Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — النور 24:36 – النور 24:64

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. النور 24:36
  2. النور 24:37
  3. النور 24:38
  4. النور 24:39
  5. النور 24:40
  6. النور 24:41
  7. النور 24:42
  8. النور 24:43
  9. النور 24:44
  10. النور 24:45
  11. النور 24:46
  12. النور 24:47
  13. النور 24:48
  14. النور 24:49
  15. النور 24:50
  16. النور 24:51
  17. النور 24:52
  18. النور 24:53
  19. النور 24:54
  20. النور 24:55
  21. النور 24:56
  22. النور 24:57
  23. النور 24:58
  24. النور 24:59
  25. النور 24:60
  26. النور 24:61
  27. النور 24:62
  28. النور 24:63
  29. النور 24:64

النور 24:36

﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ مَن حَصَلَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ لِذَلِكَ النُّورِ وذَكَرَ بَعْضَ أعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةَ والقالَبِيَّةَ، فالجارُّ والمَجْرُورُ- أعْنِي صفحة 174 مُتَعَلِّقَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِيُسَبِّحُ وفِيها تَكْرِيرٌ لِذَلِكَ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ بِما بَعُدَ في الجُمْلَةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ دُونَ الحَصْرِ، ومِثْلُ ما ذَكَرَ في التَّكْرِيرِ لِلتَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 107] وقَوْلُكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِهِ، وبَعْضُ النُّحاةِ أعْرَبَ نَحْوَ ذَلِكَ بَدَلًا كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وفي المُغْنِي هو مِن تَوْكِيدِ الحَرْفِ بِإعادَةِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مُضْمَرًا ولَيْسَ الجارَّ والمَجْرُورَ تَوْكِيدًا لِلْجارِّ والمَجْرُورِ لِأنَّ الظّاهِرَ لِكَوْنِهِ أقْوى لا يُؤَكَّدُ بِالضَّمِيرِ، ولَيْسَ المَجْرُورُ بَدَلًا بِإعادَةِ الجارِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مُضْمَرٌ مِن مَظْهَرٍ وإنَّما جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ قِياسًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ المَجْمُوعَ بَدَلٌ أوْ تَوْكِيدٌ، وأُتِيَ بِالظّاهِرِ هَرَبًا مِنَ التَّكْرارِ، ( ورِجالٌ ) فاعِلٌ ﴿يُسَبِّحُ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظُّرُوفِ لِأنَّ في وصْفِهِ نَوْعُ طُولٍ فَيُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِحُسْنِ الِانْتِظامِ وقالَ الرُّمّانِيُّ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُوقَدُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمِشْكاةٍ، وقِيلَ هو صِفَةٌ لِمِصْباحٍ، وقِيلَ صِفَةٌ لِزُجاجَةٍ، وهو عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ تَقْيِيدٌ لِلْمُمَثِّلِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ، والتَّنْوِينُ في المَوْصُوفِ لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلْفَرْدِيَّةِ لِيُنافِيَ ذَلِكَ في جَمْعِ البُيُوتِ. وأوْرَدَ عَلى ما ذَكَرَ أنَّ شَيْئًا مِنهُ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وأنَّ ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ عَلى ما هو الحَقُّ أوْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ عَلى ما قِيلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كَلامٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمُمَثِّلِ قَطْعًا فَتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أجْزاءِ التَّمْثِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن قُبَيْلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرَةِ ولِحائِهِ بِالأجْنَبِيِّ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ ذِكْرِ حالِ المُنْتَفِعِينَ بِالتَّمْثِيلِ المَهْدِيِّينَ لِنُورِهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ والِاسْتِطْرادِ مَعَ كَوْنِ بَيانِ حالِ أضْدادِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ ومِثْلُ هَذا مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في كَلامِ النّاسِ فَضْلًا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الكَلامَ المُعْجِزَ. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ زُخْرُفٌ مِنَ القَوْلِ إذْ لا فَصْلَ فِيهِ وما قَبْلَهُ إلى هُنا مِنَ المَثَلِ، والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّمْثِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِسَبِّحُوا أوْ نَحْوِهِ مَحْذُوفًا، وتِلْكَ الجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلِها وتَرْكُ الفاءِ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما في نَحْوِ قُمْ يَدْعُوكَ، ومَنَعُوا تَعَلُّقَهُ بِيَذْكُرُ لِأنَّهُ مِن صِلَةِ أنْ فَلا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ المَساجِدُ كُلُّها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةِ ومُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما هي أرْبَعُ مَساجِدَ لَمْ يَبْنِهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، الكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ ومَسْجِدُ المَدِينَةِ ومَسْجِدُ قَباءٍ بَناهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها بَيْتُ المَقْدِسِ والجَمْعُ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ مَواضِعَ يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وبِرَيْدَةَ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ الآيَةَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ إلَخْ فَقامَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجُلٌ فَقالَ: أيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ ﷺ: «بُيُوتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقامَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا البَيْتُ مِنها لَبَيْتُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: نَعَمْ مِن أفاضِلِها»» وهَذا إنْ صَحَّ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّها مُطْلَقَةٌ تُصَدِّقُ عَلى المَساجِدِ والبُيُوتِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّلاةُ والعِلْمُ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها صَلاةُ المُؤْمِنِينَ أوْ أبْدانِهِمْ بِأنَّ تَشَبُّهَ صَلاتِهِمُ الجامِعَةُ لِلْعِباداتِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ أوْ أبْدانِهِمُ المُحِيطَةِ بِالأنْوارِ بِالبُيُوتِ المَذْكُورَةِ- أعْنِي المَساجِدَ- ثُمَّ يُسْتَعارُ اسْمُها لِذَلِكَ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حُسْنَ فِيما ذَكَرَ وأظُنُّكَ لا تَكْتَفِي بِهَذا المِقْدارِ مِنَ الجُرْحِ، والمُرادُ بِالإذْنِ الأمْرُ وبِالرَّفْعِ التَّعْظِيمُ أيْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِتَعْظِيمِ قَدْرِها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ ولا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِها المَساجِدُ فَتَعْظِيمُ قَدْرِها يَكُونُ بِأشْياءَ شَتًّى كَصِيانَتِها عَنْ صفحة 175 دُخُولِ الجُنُبِ والحائِضِ والنُّفَساءِ ولَوْ عَلى وجْهِ العُبُورِ وقَدْ قالُوا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وإدْخالٍ بِحاسَّةٍ فِيها يَخافُ مِنها التَّلْوِيثُ ولِذا قالُوا: يَنْبَغِي لِمَن أرادَ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ أنْ يَتَعاهَدَ النَّعْلَ والخُفَّ عَنِ النَّجاسَةِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِيهِ احْتِرازًا عَنْ تَلْوِيثِ المَسْجِدِ، ومَنعُ إدْخالِ المَيِّتِ فِيها ومَنعُ إدْخالِ الصِّبْيانِ والمَجانِينِ وهو حَرامٌ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسَهم وإلّا فَهو مَكْرُوهٌ، وقَدْ جاءَ الأمْرُ بِتَجْنِيبِهِمْ عَنِ المَساجِدِ مُطْلَقًا. أخْرَجَ ابْنُ ماجَّةٍ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم وشِراءَكم وبَيْعَكم وخُصُوماتِكم ورَفْعَ أصْواتِكم وإقامَةَ حُدُودِكم وسُلَّ سُيُوفِكم واتَّخِذُوا عَلى أبْوابِها المَطاهِرَ وجَمَرُوها في الجَمْعِ ومَنَعَ إنْشادَ الضّالَّةِ وإنْشادَ الأشْعارِ»، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مِندَهٍ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن رَأيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْرًا في المَسْجِدِ فَقُولُوا فَضَّ اللَّهُ تَعالى فاكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ومَن رَأيْتُمُوهُ يَنْشُدُ ضالَّةً في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا وجَدْتَها ثَلاثَ مَرّاتٍ»» الحَدِيثُ . ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ المَنعُ مِن إنْشادِ الشِّعْرِ بِما إذا كانَ فِيهِ شَيْءٌ مَذْمُومٌ كَهَجْوِ المُسْلِمِ وصِفَةِ الخَمْرِ وذِكْرِ النِّساءِ والمُرِدّانِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْمُومٌ شَرْعًا، وأمّا إذا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى مَدْحِ النُّبُوَّةِ والإسْلامِ أوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةٍ أوْ باعِثًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ والزُّهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخَيْرِ فَلا بَأْسَ بِإنْشادِهِ فِيها، ومَنعُ إلْقاءِ القَمْلَةِ فِيهِ بَعْدَ قَتْلِها وهو مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، ويَنْدُبُ أنْ لا تُلْقى حَيَّةٌ في المَسْجِدِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وجَدَ أحَدُكُمُ القَمْلَةَ في المَسْجِدِ فَلْيَصِرْها في ثَوْبِهِ حَتّى يُخْرِجَها»» ومَنَعَ البَوْلَ فِيها ولَوْ في إناءٍ وقَدْ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، وفي الأشْباهِ وأمّا الفَصْدُ في المَسْجِدِ في إناءٍ فَلَمْ أرَهُ، ويَنْبَغِي أنْ لا فَرْقَ أيْ لِأنَّ كُلًّا مِنَ البَوْلِ والدَّمِ نَجِسٌ مُغَلَّظٌ، ومَنَعَ إلْقاءَ البُصاقِ فِيها. وفِي البَدائِعِ يُكَرِّهُ التَّوَضِّي في المَسْجِدِ لِأنَّهُ مُسْتَقْذِرٌ طَبْعًا فَيَجِبُ تَنْزِيهُ المَسْجِدِ عَنْهُ كَما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنِ المُخاطِ والبَلْغَمِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخامَةً فَقامَ إلَيْها فَحَكَّها بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ ثُمَّ دَعا بِخَلُوقٍ فَلَطَّخَ مَكانَها»» فَقالَ الشَّعْبِيُّ: هو سُنَّةٌ، وذَكَرُوا أنَّ إلْقاءَ النُّخامِ فَوْقَ الحَصِيرِ أخَفُّ مِن وضْعِها تَحْتَهُ فَإنِ اضْطُرَّ إلَيْهِ دَفَنَها، وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ««التُّفْلُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وكَفّارَتُهُ أنْ يُوارِيَهُ»» ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا نَحْوَهُ، ومَنعُ الوَطْءِ فِيها وفَوْقَها كالتَّخَلِّي وصَرَّحُوا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، ومَنعُ دُخُولِ مَن أكَلَ ذا رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ فِيها كالثُّومِ والبَصَلِ والكُرّاثِ وأكْلِ الفِجْلِ إذا تَجَشَّأ كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ الرَّجُلُ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ إذا وُجِدَ مِنهُ رِيحُ الثُّومِ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ ويُخْرَجُ إلى البَقِيعِ، والظّاهِرِ أنَّ الأبْخَرَ أوْ مَن بِهِ صُنانٍ مُسْتَحْكِمٍ حُكْمُهُ حُكْمَ آكِلِ الثُّومِ والبَصَلِ، وكَذا حُكِمَ مِن رائِحَةِ ثِيابِهِ كَرِيهَةً كَثِيابِ الزَّيّاتِينَ والدَّبّاغِينَ، وعَنْ مالِكٍ أنَّ الزَّيّاتِينَ يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ ويَقْعُدُونَ في أُخْرَياتِ النّاسِ، ومُنِعَ الثُّومُ والأكْلُ فِيها لِغَيْرِ مُعْتَكِفٍ، ومُنِعَ الجُلُوسُ فِيها لِلْمُصِيبَةِ أوْ لِلتَّحَدُّثِ بِكَلامِ الدُّنْيا، ومُنِعَ اتِّخاذُها طَرِيقًا وهو مَكْرُوهٌ أوْ حَرامٌ، وقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ ماجَّةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اتِّخاذَها طَرِيقًا مِن أشْراطِ السّاعَةِ وفي القِنْيَةِ مُعْتادُ ذَلِكَ يَأْثَمُ ويَفْسُقُ، نَعَمْ إنْ كانَ هُناكَ عُذْرٌ لَمْ يُكْرَهِ المُرُورُ، ومِن تَعْظِيمِها رَشُّها وقُمْها، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ صفحة 176 ابْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ المَسْجِدُ يَرُشُّ ويَقُمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وأخْرَجَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتْبَعُ غُبارَ المَسْجِدِ بِجَرِيدَةٍ» وكَذا تَعْلِيقُ القَنادِيلِ فِيها وفَرْشُها بِالآجِرِ والحَصِيرِ، وفي مِفْتاحِ السَّعادَةِ ولِأهْلِ المَسْجِدِ أنْ يَفْرِشُوا المَسْجِدَ بِالآجِرِ والحَصِيرِ ويُعَلِّقُوا القَنادِيلَ لَكِنَّ مَن مالَ أنْفُسُهم لا مَن مالَ المَسْجِدُ إلّا بِأمْرِ الحاكِمِ، ولَعَلَّ مَحَلُّ ذَلِكَ ما لَمْ يُعَيَّنِ الواقِفُ شَيْئًا مِن رَيْعِ الوَقْفِ لِذَلِكَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إيقادُ القَنادِيلِ الكَثِيرَةِ فِيها في لَيالٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ السَّنَةِ كَلَيْلَةِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ المُوجِبِ لِاجْتِماعِ الصِّبْيانِ وأهْلِ البِطالَةِ ولَعِبِهِمْ ورَفْعِ أصْواتِهِمْ وامْتِهانِهِمْ بِالمَساجِدِ بِدْعَةً مُنْكَرَةً، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَرْشُها بِالقَطائِفِ المَنقُوشَةِ الَّتِي تُشَوِّشُ عَلى المَصْلَيْنِ وتُذْهِبُ خُشُوعَهم كَذَلِكَ، ومِنَ التَّعْظِيمِ أيْضًا تَقْدِيمُ الرِّجْلِ اليُمْنى عِنْدَ دُخُولِها واليُسْرى عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها، وصَلاةُ الدّاخِلِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الجُلُوسِ إذا كانَ دُخُولُهُ لِغَيْرِ الصَّلاةِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي قَتادَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أعْطُوا المَساجِدَ حَقَّها: قِيلَ وما حَقُّها؟ قالَ: رَكْعَتانِ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ»» ومِن ذَلِكَ أيْضًا بِناؤُها رَفِيعَةً عالِيَةً لا كَسائِرَ البُيُوتِ لَكِنْ لا يَنْبَغِي تَزْيِينُها بِما يُشَوِّشُ عَلى المَصْلَيْنِ، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَّةٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ مَرْفُوعًا «أنَّها لا تُبْنى بِالتَّصاوِيرِ ولا تُزَيَّنُ بِالقَوارِيرِ». وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرَّفْعَ بِبِنائِها رَفِيعَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البَقَرَةُ: 127] والأوْلى عِنْدِي تَفْسِيرُهُ بِما سَبَقَ وجَعْلُ بِنائِها كَذَلِكَ داخِلًا في العُمُومِ ويَدْخُلُ فِيهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا وقَدْ ذَكَرَها الفُقَهاءُ وأطالُوا الكَلامَ فِيها. زَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ إسْنادَ الرَّفْعِ إلَيْها مَجازٌ، والمُرادُ تَرْفَعُ الحَوائِجَ فِيها إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَرْفَعُ الأصْواتَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الآمِرِ بِالإذْنِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ المَأْمُورِ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الآمِرِ بِهِ ناوِيًا لِتَحْقِيقِهِ كَأنَّهُ مُسْتَأْذِنٌ في ذَلِكَ فَيَقَعُ الأمْرُ بِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ فِيهِ، والمُرادُ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى شَأْنُهُ ما يَعُمُّ جَمِيعَ أذْكارِهِ تَعالى، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ المَباحِثِ العِلْمِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ بِهِ تَوْحِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهَ، وعَنْهُ أيْضًا المُرادُ تِلاوَةُ كِتابِهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: ذِكْرُ أسْمائِهِ تَعالى الحَسَنى. والظّاهِرُ ما قَدَّمَنا، وعَطَفَ الذِّكْرَ عَلى الرَّفْعِ مِن قُبَيْلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ فَإنَّ ذِكْرَ اسْمِهِ تَعالى فِيها مِن أنْواعِ تَعْظِيمِها، ولَيْسَ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ في شَيْءٍ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، والتَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ والتَّقْدِيسُ ويُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ وبِدُونِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعْلى: 1] والمُرادُ بِهِ إمّا ظاهِرُهُ أوِ الصَّلاةُ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ صَلاةٌ، وأيَّدَ إرادَةَ الصَّلاةِ هُنا تَعْيِينُ الأوْقاتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَفَتًى وفَتاةٍ أوْ مَصْدَرِ أطْلَقَ عَلى الوَقْتِ الغُدُوُّ، وأيَّدَ بِأنَّ أبا مُجَلَّزٍ قَرَأ «والإيصالُ» مَصْدَرًا أيِ الدُّخُولِ في وقْتِ الأصِيلِ، ( والآصالِ ) كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ جَمْعُ أصِيلٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مَعَ أنَّ جَمْعَ فَعِيلٍ عَلى أفْعالٍ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ أصْلٍ كَعُنُقِ وأعْناقِ والأصْلُ كالأصِيلِ العَشِيُّ وهو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ فَيَشْمَلُ الأوْقاتِ ماعَدا الغَداةُ وهي مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى الزَّوالِ ويُطْلَقانِ عَلى أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وإفْرادُهُما بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما وكَوْنِهِما أشْهَرُ ما يَقَعُ فِيهِ المُباشِرَةُ لِلْأعْمالِ والِاشْتِغالُ بِالأشْغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَمَلَ الغَداةَ عَلى وقْتِ الضُّحى وهو مُقْتَضى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ رَضِيَ صفحة 177 اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: «إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي القُرْآنِ وما يَغُوصُ عَلَيْها الأغْواصُ وتَلا الآيَةَ حَتّى بَلَغَ الآصالَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ والبُحْتُرِيُّ عَنْ حَفْصٍ ومَحْبُوبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والمُنْهالُ عَنْ يَعْقُوبَ والمُفَضَّلِ وأبانَ «يُسَبِّحُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والبَنّاءُ لِلْمَفْعُولِ ونائِبُ الفاعِلِ ﴿لَهُ﴾ أوْ ﴿فِيها﴾ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِهِ أوْ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ والأوَّلِيَّةُ لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ ولِي الفِعْلُ والإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقِيٌّ دُونَ الأخِيرَيْنِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ فِيما ذَكَرَ نائِبَ الفاعِلِ والجارُ فِيهِ زائِدًا، وفِيهِ ارْتِكابٌ لِما لا داعِيَ إلَيْهِ، ورَفْعُ «رِجالٍ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما في البَحْرِ أيْ يُسَبِّحُ لَهُ أوِ المَسْبَحِ لَهُ رِجالٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: لِيَبْكِ يَزِيدُ ضارَعَ لِخُصُومَةٍ مُتَخَبِّطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وهُوَ قِياسِيٌّ عِنْدَ الكَثِيرِ فَيَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يُقالَ: ضَرَبَتْ هِنْدٌ زَيْدٌ بِتَقْدِيرِ ضَرْبِها أوْ ضارِبُها زِيدٌ. ولَيْسَ هَذا كَذِكْرِ الفاعِلِ تَمْيِيزًا بَعْدَ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ نَحْوُ ضَرْبُ أخُوكِ رَجُلًا المُصَرَّحُ بِعَدَمِ جَوازِهِ ابْنُ هِشامٍ في البابِ الخامِسِ مِنَ المُغْنِي وإنْ أوْهَمَتِ العِلَّةُ أنَّهُ مِثْلُهُ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ وثّابٍ «تُسَبِّحُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْفاعِلِ وهو «رِجالٌ» والتَّأْنِيثُ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْثِيرِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «تَسْبِيحٌ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ والإسْنادُ مَجازِيٌّ بِجَعْلِ الأوْقاتِ المُسَبِّحِ فِيها رَبُّها مِسْبَحَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ إلى ضَمِيرِ التَّسْبِيحَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ «تُسَبِّحُ» أيْ تُسَبِّحُ هي أيِ التَّسْبِيحَةَ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ [الجاثِيَةُ: 14] عَلى قِراءَةِ مَن بَنى يَجْزِي لِلْمَفْعُولِ أيْ لِيَجْزِيَ هو أيِ الجَزاءِ. قالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: وهَذا أوْلى مِنَ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ إذْ لَيْسَ هُنا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ. وضَعَّفَهُ بَعْضُهم هُنا بِأنَّ الوَحْدَةَ لا تُناسِبُ المَقامَ، وأُجِيبَ بِالتِزامِ كَوْنِ الوَحْدَةِ جِنْسِيَّةً. وأيًّا ما كانَ فَرَفْعُ «رِجالٍ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أوِ الخَبَرِيَّةِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا. والتَّنْوِينُ فِيهِ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ لِلتَّفْخِيمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ تَبَتُّلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ كائِنًا ما كانَ. وتَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمَساجِدِ. فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ««خَيْرُ مَساجِدِ النِّساءِ قَعْرُ بِيُوتِهِنَّ»» وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ الَّتِي هي المُعاوَضَةُ مُطْلَقًا بِذَلِكَ لِكَوْنِها أقْوى الصَّوارِفِ عِنْدَهم وأشْهَرَها أيْ لا يَشْغَلُهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ التِّجارَةِ ﴿ولا بَيْعٌ﴾ أيْ ولا فَرْدَ مِن أفْرادِ البِياعاتِ وإنْ كانَ في غايَةِ الرِّيحِ. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ التِّجارَةِ لِلْإيذانِ بِإنافَتِهِ عَلى سائِرِ أنْواعِها لِأنَّ رِبْحَهُ مُتَيَقِّنٌ ناجِزٌ ورِبْحُ ما عَداهُ مُتَوَقَّعٌ في ثانِي الحالِ عِنْدَ البَيْعِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ إلْهاءِ ما عَداهُ نَفْيَ إلْهائِهِ ولِذَلِكَ كَرَّرَ كَلِمَةً لا لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتِّجارَةِ المُعاوَضَةِ الرّابِحَةِ بِالبَيْعِ المُعاوَضَةَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَها مِن بابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِلْمُبالَغَةِ، ونُقِلَ عَنِ الواقِدِيِّ أنَّ المُرادَ بِالتِّجارَةِ هو الشِّراءُ لِأنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها فَلا تَخْصِيصَ ولا تَعْمِيمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتِّجارَةِ الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها فَهو لازِمٌ لَها عادَةً. ومِنهُ يُقالُ: تَجُرُّ في كَذا أيْ جَلْبِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صفحة 178 ﷺ أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ: «هُمُ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى». وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وفي ذَلِكَ أيْضًا ما يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا تُجّارًا وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ لِأنَّهُ لا يُقالُ فُلانٌ لا تُلْهِيهِ التِّجارَةُ إلّا إذا كانَ تاجِرًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ كانُوا تُجّارًا فَلَمْ تَكُنْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم يُلْهِيهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا تُجّارًا والنَّفْيُ راجِعٌ لِلْقَيْدِ والمُقَيَّدِ كَما في قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ فَيُلْهِيهِمْ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن فَرَغَ عَنِ الدُّنْيا كَأهْلِ الصُّفَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ عَلى الأوَّلِ المُؤَيِّدِ بِما سَمِعْتَ أمْدَحُ ولَمْ نَجِدْ لِنُزُولِها فِيمَن فَرَغَ عَنِ الدُّنْيا سَنَدًا قَوِيًّا أوْ ضَعِيفًا ولا يُكْتَفى في هَذا البابِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمالِ ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ ونَحْوَهُما ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ أيْ إقامَتِها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ. والأصْلُ أقْوامُ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ لِما قَبْلِها فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتْ فَقِيلَ: إقامُ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَ لِاجْتِماعِ ألِفَيْنِ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا داعِيَ إلى قَلْبِها ألِفا مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ وهو أنْ لا يَسْكُنَ ما بَعْدَها. وأوْجَبَ الفِراءُ لِجَوازِ هَذا الحَذْفِ تَعْوِيضَ التّاءِ فَيُقالُ: إقامَةٌ أوِ الإضافَةُ كَما هُنا. وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: إنَّ الخَلِيطَ أجْدَوُا البَيْنَ وانْجَرَدُوا ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عَدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا فَإنَّهُ أرادَ عِدَّةَ الأمْرِ. وتَأوَّلَ خالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ ما في البَيْتِ عَلى أنَّ عَدا جَمْعُ عَدْوَةٍ بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَأنَّ الشّاعِرَ أرادَ نَواحِيَ الأمْرِ وجَوانِبَهُ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ جَوازُ الحَذْفِ مِن غَيْرِ تَعْوِيضِ التّاءِ أوِ الإضافَةِ ﴿وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ أيِ المالِ الَّذِي فُرِضَ إخْراجُهُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. ويَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ الزَّكاةِ بِذَلِكَ دُونَ الفِعْلِ ظاهِرُ إضافَةِ الإيتاءِ إلَيْها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ إيتاءِ الزَّكاةِ بِإخْلاصِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ بُعْدٌ كَما تَرى، وإيرادُ هَذا الفِعْلِ هاهُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُفْعَلُ في البُيُوتِ لِكَوْنِهِ قَرِينَةً لا تُفارِقُ إقامَةَ الصَّلاةِ في عامَّةِ المَواضِعِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِهِمْ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما يَقَعُ في المَساجِدِ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ﴾ إلى آخِرِهِ فَإنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِرِجالٍ أوْ حالٍ مِن مَفْعُولٍ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِلتَّعْلِيلِ. وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ خَوْفُهم مَقْصُورًا عَلى كَوْنِهِمْ في المَساجِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمًا﴾ مَفْعُولٌ لِيَخافُونِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عِقابِ يَوْمٍ وهو لَهُ أوْ بِدُونِهِ وجَعَلَهُ ظَرْفًا لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ بَعِيدٍ. وأمّا جَعْلُهُ ظَرْفًا لِيَخافُونَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا إذِ المُرادُ أنَّهم يَخافُونَ في الدُّنْيا يَوْمًا ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ لا أنَّهم يَخافُونَ شَيْئًا في ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ تَتَقَلَّبُ فِيهِ إلَخْ، والمُرادُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعْنى تَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ فِيهِ اضْطِرابُها وتَغَيُّرُها أنْفُسُها فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحْزابُ: 10] أوْ تَغَيُّرُ أحْوالِها بِأنَّ تَفَقُّهَ القُلُوبِ ما لَمْ تَكُنْ تَفْقَهُ وتُبْصِرُ الأبْصارُ ما لَمْ تَكُنْ تُبْصِرُ أوْ بِأنْ تَتَوَقَّعَ القُلُوبُ النَّجاةَ تارَةً وتَخافَ الهَلاكَ أُخْرى وتَنْظُرَ الأبْصارُ يَمِينًا تارَةً وشِمالًا أُخْرى لِما أنَّ أغْلَبَ أهْلِ الجَمْعِ لا يَدْرُونَ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ولا مِن صفحة 179 أيِّ وُجْهَةٍ يُؤْتُونَ كُتُبُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ تَقَلُّبٌ فِيهِ القُلُوبِ والأبْصارِ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الجِبائِيِّ: إنَّ المُرادَ تَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ فَتَلْفَحُها النّارُ ثُمَّ تُنْضِجُها ثُمَّ تَحْرِقُها، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «تَنْقَلِبُ» بِإسْكانِ التّاءِ الثّانِيَةِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ.

النور 24:37

﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ مَن حَصَلَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ لِذَلِكَ النُّورِ وذَكَرَ بَعْضَ أعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةَ والقالَبِيَّةَ، فالجارُّ والمَجْرُورُ- أعْنِي صفحة 174 مُتَعَلِّقَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِيُسَبِّحُ وفِيها تَكْرِيرٌ لِذَلِكَ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ بِما بَعُدَ في الجُمْلَةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ دُونَ الحَصْرِ، ومِثْلُ ما ذَكَرَ في التَّكْرِيرِ لِلتَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 107] وقَوْلُكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِهِ، وبَعْضُ النُّحاةِ أعْرَبَ نَحْوَ ذَلِكَ بَدَلًا كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وفي المُغْنِي هو مِن تَوْكِيدِ الحَرْفِ بِإعادَةِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مُضْمَرًا ولَيْسَ الجارَّ والمَجْرُورَ تَوْكِيدًا لِلْجارِّ والمَجْرُورِ لِأنَّ الظّاهِرَ لِكَوْنِهِ أقْوى لا يُؤَكَّدُ بِالضَّمِيرِ، ولَيْسَ المَجْرُورُ بَدَلًا بِإعادَةِ الجارِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مُضْمَرٌ مِن مَظْهَرٍ وإنَّما جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ قِياسًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ المَجْمُوعَ بَدَلٌ أوْ تَوْكِيدٌ، وأُتِيَ بِالظّاهِرِ هَرَبًا مِنَ التَّكْرارِ، ( ورِجالٌ ) فاعِلٌ ﴿يُسَبِّحُ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظُّرُوفِ لِأنَّ في وصْفِهِ نَوْعُ طُولٍ فَيُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِحُسْنِ الِانْتِظامِ وقالَ الرُّمّانِيُّ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُوقَدُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمِشْكاةٍ، وقِيلَ هو صِفَةٌ لِمِصْباحٍ، وقِيلَ صِفَةٌ لِزُجاجَةٍ، وهو عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ تَقْيِيدٌ لِلْمُمَثِّلِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ، والتَّنْوِينُ في المَوْصُوفِ لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلْفَرْدِيَّةِ لِيُنافِيَ ذَلِكَ في جَمْعِ البُيُوتِ. وأوْرَدَ عَلى ما ذَكَرَ أنَّ شَيْئًا مِنهُ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وأنَّ ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ عَلى ما هو الحَقُّ أوْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ عَلى ما قِيلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كَلامٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمُمَثِّلِ قَطْعًا فَتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أجْزاءِ التَّمْثِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن قُبَيْلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرَةِ ولِحائِهِ بِالأجْنَبِيِّ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ ذِكْرِ حالِ المُنْتَفِعِينَ بِالتَّمْثِيلِ المَهْدِيِّينَ لِنُورِهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ والِاسْتِطْرادِ مَعَ كَوْنِ بَيانِ حالِ أضْدادِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ ومِثْلُ هَذا مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في كَلامِ النّاسِ فَضْلًا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الكَلامَ المُعْجِزَ. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ زُخْرُفٌ مِنَ القَوْلِ إذْ لا فَصْلَ فِيهِ وما قَبْلَهُ إلى هُنا مِنَ المَثَلِ، والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّمْثِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِسَبِّحُوا أوْ نَحْوِهِ مَحْذُوفًا، وتِلْكَ الجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلِها وتَرْكُ الفاءِ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما في نَحْوِ قُمْ يَدْعُوكَ، ومَنَعُوا تَعَلُّقَهُ بِيَذْكُرُ لِأنَّهُ مِن صِلَةِ أنْ فَلا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ المَساجِدُ كُلُّها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةِ ومُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما هي أرْبَعُ مَساجِدَ لَمْ يَبْنِهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، الكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ ومَسْجِدُ المَدِينَةِ ومَسْجِدُ قَباءٍ بَناهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها بَيْتُ المَقْدِسِ والجَمْعُ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ مَواضِعَ يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وبِرَيْدَةَ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ الآيَةَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ إلَخْ فَقامَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجُلٌ فَقالَ: أيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ ﷺ: «بُيُوتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقامَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا البَيْتُ مِنها لَبَيْتُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: نَعَمْ مِن أفاضِلِها»» وهَذا إنْ صَحَّ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّها مُطْلَقَةٌ تُصَدِّقُ عَلى المَساجِدِ والبُيُوتِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّلاةُ والعِلْمُ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها صَلاةُ المُؤْمِنِينَ أوْ أبْدانِهِمْ بِأنَّ تَشَبُّهَ صَلاتِهِمُ الجامِعَةُ لِلْعِباداتِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ أوْ أبْدانِهِمُ المُحِيطَةِ بِالأنْوارِ بِالبُيُوتِ المَذْكُورَةِ- أعْنِي المَساجِدَ- ثُمَّ يُسْتَعارُ اسْمُها لِذَلِكَ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حُسْنَ فِيما ذَكَرَ وأظُنُّكَ لا تَكْتَفِي بِهَذا المِقْدارِ مِنَ الجُرْحِ، والمُرادُ بِالإذْنِ الأمْرُ وبِالرَّفْعِ التَّعْظِيمُ أيْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِتَعْظِيمِ قَدْرِها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ ولا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِها المَساجِدُ فَتَعْظِيمُ قَدْرِها يَكُونُ بِأشْياءَ شَتًّى كَصِيانَتِها عَنْ صفحة 175 دُخُولِ الجُنُبِ والحائِضِ والنُّفَساءِ ولَوْ عَلى وجْهِ العُبُورِ وقَدْ قالُوا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وإدْخالٍ بِحاسَّةٍ فِيها يَخافُ مِنها التَّلْوِيثُ ولِذا قالُوا: يَنْبَغِي لِمَن أرادَ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ أنْ يَتَعاهَدَ النَّعْلَ والخُفَّ عَنِ النَّجاسَةِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِيهِ احْتِرازًا عَنْ تَلْوِيثِ المَسْجِدِ، ومَنعُ إدْخالِ المَيِّتِ فِيها ومَنعُ إدْخالِ الصِّبْيانِ والمَجانِينِ وهو حَرامٌ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسَهم وإلّا فَهو مَكْرُوهٌ، وقَدْ جاءَ الأمْرُ بِتَجْنِيبِهِمْ عَنِ المَساجِدِ مُطْلَقًا. أخْرَجَ ابْنُ ماجَّةٍ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم وشِراءَكم وبَيْعَكم وخُصُوماتِكم ورَفْعَ أصْواتِكم وإقامَةَ حُدُودِكم وسُلَّ سُيُوفِكم واتَّخِذُوا عَلى أبْوابِها المَطاهِرَ وجَمَرُوها في الجَمْعِ ومَنَعَ إنْشادَ الضّالَّةِ وإنْشادَ الأشْعارِ»، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مِندَهٍ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن رَأيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْرًا في المَسْجِدِ فَقُولُوا فَضَّ اللَّهُ تَعالى فاكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ومَن رَأيْتُمُوهُ يَنْشُدُ ضالَّةً في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا وجَدْتَها ثَلاثَ مَرّاتٍ»» الحَدِيثُ . ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ المَنعُ مِن إنْشادِ الشِّعْرِ بِما إذا كانَ فِيهِ شَيْءٌ مَذْمُومٌ كَهَجْوِ المُسْلِمِ وصِفَةِ الخَمْرِ وذِكْرِ النِّساءِ والمُرِدّانِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْمُومٌ شَرْعًا، وأمّا إذا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى مَدْحِ النُّبُوَّةِ والإسْلامِ أوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةٍ أوْ باعِثًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ والزُّهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخَيْرِ فَلا بَأْسَ بِإنْشادِهِ فِيها، ومَنعُ إلْقاءِ القَمْلَةِ فِيهِ بَعْدَ قَتْلِها وهو مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، ويَنْدُبُ أنْ لا تُلْقى حَيَّةٌ في المَسْجِدِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وجَدَ أحَدُكُمُ القَمْلَةَ في المَسْجِدِ فَلْيَصِرْها في ثَوْبِهِ حَتّى يُخْرِجَها»» ومَنَعَ البَوْلَ فِيها ولَوْ في إناءٍ وقَدْ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، وفي الأشْباهِ وأمّا الفَصْدُ في المَسْجِدِ في إناءٍ فَلَمْ أرَهُ، ويَنْبَغِي أنْ لا فَرْقَ أيْ لِأنَّ كُلًّا مِنَ البَوْلِ والدَّمِ نَجِسٌ مُغَلَّظٌ، ومَنَعَ إلْقاءَ البُصاقِ فِيها. وفِي البَدائِعِ يُكَرِّهُ التَّوَضِّي في المَسْجِدِ لِأنَّهُ مُسْتَقْذِرٌ طَبْعًا فَيَجِبُ تَنْزِيهُ المَسْجِدِ عَنْهُ كَما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنِ المُخاطِ والبَلْغَمِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخامَةً فَقامَ إلَيْها فَحَكَّها بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ ثُمَّ دَعا بِخَلُوقٍ فَلَطَّخَ مَكانَها»» فَقالَ الشَّعْبِيُّ: هو سُنَّةٌ، وذَكَرُوا أنَّ إلْقاءَ النُّخامِ فَوْقَ الحَصِيرِ أخَفُّ مِن وضْعِها تَحْتَهُ فَإنِ اضْطُرَّ إلَيْهِ دَفَنَها، وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ««التُّفْلُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وكَفّارَتُهُ أنْ يُوارِيَهُ»» ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا نَحْوَهُ، ومَنعُ الوَطْءِ فِيها وفَوْقَها كالتَّخَلِّي وصَرَّحُوا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، ومَنعُ دُخُولِ مَن أكَلَ ذا رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ فِيها كالثُّومِ والبَصَلِ والكُرّاثِ وأكْلِ الفِجْلِ إذا تَجَشَّأ كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ الرَّجُلُ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ إذا وُجِدَ مِنهُ رِيحُ الثُّومِ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ ويُخْرَجُ إلى البَقِيعِ، والظّاهِرِ أنَّ الأبْخَرَ أوْ مَن بِهِ صُنانٍ مُسْتَحْكِمٍ حُكْمُهُ حُكْمَ آكِلِ الثُّومِ والبَصَلِ، وكَذا حُكِمَ مِن رائِحَةِ ثِيابِهِ كَرِيهَةً كَثِيابِ الزَّيّاتِينَ والدَّبّاغِينَ، وعَنْ مالِكٍ أنَّ الزَّيّاتِينَ يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ ويَقْعُدُونَ في أُخْرَياتِ النّاسِ، ومُنِعَ الثُّومُ والأكْلُ فِيها لِغَيْرِ مُعْتَكِفٍ، ومُنِعَ الجُلُوسُ فِيها لِلْمُصِيبَةِ أوْ لِلتَّحَدُّثِ بِكَلامِ الدُّنْيا، ومُنِعَ اتِّخاذُها طَرِيقًا وهو مَكْرُوهٌ أوْ حَرامٌ، وقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ ماجَّةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اتِّخاذَها طَرِيقًا مِن أشْراطِ السّاعَةِ وفي القِنْيَةِ مُعْتادُ ذَلِكَ يَأْثَمُ ويَفْسُقُ، نَعَمْ إنْ كانَ هُناكَ عُذْرٌ لَمْ يُكْرَهِ المُرُورُ، ومِن تَعْظِيمِها رَشُّها وقُمْها، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ صفحة 176 ابْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ المَسْجِدُ يَرُشُّ ويَقُمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وأخْرَجَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتْبَعُ غُبارَ المَسْجِدِ بِجَرِيدَةٍ» وكَذا تَعْلِيقُ القَنادِيلِ فِيها وفَرْشُها بِالآجِرِ والحَصِيرِ، وفي مِفْتاحِ السَّعادَةِ ولِأهْلِ المَسْجِدِ أنْ يَفْرِشُوا المَسْجِدَ بِالآجِرِ والحَصِيرِ ويُعَلِّقُوا القَنادِيلَ لَكِنَّ مَن مالَ أنْفُسُهم لا مَن مالَ المَسْجِدُ إلّا بِأمْرِ الحاكِمِ، ولَعَلَّ مَحَلُّ ذَلِكَ ما لَمْ يُعَيَّنِ الواقِفُ شَيْئًا مِن رَيْعِ الوَقْفِ لِذَلِكَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إيقادُ القَنادِيلِ الكَثِيرَةِ فِيها في لَيالٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ السَّنَةِ كَلَيْلَةِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ المُوجِبِ لِاجْتِماعِ الصِّبْيانِ وأهْلِ البِطالَةِ ولَعِبِهِمْ ورَفْعِ أصْواتِهِمْ وامْتِهانِهِمْ بِالمَساجِدِ بِدْعَةً مُنْكَرَةً، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَرْشُها بِالقَطائِفِ المَنقُوشَةِ الَّتِي تُشَوِّشُ عَلى المَصْلَيْنِ وتُذْهِبُ خُشُوعَهم كَذَلِكَ، ومِنَ التَّعْظِيمِ أيْضًا تَقْدِيمُ الرِّجْلِ اليُمْنى عِنْدَ دُخُولِها واليُسْرى عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها، وصَلاةُ الدّاخِلِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الجُلُوسِ إذا كانَ دُخُولُهُ لِغَيْرِ الصَّلاةِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي قَتادَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أعْطُوا المَساجِدَ حَقَّها: قِيلَ وما حَقُّها؟ قالَ: رَكْعَتانِ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ»» ومِن ذَلِكَ أيْضًا بِناؤُها رَفِيعَةً عالِيَةً لا كَسائِرَ البُيُوتِ لَكِنْ لا يَنْبَغِي تَزْيِينُها بِما يُشَوِّشُ عَلى المَصْلَيْنِ، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَّةٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ مَرْفُوعًا «أنَّها لا تُبْنى بِالتَّصاوِيرِ ولا تُزَيَّنُ بِالقَوارِيرِ». وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرَّفْعَ بِبِنائِها رَفِيعَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البَقَرَةُ: 127] والأوْلى عِنْدِي تَفْسِيرُهُ بِما سَبَقَ وجَعْلُ بِنائِها كَذَلِكَ داخِلًا في العُمُومِ ويَدْخُلُ فِيهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا وقَدْ ذَكَرَها الفُقَهاءُ وأطالُوا الكَلامَ فِيها. زَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ إسْنادَ الرَّفْعِ إلَيْها مَجازٌ، والمُرادُ تَرْفَعُ الحَوائِجَ فِيها إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَرْفَعُ الأصْواتَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الآمِرِ بِالإذْنِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ المَأْمُورِ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الآمِرِ بِهِ ناوِيًا لِتَحْقِيقِهِ كَأنَّهُ مُسْتَأْذِنٌ في ذَلِكَ فَيَقَعُ الأمْرُ بِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ فِيهِ، والمُرادُ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى شَأْنُهُ ما يَعُمُّ جَمِيعَ أذْكارِهِ تَعالى، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ المَباحِثِ العِلْمِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ بِهِ تَوْحِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهَ، وعَنْهُ أيْضًا المُرادُ تِلاوَةُ كِتابِهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: ذِكْرُ أسْمائِهِ تَعالى الحَسَنى. والظّاهِرُ ما قَدَّمَنا، وعَطَفَ الذِّكْرَ عَلى الرَّفْعِ مِن قُبَيْلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ فَإنَّ ذِكْرَ اسْمِهِ تَعالى فِيها مِن أنْواعِ تَعْظِيمِها، ولَيْسَ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ في شَيْءٍ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، والتَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ والتَّقْدِيسُ ويُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ وبِدُونِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعْلى: 1] والمُرادُ بِهِ إمّا ظاهِرُهُ أوِ الصَّلاةُ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ صَلاةٌ، وأيَّدَ إرادَةَ الصَّلاةِ هُنا تَعْيِينُ الأوْقاتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَفَتًى وفَتاةٍ أوْ مَصْدَرِ أطْلَقَ عَلى الوَقْتِ الغُدُوُّ، وأيَّدَ بِأنَّ أبا مُجَلَّزٍ قَرَأ «والإيصالُ» مَصْدَرًا أيِ الدُّخُولِ في وقْتِ الأصِيلِ، ( والآصالِ ) كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ جَمْعُ أصِيلٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مَعَ أنَّ جَمْعَ فَعِيلٍ عَلى أفْعالٍ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ أصْلٍ كَعُنُقِ وأعْناقِ والأصْلُ كالأصِيلِ العَشِيُّ وهو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ فَيَشْمَلُ الأوْقاتِ ماعَدا الغَداةُ وهي مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى الزَّوالِ ويُطْلَقانِ عَلى أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وإفْرادُهُما بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما وكَوْنِهِما أشْهَرُ ما يَقَعُ فِيهِ المُباشِرَةُ لِلْأعْمالِ والِاشْتِغالُ بِالأشْغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَمَلَ الغَداةَ عَلى وقْتِ الضُّحى وهو مُقْتَضى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ رَضِيَ صفحة 177 اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: «إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي القُرْآنِ وما يَغُوصُ عَلَيْها الأغْواصُ وتَلا الآيَةَ حَتّى بَلَغَ الآصالَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ والبُحْتُرِيُّ عَنْ حَفْصٍ ومَحْبُوبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والمُنْهالُ عَنْ يَعْقُوبَ والمُفَضَّلِ وأبانَ «يُسَبِّحُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والبَنّاءُ لِلْمَفْعُولِ ونائِبُ الفاعِلِ ﴿لَهُ﴾ أوْ ﴿فِيها﴾ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِهِ أوْ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ والأوَّلِيَّةُ لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ ولِي الفِعْلُ والإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقِيٌّ دُونَ الأخِيرَيْنِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ فِيما ذَكَرَ نائِبَ الفاعِلِ والجارُ فِيهِ زائِدًا، وفِيهِ ارْتِكابٌ لِما لا داعِيَ إلَيْهِ، ورَفْعُ «رِجالٍ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما في البَحْرِ أيْ يُسَبِّحُ لَهُ أوِ المَسْبَحِ لَهُ رِجالٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: لِيَبْكِ يَزِيدُ ضارَعَ لِخُصُومَةٍ مُتَخَبِّطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وهُوَ قِياسِيٌّ عِنْدَ الكَثِيرِ فَيَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يُقالَ: ضَرَبَتْ هِنْدٌ زَيْدٌ بِتَقْدِيرِ ضَرْبِها أوْ ضارِبُها زِيدٌ. ولَيْسَ هَذا كَذِكْرِ الفاعِلِ تَمْيِيزًا بَعْدَ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ نَحْوُ ضَرْبُ أخُوكِ رَجُلًا المُصَرَّحُ بِعَدَمِ جَوازِهِ ابْنُ هِشامٍ في البابِ الخامِسِ مِنَ المُغْنِي وإنْ أوْهَمَتِ العِلَّةُ أنَّهُ مِثْلُهُ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ وثّابٍ «تُسَبِّحُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْفاعِلِ وهو «رِجالٌ» والتَّأْنِيثُ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْثِيرِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «تَسْبِيحٌ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ والإسْنادُ مَجازِيٌّ بِجَعْلِ الأوْقاتِ المُسَبِّحِ فِيها رَبُّها مِسْبَحَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ إلى ضَمِيرِ التَّسْبِيحَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ «تُسَبِّحُ» أيْ تُسَبِّحُ هي أيِ التَّسْبِيحَةَ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ [الجاثِيَةُ: 14] عَلى قِراءَةِ مَن بَنى يَجْزِي لِلْمَفْعُولِ أيْ لِيَجْزِيَ هو أيِ الجَزاءِ. قالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: وهَذا أوْلى مِنَ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ إذْ لَيْسَ هُنا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ. وضَعَّفَهُ بَعْضُهم هُنا بِأنَّ الوَحْدَةَ لا تُناسِبُ المَقامَ، وأُجِيبَ بِالتِزامِ كَوْنِ الوَحْدَةِ جِنْسِيَّةً. وأيًّا ما كانَ فَرَفْعُ «رِجالٍ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أوِ الخَبَرِيَّةِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا. والتَّنْوِينُ فِيهِ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ لِلتَّفْخِيمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ تَبَتُّلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ كائِنًا ما كانَ. وتَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمَساجِدِ. فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ««خَيْرُ مَساجِدِ النِّساءِ قَعْرُ بِيُوتِهِنَّ»» وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ الَّتِي هي المُعاوَضَةُ مُطْلَقًا بِذَلِكَ لِكَوْنِها أقْوى الصَّوارِفِ عِنْدَهم وأشْهَرَها أيْ لا يَشْغَلُهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ التِّجارَةِ ﴿ولا بَيْعٌ﴾ أيْ ولا فَرْدَ مِن أفْرادِ البِياعاتِ وإنْ كانَ في غايَةِ الرِّيحِ. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ التِّجارَةِ لِلْإيذانِ بِإنافَتِهِ عَلى سائِرِ أنْواعِها لِأنَّ رِبْحَهُ مُتَيَقِّنٌ ناجِزٌ ورِبْحُ ما عَداهُ مُتَوَقَّعٌ في ثانِي الحالِ عِنْدَ البَيْعِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ إلْهاءِ ما عَداهُ نَفْيَ إلْهائِهِ ولِذَلِكَ كَرَّرَ كَلِمَةً لا لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتِّجارَةِ المُعاوَضَةِ الرّابِحَةِ بِالبَيْعِ المُعاوَضَةَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَها مِن بابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِلْمُبالَغَةِ، ونُقِلَ عَنِ الواقِدِيِّ أنَّ المُرادَ بِالتِّجارَةِ هو الشِّراءُ لِأنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها فَلا تَخْصِيصَ ولا تَعْمِيمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتِّجارَةِ الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها فَهو لازِمٌ لَها عادَةً. ومِنهُ يُقالُ: تَجُرُّ في كَذا أيْ جَلْبِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صفحة 178 ﷺ أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ: «هُمُ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى». وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وفي ذَلِكَ أيْضًا ما يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا تُجّارًا وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ لِأنَّهُ لا يُقالُ فُلانٌ لا تُلْهِيهِ التِّجارَةُ إلّا إذا كانَ تاجِرًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ كانُوا تُجّارًا فَلَمْ تَكُنْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم يُلْهِيهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا تُجّارًا والنَّفْيُ راجِعٌ لِلْقَيْدِ والمُقَيَّدِ كَما في قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ فَيُلْهِيهِمْ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن فَرَغَ عَنِ الدُّنْيا كَأهْلِ الصُّفَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ عَلى الأوَّلِ المُؤَيِّدِ بِما سَمِعْتَ أمْدَحُ ولَمْ نَجِدْ لِنُزُولِها فِيمَن فَرَغَ عَنِ الدُّنْيا سَنَدًا قَوِيًّا أوْ ضَعِيفًا ولا يُكْتَفى في هَذا البابِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمالِ ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ ونَحْوَهُما ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ أيْ إقامَتِها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ. والأصْلُ أقْوامُ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ لِما قَبْلِها فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتْ فَقِيلَ: إقامُ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَ لِاجْتِماعِ ألِفَيْنِ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا داعِيَ إلى قَلْبِها ألِفا مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ وهو أنْ لا يَسْكُنَ ما بَعْدَها. وأوْجَبَ الفِراءُ لِجَوازِ هَذا الحَذْفِ تَعْوِيضَ التّاءِ فَيُقالُ: إقامَةٌ أوِ الإضافَةُ كَما هُنا. وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: إنَّ الخَلِيطَ أجْدَوُا البَيْنَ وانْجَرَدُوا ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عَدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا فَإنَّهُ أرادَ عِدَّةَ الأمْرِ. وتَأوَّلَ خالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ ما في البَيْتِ عَلى أنَّ عَدا جَمْعُ عَدْوَةٍ بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَأنَّ الشّاعِرَ أرادَ نَواحِيَ الأمْرِ وجَوانِبَهُ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ جَوازُ الحَذْفِ مِن غَيْرِ تَعْوِيضِ التّاءِ أوِ الإضافَةِ ﴿وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ أيِ المالِ الَّذِي فُرِضَ إخْراجُهُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. ويَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ الزَّكاةِ بِذَلِكَ دُونَ الفِعْلِ ظاهِرُ إضافَةِ الإيتاءِ إلَيْها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ إيتاءِ الزَّكاةِ بِإخْلاصِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ بُعْدٌ كَما تَرى، وإيرادُ هَذا الفِعْلِ هاهُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُفْعَلُ في البُيُوتِ لِكَوْنِهِ قَرِينَةً لا تُفارِقُ إقامَةَ الصَّلاةِ في عامَّةِ المَواضِعِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِهِمْ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما يَقَعُ في المَساجِدِ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ﴾ إلى آخِرِهِ فَإنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِرِجالٍ أوْ حالٍ مِن مَفْعُولٍ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِلتَّعْلِيلِ. وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ خَوْفُهم مَقْصُورًا عَلى كَوْنِهِمْ في المَساجِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمًا﴾ مَفْعُولٌ لِيَخافُونِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عِقابِ يَوْمٍ وهو لَهُ أوْ بِدُونِهِ وجَعَلَهُ ظَرْفًا لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ بَعِيدٍ. وأمّا جَعْلُهُ ظَرْفًا لِيَخافُونَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا إذِ المُرادُ أنَّهم يَخافُونَ في الدُّنْيا يَوْمًا ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ لا أنَّهم يَخافُونَ شَيْئًا في ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ تَتَقَلَّبُ فِيهِ إلَخْ، والمُرادُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعْنى تَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ فِيهِ اضْطِرابُها وتَغَيُّرُها أنْفُسُها فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحْزابُ: 10] أوْ تَغَيُّرُ أحْوالِها بِأنَّ تَفَقُّهَ القُلُوبِ ما لَمْ تَكُنْ تَفْقَهُ وتُبْصِرُ الأبْصارُ ما لَمْ تَكُنْ تُبْصِرُ أوْ بِأنْ تَتَوَقَّعَ القُلُوبُ النَّجاةَ تارَةً وتَخافَ الهَلاكَ أُخْرى وتَنْظُرَ الأبْصارُ يَمِينًا تارَةً وشِمالًا أُخْرى لِما أنَّ أغْلَبَ أهْلِ الجَمْعِ لا يَدْرُونَ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ولا مِن صفحة 179 أيِّ وُجْهَةٍ يُؤْتُونَ كُتُبُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ تَقَلُّبٌ فِيهِ القُلُوبِ والأبْصارِ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الجِبائِيِّ: إنَّ المُرادَ تَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ فَتَلْفَحُها النّارُ ثُمَّ تُنْضِجُها ثُمَّ تَحْرِقُها، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «تَنْقَلِبُ» بِإسْكانِ التّاءِ الثّانِيَةِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ.

النور 24:38

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ بِيُسَبِّحُ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلا تُلْهِيهِمْ أوْ بِيَخافُونَ ولا يَخْفى أنَّ تَعَلُّقَهُ بِأحَدِ المَذْكُورِينَ مُحَوَّجٌ إلى تَأْوِيلٍ، ولَعَلَّ تَعَلُّقَهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما حُكِيَ عَنْهم أوْلى مِن جَمِيعِ ذَلِكَ أيْ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخَوْفِ مِن غَيْرِ صارِفٍ لَهم عَنْ ذَلِكَ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ واللّامُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلتَّعْلِيلِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامُ الصَّيْرُورَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصُ: 8] ومَوْضِعُ الجُمْلَةِ حالٌ والتَّقْدِيرُ يَخافُونَ مُلْهَمِينَ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ وهو كَما تَرى، والجَزاءُ المُقابَلَةُ والمُكافَأةُ عَلى ما يُحْمَدُ ويَتَعَدّى إلى الشَّخْصِ المُجْزِي بِعْنَ قالَ تَعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةُ: 48، 123] وإلى ما فَعَلَهُ ابْتِداءً بِعَلى تَقُولُ جَزَيْتُهُ عَلى فِعْلِهِ وقَدْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِالباءِ فَيُقالُ جِزْيَتُهُ بِفِعْلِهِ وإلى ما وقَعَ في مُقابَلَتِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ جِزْيَتُهُ كَذا وبِكَذا، والظّاهِرُ أنَّ أحْسَنَ هو ما وقَعَ في المُقابَلَةِ فَيَكُونُ الجَزاءُ قَدْ تَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لِيَجْزِيَهم أحْسَنَ جَزاءِ عَمَلِهِمْ أوِ الَّذِي عَمِلُوهُ حَسْبَما وعَدَ لَهم بِمُقابَلَةٍ حَسَنَةٍ واحِدَةٍ عَشْرَةَ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ لِيَكُونَ الأحْسَنُ مِن جِنْسِ الجَزاءِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأحْسَنُ هو الفِعْلُ المُجْزى عَلَيْهِ أوْ بِهِ الشَّخْصُ ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ لِيَجْزِيَهم عَلى أحْسَنِ أوْ بِأحْسَنِ ما عَمِلُوا، وأحْسَنُ العَمَلِ أدْناهُ المَندُوبُ فاحْتَرِزْ بِهِ عَنِ الحَسَنِ وهو المُباحُ إذْ لا جَزاءَ لَهُ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِسَلامَتِهِ عَنْ حَذْفِ الجارِّ الَّذِي هو غَيْرُ مَقِيسٍ في مِثْلِ ما نَحْنُ فِيهِ بِخِلافِ حَذْفِ المُضافِ فَإنَّهُ كَثِيرٌ مَقِيسٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُضافُ المَحْذُوفُ قَبْلَ «أحْسَنَ» أيْ جَزاءٍ أحْسُنُ ما عَمِلُوا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِما عَمِلُوا أعَمُّ مِمّا سَبَقَ وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِهِ ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأشْياءَ لَمْ تُوعَدْ لَهم بِخُصُوصِيّاتِها أوْ بِمَقادِيرِها ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ كَيْفِيّاتِها ولا كَمِّيَّتِها بَلْ إنَّما وعَدَتْ بِطَرِيقِ الإجْمالِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يُونُسُ: 26] وقَوْلُهُ ﷺ حِكايَةٌ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواعِيدِ الكَرِيمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَإنَّهُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِلزِّيادَةِ ووَعْدٌ كَرِيمٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ غَيْرَ أجِزْيَةِ أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْراتِ ما لا يَفِي بِهِ الحِسابُ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَمَّنْ ذُكِرَتْ صِفاتُهُمُ الجَمِيلَةُ كَأنَّهُ قِيلَ واللَّهَ يَرْزُقُهم بِغَيْرِ حِسابٍ، ووَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ مَناطَ الرِّزْقِ المَذْكُورِ مَحْضُ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا أعْمالَهُمُ المَحْكِيَّةُ كَما أنَّها المَناطُ لِما سَبَقَ مِنَ الهِدايَةِ لِنُورِهِ عَزَّ وجَلَّ ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَرْزُقَهم كَما أنَّهم مِمَّنْ شاءَ سُبْحانَهُ أنْ يَهْدِيَهم لِنُورِهِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما فَصَلَ مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ فَإنَّ جَمِيعَها مِن آثارِ تِلْكَ الهِدايَةِ.

النور 24:39

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخِرِهِ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطَفَ القِصَّةَ عَلى القِصَّةِ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ آمَنُوا أعْمالَهم حالًا ومَآلًا كَما وصَفَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ أيْ أعْمالِهِمُ الَّتِي هي مِن أبْوابِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ وفَكِّ العُناةِ صفحة 180 وسِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ البَيْتِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وقُرى الأضْيافِ ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ أعْمالُهُمُ الَّتِي يَظُنُّونَ الِانْتِفاعَ بِها سَواءً كانَ مِمّا يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ كالحَجِّ أمْ كانَتْ مِمّا لا يُشْتَرَطُ فِيها ذَلِكَ كَسِقايَةِ الحاجِّ وسائِرِ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ المُرادُ بِها ما يَشْمَلُ الحَسَنَ والقَبِيحَ لِيَتَأتّى التَّشْبِيهانِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ، والسَّرابُ بُخارٌ رَقِيقٌ يَرْتَفِعُ مِن قَعُورِ القِيعانِ فَإذا اتَّصَلَ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أشْبَهَ مِن بَعِيدٍ الماءَ السّارِبَ أيِ الجارِي واشْتَرَطَ فِيهِ الفِراءُ اللُّصُوقَ في الأرْضِ، وقِيلَ هو ما تَرَقْرَقَ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ، وقِيلَ: هو الشُّعاعُ الَّذِي يَرى نِصْفَ النَّهارِ عِنْدَ اشْتِدادِ الحَرِّ في البَرِّ يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ ماءٌ سارِبٌ، قالَ الشّاعِرُ: فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودَكم كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَألِّقِ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرْسِيُّ، وفَسَّرَ الآلَ بِأنَّهُ شُعاعٌ يَرْتَفِعُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالماءِ ضَحْوَةَ النَّهارِ ﴿بِقِيعَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ سَرابٍ أيْ كائِنٍ بِقِيعَةٍ وهي الأرْضُ المُنْبَسِطَةُ المُسْتَوِيَةُ، وقِيلَ هي جَمْعُ قاعٍ كَجِيرَةٍ في جارٍ ونَيِّرَةٍ في نارٍ، وقَرَأ مُسَلَّمَةُ بْنُ مُحارِبٍ «بِقِيعاتٍ» بِتاءٍ طَوِيلَةٍ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قِيعَةٍ كَدِيماتٍ وقِيماتٍ في دِيمَةٍ وقِيمَةٍ، وعَنْهُ أيْضًا قَرَأ «بِقِيعاةٍ» بِتاءٍ مُدَوَّرَةٍ ويَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ قِيعَةٍ ووَقَفَ بِالهاءِ عَلى لُغَةِ طَيْئٍ كَما قالُوا: البُناهُ والإخْواهُ، ويَحْتَمِلُ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا وأصْلُهُ قِيعَةٌ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَكِنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألْفُ ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ ماءً صِفَةٌ أُخْرى لِسَرابٍ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هو الصِّفَةُ وبِقِيعَةٌ ظَرْفًا لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الكافُ وهو الخَبَرُ والحُسْبانُ الظَّنُّ عَلى المَشْهُورِ وفَرَّقَ بَيْنَهُمُ الرّاغِبُ بِأنَّ الظَّنَّ أنْ يَخْطُرَ النَّقِيضانِ بِبالِهِ ويَغْلِبُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ والحُسْبانِ أنْ يَحْكُمَ بِأحَدِهِما مِن غَيْرِ أنْ يُخْطِرَ الآخَرُ بِبالِهِ فَيَعْقِدُ عَلَيْهِ الأُصْبُعَ ويَكُونُ بِعَرْضِ أنْ يَعْتَرِيَهُ فِيهِ شَكٌّ، وتَخْصِيصُ الحُسْبانِ بِالظَّمْآنِ مَعَ شُمُولِهِ كُلِّ مَن يَراهُ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العَطْشانِ والرَّيّانِ لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ بِتَحْقِيقِ شَرِكَةِ طَرَفَيْهِ في وجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي هو المَطْلَعُ والمَقْطَعُ المُؤَيَّسُ. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرَ ونافِعٌ بِخِلافِ عَنْهُما «الظَّمْآنُ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى المِيمِ ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ أيْ إذا جاءَ العَطْشانُ ما حَسِبَهُ ما، وقِيلَ: إذا جاءَ مَوْضِعُهُ ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ أيْ لَمْ يَجِدْ ما حَسِبَهُ ماءً وعَلَّقَ رَجاءَهُ بِهِ ﴿شَيْئًا﴾ أصْلًا لا مُحَقِّقًا ولا مَظْنُونًا كانَ يَراهُ مِن قَبْلُ فَضْلًا عَنْ وجْهِ أنَّهُ ماءٌ، ونَصْبُ ﴿شَيْئًا﴾ قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ، وأمْرُ الِاشْتِقاقِ سَهْلٌ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِوَجْدِ بِناءٍ عَلى أنَّها مِن أخَواتِ ظَنَّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ، ويَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا نَعْتٍ إذا كانَ مُفِيدًا كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَجِدْهُ وِجْدانًا وهو كَما تَرى ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ فَهو داخِلٌ في التَّشْبِيهِ أيْ ووُجِدَ الظَّمْآنُ مَقْدُورَهُ تَعالى مِنَ الهَلاكِ عِنْدَ السَّرابِ المَذْكُورِ، وقِيلَ أيْ وجَدَ اللَّهَ تَعالى مُحاسِبًا إيّاهُ عَلى أنَّ العِنْدِيَّةَ بِمَعْنى الحِسابِ لِذِكْرِ التَّوْفِيَةِ بَعْدُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ أعْطاهُ وافِيًا كامِلًا حِسابَ عَمَلِهِ وجَزاءَهُ أوْ أتَمَّ حِسابَهُ بِعَرْضِ الكَتَبَةِ ما قَدَّمَهُ ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ بَيانَ أحْوالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، وقَوْلُهُ صفحة 181 تَعالى: ( ووَجَدَ ) إلَخْ بَيانٌ لِبَقِيَّةِ أحْوالِهِمُ العارِضَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ هو الخَيْبَةُ والقُنُوطُ فَقَطْ كَما هو شَأْنُ الظَّمْآنِ، ويُظْهِرُ أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن سُوءِ الحالِ ما لا قَدَّرَ لِلْخَيْبَةِ عِنْدَهُ أصْلًا فَلَيْسَتِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ بَلْ عَلى ما يَفْهَمُ مِنهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ مِن عَدَمِ وِجْدانِ الكَفَرَةِ مِن أعْمالِهِمْ عَيْنًا ولا أثَرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفَرْقانُ: 23] كَيْفَ لا وأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ أعْمالَ الكَفَرَةِ كَسَرابٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا حَكَمَ بِأنَّها بِحَيْثُ يَحْسَبُونَها في الدُّنْيا نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ حَتّى إذا جاؤُوها لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَ الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمالَهُمُ الَّتِي كانُوا في الدُّنْيا يَحْسَبُونَها نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا ووَجَدُوا اللَّهَ أيْ حُكْمَهُ وقَضاءَهُ عِنْدَ المَجِيءِ، وقِيلَ: عِنْدَ العَمَلِ فَوَفّاهم أيْ أعْطاهم وافِيًا حِسابَهم أيْ حِسابَ أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ وجَزاءَها فَإنَّ اعْتِقادَهم لِنَفْعِها بِغَيْرِ إيمانِ وعَمَلِهِمْ بِمُوجِبِهِ كُفْرٌ عَلى كُفْرٍ مُوجَبٍ لِلْعِقابِ قَطْعًا، وإفْرادُ الضَّمِيرَيْنِ الرّاجِعَيْنِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا إمّا لِإرادَةِ الجِنْسِ كالظَّمْآنِ الواقِعِ في التَّمْثِيلِ وإمّا لِلْحَمْلِ عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنهُمْ، وكَذا إفْرادُ ما يَرْجِعُ إلى أعْمالِهِمِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ وارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالظَّمْآنِ مُطْلَقُ الظَّمْآنِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الكافِرُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يَعْمَلُهُ مَن لا يَعْتَقِدُ الإيمانَ بِسَرابٍ يَراهُ الكافِرُ بِالسّاهِرَةِ وقَدْ غَلَبَهُ عَطَشُ القِيامَةِ فَيَحْسَبُهُ ماءً فَيَأْتِيهِ فَلا يَجِدُهُ ويَجِدُ زَبانِيَةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهُ يَأْخُذُونَهُ فَيَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِمّا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ المُنْذِرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السَّدِّيِّ في غَرائِبِهِ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الكُفّارَ يَبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ورْدًا عِطاشًا فَيَقُولُونَ أيْنَ الماءُ فَيُمَثَّلُ لَهُمُ السَّرابُ فَيَحْسَبُونَهُ ماءً فَيَنْطَلِقُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَهُ فَيُوَفِّيهِمْ حِسابَهم واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ»»، واسْتُطِيبَ ذَلِكَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ حَيْثُ قالَ: إنَّما قَيَّدَ المُشَبَّهَ بِهِ بِرُؤْيَةِ الكافِرِ وجَعْلِ أحْوالِهِ ما يَلْقاهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولَمْ يُطْلِقْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ مِن تَتِمَّةِ أحْوالِ المُشَبَّهِ بِهِ، وهَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ لِأنَّ خَيْبَةَ الكافِرِ أدْخَلُ وحُصُولُهُ عَلى خِلافِ ما يُؤَمِّلُهُ أعْرَقُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن حَمْلِ الظَّمْآنِ عَلى الكافِرِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، ورَدَّ بِأنَّ التَّشْبِيهَ عَلى ما ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ تَمْثِيلِيٌّ أوْ مُقَيَّدٌ لا مُفَرِّقَ كَما تَوَهَّمَ فَلا يُلْزِمُ مِنِ اتِّحادِ بَعْضِ المُفْرَداتِ في الطَّرَفَيْنِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ كاتِّحادِ الفاعِلِ فِي- أراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخْرى-، وبِالجُمْلَةِ هو أحْسَنُ مِمّا في الإرْشادِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَلَّمَ ذِهْنَهُ مِن غُبارِ العَتادِ. والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في عَتَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كانَ تَعْبُدُ ولَيْسَ المُسُوحُ والتَمَسَ الدِّينَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَفَرَ في الإسْلامِ ولا يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّهُ غَيْرُ خاصٍّ بِسَبَبِ النُّزُولِ وإنْ دَخَلَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ وعَتَبَةُ قُتِلَ في بَدْرٍ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ نَزَلَ بِسَبَبِ الأمْواتِ ولَيْسَ في ذَلِكَ مَحْذُورٌ أصْلًا، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الفَلاسِفَةِ ومُتَّبِعُوهم مِنَ المُتَزَيِّنِينَ بِزِيِّ الإسْلامِ فَإنَّ اعْتِقادَهم وأعْمالَهم حَيْثُ لَمْ تَكُنْ عَلى وفْقِ الشَّرْعِ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ.

النور 24:40

﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَسَرابٍ﴾، وكَلِمَةٌ أوْ قِيلَ لِتَقْسِيمِ حالِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، وجَوَّزَ الإطْلاقَ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ فَإنَّها كالسَّرابِ في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ عَدَمِ نَفْعِها وكالظُّلُماتِ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ خُلُوِّها عَنْ نُورِ الحَقِّ، وخَصَّ صفحة 182 هَذا بِالدُّنْيا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ المَخْصُوصِ بِها، والأوَّلُ بِالآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَ﴾ إلَخْ وقَدَّمَ أحْوالَ الآخِرَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ وأهَمُّ لِاتِّصالِ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ إلَخْ ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الدُّنْيا تَتْمِيمًا لَها. وجَوَّزَ أنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ تَشْبِيهُ أعْمالِهِمْ بِالسَّرابِ في الدُّنْيا حالَ المَوْتِ، ومِنَ الثّانِي تَشْبِيهُها بِالظُّلُماتِ في القِيامَةِ كَما فِي الحَدِيثِ ««الظُّلَمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»» ويَكُونُ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مُناسِبًا لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِي ولَيْسَ بِذَلِكَ لِما سَمِعْتَ، وقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ، وذَلِكَ أنَّهُ أثَّرَ ما مَثَّلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها أقْوى اعْتِمادٍ ويَفْتَخِرُونَ بِها في كُلِّ وادٍ ونادٍ بِما ذُكِرَ مِن حالِ السَّرابِ مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ القَبِيحَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ خَيْرِيَّةٌ يَغْتَرُّ بِها المُغْتَرُّونَ بِالظُّلُماتِ المَذْكُورَةِ، وزَعَمَ الجُرْجانِيُّ أنَّ المُرادَ هُنا تَشْبِيهُ كُفْرِهِمْ فَقَطْ وهو كَما تَرى. والظّاهِرُ عَلى التَّنْوِيعِ أنْ يُرادَ مِنَ الأعْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ ما يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ. واعْتَرَضَ بِأنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ بِناءً عَلى دُخُولِهِ في التَّشْبِيهِ لِأنَّ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ وإنْ سَلَمَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَعَ الكَفَرَةِ لا وخامَةَ في عاقِبَتِها كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ووَجَدَ﴾ إلَخْ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ العِقابِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ بَلْ وجَدَ أنَّ العِقابَ بِسَبَبِ قَبائِحِ أعْمالِهِمْ لَكِنَّها ذُكِرَتْ جَمِيعُها لِبَيانِ أنَّ بَعْضَها جُعِلَ هَباءً مَنثُورًا وبَعْضُها مُعاقَبٌ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ لِمُشابِهَةِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ أوْ مُطْلَقًا السَّرابُ لِكَوْنِها لاغِيَةً لا مَنفَعَةَ فِيها، والظُّلُماتُ المَذْكُورَةُ لِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ نُورِ الحَقِّ، واخْتارَهُ الكَرْمانِيُّ. واعْتَرَضَ بِأنَّ الرَّضِيَّ كَغَيْرِهِ ذَكَرَ أنَّها لا تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ إلّا في الطَّلَبِ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ وإنِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ إلى عَدَمِ اخْتِصاصِهِ بِهِ كابْنِ مالِكٍ والزَّمَخْشَرِيِّ ووُقُوعُهُ في التَّشْبِيهِ كَثِيرٌ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ والتَّشْبِيهُ عِنْدَهُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْأعْمالِ عَلى نَمَطِ التَّشْبِيهِ السّابِقِ ويُقَدَّرُ أوْ كَأعْمالِ ذِي ظُلُماتٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ ويُقَدَّرُ أوْ هم كَذِي ظُلُماتٍ والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمْرُ الضَّمِيرِ سَيَظْهَرُ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ «أوْ كَظُلُماتٍ» بِفَتْحِ الواوِ، ووَجْهُ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ جَعَلَها واوَ عَطْفٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ الَّتِي لِتَقْرِيرِ التَّشْبِيهِ الخالِي عَنْ مَحْضِ الِاسْتِفْهامِ. وقِيلَ هي ﴿أوْ﴾ الَّتِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وفُتِحَتِ الواوُ لِلْمُجاوِرَةِ كَما كُسِرَتِ الدّالُّ لَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى بَعْضِ القِراءاتِ ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أيْ عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ. وقِيلَ اللُّجَّةُ وهي أيْضًا مُعْظَمُهُ وهو صِفَةُ ﴿بَحْرٍ﴾ وكَذا جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْشاهُ﴾ أيْ يُغَطِّي ذَلِكَ البَحْرَ ويَسْتُرُهُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿مَوْجٌ﴾ وقُدِّمَتِ الأُولى لِإفْرادِها. وقِيلَ الجُمْلَةُ صِفَةُ ذِي المُقَدَّرِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمْتُ حالَ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَوْجٍ أوِ الصِّفَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ وما بَعْدَهُ فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ. والمُرادُ يَغْشاهُ أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ صِفَةٌ لِمَوْجٍ الثّانِي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أيْ مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ سَحابٌ ظَلْمانِيٌّ سَتَرَ أضْواءَ النُّجُومِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى غايَةِ تَراكُمِ الأمْواجِ صفحة 183 وتُضاعُفِها حَتّى كَأنَّها بَلَغَتِ السَّحابَ ﴿ظُلُماتٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي ظُلُماتٌ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أيْ مُتَكاثِفَةٍ مُتَراكِمَةٍ، وهَذا بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ الظُّلُماتِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ قُوَّةِ النُّورِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُشَبَّهِ وهَذا بِالمُشَبَّهِ بِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ﴿ظُلُماتٌ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِنَ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ إلّا أنْ يُقَدِّرَ صِفَةً لَها يُؤْذِنُ بِها التَّنْوِينُ أيْ ظُلُماتٍ كَثِيرَةٍ أوْ عَظِيمَةٍ وهو تَكَلُّفٌ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿بَعْضُها﴾ بَدَلًا مِن ﴿ظُلُماتٌ﴾ . وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّ المُرادَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ الإخْبارُ بِأنَّها ظُلُماتٌ وأنَّ بَعْضَ تِلْكَ الظُّلُماتِ فَوْقَ بَعْضٍ أيْ هي ظُلُماتٌ مُتَراكِمَةٌ لا الإخْبارُ بِأنَّ بَعْضَ ظُلُماتٍ فَوْقَ بَعْضٍ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِأنَّ تِلْكَ الظُّلُماتِ السّابِقَةَ مُتَراكِمَةٌ. وقَرَأ قَنْبَلُ «ظُلُماتٍ» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ ﴿ظُلُماتٌ﴾ الأُولى لا تَأْكِيدَ لَها. وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ. وقَرَأ البَزِيُّ «سَحابٌ ظُلُماتٌ» بِإضافَةِ سَحابٍ إلى ظُلُماتٍ وهَذِهِ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ أوْ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ السَّحابَ لَيْسَ سَحابُ مَطَرٍ ورَحْمَةٍ. ﴿إذا أخْرَجَ﴾ أيْ مِنِ ابْتَلى بِها، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ. وكَذا تَقْدِيرُ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلى ﴿ظُلُماتٌ﴾ واحْتَجَّ إلَيْهِ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿إذا أخْرَجَ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِظُلُماتٍ ولا بُدَّ لَها مِن رابِطٍ ولا يَتَعَيَّنُ ما أشَرْنا إلَيْهِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ عَلى حَدِّ ««لا يَشْرَبُ الخَمْرَ وهو مُؤْمِنٌ»» أيْ إذا أخْرَجَ المُخْرِجُ فِيها ﴿يَدَهُ﴾ وجَعَلَها بِمَرْأى مِنهُ قَرِيبَةً مِن عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أيْ لَمْ يُقَرِّبْ مِن رُؤْيَتِها وهي أقْرَبُ شَيْءٍ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها. وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ زِيادَةَ ( يَكَدْ) . وزَعَمَ الفِراءُ والمِبْرَدُ أنَّ المَعْنى لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجُهْدِ فَإنَّهُ قَدْ جَرى العُرْفُ أنْ يُقالَ: ما كادَ يَفْعَلُ ولَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ في فِعْلٍ قَدْ فُعِلَ بِجُهْدٍ مَعَ اسْتِبْعادِ فِعْلِهِ وعَلَيْهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البَقَرَةُ: 71] ومِن هُنا خَطَأ ابْنُ شُبْرُمَةَ ذا الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ: ذا غَيْرِ النَّأْيِ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مِيَةٍ يَبْرَحُ وناداهُ يا أبا غِيلانَ أراهُ قَدْ بَرِحَ فَفَكَّ وسَلَّمَ لَهُ ذُو الرُّمَّةِ ذَلِكَ فَغَيْرُ لَمْ يَكَدْ بَلْ لَمْ يَكُنْ أوْ لَمْ أُجِدْ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَمْ يَكَدْ وما كادَ يَفْعَلُ أنَّ الفِعْلَ لَمْ يَكُنْ مِن أصْلِهِ ولا قارَبَ في الظَّنِّ أنْ يَكُونَ ولا يَشُكُّ في هَذا. وقَدْ عَلِمَ أنْ كادَ مَوْضُوعَةٌ لِشِدَّةِ قُرْبِ الفِعْلِ مِنَ الوُقُوعِ ومُشارَفَتِهِ فَمُحالٌ أنْ يُوجِبَ نَفْيَهُ وُجُودَ الفِعْلِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ ما قارَبَ كَذَلِكَ فالنَّظَرُ إلى أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنِ المَعْنى عَلى أنْ ثَمَّتْ حالًا يَبْعُدُ مَعَها أنْ تَكُونَ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها﴾ إلَخْ يَلْتَزِمُ الظّاهِرُ ويَجْعَلُ المَعْنى أنَّ الفِعْلَ لَمْ يُقارِبْ أنْ يَكُونَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ والآيَةُ عَلى ذَلِكَ وكَذا البَيْتُ، وقَدْ ذَكَرَ أنَّ لَمْ يَكَدْ فِيهِما جَوابٌ ﴿إذا﴾ فَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا وإذا قُلْتُ: إذا خَرَجَتْ لَمْ أخْرُجْ فَقَدْ نُفِيَتْ خُرُوجًا في المُسْتَقْبَلِ فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ قَدْ كانَ. وهَذا التَّحْقِيقُ خُلاصَةُ ما حَقَّقَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، ومِنهُ يَعْلَمُ تَخْطِئَةَ مَن زَعَمَ أنْ كادَ نَفْيُها إثْباتٌ وإثْباتُها نَفْيٌ. وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ نَفْيَ كادَ عَلى التَّحْقِيقِ المَذْكُورِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ نَفْيَ مُقارَبَتِهِ صفحة 184 يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ إلّا أنَّهُ إذا وقَعَ في الماضِي لا يُنافِي ثُبُوتَهُ في المُسْتَقْبَلِ ورُبَّما أشْعُرُ بِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ اليَأْسِ مِنهُ كَما في آيَةِ البَقَرَةِ، وإذا وقَعَ في المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ في الماضِي فَإنْ قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى ثُبُوتِهِ فِيهِ أشْعُرُ بِأنَّهُ انْتَفى وأيَّسَ مِنهُ بَعْدَ ما كانَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ لا يُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ يَدِهِ الَّتِي كانَتْ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى هَذا أنَّ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ مُرادَ مَن قالَ: إنَّ نَفْيَها إثْباتٌ وإثْباتُها نَفْيٌ أنَّ نَفْيَها في الماضِي يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ في المُسْتَقْبَلِ وعَكْسُهُ كَما سَمِعْتَ، وهَذا وجْهُ تَخْطِئَةِ ابْنِ شُبْرُمَةٍ وتَغْيِيرُ ذِي الرُّمَّةِ لِأنَّ مُرادَهُ أنَّ قَدِيمَ هَواها لَمْ يُقَرِّبْ مِنَ الزَّوالِ في جَمِيعِ الأزْمانِ ونَفْيُهُ في المُسْتَقْبَلِ يُوهِمُ ثُبُوتَهُ في الماضِي فَلا يُقالُ: إنَّهُما مِن فُصَحاءِ العَرَبِ المُسْتَشْهِدِ بِكَلامِهِمْ فَكَيْفَ خُفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِما ولِذا اسْتَبْعَدَهُ في الكَشْفِ وذَهَبَ إلى أنَّ قِصَّتَهُما مَوْضُوعَةٌ أوْصى بِحِفْظِ ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ تَحْقِيقٌ أنِيقٌ وتَوْفِيقٌ دَقِيقٌ سَنَحَ بِمَحْضِ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ انْتَهى. ولَعَمْرِي أنَّ ما أوَّلَ بِهِ كَلامُ القائِلِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ ولا أظُنُّهُ يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ عِنْدَهُ ونَفْيُ كُلَّ فِعْلٍ في الماضِي لا يُنافِي ثُبُوتَهُ في المُسْتَقْبَلِ ونَفْيُهُ في المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ في الماضِي ولا اخْتِصاصَ لَكادَ بِذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ دَفَعَ الإيهامَ ما غَيَّرَ إلَيْهِ ذُو الرُّمَّةِ بَيْتَهُ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مانِعَ الرُّؤْيَةِ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ وهو كَذَلِكَ لِأنَّ شَرْطَ الرُّؤْيَةِ بِحَسْبِ العادَةِ في هَذِهِ النَّشْأةِ الضَّوْءُ سَواءٌ كانَتْ بِمَحْضِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ أوْ كانَتْ بِخُرُوجِ الشُّعاعِ مِنَ العَيْنِ عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ مُصْمَتٍ أوْ مُؤَلَّفٍ مِن خُطُوطٍ مُجْتَمِعَةٍ في الجانِبِ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ أوْ لا عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ بَلْ عَلى اسْتِواءٍ لَكِنَّ مَعَ ثُبُوتِ طَرْفِهِ الَّذِي يَلِي العَيْنَ واتِّصالِهِ بِالمَرْئِيِّ أوْ بِتَكَيُّفِ الشُّعاعِ الَّذِي في العَيْنِ بِكَيْفِيَّةِ الهَواءِ وصَيْرُورَةِ الكُلِّ آلَةً لِلرُّؤْيَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِقُ الرِّياضِيِّينَ أوْ كانَتْ بِانْطِباعِ شَبَحِ المَرْئِيِّ في جُزْءٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ الجَلِيدِيَّةِ الَّتِي تُشْبِهُ البَرْدَ والجَمْدَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبِيعِيُّونَ، وهَذانَ المَذْهَبانِ هُما المَشْهُورانِ لِلْفَلاسِفَةِ ونُسِبَ لِلْإشْراقِيِّينَ مِنهم. واخْتارَهُ شِهابُ الدِّينِ القَتِيلُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بِمُقابَلَةِ المُسْتَنِيرِ لِلْعُضْوِ الباصِرِ الَّذِي فِيهِ رُطُوبَةُ صِقِلِّيَةَ وإذا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مَعَ زَوالِ المانِعِ يَقَعُ لِلنَّفْسِ عِلْمٌ إشْراقِيٌّ حُضُورِيٌّ عَلى المُبْصِرِ فَتُدْرِكُهُ النَّفْسُ مُشاهِدَةً ظاهِرَةً جَلِيَّةً بِلا شُعاعٍ ولا انْطِباعٍ، واخْتارَ المَلَأُ صَدْرًا أنَّها بِإنْشاءِ صُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْمَرْئِيِّ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن عالِمِ المَلَكُوتِ النَّفْسانِيِّ مُجَرَّدَةً عَنِ المادَّةِ الخارِجِيَّةِ حاضِرَةً عِنْدَ النَّفْسِ المُدْرِكَةِ قائِمَةً بِها قِيامَ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ لا قِيامَ المَقْبُولِ بِقابِلِهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ في مَبْسُوطاتِ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ. ورُبَّما يَظُنُّ أنَّ الظُّلْمَةَ سَواءٌ كانَتْ وُجُودِيَّةً أوْ عَدَمِ مَلَكَةٍ مِن شُرُوطِ الرُّؤْيَةِ كالضَّوْءِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأجْسامِ كالأشْياءِ الَّتِي تَلْمَعُ بِاللَّيْلِ. ونَفى ابْنُ سِينا ذَلِكَ وقالَ: لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الظَّلَمَةُ شَرْطًا لِوُجُودِ اللَّوامِعِ مُبْصِرَةً وذَلِكَ لِأنَّ المُضِيءَ مَرْئِيٌّ سَواءً كانَ الرّائِي في الظُّلْمَةِ أوْ في الضَّوْءِ كالنّارِ نَراها مُطْلَقًا، وأمّا الشَّمْسُ فَإنَّما لا يُمْكِنُنا أنْ نَراها في الظُّلْمَةِ لِأنَّها مَتّى طَلَعَتْ لَمْ تُبْقَ الظُّلْمَةُ، وأمّا الكَواكِبُ واللَّوامِعُ فَإنَّما تَرى في الظُّلْمَةِ دُونَ النَّهارِ لِأنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ غالِبٌ عَلى ضَوْئِها وإذا انْفَعَلَ الحِسُّ عَنِ الضَّوْءِ القَوِيِّ لا جَرَمَ لا يَنْفَعِلُ عَنِ الضَّعِيفِ، فَأمّا في اللَّيْلِ فَلَيْسَ هُناكَ ضَوْءٌ غالِبٌ عَلى ضَوْئِها فَلا جَرْمَ تَرى، وبِالجُمْلَةِ فَصَيْرُورَتُها غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ لَيْسَ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلى الظُّلْمَةِ بَلْ لِوُجُودِ المانِعِ عَنِ الرُّؤْيَةِ وهو وُجُودُ الضَّوْءِ الغالِبِ انْتَهى، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَلى ما ذُكِرَ مانِعٌ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّوامِعِ ورَفْعِ مانِعِ الرُّؤْيَةِ شَرْطٌ لَها ودَفْعُ الضَّوْءِ هو الظُّلْمَةُ فالظُّلْمَةُ شَرْطُ رُؤْيَةِ اللَّوامِعِ بِاللَّيْلِ وهو المَطْلُوبُ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ صفحة 185 واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ. ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ التَّمْثِيلُ مِن كَوْنِ أعْمالِ الكُفّارِ كَما فَصَّلَ وتَحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ هِدايَتِهِ تَعالى إيّاهم لِنُورِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم أيْ مِن لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِنُورٍ في الدُّنْيا فَما لَهُ هِدايَةٌ ما مِن أحَدٍ أصْلًا فِيها، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ في الدُّنْيا فَلا نُورَ لَهُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: كِلا الأمْرَيْنِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى مَن لَمْ يُنَوِّرْهُ اللَّهُ تَعالى بِعَفْوِهِ ويَرْحَمْهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ مَن أحَدٍ فِيها والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ أعْمالِ الكَفَرَةِ بِالظُّلُماتِ المُتَكاثِفَةِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أجْزاءٍ في طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ يَعْتَبِرُ تَشْبِيهَ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ فَقالَ: الظُّلُماتُ الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ والبَحْرُ اللُّجِّيُّ صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ والمَوْجُ الضَّلالُ والجَهالَةُ الَّتِي قَدْ غَمَرَتْ قَلْبَهُ والمَوْجُ الثّانِي الفِكْرُ المُعْوَجَّةُ والسَّحابُ شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ أعْمالُ الكافِرِ والبَحْرُ هَواهُ العَمِيقُ القَعْرُ الكَثِيرُ لِخَطَرِ الغَرِيقِ هو فِيهِ والمَوْجُ ما يُغْشى قَلْبُهُ مِنَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ. والمَوْجُ الثّانِي ما يَغْشاهُ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ والسَّحابُ ما يَغْشاهُ مِن شِرْكٍ وحَيْرَةٍ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاهْتِداءِ والكُلُّ كَما تَرى ولَوْ جَعَلَ مِن بابِ الإشارَةِ لَهانَ الأمْرُ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ ما قِيلَ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلشَّيْخِ إذا أرادَ تَأْدِيبَ المُرِيدِ وكَسْرِ نَفْسِهِ الأمّارَةِ أنْ يُؤَدِّبَهُ بِمَحْضَرِ طائِفَةٍ مِنَ المُرِيدِينَ الَّذِينَ لا يَحْتاجُونَ إلى تَأْدِيبٍ. ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ: لا يَشْهَدُ مَواضِعَ التَّأْدِيبِ إلّا مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا المُؤْمِنُونَ أجْمَعَ، والزِّنا عِنْدَهم إشارَةٌ إلى المَيْلِ لِلدُّنْيا وشَهَواتِها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً﴾ إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْأخْيارِ مُعاشَرَةُ الأشْرارِ إنَّ الطُّيُورَ عَلى أشْباهِها تَقَعُ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن يُشَنِّعُ عَلَيْهِ المُنْكِرُونَ مِنَ المَشايِخِ أنْ يَحْزَنَ مِن ذَلِكَ ويَظُنَّهُ شَرًّا لَهُ فَإنَّهُ خَيْرٌ لَهُ مُوجِبٌ لِتَرَقِّيهِ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلشُّيُوخِ والأكابِرِ أنْ لا يَهْجُرُوا أصْحابَ العَثَراتِ وأهْلَ الزَّلّاتِ مِنَ المُرِيدِينَ وأنْ لا يَقْطَعُوا إحْسانَهم وفُيُوضاتِهِمْ عَنْهُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلى الأوْلِياءِ أنْ يَدْخُلَ حَتّى يَجِدَ رُوحَ القَبُولِ والإذْنَ بِإفاضَةِ المَدَدِ الرُّوحانِيِّ عَلى قَلْبِهِ المُشارِ إلَيْهِ بِالِاسْتِئْناسِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْوَلِيِّ حالٌ لا يَلِيقُ لِلدّاخِلِ أنْ يَحْضُرَهُ فِيهِ ورُبَّما يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وأطَّرَدَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ ذَلِكَ فِيمَن يُرِيدُ الدُّخُولَ لِزِيارَةِ قُبُورِ الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَقالَ: يَنْبَغِي لِمَن أرادَ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ بِالبابِ عَلى أكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الأدَبِ ويَجْمَعُ حَواسَّهُ ويَعْتَمِدُ بِقَلْبِهِ طالِبًا الإذْنِ ويَجْعَلُ شَيْخَهُ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَلِيِّ المُزَوِّرِ في ذَلِكَ فَإنْ حَصَلَ لَهُ انْشِراحُ صَدْرٍ ومَدَدٍ رُوحانِيٍّ وفَيْضٌ باطِنِيٌّ فَلْيَدْخُلْ وإلّا فَلْيَرْجِعْ، وهَذا هو المَعْنِيُّ بِأدَبِ الزِّيارَةِ عِنْدَهم ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ. والشِّيعَةُ عِنْدَ زِيارَتِهِمْ لِلْأئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُنادِي أحَدُهم أأدْخُلُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ نَحْوُهُ ذَلِكَ ويَزْعُمُونَ أنَّ عَلامَةَ الإذْنِ حُصُولُ رِقَّةِ القَلْبِ ودَمْعِ العَيْنِ وهو أيْضًا مِمّا لَمْ صفحة 186 نَعْرِفُهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ولا ذَكَرَهُ فُقَهاؤُنا وما أظُنُّهُ إلّا بِدَعَةً ولا يُعَدُّ فاعِلُها إلّا مُضْحِكَةً لِلْعُقَلاءِ، وكَوْنُ المُزَوَّرِ حَيًّا في قَبْرِهِ لا يَسْتَدْعِي الِاسْتِئْذانَ في الدُّخُولِ لِزِيارَتِهِ، وكَذا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ مِن أنَّهُ يَنْبَغِي لِلزّائِرِ التَّأدُّبُ مَعَ المُزَوَّرِ كَما يَتَأدَّبُ مَعَهُ حَيًّا كَما لا يَخْفى. وقَدْ رَأيْتُ بَعْدَ كِتابَتِي هَذِهِ في الجَوْهَرِ المُنْتَظِمِ في زِيارَةِ القَبْرِ المُعَظَّمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى صاحِبِهِ وسَلَّمَ لِابْنِ حَجَرٍ المَكِّيِّ ما نَصَّهُ، قالَ بَعْضُهُمْ: ويَنْبَغِي أنْ يَقِفَ- يَعْنِي الزّائِرَ- بِالبابِ وقْفَةً لَطِيفَةً كالمُسْتَأْذِنِ في الدُّخُولِ عَلى العُظَماءِ انْتَهى. وفِيهِ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ ولا حالَ ولا أدَبَ يَقْتَضِيهِ انْتَهى. ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ في زِيارَةِ قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَدَمُ مَشْرُوعِيَّتِهِ في زِيارَةِ غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى فاحْفَظْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَعْصِمُنا مِنَ البِدَعِ وإيّاكَ. وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ إلَخْ إنَّ فِيهِ أمْرًا بِغَضِّ بَصَرِ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهِياتِ الدُّنْيا وبَصَرِ القَلْبِ عَنْ رُؤْيَةِ الأعْمالِ ونَعِيمِ الآخِرَةِ وبَصَرِ السِّرِّ عَنِ الدَّرَجاتِ والقُرُباتِ وبَصَرِ الرُّوحِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى وبَصِرِ الهِمَّةِ عَنْ أنْ يَرى نَفْسَهُ أهْلًا لِشُهُودِ الحَقِّ تَنْزِيهًا لَهُ تَعالى وإجْلالًا، وأمْرًا بِحِفْظِ فَرْجِ الباطِنِ عَنْ تَصَرُّفاتِ الكَوْنَيْنِ فِيهِ، والإشارَةُ بِأمْرِ النِّساءِ بِعَدَمِ إبْداءِ الزِّينَةِ إلّا لِمَنِ اسْتَثْنى إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن تَزَيَّنَ بِزِينَةِ الأسْرارِ أنْ يُظْهِرَها لِغَيْرِ المَحارِمِ ومَن لَمْ يَسْتُرْها عَنِ الأجانِبِ. وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ إلَخْ إلى النِّكاحِ المَعْنَوِيِّ وهو أنْ يُوَدِّعَ الشَّيْخَ الكامِلَ في رَحِمِ القَلْبِ مِن صُلْبِ الوِلايَةِ نُطْفَةَ اسْتِعْدادِ قَبُولِ الفَيْضِ الإلَهِيِّ. وقَدْ أُشِيرُ إلى هَذا الِاسْتِعْدادِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ أيْ لِيُحْفَظْ ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ شَيْخًا في الحالِ أرْحامُ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَصَرُّفاتِ الدُّنْيا والهَوى والشَّيْطانِ ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بِأنْ يُوَفِّقَ لَهم شَيْخًا كامِلًا أوْ يَخُصُّهم سُبْحانَهُ بِجَذْبَةٍ مِن جَذَباتِهِ، وأُشِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ إلَخْ إلى أنَّ المُرِيدَ إذا طَلَبَ الخَلاصَ عَنْ قَيْدِ الرِّياضَةِ لَزِمَ إجابَتَهُ إنْ عُلِمَ فِيهِ الخَيْرُ وهو التَّوْحِيدُ والمَعْرِفَةُ والتَّوَكُّلُ والرِّضا والقَناعَةُ وصِدْقُ العَمَلِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ ووَجَبَ أنْ يُؤْتِيَ بَعْضُ المَواهِبِ الَّتِي خَصَّها اللَّهُ تَعالى بِها الشَّيْخُ، وأُشِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا﴾ إلَخْ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا لَمْ تَكُنْ مائِلَةً إلى التَّصَرُّفِ في الدُّنْيا لَمْ تُكْرَهْ عَلَيْهِ. ولَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كَلامٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ وفِيما قَدَّمْنا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن هَذا البابِ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مِمّا يَدْخُلُ في عُمُومِهِ أهْلُ الطَّرِيقَةِ العَلِيَّةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الذِّكْرُ القَلْبِيُّ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وهَذا وإنْ ثَبَتَ لِغَيْرِهِمْ أيْضًا مِن أرْبابِ الطَّرائِقِ فَإنَّما يَثْبُتُ في النِّهاياتِ دُونَ المُبادِي كَما يَثْبُتُ لِأهْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ. وفي مَكْتُوباتِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ ما يُغْنِي عَنِ الإطالَةِ في شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ وبَيانِ مَنزِلَتِهِمْ في الذِّكْرِ والحُضُورِ بَيْنَ سائِرِ الأقْوامِ حَشَرَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاهم تَحْتَ لِواءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ إشارَةٌ لِما ورَدَ في حَدِيثِ ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِنهُ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ»» واللَّهُ تَعالى المُوَفَّقُ لِصالِحِ العَمَلِ.

النور 24:41

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ صفحة 187 لِلْإيذانِ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أفاضَ عَلَيْهِ أعْلى مَراتِبِ النُّورِ وأجْلاها وبَيَّنَ لَهُ مِن أسْرارِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ أدَقَّها وأخْفاها. وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو بَيانٌ لِلْآياتِ الَّتِي جَعَلَها نُورًا والخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَها عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ. وقِيلَ هي حَقِيقَةٌ في الأبْصارِ وإطْلاقُها عَلى العِلْمِ اسْتِعارَةٌ أوْ مُجازٌ لِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ألَمْ تَعْلَمْ بِالوَحْيِ أوْ بِالمُكاشَفَةِ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنَزِّهُهُ آنًا فَآنًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ مِن نَقْصٍ أوْ خَلَلٍ تَنْزِيهًا مَعْنَوِيًّا تَفْهَمُهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ جَمِيعُ مَن في السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ كائِنًا ما كانَ فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ مُرَكَّبًا كانَ أوْ بَسِيطًا فَهو مِن حَيْثُ ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأحْوالِهِ المُتَجَدِّدَةِ لَهُ يَدُلُّ عَلى صانِعِ واجِبِ الوُجُودِ مُتَّصِفٍ بِصِفاتِ الكَمالِ مُنَزَّهٍ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنٍ مِن شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى كَمالِ قُوَّةِ تِلْكَ الدَّلالَةِ وغايَةِ وُضُوحِها حَيْثُ عَبَّرَ عَنْها بِما يَخُصُّ العُقَلاءَ مِنَ التَّسْبِيحِ الَّذِي هو أقْوى مَراتِبِ التَّنْزِيهِ وأظْهَرِها تَنْزِيلًا لِلِسانِ الحالِ مَنزِلَةَ لِسانِ المَقالِ وتَخْصِيصُ التَّنْزِيهِ بِالذِّكْرِ مَعَ دَلالَةِ ما فِيهِما عَلى اتِّصافِهِ تَعالى بِنُعُوتِ الكَمالِ أيْضًا لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِتَقْبِيحِ حالِ الكَفَرَةِ في إخْلالِهِمْ بِالتَّنْزِيهِ بِجَعْلِهِمُ الجَماداتِ شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ونِسْبَتُهم إيّاهُ عَزَّ وجَلَّ إلى اتِّخاذِ الوَلَدِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، وإطْلاقُ مَن عَلى العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، ولا يُغْنِي عَنِ اعْتِبارِهِ أوِ اعْتِبارِ مَجازٍ مِثْلِهِ إسْنادُ التَّسْبِيحِ المُخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ التَّسْبِيحَ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِتَسْبِيحِ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ويُسَمّى عُمُومَ المَجازَ. ورَدَ بِأنَّ بَعْضًا مِنَ العُقَلاءِ وهُمُ الكَفَرَةُ مِنَ الثِّقْلَيْنِ لا يُسَبِّحُونَهُ بِذَلِكَ المَعْنى قَطْعًا وإنَّما تَسْبِيحُهم ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ الَّتِي يُشارِكُهم فِيها غَيْرُ العُقَلاءِ أيْضًا. وفي ذَلِكَ مِن تَخْطِئَتِهِمْ وتَعْبِيرِهِمْ ما فِيهِ، والقَوْلُ بِأنَّ الكَفَرَةَ يُسَبِّحُونَ كالمُؤْمِنِينَ لَكِنْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ كَما قالَ الحَلّاجُ: جُحُودِي لَكَ تَقْدِيسٌ مِمّا لا يَقْبَلُهُ ذَوُو العُقُولِ وحَرِيٌّ بِأنْ لا يَكُونَ مِنَ المَقْبُولِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَتْ مَن لِلتَّغْلِيبِ يَنْدَرِجُ في عُمُومِها العُقَلاءُ المُطِيعُونَ والعُقَلاءُ العاصُونَ وغَيْرُ العُقَلاءِ مُطْلَقًا فَيَحْمِلُ التَّسْبِيحَ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ ما ذُكِرَ وأيُّ مانِعٍ مِن ذَلِكَ وهو كَما تَرى. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ إبْقاءَ التَّسْبِيحِ عَلى ظاهِرِهِ وتَخْصِيصَ مَن بِالعُقَلاءِ المُطِيعِينَ وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى. ﴿والطَّيْرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ( مَن ) وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ عَلَيْهِ مَعَ انْدِراجِها في جُمْلَةِ ما في الأرْضِ لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ قَرارِها فِيها واسْتِقْلالِها بِصُنْعٍ بارِعٍ وإنْشاءٍ رائِعٍ قُصِدَ بَيانُ تَسْبِيحِها مِن تِلْكَ الجِهَةِ لِوُضُوحِ أنْبائِها عَنْ كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها ولُطْفِ تَدْبِيرِ مُبْدِعِها حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ تَسْبِيحِهِ الطَّيْرِ أيْ حالِ كَوْنِها صافّاتٍ أجْنِحَتِها فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى لِلْأجْرامِ الثَّقِيلَةِ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الوُقُوفِ في الجَوِّ والحَرَكَةِ كَيْفَ شاءَ مِنَ الأجْنِحَةِ والأذْنابِ الخَفِيفَةِ وإرْشادُها إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِها بِالقَبْضِ والبَسْطِ والتَّحْرِيكِ يَمِينًا وشِمالًا ونَحْوِ ذَلِكَ حُجَّةً واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ المُجِيدِ، وغايَةُ حِكْمَةِ المُبْدِئِ المُعِيدِ، والعَطْفُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ عَلى ( مَن ) أيْضًا وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّ تَسْبِيحَها حَقِيقِيٌّ وظاهِرَهُ أنَّهُ عَلى نَحْوِ تَسْبِيحِ العُقَلاءِ مِنَ الثِّقْلَيْنِ، ولَعَلَّ مُلْتَزِمَ ذَلِكَ لا يَلْتَزِمُ وُجُوبَ كَوْنِ التَّسْبِيحِ الحَقِيقِيِّ بِالألْفاظِ المَأْلُوفَةِ لَنا وإلّا لا يَتَسَنّى القَوْلُ بِأنَّ تَسْبِيحَها حَقِيقِيٌّ مَعَ هَذا الوُجُوبِ لِفَقْدِ الألْفاظِ المَأْلُوفَةِ لَنا مِنها، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صفحة 188 تَعالى ألْهَمَ الطَّيْرُ تَسْبِيحًا مَخْصُوصًا يَلِيقُ بِها هو غَيْرُ التَّسْبِيحِ الحالِيِّ الَّذِي هو الدَّلالَةُ السّابِقَةُ ويُقَدِّرُ فِعْلَ رافِعٍ لَها يُرادُ مِنهُ ذَلِكَ المَعْنى المُلْهَمُ أيْ ويُسَبِّحُ الطَّيْرُ، وتَخْصِيصُ تَسْبِيحِها بِذَلِكَ المَعْنى بِالذِّكْرِ لِما أنَّ أصْواتَها أظْهَرُ وُجُودًا وأقْرَبُ حَمْلًا عَلى التَّسْبِيحِ لَكِنَّ التَّقْيِيدَ بِالحالِ عَلى هَذا حالُهُ في الحَسَنِ دُونَ حالِهِ عَلى ما سَبَقَ. وقَرَأ الأعْرَجُ «والطَّيْرُ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ «والطَّيْرُ صافّاتٍ» بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ، والظّاهِرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ كَمالِ عَراقَةِ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذَكَرَ مِنَ الطَّيْرِ وما انْدَرَجَ في عُمُومِ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في التَّنْزِيهِ ورُسُوخِ قَدَمِهِ فِيهِ بِتَمْثِيلِ حالِهِ بِحالِ مَن يَعْلَمُ ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الأفاعِيلِ فَيَفْعَلُها عَنْ قَصْدٍ ونِيَّةٍ لا عَنِ اتِّفاقٍ بِلا رَوِيَّةٍ، وقَدْ أدْمَجَ سُبْحانَهُ في تَضاعِيفِهِ الإشارَةَ إلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مَعَ ما ذَكَرَ مِنَ التَّنْزِيهِ حاجَةً ذاتِيَّةً إلَيْهِ تَعالى واسْتِفاضَةً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِما يُهِمُّهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ في حَدِّ ذاتِهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ لَكِنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكِمالاتِ ابْتِداءً وبَقاءً فَهو مُسْتَفِيضٌ مِنهُ تَعالى عَلى الِاسْتِمْرارِ فَيَفِيضُ عَلَيْهِ في كُلِّ آنٍ مِن فُنُونِ الفَيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيَّنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لانْعَدَمَ بِالمَرَّةِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الِاسْتِفاضَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي الدُّعاءُ والِابْتِهالُ لِتَكْمِيلِ التَّمْثِيلِ، وتَقْدِيمُها عَلى التَّسْبِيحِ في الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْهِ في الرُّتْبَةِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، والكَلامُ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ والمُضافُ إلَيْهِ الَّذِي نابَ عَنْهُ تَنْوِينُ ﴿كُلٌّ﴾ ما يَشْمَلُ المَذْكُورَ المُصَرِّحَ بِهِ والمُنْدَرِجَ تَحْتَ العُمُومِ حَتّى الجَمادِ وضَمِيرُ ﴿عَلِمَ﴾ وكَذا ضَمِيرًا ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِكُلٍّ واحِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَكُونُ في ﴿عَلِمَ﴾ عَلى ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً وقالَ في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّهُ يُشَبِّهُ دَلالَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ عَلى الحَقِّ بِلِسانِ الحَقِّ والمَقالِ ومَيْلِ كُلٍّ مِنهم إلى النَّفْعِ اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا بِعِلْمِ التَّسْبِيحِ والصَّلاةِ فَيُطْلِقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الدَّلالَةِ والمَيْلِ اسْمَ العَلَمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ويُشْتَقُّ مِنهُ لَفْظَ عِلْمٍ، ومِن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ لا يَرْتَضِيهِ، وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الصَّلاةُ مَجازًا عَنِ المَيْلِ والتَّسْبِيحِ مَجازًا عَنِ الدَّلالَةِ ومَعَ هَذا قِيلَ إنَّهُ وإنْ صَحَّ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلتَّمْثِيلِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الأوْلى أنْ يَجْعَلَ المُضافَ إلَيْهِ غَيْرُ شامِلٍ لِلْجَمادِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلْمَفْعُولِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِمّا في السَّمَواتِ والأرْضِ ويَكُونُ ضَمِيرُ ﴿عَلِمَ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ والعِلْمُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الإدْراكِ ويُرادُ بِما نابَ عَنْهُ التَّنْوِينُ أنْواعَ الطَّيْرِ أوْ أفْرادَها وبِالصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ ما ألْهَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ المَخْصُوصِينَ بِهِ، ولا بُعْدَ في هَذا الإلْهامِ فَقَدْ ألْهَمَ سُبْحانَهُ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ عُلُومًا دَقِيقَةً لا يَكادُ يَهْتَدِي إلَيْها جَهابِذَةُ العُقَلاءِ وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ أصْلًا كَيْفَ لا وأنَّ القُنْفُذَ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ الحَيَواناتِ مِنَ الإدْراكِ قالُوا: إنَّهُ يُحِسُّ بِالشَّمالِ والجَنُوبِ قَبْلَ هُبُوبِهِما فَيُغَيِّرُ المُدْخَلَ إلى جُحْرِهِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا لِبَيانِ كَمالِ الرُّسُوخِ في الأمْرَيْنِ وأنَّ صُدُورَهُما عَنِ الطَّيْرِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ بِلا رَوِيَّةٍ بَلْ عَنْ عِلْمِ وإتْقانِ نَظِيرِ ما مَرَّ لَكِنْ لا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وقُدِّرَ فِعْلٌ رافِعٌ لِلطَّيْرِ صفحة 189 عَلَيْهِ أيْ ويُسَبِّحُ الطَّيْرُ كَما تَقَدَّمَ ولَمْ تُجْعَلْ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿مَن﴾ مَرْفُوعَةً بِرافِعِها قِيلَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِلتَّسْبِيحِ المَقالِيِّ والحالِيِّ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ، وجَوَّزَ جَعْلَ ما نابَ عَنْهُ التَّنْوِينُ ما يَشْمَلُ الطَّيْرَ وغَيْرَهُ مِنَ المُنْدَرِجِ في العُمُومِ السّابِقِ، وفِيهِ أنَّ مِمّا انْدَرَجَ في العُمُومِ الجَمادُ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ العِلْمُ وإنْ كانَ بِمَعْنًى مُطْلَقِ الإدْراكِ والتَزَمَ أنَّ لَهُ عِلْمًا وأنَّهُ سُبْحانَهُ ألْهَمَهُ صَلاةً وتَسْبِيحًا لائِقِينَ بِهِ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ في سُورَةِ الإسْراءِ فَتَذَكَّرْ. وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ العِلْمِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أنْ يَكُونَ عَطْفُ التَّسْبِيحِ عَلى الصَّلاةِ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَما المانِعُ مِن قَبُولِهِ عَلى التَّقْدِيرِ السّابِقِ مِن جَعْلِ الِاسْتِعارَةِ تَمْثِيلِيَّةً، نَعَمْ يَفُوتُ حِينَئِذٍ الإدْماجُ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ فِيما مَرَّ وهو لَيْسَ بِمانِعٍ، والحَقُّ أنَّ احْتِمالَ التَّفْسِيرِ بَعِيدٌ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ بَلْ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ ما يَفُوتُ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي يَفْعَلُونَهُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و (ما إمّا عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالفِعْلِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلَ الكَلامِ، وأمّا عِبارَةٌ عَنْها وعَنِ التَّسْبِيحِ الخاصِّ بِالطَّيْرِ مَعًا أوْ عَنْ تَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ فالفِعْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ وإسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما مَرَّ، والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرٌ لِتَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ وعَلى الأوَّلِينَ لِتَسْبِيحِ الكُلِّ، وإمّا عِبارَةٌ عَنِ الأعَمِّ مِنَ الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ وغَيْرِهِما مِنَ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَمَّنْ في السَّمَواتِ والأرْضِ والأحْوالِ العارِضَةِ لَهُ والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ أيِ اللَّهِ تَعالى صَلاتُهُ وتَسْبِيحُهُ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ والإسْنادُ إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لا يَخْفى، ولِتَعَدُّدِ الأوْجُهِ فِيما مَرَّ تَعَدَّدَتِ الِاحْتِمالاتُ هُنا فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلامٌ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَفْعَلُونَ» بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ كَما قِيلَ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ ولَعَلَّ الظّاهِرَ أنَّ الخِطابَ فِيهِ لِلْكَفَرَةِ، ورُبَّما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَهم أيْضًا عَلى أنَّ المُرادَ بِالجُمْلَةِ تَخْوِيفُهم لِإعْراضِهِمْ عَنْ تَسْبِيحِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمَّنْ أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا إلّا أنَّ في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ نَوْعَ تَأْيِيدٍ لَهُ.

النور 24:42

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا لِغَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الخالِقُ لَهُما ولِما فِيهِما مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ وهو المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِها إيجادًا وإعْدامًا إبْداءً وإعادَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً لا إلى غَيْرِهِ أصْلًا ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ رُجُوعِ الكُلِّ بِالفَناءِ والبَعْثِ بَيانٌ لِاخْتِصاصِ المَلِكِ بِهِ تَعالى في المُنْتَهى إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِهِ بِهِ تَعالى في المُبْتَدَإ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ لِبَيانِ أنَّ ما يُرى مِن ظُهُورِ بَعْضِ الآثارِ عَلى أيْدِي المَخْلُوقاتِ لا يُنافِي الحَصْرَ السّابِقَ بِإفادَةِ أنَّ الِانْتِهاءَ إلَيْهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ ويَكْفِي ذَلِكَ في الحَصْرِ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

النور 24:43

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ إلَخْ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَهُ والتَّنْوِيرُ والإزْجاءُ لَهُ سَوْقُ الشَّيْءِ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ، وقِيلَ: سَوَّقَ الثَّقِيلَ بِرِفْقٍ وغَلَبَ عَلى ما ذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في سَوْقِ شَيْءٍ يَسِيرٍ أوْ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ، ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ أيِ المَسُوقَةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلى قِلَّةٍ وضَعْفٍ، وقِيلَ: أيُ الَّتِي تُزْجى أيْ تُدْفَعُ لِلرَّغْبَةِ عَنْها، وفي التَّعْبِيرِ بِيَزْجِي عَلى ما ذُكِرَ إيماءٌ إلى أنَّ السَّحابَ صفحة 190 بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ واحِدُهُ سَحابُهُ، والمَعْنى كَما في البَحْرِ يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ بِأنْ يُوَصِّلَ سَحابَةً بِسَحابَةٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: السَّحابُ واحِدٌ كالعَماءِ والمُرادُ يُؤَلِّفُ بَيْنَ أجْزائِهِ وقِطَعِهِ وهَذا لِأنَّ بَيْنَ لا تُضافُ لِغَيْرِ مُتَعَدِّدٍ وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَحْصُلُ التَّعَدُّدُ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ: بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ، واسْتَغْنى بَعْضُهم عَنْهُ بِجَعْلِ السَّحابِ اسْمِ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ عَلى ما سَمِعْتَ. وقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ «يُولِفُ» غَيْرَ مَهْمُوزٍ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أيْ مُتَراكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ المَطَرِ شَدِيدًا كانَ أوْ ضَعِيفًا إثْرَ تَراكُمِهِ وتَكاثُفِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَجِيلَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ فَسَّرَ الوَدْقَ بِالبَرْقِ ولَمْ نَرَهُ لِغَيْرِهِ والَّذِي رَأيْناهُ في مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وكُتُبِ اللُّغَةِ أنَّهُ المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيْ مِن فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّراكُمِ والِانْعِصارِ وهو جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ كَحِجابٍ وحِجازٍ، وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ والضَّحّاكِ ومُعاذٍ العَنْبَرِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيِّ مِن «خَلَّلَهُ» والمُرادُ حِينَئِذٍ الجِنْسُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿الوَدْقَ﴾ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وفي تَعْقِيبِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِرُؤْيَتِهِ خارِجًا لا بِخُرُوجِهِ مِنَ المُبالَغَةِ في سُرْعَةِ الخُرُوجِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: فَقُلْنا ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشُّعَراءُ: 63] ومِنَ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ ما لا يَخْفى ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ مِنَ السَّحابِ فَإنَّ كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، وكَأنَّ العُدُولَ عَنْهُ إلى السَّماءِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ لِلسُّمُوِّ مَدْخَلًا فِيما يَنْزِلُ بِناءً عَلى المَشْهُورِ في سَبَبِ تَكَوُّنِ البَرْدِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها جِهَةُ العُلُوِّ ولِلْإيماءِ المَذْكُورِ ذُكِرَتْ مَعَ التَّنْزِيلِ ﴿مِن جِبالٍ﴾ أيْ مِن قِطَعِ عِظامٍ تُشْبِهُ الجِبالَ في العَظْمِ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ نارًا [الكَهْفُ: 96] والمُرادُ بِها قِطَعُ السَّحابِ، ومِنَ الغَرِيبِ الَّذِي لا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ كَما في الدُّرَرِ والغَرَرِ الرَّضَوِيَّةِ قَوْلُ الأصْبِهانِيِّ: إنَّ الجِبالَ ما جَبَلَهُ اللَّهُ تَعالى أيْ خَلَقَهُ مِنَ البَرْدِ ﴿فِيها﴾ أيْ في السَّماءِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَرَدٍ﴾ وهو مَعْرُوفٌ، وسُمِّيَ بَرْدًا لِأنَّهُ يُبَرِّدُ وجْهَ الأرْضِ أيْ يُقَشِّرُهُ مِن بَرَّدْتَ الشَّيْءَ بِالمِبْرَدِ مَفْعُولُ ( يُنَزِّلُ ) عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ والأُولَيانِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الثّانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ أيْ يُنَزِّلُ مُبْتَدَأٌ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ كائِنَةٍ فِيها بَعْضُ بَرْدٍ أوْ بَرْدًا. وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ مِنَ الثّانِيَةِ لِلتَّبْعِيضِ كالثّالِثَةِ مَعَ قَوْلِهِ بِالبَدَلِيَّةِ وهو خَطَأٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: مِنَ الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ أيْضًا والثّالِثَةُ لِلْبَيانِ أيْ يَنْزِلُ مُبْتَدَأٌ مِنَ السَّماءِ بَعْضُ جِبالٍ أوْ جِبالًا كائِنَةً فِيها الَّتِي هي بَرْدٌ فالمَنزِلُ بَرْدٌ، عَنِ الأخْفَشِ أنَّ ﴿مِن﴾ الثّانِيَةَ ومِنَ الثّالِثَةَ زائِدَتانِ وكُلٌّ مِنَ المَجْرُورَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ أمّا الأوَّلُ فَعَلى المَفْعُولِيَّةِ لِيَنْزِلَ وأمّا الثّانِي فَعَلى البَدَلِيَّةِ مِنهُ أيْ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا لا بَرْدًا ومَآلُهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بَرْدًا. وقالَ الفِراءُ: هُما زائِدَتانِ إلّا أنَّ المَجْرُورَ بِأُولاهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ والمَجْرُورُ بِثانِيَتِهِما في مَوْضِعِ رَفْعٍ إمّا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ( وفِيها ) خَبَرُهُ والضَّمِيرُ مِن ﴿فِيها﴾ لِلْجِبالِ أيْ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا في تِلْكَ الجِبالِ بَرْدٌ لا شَيْءَ آخِرَ مِن حَصًى وغَيْرِهِ، وإمّا عَلى أنَّهُ فاعِلُ ﴿فِيها﴾ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلى المَوْصُوفِ أعْنِي الجِبالَ وضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْها أيْضًا. والمُرادُ بِالجِبالِ عَلى غَيْرِ ما قَوْلِ الكَثْرَةِ مَجازًا وقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُها فِيها كَذَلِكَ في قَوْلِ ابْنِ مُقْبِلٍ: صفحة 191 إذا مِتُّ عَنْ ذِكْرِ القَوافِي فَلَنْ تَرى لَها شاعِرًا مِنِّي أطْلُبُ وأشْعَرا وأكْثَرُ بَيْتًا شاعِرٍ ضُرِبَتْ لَهُ ∗∗∗ بُطُونُ جِبالِ الشِّعْرِ حَتّى تُيَسِّرا ويُقالُ: عِنْدَهُ جَبَلٌ مِن ذَهَبٍ وجَبَلٌ مَن عِلْمٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ المُظِلَّةُ وبِالجِبالِ حَقِيقَتُها قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في السَّماءِ جِبالًا مَن بَرْدٍ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالًا مَن حَجَرٍ ولَيْسَ في العَقْلِ ما يَنْفِيهِ مِن قاطِعٍ فَيَجُوزُ إبْقاءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها كَما قِيلَ، والمَشْهُورُ بَيْنَ أهْلِ الحِكْمَةِ أنَّ انْبِعاثَ قَوى السَّماوِيّاتِ وأشَعَّتِها قَدْ يُوجِبُ تَصْعِيدَ أجْسامٍ لَطِيفَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الماءِ مُمْتَزِجَةٍ مَعَ الهَواءِ وهي الَّتِي سُمِّيَ بُخارًا ولِثِقْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّخانِ لِرُطُوبَتِهِ ويَبِسِ الدُّخانِ يَقِفُ في حَيِّزِ الهَواءِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ واصِلًا إلَيْهِ الحَرارَةُ الكائِنَةُ مِنَ الشُّعاعِ المُنْعَكِسِ عَنْ جَرْمِ الأرْضِ ويَكُونُ مُتَباعِدًا عَنِ المُتَسَخِّنِ بِحَرارَةِ النّارِ فَيَبْقى في الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ فَيَبْرُدُ ويَتَكاثَفُ بِالتَّصاعُدِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَرْتَكِمْ مِنهُ سَحابٌ فَيُقَطِّرُ مَطَرًا إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ ويَتَفَرَّقُ بَعْضُهُ لِبَقائِهِ عَلى صُورَتِهِ الهَوائِيَّةِ واسْتِحالَةُ ما قُطِّرَ إلى صُورَتِهِ المائِيَّةِ فَإنْ طالَتْ مَسافَتُها اتَّصَلَتْ فَكانَتْ قَطَراتُها أكْبَرَ وإنِ اشْتَدَّ البَرْدُ عَلَيْها صارَتْ بَرْدًا أوْ نَزَلَتْ ثَلْجًا وامْتَنَعَ تَصاعُدُ البُخارِ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْرُدُ وجْهُ الأرْضِ مَعَ بَرْدِ الجَوِّ فَيَكُونُ مِن ذَلِكَ البَرْدُ القَوِيُّ فَإنْ صادَفَ رِيحًا اشْتَدَّ البَرْدُ لِإزالَتِها البُخارُ الأرْضِيُّ وإنْ لَمْ يُصادِفْ رِيحًا أذابَ البُخارُ الثَّلْجَ وسَخُنَ وجْهُ الأرْضِ، وذَكَرُوا أنَّهُ كُلَّما طالَتِ المَسافَةُ حَتّى اتَّصَلَتْ وكَبُرَتِ القَطَراتُ وصادَفَ البَرْدُ كانَ البَرْدُ أكْبَرَ مِقْدارًا وقَدْ يَنْعَقِدُ المَطَرُ بَرْدًا داخِلَ السَّحابِ ثُمَّ يَنْزِلُ وذَلِكَ في الرَّبِيعِ عِنْدَ ما يُصِيبُهُ سُخُونَةٌ مِن خارِجِهِ فَتُبْطِنُ البُرُودَةُ في داخِلِهِ عِنْدَ انْحِلالِهِ قَطَراتٍ فَيَجْمُدُ وقَدْ يَكُونُ البُخارُ أكْثَرَ تَكاثُفًا فَلا يَقْوى عَلى الِارْتِفاعِ ويَبْرُدُ بِسُرْعَةٍ بِما يُوافِيهِ مِن بَرْدِ اللَّيْلِ لِعَدَمِ الشُّعاعِ، ولَيْسَ بِحَيْثُ يَصِيرُ سَحابًا فَيَكُونُ مِنهُ الظِّلِّ وقَدْ يَجْمُدُ في الأعالِي قَبْلَ تَراكُمِهِ فَيَكُونُ مِنهُ الصَّقِيعُ وقَدْ يَتَكاثَفُ الهَواءُ لِإفْراطِ البَرْدِ فَيَنْعَقِدُ سَحابًا ويُمْطِرُ بِحالِهِ، والحَقُّ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلى إرادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ والأسْبابِ الَّتِي ذُكِرَتْ عادِيَّةً ولا أرى بَأْسًا بِالقَوْلِ بِذَلِكَ وبِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ الأسْبابِ القُوى السَّماوِيَّةُ وأشِعَّتُها صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْزالَ مُبْتَدَأٌ مِنَ السَّماءِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ في الكَلامِ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى ما يُوافِقُ المَشْهُورَةَ لا يَخِلُّ بِجَزالَتِها بَلْ هي عَلَيْهِ أجْزَلُ وعَنْ شُكُوكِ العَوامِّ أبْعَدُ لا سِيَّما أهْلِ الجِبالِ الَّذِينَ قَدْ يُمْطِرُونَ ويَنْزِلُ عَلى أرْضِهِمُ البَرْدُ وهم فَوْقَ الجِبالِ في الشَّمْسِ ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أيْ بِما يَنْزِلُ مِنَ البَرْدِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ يُصِيبُهُ فَيَنالُهُ ما يَنالُهُ مِن ضَرَرٍ في مالِهِ ونَفْسِهِ ﴿ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْهُ فَيَنْجُو مِن غائِلَتِهِ، ورُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ إلى البَرْدِ هو الظّاهِرُ. وفِي البَحْرِ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُما إلى ﴿الوَدْقَ﴾ والبَرَدِ وجَرى فِيهِما مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ فَيُصِيبُ بِذَلِكَ ويَصْرِفُ ذَلِكَ والمَطَرُ أغْلَبُ في الإصابَةِ والصَّرْفِ وأبْلَغُ في المَنفَعَةِ والِامْتِنانِ اهْـ وفِيهِ بَعْدٌ ومَنعٌ ظاهِرٌ. ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ أيْ ضَوْءِ بَرْقِ السَّحابِ المَوْصُوفِ بِما مَرَّ مِنَ الإزْجاءِ والتَّأْلِيفِ وغَيْرِهِما، وإضافَةُ البَرْقِ إلَيْهِ قَبْلَ الإخْبارِ بِوُجُودِهِ فِيهِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أمْرِهِ واسْتِغْنائِهِ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ وعَلى ما سَمِعْتُ عَنْ أبِي بَجِيلَةَ لا يَحْتاجُ إلى هَذا ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى البَرْدِ أيْ بَرْقِ البَرْدِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في حَقِيقَةِ البَرْقِ فَتَذَكَّرْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ «سَناءً» مَمْدُودًا «بَرْقُهُ» بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ جَمْعُ بَرْقَةٍ بِضَمِّ الباءِ وهي المِقْدارُ صفحة 192 مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ. واللُّقْمَةُ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ «بَرْقَهُ» بِضَمِّ الباءِ والرّاءِ أتْبَعُ حَرَكَةَ الرّاءِ لِحَرَكَةِ الباءِ كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في ﴿ظُلُماتٌ﴾ والسَّناءُ مَمْدُودًا بِمَعْنى العُلُوِّ وارْتِفاعِ الشَّأْنِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ قُوَّةِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ «يَكادُ سَنا» بِإدْغامِ الدّالِّ في السِّينِ ﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ أيْ يَخْطِفُها مِن فَرْطِ الإضاءَةِ وسُرْعَةِ وُرُودِها وفي إطْلاقِ الأبْصارِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ لِأمْرِهِ وبَيانٍ لِشِدَّةِ تَأْثِيرِهِ فِيها كَأنَّهُ يَكادُ يَذْهَبُ بِها ولَوْ عِنْدَ الإغْماضِ وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَوْلِيدٌ لِلضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «يَذْهَبُ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ إلى تَخْطِئَتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ قالا: لِأنَّ الباءَ تُعاقِبُ الهَمْزَةَ، ولا يَجُوزُ اجْتِماعُ أداتِي تَعْدِيَةٍ، وقَدْ أُخْطِئا في ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْرَأ إلّا بِما رُوِيَ وقَدْ أخَذَ القِراءَةَ عَنْ ساداتِ التّابِعِينَ الآخِذِينَ عَنْ جُلَّةِ الصَّحابَةِ أبِيّ وغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولَمْ يَنْفَرِدْ هو بِها كَما زَعَمَ الزَّجّاجُ بَلْ قَرَأ أيْضًا كَذَلِكَ شَيْبَةُ وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ الباءِ أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ وعَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مِن كَما في قَوْلِهِ: فَلَثَمَتْ فاهًا قابِضًا بِقَوْرَنِها ∗∗∗ شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ يَذْهَبُ النُّورُ مِنَ الأبْصارِ، وأجازَ الحَرِيرِيُّ كَما نُقِلَ عَنْهُ الطَّيِّبِيُّ الجَمْعَ بَيْنَ أداتَيْ تَعْدِيَةٍ.

النور 24:44

﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ بِإتْيانِ أحَدِهِما بَعْدَ الآخَرِ أوْ بِنَقْصِ أحَدِهِما وزِيادَةِ الآخَرِ أوْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِما بِالحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِهِما مِمّا يَقَعُ فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ مِن إزْجاءِ السَّحابِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الحِكْمَةِ فِيما مَرَّ، وعَلى الأوَّلَيْنِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَتَعاصاهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإزْجاءِ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ وأسْقَطَ حَرْفَ العَطْفِ لِقَصْدِ التَّعْدادِ وهو كَما تَرى ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ آنِفًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ لِدَلالَةٍ واضِحَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ العَلِيِّ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى الوَحْدَةِ بِواسِطَةِ بُرْهانِ التَّمانُعِ وإلّا فَفِيهِ خَفاءٌ بِخِلافِ دَلالَتِهِ عَلى ما عَدا ذَلِكَ فَإنَّها واضِحَةٌ ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن لَهُ بَصِيرَةٌ يُراجِعُها ويَعْلَمُها فالأبْصارُ هُنا جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى البَصِيرَةِ بِخِلافِها فِيما سَبَقَ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى البَصَرِ الظّاهِرِ كَما هو المُتَبادِرُ مِنهُ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ البَصائِرِ لِلْإيذانِ بِوُضُوحِ الدَّلالَةِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ذَهابَ حَسَنِ التَّجْنِيسِ وارْتِكابِ ما هو كالإيطاءِ، واشْتُهِرَ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ جِناسٌ تامٌّ غَيْرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الرُّومُ: 55] وفِيهِ كَلامٌ نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ ناشِئٌ عِنْدَ مَن دَقَّقَ النَّظَرَ مِن عَدَمِ الإتْقانِ، واسْتَنْبَطَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ حَجْرِ العَسْقَلانِيِّ مَوْضِعًا آخَرَ وهو هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وهو لا يَتِمُّ إلّا عَلى ما قُلْنا، وأشارَ إلَيْهِ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ ولَعَلَّ مَنِ اخْتارَ المُتَبادِرَ راعى أنَّ حَسَنَ تِلْكَ الإشارَةِ فَوْقَ حَسَنِ التَّجْنِيسِ فَتَأمَّلْ.

النور 24:45

﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ أيْ كُلِّ حَيَوانٍ يَدُبُّ عَلى الأرْضِ وأدْخَلُوا في ذَلِكَ الطَّيْرَ والسَّمَكَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أنَّ المَلائِكَةَ والجِنَّ صفحة 193 يَدْخُلُونَ في عُمُومِ الدّابَّةِ، ولَعَلَّها عِنْدَهُ كُلُّ ما دَبَّ وتَحَرَّكَ مُطْلَقًا ومُعْظَمُ اللُّغَوِيِّينَ يُفَسِّرُها بِما سَمِعْتُ، والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ لا لِلتَّأْنِيثِ، وقِيلَ دابَّةٌ واحِدٌ دابٌّ كَخائِنَةٍ وخائِنٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ «خالِقٌ» اسْمُ فاعِلٍ «كُلُّ دابَّةٍ» بِالجَرِّ بِالإضافَةِ ﴿مِن ماءٍ﴾ هو جُزْءُ مادَّتِهِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِ مَزِيدِ احْتِياجِ الحَيَوانِ بَعْدَ كَمالِ تَرْكِيبِهِ إلَيْهِ وأنَّ امْتِزاجَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ بِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ أوْ ماءٍ مَخْصُوصٍ هو النُّطْفَةُ فالتَّنْكِيرُ عَلى الأوَّلِ لِلْإفْرادِ النَّوْعِيِّ، وعَلى الثّانِي لِلْإفْرادِ الشَّخْصِيِّ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِما لِذَلِكَ، وكَلِمَةُ ﴿كُلَّ﴾ عَلى الثّانِي لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القِصَصُ: 57] لِأنَّ مِنَ الدَّوابِّ ما يَتَوَلَّدُ لا عَنْ نُطْفَةٍ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها عَلى الأوَّلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى شُمُولِ الدّابَّةِ لِلْمَلائِكَةِ المَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ ولِلْجِنِّ المَخْلُوقِينَ مِن نارٍ، وادَّعى أيْضًا أنَّ مِنَ الإنْسِ مَن لَمْ يُخْلَقْ مِن ماءٍ أيْضًا وهو آدَمُ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّ الأوَّلَ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ والثّانِي خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يُعْتَبَرَ العُمُومُ في «كُلٍّ» ويُرادَ بِالدّابَّةِ ما يُخْلَقُ بِالتَّوالُدِ بِقَرِينَةٍ مِن ماءِ أيْ نُطْفَةٍ وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ ما مِن شَيْءٍ دابَّةٍ كانَ أوْ غَيْرِهِ إلّا وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ فَهو أصْلُ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ لِما رُوِيَ «أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةً فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ وخَلَقَ مِنها الخَلْقَ»، وأيًّا ما كانَ فَمِن مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلْقٍ، وقالَ القَفّالُ واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِدابَّةٍ فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ كائِنَةً أوْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الماءِ فَعُمُومُ الدّابَّةِ عِنْدَهُ مُخَصَّصٌ بِالصِّفَةِ وعُمُومُ ﴿كُلَّ﴾ عَلى ظاهِرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقٍ وهو أوْفَقُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ، وتَنْكِيرُ الماءِ هُنا وتَعْرِيفُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنْبِياءُ: 30] لِأنَّ القَصْدَ هُنا إلى مَعْنى الإفْرادِ شَخْصًا أوْ نَوْعًا والقَصْدُ هُناكَ إلى مَعْنى الجِنْسِ وأنَّ حَقِيقَةَ الماءِ مَبْدَأُ كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيّاتِ والسَّمَكِ وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا مَعَ كَوْنِها زَحْفًا مَجازٌ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ القُدْرَةِ وأنَّها تَزْحَفُ بِلا آلَةٍ كَشِبْهِ المَشْيِ وأقْوى، ويَزِيدُ ذَلِكَ حَسَنًا ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ لِذِكْرِ الزّاحِفِ مَعَ الماشِينَ، ونَظِيرُ ما هُنا مِن وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحُ: 10] عَلى رَأْيِ ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ كالنِّعَمِ والوَحْشِ. والظّاهِرُ أنَّهُ المُرادُ أرْبَعُ أرْجُلٍ فَيُفِيدُ إطْلاقَ الرِّجْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوائِمِ ذَواتِ القَوائِمِ الأرْبَعِ وقَدْ جاءَ إطْلاقُ اليَدِ عَلَيْهِ وعَدَمِ ذِكْرِ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرِ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ وأُمِّ أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَشَراتِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها مَعَ الإشارَةِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ مِمّا ذَكَرَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرْ بَسِيطًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا عَلى ما يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفاعِيلِ. وزَعَمَ الفَلاسِفَةُ أنَّ اعْتِمادَ ما لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ مِنَ الحَيَوانِ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى ذَلِكَ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ وهو ظاهِرٌ في خِلافِ ما يَزْعُمُونَ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبَتْ قُرْآنًا، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في ( مِنهم ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ، وبُنِيَ عَلى تَغْلِيبِهِمْ في الضَّمِيرِ التَّعْبِيرُ بِمَن واقِعَةٍ عَلى ما لا يَعْقِلُ قالَهُ الرَّضِيُّ، وظاهَرُ بَعْضِ العِباراتِ يَشْعُرُ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ ولَيْسَ بِمُرادٍ بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ لَمّا شَمِلَ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى طَرِيقِ الِاخْتِلاطِ لَزِمَ اعْتِبارَ ذَلِكَ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلَيْهِ وتَغْلِيبُ العُقَلاءِ فِيهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ صفحة 194 لا تَغْلِيبَ في ﴿مِن﴾ الأُولى والثّالِثَةِ بَلْ هو في الثّانِيَةِ فَقَطْ، وقَدْ يُقالُ: لا تَغْلِيبَ في الثَّلاثَةِ بَعْدَ اعْتِبارِهِ في الضَّمِيرِ فَتَدَبَّرْ. وتَرْتِيبُ الأصْنافِ حَسْبَما رُتِّبَتْ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرِفُ في القُدْرَةِ ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنَ المَشْيِ عَلى البَطْنِ بِمَعْنى الزَّحْفِ مَجازًا كَما تَوَهَّمَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الخَلْقِ المَذْكُورِ والإيذانِ بِأنَّهُ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ، والإظْهارُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لِذَلِكَ أيْضًا مَعَ تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ.

النور 24:46

﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ لِكُلِّ ما يَلِيقُ بَيانُهُ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ والأسْرارِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ واضِحاتٍ في أنْفُسِها، وهَذا كالمُقَدَّمَةِ لِما بَعْدَهُ ولِذا لَمْ يَأْتِ بِالعاطِفِ فِيهِ كَما أتى سُبْحانَهُ بِهِ فِيما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [النُّورُ: 34] الآيَةُ، ومِنِ اخْتِلافِ المَساقِ يُعْلَمُ وجْهُ ذَكَرِ ( إلَيْكم ) هُناكَ وعَدَمُ ذِكْرِهِ هُنا. ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتُهُ بِتَوْفِيقِهِ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها والتَّدَبُّرِ لِمَعانِيها ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوَصِّلٌ إلى حَقِيقَةِ الحَقِّ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ.

النور 24:47

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ بَعْضِ مَن لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهم صِنْفٌ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِي سَبَقَ وصْفُ أعْمالِهِمْ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وقِيلَ نَزَلَتْ «فِي بِشْرِ المُنافِقِ دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنِهِما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعا هو اليَهُودِيَّ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ثُمَّ تَحاكَما إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِقَضائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: نَتَحاكَمُ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمّا ذَهَبا إلَيْهِ قالَ لَهُ اليَهُودِيُّ: قَضى لِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ فَقالَ عُمَرُ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ؟ فَقالَ: نَعَمْ فَقالَ: مَكانُكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما فَدَخَلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَيْتَهُ وخَرَجَ بِسَيْفِهِ فَضَرَبَ عُنُقَ ذَلِكَ المُنافِقِ حَتّى بَرُدَ وقالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ فَنَزَلَتْ»، وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ عَمَّرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَسُمِّيَ لِذَلِكَ الفارُوقَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خُصُومَةً في أرْضٍ فَتَقاسَما فَوَقَعَ لِعَلِيِّ ما لا يُصِيبُهُ الماءُ إلّا بِمَشَقَّةٍ فَقالَ المُغِيرَةُ: بِعْنِي أرْضَكَ فَباعَها إيّاهُ وتَقابَضا فَقِيلَ لِلْمُغَيَّرَةِ: أخَذْتَ سَبْخَةً لا يَنالُها الماءُ فَقالَ لعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: اقْبِضْ أرْضَكَ فَإنَّما اشْتَرَيْتُها إنْ رَضِيَتْها ولَمْ أرْضَها فَإنَّ الماءَ لا يَنالُها فَقالَ عَلَيٌّ: قَدِ اشْتَرَيْتَها ورَضِيتَها وقَبَضْتَها وأنْتَ تَعْرِفُ حالَها لا أقْبَلُها مِنكَ ودَعاهُ إلى أنْ يُخاصِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أمّا مُحَمَّدٌ فَلَسْتُ آتِيهِ فَإنَّهُ يُبْغِضُنِي وأنا أخافُ أنْ يَحِيفَ عَلَيَّ فَنَزَلَتْ، وعَلى هَذا وما قَبْلِهِ جَمْعُ الضَّمِيرِ لِعُمُومِ الحُكْمِ أوْ لِأنَّ مَعَ القائِلِ طائِفَةً يُساعِدُونَهُ ويُشايِعُونَهُ في تِلْكَ المَقالَةِ كَما في قَوْلِهِمْ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وإعادَةُ الباءِ لِلْمُبالَغَةِ في دَعْوى الإيمانِ وكَذا التَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِعُنْوانِ الرَّسُولِ وقَوْلُهم مَعَ ذَلِكَ ﴿وأطَعْنا﴾ أيْ وأطَعْنا اللَّهَ تَعالى والرَّسُولَ ﷺ في الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ أيْ يُعْرِضُ عَمّا يَقْتَضِيهِ هَذا القَوْلُ مِن قَبُولِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ ﴿فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنِ ادِّعاءِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِالرَّسُولِ ﷺ والطّاعَةُ لَهُما، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ أمْرًا مُعْتَدًّا بِهِ واجِبَ المُراعاةِ ( ﴿وما أُولَئِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿آمَنّا﴾ إلَخْ وهُمُ المُنافِقُونَ صفحة 195 جَمِيعُهم لا إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي مِنهم فَقَطْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والفَسادِ أيْ وما أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الإيمانَ والطّاعَةَ ثُمَّ يَتَوَلّى بَعْضُهُمُ الَّذِينَ يُشارِكُونَهم في العَقْدِ والعَمَلِ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً كَما يُعْرِبُ عَنْهُ اللّامُ أيْ لَيْسُوا بِالمُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينَ بِالإخْلاصِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، ونَفِيُ الإيمانِ بِهَذا المَعْنى عَنْهم مُقْتَضٍ لِنَفْيِهِ عَنِ الفَرِيقِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ ولِذا اخْتِيرَ كَوْنُ الإشارَةِ إلَيْهِمْ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلْفَرِيقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمْ فَرِيقٌ مُنافِقُونَ، وضَمِيرُ ( يَقُولُونَ ) لِلْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، والحُكْمُ عَلى أُولَئِكَ الفَرِيقِ بِنَفْيِ الإيمانِ لِظُهُورِ أمارَةِ التَّكْذِيبِ الَّذِي هو التَّوَلِّي مِنهُمْ، ( وثُمَّ ) عَلى هَذا حَسْبَما قَرَّرَهُ الطَّيِّبِيُّ لِلِاسْتِبْعادِ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ يَدْخُلُونَ في زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ آمِنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يُعْرِضُونَ ويَتَجاوَزُونَ عَنِ الفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ ويَرْغَبُونَ عَنْ تِلْكَ المَقالَةِ وهَذا بَعِيدٌ عَنِ العاقِلِ المُمَيَّزِ، وعَلى الأوَّلِ حَسْبَما قَرَّرَهُ أيْضًا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ إيذانًا بِارْتِفاعِ دَرَجَةِ كُفْرِ الفَرِيقِ المُتَوَلِّي عَنْهُمِ انْحِطاطُ دَرَجَةِ أُولَئِكَ. وفِي الكَشْفِ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الإشارَةِ إلى القائِلِينَ لا إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي وحْدَهُ كالِاسْتِدْراكِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَوَغُّلِ المُتَوَلِّينَ في الكُفْرِ وأصْلُ الكُفْرِ شامِلٌ لِلطّائِفَتَيْنِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الإشارَةِ بِالمُتَوَلِّينَ فَفائِدَةُ ﴿ثُمَّ﴾ اسْتِبْعادُ التَّوَلِّي بَعْدَ تِلْكَ المَقالَةِ، وفائِدَةُ الإخْبارِ إظْهارُ أنَّهم لَمْ يَثْبُتُوا عَلى قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُونَ هَذا ثُمَّ يُوجَدُ فِيهِمْ ما يُضادُّهُ فَلا يَكُونُ في دَلِيلِ خِطابِهِ أنَّ غَيْرَهم مُؤْمِنٌ انْتَهى، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ ( يَقُولُونَ ) لِلْمُنافِقِينَ الشّامِلِينَ لِلْفَرِيقِ المُتَوَلِّي لا لِلْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا عَلى الوَجْهَيْنِ فَتَأمَّلْ.

النور 24:48

﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ وبَيْنَ خُصُومِهِمْ، وضَمِيرُ (يَحْكُمُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ أيِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ وهو شامِلٌ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَكِنَّ المُباشِرَ لِلْحُكْمِ هو الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى الوَجْهَيْنِ لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيذانُ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَهُ تَعالى وأنَّ حُكْمَهُ في الحَقِيقَةِ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ إذا ذُكِرَ اسْمانِ مُتَعاطِفانِ والحُكْمُ إنَّما هو لِأحَدِهِما كَما في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَقَرَةُ: 9] أفادَ قُوَّةَ اخْتِصاصِ المَعْطُوفِ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنَّهُما بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ واحِدٍ بِحَيْثُ يَصِحُّ نِسْبَةُ أوْصافِ أحَدِهِما وأحْوالِهِ إلى الآخَرِ، وضَمِيرُ ﴿دُعُوا﴾ يَعُودُ إلى ما يَعُودُ إلَيْهِ ضَمِيرُ ( يَقُولُونَ ) أيْ وإذا دُعِيَ المُنافِقُونَ أوِ المُؤْمِنُونَ مُطْلَقًا ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ شَرْحٌ لِلتَّوَلِّي ومُبالَغَةٌ فِيهِ حَيْثُ أفادَتْ مُفاجَأتَهُمُ الإعْراضِ عَقْبَ الدَّعْوَةِ دُونَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَزاءً مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى ما هو المَشْهُورُ، والتَّعْبِيرُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ دُونَ عَلَيْهِمْ لِأنَّ المُتَعارَفَ قَوْلُ أحَدِ المُتَخاصِمِينَ لِلْآخَرِ: اذْهَبْ مَعِي إلى فُلانٍ لِيَحْكُمَ بَيْنَنا لا عَلَيْكَ وهو الطَّرِيقُ المُنْصِفُ، وقِيلَ: هَذا الإعْراضُ إذا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لا عَلَيْهِمْ وفي ذَلِكَ زِيادَةٌ في المُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ وفِيهِ بَحْثٌ.

النور 24:49

﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ لا عَلَيْهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ الخَبَرِ ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ﴾ أيْ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ صفحة 196 تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿مُذْعِنِينَ﴾ مُنْقادِينَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَحْكُمُ لَهُمْ، والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ إلى بِيَأْتُوا، وجَوَّزَ تَعَلُّقَها بِمُذْعِنِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى اللّامِ أوْ عَلى تَضْمِينِ الإذْعانِ مَعْنى الإسْراعِ وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ بِالإسْراعِ مَعَ الطّاعَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِلِاخْتِصاصِ أوْ لِلْفاصِلَةِ أوْ لَهُما، وعَبَّرَ بِإذا فِيما مَرَّ إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ الشَّرْطِ وبِأنَّ هُنا إشارَةٌ إلى عَدَمِ تَحَقُّقِهِ وفي ذَلِكَ أيْضًا ذَمٌّ لَهم.

النور 24:50

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمِ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ تَرْدِيدٌ لِسَبَبِ الإعْراضِ المَذْكُورِ فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: أسَبَبُ إعْراضِهِمْ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْهِ ﷺ أنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ أمْ سُبَبَهُ أنَّهُمُ ارْتابُوا وشَكُّوا في أمْرِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَتِها أمْ سَبَبَهُ أنَّهم يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ ويَجُورَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ أفِيهِ مَرَضٌ أمْ غابَ عَنِ البَلَدِ أمْ يَخافُ مِنَ الواشِي بَعْدَ قَوْلِ: هَجَرَ الحَبِيبُ مَثَلًا فَإنَّ كَوْنَ المَعْنى أسْبَبُ هَجْرَهُ أنَّ فِيهِ مَرَضًا أمْ سَبَبَهُ أنَّهُ غابَ عَنِ البَلَدِ أمْ سَبَبُهُ أنَّهُ يَخافُ مِنَ الواشِي ظاهِرٌ جِدًّا وهو كَثِيرٌ في المُحاوَراتِ إلّا أنَّ الِاسْتِفْهامَ في الآيَةِ إنْكارِي وهو لِإنْكارِ السَّبَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْيِينٌ لِلسَّبَبِ بَعْدَ إبْطالِ سَبَبِيَّةِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ سَبَبًا لِذَلِكَ الإعْراضِ، أمّا الأوَّلانِ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ شَيْءٌ مِنهُما سَبَبًا لَهُ لَأعْرَضُوا عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ كَوْنِ الحَقِّ لَهم ولَمّا أتَوْا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُذْعِنِينَ لِحُكْمِهِ لِتَحَقُّقِ نِفاقِهِمْ وارْتِيابِهِمْ حِينَئِذٍ أيْضًا، وأمّا الثّالِثُ فَلِانْتِفائِهِ رَأْسًا حَيْثُ كانُوا لا يَخافُونَ الحَيْفَ أصْلًا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الأمانَةِ والثَّباتِ عَلى الحَقِّ بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مِنَ الحَقِّ لَهُ عَلَيْهِمْ ولا يَتَأتّى مَرامُهم مَعَ الِانْقِيادِ إلى المُحاكَمَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيُعْرِضُونَ عَنْها لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْضِي بِالحَقِّ عَلَيْهِمْ، فَمَناطُ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ والإضْرابِ الإبْطالِي في الأوَّلَيْنِ وهو وصْفُ سَبَبِيَّتِهِما لِلْإعْراضِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِهِما في نَفْسِهِما، وفي الثّالِثِ هو الأصْلُ والوَصْفُ جَمِيعًا، وإذا خَصَّ الِارْتِيابَ بِما لَهُ جِهَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِعُرُوضِهِ لَهم في الجُمْلَةِ كَما فَعَلَ البَعْضُ حَيْثُ جَعَلَ المَعْنى أمِ ارْتابُوا بِأنْ رَأوْا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُهْمَةً فَزالَتْ ثِقَتُهم ويَقِينُهم بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَناطَ النَّفْيِ في الثّانِي كَما في الثّالِثِ كَذا قَرَّرَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، ( وأمِ ) عَلَيْهِ مُتَّصِلَةٌ. وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّها كَذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ والبَيْضاوِيُّ حَيْثُ جَعَلا ما تَقَدَّمَ تَقْسِيمًا لِسَبَبِ الإعْراضِ إلّا أنَّ الأوَّلَ جَعَلَ الإضْرابَ عَنِ الأخِيرِ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ووَجَّهَ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ وأدْخَلُ في الإنْكارِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُناقِضُ تَسَرُّعَهم إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا كانَ الحَقُّ لَهم عَلى الغَيْرِ، والثّانِي جَعْلُهُ إضْرابًا عَنِ الأخِيرَيْنِ مِنها لِتَحْقِيقِ القِسْمِ الأوَّلِ، وقالَ: وجْهُ التَّقْسِيمِ أنَّ امْتِناعَهم عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إمّا أنْ يَكُونَ لِخَلَلٍ فِيهِمْ أوْ في الحاكِمِ، والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا أوْ مُتَوَقَّعًا وفَسَّرَ الِارْتِيابَ بِرُؤْيَةٍ مِثْلِ تُهْمَةٍ تُزِيلُ يَقِينَهم ثُمَّ قالَ: وكِلاهُما باطِلانِ فَتُعِينُ الأوَّلَ. أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ. وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ وفَرْطَ أمانَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَمْنَعُهُ وظُلْمَهم يَعُمُّ خَلَلَ عَقِيدَتِهِمْ ومِيلَ نُفُوسِهِمْ إلى الحَيْفِ. وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الحَقُّ أنَّ بَلْ إضْرابٍ عَنْ نَفْسِ التَّقْسِيمِ وهو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: دَعِ التَّقْسِيمَ صفحة 197 فَإنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ فَلِذَلِكَ صَدُّوا عَنْ حُكُومَتِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ. والخِطابُ وتَعْرِيفُ الخَبَرِ بِلامِ الجِنْسِ وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ، ونُقِلَ عَنِ الإمامِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أُمَّ مُنْقَطِعَةً قالَ: أُثَبِّتُهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ فَكانَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو النِّفاقُ فَكانَ فِيها ارْتِيابٌ فَكانُوا يَخافُونَ الحَيْفَ، ووَجْهُ الإضْرابِ أنَّ كُلًّا مُسَبِّبٌ عَنِ الآخَرِ عَلِمَ عَلى وُجُودِهِ وزِيادَةٍ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا يَجِبُ التَّسَبُّبُ إلّا أنْ يَدَّعِيَ في هَذِهِ المادَّةِ خُصُوصًا، وصَرَّحَ أبُو حَيّانَ بِأنَّها مُنْقَطِعَةٌ وبِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الأوْجُهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ ويُسْتَعْمَلُ في الذَّمِّ والمَدْحِ كَما في قَوْلِهِ: ألَسْتِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ وقَوْلُهُ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحٍ ولا يَخْفى أنَّ الأظْهَرَ أنَّها مُتَّصِلَةٌ والتَّلازُمُ بَيْنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ مَمْنُوعٌ عَلى أنَّهُ لا يَضُرُّ وأنَّ مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وتَقْدِيمُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى الرَّسُولِ لِتَأْكِيدِ أنَّ حُكْمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ اخْتِلافِ أسالِيبِ الجُمَلِ يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ.

النور 24:51

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ جارٍ عَلى عادَتِهِ تَعالى في اتِّباعِ ذِكْرِ المُحِقِّ المُبْطِلِ والتَّنْبِيهُ عَلى ما يَنْبَغِي بَعْدَ إنْكارِهِ لِما لا يَنْبَغِي، ونَصْبُ ﴿قَوْلَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمِها، ونَصَّ سِيبَوَيْهُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى جَوازِ العَكْسِ فَيَرْفَعُ ﴿قَوْلَ﴾ عَلى الِاسْمِيَّةِ ويُنْصَبُ المَصْدَرُ الحاصِلُ مِنَ السَّبْكِ عَلى الخَبَرِيَّةِ. وقَدْ قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ: بِرَفْعِ «قَوْلٌ» عَلى ذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى لِأنَّ الأوْلى لِلِاسْمِيَّةِ ما هو أوْغَلُ في التَّعْرِيفِ وذَلِكَ هو المَصْدَرُ الَّذِي أُوِّلَ بِهِ أنْ يَقُولُوا لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ ﴿قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُهُ كَما إذا اخْتُزِلَتْ عَنْهُ الإضافَةُ، وقِيلَ في وجْهِ أعْرَفِيَّتِهِ إنَّهُ لا يُوصَفُ كالضَّمِيرِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ في الأعْرَفِيَّةِ، ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَصْدَرَ الحاصِلَ مِن سَبْكِ أنَّ والفِعْلِ لا يَجِبُ كَوْنُهُ مُضافًا في كُلِّ مَوْضِعٍ ألا تَرى أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾ [يُونُسُ: 37] إنَّهُ بِمَعْنى ما كانَ هَذا القُرْآنُ افْتِراءً. وذَكَرَ أنَّ جَوازَ تَنْكِيرِهِ مَذْهَبُ الفارِسِيِّ وهو ومُتَعَيِّنٌ في نَحْوِ أنْ يَقُومَ رَجُلٌ إذْ هو مُؤَوَّلٌ قَطْعًا بِقِيامِ رَجُلٍ وهو نَكِرَةٌ بِلا رَيْبَ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ النَّصْبَ أقْوى صِناعَةً لَكِنَّ الرَّفْعَ أقْعَدُ مَعْنًى وأوْفى لِمُقْتَضى المَقامِ لَمّا أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ هو الخَبَرُ فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحُدُوثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ هاهُنا في أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمُّ وأكْمَلُ فَإذَنْ هو أحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ قَلِيلَةَ الجَدْوى سَهْلَةَ الحُصُولِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً مُجْمَلَةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ فالمَعْنى إنَّما كانَ مُطْلَقَ القَوْلِ الصّادِرِ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذا دَعَوْا إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ خُصُومِهِمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا إلَخْ أيْ خُصُوصِيَّةِ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْهم لا قَوْلًا آخَرَ أصْلًا، وأمّا النَّصْبُ فالمَعْنى عَلَيْهِ إنَّما كانَ قَوْلًا لِلْمُؤْمِنِينَ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمْ ﴿سَمِعْنا﴾ إلَخْ فَفِيهِ مَن جَعَلَ أخَصَّ النِّسْبَتَيْنِ وأبْعَدَهُما صفحة 198 وُقُوعًا وحُضُورًا في الأذْهانِ وأحَقُّهُما بِالبَيانِ مَفْرُوغًا عَنْها عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ وإبْرازُ ما هو بِخِلافِها في مَعْرَضِ القَصْدِ الأصْلِيِّ ما لا يُخْفى انْتَهى، وبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهم بِأنَّ مَساقَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ سَمِعْنا وأطَعْنا في مُقابَلَةِ إعْراضِ المُنافِقِينَ فَحَيْثُ ذَمَّ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ناسَبَ أنَّ يُمْدَحَ هَذا، ولا شَكَّ أنَّ الأنْسَبَ في مَدْحِهِ الإخْبارُ عَنْهُ لا الإخْبارُ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ اسْمُ كانَ ( وقَوْلَ المُؤْمِنِينَ ) خَبَرُها وفي ذَلِكَ مَدْحٌ لِقَوْلِهِمْ سَمِعْنا وأطَعْنا إذْ مَعْنى كَوْنِهِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ قَوْلٌ لائِقٌ بِهِمْ ومِن شَأْنِهِمْ عَلى أنَّ الأهَمَّ بِالإفادَةِ كَوْنُ ذَلِكَ القَوْلِ الخاصِّ هو قَوْلُهم ﴿إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ قَوْلِهِمُ المُقَيَّدِ بِما ذَكَرَ لِيَظْهَرَ أتَمَّ ظُهُورِ مُخالِفَةِ حالِ قَوْلِهِمْ سَمِعْنا وأطَعْنا وحالَ قَوْلِ المُنافِقِينَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا فَتَدَبَّرْ فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن ( أطَعْنا ) هُنا غَيْرُ المُرادِ مِنهُ فِيما سَبَقَ فَكَأنَّهم أرادُوا سَمِعْنا كَلامَكم وأطَعْنا أمْرَكم بِالذَّهابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَكم وبَيْنَنا، وقِيلَ المَعْنى قَبِلْنا قَوْلَكم وانْقَدْنا لَهُ وأجَبْنا إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ أنَّ المَعْنى سَمِعْنا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وأطَعْنا أمْرَهُ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ الطّاعَةِ الثُّبُوتُ أوِ الإخْلاصُ لِتَغايُرِ ما مَرَّ وهو كَما تَرى. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ الياسٍ «لِيَحْكُمَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُجاوِبًا لَدَعَوْا، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هُنا وفِيما مَرَّ ونائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ لِيَحْكُمَ هو أيِ الحُكْمِ، والمَعْنى لِيَفْعَلَ الحُكْمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سَبَأٌ: 54] . ﴿وأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ أيْ وأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ النَّعْتِ الجَلِيلِ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ هُمُ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ والنّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورٍ.

النور 24:52

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَن حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ وتَرْغِيبِ مَن عَداهم في الِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ أيْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ ﷺ كائِنًا مَن كانَ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ في الفَرائِضِ والسُّنَنِ وهو يَحْتَمِلُ اللَّفَّ والنَّشْرَ وعَلى ذَلِكَ جَرى في البَحْرِ ﴿ويَخْشَ اللَّهَ﴾ عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يَسْتَقْبِلُ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ الطّاعَةِ والخَشْيَةِ والِاتِّقاءِ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ لا مِن عَدِّهِمْ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وقالُونُ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ «ويَتَّقِهِ» بِكَسْرِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ في رِوايَةِ العِجْلِيِّ وخَلادٍ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ حَمّادٍ ويَحْيى بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ حَفْصٌ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ غَيْرِ مُشْبَعَةٍ والباقُونَ بِكَسْرِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مُشْبَعَةٍ بِحَيْثُ يَتَوَلَّدُ ياءٌ، ووَجْهُ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأصْلَ في هاءِ الضَّمِيرِ إذا كانَ ما قَبْلَها مُتَحَرِّكًا أنَّ تَشْبَعَ حَرَكَتُها كَما في يُؤْتِهِ ويُؤَدِّهِ ووَجْهُ عَدَمِ الإشْباعِ أنَّ ما قَبْلُ الضَّمِيرِ ساكِنٌ تَقْدِيرًا ولا إشْباعَ بِحَرَكَتِهِ فِيما إذا سَكَنَ ما قَبْلُهُ كَفَّيْهِ ومِنهُ، ووَجْهُ إسْكانِ الهاءِ أنَّها هاءُ السَّكْتِ وهي تَسْكُنُ في كَلامِهِمْ، وقِيلَ: هي هاءُ الضَّمِيرِ لَكِنْ أُجْرِيَتْ مَجْرى هاءِ السَّكْتِ فَسَكَنَتْ وكَثِيرًا ما يُجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّهُ سَمِعَ مَن يَقُولُ: هَذِهِ أمَةُ اللَّهِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ووَجْهُ قِراءَةِ حَفْصٍ أنَّهُ أعْطى «يَتَّقِهْ» حُكْمَ كَتِفٍ لِكَوْنِهِ عَلى وزْنِهِ فَخَفَّفَ بِسُكُونٍ صفحة 199 وسَطُهُ لِجَعْلِهِ كَكَلِمَةٍ واحِدَةٍ كَما خَفَّفَ يَلِدا في قَوْلِهِ: «وذِي ولَدٍ لَمْ يَلِدْهُ أبَوانِ» وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ في كُلِّ مُعْتَلٍّ حُذِفَ آخِرُهُ فَيَقُولُونَ لَمْ أرَ زَيْدًا يَسْقُطُونَ الحَرْفَ لِلْجَزْمِ ثُمَّ يَسْكُنُونَ ما قَبْلُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ومِن يَتَّقِ فَإنَّ اللَّهَ مَعَهُ ورِزْقُ اللَّهِ مُؤْتابٌ وغادٍ وقَوْلُهُ: قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرِ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗ وهاتِ خُبْزَ البَرِّ أوْ دَقِيقًا والهاءُ إمّا لِلسَّكْتِ وحُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أوْ ضَمِيرٍ، وكانَ القِياسُ ضَمُّها حِينَئِذٍ كَما في مِنهُ لَكِنَّ السُّكُونَ لِعَرُوضِهِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ ولِئَلّا يَنْتَقِلَ مِن كَسْرٍ لَضَمٍّ تَقْدِيرًا، وضَعَّفَ الأوَّلَ لِتَحْرِيكِ هاءِ السَّكْتِ وإثْباتِها في الوَصْلِ كَذا قِيلَ فَلا تَغْفُلْ.

النور 24:53

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أكاذِيبِ الكَفَرَةِ المُنافِقِينَ مُؤَكِّدًا بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ فَهو عَوْدٌ عَلى بَدْءٍ، والقَسَمُ الحَلْفُ وأصْلُهُ مِنَ القَسامَةِ وهي أيْمانٌ تُقْسَمُ عَلى مُتَّهَمِينَ بِقَتْلٍ حَسْبَما بَيَّنَ في كُتُبِ الفِقْهِ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِكُلِّ حَلْفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، وجُمْلَةُ ذَلِكَ الفِعْلِ مَعَ فاعِلِهِ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ حَلَفُوا بِهِ تَعالى يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جُهْدًا أوْ جاهِدِينَ أيْمانَهُمْ، ومَعْنى جُهْدِ اليَمِينِ بُلُوغُ غايَتِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِن قَوْلِهِمْ: جُهْدُ نَفْسِهِ إذا بَلَغَ أقْصى وُسْعِها وطاقَتِها، والمُرادُ أقْسَمُوا بِالغَيْنِ أقْصى مَراتِبِ اليَمِينِ في الشِّدَّةِ والوَكادَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا لَأقْسَمُوا أيْ أقْسَمُوا أقْسامَ اجْتِهادٍ في اليَمِينِ، قالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى فَقَدِ اجْتَهَدَ في اليَمِينِ. والظّاهِرُ هُنا أنَّهم غَلَّظُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها ولَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِ واللَّهِ ﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ أيْ بِالخُرُوجِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ والمُرادُ بِهَذا الخُرُوجِ الخُرُوجُ لِلْجِهادِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الخُرُوجُ مِنَ الأمْوالِ. وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ جَوابٌ لَأقْسَمُوا وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ وهي حِكايَةٌ بِالمَعْنى والأصْلُ لَنَخْرُجُنَّ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ، وقِيلَ الأصْلُ لَخَرَجْنا إلّا أنَّهُ أُرِيدَ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ فَعَبَّرَ بِذَلِكَ. وتَعَقَّبَ بِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ هو مُسْتَقْبَلٌ ﴿قُلْ﴾ أيْ رَدًّا عَلَيْهِمْ وزَجْرًا لَهم عَنِ التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ الأيْمانِ وإظْهارًا لِعَدَمِ القَبُولِ لِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيها لا ﴿تُقْسِمُوا﴾ عَلى ما يُنَبِّئُ عَنْهُ كَلامُكم مِنَ الطّاعَةِ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ طاعَتِكم طاعَةٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تُقْسِمُوا عَلى ما تَدْعُونَ مِنَ الطّاعَةِ لِأنَّ طاعَتَكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِأنَّها واقِعَةٌ بِاللِّسانِ فَقَطْ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ مِنَ القَلْبِ لا يَجْهَلُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَعْلُومَةٌ لا يَشُكُّ فِيها كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ ﴿طاعَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ طاعَةٍ مَعْرُوفَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن قِسْمِكم. واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ لِتَكُنْ طاعَةً مَعْرُوفَةً مِنكُمْ، وضَعَّفَ الكُلُّ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ المُقامُ والأخِيرُ بِأنَّ فِيهِ حَذْفُ الفِعْلِ في غَيْرِ مَوْضِعِ الحَذْفِ. وقالَ البَقاعِيُّ: لا تَقْدِيرَ في الكَلامِ ( وطاعَةٌ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ أنَّها أُرِيدَ بِها صفحة 200 الحَقِيقَةَ فَتَعُمُّ والعُمُومُ مِنَ المُسَوِّغاتِ، ولَمْ تَعْرِفْ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ تَعْرِيفَها لِلْعَهْدِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تُقْسِمُوا فَإنَّ الطّاعَةَ مَعْرُوفَةٌ مِنكم ومِن غَيْرِكم لا تُخْفى فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ العَبْدَ وإنِ اجْتَهَدَ في إخْفاءِ الطّاعَةِ لا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ سُبْحانَهُ مَخايِلَها عَلى شَمائِلِهِ، وكَذا المَعْصِيَةُ فَلا فائِدَةَ في إظْهارِ ما يُخالِفُ الواقِعَ، وفي الأحادِيثِ ما يَشْهَدُ لِما ذُكِرَ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ جُنْدُبٍ «ما أسَرَّ عَبْدٌ سَرِيرَةً إلّا ألْبَسُهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَها» ورَوى الحاكِمُ وقالَ صَحِيحُ الإسْنادِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِإنْسانٍ كائِنًا مَن كانَ»» وهَذا المَعْنى عَلى ما قِيلَ حَسَنٌ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ «طاعَةً مَعْرُوفَةً» بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ تُطِيعُونَ طاعَةً مَعْرُوفَةً نَفاقِيَّةً، وقِيلَ أطِيعُوا طاعَةً مَعْرُوفَةً حَقِيقِيَّةً وطاعَةً بِمَعْنى إطاعَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٌ: 17] ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَظْهَرُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُؤَكِّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ وما تُضْمِرُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ والعَزِيمَةِ عَلى مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ والمُرادُ الوَعِيدُ بِأنَّهُ تَعالى مُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِنها نِفاقُهُمْ، وفي الإرْشادِ أنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ نِفاقِيَّةٌ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ شُهْرَةِ أمْرِها فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إخْبارُهُ تَعالى بِذَلِكَ ووَعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ.

النور 24:54

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالقَوْلِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ والإشْعارِ بِاخْتِلافِهِما حَيْثُ إنَّ المَقُولَ الأوَّلَ نَهْيٌ بِطَرِيقِ الرَّدِّ والتَّبْكِيتِ، وفي الثّانِي أمْرٌ بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ والتَّشْرِيعِ، وفي تَكَرُّرِ فِعْلِ الإطاعَةِ والعُدُولِ عَنِ أطِيعُونِي إلى أطِيعُوا الرَّسُولَ ما لا يُخْفى مِنَ الحَثِّ عَلى الطّاعَةِ وإطْلاقُها عَنْ وصْفِ الصِّحَّةِ والإخْلاصِ ونَحْوِهُما بَعْدَ وصْفِ طاعَتِهِمْ بِما تَقَدَّمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الطّاعَةِ في شَيْءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم ما سَمِعْتُ وارِدَ مَن قَبْلِهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ داخِلٍ في حَيِّزِ ﴿قُلْ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ وغَيْرُهُ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ والمُبالِغَةِ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ والحَمْلُ عَلَيْهِ بِالتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ لِما أنَّ تَغْيِيرَ الكَلامِ المَسُوقِ لِمَعْنى مِنَ المَعانِي وصَرْفِهِ عَنْ سُنَنِهِ المَسْلُوكِ يُنَبِّئُ عَنِ اهْتِمامٍ جَدِيدٍ بِشَأْنِهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ ويَسْتَجْلِبُ مَزِيدَ رَغْبَةٍ فِيهِ مِنَ السّامِعِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ بِتَغْيِيرِ الخِطابِ بِالواسِطَةِ بِالذّاتِ كَما هُنا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى تَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إلَيْهِمْ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ مُسارَعَتِهِ ﷺ إلى تَبْلِيغِ ما أمَرَ بِهِ وعَدَمُ الحاجَةِ إلى الذِّكْرِ أيْ إنْ تَتَوَلَّوْا عَنِ الطّاعَةِ إثْرَ ما أمَرَكُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِها ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ﴿حُمِّلَ﴾ أيْ ما أمَرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ وقَدْ شاهَدْتُمُوهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُمْ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّحْمِيلِ أوَّلًا لِلْإشْعارِ بِثِقَلِ الوَحْيِ في نَفْسِهِ، وثانِيًا لِلْإشْعارِ بِثِقَلِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ في جانِبِهِمْ لِلْإشْعارِ بِثِقَلِهِ وكَوْنِ مُؤَنِهِ باقِيَةً في عُهْدَتِهِمْ بَعْدُ كَأنَّهُ قِيلَ: وحَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ بَقِيتُمْ تَحْتَ ذَلِكَ الحَمْلِ الثَّقِيلِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُشاكَلَةِ والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ الشَّرْطِ وما بَعْدَها قائِمٌ مُقامَ الجَوابِ أوْ جَوابٌ عَلى حَدِّ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن صفحة 201 نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلُ: 53] كَأنَّهُ قِيلَ فَإنْ تَتَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَما عَلَيْهِ إلَخْ. هَذا واخْتارَ بَعْضُهم دُخُولَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ في حَيِّزِ القَوْلِ. قالَ الطِّيبِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا يَخافُ مَضَرَّتَهم فَكانَ أصْلُ الكَلامِ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ ما حَمَلْتَ وعَلَيْهِمْ ما حَمَلُوا بِمَعْنى فَما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم عَلى الماضِي والغَيْبَةُ في ﴿تَوَلَّوْا﴾ فَصَرَفَ الكَلامَ إلى المُضارِعِ، والخِطابُ في تَتَوَلَّوْا بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ بِمَعْنى فَما ضَرَرْتُمُوهُ وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم لِتَكُونَ المُواجَهَةُ بِالخِطابِ أبْلَغَ في تَبْكِيتِهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الِالتِفاتِ وجَعَلَهُ غَيْرُهُ التِفاتًا حَقِيقِيًّا مِن حَيْثُ إنَّهم جَعَلُوا أوَّلًا غَيْبًا حَيْثُ أمَرَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِطابِهِمْ بِقُلْ لَهم. ثُمَّ خُوطِبُوا بِأنْ تَتَوَلَّوُا اسْتِقْلالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الخِطابِ الِاسْتِقْلالِيِّ الغَيْرِ الدّاخِلِ تَحْتَ القَوْلِ أُدْخِلَ في التَّبْكِيتِ. وفي الأحْكامِ أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ لِأنَّهُ تَعالى أمْرٌ بِالإطاعَةِ ثُمَّ هَدَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ إلَخْ والتَّهْدِيدُ عَلى المُخالَفَةِ دَلِيلُ الوُجُوبِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ لِلتَّهْدِيدِ بَلْ لِلْإخْبارِ وإنْ سَلَّمْنا أنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ فَهو دَلِيلٌ عَلى الوُجُوبِ فِيما هَدَّدَ عَلى تَرْكِهِ ومُخالَفَتِهِ مِنَ الأوامِرِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُهَدَّدٍ بِمُخالَفَتِهِ بِدَلِيلِ أمْرِ النَّدْبِ فَإنَّ المَندُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ ولَيْسَ مُهَدَّدًا عَلى مُخالَفَتِهِ وإذا انْقَسَمَ الأمْرُ إلى مُهَدَّدٍ عَلَيْهِ وغَيْرِ مُهَدَّدٍ عَلَيْهِ وجَبَ اعْتِقادُ الوُجُوبِ فِيما هَدَّدَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وبِهِ يَخْرُجُ الجَوابُ عَنْ كُلِّ صِيغَةِ أمْرٍ هَدَّدَ عَلى مُخالَفَتِها وحَذَّرَ مِنها ووَصَفَ مُخالِفِها بِكَوْنِهِ عاصِيًا وبِهِ يَدْفَعُ أكْثَرَ ما ذَكَرَهُ القائِلُونَ بِالوُجُوبِ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى دَعْواهم فَتَدَبَّرْ. ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الطّاعَةِ ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ المُوصِلُ إلى كُلِّ خَيْرِ المُنَجِّي عَنْ كُلِّ شَرٍّ، ولَعَلَّ في تَقْدِيمِ الشِّقِّ الأوَّلِ وتَأْخِيرِ هَذا إشارَةً إلى أنَّ التَّرْهِيبَ أوْلى بِهِمْ وأنَّهم مُلابِسُونَ لِما يَقْتَضِيهِ، وفي الإرْشادِ تَأْخِيرُ بَيانٍ حُكْمِ الإطاعَةِ عَنْ بَيانِ حُكْمِ التَّوَلِّي لِما في تَقْدِيمِ التَّرْهِيبِ مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ وتَقْرِيبِهِ مِمّا هو مِن بابِهِ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلِهُ مِن أنَّ غائِلَةَ التَّوَلِّي وفائِدَةِ الإطاعَةِ مَقْصُورَتانِ عَلى المُخاطِبِينَ، وألْ إمّا لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لَهُ ﷺ انْتِظامًا أوَّلِيًّا أوْ لِلْعَهْدِ أيْ ما عَلى جِنْسِ الرَّسُولِ كائِنًا مَن كانَ أوْ ما عَلى رَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا التَّبْلِيغَ المُوَضِّحَ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلى الإيضاحِ أوِ الواضِحِ في نَفْسِهِ عَلى أنَّ المُبِينَ مَن أبانَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى بانَ اللّازِمِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ فَعَلَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ وإنَّما بَقِيَ ما عَلَيْكم.

النور 24:55

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِن آمَنِ مَعَهُ فَفي الآيَةِ تَنْوِيعُ الخِطابِ حَيْثُ خاطَبَ سُبْحانَهُ المُقَسِّمِينَ عَلى تَقْدِيرِ التَّوَلِّي ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عَنْهم إلى المُؤْمِنِينَ الثّابِتِينَ وهو كالِاعْتِراضِ بِناءً عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن كَوْنِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا أفادَ الكَلامَ السّابِقَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَأْمُرَهم بِالطّاعَةِ كِفاحًا ولا يَخافَ مَضَرَّتَهم أكَّدَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الغالِبُ ومِن مَعَهُ فَأنّى لِلْخَوْفِ مَجالٌ، وإنْ شِئْتَ فاجْعَلْهُ اسْتِئْنافًا جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ صفحة 202 ما يُفِيدُهُ الكَلامُ مِن نَفْيِ المَضَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ اعْتِراضًا فَإنَّ في العَطْفِ المَذْكُورِ ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ومِن بَيانِيَّةٍ، ووَسَطَ الجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿آمَنُوا﴾ والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها الدّاخِلَةُ مَعَها في حَيِّزِ الصِّلَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مَعَ التَّأْخِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفَتْحُ: 29] قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في ثُبُوتِ الِاسْتِخْلافِ الإيمانِ، ولِهَذا كانَ الأصَحُّ عَدَمَ الِانْعِزالِ بِالفِسْقِ الطّارِئِ ودَلَّ عَلَيْهِ صِحاحُ الأحادِيثِ ومَدْخَلِيَّةِ الصَّلاحِ في ابْتِداءِ البَيْعَةِ وأمّا في المَغْفِرَةِ والأجْرِ العَظِيمِ فَكِلاهُما أصْلٌ فَكانَ المُناسِبُ التَّأْخِيرَ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لِتَعْجِيلِ مَسَرَّةِ المُخاطِبِينَ حَيْثُ إنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُقَسَّمِينَ والكَلامُ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ بِبَيانِ ما لَهم في العاجِلِ مِنَ الِاسْتِخْلافِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وفي الآجِلِ ما لا يُقادِرُ قَدْرَهُ عَلى ما أُدْمِجَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ والجارُّ لِلتَّبْعِيضِ وأمْرُ التَّوْسِيطِ عَلى حالِهِ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِأنَّ ﴿آمَنُوا﴾ إنْ كانَ ماضِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن كانَ آمَنَ حالَ الخِطابِ وإنَّ جَعْلَ بِمَعْنى المُضارِعِ عَلى المَأْلُوفِ مِن أخْبارِ اللَّهِ تَعالى فَمَعَ نُبُوِّهِ عَنْ هَذا المَقامِ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ ولَمْ يُطابِقِ الواقِعَ أيْضًا لِأنَّ هَؤُلاءِ الأجِلّاءَ لَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِ مَن آمَنَ مِن أُولَئِكَ المُخاطِبِينَ ولا كانَ في المُقَسَّمِينَ مَن نالَ الخِلافَةَ انْتَهى، وفِيهِ شَيْءٌ. ولَعَلَّهُ لا يَضُرُّ بِالغَرَضِ وارْتَضى أبُو السُّعُودِ تَعَلُّقَ الكَلامِ بِذَلِكَ وادَّعى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إلَخْ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ مُعَرَّبٌ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ ومُبَيِّنٌ لِتَفاصِيلِ ما أجْمَلَ فِيهِ مِن فُنُونِ السِّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي مِن آثارِ الِاهْتِداءِ ومُتَضَمِّنٌ لِما هو المُرادُ بِالطّاعَةِ الَّتِي نِيطَ بِها الِاهْتِداءُ وأنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا كُلُّ مَنِ اتُّصِفَ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ عَلى الإطْلاقِ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ وفي أيِّ وقْتٍ كانَ لا مَن آمَنَ مِن طائِفَةِ المُنافِقِينَ فَقَطْ ولا مَن آمَنَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَحَسْبُ ضَرُورَةِ عُمُومِ الوَعْدِ الكَرِيمِ وأنَّ الخِطابَ لَيْسَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلَصِينَ أوْ مَن يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ الأُمَّةِ ولا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً بَلْ هو لِعامَّةِ الكَفَرَةِ وأنَّ مَن لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ في نُكْتَةِ التَّوْسِيطَ: إنَّهُ لِإظْهارِ أصالَةِ الإيمانِ وعَراقَتِهِ في اسْتِتْباعِ الآثارِ والأحْكامِ والإيذانِ بِكَوْنِهِ ما يَطْلُبُ مِنهم وأهَمُّ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وأمّا التَّأْخِيرُ في آيَةِ سُورَةِ الفَتْحِ فُلانٌ مِن هُناكَ بَيانِيَّةٌ والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن خَلَصَ المُؤْمِنِينَ ولا رَيْبَ في أنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ مُثابِرُونَ عَلَيْها فَلا بُدَّ مِن وُرُودِ بَيانِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ بِكَمالِها انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الخِطابِ لِعامَّةِ الكَفَرَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وحَمْلُ الفِعْلِ الماضِي عَلى ما يَعُمُّ الماضِي والمُسْتَقْبَلَ كَذَلِكَ وفِيما ذَكَرَهُ أيْضًا بُعْدٌ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ أبِيّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا قَدَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وآوَتْهُمُ الأنْصارُ رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ فَكانُوا لا يَبِيتُونَ إلّا في السِّلاحِ ولا يَصْبَحُونَ إلّا فِيهِ فَقالُوا تَرَوْنَ أنّا نَعِيشُ حَتّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطَمْئِنِّينَ لا نَخافُ إلّا اللَّهَ تَعالى فَنَزَلَتْ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ الآيَةُ» ولا يَتَأتّى مَعَهُ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ أصْلًا، ولَعَلَّهُ لا يَقُولُ بِهِ ويَسْتَغْنِي عَنْهُ بِما هو أوْضَحُ دَلالَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ عامَّةً في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأطْلَقا الأُمَّةُ وهي تُطْلِقُ عَلى أُمَّةِ الإجابَةِ وعَلى أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لَكِنَّ صفحة 203 الأغْلَبَ في الِاسْتِعْمالِ الإطْلاقُ الأوَّلُ فَلا تَغْفُلْ، وإذا كانَتْ مِن بَيانِيَّةٍ فالمَعْنى وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ هم أنْتُمْ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ لِيَجْعَلَهم خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِيكِهِمْ أوْ خُلَفاءَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا يَخافُونَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِأنْ يَنْصُرَهم عَلَيْهِمْ ويُورِثَهم أرْضَهُمْ، والمُرادُ بِالأرْضِ عَلى ما قِيلَ جَزِيرَةُ العَرَبِ، وقِيلَ مَأْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها فَفِي الصَّحِيحِ ««زُوِيَتْ لِي الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها»» واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ ومَفْعُولُ وعَدَ الثّانِي مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ أيْ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِخْلافَهم وأقْسَمَ لِيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ وعْدُهُ تَعالى لِتَحَقُّقِ إنْجازِهِ لا مَحالَةَ مَنزِلَةَ القِسْمِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ ويَكُونُ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ مَنزِلَ مَنزِلَةِ المَفْعُولِ فَلا حَذْفَ. وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لِيَسْتَخْلِفَهُمُ اسْتِخْلافًا كائِنًا كاسْتِخْلافِهِ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ اسْتَخْلَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الشّامِ بَعْدَ إهْلاكِ الجَبابِرَةِ وكَذا في مِصْرَ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّها صارَتْ تَحْتَ تَصَرُّفِهِمْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وإنْ لَمْ يَعُودُوا إلَيْها وهم ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ الَّذِينَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِ أعْدائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ الظّالِمِينَ. وقُرِئَ «كَما اسْتَخْلَفَ» بِالبِناءِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لِيَسْتَخْلِفَهم في الأرْضِ فَيَسْتَخْلِفُونَ فِيها اسْتِخْلافًا أيْ مُسْتَخْلَفِيَّةٍ كائِنَةٍ كَمُسْتَخْلِفِيَّةِ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيهِ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ أجَلُّ الرَّغائِبِ المَوْعُودَةِ وأعْظَمُها لَمّا أنَّهُ كالأثَرِ لِلِاسْتِخْلافِ المَذْكُورِ. وقِيلَ: لَمّا أنَّ النُّفُوسَ إلى الحُظُوظِ العاجِلَةِ أمْيَلُ فَتَصْدِيرُ المَواعِيدِ بِها في الِاسْتِمالَةِ أدْخَلُ، والتَّمْكِينُ في الأصْلِ جَعَلَ الشَّيْءَ في مَكانٍ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ في لازِمِهِ وهو التَّثْبِيتُ والمَعْنى لِيَجْعَلَنَّ دِينَهم ثابِتًا مُقَرَّرًا بِأنْ يُعَلِّيَ سُبْحانَهُ شَأْنَهُ ويُقَوِّيَ بِتَأْيِيدِهِ تَعالى أرْكانَهُ ويُعَظِّمَ أهْلَهُ في نُفُوسِ أعْدائِهِمُ الَّذِينَ يَسْتَغْرِقُونَ النَّهارَ واللَّيْلَ في التَّدْبِيرِ لِإطْفاءِ أنْوارِهِ ويَسْتَنْهِضُونَ الرَّجُلَ والخَيْلَ لِلتَّوَصُّلِ إلى إعْفاءِ آثارِهِ فَيَكُونُونَ بِحَيْثُ يَيْأسُونَ مِنَ التَّجَمُّعِ لِتَفْرِيقِهِمْ عَنْهُ لِيَذْهَبَ مِنَ البَيْنِ ولا تَكادُ تُحَدِّثُهم أنْفُسِهِمْ بِالحَيْلُولَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ لِيَعُودَ أثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ. وقِيلَ: المَعْنى لِيَجْعَلَهُ مُقَرَّرًا بِحَيْثُ يَسْتَمِرُّونَ عَلى العَمَلِ بِأحْكامِهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ، وأصْلُ التَّمْكِينِ جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانًا لِآخَرَ والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ ثَباتِ الدِّينِ ورَصانَةِ أحْكامِهِ وسَلامَتِهِ عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالأرْضِ في الثَّباتِ والقَرارِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُناسِبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَوْعُودِ مِن مَنافِعِهِمْ مَعَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في تَوْسِيطِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَنِ الوَصْفِ مِنَ الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى، وفي إضافَةِ الدِّينِ وهو دِينُ الإسْلامِ إلَيْهِمْ ثُمَّ وصَفَهُ بِارْتِضائِهِ لَهم مِن مَزِيدِ التَّرْغِيبِ فِيهِ والتَّثْبِيتُ عَلَيْهِ ما فِيهِ ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإبْدالِ وأخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ عاصِمٍ وهو عَطْفٌ عَلى ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهم ولَيُمَكِّنَنَّ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ ) بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ في الدُّنْيا صفحة 204 مِن أعْدائِهِمْ في الدِّينِ ﴿أمْنًا﴾ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ، وقِيلَ: الخَوْفُ في الدُّنْيا مِن عَذابِ الآخِرَةِ والأمْنُ في الآخِرَةِ ورَجَّحَ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أبْعَدُ مِنِ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ بِالمَقامِ والأخْبارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ تَقْتَضِيهِ وأمْرُ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ سَهْلٌ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ إمّا مِنَ ﴿الَّذِينَ﴾ الأوَّلِ لِتَقْيِيدِ الوَعْدِ بِالثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ بِصِيغَةِ الماضِي لِما دَلَّ عَلى أصْلِ الِاتِّصافِ بِهِ جِيءَ بِما ذُكِرَ حالًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلَيْهِ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ في ( لَيُبَدِّلَنَّهم ) وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً إمّا لِمُجَرَّدِ الثَّناءِ عَلى أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى هم يَعْبُدُونَنِي وإمّا لِبَيانِ عِلَّةِ الِاسْتِخْلافِ وما انْتَظَمَ مَعَهُ في سِلْكِ الوَعْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ مِن ﴿الَّذِينَ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنَ الحالِ أوِ اسْتِئْنافٌ. ونُصِبَ ﴿شَيْئًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ شَيْئًا مِمّا يُشْرِكُ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ. ومَعْنى العِبادَةِ وعَدَمُ الإشْراكِ ظاهِرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. ولَعَلَّهُما أرادا بِذَلِكَ تَفْسِيرًا ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ وكَأنَّهُما عَدا خَوْفِ غَيْرِ اللَّهِ نَوْعًا مِنَ الإشْراكِ، واخْتِيرَ عَلى هَذا حالِيَّةِ الجُمْلَةِ مِنَ الواوِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَعْبُدُونَنِي غَيْرَ خائِفِينَ أحَدًا غَيْرِي، وجَوَّزَ أنْ يَكُونا قَدْ أرادا بَيانَ المُرادِ بِمَجْمُوعِ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ﴾ إلَخْ وكَأنَّهُما ادَّعَيا أنَّ عَدَمَ خَوْفِ أحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِن لَوازِمِ العِبادَةِ والتَّوْحِيدِ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَصِلُونَ إلَيْهِ في الأمْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَأْمَنُونَ إلَيَّ حَيْثُ لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ في ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي﴾ دُونَ ضَمِيرِ الغائِبِ ودُونَ ضَمِيرِ العَظَمَةِ مِنَ اللَّطافَةِ. ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ ومَنِ ارْتَدَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ حُصُولِ المَوْعُودِ بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المُرْتَدُّونَ البُعَداءُ عَنِ الحَقِّ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنْ حُدُودِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ إذْ لا عُذْرَ لَهم حِينَئِذٍ ولا كَجَناحِ بَعُوضَةٍ، وقِيلَ: كَفَّرَ مِنَ الكُفْرانِ لا مِنَ الكُفْرِ مُقابِلَ الإيمانِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ وكَمالِهِمْ في الفِسْقِ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ الَّتِي كَفَّرُوها، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الوَعْدِ السّابِقِ نَفْسِهِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ المَعْنى ومَنِ اتَّصَفَ بِالكُفْرِ بِأنْ ثَبَتَ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ ولَمْ يَتَأثَّرْ بِما مَرَّ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِما فَصَلَ مِنَ المَطالِبِ العالِيَةِ المُسْتَوْجَبَةِ لِغايَةِ الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِها فَأُولَئِكَ هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ، وكَوْنُ المُرادِ بِكُفْرِ ما ذُكِرَ أنْسَبَ بِالمَقامِ مِن كَوْنِ المُرادِ بِهِ ارْتَدَّ أوْ كَفَرَ النِّعْمَةَ انْتَهى. والأوْلى عِنْدِي ما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ الظّاهِرُ، وفي الكَلامِ عَلَيْهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ المَوْعُودِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَبْقى بَعْدَ حُصُولِهِ عُذْرًا لِمَن يَرْتَدُّ، وقُوَّةُ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ لا تَخْفى. وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ حُذَيْفَةَ: ذَهَبَ النِّفاقُ إنَّما كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنَّما هو الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ فَضَحَكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ثُمَّ قالَ: بِمَ تَقُولُ؟ قالَ: بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ صفحة 205 الآيَةُ وكَأنَّ ضَحِكَ ابْنِ مَسْعُودٍ كانَ اسْتِغْرابًا لِذَلِكَ وسُكُوتَهُ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ في ارْتِضائِهِ لِما فَهِمَهُ مَعْدِنُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الآيَةِ. ( ومَن ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وجُمْلَةُس ( مَن كَفَرَ ) إلَخْ قِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ إلَخْ أوْ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن آمَنَ فَهُمُ الفائِزُونَ ومَن كَفَرَ إلَخْ، إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ وكَذا جُمْلَةُ ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أمّا ذَلِكَ في الأُولى فالسُّؤالُ ناشِئٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الكَرِيمِ أوْ بَعْدَ حُصُولِهِ؟ فَقِيلَ: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا. وأمّا في الثّانِيَةِ فالسُّؤالُ ناشِئٌ مِنَ الجَوابِ المَذْكُورِ فَأنَّهُ قِيلَ فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَماذا؟ فَقِيلَ: ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ وجَزاؤُهم مَعْلُومٌ وهو كَما تَرى. هَذا واسْتَدَلَّ كَثِيرٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعْدٌ فِيها مَن في حَضْرَةِ الرِّسالَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِخْلافِ وتَمْكِينِ الدِّينِ والأمْنِ العَظِيمِ مِنَ الأعْداءِ ولا بُدَّ مِن وُقُوعِ ما وُعِدَ بِهِ ضَرُورَةُ امْتِناعِ الخَلَفِ في وعْدِهِ تَعالى ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَجْمُوعُ إلّا في عَهْدِهِمْ فَكانَ كُلٌّ مِنهم خَلِيفَةً حَقًّا بِاسْتِخْلافِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ حَسْبَما وعَدَ جَلَّ وعَلا ولا يَلْزَمُ عُمُومَ الِاسْتِخْلافِ لِجَمِيعِ الحاضِرِينَ المُخاطِبِينَ بَلْ وُقُوعُهُ فِيهِمْ كَبَنُو فَلانٍ قَتَلُوا فَلانًا فَلا يُنافِي ذَلِكَ عُمُومَ الخِطابِ الجَمِيعِ، وكَوْنُ مِن بَيانِيَّةً، وكَذا لا يُنافِيهِ ما وقَعَ في خِلافَةِ عُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِنَ الفِتَنِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأمْنِ مِن أعْداءِ الدِّينِ وهُمُ الكُفّارُ كَما تَقَدَّمَ. وأقامَها بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ دَلِيلًا عَلى الشِّيعَةِ في اعْتِقادِهِمْ عَدَمُ صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ، ولَمْ يَسْتَدِلْ بِها عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِأنَّها مُسَلِّمَةٌ عِنْدَ الشِّيعَةِ والأدِلَّةُ كَثِيرَةٌ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى مَن يُنْكِرُها مِنَ النَّواصِبِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّونَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ فِيها جَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الحاضِرِينَ وقْتَ نُزُولِها بِما وعَدَ مِنَ الِاسْتِخْلافِ وما مَعَهُ ووَعَدَهُ سُبْحانَهُ الحَقَّ ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إلّا في عَهْدِ الثَّلاثَةِ، والإمامُ المَهْدِيُّ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ النُّزُولِ قَطْعًا بِالإجْماعِ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى وعْدِهِ بِذَلِكَ، والأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَرُجُّ الدِّينُ المَرْضِيُّ كَما هو حَقُّهُ في زَمانِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ بَلْ صارَ أسْوَأ حالًا بِزَعْمِهِمْ مِمّا كانَ في عَهْدِ الكُفّارِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ المُرْتَضى في تَنْزِيهِ الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ كُلِّ كُتُبِ الشِّيعَةِ تُصَرِّحُ بِأنَّ الأمِيرَ وشِيعَتِهِ كانُوا يَخْفُونَ دِينَهم ويُظْهِرُونَ دِينَ المُخالِفِينَ تَقِيَّةً ولَمْ يَكُنِ الأمْنُ الكامِلُ حاصِلًا أصْلًا في زَمانِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ كانَ أهْلُ الشّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ يُنْكِرُونَ أصْلَ إمامَتِهِ ولا يَقْبَلُونَ أحْكامَهُ وهم كَفَرَةٌ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ وأغْلَبُ عَسْكَرِ الأمِيرِ يَخافُونَهم ويُحَذِّرُونَ غايَةَ الحَذَرِ مِنهُمْ، ومَعَ هَذا الأمِيرِ فَرَدَّ يُمْكِنُ إرادَتُهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لِيَكُونَ هو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِصْداقُ الآيَةِ كَما يَزْعُمُونَ فَإنَّ حَمْلَ لَفْظِ الجَمْعِ عَلى واحِدٍ خِلافَ أُصُولِهِمْ إذْ أقَلِّ الجَمْعِ عِنْدَهم ثَلاثَةُ أفْرادٍ، وأمّا الأئِمَّةُ الآخَرُونَ الَّذِينَ ولَدُوا بَعْدَ فَلا احْتِمالَ لِإرادَتِهِمْ مِنَ الآيَةِ إذْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ حالَ نُزُولِها ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ التَّسَلُّطُ في الأرْضِ ولَمْ يَقَعْ رَواجُ دِينِهِمُ المُرْتَضى لَهم وما كانُوا آمِنِينَ بَلْ كانُوا خائِفِينَ مِن أعْداءِ الدِّينِ مِنهم كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ الشِّيعَةُ فَلَزِمَ أنَّ الخُلَفاءَ الثَّلاثَةَ هم مِصْداقُ الآيَةِ فَتَكُونُ خِلافَتُهم حَقَّةً وهو المَطْلُوبُ. صفحة 206 وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ وأهْلِ بَيْتِهِ ﷺ فَهُمُ المَوْعُودُونَ بِالِاسْتِخْلافِ وما مَعَهُ ويَكْفِي في ذَلِكَ تَحَقُّقُ المَوْعُودِ في زَمَنِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ عَدَمَ وُجُودِهِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ الخِطابَ الشِّفاهِيَّ لا يَخُصُّ المَوْجُودِينَ، وكَذا لا يُنافِي عَدَمَ حُصُولِهِ لِلْكُلِّ لِأنَّ الكَلامَ نَظِيرُ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فَلانًا، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما رَوى العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: هم واللَّهِ شِيعَتُنا أهْلُ البَيْتِ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ عَلى يَدِ رَجُلٍ مِنّا وهو مَهْدِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ وهو الَّذِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ: ««لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلّا يَوْمٌ واحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ حَتّى يَلِيَ رَجُلٌ مِن عِتْرَتَيِ اسْمُهُ اسْمِي يَمْلَأُ الأرْضَ عَدْلًا وقِسْطًا كَما مُلِئَتْ ظُلْمًا وجُورًا»». وزَعَمَ أنَّهُ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهَذا عَلى ما فِيهِ مِمّا يَأْباهُ السِّياقُ والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الوارِدَةُ في سَبَبِ النُّزُولِ وأخْبارِ الشِّيعَةِ لا يَخْفى حالُها لا سِيَّما عَلى مَن وقَفَ عَلى التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ. نَعَمْ ورَدَ مِن طَرِيقِنا ما يَسْتَأْنِسُ بِهِ لَهم في هَذا المَقامِ لَكِنَّهُ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ أيْضًا مِثْلَ أخْبارِهِمْ وهو ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ عَطِيَّةَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: أهْلُ البَيْتِ هاهُنا وأشارَ بِيَدِهِ إلى القِبْلَةِ». وزَعَمَ بَعْضُهم نَحْوَ ما سَمِعَتْ عَنِ الطَّبَرْسِيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي في حَقِّ جَمِيعِ أهْلِ البَيْتِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وسائِرِ الأئِمَّةِ الاثْنى عَشْرَ وتَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيهِمْ زَمَنَ الرَّجْعَةِ حِينَ يَقُومُ القائِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وزَعَمَ أنَّها أحَدُ أدِلَّةِ الرَّجْعَةِ، وهَذا قَدْ زادَ في الطُّنْبُورِ نَغْمَةً. وقالَ المَلَأُ عَبْدُ اللَّهِ المُشْهِدِيُّ في كِتابِهِ إظْهارِ الحَقِّ لِإبْطالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِخْلافُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وهو الإتْيانُ بِواحِدٍ خَلْفَ آخَرَ أيْ بَعْدِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ [الأعْرافُ: 129] فَقُصارى ما يَثْبُتُ أنَّهم خُلَفاءُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ ولَيْسَ النِّزاعُ فِيهِ بَلْ هو دَفِيُّ المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ وهو مَعْنًى مُسْتَحْدَثٌ بَعْدَ رِحْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ اهْـ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَوْ تَمَّ هَذا لا يَتِمُّ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ بِحَدِيثِ ««أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى»» المُعْتَضِدُ بِما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ لِهارُونَ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعْرافُ: 143] وبِما يَرْوُونَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««يا عَلِيُّ أنْتَ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي»» وكَذا لا يَتِمُّ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ بِما تَضَمَّنَ لَفْظُ الإمامِ لِأنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في الكِتابِ المَجِيدِ بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ أصْلًا وإنَّما اسْتَعْمَلَ بِمَعْنى النَّبِيِّ والمُرْشِدِ والهادِي والمُقْتَدى بِهِ في أمْرٍ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ومَتى ادَّعى فَهُمُ المَعْنى المُصْطَلَحُ مِن ذَلِكَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ فَلْيَدَّعِ فَهُمُ المَعْنى المُصْطَلَحُ مِنَ الخَلِيفَةِ كَذَلِكَ ورُبَّما يَدَّعِي أنَّ فَهْمَهُ مِنهُ أقْوى لِأنَّهُ مَقْرُونٌ مِن حَيْثُ وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ بِلَفْظٍ في الأرْضِ الدّالِّ عَلى التَّصَرُّفِ العامِ الَّذِي هو شَأْنُ الخَلِيفَةِ بِذَلِكَ المَعْنى عَلى أنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ عَلى خِلافَةِ الثَّلاثَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ لَفْظِ الِاسْتِخْلافِ حَتّى يَتِمَّ غَرَضُ المُناقِشِ فِيهِ بَلْ ذَلِكَ مَعَ مُلاحَظَةِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا أسْنَدَ الِاسْتِخْلافَ اللُّغَوِيَّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ صارَ اسْتِخْلافًا شَرْعِيًّا وقَدْ يُسْتَفْتى في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن عُلَماءِ الشِّيعَةِ فَيُقالُ: إنَّ إتْيانَ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَكانِ آلِ فِرْعَوْنَ والعَمالِقَةِ وجَعْلِهم مُتَصَرِّفِينَ في أرْضِ مِصْرَ والشّامِ هَلْ كانَ حَقًّا أوْ لا ولا أظُنُّهم يَقُولُونَ إلّا أنَّهُ حَقٌّ وحِينَئِذٍ يُلْزِمُهم أنَّ يَقُولُوا بِهِ في الآيَةِ لِعَدَمِ الفَرْقِ وبِذَلِكَ يَتِمُّ الغَرَضُ هَذا حاصِلٌ ما قِيلَ في هَذا المَقامِ. صفحة 207 والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في نَزاهَةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَمّا رَماهم لِلشِّيعَةِ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والجَوْرِ والتَّصَرُّفِ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ لِظُهُورِ تَمْكِينِ الدِّينِ والأمْنِ التّامِّ مِن أعْدائِهِ في زَمانِهِمْ ولا يَكادُ يَحْسُنُ الِامْتِنانُ بِتَصَرُّفٍ باطِلٍ عِقابُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ. وكَذا لا يَكادُ يُحْسِنُ الِامْتِنانَ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ عَلى أهْلِ عَصْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمُ الرُّؤَساءَ الَّذِينَ بِيَدِهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ لَوْ كانُوا وحاشاهم كَما يَزْعُمُ الشِّيعَةُ فِيهِمْ، ومَتى ثَبَتَ بَلَّكَ نَزاهَتُهم عَمّا يَقُولُونَ اكْتَفَيْنا بِهِ وهَذا لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى اتِّصافِهِمْ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ حالَ نُزُولِ الآيَةِ وإنْكارِ الشِّيعَةِ لَهُ إنْكارٌ لِلضَّرُورِيّاتِ، وكَوْنُ المُرادِ بِالآيَةِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أوِ المَهْدِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأهْلَ البَيْتِ مُطْلَقًا مِمّا لا يَقُولُهُ مُنْصِفٌ. وفِي كَلامِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما يَقْتَضِي بِسُوقِهِ خِلافَ ما عَلَيْهِ الشِّيعَةُ فَفي نَهْجِ البَلاغَةِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا اسْتَشارَ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ لِانْطِلاقِهِ لِقِتالِ أهْلِ فارِسَ حِينَ تَجَمَّعُوا لِلْحَرْبِ قالَ لَهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرَهُ ولا خِذْلانَهُ بِكَثْرَةٍ ولا بِقِلَّةٍ وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أظْهَرَهُ وجُنُدَهُ الَّذِي أعَزَّهُ وأيَّدَهُ حَتّى بَلَغَ ما بَلَغَ وطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ ونَحْنُ عَلى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ واللَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ وعَدَهُ وناصِرٌ جُنُدَهُ ومَكانُ القِيَمِ في الإسْلامِ مَكانَ النِّظامِ مِنَ الخَرَزِ فَإنِ انْقَطَعَ النِّظامُ تَفَرَّقَ ورَبَّ مُتَفَرِّقٍ لَمْ يَجْتَمِعْ والعَرَبُ اليَوْمَ وإنْ كانُوا قَلِيلًا فَهم كَثِيرُونَ بِالإسْلامِ عَزِيزُونَ بِالِاجْتِماعِ فَكُنْ قُطْبًا واسْتَدَرَّ الرَّحى بِالعَرَبِ وأصْلُهم دُونَكَ نارُ الحَرْبِ فَإنَّكَ إنْ شَخَّصْتَ مِن هَذِهِ الأرْضِ تَنَقَّضَتْ عَلَيْكَ العَرَبُ مِن أطْرافِها وأقْطارِها حَتّى يَكُونَ ما تَدْعُ وراءَكَ مِنَ العَوارِثِ أهَمُّ إلَيْكَ مِمّا بَيْنَ يَدَيْكَ وكانَ قَدْ آنَ لِلْأعاجِمِ أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ غَدًا يَقُولُونَ هَذا أصْلُ العَرَبِ فَإذا قَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ لِكَلْبِهِمْ عَلَيْكَ وطَعْمِهِمْ فِيكَ فَأمّا ما ذَكَرْتُ مِن عَدَدِهِمْ فَإنّا لَمْ نُقاتِلْ فِيما مَضى بِالكَثْرَةِ وإنَّما نُقاتِلُ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ اهْـ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

النور 24:56

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ القَوْلِ والفاصِلِ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مُنَكِّلِ وجْهٍ فَإنَّهُ وعْدُ المَأْمُورِ بِهِ وبَعْضُهُ مِن تَتِمَّتِهِ. وفي الكَشّافِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والفاصِلُ يُؤَكِّدُ المُغايِرَةَ ويُرَشِّحُها لِأنَّ المُجاوِرَةَ مَظِنَّةُ الِاتِّصالِ والِاتِّحادُ فَيَكُونُ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِإطاعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّأْكِيدِ وأكَّدَ دُونَ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّ في النُّفُوسِ لا سِيَّما نُفُوسِ العَرَبِ مِن صُعُوبَةِ الِانْقِيادِ لِلْبَشَرِ ما لَيْسَ فِيها مِن صُعُوبَةِ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى ولِتَعْلِيقِ الرَّحْمَةِ بِها أوْ بِالمُنْدَرِجَةِ هي فِيهِ وهي الجُمَلُ الواقِعَةُ في حَيِّزِ القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ كَما عَلَّقَ الِاهْتِداءَ بِالإطاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ والإنْصافُ أنَّ هَذا العَطْفَ بِعِيدٍ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ وفِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ الرَّسُولَ لَعَلَّهم يَرْحَمُونَ، لَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ التِفاتًا إلى الخِطابِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ وحَسَّنَهُ هَنا الخِطابُ في ( مِنكُمْ) . وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الِالتِفاتِ وجَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الأخْبارِ لا يُناسِبُ ذَلِكَ وكَوْنُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ حالًا أوِ صفحة 208 اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، والَّذِي اخْتارَهُ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ فَهُمُ النَّهْيُ عَنِ الكُفْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَكْفُرُوا وأقِيمُوا الصَّلاةَ إلَخْ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ انْفَهامُ المُقَدَّرِ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ، حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ الأمْرَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَآمِنُوا واعْمَلُوا الصّالِحاتِ وأقِيمُوا إلَخْ، وجَوَّزَ في ﴿أطِيعُوا﴾ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِإطاعَتِهِ ﷺ بِجَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُنْتَظِمَةِ لِلْآدابِ المُرْضِيَّةِ وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِالإطاعَةِ فِيما عَدا الأمْرَيْنِ السّابِقَيْنِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِتَكْمِيلِهِما كَأنَّهُ قِيلَ: وأطِيعُوا الرَّسُولَ في سائِرِ ما يَأْمُرُكم بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِالأوامِرِ الثَّلاثَةِ وجَعَلَ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقًا بِالأخِيرِ.

النور 24:57

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ بَيانٌ لِمَآلِ الكَفَرَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَناهِيهِمْ في الفِسْقِ وفَوْزِ أضْدادِهِمْ بِالرَّحْمَةِ المُطْلِقَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا رَفْعُ اسْتِبْعادِ تَحَقُّقِ الوَعْدِ السّابِقِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِ الكَفَرَةِ وعَدَدِهِمْ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحَسَبْنا نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السَّجْدَةُ: 12] . وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ بِمَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: «إيّاكَ عَنِّي فاسْمَعِي يا جارَةُ» أوِ الإشارَةُ إلى أنَّ الحُسْبانَ المَذْكُورَ بَلَغَ في القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ إلى حَيْثُ يَنْهى مَن يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ) [الأنْعامُ: 14، يُونُسُ: 105، القِصَصُ: 87] فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ جَعْلَ الخِطابِ لِلرَّسُولِ ﷺ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يَتَصَوَّرُ وُقُوعَهُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرَ ومَحْمَلُ المَوْصُولِ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِلْحُسْبانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُعْجِزِينَ﴾ ثانِيهُما وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي الأرْضِ﴾ ظَرْفٌ لِمُعْجِزِينَ لَكِنْ لا لِإفادَةِ كَوْنِ الإعْجازِ المَقْصُودِ بِالنَّفْيِ فِيها لا في غَيْرِها فَإنَّ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ بَلْ لِإفادَةِ شُمُولِ عَدَمِ الإعْجازِ لِجَمِيعِ أجْزائِها أيْ لا تَحْسَبَنَّهم مُعْجِزِينَ اللَّهِ تَعالى عَنْ إدْراكِهِمْ وإهْلاكِهِمْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ بِما رَحَّبْتَ وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ «يَحْسَبْنَ» بِالياءِ آخِرُ الحُرُوفِ عَلى أنَّ الفاعِلَ كُلُّ أحَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَحْسَبْنَ حاسِبَ الكافِرِينَ مُعْجِزِينَ لَهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) في الأرْضِ وضَمِيرِهِ ﷺ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ. وزَعْمُ أبِي حَيّانَ أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ أوْ ضَمِيرِ الكافِرِ أيْ لا يَحْسَبْنَ الكافِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ أوِ المَوْصُولِ والمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ في الأرْضِ، وذَكَرَ أنَّ الأصْلَ عَلى هَذا لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ وكَأنَّ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذَلِكَ الثّالِثِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ لَيْسَ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها فَلا يَجُوزُ كَوْنُ الأصْلِ (لا يَحْسَبُهُمُ الَّذِينَ إلَخْ كَما لا يَجُوزُ ظَنُّهُ زِيدَ قائِمًا، وقالَ الكُوفِيُّونَ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ و﴿فِي الأرْضِ﴾ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا في مِثْلِ ذَلِكَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ المُطايَقَةِ لِمُقْتَضى لِلْمَقامِ ضَرُورَةَ أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي ولا فائِدَةَ في بَيانِ كَوْنِ المُعْجِزِينَ في الأرْضِ. ورَدَّ بِأنَّهُ وإنْ كانَ صفحة 209 مَصَبُّ الفائِدَةِ جَعَلَ مَفْرُوغًا مِنهُ وإنَّما المَطْلُوبُ بَيانُ المَحَلِّ أيْ لا يَعْجِزُوهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ والإنْصافُ أنَّ ما ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ إنَّما هو تَعَلَّقَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِمُعْجِزِينَ وأيًّا ما كانَ فالقِراءَةُ المَذْكُورَةُ صَحِيحَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَراتِبُ تَخْرِيجاتِها قُوَّةً وضَعْفًا، ومِن ذَلِكَ يَعْلَمُ ما فِيقَوْلِ النُّحاسِ ما عَلِمْتَ أحَدًا مَن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصَرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخْطِئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبْنَ، ومِنهم مَن قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ انْتَهى مِن قِلَّةِ الوُقُوفِ ومَزِيدِ الهَذَيانِ والجَسارَةِ عَلى الطَّعْنِ في مُتَواتِرٍ مِنَ القُرْآنِ، ولَعَمْرِي لَوْ كانَتِ القِراءَةُ بِالرَّأْيِ لَكانَ اللّائِقُ بِمَن خُفِيَ عَلَيْهِ وجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ أنْ لا يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الكَلامِ ويَتَّهِمُ نَفْسَهُ ويَحْجِمُ عَنِ الطَّعْنِ في ذَلِكَ الإمامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ بِتَأْوِيلِها بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ تَحْقِيقُ نَفْيِ الحُسْبانِ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ومَأْواهُمُ النّارُ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ لِأنَّ الأوَّلَ وعِيدُ الدُّنْيا كَأنَّهُ قِيلَ مَقْهُورُونَ في الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ومَخْزُونِ في الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ، وعَنْ صاحِبِ النُّظُمِ تَقْدِيرُهُ بَلْ هم مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ ومُحاسَبُونَ ومَأْواهُمُ النّارُ. قالَ في الكَشْفِ: وجَعَلَهُ حالًا عَلى مَعْنى لا يَنْبَغِي الحُسْبانُ لِمَن مَأْواهُ النّارُ كَأنَّهُ قِيلَ أنّى لِلْكافِرِ هَذا الحُسْبانِ وقَدْ أعَدَّ لَهُ النّارَ، والعُدُولُ إلى ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحَقُّقِ وأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهم لا رَيْبَ وجْهٍ حَسَنٍ خالٍ عَنْ كَلَفٍ لِكُلْفَةٍ ألَمَّ بِهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ في ظاهِرِهِ مَيْلًا إلى بَعْضِ تَخْرِيجاتِ قِراءَةِ «يَحْسَبْنَ» بِياءِ الغَيْبَةِ. وتَعَقَّبَ في البَحْرِ تَأْوِيلُ جُمْلَةِ النَّهْيِ لِتَصْحِيحِ العَطْفِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: الصَّحِيحُ أنَّهُ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ، والمَأْوى اسْمُ مَكانٍ، وجَوَّزَ فِيهِ المَصْدَرِيَّةَ والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وبِاللَّهِ ( لَبِئْسَ المَصِيرُ ) هي أيُ النّارِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلِهِ، وفي إيرادِ النّارِ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَأْوى ومَصِيرًا لَهم أثَرُ نَفْيٍ فَوْتِهِمْ بِالهَرَبِ في الأرْضِ كُلَّ مَهْرَبٍ مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ فَلِلَّهِ تَعالى دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ.

النور 24:58

﴿يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ رُجُوعٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إلى بَيانِ تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ ما يُوجِبُ الِامْتِثالَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي الوارِدَةِ فِيها وفي الأحْكامِ اللّاحِقَةِ مِنَ التَّمْثِيلاتِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، وفي التَّحْقِيقِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِمّا يُطاعُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ لِلَّهِ فِيهِ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ دُخُولَهُ في الطّاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ الآدابِ أبْعَدُ مِن غَيْرِهِ، والخِطابُ إمّا لِلرِّجالِ خاصَّةً والنِّساءُ داخِلاتٌ في الحُكْمِ بِدَلالَةِ النَّصِّ أوْ لِلْفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًا، واعْتَرَضَ الأوَّلُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ النِّساءِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي مَرْثَدٍ دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ كَبِيرٌ لَها في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنْ خَدَمْنا وغِلْمانُنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالٍ نَكْرَهُها فَنَزَلَتْ»، وقَدْ ذَكَرَ الإتْقانَ أنَّ دُخُولَ سَبَبِ النُّزُولِ في الحُكْمِ قَطْعِيٌّ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ ما المانِعُ مِن أنْ يَعْلَمَ الحَكَمُ في السَّبَبِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ والقِياسُ الجَلِيُّ ويَكُونُ ذَلِكَ في حُكْمِ الدُّخُولِ، ونَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ أنَّهُ ظَنِّيٌّ فَيَجُوزُ إخْراجَهُ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِ الأُصُولِ، ثُمَّ ما ذَكَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ مَجْمَعًا عَلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ وقْتَ الظَّهِيرَةِ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى صفحة 210 عَنْهُ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ مُدْلِجٌ وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نائِمًا فَدَقَّ عَلَيْهِ البابَ ودَخَلَ فاسْتَيْقَظَ وجَلَسَ فانْكَشَفَ مِنهُ شَيْءٌ فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوَدِدْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى آباءَنا وأبْناءَنا وخَدَمْنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا بِإذْنٍ فانْطَلَقَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا،» وهَذا أحَدُ مُوافِقاتِ رَأْيِهِ الصّائِبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِلْوَحْيِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السَّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهم أنْ يُواقِعُوا نِساءَهم في هَذِهِ السّاعاتِ فَيَغْتَسِلُوا ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلى الصَّلاةِ فى مُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْمُرُوا المَمْلُوكِينَ والغِلْمانِ أنْ لا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَمْلُوكِينَ والصِّبْيانِ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ لِلْمُخاطِبِينَ فَكَأنَّهم أمَرُوا أنْ يَأْمُرُوا المَذْكُورِينَ بِالِاسْتِئْذانِ وبِهَذا يَنْحَلُّ ما قِيلَ: كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلْمُ بِالِاسْتِئْذانِ وهو تَكْلِيفٌ ولا تَكْلِيفَ قَبْلَ البُلُوغِ، وحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْمُرْهُ حَقِيقَةً وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ الكَبِيرَ أنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ كَما أمَرَهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهُمْ أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرَ سِنِينَ»» وأمْرُهُ بِما ذَكَرَ ونَحْوُهُ مِن بابِ التَّأْدِيبِ والتَّعْلِيمِ ولا إشْكالَ فِيهِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلْبالِغِينَ مِنَ المَذْكُورِينَ عَلى الحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِمْ عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ. وقِيلَ: هو لِلْجَمِيعِ عَلى الحَقِيقَةِ والتَّكْلِيفِ يَعْتَمِدُ التَّمْيِيزُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فالمُرادُ بِالَّذِينِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ المُمَيَّزُونَ مِنَ الصِّغارِ وهو كَما تَرى. واخْتُلِفَ في هَذا الأمْرِ فَذَهَبَ بَعْضُ إلى أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لِلنَّدْبِ وعَلى القَوْلَيْنِ هو مُحْكَمٌ عَلى الصَّحِيحِ وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، والجُمْهُورُ عَلى عُمُومِ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ في العَبِيدِ والإماءِ الكِبارِ والصِّغارِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ أنَّهُ خاصٌّ بِالذُّكُورِ كَما هو ظاهِرُ الصِّيغَةِ ورَوى ذَلِكَ عَنْ أبى جَعْفَرٍ. وأبى عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ السِّلْمِيُّ: إنَّهُ خاصٌّ بِالإناثِ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَخْصِيصُهُ بِالصِّغارِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والمُرادُ بِالَّذِينِ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلْمَ الصِّبْيانَ ذُكُورًا وإناثًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما مَرَّ في سابِقِهِ عَنِ الجُمْهُورِ وخَصَّ بِالمُراهِقِينَ مِنهُمْ، و﴿مِنكُمْ﴾ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالأحْرارِ ويَشْعُرُ بِهِ المُقابَلَةَ أيْضًا. وفِي البَحْرِ هو عامٌّ في الأطْفالِ عَبِيدًا كانُوا أوْ أحْرارًا، وكُنِيَ عَنِ القُصُورِ عَنْ دَرَجَةِ البُلُوغِ بِما ذَكَرَ لِأنَّ الِاحْتِلامَ أقْوى دَلائِلِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ إذا احْتَلَمَ الصَّبِيُّ فَقَدْ بَلَغَ، واخْتَلَفُوا فِيما إذا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَمْ يَحْتَلِمْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ في المَشْهُورِ: لا يَكُونُ بالِغًا حَتّى يَتِمَّ لَهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وكَذا الجارِيَةُ إذا لَمْ تَحْتَلِمْ أوْ لَمْ تَحُضْ أوْ لَمْ تَحْبَلْ لا تَكُونُ بالِغَةً عِنْدَهُ حَتّى يَتِمَّ لَها سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنْعامُ: 152] وأشَدُّ الصَّبِيِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَبِعَهُ القُتَيْبِيُّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وهو أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَيُبْنى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ غَيْرَ أنَّ الإناثَ نَشُؤُهُنَّ وإدْراكُهُنَّ أسْرَعُ فَنَقُصُّ في حَقِّهِنَّ سِنَةً لِاشْتِمالِها عَلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُوافِقُ واحِدٌ مِنها المِزاجُ لا مَحالَةَ وقالَ صاحِباهُ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: إذا بَلَغَ الغُلامُ والجارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةَ فَقَدْ بَلَغا وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا وعَلَيْهِ الفَتْوى. ولَهم أنَّ العادَةَ الفاشِيَّةَ أنْ لا يَتَأخَّرَ البُلُوغُ فِيهِما عَنْ هَذِهِ المُدَّةِ وقُيِّدَتِ العادَةُ بِالفاشِيَّةِ لِأنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ الغُلامُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وقَدْ تَبْلُغُ الجارِيَةُ في تِسْعِ سِنِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ما تَقَدَّمَ بِما رَوى «ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى صفحة 211 عَنْهُما أنَّهُ عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ولَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يَجُزْهُ وعَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الخَنْدَقِ ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ،» واعْتَرَضَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ أحَدًا كانَ في سَنَةِ ثَلاثٍ والخَنْدَقُ في سَنَةِ خَمْسٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَكَرَ في الخَبَرِ، وأيْضًا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى المُدَّعى لِأنَّ الإجازَةَ في القِتالِ لا تَعَلُّقَ لَها بِالبُلُوغِ فَقَدْ لا يُؤْذَنُ البالِغُ لِضَعْفِهِ ويُؤْذَنُ غَيْرُ البالِغِ لِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى حَمْلِ السِّلاحِ. ولَعَلَّ عَدَمَ إجازَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوَّلًا إنَّما كانَ لِضَعْفِهِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما سَألَهُ عَنِ الِاحْتِلامِ والسَّنِّ. ومِمّا تَفَرَّدَ بِهِ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما قِيلَ جَعْلُ الإنْباتِ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ واحْتَجَّ لَهُ بِما رَوى عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمْرٌ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ مِن قُرَيْظَةَ واسْتِحْياءَ مَن لَمْ يَنْبُتْ قالَ: فَنَظَرُوا إلَيَّ فَلَمْ أكُنْ قَدْ أنْبَتَ فاسْتَبَقانِي ﷺ» وتَعَقَّبَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرْعِ بِمِثْلِهِ فَإنَّ عَطِيَّةَ هَذا مَجْهُولٌ لا يَعْرِفُ إلّا مِن هَذا الخَبَرِ، وأيْضًا هو مُخْتَلِفُ الألْفاظِ فَفي بَعْضِ رِوايَةٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المُواسِي،» وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ لَيْسَ لِأنَّهُ بالِغٌ بَلْ لِأنَّهُ قَوِيٌّ فَإنَّ الإنْباتَ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ، وانْتَصَرَ لِلشّافِعِيِّ بِأنَّ الِاحْتِمالَ مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُلامٍ فَقالَ: هَلِ اخْضَرَّ إزارُهُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ كالأمْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ثُمَّ المَشْهُورُ عَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ في حَقِّ أطْفالِ الكُفّارِ، وتَكَلُّفِ الشّافِعِيَّةِ في الِانْتِصارِ لَهُ ورَدَ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِ بِما لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن راجَعَهُ. ومِنَ الغَرِيبِ ما رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُمُ اعْتَبَرُوا في البُلُوغِ أنْ يَبْلُغَ الإنْسانُ في طُولِهِ خَمْسَةَ أشْبارٍ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إذا بَلَغَ الغُلامُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ وقَعَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ يَقْتَصُّ لَهُ ويَقْتَصُّ مِنهُ. وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُتِيَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِهِ فَشِبْرٌ فَنَقُصُ أُنْمُلَةٍ فَخَلّى عَنْهُ، وبِهَذا المَذْهَبِ أخَذَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ يَمْدَحُ يَزِيدُ بْنُ المُهَلَّبِ: ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ وسَما فَأدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبارِ يُدْنِي كَتائِبَ مِن كَتائِبَ تَلْتَقِي ∗∗∗ بِالطَّعْنِ يَوْمَ تَجاوُلِ وغِوارٍ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَقُولُونَ بِهِ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ دُونَ البُلُوغِ ويَكُونُ طَوِيلًا وفَوْقَ البُلُوغِ ويَكُونُ قَصِيرًا فَلا عِبْرَةَ بِذَلِكَ. ولَعَلَّ الأخْبارَ السّابِقَةَ لا تَصِحُّ. وما نَقَلَ عَنِ الفَرَزْدَقَ لا يَتَعَيَّنُ إرادَةَ البُلُوغِ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ أرادَ بِخَمْسَةِ الأشْبارِ القَبْرِ كَما قالَ الآخَرُ: عَجَبًا لِأرْبَعِ أذْرُعٍ في خَمْسَةٍ ∗∗∗ في جَوْفِهِ جَبَلٍ أشَمِّ كَبِيرٍ هَذا وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ «الحِلْمِ» بِسُكُونِ اللّامِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الحُلْمَ بِالضَّمِّ والحُلْمُ السُّكُونُ كِلاهُما مَصْدَرُ حُلْمٍ في نَوْمِهِ بِكَذا بِالفَتْحِ إذا رَآهُ في المَنامِ يَحْلُمُ بِالضَّمِّ ولَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِلُغَةٍ دُونَ أُخْرى، وعَنْ بَعْضِهِمْ عُدْ حُلْمًا بِالفَتْحِ مَصْدَرًا لِذَلِكَ أيْضًا، وفي الصِّحاحِ الحُلْمِ بِالضَّمِّ ما يَراهُ النّائِمُ تَقُولُ مِنهُ: حَلَمَ بِالفَتْحِ واحْتَلَمَ وتَقُولُ حَلِمْتُ بِكَذا وحَلَمَتْهُ أيْضًا فَيَتَعَدّى بِالباءِ وبِنَفْسِهِ قالَ: فَحَلَمْتُها وبَنُو رَفِيدَةَ دُونَها ∗∗∗ لا يُبْعِدْنَ خَيالَها المَحْلُومَ والحُلْمُ بِكَسْرِ الحاءِ الأناةِ تَقُولُ مِنهُ: حُلْمُ الرَّجُلِ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَلِيمًا، وفي القامُوسِ الحِلْمِ بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ الرُّؤْيا جَمْعُهُ أحْلامٌ ثُمَّ قالَ: وحَلَمَ بِهِ وعَنْهُ رَأى لَهُ رُؤْيا أوْ رَآهُ في النَّوْمِ والحُلْمُ بِالضَّمِّ والِاحْتِلامُ الجِماعُ في النَّوْمِ صفحة 212 والِاسْمُ الحُلْمُ كَعُنُقِ والحُلْمُ بِالكَسْرِ الأناةُ والعَقْلُ وجَمْعُهُ أحْلامٌ وحُلُومٌ اهْـ، والظَّهْرُ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ بِمَعْنى الجِماعِ في النَّوْمِ وهو الِاحْتِلامُ المَعْرُوفُ ووَجْهُ الكِنايَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ. وقالَ الرّاغِبُ: الحُلْمُ زَمانُ البُلُوغِ وسُمِّيَ الحُلْمُ لِكَوْنِهِ جَدِيرًا صاحِبَهُ بِالحُلْمِ أيِ الأناةِ وضَبْطِ النَّفْسِ عَنْ هَيَجانِ الغَضَبِ وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أيْ ثَلاثِ أوْقاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَرّاتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ طَلَبِ الِاسْتِئْذانِ مُقارَنَةً تِلْكَ الأوْقاتِ لِمُرُورِ المُسْتَأْذِنِينَ بِالمُخاطِبِينَ لا أنْفُسُها فَنَصْبُ ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلِاسْتِئْذانِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ إلَخْ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ كَما قِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ثَلاثَ﴾ أوْ مِن ﴿مَرّاتٍ﴾ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أحَدِّها مِن قَبْلُ إلَخْ وهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا، واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ المَعْنى ثَلاثُ اسْتِئْذاناتٍ كَما هو الظّاهِرُ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يَفْهَمُ مِنهُ إلّا ثَلاثَ ضَرَباتٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِلِاسْتِئْذانِ ( ومِن قَبْلِ ) إلَخْ ظَرْفٌ لَهُ، وشَرْعُ الِاسْتِئْذانِ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ لِظُهُورِ أنَّهُ وقْتَ القِيامِ عَنِ المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النَّوْمِ ولَبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مَظَنَّةُ انْكِشافِ العَوْرَةِ. وأيْضًا كَثِيرًا ما يُجَنَّبُ الشَّخْصُ لَيْلًا فَيَغْتَسِلُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ويَسْتَحِي مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالَةِ ولَوْ مَسْتُورُ العَوْرَةِ ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ﴾ أيْ وحِينَ تَخْلَعُونَ ثِيابَكُمُ الَّتِي تَلْبَسُونَها في النَّهارِ وتَحُطُّونَها عَنْكم ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بَيانٌ لِلْحِينِ، والظَّهِيرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ وقْتَ الظُّهْرِ، وفي القامُوسِ هي حَدُّ انْتِصافِ النَّهارِ وإنَّما ذَلِكَ في القَيْظِ. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ( مِن ) أجَلِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن أجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الظَّهِيرَةَ بِشِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ انْتِصافِ النَّهارِ فَلا حاجَةَ إلى الحَذْفِ ( وحِينَ ) عَطْفُ عَلى ( مِن قَبْلِ ) وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ فَيَلْتَزِمُ القَوْلُ بِبِناءٍ حِينَ عَلى الفَتْحِ وإنْ أُضِيفَ إلى مُضارِعٍ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائِدَةُ: 119] عَلى قِراءَةِ فَتْحِ مِيمِ يَوْمٍ، والتَّصْرِيحُ بِمَدارِ الأمْرِ أعْنِي وضْعَ الثِّيابِ في هَذا الحِينِ دُونَ ما قِيلَ وما بَعْدُ لَمّا أنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الثِّيابِ فِيهِ لِأجْلِ القَيْلُولَةِ لِقِلَّةِ زَمانِها كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ إيرادُ الحِينِ مُضافًا إلى فِعْلٍ حادِثٍ مُتَقَضٍّ ووُقُوعُها في النَّهارِ الَّذِي هو مَئِنَّةٌ لِكَثْرَةِ الوُرُودِ والصُّدُورِ ومَظِنَّةٍ لِظُهُورِ الأحْوالِ وبُرُوزِ الأُمُورِ لَيْسَ مِنَ التَّحَقُّقِ والِاطِّرادِ بِمَنزِلَةِ ما في الوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَإنَّ تَحَقُّقَ المَدارِ فِيهِما أمْرٌ مَعْرُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ. ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ ضَرُورَةُ أنَّهُ وقْتَ التَّجَرُّدِ عَنْ لِباسِ اليَقَظَةِ والِالتِحافُ بِثِيابِ النَّوْمِ وكَثِيرًا ما يَتَعاطى فِيهِ مُقَدَّماتُ الجِماعِ وإنْ كانَ الأفْضَلَ تَأْخِيرُهُ لِمَن لا يَغْتَسِلُ عَلى الفَوْرِ إلى آخَرِ اللَّيْلِ، ويَعْلَمُ مِمّا ذَكَرَ في حَيِّزِ بَيانِ حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ في الوَقْتِ الأوَّلِ والوَقْتِ الأخِيرِ أنَّ المُرادَ بِالقِبْلِيَّةِ والبُعْدِيَّةِ المَذْكُورَتَيْنِ لَيْسَ مُطَلَّقَهِما المُتَحَقِّقِ في الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العِشاءِ بَلِ المُرادُ بِهِما طَرَفا ذَلِكَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَّصِلانِ اتِّصالًا عادِيًّا بِالصَّلاتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في الباقِي صفحة 213 مِنَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ إمّا لِانْفِهامِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ الأُولى، وإمّا لِنُدْرَةِ الوارِدِ فِيهِ جَدًّا كَما قِيلَ، وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِجَرَيانِ العادَةِ عَلى أنَّ مَن ورَدَ فِيهِ لا يَرُدُّ حَتّى يَعْلَمَ أهْلَ البَيْتِ لِما في الوُرُودِ ودُخُولِ البَيْتِ فِيهِ مِن دُونِ إعْلامِ أهْلِهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ هُنَّ ثَلاثُ عَوْراتٍ كائِنَةً لَكُمْ، والعَوْرَةُ الخَلَلُ ومِنهُ أعْوَرُ الفارِسِ وأعْوَرُ المَكانِ إذا اخْتَلَّ حالُهُ والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنُ، وعَوْرَةُ الإنْسانِ سَوْأتُهُ وأصْلُها كَما قالَ الرّاغِبُ: مِنَ العارِ وذَلِكَ لِما يَلْحَقُ في ظُهُورِها مِنَ العارِ أيِ المَذَمَّةِ، وضَمِيرُهُنَّ المَحْذُوفُ لِلْأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ هي ثَلاثُ أوْقاتٍ يَخْتَلُّ فِيها التَّسَتُّرُ عادَةً، وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ المُضافَ قَبْلَ ﴿ثَلاثَ﴾ فَقالَ: أيْ هي أوْقاتٌ ثَلاثُ عَوْراتٍ أوْ لا حَذْفَ فِيهِ، وإطْلاقُ العَوْراتِ عَلى الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها نَفْسُ العَوْراتِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عِلَّةِ طَلَبِ الِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأوْقاتِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «ثَلاثٌ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( ثَلاثَ مَرّاتٍ ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِنَ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وكَوْنَهُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي. وقَرَأ الأعْمَشُ «عَوَراتٍ» بِفَتْحِ الواوِ وهي لُغَةُ هَذِيلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وبَنِي تَمِيمٍ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ مِنكم ﴿جُناحٌ﴾ أيْ فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ بَعْدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ العَوْراتِ الثَّلاثِ وهي الأوْقاتُ المُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهُنَّ، وإيرادُها بِعُنْوانِ البُعْدِيَّةِ مَعَ أنَّ كُلَّ وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ قَبْلَ كُلِّ عَوْرَةٍ مِنَ العَوْراتِ كَما أنَّها بَعْدَ أُخْرى مِنهُنَّ لِتَوْفِيَةِ حَقِّ التَّكْلِيفِ والتَّرْخِيصِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِهِ إذِ الرُّخْصَةُ إنَّما تَتَصَوَّرُ في فِعْلٍ يَقَعُ بَعْدَ زَمانِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ لا حَرَجَ في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ في الوَقْتِ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ ما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ وما قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ بِالمَعْنى السّابِقِ لِلْبُعْدِيَّةِ والقِبْلِيَّةِ، ومُقْتَضى ما قَدَّمْنا ثُبُوتُ الحَرَجِ في ذَلِكَ فَيَكُونُ كالمُسْتَثْنى مِمّا ذَكَرَ. وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جَناحٌ بَعْدَهُنَّ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ عَلى المُخاطِبِينَ جَناحٌ لِأنَّ المَأْمُورِينَ ظاهِرًا فِيما تَقَدَّمَ بِالِاسْتِئْذانِ في العَوْراتِ الثَّلاثِ هُمُ المَمالِيكُ والمُراهِقُونَ الأحْرارُ لا غَيْرَ، وإنِ اعْتَبَرَ المَأْمُورُونَ في الحَقِيقَةِ فِيما مَرَّ كانَ الظّاهِرُ هاهُنا أنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلَيْكم جَناحٌ بَعْدَهُنَّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِرِعايَةِ المُبالِغَةِ في الإذْنِ بِتَرْكِ الِاسْتِئْذانِ فِيما عَدا تِلْكَ الثَّلاثِ حَيْثُ نَفْيِ الجَناحَ عَنِ المَأْمُورَيْنِ بِهِ فِيها ظاهِرًا وحَقِيقَةً. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالجَناحِ الإثْمُ الشَّرْعِيُّ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ إذا دَخَلَ المَمالِيكُ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ مِنهم عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ في تِلْكَ العَوْراتِ مَعَ أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وثُبُوتُهُ لِلْمَمالِيكِ والصِّغارِ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الصِّغارَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ فَلا يَتَصَوَّرُ في حَقِّهِمُ الإثْمَ الشَّرْعِيَّ. وأُجِيبُ بِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِمَن ذَكَرَ بِواسِطَةِ المَفْهُومِ ولا عِبْرَةَ بِهِ عِنْدَنا، وعَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِهِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ لِلْمُخاطِبِينَ حِينَئِذٍ لِتَرْكِهِمْ تَعْلِيمِهِمْ والتَّمْكِينُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ويُبْقى إشْكالُ ثُبُوتِهِ لِلصِّغارِ ولا مَدْفَعَ لَهُ إلّا بِالتِزامِ القَوْلِ بِأنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ التَّمْيِيزَ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ. صفحة 214 ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِمَن ذَكَرَ بِواسِطَةِ المَفْهُومِ بَحْثٌ لا يَخْفى. والتَزَمٌ في الجَوابِ كَوْنُ المُرادِ بِالجَناحِ لِإثْمِ العُرْفِيِّ الَّذِي مَرْجِعُهُ تَرْكُ الأُولى وإلّا خُلِقَ مِن حَيْثُ المُرُوءَةِ والأدَبِ وجَوازُ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِلْمُكَلَّفِ وغَيْرِ المُكَلَّفِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ فَكَأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْكم أيُّها المُؤْمِنُونَ جَناحٌ في دُخُولِهِمْ عَلَيْكم بَعْدَهُنَّ لِتَرْكِكم تَعْلِيمِهِمْ وتَمْكِينِكم إيّاهم مِنهُ المُفْضِي إلى الوُقُوفِ عَلى ما تَأْبى المُرُوءَةُ والغَيْرَةُ الوُقُوفَ عَلَيْهِ ولا عَلَيْهِمْ جَناحٌ في ذَلِكَ لِإخْلالِهِمْ بِالأدَبِ المُفْضِي إلى الوُقُوفِ عَلى ما تَكْرَهُ ذَوُو الطِّباعِ السَّلِيمَةِ الوُقُوفَ عَلَيْهِ ويَنْفَعِلُونَ مِنهُ. ولا يَأْبى ذَلِكَ تَقَدُّمُ الأمْرِ السّابِقِ ولا في الإرْشادِ مِن بَيانِ نُكْتَةِ إيرادِ العَوْراتِ الثَّلاثِ بِعُنْوانِ البُعْدِيَّةِ بِما سَمِعْتَ فَتَدَبَّرْ فَإنَّهُ دَقِيقٌ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورُ: 27] مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ الدُّخُولِ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى خِلافِهِ. ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ قالَ: إنَّها في الصِّبْيانِ ومَمالِيكِ المَدْخُولِ عَلَيْهِ وآيَةُ الِاسْتِئْذانِ في الأحْرارِ البالِغِينَ ومَمالِيكِ الغَيْرِ في حُكْمِهِمْ فَلا مُنافاةَ لِيَلْتَزِمَ النَّسْخُ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ نَفْيَ الجَناحِ بَعْدَهُنَّ عَلى مَن ذَكَرَ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ فَإنَّهُ مَتى تَحَقَّقَ أوْ ظَنَّ كَوْنُ أهْلِ البَيْتِ عَلى حالٍ يَكْرَهُونَ اطِّلاعَ المَمالِيكَ والمُراهِقِينَ مِنَ الأحْرارِ عَلَيْها كانْكِشافِ عَوْرَةِ أحَدِهِمْ ومُعاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ أوْ أمَتِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إحْدى العَوْراتِ الثَّلاثِ أوْ في غَيْرِها والأمْرُ بِالِاسْتِئْذانِ فِيها ونَفْيُ الجَناحِ بَعْدَها بِناءً عَلى العادَةِ الغالِبَةِ مِن كَوْنِ أهْلِ البَيْتِ في الأوْقاتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ عَلى حالٍ يَقْتَضِي الِاسْتِئْذانَ وكَوْنُهم عَلى حالٍ لا يَقْتَضِيهِ في غَيْرِها. هَذا وفي الآيَةِ تَوْجِيهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ هو أنَّ التَّقْدِيرَ لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جَناحٌ بَعْدَ اسْتِئْذانِهِمْ فِيهِنَّ فَحَذَفَ الفاعِلَ وحَرْفَ الجَرِّ فَبَقِيَ بَعْدَ اسْتِئْذانِهِنَّ ثُمَّ حَذَفَ المَصْدَرَ فَصارَ بَعْدَهُنَّ، وعَلَيْهِ تَقِلُّ مَؤُونَةُ الكَلامِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا. والجُمْهُورُ عَلى ما سَمِعْتُ أوَّلًا في مَعْناها، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى القِراءَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ في ثَلاثٍ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلِها، وفي الكَشّافِ أنَّها إذا رَفَعَ ﴿ثَلاثَ﴾ كانَتْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الوَصْفِ. والمَعْنى هُنَّ ثَلاثٌ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ وإذا نَصَبَ لَمْ يَكُنْ لَها مَحَلٌّ وكانَتْ كَلامًا مُقَرَّرًا لِلِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً، وقالَ في ذَلِكَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: إنْ رَفَعَ الحَرَجَ وراءَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ فَإذا وصَفَ بِهِ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ نَصْبًا وهو بَدَلٌ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ كانَ التَّقْدِيرُ لِيَسْتَأْذِنَكم هَؤُلاءِ في ثَلاثِ عَوْراتٍ مَخْصُوصَةٍ بِالِاسْتِئْذانِ. ويَدْفَعُهُ وُجُوهٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمِ المَعانِي. أحَدُها اشْتِراطُ تَقَدُّمِ عِلْمِ السّامِعِ بِالوَصْفِ وهو مُنْتَفٍ إذْ لَمْ يَعْلَمُ إلّا مِن هَذا. والثّانِي جَعْلُ الحُكْمِ المَقْصُودِ وصَفًّا لِلظَّرْفِ فَيَصِيرُ غَيْرَ مَقْصُودٍ. والثّالِثُ أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في المَرّاتِ الثَّلاثِ حاصِلٌ وصَفَتْ بِأنَّ لا حَرَجَ وراءَها أوْ لَمْ تُوصَفْ فَيَضِيعُ الوَصْفُ. وأمّا إذا وصَفَ المَرْفُوعَ فَيَزُولُ الدَّوافِعُ لِأنَّهُ ابْتِداءُ تَعْلِيمٍ أيْ هُنَّ ثَلاثٌ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ وصِفَةٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُودِ ولَمْ يَتَقَيَّدْ أمْرُ الِاسْتِئْذانِ بِهِ فَلْيَتَأمَّلْ فَإنَّهُ دَقِيقٌ جَلِيلٌ انْتَهى، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ساقِطانِ لا طائِلَ تَحْتَهُما والأوَّلُ هو الوَجْهُ. فَإنْ قِيلَ: هو مُشْتَرِكُ الإلْزامِ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ ما يَرْشُدُ إلى العِلْمِ بِذَلِكَ ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مِن أجْزائِهِ كَما هي كَذَلِكَ عَلى فَرْضِ جَعْلِها صِفَةٍ لِلْبَدَلِ ولا يَحْتاجُ مَعَ هَذا إلى حَدِيثِ أنَّ رَفْعَ الحَرَجِ وراءَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ بَلْ قِيلَ هو في نَفْسِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ المَقْصُودَ الأُولى الِاسْتِئْذانُ في الأوْقاتِ المَخْصُوصَةِ ورَفْعُ الحَرَجِ في غَيْرِها صفحة 215 تابِعٌ لَهُ لِقَوْلِ المُحَدِّثِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَهى آباءَنا وخَدَمَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا بِإذْنٍ ثُمَّ انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وفي الكَشْفِ أنَّهُ جِيءَ بِهِ أيْ بِالكَلامِ الدّالِّ عَلى رَفْعِ الحَرَجِ أعْنِي ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ عَلى رَفْعِ ﴿ثَلاثَ﴾ مُؤَكِّدًا لِلسّالِفِ عَلى طَرِيقِ الطَّرْدِ والعَكْسِ وكَذَلِكَ إذا نَصَبَ وجَعَلَ اسْتِئْنافًا وأمّا إذا جَعَلَ وصَفًّا فَيَفُوتُ هَذا المَعْنى. وهَذا أيْضًا مِنَ الدَّوافِعِ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم طَوّافُونَ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ العُذْرِ المُرَخَّصِ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ وهو المُخالَطَةُ الضَّرُورِيَّةُ وكَثْرَةُ المُداخَلَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَعْلِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وكَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها بِأنَّها عَوْراتٌ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا ومُتَعَلِّقَ الجارِ كَوْنُ خاصٍّ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلِهِ عَلَيْهِ أيْ بَعْضِكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿طَوّافُونَ﴾، وتَعَقَّبُهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿طَوّافُونَ﴾ نَفْسُهُ فَلا يَجُوزُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وهو مَعْنى لا يَصِحُّ وإنْ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَلا يَصِحُّ أيْضًا إنْ قَدَّرَ الضَّمِيرَ ضَمِيرَ غِيبَةٍ لِتَقْدِيرِهِمْ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وإنْ جَعَلَ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ يَطُوفُ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ فَيَدْفَعُهُ أنَّ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُطَوِّفُ عَلَيْهِمْ وأنْتُمْ طَوّافُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طائِفُونَ فَيَتَعارَضانِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ أنْتُمْ طَوّافُونَ ويُرادُ بِأنْتُمُ المُخاطِبُونَ والغَيْبُ مِنَ المَمالِيكِ والصِّبْيانِ وهو كَما تَرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِنَ الَّتِي قَبْلِها وكَوْنُها مُبِينَةً مُؤَكِّدَةً، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن جَبْرِ قُلُوبِ المَمالِيكِ بِجَعْلِهِمْ بَعْضًا مِنَ المُخاطِبِينَ وبِذَلِكَ يَقْوى أمْرُ العَلِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «طَوّافِينَ» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرٍ عَلَيْهِمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعُدَ عَلى ما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البَقَرَةُ: 143] وفي غَيْرِهِ أيْضًا أيْ مِثْلِ ذَلِكَ التَّبْيِينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةُ عَلى ما فِيهِ نَفْعُكم وصَلاحُكم أيْ يُنَزِّلُها مُبَيِّنَةً واضِحَةَ الدَّلالَةِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّحِيحِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، وقِيلَ: يُبَيِّنُ عِلَلَ الأحْكامِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ مَعَ أنَّهُ مُؤَدٍّ إلى تَخْصِيصِ الآياتِ بِما ذُكِرَ هاهُنا. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالَغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في جَمِيعِ أفاعِيلِهِ فَيَشْرَعُ لَكم ما فِيهِ صَلاحُكم مَعاشًا ومَعادًا.

النور 24:59

﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ لِما بَيْنَ سُبْحانِهِ آنِفًا حُكْمَ الأطْفالِ مِن أنَّهم لا يَحْتاجُونَ إلى الِاسْتِئْذانِ في غَيْرِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ عَقْبَ جَلَّ وعَلا بِبَيانِ حالِهِمْ إذا بَلَغُوا دَفْعًا لِما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّهم وإنْ كانُوا أجانِبَ لَيْسُوا كَسائِرِ الأجانِبِ بِسَبَبِ اعْتِيادِهِمُ الدُّخُولَ فاللّامُ في ﴿الأطْفالُ﴾ لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلْمَ المَجْعُولِينَ قَسِيمًا لِلْمَمالِيكِ أيْ إذا بَلَغَ الأطْفالُ الأحْرارُ الأجانِبُ ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ إذا أرادُوا الدُّخُولَ عَلَيْكم ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ ذَكَرُوا مِن قَبْلِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورُ: 27] وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ القَبَلِيَّةُ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ لا بِاعْتِبارِ الذِّكْرِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ البُلُوغِ وحُكْمِ الطُّفُولِيَّةِ أيِ الَّذِينَ بَلَغُوا مِن قَبْلِهِمْ. وأخْرَجَ هَذا ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أظْهَرُ. صفحة 216 وتَعَقَّبَ بِأنَّ المُرادَ بِالتَّشْبِيهِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِئْذانِ هَؤُلاءِ وزِيادَةِ إيضاحِهِ ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا بِتَشْبِيهِهِ بِاسْتِئْذانِ المَعْهُودَيْنِ عِنْدَ السّامِعِ، ولا رَيْبَ في أنَّ بُلُوغَهم قَبْلَ بُلُوغِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الواقِعِ وإنَّما المَعْهُودُ المَعْرُوفُ ذِكْرُهم قَبْلَ ذِكْرِهِمْ، فالمَعْنى فَلْيَسْتَأْذِنُوا اسْتِئْذانًا كائِنًا مِثْلَ اسْتِئْذانِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهم بِأنْ يَسْتَأْذِنُوا في جَمِيعِ الأوْقاتِ ويَرْجِعُوا إنْ قِيلَ لَهُمُ ارْجِعُوا حَسْبَما فَصَّلَ فِيما سَلَفَ، وكَوْنُ المُرادِ بِالأطْفالِ الأطْفالَ الأحْرارَ الأجانِبَ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّ الأحْرارَ والمَمالِيكَ فَيَجِبُ الِاسْتِئْذانُ عَلى مَن بَلَغَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ وأوْجَبَ هَذا اسْتِئْذانَ العَبْدِ البالِغِ عَلى سَيِّدَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ في البَحْرِ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ مِن أوْلادِكم وأقْرِبائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَحْوَ هَذا التَّفْسِيرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى أُمِّهِ فَإنَّما نَزَلَتْ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ في الأدَبِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ عَطاءَ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أأسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي؟ قالَ: نَعَمْ قُلْتُ: إنَّها في حِجْرِي وأنا أُنْفِقُ عَلَيْها وإنَّها مَعِي في البَيْتِ أأسْتَأْذِنُ عَلَيْها؟ قالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ الآيَةُ فَلَمْ يَأْمُرْ هَؤُلاءِ بِالِاسْتِئْذانِ إلّا في العَوْراتِ الثَّلاثِ وقالَ تَعالى: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فالإذْنُ واجِبٌ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أجْمَعِينَ، ورُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: آيَةٌ لا يُؤْمِنُ بِها أكْثَرُ النّاسِ آيَةُ الإذْنِ وإنِّي لِآمِرٌ جارَتِي يَعْنِي زَوْجَتَهُ أنْ تَسْتَأْذِنَ عَلَيَّ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلَيْكم أنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلى آبائِكم وأُمَّهاتِكم وأخَواتِكُمْ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ وُجُوبَ الِاسْتِئْذانِ المُسْتَفادِ مِنَ الأمْرِ الدّالِّ عَلَيْهِ في الآيَةِ مَنسُوخٌ وأنْكَرَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رُوِيَ عَنْهُ يَقُولُونَ: هي مَنسُوخَةٌ لا واللَّهِ ما هي مَنسُوخَةٌ ولَكِنَّ النّاسَ تَهاوَنُوا بِها، وعَنِ الشَّعْبِيِّ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النّاسَ لا يَعْمَلُونَ بِها فَقالَ: اللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ، وقِيلَ: ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِعَدَمِ الرِّضا وعَدَمِ بابٍ يُغْلَقُ كَما كانَ في العَصْرِ الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي سَبَقَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في طَلَبِ الِاسْتِئْذانِ، وإضافَةِ الآياتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَشْرِيفِها وهو مِمّا يُقَوِّي أمْرَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ.

النور 24:60

﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ أيِ العَجائِزِ وهو جَمْعٌ قاعِدٌ كَحائِضٍ وطامِثٍ فَلا يُؤَنَّثُ لِاخْتِصاصِهِ ولِذا جُمِعَ عَلى فَواعِلَ لِأنَّ التّاءَ فِيهِ كالمَذْكُورَةِ أوْ هو شاذٌّ، قالَ ابْنُ السُّكَيْتِ: امْرَأةٌ قاعِدٌ قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتِ العَجائِزُ قَواعِدَ لِأنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ القُعُودَ لِكِبَرِ سِنِّهِنَّ، وقالَ ابْنُ رَبِيعَةَ: لِقُعُودِهِنَّ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ حَيْثُ أيِسْنَ ولَمْ يَبْقَ لَهُنَّ طَمَعٌ في الأزْواجِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أيْ لا يَطْمَعْنَ فِيهِ لِكِبَرِهِنَّ صِفَةً كاشِفَةً ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ الثِّيابِ الظّاهِرَةِ الَّتِي لا يُفْضِي وضْعُها لِكَشْفِ العَوْرَةِ كالجِلْبابِ والرِّداءِ والقِناعِ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ قالَ: في مُصْحَفِ أبِيّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جَناحٌ أنْ يَضَعْنَ جَلابِيبِهِنَّ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ كَذَلِكَ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ اقْتَصَرَ بَعْضٌ في تَفْسِيرِ الثِّيابِ عَلى الجِلْبابِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ( القَواعِدُ ) والفاءُ إمّا لِأنَّ اللّامَ في القَواعِدِ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى اللّاتِي وإمّا لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالمَوْصُولِ. وقَوْلُهُ صفحة 217 تَعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ حالٌ، وأصْلُ التَّبَرُّجِ التَّكَلُّفُ في إظْهارِ ما يَخْفى مِن قَوْلِهِمْ: سَفِينَةٌ بارِجٌ لا غِطاءَ عَلَيْها، والبُرْجَ سِعَةُ العَيْنِ بِحَيْثُ يُرى بَياضُها مُحِيطًا بِسَوادِها كُلِّهِ لا يَغِيبُ مِنهُ شَيْءٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ الظُّهُورُ مِنَ البُرْجِ أيِ القَصْرِ ثُمَّ خَصَّ بِأنْ تَتَكَشَّفَ المَرْأةُ لِلرِّجالِ بِإبْداءِ زِينَتِها وإظْهارِ مَحاسِنِها، ولَيْسَتِ الزِّينَةُ مَأْخُوذَةً في مَفْهُومِهِ حَتّى يُقالَ: إنَّ ذِكْرَ الزِّينَةِ مِن بابِ التَّجْرِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ لِأنَّهم يُفَسِّرُونَ التَّبَرُّجَ بِمُتَعَدٍّ، فَفي القامُوسِ تَبَرَّجَتْ أظْهَرَتْ زِينَتَها لِلرِّجالِ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُرادُ بِالزِّينَةِ الزِّينَةُ الخَفِيَّةُ لِسَبْقِ العِلْمِ بِاخْتِصاصِ الحُكْمِ بِها ولِما في لَفْظِ التَّبَرُّجِ مِنَ الإشْعارِ، والتَّنْكِيرِ لِإفادَةِ الشِّياعِ وأنَّ زِينَةً ما وإنْ دَقَّتْ داخِلَةً في الحُكْمِ أيْ غَيْرِ مُظْهِراتٍ زِينَةٍ مِمّا أُمِرَ بِإخْفائِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النُّورُ: 31] . ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ بِتَرْكِ الوَضْعِ والتَّسَتُّرِ كالشَّوابِّ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ مِنَ الوَضْعِ لِبُعْدِهِ مِنَ التُّهْمَةِ فَلِكُلِّ ساقِطَةٍ لاقِطَةٍ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ لِلْآيَةِ مَعْنًى اسْتَحْسَنَهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ مِن بابِ: «عَلى لا حُبَّ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ» أيْ لا مَنارَ فِيهِ فَيُهْتَدى بِهِ وكَذَلِكَ المُرادُ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ لا زِينَةَ لَهُنَّ فَيَتَبَرَّجْنَ بِها لِأنَّ الكَلامَ فِيمَن هُنَّ بِهَذِهِ المَثابَةِ، وكَأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ اسْتِعْفافِهِنَّ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ خَيْرٌ لَهُنَّ فَما ظَنُّكَ بِذَواتِ الزِّينَةِ مِنَ الشَّوابِّ، وأبْلَغُ ما في ذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ وضْعِ الثِّيابِ في حَقِّ القَواعِدِ مِنَ الِاسْتِعْفافِ إيذانًا بِأنَّ وضْعَ الثِّيابِ لا مَدْخَلَ لَهُ في العِفَّةِ هَذا في القَواعِدِ فَكَيْفَ بِالكَواعِبِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ مُبالَغٌ في سَمْعِ جَمِيعِ ما يَسْمَعُ فَيُسْمِعُ بِما يَجْرِي بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ مِنَ المُقاوَلَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ مَقاصِدَهُنَّ. وفِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ ما لا يَخْفى.

النور 24:61

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في كِتابِ الزَّهْراوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن مُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ حِذارًا مِنِ اسْتِقْذارِهِمْ إيّاهم وخَوْفًا مِن تَأذِّيهِمْ بِأفْعالِهِمْ وأوْضاعِهِمْ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى الرَّجُلِ لِطَلَبِ الطَّعامِ فَإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُطْعِمُهم ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ أوْ إلى بَعْضِ مَن سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ ويَقُولُونَ: ذَهَبَ بِنا إلى بَيْتِ غَيْرِهِ ولَعَلَّ أهْلَهُ كارِهُونَ لِذَلِكَ. وكَذا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ مِن أمْوالِ الَّذِينَ كانُوا إذا خَرَجُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ في بُيُوتِهِمْ ودَفَعُوا إلَيْهِمْ مَفاتِيحَها وأذِنُوا لَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا فِيها مَخافَةَ أنْ لا يَكُونُ إذْنُهم عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهم. وكانَ غَيْرُ هَؤُلاءِ أيْضًا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ في بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ كانْتِ الأنْصارُ في أنْفُسِها قَزازَةً فَكانَتْ لا تَأْكُلُ مِنَ البُيُوتِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى، وقالَ السَّدِّيُّ: كانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ أبِيهِ أوْ بَيْتَ أخِيهِ أوْ أُخْتِهِ فَتُتْحِفُهُ المَرْأةُ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ فَيَتَحَرَّجُ لِأجْلِ أنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ رَبُّ البَيْتِ، والحَرَجُ لُغَةً كَما قالَ الزَّجّاجِ الضَّيِّقِ مِنَ الحَرَجَةِ وهو الشَّجَرُ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِضِيقِ المَسالِكِ فِيهِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو في الأصْلِ مُجْتَمِعُ الشَّيْءِ ثُمَّ أطْلَقَ عَلى الضِّيقِ وعَلى الإثْمِ، والمَعْنى عَلى الرِّوايَةِ الأُولى لَيْسَ عَلى هَؤُلاءِ حَرَجٌ في أكْلِهِمْ مَعَ الأصِحّاءِ، ويُقَدَّرُ عَلى سائِرِ الرِّواياتِ ما يُناسِبُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى، ( وعَلى ) عَلى مَعْناها في جَمِيعِ صفحة 218 ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البَقَرَةُ: 188] تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُؤاكَلَةِ الأعْمى لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ والأعْرَجُ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحِمَةَ عَلى الطَّعامِ والمَرِيضُ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اسْتِيفاءَ الطَّعامِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ البَعْثِ تَجْتَنِبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ هَذِهِ الأغْدارِ لِمَكانِ جَوَلانِ يَدِ الأعْمى وانْبِساطِ جَلْسَةِ الأعْرَجِ وعَدَمِ خُلُوِّ المَرِيضِ مِن رائِحَةٍ تُؤْذِي أوْ جُرْحٍ يَنِضُّ أوْ أنْفٍ يَذِنُّ فَنَزَلَتْ. ومَن ذَهَبَ إلى هَذا جَعَلَ ( عَلى ) بِمَعْنى في أيْ لَيْسَ في مُؤاكَلَةِ الأعْمى حَرَجٌ وهَكَذا وإلّا لَكانَ حَقُّ التَّرْكِيبِ لَيْسَ عَلَيْكم أنْ تَأْكُلُوا مَعَ الأعْمى حَرَجٌ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ وفِيهِ بُعْدٌ لا يَخْفى، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَرَجٌ﴾ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ إذِ المَعْنى لَيْسَ عَلى الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ حَرَجٌ ﴿أنْ تَأْكُلُوا﴾ أنْتُمْ وهَمَ مَعَكم ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ إلَخْ، وإلى كَوْنِ المَعْنى كَذَلِكَ ذَهَبَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ أيْضًا يَأْباهُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِما لِغَيْرِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ حَتْمًا ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى، وأمّا تَعْمِيمُ الخِطابِ فَلا أقُولُ بِهِ أصْلًا، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ وذَهَبَ إلَيْهِ الجِبائِيُّ وقالَ أبُو حَيّانَ: هو القَوْلُ الظّاهِرُ أنَّ الحَرَجَ المَنفِيَّ عَنْ أهْلِ العُذْرِ هو الحَرَجُ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِمّا رَخَّصَ لَهم فِيهِ والحَرَجُ المَنفِيُّ عَمَّنْ بَعْدَهُمُ الحَرَجُ في الأكْلِ مِنَ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والكَلامُ عَلَيْهِ صَحِيحٌ لِالتِقاءِ الطّائِفَتَيْنِ في أنَّ كُلًّا مَنفِيٌّ عَنْهُ الحَرَجُ، ومِثالُهُ أنْ يُسْتَفْتى مُسافِرٌ عَنِ الإفْطارِ في رَمَضانَ وحاجٌّ مُفْرَدٌ عَنْ تَقْدِيمِ الحَلْقِ عَلى النَّحْرِ فَتَقُولُ: لَيْسَ عَلى المُسافِرِ حَرَجٌ أنْ يَفْطُرَ ولا عَلَيْكَ يا حاجَّ أنْ تُقَدِّمَ الحَلْقَ عَلى النَّحْرِ وهو تَحْقِيقٌ لِأمْرِ العَطْفِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِ غَرابَةٌ لِبُعْدِ الجامِعِ بادِئَ النَّظَرِ أزالَهُ بِأنَّ الغَرَضَ لَمّا كانَ بَيانُ الحُكْمِ كَفاءَ الحَوادِثِ والحادِثَتانِ وإنْ تَبايَنَتا كُلُّ التَّبايُنِ إذا تَقارَنَتا في الوُقُوعِ والِاحْتِياجِ إلى البَيانِ قُرْبَ الجامِعِ بَيْنَهُما ولا كَذَلِكَ إذا كانَ الكَلامُ في غَيْرِ مَعْرِضِ الإفْتاءِ والبَيانِ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ الِاكْتِفاءَ في تَصَوُّرِ ما كافٍ في الجامِعِيَّةِ كَما ظَنَّ، وبِهَذا يَظْهَرُ الجَوابُ عَمّا اعْتَرَضَ بِهِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن أنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ لِأنَّ مُلاءَمَتَهُ لِما بَعْدَهُ قَدْ عَرَفَتْ وجْهَها، وأمّا مُلاءَمَتُهُ لِما قَبْلَهُ فَغَيْرُ لازِمَةٍ إذْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ في وجْهِ ذِكْرِ نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ العُذْرِ بِتَرْكِ الجِهادِ وما يُشْبِهُهُ مِمّا رُخِّصَ لَهم فِيهِ أثْناءَ بَيانِ الِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهِ: إنَّ نَفْيَ الحَرَجِ عَنْهم بِذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ عَدَمَ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ مِنهُ ﷺ لِتَرْكِ ذَلِكَ فَلَهُمُ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ ونَحْوُهُ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا إذَنْ كَما أنَّ لِلْمالِيكِ والصِّبْيانِ الدُّخُولَ في البُيُوتِ في غَيْرِ العَوْراتِ الثَّلاثِ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا إذَنْ مِن أهْلِ البَيْتِ، ومِثْلُ هَذا يَكْفِي وجْهًا في تَوْسِيطِ جُمْلَةٍ أثْناءِ جُمَلٍ ظاهِرَةِ التَّناسُبِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَسى أنْ يَدْفَعَ بِالتَّأمُّلِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الحَرَجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ بِأنْ يُقالَ: ولا عَلى أنْفُسِكم حَرَجٌ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ فِيما مَرَّ والأواخِرُ مَحَلُّ الحَذْفِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِحَرَجٍ واحِدٍ بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلى الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ وأنْفُسِكم حَرَجٌ أنْ تَأْكُلُوا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ خِلافِ المُرادِ، وقِيلَ حَذْفُ الحَرَجِ آخِرًا لِلْإشارَةِ إلى مُغايَرَتِهِ لِلْمَذْكُورِ ولا تَقْدَحُ في دَلالَتِهِ عَلَيْهِ لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ الدّالَّ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ وهو كَما تَرى، ومَعْنى ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ كَما في الكَشّافِ عَلَيْكم وعَلى مَن في مِثْلِ حالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ كَما في الكَشْفِ إشارَةٌ إلى فائِدَةِ إقْحامِ النَّفْسِ وأنَّ الحاصِلَ صفحة 219 لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ المُطَعَّمِينَ ولا عَلى الذّاهِبِينَ إلى بُيُوتِ القُراباتِ ومَن في مِثْلِ حالِهِمْ وهُمُ الأصْدِقاءُ حُرَجٌ. وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ إقْحامِها الإشارَةُ إلى أنَّ الأكْلَ المَذْكُورَ مَعَ أنَّهُ لا حَرَجَ فِيهِ لا يُخِلُّ بِقَدْرِ مِن لَهُ شَأْنٌ وهو وجْهٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ لا يُلْزِمُهُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ ظاهِرًا، وكانَ مَنشَؤُهُ كَثْرَةُ إقْحامِ النَّفْسِ في ذَوِي الشَّأْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامُ: 54] ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: كَتَبَ رَبُّكم عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««يا عِبادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِي»» دُونَ أنْ يَقُولَ جَلَّ وعَلا: إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَيَّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِفُهُ المُتَتَبِّعُ المُنْصِفُ، وما قِيلَ مِن أنَّ فائِدَةَ الإقْحامِ الإشارَةُ إلى أنَّ التَّجَنُّبَ عَنِ الأكْلِ المَذْكُورِ لا يَخْلُو عَنْ رِعايَةِ حَظِّ النَّفْسِ مَعَ خَفائِهِ لا يُلائِمُ إلّا بَعْضَ الرِّواياتِ السّابِقَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ، ونَحْوُ ما قِيلَ مِن أنَّها أُقْحِمَتْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْيَ الحَرَجِ عَنِ المُخاطِبِينَ في الأكْلِ مِنَ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ لِذَواتِهِمْ بِخِلافِ نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ الأعْذارِ في الأكْلِ مِنها فَإنَّهُ لِكَوْنِهِمْ مَعَ المُخاطِبِينَ وذَهابِهِمْ بِهِمْ إلَيْها، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم في أكْلِهِمْ مِن بُيُوتِهِمْ مَعَ ظُهُورِ انْتِفاءِ ذَلِكَ لِإظْهارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَنائِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ [آلُ عِمْرانَ: 46] لَكِنَّ ذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِبُيُوتِ أوْلادِهِمْ لِظُهُورِ أنَّها كَبُيُوتِهِمْ، وذَكَرَ جَمْعٌ أنَّها داخِلَةٌ في بُيُوتِ المُخاطَبِينَ، فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَّةٍ ««أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ»» فِي حَدِيثٍ رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما ««إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المَرْءُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»» وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِبُيُوتِ المُخاطَبِينَ بُيُوتُ أوْلادِهِمْ وأضافَها إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِها بِهِمْ كَما يَشْهَدُ بِهِ الشَّرْعُ والعُرْفُ، وقِيلَ: المَعْنى أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم مِن مالِ أوْلادِكم وأزْواجِكُمُ الَّذِينَ هم في بُيُوتِكم ومِن جُمْلَةِ عِيالِكم وهو كَما تَرى ﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ، والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ أيْ أوْ مِمّا تَحْتَ أيْدِيكم وتَصَرُّفِكم مِن بُسْتانٍ أوْ ماشِيَةٍ وكالَّةٍ أوْ حِفْظًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ. فَقَدْ رَوى عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ قالَ: ذاكَ وكِيلُ الرَّجُلِ وقِيَمُهُ في ضَيْعَتِهِ وماشِيَتُهُ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ أنْ يَأْكُلَ مِن ثَمَرِ حائِطِهِ ويَشْرَبَ مِن لَبَنِ ماشِيَتِهِ ولا يَحْمِلَ ولا يَدَّخِرَ. وقالَ السَّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يُوَلِّي طَعامَ غَيْرِهِ ويَقُومُ عَلَيْهِ فَلا بَأْسَ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو الزَّمَنُ يُسَلِّمُ إلَيْهِ مِفْتاحَ البَيْتِ ويُؤْذِنُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وقِيلَ: ولِيُّ اليَتِيمِ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ بِمالِهِ فَإنَّهُ يُباحُ لَهُ الأكْلُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ. ومِلْكُ المِفْتاحِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ تَحْتَ يَدِ الشَّخْصِ وتَصَرُّفِهِ. والعَطْفُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ عَلى ما بَعْدَ ﴿مِن﴾ وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِما مَلَّكْتُمْ مَفاتِحَهُ العَبِيدُ فالعَطْفُ عَلى ما بَعْدِ ﴿بُيُوتِ﴾ والتَّقْدِيرُ أوْ بُيُوتُ الَّذِينَ مَلَكْتُمْ مُفاتِحَهم. وكانَ مِلْكُ المِفْتاحِ لِما شاعَ كِنايَةً لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ إلى أنَّ المُتَصَرِّفَ مِمّا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالمِفْتاحِ أوَّلًا ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لِجَرْيِ العَبِيدِ مَجْرى الجَمادِ مِنَ الأمْوالِ المُشْعِرِ بِهِ اسْتِعْمالُ ما فِيهِمْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ وأنَّهُ يَنْدَرِجُ بُيُوتُ العَبِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ لِأنَّ العَبْدَ لا مِلْكَ لَهُ، وإرادَةُ المَعْتُوقِينَ مِنهم بِقَرِينَةٍ ﴿مَلَكْتُمْ﴾ بِلَفْظِ الماضِي مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ «مُلِّكَتِمُ» بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً «ومَفاتِيحُهُ» بِياءٍ بَعْدَ صفحة 220 التّاءِ جَمْعُ مِفْتاحٍ. وقَرَأ قَتادَةُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «مِفْتاحَهُ» بِالإفْرادِ وهو آلَةُ الفَتْحِ وكَذا المُفَتَّحُ كَما في القامُوسِ، وقالَ الرّاغِبُ: المُفَتَّحُ والمِفْتاحُ ما يُفْتَحُ بِهِ وجَمْعُهُ مَفاتِيحُ ومَفاتِحُ وفي بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ جَمْعَ مُفَتَّحٍ مَفاتِحُ وجَمْعُ مِفْتاحٍ مَفاتِيحُ ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أيْ أوْ بُيُوتِ صَدِيقِكم وهو مَن يُصَدِّقُ في مَوَدَّتِكَ وتُصَدِّقُ في مَوَدَّتِهِ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ، وقِيلَ: المُفْرَدُ، وسِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ أصْدِقائِكُمُ الإشارَةُ إلى قِلَّةِ الأصْدِقاءِ حَتّى قِيلَ: صادُ الصَّدِيقُ وكافُ الكِيمْياءِ مَعًا لا يُوجِدانِ فَدَعْ عَنْ نَفْسِكَ الطَّمَعا ونُقِلَ عَنْ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكَ أنَّهُ قالَ: نِلْتُ ما نِلْتُ حَتّى الخِلافَةِ وأعْوَزَنِي صَدِيقٌ لا أحْتَشِمُ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ شَأْنَ الصَّداقَةِ رَفْعُ الِاثْنَيْنِيَّةِ ورَفْعُ الحَرَجِ في الأكْلِ مِن بَيْتِ الصَّدِيقِ لِأنَّهُ أرْضى بِالتَّبَسُّطِ وأُسِرُّ بِهِ مِن كَثِيرٍ مِن ذَوِي القَرابَةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الصَّدِيقُ أكْبَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ إنِ الجَهَنَّمِيَّيْنِ لَمّا اسْتَغاثُوا لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ فَقالُوا: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشُّعَراءُ: 100، 101] . وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ ورَفْعِ الحِشْمَةِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والأخِ، وقِيلَ لِأفْلاطُونَ: مَن أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ؟ فَقالَ: لا أُحِبُّ أخِي إلّا إذا كانَ صَدِيقِي، وقَدْ كانَ السَّلَفُ يَنْبَسِطُونَ بِأكْلِ أصْدِقائِهِمْ مِن بُيُوتِهِمْ ولَوْ كانُوا غَيْبًا. يُحْكى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ دَخَلَ دارَهُ وإذا حَلْقَةٌ مِن أصْدِقائِهِ وقَدِ اسْتَلُّوا سِلالًا مِن تَحْتِ سَرِيرِهِ فِيها الخَبِيصُ وأطايِبُ الأطْعِمَةِ وهم مُكَبُّونَ عَلَيْها يَأْكُلُونَ فَتَهَلَّلَتْ أسارِيرُ وجْهِهِ سُرُورًا وضَحِكَ وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم هَكَذا وجَدْناهم يُرِيدُ كُبَراءَ الصَّحابَةِ ومَن لَقِيَهم مِنَ البَدْرِيِّينَ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَدْخُلُ دارَ صَدِيقِهِ وهو غائِبٌ فَيَسْألُ جارِيَتَهُ كِيسَهُ فَيَأْخُذُ ما شاءَ فَإذا حَضَرَ مَوْلاها فَأخْبَرْتُهُ أعْتَقَها سُرُورًا بِذَلِكَ، وهَذا شَيْءٌ قَدْ كانَ. «إذا النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانٌ» وأمّا اليَوْمَ فَقَدْ طُوِيَ فِيما أعْلَمُ بِساطَهُ واضْمَحَلَّ والأمْرُ لِلَّهِ تَعالى فُسْطاطَهُ وعَفَتْ آثارُهُ وأفَلَتْ أقْمارُهُ وصارَ الصَّدِيقُ اسْمًا لِلْعَدُوِّ الَّذِي يُخْفِي عَداوَتَهُ ويَنْتَظِرُ لَكَ حَرْبَ الزَّمانِ وغارَتَهُ فَآهٌ ثُمَّ آهٌ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. ومِن نَكَدِ الدُّنْيا عَلى الحَرِّ أنْ يَرى ∗∗∗ عَدُوًّا لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدٌّ ثُمَّ إنَّ نَفْيَ الحَرَجِ في الأكْلِ المَذْكُورِ مَشْرُوطٌ بِما إذا عَلِمَ الآكِلَ رِضا صاحِبِ المالِ بِإذْنٍ صَرِيحٍ أوْ قَرِينَةٍ، ولا يَرِدْ أنَّهُ إذا وجَدَ الرِّضا جازَ الأكْلُ مِن مالِ الأجْنَبِيِّ والعَدُوِّ أيْضًا فَلا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ وجْهٌ لِأنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ لِاعْتِيادِ التَّبَسُّطِ بَيْنَهم فَلا مَفْهُومَ لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا في الأرَقابِ الكَفَرَةِ أباحَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ما حَظَرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المُجادَلَةُ: 22] ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نَسَخَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ««لا يَحُلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ»» وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ««لا يَحْلِبْنَ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ»»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النُّورُ: 27] الآيَةُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحْزابُ: 53] فَإنَّهم إذا مَنَعُوا مِن مَنزِلِهِ ﷺ إلّا بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ النّاسِ وأقَلُّهم حِجابًا فَغَيْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الأُولى. صفحة 221 وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِالنُّسَخِ بِناءً عَلى ما قُلْنا أوَّلًا، واحْتَجَّ بِالآيَةِ بَعْضُ أئِمَّةِ الحَنَفِيَّةِ عَلى أنَّهُ لا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مالِ المَحارِمِ مُطْلَقًا لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الوالِدَيْنِ والمَوْلُودِينَ وبَيْنَ غَيْرِهِمْ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى إباحَةِ دُخُولِ دارِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلا يَكُونُ مالُهم مُحْرِزًا ومُجَرَّدَ احْتِمالِ إرادَةِ الظّاهِرِ وعَدَمُ النَّسْخِ كافٍ في الشُّبْهَةِ المُدْرِئَةِ لِلْحَدِّ، وبَحْثٌ فِيهِ بِأنَّ دَرْءَ الحُدُودِ بِالشُّبَهاتِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ عِنْدَهم كَما يَعْلَمُ مِن أُصُولِهِمْ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا تُقْطَعَ يَدُ مَن سَرَقَ مِنَ الصَّدِيقِ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ الصَّدِيقَ مَتى قَصَدَ سَرِقَةَ مالِ صَدِيقِهِ انْقَلَبَ عَدُوًّا، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الشَّرْعَ ناظِرٌ إلى الظّاهِرِ لا إلى السَّرائِرِ، وقُرِئَ «صَدِيقُكُمْ» بِكَسْرِ الصّادِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِّ حَكى ذَلِكَ حَمِيدٌ الخَزّازُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ﴿تَأْكُلُوا﴾ وهو في الأصْلِ بِمَعْنى كُلٌّ ولا يُفِيدُ الِاجْتِماعَ خِلافًا لِلْفِراءِ، ودَلَّ عَلَيْهِ هُنا لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أشْتاتًا﴾ فَإنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ داخِلَ في حُكْمِهِ وهو جَمْعُ شَتٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كالحَقِّ يُقالُ: أمْرٌ شَتٌّ أيْ مُتَفَرِّقٍ أوْ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً. والآيَةُ عَلى ما ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حُكْمٍ آخَرَ مِن جِنْسِ ما بَيْنَ قَبْلِهِ، وقَدْ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ في بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كِنانَةَ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلُوا طَعامَهم مُنْفَرِدِينَ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَأْكُلُ ويَمْكُثُ يَوْمَهُ حَتّى يَجِدَ ضَيْفًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُؤاكِلُهُ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا ورُبَّما قَعَدَ الرَّجُلُ مِنهم والطَّعامُ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَتَناوَلُهُ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ورُبَّما كانَتْ مَعَهُ الإبِلُ الحَفْلُ فَلا يَشْرَبُ مِن ألْبانِها حَتّى يَجِدَ مَن يُشارِبُهُ فَإذا أمْسى ولَمْ يَجِدْ أحَدًا أكَلَ، قِيلَ: وهَذا التَّحَرُّجُ سُنَّةٌ مَوْرُوثَةٌ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ قالَ حاتِمٌ: إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ ∗∗∗ أكِّيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلُهُ وحْدِي وفِي الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن أكَلَ وحْدَهُ وضَرَبَ عَبَدَهُ ومَنَعَ رَفْدَهُ»» وهَذا الذَّمُّ لِاعْتِيادِهِ بُخْلًا بِالقُرى ونَفْيُ الجَناحِ عَنْ وُقُوعِهِ أحْيانًا بَيانًا لِأنَّهُ لا إثْمَ فِيهِ ولا يَذُمُّ بِهِ شَرْعًا كَما ذَمَّتْ بِهِ الجاهِلِيَّةُ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الوَعِيدَ في الحَدِيثِ لِمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الخِصالُ الثَّلاثُ دُونَ الِانْفِرادِ بِالأكْلِ وحْدَهُ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ كُلًّا مِنها عَلى الِانْفِرادِ غَيْرِ مَنهِيٍّ عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهم أهْلُ لِسانٍ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ مِثْلَهُ ولَكِنْ لِمَجِيءِ الواوِ بِمَعْنى أوْ تَرَكُوا كُلَّ واحِدٍ مِنها احْتِياطًا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُتَحَرِّجِينَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِالحَدِيثِ، وكَوْنُ الواوِ بِمَعْنى أُوتُوهم لا عِبْرَةَ بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ اجْتِماعَ الأيْدِي عَلى الطَّعامِ سُنَّةٌ فَتَرْكُهُ بِغَيْرِ داعٍ مَذَمَّةٌ انْتَهى. وعَنْ عِكْرِمَةَ وأبِي صالِحٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ فَرَخَّصَ لَهم أنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شاؤُوا، قِيلَ: كانَ الغَنِيُّ يَدْخُلُ عَلى الفَقِيرِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ وصَداقَتِهِ فَيَدْعُوهُ إلى طَعامِهِ فَيَقُولُ: إنِّي لِأتَحَرَّجَ أنْ آكُلَ مَعَكَ وأنا غَنِيٌّ وأنْتَ فَقِيرٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا اجْتَمَعُوا لِيَأْكُلُوا طَعامًا عَزَلُوا لِلْأعْمى ونَحْوَهُ طَعامًا عَلى حِدَةٍ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِواجِبٍ. وقِيلَ: كانُوا يَأْكُلُونَ فُرادًى خَوْفًا أنْ يَزِيدَ أحَدُهم عَلى الآخَرِ في الأكْلِ أوْ أنْ يَحْصُلَ مِنَ الِاجْتِماعِ ما يَنْفِرُ أوْ يُؤْذِي فَنَزَلَتْ لِنَفْيِ وُجُوبِ ذَلِكَ، وأيًّا كانَ فالعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وقِيلَ: الآيَةُ مِن تَتِمَّةِ ما قَبْلِها عَلى مَعْنى أنَّها وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: هَلْ نُفِيَ الحَرَجُ في الأكْلِ مِن بُيُوتِ صفحة 222 مِن ذِكْرِ خاصٍّ فِيما إذا كانَ الأكْلُ مَعَ أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ أمْ لا؟ فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ مَعَ أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ في الأكْلِ أوْ أشْتاتًا أيْ مُتَفَرِّقِينَ بِأنْ يَأْكُلَ كُلٌّ مِنكم وحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ صاحِبُ البَيْتِ وما ألْطَفَ نَفْيَ الحَرَجِ فِيما اتَّسَعَتْ دائِرَتُهُ ونَفْيَ الجَناحِ فِيما ورَدَ فِيهِ بَيْنَ أمْرَيْنِ والنِّكاتُ لا يَجِبُ اطِّرادُها كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الأدَبِ الَّذِي يَنْبَغِي رِعايَتُهُ عِنْدَ مُباشَرَةِ ما رَخَّصَ فِيهِ بَعْدَ بَيانِ الرُّخْصَةِ فِيهِ ﴿بُيُوتًا﴾ أيْ مِنَ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ. ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ عَلى أهْلِها كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وجَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةُ: 54] والتَّعْبِيرُ عَنْ أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ بِالأنْفُسِ لِتَنْزِيلِهِمْ مُنْزِلَتِها لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ، وفي الِانْتِصافِ في التَّعْبِيرِ عَنْهم بِذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى السِّرِّ الَّذِي اقْتَضى إباحَةَ الأكْلِ مِن تِلْكَ البُيُوتِ المَعْدُودَةِ وأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الدّاخِلِ كَبَيْتِ نَفْسِهِ لِلْقَرابَةِ ونَحْوِها، وقِيلَ: المُرادُ السَّلامُ عَلى أهْلِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا رَدَّتْ تَحِيَّتَهُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ سَلَّمَ عَلى نَفْسِهِ كَما أنَّ القاتِلَ لِاسْتِحْقاقِهِ القَتْلِ بِفِعْلِهِ كَأنَّهُ قاتِلٌ نَفْسَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هو المَسْجِدُ إذا دَخَلْتُهُ فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ. فَحَمَلَ البُيُوتَ فِيها عَلى المَساجِدِ والسَّلامُ عَلى الأنْفُسِ عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بُيُوتُ المُخاطَبِينَ وأهْلِهِمْ، وذُكِرَ أنَّ الرَّجُلَ إذا دَخَلَ عَلى أهْلِهِ سَنَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً فَإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدًا فَلْيَقُلِ السَّلامُ عَلَيْنا مِن رَبِّنا ورُوِيَ هَذا عَنْ عَطاءَ، وقِيلَ السَّلامُ عَلى الأنْفُسِ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِبُيُوتٍ بُيُوتُ الكُفّارِ وذُكِرَ أنَّ داخِلَها وكَذا داخِلَ البُيُوتِ الخالِيَةِ يَقُولُ ما سَمِعْتُ آنِفًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ يَقُولُ عَلى الكُفّارِ يَقُولُ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، ولا يُخْفى المُناسِبِ لِلْمَقامِ، والسَّلامُ بِمَعْنى السَّلامِ مِنَ الآفاتِ وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَتَذَكَّرْ. ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ ثابِتَةٍ بِأمْرِهِ تَعالى مَشْرُوعَةٍ مِن لَدُنْهُ عَزَّ وجَلَّ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِتَحِيَّةٍ، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِتَحِيَّةٍ فَإنَّها طَلَبُ الحَياةِ وهي مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأصْلُ مَعْناها أنْ تَقُولَ حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى أيْ أعْطاكَ سُبْحانَهُ الحَياةَ ثُمَّ عَمَّمَ لِكُلِّ دُعاءٍ، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِيُسَلِّمُوا عَلى طَرِيقٍ قَعَدَتْ جُلُوسًا فَكَأنَّهُ قِيلَ فَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أوْ فَحَيُّوا تَحِيَّةً ﴿مُبارَكَةً﴾ بُورِكَ فِيها بِالأجْرِ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، قالَ الضَّحّاكُ: في السَّلامِ عَشْرُ حَسَناتٍ ومَعَ الرَّحْمَةِ عِشْرُونَ ومَعَ البَرَكاتِ ثَلاثُونَ ﴿طَيِّبَةً﴾ تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَزِيدُ المُسْلِمَ ما ذَكَرَ في سَلامِهِ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ زِيادَتُهُ كَما مَرَّ آنِفًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما أخَذْتُ التَّشَهُّدَ إلّا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ فالتَّشَهُّدُ في الصَّلاةِ التَّحِيّاتُ المُبارَكاتُ الطَّيِّباتُ لِلَّهِ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ تَكْرِيرٌ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وفي ذَلِكَ تَفْخِيمٌ فَخِيمٌ لِلْأحْكامِ المُخْتَتِمَةِ بِهِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما في تَضاعِيفِها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وتَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها وتَحُوزُونَ بِذَلِكَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ، صفحة 223 وفِي تَعْلِيلِ هَذا التَّبْيِينِ بِهَذِهِ الغايَةِ القُصْوى بَعْدَ تَذْيِيلِ الأوَّلِينَ بِما يُوجِبُها مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَدَأ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [النُّورُ: 1] وخَتَمَها بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ ثُمَّ جَعَلَ تَبارَكَ وتَعالى خِتامَ الخَتْمِ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ:

النور 24:62

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلَخْ دَلالَةً عَلى أنَّ مَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ والمُنْتَفِعُ بِتِلْكَ الآياتِ جَمْعٌ مَن سَلَّمَ نَفْسَهُ لِصاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدِيِ الغاسِلِ لا يُحْجِمُ ولا يُقْدِمُ دُونَ إشارَتِهِ ﷺ ولِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ أوْرَدَ هَذِهِ الآيَةَ شِهابُ الحَقِّ والدِّينُ أبُو حَفْصٍ عُمَرُ السَّهَرْوَرْدِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ في بابِ سَيْرِ المُرِيدِ مَعَ الشَّيْخِ ونَبَّهَ بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما يَرْسُمُهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ فَهو أمْرٌ جامِعٌ. وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ هَذا اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ في أواخِرِ الأحْكامِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لَها وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِها وتَكْمِيلًا لَها بِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِها، وإنَّما ذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الواقِعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ مَعَ تَضَمُّنِهِ لَهُ قَطْعًا تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَجْعَلَ قَرِينًا لِلْإيمانِ المَذْكُورِ مُنْتَظِمًا في سِلْكِهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلى ( آمَنُوا ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وبِذَلِكَ يَصِحُّ الحَمْلُ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ الكَمالِ أيْ إنَّما الكامِلُونَ في الإيمانِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ وأطاعُوا في جَمِيعِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ مِن قَبْلُ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِعامَّةِ أحْوالِهِمُ المُطَّرِدَةِ في الوُقُوعِ وأحْوالِهِمُ الواقِعَةِ بِحَسْبِ الِاتِّفاقِ كَما إذا كانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ يَجِبُ اجْتِماعُهم في شَأْنِهِ كالجُمْعَةِ والأعْيادِ والحُرُوبِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الِاجْتِماعِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الأمْرَ الجامِعَ الجِهادُ وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ سَلامٍ هو كُلُّ صَلاةٍ فِيها خِطْبَةٌ كالجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ والِاسْتِسْقاءِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ هو الجِهادُ وصَلاةُ الجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى العُمُومُ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في حُفَرِ الخَنْدَقِ ولَعَلَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، ووُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ لَهُ لِلْمُبالِغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ. وقَرَأ اليَمانِيُّ «عَلى أمْرٍ جَمِيعٍ» وهو بِمَعْنى جامِعٍ أوْ مَجْمُوعٍ لَهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ عَنْهُ ﷺ ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الذَّهابِ فَيَأْذَنُ لَهم بِهِ فَيَذْهَبُونَ فالغايَةُ هي الإذْنُ الحاصِلُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والِاقْتِصارُ عَلى الِاسْتِئْذانِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتِمُّ مِن قِبَلِهِمْ وهو المُعْتَبِرُ في كَمالِ الإيمانِ لا الإذْنُ ولا الذَّهابُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ واعْتِبارُهُ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّتِهِ والمُمَيَّزِ لِلْمُخْلِصِ عَنِ المُنافِقِ فَإنَّ دَيْدَنُهُ التَّسَلُّلُ لِلْفِرارِ، ولِتَعْظِيمِ ما في الذَّهابِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الجِنايَةِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ عَقَّبَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَقَدْ جَعَلَ فِيهِ المُسْتَأْذِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ عَكْسَ الأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُما مُتَعاكِسانِ سَواءً بِسَواءٍ ومِنهُ يَلْزَمُ أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ وكَذَلِكَ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اسْتِئْهالَ الإيمانَيْنِ لِذَلِكَ ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ بَيانٌ لِما هو وظِيفَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذا البابِ إثْرَ بَيانِ ما هو وظِيفَةُ المُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ بَعْدَ ما تَحَقَّقَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ هُمُ المُسْتَأْذِنُونَ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أيْ لِبَعْضِ أمْرِهِمُ المُهِمِّ وخَطْبِهِمُ المُلِمُّ صفحة 224 ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ تَفْوِيضٌ لِلْأمْرِ إلى رَأْيِهِ ﷺ واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأحْكامِ مُفَوَّضَةٌ إلى رَأْيِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ مَسْألَةُ التَّفْوِيضِ المُخْتَلِفِ في جَوازِها بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ وهي أنْ يُفَوِّضَ الحُكْمَ إلى المُجْتَهِدِ فَيُقالُ لَهُ: احْكم بِما شِئْتَ فَإنَّهُ صَوابٌ فَأجازَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فَقالَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ: بِجَوازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِلنَّبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ: بِجَوازِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ خاصَّةً في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وقَدْ نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الرِّسالَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرَدُّدِ بَيْنَ الجَوازِ والمَنعِ ومُنِعَ مِن ذَلِكَ الباقُونَ. والمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا في الوُقُوعِ، قالَ الآمِدِيُّ والمُخْتارُ الجَوازُ دُونَ الوُقُوعِ، وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ فَلْيُراجَعْ. والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ جَوازُ أنْ يُفَوِّضَ الحُكْمَ إلى المُجْتَهِدِ إذا عَلِمَ أنَّهُ يُحَكِّمُ تَرَوِّيًا لا تَشَهِّيًا ويَكُونُ التَّفْوِيضُ حِينَئِذٍ كالأمْرِ بِالِاجْتِهادِ، والألْيَقُ بِشَأْنِ اللَّهِ تَعالى وشَأْنِ رَسُولِهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ ما هُنا عَلى ذَلِكَ وتَكُونُ المَشِيئَةُ مُقَيَّدَةً بِالعِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ. وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ أنْ يُقالَ: احْكم بِما شِئْتَ تَرَوِّيًا بَلِ الخِلافُ في جَوازِ أنْ يُقالَ: احْكم بِما شِئْتَ تَشَهِّيًا كَيْفَما اتَّفَقَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعْدَ التَّقْيِيدِ لا يَكُونُ ما نَحْنُ فِيهِ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِمَّنْ شِئْتَ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ وإنْ كانَ لِعُذْرٍ قَوِيٍّ لا يَخْلُو عَنْ شائِبَةِ تَقْدِيمِ أمْرِ الدُّنْيا عَلى أمْرِ الآخِرَةِ. وتَقْدِيمُ «لَهُمْ» لِلْمُبادَرَةِ إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ لا لِلْإذْنِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ مُبالَغٌ في مَغْفِرَةِ فُرُطاتِ العِبادِ ﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالَغٌ في إفاضَةِ شَآبِيبِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمَغْفِرَةِ المَوْعُودَةِ في ضِمْنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، وقَدْ بالَغَ جَلَّ شَأْنُهُ في الِاحْتِفالِ بِرَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ سُبْحانَهُ الِاسْتِئْذانَ لِلذَّهابِ عَنْهُ ذَنْبًا مُحْتاجًا لِلِاسْتِغْفارِ فَضْلًا عَنِ الذَّهابِ بِدُونِ إذْنٍ ورَتَّبَ الإذْنَ عَلى الِاسْتِئْذانِ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ لا عَلى الِاسْتِئْذانِ مُطْلَقًا ولا عَلى الِاسْتِئْذانِ لِأيِّ أمْرٍ مَهْما كانَ أوْ غَيْرِ مُهِمٍّ ومَعَ ذَلِكَ عَلَّقَ الإذْنَ بِالمَشِيئَةِ، وإذا اعْتَبَرْتَ وُجُوهَ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ إلى هُنا وجَدْتُها تَزِيدُ عَلى العَشْرَةِ. وفِي أحْكامِ القُرْآنِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى وُجُوبِ اسْتِئْذانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ الِانْصِرافِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ أمْرٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: وغَيْرُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأئِمَّةِ مِثْلُهُ في ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن أدَبِ الدِّينِ وأدَبِ النَّفْسِ، وقالَ ابْنُ الفُرْسِ: لا خِلافَ في الغَزْوِ أنَّهُ يَسْتَأْذِنُ إمامَهُ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ يَدْعُوهُ إلى الِانْصِرافِ واخْتَلَفَ في صَلاةِ الجُمْعَةِ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ كالرُّعافِ وغَيْرِهِ فَقِيلَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذانُ سَواءٌ كانَ أمامَهُ الأمِيرُ أمْ غَيْرُهُ أخْذًا مِنَ الآيَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ والزَّهْرِيِّ.

النور 24:63

و ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلِهِ، والِالتِفاتُ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أيْ لا تَقِيسُوا دُعاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُساهَلَةُ فِيهِ والرُّجُوعُ عَنْ مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ واخْتارَهُ المِبْرَدُ والقَفّالُ وقِيلَ: المَعْنى لا تَحْسَبُوا دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم صفحة 225 عَلى بَعْضٍ فَتَعْرِضُوا لِسُخْطِهِ ودُعائِهِ عَلَيْكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ والرُّجُوعِ عَنْ مَجْلِسِهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو مَأْخُوذٌ مِمّا جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَأْباهُ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ وهو في حَيِّزِ المَنعِ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَدُعاءِ صَغِيرِكم كَبِيرِكم وفَقِيرِكم غَنِيِّكم يَسْألُهُ حاجَتَهُ فَرُبَّما أجابَهُ ورُبَّما رَدَّهُ فَإنَّ دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَجابٌ لا مَرَدَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَعْرِضُوا لِدُعائِهِ لَكم بِامْتِثالِ أمْرِهِ واسْتِئْذانِهِ عِنْدَ الِانْصِرافِ عَنْهُ إذا كُنْتُمْ مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ وتُحَقِّقُوا قَبُولَ اسْتِغْفارِهِ لَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِدُعائِهِ عَلَيْكم بِضِدِّ ذَلِكَ. ولا يَخْفى وجْهُ تَقْرِيرِ الجُمْلَةِ لِما قَبْلِها عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لَكِنْ بَحْثٌ في دَعْوى أنَّ جَمِيعَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَجابٌ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ اللَّهَ تَعالى في أُمَّتِهِ أنْ لا يُدِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَهُ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ قَدْ يَرُدُّ بَعْضَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَرُدُّ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وفِي الحَدِيثِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرُدُّ دُعاءَ المُؤْمِنِ وإنْ تَأخَّرَ»» وقَدْ قالَ الإمامُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: الِاسْتِجابَةُ أقْسامٌ إمّا تَعْجِيلُ ما سالَ أوْ أنْ يَدَّخِرَ لَهُ خَيْرٌ مِمّا طَلَبَ أوْ يَصْرِفُ عَنْهُ مِنَ البَلاءِ بِقَدْرِ ما سالَ مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ أعْطى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِوَضًا مِن أنْ لا يُذِيقَ بَعْضُهم بَأْسِ بَعْضِ الشَّفاعَةِ وقالَ: ««أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْها في الآخِرَةِ عَذابُها في الدُّنْيا الزِّلْزالُ والفِتَنُ»» كَما في أبِي داوُدَ فَإذا كانَتِ الفِتْنَةُ سَبَبًا لِصَرْفِ عَذابِ الآخِرَةِ عَنِ الأُمَّةِ فَلا يُقالُ: ما أجابَ دُعاءَهُ ﷺ لِأنَّ عَدَمَ اسْتِجابَتِهِ أنْ لا يُعْطِي ما سَألَ أوْ لا يُعَوِّضُ عَنْهُ ما هو خَيْرٌ مِنهُ، والمُرادُ بِالمَنعِ في الحَدِيثِ مَنعُ ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ لا عَدَمَ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ بِذَلِكَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وتَمامِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ. وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَسْمِيَتَهُ كَنِداءِ بَعْضِكم بَعْضًا بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ والنِّداءِ وراءَ الحُجُراتِ ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظَّمِ مِثْلِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ويا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ التَّوْقِيرِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ وأبُو نَعِيمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ يا أبا القاسِمِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ الآيَةَ إعْظامًا لِنَبِيِّهِ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِلسُّيُوطِيَ أنَّ في هَذا النَّهْيِ تَحْرِيمُ نِدائِهِ ﷺ بِاسْمِهِ. والظّاهِرُ اسْتِمْرارُ ذَلِكَ بَعْدَ وفاتِهِ إلى الآنِ. وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ مِن جُمْلَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ النِّداءُ بِيا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ مِمّا يُنادِي بِهِ العَرَبُ بَعْضُهم بَعْضًا. وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ لا تُلائِمُ السِّباقَ واللَّحاقَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: وجْهُ الِارْتِباطِ بِما قَبْلِها عَلَيْهِ الإرْشادُ إلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَسْتَأْذِنُكَ ونَحْوُهُ، وكَذا خِطابُ مَن مَعَهُ في أمْرٍ جامِعٍ إيّاهُ ﷺ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِنَحْوِ يا رَسُولَ اللَّهِ لا بِنَحْوِ يا مُحَمَّدُ، ويَكْفِي هَذا القَدْرُ مِنَ الِارْتِباطِ بِما قَبْلُ ولا حاجَةَ إلى بَيانِ المُناسِبَةِ بِأنَّ في كُلٍّ مِنهُما ما يُنافِي التَّعْظِيمَ اللّائِقَ بِشَأْنِهِ العَظِيمِ ﷺ، نَعَمِ الأظْهَرُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا كَما لا يَخْفى. وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ في رِوايَةِ «نَبِيِّكُمْ» بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ آخَرِ الحُرُوفِ مُشَدَّدَةٍ بَدَلِ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ الظَّرْفُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الرَّسُولِ﴾ ولَمْ يُجْعَلْ نَعْتًا لَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ والمُضافُ إلَيْهِ في رُتْبَةِ العِلْمِ صفحة 226 وهُوَ أعْرَفُ مِنَ المُعَرَّفِ بِألْ ويُشْتَرَطُ في النَّعْتِ أنْ يَكُونَ دُونَ المَنعُوتِ أوْ مُساوِيًا لَهُ في التَّعْرِيفِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ النَّعْتُ لِأنَّ ﴿الرَّسُولِ﴾ قَدْ صارَ عِلْمًا بِالغَلَبَةِ كالبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ فَقَدْ تَساوَيا في التَّعْرِيفِ. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ﴾ وعِيدٌ لِمَن هو بِضِدٍّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّسَلُّلُ الخُرُوجُ مِنَ البَيْنِ عَلى التَّدْرِيجِ والخُفْيَةِ، وقَدْ لِلتَّحْقِيقِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِتَقْلِيلِ المُتَسَلِّلِينَ في جَنْبِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى وأنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ إمّا حَقِيقَةً أوِ اسْتِعارَةً ضِدِّيَّةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَ بَعْضِ النُّحاةِ بِإفادَةِ قَدِ التَّكْثِيرُ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ غَيْرِ صَحِيحٍ وإنَّما التَّكْثِيرُ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: أخِي ثِقَةٍ لا يَهْلَكُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ المالُ نائِلَهُ فَإنَّ سِياقَ الكَلامِ لِلْمَدْحِ يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ أيْ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الجَماعَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى خُفْيَةٍ ﴿لِواذًا﴾ أيْ مُلاوَذَةٍ بِأنْ يَسْتَتِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ حَتّى يَخْرُجَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ لا يَخْرُجُ أحَدٌ لِرُعافٍ أوْ إحْداثٍ حَتّى يَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ يُشِيرُ إلَيْهِ بِإصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإبْهامَ فَيَأْذَنُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ وكانَ مِنَ المُنافِقِينَ مَن تَثْقُلُ عَلَيْهِ الخُطْبَةُ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ فَكانَ إذا اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قامَ المُنافِقُ إلى جَنْبِهِ يَسْتَتِرُ بِهِ حَتّى يَخْرُجَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ الآيَةُ، وقِيلَ يَلُوذُ بِهِ إراءَةَ أنَّهُ مِن أتْباعِهِ. ونُصِبَ ﴿لِواذًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ مُلاوِذِينَ وهو مَصْدَرُ لاوَذَ لِعَدَمِ قَلْبِ واوَهِ ياءً تَبَعًا لِفِعْلِهِ ولَوْ كانَ مَصْدَرُ لاذَ لَقِيلَ لِياذًا كَقِيامًا. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ «لَوْ إذا» بِفَتْحِ اللّامِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ لاذَ ولَمْ تُقْلَبْ واوُهُ ياءً لِأنَّهُ لا كَسْرَةَ قَبْلَها فَهو كَطَوافٍ مَصْدَرُ طافَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ لاوَذَ وفَتْحَةُ اللّامِ لِأجْلِ فَتْحَةِ الواوِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ لِتَرْتِيبِ الحَذَرِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلِها مِن عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ الحَذَرَ البَتَّةَ، والمُخالَفَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ: أنْ يَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ الآخَرِ في حالِهِ أوْ فِعْلِهِ والأكْثَرُ اسْتِعْمالُها بِدُونِ عَنْ فَيُقالُ خالَفَ زَيْدٌ عُمْرًا وإذا اسْتُعْمِلَتْ بِعْنَ فَذاكَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الإعْراضِ. وقِيلَ الخُرُوجُ أيْ يُخالِفُونَ مُعْرِضِينَ أوْ خارِجِينَ عَنْ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: عُدَيٌّ يُخالِفُونَ بِعْنَ لِما في المُخالَفَةِ مِن مَعْنى التَّباعُدِ والحَيْدِ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ يَحِيدُونَ عَنْ أمْرِهِ بِالمُخالَفَةِ وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: يُخالِفُونَ أمْرَهُ. وقِيلَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الصَّدِّ، وقِيلَ إذا عُدِّيَ بِعْنَ يُرادُ بِهِ الصَّدُّ دُونَ تَضْمِينٍ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ يُقالُ: خالَفَ زَيْدًا عَنِ الأمْرِ أيْ صَدَّهُ عَنْهُ والمَفْعُولُ عَلَيْهِ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ يُخالِفُونَ المُؤْمِنُونَ أيْ يَصُدُّونَهم عَنْ أمْرِهِ وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّ المُرادَ تَقْبِيحُ حالِ المُخالِفِ وتَعْظِيمُ أمْرِ المُخالِفِ عَنْهُ فَذَكَرَ الأهَمَّ وتَرَكَ ما لا اهْتِمامَ بِهِ وقَدْ يَتَعَدّى بِإلى فَيُقالُ خالَفَ إلَيْهِ إذا أقْبَلَ نَحْوَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿عَنْ﴾ هُنا بِمَعْنى بُعْدٍ، والمَعْنى يَقَعُ خِلافَهم بَعْدَ أمْرِهِ كَما تَقُولُ: كانَ المَطَرُ عَنْ رِيحٍ وأطْعَمْتُهُ عَنْ جُوعٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ أيْ يُخالِفُونَ ﴿أمْرِهِ﴾ وضَمِيرُ أمْرِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الأمْرَ لَهُ سُبْحانَهُ في الحَقِيقَةِ أوْ لِلرَّسُولِ ﷺ فَإنَّهُ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، والأمْرُ لَهُ قِيلَ الطَّلَبُ أوِ الشَّأْنُ أوْ ما يَعُمُّهُما، ولا يَخْفى أنَّ في تَجْوِيزٍ عَلى كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في الضَّمِيرِ نَظَرًا فَلا تَغْفُلْ. وقُرِئَ «يَخْلِّفُونَ» بِالتَّشْدِيدِ أيْ يَخْلُفُونَ أنْفُسَهَمْ عَنْ أمْرِهِ صفحة 227 ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أيْ بَلاءٍ ومِحْنَةٍ في الدُّنْيا كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الفِتْنَةِ بِالقَتْلِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرُها بِتَسْلِيطِ سُلْطانٍ جائِرٍ، وعَنِ السَّدِّيِّ ومُقاتِلٍ تَفْسِيرُها بِالكُفْرِ والأوَّلُ أوْلى. ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ في الآخِرَةِ. وقِيلَ في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ القَتْلُ وبِالفِتْنَةِ ما دُونَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وكَلِمَةٌ أوْ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ. وإعادَةُ الفِعْلِ صَرِيحًا لِلِاعْتِناءِ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ. وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَإنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيها عَلى مُخالِفِ الأمْرِ الحَذِرِ عَنِ العَذابِ وذَلِكَ تَهْدِيدٌ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ وهو دَلِيلُ كَوْنِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ إذْ لا تَهْدِيدَ عَلى تَرْكِ غَيْرِ الواجِبِ، وأيْضًا بِناءُ حُكْمِ الحَذَرِ عَنِ العَذابِ إلى المُخالِفِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَذَرَهُ عَنْهُ مِن حَيْثُ المُخالَفَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا أفْضى إلى العَذابِ كَما في قَوْلِكَ فَلْيَحْذَرِ الشّاتِمُ لِلْأمِيرِ أنْ يَضْرِبَهُ ولا إفْضاءَ في تَرْكِ غَيْرِ الواجِبِ. وهَذا الأمْرُ أعْنِي ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ بِخُصُوصِهِ مُسْتَعْمَلٌ في الإيجابِ إذْ لا مَعْنى لِنَدْبِ الحَذَرِ عَنِ العِقابِ أوْ إباحَتِهِ، وأيْضًا إشْعارُ الآيَةِ بِوُجُوبِ الحَذَرِ غَيْرُ خافٍ بِقَرِينَةِ وُرُودِها في مَعْرِضِ الوَعِيدِ بِتَوَقُّعِ إصابَةِ العَذابِ عَلى أنَّهُ لَوْ حَمَلَ الأمْرَ المَذْكُورَ عَلى أنَّهُ لِلنَّدْبِ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ وذَلِكَ لَأنَّ التَّحْذِيرَ عَمّا لَمْ يَعْلَمْ أوْ لَمْ يَظُنَّ تَحَقُّقَهُ ولا تَحَقَّقَ ما يُفْضِي إلى وُقُوعِهِ في الجُمْلَةِ سَفَهٌ غَيْرُ جائِزٍ بِمَعْنى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ ولِهَذا يُلامُ مَن يُحَذِّرُ عَنْ سُقُوطِ الجِدارِ المُحْكَمُ الغَيْرِ المائِلِ، وأيًّا ما كانَ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ لِلْوُجُوبِ لِأنَّهُ عَيْنُ مَحَلِّ النِّزاعِ إذْ يَكْفِي في المَطْلُوبِ عَلى ما قَرَّرْنا اسْتِعْمالَهُ في النَّدْبِ أيْضًا، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى مُخالَفَةِ الأمْرِ عَدَمُ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ أوْ حَمْلِهِ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ مَثَلًا فَيَحْمِلُ عَلى غَيْرِهِ بَعِيدٍ جِدًّا، والظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الفَهْمِ أنَّهُ تَرَكَ الِامْتِثالَ والإتْيانَ بِالمَأْمُورِ فَلا يُتْرَكُ إلى ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ. واعْتَرَضَ بِأنَّهُ بَعْدَ هَذا القِيلِ والقالِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأوامِرِ حَقِيقَةً في الوُجُوبِ لِإطْلاقِ الأمْرِ. وأُجِيبُ بِأنَّ ﴿أمْرِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ وهو يُفِيدُ العُمُومَ حَيْثُ فُقِدَتْ قَرِينَةُ العَهْدِ عَلى أنَّ الإطْلاقَ كافٍ في المَطْلُوبِ، وهو كَوْنُ الأمْرِ المُطْلَقِ لِلْوُجُوبِ خاصَّةً. إذْ لَوْ كانَ حَقِيقَةً لِغَيْرِهِ أيْضًا لَمْ يَتَرَتَّبِ التَّهْدِيدُ عَلى مُخالَفَةِ مُطْلَقِ الأمْرِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لا قائِلَ بِالفَصْلِ في صِيَغِ الأمْرِ بِأنَّ بَعْضَها لِلْوُجُوبِ وبَعْضَها لِغَيْرِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالأمْرِ الطَّلَبَ، ولَوْ فَسَّرَ بِالشَّأْنِ وكانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَزِمَ مِنَ القَوْلِ بِدَلالَتِها عَلى الوُجُوبِ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يَفْعَلُهُ ﷺ واجِبًا عَلَيْنا ولا قائِلَ بِهِ. والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَهُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ. وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ مَشْهُورٌ سَواءً فَسِرْ بِما ذَكَرَ لِأنَّ الطّاعَةَ امْتِثالُ الأمْرِ القَوْلِيِّ أوْ فَسَّرَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأمّا إذا جَعَلَ إشارَةً إلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ ومَعْنى ﴿يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ فَلا ولَيْسَ بِالوَجْهِ وإنْ آثَرَهُ جَمْعٌ لِفَواتِ المُبالَغَةِ والتَّناوُلِ الأوَّلِيِّ والعُدُولِ عَنِ الحَقِيقَةِ في لَفْظِ الأمْرِ ثُمَّ المُخالَفَةُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهى، وهَذا الَّذِي آثَرَهُ جَمْعٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ عَنِ البَغْوِيُّ ثُمَّ قالَ: هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ ويُساعِدُ عَلَيْهِ النَّظْمُ والتَّأْوِيلُ لِأنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الشَّأْنِ وواحِدُ الأُمُورِ وبَيانُهُ أنَّ ما قَبْلَهُ حَدِيثٌ في الأمْرِ الجامِعِ وهو الأمْرُ الَّذِي يَجْمَعُ عَلَيْهِ النّاسُ ومَدْحُ مَن لَزِمَ مَجْلِسَ رَسُولًا لِلَّهِ ﷺ ولَمْ يَذْهَبْ عَنْهُ وذَمَّ مَن فارَقَهُ بِغَيْرِ الإذْنِ وأمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ في حَقِّ مَن فارَقَ بِالإذْنِ لِأنَّ صفحة 228 قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ يُؤْذِنُ أنَّ القَوْمَ ثَلاثُ فِرَقٍ المَأْذُونُ في الذَّهابِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والمُتَخَلِّفُ عَنْهُ ثُمَّ المُتَخَلِّفُ إمّا أنْ يَدُومَ في مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَذْهَبْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ أوْ يَتَسَلَّلْ لِواذًا وهُمُ المُنافِقُونَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ إلَخْ مُتَرَتِّبٌ عَلى القِسْمِ الثّالِثِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والفِعْلِ المُضارِعِ يُفِيدُ مَعْنى الدَّأْبِ والعادَةِ وقَدْ أُقِيمَ المَظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمِرِ عِلَّةً لِاسْتِحْقاقِهِمْ فِتْنَةَ الدّارَيْنِ انْتَهى، وقَدْ كَشَفَ عَنْ بَعْضِ ما فِيهِ صاحِبُ الكَشْفِ نَعَمْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ فَواتَ المُبالَغَةِ والتَّناوُلِ لا يُقاوِمُ العَهْدَ ولا عُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ لِأنَّ الأمْرَ حَقِيقَةٌ في الحادِثَةِ وكَذا المُخالَفَةُ فِيما ذَكَرَ ولَوْ سَلَّمَ فَهو مُشْتَرِكُ الإلْزامِ فَإنَّ الأمْرَ لَيْسَ حَقِيقَةً في الأمْرِ العامِّ وقَوْلُهُ: بِلا ضَرُورَةٍ مَمْنُوعٌ فَإنَّ إضافَةَ العَهْدِ صارِفَةٌ. وتَعَقَّبَ بِأنَّ هَذا مُكابَرَةٌ ومَنعٌ مُجَرَّدٌ لا يَسْمَعُ فَإنَّ الأبْلَغِيَّةَ لا شُبْهَةَ فِيا فَإنَّ تَهْدِيدَ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدُّ مِن تَرْكِهِ بِلا إذْنٍ وكَوْنُ الأمْرِ حَقِيقَةً في الطَّلَبِ هو الأصَحُّ في الأُصُولِ والمُخالِفَةُ المُقارِنَةُ لِلْأمْرِ لا شُبْهَةَ في أنَّ حَقِيقَتَها عَدَمُ الِامْتِثالِ واشْتِراكُ الإلْزامِ لَيْسَ بِتامٍّ لِأنَّ أمْرَهُ إذا عَمَّ يَشْمَلُ الأمْرَ الجامِعَ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْضًا وعَهْدَ الإضافَةِ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ حَتّى يُعَدَّ صارِفًا كَذا قِيلَ وفِيهِ بَحْثٌ فَتَأمَّلْ، وقَدْ يُقالُ بِناءً عَلى كَوْنِ الأمْرِ المَذْكُورِ إشارَةً إلى الأمْرِ الجامِعِ: إنَّهُ جِيءَ بِأوْفى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِما أنَّ الأمْرَ الجامِعَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا دُنْيَوِيًّا كالتَّشاوُرِ وفي الأُمُورِ الحَرْبِيَّةِ فالِانْصِرافُ عَنْهُ مَظِنَّةُ إصابَةِ المِحْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْمُنْصَرِفِينَ وإمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا دِينِيًّا كَإقامَةِ الجُمْعَةِ الَّتِي فِيها تَعْظِيمُ شَعائِرِ الإسْلامِ فالِانْصِرافُ عَنْهُ مَظِنَّةُ إصابَةِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ. وبِالجُمْلَةِ لا اسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى اعْتِبارِ العَهْدِ وأمّا إذا لَمْ يَعْتَبِرْ فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِها، وقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ وتَمامُهُ جُرْحًا وتَعْدِيلًا وغَيْرُ ذَلِكَ في كُتُبِ الأُصُولِ.

النور 24:64

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا إيجادًا وإعْدامًا بَدْءًا وإعادَةً لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ شَرِكَةٍ أوِ اسْتِقْلالًا ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ مِنَ الأحْوالِ والأوْضاعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُوافِقَةُ والمُخالِفَةُ والإخْلاصُ والنِّفاقُ ودُخُولُ المُنافِقِينَ مَعَ أنَّ الخِطابَ فِيما قَبْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ وهو مَفْعُولٌ بِهِ عُطِفَ عَلى ما ﴿أنْتُمْ﴾ أيْ يَعْلَمُ يَوْمَ يَرْجِعُ المُنافِقُونَ المُخالِفُونَ لِلْأمْرِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَزاءِ والعِقابِ. وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ بِيَوْمِ رَجْعِهِمْ لا بِرَجْعِهِمْ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ وغايَةُ تَقْرِيرِهِ لِما أنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ وُقُوعِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عِلْمَهُ جَعَلَ وعَلا بِنَفْسِ رَجْعِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ قَطْعًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ السّابِقُ خاصًّا بِهِمْ أيْضًا فَيَتَحَقَّقُ التِفاتانِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في ﴿أنْتُمْ﴾ والتِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في ﴿يُرْجَعُونَ﴾ والعَطْفُ عَلى حالِهِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ ويَوْمَ إلَخْ فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلى الحالِ في ضِمْنِ الدَّوامِ والثُّبُوتِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَ ) ظَرْفًا لِمَحْذُوفٍ يُعْطَفُ عَلى ما قَبْلِهِ أيْ وسَيُحاسِبُهم يَوْمَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ولا أرى اخْتِصاصَهُ بِالوَجْهِ الثّانِي في الخِطابِ. وفِي البَحْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ والظَّهْرُ عَطْفٌ ( يَوْمَ ) عَلى ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ والعِلْمُ يَظْهَرُ لَكم أوْ نَحْوَ هَذا يَوْمَ فَيَكُونُ ( يَوْمَ ) نَصْبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ وقَدْ لِلتَّحْقِيقِ وفَيا الِاحْتِمالانِ المُتَقَدِّمانِ آنِفًا، وقَدْ مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ ما يُرادُ بِمِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الوَعِيدِ أوِ الوَعْدِ. ولا يَخْفى المُناسِبُ لِكُلٍّ مِنَ صفحة 229 الِاحْتِمالاتِ في ( أنْتُمْ ويُرْجَعُونَ ) وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ وأبُو عَمْرٍو «يُرْجَعُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ بِعَمَلِهِمْ أوْ بِالَّذِي عَمِلُوهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ الأمْرِ فَيُرَتِّبُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والجَزاءِ أوْ فَيُنْبِئُهم بِما عَمِلُوا خَيْرًا أوْ شَرًّا فَيُرَتِّبُ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يُخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلِهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِرِعايَةِ رُؤُوسِ الآيِ. وقِيلَ وفِيهِ بَحْثٌ: إنَّهُ لِلْحَصْرِ عَلى مَعْنى واللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لا بِبَعْضِ الأشْياءِ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم حَفِظَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالاتِ لَنا نُورًا نَهْتَدِي بِهِ إذا أدَلَّهم لَيْلُ الجَهالاتِ هَذا. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ إلى آخِرِهِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمْعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وتَرْكِيبُ الإنْسانِ مِنها ثُمَّ خُرُوجِ مَطَرِ الإحْساسِ مِن عَيْنَيْهِ وأُذُنَيْهِ مَثَلًا ويَنْزِلُ مِن سَماءِ العَقْلِ الفَيّاضِ بِرَدِّ حَقائِقِ العُلُومِ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ فَتَظْهَرُ آثارُهُ عَلَيْهِ ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ نُورُ تَجَلِّيهِ ﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ بِأنْ يُعَطِّلَها عَنِ الإبْصارِ ويُفْنِيَ أصْحابَها عَنْها لِما أنَّ الإدْراكَ بِنُورِهِ فَوْقَ الإدْراكِ بِنُورِ الإبْصارِ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ إشارَةٌ إلى لَيْلِ المَحْوِ ونَهارِ الصَّحْوِ أوْ لَيْلِ القَبْضِ ونَهارِ البَسْطِ أوْ لَيْلِ الجَلالِ ونَهارِ الجَمالِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وقِيلَ: يُزْجِي سَحابَ المَعاصِي إلى أنْ يَتَراكَمَ فَتَرى مَطَرَ التَّوْبَةِ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ كَما خَرَجَ مِن سَحابِ ﴿وعَصى آدَمُ﴾ مَطَرٌ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ﴾ رَبُّهُ ويَنْزِلُ مِن سَماءِ القُلُوبِ مِن جِبالِ القَسْوَةِ فِيها مِن بَرْدِ القَهْرِ يُقَلِّبُ اللَّهُ لَيْلَ المَعْصِيَةِ لِمَن يَشاءُ إلى نَهارِ الطّاعَةِ وبِالعَكْسِ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الماءِ ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ يَعْتَمَّدُ في سَيْرِهِ عَلى الباطِنِ وهم أهْلُ الجَذْبَةِ المَغْمُورُونَ في بِحارِ المَحَبَّةِ ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ يَعْتَمِدُ في سَيْرِهِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ لَكِنَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ خاصَّةً مِنهُما وهم صِنْفٌ مِنَ الكامِلِينَ سَكَنُوا زَوايا الخُمُولِ ولَمْ يُخالِطُوا النّاسَ ولَمْ يَشْتَغِلُوا بِالإرْشادِ ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ يَعْتَمِدُ في سَيْرِهِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِنهُما وهم صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الكامِلِينَ بَرَزُوا لِلنّاسِ وخالَطُوهم واشْتَغَلُوا بِالإرْشادِ وعَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ بِما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ والطَّرِيقَةُ وعامَلُوا النّاسَ والمُرِيدِينَ بِذَلِكَ أيْضًا ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في خَلْقِهِ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرِ كالكامِلِينَ الَّذِينَ أوْقَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أسْرارِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ وما حَدَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ونَوْعٍ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ فَعامَلُوا بَعْدَ أنْ عَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ ما يَلِيقُ بِهِمْ كُلِّ أُمَّةِ وكُلِّ نَوْعٍ بِما حَدَّ لَهُ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ . وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ﴾ الآياتُ إشارَةٌ إلى أحْوالِ المُنْكِرِينَ في القَلْبِ عَلى المَشايِخِ وأحْوالِ المُصَدِّقِينَ بِهِمْ قَلْبًا وقالِبًا وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المُكاشَفاتِ ونَحْوِها، وقالَ أبُو عُثْمانَ: مَن أمَرَ السُّنَّةَ عَلى نَفْسِهِ قَوْلًا وفِعْلًا نَطَقَ بِالحِكْمَةِ ومَن أمَرَ الهَوى عَلى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالبِدْعَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ الِاسْتِبْدادُ بِشَيْءٍ قالَ عَبْدُ اللَّهِ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ مِن أصْحابِ أبِي عُثْمانَ لِأبِي عُثْمانَ أوْصِنا فَقالَ: عَلَيْكم بِالِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ وإيّاكم صفحة 230 ومُخالَفَةَ الأكابِرِ والدُّخُولَ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ إلّا بِإذْنِهِمْ ومَشُورَتِهِمْ وواسَوُا المُحْتاجِينَ بِما أمْكَنَكم فَإذا فَعَلْتُمْ أرْجُو أنْ لا يُضَيِّعَ اللَّهُ تَعالى لَكم سَعْيًا ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ فِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ ما فِيهِ، وذَكَرَ أنَّ الشَّيْخَ في جَماعَتِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِمَ في مُخاطَبَتِهِ ويُمَيِّزَ عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخَرّازُ: الفِتْنَةُ إسْباغُ النِّعَمِ مَعَ الِاسْتِدْراجِ، وقالَ الجُنَيْدُ قَدَّسَ سِرَّهُ: قَسْوَةُ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْرُوفِ والمُنْكِرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: طَبْعٌ عَلى القُلُوبِ والعَذابُ الألِيمُ هو عَذابُ البُعْدِ والحِجابُ عَنِ الحَضْرَةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ ونَسْألُهُ سُبْحانَهُ التَّوْفِيقَ إلى أقْوَمِ المَسالِكِ فَلا رَبَّ غَيْرِهِ ولا يُرْجى إلّا خَيْرَهُ.