَةِ هَذا المَعْنى مِن هَذا المِقْدارِ مِنَ الآيَةِ بُعْدًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ ويُصَدِّقُهم ولا يُصَدِّقُ المُنافِقِينَ، وإنْ سَمِعَ قَوْلَهم، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ إلى إخْلاصِهِمْ لِما أنَّ فِيهِ انْحِطاطَ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَرْتَبَةِ المُخْلِصِينَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ تَصْدِيقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ فِيما يَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ مِن مُتَمِّماتِ تَصْدِيقِهِ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ في خَيْرِيَّةِ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ بَلْ ولِغَيْرِهِمْ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ.
والإيمانُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ) بِمَعْنى الِاعْتِرافِ والتَّصْدِيقِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولِذا عَدّى بِالباءِ، وأمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) فَهو بِمَعْنى جَعَلَهم في أمانٍ مِنَ التَّكْذِيبِ، فاللّامُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلتَّقْوِيَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ المَعْنى مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ أنَّ الزِّيادَةَ لِتَقْوِيَةِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ عَلى مَعْمُولِهِ قَلِيلَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ قَصْدٌ مِنَ الإيمانِ في الأوَّلِ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعُدِّيَ بِالباءِ الَّذِي يَتَعَدّى بِها الكَفْرُ حَمْلًا لِلنَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ وقَصَدَ مِنَ الإيمانِ في الثّانِي السَّماعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَهُ ويُصَدِّقُهم لِكَوْنِهِمْ صادِقِينَ عِنْدَهُ فَعُدِّيَ بِاللّامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ) حَيْثُ عُدِّيَ الإيمانُ فِيهِ بِاللّامِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ لَهم، وظاهِرُ هَذا أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ مَزِيدَةً لِلتَّقْوِيَةِ كَما في الأوَّلِ، وكَلامُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِزِيادَتِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ورَحْمَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ ) أيْ وهو رَحْمَةٌ، وفِيهِ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ والكَلامُ في ذَلِكَ مَعْلُومٌ ( ﴿آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ﴾ ) أيْ لِلَّذِينِ أظْهَرُوا الإيمانَ حَيْثُ يَقْبَلُهُ مِنهم لَكِنْ لا تَصْدِيقًا لَهم في ذَلِكَ بَلْ رِفْقًا بِهِمْ وتَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ ولا يَكْشِفُ أسْرارَهم ولا يَهْتِكُ أسْتارَهم.
وظاهِرُ كَلامِ الخازِنِ أنَّ المُرادَ ( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) المُخْلِصُونَ وذَكَرَ ( مِنكم ) بِاعْتِبارِ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ والحَقُّ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى المُنافِقِينَ، وإسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الفِعْلِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ بِصِيغَةِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الرُّسُوخِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ إيمانَهم أمْرٌ حادِثٌ ما لَهُ مِن قَرارٍ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ رَحْمَةٍ لَكم إلى ما ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( رَحْمَةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم ويَسْمَعُ رَحْمَةً وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى آخِرِ مُقَدَّرٍ أيْ تَصْدِيقًا لَهم ورَحْمَةً لَكم ( ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ) أيْ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الإيذاءِ كانَ وفي صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ المُشْعِرَةِ بِتَرَتُّبِ الوَعِيدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ إشْعارٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ ( ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ) أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وجُمْلَةُ المَوْصُولِ وخَبَرُهُ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الخِطابِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ بِإثْباتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم ثُمَّ جَعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِغايَةِ التَّعْظِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أذِيَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راجِعَةٌ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مُوجِبَةٌ لِكَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ مِنهُ سُبْحانَهُ.
صفحة 128
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإيذاءَ لا يَخْتَصُّ بِحالِ حَياتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ يَكُونُ بَعْدَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ التَّكَلُّمَ في أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما لا يَلِيقُ، وكَذا إيذاءُ أهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَإيذاءِ يَزِيدَ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّ لَهم ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.
التوبة 9:62
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِما لا يَلِيقُ ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالأيْمانِ لِيَعْذِرُوهم ويَرْضَوْا عَنْهم، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَأرْسَلَ إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ: ( يَحْلِفُونَ ) إلَخْ» أيْ يَحْلِفُونَ لَكم أنَّهم ما قالُوا ما نُقِلَ عَنْهم مِمّا يُورِثُ أذاةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُرْضُوكم بِذَلِكَ، وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها أتَوُا المُؤْمِنِينَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ مِن تَخَلُّفِهِمْ ويَعْتَلُّونَ ويَحْلِفُونَ.
وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذا مُقْتَصِرًا عَلى الأوَّلِ، ولَعَلَّهُ رَأى ذَلِكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ، وإنَّما أفْرَدَ إرْضاءَهم بِالتَّعْلِيلِ مَعَ أنَّ عُمْدَةَ أغْراضِهِمْ إرْضاءُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً لِإرْضائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما لَمْ يُكَذِّبْهم رِفْقًا بِهِمْ وسَتْرًا لِعُيُوبِهِمْ لا عَنْ رِضًى بِما فَعَلُوا وقَبُولٍ قَلْبِيٍّ لِما قالُوا ( ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ) أيْ: أحَقُّ بِالإرْضاءِ مِن غَيْرِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالطّاعَةِ والمُوافَقَةِ لِأمْرِهِ وإيفاءِ حُقُوقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بابِ الإجْلالِ والإعْظامِ حُضُورًا وغَيْبَةً، وأمّا الإيمانُ فَإنَّما يَرْضى بِها مَنِ انْحَصَرَ طَرِيقُ عِلْمِهِ في الأخْبارِ إلى أنْ يَجِيءَ الحَقُّ ويَزْهَقَ الباطِلُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ﴿يَحْلِفُونَ﴾ ) والمُرادُ ذَمُّهم بِالِاشْتِغالِ فِيما لا يَعْنِيهِمْ والإعْراضِ عَمّا يُهِمُّهم ويُجْدِيهِمْ.
وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في ( ﴿يُرْضُوهُ﴾ ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ بَعْدَ العَطْفِ بِالواوِ التَّثْنِيَةُ لِأنَّ إرْضاءَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَنْفَكُّ عَنْ إرْضاءِ اللَّهِ تَعالى و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فَلِتَلازُمِهِما جُعِلا كَشَيْءٍ واحِدٍ فَعادَ إلَيْهِما الضَّمِيرُ المُفْرَدُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإنَّما لَمْ يُثَنَّ تَأدُّبًا لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ في ضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ: وقَدْ نُهِيَ عَنْهُ عَلى كَلامٍ فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ والكَلامُ جُمْلَتانِ حُذِفَ خَبَرُ الأُولى لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ:
نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
أوْ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ المَذْكُورَ خَبَرُ الجُمْلَةِ الأُولى وخَبَرُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَحْذُوفٌ، واخْتارَ الأوَّلَ في مِثْلِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ سِيبَوَيْهِ لِقُرْبِ ما جَعَلَ المَذْكُورَ خَبَرًا لَهُ مَعَ السَّلامَةِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، واخْتارَ الثّانِيَ المُبَرِّدِ لِلسَّبْقِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَبَرُ لَهُ لا غَيْرَ ولا حَذْفَ في الكَلامِ لِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإرْضائِهِ فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَمْهِيدًا، فَلِذا لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ وخَصَّ الخَبَرَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ولا يَخْفى
صفحة 129
أنَّ اعْتِبارَ الإخْبارِ عَنِ المَعْطُوفِ وعَدَمَ اعْتِبارِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أصْلًا مَعَ أنَّهُ المُسْتَقِلُّ في الِابْتِداءِ في غايَةِ الغَرابَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ إيمانًا صادِقًا في الظّاهِرِ والباطِنِ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما ذُكِرَ فَإنَّهُما أحَقُّ بِالإرْضاءِ.
التوبة 9:63
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُنافِقُونَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِما سَمِعُوا مِنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوَخامَةِ عاقِبَتِها، وقُرِئَ ( تَعْلَمُوا ) بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ لا لِلْمُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ بِهِ، وفي قِراءَةٍ ( ألَمْ تَعْلَمْ ) والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ، والعِلْمُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُتَعَدِّيَ لِمَفْعُولَيْنِ وأنْ يَكُونَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ ( أنَّهُ ) أيِ: الشَّأْنَ ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأصْلُ المُحادَّةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحَدِّ بِمَعْنى الجِهَةِ والجانِبِ كالمُشاقَّةِ مِنَ الشَّقِّ والمُعاداةِ مِنَ العُدْوَةِ بِمَعْناهُ أيْضًا فَإنْ كانَ واحِدٌ مِن مُباشِرِي كُلٍّ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في حَدٍّ وشَقٍّ وعُدْوَةٍ غَيْرَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الحَدِّ بِمَعْنى المَنعِ، و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ جَوابُها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ خَبَرَهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَحَقٌّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وقَدَّرَ ذَلِكَ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً، وأنَّ المَفْتُوحَةَ مَعَ ما في حَيِّزِها مُفْرَدٌ تَأْوِيلًا، وقَدَّرَ مُقَدَّمًا لِأنَّها لا تَقَعُ في ابْتِداءِ الكَلامِ كالمَكْسُورَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ خَبَرًا أيِ الأمْرُ أنَّ لَهُ إلَخْ، وقِيلَ المُرادُ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ وأنَّ تَكْرِيرَ ( أنَّ ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أنَّهُ ) تَوْكِيدًا قِيلَ: وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ فَلَهُ وأنَّ تَوْكِيدًا لَكانَ نارُ جَهَنَّمَ مَرْفُوعًا ولَمْ يَعْمَلْ ( أنَّ ) فِيهِ، ولَما فُصِلَ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، ولِما وقَعَ أجْنَبِيٌّ بَيْنَ فاءِ الجَزاءِ وما في حَيِّزِهِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بَلِ التَّكْرِيرِ لِبُعْدِ العَهْدِ وهو مِن بابِ التَّطْرِيَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ العَمَلَ ودُخُولَ الفاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَوْلُهُ:
لَقَدْ عَلِمَ الحَيُّ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها
وكَمْ وكَمْ، وجَعْلُ الآيَةِ مِن هَذا البابِ نَقَلَهُ سِيبَوَيْهَ في الكِتابِ عَنِ الخَلِيلِ وهو –هُوَ- ولَيْسَ ( زَعَمَ ) في كَلامِهِ تَمْرِيضًا لَهُ لِأنَّهُ عادَتُهُ في كُلِّ ما نَقَلَهُ كَما بَيَّنَهُ شُرّاحُهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ( أنَّهُ ) وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكُ فَإنَّ لَهُ إلَخْ، وحاصِلُهُ: ألَمْ يَعْلَمُوا هَذا وهَذا عَقِيبُهُ ولا يَخْفى بَعْدَهُ مَعَ أنَّ أبا حَيّانَ قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ حَذْفَ الجَوابِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا أوْ مُضارِعًا مَجْزُومًا بِلَمْ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لَيْسَ مُتَّفِقًا عَلَيْهِ فَقَدْ نَصَّ ابْنُ هِشامٍ عَلى خِلافِهِ، فَكَأنَّهُ شَرْطٌ لِلْأكْثَرِيَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّ حَقَّ العَطْفِ فِيما ذُكِرَ أنْ يَكُونَ بِالواوِ قالَ فِيهِ الشِّهابُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنَّ اسْتِحْقاقَهُ النّارُ بِسَبَبِ المُحادَّةِ بِلا شُبْهَةٍ، وقُرِئَ. ( فَإنَّ ) بِالكَسْرِ ولا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ لِظُهُورِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إنِ اعْتُبِرَ في الظَّرْفِ ابْتِداءُ الِاسْتِقْرارِ وحُدُوثُهُ وأنَّهُ اعْتُبِرَ مُطْلَقُ
صفحة 130
الِاسْتِقْرارِ فالأمْرُ واضِحٌ ( ذَلِكَ ) أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الذُّلُّ والهَوانُ المُقارِنُ لِلْفَضِيحَةِ، ولا يَخْفى ما في الحَمْلِ مِنَ المُبالَغَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ.
التوبة 9:64
﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ﴾ أيْ: مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَحْذَرُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ:
حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
وأنْكَرَ المُبَرِّدُ كَوْنَهُ مُتَعَدِّيًا لِأنَّ الحَذَرَ مِن هَيْئاتِ النَّفْسِ كالفَزَعِ، والبَيْتُ قِيلَ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ، ورَدَّ ما قالَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّ مِنَ الهَيْئاتِ ما يَتَعَدّى كَخافَ وخَشِيَ، فَما ذَكَرَهُ غَيْرُ لازِمٍ ( عَلَيْهِمْ ) أيْ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ ما نَزَلَ في حَقِّهِمْ نازِلٌ عَلَيْهِمْ، وهَذا إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِتَنَزَّلُ، وأمّا إذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرِ وقَعَ صِفَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( سُورَةٌ ) كَما قِيلَ أيْ تَنْزِلُ سُورَةٌ كائِنَةٌ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا لَكَ وهَذا عَلَيْكَ، فَلا كَما لا يَخْفى إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الجارِّ بِما عِنْدَهُ، وصِفَةُ سُورَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ( تُنَبِّئُهم ) أيِ: المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ فَضْلًا عَمّا كانُوا يُظْهِرُونَهُ فِيما بَيْنَهم خاصَّةً مِن أقاوِيلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، والمُرادُ أنَّها تُذِيعُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ مِن أسْرارِهِمْ فَيَنْتَشِرُ فِيما بَيْنَ النّاسِ فَيَسْمَعُونَها مِن أفْواهِ الرِّجالِ مُذاعَةً فَكَأنَّهم تُخْبِرُهم بِها، وإلّا فَما في قُلُوبِهِمْ مَعْلُومٌ لَهم والمَحْذُورُ عِنْدَهم اطِّلاعُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ تُخْبِرُهم بِما في قُلُوبِهِمْ عَلى وجْهٍ يَكُونُ المَقْصُودُ مِنهُ لازِمَ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو عِلْمُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ المُبالَغَةُ في كَوْنِ السُّورَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى أسْرارِهِمْ كَأنَّها تَعْلَمُ مِن أحْوالِهِمُ الباطِنَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ فَتُنَبِّئُهم بِها وتَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبائِحَهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ الأوَّلانِ لِلْمُؤْمِنِينَ والثّالِثُ لِلْمُنافِقِينَ، وتَفْكِيكُ الضَّمائِرِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ مُطْلَقًا بَلْ هو جائِزٌ عِنْدَ قُوَّةِ القَرِينَةِ وظُهُورِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ كَما هُنا، أيْ يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ سُورَةٌ تُخْبِرُهم بِما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ وتَهْتِكُ عَلَيْهِمْ أسْتارَهم وتُفْشِي أسْرارَهم، وفي الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَحْذَرُونَ ذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى بَتٍّ في أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَ إظْهارُ الحَذَرِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ ويَقُولُ: إنَّهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ- يُكَذِّبُونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ وقَعَ مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ بِهَذِهِ المَقالَةِ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والقائِلُونَ بِما تَقَدَّمَ قالُوا: المُرادُ نافَقُوا لِأنَّ المُنافِقَ مُسْتَهْزِئٌ وكَما جُعِلَ قَوْلُهم: آمَنّا وما هم بِمُؤْمِنِينَ مُخادَعَةً في البَقَرَةِ جُعِلَ هُنا اسْتِهْزاءً، وقِيلَ: إنَّ ( يَحْذَرُ ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ أيْ لِيَحْذَرْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ يَنْبُو عَنْهُ نَوْعُ نُبُوَّةٍ إلّا أنْ يُرادَ ما يَحْذَرُونَ بِمُوجِبِ هَذا الأمْرِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ مُنَزِّلٌ سُورَةً كَذَلِكَ أوْ مُنَزِّلٌ ما تَحْذَرُونَ لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْمُبالِغَةِ؛ إذْ مَعْناهُ مُبْرِزٌ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، أوْ لِأنَّهُ أعَمُّ إذِ المُرادُ مُظْهِرٌ كُلَّ ما تَحْذَرُونَ ظُهُورَهُ مِنَ القَبائِحِ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُخْرِجُهُ إخْراجًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، والتَّأْكِيدُ لِدَفْعِ التَّرَدُّدِ أوْ رَدِّ الإنْكارِ.