Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الشعراء 26:1 – الشعراء 26:196

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الشعراء 26:1
  2. الشعراء 26:2
  3. الشعراء 26:3
  4. الشعراء 26:4
  5. الشعراء 26:5
  6. الشعراء 26:6
  7. الشعراء 26:7
  8. الشعراء 26:8
  9. الشعراء 26:9
  10. الشعراء 26:10
  11. الشعراء 26:11
  12. الشعراء 26:12
  13. الشعراء 26:13
  14. الشعراء 26:14
  15. الشعراء 26:15
  16. الشعراء 26:16
  17. الشعراء 26:17
  18. الشعراء 26:18
  19. الشعراء 26:19
  20. الشعراء 26:20
  21. الشعراء 26:21
  22. الشعراء 26:22
  23. الشعراء 26:23
  24. الشعراء 26:24
  25. الشعراء 26:25
  26. الشعراء 26:26
  27. الشعراء 26:27
  28. الشعراء 26:28
  29. الشعراء 26:29
  30. الشعراء 26:30
  31. الشعراء 26:31
  32. الشعراء 26:32
  33. الشعراء 26:33
  34. الشعراء 26:34
  35. الشعراء 26:35
  36. الشعراء 26:36
  37. الشعراء 26:37
  38. الشعراء 26:38
  39. الشعراء 26:39
  40. الشعراء 26:40
  41. الشعراء 26:41
  42. الشعراء 26:42
  43. الشعراء 26:43
  44. الشعراء 26:44
  45. الشعراء 26:45
  46. الشعراء 26:46
  47. الشعراء 26:47
  48. الشعراء 26:48
  49. الشعراء 26:49
  50. الشعراء 26:50
  51. الشعراء 26:51
  52. الشعراء 26:52
  53. الشعراء 26:53
  54. الشعراء 26:54
  55. الشعراء 26:55
  56. الشعراء 26:56
  57. الشعراء 26:57
  58. الشعراء 26:58
  59. الشعراء 26:59
  60. الشعراء 26:60
  61. الشعراء 26:61
  62. الشعراء 26:62
  63. الشعراء 26:63
  64. الشعراء 26:64
  65. الشعراء 26:65
  66. الشعراء 26:66
  67. الشعراء 26:67
  68. الشعراء 26:68
  69. الشعراء 26:69
  70. الشعراء 26:70
  71. الشعراء 26:71
  72. الشعراء 26:72
  73. الشعراء 26:73
  74. الشعراء 26:74
  75. الشعراء 26:75
  76. الشعراء 26:76
  77. الشعراء 26:77
  78. الشعراء 26:78
  79. الشعراء 26:79
  80. الشعراء 26:80
  81. الشعراء 26:81
  82. الشعراء 26:82
  83. الشعراء 26:83
  84. الشعراء 26:84
  85. الشعراء 26:85
  86. الشعراء 26:86
  87. الشعراء 26:87
  88. الشعراء 26:88
  89. الشعراء 26:89
  90. الشعراء 26:90
  91. الشعراء 26:91
  92. الشعراء 26:92
  93. الشعراء 26:93
  94. الشعراء 26:94
  95. الشعراء 26:95
  96. الشعراء 26:96
  97. الشعراء 26:97
  98. الشعراء 26:98
  99. الشعراء 26:99
  100. الشعراء 26:100
  101. الشعراء 26:101
  102. الشعراء 26:102
  103. الشعراء 26:103
  104. الشعراء 26:104
  105. الشعراء 26:105
  106. الشعراء 26:106
  107. الشعراء 26:107
  108. الشعراء 26:108
  109. الشعراء 26:109
  110. الشعراء 26:110
  111. الشعراء 26:111
  112. الشعراء 26:112
  113. الشعراء 26:113
  114. الشعراء 26:114
  115. الشعراء 26:115
  116. الشعراء 26:116
  117. الشعراء 26:117
  118. الشعراء 26:118
  119. الشعراء 26:119
  120. الشعراء 26:120
  121. الشعراء 26:121
  122. الشعراء 26:122
  123. الشعراء 26:123
  124. الشعراء 26:124
  125. الشعراء 26:125
  126. الشعراء 26:126
  127. الشعراء 26:127
  128. الشعراء 26:128
  129. الشعراء 26:129
  130. الشعراء 26:130
  131. الشعراء 26:131
  132. الشعراء 26:132
  133. الشعراء 26:133
  134. الشعراء 26:134
  135. الشعراء 26:135
  136. الشعراء 26:136
  137. الشعراء 26:137
  138. الشعراء 26:138
  139. الشعراء 26:139
  140. الشعراء 26:140
  141. الشعراء 26:141
  142. الشعراء 26:142
  143. الشعراء 26:143
  144. الشعراء 26:144
  145. الشعراء 26:145
  146. الشعراء 26:146
  147. الشعراء 26:147
  148. الشعراء 26:148
  149. الشعراء 26:149
  150. الشعراء 26:150
  151. الشعراء 26:151
  152. الشعراء 26:152
  153. الشعراء 26:153
  154. الشعراء 26:154
  155. الشعراء 26:155
  156. الشعراء 26:156
  157. الشعراء 26:157
  158. الشعراء 26:158
  159. الشعراء 26:159
  160. الشعراء 26:160
  161. الشعراء 26:161
  162. الشعراء 26:162
  163. الشعراء 26:163
  164. الشعراء 26:164
  165. الشعراء 26:165
  166. الشعراء 26:166
  167. الشعراء 26:167
  168. الشعراء 26:168
  169. الشعراء 26:169
  170. الشعراء 26:170
  171. الشعراء 26:171
  172. الشعراء 26:172
  173. الشعراء 26:173
  174. الشعراء 26:174
  175. الشعراء 26:175
  176. الشعراء 26:176
  177. الشعراء 26:177
  178. الشعراء 26:178
  179. الشعراء 26:179
  180. الشعراء 26:180
  181. الشعراء 26:181
  182. الشعراء 26:182
  183. الشعراء 26:183
  184. الشعراء 26:184
  185. الشعراء 26:185
  186. الشعراء 26:186
  187. الشعراء 26:187
  188. الشعراء 26:188
  189. الشعراء 26:189
  190. الشعراء 26:190
  191. الشعراء 26:191
  192. الشعراء 26:192
  193. الشعراء 26:193
  194. الشعراء 26:194
  195. الشعراء 26:195
  196. الشعراء 26:196

الشعراء 26:1

سُورَةُ الشُّعَراءِ وفِي تَفْسِيرِ الإمامِ مالِكٍ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجامِعَةِ، وقَدْ جاءَ في رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - إطْلاقُ القَوْلِ بِمَكِّيَّتِها، وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ إلى آخِرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ وقَتادَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أيْضًا، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: وعِدَّةُ آياتِها مِائَتانِ وسَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ، ومِائَتانِ وسِتٌّ وعِشْرُونَ في الباقِي. ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى بَسْطٍ وتَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ، وفِيها أيْضًا مِن تَسْلِيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما فِيها، وقَدِ افْتُتِحَتْ كِلْتا السُّورَتَيْنِ بِما يُفِيدُ مَدْحَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وخُتِمَتا بِإيعادِ المُكَذِّبِينَ بِهِ كَما لا يَخْفى. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿طسم﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْثالِهِ إعْرابًا وغَيْرِهِ، والكَلامُ هُنا كالكَلامِ هُناكَ بَيْدَ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في هَذا: الطّاءُ مِن ذِي الطَّوْلِ، والسِّينُ مِنَ القُدُّوسِ، والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ، وأمالَ فَتْحَةَ الطّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ، وقَرَأ نافِعٌ - كَما رَوى عَنْهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في الحُجَّةِ - بَيْنَ بَيْنَ، ولَمْ يُمِلْ صَرْفًا لِأنَّ الألِفَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ فَلَوْ أُمِيلَتْ إلَيْها انْتَقَضَ غَرَضُ القَلْبِ وهو التَّخْفِيفُ. ورَوى بَعْضٌ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كَباقِي السَّبْعَةِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ أصْلًا نَظَرًا إلى أنَّ الطّاءَ حَرْفُ اسْتِعْلاءٍ يَمْنَعُ مِنَ الإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِإظْهارِ نُونِ سِينٍ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ - لِكَوْنِهِ أحَدَ أسْماءِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ - مُنْفَصِلٌ عَمّا بَعْدَهُ، وأدْغَمَها الباقُونَ لِما رَأوْها مُتَّصِلَةً في حُكْمِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ خُصُوصًا عَلى القَوْلِ بِالعَلَمِيَّةِ، وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ المِيمِ مِن «طسم» هُنا وفي القَصَصِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (ط س م) مِن غَيْرِ اتِّصالٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.

الشعراء 26:2

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إشارَةٌ إلى السُّورَةِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَخامَةِ، والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ وبِالمُبِينِ الظّاهِرُ إعْجازُهُ، عَلى أنَّهُ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ عَلى أنَّ الإسْنادَ فِيهِ مَجازِيٌّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُبِينُ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ أوِ الحَقُّ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالمَقامِ، والمَعْنى: هَذِهِ آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ القُرْآنِ مُتَرْجَمَةٌ باسِمٍ مُسْتَقِلٍّ، والمُرادُ بِبَيانِ كَوْنِها بَعْضًا مِنهُ وصْفُها بِما اشْتَهَرَ بِهِ الكُلُّ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ والتَّأْنِيثُ لِرِعايَةِ الخَبَرِ، والمُرادُ بِالكِتابِ السُّورَةُ، والمَعْنى: آياتُ هَذا القُرْآنِ المُؤَلَّفِ مِنَ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ كَآياتِ هَذِهِ السُّورَةِ المُتَحَدّى بِها، فَأنْتُمْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَحُكْمُ تِلْكَ الآياتِ كَذَلِكَ وهو كَما تَرى. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ ( الكِتابِ المُبِينِ ) بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ووَصْفُهُ بِالمُبِينِ لِإظْهارِهِ أحْوالَ الأشْياءِ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والأوْلى ما سَمِعْتَهُ أوَّلًا

الشعراء 26:3

﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلُ إيّاها مِن شِدَّةِ الوَجْدِ كَما قالَ اللَّيْثَ، وأنْشَدَ قَوْلَ الفَرَزْدَقَ: صفحة 59 ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَّتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المُقادِرُ وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: يُقالُ: بَخَعَ يَبْخَعُ بَخْعًا وبُخُوعًا أيْ أُهْلِكَ مِن شِدَّةِ الوَجْدِ، وأصْلُهُ الجُهْدُ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: بَخَعَ الأرْضَ، أيْ: جَهَدَها حَتّى أخَذَ ما فِيها مِن أمْوالِ المُلُوكِ، وقالَ الكِسائِيُّ: بَخَعَ الأرْضَ بِالزِّراعَةِ جَعَلَها ضَعِيفَةً بِسَبَبِ مُتابَعَةِ الحِراثَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - وتَبِعَهُ المُطَرِّزِيُّ -: أصْلُ البَخْعِ أنْ تَبْلُغَ بِالذَّبْحِ البِخاعَ - بِكَسْرِ الباءِ - وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطِنُ الفَقارَ، وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذَّبْحِ، ولَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ابْنُ الأثِيرِ - مَعَ مَزِيدِ بَحْثِهِ - ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى -: «باخِعُ نَفْسِكَ» بِالإضافَةِ عَلى خِلافِ الأصْلِ، فَإنَّ الأصْلَ في اسْمِ الفاعِلِ إذا اسْتَوْفى شُرُوطَ العَمَلِ أنْ يَعْمَلَ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، وقالَ الكِسائِيُّ: العَمَلُ والإضافَةُ سَواءٌ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الإضافَةَ أحْسَنُ مِنَ العَمَلِ، ولَعَلَّ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لِإشْفاقِ المُتَكَلِّمِ، ولَمّا اسْتَحالَ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ جَعَلُوهُ مُتَوَجِّهًا إلى المُخاطَبِ، ولَمّا كانَ غَيْرَ واقِعٍ مِنهُ أيْضًا قالُوا: المُرادُ الأمْرُ بِهِ لِدَلالَةِ الإنْكارِ المُسْتَفادِ مِن سَوْقِ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أشْفِقْ عَلى نَفْسِكَ أنْ تَقْتُلَها وجْدًا وحَسْرَةً عَلى ما فاتَكَ مِن إسْلامِ قَوْمِكَ، وقالَ العَسْكَرِيُّ: هي في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مَوْضُوعَةٌ مَوْضِعَ النَّهْيِ، والمَعْنى: لا تَبْخَعْ نَفْسَكَ، وقِيلَ: وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتَ باخِعٌ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ قالَ: المُرادُ: الإنْكارُ، أيْ: لا تَكُنْ باخِعًا نَفْسَكَ ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْبَخْعِ، ولَمّا لَمْ يَصِحَّ كَوْنُ عَدَمِ كَوْنِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ مُؤْمِنِينَ - كَما يُفِيدُهُ ظاهِرُ الكَلامِ - عِلَّةً لِذَلِكَ؛ لِعَدَمِ المُقارَنَةِ - والعِلَّةُ يَنْبَغِي أنْ تُقارِنَ المَعْلُولَ - قَدَّرُوا (خِيفَةَ) فَقالُوا: خِيفَةَ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِذَلِكَ الكِتابِ المُبِينِ، ومِنَ الأجِلَّةِ مَن لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُهم عَلى عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ بِذَلِكَ الكِتابِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ كانَ لِلِاسْتِمْرارِ، وصِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ لِتَأْكِيدِهِ، وأُرِيدَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَوْنُ بِمَعْنى الصِّحَّةِ، والمَعْنى: لِامْتِناعِ إيمانِهِمْ، والقَوْلُ بِأنَّ فِعْلَ الكَوْنِ أُتِيَ بِهِ لِأجْلِ الفاصِلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

الشعراء 26:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ إلَخْ، اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِإشْفاقِهِ عَلى نَفْسِهِ ﷺ أوِ النَّهْيِ عَنِ البَخْعِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ، وهو - عَلى المَشْهُورِ - ما دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجَزاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلُ، أيْ: إنْ نَشَأ إيمانَهم ﴿نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُلْجِئَةً لَهم إلى الإيمانِ، قاسِرَةً عَلَيْهِ، كَما نَتَقَ الجَبَلَ فَوْقَ بَنِي إسْرائِيلَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ «إنْ يَشَأْ يُنَزِّلْ» عَلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لَهُ تَعالى، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ: (لَوْ شِئْنا لَأنْزَلْنا ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ، وهو خَبَرٌ عَنِ الأعْناقِ، وقَدِ اكْتَسَبَتِ التَّذْكِيرَ وصِفَةَ العُقَلاءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، فَأُخْبِرَ عَنْها لِذَلِكَ بِجَمْعِ مَن يَعْقِلُ، كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ بَعْضِ أجِلَّةِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، واخْتِصاصُ جَوازِ مِثْلِ ذَلِكَ الشِّعْرَ - كَما حَكاهُ السِّيرافِيُّ عَنِ النَّحْوِيِّينَ - مِمّا لَمْ يَرْتَضِهِ المُحَقِّقُونَ، ومِنهم أبُو العَبّاسِ، وهو مِمَّنْ خَرَّجَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِما أنَّها وُصِفَتْ بِفِعْلٍ لا يَكُونُ إلّا مَقْصُودًا لِلْعاقِلِ وهو الخُضُوعُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ وأنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ رُوعِيَ بَعْدَ حَذْفِهِ، أيْ: أصْحابُ أعْناقِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ رَكِيكٌ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صفحة 60 أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ؛ لِأنَّهُ يَتَراءى قَبْلَ التَّأمُّلِ لِظُهُورِ الخُضُوعِ في العُنُقِ بِنَحْوِ الِانْحِناءِ أنَّهُ هو الخاضِعُ دُونَ صاحِبِهِ، وتُرِكَ الجَمْعُ بَعْدَ الإقْحامِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ، وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ خاضِعِينَ حالٌ لِلضَّمِيرِ المَجْرُورِ لا لِلْأعْناقِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ فَقالَ: هو بَعِيدٌ في التَّحْقِيقِ لِأنَّ ﴿خاضِعِينَ﴾ يَكُونُ جارِيًا عَلى غَيْرِ فاعِلِ (ظَلَّتْ) فَيَفْتَقِرُ إلى إبْرازِ ضَمِيرِ الفاعِلِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ (خاضِعِينَ هُمْ) فافْهَمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والأخْفَشُ: الأعْناقُ الجَماعاتُ، يُقالُ: جاءَ في عُنُقٍ مِنَ النّاسِ أيْ جَماعَةٍ، والمَعْنى: ظَلَّتْ جَماعاتُهُمْ، أيْ: جُمْلَتُهم. وقِيلَ: المُرادُ بِها الرُّؤَساءُ والمُقَدَّمُونَ مَجازًا، كَما يُقالُ لَهُمْ: رُؤُوسٌ وصُدُورٌ، فَيَثْبُتُ الحُكْمُ لِغَيْرِهِمْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ إطْلاقَ العُنُقِ عَلى الجَماعَةِ مُطْلَقًا رُؤَساءَ أمْ لا حَقِيقَةٌ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ الأساسِ أنَّ مِنَ المَجازِ: (أتانِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ) لِلْجَماعَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وجاؤُوا رُسُلًا رُسُلًا وعُنُقًا عُنُقًا، والكَلامُ يَأْخُذُ بَعْضُهُ بِأعْناقِ بَعْضٍ، ثُمَّ قالَ: يُفْهَمُ مِن تَقابُلِ (رُسُلًا رُسُلًا) لِقَوْلِهِ: (عُنُقًا عُنُقًا) أنَّ في إطْلاقِ الأعْناقِ عَلى الجَماعاتِ اعْتِبارُ الهَيْئَةِ المُجْتَمِعَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَظَلُّوا خاضِعِينَ، مُجْتَمِعِينَ عَلى الخُضُوعِ، مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ، لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنهم عَنْهُ. وقَرَأ عِيسى وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «خاضِعَةً» وهي ظاهِرَةٌ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ في الأعْناقِ بَيْدَ أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِها ما هو جَمْعُ العُنُقِ بِمَعْنى الجارِحَةِ كانَ الإسْنادُ إلَيْها مَجازِيًّا ولَها في القِراءَتَيْنِ صِلَةُ ظَلَّتْ، أوِ الوَصْفِ والتَّقْدِيمُ لِلْفاصِلَةِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ لا لِلْحَصْرِ، و(ظَلَّتْ) عَطْفٌ عَلى (نُنَزِّلْ) ولا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِما هو مِن نَوْعِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ - وإنْ صَحَّ عَطْفُ الماضِي عَلى المُضارِعِ - إلّا أنَّهُ هُنا غَيْرُ مُناسِبٍ، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ، ولا يُعْقَلُ ذَلِكَ والمَعْقُولُ عَكْسُهُ، وبِتَأْوِيلِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ يُدْفَعُ ذَلِكَ، لَكِنِ اخْتارَ بَعْضُهم تَأْوِيلَ (ظَلَّتْ) بِـ(تَظَلُّ) وكَأنَّ العُدُولَ عَنْهُ لِيُؤْذِنَ الماضِي بِسُرْعَةِ الِانْفِعالِ، وأنَّ نُزُولَ الآيَةِ - لِقُوَّةِ سُلْطانِهِ وسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ - كَأنَّهُ كانَ واقِعًا قَبْلَهُ، وبَعْضُهم تَأْوِيلَ (نُنَزِّلْ) بِـ(أنْزَلْنا) ولَعَلَّ وضْعَهُ مَوْضِعَهُ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ العَظِيمَةِ المُلْجِئَةِ إلى الإيمانِ، وحُصُولُ خُضُوعِ رِقابِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ في ذِهْنِ السّامِعِ لِيَتَعَجَّبَ مِنهُ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ طَلْحَةُ «فَتَظَلْ» بِفَكِّ الإدْغامِ والجَزْمِ، وضَعَّفَ الحَرِيرِيُّ في دُرَّةِ الغَوّاصِ الفَكَّ في مِثْلِ ذَلِكَ، ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشْفِ القِراءَةَ بِأنَّها أبْلَغُ لِإفادَةِ الماضِي ما سَمِعْتَهُ آنِفًا. هَذا، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ إنْزالُ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى تَكْلِيفُ النّاسِ بِالإيمانِ مِن دُونِ إلْجاءٍ، نَعَمْ، إذا قِيلَ: المُرادُ: آيَةٌ مُذِلَّةٌ لَهم - كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ - جازَ أنْ يُقالَ بِتَحَقُّقٍ ذَلِكَ، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - كَما في البَحْرِ والكَشّافِ - مِن قَوْلِهِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا وفي بَنِي أُمَيَّةَ، سَتَكُونُ لَنا عَلَيْهِمُ الدَّوْلَةُ فَتَذِلُّ أعْناقُهم بَعْدَ صُعُوبَةٍ، ويَلْحَقُهم هَوانٌ بَعْدَ عِزَّةٍ ناظِرٌ إلى هَذا، وعَنْ أبِي حَمْزَةَ الثُّمالِيِّ أنَّ الآيَةَ صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنَ السَّماءِ في نِصْفِ شَهْرِ رَمَضانَ، وتُخْرَجُ لَهُ العَواتِقُ مِنَ البُيُوتِ، وهَذا قَوْلٌ بِتَحَقُّقِ الإنْزالِ بَعْدُ، وكَأنَّ ذَلِكَ زَمانَ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن صِحَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ في القَلْبِ شَيْءٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الشعراء 26:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيانٌ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ المُلْجِئَةِ؛ تَأْكِيدًا لِصَرْفِ رَسُولِ اللَّهِ صفحة 61 صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الحِرْصِ عَلى إسْلامِهِمْ. و(مِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ كَما نُشِيرُ إلَيْهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(يَأْتِيهِمْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ(ذِكْرٍ) وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ وشَرَفِهِ وشَناعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمَةِ لِتَغْلِيظِ شَناعَتِهِمْ وتَهْوِيلِ جِنايَتِهِمْ، فَإنَّ الإعْراضَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِن جَنابِهِ - جَلَّ وعَلا - عَلى الإطْلاقِ شَنِيعٌ قَبِيحٌ، وعَمّا يَأْتِيهِمْ بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ تَعالى لِمَحْضِ مَنفَعَتِهِمْ أشْنَعُ وأقْبَحُ، أيْ: ما يَأْتِيهِمْ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ أوْ طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ مِن قِبَلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِمُقْتَضى رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ - يُجَدِّدُ تَنْزِيلَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ - إلّا جَدَّدُوا إعْراضًا عَنْهُ واسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ ) بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، أيْ: ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْهُ

الشعراء 26:6

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا مُقارِنًا لِلِاسْتِهْزاءِ بِهِ، ولَمْ يَكْتَفُوا بِالإعْراضِ عَنْهُ حَيْثُ جَعَلُوهُ تارَةً سِحْرًا، وتارَةً أساطِيرَ الأوَّلِينَ، وأُخْرى شِعْرًا. وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: أيْ فَقَدْ تُمُّوا عَلى التَّكْذِيبِ، وكانَ تَكْذِيبُهم - مَعَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ مِن تَكْرِيرِ إتْيانِ الذِّكْرِ - كَتَكْذِيبِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهُ بِما يُعَبِّرُ عَنِ الحادِثِ، ويُشْعِرُ بِاعْتِبارِ مُقارَنَةِ الِاسْتِهْزاءِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لِاقْتِضائِهِ تَقَدُّمَ الِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ لِدَلالَةِ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، والمُرادُ بِأنْباءِ ذَلِكَ ما سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وقِيلَ: مِن عَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى، وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأنْباءِ لِكَوْنِهِ مِمّا أنْبَأ بِهِ القُرْآنُ العَظِيمُ، أوْ لِأنَّهم بِمُشاهَدَتِهِ يَقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ حالِ القُرْآنِ كَما يَقِفُونَ عَلى الأحْوالِ الخافِيَةِ عَنْهم بِاسْتِماعِ الأنْباءِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لَهُ؛ لِأنَّ النَّبَأ يُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ الخَطِيرِ الَّذِي لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، أيْ: فَسَيَأْتِيهِمْ - لا مَحالَةَ - مِصْداقُ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَبْلُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في أحْوالِهِ ويَقِفُوا عَلَيْها.

الشعراء 26:7

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أأصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى وتَكْذِيبِ ما يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَمْ يَنْظُرُوا إلى عَجائِبِ الأرْضِ الزّاجِرَةِ لَهم عَنْ ذَلِكَ والدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ تَعالى، وقالَ أبُو السُّعُودِ - بَعْدَ جَعْلِ الهَمْزَةِ لِلْإنْكارِ والعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ - أيْ: أفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الإعْراضِ عَنِ الآياتِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها، ولَمْ يَنْظُرُوا إلى عَجائِبِ الأرْضِ الزّاجِرَةِ عَمّا فَعَلُوا والدّاعِيَةِ إلى الإقْبالِ عَلى ما أعْرَضُوا عَنْهُ، انْتَهى. وهُوَ ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وما يَأْتِيهِمْ ) إلَخْ، وهو قَرِيبٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، إلّا أنَّ فِيهِ أنَّ النَّظَرَ إلى عَجائِبِ الأرْضِ لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ زاجِرًا عَنِ التَّكْذِيبِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وداعِيًا إلى الإقْبالِ إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ كَمالٍ: التَّقْدِيرُ ألَمْ يَتَأمَّلُوا في عَجائِبِ قُدْرَتِهِ تَعالى ولَمْ يَنْظُرُوا، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ، فافْهَمْ، وقِيلَ: هو بَيانٌ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالمَعادِ إثْرَ بَيانِ تَكْذِيبِهِمْ بِالمَبْدَأِ وكُفْرِهِمْ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أكَذَّبُوا بِالبَعْثِ ولَمْ يَنْظُرُوا إلى عَجائِبِ الأرْضِ الزّاجِرَةِ عَنِ التَّكْذِيبِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى وأظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ صفحة 62 يُرادَ مِنَ الأرْضِ عَجائِبُها مَجازًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ الزّاجِرَةِ عَنِ الكُفْرِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ. و(كَمْ) خَبَرِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِما بَعْدَها، وهي مُفِيدَةٌ لِلْكَثْرَةِ، وجِيءَ بِكُلٍّ مَعَها لِإفادَةِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَيُفِيدُ أنَّ كَثْرَةَ أفْرادِ كُلِّ صِنْفٍ صِنْفٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنْبَتْنا فِيها شَيْئًا كَثِيرًا مِن كُلِّ صِنْفٍ، عَلى أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ كَثْرَةَ الأصْنافِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنْبَتْنا فِيها شَيْئًا كَثِيرًا هو كُلُّ صِنْفٍ، عَلى أنَّ (مِن) بَيانِيَّةٌ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَكْرارَ بَيْنِهِما، وقَدْ يُقالُ: المَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا إلى نَفْسِ الأرْضِ الَّتِي هي طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ كَيْفَ جَعَلْناها مَنبَتًا لِنَباتاتٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ، وحِينَئِذٍ لَيْسَ هُناكَ حَذْفُ مُضافٍ ولا مُجازٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها﴾ إلَخْ ... بَدَلَ اشْتِمالٍ بِحَسَبِ المَعْنى، وهو وجْهٌ حَسَنٌ فافْهَمْهُ؛ لِئَلّا تَظُنَّ رُجُوعَهُ إلى ما تَقَدَّمَ واحْتِياجَهُ إلى ما احْتاجَ إلَيْهِ مِنَ الحَذْفِ أوِ التَّجَوُّزِ، والزَّوْجُ الصِّنْفُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ كُلَّ ما في العالَمِ زَوْجٌ مِن حَيْثُ إنَّ لَهُ ضِدًّا ما أوْ مِثْلًا ما أوْ تَرْكِيبًا ما، بَلْ لا يَنْفَكُّ بِوَجْهٍ مِن تَرْكِيبٍ، والكِرِيمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَرْضِيُّهُ ومَحْمُودُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: حَتّى يَشُقَّ الصُّفُوفَ مِن كَرَمِهِ فَإنَّهُ أرادَ مِن كَوْنِهِ مَرْضِيًّا في شَجاعَتِهِ، وهو صِفَةٌ لِـ(زَوْجٍ) أيْ: مِن كُلِّ زَوْجٍ كَثِيرِ المَنافِعِ، وهي تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ والتَّوْضِيحَ، وُوَجْهُ الأوَّلِ دَلالَتُهُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ في شَأْنِ الواجِبِ - تَعالى - وزِيادَةٍ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى النِّعْمَةِ الزّاجِرَةِ لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ أيْضًا، ووَجْهُ الثّانِي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ عَدَمُ دُخُولِ الحَيَوانِ في عُمُومِ المَنبَتِ، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى دُخُولِهِ بِناءً عَلى أنَّ خَلْقَهُ مِنَ الأرْضِ إنْباتٌ لَهُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ . وعَنِ الشَّعْبِيِّ التَّصْرِيحُ بِدُخُولِ الإنْسانِ فِيهِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: النّاسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن صارَ إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ إلى النّارِ فَبِضِدِّ ذَلِكَ.

الشعراء 26:8

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الإنْباتِ أوِ المَنبَتِ ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً دالَّةً عَلى ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِهِ مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وما ألْطَفَ ما قِيلَ في صَفِّ النَّرْجِسِ: تَأمَّلْ في رِياضِ الوَرْدِ وانْظُرْ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيكُ عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ ∗∗∗ عَلى أهْدابِها ذَهَبٌ سَبِيكُ عَلى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: أيْ: وما كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِناءً عَلى أنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ العِلِّيَّةُ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى لَيْسَ عِلَّةً لِعَدَمِ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ لا بِالعَكْسِ، ورُدَّ بِأنَّ مَعْنى كَوْنِ عِلْمِهِ تَعالى تابِعًا لِلْمَعْلُومِ أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ في الأزَلِ بِمَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ حادِثٌ تابِعٌ لِماهِيَّتِهِ، بِمَعْنى أنَّ خُصُوصِيَّةَ العِلْمِ وامْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العُلُومِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الماهِيَّةِ، وأمّا وُجُودُ الماهِيَّةِ فِيما لا يَزالُ فَتابِعٌ لِعِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ التّابِعِ لِماهِيَّتِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَها في الأزَلِ عَلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ لَزِمَ أنْ تَتَحَقَّقَ وتُوجَدَ فِيما لا يَزالُ كَذَلِكَ، فَنَفْسُ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمُ إيمانِهِمْ مَتْبُوعٌ لِعِلْمِهِ الأزَلِيِّ، ووُقُوعُهُ تابِعٌ لَهُ، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ إنْ (كانَ) صِلَةً والمَعْنى: (وما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ) فالمُرادُ الإخْبارُ عَنْ حالِهِمْ في الواقِعِ لا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ وارْتَضاهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وقالَ: هو الأنْسَبُ بِمَقامِ بَيانِ عُتُوِّهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ مَعَ تَعاقُدِ مُوجِباتِ صفحة 63 الإيمانِ مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأمّا نِسْبَةُ كُفْرِهِمْ إلى عِلْمِهِ تَعالى فَرُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنها كَوْنُهم مَعْذُورِينَ فِيهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ويُحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى تَحْقِيقِ عَدَمِ العُذْرِ بِما يَخْفى عَلى العُلَماءِ المُتْقِنِينَ، والمَعْنى عَلى الزِّيادَةِ: وما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ مَعَ عِظَمِ الآيَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ لِغايَةِ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والضَّلالَةِ وانْهِماكِهِمْ في الغَيِّ والجَهالَةِ. ويَجُوزُ - عَلى قِياسِ ما مَرَّ عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أنْ يُقالَ: إنْ (كانَ) لِلِاسْتِمْرارِ واعْتُبِرَ بَعْدَ النَّفْيِ فالمُرادُ اسْتِمْرارُ نَفْيِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ مَعَ عِظَمِ الآيَةِ المُوجِبَةِ لِإيمانِهِمْ، وفِيهِ مِن تَقْبِيحِ حالِهِمْ ما فِيهِ. وهَذا المَعْنى - وإنْ تَأتّى عَلى تَقْدِيرِ إسْقاطِ (كانَ) بِأنْ يُعْتَبَرَ الِاسْتِمْرارُ الَّذِي تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدَ النَّفْيِ أيْضًا - إلّا أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الِاسْتِمْرارَيْنِ بَعْدَ اعْتِبارِ كانَ قُوَّةً وضَعْفًا، فَتَدَبَّرْ، ونِسْبَةُ عَدَمِ الإيمانِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ

الشعراء 26:9

﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِانْتِقامُ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيِ: البالِغُ في الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ يُمْهِلُهم ولا يُؤاخِذُهم بَغْتَةً بِما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِفُنُونِ العُقُوباتِ، أوِ العَزِيزُ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ الرَّحِيمُ لِمَن تابَ وآمَنَ، أوِ العَزِيزُ في انْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ الرَّحِيمُ لَكَ بِأنْ يُقَدِّرَ مَن يُؤْمِنُ بِكَ إنْ لَمْ يُؤْمِن هَؤُلاءِ، ولِلتَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَشْرِيفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والعِدَّةِ الخَفِيَّةِ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ العَزِيزِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ أظْهَرُ في بَيانِ القُدْرَةِ، أوْ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ الَّذِي هو أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ.

الشعراء 26:10

﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِسُوءِ حالِهِمْ، ومُسَلٍّ لَهُ ﷺ أيْضًا لَكِنْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ التَّسْلِيَةِ عَلى ما قِيلَ: وإذْ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُقَدَّرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضٍ: واذْكُرْ في نَفْسِكَ وقْتَ نِدائِهِ تَعالى أخاكَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما جَرى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ وسُطُوعِ المُعْجِزاتِ؛ لِتَعْلَمَ أنَّ تَكْذِيبَ الأُمَمِ لِأنْبِيائِهِمْ لَيْسَ بِأوَّلِ قارُورَةٍ كُسِرَتْ، ولا بِأوَّلِ صَحِيفَةٍ نُشِرَتْ، فَيَهُونُ عَلَيْكَ الحالُ، وتَسْتَرِيحُ نَفْسُكَ مِمّا أنْتِ فِيهِ مِنَ البِلْبالِ. وعِنْدَ شَيْخِ الإسْلامِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ وقْتَ نِدائِهِ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذَكِّرْهم بِما جَرى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زاجِرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وتَحْذِيرًا مِن أنْ يَحِيقَ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِهِمْ حَتّى يَتَّضِحَ لَدَيْكَ أنَّهم في غايَةِ العِنادِ والإصْرارِ لا يَرْدَعُهم أخْذُ أضْرابِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ الأشْرارِ، ولا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ الوَعْظُ والإنْذارُ، وهَذا التَّقْدِيرُ يُناسِبُ صَدْرَ القِصَّةِ الآتِيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ والأوَّلُ يُناسِبُ القَصَصَ المُصَدَّرَةَ بِـ(كَذَّبَتْ) عَلى ما قِيلَ. والأظْهَرُ عِنْدِي تَقْدِيرُ (واذْكُرْ) لِقَوْمِكَ لِوُضُوحِ اقْتِضاءِ ( واتْلُ عَلَيْهِمْ ) لَهُ، ولا نُسَلِّمُ اقْتِضاءَ تِلْكَ القَصَصِ المُصَدَّرَةِ بِـ(كَذَّبَتْ) تَقْدِيرَ (اذْكُرْ) في نَفْسِكَ، وأمْرُ المُناسَبَةِ مُشْتَرَكٌ وإنْ سُلِّمَ اخْتِصاصُها بِهِ فَهي لا تُقاوِمُ الِاقْتِضاءَ المَذْكُورَ. نَعَمِ، الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّسَلِّي بِما ذُكِرَ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، ولا قَوْمُهُ بِدْعًا مِنَ الأقْوامِ في التَّكْذِيبِ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ وسُطُوعِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَضَمَّنَ الأمْرُ بِذِكْرِ ذَلِكَ لَهُمُ الأمْرَ بِالتَّسَلِّي بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَتَدَبَّرْ. وأيًّا ما كانَ فَوَجْهُ تَوْجِيهِ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ - مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ - قَدْ مَرَّ مِرارًا، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ المُقَدَّرَ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ آخَرَ، أيْ: خُذِ الآياتِ، أوْ تَرَقَّبْ إتْيانَ الأنْباءِ واذْكُرْ، وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وقِيلَ: (إذْ) ظَرْفٌ لِـ(قالَ) بَعْدُ ولَيْسَ بِذاكَ، ومَعْنى نادى دَعا، وقِيلَ: صفحة 64 أمَرَ ﴿أنِ ائْتِ﴾ أيْ: بِأنِ ائْتِ، عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها حَرْفُ الجَرِّ، أوْ أيِ: ائْتِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ. ﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، واسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ، ولَيْسَ هَذا مَطْلَعُ ما ورَدَ في حَيِّزِ النِّداءِ، وإنَّما هو ما فُصِّلَ في سُورَةِ طه مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ وسُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ إيرادُ ما جَرى في قِصَّةٍ واحِدَةٍ مِنَ المَقالاتِ بِعِباراتٍ شَتّى وأسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ العِباراتِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

الشعراء 26:11

﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ، جِيءَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلَمٌ في الظُّلْمِ، كَأنَّ مَعْنى القَوْمِ الظّالِمِينَ وتَرْجَمَتَهُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: بَدَلٌ مِنهُ، ورَجَّحَ أبُو حَيّانَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أقَضى لِحَقِّ البَلاغَةِ؛ لِإيذانِهِ بِما سَمِعْتَ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى القَوْمِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ فِرْعَوْنَ أوْلى بِما ذُكِرَ، وقَدْ خُصَّ في بَعْضِ المَواضِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: قَوْمُ فِرْعَوْنَ، شامِلٌ لَهُ شُمُولَ بَنِي آدَمَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيِ: ائْتِهِمْ قائِلًا لَهم ألا يَتَّقُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو قِلابَةَ بِتاءِ الخِطابِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ ذَلِكَ الخِطابُ والغَيْبَةُ، فَيُقالُ: قُلْ لِزَيْدٍ: (تُعْطِي عَمْرًا كَذا) و(يُعْطِي عَمْرًا كَذا) وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ مَعَ الخِطابِ والغَيْبَةِ، والأصْلُ (يَتَّقُونَنِي) فَحُذِفَتْ إحْدى النُّونَيْنِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ. وقَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ بِطَرِيقِ النِّيابَةِ عَنْهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ائْتِهِمْ قائِلًا قَوْلِي لَهم ألّا تَتَّقُونَنِي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أتْبَعَهُ - عَزَّ وجَلَّ - إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ؛ تَعْجِيبًا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حالِهِمُ الَّتِي شَنُعَتْ في الظُّلْمِ والعَسْفِ، ومِن أمْنِهِمُ العَواقِبَ، وقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وحَذَرِهِمْ مِن أيّامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقِراءَةُ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ وجَبْهِهِمْ وضَرْبِ وُجُوهِهِمْ بِالإنْكارِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وإجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ في مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهُ ومُنْهِيهِ وناشِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلا يَضُرُّ كَوْنُهم غُيَّبًا حَقِيقَةً في وقْتِ المُناجاةِ، وفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلى التَّقْوى لِمَن تَدَبَّرَ وتَأمَّلَ، انْتَهى. والِاسْتِئْنافُ عَلَيْهِ قِيلَ: بَيانِيٌّ بِتَقْدِيرِ: لِمَ هَذا الأمْرُ؟ وقِيلَ: هو نَحْوِيٌّ إذْ لا حاجَةَ إلى هَذا السُّؤالِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ الظُّلْمِ، ودُفِعَ بِالعِنايَةِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أسْرَعُ تَبادُرًا إلى الفَهْمِ. وقالَ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( الظّالِمِينَ ) أيْ: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الحالِ دَلالَةً عَلى إنْكارِ عَدَمِ التَّقْوى والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ؛ لِيُفِيدَ إنْكارَ الظُّلْمِ مِن طَرِيقِ الأوْلى، فَإنَّ فائِدَةَ الإتْيانِ بِهَذِهِ الحالِ الإشْعارُ بِأنَّ عَدَمَ التَّقْوى هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى الظُّلْمِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خَطَأٌ فاحِشٌ؛ لِأنَّ فِيهِ - مَعَ الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالأجْنَبِيِّ - لُزُومَ إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِ الفاصِلِ أجْنَبِيًّا، وأنَّهُ يُتَوَسَّعُ في الهَمْزَةِ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أيْضًا في (ألا يَتَّقُونِ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ النُّونِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (ألا يا ناسُ اتَّقُونِ) نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ فَتَكُونُ ( ألا ) كَلِمَةً واحِدَةً لِلْعَرْضِ، ويا نِدائِيَّةً سَقَطَتْ ألِفُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وحُذِفَ المُنادى وما بَعْدَهُ فِعْلُ أمْرٍ، ويَكُونُ إسْقاطُ الألِفَيْنِ مُخالِفًا لِلْقِياسِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَخْرِيجٌ بَعِيدٌ، وأنَّ الظّاهِرَ أنَّ (ألّا) لِلْعَرْضِ المُضَمَّنِ الحَضِّ عَلى التَّقْوى في جَمِيعِ القِراءاتِ.

الشعراء 26:12

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. صفحة 65 ﴿رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ مِن أوَّلِ الأمْرِ

الشعراء 26:13

﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) فَيُفِيدُ أنَّ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثَ عِلَلٍ؛ خَوْفُ التَّكْذِيبِ، وضِيقُ الصَّدْرِ، وامْتِناعُ انْطِلاقِ اللِّسانِ، والظّاهِرُ ثُبُوتُ الأمْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ في أنْفُسِهِما غَيْرَ مُتَفَرِّعَيْنِ عَلى التَّكْذِيبِ؛ لِيَدْخُلا تَحْتَ الخَوْفِ، لَكِنْ قَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) فَيُفِيدُ دُخُولَهُما تَحْتَ الخَوْفِ؛ ولِأنَّ الأصْلَ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ قِيلَ: إنَّهُما مُتَفَرِّعانِ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ إنِّي أخافُ تَكْذِيبَهم إيّايَ، ويَضِيقُ صَدْرِي انْفِعالًا مِنهُ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي مِن سِجْنِ اللُّكْنَةِ وقَيْدِ العَيِّ بِانْقِباضِ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ الَّذِي تَتَحَرَّكُ بِهِ العَضَلاتُ، الحاصِلِ عِنْدَ ضِيقِ الصَّدْرِ واغْتِمامِ القَلْبِ، والمُرادُ حُدُوثُ تَلَجْلُجِ اللِّسانِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما يُشاهَدُ في كَثِيرٍ مِنَ الفُصَحاءِ إذا اشْتَدَّ غَمُّهم وضاقَتْ صُدُورُهُمْ، فَإنَّ ألْسِنَتَهم تَتَلَجْلَجُ حَتّى لا تَكادَ تُبِينُ عَنْ مَقْصُودٍ، هَذا، إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الكَلامَ كانَ بَعْدَ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَلِّ العُقْدَةِ واسْتِجابَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِإزالَتِها بِالكُلِّيَّةِ، أوِ المُرادُ ازْدِيادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَبْلَ الدُّعاءِ أوْ بَعْدَهُ لَكِنْ لَمْ تُزَلِ العُقْدَةُ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما انْحَلَّ مِنها ما كانَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُفْقَهَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَصارَ يُفْقَهُ قَوْلُهُ مَعَ بَقاءِ يَسِيرِ لُكْنَةٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى حَدِيثِ التَّفَرُّعِ، بَلْ هُما داخِلانِ تَحْتَ الخَوْفِ بِالعَطْفِ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) كَما في قِراءَةِ النَّصْبِ، وذَلِكَ بِناءً عَلى ما جَوَّزَهُ البِقاعِيِّ مِن كَوْنِ (أخافُ) بِمَعْنى (أعْلَمُ أوْ أظُنُّ) فَتَكُونُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ لِوُقُوعِها بَعْدَ ما يُفِيدُ عِلْمًا أوْ ظَنًّا، ويَلْتَزِمُ عَلى هَذا كَوْنُ (أخافُ) في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِئَلّا تَأْبى ذَلِكَ ويُدَّعى اتِّحادُ المَآلِ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ (يَضِيقُ) ورَفْعِ (يَنْطَلِقُ) والكَلامُ في ذَلِكَ يُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ ضِيقُ القَلْبِ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِما ذُكِرَ مُبالَغَةً، ويُرادُ مِنهُ الغَمُّ. ثُمَّ هَذا الكَلامُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ تَشَبُّثًا بِأذْيالِ العِلَلِ، والِاسْتِعْفاءَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَلَقِّيهِ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ، بَلْ هو تَمْهِيدُ عُذْرٍ في اسْتِدْعاءِ عَوْنٍ لَهُ عَلى الِامْتِثالِ وإقامَةِ الدَّعْوَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَإنَّ ما ذَكَرَهُ رُبَّما يُوجِبُ اخْتِلالَ الدَّعْوَةِ وانْتِباذَ الحُجَّةِ، وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْتِدْعاءُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أرْسِلْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هارُونَ، واجْعَلْهُ نَبِيًّا، وآزِرْنِي بِهِ، واشْدُدْ بِهِ عَضُدِي؛ لِأنَّ في الإرْسالِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُصُولَ هَذِهِ الأغْراضِ كُلِّها، لَكِنْ بُسِطَ في سُورَةِ القَصَصِ، واكْتُفِيَ هاهُنا بِالأصْلِ عَمّا في ضِمْنِهِ. ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ لا أنَّهُ تَعَلَّلٌ وُقُوعُ (فَأرْسِلْ) مُعْتَرِضًا بَيْنَ الأوائِلِ والرّابِعَةِ، أعْنِي (ولَهُمْ) إلَخْ، فَأذِنَ بِتَعَلُّقِهِ بِها، ولَوْ كانَ تَعَلُّلًا لَأُخِّرَ، ولَيْسَ أمْرُهُ بِالإتْيانِ مُسْتَلْزِمًا لَما اسْتَدْعاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْدِيرُ مَفْعُولِ (أرْسِلْ) ما أشَرْنا إلَيْهِ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وبَعْضُهم قَدَّرَ مَلَكًا إذْ لا جَزْمَ في أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعْلَمُ إذْ ذاكَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَسُولُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى مَن يَسْتَنْبِئُهُ سُبْحانَهُ مِنَ البَشَرِ. وفِي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ مُوسى إلى هارُونَ، وكانَ هارُونُ بِمِصْرَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى نَبِيًّا بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أهْلِهِ فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ - وهو لا يَعْرِفُهم - في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَتْ في جانِبِ الدّارِ، فَجاءَ هارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ فَأخْبَرَتْهُ صفحة 66 أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى، فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنْ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ انْطَلِقْ مَعِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ، قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً، فَقامَتْ أُمُّهم فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ تَعالى أنْ لا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما، فَأبَيا، فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، الخَبَرَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

الشعراء 26:14

﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أيْ: تَبِعَةُ ذَنْبٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ بِهِ قَتْلُ القِبْطِيِّ خَبّازِ فِرْعَوْنَ بِالوَكْزَةِ الَّتِي وكَزَها، وقِصَّتُهُ مَبْسُوطَةٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَسْمِيَتُهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ بِما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى لَهُمْ: ﴿فَأخافُ﴾ إنْ آتَيْتُهم وحْدِي ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ومُرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اسْتِدْفاعُ البَلِيَّةِ خَوْفَ فَواتِ مَصْلَحَةِ الرِّسالَةِ وانْتِشارِ أمْرِها، كَما هو اللّائِقُ بِمَقامِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَإنَّهم يَتُوقُونَ لِذَلِكَ، كَما كانَ يَفْعَلُ ﷺ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ولَعَلَّ الحَقَّ أنَّ قَصْدَ حِفْظِ النَّفْسِ مَعَهُ لا يُنافِي مَقامَهم. وفِي الكَشّافِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرِقَ أنْ يُقْتَلَ قَبْلَ أداءِ الرِّسالَةِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ - وإنْ كانَ نَبِيًّا - غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُؤَدِّيَ الرِّسالَةَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم لِاحْتِمالِ أنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ مَعَ أنَّ لَهُ تَعالى نَسْخُ ذَلِكَ قَبْلَهُ. وقالَ الطِّيبِيُّ: الأقْرَبُ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَعْلَمُونَ إذا حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أداءِ الرِّسالَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُمَكِّنُهُمْ، وأنَّهم سَيَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ عَلى القَوْلَيْنِ يَصِحُّ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَرِقَ ... إلَخْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الِاسْتِنْباءِ، فَإنَّ النِّداءَ كانَ مُقَدِّمَتَهُ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ.

الشعراء 26:15

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ إجابَةٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الطِّلْبَتَيْنِ، حَيْثُ وعَدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - دَفْعَ بَلِيَّةِ الأعْداءِ بِرَدْعِهِ عَنِ الخَوْفِ، وضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِقَوْلِهِ: (اذْهَبا) فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ-: ارْتَدِعْ عَنْ خَوْفِ القَتْلِ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا، فاذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَهارُونُ الَّذِي طَلَبْتَهُ، وجاءَ النَّشْرُ عَلى عَكْسِ اللَّفِّ لِاخْتِصاصِ ما قُدِّمَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وظاهِرُ السِّياقِ يَقْتَضِي عَدَمَ حُضُورِ هارُونَ، فَفي الخِطابِ المَذْكُورِ تَغْلِيبٌ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ( كَلّا ) كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: الفاءُ فَصِيحَةٌ، والمُرادُ بِالآياتِ ما بَعَثَهُما اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وفِيها رَمْزٌ إلى أنَّها تَدْفَعُ ما يَخافُهُ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، ومَزِيدُ تَسْلِيَةٍ لَهُما بِضَمانِ كَمالِ الحِفْظِ والنُّصْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ ومَن يَتْبَعُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَتَضَمَّنُ الكَلامُ البِشارَةَ بِالإشارَةِ إلى عُلُوِّ أمْرِهِما واتِّباعِ القَوْمِ لَهُما، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّهُ لَهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - ولِشَرَفِهِما وعَظَمَتِهِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عُومِلا في الخِطابِ مُعامَلَةَ الجَمْعِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ. وقِيلَ: هو لَهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ – ولِفِرْعَوْنَ، واعْتُبِرَ لِكَوْنِ المَوْعُودِ بِمَحْضَرٍ مِنهُ، وإنْ شِئْتَ ضُمَّ إلى ذَلِكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ المَعِيَّةَ العامَّةَ- أعْنِي المَعِيَّةَ العِلْمِيَّةَ- لا تَخْتَصُّ بِأحَدٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ والمَعِيَّةُ الخاصَّةُ - وهي مَعِيَّةُ الرَّأْفَةِ والنُّصْرَةِ - لا تَلِيقُ بِالكافِرِ ولَوْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ خُصُوصَ المَعِيَّةِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِما ذُكِرَ، بَلْ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو تَخْلِيصُ أحَدِ المُتَخاصِمَيْنِ مِنَ الآخَرِ بِنُصْرَةِ المُحِقِّ والِانْتِقامِ مِنَ المُبْطِلِ، وأيًّا ما كانَ فالظَّرْفُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ لِأنَّ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاهْتِمامِ أوِ صفحة 67 الفاصِلَةِ أوِ الِاخْتِصاصِ بِناءً عَلى أنْ يُرادَ بِالمَعِيَّةِ الِاسْتِماعُ في حَقِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو مَجازٌ عَنِ السَّمْعِ، اخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَسَلُّمًا لِلْإدْراكِ، وهو مِمّا يُنَزَّهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَواءٌ كانَ بِحاسَّةٍ أمْ لا، فَسَقَطَ ما قِيلَ مِن أنَّ السَّمْعَ في الحَقِيقَةِ إدْراكٌ بِحاسَّةٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الإدْراكِ فالِاسْتِماعُ مِثْلُهُ فَلا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ فِيهِ، وإلى التَّجَوُّزِ هُنا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، مَثَّلَ سُبْحانَهُ حالَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِحالِ ذِي شَوْكَةٍ قَدْ حَضَرَ مُجادَلَةَ قَوْمٍ يَسْتَمِعُ ما يَجْرِي بَيْنَهُما؛ لِيَمُدَّ أوْلِياءَهُ ويُظْهِرَهم عَلى أعْدائِهِمْ؛ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالإعانَةِ، وحِينَئِذٍ لا تَجُوزُ في شَيْءٍ مِن مُفْرَداتِهِ، ولا يَكُونُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ مُطْلَقًا عَلَيْهِ تَعالى، فَلا يُحْتاجُ إلى جَعْلِهِ بِمَعْنى سامِعِينَ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ في المُسْتَعارِ مِنهُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ السَّمْعُ دُونَ الِاسْتِماعِ الَّذِي قَدْ لا يُوصِلُ إلَيْهِ لَكِنَّهُ كَما تَرى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ فَقَطْ تَمْثِيلًا لِحالِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في نَصْرِهِ وإمْدادِهِ بِحالِ مَن ذُكِرَ، ويَكُونُ الِاسْتِماعُ مَجازًا عَنِ السَّمْعِ، وهو بِحَسَبِ ظاهِرِهِ - لِكَوْنِهِ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كالسَّمْعِ - كالقَرِينَةِ وإنْ كانَ مَجازًا، والقَرِينَةُ في الحَقِيقَةِ عَقْلِيَّةٌ، وهي اسْتِحالَةُ حُضُورِهِ - تَعالى شَأْنُهُ - في مَكانٍ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِماعَ المَذْكُورَ في تَقْرِيرِ التَّمْثِيلِ لَيْسَ هو الواقِعَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ هو مِن لَوازِمِ حُضُورِ الحُكْمِ لِلْخُصُومَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرُوهُ - وإنْ كانَ مَبْنِيًّا عَلى جَعْلِ الخِطابِ لِمُوسى وهارُونَ وفِرْعَوْنَ - يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى جَعْلِهِ لَهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - ولِمَن يَتْبَعُهُما، أوْ لَهُما فَقَطْ أيْضًا بِأدْنى عِنايَةٍ، فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعِيَّةَ والِاسْتِماعَ عَلى حَقِيقَتِهِما ولا تَمْثِيلَ، والمُرادُ أنَّ مَلائِكَتَنا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ، وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْتَمَعَ، ولا بُدَّ في الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن إرادَةِ الإعانَةِ والنُّصْرَةِ، وإلّا فَبِمُجَرَّدِ مَعِيَّةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واسْتِماعِهِمْ لا يَطِيبُ قَلْبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الشعراء 26:16

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ، ولَيْسَ هَذا مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الوُصُولُ إلى المَأْتِيِّ لا مُجَرَّدُ التَّوَجُّهِ إلى المَأْتِيِّ كالذَّهابِ. وأُفْرِدَ الرَّسُولُ هُنا؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ وُصِفَ بِهِ، كَما يُوصَفُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَرَجُلٍ عَدْلٍ، فَيَجْرِي فِيهِ كَما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الأوْجُهِ، ولا يَخْفى الأوْجَهُ مِنها، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ ظاهِرُ قَوْلِ كُثَيِّرِ عِزَّةَ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولٍ وأظْهَرُ مِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: ألا مِن مُبَلِّغٍ عَنِّي خِفافًا ∗∗∗ رَسُولا بَيْتٍ أُهْلِكَ مُنْتَهاها أوْ لِاتِّحادِهِما لِلْأُخُوَّةِ، أوْ لِوَحْدَةِ المُرْسَلِ أوِ المُرْسَلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( إنّا ) بِمَعْنى: إنَّ كُلًّا مِنّا، فَصَحَّ إفْرادُ الخَبَرِ كَما يَصِحُّ في ذَلِكَ، وفائِدَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ ولَوْ مُنْفَرِدًا، وفي التَّعْبِيرِ بِرَبِّ العالَمِينَ رَدٌّ عَلى اللَّعِينِ، ونَقْضٌ لِما كانَ أبْرَمَهُ مِنِ ادِّعاءِ الأُلُوهِيَّةِ، وحَمْلٌ لَطِيفٌ لَهُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ.

الشعراء 26:17

وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً عَلى مَعْنى: إنّا رَسُولُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِالإرْسالِ وهو بِمَعْنى الإطْلاقِ والتَّسْرِيحِ، كَما في قَوْلِكَ: أرْسَلْتُ الحَجَرَ مِن يَدِي وأُرْسِلَ الصَّقْرُ، والمُرادُ: خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا إلى فِلَسْطِينَ، وكانَتْ مَسْكَنَهُما - عَلَيْهِما صفحة 68 السَّلامُ - وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدِ اسْتُعْبِدُوا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتْ عِدَّتُهم حِينَ أُرْسِلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتَّمِائَةٍ وثَلاثِينَ ألْفًا عَلى ما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ.

الشعراء 26:18

﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَما أتَياهُ وقالا لَهُ ما أُمِرا بِهِ، ويُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً، حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هاهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ! فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأذِنَ لَهُ، فَدَخَلا فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ، فَعَرَفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ . وفِي خَبَرٍ آخَرَ أنَّهُما أتَيا لَيْلًا، فَقَرَعَ البابَ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ، وقالَ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: أنا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَأتى فِرْعَوْنَ وقالَ: إنَّ هاهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ! فَقالَ: أدْخِلْهُ، فَدَخَلَ فَقالَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى. وأرادَ اللَّعِينُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ﴾ ... إلَخْ الِامْتِنانَ وفِينا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: مَنازِلِنا، والوَلِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يُقالُ لِمَن قَرُبَ عَهْدُهُ بِالوِلادَةِ، وإنْ كانَ - عَلى ما قالَ الرّاغِبُ -: يَصِحُّ في الأصْلِ لِمَن قَرُبَ عَهْدُهُ أوْ بَعُدَ، كَما يُقالُ لِما قَرُبَ عَهْدُهُ بِالِاجْتِناءِ جَنِيٌّ، فَإذا كَبُرَ سَقَطَ عَنْهُ هَذا الِاسْمُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّ دَلالَتَهُ عَلى قُرْبِ العَهْدِ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ، وكَوْنِ الوِلادَةِ لا تَفاوُتَ فِيها نَفْسِها. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ، وأقامَ بِهِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ خَمْسِينَ، وقِيلَ: لَبِثَ فِيهِمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَفَرَّ بَعْدَ أنْ وكَزَ القِبْطِيَّ إلى مَدْيَنَ فَأقامَ بِهِ عَشْرَ سِنِينَ يَرْعى غَنَمَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ بِنائِهِ عَلى امْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى، وعادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «مِن عُمْرِكَ» بِإسْكانِ المِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( سِنِينَ ) كَما هو المَعْرُوفُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ

الشعراء 26:19

﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يَعْنِي قَتْلَ القِبْطِيِّ، وبَخَّهُ بِهِ بَعْدَما امْتَنَّ وعَظَّمَهُ عَلَيْهِ بِالإبْهامِ الَّذِي في المَوْصُولِ، وأرادَ في ذَلِكَ القَدْحَ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ «فِعْلَتَكَ» بِكَسْرِ الفاءِ يُرِيدُ الهَيْئَةَ، وكانَتْ قِتْلَةً بِالوَكْزِ، والفَتْحُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِإرادَةِ المَرَّةِ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: بِنِعْمَتِي حَيْثُ عَمِدْتَ إلى قَتْلِ رَجُلٍ مِن خَواصِّي - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ - أوْ: وأنْتَ حِينَئِذٍ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ تَدَّعِي كُفْرَهُمُ الآنَ - كَما حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وهَذا الحُكْمُ مِنهُ بِناءً عَلى ما عَرَفَهُ مِن ظاهِرِ حالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ ذاكَ لِاخْتِلاطِهِ بِهِمْ والتَّقِيَّةِ مَعَهم بِعَدَمِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وإلّا فالأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعْصُومُونَ عَنِ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ افْتِراءً مِنهُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتُبْعِدَ بِأنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِإيمانِهِ أوَّلًا لَسَجَنَهُ أوْ قَتَلَهُ، والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن إحْدى التّاءَيْنِ في الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمًا مُبْتَدَأً عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ مِنَ الكافِرِينَ بِإلَهِيَّتِهِ - كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - أوْ مِمَّنْ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ حَيْثُ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَهُمْ، أوْ مِنَ الكافِرِينَ بِالنِّعَمِ المُعْتادِينَ لِغَمْطِها، ومَنِ اعْتادَ ذَلِكَ لا يَكُونُ مِثْلُ هَذِهِ الجِنايَةِ بِدْعًا مِنهُ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والأوْلى عِنْدِي ما تَقَدَّمَ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا لِتَكُونَ مَعَ نَظِيرَتِها في الجَوابِ عَلى طِرْزٍ واحِدٍ لِتَعَيُّنِ الحالِيَّةِ هُناكَ، ولِما يَتَضَمَّنُ كَلامُ اللَّعِينِ أمْرَيْنِ تَصَدّى صفحة 69 - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِرَدِّهِما عَلى سَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ، فَرَدَّ أوَّلًا ما وبَّخَهُ بِهِ قَدْحًا في نُبُوَّتِهِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ إلَخْ، اعْتِناءً بِذَلِكَ واهْتِمامًا بِهِ، وذَلِكَ بِما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا:

الشعراء 26:20

﴿قالَ فَعَلْتُها﴾ أيْ: تِلْكَ الفِعْلَةَ ﴿إذًا﴾ أيْ: إذْ ذاكَ عَلى ما آثَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - سَقى اللَّهُ تَعالى ثَراهُ - مِن أنَّ ( إذًا ) ظَرْفٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ، مُؤْثِرًا فِيهِ الفَتْحَةَ عَلى الكَسْرَةِ لِخِفَّتِها وكَثْرَةِ الدَّوْرِ، وأقَرَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَتْلِ لِثِقَتِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، وقَيْدِ الفِعْلِ بِما يَدْفَعُ كَوْنَهُ قادِحًا في النُّبُوَّةِ وهو جُمْلَةُ ﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: مِنَ الجاهِلِينَ، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، لَكِنَّهُ قالَ: ويَظْهَرُ أنَّ ذاكَ تَفْسِيرٌ لِلضّالِّينَ لا قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وأرادَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ جاهِلًا بِهِ، غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ إيّاهُ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما تَعَمَّدَ الوَكْزَ لِلتَّأْدِيبِ فَأدّى إلى ما أدّى، وفي مَعْنى ما ذُكِرَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِن أنَّ المَعْنى: (وأنا مِنَ الجاهِلِينَ بِأنَّ وكْزَتِي تَأْتِي عَلى نَفْسِهِ) وقِيلَ: المَعْنى: فَعَلْتُها مُقْدِمًا عَلَيْها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِالعَواقِبِ، عَلى أنَّ الجَهْلَ بِمَعْنى الإقْدامِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، كَما فُسِّرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وهَذا مِمّا يَحْسُنُ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ في تَقْرِيرِ الجَوابِ المَذْكُورِ، قِيلَ: إنَّ الضَّلالَ هاهُنا المَحَبَّةُ، كَما فُسِّرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ وعَنى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قَتَلَ القِبْطِيَّ غَيْرَةً لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُحِبِّينَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: أرادَ مِنَ الجاهِلِينَ بِالشَّرائِعِ، وفُسِّرَ الضَّلالُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ، وفُسِّرَ الضَّلالُ بِالنِّسْيانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ وعَلَيْهِ قِيلَ: المُرادُ فَعَلْتُها ناسِيًا حُرْمَتَها، وقِيلَ: ناسِيًا أنَّ وكْزِي ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى القَتْلِ عادَةً، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأقْوالِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ القَصَصِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «فَعَلْتُها إذْ أنا مَنِ الضّالِّينَ»

الشعراء 26:21

﴿فَفَرَرْتُ﴾ أيْ خَرَجْتُ هارِبًا ﴿مِنكم لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ أيْ: حِينَ تَوَقَّعْتُ مَكْرُوهًا مِنكُمْ، وذَلِكَ حِينَ قِيلَ لَهُ: «إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ» ومِن هُنا يُعْلَمُ وجْهُ جَمْعِ ضَمِيرِ الخِطابِ، وقَرَأ حَمْزَةُ في رِوايَةٍ (لِما) بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ عَلى أنَّ اللّامَ حَرْفُ جَرٍّ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لِخَوْفِي إيّاكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً، أوْ عِلْمًا وفَهْمًا لِلْأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ، وتَأوَّلَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّهُ أرادَ عِلْمًا هو مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ، فَيَكُونُ الحُكْمُ بِهَذا المَعْنى أخَصَّ مِنهُ بِالمَعْنى الثّانِي، وقَرَأ عِيسى «حُكُمًا» بِضَمِّ الكافِ ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ إشارَةٌ عَلى ظاهِرِ الأوَّلِ مِن تَفْسِيرَيِ الحُكْمِ إلى تَفَضُّلِهِ تَعالى عَلَيْهِ بِرُتْبَةٍ هي فَوْقَ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ، أعْنِي رُتْبَةَ الرِّسالَةِ، ولَمْ يَقُلْ: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ورِسالَةً، أوْ وجَعَلَنِي رَسُولًا؛ إعْظامًا لِأمْرِ الرِّسالَةِ، وتَنْبِيهًا لِفِرْعَوْنَ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ أمْرًا مُبْتَدَعًا، بَلْ هو مِمّا جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّ ما ذَكَرْتَ مِن نِسْبَةِ القَتْلِ إلَيَّ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِمّا أُوَبَّخُ بِهِ ويَقْدَحُ في نُبُوَّتِي؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، حَيْثُ كانَ الوَكْزُ لِلتَّأْدِيبِ وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. ورَدَّ ثانِيًا امْتِنانَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ إلَخْ، فَقالَ:

الشعراء 26:22

﴿وتِلْكَ﴾ أيِ: التَّرْبِيَةُ المَفْهُومَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ﴾ إلَخْ، ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّها﴾ أيْ تُنْعِمُ بِها ﴿عَلَيَّ﴾ فَهو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وتَمُنُّ مِنَ المِنَّةِ بِمَعْنى الإنْعامِ، والمُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَنِّ، والمَعْنى تِلْكَ نِعْمَةٌ تَعُدُّها عَلَيَّ فَلَيْسَ صفحة 70 هُناكَ حَذْفٌ وإيصالٌ، والمُضارِعُ قِيلَ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: ذَلَّلْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ وأعْبَدْتُهُ إذا اتَّخَذْتَهُ عَبْدًا، قالَ الشّاعِرُ: عَلامَ يُعَبِّدُنِي قَوْمِي وقَدْ كَثُرَتْ فِيهِمْ أباعِرُ ما شاؤُوا وعِبْدانُ؟ وأنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (تِلْكَ) أوْ (نِعْمَةٌ) أوْ عَطْفٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في (تَمُنُّها) أوْ مَجْرُورٌ بِتَقْدِيرِ الباءِ السَّبَبِيَّةِ أوِ اللّامِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في مَحَلِّ أنْ وما بَعْدَها بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ، والقَوْلُ الآخَرُ أنَّ مَحَلَّهُ النَّصْبُ، وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّ ما ذَكَرْتَ نِعْمَةٌ ظاهِرًا، وهي في الحَقِيقَةِ نِقْمَةٌ، حَيْثُ كانَتْ بِسَبَبِ إذْلالِ قَوْمِي، وقَصْدِكَ إيّاهم بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ أحْصُلْ بَيْنَ يَدَيْكَ، ولَمْ أكُنْ في مَهْدِ تَرْبِيَتِكَ، وقِيلَ: ( تِلْكَ ) إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ لا يُدْرى ما هي إلّا بِتَفْسِيرِها وأنْ عَبَّدْتَ عَطْفُ بَيانٍ لَها، والمَعْنى تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ، وحاصِلُ الرَّدِّ إنْكارُ ما امْتَنَّ بِهِ أيْضًا، ويُرِيدُ حَمْلَ الكَلامِ عَلى رَدِّ كَوْنِ ذَلِكَ نِعْمَةً في الحَقِيقَةِ قِراءَةُ الضَّحّاكِ «وتِلْكَ نِعْمَةٌ ما لَكَ أنْ تَمُنَّها عَلَيَّ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قَتادَةُ وكَذا الأخْفَشُ والفَرّاءُ إلّا أنَّهُما قالا بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ بَعْدَ الواوِ، والأصْلُ: (وأتِلْكَ نِعْمَةٌ) إلَخْ، وأبى بَعْضُ النُّحاةِ حَذْفَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ هَذا الكَلامَ إقْرارٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِعْمَةِ فِرْعَوْنَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: وتَرْبِيَتُكَ إيّايَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِن حَيْثُ إنَّكَ عَبَّدْتَ غَيْرِي وتَرَكْتَنِي واتَّخَذْتَنِي ولَدًا، لَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وإلى هَذا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ والطَّبَرِيُّ ولَيْسَ بِذاكَ. وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ لا يُبْطِلُ نِعْمَتَهُ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ الكُفْرَ يُبْطِلُ النِّعْمَةَ؛ لِئَلّا يَجْتَمِعَ اسْتِحْقاقُ المَدْحِ واسْتِحْقاقُ الذَّمِّ، وفِيهِ أنَّهُ لا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِاخْتِلافِ جِهَتَيِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ. هَذا، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ (إذًا) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلْتُها إذًا﴾ جَوابٌ وجَزاءٌ، وبَيَّنَ وجْهَ كَوْنِ الكَلامِ جَزاءً بِقَوْلِهِ: قَوْلُ «وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ» فِيهِ مَعْنى أنَّكَ جازَيْتَ نِعْمَتِي بِما فَعَلْتَ، فَقالَ لَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: نَعَمْ، فَعَلْتُها مُجازِيًا لَكَ؛ تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ، كَأنَّ نِعْمَتَهُ عِنْدَهُ جَدِيرَةٌ بِأنْ تُجازى بِنَحْوِ ذَلِكَ الجَزاءِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يُلائِمُ قَوْلَهُ: ﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ جاهِلًا أوْ ناسِيًا، وفي الكَشْفِ تَحْقِيقُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي هو مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ حاصِلٌ، ولَمّا كانا ماضِيَيْنِ كانَ ذَلِكَ تَقْدِيرِيًّا، كَأنَّهُ قالَ: إنْ كانَ ذَلِكَ كُفْرانًا بِنِعْمَتِكَ فَقَدْ فَعَلْتُهُ جَزاءً، ولَكِنَّ الوَصْفَ - أيْ كَوْنَهُ كُفْرانًا - غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وأمَدَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها﴾ وفِيهِ القَوْلُ بِالمُوجَبِ أيْضًا. وقَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ عَلى هَذا كَأنَّهُ اعْتِذارٌ ثانٍ، أيْ: كُنْتَ تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عِنْدِي، وأيْضًا كُنْتُ مِنَ الحائِدِينَ عَنْ مَنهَجِ الصَّوابِ لا في اعْتِقادِ اسْتِحْقاقِ مُكافَأةِ صَنِيعِكَ بِمِثْلِ تِلْكَ، ولَكِنْ في الإقْدامِ قَبْلَ الإذْنِ مِنَ المَلِكِ العَلّامِ. والحاصِلُ أنَّهُ نَسَبَهُ إلى مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإساءَةِ، وقَرَّرَها بِكَوْنِهِ كافِرًا، فَأجابَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ المُقابَلَةَ حاصِلَةٌ ولَكِنْ أيْنَ الإحْسانُ؟ وما كُنْتُ كافِرًا بِكَ - فَإنَّهُ عَيْنُ الهُدى - بَلْ ضالًّا في الإقْدامِ عَلى الفِعْلِ، وما كُنْتُ كافِرًا لِنِعْمَةِ مُنْعِمٍ أصْلًا ولَكِنْ كُنْتُ فاعِلًا لِذَلِكَ خَطَأً، ومِنهُ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ لا يُنافِي تَقْرِيرَ الزَّمَخْشَرِيِّ بَلْ يُؤَيِّدُهُ اهـ. صفحة 71 ولا يَخْفى أنَّ الأوْفَقَ بِحَدِيثِ الجَزاءِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (فَعَلْتُها وأنا مِنَ الضّالِّينَ) فَعَلْتُها مُقْدِمًا عَلَيْها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، عَلى أنَّ الضَّلالَ بِمَعْنى الجَهْلِ المُفَسَّرِ بِالإقْدامِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، لَكِنِ التِزامُ كَوْنِ (إذًا) هُنا لِلْجَوابِ والجَزاءِ التِزامُ ما لا يَلْزَمُ، فَإنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي قالَ بِهِ الأكْثَرُونَ أنَّها قَدْ تَتَمَحَّضُ لِلْجَوابِ، وفي البَحْرِ أنَّهم حَمَلُوا ما في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وتَوْجِيهُ كَوْنِها لِلْجَزاءِ فِيها بِما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، والأظْهَرُ عِنْدِي مَعْنى ما آثَرَهُ بَعْضُ أفاضِلِ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّها ظَرْفٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ، ولا أرى فِيهِ ما يُقالُ سِوى أنَّهُ مَعْنًى لَمْ يَذْكُرْهُ أكْثَرُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، وهم لَمْ يُحِيطُوا بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وإنْ أبَيْتَ هَذا فَهي لِلْجَوابِ فَقَطْ، ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّها هُنا صِلَةٌ في الكَلامِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وكَأنَّها بِمَعْنى حِينَئِذٍ، ولَوِ اكْتَفى بِهِ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى لَكانَ لَهُ وجْهٌ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الشعراء 26:23

﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ مُسْتَفْهِمًا عَنِ المُرْسِلِ سُبْحانَهُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ - عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ - أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا أمَرَهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونا مُمْتَثِلَيْنِ مُؤَدِّيَيْنِ لِتِلْكَ الرِّسالَةِ بِعَيْنِها عِنْدَ اللَّعِينِ، فَلَمّا أُدِّيَتْ عِنْدَهُ اعْتَرَضَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ إلى آخِرِهِ، وثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالواوِ العاطِفَةِ، وكُرِّرَ قالَ لِلطُّولِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأنْتَ الرَّسُولُ وما رَبُّ العالَمِينَ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ اللَّعِينَ لَمّا قالَ لَهُ بَوّابُهُ: إنَّ هاهُنا مَن يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ! قالَ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ: وما رَبُّ العالَمِينَ؟ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ نَظْمٌ مُخْتَلٌّ لِسَبْقِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهُمْ، كَما أشارَ إلَيْهِ هو في سابِقِ كَلامِهِ، وانْتَصَرَ لَهُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أرادَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَرَّةً: (فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ أنْ أرْسِلْ) وأُخْرى: (فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ) والقِصَّةُ واحِدَةٌ والمَجْلِسُ واحِدٌ، فَحَمَلَهُ عَلى أنَّ الثّانِيَ ما أدّاهُ البَوّابُ مِن لِسانِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والأوَّلَ ما خاطَبَهُ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – مُشافَهَةً، وأنَّ اللَّعِينَ أخَذَ أوَّلًا في الطَّعْنِ فِيهِ - وإنَّ مِثْلَهُ مِمَّنْ قَرَفَ بِرَذائِلِ الأخْلاقِ لا يُرَشَّحُ لِمَنصِبٍ عالٍ فَضْلًا عَمّا ادَّعاهُ - وثانِيًا في السُّؤالِ عَنْ شَأْنِ مَنِ ادَّعى الرِّسالَةَ عَنْهُ اسْتِهْزاءً، ومِن هَذا تَبَيَّنَ أنَّ سَبْقَ المُقاوَلَةِ لا يَدُلُّ عَلى اخْتِلالِ النَّظْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ، انْتَهى. وجَوَّزَ بَعْضُهم وُقُوعَ الأمْرِ مَرَّتَيْنِ، وأنَّ فِرْعَوْنَ سَألَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ وسَألَ ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعالى الأوَّلَ فِيما أنْزَلَ - جَلَّ وعَلا - أوَّلًا وهو سُورَةُ طه، والثّانِيَ فِيما أنْزَلَهُ سُبْحانَهُ ثانِيًا وهو سُورَةُ الشُّعَراءِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ طه نَزَلَتْ، ثُمَّ الواقِعَةُ، ثُمَّ طسم الشُّعَراءِ. وقالَ آخَرُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُما إنَّما قالا: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ والِاقْتِصارُ في سُورَةِ طه عَلى ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِفِرْعَوْنَ لِكِفايَتِهِ فِيما هو المَقْصُودُ، وعَلى القَوْلِ بِوُقُوعِ الأمْرِ مَرَّتَيْنِ قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ سَألَ في المَرَّةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ طَلَبًا لِلْوَصْفِ المُشَخِّصِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الجَوابِ، خِلافًا لِلسَّكّاكِيِّ في دَعْواهُ أنَّهُ سُؤالٌ عَنِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: أبَشَرٌ هو أمْ مَلَكٌ أمْ جِنِّيٌّ؟ والجَوابُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وأُخْرى بِـ(ما رَبُّ العالَمِينَ) طَلَبًا لِلْماهِيَّةِ والحَقِيقَةِ انْتِقالًا لِما هو أصْعَبُ؛ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى بَعْضِ أغْراضِهِ الفاسِدَةِ حَسْبَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ. و(ما) يُسْألُ بِها عَنِ الحَقِيقَةِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ المَسْؤُولُ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِن أُولِي العِلْمِ أوْ لا، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ حَقَّ الكَلامِ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: (مَن رَبُّ العالَمِينَ)؟ حَتّى يُوَجَّهَ بِأنَّهُ لِإنْكارِ اللَّعِينِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَبَّرَ بِـ(ما) ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ جَلَّ وعَلا. صفحة 72

الشعراء 26:24

﴿قالَ﴾ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عادِلًا عَنْ جَوابِهِ إلى ذِكْرِ صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى نَهْجِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، إشارَةً إلى تَعَذُّرِ بَيانِ الحَقِيقَةِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ والكَلامُ في امْتِناعِ مَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ وعَدَمِهِ قَدْ مَرَّ عَلَيْكَ، فَتَذَكَّرْ، ورَفْعُ (رَبُّ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ العَناصِرِ والعُنْصُرِيّاتِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِالأشْياءِ مُحَقِّقِينَ لَها عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَهَذا أوْلى بِالإيقانِ؛ لِظُهُورِهِ وإنارَةِ دَلِيلِهِ، فَإنَّ هَذِهِ الأجْرامَ المَحْسُوسَةَ مُمْكِنَةٌ لِتَرَكُّبِها وتَعَدُّدِها وتَغَيُّرِ أحْوالِها، فَلَها مَبْدَأٌ واجِبٌ لِذاتِهِ، ثُمَّ ذَلِكَ المَبْدَأُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِسائِرِ المُمْكِناتِ ما يُمْكِنُ أنْ يُحَسَّ بِها وما لا يُمْكِنُ، وإلّا لَزِمَ تَعَدُّدُ الواجِبِ أوِ اسْتِغْناءُ بَعْضِ المُمْكِناتِ عَنْهُ، وكِلاهُما مُحالٌ، وجَوابُ (إنْ) مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

الشعراء 26:25

﴿قالَ﴾ فِرْعَوْنُ عِنْدَ سَماعِ جَوابِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَوْفًا مِن أنْ يَعْلَقَ مِنهُ في قُلُوبِ قَوْمِهِ شَيْءٌ ﴿لِمَن حَوْلَهُ﴾ مِن أشْرافِ قَوْمِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: كانُوا خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ، عَلَيْهِمُ الأساوِرُ، وكانَتْ لِلْمُلُوكِ خاصَّةً ﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ جَوابَهُ، يُرِيدُ التَّعْجِيبَ مِنهُ والإزْراءَ بِقائِلِهِ، وكانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِلسُّؤالِ، حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ الحَقِيقَةَ المَسْؤُولَ عَنْها، وكَوْنُهُ - في زَعْمِهِ نَظَرًا لِما عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الجَهالَةِ - غَيْرَ واضِحٍ في نَفْسِهِ لِخَفاءِ العِلْمِ بِإمْكانِ ما ذُكِرَ أوْ حُدُوثِهِ الَّذِي هو عِلَّةُ الحاجَةِ إلى المَبْدَأِ الواجِبِ لِذاتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ بالَغَ اللَّعِينُ في الإشارَةِ إلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالجَوابِ المَذْكُورِ، حَيْثُ أوْهَمَ أنَّ مُجَرَّدَ اسْتِماعِهِمْ لَهُ كافٍ في رَدِّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِ، وكَأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ مِنَ اللَّعِينِ

الشعراء 26:26

﴿قالَ﴾ عُدُولًا إلى ما هو أوْضَحُ وأقْرَبُ؛ إعْطاءً لِمَنصِبِ الإرْشادِ حَقَّهُ حَسَبَ الإمْكانِ لِتَعَذُّرِ الوُقُوفِ عَلى الحَقِيقَةِ كَما سَمِعْتَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَإنَّ الحُدُوثَ والِافْتِقارَ إلى واجِبٍ مُصَوَّرٍ حَكِيمٍ في المُخاطَبِينَ وآبائِهِمُ - الَّذِينَ ذَهَبُوا وعَدِمُوا – أظْهَرُ، والنَّظَرَ في الأنْفُسِ أقْرَبُ وأوْضَحُ مِنَ النَّظَرِ في الآفاقِ، ولَمّا رَأى اللَّعِينُ ذَلِكَ وقَوِيَ عِنْدَهُ خَوْفُ فِتْنَةِ قَوْمِهِ

الشعراء 26:27

﴿قالَ﴾ مُبالِغًا في الرَّدِّ والإشارَةِ إلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِذَلِكَ، مُصَرِّحًا بِما يُنَفِّرُ قُلُوبَهم عَنْ قائِلِهِ وقَبُولِ ما يَجِيءُ بِهِ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ حَيْثُ يُسْألُ عَنْ شَيْءٍ ويُجِيبُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، ويُنَبَّهُ عَلى ما في جَوابِهِ ولا يَنْتَبِهُ، وسَمّاهُ رَسُولا بِطْرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، وأضافَهُ إلى مُخاطَبِيهِ؛ تَرَفُّعًا مِن أنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إلى نَفْسِهِ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِالوَصْفِ، وفِيهِ إثارَةٌ لِغَضَبِهِمْ واسْتِدْعاءٌ لِإنْكارِهِمْ رِسالَتَهُ بَعْدَ سَماعِ الخَبَرِ؛ تَرَفُّعًا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا أهْلًا لِأنْ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ مَجْنُونٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والأعْرَجُ «أرْسَلَ» عَلى بِناءِ الفاعِلِ، أيِ: الَّذِي أرْسَلَهُ رَبُّهُ إلَيْكُمْ، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأى خُشُونَةً في رَدِّ اللَّعِينِ، وإيماءً مِنهُ إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَتَنَبَّهْ لِما في جَوابِهِ الأوَّلِ مِنَ الخَفاءِ عِنْدَ قَوْمِهِ بَلْ كانَ عُدُولُهُ عَنْهُ إلى الجَوابِ الثّانِي لِما رَماهُ بِهِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ

الشعراء 26:28

﴿قالَ﴾ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفْسِيرًا لِجَوابِهِ الأوَّلِ وإزالَةً لِخَفائِهِ؛ لِيُعْلِمَ أنَّ العُدُولَ لَيْسَ إلّا لِظُهُورِ ما عُدِلَ إلَيْهِ ووُضُوحِهِ وقُرْبِهِ إلى النّاظِرِ لا لِما رُمِيَ بِهِ - وحاشاهُ - مَعَ الإشارَةِ إلى تَعَذُّرِ بَيانِ الحَقِيقَةِ - أيْضًا - بِالإصْرارِ عَلى الجَوابِ بِالصِّفاتِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الجَوابِ الأوَّلِ تَصْرِيحٌ بِاسْتِنادِ حَرَكاتِ السَّماواتِ وما فِيها، وتَغَيُّراتِ أحْوالِها وأوْضاعِها صفحة 73 وكَوْنِ الأرْضِ تارَةً مُظْلِمَةً وأُخْرى مُنَوِّرَةً إلى اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا إرْشادٌ إلى ذَلِكَ، فَإنَّ ذِكْرَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مُنْبِئٌ عَنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها المَنُوطَيْنِ بِحَرَكاتِ السَّماواتِ وما فِيها عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الأوْضاعُ الرَّصِينَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ حادِثَةٌ لا شَكَّ في افْتِقارِها إلى مُحْدِثٍ قادِرٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، وارْتَكَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الخُشُونَةَ كَما ارْتَكَبَ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ عَلِمْتُمْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُهُ وأشَرْتُ إلَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ تَلْوِيحًا إلى أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن دائِرَةِ العَقْلِ، وأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِما رَمَوْهُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الجُنُونِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ والأعْمَشُ «رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ» عَلى الجَمْعِ فِيهِما، ولَمّا سَمِعَ اللَّعِينُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تِلْكَ المَقالاتِ المُبَيَّنَةَ عَلى أساسِ الحِكَمِ البالِغَةِ، وشاهَدَ شِدَّةَ حَزْمِهِ وقُوَّةِ عَزْمِهِ عَلى تَمْشِيَةِ أمْرِهِ، وأنَّهُ مِمَّنْ لا يُجارى في حَلْبَةِ المُحاوَرَةِ

الشعراء 26:29

﴿قالَ﴾ ضارِبًا صَفْحًا عَنِ المُقاوَلَةِ إلى التَّهْدِيدِ - كَما هو دَيْدَنُ المَحْجُوجِ العَنِيدِ -: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ وفِيهِ مُبالَغَةٌ في رَدِّهِ عَنْ دَعْوى الرِّسالَةِ، حَيْثُ أرادَ مِنهُ ما أرادَ، ولَمْ يَقْنَعْ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَرْكِ دَعْواها وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ، وفِيهِ أيْضًا عُتُوٌّ آخَرُ حَيْثُ أوْهَمَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَّخِذٌ لَهُ إلَهًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأنَّ اتِّخاذَهُ غَيْرَهُ إلَهًا بَعْدُ مَشْكُوكٌ، وبالَغَ في الإبْعادِ - عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ - حَيْثُ أكَّدَ الفِعْلَ بِما أكَّدَ، وعَدَلَ عَنْ (لَأسْجُنَنَّكَ) الأخْصَرِ لِذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّ (ألْ) في المَسْجُونِينَ لِلْعَهْدِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَأجْعَلَنَّكَ مِمَّنْ عَرَفْتَ أحْوالَهم في سُجُونِي، وكانَ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - يَطْرَحُهم في هُوَّةٍ عَمِيقَةٍ، قِيلَ: عَمْقُها خَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ، وفِيها حَيّاتٌ وعَقارِبُ حَتّى يَمُوتُوا. هَذا، وقالَ بَعْضُهُمُ: السُّؤالُ هُنا وفي سُورَةِ طه عَنِ الوَصْفِ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ والمَجْلِسُ واحِدٌ، واخْتِلافُ العِباراتِ فِيها لِاقْتِضاءِ كُلِّ مَقامٍ ما عُبِّرَ بِهِ فِيهِ، ويُلْتَزَمُ القَوْلُ بِأنَّ الواقِعَ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمِيعِ تِلْكَ العِباراتِ، وبِهَذا يَنْحَلُّ إشْكالُ اخْتِلافِ العِباراتِ مَعَ دَعْوى اتِّحادِ القِصَّةِ والمَجْلِسِ، لَكِنَّ تَعْيِينَ القَدْرِ المُشْتَرَكِ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِكُلٍّ مِن تِلْكَ العِباراتِ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ مَعَ مَزِيدِ لُطْفٍ وتَوْفِيقٍ. ثُمَّ إنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ اللَّعِينَ هَلْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ لِلْعالَمِ رِبًّا هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ – أوَّلًا؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِطَلَبِهِ شَرْحَ الماهِيَّةِ زَعَمًا مِنهُ أنَّ فِيهِ الِاعْتِرافَ بِأصْلِ الوُجُودِ، وذَكَرُوا أنَّ ادِّعاءَهُ الأُلُوهِيَّةَ وقَوْلَهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ إنَّما كانَ إرْهابًا لِقَوْمِهِ الَّذِينَ اسْتَخَفَّهُمْ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنِ اعْتِقادٍ، وكَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ رَبُّ العالَمِ وهو يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ؟! ومَضى عَلى العالَمِ أُلُوفٌ مِنَ السِّنِينَ وهو لَيْسَ فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا مُلْكُمِصْرَ، ولِذا قالَ شُعَيْبٌ لِمُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَمّا جاءَهُ في مَدْيَنَ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِاللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما، بَلْ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ سُبْحانَهُ، مُعْتَقِدًا وُجُوبَ الوُجُودِ بِالذّاتِ لِلْأفْلاكِ، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ، ويَعْتَقِدُ أنَّ مَن مَلَكَ قُطْرًا وتَوَلّى أمْرَهُ لِقُوَّةِ طالِعِهِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ مِن أهْلِهِ وكانَ رَبًّا لَهُمْ، ولِهَذا خَصَّصَ أُلُوهِيَّتَهُ ورُبُوبِيَّتَهُ ولَمْ يُعِمَّهُما حَيْثُ قالَ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾، و﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ . وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ صفحة 74 الحُلُولِيَّةِ القائِلِينَ بِحُلُولِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى في بَعْضِ الذَّواتِ، ويَكُونُ مُعْتَقِدًا حُلُولَهُ - عَزَّ وجَلَّ – فِيهِ، ولِذَلِكَ سَمّى نَفْسَهُ إلَهًا، وقِيلَ: كانَ يَدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ وهو ما كانَ يَعْبُدُهُ مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ وهو وكَذا ما قَبْلَهُ بَعِيدٌ. والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ ويَقْتَضِيهِ أكْثَرُ الظَّواهِرِ أنَّ اللَّعِينَ كانَ يَعْرِفُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو خالِقُ العالَمِ، إلّا أنَّهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شِقْوَتُهُ، وغَرَّتْهُ دَوْلَتُهُ، فَأظْهَرَ لِقَوْمِهِ خِلافَ عِلْمِهِ، فَأذْعَنَ مِنهم لَهُ مَن كَثُرَ جَهْلُهُ ونَزُرَ عَقْلُهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّاسِ مَن يُذْعِنُ بِمِثْلِ هَذِهِ الخُرافاتِ ولا يَعْرِفُ أنَّها مُخالِفَةٌ لِلْبَدِيهِيّاتِ، وقَدْ نَقَلَ لِي مَن أثِقُ بِهِ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ نَجْدٍ - قَبْلَ ظُهُورِ أمْرِ الوَهّابِيِّ فِيما بَيْنَهم - بَيْنَما هُما في مَزْرَعَةٍ لَهُما إذْ مَرَّ بِهِما طائِرٌ طَوِيلُ الرِّجْلَيْنِ لَمْ يَعْهَدا مِثْلَهُ في تِلْكَ الأرْضِ فَنَزَلَ بِالقُرْبِ مِنهُما، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما هَذا؟ فَقالَ لَهُ: لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ هَذا رَبُّنا، فَقالَ لَهُ - مُعْتَقِدًا صِدْقَ ذَلِكَ الهَذَيانِ -: سُبْحانَهُ، ما أطْوَلَ كُراعَيْهِ وأعْظَمَ جَناحَيْهِ! وأمّا مَن لَهُ عَقْلٌ مِنهُمْ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ بُطْلانُ مِثْلِ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ وافَقَ ظاهِرًا لِمَزِيدِ خَوْفِهِ مِن فِرْعَوْنَ، أوْ مَزِيدِ رَغْبَتِهِ بِما عِنْدَهُ مِنَ الدُّنْيا، كَما نُشاهِدُ كَثِيرًا مِنَ العُقَلاءِ وفَسَقَةَ العُلَماءِ وافَقُوا جَبابِرَةَ المُلُوكِ في أباطِيلِهِمُ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ؛ حُبًّا لِلدُّنْيا الدَّنِيَّةِ، أوْ خَوْفًا مِمّا يَتَوَهَّمُونَهُ مِنَ البَلِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِضَرْبٍ مِنَ التَّوْجِيهِ - وإنْ كانَ فاسِدًا - كَزَعْمِ الحُلُولِ ونَحْوِهِ، والمُنْكِرُ عَلى القائِلِ: (أنا الحَقُّ) والقائِلِ: (ما في الجُبَّةِ إلّا اللَّهُ) يَزْعُمُ أنَّ مُعْتَقَدِي صِدْقَهُما كَمُعْتَقَدِي صِدْقَ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ . وسُؤالُ اللَّعِينِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِكايَةً لِما وقَعَ في عِبارَتِهِ بِقَوْلِهِ: ( ما رَبُ العالَمِينَ ) كانَ لِإنْكارِهِ لِظاهِرِ أنْ يَكُونَ لِلْعالَمِينَ رَبٌّ سِواهُ، وجَوابُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ لَمْ يَكُنْ إلّا لِإبْطالِ ما يَدَّعِيهِ ظاهِرًا، وإرْشادِ قَوْمِهِ إلى ما هو الحَقُّ الحَقِيقُ بِالقَبُولِ، ولِذا لَمْ يَقْصُرِ الخِطابَ في الأجْوِبَةِ عَلَيْهِ، والتَّعْجِيبُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ لِزَعْمِهِ ظاهِرًا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ادَّعى خِلافَ أمْرٍ مُحَقَّقٍ وهي رُبُوبِيَّةُ نَفْسِهِ، ولَمّا داخَلَهُ مِن خَوْفِ إذْعانِ قَوْمِهِ لِما قالَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما داخَلَهُ بالَغَ في صَرْفِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ولَمّا رَأى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُفِدْ في دَفْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ إظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ ما كانَ يُظْهِرُهُ مِنَ الباطِلِ ذَبَّ عَنْ دَعْواهُ الباطِلَةِ بِالتَّهْدِيدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ولَعَلَّ أجْوِبَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُشِيرَةٌ إلى إبْطالِ اعْتِقادِ نَحْوِ الحُلُولِ بِأنَّ فِيهِ التَّرْجِيحَ بِلا مُرَجِّحٍ، وبِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المَرْبُوبِيَّةَ لِما فِيهِ مِنَ التَّغَيُّرِ. وبَعْدَ هَذا القَوْلِ عِنْدِي قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - كانَ دَهْرِيًّا إلى آخِرِ ما سَمِعْتَهُ آنِفًا، والتَّعْجِيبُ لِزَعْمِهِ حَقِيقَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ادَّعى خِلافَ أمْرٍ مُحَقَّقٍ وهو رُبُوبِيَّةُ نَفْسِهِ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ولَمّا رَأى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَظاظَةَ فِرْعَوْنَ

الشعراء 26:30

﴿قالَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّلَطُّفِ بِهِ والطَّمَعِ في إيمانِهِ ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: تَفْعَلُ ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، أيْ: مُوَضِّحٍ لِصِدْقِ دَعْوايَ، يُرِيدُ بِهِ المُعْجِزَةَ، فَإنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وبَيْنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ دَعْوى مَن ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِشَيْءٍ لِلتَّهْوِيلِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقابِلَةٍ لِلْجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ، ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ ولَوْ لِلْبَيانِ، تَحْقِيقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ تَحَقُّقُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، أيْ: أتَفْعَلُ فِيَّ ذَلِكَ حالَ عَدَمِ مَجِيئِي بِشَيْءٍ مُبِينٍ وحالَ مَجِيئِي بِهِ، وتَصْدِيرُ المَجِيءِ بِـ(لَوْ) دُونَ (إنْ) لَيْسَ لِبَيانِ صفحة 75 اسْتِبْعادِهِ في نَفْسِهِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الواوَ لِلْحالِ عَلى مَعْنى أنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها حالٌ، أيْ: أتَفْعَلُ فِيَّ ذَلِكَ جائِيًا بِشَيْءٍ مُبِينٍ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ هُنا، وظاهِرُ كَلامِ الكَشْفِ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ عَلى مَعْنى: لا تَقْدِرُ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ مَعَ أنِّي نَبِيٌّ بِالمُعْجِزَةِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ هَذا الكَلامِ بِالوَعِيدِ الصّادِرِ مِنَ اللَّعِينِ، فَذَلِكَ في تَفْسِيرِهِ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المَسْجُونِينَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ إنِ اتَّخَذْتُ إلَهًا غَيْرَكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؟! وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الطِّيبِيُّ كَلامَ الكَشّافِ، ثُمَّ قالَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الواوَ عاطِفَةٌ وهي تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وهو ما سَبَقَ في أوَّلِ المُكالَمَةِ بَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى وعَدُّوِهِ، والهَمْزَةُ مُقْحَمَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: أتُقِرُّ بِالوَحْدانِيَّةِ وبِرِسالَتِي إنْ جِئْتُكَ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ بِالبَراهِينِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الظّاهِرَةِ. ( ولَوْ ) بِمَعْنى إنْ عَزَّ بَزَّ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ ما في الأعْرافِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ انْتَهى، وهو كَما تَرى، وفِيهِ جَعْلُ ( مُبِينٍ ) مِن أبانَ اللّازِمِ بِمَعْنى بانَ، وجَعْلُهُ مِن أبانَ المُتَعَدِّي وحَذْفُ المَفْعُولِ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - أنْسَبُ لِلْمَقامِ، ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -

الشعراء 26:31

﴿قالَ﴾ حَيْثُ طَمِعَ أنْ يَجِدَ مَوْضِعَ مُعارَضَةٍ ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُكَ مِن أنَّكَ تَأْتِي بِشَيْءٍ مُوَضِّحٍ لِصِدْقِ دَعْواكَ، أوْ مِنَ الصّادِقِينَ في دَعْوى الرِّسالَةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فَأْتِ بِهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أتَيْتَ بِهِ، والمَشْهُورُ تَقْدِيرُهُ مِن جِنْسِ الدَّلِيلِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ هو الجَوابَ، وجازَ تَقْدِيمُ الجَوابِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الشَّرْطِ لَمْ يَعْمَلْ في اللَّفْظِ شَيْئًا، وقَدْ بَهَتَ الزَّمَخْشَرِيُّ - عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ - أهْلَ السُّنَّةِ بِما هم مِنهُ بَراءٌ - كَما بَيَّنَهُ صاحِبُ الكَشْفِ وغَيْرِهِ - فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ.

الشعراء 26:32

﴿فَألْقى﴾ مُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ ﴿عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ ثُعْبانِيَّتُهُ، أيْ لَيْسَ بِتَمْوِيهٍ وتَخْيِيلٍ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الحَيّاتِ، واشْتِقاقُهُ مِن ثَعَبَ الماءُ بِمَعْنى جَرى جَرْيًا مُتَّسَعًا، وسُمِّيَ بِهِ لِجَرْيِهِ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ رِجْلٍ، كَأنَّهُ ماءٌ سائِلٌ، والظّاهِرُ أنَّ نَفْسَ العَصا انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُحالٍ إذا كانَ بِسَلْبِ الوَصْفِ الَّذِي صارَتْ بِهِ عَصًا وخَلْقِهِ وصْفَ الَّذِي يَصِيرُ ثُعْبانًا، بِناءً عَلى رَأْيِ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، إنَّما المُحالُ انْقِلابُها ثُعْبانًا مَعَ كَوْنِها عَصًا؛ لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ الواحِدِ في الزَّمَنِ الواحِدِ عَصًا وثُعْبانًا، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِخَلْقِ الثُّعْبانِ بَدَلَها، وظَواهِرُ الآياتِ تُبْعِدُ ذَلِكَ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ عِظَمِ هَذا الثُّعْبانِ، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الحالِ.

الشعراء 26:33

﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ مِن جَيْبِهِ ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: بَياضُها يَجْتَمِعُ النَّظّارَةُ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وكانَ بَياضًا نُورانِيًّا. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ أمْرَ العَصا قالَ: هَلْ لَكَ غَيْرُها؟ فَأخْرَجَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – يَدَهُ، فَقالَ: ما هَذِهِ؟ قالَ: يَدِي، فَأدْخَلَها في إبْطِهِ ثُمَّ نَزَعَها ولَها شُعاعٌ يَكادُ يُغْشِي الأبْصارَ ويَسُدُّ الأُفُقَ

الشعراء 26:34

﴿قالَ لِلْمَلإ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ ﴿حَوْلَهُ﴾ مَنصُوبٌ لَفْظًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا، أيِ: مُسْتَقِرِّينَ حَوْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمَلَأِ عَلى حَدِّ: ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي والأوَّلُ أسْهَلُ وأنْسَبُ. صفحة 76 ومِنَ العَجِيبِ ما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم يَجْعَلُونَ المَلَأ اسْمَ مَوْصُولٍ وحَوْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ لِلَّذِينَ اسْتَقَرُّوا حَوْلَهُ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فائِقٌ في عِلْمِ السِّحْرِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ قَسْرًا ﴿مِن أرْضِكُمْ﴾ الَّتِي نَشَأْتُمْ فِيها وتَوَطَّنْتُمُوها ﴿بِسِحْرِهِ﴾ وفي هَذا غايَةُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْتِغاءُ الغَوائِلِ لَهُ؛ إذْ مِن أصْعَبِ الأشْياءِ عَلى النُّفُوسِ مُفارَقَةُ الوَطَنِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ قَسْرًا، وهو السِّرُّ في نِسْبَةِ الإخْراجِ والأرْضِ إلَيْهِمْ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ: أيَّ أمْرٍ تَأْمُرُونَ، فَمَحَلُّ ماذا النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ( وتَأْمُرُونَ ) مِنَ الأمْرِ ضِدِّ النَّهْيِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَأْمُرُونِي، وفي جَعْلِهِ عَبِيدَهُ - بِزَعْمِهِ - آمِرِينَ لَهُ مَعَ ما كانَ يُظْهِرُهُ لَهم مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلْطانَ المُعْجِزَةِ بَهَرَهُ وحَيَّرَهُ حَتّى لا يَدْرِيَ أيَّ طَرَفَيْهِ أطْوَلَ، فَزَلَّ عِنْدَ ذِكْرِ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ، وحَطَّ عَنْ مَنكِبَيْهِ كِبْرِياءَ الرُّبُوبِيَّةِ، وانْحَطَّ عَنْ ذُرْوَةِ الفَرْعَنَةِ إلى حَضِيضِ المَسْكَنَةِ، ولِهَذا أظْهَرَ اسْتِشْعارَ الخَوْفِ مِنِ اسْتِيلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مُلْكِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ماذا) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأنْ يَكُونَ «تَأْمُرُونَ» مِنَ المُؤامَرَةِ بِمَعْنى المُشاوَرَةِ لِأمْرِ كُلٍّ بِما يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى.

الشعراء 26:35

﴿قالَ لِلْمَلإ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ ﴿حَوْلَهُ﴾ مَنصُوبٌ لَفْظًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا، أيِ: مُسْتَقِرِّينَ حَوْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمَلَأِ عَلى حَدِّ: ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي والأوَّلُ أسْهَلُ وأنْسَبُ. صفحة 76 ومِنَ العَجِيبِ ما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم يَجْعَلُونَ المَلَأ اسْمَ مَوْصُولٍ وحَوْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ لِلَّذِينَ اسْتَقَرُّوا حَوْلَهُ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فائِقٌ في عِلْمِ السِّحْرِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ قَسْرًا ﴿مِن أرْضِكُمْ﴾ الَّتِي نَشَأْتُمْ فِيها وتَوَطَّنْتُمُوها ﴿بِسِحْرِهِ﴾ وفي هَذا غايَةُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْتِغاءُ الغَوائِلِ لَهُ؛ إذْ مِن أصْعَبِ الأشْياءِ عَلى النُّفُوسِ مُفارَقَةُ الوَطَنِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ قَسْرًا، وهو السِّرُّ في نِسْبَةِ الإخْراجِ والأرْضِ إلَيْهِمْ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ: أيَّ أمْرٍ تَأْمُرُونَ، فَمَحَلُّ ماذا النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ( وتَأْمُرُونَ ) مِنَ الأمْرِ ضِدِّ النَّهْيِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَأْمُرُونِي، وفي جَعْلِهِ عَبِيدَهُ - بِزَعْمِهِ - آمِرِينَ لَهُ مَعَ ما كانَ يُظْهِرُهُ لَهم مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلْطانَ المُعْجِزَةِ بَهَرَهُ وحَيَّرَهُ حَتّى لا يَدْرِيَ أيَّ طَرَفَيْهِ أطْوَلَ، فَزَلَّ عِنْدَ ذِكْرِ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ، وحَطَّ عَنْ مَنكِبَيْهِ كِبْرِياءَ الرُّبُوبِيَّةِ، وانْحَطَّ عَنْ ذُرْوَةِ الفَرْعَنَةِ إلى حَضِيضِ المَسْكَنَةِ، ولِهَذا أظْهَرَ اسْتِشْعارَ الخَوْفِ مِنِ اسْتِيلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مُلْكِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ماذا) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأنْ يَكُونَ «تَأْمُرُونَ» مِنَ المُؤامَرَةِ بِمَعْنى المُشاوَرَةِ لِأمْرِ كُلٍّ بِما يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى.

الشعراء 26:36

﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ: أخِّرْ أمْرَهُما إلى أنْ تَأْتِيَكَ السَّحَرَةُ، مِن أرْجَأْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ وهُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ العَمَلَ لا يَأْتُونَهُ، ويَقُولُونَ: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طاعَةٌ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ «أرْجِهِ» بِكَسْرِ الهاءِ، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ «أرْجِهْ» بِغَيْرِ هَمْزٍ وسُكُونِ الهاءِ، والباقُونَ «أرْجِئْهُ» بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا بُدَّ مِن ضَمِّ الهاءِ مَعَ الهَمْزَةِ ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ، والأحْسَنُ أنْ لا يُبْلَغَ بِالضَّمِّ إلى الواوِ، ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ فَـ(أرْجِهِ) عِنْدَهُ مِن أرْجَيْتُهُ بِالياءِ دُونَ الهَمْزَةِ، والهَمْزُ - عَلى ما نَقَلَ الطِّيبِيُّ - أفْصَحُ، وقَدْ تُوصَلُ الهاءُ المَذْكُورَةُ بِياءٍ فَيُقالُ: أرْجِهِي، كَما يُقالُ مَرَرْتُ بِهِي، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ بَعْضَ الحُذّاقِ بِالنَّحْوِ لا يُجَوِّزُ إسْكانَ نَحْوِ هاءِ ( أرْجِهْ ) أعْنِي هاءَ الإضْمارِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ جَوازَ ذَلِكَ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقالَ: هو شِعْرٌ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، والشّاعِرُ يَجُوزُ أنْ يُخْطِئُ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الإسْكانُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الهاءَ إنَّما تَسْكُنُ في الوَقْفِ، لَكِنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وقِيلَ: المَعْنى احْبِسْهُ، ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ، أوْ تَجَلُّدًا ومُداهَنَةً لِفِرْعَوْنَ، وإلّا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَحْبِسَهُ مَعَ ما شاهِدٍ مِنهُ مِنَ الآياتِ ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ شُرَطاءَ يَحْشُرُونَ السَّحَرَةَ ويَجْمَعُونَهم عِنْدَكَ

الشعراء 26:37

﴿يَأْتُوكَ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، أيْ: إنْ تَبْعَثْهم يَأْتُوكَ ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ﴾ كَثِيرِ العَمَلِ بِالسِّحْرِ ﴿عَلِيمٍ﴾ فائِقٍ في عِلْمِهِ، ولِكَوْنِ المُهِمِّ هُنا هو العَمَلَ أتَوْا بِما يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ «بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ» ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ أيِ: المَعْهُودُونَ، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ - كَما في المِفْتاحِ - عَهْدِيٌّ، وقالَ الفاضِلُ المُحَقِّقُ: إنَّ المَعْهُودَ قَدْ يَكُونُ عامًّا مُسْتَغْرِقًا كَما هُنا، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما يُتَوَهَّمُ، وفِيهِ بَحْثٌ، فَتَأمَّلْ. ﴿لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لِما وُقِّتَ بِهِ مِن ساعاتِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، وهو وقْتُ الضُّحى مِن يَوْمِ الزِّينَةِ، عَلى أنَّ المِيقاتَ مِن صِفاتِ الزَّمانِ، وفي الكَشّافِ: هو ما وُقِّتَ بِهِ، أيْ: حُدِّدَ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ، ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ

الشعراء 26:38

﴿يَأْتُوكَ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، أيْ: إنْ تَبْعَثْهم يَأْتُوكَ ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ﴾ كَثِيرِ العَمَلِ بِالسِّحْرِ ﴿عَلِيمٍ﴾ فائِقٍ في عِلْمِهِ، ولِكَوْنِ المُهِمِّ هُنا هو العَمَلَ أتَوْا بِما يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ «بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ» ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ أيِ: المَعْهُودُونَ، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ - كَما في المِفْتاحِ - عَهْدِيٌّ، وقالَ الفاضِلُ المُحَقِّقُ: إنَّ المَعْهُودَ قَدْ يَكُونُ عامًّا مُسْتَغْرِقًا كَما هُنا، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما يُتَوَهَّمُ، وفِيهِ بَحْثٌ، فَتَأمَّلْ. ﴿لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لِما وُقِّتَ بِهِ مِن ساعاتِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، وهو وقْتُ الضُّحى مِن يَوْمِ الزِّينَةِ، عَلى أنَّ المِيقاتَ مِن صِفاتِ الزَّمانِ، وفي الكَشّافِ: هو ما وُقِّتَ بِهِ، أيْ: حُدِّدَ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ، ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ

الشعراء 26:39

﴿وقِيلَ لِلنّاسِ﴾ صفحة 77 اسْتِبْطاءً لَهم في الِاجْتِماعِ وحَثًّا عَلى التَّبادُرِ إلَيْهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ في ذَلِكَ المِيقاتِ، فالِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ الحَثِّ والِاسْتِعْجالِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: هَلْ أنْتَ باعِثُ دِينارٍ لِحاجَتِنا أوْ عَبْدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بْنِ مِخْراقِ فَإنَّهُ يُرِيدُ: ابْعَثْ أحَدَهُما إلَيْنا سَرِيعًا ولا تُبْطِئْ بِهِ.

الشعراء 26:40

﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ أيْ: في دِينِهِمْ ﴿إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ لا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ مُرادُهم بِذَلِكَ إلّا أنْ لا يَتَّبِعُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِينِهِ، لَكِنْ ساقُوا كَلامَهم مَساقَ الكِنايَةِ؛ حَمْلًا لِلسَّحَرَةِ عَلى الِاهْتِمامِ والجِدِّ في المُغالَبَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ اتِّباعَ السَّحَرَةِ، أيِ: الثَّباتَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، ويُدَّعى أنَّهم كانُوا عَلى ما يُرِيدُ فِرْعَوْنُ مِنَ الدِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ غَيْرُ داخِلٍ في القائِلِينَ، وعَلى تَقْدِيرِ دُخُولِهِ لَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِهَذا الكَلامِ لِامْتِناعِ اتِّباعِ مُدَّعِي الإلَهِيَّةِ السَّحَرَةَ، وجَوَّزَهُ آخَرُونَ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ لِما اسْتَوْلى عَلَيْهِ مِنَ الدَّهْشَةِ مِن أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما طَلَبَ الأمْرَ مِمَّنْ حَوْلَهُ لِذَلِكَ، ولَعَلَّ إتْيانَهم بِـ(إنْ) لِلْإلْهابِ، وإلّا فالأوْفَقُ بِمَقامِهِمْ أنْ يَقُولُوا: إذا كانُوا هُمُ الغالِبِينَ

الشعراء 26:41

﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أإنَّ لَنا لأجْرًا﴾ أيْ: لَأجْرًا عَظِيمًا ﴿إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ لا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَعَلَّهم أخْرَجُوا الشَّرْطَ عَلى أُسْلُوبِ ما وقَعَ في كَلامِ القائِلِينَ؛ مُوافَقَةً لَهُمْ، وإلّا فَلا يُناسِبُ حالُهم إظْهارَ الشَّكِّ في غَلَبَتِهِمْ.

الشعراء 26:42

﴿قالَ﴾ فِرْعَوْنُ لَهم ﴿نَعَمْ﴾ لَكم ذَلِكَ ﴿وإنَّكُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عِنْدِي، قِيلَ: قالَ لَهُمْ: تَكُونُونَ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ عَلَيَّ وآخِرَ مَن يَخْرُجُ عَنِّي، (وإذًا) عِنْدَ جَمْعٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ في المَشْهُورِ مِنَ الجَوابِ والجَزاءِ، ونَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ في البُرْهانِ عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ أنَّها هُنا مُرَكَّبَةٌ مِن (إذا) الَّتِي هي ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ والتَّنْوِينِ الَّذِي هو عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، ولَيْسَتْ هي النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ في نَظايِرِ الآيَةِ الكافَيْجِيُّ والقاضِي تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ رَزِينٍ، وأنا مِمَّنْ يَقُولُ بِإثْباتِ هَذا المَعْنى لَها، والمَعْنى عَلَيْهِ: وإنَّكم إذا غَلَبْتُمْ أوْ إذا كُنْتُمُ الغالِبِينَ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. وقُرِئَ «نَعِمْ» بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وذَلِكَ لُغَةٌ في (نَعَمْ) .

الشعراء 26:43

﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ أيْ بَعْدَما قالَ لَهُ السَّحَرَةُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لَمْ يَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأمْرَ بِالسِّحْرِ والتَّمْوِيهِ حَقِيقَةً؛ فَإنَّ السِّحْرَ حَرامٌ، وقَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَلا يَلِيقُ بِالمَعْصُومِ الأمْرُ بِهِ، بَلِ الإذْنُ بِتَقْدِيمِ ما عُلِمَ بِإلْهامٍ أوْ فِراسَةٍ صادِقَةٍ أوْ قَرائِنِ الحالِ أنَّهم فاعِلُوهُ البَتَّةَ ولِذا قالَ: ( ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ) لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى إبْطالِهِ. وهَذا كَما يُؤْمَرُ الزِّنْدِيقُ بِتَقْرِيرِ حُجَّتِهِ لِتُرَدَّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ الرِّضا المُمْتَنَعُ، فَإنَّهُ الرِّضا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِحْسانِ، ولَيْسَ في الإذْنِ المَذْكُورِ، ومُطْلَقُ الرِّضا غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، ومِمّا اشْتُهِرَ مِن قَوْلِهِمُ: (الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ) لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والأُصُولِيِّينَ.

الشعراء 26:44

﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا﴾ أيْ وقَدْ قالُوا عِنْدَ الإلْقاءِ ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بِقُوَّتِهِ الَّتِي يُمْتَنَعُ بِها مِنَ الضَّيْمِ، مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ عِزازٌ أيْ: صُلْبَةٌ ﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ لا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا قَسَمٌ مِنهم بِعِزَّتِهِ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - عَلى الغَلَبَةِ، وخَصُّوها بِالقَسَمِ هُنا لِمُناسَبَتِها لِلْغَلَبَةِ صفحة 78 وقَسَمُهم عَلى ذَلِكَ لِفَرْطِ اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ وإتْيانِهِمْ بِأقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُؤْتى بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وفي ذَلِكَ إرْهابٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِزَعْمِهِمْ، وعَدَلُوا عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ تَعْظِيمًا لَهُ، وهَذا القَسَمُ مِن نَوْعِ أقْسامِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ سَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في الإيمانِ ما هو أشْنَعُ مِن إيمانِهِمْ، لا يَرْضَوْنَ بِالقَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يَعْتَدُّونَ بِذَلِكَ حَتّى يَحْلِفَ أحَدُهم بِنِعْمَةِ السُّلْطانِ، أوْ بِرَأْسِهِ، أوْ بِرَأْسِ المُحَلِّفِ، أوْ بِلِحْيَتِهِ، أوْ بِتُرابِ قَبْرِ أبِيهِ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَوْثَقُ مِنهُ، ولَهم أشْياءُ يُعَظِّمُونَها ويَحْلِفُونَ بِها غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَلِفُ بِاللَّهِ تَعالى كَذِبًا أقَلَّ إثْمًا مِنَ الحَلِفِ بِها صِدْقًا، وهَذا مِمّا عَمَّتْ بِهِ البَلْوى ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى العَلِيِّ العَظِيمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّهُ قَسَمٌ: والأحْرى أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ والتَّبَرُّكِ بِاسْمِهِ إذا كانُوا يَعْبُدُونَهُ، كَما تَقُولُ إذا ابْتَدَأْتَ بِشَيْءٍ: بِسْمِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى بَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ونَحْوُ ذَلِكَ.

الشعراء 26:45

﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ أيْ تَبْتَلِعُ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُ التَّلَقُّفِ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ: (تَلَقَّفُ) بِفَتْحِ اللّامِ والتَّشْدِيدِ، والأصْلُ تَتَلَقَّفُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ السُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أيِ: الَّذِي يُقَلِّبُونَهُ مِن حالِهِ الأوَّلِ وصُورَتِهِ بِتَمْوِيهِهِمْ وتَزْوِيرِهِمْ، فَيُخَيِّلُونَ حِبالَهم وعِصِيَّهم أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، فَما مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها لِلْفاصِلَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ تَلْقَفُ إفْكَهم تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِهِ مُبالَغَةً ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ: خَرُّوا ساجِدِينَ إثْرَ ما شاهَدُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ حُدُودِ السِّحْرِ، وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ قَدْ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَصْدِيقِهِ، وعُبِّرَ عَنِ الخُرُورِ بِالإلْقاءِ؛ لِأنَّهُ ذُكِرَ مَعَ الإلْقاءاتِ فَسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ المُشاكَلَةِ، وفِيهِ أيْضًا - مَعَ مُراعاةِ المُشاكَلَةِ - أنَّهم حِينَ رَأوْا ما رَأوْا لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ، كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ زادَتْ حُسْنَها المُشاكَلَةُ، وبَحَثَ في ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ خَرُورِهِمْ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وخَلْقُهُ هو الإلْقاءُ، فَلا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيجادَ خَرُورِهِمْ وخَلْقَهُ فِيهِمْ لا يُسَمّى إلْقاءً حَقِيقَةً ولُغَةً، ثُمَّ ظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ فاعِلَ الإلْقاءِ - لَوْ صُرِّحَ بِهِ - هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِما خَوَّلَهم مِنَ التَّوْفِيقِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ إيمانَهم أوْ ما عايَنُوا مِنَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ لا تُقَدِّرَ فاعِلًا؛ لِأنَّ (أُلْقِيَ) بِمَعْنى (خَرُّوا وسَقَطُوا). وتَعَقَّبَ هَذا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا وقَدْ حُذِفَ الفاعِلُ فَنابَ ذَلِكَ عَنْهُ، أمّا أنَّهُ لا يُقَدَّرُ فاعِلٌ فَقَوْلٌ ذاهِبٌ عَنِ الصَّوابِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فاعِلٍ آخَرَ غَيْرِ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ المَجْهُولُ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ الإلْقاءِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ فَسَّرْتَ (سَقَطَ) بِـ(ألْقى نَفْسَهُ) لَصَحَّ. والطِّيبِيُّ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى تَعْيِينِ فاعِلٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المُلْقى لا تَعْيِينُ مَن ألْقاهُ، كَما تَقُولُ: قُتِلَ الخارِجِيُّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ أقْرَبُ، وبِالجُمْلَةِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ؛ فَإنَّهُ أجَلُّ مِن أنْ يُرِيدَ ظاهِرَهُ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ أبُو حَيّانَ. وفِي سُجُودِ السَّحَرَةِ وتَسْلِيمِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُنْتَهى السِّحْرِ تَمْوِيهٌ وتَزْوِيقٌ، يُخَيِّلُ شَيْئًا لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأنَّ السِّحْرَ أقْوى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن أتى بِهِ فِرْعَوْنُ أعْلَمُ أهْلِ عَصْرِهِ بِهِ، وقَدْ بَذَلُوا جُهْدَهم وأظْهَرُوا أعْظَمَ ما عِنْدَهم صفحة 79 مِنهُ، ولَمْ يَأْتُوا إلّا بِتَمْوِيهٍ وتَزْوِيقٍ، كَذا قِيلَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في السِّحْرِ لا أنَّ كَلَّ سِحْرٍ كَذَلِكَ. وقَوْلُ القَزْوِينِيِّ: إنَّ دَعْوى أنَّ في السِّحْرِ تَبْدِيلَ صُورَةٍ حَقِيقَةً مِن خُرافاتِ العَوامِّ وأسْمارِ النِّسْوَةِ - فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ في سِحْرٍ أبَدًا - لا يَخْلُو عَنْ مُجازَفَةٍ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ التَّبَحُّرَ في كُلِّ عِلْمٍ نافِعٌ، فَإنَّ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ لِتَبَحُّرِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا حَقِيَةَ ما أتى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ فانْتَفَعُوا بِزِيادَةِ عِلْمِهِمْ؛ لِأنَّهُ أدّاهُمُ إلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ والإيمانِ لِفَرْقِهِمْ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَثْبُتُ حُكْمًا جُزْئِيًّا كَما لا يَخْفى، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهم إنَّما عَرَفُوا حَقِّيَّةَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أخَذَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا فَعادَتْ كَما كانَتْ، وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَرَوْا لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ بَعْدُ أثَرًا، وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا، ولَعَلَّها عَلى هَذا صارَتْ أجْزاءً هَبائِيَّةً وتَفَرَّقَتْ أوْ عَدِمَتْ لِانْقِطاعِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِوُجُودِها. وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في البابِ السّادِسَ عَشَرَ والبابِ الأرْبَعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّ العَصا لَمْ تَلْقَفْ إلّا صُوَرَ الحَيّاتِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وأمّا هي فَقَدْ بَقِيَتْ ولَمْ تُعْدَمْ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ وهم لَمْ يَصْنَعُوا إلّا الصُّوَرَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَوَقَعَتِ الشُّبْهَةُ لِلسَّحَرَةِ في عَصا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يُؤْمِنُوا، انْتَهى مُلَخَّصًا، فَتَأمَّلْ.

الشعراء 26:46

﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ أيْ تَبْتَلِعُ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُ التَّلَقُّفِ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ: (تَلَقَّفُ) بِفَتْحِ اللّامِ والتَّشْدِيدِ، والأصْلُ تَتَلَقَّفُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ السُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أيِ: الَّذِي يُقَلِّبُونَهُ مِن حالِهِ الأوَّلِ وصُورَتِهِ بِتَمْوِيهِهِمْ وتَزْوِيرِهِمْ، فَيُخَيِّلُونَ حِبالَهم وعِصِيَّهم أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، فَما مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها لِلْفاصِلَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ تَلْقَفُ إفْكَهم تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِهِ مُبالَغَةً ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ: خَرُّوا ساجِدِينَ إثْرَ ما شاهَدُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ حُدُودِ السِّحْرِ، وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ قَدْ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَصْدِيقِهِ، وعُبِّرَ عَنِ الخُرُورِ بِالإلْقاءِ؛ لِأنَّهُ ذُكِرَ مَعَ الإلْقاءاتِ فَسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ المُشاكَلَةِ، وفِيهِ أيْضًا - مَعَ مُراعاةِ المُشاكَلَةِ - أنَّهم حِينَ رَأوْا ما رَأوْا لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ، كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ زادَتْ حُسْنَها المُشاكَلَةُ، وبَحَثَ في ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ خَرُورِهِمْ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وخَلْقُهُ هو الإلْقاءُ، فَلا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيجادَ خَرُورِهِمْ وخَلْقَهُ فِيهِمْ لا يُسَمّى إلْقاءً حَقِيقَةً ولُغَةً، ثُمَّ ظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ فاعِلَ الإلْقاءِ - لَوْ صُرِّحَ بِهِ - هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِما خَوَّلَهم مِنَ التَّوْفِيقِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ إيمانَهم أوْ ما عايَنُوا مِنَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ لا تُقَدِّرَ فاعِلًا؛ لِأنَّ (أُلْقِيَ) بِمَعْنى (خَرُّوا وسَقَطُوا). وتَعَقَّبَ هَذا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا وقَدْ حُذِفَ الفاعِلُ فَنابَ ذَلِكَ عَنْهُ، أمّا أنَّهُ لا يُقَدَّرُ فاعِلٌ فَقَوْلٌ ذاهِبٌ عَنِ الصَّوابِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فاعِلٍ آخَرَ غَيْرِ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ المَجْهُولُ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ الإلْقاءِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ فَسَّرْتَ (سَقَطَ) بِـ(ألْقى نَفْسَهُ) لَصَحَّ. والطِّيبِيُّ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى تَعْيِينِ فاعِلٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المُلْقى لا تَعْيِينُ مَن ألْقاهُ، كَما تَقُولُ: قُتِلَ الخارِجِيُّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ أقْرَبُ، وبِالجُمْلَةِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ؛ فَإنَّهُ أجَلُّ مِن أنْ يُرِيدَ ظاهِرَهُ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ أبُو حَيّانَ. وفِي سُجُودِ السَّحَرَةِ وتَسْلِيمِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُنْتَهى السِّحْرِ تَمْوِيهٌ وتَزْوِيقٌ، يُخَيِّلُ شَيْئًا لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأنَّ السِّحْرَ أقْوى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن أتى بِهِ فِرْعَوْنُ أعْلَمُ أهْلِ عَصْرِهِ بِهِ، وقَدْ بَذَلُوا جُهْدَهم وأظْهَرُوا أعْظَمَ ما عِنْدَهم صفحة 79 مِنهُ، ولَمْ يَأْتُوا إلّا بِتَمْوِيهٍ وتَزْوِيقٍ، كَذا قِيلَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في السِّحْرِ لا أنَّ كَلَّ سِحْرٍ كَذَلِكَ. وقَوْلُ القَزْوِينِيِّ: إنَّ دَعْوى أنَّ في السِّحْرِ تَبْدِيلَ صُورَةٍ حَقِيقَةً مِن خُرافاتِ العَوامِّ وأسْمارِ النِّسْوَةِ - فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ في سِحْرٍ أبَدًا - لا يَخْلُو عَنْ مُجازَفَةٍ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ التَّبَحُّرَ في كُلِّ عِلْمٍ نافِعٌ، فَإنَّ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ لِتَبَحُّرِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا حَقِيَةَ ما أتى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ فانْتَفَعُوا بِزِيادَةِ عِلْمِهِمْ؛ لِأنَّهُ أدّاهُمُ إلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ والإيمانِ لِفَرْقِهِمْ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَثْبُتُ حُكْمًا جُزْئِيًّا كَما لا يَخْفى، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهم إنَّما عَرَفُوا حَقِّيَّةَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أخَذَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا فَعادَتْ كَما كانَتْ، وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَرَوْا لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ بَعْدُ أثَرًا، وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا، ولَعَلَّها عَلى هَذا صارَتْ أجْزاءً هَبائِيَّةً وتَفَرَّقَتْ أوْ عَدِمَتْ لِانْقِطاعِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِوُجُودِها. وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في البابِ السّادِسَ عَشَرَ والبابِ الأرْبَعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّ العَصا لَمْ تَلْقَفْ إلّا صُوَرَ الحَيّاتِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وأمّا هي فَقَدْ بَقِيَتْ ولَمْ تُعْدَمْ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ وهم لَمْ يَصْنَعُوا إلّا الصُّوَرَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَوَقَعَتِ الشُّبْهَةُ لِلسَّحَرَةِ في عَصا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يُؤْمِنُوا، انْتَهى مُلَخَّصًا، فَتَأمَّلْ.

الشعراء 26:47

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (أُلْقِيَ) لِما بَيْنَ الإلْقاءِ المَذْكُورِ وهَذا القَوْلِ مِنَ المُلابَسَةِ، أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرادَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ قَوْمُهُ الجَهَلَةُ يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ المُوجِبَ لِإيمانِهِمْ بِهِ تَعالى ما أجْراهُ سُبْحانَهُ عَلى أيْدِيهِما مِنَ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى رَبَّهُما أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - خالِقُهُما ومالِكُ أمْرِهِما. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِما بِاعْتِبارِ وصْفِهِما لَهُ سُبْحانَهُ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي وصَفَهُ مُوسى وهارُونُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنْ سُلِّمَ سَماعُهم لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ بَعْدَ أنْ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ

الشعراء 26:48

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (أُلْقِيَ) لِما بَيْنَ الإلْقاءِ المَذْكُورِ وهَذا القَوْلِ مِنَ المُلابَسَةِ، أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرادَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ قَوْمُهُ الجَهَلَةُ يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ المُوجِبَ لِإيمانِهِمْ بِهِ تَعالى ما أجْراهُ سُبْحانَهُ عَلى أيْدِيهِما مِنَ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى رَبَّهُما أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - خالِقُهُما ومالِكُ أمْرِهِما. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِما بِاعْتِبارِ وصْفِهِما لَهُ سُبْحانَهُ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي وصَفَهُ مُوسى وهارُونُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنْ سُلِّمَ سَماعُهم لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ بَعْدَ أنْ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ

الشعراء 26:49

﴿قالَ﴾ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ بِغَيْرِ أنْ آذَنَ لَكم بِالإيمانِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ إلّا أنَّ الإذْنَ مِنهُ مُمْكِنٌ أوْ مُتَوَقَّعٌ ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فَتَواطَأْتُمْ عَلى ما فَعَلْتُمْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ إلَخْ، أوْ عَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ فَلِذَلِكَ غَلَبَكم كَما قِيلَ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَوافَقُ الكَلامانِ حِينَئِذٍ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قالَ كُلًّا مِنهُما- وإنْ لَمْ يُذْكَرا مَعًا هُنا - وأرادَ اللَّعِينُ بِذَلِكَ التَّلْبِيسَ عَلى قَوْمِهِ كَيْلا يَعْتَقِدُوا أنَّهم آمَنُوا عَنْ بَصِيرَةٍ وظُهُورِ حَقٍّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ورَوْحٌ «أآمَنتُمْ» بِهَمْزَتَيْنِ ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ ما فَعَلْتُمْ. واللّامُ قِيلَ لِلِابْتِداءِ دَخَلَتِ الخَبَرَ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَأنْتُمْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ولَيْسَتْ لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، وجَمْعُها مَعَ سَوْفَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِلْمَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ صفحة 80 لِداعٍ، وقِيلَ: هي لِلْقَسَمِ، وقاعِدَةُ التَّلازُمِ بَيْنَها وبَيْنَ النُّونِ فِيما عَدا صُورَةِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ، وصُورَةِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ . وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي اللّامُ الَّتِي في (لَأقُومَنَّ) ونابَتْ سَوْفَ عَنْ إحْدى نُونَيِ التَّأْكِيدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (فَلَتَعْلَمُنَّ) وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ بَيانٌ لِمَفْعُولِ ( تَعْلَمُونَ ) المَحْذُوفِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وتَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ، ولِذا فُصِّلَ وعُطِفَ بِالفاءِ في مَحَلٍّ آخَرَ، وقَدْ مَرَّ مَعْنى (مِن خِلافٍ)

الشعراء 26:50

﴿قالُوا﴾ أيِ: السَّحَرَةُ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ أيْ: لا ضَرَرَ عَلَيْنا فِيما ذَكَرْتَ مِن قَطْعِ الأيْدِي وما مَعَهُ، والضَّيْرُ مَصْدَرُ ضارَّ، وجاءَ مَصْدَرُهُ - أيْضًا - ضَوْرًا، وهو اسْمُ لا وخَبَرُها مَحْذُوفٌ، وحَذْفُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا إلى رَبِّنا﴾ أيِ: الَّذِي آمَنّا بِهِ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الضَّيْرِ، أيْ: لا ضَيْرَ في ذَلِكَ بَلْ لَنا فِيهِ نَفْعٌ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ لَنا مِنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ، أوْ لا ضَيْرَ عَلَيْنا فِيما تَفْعَلُ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ والِانْقِلابِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدُ وحاصِلُهُ نَفْيُ المُبالاةِ بِالقَتْلِ مُعَلَّلًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: (لا أُبالِي أوَقَعْتُ عَلى المَوْتِ أمْ وقَعَ المَوْتُ عَلَيَّ) أوْ: لا ضَيْرَ عَلَيْنا في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَصِيرَنا ومَصِيرَكَ إلى رَبٍّ يَحْكُمُ بَيْنَنا فَيَنْتَقِمُ لَنا مِنكَ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُ: إلى دَيّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي ∗∗∗ وعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُهُمْ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الضَّمائِرِ لِكَوْنِها لِلسَّحَرَةِ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ، ومُنِعَ بِدُخُولِهِمْ في ضَمِيرِ الجَمْعِ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

الشعراء 26:51

﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا﴾ أيْ: لِأنْ كُنّا ﴿أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِنَفْيِ الضَّيْرِ، ولَمْ يُعْطَفْ؛ إيذانًا بِأنَّهُ مِمّا يَسْتَقِلُّ بِالعِلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ العَطْفِ لِتَعَلُّقِ التَّعْلِيلِ بِالمُعَلَّلِ الأوَّلِ مَعَ تَعْلِيلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْعِلَّةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، أيْ: لا ضَيْرَ عَلَيْنا في ذَلِكَ إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا لِكَوْنِنا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ، والطَّمَعُ إمّا عَلى بابِهِ كَما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ لِعَدَمِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإمّا بِمَعْنى التَّيَقُّنِ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ، أوْ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ المَشْهَدِ، أوْ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ، ولَعَلَّ الإخْبارَ بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمُؤْمِنٍ سَبَقَهم بِالإيمانِ، فَهو إخْبارٌ مَبْنِيٌّ عَلى غالِبِ الظَّنِّ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، كَذا قِيلَ. وقِيلَ: أرادُوا أوَّلَ مَن أظْهَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى وبِرَسُولِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ كِفاحًا بَعْدَ الدَّعْوَةِ وظُهُورِ الآيَةِ، فَلا يَرِدُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وآسِيَةُ، وكَذا لا يَرِدُ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُمْ- كَما في البَحْرِ- كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُمْ؛ إمّا لِعَدَمِ عِلْمِ السَّحَرَةِ بِذَلِكَ أوْ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المَذْكُورِينَ لَمْ يُظْهِرِ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ كِفاحًا بَعْدَ الدَّعْوَةِ وظُهُورِ الآيَةِ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وأبُو مُعاذٍ «إنْ كُنّا» بِكَسْرِ هَمْزَةِ «إنْ» وخُرِّجَ عَلى أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: إنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ فَإنّا نَطْمَعُ، وجَعَلَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الجَوابَ ﴿إنّا نَطْمَعُ﴾ المُتَقَدِّمَ، وقالَ: صفحة 81 جازَ حَذْفُ الفاءِ مِنهُ لِتَقَدُّمِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ، حَيْثُ يُجَوِّزُونَ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا فالظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَحَقِّقِينَ بِأنَّهم أوَّلُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ لَكِنَّهم أبْرَزُوهُ في صُورَةِ الشَّكِّ لِتَنْزِيلِ الأمْرِ المُعْتَمِدِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ؛ تَمْلِيحًا وتَضَرُّعًا لِلَّهِ تَعالى، وفي ذَلِكَ هَضْمُ النَّفْسِ والمُبالَغَةُ في تَحَرِّي الصِّدْقِ، والمُشاكَلَةُ مَعَ (نَطْمَعُ) عَلى ما هو الظّاهِرُ فِيهِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ (إنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولا يُحْتاجُ إلى اللّامِ الفارِقَةِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلى أنَّهم مُؤْمِنُونَ فَلا احْتِمالَ لِلنَّفْيِ، وقَدْ ورَدَ مِثْلُ ذَلِكَ في الفَصِيحِ فَفي الحَدِيثِ: ««إنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ العَسَلَ»» وقالَ الشّاعِرُ: ونَحْنُ أُباةُ الضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ وإنْ مالِكٌ كانْتَ كِرامَ المَعادِنِ وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُونَ جازِمِينَ بِأنَّهم أوَّلُ المُؤْمِنِينَ أتَمَّ جَزْمٍ، واخْتُلِفَ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ فَعَلَ بِهِمْ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ أوْ لا؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ وبَعْضُ هَؤُلاءِ زَعَمَ أنَّهم لَمّا سَجَدُوا رَأوُا الجَنّاتِ والنِّيرانَ ومَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، وقُبِضَتْ أرْواحُهم وهم ساجِدُونَ، وظَواهِرُ الآياتِ تُكَذِّبُ أمْرَ المَوْتِ في السُّجُودِ، وأمّا رُؤْيَةُ أمْرِ ما ذُكِرَ فَلا جَزْمَ عِنْدِي بِصِدْقِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الشعراء 26:52

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ وذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ أقامَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى الحَقِّ ويُظْهِرُ لَهُمُ الآياتِ، فَلَمْ يَزِيدُوا إلّا عُتُوًّا وعِنادًا حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ الآياتِ. وقُرِئَ «أنِ اسْرِ» بِكَسْرِ النُّونِ ووَصْلِ الألِفِ مِن سَرى، وقَرَأ اليَمانِيُّ «أنْ سِرْ» أمْرًا مِن سارَ يَسِيرُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإسْراءِ، أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ مُصْبِحِينَ، فَأسْرِ لَيْلًا بِمَن مَعَكَ حَتّى لا يُدْرِكُوكم قَبْلَ الوُصُولِ إلى البَحْرِ، بَلْ يَكُونُونَ عَلى أثَرِكم حِينَ تَلِجُونَ البَحْرَ، فَيَدْخُلُونَ مَداخِلَكُمْ، فَأُطْبِقُهُ عَلَيْهِمْ فَأُغْرِقُهُمْ

الشعراء 26:53

﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَأسْرى بِهِمْ، وأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ فَأرْسَلَ ﴿فِي المَدائِنِ﴾ أيْ: مَدائِنِ مِصْرَ ﴿حاشِرِينَ﴾ جامِعِينَ لِلْعَساكِرِ لِيَتْبَعُوهم ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والكَلامُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ، أيْ: قائِلًا: إنَّ هَؤُلاءِ ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ أيْ: طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: هي السَّفَلَةُ مِنهُمْ، وقِيلَ: بَقِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ خَسِيسٍ، ومِنهُ ثَوْبٌ شِرْذامٌ وشِرْذامَةٌ، أيْ: خَلَقٌ مُقَطَّعٌ، قالَ الرّاجِزُ: جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقُ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنهُ التَّوّاقُ وقُرِئَ «لَشَرِّ ذِمَّةٍ» بِإضافَةِ شَرٍّ مُقابِلِ خَيْرٍ إلى ذِمَّةٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ مَن لا يُؤْخَذُ مِنهُ، ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿قَلِيلُونَ﴾ صِفَةُ (شِرْذِمَةٌ) وكانَ الظّاهِرُ (قَلِيلَةٌ) إلّا أنَّهُ جُمِعَ بِاعْتِبارِ أنَّ الشِّرْذِمَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْباطٍ كُلِّ سِبْطٍ مِنهم قَلِيلٌ، وقَدْ بالَغَ اللَّعِينُ في قِلَّتِهِمْ حَيْثُ ذَكَرَهم أوَّلًا بِاسْمٍ دالٍّ عَلى القِلَّةِ وهو (شِرْذِمَةٌ) ثُمَّ وصَفَهم بِالقِلَّةِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ كُلِّ حِزْبٍ مِنهُمْ، وأتى بِجَمْعِ السَّلامَةِ - وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ دالٌّ عَلى القِلَّةِ - واسْتَقَلَّهم بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِهِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا لا يُعَدُّ فِيهِمُ ابْنُ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ ولا ابْنُ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ صفحة 82 حِصانٍ، وقِيلَ: أرْسَلَ فِرْعَوْنُ في أثَرِهِمْ ألْفَ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةِ ألْفِ مَلِكٍ مُسَوَّرٍ، مَعَ كُلِّ مَلِكٍ ألْفٌ، وخَرَجَ هو في جَمْعٍ عَظِيمٍ، وكانَتْ مُقَدَّمَتُهُ سَبْعَمِائَةِ ألْفِ رَجُلٍ، كُلُّ رَجُلٍ عَلى حِصانٍ، وعَلى رَأْسِهِ بَيْضَةٌ، وهم كانُوا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، وأنا أقُولُ: إنَّهم كانُوا أقَلَّ مِن عَساكِرِ فِرْعَوْنَ، ولا أجْزِمُ بِعَدَدٍ في كِلا الجَمْعَيْنِ، والأخْبارُ في ذَلِكَ لا تَكادُ تَصِحُّ، وفِيها مُبالَغاتٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ اليَهُودِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا حِينَ خَرَجُوا مِن مِصْرَ سِتَّمِائَةِ ألْفِ رَجُلٍ خَلا الأطْفالَ، وهو صَرِيحُ ما في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ الذِّلَّةُ لا قِلَّةُ العَدَدِ، بَلْ هي مُسْتَفادَةٌ مِن (شِرْذِمَةٌ) يَعْنِي أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ أذِلّاءُ لا يُبالى بِهِمْ، ولا يُتَوَقَّعُ غَلَبَتُهُمْ، وقِيلَ: الذِّلَّةُ مَفْهُومَةٌ مِن (شِرْذِمَةٌ) بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنها بَقِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ خَسِيسٍ، أوِ السَّفَلَةُ مِنَ النّاسِ وقَلِيلُونَ إمّا صِفَةٌ لَها، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ(إنَّ) والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:54

﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَأسْرى بِهِمْ، وأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ فَأرْسَلَ ﴿فِي المَدائِنِ﴾ أيْ: مَدائِنِ مِصْرَ ﴿حاشِرِينَ﴾ جامِعِينَ لِلْعَساكِرِ لِيَتْبَعُوهم ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والكَلامُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ، أيْ: قائِلًا: إنَّ هَؤُلاءِ ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ أيْ: طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: هي السَّفَلَةُ مِنهُمْ، وقِيلَ: بَقِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ خَسِيسٍ، ومِنهُ ثَوْبٌ شِرْذامٌ وشِرْذامَةٌ، أيْ: خَلَقٌ مُقَطَّعٌ، قالَ الرّاجِزُ: جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقُ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنهُ التَّوّاقُ وقُرِئَ «لَشَرِّ ذِمَّةٍ» بِإضافَةِ شَرٍّ مُقابِلِ خَيْرٍ إلى ذِمَّةٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ مَن لا يُؤْخَذُ مِنهُ، ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿قَلِيلُونَ﴾ صِفَةُ (شِرْذِمَةٌ) وكانَ الظّاهِرُ (قَلِيلَةٌ) إلّا أنَّهُ جُمِعَ بِاعْتِبارِ أنَّ الشِّرْذِمَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْباطٍ كُلِّ سِبْطٍ مِنهم قَلِيلٌ، وقَدْ بالَغَ اللَّعِينُ في قِلَّتِهِمْ حَيْثُ ذَكَرَهم أوَّلًا بِاسْمٍ دالٍّ عَلى القِلَّةِ وهو (شِرْذِمَةٌ) ثُمَّ وصَفَهم بِالقِلَّةِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ كُلِّ حِزْبٍ مِنهُمْ، وأتى بِجَمْعِ السَّلامَةِ - وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ دالٌّ عَلى القِلَّةِ - واسْتَقَلَّهم بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِهِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا لا يُعَدُّ فِيهِمُ ابْنُ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ ولا ابْنُ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ صفحة 82 حِصانٍ، وقِيلَ: أرْسَلَ فِرْعَوْنُ في أثَرِهِمْ ألْفَ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةِ ألْفِ مَلِكٍ مُسَوَّرٍ، مَعَ كُلِّ مَلِكٍ ألْفٌ، وخَرَجَ هو في جَمْعٍ عَظِيمٍ، وكانَتْ مُقَدَّمَتُهُ سَبْعَمِائَةِ ألْفِ رَجُلٍ، كُلُّ رَجُلٍ عَلى حِصانٍ، وعَلى رَأْسِهِ بَيْضَةٌ، وهم كانُوا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، وأنا أقُولُ: إنَّهم كانُوا أقَلَّ مِن عَساكِرِ فِرْعَوْنَ، ولا أجْزِمُ بِعَدَدٍ في كِلا الجَمْعَيْنِ، والأخْبارُ في ذَلِكَ لا تَكادُ تَصِحُّ، وفِيها مُبالَغاتٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ اليَهُودِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا حِينَ خَرَجُوا مِن مِصْرَ سِتَّمِائَةِ ألْفِ رَجُلٍ خَلا الأطْفالَ، وهو صَرِيحُ ما في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ الذِّلَّةُ لا قِلَّةُ العَدَدِ، بَلْ هي مُسْتَفادَةٌ مِن (شِرْذِمَةٌ) يَعْنِي أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ أذِلّاءُ لا يُبالى بِهِمْ، ولا يُتَوَقَّعُ غَلَبَتُهُمْ، وقِيلَ: الذِّلَّةُ مَفْهُومَةٌ مِن (شِرْذِمَةٌ) بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنها بَقِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ خَسِيسٍ، أوِ السَّفَلَةُ مِنَ النّاسِ وقَلِيلُونَ إمّا صِفَةٌ لَها، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ(إنَّ) والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:55

﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ لَفاعِلُونَ ما يَغِيظُنا مِن مُخالَفَةِ أمْرِنا، والخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِنا، مَعَ ما عِنْدَهم مِن أمْوالِنا المُسْتَعارَةِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ مِنَ القِبْطِ فاسْتَعارُوهُ وخَرَجُوا بِهِ، وتَقْدِيمُ (لَنا) لِلْحَصْرِ والفاصِلَةِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ أوْ تَنْزِيلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أيْ: إنّا لَجَمْعٌ مِن عاداتِنا الحَذَرُ والِاحْتِرازُ، واسْتِعْمالُ الحَزْمِ في الأُمُورِ، أشارَ أوَّلًا إلى عَدَمِ ما يَمْنَعُ اتِّباعَهم مِن شَوْكَتِهِمْ، ثُمَّ إلى تَحْقِيقِ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِن فَرْطِ عَداوَتِهِمْ، ووُجُوبِ التَّيَقُّظِ في شَأْنِهِمْ؛ حَثًّا عَلَيْهِ أوِ اعْتِذارًا بِذَلِكَ إلى أهْلِ المَدائِنِ؛ كَيْلا يُظَنَّ بِهِ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - ما يَكْسِرُ سُلْطانَهُ. وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرُهم «حَذِرُونَ» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ (حاذِرٍ) بِالألِفِ و(حَذِرٍ) بِدُونِها بِأنَّ الأوَّلَ اسْمُ فاعِلٍ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ، والثّانِيَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تُفِيدُ الثَّباتَ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّ الحَذِرَ مَن كانَ الحَذَرُ في خِلْقَتِهِ فَهو مُتَيَقِّظٌ مُنْتَبِهٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ حَذِرًا يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ وأنَّهُ يَعْمَلُ كَما يَعْمَلُ حاذِرٌ فَيَنْصِبُ المَفْعُولَ بِهِ، وأنْشَدَ: حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ وقَدْ نُوزِعَ في ذَلِكَ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ وغَيْرِهِمْ أنَّ الحاذِرَ التّامُّ السِّلاحِ، وفَسَّرُوا ما في الآيَةِ بِذَلِكَ، وكَأنَّهُ بِمَعْنى صاحِبِ حَذَرٍ، وهي آلَةُ الحَرْبِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَجازًا، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ . وقَرَأ سَمِيطُ بْنُ عَجْلانَ، وابْنُ أبِي عَمّارٍ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: «حادِرُونَ» بِالألِفِ والدّالِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ حَدْرَةٌ أيْ: عَظِيمَةٌ، وفُلانٌ حادِرٌ أيْ: مُتَوَرِّمٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا وأنَفَةً، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: الحادِرُ السَّمِينُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: أقْوِياءُ أشِدّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أحَبَّ الصَّبِيُّ السُّوءَ مِن أجْلِ أُمِّهِ ∗∗∗ وأبْغَضَهُ مَن بَغَضَها وهو حادِرُ وقِيلَ: المَعْنى: تامُّو السِّلاحِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - أيْضًا - أخْذًا مِنَ الحَدارَةِ بِمَعْنى الجَسامَةِ والقُوَّةِ، فَإنَّ تامَّ السِّلاحِ يَتَقَوّى بِهِ كَما يَتَقَوّى بِأعْضائِهِ، و(جَمِيعٌ) عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ والمَعانِي بِمَعْنى الجَمْعِ، ولَيْسَتِ الَّتِي يُؤَكَّدُ بِها كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ المُؤَكِّدَةَ لَنُصِبَتْ.

الشعراء 26:56

﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ لَفاعِلُونَ ما يَغِيظُنا مِن مُخالَفَةِ أمْرِنا، والخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِنا، مَعَ ما عِنْدَهم مِن أمْوالِنا المُسْتَعارَةِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ مِنَ القِبْطِ فاسْتَعارُوهُ وخَرَجُوا بِهِ، وتَقْدِيمُ (لَنا) لِلْحَصْرِ والفاصِلَةِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ أوْ تَنْزِيلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أيْ: إنّا لَجَمْعٌ مِن عاداتِنا الحَذَرُ والِاحْتِرازُ، واسْتِعْمالُ الحَزْمِ في الأُمُورِ، أشارَ أوَّلًا إلى عَدَمِ ما يَمْنَعُ اتِّباعَهم مِن شَوْكَتِهِمْ، ثُمَّ إلى تَحْقِيقِ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِن فَرْطِ عَداوَتِهِمْ، ووُجُوبِ التَّيَقُّظِ في شَأْنِهِمْ؛ حَثًّا عَلَيْهِ أوِ اعْتِذارًا بِذَلِكَ إلى أهْلِ المَدائِنِ؛ كَيْلا يُظَنَّ بِهِ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - ما يَكْسِرُ سُلْطانَهُ. وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرُهم «حَذِرُونَ» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ (حاذِرٍ) بِالألِفِ و(حَذِرٍ) بِدُونِها بِأنَّ الأوَّلَ اسْمُ فاعِلٍ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ، والثّانِيَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تُفِيدُ الثَّباتَ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّ الحَذِرَ مَن كانَ الحَذَرُ في خِلْقَتِهِ فَهو مُتَيَقِّظٌ مُنْتَبِهٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ حَذِرًا يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ وأنَّهُ يَعْمَلُ كَما يَعْمَلُ حاذِرٌ فَيَنْصِبُ المَفْعُولَ بِهِ، وأنْشَدَ: حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ وقَدْ نُوزِعَ في ذَلِكَ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ وغَيْرِهِمْ أنَّ الحاذِرَ التّامُّ السِّلاحِ، وفَسَّرُوا ما في الآيَةِ بِذَلِكَ، وكَأنَّهُ بِمَعْنى صاحِبِ حَذَرٍ، وهي آلَةُ الحَرْبِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَجازًا، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ . وقَرَأ سَمِيطُ بْنُ عَجْلانَ، وابْنُ أبِي عَمّارٍ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: «حادِرُونَ» بِالألِفِ والدّالِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ حَدْرَةٌ أيْ: عَظِيمَةٌ، وفُلانٌ حادِرٌ أيْ: مُتَوَرِّمٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا وأنَفَةً، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: الحادِرُ السَّمِينُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: أقْوِياءُ أشِدّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أحَبَّ الصَّبِيُّ السُّوءَ مِن أجْلِ أُمِّهِ ∗∗∗ وأبْغَضَهُ مَن بَغَضَها وهو حادِرُ وقِيلَ: المَعْنى: تامُّو السِّلاحِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - أيْضًا - أخْذًا مِنَ الحَدارَةِ بِمَعْنى الجَسامَةِ والقُوَّةِ، فَإنَّ تامَّ السِّلاحِ يَتَقَوّى بِهِ كَما يَتَقَوّى بِأعْضائِهِ، و(جَمِيعٌ) عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ والمَعانِي بِمَعْنى الجَمْعِ، ولَيْسَتِ الَّتِي يُؤَكَّدُ بِها كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ المُؤَكِّدَةَ لَنُصِبَتْ.

الشعراء 26:57

﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، أيْ: خَلَقْنا فِيهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ بِهَذا صفحة 83 السَّبَبِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الثَّلاثُ فَحَمْلَتْهم عَلَيْهِ، أوْ خَلَقْنا خُرُوجَهم ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ كانَتْ لَهم بِحافَتَيِ النِّيلِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ - ﴿وكُنُوزٍ﴾ أيْ: أمْوالٍ كَنَزُوها وخَزَنُوها تَحْتَ الأرْضِ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ أُمُورٌ لازِمَةٌ لَهُمْ؛ لِأنَّها مِن ضَرُورِيّاتِ مَعاشِهِمْ، فَإخْراجُهم عَنْها مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ أمْوالَهُمُ الظّاهِرَةَ قَدِ انْطَمَسَتْ بِالتَّدْمِيرِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْراجَ قَبْلَ الِانْطِماسِ إذْ مِن جُمْلَةِ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ الجَنّاتُ، والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم أُخْرِجُوا مِنها بِعُنْوانِ كَوْنِها جَنّاتٍ، والأصْلُ فِيهِ الحَقِيقَةُ. وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّهُ بَعْدُ يَرِدُ أنَّ المُدَمَّرَ ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ، وهو مُفَسَّرٌ بِالقُصُورِ والعِماراتِ والجِنانِ، فَيَبْقى ما سِوى ذَلِكَ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالتَّدْمِيرِ مِنَ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّهم أُخْرِجُوا مِنهُ أيْضًا، فَيَحْتاجُ تَوْجِيهُ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكُنُوزِ أمْوالُهُمُ الباطِنَةُ والظّاهِرَةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ؛ لِأنَّها لَمْ يُنْفَقْ مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِاللُّغَةِ. وأكْثَرُ جَهَلَةِ أهْلِ مِصْرَ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الكُنُوزَ في المُقَطَّمِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وأنَّها مَوْجُودَةٌ إلى الآنِ، وقَدْ بَذَلُوا عَلى إخْراجِها أمْوالًا كَثِيرَةً لِشَياطِينِ المَغارِبَةِ وغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا إلّا بِالتُّرابِ أوْ حَجَرِ الكَذّانِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الذَّهَبِ وهو خِلافُ المُتَبادَرِ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ الضَّحّاكُ مِن أنَّ المُرادَ بِالكُنُوزِ الأنْهارُ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ هي المَساكِنُ الحِسانُ كَما قالَ النَّقّاشُ، وعَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ أنَّها كانَتْ بِالفَيُّومِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والأشْرافِ والحُكّامِ الَّتِي تُحِفُّها الأتْباعُ، وقِيلَ: الأسِرَّةُ في الكِلَلِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها مَرابِطُ الخَيْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّها المَنابِرُ لِلْخُطَباءِ، وقَرَأ قَتادَةُ والأعْرَجُ «ومُقامٍ» بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ.

الشعراء 26:58

﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، أيْ: خَلَقْنا فِيهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ بِهَذا صفحة 83 السَّبَبِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الثَّلاثُ فَحَمْلَتْهم عَلَيْهِ، أوْ خَلَقْنا خُرُوجَهم ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ كانَتْ لَهم بِحافَتَيِ النِّيلِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ - ﴿وكُنُوزٍ﴾ أيْ: أمْوالٍ كَنَزُوها وخَزَنُوها تَحْتَ الأرْضِ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ أُمُورٌ لازِمَةٌ لَهُمْ؛ لِأنَّها مِن ضَرُورِيّاتِ مَعاشِهِمْ، فَإخْراجُهم عَنْها مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ أمْوالَهُمُ الظّاهِرَةَ قَدِ انْطَمَسَتْ بِالتَّدْمِيرِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْراجَ قَبْلَ الِانْطِماسِ إذْ مِن جُمْلَةِ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ الجَنّاتُ، والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم أُخْرِجُوا مِنها بِعُنْوانِ كَوْنِها جَنّاتٍ، والأصْلُ فِيهِ الحَقِيقَةُ. وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّهُ بَعْدُ يَرِدُ أنَّ المُدَمَّرَ ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ، وهو مُفَسَّرٌ بِالقُصُورِ والعِماراتِ والجِنانِ، فَيَبْقى ما سِوى ذَلِكَ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالتَّدْمِيرِ مِنَ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّهم أُخْرِجُوا مِنهُ أيْضًا، فَيَحْتاجُ تَوْجِيهُ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكُنُوزِ أمْوالُهُمُ الباطِنَةُ والظّاهِرَةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ؛ لِأنَّها لَمْ يُنْفَقْ مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِاللُّغَةِ. وأكْثَرُ جَهَلَةِ أهْلِ مِصْرَ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الكُنُوزَ في المُقَطَّمِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وأنَّها مَوْجُودَةٌ إلى الآنِ، وقَدْ بَذَلُوا عَلى إخْراجِها أمْوالًا كَثِيرَةً لِشَياطِينِ المَغارِبَةِ وغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا إلّا بِالتُّرابِ أوْ حَجَرِ الكَذّانِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الذَّهَبِ وهو خِلافُ المُتَبادَرِ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ الضَّحّاكُ مِن أنَّ المُرادَ بِالكُنُوزِ الأنْهارُ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ هي المَساكِنُ الحِسانُ كَما قالَ النَّقّاشُ، وعَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ أنَّها كانَتْ بِالفَيُّومِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والأشْرافِ والحُكّامِ الَّتِي تُحِفُّها الأتْباعُ، وقِيلَ: الأسِرَّةُ في الكِلَلِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها مَرابِطُ الخَيْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّها المَنابِرُ لِلْخُطَباءِ، وقَرَأ قَتادَةُ والأعْرَجُ «ومُقامٍ» بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ.

الشعراء 26:59

﴿كَذَلِكَ﴾ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إخْراجًا مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْنا، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ، أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(مَقامٍ) أيْ: مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهُمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ - كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ - لِما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والمُرادُ تَقْرِيرُ الأمْرِ وتَحْقِيقُهُ، واخْتارَ هَذا الطِّيبِيُّ فَقالَ: هو أقْوى الوُجُوهِ لِيَكُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ - أيْ مَلَّكْناها لَهم تَمْلِيكَ الإرْثِ - عَطْفًا عَلَيْهِ، والجُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ والمَعْطُوفِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ لِأنَّ الإتْباعَ عَقِبَ الإخْراجِ لا الإيراثِ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَأعْطاهم جَمِيعَ ما كانَ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأمْوالِ والعَقارِ والمَساكِنِ، وعَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ يَكُونُ (أوْرَثْنا) عَطْفًا عَلى (أخْرَجْنا) ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ، نَحْوِ: فَأرَدْنا إخْراجَهم وإيراثَ بَنِي إسْرائِيلَ دِيارَهم فَخَرَجُوا وأتْبَعُوهُمُ، انْتَهى. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ جُمْلَةَ ( أوْرَثْناها ) إلَخْ، مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأوْجُهِ، وما ذُكِرَ عَنِ الواحِدِيِّ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ظاهِرُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ بَعْدَ الغَرَقِ مِن غَيْرِ تَطاوُلِ مُدَّةٍ. وأظْهَرُ مِنهُ في هَذا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كَما عَبَرُوا البَحْرَ ورَجَعُوا ووَرِثُوا دِيارَهم وأمْوالَهُمْ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّهم رَجَعُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَقُوا مَعَهُ في مِصْرَ عَشْرَ سِنِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ بَعْضُهم بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ وهُمُ الَّذِينَ أُورِثُوا أمْوالَ القِبْطِ، وذَهَبَ الباقُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أرْضِ الشّامِ. صفحة 84 وقِيلَ: إنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ ذَهَبُوا إلى الشّامِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِصْرَ في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَلَكُوها زَمَنَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَذْكُورُ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ صَرِيحٌ في أنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ تَوَجَّهُوا إلى أرْضِ الشّامِ، وقَدْ فُصِّلَتْ قِصَّةُ ذَهابِهِمْ إلَيْها، وأكْثَرُ التَّوارِيخِ عَلى هَذا، وظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ تَقْتَضِي ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومَعْنى (أتْبَعُوهُمْ) لَحِقُوهم يُقالُ: تَبِعْتُ القَوْمَ فَأتْبَعْتُهم أيْ: تَلَوْتُهم فَلَحِقْتُهُمْ، كَأنَّ المَعْنى: فَجَعَلْتُهم تابِعِينَ لِي بَعْدَما كُنْتُ تابِعًا لَهم مُبالَغَةً في اللُّحُوقِ، وضَمِيرُ الفاعِلِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ والمَفْعُولِ لِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَرَأ الحَسَنُ (فاتَّبَعُوهُمْ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وشَدِّ التّاءِ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، أيْ: طُلُوعِها، مِن (أشْرَقَ زَيْدٌ) دَخَلَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، كَأصْبَحَ دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ، وأمْسى دَخَلَ في وقْتِ المَساءِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن أشْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّرْقِ) كَأنْجَدَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ نَجْدٍ) وأعْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ العِراقِ) أيْ: فاتَّبَعُوهم مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ الشَّرْقِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى عَلى القِبْطِ المَوْتَ لَيْلَةَ خَرَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِقَوْمِهِ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهم فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ بِدَفْنِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ومِثْلُ ذَلِكَ في التَّوْراةِ بِزِيادَةِ مَوْتِ أبْكارِ بَهائِمِهِمْ أيْضًا، والوَصْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ. ومَعْنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾ في ضِياءٍ، بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في ضِياءٍ، وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في ضَبابٍ وظُلْمَةٍ، تَحَيَّرُوا فِيها حَتّى جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ، ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى:

الشعراء 26:60

﴿كَذَلِكَ﴾ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إخْراجًا مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْنا، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ، أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(مَقامٍ) أيْ: مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهُمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ - كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ - لِما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والمُرادُ تَقْرِيرُ الأمْرِ وتَحْقِيقُهُ، واخْتارَ هَذا الطِّيبِيُّ فَقالَ: هو أقْوى الوُجُوهِ لِيَكُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ - أيْ مَلَّكْناها لَهم تَمْلِيكَ الإرْثِ - عَطْفًا عَلَيْهِ، والجُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ والمَعْطُوفِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ لِأنَّ الإتْباعَ عَقِبَ الإخْراجِ لا الإيراثِ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَأعْطاهم جَمِيعَ ما كانَ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأمْوالِ والعَقارِ والمَساكِنِ، وعَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ يَكُونُ (أوْرَثْنا) عَطْفًا عَلى (أخْرَجْنا) ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ، نَحْوِ: فَأرَدْنا إخْراجَهم وإيراثَ بَنِي إسْرائِيلَ دِيارَهم فَخَرَجُوا وأتْبَعُوهُمُ، انْتَهى. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ جُمْلَةَ ( أوْرَثْناها ) إلَخْ، مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأوْجُهِ، وما ذُكِرَ عَنِ الواحِدِيِّ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ظاهِرُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ بَعْدَ الغَرَقِ مِن غَيْرِ تَطاوُلِ مُدَّةٍ. وأظْهَرُ مِنهُ في هَذا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كَما عَبَرُوا البَحْرَ ورَجَعُوا ووَرِثُوا دِيارَهم وأمْوالَهُمْ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّهم رَجَعُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَقُوا مَعَهُ في مِصْرَ عَشْرَ سِنِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ بَعْضُهم بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ وهُمُ الَّذِينَ أُورِثُوا أمْوالَ القِبْطِ، وذَهَبَ الباقُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أرْضِ الشّامِ. صفحة 84 وقِيلَ: إنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ ذَهَبُوا إلى الشّامِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِصْرَ في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَلَكُوها زَمَنَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَذْكُورُ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ صَرِيحٌ في أنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ تَوَجَّهُوا إلى أرْضِ الشّامِ، وقَدْ فُصِّلَتْ قِصَّةُ ذَهابِهِمْ إلَيْها، وأكْثَرُ التَّوارِيخِ عَلى هَذا، وظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ تَقْتَضِي ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومَعْنى (أتْبَعُوهُمْ) لَحِقُوهم يُقالُ: تَبِعْتُ القَوْمَ فَأتْبَعْتُهم أيْ: تَلَوْتُهم فَلَحِقْتُهُمْ، كَأنَّ المَعْنى: فَجَعَلْتُهم تابِعِينَ لِي بَعْدَما كُنْتُ تابِعًا لَهم مُبالَغَةً في اللُّحُوقِ، وضَمِيرُ الفاعِلِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ والمَفْعُولِ لِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَرَأ الحَسَنُ (فاتَّبَعُوهُمْ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وشَدِّ التّاءِ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، أيْ: طُلُوعِها، مِن (أشْرَقَ زَيْدٌ) دَخَلَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، كَأصْبَحَ دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ، وأمْسى دَخَلَ في وقْتِ المَساءِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن أشْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّرْقِ) كَأنْجَدَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ نَجْدٍ) وأعْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ العِراقِ) أيْ: فاتَّبَعُوهم مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ الشَّرْقِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى عَلى القِبْطِ المَوْتَ لَيْلَةَ خَرَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِقَوْمِهِ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهم فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ بِدَفْنِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ومِثْلُ ذَلِكَ في التَّوْراةِ بِزِيادَةِ مَوْتِ أبْكارِ بَهائِمِهِمْ أيْضًا، والوَصْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ. ومَعْنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾ في ضِياءٍ، بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في ضِياءٍ، وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في ضَبابٍ وظُلْمَةٍ، تَحَيَّرُوا فِيها حَتّى جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ، ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى:

الشعراء 26:61

﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ: تَقارَبا بِحَيْثُ رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ. نَعَمْ، ذُكِرَ في التَّوْراةِ ما حاصِلُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا كانَ أمامَهم نَهارًا عَمُودٌ مِن غَمامٍ ولَيْلًا عَمُودٌ مِن نارٍ؛ لِيَدُلَّهم ذَلِكَ عَلى الطَّرِيقِ، فَلَمّا طَلَبَهم فِرْعَوْنُ ورَأوْا جُنُودَهُ خافُوا جِدًّا، ولامُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الخُرُوجِ، وقالُوا لَهُ: أمِن عَدَمِ القُبُورِ بِمِصْرَ أخْرَجْتَنا لِنَمُوتَ في البَرِّ؟! أما قُلْنا لَكَ: دَعْنا نَخْدِمِ المِصْرِيِّينَ فَهو خَيْرٌ مِن مَوْتِنا في البَرِّ؟! فَقالَ لَهم مُوسى: لا تَخافُوا وانْظُرُوا إغاثَةَ اللَّهِ تَعالى لَكُمْ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ فَتَحَوَّلَ عَمُودُ الغَمامِ إلى ورائِهِمْ، وصارَ بَيْنَهم وبَيْنَ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، ودَخَلَ اللَّيْلُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ أحَدٌ مِن جُنُودِ فِرْعَوْنَ طُولَ اللَّيْلِ، وشُقَّ البَحْرُ، ثُمَّ دَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ولَيْسَ في هَذا ما يُصَحِّحُ أمْرَ الحالِيَّةِ المَذْكُورَةِ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ «تَرا» بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلى مَذْهَبِ التَّخْفِيفِ بَيْنَ بَيْنَ، ولا يَصِحُّ تَحْقِيقُها بِالقَلْبِ لِلُزُومِ ثَلاثِ ألِفاتٍ مُتَّسِقَةٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أبَدًا، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ حَمْزَةُ «تَرِيئِي» بِكَسْرِ الرّاءِ وبِمَدٍّ ثُمَّ بِهَمْزٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عاصِمٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا «تَراءى» بِالفَتْحِ والمَدِّ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ الإقْناعِ: ﴿تَراءى الجَمْعانِ﴾ في الشُّعَراءِ إذا وقَفَ عَلَيْها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ أمالا الألِفَ المُنْقَلِبَةَ عَنْ لامِ الفِعْلِ، وحَمْزَةُ يَمِيلُ ألِفَ تَفاعَلَ وصْلًا ووَقْفًا كَإمالَةِ الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، وقُرِئَ «فَلَمّا تَراءَتِ» الفِئَتانِ. ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: لَمُلْحَقُونَ، جاؤُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكَّدَةً بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الإدْراكِ واللَّحاقِ وتَنْجِيزِهِما، وأرادُوا بِذَلِكَ التَّحَزُّنَ وإظْهارَ الشَّكْوى؛ طَلَبًا لِلتَّدْبِيرِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: (لَمُدَّرِكُونَ) بِفَتْحِ الدّالِّ مُشَدَّدَةً وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الِادِّراكِ بِمَعْنى الفَناءِ والِاضْمِحْلالِ، يُقالُ: ادَّرَكَ الشَّيْءُ إذا فَنِيَ تَتابُعًا، وأصْلُهُ التَّتابُعُ، وهو ذَهابُ أحَدٍ عَلى أثَرِ آخَرَ، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ بِمَعْنى الهَلاكِ، وأنْ يَفْنى شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَذْهَبَ جَمِيعُهُ، وقَدْ جاءَ التَّتابُعُ بِهَذا المَعْنى في قَوْلِ الحَماسِيِّ: صفحة 85 أبَعْدَ بَنِي أُمَّيِ الَّذِينَ تَتابَعُوا أرْجى حَياةً أمْ مِنَ المَوْتِ أجْزَعُ والمَعْنى: إنّا لَهالِكُونَ عَلى أيْدِيهِمْ شَيْئًا فَشَيْئًا.

الشعراء 26:62

﴿قالَ﴾ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدْعًا لَهم عَنْ ذَلِكَ وإرْشادًا إلى أنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يُغْنِي عَنْ تَدْبِيرِهِ: ﴿كَلا﴾ لَنْ يُدْرِكُوكم ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ قَرِيبًا إلى ما فِيهِ نَجاتُكم مِنهم ونَصْرُكم عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُشْرِكْهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَعِيَّةِ والهِدايَةِ إخْراجًا لِلْكَلامِ عَلى حَسَبِ ما أشارُوا إلَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ مِن طَلَبِ التَّدْبِيرِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الأصْلَ، وغَيْرُهُ تَبَعٌ لَهُ مَحْفُوظُونَ مَنصُورُونَ بِواسِطَتِهِ وشَرَفِهِ وكَرامَتِهِ قالَ: ( مَعِي ) دُونَ (مَعَنا) وكَذا قالَ: ( سَيَهْدِينِ ) دُونَ سَيَهْدِينا، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ جَزاءً لَهم عَلى غَفْلَتِهِمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ حَتّى خافُوا فَقالُوا ما قالُوا، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهم سَمِعُوا ذَلِكَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُدَّةِ بَقائِهِمْ مَعَهُ في مِصْرَ، أوْ غَفْلَتِهِمْ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ حِينَ كانُوا مَعَ القِبْطِ في مِصْرَ، حَيْثُ لَمْ يُصِبْهم ما أصابَهم مِنَ الدَّمِ ونَحْوِهِ مِنَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ بِواسِطَةِ حُسْنِ الظَّنِّ إنْجاءَهم مِنهم حِينَ أُمِرُوا بِالخُرُوجِ فَلَحِقُوهُمْ، وكانَ تَأْدِيبُهُ لَهم عَلى ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ إشْراكِهِمْ فِيما ذُكِرَ لا أنَّهُ نَفاهُ عَنْهم كَما يُتَوَهَّمُ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ، فَإنَّ تَقْدِيمَهُ لِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ المَعِيَّةِ الَّتِي هي مَدارُ النَّجاةِ المَطْلُوبَةِ، وقِيلَ: لِلْحَصْرِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْعَوْنَ وجَمْعِهِ، وقِيلَ عَلى القَوْلِ الثّانِي في تَوْجِيهِ عَدَمِ إشْراكِهِمْ: إنَّهُ لِلْحَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أيْضًا، عَلى مَعْنى: إنَّ مَعِيَ أوَّلًا وبِالذّاتِ رَبِّي لا مَعَكم كَذَلِكَ، وقِيلَ: قُدِّمَتِ المَعِيَّةُ هُنا وأُخِّرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ لِأنَّ المُخاطَبَ هُنا بَنُو إسْرائِيلَ، وهم أغْبِياءُ يَعْرِفُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ النَّظَرِ والسَّماعِ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُخاطَبُ هُناكَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو مِمَّنْ يَرى اللَّهَ تَعالى قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ولِاخْتِلافِ المَقامِ نَظَمَ نَبِيُّنا ﷺ صاحِبَهُ مَعَهُ في المَعِيَّةِ، ولَمْ يُقَدِّمْ لَهُ رَدْعًا وزَجْرًا، وخاطَبَهُ عَلى نَحْوِ مُخاطَبَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ تَسْلِيَتِهِ بِما صُورَتُهُ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ، وأتى بِالِاسْمِ الجامِعِ، وهو لَفْظُ اللَّهِ دُونَ اسْمٍ مُشْعِرٍ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ مَثَلًا، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُخاطَبَتُهُ لِقَوْمِهِ عَلى هَذا الطِّرْزِ، وسُبْحانَ مِن فَضَّلَ بَعْضَ العالَمِينَ عَلى بَعْضٍ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ مَعِي وعْدَ رَبِّي، ولِذَلِكَ قالَ: ( مَعِي ) دُونَ (مَعَنا) وفِيهِ ما فِيهِ.

الشعراء 26:63

﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ هو القُلْزُمُ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: بَحْرٌ مِن وراءِ مِصْرَ يُقالُ لَهُ أسافُ، وقِيلَ: النِّيلُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإيحاءَ كانَ بَعْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ، ولَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالضَّرْبِ يَوْمَ الأمْرِ بِالإسْراءِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لَمّا انْتَهى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَنُو إسْرائِيلَ إلى البَحْرِ قالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أيْنَ أُمِرْتَ فَإنَّ البَحْرَ أمامَكَ وقَدْ غَشِيَنا آلُ فِرْعَوْنَ؟ فَقالَ: أُمِرْتُ بِالبَحْرِ، فاقْتَحَمَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ فَرَسُهُ فَرَدَّهُ التَّيّارُ، فَجَعَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أوْحى إلى البَحْرِ أنْ أطِعْ مُوسى، وآيَةُ ذَلِكَ إذا ضَرَبَكَ بِعَصاهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى (أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ). وأخْرَجَ أيْضًا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ مُوسى لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ أقْبَلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى فَرَسِهِ فَمَشى عَلى الماءِ، واقْتَحَمَ غَيْرُهُ خُيُولُهم فَرَسَوْا في الماءِ، وقالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَغَشِيَتْهم ضَبابَةٌ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى (أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ) وأوْحى إلى البَحْرِ (أنِ اسْمَعْ لِمُوسى وأطِعْ صفحة 86 إذا ضَرَبَكَ) فَباتَ البَحْرُ لَهُ أفْكَلٌ أيْ رِعْدَةٌ لا يَدْرِي مِن أيِّ جَوانِبِهِ يَضْرِبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ قالَ: يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ، والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، اجْعَلْ لَنا مَخْرَجًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ (أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ). ورَوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، وإلَيْكَ المُشْتَكى، وإلَيْكَ المُسْتَغاثُ، وأنْتَ المُسْتَعانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ». وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ مِن رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ حِينَ الِانْفِلاقِ ﴿فانْفَلَقَ﴾ أيْ: فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ، فالفاءُ فَصِيحَةٌ، وزَعَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ المَحْذُوفَ هو (ضَرَبَ) وفاءُ (انْفَلَقَ) والفاءُ المَوْجُودَةُ هي فاءُ (ضَرَبَ) وهَذا أشْبَهُ شَيْءٍ بَلَغْيِ العَصافِيرِ، وكَأنَّهُ كانَ سَكْرانَ حِينَ قالَهُ، وفي هَذا الحَذْفِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ امْتِثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما أُمِرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالضَّرْبِ فَضَرَبَ، وتَرَتَّبَ الِانْفِلاقُ عَلَيْهِ إعْظامًا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَعْلِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِهِ، ولَوْ شاءَ - عَزَّ وجَلَّ - لَفَلَقَهُ بِدُونِ ضَرْبِهِ بِالعَصا، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَنْفَلِقْ حَتّى كَنّاهُ بِأبِي خالِدٍ، فَقالَ: انْفَلِقْ أبا خالِدٍ، وكانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِذَلِكَ. وعَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ جاءَهُ قالَ لَهُ: انْفَلِقْ أبا خالِدٍ، فَقالَ: لَنْ أنْفَلِقَ لَكَ يا مُوسى، أنا أقْدَمُ مِنكَ وأشَدُّ خَلْقًا، فَنُودِيَ عِنْدَ ذَلِكَ (اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ) فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ انْتَهى إلَيْهِ قالَ: انْفَرِقْ، فَقالَ لَهُ: لَقَدِ اسْتَكْبَرْتَ يا مُوسى، وهَلِ انْفَرَقْتُ لِأحَدٍ مِن ولَدِ آدَمَ ؟! فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ (أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ) فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ. وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الخَطِيبُ في (المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ) عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضَرَبَهُ فَتَأطَّطَ كَما يَتَأطَّطُ العَرْشُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّانِيَةَ فَمِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّالِثَةَ فانْصَدَعَ،» وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الضَّرْبَ كانَ ثَلاثًا، وقِيلَ: ضَرَبَهُ مَرَّةً واحِدَةً فانْفَلَقَ، وقِيلَ: ضَرَبَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً فانْفَلَقَ في كُلِّ مَرَّةٍ عَنْ مَسْلَكٍ لِسِبْطٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كانَ البَحْرُ ساكِنًا لا يَتَحَرَّكُ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةَ ضَرَبَهُ مُوسى بِالعَصا صارَ يَمُدُّ ويَجْزِرُ، ولا أظُنُّ لِهَذا صِحَّةً، والظّاهِرُ أنَّ المَدَّ والجَزْرَ كانا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ اعْتِقادَ غَيْرِهِ، ومِثْلُ هَذا عِنْدِي كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ السّابِقَةِ، والأسْلَمُ الِاقْتِصارُ عَلى ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن أنَّهُ أوْحى سُبْحانَهُ إلى مُوسى (أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ) فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ. ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ أيْ: كالجَبَلِ المُنِيفِ الثّابِتِ في مَقَرِّهِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الطَّوْدَ مُطْلَقُ الجَبَلِ، وقالَ في الصِّحاحِ: الطَّوْدُ الجَبَلُ العَظِيمُ. والمُرادُ بِالفِرْقِ قِطْعَةٌ مِنَ الماءِ ارْتَفَعَتْ فَصارَ ما تَحْتَها كالسِّرْدابِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ - وحِينَئِذٍ لا إشْكالَ في قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الفُرُوقَ اثْنا عَشْرَةَ والمَسالِكَ كَذَلِكَ بِعِدَّةِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ سَلَكَ كُلُّ سِبْطٍ مِنهم في مَسْلَكٍ مِنها، والمَشْهُورُ أنَّ الفِرْقَ قِطْعَةٌ انْفَصَلَتْ مِنَ الماءِ عَمّا يُقابِلُها، وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى ذَلِكَ القَوْلُ بَلْ لا بُدَّ عَلَيْهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن كَوْنِ الفُرُوقِ ثَلاثَةَ عَشَرَ حَتّى يَحْصُلَ في خِلالِها اثْنا عَشَرَ مَسْلَكًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقِيلَ: إذا كانَتِ الفُرُوقُ اثْنَيْ عَشَرَ فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ المَسالِكُ ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ لِأنَّ الفِرْقَ الأوَّلَ والثّانِيَ عَشَرَ لا بُدَّ أنْ يَكُونا مُنْفَصِلَيْنِ عَمّا يُحاذِيهِما مِنَ البَحْرِ فَيَكُونُ بَيْنَ كُلٍّ مِنهُما وبَيْنَ ما يُحاذِيهِ مِنَ البَحْرِ مَسْلَكٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَسائِرِ المَسالِكِ بَيْنَ فِرْقَيْنِ، إذْ لَوِ اتَّصَلا لَمْ يُمَيَّزا عَنْهُ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ حِينَئِذٍ اثْنا عَشَرَ فِرْقًا بَلْ أقَلُّ، ولا بُعْدَ في أنْ يُخْتارَ كَوْنُ الفُرُوقِ اثْنَيْ عَشَرَ والمَسالِكِ ثَلاثَةَ عَشَرَ، بِجَعْلِ الفِرْقِ الأوَّلِ والثّانِي عَشَرَ مُنْفَصِلَيْنِ عَمّا يُحاذِيهِما مِنَ البَحْرِ بَيْنَ كُلٍّ صفحة 87 مِنهُما وبَيْنَهُ مَسْلَكٌ، ويُقالُ: إنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِنَ الأسْباطِ الِاثْنَيْ عَشَرَ سَلَكَ في مَسْلَكٍ وسَلَكَ في الثّالِثِ عَشَرَ مَن آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القِبْطِ، انْتَهى. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في الآثارِ أنَّ المَسالِكَ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وإنَّما المَذْكُورُ فِيها أنَّها اثْنا عَشَرَ، ومَنِ ادَّعى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والأبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ ما تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ، وأثَرُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ أعْظَمُ، وخَلْقُ الدّاعِيَةِ إلى سُلُوكِ ذَلِكَ في قُلُوبِ الدّاخِلِينَ - لا سِيَّما قَوْمِ فِرْعَوْنَ – أغْرَبُ، وكَذا الِاحْتِياجُ إلى الكُوى أظْهَرُ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: نَخافُ أنْ يَغْرَقَ بَعْضُنا ولا نَشْعُرُ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم كُوًى حَتّى يَرى بَعْضُهم بَعْضًا. نَعَمْ، قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ في بَعْضِ الآثارِ ما يَأْباهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ السَّرّاجُ في تارِيخِهِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ صاحِبَ الرَّدْمِ كَتَبَ إلى مُعاوِيَةَ يَسْألُهُ عَنْ أشْياءَ مِنها: مَكانٌ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ لَمْ تَطْلُعْ قَبْلُ ولا بَعْدُ فِيهِ؟ فَلَمْ يَعْلَمْ مُعاوِيَةُ جَوابَ ذَلِكَ، فَكَتَبَ يَسْألُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَأجابَ عَنْ كُلٍّ إلى أنْ قالَ: وأمّا المَكانُ الَّذِي طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ لَمْ تَطْلُعْ قَبْلُ ولا بَعْدُ فِيهِ فالمَكانُ الَّذِي انْفَلَقَ مِنَ البَحْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّ كَوْنَ الفِرْقِ مُقَبَّبًا كالسِّرْدابِ مانِعٌ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ وشُرُوقِها عَلى الأرْضِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ السُّؤالِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ - بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ - لا إباءَ لِجَوازِ شُرُوقِ الشَّمْسِ عَلى أرْضِ الفِرْقِ المُقَبَّبِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ مِن جِهَةِ المَدْخَلِ والمَخْرِجِ، أوْ شُرُوقُها عَلى أرْضِ البَحْرِ قَبْلَ التَّقْبِيبِ، ولَمْ يَتَعَرَّضِ المُفَسِّرُونَ هُنا - فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ - لِكَيْفِيَّةِ الِانْطِلاقِ، وقَدْ رَأيْتُ فِيما يُنْسَبُ إلى كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ أنَّهُ قَدْ ورَدَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا دَخَلُوا البَحْرَ خَرَجُوا مِنَ الجانِبِ الَّذِي دَخَلُوا مِنهُ، وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الِانْفِلاقِ خَطِّيًّا، وإنَّما يَتَأتّى عَلى كَوْنِهِ قَوْسِيًّا، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ في عِدَّةِ الفُرُوقِ والمَسالِكِ كَلامًا ظاهِرُهُ الِاخْتِلالُ، وقَدْ تَصَدّى بَعْضُ الفُضَلاءِ لِشَرْحِهِ وتَوْجِيهِهِ بِما لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، وحاصِلُ ما ذَكَرَهُ ذَلِكَ البَعْضُ - مَعَ زِيادَةٍ ما - أنَّهُ يُحْتَمَلُ إذا كانَ انْفِلاقُ البَحْرِ إلى اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا أنْ يَكُونَ الفِرْقُ الأوَّلُ والثّانِي عَشَرَ مُتَّصِلَيْنِ بِالبَرِّ الشَّطِّيِّ، بِأنْ يَكُونَ الماءُ الواقِعُ حِذاءَ كُلٍّ مِنهُما مِن جِهَةِ البَرِّ مُرْتَفِعًا ومُنْضَمًّا إلى كُلٍّ ومَعْدُودًا مِن أجْزائِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ الماءُ المُرْتَفِعُ المُنْضَمُّ والفِرْقُ الأصْلِيُّ المُنْضَمُّ إلَيْهِ فِرْقًا واحِدًا مُتَّصِلًا طَرَفُهُ بِالبَرِّ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِشَيْءٍ. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ المَسالِكُ أحَدَ عَشَرَ، فَيُحْتاجُ إلى سُلُوكِ سِبْطَيْنِ مَعًا، أوْ مُتَعاقِبًا في مَسْلَكٍ واحِدٍ أوْسَعَ مِن سائِرِ المَسالِكِ، أوْ مُساوٍ لَهُ، ولا خَفاءَ في أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ والمَأْثُورِ، وأيْضًا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مِنَ الفِرْقَيْنِ الأوَّلِ والثّانِي عَشَرَ أعْظَمَ غِلَظًا مِن كُلٍّ مِنَ البَواقِي لِما سَمِعْتَ مِنَ الِانْضِمامِ، والظّاهِرُ تَساوِيها فِيهِ، وأيْضًا يَلْزَمُ خُرُوجُ الماءِ المُلاصِقِ لِلْبَرِّ عَمّا الأصْلُ فِيهِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الماءُ الواقِعُ حِذاءَ كُلٍّ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي عَشَرَ مِن جِهَةِ البَرِّ مُرْتَفَعًا بِمَعْنى ذاهِبًا، ويَكُونُ الفِرْقانِ المَذْكُورانِ مُتَّصِلَيْنِ بِالبَرِّ بِاعْتِبارِ أنَّهُما مُتَّصِلانِ بِالمَسْلَكَيْنِ الظّاهِرَيْنِ مِن تَحْتِ الماءِ الذّاهِبِ المُتَّصِلَيْنِ بِالبَرِّ، ويَرِدُ عَلَيْهِ بَعْضُ ما ورَدَ عَلى سابِقِهِ، وبَقاءُ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ سِبْطَيْنِ بِلا حاجِبٍ لَهم عَنْ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ مِنَ الماءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مُنْفَصِلَيْنِ عَنِ البَرِّ بِأنْ يَبْقى الماءُ المُتَّصِلُ بِهِ عَلى حالِهِ بَحْرًا مِن غَيْرِ ارْتِفاعٍ، وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَسالِكُ ثَلاثَةَ عَشَرَ بِاعْتِبارِ انْكِشافِ الأرْضِ بَيْنَ الفِرْقِ الأوَّلِ والبَحْرِ الباقِي عَلى حالِهِ المُتَّصِلِ صفحة 88 بِالبَرِّ، فَيَكُونُ هَذا المَسْلَكُ خارِجَ الطَّوْدِ الأوَّلِ، وانْكِشافِها بَيْنَ الفِرْقِ الثّانِي عَشَرَ والبَحْرِ الباقِي عَلى حالَةِ المُتَّصِلِ بِالبَرِّ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَيَكُونُ هَذا المَسْلَكُ خارِجَ الفِرْقِ الثّانِي عَشَرَ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ يَلْزَمُ تَعَطُّلُ أحَدِ المَسالِكِ، أوِ التِزامُ سُلُوكِ مَن آمَنَ مِنَ القِبْطِ فَقَطْ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَسالِكُ اثْنَيْ عَشَرَ كالفُرُوقِ، بِأنْ يَكُونَ الِانْكِشافُ بَيْنَ الفِرْقِ الأوَّلِ والبَحْرِ الباقِي عَلى حالِهِ المُتَّصِلِ بِالبَرِّ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ فَقَطْ، أوْ يَكُونَ الِانْكِشافُ بَيْنَ الفِرْقِ الثّانِي عَشَرَ والبَحْرِ الباقِي عَلى حالِهِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ فَقَطْ، وهَذا بَعِيدٌ لِعِظَمِ هَذا القَوْسِ المُنْكَشِفِ جِدًّا وطُولِ زَمانِ قَطْعِهِ، فالظّاهِرُ وُقُوعُ احْتِمالِ كَوْنِ الِانْكِشافِ بَيْنَ الفِرْقِ الأوَّلِ والبَحْرِ الباقِي عَلى حالِهِ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ، وبِالجُمْلَةِ احْتِمالُ انْفِصالِ الفِرْقَيْنِ الأوَّلِ والأخِيرِ وكَوْنِ الِانْكِشافِ بَيْنَ الأوَّلِ والبَحْرِ مِمّا يَلِي فِرْعَوْنَ دُونَ الأخِيرِ والبَحْرِ مِمّا يَلِي الجانِبَ الآخَرَ، واتِّحادِ المَسالِكِ والفُرُوقِ في كَوْنِ كُلٍّ اثْنَيْ عَشَرَ - هو الأقْرَبُ لِلْوُقُوعِ اهـ. ولا يَخْفى أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ جَمِيعُ المَسالِكِ في خِلالِ الفُرُوقِ، فَإنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ القَوْلُ بِكَوْنِ جَمِيعِها فِيهِ - إذْ لَيْسَ في الآثارِ أكْثَرُ مِن كَوْنِ المَسالِكِ اثْنَيْ عَشَرَ مَسْلَكًا - فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنِ اسْتَحْسَنْتَ ما تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ في المُرادِ بِالفِرْقِ فاعْتَبِرْهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِانْفِلاقِ قَوْسِيًّا أيْضًا، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ الخُرُوجِ مِن جِهَةِ الدُّخُولِ لَمْ أرَهُ في غَيْرِ ما يُنْسَبُ إلى كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ، وهو أوْفَقُ بِالقَوْلِ بِرُجُوعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ إلى مِصْرَ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ وإغْراقِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ فِيهِ، وتَوَقُّفُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الِانْفِلاقِ قَوْسِيًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَطِّيًّا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ في طَرِيقِ الدُّخُولِ - وهو ظاهِرُ البُطْلانِ - لَأنَّ الأعْداءَ في أثَرِهِمْ. واحْتِمالُ أنْ تَكُونَ المَسالِكُ الخَطِّيَّةُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَلَكُوا اثْنَيْ عَشَرَ مِنها، واتَّبَعَهم فِيها فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، وخَرَجُوا قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ، ودَخَلُوا جَمِيعًا في المَسْلَكِ الثّالِثَ عَشَرَ مِنَ الجانِبِ المُخالِفِ لِجانِبِ دُخُولِهِمْ مُتَوَجِّهِينَ فِيهِ إلى جانِبِ دُخُولِهِمْ، فَلَمْ يَخْرُجُوا حَتّى صارَ جَمِيعُ أعْدائِهِمْ في تِلْكَ المَسالِكِ الِاثْنَيْ عَشْرَ الَّتِي اتَّبَعُوهم فِيها فَخَرَجُوا وغَشِيَ أعْداءَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم - لا يَخْفى ما فِيهِ. والقَوْلُ بِالعَوْدِ إلى مِصْرَ مَعَ القَوْلِ بِأنَّ الِانْفِلاقَ كانَ خَطِّيًّا يَتَوَقَّفُ عَلى هَذا، أوْ عَلى الِانْفِلاقِ مَرَّةً أُخْرى، أوْ عَلى العُبُورِ بِالسُّفُنِ، أوْ سُلُوكِ طَرِيقٍ إلى مِصْرَ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكُوهُ خارِجِينَ مِنها إلى البَحْرِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولا بَأْسَ - عَلى ما قِيلَ - بِالقَوْلِ بِكَوْنِ الِانْفِلاقِ قَوْسِيًّا، سَواءٌ قُلْنا بِالرُّجُوعِ إلى مِصْرَ أمْ لا، وما يُقالُ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ مَداخِلُ تِلْكَ المَسالِكِ ومَخارِجُها في جانِبِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ خَوْفَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الدُّخُولِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أعْداؤُهم مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ الَّذِي هو مَحَلُّ الخُرُوجِ فَيُلاقُوهم في الطَّرِيقِ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ - كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ. وجُوِّزَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الِانْفِلاقَ كانَ قَوْسِيًّا أنْ يَكُونَ دُخُولُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ مِن أحَدِ طَرَفَيِ القَوْسِ، ودُخُولُ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ؛ لِيُلاقُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – وقَوْمَهُ، حَتّى إذا كَمُلَ الجَمْعانِ دُخُولًا رَجَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمُهُ القَهْقَرى حَتّى إذا خَرَجُوا جَمِيعًا أغْرَقَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، أوْ حَتّى إذا كَمُلَ جَمْعُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - دُخُولًا وبانَ لَهم أوَّلُ الدّاخِلِينَ لِمُلاقاتِهِمْ رَجَعُوا القَهْقَرى، حَتّى إذا خَرَجُوا جَمِيعًا وقَدْ كَمُلَ جَمْعُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى عَدُوَّهُمْ، فَغَشِيَهُ مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُ، وهو كَما تَرى. صفحة 89 والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ أنَّ الِانْفِلاقَ كانَ خَطِّيًّا، وأنَّ المَسالِكَ اثْنَيْ عَشَرَ مَسْلَكًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مَسْلَكٌ، ولا تَقْبِيبَ هُناكَ، وأنَّهُ قَدْ فُتِحَتْ لَهم كُوًى لِيَرى القَرِيبُ قَرِيبَهُ ويَرى الرَّجُلُ مِن سِبْطٍ زَوْجَتَهُ مِن سِبْطٍ آخَرَ، وأنَّهم خَرَجُوا مِنَ الجِهَةِ المُقابِلَةِ لِجِهَةِ دُخُولِهِمْ، وتَوَجَّهُوا إلى أرْضِ الشّامِ، ولَيْسَ في كِتابِنا ما هو نَصٌّ في تَكْذِيبِهِ، بَلْ في الأخْبارِ ما يَشْهَدُ بِصِحَّةِ بَعْضِهِ، واتِّحادُ الفُرُوقِ والمَسالِكِ في العَدَدِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ يُثْبِتُهُ، والآيَةُ هُنا لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن تَعَدُّدِ الفُرُوقِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وحَكى يَعْقُوبُ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّهُ قَرَأ «كُلُّ فِلْقٍ» بِاللّامِ بَدَلَ الرّاءِ، قالَ الرّاغِبُ: الفِرْقُ يُقارِبُ الفِلَقَ، لَكِنَّ الفِلْقَ يُقالُ اعْتِبارًا بِالِانْشِقاقِ والفِرْقَ يُقالُ اعْتِبارًا بِالِانْفِصالِ، ومِنهُ الفِرْقَةُ لِلْجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ مِنَ النّاسِ.

الشعراء 26:64

﴿وأزْلَفْنا﴾ عَطْفٌ عَلى (أوْحَيْنا) وقِيلَ: عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، والتَّقْدِيرُ: فَأدْخَلْنا بَنِي إسْرائِيلَ فِيما انْفَلَقَ مِنَ البَحْرِ وأزْلَفْنا ﴿ثَمَّ﴾ أيْ: هُنالِكَ ﴿الآخَرِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، أيْ: قَرَّبْناهم مِن قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى دَخَلُوا عَلى أثَرِهِمْ مَداخِلَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: قَرَّبْنا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وجَمَعْناهم لِئَلّا يَنْجُوَ مِنهم أحَدٌ. أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ النّاسِ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: لِيَلْحَقْ آخِرُكم بِأوَّلِكُمْ، ويَسْتَقْبِلُ آلَ فِرْعَوْنَ فَيَقُولُ: رُوَيْدَكم لِيَلْحَقَكم آخِرُكُمْ، فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ما رَأيْنا سائِقًا أحْسَنَ سِياقًا مِن هَذا، وقالَ آلُ فِرْعَوْنَ: ما رَأيْنا وازِعًا أحْسَنَ زِعَةً مِن هَذا. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ «وزَلَّفْنا» بِدُونِ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ «وأزْلَقْنا» بِالقافِ عِوَضَ الفاءِ، أيْ: أزْلَقْنا أقْدامَهُمْ، والمَعْنى: أذْهَبْنا عِزَّهم كَقَوْلِهِ: تَدارَكْتُما عَبْسًا وقَدْ ثَلَّ عَرْشُها وذُبْيانَ إذْ زَلَّتْ بِأقْدامِها النَّعْلُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى طَرِيقَهم في البَحْرِ عَلى خِلافِ ما جَعَلَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَبَسًا فَيَزْلِقَهم فِيهِ. هَذا، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قِيلَ: مَن قَرَأ بِالقافِ أرادَ بِالآخَرِينَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ومَن قَرَأ بِالفاءِ أرادَ بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – وأصْحابَهُ، أيْ: جَمَعْنا شَمْلَهم وقَرَّبْناهم بِالنَّجاةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ إرادَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأصْحابِهِ مِنَ الآخَرِينَ.

الشعراء 26:65

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: وأنْجَيْناهم مِنَ الهَلاكِ في أيْدِي أعْدائِهِمْ، ومِنَ الغَرَقِ في البَحْرِ بِحِفْظِهِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّ، وقِيلَ: ( ومَن مَعَهُ ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْجاءَهم كانَ بِبَرَكَةِ مُصاحِبَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُتابَعَتِهِ، وقِيلَ: لِيَنْتَظِمَ مَن آمَنَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القِبْطِ إذْ لَوْ قِيلَ: وقَوْمَهُ لَتَبادَرَ مِنهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وفِيهِ

الشعراء 26:66

﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ خُرُوجِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ وكانَ لَهُ وجْبَةً. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا سَمِعُوا وجْبَةَ البَحْرِ فَقالُوا: ما هَذا؟ فَقالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: غَرِقَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَرَجَعُوا يَنْظُرُونَ فَألْقاهُمُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ بِالآخَرِينَ لِلتَّحْقِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ ( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، ولَعَلَّ الأوْلى حَمْلُها عَلى التَّراخِي المَعْنَوِيِّ لِما بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ مِنَ المُباعَدَةِ المَعْنَوِيَّةِ

الشعراء 26:67

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: لِبُعْدِ المَسافَةِ بِالنَّظَرِ إلى مَبْدَأِ القِصَّةِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ لَآيَةً عَظِيمَةً تُوجِبُ الإيمانَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَصْدِيقَهُ بِما جاءَ بِهِ، وأُرِيدَ بِها - عَلى ما قِيلَ - انْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا، وخُرُوجُ يَدِهِ - عَلَيْهِ صفحة 90 السَّلامُ - بَيْضاءَ لِلنّاظِرِينَ، وانْفِلاقُ البَحْرِ، وأُفْرِدَتْ لِاتِّحادِ المَدْلُولِ. ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَأْتِيَهُمْ، وهُمُ القِبْطُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم سِوى مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وبَعْضِ السَّحَرَةِ - عَلى القَوْلِ بِأنَّ بَعْضَهم مِنَ القِبْطِ لا كُلَّهم كَما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضٍ مِنّا - والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ مُوسى عَلى قَبْرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَيْلَةَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ لِيَحْمِلَ عِظامَهُ مَعَهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ ما كانَ في البَحْرِ مِن إنْجاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ وإغْراقِ الآخَرِينَ، وضَمِيرُ ( أكْثَرُهم ) لِلنّاسِ المَوْجُودِينَ بَعْدَ الإغْراقِ والإنْجاءِ مِن قَوْمِفِرْعَوْنَ - الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ لِعُذْرٍ - ومِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالإيمانِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ التَّصْدِيقُ اليَقِينِيُّ الجازِمُ الَّذِي لا يَقْبَلُ الزَّوالَ أصْلًا، أيْ: وما كانَ أكْثَرُ النّاسِ المَوْجُودِينَ بَعْدَ تَحَقُّقِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ وظُهُورِها مُصَدِّقِينَ تَصْدِيقًا يَقِينِيًّا جازِمًا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ، فَإنَّ الباقِينَ في مِصْرَ مِنَ القِبْطِ لَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهم مُطْلَقًا، وأكْثَرَ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا غَيْرَ مُتَيَقِّنِينَ، ولِذا سَألُوا بَقَرَةً يَعْبُدُونَها، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَلا يُقالُ لَهم مُؤْمِنُونَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، ويَكْفِي في إيمانِ البَعْضِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المَفْهُومُ كَوْنُ البَعْضِ المُؤْمِنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ: وما كانَ أكْثَرُهم بَعْدَ تَحَقُّقِ آيَتَيِ الإغْراقِ والإنْجاءِ وظُهُورِهِما مُؤْمِنِينَ - لا يَصِحُّ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْقِبْطِ إلّا بِبَيانِ الأقَلِّ المُؤْمِنِ والأكْثَرِ الكافِرِ مِنهم بَعْدَ تَحَقُّقِ الآيَتَيْنِ، وما ذُكِرَ في بَيانِ الأقَلِّ المُؤْمِنِ مِنهم لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ إيمانُ مَن ذُكِرَ كانَ في ابْتِداءِ الرِّسالَةِ. عَلى أنَّ العَجُوزَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ - كَما جاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى مَرْفُوعًا، بَلْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها شارِحُ ابْنَةُ أشِيرَ بْنِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهي بِنْتُ أخِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَكُونُ أقْرَبَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى إسْرائِيلَ. وأُجِيبَ بِأنَّ مَن يُرْجِعُ الضَّمِيرَ عَلى القِبْطِ لا يَلْزَمُهُ أنْ يُفَسِّرَ الآيَةَ بِالإغْراقِ والإنْجاءِ، بَلْ يَقُولُ: المُرادُ بِها المُعْجِزاتُ مِنَ العَصا واليَدِ وانْفِلاقِ البَحْرِ، ويَقُولُ: إنَّ إيمانَ الأقَلِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ بَعْضِها كافٍ لِاتِّحادِ مَدْلُولِها في تَحَقُّقِ المَفْهُومِ، وأمّا إرْجاعُ الضَّمِيرِ عَلى النّاسِ المَوْجُودِينَ بَعْدَ الإغْراقِ والإنْجاءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَخِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا حَمْلُ الإيمانِ عَلى ما ذُكِرَ وجَعْلُ أكْثَرِ بَنِي إسْرائِيلَ المَخْصُوصِينَ بِالإنْجاءِ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ وإنْ حَصَلَ مِنهم عِنْدَ وُقُوعِ بَعْضِ الآياتِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ. فَقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ في (المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ) عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ ويُعَجِّبُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وتَعَنُّتِهِمْ لَمّا حَضَرُوا البَحْرَ وحَضَرَ عَدُوُّهُمْ، جاؤُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالُوا: قَدْ حَضَرَنا العَدُوُّ فَماذا أُمِرْتَ؟ قالَ: أنْ أنْزِلَ هاهُنا، فَإمّا أنْ يَفْتَحَ لِي رَبِّي ويَهْزِمَهم وإمّا أنْ يَفْرُقَ لِي هَذا البَحْرَ، فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنهم حَتّى وقَعُوا في البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ فَضَرَبَهُ فَتَأطَّطَ كَما يَتَأطَّطُ العَرْشُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّانِيَةَ فَمِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّالِثَةَ فانْصَدَعَ، فَقالُوا: هَذا عَنْ غَيْرِ سُلْطانِ مُوسى، فَجازَوُا البَحْرَ فَلَمْ يُسْمَعْ بِقَوْمٍ أعْظَمَ ذَنْبًا ولا أسْرَعَ تَوْبَةً مِنهم». ومَتى حُمِلَ الإيمانُ عَلى ما ذُكِرَ وصَحَّ نَفْيُ الإيمانِ عَمَّنْ صَدَرَ مِنهُ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُسُوخِهِ جازَ إرْجاعُ الضَّمِيرِ صفحة 91 عَلى بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً، فَإنَّ أكْثَرَهم لَمْ يَكُونُوا راسِخِينَ فِيهِ، وظاهِرُ عِبارَةِ بَعْضِهِمْ يُوهِمُ إرْجاعَهُ إلَيْهِمْ ولَيْسَ ذاكَ بِشَيْءٍ. وقَدْ سَلَكَ شَيْخُ الإسْلامِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ مَسْلَكًا تَفَرَّدَ في سُلُوكِهِ فِيما أظُنُّ فَقالَ: إنَّ في ذَلِكَ، أيْ في جَمِيعِ ما فُصِّلَ مِمّا صَدَرَ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، ومِمّا فَعَلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ لِآيَةً أيَّ آيَةٍ، آيَةً وآيَةً عَظِيمَةً لا تَكادُ تُوصَفُ، مُوجِبَةً لِأنْ يَعْتَبِرَ بِها المُعْتَبِرُونَ، ويَقِيسُوا شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحالَ أنْفُسِهِمْ بِحالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ، ويَجْتَنِبُوا تَعاطِيَ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ، ويُؤْمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى ويُطِيعُوا رَسُولَهُ ﷺ كَيْلا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ. أوْ: إنَّ فِيما فُصِّلَ في القِصَّةِ مِن حَيْثُ حِكايَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَها مِن أحَدٍ لِآيَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ الصّادِقِ، مُوجِبَةً لِلْإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ وما كانَ أكْثَرُهُمْ، أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمِعُوا قِصَّتَهم مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُؤْمِنِينَ لا بِأنْ يَقِيسُوا شَأْنَهُ ﷺ بِشَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحالَ أنْفُسِهِمْ بِحالِ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُهْلَكِينَ، ولا بِأنْ يَتَدَبَّرُوا في حِكايَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِقِصَّتِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَها مِن أحَدٍ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مِمّا يُؤَدِّي إلى الإيمانِ قَطْعًا، ومَعْنى ( ما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ) ما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، عَلى أنَّ كانَ زائِدَةً - كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ - فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما سَيَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالقِصَّةِ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ إلَخْ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ عَلى عَدَمِ الإيمانِ واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ ( كانَ ) بِمَعْنى صارَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فالمَعْنى: وما صارَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ مَعَ ما سَمِعُوا مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، فَيَكُونُ الإخْبارُ بِعَدَمِ الصَّيْرُورَةِ قَبْلَ الحُدُوثِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ . وادَّعى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى آخِرِ القَصَصِ السَّبْعِ، بَلْ إلى آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ اقْتِضاءً بَيِّنًا، ثُمَّ قالَ: وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ضَمِيرَ ( أكْثَرُهم ) لِأهْلِ عَصْرِ فِرْعَوْنَ مِنَ القِبْطِ وغَيْرِهِمْ، وأنَّ المَعْنى: وما كانَ أكْثَرُ أهْلِ مِصْرَ مُؤْمِنِينَ؛ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم إلّا آسِيَةُ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَما نَجَوْا سَألُوا بَقَرَةً يَعْبُدُونَها واتَّخَذُوا العِجْلَ، وقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ - فَبِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، كَيْفَ لا ومَساقُ كُلِّ قِصَّةٍ مِنَ القَصَصِ الوارِدَةِ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ سِوى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما هو لِبَيانِ حالِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ قَدْ عَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، وعَصَوْا رُسُلَهُ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ القَصَصِ بِتَكْذِيبِهِمُ المُرْسَلِينَ بَعْدَما شاهَدُوا ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ ما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانَ، ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ، وأصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقَطَعَ دابِرَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُخْبَرَ عَنْهم بِعَدَمِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ، لا سِيَّما بَعْدَ الإخْبارِ بِهَلاكِهِمْ؟! وعَدُّ المُؤْمِنِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أوَّلًا، وإخْراجُهم مِنها آخِرًا - مَعَ عَدَمِ مُشارَكَتِهِمْ لَهم في شَيْءٍ مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ أصْلًا - مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ. ورُجُوعُ ضَمِيرِ ( أكْثَرُهم ) في قِصَّةِ إبْراهِيمَ صفحة 92 - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى قَوْمِهِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أيْضًا أصْلًا؛ لِظُهُورِ أنَّهم ما ازْدادُوا بِما سَمِعُوهُ مِنهُ إلّا طُغْيانًا وكُفْرًا حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى تِلْكَ العَظِيمَةِ الَّتِي فَعَلُوها بِهِ، فَكَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهم بِعَدَمِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ، وإنَّما آمَنُ لَهُ لُوطٌ فَنَجّاهُما اللَّهُ تَعالى إلى الشّامِ ؟! فَتَدَبَّرْ، اهـ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيها مَحْذُورًا مِن عِدَّةِ أوْجُهٍ: أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ حَمْلَ كانَ عَلى الصِّلَةِ - مَعَ ظُهُورِ الوَجْهِ الصَّحِيحِ - غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ لَزِمَ هُنا بَعْدَ هَذا حَمْلُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِمْرارِ عَلى أنَّهم لا يَكُونُونَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُؤْمِنِينَ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى صارَ يَلْزَمُ جَعْلُهُ مُضارِعًا، لَكِنْ عُدِلَ عَنْهُ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّحَقُّقِ، وهَذا أيْضًا - مَعَ إمْكانِ المَعْنى العارِي عَنِ الِاحْتِياجِ لِذَلِكَ - غَيْرُ مُناسِبٍ. وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ إرْجاعَ ضَمِيرِ ( أكْثَرُهم ) إلى قَوْمِ نَبِيِّنا ﷺ صَرْفٌ عَنْ مَرْجِعِهِ المُتَقَدِّمِ المَذْكُورِ لَفْظًا، سِيَّما في القَصَصِ الآتِيَةِ المُصَدَّرَةِ بِـ(كَذَّبَتْ). وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ: لا بِأنْ يَقِيسُوا شَأْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِشَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَخْ، لا يَخْلُو عَنْ صُعُوبَةٍ؛ إذِ الأمْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُما - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ إلّا أنَّ كُلًّا مِنهُما نَبِيٌّ مُؤَيَّدٌ بِالمُعْجِزاتِ مُطْلَقًا، وأمّا إنْ نُظِرَ إلى خُصُوصِيّاتِ المُعْجِزاتِ فَلا يَخْفى أنَّهُ لا مُشارَكَةَ بَيْنِهِما، وكَذا قِياسُ حالِهِمْ عَلى حالِ فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ لا يَخْلُو عَنْها عَلى هَذا القِياسِ. وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً ) إلَخْ، قَدْ ذُكِرَ عَلى هَذا النَّسَقِ في سَبْعَةِ مَواضِعَ، ولا بُدَّ مِن تَنْسِيقِ تَفْسِيرِهِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ فِيها مَهْما أمْكَنَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما في قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ ذُكِرَ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ فِعْلُهُمُ الشَّنِيعُ المَعْهُودُ، ثُمَّ إهْلاكُ جَمِيعِهِمْ، وما في قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ ذُكِرَ فِيها مِن حالِ أصْحابِ الأيْكَةِ عَمَلُهُمُ المُتَعَلِّقُ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، ثُمَّ إهْلاكُ جَمِيعِهِمْ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِحَيْثِيَّةِ كُفْرِ كُلِّ قَوْمٍ فَلا يُناسِبُ فِيهِما أنْ يُقالَ: إنَّ في ذَلِكَ لِآيَةً مُوجِبَةً لِإيمانِ قُرَيْشٍ، بِأنْ يَقِيسُوا حالَ أنْفُسِهِمْ بِحالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ، ويَجْتَنِبُوا تَعاطِيَ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَ مِنَ المَعاصِي، هَذا عَلى الطَّرِيقِ الأوَّلِ، وأمّا الطَّرِيقُ الثّانِي فَفِيهِ أيْضًا عِدَّةُ مَحْذُوراتٍ. أمّا أوَّلًا وثانِيًا فَلِما ذُكِرَ أوَّلًا وثانِيًا، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ كُلًّا مِن كِلْتا القِصَّتَيْنِ ذُكِرَ هُنا عَلى وجْهِ الإجْمالِ وذُكِرَ مُفَصَّلًا في سُورَةٍ أُخْرى، وكُلٌّ مِنهُما ذِكْرٌ مُحْدَثٌ بِحَسَبِ نُزُولِهِ، فَلا وجاهَةَ في أنْ يُقالَ: وما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ بِكَ بِأنْ يَتَدَبَّرُوا في حِكايَتِكَ لِقِصَّتِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ تَسْمَعَها مِن أحَدٍ بِناءً عَلى أنَّهم قَدْ سَمِعُوها مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُفَصَّلَةً قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ كَوْنَ حِكايَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَهُ مَن أحَدٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى إيمانِهِمْ قَطْعًا - مَحَلُّ تَرَدُّدٍ. وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ آخِرَ هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ( وأنْجَيْنا )، ( ثُمَّ أغْرَقْنا ) وكَذا آخِرُ قِصَّةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلُهُ تَعالى: ( فَنَجَّيْناهُ )، ( ثُمَّ دَمَّرْنا )، ( وأمْطَرْنا ) فالمُتَبادَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى نَفْسِ المَحْكِيِّ المُشْتَمِلِ عَلى الأفْعالِ العَجِيبَةِ الإلَهِيَّةِ لا إلى حِكايَتِها. وأمّا ما قالَهُ في تَزْيِيفِ ما قِيلَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا؛ لِأنَّ نِسْبَةَ التَّكْذِيبِ إلى كُلِّ قَوْمٍ مِنَ الأقْوامِ الَّذِينَ نُسِبَ إلَيْهِمْ إنَّما هي بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِكايَةً عَنْهم بَعْدَ أنْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ ( أكْثَرُهم ) راجِعًا إلى القَوْمِ غَيْرَ مُلاحَظٍ فِيهِمْ ذَلِكَ. ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ، ويُرادُ بِالأكْثَرِ في المَواضِعِ السَّبْعَةِ جَمْعٌ مَوْصُوفُونَ بِزِيادَةِ الكَثْرَةِ، سَواءٌ كانَ البَعْضُ المُؤْمِنُ واحِدًا أوْ أكْثَرَ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعَدَمِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ وإنَّما آمَنَ صفحة 93 لَهُ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ – فَتَأمَّلِ، انْتَهى، ولا يُخْفى ما فِيهِ مِنَ الغَثِّ والسَّمِينِ. وأنا أخْتارُ - كَما اخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ - رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى قَوْمِ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأوَّلَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وآخِرَها في الحَدِيثِ عَنْهُمْ، وتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَمّا قالُوهُ في شَأْنِ كِتابِهِ الأكْرَمِ، ونَهْيَهُ صَرِيحًا وإشارَةً عَنْ أنْ يَذْهَبَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اقْتِضاءً - لا رَيْبَ فِيهِ - رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى قَوْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُهَوِّنُ أمْرَ عَدَمِ رُجُوعِهِ إلى الأقْرَبِ لَفْظًا، ويَكُونُ الِارْتِباطُ عَلى هَذا بَيْنَ الآياتِ أقْوى. وأخْتارُ أنَّ الإشارَةَ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ وأنَّ المَعْنى أنَّ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ لَآيَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى ما يَجِبُ عَلى قَوْمِكَ الإيمانُ بِهِ مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وكَذا يُقالُ في جَمِيعِ ما يَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وكُلُّ ذَلِكَ عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ، وكَذا الكَلامُ في كانَ وما يَتَعَلَّقُ بِالجُمْلَةِ.

الشعراء 26:68

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ أيْضًا، ولَعَلَّ تَخْرِيجَ ما ذُكِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ أحْسَنُ مِن تَخْرِيجِ شَيْخِ الإسْلامِ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ ما أنْزَلَ مِنَ الكَلامِ. /

الشعراء 26:69

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في ( إذْ نادى ) إلَخْ، أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ لِقَوْمِكَ، واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴿نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: خَبَرَهُ العَظِيمَ الشَّأْنِ، حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْكَ؛ لِيَتَأكَّدَ عِنْدَكَ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما فِيهِ العِلْمُ بِشِدَّةِ عِنادِهِمْ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ أقْوى دَلِيلٍ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ؛ لِما أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَدُّهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ والتَّأسِّي بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -

الشعراء 26:70

﴿إذْ قالَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ(نَبَأ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ، أيْ: نَبَأهُ وقْتَ قَوْلِهِ ﴿لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ(اتْلُ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (نَبَأ) عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَوْفِيِّ، أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمْ وقْتَ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ عَلى أنَّ المَتْلُوَّ ما قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ. وضَمِيرُ ( قَوْمِهِ ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى أبِيهِ؛ لِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ويَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّفْكِيكُ. وسَألَهُمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَمّا يَعْبُدُونَ لِيَبْنِيَ عَلى جَوابِهِمْ أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ بِالكُلِّيَّةِ لا لِلِاسْتِعْلامِ؛ إذْ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مُشاهَدٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -

الشعراء 26:71

﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الجَوابِ الكافِي بِأنْ يَقُولُوا: (أصْنامًا) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾، ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ - بَلْ أطْنَبُوا فِيهِ بِإظْهارِ الفِعْلِ وعَطْفِ دَوامِ عُكُوفِهِمْ عَلى أصْنامِهِمْ - مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَنْهُ - قَصْدًا إلى إبْرازِ ما في نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِذَلِكَ، وهو - عَلى ما في الكَشْفِ - مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ، والمُرادُ بِالظُّلُولِ الدَّوامُ، كَما في قَوْلِهِمْ: (لَوْ ظَلَّ الظُّلْمُ هَلَكَ النّاسُ) وتَكُونُ ظَلَّ عَلى هَذا تامَّةً، وقَدْ قالَ بِمَجِيئِها كَذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ، وأنْكَرَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، وقِيلَ: فَعَلَ الشَّيْءَ نَهارًا، فَقَدْ كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، فَتَكُونُ ظَلَّ عَلى هَذا ناقِصَةً دالَّةً عَلى ثُبُوتِ خَبَرِها لِاسْمِها في النَّهارِ. واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأوَّلَ؛ لِتَبادُرِ الدَّوامِ وكَوْنِهِ أبْلَغَ مُناسِبًا لِمَقامِ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ؛ لِأنَّهُ أصْلُ المَعْنى، وهو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى إعْلانِهِمُ الفِعْلَ لِافْتِخارِهِمْ بِهِ و(عاكِفِينَ) عَلى الأوَّلِ حالٌ وعَلى الثّانِي خَبَرٌ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وإيرادُ اللّامِ دُونَ عَلى لِإفادَةِ مَعْنًى زائِدٍ، كَأنَّهم قالُوا: نَظَلُّ لِأجْلِها صفحة 94 مُقْبِلِينَ عَلى عِبادَتِها أوْ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلَها، وهَذا أيْضًا - عَلى ما قِيلَ - مِن جُمْلَةِ إطْنابِهِمْ

الشعراء 26:72

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَفْصِيلِ جَوابِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ دَخَلَ فِعْلُ السَّماعِ عَلى غَيْرِ مَسْمُوعٍ، ومَذْهَبُ الفارِسِيِّ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الثّانِي مِمّا يَدُلُّ عَلى صَوْتٍ، فالكافُ هُنا عِنْدَهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْمَعُونَكم تَدَعُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَدْعُونَ﴾ عَلَيْهِ، ومَذْهَبُ غَيْرِهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإذا وقَعَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مَلْفُوظَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ إنْ كانَ مَعْرِفَةً، وفي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ إنْ كانَ نَكِرَةً. وجُوِّزَ فِيها البَدَلِيَّةُ أيْضًا، وإذا دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى إلى واحِدٍ اتِّفاقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما هُنا داخِلًا عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: (هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكُمْ) فَحُذِفَ المُضافُ؛ لِدَلالَةِ ( إذْ تَدْعُونَ ) أيْضًا عَلَيْهِ، وقِيلَ: السَّماعُ هُنا بِمَعْنى الإجابَةِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن دُعاءٍ لا يُسْمَعُ»» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: هَلْ يُجِيبُونَكُمْ، وحِينَئِذٍ لا نِزاعَ في أنَّهُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. والأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِ مَعْناهُ؛ فَإنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ، نَعَمْ، رُبَّما يُقالُ: إنَّ ما قِيلَ أوْفَقُ بِقِراءَةِ قَتادَةَ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ: «يُسْمِعُونَكُمْ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مِن (أسْمَعَ) والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الجَوابُ ( وإذْ ) ظَرْفٌ لِما مَضى، وجِيءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ وحِكايَتِها. وأمّا كَوْنُ (هَلْ) تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ فَلا يَضُرُّ هُنا؛ لِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانُ التَّكَلُّمِ، وهو هُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّماعَ بَعْدَ الدُّعاءِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا بُدَّ مِنَ التَّجَوُّزِ في ( إذْ ) بِأنْ تُجْعَلَ بِمَعْنى (إذا) أوِ التَّجَوُّزِ في المُضارِعِ بِأنْ يُجْعَلَ بِمَعْنى الماضِي، واعْتِبارُ الِاسْتِحْضارِ أبْلَغُ في التَّبْكِيتِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ ذالِ ( إذْ ) في تاءِ ( تَدْعُونَ ) وذَلِكَ بِقَلْبِها تاءً وإدْغامِها في التّاءِ. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ عِبادَتِكم لَهم ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم بِتَرْكِكم لِعِبادَتِهِمْ؛ إذْ لا بُدَّ لِلْعِبادَةِ - لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِها عَلى ما وصَفْتُمْ مِنَ المُبالَغَةِ فِيها - مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وتُرِكَ المَفْعُولُ لِلْفاصِلَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: المُرادُ: أوْ يَضُرُّونَ مَن أعْرَضَ عَنْ عِبادَتِهِمْ كائِنًا مَن كانَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ العَطْفُ.

الشعراء 26:73

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَفْصِيلِ جَوابِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ دَخَلَ فِعْلُ السَّماعِ عَلى غَيْرِ مَسْمُوعٍ، ومَذْهَبُ الفارِسِيِّ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الثّانِي مِمّا يَدُلُّ عَلى صَوْتٍ، فالكافُ هُنا عِنْدَهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْمَعُونَكم تَدَعُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَدْعُونَ﴾ عَلَيْهِ، ومَذْهَبُ غَيْرِهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإذا وقَعَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مَلْفُوظَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ إنْ كانَ مَعْرِفَةً، وفي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ إنْ كانَ نَكِرَةً. وجُوِّزَ فِيها البَدَلِيَّةُ أيْضًا، وإذا دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى إلى واحِدٍ اتِّفاقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما هُنا داخِلًا عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: (هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكُمْ) فَحُذِفَ المُضافُ؛ لِدَلالَةِ ( إذْ تَدْعُونَ ) أيْضًا عَلَيْهِ، وقِيلَ: السَّماعُ هُنا بِمَعْنى الإجابَةِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن دُعاءٍ لا يُسْمَعُ»» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: هَلْ يُجِيبُونَكُمْ، وحِينَئِذٍ لا نِزاعَ في أنَّهُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. والأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِ مَعْناهُ؛ فَإنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ، نَعَمْ، رُبَّما يُقالُ: إنَّ ما قِيلَ أوْفَقُ بِقِراءَةِ قَتادَةَ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ: «يُسْمِعُونَكُمْ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مِن (أسْمَعَ) والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الجَوابُ ( وإذْ ) ظَرْفٌ لِما مَضى، وجِيءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ وحِكايَتِها. وأمّا كَوْنُ (هَلْ) تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ فَلا يَضُرُّ هُنا؛ لِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانُ التَّكَلُّمِ، وهو هُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّماعَ بَعْدَ الدُّعاءِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا بُدَّ مِنَ التَّجَوُّزِ في ( إذْ ) بِأنْ تُجْعَلَ بِمَعْنى (إذا) أوِ التَّجَوُّزِ في المُضارِعِ بِأنْ يُجْعَلَ بِمَعْنى الماضِي، واعْتِبارُ الِاسْتِحْضارِ أبْلَغُ في التَّبْكِيتِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ ذالِ ( إذْ ) في تاءِ ( تَدْعُونَ ) وذَلِكَ بِقَلْبِها تاءً وإدْغامِها في التّاءِ. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ عِبادَتِكم لَهم ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم بِتَرْكِكم لِعِبادَتِهِمْ؛ إذْ لا بُدَّ لِلْعِبادَةِ - لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِها عَلى ما وصَفْتُمْ مِنَ المُبالَغَةِ فِيها - مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وتُرِكَ المَفْعُولُ لِلْفاصِلَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: المُرادُ: أوْ يَضُرُّونَ مَن أعْرَضَ عَنْ عِبادَتِهِمْ كائِنًا مَن كانَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ العَطْفُ.

الشعراء 26:74

﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أضْرَبُوا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهم سَمْعٌ أوْ نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ؛ اعْتِرافًا بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، واضْطُرُّوا إلى إظْهارِ أنْ لا سَنَدَ لَهم سِوى التَّقْلِيدِ، فَكَأنَّهم قالُوا: لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْفَعُونَنا ولا يَضُرُّونَ، وإنَّما وجَدْنا آباءَنا يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِنا ويَعْبُدُونَهم مِثْلَ عِبادَتِنا فاقْتَدَيْنا بِهِمْ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلْفاصِلَةِ.

الشعراء 26:75

﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: أنَظَرْتُمْ فَأبْصَرْتُمْ، أوْ تَأمَّلْتُمْ فَعَلِمْتُمْ أيَّ شَيْءٍ اسْتَدَمْتُمْ عَلى عِبادَتِهِ، أوْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ والكَلامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ يَتَضَمَّنُ بُطْلانَ آلِهَتِهِمْ وعِبادَتِها، وأنَّ عِبادَتَها ضَلالٌ قَدِيمٌ لا فائِدَةَ في قَدَمِهِ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ، كَما يُؤْذِنُ بِهَذا وصْفُ آبائِهِمْ بِالأقْدَمِينَ.

الشعراء 26:76

﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: أنَظَرْتُمْ فَأبْصَرْتُمْ، أوْ تَأمَّلْتُمْ فَعَلِمْتُمْ أيَّ شَيْءٍ اسْتَدَمْتُمْ عَلى عِبادَتِهِ، أوْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ والكَلامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ يَتَضَمَّنُ بُطْلانَ آلِهَتِهِمْ وعِبادَتِها، وأنَّ عِبادَتَها ضَلالٌ قَدِيمٌ لا فائِدَةَ في قَدَمِهِ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ، كَما يُؤْذِنُ بِهَذا وصْفُ آبائِهِمْ بِالأقْدَمِينَ.

الشعراء 26:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ مِن أنِّي لا أعْبُدُهم أوْ لا تَصِحُّ عِبادَتُهُمْ، وقِيلَ: خَبَرٌ لِـ(ما كُنْتُمْ) إذِ المَعْنى: أفَأُخْبِرُكم وأُعَلِّمُكم بِمَضْمُونِ هَذا؟ واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِحالِ ما يَعْبُدُونَهُ الَّتِي لَوْ أحاطُوا بِها عِلْمًا لَما عَبَدُوهُ، أيْ: فاعْلَمُوا أنَّهم أعْداءً لِعابِدِيهِمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ تَعالى؛ لِما أنَّهم يَتَضَرَّرُونَ مِن جِهَتِهِمْ تَضَرُّرَ الرَّجُلِ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ، فَإطْلاقُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ مِن بابِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. صفحة 95 وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ المَجازِ العَقْلِيِّ بِإطْلاقِ وصْفِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، مِن حَيْثُ إنَّ المُغْرِيَ والحامِلَ عَلى عِبادَتِهِمْ هو الشَّيْطانُ الَّذِي هو عَدُوٌّ مُبِينٌ لِلْإنْسانِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. والدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ أنَّ الأصْنامَ لِكَوْنِها جَماداتٍ لا تَصْلُحُ لِلْعَداوَةِ. وما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى القَلْبِ، والأصْلَ: (فَإنِّي عَدُوٌّ لَهُمْ) لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ النَّسَفِيُّ: العَدُوُّ اسْمٌ لِلْمُعادِي والمُعادى جَمِيعًا، فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ وصُوِّرَ الأمْرُ في نَفْسِهِ؛ تَعْرِيضًا لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِيَكُونَ أبْلَغَ في النُّصْحِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، ومِن هُنا اسْتَعْمَلَ الأكابِرُ التَّعْرِيضَ في النُّصْحِ. ومِنهُ ما يُحْكى عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا واجَهَهُ بِشَيْءٍ فَقالَ: لَوْ كُنْتُ بِحَيْثُ أنْتَ لاحْتَجْتُ إلى أدَبٍ. وسَمِعَ رَجُلٌ ناسًا يَتَحَدَّثُونَ في الحِجْرِ فَقالَ: ما هو بَيْتِي ولا بَيْتُكم. وضَمِيرُ (إنَّهُمْ) عائِدٌ عَلى (ما) وجُمِعَ مُراعاةً لِمَعْناها، وإفْرادُ العَدُوِّ - مَعَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الجَمْعِ - إمّا لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ فَيُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، أوْ لِاتِّحادِ الكُلِّ في مَعْنى العَداوَةِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ (فَإنَّ كُلًّا مِنهُمْ) أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذُو كَذا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ كَما قِيلَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ «إنَّهُمْ» عِنْدَ جَماعَةٍ، مِنهُمُ الفَرّاءُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ - جَلَّ وعَلا - ولِيُّ مَن عَبَدَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا يَزالُ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالمَنافِعِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى ( ما تَعْبُدُونَ ) ويُعْتَبَرُ شُمُولُهُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وفي آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ مَن عَبَدَ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - مِن غَيْرِ شَكٍّ، أوْ يُقالُ: إنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى والأصْنامَ. وتَخْصِيصُ الأصْنامِ هُنا بِالذِّكْرِ لِلرَّدِّ لا لِأنَّ عِبادَتَهم مَقْصُورَةٌ عَلَيْها، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ لِذَلِكَ فَهو بِاعْتِبارِ دَوامِ العُكُوفِ، وذَلِكَ لا يُنافِي عِبادَتَهم إيّاهُ - عَزَّ وجَلَّ - أحْيانًا. وقالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن ( ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ) و(إلّا) بِمَعْنى دُونَ وسِوى، وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ: أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ - أيْ: دُونَ رَبِّ العالَمِينَ - فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

الشعراء 26:78

﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ صِفَةٌ لِـ(رَبَّ العالَمِينَ) ووَصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ وبِما عُطِفَ عَلَيْهِ - مَعَ انْدِراجِ الكُلِّ تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ - زِيادَةٌ في الإيضاحِ في مَقامِ الإرْشادِ، وقِيلَ: تَصْرِيحًا بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَفْصِيلًا لَها لِكَوْنِها أدْخَلَ في اقْتِضاءِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ تَعالى، وقَصْرِ الِالتِجاءِ في جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ودَفْعِ المَضارِّ العاجِلَةِ والآجِلَةِ عَلَيْهِ تَعالى. ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ: فَهو يَهْدِينِي وحْدَهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - إلى كُلِّ ما يُهِمُّنِي ويُصْلِحُنِي مِن أُمُورِ المَعاشِ والمَعادِ هِدايَةً مُتَّصِلَةً بِحِينِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ، مُتَجَدِّدَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ وصِيغَةُ المُضارِعِ، فَإنَّهُ تَعالى يَهْدِي كُلَّ ما خَلَقَهُ لِما خُلِقَ لَهُ هِدايَةً مُتَدَرِّجَةً مِن مُبْتَدَأِ إيجادِهِ إلى مُنْتَهى أجَلِهِ، يَتَمَكَّنُ بِها مِن جَلْبِ مَنافِعِهِ ودَفْعِ مَضارِّهِ، إمّا طَبْعًا وإمّا اخْتِيارًا، مَبْدَؤُها - بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ - هِدايَةُ الجَنِينِ لِامْتِصاصِ دَمِ الطَّمْثِ في المَشْهُورِ، ومُنْتَهاها الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ والتَّنَعُّمِ بِنَعِيمِها المُقِيمِ. وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ كَوْنَ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ ( هو يَهْدِينِ ) خَبَرُهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، نَحْوُ: (الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ). وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفاءَ إنَّما يُؤْتى بِها في خَبَرِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ إذا كانَ عامًّا، وهُنا لا يُتَخَيَّلُ فِيهِ العُمُومُ، فَلَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ نَظِيرَ المِثالِ. وأيْضًا الفِعْلُ الَّذِي هو (خَلَقَ) مِمّا لا يُمْكِنُ فِيهِ تَجَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَعَلَّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ مِن جَوازِ زِيادَةِ الفاءِ في الخَبَرِ مُطْلَقًا، نَحْوُ: (زَيْدٌ فاضْرِبْهُ)، وأُجِيبَ بِأنَّ اشْتِراطَ صفحة 96 العُمُومِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ - كَما فَصَّلَهُ الرَّضِيُّ - وإنَّما هو أغْلَبِيٌّ، وبِأنَّ مُطْلَقَ الخَلْقِ مِمّا يُمْكِنُ فِيهِ التَّجَدُّدُ وهو مُمْكِنُ الإرادَةِ، وإنْ ظَهَرَ في صُورَةِ المَخْصُوصِ وتَسَبَّبَ الخَلْقُ لِلْهِدايَةِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِها لِتَحَقُّقِها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَلْزَمُ عَلى الإعْرابِ المَذْكُورِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:79

﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وكَذا اللَّذانِ بَعْدَهُ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ لَفْظًا ومَعْنًى، فاللّائِقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ الإعْرابُ الأوَّلُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المَوْصُولُ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ، وإنَّما كُرِّرَ المَوْصُولُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ - مَعَ كِفايَةِ عَطْفِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الجُمَلِ السِّتِّ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الأوَّلِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصِّلاتِ نَعْتٌ جَلِيلٌ لَهُ تَعالى، مُسْتَقِلٌّ في اسْتِيجابِ الحُكْمِ، حَقِيقٌ بِأنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِحِيالِها ولا تُجْعَلَ مِن رَوادِفِ غَيْرِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ إطْعامُ الطَّعامِ المَعْرُوفِ، وسَقْيُ الشَّرابِ المَعْهُودِ، وجِيءَ بِـ(هُوَ) هُنا دُونَ الخَلْقِ لِشُيُوعِ إسْنادِ الإطْعامِ والسَّقْيِ إلى غَيْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِخِلافِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا القِياسِ فِيما جِيءَ فِيهِ بِـ(هُوَ) وما تُرِكَ مِمّا يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وعَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ أنَّ المَعْنى: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما جاءَ: «إنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِ» وهو مَشْرَبٌ صُوفِيٌّ. وأُتِيَ بِهَذَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بَعْدَما تَقَدَّمَ لِما أنَّ دَوامَ الحَياةِ وبَقاءَ نِظامِ خَلْقِ الإنْسانِ بِالغِذاءِ والشَّرابِ ما سُلِكَ فِيهِما مَسْلَكَ العَدْلِ، وهو أشَدُّ احْتِياجًا إلَيْهِما مِنهُ إلى غَيْرِهِما، ألا تَرى أنَّ أهْلَ النّارِ - وهم في النّارِ - لَمْ يَشْغَلْهم ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ عَنْ طَلَبِهِما فَقالُوا: «أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ»؟!

الشعراء 26:80

﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى «يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ» نُظِمَ مَعَهُما في سِلْكِ الصِّلَةِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِما أنَّ الصِّحَّةَ والمَرَضَ مِن مُتَفَرِّعاتِ الأكْلِ والشُّرْبِ غالِبًا: فَإنَّ الدّاءَ أكْثَرُ ما تَراهُ يَكُونُ مِنَ الطَّعامِ أوِ الشَّرابِ وقالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لِأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكُمْ؟ لَقالُوا: التَخَمُ. ونِسْبَةُ المَرَضِ - الَّذِي هو نِقْمَةٌ - إلى نَفْسِهِ، والشِّفاءِ - - الَّذِي هو نِعْمَةٌ - إلى اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لِمُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، كَما قالَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾، ولا يَرِدُ إسْنادُهُ الإماتَةَ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ - إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِإمْكانِ الفَرْقِ بِأنَّ المَوْتَ قَدْ عُلِمَ واشْتُهِرَ أنَّهُ قَضاءٌ مَحْتُومٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى سائِرِ البَشَرِ، وحُكْمٌ عامٌّ لا يَخُصُّ، ولا كَذَلِكَ المَرَضُ، فَكَمْ مِن مُعافًى مِنهُ إلى أنْ يَبْغَتَهُ المَوْتُ، فالتَّأسِّي بِعُمُومِ المَوْتِ يُسْقِطُ أثَرَ كَوْنِهِ نِقْمَةً، فَيُسَوِّغُ الأدَبُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ تَعالى، وأمّا المَرَضُ فَلِما كانَ يُخَصُّ بِهِ بَعْضُ البَشَرِ دُونَ بَعْضٍ كانَ نِقْمَةً مُحَقَّقَةً، فاقْتَضى العُلُوُّ في الأدَبِ أنْ يَنْسُبَهُ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنهُ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذُكِرَ مَعَ غَيْرِ المَرَضِ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ بَتًّا وجَزْمًا؛ لِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا المَرَضُ - فَلَمّا كانَ قَدْ يَتَّفِقُ وقَدْ لا - أوْرَدَهُ مَقْرُونًا بِشَرْطِ (إذا) فَقالَ: ﴿وإذا مَرِضْتُ﴾ وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: والَّذِي أمْرَضُ فَيَشْفِينِي، كَما قالَ في غَيْرِهِ، فَما عَدَلَ عَنِ المُطابَقَةِ والمُجانَسَةِ المَأْثُورَةِ إلّا لِذَلِكَ، كَذا قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما قالَ: مَرِضْتُ دُونَ (أمْرَضَنِي) لِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ إنَّما عَدَلَ في التَّعْلِيلِ عَنْ حُسْنِ الأدَبِ؛ لِما رَأى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَ الإماتَةَ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ، ولَمْ يَخْطُرْ لَهُ الفَرْقُ بِما مَرَّ أوْ نَحْوُهُ، وغَفَلَ عَنْ أنَّ المَعْنى الَّذِي أبْداهُ في المَرَضِ يَنْكَسِرُ بِالمَوْتِ أيْضًا، فَإنَّ المَرَضَ كَما يَكُونُ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ صفحة 97 الإنْسانِ في المَطْعَمِ وغَيْرِهِ كَذَلِكَ المَوْتُ النّاشِئُ عَنْ سَبَبِ هَذا المَرَضِ الَّذِي يَكُونُ بِتَفْرِيطِ الإنْسانِ، وقَدْ أضافَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الإماتَةَ مُطْلَقًا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِحُسْنِ الأدَبِ في وجْهِ إسْنادِ الإماتَةِ إلَيْهِ تَعالى: إنَّها حَيْثُ كانَتْ مُعْظَمَ خَصائِصِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كالإحْياءِ بَدْءًا وإعادَةً، وقَدْ نِيطَتْ أُمُورُ الآخِرَةِ جَمِيعًا بِها وبِما بَعْدَها مِنَ البَعْثِ نَظَمَهَما في سِمْطٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ عَلى أنَّ المَوْتَ - لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ - بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى، وأوْلى مِن هَذِهِ العِلاوَةِ ما قِيلَ: إنَّ المَوْتَ لِأهْلِ الكَمالِ وصْلَةٌ إلى نَيْلِ المَحابِّ الأبَدِيَّةِ الَّتِي يُسْتَحْقَرُ دُونَها الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ. وفِيهِ تَخْلِيصُ العاصِي مِنِ اكْتِسابِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ حَمْلَ المَرَضِ والشِّفاءِ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِنهُما هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المَعْنى: وإذا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ فَهو يَشْفِينِي بِالتَّوْبَةِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وإنْ صَحَّ فَهو مِن بابِ الإشارَةِ لا العِبارَةِ، و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالإحْياءِ الإحْياءُ لِلْبَعْثِ، وهو مُتَراخٍ عَنِ الإماتَةِ في الزَّمانِ في نَفْسِ الأمْرِ - وإنْ كانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ - وأثْبَتَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في يَهْدِيَنِي وما بَعْدَهُ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ.

الشعراء 26:81

﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى «يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ» نُظِمَ مَعَهُما في سِلْكِ الصِّلَةِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِما أنَّ الصِّحَّةَ والمَرَضَ مِن مُتَفَرِّعاتِ الأكْلِ والشُّرْبِ غالِبًا: فَإنَّ الدّاءَ أكْثَرُ ما تَراهُ يَكُونُ مِنَ الطَّعامِ أوِ الشَّرابِ وقالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لِأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكُمْ؟ لَقالُوا: التَخَمُ. ونِسْبَةُ المَرَضِ - الَّذِي هو نِقْمَةٌ - إلى نَفْسِهِ، والشِّفاءِ - - الَّذِي هو نِعْمَةٌ - إلى اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لِمُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، كَما قالَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾، ولا يَرِدُ إسْنادُهُ الإماتَةَ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ - إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِإمْكانِ الفَرْقِ بِأنَّ المَوْتَ قَدْ عُلِمَ واشْتُهِرَ أنَّهُ قَضاءٌ مَحْتُومٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى سائِرِ البَشَرِ، وحُكْمٌ عامٌّ لا يَخُصُّ، ولا كَذَلِكَ المَرَضُ، فَكَمْ مِن مُعافًى مِنهُ إلى أنْ يَبْغَتَهُ المَوْتُ، فالتَّأسِّي بِعُمُومِ المَوْتِ يُسْقِطُ أثَرَ كَوْنِهِ نِقْمَةً، فَيُسَوِّغُ الأدَبُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ تَعالى، وأمّا المَرَضُ فَلِما كانَ يُخَصُّ بِهِ بَعْضُ البَشَرِ دُونَ بَعْضٍ كانَ نِقْمَةً مُحَقَّقَةً، فاقْتَضى العُلُوُّ في الأدَبِ أنْ يَنْسُبَهُ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنهُ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذُكِرَ مَعَ غَيْرِ المَرَضِ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ بَتًّا وجَزْمًا؛ لِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا المَرَضُ - فَلَمّا كانَ قَدْ يَتَّفِقُ وقَدْ لا - أوْرَدَهُ مَقْرُونًا بِشَرْطِ (إذا) فَقالَ: ﴿وإذا مَرِضْتُ﴾ وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: والَّذِي أمْرَضُ فَيَشْفِينِي، كَما قالَ في غَيْرِهِ، فَما عَدَلَ عَنِ المُطابَقَةِ والمُجانَسَةِ المَأْثُورَةِ إلّا لِذَلِكَ، كَذا قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما قالَ: مَرِضْتُ دُونَ (أمْرَضَنِي) لِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ إنَّما عَدَلَ في التَّعْلِيلِ عَنْ حُسْنِ الأدَبِ؛ لِما رَأى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَ الإماتَةَ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ، ولَمْ يَخْطُرْ لَهُ الفَرْقُ بِما مَرَّ أوْ نَحْوُهُ، وغَفَلَ عَنْ أنَّ المَعْنى الَّذِي أبْداهُ في المَرَضِ يَنْكَسِرُ بِالمَوْتِ أيْضًا، فَإنَّ المَرَضَ كَما يَكُونُ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ صفحة 97 الإنْسانِ في المَطْعَمِ وغَيْرِهِ كَذَلِكَ المَوْتُ النّاشِئُ عَنْ سَبَبِ هَذا المَرَضِ الَّذِي يَكُونُ بِتَفْرِيطِ الإنْسانِ، وقَدْ أضافَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الإماتَةَ مُطْلَقًا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِحُسْنِ الأدَبِ في وجْهِ إسْنادِ الإماتَةِ إلَيْهِ تَعالى: إنَّها حَيْثُ كانَتْ مُعْظَمَ خَصائِصِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كالإحْياءِ بَدْءًا وإعادَةً، وقَدْ نِيطَتْ أُمُورُ الآخِرَةِ جَمِيعًا بِها وبِما بَعْدَها مِنَ البَعْثِ نَظَمَهَما في سِمْطٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ عَلى أنَّ المَوْتَ - لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ - بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى، وأوْلى مِن هَذِهِ العِلاوَةِ ما قِيلَ: إنَّ المَوْتَ لِأهْلِ الكَمالِ وصْلَةٌ إلى نَيْلِ المَحابِّ الأبَدِيَّةِ الَّتِي يُسْتَحْقَرُ دُونَها الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ. وفِيهِ تَخْلِيصُ العاصِي مِنِ اكْتِسابِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ حَمْلَ المَرَضِ والشِّفاءِ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِنهُما هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المَعْنى: وإذا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ فَهو يَشْفِينِي بِالتَّوْبَةِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وإنْ صَحَّ فَهو مِن بابِ الإشارَةِ لا العِبارَةِ، و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالإحْياءِ الإحْياءُ لِلْبَعْثِ، وهو مُتَراخٍ عَنِ الإماتَةِ في الزَّمانِ في نَفْسِ الأمْرِ - وإنْ كانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ - وأثْبَتَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في يَهْدِيَنِي وما بَعْدَهُ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ.

الشعراء 26:82

﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ اسْتَعْظَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِن فِعْلِ خِلافِ الأوْلى حَتّى سَمّاهُ خَطِيئَةً، وقِيلَ: أرادَ بِها قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلَهُ لِسارَّةَ: هي أُخْتِي، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَدَّها مِنَ الخَطايا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِنِ امْتِناعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أنْ يَشْفَعَ؛ حَياءً مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُ. وفِيهِ أنَّهُ - وإنْ صَحَّ عَدُّها مِنَ الخَطايا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما قالُوا: إنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ - إلّا أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ لِما أنَّها إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، أمّا الثّالِثَةُ فَظاهِرَةٌ لِوُقُوعِها بَعْدَ مُهاجَرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الشّامِ، وأمّا الأُولَيانِ فَلِأنَّهُما وقَعَتا مُكْتَنِفَتَيْنِ بِكَسْرِ الأصْنامِ، ومِنَ البَيْنِ أنَّ جَرَيانَ هَذِهِ المَقالاتِ فِيما بَيْنَهم كانَ في مَبادِئِ الأمْرِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّها مِنَ المَعارِيضِ، وهي لِكَوْنِها في صُورَةِ الكَذِبِ يُمْتَنَعُ لَها مَن تَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الشَّفاعَةِ، ولِكَوْنِها لَيْسَتْ كَذِبًا حَقِيقَةً لا تَفْتَقِرُ إلى الِاسْتِغْفارِ، فَلا يَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ لَيْسَ إلّا لِعَدِّهِ إيّاها مِنَ الخَطايا، ومَتى عُدَّتْ مِنها افْتَقَرَتْ إلى الِاسْتِغْفارِ. وقِيلَ: أرادَ بِها ما صَدَرَ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ مِن قَوْلِهِ: ( هَذا رَبِّي ) وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الخَطِيئَةِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: أرادَ بِها ما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِنَ الصَّغائِرِ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ: أرادَ بِها خَطِيئَةَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قِيلَ نَحْوُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾، وهو كَما تَرى، والطَّمَعُ عَلى ظاهِرِهِ ولَمْ يَجْزِمْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعِلْمِهِ أنْ لا وُجُوبَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَقِينُ، ولَيْسَ بِذاكَ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِـ(يَغْفِرَ). والإتْيانُ بِالأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْعَ مَغْفِرَتِهِ تَعالى إنَّما يَعُودُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَعْلِيقُ المَغْفِرَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ - مَعَ أنَّ الخَطِيئَةَ إنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا - لِأنَّ أثَرَها يَتَبَيَّنُ يَوْمَئِذٍ؛ ولِأنَّ في ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِذَلِكَ اليَوْمِ، وإشارَةً إلى وُقُوعِ الجَزاءِ فِيهِ إنْ لَمْ تُغْفَرْ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِأبِيهِ وقَوْمِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ ما فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ صفحة 98 «خَطايايَ» عَلى الجَمْعِ.

الشعراء 26:83

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ لَهم مِن صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ لُطْفِهِ تَعالى بِهِ ما ذَكَرَ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى مُناجاتِهِ تَعالى ودُعائِهِ لِرَبْطِ العَتِيدِ وجَلْبِ المَزِيدِ. والمُرادُ بِالحُكْمِ - عَلى ما اخْتارَهُ الإمامُ - الحِكْمَةُ الَّتِي هي كَمالُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِالخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُفَسَّرَ بِكَمالِ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالذّاتِ والصِّفاتِ وسائِرِ شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأحْكامِهِ الَّتِي يُتَعَبَّدُ بِها. وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ، ورُدَّ بِأنَّها كانَتْ حاصِلَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالمَطْلُوبُ إمّا عَيْنُ الحاصِلِ وهو مُحالٌ ضَرُورَةَ امْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ أوْ غَيْرِهِ وهو مُحالٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ لا يَكُونُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ. وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِها حاصِلَةً وقْتَ الدُّعاءِ - سَلَّمْنا ذَلِكَ - إلّا أنَّهُ لا مَحْذُورَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَلَبَ كَمالِها، ويَكُونَ بِمَزِيدِ القُرْبِ والوُقُوفِ عَلى الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، والأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَلَبَ الثَّباتِ، ولا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ طَلَبُ كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِأنْ يَكُونَ مُوَفَّقًا لِأعْمالٍ تُرَشِّحُهُ لِلِانْتِظامِ في زُمْرَةِ الكامِلِينَ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، المُنَزَّهِينَ عَنْ كَبائِرِ الذُّنُوبِ وصَغائِرِها، وقَدَّمَ الدُّعاءَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ القُوَّةَ العِلْمِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ - وإنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ - وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، فَكَما أنَّ الرُّوحَ أشْرَفُ مِنَ البَدَنِ كَذَلِكَ العِلْمُ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُكْمِ الحِكْمَةُ الَّتِي هي الكَمالُ في العِلْمِ والعَمَلِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي﴾ إلَخْ، طَلَبُ الكَمالِ في العَمَلِ، وذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ؛ اعْتِناءً بِالعَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ النَّتِيجَةُ والثَّمَرَةُ لِلْعِلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعاشِ وبِالثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالحُكْمِ رِياسَةُ الخَلْقِ وبِالإلْحاقِ بِالصّالِحِينَ التَّوْفِيقُ لِلْعَدْلِ فِيما بَيْنَهم مَعَ القِيامِ بِحُقُوقِهِ تَعالى. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الجَمْعُ بَيْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحْسُنُ بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ طَلَبُهُ أنْ يَكُونَ مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُفَسَّرَ الحُكْمُ بِالحِكْمَةِ بِمَعْنى الكَمالِ في العِلْمِ والعَمَلِ، والإلْحاقُ بِالصّالِحِينَ بِجَعْلِ مَنزِلَتِهِ كَمَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - والمُرادُ بِطَلَبِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وعَمَلُهُ مَقْبُولِينَ؛ إذْ ما لَمْ يُقْبَلا لا يُلْحَقُ صاحِبُهُما بِالصّالِحِينَ، ولا تُجْعَلُ مَنزِلَتُهُ كَمَنزِلَتِهِمْ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ قَوْلِ: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وصَلاحًا) أوْ (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا واجْعَلْنِي مِنَ الصّالِحِينَ) إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

الشعراء 26:84

﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِنَفْعِي ذِكْرًا صادِقًا في جَمِيعِ الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وحاصِلُهُ خُلْدُ صِيتِي وذِكْرِي الجَمِيلِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ والسُّنَنِ المَرْضِيَّةِ لَدَيْهِ تَعالى المُسْتَحْسَنَةِ الَّتِي يَقْتَدِي بِها الآخِرُونَ، ويَذْكُرُونَهُ بِسَبَبِها بِالخَيْرِ وهم صادِقُونَ. فاللِّسانُ مَجازٌ عَنِ الذِّكْرِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، واللّامُ لِلنَّفْعِ، ومِنهُ يُسْتَفادُ الوَصْفُ بِالجَمِيلِ، وتَعْرِيفُ ( الآخِرِينَ ) لِلِاسْتِغْراقِ، والكَلامُ مُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها، وكَأنَّهُ المَقْصُودُ بِالطَّلَبِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، ولا بَأْسَ بِأنْ يُرِيدَ تَخْلِيدَ ذِكْرِهِ بِالجَمِيلِ ومَدْحِهِ بِما كانَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في زَمانِهِ، ولِكَوْنِ الثَّناءِ الحَسَنِ مِمّا يَدُلُّ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ورِضائِهِ - كَما ورَدَ في الحَدِيثِ - يَحْسُنُ طَلَبُهُ مِنَ الأكابِرِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، والقَصْدُ - كُلُّ القَصْدِ - هو الرِّضا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآخِرِينَ آخِرُ أُمَّةٍ يُبْعَثُ فِيها نَبِيٌّ، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الصِّيتَ الحَسَنَ والذِّكْرَ الجَمِيلَ فِيهِمْ بِبِعْثَةِ نَبِيٍّ فِيهِمْ يُجَدِّدُ أصْلَ دِينِهِ، ويَدْعُو النّاسَ إلى ما كانَ يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، مُعَلِّمًا لَهم أنَّ ذَلِكَ مِلَّةُ صفحة 99 إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَأنَّهُ طَلَبَ بِعْثَةَ نَبِيٍّ كَذَلِكَ في آخِرِ الزَّمانِ لا تُنْسَخُ شَرِيعَتُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ وقَدْ طَلَبَ بِعْثَتَهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما هو أصْرَحُ مِمّا ذُكِرَ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ إلَخْ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»». وقِيلَ: إذا أُرِيدَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيِ: اجْعَلْ لِي صاحِبَ لِسانِ صِدْقٍ في الآخِرِينَ، أوْ جَعْلُ اللِّسانِ مَجازًا عَنِ الدّاعِي بِإطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ بِاللِّسانِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ لِي داعِيًا إلى الحَقِّ صادِقًا في الآخِرِينَ، ولا يَخْفى أنَّ فِيما ذَكَرْناهُ غِنًى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وفي تَعْلِيقاتِ شَيْخِ مَشايِخِنا العَلّامَةِ صِبْغَةِ اللَّهِ الحَيْدَرِيِّ - طابَ ثَراهُ - عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ إمْعانِ النَّظَرِ، فَلا تَغْتَرَّ بِهِ. واسْتَدَلَّ الإمامُ مالِكٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ - عَلى ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ - انْصِرافُ الهِمَمِ إلى ما بِهِ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى زُلْفى، وأنَّهُ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِاكْتِسابِ المُثْنِي أوْ غَيْرِهِ نَحْوَ ما أثْنى بِهِ فَيُثابُ، فَيُشارِكُهُ فِيهِ المُثْنى عَلَيْهِ، كَما هو مُقْتَضى: ««مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأُمُورَ بِمَقاصِدِها.

الشعراء 26:85

﴿واجْعَلْنِي﴾ في الآخِرَةِ ﴿مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ مَرَّ مَعْنى وِراثَةِ الجَنَّةِ فَتَذَكَّرْ. واسْتُدِلَّ بِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا - بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ الأدْعِيَةِ - عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، وكَذا كَوْنُ العَبْدِ ذا مَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإلّا لاسْتَغْنى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَلَبِ الكَمالِ في العِلْمِ والعَمَلِ، وكَذا بِطَلَبِ الإلْحاقِ بِالصّالِحِينَ ذَوِي الزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ تَحْسُنُ الإطالَةُ في مَقامِ الِابْتِهالِ، ولا يُسْتَغْنى بِمَلْزُومٍ عَنْ لازِمٍ في المَقالِ، فالأوْلى الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ وهو كَثِيرٌ مُشْتَهَرٌ، هَذا وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ فَضْلِ هَذِهِ الأدْعِيَةِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ هُداهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُويَهْ: لِصَوابِ الأعْمالِ - والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ أطْعَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ شَفاهُ اللَّهُ تَعالى، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى حَياةَ السُّعَداءِ وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ خَطاياهُ كُلَّها ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ وهَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى وصالِحِ مَن بَقِيَ، واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ مِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ»». وكانَ الحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا، وكَأنَّهُ أُخِذَ مِن قَوْلِهِ:

الشعراء 26:86

﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - أيِ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مَغْفِرَتَكَ، وحاصِلُهُ: وفِّقْهُ لِلْإيمانِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَ هَذا الدُّعاءُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وإنْ كانَ بَعْدَ المَوْتِ فالدُّعاءُ بِالمَغْفِرَةِ عَلى ظاهِرِهِ، وجازَ الدُّعاءُ بِها لِمُشْرِكٍ - واللَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ - لِأنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ إذْ ذاكَ، والعَقْلُ لا يَحْكُمُ بِالِامْتِناعِ، وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ صفحة 100 أنَّ كَوْنَهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، وكانَ قَبْلَهم قَدْ يَغْفِرُ، وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يُخْفِي الإيمانَ تَقِيَّةً مِن نَمْرُوذَ، ولِذَلِكَ وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا تَبَيَّنَ عَداوَتَهُ لِلْإيمانِ - في الدُّنْيا بِالوَحْيِ أوْ في الآخِرَةِ - تَبَرَّأ مِنهُ. وقَوْلُهُ عَلى هَذا: ﴿مِنَ الضّالِّينَ﴾ بِناءً عَلى ما ظَهَرَ لِغَيْرِهِ مِن حالِهِ، أوْ مَعْناهُ: مِنَ الضّالِّينَ في كَتْمِ إيمانِهِ وعَدَمِ اعْتِرافِهِ بِلِسانِهِ تَقِيَّةً مِن نَمْرُوذَ، والكَلامُ في هَذا المَقامِ طَوِيلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ، فَتَذَّكَّرْ.

الشعراء 26:87

﴿ولا تُخْزِنِي﴾ بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في عِدادِ الضّالِّينَ بِعَدَمِ تَوْفِيقِهِ لِلْإيمانِ، أوْ بِمُعاتَبَتِي عَلى ما فَرَّطْتُ، أوْ بِنَقْصِ رُتْبَتِي عَنْ بَعْضِ الوُرّاثِ، أوْ بِتَعْذِيبِي. وحَيْثُ كانَتِ العاقِبَةُ مَجْهُولَةً، وتَعْذِيبُ مَن لا ذَنْبَ لَهُ جائِزٌ عَقْلًا - صَحَّ هَذا الطَّلَبُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِغَيْرِهِ، وهو مِنَ الخِزْيِ بِمَعْنى الهَوانِ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ - بِفَتْحِ الخاءِ - بِمَعْنى الحَياءِ ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيِ النّاسُ كافَّةً، والإضْمارُ - وإنْ لَمْ يُسْبَقْ ذِكْرُهم - لِما في عُمُومِ البَعْثِ مِنَ الشُّهْرَةِ الفاشِيَّةِ المُغْنِيَةِ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلضّالِّينَ، والكَلامُ مِن تَتِمَّةِ الدُّعاءِ لِأبِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُ الضّالُّونَ وأبِي فِيهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ - عَلى الأوَّلِ - أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الدُّعاءِ لِأبِيهِ أيْضًا، واسْتُظْهِرَ ذَلِكَ لِأنَّ الفَصْلَ بِالدُّعاءِ لِأبِيهِ بَيْنَ الدَّعَواتِ لِنَفْسِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وعَلى ما ذُكِرَ يَكُونُ قَدْ دَعا لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ بَعْدَ أنْ فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ.

الشعراء 26:88

﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا لِتَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، وهو إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ إلَخْ، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنُ عَطِيَّةَ - بَعْدَ أنْ أعْرَبَ الظَّرْفَ بَدَلًا مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ - قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي أخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي طَلَبَ إبْراهِيمُ أنْ لا يُخْزِيَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، ولا يَخْفى عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ مَعَ البَدَلِيَّةِ. والمُرادُ بِالبَنُونِ مَعْناهُ المُتَبادَرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ الأعْوانِ، وقِيلَ: المَعْنى يَوْمَ لا يَنْفَعُ شَيْءٌ مِن مَحاسِنِ الدُّنْيا وزِينَتِها، واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المالِ والبَنِينَ؛ لِأنَّهُما مُعْظَمُ المَحاسِنِ والزِّينَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

الشعراء 26:89

﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، و(مَن) مَحَلُّ نَصْبٍ، أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ - وإنْ كانَ مَصْرُوفًا في الدُّنْيا إلى وُجُوهِ البِرِّ والخَيْراتِ - ولا بِنُونَ - وإنْ كانُوا صُلَحاءَ مُسْتَأْهِلِينَ لِلشَّفاعَةِ - أحَدًا إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ عَنْ مَرَضِ الكُفْرِ والنِّفاقِ ضَرُورَةَ اشْتِراطِ نَفْعِ كُلٍّ مِنهُما بِالإيمانِ، وفي هَذا تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ اسْتِغْفارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ طَلَبًا لِهِدايَتِهِ إلى الإيمانِ؛ لِاسْتِحالَةِ طَلَبِ مَغْفِرَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كافِرًا مَعَ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعَدَمِ نَفْعِهِ لِأنَّهُ مِن بابِ الشَّفاعَةِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن فاعِلِ ( يَنْفَعُ ) و(مَن) في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِنهُ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى (مَن) أيْ: لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مالُ وبَنُونَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، حَيْثُ أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ البِرِّ، وأرْشَدَ بَنِيهِ إلى الحَقِّ، وحَثَّهم عَلى الخَيْرِ، وقَصَدَ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ تَعالى مُطِيعِينَ شُفَعاءَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ المالُ والبَنُونَ دَلالَةَ الخاصِّ عَلى العامِّ، أعْنِي مُطْلَقَ الغِنى، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وغِناهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، وهو مِنَ الغِنى الدِّينِيِّ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ في بَعْضِ الأخْبارِ. أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ ثَوْبانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ قالَ بَعْضُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ عَلِمْنا أيُّ المالِ خَيْرٌ اتَّخَذْناهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفْضَلُهُ لِسانٌ ذاكِرٌ، وقَلْبٌ شاكِرٌ، وزَوْجَةٌ صالِحَةٌ تُعِينُ المُؤْمِنَ عَلى إيمانِهِ»». وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ( مالٌ ) والكَلامُ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، صفحة 101 أيْ: لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، والمُرادُ بِحالِهِ سَلامَةُ قَلْبِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَحْصُلِ لِلِاسْتِثْناءِ مَعْنًى، ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مَثَلًا: (لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَسْلَمُ أوْ يَنْتَفِعُ) يَسْتَقِيمُ المَعْنى. وأجابَ عَنْهُ في الكَشْفِ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ مِن (مالٌ) لا يَتَحَصَّلُ المَعْنى بِدُونِ تَقْدِيرِ المُضافِ، وما ذَكَرَهُ المانِعُ اسْتِدْراكَ (مَن) مَجْمُوعَ الجُمْلَةِ إلى جُمْلَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ مِنَ المَبْحَثِ في شَيْءٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا مُناسِبًا لِلْمَقامِ جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَفْرُوغًا عَنْهُ فَلَمْ يُلَمْ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وقَدْ جُوِّزَ اتِّصالُ الِاسْتِثْناءِ بِتَقْدِيرِ الحالِ عَلى جَعْلِ الكَلامِ مِن بابِ: تَحِيَّةَ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ومِثالُهُ أنْ يُقالَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ. هَذا، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ القَلْبِ السَّلِيمِ القَلْبُ السَّلِيمُ عَنْ مَرَضِ الكُفْرِ والنِّفاقِ هو المَأْثُورَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ وابْنِ سِيرِينَ وغَيْرِهِمْ، وقالَ الإمامُ: هو الخالِي عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمَيْلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، ويَتْبَعُ ذَلِكَ الأعْمالُ الصّالِحاتُ؛ إذْ مِن عَلامَةِ سَلامَةِ القَلْبِ تَأْثِيرُها في الجَوارِحِ. وقالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقالَ الجُنَيْدُ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، القَلِقُ المُنْزَعِجُ مِن مَخافَةِ القَطِيعَةِ، وشاعَ إطْلاقُ السَّلِيمِ في لِسانِالعَرَبِ عَلى اللَّدِيغِ، وقِيلَ: هو الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وسَلَّمَ نَفْسَهُ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وسالَمَ أوْلِياءَهُ وحارَبَ أعْداءَهُ، وأسْلَمَ حَيْثُ نَظَرَ، فَعَرَفَ واسْتَسْلَمَ وانْقادَ لِلَّهِ تَعالى وأذْعَنَ لِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، والأنْسَبُ بِالمَقامِ المَعْنى المَأْثُورُ وما ذُكِرَ مِن تَأْوِيلاتِ الصُّوفِيَّةِ وقالَ في الكَشّافِ - فِيما نُقِلَ عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ وما بَعْدَهُ -: إنَّهُ مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، وصَدَّقَهُ أبُو حَيّانَ بِذَلِكَ في شَأْنِ الأوَّلِ.

الشعراء 26:90

﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يَنْفَعُ﴾ وصِيغَةُ الماضِي فِيهِ - وفِيما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ المُنْتَظِمَةِ مَعَهُ في سِلْكِ العَطْفِ - لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ وتَقَرُّرِهِ، كَما أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وهو مُتَوَجِّهٌ إلى النَّفْعِ فَيَدُلُّ الكَلامُ عَلى اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ النَّفْعِ واسْتِمْرارِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّهْوِيلِ، أيْ: قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ عَنِ الكُفْرِ، وقِيلَ: عَنْهُ وعَنْ سائِرِ المَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها مِنَ المَوْقِفِ، ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ، فَيَبْتَهِجُونَ بِأنَّهُمُ المَحْشُرُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:91

﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهو التَّقْوى والإيمانُ، أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم بِحَيْثُ يَرَوْنَها مَعَ ما فِيها مِن أنْواعِ الأحْوالِ الهائِلَةِ، ويَتَحَسَّرُونَ عَلى أنَّهُمُ المَسُوقُونَ إلَيْها، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الوَعْدِ؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالإزْلافِ - وهو غايَةُ التَّقْرِيبِ - يُشِيرُ إلى قُرْبِ الدُّخُولِ وتَحَقُّقِهِ، ولِذا قُدِّمَ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى بِخِلافِ الإبْرازِ - وهو الإراءَةُ ولَوْ مِن بُعْدٍ - فَإنَّهُ مَطْمَعٌ في النَّجاةِ، كَما قِيلَ: (مِنَ العَمُودِ إلى العَمُودِ فَرَجٌ). وقالَ ابْنُ كَمالٍ: في اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أرْضَ الحَشْرِ قَرِيبَةٌ مِنَ الجَحِيمِ، وحاصِلُهُ أنَّ الجَنَّةَ بَعِيدَةٌ مِن أرْضِ المَحْشَرِ بُعْدًا مَكانِيًّا، والنّارَ قَرِيبَةٌ مِنها قُرْبًا مَكانِيًّا؛ فَلِذا أُسْنِدَ الإزْلافُ - أيِ التَّقْرِيبُ - إلى الجَنَّةِ دُونَ الجَحِيمِ، قِيلَ: ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ وأنَّ النّارَ تَحْتَ الأرْضِ، وأنَّ تَبْدِيلَ الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَدِّها وإذْهابِ كَرَيَّتِها؛ إذْ حِينَئِذٍ يَظْهَرُ أمْرُ البُعْدِ والقُرْبِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الجَنَّةِ في السَّماءِ مِمّا يَعْتَقِدُهُ أهْلُ السُّنَّةِ ولَيْسَ في ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَهم يُعْتَدُّ بِهِ، وأمّا كَوْنُ النّارِ تَحْتَ الأرْضِ فَفِيهِ تَوَقُّفٌ، قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في إتْمامِ الدِّرايَةِ: نَعْتَقِدُ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ ونَقِفُ عَنِ النّارِ، ونَقُولُ: مَحَلُّها حَيْثُ صفحة 102 لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي حَدِيثٌ أعْتَمِدُهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: تَحْتَ الأرْضِ، انْتَهى. وكَوْنُ تَبْدِيلِ الأرْضِ بِمَدِّها وإذْهابِ كَرَيَّتِها قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، واخْتارَ الإمامُ القُرْطُبِيُّ - بَعْدَ أنْ نَقَلَ في التَّذْكِرَةِ أحادِيثَ كَثِيرَةً - أنَّ تَبْدِيلَ الأرْضِ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ أرْضًا أُخْرى بَيْضاءَ مِن فِضَّةٍ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ حَرامٌ، ولا جَرى فِيها ظُلْمٌ قَطُّ، والأوْلى أنْ يُقالَ في بُعْدِ الجَنَّةِ وقُرْبِ النّارِ مِن أرْضِ المَحْشَرِ: إنَّ الوُصُولَ إلى الجَنَّةِ بِالعُبُورِ عَلى الصِّراطِ وهو مَنصُوبٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، فالوُصُولُ إلى جَهَنَّمَ أوَّلًا وإلى الجَنَّةِ آخِرًا بِواسِطَةِ العُبُورِ، وهو ظاهِرٌ في القُرْبِ والبُعْدِ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الجَنَّةَ تُنْقَلُ عَنْ مَكانِها اليَوْمَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذِ التَّقْرِيبُ يَسْتَدْعِي النَّقْلَ ولَيْسَ في الأحادِيثِ - عَلى ما نَعْلَمُ - ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. نَعَمْ، جاءَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى نَقْلِ النّارِ، فَفي التَّذْكِرَةِ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ، مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ»» والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى (يُؤْتى بِها) يُجاءُ بِها مِنَ المَحَلِّ الَّذِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في التَّذْكِرَةِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أسْئِلَتِهِ: فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ قُرِّبَتْ، والجَنَّةُ لا تَنْتَقِلُ عَنْ مَكانِها ولا تُحَوَّلُ؟ قُلْنا: مَعْناهُ: وأُزْلِفَتِ المُتَّقُونَ إلى الجَنَّةِ، وهَذا كَما يُقالُ الحاجُّ إذا دَنَوْا إلى مَكَّةَ: قَرُبَتْ مَكَّةُ مِنّا، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّها كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم فَلَمّا رُفِعَتِ الحُجُبُ بَيْنَها وبَيْنَهم كانَ ذَلِكَ تَقْرِيبًا، انْتَهى، ويَرِدُ عَلى الأخِيرِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ مِثْلُهُ في الجَحِيمِ، وحِينَئِذٍ يُسْألُ عَنْ وجْهِ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ويَرِدُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الجَنَّةَ لا تَنْتَقِلُ عَنْ مَكانِها أنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، ولا يَلْزَمُ لِصِحَّةِ القَوْلِ بِهِ نَقْلُ حَدِيثٍ يَدُلُّ عَلى نَقْلِها يَوْمَئِذٍ، فَلا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِهِ وتَفْوِيضِ الكَيْفِيَّةِ إلى عِلْمِ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ، وإذا أُرِيدَ التَّأْوِيلُ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِحَمْلِ التَّقْرِيبِ عَلى التَّقْرِيبِ بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَقْلٌ فَقَدْ يُرى الشَّيْءُ قَرِيبًا - وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْرِ في غايَةِ البُعْدِ - كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في النُّجُومِ، وقَدْ يُقَرَّبُ البَعِيدُ في الرُّؤْيَةِ بِواسِطَةِ المَناظِرِ والآلاتِ المَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ، وقَدْ يَنْعَكِسُ الحالُ بِواسِطَتِها أيْضًا فَيُرى القَرِيبُ بَعِيدًا، ومَتى جازَ وُقُوعُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ الآلاتِ في هَذِهِ النَّشْأةِ جازَ أنْ يَقَعَ في النَّشْأةِ الأُخْرى بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ الأعْمَشُ «فَبُرِّزَتِ» بِالفاءِ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ «وبَرَزَتْ» بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ و«الجَحِيمُ» بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

الشعراء 26:92

﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ تَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِهِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُكم في هَذا المَوْقِفِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بِدَفْعِ ما تُشاهِدُونَ مِنَ الجَحِيمِ وما فِيها مِنَ العَذابِ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ لا يُتَوَقَّعُ لَهُ جَوابٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ أيْ أُلْقُوا في الجَحِيمِ عَلى وُجُوهِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها، فالكَبْكَبَةُ تَكْرِيرُ الكَبِّ وهو مِمّا ضُوعِفَ فِيهِ الفاءُ، كَما قالَ الزَّجّاجُ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الثّالِثَ بَدَلٌ مِن مِثْلِ الثّانِي، فَأصْلُ (كَبْكَبَ) عِنْدَهم (كَبَّبَ) فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الثّانِيَةِ كافٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهُمُ الأصْنامُ، وأُكِّدَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ أعْنِي ( هم ) وكِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْعُقَلاءِ، واسْتُعْمِلا صفحة 103 فِي الأصْنامِ؛ تَهَكُّمًا، أوْ بِناءً عَلى إعْطائِها الفَهْمَ والنُّطْقَ، أيْ كُبْكِبَ فِيها الأصْنامُ والغاوُونَ الَّذِينَ عَبَدُوها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ العابِدُونَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الغَوايَةِ، وفي تَأْخِيرِ ذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ رَمْزٌ إلى أنَّهم يُؤَخَّرُونَ في الكَبْكَبَةِ عَنْها؛ لِيُشاهِدُوا سُوءَ حالِها فَيَنْقَطِعُ رَجاؤُهم قَبْلَ دُخُولِ الجَحِيمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ ضَمِيرَ (كُبْكِبُوا) ومُؤَكَّدَهُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، والغاوُونَ سائِرُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا ويُرادُ بِهِمُ التَّبِعَةُ والغاوُونَ هُمُ القادَةُ المُتَّبَعُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي الإنْسِ مُطْلَقًا ﴿والغاوُونَ﴾ الشَّياطِينُ، والكُلُّ كَما تَرى، ويَبْعُدُ الأخِيرُ.

الشعراء 26:93

﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ تَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِهِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُكم في هَذا المَوْقِفِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بِدَفْعِ ما تُشاهِدُونَ مِنَ الجَحِيمِ وما فِيها مِنَ العَذابِ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ لا يُتَوَقَّعُ لَهُ جَوابٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ أيْ أُلْقُوا في الجَحِيمِ عَلى وُجُوهِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها، فالكَبْكَبَةُ تَكْرِيرُ الكَبِّ وهو مِمّا ضُوعِفَ فِيهِ الفاءُ، كَما قالَ الزَّجّاجُ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الثّالِثَ بَدَلٌ مِن مِثْلِ الثّانِي، فَأصْلُ (كَبْكَبَ) عِنْدَهم (كَبَّبَ) فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الثّانِيَةِ كافٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهُمُ الأصْنامُ، وأُكِّدَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ أعْنِي ( هم ) وكِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْعُقَلاءِ، واسْتُعْمِلا صفحة 103 فِي الأصْنامِ؛ تَهَكُّمًا، أوْ بِناءً عَلى إعْطائِها الفَهْمَ والنُّطْقَ، أيْ كُبْكِبَ فِيها الأصْنامُ والغاوُونَ الَّذِينَ عَبَدُوها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ العابِدُونَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الغَوايَةِ، وفي تَأْخِيرِ ذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ رَمْزٌ إلى أنَّهم يُؤَخَّرُونَ في الكَبْكَبَةِ عَنْها؛ لِيُشاهِدُوا سُوءَ حالِها فَيَنْقَطِعُ رَجاؤُهم قَبْلَ دُخُولِ الجَحِيمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ ضَمِيرَ (كُبْكِبُوا) ومُؤَكَّدَهُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، والغاوُونَ سائِرُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا ويُرادُ بِهِمُ التَّبِعَةُ والغاوُونَ هُمُ القادَةُ المُتَّبَعُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي الإنْسِ مُطْلَقًا ﴿والغاوُونَ﴾ الشَّياطِينُ، والكُلُّ كَما تَرى، ويَبْعُدُ الأخِيرُ.

الشعراء 26:94

﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ تَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِهِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُكم في هَذا المَوْقِفِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بِدَفْعِ ما تُشاهِدُونَ مِنَ الجَحِيمِ وما فِيها مِنَ العَذابِ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ لا يُتَوَقَّعُ لَهُ جَوابٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ أيْ أُلْقُوا في الجَحِيمِ عَلى وُجُوهِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها، فالكَبْكَبَةُ تَكْرِيرُ الكَبِّ وهو مِمّا ضُوعِفَ فِيهِ الفاءُ، كَما قالَ الزَّجّاجُ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الثّالِثَ بَدَلٌ مِن مِثْلِ الثّانِي، فَأصْلُ (كَبْكَبَ) عِنْدَهم (كَبَّبَ) فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الثّانِيَةِ كافٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهُمُ الأصْنامُ، وأُكِّدَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ أعْنِي ( هم ) وكِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْعُقَلاءِ، واسْتُعْمِلا صفحة 103 فِي الأصْنامِ؛ تَهَكُّمًا، أوْ بِناءً عَلى إعْطائِها الفَهْمَ والنُّطْقَ، أيْ كُبْكِبَ فِيها الأصْنامُ والغاوُونَ الَّذِينَ عَبَدُوها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ العابِدُونَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الغَوايَةِ، وفي تَأْخِيرِ ذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ رَمْزٌ إلى أنَّهم يُؤَخَّرُونَ في الكَبْكَبَةِ عَنْها؛ لِيُشاهِدُوا سُوءَ حالِها فَيَنْقَطِعُ رَجاؤُهم قَبْلَ دُخُولِ الجَحِيمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ ضَمِيرَ (كُبْكِبُوا) ومُؤَكَّدَهُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، والغاوُونَ سائِرُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا ويُرادُ بِهِمُ التَّبِعَةُ والغاوُونَ هُمُ القادَةُ المُتَّبَعُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي الإنْسِ مُطْلَقًا ﴿والغاوُونَ﴾ الشَّياطِينُ، والكُلُّ كَما تَرى، ويَبْعُدُ الأخِيرُ.

الشعراء 26:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّياطِينُ وإنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بِالذّاتِ في الأغْلَبِ، ولا حاجَةَ إلى تَخْرِيجِهِ عَلى الأقَلِّ وجَعْلِهِ مِن بابِ: إلى المَلِكِ النَّدْبِ وابْنِ الهُمامِ وقِيلَ: المُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ، واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأوَّلَ، وادَّعى أنَّهُ الوَجْهُ؛ لِأنَّ السِّياقَ والسَّبّاقَ في بَيانِ سُوءِ حالِ المُشْرِكِينَ في الجَحِيمِ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ فَلا وجاهَةَ لِذِكْرِ حالِ قَوْمٍ آخَرِينَ في هَذا الحالِ، بَلْ لا وُجُودَ لَهم في القِصَّةِ، وذِكْرُ الشَّياطِينِ مَعَ المُشْرِكِينَ لِكَوْنِهِمُ المُسَوِّلِينَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ، ولا يَخْفى أنَّ لِلتَّعْمِيمِ وجْهًا أيْضًا مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَهْوِيلٍ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجْمَعُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

الشعراء 26:96

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا﴾ إلَخْ، اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: كُبْكِبَ الآلِهَةُ والغاوُونَ عَبَدَتُها والشَّياطِينُ الدّاعُونَ إلَيْها قِيلَ: فَما وقَعَ؟ فَقِيلَ: قالُوا أيِ: العَبَدَةُ الغاوُونَ ﴿وهُمْ﴾ أيِ: الغاوُونَ ﴿فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ مَن مَعَهم مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ: قالُوا مُعْتَرِفِينَ بِخَطَئِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في الضَّلالَةِ مُتَحَسِّرِينَ مُعَيِّرِينَ لِأنْفُسِهِمْ - والحالُ أنَّهم بِصَدَدِ مُخاصَمَةِ مَن مَعَهم - مُخاطِبِينَ لِآلِهَتِهِمْ حَيْثُ يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى أهْلًا لِلْخِطابِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ، واسْمُها - عَلى ما قِيلَ - ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ – أيْ: إنَّهُ - أيِ الشَّأْنُ - كُنّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ واللّامَ بِمَعْنى إلّا، أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ واضِحٍ لا خَفاءَ فِيهِ، ووَصْفُهم لَهُ بِالوُضُوحِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ وبَيانِ خَطَئِهِمْ في رَأْيِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصْدِيرُهم قَسَمَهم بِحَرْفِ التّاءِ المُشْعِرَةِ بِالتَّعَجُّبِ عَلى ما قِيلَ.

الشعراء 26:97

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا﴾ إلَخْ، اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: كُبْكِبَ الآلِهَةُ والغاوُونَ عَبَدَتُها والشَّياطِينُ الدّاعُونَ إلَيْها قِيلَ: فَما وقَعَ؟ فَقِيلَ: قالُوا أيِ: العَبَدَةُ الغاوُونَ ﴿وهُمْ﴾ أيِ: الغاوُونَ ﴿فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ مَن مَعَهم مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ: قالُوا مُعْتَرِفِينَ بِخَطَئِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في الضَّلالَةِ مُتَحَسِّرِينَ مُعَيِّرِينَ لِأنْفُسِهِمْ - والحالُ أنَّهم بِصَدَدِ مُخاصَمَةِ مَن مَعَهم - مُخاطِبِينَ لِآلِهَتِهِمْ حَيْثُ يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى أهْلًا لِلْخِطابِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ، واسْمُها - عَلى ما قِيلَ - ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ – أيْ: إنَّهُ - أيِ الشَّأْنُ - كُنّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ واللّامَ بِمَعْنى إلّا، أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ واضِحٍ لا خَفاءَ فِيهِ، ووَصْفُهم لَهُ بِالوُضُوحِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ وبَيانِ خَطَئِهِمْ في رَأْيِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصْدِيرُهم قَسَمَهم بِحَرْفِ التّاءِ المُشْعِرَةِ بِالتَّعَجُّبِ عَلى ما قِيلَ.

الشعراء 26:98

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ظَرْفٌ لِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ، وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ ضَلَلْنا، وقِيلَ: لِلضَّلالِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ فِيهِ ضَعْفٌ صِناعِيٌّ مِن حَيْثُ إنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ بَعْدَ الوَصْفِ، ويُهَوِّنُ أمْرَ ذَلِكَ كَوْنُ المَعْمُولِ ظَرْفًا، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ(مُبِينٍ) وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (إذْ) تَعْلِيلِيَّةً كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، أيْ: تاللَّهِ لَقَدْ كُنّا في غايَةِ الضَّلالِ الفاحِشِ وقْتَ تَسْوِيَتِنا إيّاكُمْ، أوْ لِأنّا سَوَّيْناكم - أيُّها الأصْنامُ - في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي أنْتُمْ أدْنى مَخْلُوقاتِهِ وأذَلُّهم وأعْجَزُهم. ﴿وما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ الظّاهِرُ - بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الِاخْتِصامَ مَعَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ - أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ الشَّياطِينَ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِصامِ مَعَهم - وإنْ لَمْ يُورَدْ عَلى وجْهِ الخِطابِ - كَما أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِصامِ مَعَ الأصْنامِ، وكَوْنُ صفحة 104 المُرادِ بِهِمْ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُقاتِلٍ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ بَيانٌ لِسَبَبِ ضَلالِهِمْ بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِهِ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ رُؤَساؤُهم وكُبَراؤُهُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهم إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ والمَعاصِيَ، والقَصْرُ قِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأصْنامِ، ولَعَلَّهم أرادُوا بِنَفْيِ الإضْلالِ عَنْها إهانَتَها بِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ، ولَعَلَّ الأوْلى كَوْنُهُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا بِادِّعاءِ أنَّهُمُ الأوْحَدِيُّونَ في سَبَبِيَّةِ الإضْلالِ حَتّى إنَّ سَبَبِيَّةَ غَيْرِهِمْ لَهُ كَلا سَبَبِيَّةٍ، وهَذا واضِحٌ في الشَّياطِينِ لِأنَّ إضْلالَ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُبَراءِ ونَحْوِهِمْ بِواسِطَةِ إضْلالِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُزَيِّنُونَ الباطِلَ لِلْمَتْبُوعِ والتّابِعِ، ويُمْكِنُ أنْ يُعْتَبَرَ في غَيْرِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ وذَلِكَ إذا أُرِيدَ بِالمُجْرِمِينَ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ لا يَزالُونَ في حَيْرَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَدْرُونَ بِمَ يَتَشَبَّثُونَ فَلا يَضُرُّ إسْنادُهُمُ الإضْلالَ تارَةً إلى شَيْءٍ وأُخْرى إلى غَيْرِهِ، عَلى أنَّ الإسْنادَ إلى كُلٍّ بِاعْتِبارِ هَذا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصامُ بَيْنَ العَبَدَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، والخِطابُ في ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾ لِلْأصْنامِ مِن غَيْرِ التِزامِ القَوْلِ بِجَعْلِهِمْ أهْلًا لَهُ، بَلْ هو كَخِطابِ المُضْطَرِّ لِلْحَجَرِ والشَّجَرِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ، والمَعْنى أنَّ العَبَدَةَ مَعَ تَخاصُمِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ بِأنْ يَقُولَ أحَدُهم لِلْآخَرِ: أنْتَ مَبْدَأُ ضَلالِي ولَوْلا أنْتَ لَكُنْتُ مُؤْمِنًا، اعْتَرَفُوا بِجُرْمِهِمْ وتَعَجَّبُوا وبَيَّنُوا سَبَبَهُ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأصْنامِ، يُنْطِقُهُمُ اللَّهُ تَعالى فَيُخاصِمُونَ العَبَدَةَ، فَضَمِيرُ ( هم ) عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: قالَ العَبَدَةُ مُعْتَرِفِينَ بِضَلالِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ مُبَيِّنِينَ سَبَبَهُ: إنْ كُنّا إلَخْ، والحالُ أنَّ الأصْنامَ يُخاصِمُونَهم قائِلِينَ: نَحْنُ جَماداتٌ مُتَبَرِّئُونَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وأنْتُمُ اتَّخَذْتُمُونا آلِهَةً فَألْقَيْتُمُونا في هَذِهِ الوَرْطَةِ. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ جُمْلَةِ ( قالُوا ) مُسْتَأْنَفَةً كَما هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( جُنُودُ إبْلِيسَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( قالُوا ) إلَخْ خَبَرُهُ، وضَمِيرُ ( قالُوا ) وكَذا ما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ لا يَتَسَنّى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِجُنُودِ إبْلِيسَ الشَّياطِينُ؛ لِما أنَّ المَقُولَ المَذْكُورَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، وإذا أُرِيدَ بِهِمْ مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ عَبَدَةُ الأصْنامِ وغَيْرُهم يَرِدُ أنَّ المَقُولَ المَذْكُورَ قَوْلُ فِرْقَةٍ مِنهم وهي العَبَدَةُ، فَإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ خِلافُ الظّاهِرِ ويَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ، بَلْ لَوْ قِيلَ بِفَسادِهِ لَمْ يَبْعُدِ احْتِمالُ كَوْنِ كُلِّ شَخْصٍ - سَواءٌ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ أوْ غَيْرَهُ - يُخاصِمُ مَعَ كُلِّ مَن يُصادِفُهُ مِن غَيْرِ صَلاحِيَةِ الآخَرِ لِلِاخْتِصامِ، ويَقُولُ ما ذُكِرَ لِلْأصْنامِ لِغايَةِ الحَيْرَةِ والضَّجَرَةِ. نَعَمْ، لَوْ أُرِيدَ بِجُنُودِ إبْلِيسَ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً ورُجُوعِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ - الغاوُونَ بِعَيْنِهِمْ، وتَكُونُ الإضافَةُ لِلْعَهْدِ - والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالعُنْوانِ السّابِقِ لِتَذْلِيلِهِمْ - لَمْ يَبْعُدْ جِدًّا. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الِابْتِدائِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ المَذْكُورَتَيْنِ، وفَسَّرَ الجُنُودَ بِالعُصاةِ مُطْلَقًا، وجَعَلَ ضَمِيرَ ( قالُوا ) لِـ(الغاوُونَ) وضَمِيرَ (هُمْ) و(يَخْتَصِمُونَ) لِلْجُنُودِ أوْ لِلْأصْنامِ، وفِيهِ - مَعَ خُرُوجِ الآيَةِ عَلَيْهِ عَنْ حُسْنِ الِانْتِظامِ - ما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ.

الشعراء 26:99

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ظَرْفٌ لِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ، وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ ضَلَلْنا، وقِيلَ: لِلضَّلالِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ فِيهِ ضَعْفٌ صِناعِيٌّ مِن حَيْثُ إنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ بَعْدَ الوَصْفِ، ويُهَوِّنُ أمْرَ ذَلِكَ كَوْنُ المَعْمُولِ ظَرْفًا، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ(مُبِينٍ) وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (إذْ) تَعْلِيلِيَّةً كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، أيْ: تاللَّهِ لَقَدْ كُنّا في غايَةِ الضَّلالِ الفاحِشِ وقْتَ تَسْوِيَتِنا إيّاكُمْ، أوْ لِأنّا سَوَّيْناكم - أيُّها الأصْنامُ - في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي أنْتُمْ أدْنى مَخْلُوقاتِهِ وأذَلُّهم وأعْجَزُهم. ﴿وما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ الظّاهِرُ - بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الِاخْتِصامَ مَعَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ - أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ الشَّياطِينَ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِصامِ مَعَهم - وإنْ لَمْ يُورَدْ عَلى وجْهِ الخِطابِ - كَما أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِصامِ مَعَ الأصْنامِ، وكَوْنُ صفحة 104 المُرادِ بِهِمْ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُقاتِلٍ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ بَيانٌ لِسَبَبِ ضَلالِهِمْ بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِهِ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ رُؤَساؤُهم وكُبَراؤُهُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ . وعَنِ السُّدِّيِّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهم إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ والمَعاصِيَ، والقَصْرُ قِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأصْنامِ، ولَعَلَّهم أرادُوا بِنَفْيِ الإضْلالِ عَنْها إهانَتَها بِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ، ولَعَلَّ الأوْلى كَوْنُهُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا بِادِّعاءِ أنَّهُمُ الأوْحَدِيُّونَ في سَبَبِيَّةِ الإضْلالِ حَتّى إنَّ سَبَبِيَّةَ غَيْرِهِمْ لَهُ كَلا سَبَبِيَّةٍ، وهَذا واضِحٌ في الشَّياطِينِ لِأنَّ إضْلالَ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُبَراءِ ونَحْوِهِمْ بِواسِطَةِ إضْلالِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُزَيِّنُونَ الباطِلَ لِلْمَتْبُوعِ والتّابِعِ، ويُمْكِنُ أنْ يُعْتَبَرَ في غَيْرِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ وذَلِكَ إذا أُرِيدَ بِالمُجْرِمِينَ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ لا يَزالُونَ في حَيْرَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَدْرُونَ بِمَ يَتَشَبَّثُونَ فَلا يَضُرُّ إسْنادُهُمُ الإضْلالَ تارَةً إلى شَيْءٍ وأُخْرى إلى غَيْرِهِ، عَلى أنَّ الإسْنادَ إلى كُلٍّ بِاعْتِبارِ هَذا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصامُ بَيْنَ العَبَدَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، والخِطابُ في ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾ لِلْأصْنامِ مِن غَيْرِ التِزامِ القَوْلِ بِجَعْلِهِمْ أهْلًا لَهُ، بَلْ هو كَخِطابِ المُضْطَرِّ لِلْحَجَرِ والشَّجَرِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ، والمَعْنى أنَّ العَبَدَةَ مَعَ تَخاصُمِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ بِأنْ يَقُولَ أحَدُهم لِلْآخَرِ: أنْتَ مَبْدَأُ ضَلالِي ولَوْلا أنْتَ لَكُنْتُ مُؤْمِنًا، اعْتَرَفُوا بِجُرْمِهِمْ وتَعَجَّبُوا وبَيَّنُوا سَبَبَهُ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأصْنامِ، يُنْطِقُهُمُ اللَّهُ تَعالى فَيُخاصِمُونَ العَبَدَةَ، فَضَمِيرُ ( هم ) عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: قالَ العَبَدَةُ مُعْتَرِفِينَ بِضَلالِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ مُبَيِّنِينَ سَبَبَهُ: إنْ كُنّا إلَخْ، والحالُ أنَّ الأصْنامَ يُخاصِمُونَهم قائِلِينَ: نَحْنُ جَماداتٌ مُتَبَرِّئُونَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وأنْتُمُ اتَّخَذْتُمُونا آلِهَةً فَألْقَيْتُمُونا في هَذِهِ الوَرْطَةِ. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ جُمْلَةِ ( قالُوا ) مُسْتَأْنَفَةً كَما هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( جُنُودُ إبْلِيسَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( قالُوا ) إلَخْ خَبَرُهُ، وضَمِيرُ ( قالُوا ) وكَذا ما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ لا يَتَسَنّى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِجُنُودِ إبْلِيسَ الشَّياطِينُ؛ لِما أنَّ المَقُولَ المَذْكُورَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، وإذا أُرِيدَ بِهِمْ مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ عَبَدَةُ الأصْنامِ وغَيْرُهم يَرِدُ أنَّ المَقُولَ المَذْكُورَ قَوْلُ فِرْقَةٍ مِنهم وهي العَبَدَةُ، فَإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ خِلافُ الظّاهِرِ ويَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ، بَلْ لَوْ قِيلَ بِفَسادِهِ لَمْ يَبْعُدِ احْتِمالُ كَوْنِ كُلِّ شَخْصٍ - سَواءٌ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ أوْ غَيْرَهُ - يُخاصِمُ مَعَ كُلِّ مَن يُصادِفُهُ مِن غَيْرِ صَلاحِيَةِ الآخَرِ لِلِاخْتِصامِ، ويَقُولُ ما ذُكِرَ لِلْأصْنامِ لِغايَةِ الحَيْرَةِ والضَّجَرَةِ. نَعَمْ، لَوْ أُرِيدَ بِجُنُودِ إبْلِيسَ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً ورُجُوعِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ - الغاوُونَ بِعَيْنِهِمْ، وتَكُونُ الإضافَةُ لِلْعَهْدِ - والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالعُنْوانِ السّابِقِ لِتَذْلِيلِهِمْ - لَمْ يَبْعُدْ جِدًّا. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الِابْتِدائِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ المَذْكُورَتَيْنِ، وفَسَّرَ الجُنُودَ بِالعُصاةِ مُطْلَقًا، وجَعَلَ ضَمِيرَ ( قالُوا ) لِـ(الغاوُونَ) وضَمِيرَ (هُمْ) و(يَخْتَصِمُونَ) لِلْجُنُودِ أوْ لِلْأصْنامِ، وفِيهِ - مَعَ خُرُوجِ الآيَةِ عَلَيْهِ عَنْ حُسْنِ الِانْتِظامِ - ما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ.

الشعراء 26:100

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِن عِظَمِ الجِنايَةِ وظُهُورِ الضَّلالَةِ. والمُرادُ التَّلَهُّفُ والتَّأسُّفُ عَلى فَقْدِ شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهم مِمّا هم فِيهِ، أوْ صَدِيقٍ شَفِيقٍ يُهِمُّهُ ذَلِكَ، وقَدْ تَرَقَّوْا - لِمَزِيدِ انْحِطاطِ حالِهِمْ - في التَّأسُّفِ، حَيْثُ نَفَوْا أوَّلًا أنْ يَكُونَ لَهم مَن يَنْفَعُهم في تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ بِشَفاعَتِهِ صفحة 105 ونَفَوْا ثانِيًا أنْ يَكُونَ لَهم مَن يُهِمُّهُ أمْرُهُمْ، ويُشْفِقُ عَلَيْهِمْ، ويَتَوَجَّعُ لَهم وإنْ لَمْ يُخَلِّصْهُمْ، وأُتِيَ بِالشّافِعِ في سِياقِ النَّفْيِ جَمْعًا - وإنْ كانَ حُكْمُ هَذا الجَمْعِ في الِاسْتِغْراقِ لِمَكانِ مِنَ الزّائِدَةِ حُكْمَ المُفْرَدِ بِلا خِلافٍ، إنَّما الخِلافُ فِيما إذا لَمْ تَزِدْ مِن بَعْدِ النَّفْيِ داخِلَةً عَلى الجَمْعِ - رِعايَةً لِما كانُوا يَأْتُونَ بِهِ في الإثْباتِ مِنَ الجَمْعِ. وقالَ في الكَشّافِ: جُمِعَ الشّافِعُ لِكَثْرَةِ الشُّفَعاءِ، ووُحِّدَ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ إذا امْتُحِنَ بِإرْهاقِ ظالِمٍ نَهَضَتْ جَماعَةٌ وافِرَةٌ مِن أهْلِ بَلْدِهِ رَحْمَةً لَهُ وحِسْبَةً - إنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ بِأكْثَرِهِمْ مَعْرِفَةٌ - وأمّا الصَّدِيقُ الصّادِقُ في وِدادِكَ الَّذِي يُهِمُّهُ ما يُهِمُّكَ فَهو أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصَّدِيقِ الجَمْعَ، أيْ: فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ بِخِلافِ الشّافِعِ. وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ في تَوْحِيدِ الصَّدِيقِ وجْهًا آخَرَ أيْضًا، وهو أنَّ الصَّدِيقَ الواحِدَ يَسْعى أكْثَرَ مِمّا يَسْعى الشُّفَعاءُ، وحاصِلُهُ أنَّ الواحِدَ في مَعْنى الجَمْعِ بِحَسَبِ العادَةِ، فَلِذا اكْتُفِيَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ المُطابَقَةِ المَعْنَوِيَّةِ كَما قِيلَ: النّاسُ ألْفٌ مِنهُمُو كَواحِدٍ وواحِدٌ كالألْفِ إنْ أمْرٌ عَنا وقالَ بَعْضُ الكَلِمَةِ: إنَّ إيرادَ الشّافِعِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِمُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ الفاصِلَةِ، وأمّا إيرادُ الصَّدِيقِ مُفْرَدًا؛ فَلِأنَّ المَقامَ مَقامُ المُفْرَدِ، ومَصْلَحَةُ الفاصِلَةِ حَصَلَتْ قَبْلَهُ وهو كَما تَرى. وقالَ سَعْدُ أفَنْدِي: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ الأوَّلِ وإفْرادُ الثّانِي إشارَةً إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِغْراقَيْنِ، وفِيهِ أنَّ إيثارَ صِيغَةٍ لِإفادَةِ مَسْألَةٍ عَرَبِيَّةٍ لَيْسَ مِن دَأْبِ القُرْآنِ المَجِيدِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الإفْرادَ عَلى الأصْلِ، والجَمْعَ - وإنْ أدّى مُؤَدّاهُ - عَلى سُنَنِ ما كانُوا يَقُولُونَهُ ويَزْعُمُونَهُ في الدُّنْيا مِن تَعَدُّدِ الشُّفَعاءِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ المَنفِيِّ هُنا أعَمَّ مِنَ المُثْبَتِ هُناكَ مِن حَيْثُ شُمُولُهُ لِلْأصْنامِ والكُبَراءِ والمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما هو المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المَعْنى: (فَما لَنا مِن شافِعِينَ) مِن أهْلِ السَّماءِ ولا صَدِيقٌ حَمِيمٌ مِن أهْلِ الأرْضِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم عَنَوْا بِالشّافِعِينَ هُنا ما عَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ مِن كُبَرائِهِمْ وساداتِهِمْ، وفَرَّعُوا النَّفْيَ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: سادَتُنا وكُبَراؤُنا الَّذِينَ أضَلُّونا مُجْرِمُونَ مُعَذَّبُونَ مِثْلَنا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى السَّعْيِ في نَفْعِنا والشَّفاعَةِ لَنا. وفِي الكَشّافِ (فَما لَنا مِن شافِعِينَ) كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، ولا صَدِيقٍ كَما نَرى لَهم أصْدِقاءَ، فَإنَّهُ لا يَتَصادَقُ في الآخِرَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ قالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ أوْ ( ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ) مِنَ الَّذِينَ كُنّا نَعُدُّهم شُفَعاءَ وأصْدِقاءَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وكانَ لَهُمُ الأصْدِقاءُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ أرادُوا أنَّهم وقَعُوا في مَهْلَكَةٍ عَلِمُوا أنَّ الشُّفَعاءَ والأصْدِقاءَ لا يَنْفَعُونَهم ولا يَدْفَعُونَ عَنْهُمْ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ؛ لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، انْتَهى. والظّاهِرُ عَلى هَذا الأخِيرِ أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، بِحَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ أحَدٌ ولَوْ أدْنى نَفْعٍ، وهو وجْهٌ وجِيهٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَكادُ يَتَسَنّى عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ الشَّفاعَةَ في الخَلاصِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها أوْ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِمْ: فَما لَنا مِن شافِعِينَ كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، فَما لَنا مِن شافِعِينَ يُخَلِّصُونا مِنَ النّارِ كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ يُخَلِّصُونَهم مِنها، فارْتِضاءُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِهَذا الوَجْهِ غَرِيبٌ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ التَّشْبِيهُ بِاعْتِبارِ مُطْلَقِ الشَّفاعَةِ، والمُعْتَزِلَةُ صفحة 106 يُجَوِّزُونَ بَعْضَ أصْنافِها كالشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، لَكِنْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الشعراء 26:101

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِن عِظَمِ الجِنايَةِ وظُهُورِ الضَّلالَةِ. والمُرادُ التَّلَهُّفُ والتَّأسُّفُ عَلى فَقْدِ شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهم مِمّا هم فِيهِ، أوْ صَدِيقٍ شَفِيقٍ يُهِمُّهُ ذَلِكَ، وقَدْ تَرَقَّوْا - لِمَزِيدِ انْحِطاطِ حالِهِمْ - في التَّأسُّفِ، حَيْثُ نَفَوْا أوَّلًا أنْ يَكُونَ لَهم مَن يَنْفَعُهم في تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ بِشَفاعَتِهِ صفحة 105 ونَفَوْا ثانِيًا أنْ يَكُونَ لَهم مَن يُهِمُّهُ أمْرُهُمْ، ويُشْفِقُ عَلَيْهِمْ، ويَتَوَجَّعُ لَهم وإنْ لَمْ يُخَلِّصْهُمْ، وأُتِيَ بِالشّافِعِ في سِياقِ النَّفْيِ جَمْعًا - وإنْ كانَ حُكْمُ هَذا الجَمْعِ في الِاسْتِغْراقِ لِمَكانِ مِنَ الزّائِدَةِ حُكْمَ المُفْرَدِ بِلا خِلافٍ، إنَّما الخِلافُ فِيما إذا لَمْ تَزِدْ مِن بَعْدِ النَّفْيِ داخِلَةً عَلى الجَمْعِ - رِعايَةً لِما كانُوا يَأْتُونَ بِهِ في الإثْباتِ مِنَ الجَمْعِ. وقالَ في الكَشّافِ: جُمِعَ الشّافِعُ لِكَثْرَةِ الشُّفَعاءِ، ووُحِّدَ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ إذا امْتُحِنَ بِإرْهاقِ ظالِمٍ نَهَضَتْ جَماعَةٌ وافِرَةٌ مِن أهْلِ بَلْدِهِ رَحْمَةً لَهُ وحِسْبَةً - إنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ بِأكْثَرِهِمْ مَعْرِفَةٌ - وأمّا الصَّدِيقُ الصّادِقُ في وِدادِكَ الَّذِي يُهِمُّهُ ما يُهِمُّكَ فَهو أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصَّدِيقِ الجَمْعَ، أيْ: فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ بِخِلافِ الشّافِعِ. وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ في تَوْحِيدِ الصَّدِيقِ وجْهًا آخَرَ أيْضًا، وهو أنَّ الصَّدِيقَ الواحِدَ يَسْعى أكْثَرَ مِمّا يَسْعى الشُّفَعاءُ، وحاصِلُهُ أنَّ الواحِدَ في مَعْنى الجَمْعِ بِحَسَبِ العادَةِ، فَلِذا اكْتُفِيَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ المُطابَقَةِ المَعْنَوِيَّةِ كَما قِيلَ: النّاسُ ألْفٌ مِنهُمُو كَواحِدٍ وواحِدٌ كالألْفِ إنْ أمْرٌ عَنا وقالَ بَعْضُ الكَلِمَةِ: إنَّ إيرادَ الشّافِعِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِمُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ الفاصِلَةِ، وأمّا إيرادُ الصَّدِيقِ مُفْرَدًا؛ فَلِأنَّ المَقامَ مَقامُ المُفْرَدِ، ومَصْلَحَةُ الفاصِلَةِ حَصَلَتْ قَبْلَهُ وهو كَما تَرى. وقالَ سَعْدُ أفَنْدِي: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ الأوَّلِ وإفْرادُ الثّانِي إشارَةً إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِغْراقَيْنِ، وفِيهِ أنَّ إيثارَ صِيغَةٍ لِإفادَةِ مَسْألَةٍ عَرَبِيَّةٍ لَيْسَ مِن دَأْبِ القُرْآنِ المَجِيدِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الإفْرادَ عَلى الأصْلِ، والجَمْعَ - وإنْ أدّى مُؤَدّاهُ - عَلى سُنَنِ ما كانُوا يَقُولُونَهُ ويَزْعُمُونَهُ في الدُّنْيا مِن تَعَدُّدِ الشُّفَعاءِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ المَنفِيِّ هُنا أعَمَّ مِنَ المُثْبَتِ هُناكَ مِن حَيْثُ شُمُولُهُ لِلْأصْنامِ والكُبَراءِ والمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما هو المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المَعْنى: (فَما لَنا مِن شافِعِينَ) مِن أهْلِ السَّماءِ ولا صَدِيقٌ حَمِيمٌ مِن أهْلِ الأرْضِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم عَنَوْا بِالشّافِعِينَ هُنا ما عَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ مِن كُبَرائِهِمْ وساداتِهِمْ، وفَرَّعُوا النَّفْيَ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: سادَتُنا وكُبَراؤُنا الَّذِينَ أضَلُّونا مُجْرِمُونَ مُعَذَّبُونَ مِثْلَنا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى السَّعْيِ في نَفْعِنا والشَّفاعَةِ لَنا. وفِي الكَشّافِ (فَما لَنا مِن شافِعِينَ) كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، ولا صَدِيقٍ كَما نَرى لَهم أصْدِقاءَ، فَإنَّهُ لا يَتَصادَقُ في الآخِرَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ قالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ أوْ ( ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ) مِنَ الَّذِينَ كُنّا نَعُدُّهم شُفَعاءَ وأصْدِقاءَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وكانَ لَهُمُ الأصْدِقاءُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ أرادُوا أنَّهم وقَعُوا في مَهْلَكَةٍ عَلِمُوا أنَّ الشُّفَعاءَ والأصْدِقاءَ لا يَنْفَعُونَهم ولا يَدْفَعُونَ عَنْهُمْ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ؛ لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، انْتَهى. والظّاهِرُ عَلى هَذا الأخِيرِ أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، بِحَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ أحَدٌ ولَوْ أدْنى نَفْعٍ، وهو وجْهٌ وجِيهٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَكادُ يَتَسَنّى عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ الشَّفاعَةَ في الخَلاصِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها أوْ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِمْ: فَما لَنا مِن شافِعِينَ كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، فَما لَنا مِن شافِعِينَ يُخَلِّصُونا مِنَ النّارِ كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ يُخَلِّصُونَهم مِنها، فارْتِضاءُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِهَذا الوَجْهِ غَرِيبٌ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ التَّشْبِيهُ بِاعْتِبارِ مُطْلَقِ الشَّفاعَةِ، والمُعْتَزِلَةُ صفحة 106 يُجَوِّزُونَ بَعْضَ أصْنافِها كالشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، لَكِنْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الشعراء 26:102

و(لَوْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي بِدَلِيلِ نَصْبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في جَوابِها، وأصْلُها لَوِ الِامْتِناعِيَّةُ، وحَيْثُ إنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ لِما يُمْتَنَعُ أُرِيدَ بِها ذَلِكَ مَجازًا مُرْسَلًا أوِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، ثُمَّ شاعَ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ في ذَلِكَ، وقِيلَ: هي حَقِيقَةٌ فِيما ذُكِرَ، وقِيلَ: أصْلُها المَصْدَرِيَّةُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والمَعْنى: فَلَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، فَإنْ نَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلا يَنالُنا إذا مُتْنا فَبُعِثْنا مِثْلُ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا يَنْفَعُ فِيهِ أحَدٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ (لَوْ) شَرْطِيَّةً، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَفَعَلْنا مِنَ الخَيْراتِ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ لَخُلِّصْنا مِنَ العَذابِ، أوْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ: ما أضَلَّنا المُجْرِمُونَ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أجْزَلُ، ويُقَدَّرُ المَحْذُوفُ بَعْدَ ﴿فَنَكُونَ﴾ إلَخْ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُتَحَصِّلَ مِنهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( كَرَّةً ) أيْ: فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَفَعَلْنا إلَخْ. وتَعَقَّبَ شَيْخُ الإسْلامِ ذَلِكَ بِأنَّهُ إنَّما يُفِيدُ تَحَقُّقَ مَضْمُونِ الجَوابِ عَلى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ كَرَّتِهِمْ وإيمانِهِمْ مَعًا مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى اسْتِلْزامِ الكَرَّةِ لِلْإيمانِ أصْلًا، مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ حَتْمًا، وفي قَوْلِهِ: (مِن غَيْرِ دَلالَةٍ) إلَخْ، بَحْثٌ - عَلى ما قِيلَ - حَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: حاصِلُ الآيَةِ: إنْ تَيَسَّرَ لَنا الرَّجْعَةُ والإيمانُ المُتَعَقِّبُ إيّاها لَفَعَلْنا مِن عِباداتِ أهْلِ الإيمانِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ العِبارَةُ، والتِزامُ ثَمَراتِ الإيمانِ التِزامٌ لِلْإيمانِ أوَّلًا، ومَقْصُودُهم بَيانُ اسْتِلْزامِ الرَّجْعَةِ لِفِعْلِ الخَيْراتِ كُلِّها، وأمّا نَفْسُ الإيمانِ بَعْدَ هَذِهِ المُشاهَدَةِ فَلا يَحْتاجُ إلى البَيانِ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ قَوْلَهم ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِمَعْنى: فَنَكُونَ مِنَ المَقْبُولِ إيمانُهُمْ، وقَبُولُ اللَّهِ تَعالى إيمانَهم لا يَتَرَتَّبُ عَلى رَجْعَتِهِمُ البَتَّةَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَتَخَلَّفَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمْ: إنْ تَيَسَّرَ لَنا الرَّجْعَةُ وإنْ قُبِلَ إيمانُنا لَفَعَلْنا إلَخْ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ الدَّلالَةَ عَلى اسْتِلْزامِ الكُرَةِ لِلْإيمانِ - كَما زَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ - ونُوقِشَ فِيهِ بِأنَّ تَيَسُّرَ الرَّجْعَةِ إنَّما يَكُونُ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعَفْوِهِ، وهي تَسْتَلْزِمُ قَبُولَ إيمانِهِمْ، والحَقُّ أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى احْتِمالِ شَرْطِيَّةِ (لَوْ) والتَّكَلُّفِ لَهُ مَعَ جَزالَةِ المَعْنى الظّاهِرِ المُتَبادَرِ.

الشعراء 26:103

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا فَلا حاجَةَ إلى إعادَتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ مُخْتارَنا في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، ولِشَيْخِ الإسْلامِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى المُتَأمِّلِ، فَتَأمَّلْ. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ القَوْمُ - كَما في المِصْباحِ - يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ كُلُّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، نَحْوُ رَهْطٍ ونَفَرٍ، ولِذا يُصَغَّرُ عَلى قُوَيْمَةٍ، وقِيلَ: هو مُذَكَّرٌ ولَحِقَتْ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ عَلى إرادَةِ الأُمَّةِ والجَماعَةِ مِنهُ، وتَكْذِيبُهُمُ المُرْسَلِينَ بِاعْتِبارِ إجْماعِ الكُلِّ عَلى التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُرْسَلِينَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَعْلِ اللّامِ لِلْجِنْسِ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: (فُلانٌ يَرْكَبُ الدَّوابَّ ويَلْبَسُ البُرُودَ) وما لَهُ إلّا دابَّةٌ واحِدَةٌ وبُرْدٌ واحِدٌ

الشعراء 26:104

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا فَلا حاجَةَ إلى إعادَتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ مُخْتارَنا في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، ولِشَيْخِ الإسْلامِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى المُتَأمِّلِ، فَتَأمَّلْ. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ القَوْمُ - كَما في المِصْباحِ - يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ كُلُّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، نَحْوُ رَهْطٍ ونَفَرٍ، ولِذا يُصَغَّرُ عَلى قُوَيْمَةٍ، وقِيلَ: هو مُذَكَّرٌ ولَحِقَتْ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ عَلى إرادَةِ الأُمَّةِ والجَماعَةِ مِنهُ، وتَكْذِيبُهُمُ المُرْسَلِينَ بِاعْتِبارِ إجْماعِ الكُلِّ عَلى التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُرْسَلِينَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَعْلِ اللّامِ لِلْجِنْسِ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: (فُلانٌ يَرْكَبُ الدَّوابَّ ويَلْبَسُ البُرُودَ) وما لَهُ إلّا دابَّةٌ واحِدَةٌ وبُرْدٌ واحِدٌ

الشعراء 26:105

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا فَلا حاجَةَ إلى إعادَتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ مُخْتارَنا في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، ولِشَيْخِ الإسْلامِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى المُتَأمِّلِ، فَتَأمَّلْ. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ القَوْمُ - كَما في المِصْباحِ - يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ كُلُّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، نَحْوُ رَهْطٍ ونَفَرٍ، ولِذا يُصَغَّرُ عَلى قُوَيْمَةٍ، وقِيلَ: هو مُذَكَّرٌ ولَحِقَتْ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ عَلى إرادَةِ الأُمَّةِ والجَماعَةِ مِنهُ، وتَكْذِيبُهُمُ المُرْسَلِينَ بِاعْتِبارِ إجْماعِ الكُلِّ عَلى التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُرْسَلِينَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَعْلِ اللّامِ لِلْجِنْسِ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: (فُلانٌ يَرْكَبُ الدَّوابَّ ويَلْبَسُ البُرُودَ) وما لَهُ إلّا دابَّةٌ واحِدَةٌ وبُرْدٌ واحِدٌ

الشعراء 26:106

وإذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّكْذِيبِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مَدِيدٍ وقَعَ فِيهِ ما وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ إلى تَمامِ الأمْرِ، كَما أنَّ تَكْذِيبَهم عِبارَةٌ عَمّا صَدَرَ مِنهم مِن حِينِ ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى انْتِهائِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( إذْ ) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: كَذَّبَتْ لِأجْلِ أنْ قالَ لَهُمْ: ﴿أخُوهم نُوحٌ﴾ أيْ: نَسِيبُهم كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، ويا أخا تَمِيمٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: صفحة 107 لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبَهم في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانًا والضَّمِيرُ لِقَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو لِلْمُرْسَلِينَ، والأُخُوَّةُ المُجانَسَةُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَيْثُ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أرْسَلَنِي لِمَصْلَحَتِكم ﴿أمِينٌ﴾ مَشْهُورٌ بِالأمانَةِ فِيما بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أمِينٌ عَلى أداءِ رِسالَتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى، وقُدِّمَ الأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِطاعَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -

الشعراء 26:107

وإذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّكْذِيبِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مَدِيدٍ وقَعَ فِيهِ ما وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ إلى تَمامِ الأمْرِ، كَما أنَّ تَكْذِيبَهم عِبارَةٌ عَمّا صَدَرَ مِنهم مِن حِينِ ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى انْتِهائِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( إذْ ) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: كَذَّبَتْ لِأجْلِ أنْ قالَ لَهُمْ: ﴿أخُوهم نُوحٌ﴾ أيْ: نَسِيبُهم كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، ويا أخا تَمِيمٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: صفحة 107 لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبَهم في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانًا والضَّمِيرُ لِقَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو لِلْمُرْسَلِينَ، والأُخُوَّةُ المُجانَسَةُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَيْثُ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أرْسَلَنِي لِمَصْلَحَتِكم ﴿أمِينٌ﴾ مَشْهُورٌ بِالأمانَةِ فِيما بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أمِينٌ عَلى أداءِ رِسالَتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى، وقُدِّمَ الأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِطاعَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -

الشعراء 26:108

وإذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّكْذِيبِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مَدِيدٍ وقَعَ فِيهِ ما وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ إلى تَمامِ الأمْرِ، كَما أنَّ تَكْذِيبَهم عِبارَةٌ عَمّا صَدَرَ مِنهم مِن حِينِ ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى انْتِهائِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( إذْ ) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: كَذَّبَتْ لِأجْلِ أنْ قالَ لَهُمْ: ﴿أخُوهم نُوحٌ﴾ أيْ: نَسِيبُهم كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، ويا أخا تَمِيمٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: صفحة 107 لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبَهم في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانًا والضَّمِيرُ لِقَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو لِلْمُرْسَلِينَ، والأُخُوَّةُ المُجانَسَةُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَيْثُ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أرْسَلَنِي لِمَصْلَحَتِكم ﴿أمِينٌ﴾ مَشْهُورٌ بِالأمانَةِ فِيما بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أمِينٌ عَلى أداءِ رِسالَتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى، وقُدِّمَ الأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِطاعَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -

الشعراء 26:109

﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى ما أنا مُتَصَدٍّ لَهُ مِنَ الدُّعاءِ والنُّصْحِ ﴿مِن أجْرٍ﴾ أيْ: ما أطْلُبُ مِنكم عَلى ذَلِكَ أجْرًا أصْلًا لا مالًا ولا غَيْرَهُ ﴿إنْ أجْرِيَ﴾ فِيما أتَوَلّاهُ ﴿إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَهو سُبْحانَهُ الَّذِي يُؤْجِرُنِي في ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنهُ لا غَيْرُهُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن تَنَزُّهِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الطَّمَعِ، كَما أنَّ نَظِيرَتَها السّابِقَةَ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما فِيهِ نَفْعُ الدّارَيْنِ مَعَ أمانَتِهِ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ التَّقْوى والطّاعَةِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، وقُرِئَ «إنْ أجْرِي» بِسُكُونِ الياءِ، وهو والفَتْحُ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ في مِثْلِ ذَلِكَ، اخْتَلَفَ النُّحاةُ في أيَّتِهِما الأصْلُ.

الشعراء 26:110

﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى ما أنا مُتَصَدٍّ لَهُ مِنَ الدُّعاءِ والنُّصْحِ ﴿مِن أجْرٍ﴾ أيْ: ما أطْلُبُ مِنكم عَلى ذَلِكَ أجْرًا أصْلًا لا مالًا ولا غَيْرَهُ ﴿إنْ أجْرِيَ﴾ فِيما أتَوَلّاهُ ﴿إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَهو سُبْحانَهُ الَّذِي يُؤْجِرُنِي في ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنهُ لا غَيْرُهُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن تَنَزُّهِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الطَّمَعِ، كَما أنَّ نَظِيرَتَها السّابِقَةَ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما فِيهِ نَفْعُ الدّارَيْنِ مَعَ أمانَتِهِ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ التَّقْوى والطّاعَةِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، وقُرِئَ «إنْ أجْرِي» بِسُكُونِ الياءِ، وهو والفَتْحُ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ في مِثْلِ ذَلِكَ، اخْتَلَفَ النُّحاةُ في أيَّتِهِما الأصْلُ.

الشعراء 26:111

﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ أيْ: وقَدِ اتَّبَعَكَ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ / وقَدْ لازِمَةٌ فِيها إذا كانَ فِعْلُها ماضِيًا، وكَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ «وأتْباعُكَ» جَمْعُ تابِعٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَطَلٍ وأبْطالٍ، وهو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والأرْذَلُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في نُؤْمِنُ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ(لَكَ) والأرْذَلُونَ صِفَتُهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ رَكِيكٌ مَعْنًى. وعَنِ اليَمانِيِّ «وأتْباعِكَ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ، وهو جَمْعُ الأرْذَلِ - عَلى الصِّحَّةِ - والرَّذالَةُ الخِسَّةُ والدَّناءَةُ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِسُوءِ أعْمالِهِمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجَوابِ: ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما وظِيفَتِي إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، وبِناءُ الأحْكامِ عَلَيْها دُونَ التَّجَسُّسِ والتَّفْتِيشِ عَنِ البَواطِنِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ والطَّبَرْسِيُّ: نافِيَةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ثابِتٌ

الشعراء 26:112

﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ أيْ: وقَدِ اتَّبَعَكَ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ / وقَدْ لازِمَةٌ فِيها إذا كانَ فِعْلُها ماضِيًا، وكَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ «وأتْباعُكَ» جَمْعُ تابِعٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَطَلٍ وأبْطالٍ، وهو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والأرْذَلُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في نُؤْمِنُ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ(لَكَ) والأرْذَلُونَ صِفَتُهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ رَكِيكٌ مَعْنًى. وعَنِ اليَمانِيِّ «وأتْباعِكَ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ، وهو جَمْعُ الأرْذَلِ - عَلى الصِّحَّةِ - والرَّذالَةُ الخِسَّةُ والدَّناءَةُ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِسُوءِ أعْمالِهِمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجَوابِ: ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما وظِيفَتِي إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، وبِناءُ الأحْكامِ عَلَيْها دُونَ التَّجَسُّسِ والتَّفْتِيشِ عَنِ البَواطِنِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ والطَّبَرْسِيُّ: نافِيَةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ثابِتٌ

الشعراء 26:113

﴿إنْ حِسابُهُمْ﴾ أيْ: ما مُحاسَبَتُهم عَلى ما يَعْمَلُونَ ﴿إلا عَلى رَبِّي﴾ فاعْتِبارُ البَواطِنِ مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو المُطَّلِعُ عَلَيْها ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ الشُّعُورِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ، لَكِنَّكم لَسْتُمْ كَذَلِكَ فَلِذا قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، وألْ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلْجِنْسِ. وقالَ جَمْعٌ: إنَّ اسْتِرْذالَهم إيّاهم لِقِلَّةِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الصِّناعاتِ الدَّنِيئَةِ، وقَدْ كانُوا - كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - حاكَّةً وأساكِفَةً، وقِيلَ: لِاتِّضاعِ نَسَبِهِمْ، ومَنشَأُ ذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ سَخافَةُ عُقُولِهِمْ وقُصُورُ أنْظارِهِمْ؛ لِأنَّ الفَقْرَ لَيْسَ مِنَ الرَّذالَةِ في شَيٍّ: صفحة 108 قَدْ يُدْرِكُ المَجْدُ الفَتى ورِداؤُهُ خَلَقٌ وجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ وكَذا خِسَّةُ الصِّناعَةِ لا تُزْرِي بِالشَّرَفِ الأُخْرَوِيِّ، ولا تُلْحِقُ التَّقِيَّ نَقِيصَةً عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ أنْشَدَ أبُو العَتاهِيَةِ: ولَيْسَ عَلى عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ ∗∗∗ إذا صَحَّحَ التَّقْوى وإنْ حاكَ أوْ حَجَمَ ومِثْلُها صِفَةُ النَّسَبِ فَقَدْ قِيلَ: أبِي الإسْلامُ لا أبَ لِي سِواهُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أوْ تَمِيمٍ وما ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ في بابِ الكَفاءَةِ مَبْنِيٌّ عَلى عُرْفِ العامَّةِ لِانْتِظامِ أمْرِ المَعاشِ ونَحْوِهِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ عَدَمُ اعْتِبارِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وأنَّ المُسْلِمِينَ كَيْفَما كانُوا أكْفاءٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وألْ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ لِلْعَهْدِ. والجَوابُ بِما ذُكِرَ عَمّا أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ مِن أنَّ إيمانَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما كانَ لِحَظٍّ نَفْسانِيٍّ كَحُصُولِ شَوْكَةٍ بِالِاجْتِماعِ يَنْتَظِمُونَ بِها في سِلْكِ ذَوِي الشَّرَفِ ويُعَدُّونَ بِها في عِدادِهِمْ. وحاصِلُهُ: وما وظِيفَتِي إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ دُونَ الشَّقِّ عَنِ القُلُوبِ، والتَّفْتِيشِ عَمّا في السَّرائِرِ، فَما يَضُرُّنِي عَدَمُ إخْلاصِهِمْ في إيمانِهِمْ - كَما تَزْعُمُونَ - وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ وعَنَوُا الَّذِينَ لا نَصِيبَ لَهم مِنَ الدُّنْيا، أوِ الَّذِينَ اتَّضَعَتْ أنْسابُهُمْ، أوْ كانُوا مِن أهْلِ الصَّنائِعِ الدَّنِيئَةِ تَغابى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ مُرادِهِمْ، وخُيِّلَ لَهم أنَّهم عَنَوْا بِالأرْذَلِينَ مَن لا إخْلاصَ لَهُ في العَمَلِ، ولَمْ يُؤْمِن عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، فَأجابَهم بِما ذُكِرَ، كَأنَّهُ ما عَرَفَ مِنَ الأرْذَلِينَ إلّا ذَلِكَ، ولَوْ جُعِلَ هَذا نَوْعًا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لَمْ يَبْعُدْ عِنْدِي، وفِيهِ مَن لُطْفِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ ما هم عَلَيْهِ ما لا يَخْفى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم عَنَوْا بِالأرْذَلِينَ نِساءَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَنِيهِ وبَناتِهِ وبَنِي بَنِيهِ، واسْتِرْذالُهم لِعَضَّةِ النَّسَبِ لا يُتَصَوَّرُ في جَمِيعِهِمْ حَقِيقَةً كَما لا يَخْفى، فَلا بُدَّ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ «يَشْعُرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

الشعراء 26:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ جَوابٌ عَمّا أوْهَمَهُ كَلامُهم مِنِ اسْتِدْعاءِ طَرْدِهِمْ وتَعْلِيقِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ، حَيْثُ جَعَلُوا اتِّباعَهم مانِعًا عَنْهُ، وقَدْ نَزَلُوا لِذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ يَطْرُدُ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مِمَّنْ يُشْتَرَكُ مَعَهُ فِيهِ، فَقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ، وأوْلى حَرْفِ النَّفْيِ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شَأْنَهُ بَلْ شَأْنُ المُخاطَبِينَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلتَّقْوى وهو أقَلُّ مُؤْنَةً كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرْدَهم فَأجابَهم بِذَلِكَ كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَرْدَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الضُّعَفاءِ فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيَةَ.

الشعراء 26:115

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كالعِلَّةِ لَهُ أيْ: ما أنا إلّا رَسُولٌ مَبْعُوثٌ لِإنْذارِ المُكَلَّفِينَ وزَجْرِهِمْ عَمّا لا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، سَواءٌ كانُوا مِنَ الأشْرَفِينَ أوِ الأرْذَلِينَ، فَكَيْفَ يَتَسَنّى لِي طَرْدُ مَن زَعَمْتُمْ أنَّهم أرْذَلُونَ؟! وحاصِلُهُ: أنا مَقْصُورٌ عَلى إنْذارِ المُكَلَّفِينَ لا أتَعَدّاهُ إلى طَرْدِ الأرْذَلِينَ مِنهُمْ، أوْ: ما عَلَيَّ إلّا إنْذارُكم بِالبُرْهانِ الواضِحِ وقَدْ فَعَلَتْهُ، وما عَلَيَّ اسْتِرْضاءُ بَعْضِكم بِطَرْدِ الآخَرِينَ، وحاصِلُهُ: أنا مَقْصُورٌ عَلى إنْذارِكم لا أتَعَدّاهُ إلى اسْتِرْضائِكم. وقِيلَ: إنَّ مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ جَوابٌ، وإنَّ إيلاءَ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْصُوفٌ بِصِفَتَيْنِ، إحْداهُما اتِّباعُ أهْوائِهِمْ بِطَرْدِ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنْ يُؤْمِنُوا، وثانِيَتُهُما أنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَقُصِرَ الحُكْمُ عَلى الثّانِي دُونَ الأوَّلِ، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ.

الشعراء 26:116

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ﴾ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيِ: المَرْمِيِّينَ بِالحِجارَةِ - كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ - وهو تَوَعُّدٌ بِالقَتْلِ - كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى: مِنَ المَشْتُومِينَ، عَلى أنَّ الرَّجْمَ مُسْتَعارٌ لِلشَّتْمِ كالطَّعْنِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهم - قاتَلَهُمُ صفحة 109 اللَّهُ تَعالى - قالُوا ذَلِكَ في أواخِرِ الأمْرِ.

الشعراء 26:117

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِي وأصَرُّوا عَلَيْهِ بَعْدَما دَعَوْتُهم هَذِهِ الأزْمِنَةَ المُتَطاوِلَةَ، ولَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا، وهَذا لَيْسَ بِإخْبارٍ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ؛ لِعِلْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أعْلَمُ، ولَكِنَّهُ أرادَ إظْهارَ ما يَدْعُو عَلَيْهِمْ لِأجْلِهِ وهو تَكْذِيبُ الحَقِّ لا تَخْوِيفُهم لَهُ واسْتِخْفافُهم بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ تَلَطُّفًا في فَتْحِ بابِ الإجابَةِ، وقِيلَ: لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الخَلْقِ فِيهِ المُتَجاوِزِ، أوِ الحِدَّةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ الإعْلامُ أصْلًا، وإنَّما أُورِدَ لِغَرَضِ التَّحَزُّنِ والتَّفَجُّعِ كَما في قَوْلِهِ: قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَلَئِنْ رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي ويَبْعُدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ تَفْرِيعُ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:

الشعراء 26:118

﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ عَلى ذَلِكَ، أيِ: احْكم بَيْنَنا بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا، مِنَ الفَتاحَةِ بِمَعْنى الحُكُومَةِ وفَتْحًا مَصْدَرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مَفْتُوحًا، وهَذِهِ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُفَصَّلِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن قَصْدِهِمْ أوْ شُؤْمِ أعْمالِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ﴾ عَلى حَسَبِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ بِهِمْ وبِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ حالًا كالطَّعامِ أوْ مالًا كالحَيَوانِ. والفُلْكُ يُسْتَعْمَلُ واحِدًا وجَمْعًا، وحَيْثُ أتى في القُرْآنِ الكَرِيمِ فاصِلَةً اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَ فاصِلَةٍ اسْتُعْمِلَ جَمْعًا كَما في البَحْرِ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ إنْجائِهِمْ و(ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ بَعْدُ ﴿الباقِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ.

الشعراء 26:119

﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ عَلى ذَلِكَ، أيِ: احْكم بَيْنَنا بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا، مِنَ الفَتاحَةِ بِمَعْنى الحُكُومَةِ وفَتْحًا مَصْدَرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مَفْتُوحًا، وهَذِهِ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُفَصَّلِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن قَصْدِهِمْ أوْ شُؤْمِ أعْمالِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ﴾ عَلى حَسَبِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ بِهِمْ وبِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ حالًا كالطَّعامِ أوْ مالًا كالحَيَوانِ. والفُلْكُ يُسْتَعْمَلُ واحِدًا وجَمْعًا، وحَيْثُ أتى في القُرْآنِ الكَرِيمِ فاصِلَةً اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَ فاصِلَةٍ اسْتُعْمِلَ جَمْعًا كَما في البَحْرِ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ إنْجائِهِمْ و(ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ بَعْدُ ﴿الباقِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ.

الشعراء 26:120

﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ عَلى ذَلِكَ، أيِ: احْكم بَيْنَنا بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا، مِنَ الفَتاحَةِ بِمَعْنى الحُكُومَةِ وفَتْحًا مَصْدَرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مَفْتُوحًا، وهَذِهِ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُفَصَّلِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن قَصْدِهِمْ أوْ شُؤْمِ أعْمالِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ﴾ عَلى حَسَبِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ بِهِمْ وبِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ حالًا كالطَّعامِ أوْ مالًا كالحَيَوانِ. والفُلْكُ يُسْتَعْمَلُ واحِدًا وجَمْعًا، وحَيْثُ أتى في القُرْآنِ الكَرِيمِ فاصِلَةً اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَ فاصِلَةٍ اسْتُعْمِلَ جَمْعًا كَما في البَحْرِ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ إنْجائِهِمْ و(ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ بَعْدُ ﴿الباقِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ.

الشعراء 26:121

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ الكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ بَيْدَ أنَّ تَأْنِيثَ الفِعْلِ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِعادٍ القَبِيلَةُ وهو اسْمُ أبِيهِمُ الأقْصى، وكَثِيرًا ما يُعَبَّرُ عَنِ القَبِيلَةِ إذا كانَتْ عَظِيمَةً بِالأبِ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْها بِـ(بَنِي) أوْ بِـ(آلِ) مُضافًا إلَيْهِ فَيُقالُ: بَنُو فُلانٍ أوْ آلُ فُلانٍ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:122

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ الكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ بَيْدَ أنَّ تَأْنِيثَ الفِعْلِ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِعادٍ القَبِيلَةُ وهو اسْمُ أبِيهِمُ الأقْصى، وكَثِيرًا ما يُعَبَّرُ عَنِ القَبِيلَةِ إذا كانَتْ عَظِيمَةً بِالأبِ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْها بِـ(بَنِي) أوْ بِـ(آلِ) مُضافًا إلَيْهِ فَيُقالُ: بَنُو فُلانٍ أوْ آلُ فُلانٍ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:123

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ الكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ بَيْدَ أنَّ تَأْنِيثَ الفِعْلِ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِعادٍ القَبِيلَةُ وهو اسْمُ أبِيهِمُ الأقْصى، وكَثِيرًا ما يُعَبَّرُ عَنِ القَبِيلَةِ إذا كانَتْ عَظِيمَةً بِالأبِ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْها بِـ(بَنِي) أوْ بِـ(آلِ) مُضافًا إلَيْهِ فَيُقالُ: بَنُو فُلانٍ أوْ آلُ فُلانٍ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:124

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . وحِكايَةُ الأمْرِ بِالتَّقْوى والإطاعَةِ ونَفْيُ سُؤالِ الأجْرِ في القَصَصِ الخَمْسِ وتَصْدِيرُها بِذَلِكَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَبْنى البِعْثَةِ هو الدُّعاءُ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والطّاعَةِ فِيما يُقَرِّبُ المَدْعُوَّ إلى الثَّوابِ ويُبْعِدُهُ مِنَ العِقابِ، وأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُجْتَمِعُونَ عَلى ذَلِكَ - وإنِ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ - وأنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُنَزَّهُونَ عَنِ المَطامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ. ولَعَلَّهُ لَمْ يُسْلَكْ هَذا المَسْلَكُ في قِصَّتَيْ مُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ – تَفَنُّنًا، مَعَ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ ثَمَّةَ أهَمُّ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأعْمَرَها فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَفاوِزَ ورِمالًا، ويُشِيرُ إلى

الشعراء 26:125

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . وحِكايَةُ الأمْرِ بِالتَّقْوى والإطاعَةِ ونَفْيُ سُؤالِ الأجْرِ في القَصَصِ الخَمْسِ وتَصْدِيرُها بِذَلِكَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَبْنى البِعْثَةِ هو الدُّعاءُ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والطّاعَةِ فِيما يُقَرِّبُ المَدْعُوَّ إلى الثَّوابِ ويُبْعِدُهُ مِنَ العِقابِ، وأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُجْتَمِعُونَ عَلى ذَلِكَ - وإنِ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ - وأنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُنَزَّهُونَ عَنِ المَطامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ. ولَعَلَّهُ لَمْ يُسْلَكْ هَذا المَسْلَكُ في قِصَّتَيْ مُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ – تَفَنُّنًا، مَعَ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ ثَمَّةَ أهَمُّ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأعْمَرَها فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَفاوِزَ ورِمالًا، ويُشِيرُ إلى

الشعراء 26:126

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . وحِكايَةُ الأمْرِ بِالتَّقْوى والإطاعَةِ ونَفْيُ سُؤالِ الأجْرِ في القَصَصِ الخَمْسِ وتَصْدِيرُها بِذَلِكَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَبْنى البِعْثَةِ هو الدُّعاءُ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والطّاعَةِ فِيما يُقَرِّبُ المَدْعُوَّ إلى الثَّوابِ ويُبْعِدُهُ مِنَ العِقابِ، وأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُجْتَمِعُونَ عَلى ذَلِكَ - وإنِ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ - وأنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُنَزَّهُونَ عَنِ المَطامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ. ولَعَلَّهُ لَمْ يُسْلَكْ هَذا المَسْلَكُ في قِصَّتَيْ مُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ – تَفَنُّنًا، مَعَ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ ثَمَّةَ أهَمُّ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأعْمَرَها فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَفاوِزَ ورِمالًا، ويُشِيرُ إلى

الشعراء 26:127

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . وحِكايَةُ الأمْرِ بِالتَّقْوى والإطاعَةِ ونَفْيُ سُؤالِ الأجْرِ في القَصَصِ الخَمْسِ وتَصْدِيرُها بِذَلِكَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَبْنى البِعْثَةِ هو الدُّعاءُ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والطّاعَةِ فِيما يُقَرِّبُ المَدْعُوَّ إلى الثَّوابِ ويُبْعِدُهُ مِنَ العِقابِ، وأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُجْتَمِعُونَ عَلى ذَلِكَ - وإنِ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ - وأنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُنَزَّهُونَ عَنِ المَطامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ. ولَعَلَّهُ لَمْ يُسْلَكْ هَذا المَسْلَكُ في قِصَّتَيْ مُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ – تَفَنُّنًا، مَعَ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ ثَمَّةَ أهَمُّ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأعْمَرَها فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَفاوِزَ ورِمالًا، ويُشِيرُ إلى

الشعراء 26:128

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الرِّيعَ الفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وعَنْ أبِي صَخْرٍ أنَّهُ الجَبَلُ والمَكانُ صفحة 110 المُرْتَفِعُ عَنِ الأرْضِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ عَيْنُ الماءِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ المَكانُ المُرْتَفِعُ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ومِنهُ رِيعُ النَّباتِ وهو ارْتِفاعُهُ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «رَيْعٍ» بِفَتْحِ الرّاءِ. ﴿آيَةً﴾ أيْ عَلَمًا - كَما رَوى عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: قَصْرًا عالِيًا مُشَيَّدًا كَأنَّهُ عَلَمٌ، وإلَيْهِ ذَهَبُ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ، واسْتَظْهَرَهُ ابْنُ المُنِيرِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ عَلى مَعْنى تَعْبَثُونَ بِبِنائِها لِما أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها وإنَّما بَنَوْها لِلْفَخْرِ بِها. والعَبَثُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا، وقَدْ ذُمَّ رَفْعُ البِناءِ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ في شَرِيعَتِنا أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ عَبَثَهم في ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهم بَنَوْها لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، والنُّجُومُ تُغْنِي عَنْها، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو لِذَلِكَ لِغَيْمٍ مُطْبِقٍ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ الغَيْمَ نادِرٌ - لا سِيَّما في دِيارِ العَرَبِ - مَعَ أنَّهُ لَوِ احْتِيجَ إلَيْها لَمْ يُحْتَجْ إلى أنْ تُجْعَلَ في كُلِّ رِيعٍ فَيَكُونُ بِناؤُها كَذَلِكَ عَبَثًا. وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّ أماكِنَها المُرْتَفِعَةَ تُغْنِي عَنْها فَهي عَبَثٌ، وقِيلَ: كانُوا يَبْنُونَ ذَلِكَ لِيُشْرِفُوا عَلى المارَّةِ والسّابِلَةِ فَيَسْخَرُوا مِنهم ويَعْبَثُوا بِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الآيَةَ بُرْجُ الحَمامِ كانُوا يَبْنُونَ البُرُوجَ في كُلِّ رِيعٍ لِيَلْعَبُوا بِالحَمامِ ويَلْهُوا بِهِ، وقِيلَ: بَيْتُ العِشارِ يَبْنُونَهُ بِكُلِّ رَأْسِ طَرِيقٍ فَيَجْلِسُونَ فِيهِ لِيَعْشِرُوا مالَ مَن يَمُرُّ بِهِمْ، ولَهُ نَظِيرٌ في بِلادِنا اليَوْمَ، ولا مُسْتَعانَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ

الشعراء 26:129

﴿وتَتَّخِذُونَ﴾ أيْ تَعْمَلُونَ ﴿مَصانِعَ﴾ أيْ: مَآخِذَ لِلْماءِ ومَجارِيَ تَحْتَ الأرْضِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها بِرَكُ الماءِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها القُصُورُ المُشَيَّدَةُ، وقِيلَ: الحُصُونُ المُحْكَمَةُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ لَبِيدٍ: وتَبْقى جِبالٌ بَعْدَنا ومَصانِعُ ولَيْسَ بِنَصٍّ في المُدَّعى. ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَخْلُدُوا في الدُّنْيا، أوْ عامِلِينَ عَمَلَ مَن يَرْجُو الخُلُودَ فِيها، فَلَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وقِيلَ: هي لِلتَّعْلِيلِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (كَيْ تَخْلُدُونَ). وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي لِلِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ: هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ، وكَوْنُ لَعَلَّ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وقُرِئَ بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ «كَأنَّكم تَخْلُدُونَ» وظاهِرُ ما ذُكِرَ أنَّ لَعَلَّ هُنا لِلتَّشْبِيهِ، وحَكى ذَلِكَ صَرِيحًا الواقِدِيُّ عَنِ البَغَوِيِّ. وفِي البُرْهانِ: هو مَعْنًى غَرِيبٌ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ، ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ لَعَلَّ في الآيَةِ لِلتَّشْبِيهِ، انْتَهى. وقَرَأ قَتادَةُ «تُخْلَدُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، ويُقالُ: خَلَدَ الشَّيْءُ وأخْلَدَهُ غَيْرُهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلْقَمَةُ: (تُخَلَّدُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: وهَلْ يَعِمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ هُمُومٍ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ

الشعراء 26:130

﴿وإذا بَطَشْتُمْ﴾ أيْ: أرَدْتُمُ البَطْشَ بِسَوْطٍ أوْ سَيْفٍ ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ مُسَلَّطِينَ غاشِمِينَ بِلا رَأْفَةٍ ولا قَصْدِ تَأْدِيبٍ ولا نَظَرٍ في العاقِبَةِ، وأُوِّلَ الشَّرْطُ بِما ذُكِرَ لِيَصِحَّ التَّسَبُّبُ، وتَقْيِيدُ الجَزاءِ بِالحالِ لا يُصَحِّحُهُ؛ لِأنَّ المُطْلَقَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمُقَيَّدِ، وقِيلَ: لا يَضُرُّ الِاتِّحادُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: الجَزائِيَّةُ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ وهو كَما تَرى، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ: مَتى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذَمِيمَةً ودَلَّ تَوْبِيخُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِما ذُكِرَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ صفحة 111 الدُّنْيا والكِبْرِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ

الشعراء 26:131

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتْرُكُوا هَذِهِ الأفْعالَ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي تَعْرِفُونَهُ مِنَ النِّعَمِ، فَـ(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ بَدَلَ البَعْضِ - كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ المَعانِي - ووَجْهُهُ عِنْدَهم أنَّ المُرادَ التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ يَقْتَضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ أوْ ذَرِيعَةً إلى غَيْرِهِ مِنَ الشُّكْرِ بِالتَّقْوى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ﴾ إلَخْ، أوْفى بِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ المُرادِ لِدَلالَتِهِ عَلى النِّعَمِ بِالتَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ إحالَةٍ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ المُعانِدِينَ، فَوِزانُهُ وِزانُ (وجْهُهُ) فِي: (أعْجَبَنِي زَيْدٌ وجْهُهُ) لِدُخُولِ الثّانِي في الأوَّلِ؛ لِأنَّ ( ما تَعْلَمُونَ ) يَشْمَلُ الأنْعامَ وما بَعْدَها مِنَ المَعْطُوفاتِ، ولا يَخْفى ما في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ مِنَ المُبالَغَةِ، وفي البَحْرِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِأنْعامٍ﴾ - عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ - بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما تَعْلَمُونَ﴾ وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا أبْدالًا، وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ - وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا - ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ العامِلُ عِنْدَهم إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، انْتَهى. ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ السَّفاقِسِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولا مَوْضِعَ لَها، وبَدَأ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَحْصُلُ بِها الرِّياسَةُ والقُوَّةُ عَلى العَدُوِّ، والغِنى الَّذِي لا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ بِالبَنِينَ وغَيْرِهِمْ - في الأغْلَبِ - إلّا بِهِ، وهي أحَبُّ الأمْوالِ إلى العَرَبِ، ثُمَّ بِالبَنِينَ؛ لِأنَّهم مُعْيِنُوهم عَلى الحِفْظِ والقِيامِ عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ وجْهُ قَرْنِهِما،

الشعراء 26:132

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتْرُكُوا هَذِهِ الأفْعالَ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي تَعْرِفُونَهُ مِنَ النِّعَمِ، فَـ(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ بَدَلَ البَعْضِ - كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ المَعانِي - ووَجْهُهُ عِنْدَهم أنَّ المُرادَ التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ يَقْتَضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ أوْ ذَرِيعَةً إلى غَيْرِهِ مِنَ الشُّكْرِ بِالتَّقْوى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ﴾ إلَخْ، أوْفى بِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ المُرادِ لِدَلالَتِهِ عَلى النِّعَمِ بِالتَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ إحالَةٍ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ المُعانِدِينَ، فَوِزانُهُ وِزانُ (وجْهُهُ) فِي: (أعْجَبَنِي زَيْدٌ وجْهُهُ) لِدُخُولِ الثّانِي في الأوَّلِ؛ لِأنَّ ( ما تَعْلَمُونَ ) يَشْمَلُ الأنْعامَ وما بَعْدَها مِنَ المَعْطُوفاتِ، ولا يَخْفى ما في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ مِنَ المُبالَغَةِ، وفي البَحْرِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِأنْعامٍ﴾ - عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ - بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما تَعْلَمُونَ﴾ وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا أبْدالًا، وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ - وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا - ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ العامِلُ عِنْدَهم إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، انْتَهى. ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ السَّفاقِسِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولا مَوْضِعَ لَها، وبَدَأ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَحْصُلُ بِها الرِّياسَةُ والقُوَّةُ عَلى العَدُوِّ، والغِنى الَّذِي لا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ بِالبَنِينَ وغَيْرِهِمْ - في الأغْلَبِ - إلّا بِهِ، وهي أحَبُّ الأمْوالِ إلى العَرَبِ، ثُمَّ بِالبَنِينَ؛ لِأنَّهم مُعْيِنُوهم عَلى الحِفْظِ والقِيامِ عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ وجْهُ قَرْنِهِما،

الشعراء 26:133

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتْرُكُوا هَذِهِ الأفْعالَ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي تَعْرِفُونَهُ مِنَ النِّعَمِ، فَـ(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ بَدَلَ البَعْضِ - كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ المَعانِي - ووَجْهُهُ عِنْدَهم أنَّ المُرادَ التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ يَقْتَضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ أوْ ذَرِيعَةً إلى غَيْرِهِ مِنَ الشُّكْرِ بِالتَّقْوى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ﴾ إلَخْ، أوْفى بِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ المُرادِ لِدَلالَتِهِ عَلى النِّعَمِ بِالتَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ إحالَةٍ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ المُعانِدِينَ، فَوِزانُهُ وِزانُ (وجْهُهُ) فِي: (أعْجَبَنِي زَيْدٌ وجْهُهُ) لِدُخُولِ الثّانِي في الأوَّلِ؛ لِأنَّ ( ما تَعْلَمُونَ ) يَشْمَلُ الأنْعامَ وما بَعْدَها مِنَ المَعْطُوفاتِ، ولا يَخْفى ما في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ مِنَ المُبالَغَةِ، وفي البَحْرِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِأنْعامٍ﴾ - عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ - بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما تَعْلَمُونَ﴾ وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا أبْدالًا، وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ - وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا - ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ العامِلُ عِنْدَهم إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، انْتَهى. ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ السَّفاقِسِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولا مَوْضِعَ لَها، وبَدَأ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَحْصُلُ بِها الرِّياسَةُ والقُوَّةُ عَلى العَدُوِّ، والغِنى الَّذِي لا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ بِالبَنِينَ وغَيْرِهِمْ - في الأغْلَبِ - إلّا بِهِ، وهي أحَبُّ الأمْوالِ إلى العَرَبِ، ثُمَّ بِالبَنِينَ؛ لِأنَّهم مُعْيِنُوهم عَلى الحِفْظِ والقِيامِ عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ وجْهُ قَرْنِهِما،

الشعراء 26:134

ووَجْهُ قَرْنِ الجَنّاتِ والعُيُونِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ظاهِرٌ، وكَذا وجْهُ قَرْنِهِما مَعَ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ، في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ، أيْ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم إنْ لَمْ تَتَّقُوا وتَقُومُوا بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَإنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْعَذابِ، كَما أنَّ شُكْرَها مُسْتَلْزِمٌ لِزِيادَتِها قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وعُلِّلَ بِما ذُكِرَ دُونَ اسْتِلْزامِ التَّقْوى لِلزِّيادَةِ؛ لِأنَّ زَوالَ النِّعْمَةِ يُحْزِنُ فَوْقَ ما تَسُرُّ زِيادَتُها، ودَرْءُ المَضارِّ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَنافِعِ.

الشعراء 26:135

ووَجْهُ قَرْنِ الجَنّاتِ والعُيُونِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ظاهِرٌ، وكَذا وجْهُ قَرْنِهِما مَعَ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ، في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ، أيْ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم إنْ لَمْ تَتَّقُوا وتَقُومُوا بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَإنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْعَذابِ، كَما أنَّ شُكْرَها مُسْتَلْزِمٌ لِزِيادَتِها قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وعُلِّلَ بِما ذُكِرَ دُونَ اسْتِلْزامِ التَّقْوى لِلزِّيادَةِ؛ لِأنَّ زَوالَ النِّعْمَةِ يُحْزِنُ فَوْقَ ما تَسُرُّ زِيادَتُها، ودَرْءُ المَضارِّ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَنافِعِ.

الشعراء 26:136

﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ فَإنّا لا نَرْعَوِي عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَلُوا عَنْ (أمْ لَمْ تَعِظِ) الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما في كَلامِهِمْ - عَلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ - مِنِ اسْتِواءِ وعْظِهِ وعَدَمِهِ، والعَدَمُ الصَّرْفُ البَلِيغُ وهو عَدَمُ كَوْنِهِ مِن عِدادِ الواعِظِينَ وجِنْسِهِمْ، وقِيلَ: في وجْهِ المُبالَغَةِ إفادَةُ كانَ الِاسْتِمْرارَ والواعِظِينَ الكُمّالُ واعْتِبارُهُما بِقَرِينَةِ المَقامِ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ: سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمِ اسْتَمَرَّ انْتِفاءُ كَوْنِكَ مِن زُمْرَةِ مَن يَعِظُ انْتِفاءً كامِلًا بِحَيْثُ لا يُرْجى مِنكَ نَقِيضُهُ، وقالَ في البَحْرِ: إنَّ المُقابَلَةَ بِما ذُكِرَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ في «وعَظْتَ» وبِالإدْغامِ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ «أوَعَظْتَنا» ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً؛ لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبَقَةٌ والتّاءَ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنها، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ أوْ في المُتَقارِبَيْنِ إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. صفحة 112 وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ فَلا يَحْسُنُ، وإذا جاءَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ وجَبَ قَبُولُهُ وإنْ كانَ غَيْرُهُ أفْصَحَ وأقَيْسَ.

الشعراء 26:137

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما ادَّعَوْهُ مِنَ المُساواةِ، أيْ: ما هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ، يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَدْعُونَ إلَيْهِ، أوْ: ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَمْ يَزَلِ النّاسُ عَلَيْها، أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا مِنَ الآباءِ وغَيْرِهِمْ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ، وقَرَأ أبُو قِلابَةَ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ «خُلْقُ» بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ «خَلْقُ» بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، أيْ: ما هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ وكَذِبُهُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما رَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ «إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ» ويَكُونُ هَذا كَقَوْلِ سائِرِ الكَفَرَةِ: ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) أوْ: ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ الأوَّلِينَ نَحْيى كَما حَيَّوْا ونَمُوتُ كَما ماتُوا، ومُرادُهم إنْكارُ البَعْثِ والحِسابِ المَفْهُومِ مِن تَهْدِيدِهِمْ بِالعَذابِ، ولَعَلَّ قَوْلَهُمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ: عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ أصْرَحُ في ذَلِكَ

الشعراء 26:138

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما ادَّعَوْهُ مِنَ المُساواةِ، أيْ: ما هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ، يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَدْعُونَ إلَيْهِ، أوْ: ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَمْ يَزَلِ النّاسُ عَلَيْها، أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا مِنَ الآباءِ وغَيْرِهِمْ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ، وقَرَأ أبُو قِلابَةَ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ «خُلْقُ» بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ «خَلْقُ» بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، أيْ: ما هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ وكَذِبُهُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما رَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ «إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ» ويَكُونُ هَذا كَقَوْلِ سائِرِ الكَفَرَةِ: ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) أوْ: ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ الأوَّلِينَ نَحْيى كَما حَيَّوْا ونَمُوتُ كَما ماتُوا، ومُرادُهم إنْكارُ البَعْثِ والحِسابِ المَفْهُومِ مِن تَهْدِيدِهِمْ بِالعَذابِ، ولَعَلَّ قَوْلَهُمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ: عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ أصْرَحُ في ذَلِكَ

الشعراء 26:139

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ بِسَبَبِهِ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ هو اسْمٌ عَجَمِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ وتُرِكَ صَرْفُهُ؛ لِأنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهو فَعُولٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ، ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ، أيْ قَطَعْنَ مادَّةَ مِائَةِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤالُ حَتّى نَفِدَ مادَّةُ مالِهِ، أوْ ما يَبْقى في الجِلْدِ، أوْ ما يَظْهَرُ في الشِّتاءِ ويَذْهَبُ في الصَّيْفِ. وفِي القامُوسِ: ثَمُودُ قَبِيلَةٌ، ويُصْرَفُ وتُضَمُّ الثّاءُ، وقُرِئَ بِهِ أيْضًا. وفِي سَبائِكِ الذَّهَبِ أنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِأبِي القَبِيلَةِ، ثُمَّ نُقِلَ وجُعِلَ اسْمًا لَها، ووَجْهُ تَأْنِيثِ الفِعْلِ هَنا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: «كَذَّبَتْ عادٌ»وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:140

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ بِسَبَبِهِ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ هو اسْمٌ عَجَمِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ وتُرِكَ صَرْفُهُ؛ لِأنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهو فَعُولٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ، ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ، أيْ قَطَعْنَ مادَّةَ مِائَةِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤالُ حَتّى نَفِدَ مادَّةُ مالِهِ، أوْ ما يَبْقى في الجِلْدِ، أوْ ما يَظْهَرُ في الشِّتاءِ ويَذْهَبُ في الصَّيْفِ. وفِي القامُوسِ: ثَمُودُ قَبِيلَةٌ، ويُصْرَفُ وتُضَمُّ الثّاءُ، وقُرِئَ بِهِ أيْضًا. وفِي سَبائِكِ الذَّهَبِ أنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِأبِي القَبِيلَةِ، ثُمَّ نُقِلَ وجُعِلَ اسْمًا لَها، ووَجْهُ تَأْنِيثِ الفِعْلِ هَنا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: «كَذَّبَتْ عادٌ»وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:141

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ بِسَبَبِهِ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ هو اسْمٌ عَجَمِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ وتُرِكَ صَرْفُهُ؛ لِأنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهو فَعُولٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ، ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ، أيْ قَطَعْنَ مادَّةَ مِائَةِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤالُ حَتّى نَفِدَ مادَّةُ مالِهِ، أوْ ما يَبْقى في الجِلْدِ، أوْ ما يَظْهَرُ في الشِّتاءِ ويَذْهَبُ في الصَّيْفِ. وفِي القامُوسِ: ثَمُودُ قَبِيلَةٌ، ويُصْرَفُ وتُضَمُّ الثّاءُ، وقُرِئَ بِهِ أيْضًا. وفِي سَبائِكِ الذَّهَبِ أنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِأبِي القَبِيلَةِ، ثُمَّ نُقِلَ وجُعِلَ اسْمًا لَها، ووَجْهُ تَأْنِيثِ الفِعْلِ هَنا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: «كَذَّبَتْ عادٌ»وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:142

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:143

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:144

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:145

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ.

الشعراء 26:146

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يُتْرَكُوا فِيما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ آمِنِينَ عَنْ عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فالِاسْتِفْهامُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى السّابِقِ: ﴿أتَبْنُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى اللّاحِقِ: ﴿أتَأْتُونَ﴾ وكَأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ فَأنْكَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ؛ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ في تَخْلِيَتِهِ تَعالى إيّاهم وأسْبابَ نَفْعِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَدُوِّ ونَحْوِهِ، واسْتِدْعاءً لِشُكْرِ ذَلِكَ بِالإيمانِ. وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْفَقُ في هَذا المَقامِ، وما مَوْصُولَةٌ وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ: أتُتْرَكُونَ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النِّعْمَةِ؟!

الشعراء 26:147

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ بَدَلٌ مِن (ما هاهُنا) بِإعادَةِ الجارِّ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ إجْمالٌ وتَفْصِيلٌ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ عادٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ(آمِنِينَ) الواقِعِ حالًا ولَيْسَ بِذاكَ، والهَضِيمُ الدّاخِلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ كَأنَّهُ هُضِمَ، أيْ: شُدِخَ. وسَألَ عَنْهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَقالَ لَهُ: المُنْضَمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: دارٌ لِبَيْضاءِ العَوارِضِ طِفْلَةٍ مَهْضُومَةِ الكَشْحَيْنِ رَيّا المِعْصَمِ صفحة 113 وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. وقِيلَ: هو المُتَدَلِّي لِكَثْرَةِ ثَمَرِهِ، وقِيلَ: هو النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ، ورُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، فَوَصْفُ الطَّلْعِ بِالهَضِيمِ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، وهو حَقِيقَةُ وصْفٍ لِثَمَرِهِ. وجَعَلَ بَعْضُهم - عَلى بَعْضِ الأقْوالِ - الطَّلْعَ مَجازًا عَنِ الثَّمَرِ لِأوَّلِهِ إلَيْهِ، والنَّخْلُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ يُذَّكَّرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ويُؤَنَّثُ كَما هُنا، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الإناثُ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ ولَوْ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ - مَعَ دُخُولِهِ في الجَنّاتِ - لِفَضْلِهِ عَلى سائِرِ أشْجارِها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِها غَيْرُهُ مِنَ الأشْجارِ.

الشعراء 26:148

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ بَدَلٌ مِن (ما هاهُنا) بِإعادَةِ الجارِّ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ إجْمالٌ وتَفْصِيلٌ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ عادٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ(آمِنِينَ) الواقِعِ حالًا ولَيْسَ بِذاكَ، والهَضِيمُ الدّاخِلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ كَأنَّهُ هُضِمَ، أيْ: شُدِخَ. وسَألَ عَنْهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَقالَ لَهُ: المُنْضَمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: دارٌ لِبَيْضاءِ العَوارِضِ طِفْلَةٍ مَهْضُومَةِ الكَشْحَيْنِ رَيّا المِعْصَمِ صفحة 113 وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. وقِيلَ: هو المُتَدَلِّي لِكَثْرَةِ ثَمَرِهِ، وقِيلَ: هو النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ، ورُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، فَوَصْفُ الطَّلْعِ بِالهَضِيمِ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، وهو حَقِيقَةُ وصْفٍ لِثَمَرِهِ. وجَعَلَ بَعْضُهم - عَلى بَعْضِ الأقْوالِ - الطَّلْعَ مَجازًا عَنِ الثَّمَرِ لِأوَّلِهِ إلَيْهِ، والنَّخْلُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ يُذَّكَّرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ويُؤَنَّثُ كَما هُنا، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الإناثُ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ ولَوْ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ - مَعَ دُخُولِهِ في الجَنّاتِ - لِفَضْلِهِ عَلى سائِرِ أشْجارِها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِها غَيْرُهُ مِنَ الأشْجارِ.

الشعراء 26:149

﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ أيْ: أشِرِينَ بَطِرِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ العَلاءِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِنَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: أيْ: حاذِقِينَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: أقْوِياءَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ، والأوْفَقُ بِهِ - عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وعَلى القَوْلِ الثّانِي - كُلٌّ مِنَ الأقْوالِ الباقِيَةِ، وكُلُّها سَواءٌ في ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الفَراهَةَ حَقِيقَةٌ في النَّشاطِ مَجازٌ في غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ تَفْسِيرُهُ بِنَشِطِينَ إذا أُرِيدَ التَّذْكِيرُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وعِيسى والحَسَنُ «تَنْحَتُونَ» بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ «تَنْحاتُونَ» بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ إشْباعًا، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قَرَأ «يَنْحِتُونَ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ وكَسْرِ الحاءِ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ والحَسَنِ - أيْضًا - أنَّهُما قَرَآ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ «فارِهِينَ» بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ لِما ذَكَرُوا في (حاذِرٍ وحَذِرٍ) وقَرَأ مُجاهِدٌ «مُتَفَرِّهِينَ».

الشعراء 26:150

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ كَأنَّهُ عَنى بِالخِطابِ جُمْهُورَ قَوْمِهِ وبِالمُسْرِفِينَ كُبَراءَهم وأعْلامَهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ، ونِسْبَةُ الإطاعَةِ إلى الأمْرِ مَجازٌ وهي لِلْآمِرِ حَقِيقَةً، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإطاعَةُ مُسْتَعارَةً لِلِامْتِثالِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الشَّبَهِ في الإفْضاءِ إلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْهُ لِلُزُومِهِ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، والإسْرافُ تَجاوُزُ الحَدَّ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في الإنْفاقِ أشْهَرُ، والمُرادُ بِهِ هُنا زِيادَةُ الفَسادِ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ - عَلى ما قِيلَ - بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ ذَمُّهم بِالضَّلالِ في أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وإضْلالِهِمْ غَيْرَهم بِالدَّعْوَةِ لِذَلِكَ، ولِلْإيماءِ إلى عَدَمِ اخْتِصاصِ شُؤْمِ فِعْلِهِمْ بِهِمْ؛ حَثًّا عَلى امْتِثالِ النَّهْيِ قِيلَ: ( في الأرْضِ ) والمُرادُ بِها أرْضُ ثَمُودَ، وقِيلَ: الأرْضُ كُلُّها، ولَمّا كانَ ( يُفْسِدُونَ ) لا يُنافِي إصْلاحَهم أحْيانًا أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ لِبَيانِ كَمالِ إفْسادِهِمْ وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْهُ إصْلاحٌ أصْلًا.

الشعراء 26:151

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ كَأنَّهُ عَنى بِالخِطابِ جُمْهُورَ قَوْمِهِ وبِالمُسْرِفِينَ كُبَراءَهم وأعْلامَهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ، ونِسْبَةُ الإطاعَةِ إلى الأمْرِ مَجازٌ وهي لِلْآمِرِ حَقِيقَةً، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإطاعَةُ مُسْتَعارَةً لِلِامْتِثالِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الشَّبَهِ في الإفْضاءِ إلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْهُ لِلُزُومِهِ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، والإسْرافُ تَجاوُزُ الحَدَّ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في الإنْفاقِ أشْهَرُ، والمُرادُ بِهِ هُنا زِيادَةُ الفَسادِ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ - عَلى ما قِيلَ - بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ ذَمُّهم بِالضَّلالِ في أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وإضْلالِهِمْ غَيْرَهم بِالدَّعْوَةِ لِذَلِكَ، ولِلْإيماءِ إلى عَدَمِ اخْتِصاصِ شُؤْمِ فِعْلِهِمْ بِهِمْ؛ حَثًّا عَلى امْتِثالِ النَّهْيِ قِيلَ: ( في الأرْضِ ) والمُرادُ بِها أرْضُ ثَمُودَ، وقِيلَ: الأرْضُ كُلُّها، ولَمّا كانَ ( يُفْسِدُونَ ) لا يُنافِي إصْلاحَهم أحْيانًا أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ لِبَيانِ كَمالِ إفْسادِهِمْ وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْهُ إصْلاحٌ أصْلًا.

الشعراء 26:152

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ كَأنَّهُ عَنى بِالخِطابِ جُمْهُورَ قَوْمِهِ وبِالمُسْرِفِينَ كُبَراءَهم وأعْلامَهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ، ونِسْبَةُ الإطاعَةِ إلى الأمْرِ مَجازٌ وهي لِلْآمِرِ حَقِيقَةً، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإطاعَةُ مُسْتَعارَةً لِلِامْتِثالِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الشَّبَهِ في الإفْضاءِ إلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْهُ لِلُزُومِهِ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، والإسْرافُ تَجاوُزُ الحَدَّ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في الإنْفاقِ أشْهَرُ، والمُرادُ بِهِ هُنا زِيادَةُ الفَسادِ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ - عَلى ما قِيلَ - بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ ذَمُّهم بِالضَّلالِ في أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وإضْلالِهِمْ غَيْرَهم بِالدَّعْوَةِ لِذَلِكَ، ولِلْإيماءِ إلى عَدَمِ اخْتِصاصِ شُؤْمِ فِعْلِهِمْ بِهِمْ؛ حَثًّا عَلى امْتِثالِ النَّهْيِ قِيلَ: ( في الأرْضِ ) والمُرادُ بِها أرْضُ ثَمُودَ، وقِيلَ: الأرْضُ كُلُّها، ولَمّا كانَ ( يُفْسِدُونَ ) لا يُنافِي إصْلاحَهم أحْيانًا أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ لِبَيانِ كَمالِ إفْسادِهِمْ وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْهُ إصْلاحٌ أصْلًا.

الشعراء 26:153

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ سُحِرُوا كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عُقُولِهِمْ، وقِيلَ: أيْ مِن ذَوِي السِّحْرِ، أيِ: الرِّئَةِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الأناسِيِّ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ عَلى هَذا تَأْكِيدٌ لَهُ، وعَلى الأوَّلِ هو مُسْتَأْنَفٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أنْتَ مَسْحُورٌ؛ لِأنَّكَ بِشْرٌ مِثْلُنا لا تَمَيُّزَ لَكَ عَلَيْنا، فَدَعْواكَ إنَّما هي لِخَلَلٍ في عَقْلِكَ ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ صفحة 114 عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيها

الشعراء 26:154

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ سُحِرُوا كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عُقُولِهِمْ، وقِيلَ: أيْ مِن ذَوِي السِّحْرِ، أيِ: الرِّئَةِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الأناسِيِّ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ عَلى هَذا تَأْكِيدٌ لَهُ، وعَلى الأوَّلِ هو مُسْتَأْنَفٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أنْتَ مَسْحُورٌ؛ لِأنَّكَ بِشْرٌ مِثْلُنا لا تَمَيُّزَ لَكَ عَلَيْنا، فَدَعْواكَ إنَّما هي لِخَلَلٍ في عَقْلِكَ ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ صفحة 114 عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيها

الشعراء 26:155

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ﴾ أيْ: بَعْدَما أخْرَجَها اللَّهُ تَعالى بِدُعائِهِ. رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن صَخْرَةٍ عَيَّنُوها ثُمَّ تَلِدُ سَقْبًا فَقَعَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَذَكَّرُ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونَتَجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ أيْ: نَصِيبٌ مَشْرُوبٌ مِنَ الماءِ كالسِّقْيِ والقِيتِ لِلنَّصِيبِ مِنَ السَّقْيِ والقُوتِ، وكانَ هَذا الشُّرْبُ مِن عَيْنٍ عِنْدَهم. وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّ تِلْكَ العَيْنَ أوَّلُ عَيْنٍ نَبَعَتْ في الأرْضِ، وقَدْ فَجَّرَها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ – لِصالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «شُرْبُ» بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ قِسْمَةِ ماءِ نَحْوِ الآبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ كَضَرْبٍ وعَقْرٍ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ لِعِظَمِ ما يَحِلُّ فِيهِ، وهو أبْلَغُ مِن عِظَمِ العَذابِ، وهَذا مِنَ المَجازِ في النِّسْبَةِ، وجَعْلُ (عَظِيمٍ) صِفَةَ (عَذابُ) والجَرَّ لِلْمُجاوَرَةِ نَحْوُ: (هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) لَيْسَ بِشَيْءٍ.

الشعراء 26:156

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ﴾ أيْ: بَعْدَما أخْرَجَها اللَّهُ تَعالى بِدُعائِهِ. رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن صَخْرَةٍ عَيَّنُوها ثُمَّ تَلِدُ سَقْبًا فَقَعَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَذَكَّرُ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونَتَجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ أيْ: نَصِيبٌ مَشْرُوبٌ مِنَ الماءِ كالسِّقْيِ والقِيتِ لِلنَّصِيبِ مِنَ السَّقْيِ والقُوتِ، وكانَ هَذا الشُّرْبُ مِن عَيْنٍ عِنْدَهم. وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّ تِلْكَ العَيْنَ أوَّلُ عَيْنٍ نَبَعَتْ في الأرْضِ، وقَدْ فَجَّرَها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ – لِصالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «شُرْبُ» بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ قِسْمَةِ ماءِ نَحْوِ الآبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ كَضَرْبٍ وعَقْرٍ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ لِعِظَمِ ما يَحِلُّ فِيهِ، وهو أبْلَغُ مِن عِظَمِ العَذابِ، وهَذا مِنَ المَجازِ في النِّسْبَةِ، وجَعْلُ (عَظِيمٍ) صِفَةَ (عَذابُ) والجَرَّ لِلْمُجاوَرَةِ نَحْوُ: (هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) لَيْسَ بِشَيْءٍ.

الشعراء 26:157

﴿فَعَقَرُوها﴾ نُسِبَ العَقْرُ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ - مَعَ أنَّ عاقِرَها واحِدٌ مِنهُمْ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وكانَ نَسّاجًا عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّ مِسْطَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ في شِعْبٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَأصابَ رِجْلَها فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قِدارٌ - لِما رُوِيَ أنْ عاقِرَها قالَ: لا أعْقِرُها حَتّى تَرْضَوْا أجْمَعِينَ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ عَلى المَرْأةِ في خِدْرِها فَيَقُولُ: أتَرْضَيْنَ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، وكَذَلِكَ الصِّبْيانُ فَرَضُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: لِأنَّ العَقْرَ كانَ بِأمْرِهِمْ ومُعاوَنَتِهِمْ جَمِيعًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ خَوْفًا مِن حُلُولِ العَذابِ كَما قالَ جَمْعٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: بَعْدَما عَقَرُوها ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ: (بَعْدَما عَقَرُوها) في حَيِّزِ المَنعِ؛ إذِ الواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا: بِما تَعِدُنا مِنَ المُعْجِزَةِ، أوِ الواوُ حالِيَّةٌ، أيْ: والحالُ أنَّهم طَلَبُوها مِن صالِحٍ ووَعَدُوهُ الإيمانَ بِها عِنْدَ ظُهُورِها، مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ نَدَمُ بَعْضٍ وقَوْلُ بَعْضٍ آخَرَ ذَلِكَ بِإسْنادِ ما صَدَرَ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ لِعَدَمِ نَهْيِهِمْ عَنْهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، أوْ نَدِمُوا كُلُّهم أوَّلًا خَوْفًا ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهم وزالَ خَوْفُهُمْ، أوْ عَلى العَكْسِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهم نَدِمُوا عَلى عَقْرِها نَدَمَ تَوْبَةٍ لَكِنَّهُ كانَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وقِيلَ: لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَلافَوْا ما فَعَلُوا بِالإيمانِ المَطْلُوبِ مِنهم. وقِيلَ: نَدِمُوا عَلى تَرْكِ سَقَبِها ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهم نَدِمُوا عَلى عَقْرِها لِما فاتَهم بِهِ مِن لَبَنِها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُها أصْدَرَتْهم لَبَنًا ما شاءُوا

الشعراء 26:158

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:159

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:160

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:161

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:162

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:163

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:164

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:165

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ صفحة 115 إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

الشعراء 26:166

﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ لِأجْلِ اسْتِمْتاعِكُمْ، وكَلِمَةُ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ لِلْبَيانِ إنْ أُرِيدَ بِما جِنْسُ الإناثِ، ولَعَلَّ في الكَلامِ حِينَئِذٍ مُضافَيْنِ مَحْذُوفَيْنِ، أيْ: وتَذَرُونَ إتْيانَ فُرُوجِ ما خُلِقَ لَكُمْ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ إنْ أُرِيدَ بِما العُضْوُ المُباحُ مِنَ الأزْواجِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ «ما أصْلَحَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ» وحِينَئِذٍ يُكْتَفى بِتَقْدِيرِ مُضافٍ واحِدٍ، أيْ: وتَذَرُونَ إتْيانَ ما خَلَقَ، ويَكُونُ في الكَلامِ - عَلى ما قِيلَ - تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كانُوا يَأْتُونَ نِساءَهم أيْضًا في مُحاشِهِنَّ، ولَمْ يُصَرَّحْ بِإنْكارِهِ كَما صُرِّحَ بِإنْكارِ إتْيانِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّهُ دُونَهُ في الإثْمِ. وهُوَ عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ حَرامٌ بَلْ كَبِيرَةٌ، وقِيلَ: هو مُباحٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ مَبْسُوطًا عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . وقِيلَ: لَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أصْلًا، والمُرادُ ذَمُّهم بِتَرْكِ ما خُلِقَ لَهُمْ، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَضْلًا عَنِ الإتْيانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَعْنى ظاهِرٌ عَلى التَّقْدِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، والعادِي المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ المُتَجاوِزُ فِيهِ الحَدَّ، ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ، وهو إمّا عامٌّ أوْ خاصٌّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُتَعَدُّونَ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في جَمِيعِ المَعاصِي وهَذا مِن جُمْلَتِها، أوْ مُتَجاوِزُونَ عَنْ حَدِّ الشَّهْوَةِ؛ حَيْثُ زِدْتُمْ عَلى سائِرِ النّاسِ، بَلْ أكْثَرِ الحَيَواناتِ. وقِيلَ: مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ؛ حَيْثُ ظَلَمْتُمْ بِإتْيانِ ما لَمْ يُخْلَقْ لِلْإتْيانِ وتَرْكِ إتْيانِ ما خُلِقَ لَهُ، وفي البَحْرِ أنَّ صفحة 116 تَصْدِيرَ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ تَعْظِيمًا لِفِعْلِهِمْ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ لا غَيْرُكم.

الشعراء 26:167

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ عَنْ تَوْبِيخِنا وتَقْبِيحِ أمْرِنا، أوْ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ ودَعْوَتِنا إلى الإيمانِ وإنْكارِ ما أنْكَرْتَهُ مِن أمْرِنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ: مِنَ المَنفِيِّينَ مِن قَرْيَتِنا المَعْهُودِينَ، وكَأنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن غَضِبُوا عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ إنْكارِ تِلْكَ الفاحِشَةِ مِن بَيْنِهِمْ عَلى عُنْفٍ وسُوءِ حالٍ، ولِهَذا هَدَّدُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ، وعَدَلُوا عَنْ (لَنُخْرِجَنَّكَ) الأخْصَرِ إلى ما ذُكِرَ، ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِنَ التَّأْكِيدِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ غايَةَ البُغْضِ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: قَلاهُ ويَقْلِيهِ، فَمَن جَعَلَهُ مِنَ الواوِ فَهو مِنَ القَلْوِ، أيِ: الرَّمْيِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَلَتِ النّاقَةُ بِراكِبِها قَلْوًا، وقَلَوْتُ بِالقُلَةِ إذا رَمَيْتَها، فَكَأنَّ المَقْلُوَّ يَقْذِفُهُ القَلْبُ مِن بُغْضِهِ فَلا يَقْبَلُهُ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ الياءِ فَهو مَن قَلَيْتُ السَّوِيقَ عَلى المِقْلاةِ، فَكَأنَّ شِدَّةَ البُغْضِ تَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ وتَشْوِيهُما، فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ يائِيٌّ، والَّذِي بِمَعْنى طَبَخَ وشَوى واوِيٌّ ناشٍ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ، والعُدُولُ عَنْ (قالِي) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: قالِي لَمْ يَفِدْ أكْثَرَ مِن تَلَبُّسِهِ بِالفِعْلِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ إذْ يُفِيدُ أنَّهُ مَعَ تَلَبُّسِهِ مِن قَوْمٍ عُرِفُوا واشْتُهِرُوا بِهِ، فَيَكُونُ راسِخَ القَدَمِ عَرِيقَ العُرْفِ فِيهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرِهِ، واللّامُ في «لِعَمَلِكُمْ» قِيلَ لِلتَّبْيِينِ كَما في (سَقْيًا لَكَ) فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أعْنِي (أعْنِي) وقِيلَ: هي لِلتَّقْوِيَةِ، ومُتَعَلِّقُها عِنْدَ مَن يَرى تَعَلُّقَ حَرْفِ التَّقْوِيَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنِّي مِنَ القالِينَ لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ. وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالقالِينَ المَذْكُورِ، ويُتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِها، فَتُقَدَّمُ حَيْثُ لا يُقَدَّمُ غَيْرُها، والمُرادُ بِعَمَلِهِمْ إمّا ما أنْكَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ مِن إتْيانِ الذُّكْرانِ وتَرْكِ ما خَلَقَ رَبُّهم سُبْحانَهُ لَهُمْ، وإمّا ما يَشْمَلُ ذَلِكَ وسائِرَ ما نَهاهم عَنْهُ وأمَرَهم بِضِدِّهِ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ،

الشعراء 26:168

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ عَنْ تَوْبِيخِنا وتَقْبِيحِ أمْرِنا، أوْ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ ودَعْوَتِنا إلى الإيمانِ وإنْكارِ ما أنْكَرْتَهُ مِن أمْرِنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ: مِنَ المَنفِيِّينَ مِن قَرْيَتِنا المَعْهُودِينَ، وكَأنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن غَضِبُوا عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ إنْكارِ تِلْكَ الفاحِشَةِ مِن بَيْنِهِمْ عَلى عُنْفٍ وسُوءِ حالٍ، ولِهَذا هَدَّدُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ، وعَدَلُوا عَنْ (لَنُخْرِجَنَّكَ) الأخْصَرِ إلى ما ذُكِرَ، ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِنَ التَّأْكِيدِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ غايَةَ البُغْضِ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: قَلاهُ ويَقْلِيهِ، فَمَن جَعَلَهُ مِنَ الواوِ فَهو مِنَ القَلْوِ، أيِ: الرَّمْيِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَلَتِ النّاقَةُ بِراكِبِها قَلْوًا، وقَلَوْتُ بِالقُلَةِ إذا رَمَيْتَها، فَكَأنَّ المَقْلُوَّ يَقْذِفُهُ القَلْبُ مِن بُغْضِهِ فَلا يَقْبَلُهُ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ الياءِ فَهو مَن قَلَيْتُ السَّوِيقَ عَلى المِقْلاةِ، فَكَأنَّ شِدَّةَ البُغْضِ تَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ وتَشْوِيهُما، فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ يائِيٌّ، والَّذِي بِمَعْنى طَبَخَ وشَوى واوِيٌّ ناشٍ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ، والعُدُولُ عَنْ (قالِي) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: قالِي لَمْ يَفِدْ أكْثَرَ مِن تَلَبُّسِهِ بِالفِعْلِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ إذْ يُفِيدُ أنَّهُ مَعَ تَلَبُّسِهِ مِن قَوْمٍ عُرِفُوا واشْتُهِرُوا بِهِ، فَيَكُونُ راسِخَ القَدَمِ عَرِيقَ العُرْفِ فِيهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرِهِ، واللّامُ في «لِعَمَلِكُمْ» قِيلَ لِلتَّبْيِينِ كَما في (سَقْيًا لَكَ) فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أعْنِي (أعْنِي) وقِيلَ: هي لِلتَّقْوِيَةِ، ومُتَعَلِّقُها عِنْدَ مَن يَرى تَعَلُّقَ حَرْفِ التَّقْوِيَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنِّي مِنَ القالِينَ لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ. وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالقالِينَ المَذْكُورِ، ويُتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِها، فَتُقَدَّمُ حَيْثُ لا يُقَدَّمُ غَيْرُها، والمُرادُ بِعَمَلِهِمْ إمّا ما أنْكَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ مِن إتْيانِ الذُّكْرانِ وتَرْكِ ما خَلَقَ رَبُّهم سُبْحانَهُ لَهُمْ، وإمّا ما يَشْمَلُ ذَلِكَ وسائِرَ ما نَهاهم عَنْهُ وأمَرَهم بِضِدِّهِ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ،

الشعراء 26:169

وقابَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَهْدِيدَهم ذَلِكَ بِما ذُكِرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِ، وأنَّهُ راغِبٌ في الخَلاصِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِ لِعَمَلِهِمْ ولِذَلِكَ أعْرَضَ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ، وتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن شُؤْمِ عَمَلِهِمْ أوِ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ وعَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِالنَّجاةِ مِنَ التَّلَبُّسِ بِمِثْلِ عَمَلِهِمْ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى الأهْلِ دُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لا يُخْشى تَلَبُّسُهُ بِذَلِكَ لِمَكانِ العِصْمَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العَذابَ كَذَلِكَ إذْ لا يُعَذَّبُ مَن لَمْ يَجْنِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ . وقِيلَ: قَدْ يَدْعُو المَعْصُومُ بِالحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما عُصِمَ عَنْهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةُ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وهو مُسَلَّمٌ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ النَّجاةُ مِمّا يَنالُهم بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأهْلِهِ أهْلُ بَيْتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ مَن تَبِعَ دِينَهُ مَجازًا، فَيَشْمَلُ أهْلَ بَيْتِهِ المُؤْمِنِينَ وسائِرَ مَن آمَنَ بِهِ. وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا التَّعْمِيمِ إذْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، والمُرادُ بِهَذِهِ العَجُوزِ امْرَأتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ كافِرَةً مائِلَةً إلى القَوْمِ راضِيَةً بِفِعْلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالعَجُوزِ؛ لِلْإيماءِ صفحة 117 إلى أنَّهُ مِمّا لا يَشُقُّ أمْرُ هَلاكِها عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسائِرِ أهْلِهِ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ. وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّها قَدْ عَسَيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا، والغابِرُ الباقِي بَعْدَ مُضِيِّ مَن مَعَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - في ذَلِكَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: ذَهَبُوا وخَلَّفَنِي المُخَلَّفُ فِيهِمْ فَكَأنَّنِي في الغابِرِينَ غَرِيبُ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ العَذابِ بِإخْراجِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ لَيْلًا عِنْدَ مُشارَفَةِ حُلُولِهِ بِهِمْ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرَةً في الباقِينَ في العَذابِ بَعْدَ سَلامَةِ مَن خَرَجَ. وإنَّما اعْتُبِرَ البَقاءُ في العَذابِ دُونَ البَقاءِ في الدّارِ؛ لِما رُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأصابَها حَجَرٌ في الطَّرِيقِ فَهَلَكَتْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الباقِينَ في الدّارِ بِناءً عَلى أنَّها لِهَلاكِها كَأنَّها مِمَّنْ بَقِيَ فِيها، أوْ أنَّها خَرَجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَهَلَكَتْ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، أوْ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أصْلًا كَما في البَعْضِ الآخَرِ مِنها. وقِيلَ: الغابِرُ طَوِيلُ العُمُرِ، وكَأنَّهُ إنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِبَقائِهِ مَعَ مُضِيِّ مَن كانَ مَعَهُ، والمُرادُ وصْفُ العَجُوزِ بِأنَّها طاعِنَةٌ في السِّنِّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - كَما رَوى عَنْهُ مُجاهِدٌ -: «وواعَدْنا أنْ نُؤْتِيَهُ أهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ».

الشعراء 26:170

وقابَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَهْدِيدَهم ذَلِكَ بِما ذُكِرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِ، وأنَّهُ راغِبٌ في الخَلاصِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِ لِعَمَلِهِمْ ولِذَلِكَ أعْرَضَ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ، وتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن شُؤْمِ عَمَلِهِمْ أوِ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ وعَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِالنَّجاةِ مِنَ التَّلَبُّسِ بِمِثْلِ عَمَلِهِمْ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى الأهْلِ دُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لا يُخْشى تَلَبُّسُهُ بِذَلِكَ لِمَكانِ العِصْمَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العَذابَ كَذَلِكَ إذْ لا يُعَذَّبُ مَن لَمْ يَجْنِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ . وقِيلَ: قَدْ يَدْعُو المَعْصُومُ بِالحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما عُصِمَ عَنْهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةُ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وهو مُسَلَّمٌ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ النَّجاةُ مِمّا يَنالُهم بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأهْلِهِ أهْلُ بَيْتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ مَن تَبِعَ دِينَهُ مَجازًا، فَيَشْمَلُ أهْلَ بَيْتِهِ المُؤْمِنِينَ وسائِرَ مَن آمَنَ بِهِ. وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا التَّعْمِيمِ إذْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، والمُرادُ بِهَذِهِ العَجُوزِ امْرَأتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ كافِرَةً مائِلَةً إلى القَوْمِ راضِيَةً بِفِعْلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالعَجُوزِ؛ لِلْإيماءِ صفحة 117 إلى أنَّهُ مِمّا لا يَشُقُّ أمْرُ هَلاكِها عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسائِرِ أهْلِهِ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ. وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّها قَدْ عَسَيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا، والغابِرُ الباقِي بَعْدَ مُضِيِّ مَن مَعَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - في ذَلِكَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: ذَهَبُوا وخَلَّفَنِي المُخَلَّفُ فِيهِمْ فَكَأنَّنِي في الغابِرِينَ غَرِيبُ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ العَذابِ بِإخْراجِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ لَيْلًا عِنْدَ مُشارَفَةِ حُلُولِهِ بِهِمْ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرَةً في الباقِينَ في العَذابِ بَعْدَ سَلامَةِ مَن خَرَجَ. وإنَّما اعْتُبِرَ البَقاءُ في العَذابِ دُونَ البَقاءِ في الدّارِ؛ لِما رُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأصابَها حَجَرٌ في الطَّرِيقِ فَهَلَكَتْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الباقِينَ في الدّارِ بِناءً عَلى أنَّها لِهَلاكِها كَأنَّها مِمَّنْ بَقِيَ فِيها، أوْ أنَّها خَرَجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَهَلَكَتْ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، أوْ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أصْلًا كَما في البَعْضِ الآخَرِ مِنها. وقِيلَ: الغابِرُ طَوِيلُ العُمُرِ، وكَأنَّهُ إنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِبَقائِهِ مَعَ مُضِيِّ مَن كانَ مَعَهُ، والمُرادُ وصْفُ العَجُوزِ بِأنَّها طاعِنَةٌ في السِّنِّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - كَما رَوى عَنْهُ مُجاهِدٌ -: «وواعَدْنا أنْ نُؤْتِيَهُ أهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ».

الشعراء 26:171

وقابَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَهْدِيدَهم ذَلِكَ بِما ذُكِرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِ، وأنَّهُ راغِبٌ في الخَلاصِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِ لِعَمَلِهِمْ ولِذَلِكَ أعْرَضَ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ، وتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن شُؤْمِ عَمَلِهِمْ أوِ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ وعَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِالنَّجاةِ مِنَ التَّلَبُّسِ بِمِثْلِ عَمَلِهِمْ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى الأهْلِ دُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لا يُخْشى تَلَبُّسُهُ بِذَلِكَ لِمَكانِ العِصْمَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العَذابَ كَذَلِكَ إذْ لا يُعَذَّبُ مَن لَمْ يَجْنِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ . وقِيلَ: قَدْ يَدْعُو المَعْصُومُ بِالحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما عُصِمَ عَنْهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةُ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وهو مُسَلَّمٌ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ النَّجاةُ مِمّا يَنالُهم بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأهْلِهِ أهْلُ بَيْتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ مَن تَبِعَ دِينَهُ مَجازًا، فَيَشْمَلُ أهْلَ بَيْتِهِ المُؤْمِنِينَ وسائِرَ مَن آمَنَ بِهِ. وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا التَّعْمِيمِ إذْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، والمُرادُ بِهَذِهِ العَجُوزِ امْرَأتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ كافِرَةً مائِلَةً إلى القَوْمِ راضِيَةً بِفِعْلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالعَجُوزِ؛ لِلْإيماءِ صفحة 117 إلى أنَّهُ مِمّا لا يَشُقُّ أمْرُ هَلاكِها عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسائِرِ أهْلِهِ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ. وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّها قَدْ عَسَيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا، والغابِرُ الباقِي بَعْدَ مُضِيِّ مَن مَعَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - في ذَلِكَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: ذَهَبُوا وخَلَّفَنِي المُخَلَّفُ فِيهِمْ فَكَأنَّنِي في الغابِرِينَ غَرِيبُ والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ العَذابِ بِإخْراجِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ لَيْلًا عِنْدَ مُشارَفَةِ حُلُولِهِ بِهِمْ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرَةً في الباقِينَ في العَذابِ بَعْدَ سَلامَةِ مَن خَرَجَ. وإنَّما اعْتُبِرَ البَقاءُ في العَذابِ دُونَ البَقاءِ في الدّارِ؛ لِما رُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأصابَها حَجَرٌ في الطَّرِيقِ فَهَلَكَتْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الباقِينَ في الدّارِ بِناءً عَلى أنَّها لِهَلاكِها كَأنَّها مِمَّنْ بَقِيَ فِيها، أوْ أنَّها خَرَجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَهَلَكَتْ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، أوْ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أصْلًا كَما في البَعْضِ الآخَرِ مِنها. وقِيلَ: الغابِرُ طَوِيلُ العُمُرِ، وكَأنَّهُ إنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِبَقائِهِ مَعَ مُضِيِّ مَن كانَ مَعَهُ، والمُرادُ وصْفُ العَجُوزِ بِأنَّها طاعِنَةٌ في السِّنِّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - كَما رَوى عَنْهُ مُجاهِدٌ -: «وواعَدْنا أنْ نُؤْتِيَهُ أهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ».

الشعراء 26:172

﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أهْلَكْناهم أشَدَّ إهْلاكٍ وأفْظَعَهُ، وكانَ ذَلِكَ الِائْتِفاكَ، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى (نَجَّيْنا) والتَّدْمِيرُ مُتَراخٍ عَنِ التَّنْجِيَةِ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ: (أرَدْنا تَنْجِيَتَهُ) أوْ: (حَكَمْنا بِها) أوْ مَعْنى (فَنَجَّيْناهُ) فاسْتَجَبْنا دُعاءَهُ في تَنْجِيَتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ. ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ المَطَرِ غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَقَدْ كانَ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ . وجَمْعُ الأمْرانِ لَهم زِيادَةٌ في إهانَتِهِمْ. وقِيلَ: كانَ الِائْتِفاكُ لِطائِفَةٍ والإمْطارُ لِأُخْرى مِنهُمْ، وكانَتْ هَذِهِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ - لِلَّذِينَ كانُوا خارِجِينَ مِنَ القَرْيَةِ لِبَعْضِ حَوائِجِهِمْ، ولَعَلَّهُ مُرادُ قَتادَةَ بِالشُّذّاذِ فِيما رُوِيَ عَنْهُ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وبِهِ يَتَسَنّى وُقُوعُ المُضافِ إلَيْهِ فاعِلَ (ساءَ) بِناءً عَلى أنَّها بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وهو مَطَرُهُمْ، وإذا لَمْ تَكُنْ (ساءَ) كَذَلِكَ جازَ كَوْنُها لِلْعَهْدِ.

الشعراء 26:173

﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أهْلَكْناهم أشَدَّ إهْلاكٍ وأفْظَعَهُ، وكانَ ذَلِكَ الِائْتِفاكَ، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى (نَجَّيْنا) والتَّدْمِيرُ مُتَراخٍ عَنِ التَّنْجِيَةِ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ: (أرَدْنا تَنْجِيَتَهُ) أوْ: (حَكَمْنا بِها) أوْ مَعْنى (فَنَجَّيْناهُ) فاسْتَجَبْنا دُعاءَهُ في تَنْجِيَتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ. ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ المَطَرِ غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَقَدْ كانَ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ . وجَمْعُ الأمْرانِ لَهم زِيادَةٌ في إهانَتِهِمْ. وقِيلَ: كانَ الِائْتِفاكُ لِطائِفَةٍ والإمْطارُ لِأُخْرى مِنهُمْ، وكانَتْ هَذِهِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ - لِلَّذِينَ كانُوا خارِجِينَ مِنَ القَرْيَةِ لِبَعْضِ حَوائِجِهِمْ، ولَعَلَّهُ مُرادُ قَتادَةَ بِالشُّذّاذِ فِيما رُوِيَ عَنْهُ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وبِهِ يَتَسَنّى وُقُوعُ المُضافِ إلَيْهِ فاعِلَ (ساءَ) بِناءً عَلى أنَّها بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وهو مَطَرُهُمْ، وإذا لَمْ تَكُنْ (ساءَ) كَذَلِكَ جازَ كَوْنُها لِلْعَهْدِ.

الشعراء 26:174

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ الَّتِي تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ، وهي غَيْضَةٌ مِن ساحِلِ البَحْرِ إلى مَدْيَنَ، يَسْكُنُها طائِفَةٌ، وكانُوا مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ولَمْ يُقَلْ: (أخُوهُمْ) وقِيلَ: ( الأيْكَةِ ) الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المُقْلُ، وعَلى القَوْلَيْنِ ( أصْحابُ الأيْكَةِ ) غَيْرُ أهْلِ مَدْيَنَ، ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم هم أصْحابُ مَدْيَنَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ «لَيْكَةَ» بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ بِغَيْرِ ألِفٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ هُنا، وفي (ص) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ والأيْكَةِ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في الحِجْرِ و(ق): ( الأيْكَةِ ) وفي الشُّعَراءِ و(ص): (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ، وفي الكَشّافِ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ (لَيْكَةَ) بِوَزْنِ لَيْلَةٍ صفحة 118 اسْمُ بَلَدٍ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ، حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً هُنا وفي «ص» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ، كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ الآنَ (لانَ) والأوْلى (لَوْلى) لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ، وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لا يُعْرَفُ، انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ دَعْوى مِن غَيْرِ ثَبَتٍ، وكَفى ثَبَتًا لِلْمُخالِفِ ثُبُوتُ القِراءَةِ في السَّبْعَةِ وهي مُتَواتِرَةٌ، كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ - وإنْ لَمْ تُعَوِّلْ عَلَيْهِ - فَما رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: (الأيْكَةُ) و(لَيْكَةُ) الغَيْضَةُ، هَذا وإنَّ الأسْماءَ المُرْتَجَلَةَ لا مَنعَ مِنها، وفي البَحْرِ: إنَّ كَوْنَ مادَّةِ (ل ي ك) مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ كَما تَشَبَّثَ بِهِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ - إنْ صَحَّ - لا يَضُرُّ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالَفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ، وبِالجُمْلَةِ إنْكارُ الزَّمَخْشَرِيِّ صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ يَقْرُبُ مِنَ الرِّدَّةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. وقَدْ سَبَقَهُ في ذَلِكَ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ والفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وقُرِئَ «لَيْكَةِ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ والجَرِّ بِالكَسْرَةِ، وتُكْتَبُ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ بِدُونِ هَمْزَةٍ وعَلى الأصْلِ بِالهَمْزَةِ، وكَذا نَظائِرُها.

الشعراء 26:175

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ الَّتِي تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ، وهي غَيْضَةٌ مِن ساحِلِ البَحْرِ إلى مَدْيَنَ، يَسْكُنُها طائِفَةٌ، وكانُوا مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ولَمْ يُقَلْ: (أخُوهُمْ) وقِيلَ: ( الأيْكَةِ ) الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المُقْلُ، وعَلى القَوْلَيْنِ ( أصْحابُ الأيْكَةِ ) غَيْرُ أهْلِ مَدْيَنَ، ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم هم أصْحابُ مَدْيَنَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ «لَيْكَةَ» بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ بِغَيْرِ ألِفٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ هُنا، وفي (ص) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ والأيْكَةِ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في الحِجْرِ و(ق): ( الأيْكَةِ ) وفي الشُّعَراءِ و(ص): (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ، وفي الكَشّافِ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ (لَيْكَةَ) بِوَزْنِ لَيْلَةٍ صفحة 118 اسْمُ بَلَدٍ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ، حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً هُنا وفي «ص» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ، كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ الآنَ (لانَ) والأوْلى (لَوْلى) لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ، وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لا يُعْرَفُ، انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ دَعْوى مِن غَيْرِ ثَبَتٍ، وكَفى ثَبَتًا لِلْمُخالِفِ ثُبُوتُ القِراءَةِ في السَّبْعَةِ وهي مُتَواتِرَةٌ، كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ - وإنْ لَمْ تُعَوِّلْ عَلَيْهِ - فَما رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: (الأيْكَةُ) و(لَيْكَةُ) الغَيْضَةُ، هَذا وإنَّ الأسْماءَ المُرْتَجَلَةَ لا مَنعَ مِنها، وفي البَحْرِ: إنَّ كَوْنَ مادَّةِ (ل ي ك) مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ كَما تَشَبَّثَ بِهِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ - إنْ صَحَّ - لا يَضُرُّ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالَفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ، وبِالجُمْلَةِ إنْكارُ الزَّمَخْشَرِيِّ صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ يَقْرُبُ مِنَ الرِّدَّةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. وقَدْ سَبَقَهُ في ذَلِكَ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ والفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وقُرِئَ «لَيْكَةِ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ والجَرِّ بِالكَسْرَةِ، وتُكْتَبُ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ بِدُونِ هَمْزَةٍ وعَلى الأصْلِ بِالهَمْزَةِ، وكَذا نَظائِرُها.

الشعراء 26:176

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ الَّتِي تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ، وهي غَيْضَةٌ مِن ساحِلِ البَحْرِ إلى مَدْيَنَ، يَسْكُنُها طائِفَةٌ، وكانُوا مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ولَمْ يُقَلْ: (أخُوهُمْ) وقِيلَ: ( الأيْكَةِ ) الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المُقْلُ، وعَلى القَوْلَيْنِ ( أصْحابُ الأيْكَةِ ) غَيْرُ أهْلِ مَدْيَنَ، ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم هم أصْحابُ مَدْيَنَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ «لَيْكَةَ» بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ بِغَيْرِ ألِفٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ هُنا، وفي (ص) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ والأيْكَةِ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في الحِجْرِ و(ق): ( الأيْكَةِ ) وفي الشُّعَراءِ و(ص): (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ، وفي الكَشّافِ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ (لَيْكَةَ) بِوَزْنِ لَيْلَةٍ صفحة 118 اسْمُ بَلَدٍ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ، حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً هُنا وفي «ص» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ، كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ الآنَ (لانَ) والأوْلى (لَوْلى) لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ، وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لا يُعْرَفُ، انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ دَعْوى مِن غَيْرِ ثَبَتٍ، وكَفى ثَبَتًا لِلْمُخالِفِ ثُبُوتُ القِراءَةِ في السَّبْعَةِ وهي مُتَواتِرَةٌ، كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ - وإنْ لَمْ تُعَوِّلْ عَلَيْهِ - فَما رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: (الأيْكَةُ) و(لَيْكَةُ) الغَيْضَةُ، هَذا وإنَّ الأسْماءَ المُرْتَجَلَةَ لا مَنعَ مِنها، وفي البَحْرِ: إنَّ كَوْنَ مادَّةِ (ل ي ك) مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ كَما تَشَبَّثَ بِهِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ - إنْ صَحَّ - لا يَضُرُّ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالَفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ، وبِالجُمْلَةِ إنْكارُ الزَّمَخْشَرِيِّ صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ يَقْرُبُ مِنَ الرِّدَّةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. وقَدْ سَبَقَهُ في ذَلِكَ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ والفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وقُرِئَ «لَيْكَةِ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ والجَرِّ بِالكَسْرَةِ، وتُكْتَبُ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ بِدُونِ هَمْزَةٍ وعَلى الأصْلِ بِالهَمْزَةِ، وكَذا نَظائِرُها.

الشعراء 26:177

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ الَّتِي تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ، وهي غَيْضَةٌ مِن ساحِلِ البَحْرِ إلى مَدْيَنَ، يَسْكُنُها طائِفَةٌ، وكانُوا مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ولَمْ يُقَلْ: (أخُوهُمْ) وقِيلَ: ( الأيْكَةِ ) الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المُقْلُ، وعَلى القَوْلَيْنِ ( أصْحابُ الأيْكَةِ ) غَيْرُ أهْلِ مَدْيَنَ، ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم هم أصْحابُ مَدْيَنَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ «لَيْكَةَ» بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ بِغَيْرِ ألِفٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ هُنا، وفي (ص) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ والأيْكَةِ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في الحِجْرِ و(ق): ( الأيْكَةِ ) وفي الشُّعَراءِ و(ص): (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ، وفي الكَشّافِ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ (لَيْكَةَ) بِوَزْنِ لَيْلَةٍ صفحة 118 اسْمُ بَلَدٍ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ، حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً هُنا وفي «ص» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ، كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ الآنَ (لانَ) والأوْلى (لَوْلى) لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ، وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لا يُعْرَفُ، انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ دَعْوى مِن غَيْرِ ثَبَتٍ، وكَفى ثَبَتًا لِلْمُخالِفِ ثُبُوتُ القِراءَةِ في السَّبْعَةِ وهي مُتَواتِرَةٌ، كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ - وإنْ لَمْ تُعَوِّلْ عَلَيْهِ - فَما رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: (الأيْكَةُ) و(لَيْكَةُ) الغَيْضَةُ، هَذا وإنَّ الأسْماءَ المُرْتَجَلَةَ لا مَنعَ مِنها، وفي البَحْرِ: إنَّ كَوْنَ مادَّةِ (ل ي ك) مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ كَما تَشَبَّثَ بِهِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ - إنْ صَحَّ - لا يَضُرُّ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالَفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ، وبِالجُمْلَةِ إنْكارُ الزَّمَخْشَرِيِّ صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ يَقْرُبُ مِنَ الرِّدَّةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. وقَدْ سَبَقَهُ في ذَلِكَ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ والفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وقُرِئَ «لَيْكَةِ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ والجَرِّ بِالكَسْرَةِ، وتُكْتَبُ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ بِدُونِ هَمْزَةٍ وعَلى الأصْلِ بِالهَمْزَةِ، وكَذا نَظائِرُها.

الشعراء 26:178

﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، ولَعَلَّ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّهْيِ، أوْ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ المَفْهُومُ لِنَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وأيّا ما كانَ فَفي النَّهْيِ المَذْكُورِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلَيْهِ ﴿وزِنُوا﴾ المَوْزُوناتِ ﴿بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وقِيلَ: القِسْطاسُ القَبّانُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُعَرَّبٌ رُومِيُّ الأصْلِ ومَعْناهُ العَدْلُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَرَبِيٌّ، فَقِيلَ: هو مِنَ القِسْطِ ووَزْنُهُ فِعْلاعٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ إذْ هي لا تُكَرَّرُ وحْدَها مَعَ الفَصْلِ بِاللّامِ، وقِيلَ: مِن قَسْطَسَ وهو رُباعِيٌّ ووَزْنُهُ فِعْلالٌ، والمُرادُ الأمْرُ بِوَفاءِ الوَزْنِ وإتْمامِهِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْها ولَمْ يُؤْمَرْ بِها في الكَيْلِ والوَزْنِ، وكَأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَها فَقَدْ أحْسَنَ ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَلا عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ مَعْنى ﴿وزِنُوا﴾ إلَخْ: وعَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والظّاهِرُ إذْ عادَلَ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «بِالقُسْطاسِ» بِضَمِّ القافِ

الشعراء 26:179

﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، ولَعَلَّ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّهْيِ، أوْ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ المَفْهُومُ لِنَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وأيّا ما كانَ فَفي النَّهْيِ المَذْكُورِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلَيْهِ ﴿وزِنُوا﴾ المَوْزُوناتِ ﴿بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وقِيلَ: القِسْطاسُ القَبّانُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُعَرَّبٌ رُومِيُّ الأصْلِ ومَعْناهُ العَدْلُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَرَبِيٌّ، فَقِيلَ: هو مِنَ القِسْطِ ووَزْنُهُ فِعْلاعٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ إذْ هي لا تُكَرَّرُ وحْدَها مَعَ الفَصْلِ بِاللّامِ، وقِيلَ: مِن قَسْطَسَ وهو رُباعِيٌّ ووَزْنُهُ فِعْلالٌ، والمُرادُ الأمْرُ بِوَفاءِ الوَزْنِ وإتْمامِهِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْها ولَمْ يُؤْمَرْ بِها في الكَيْلِ والوَزْنِ، وكَأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَها فَقَدْ أحْسَنَ ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَلا عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ مَعْنى ﴿وزِنُوا﴾ إلَخْ: وعَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والظّاهِرُ إذْ عادَلَ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «بِالقُسْطاسِ» بِضَمِّ القافِ

الشعراء 26:180

﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، ولَعَلَّ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّهْيِ، أوْ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ المَفْهُومُ لِنَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وأيّا ما كانَ فَفي النَّهْيِ المَذْكُورِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلَيْهِ ﴿وزِنُوا﴾ المَوْزُوناتِ ﴿بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وقِيلَ: القِسْطاسُ القَبّانُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُعَرَّبٌ رُومِيُّ الأصْلِ ومَعْناهُ العَدْلُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَرَبِيٌّ، فَقِيلَ: هو مِنَ القِسْطِ ووَزْنُهُ فِعْلاعٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ إذْ هي لا تُكَرَّرُ وحْدَها مَعَ الفَصْلِ بِاللّامِ، وقِيلَ: مِن قَسْطَسَ وهو رُباعِيٌّ ووَزْنُهُ فِعْلالٌ، والمُرادُ الأمْرُ بِوَفاءِ الوَزْنِ وإتْمامِهِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْها ولَمْ يُؤْمَرْ بِها في الكَيْلِ والوَزْنِ، وكَأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَها فَقَدْ أحْسَنَ ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَلا عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ مَعْنى ﴿وزِنُوا﴾ إلَخْ: وعَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والظّاهِرُ إذْ عادَلَ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «بِالقُسْطاسِ» بِضَمِّ القافِ

الشعراء 26:181

﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، ولَعَلَّ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّهْيِ، أوْ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ المَفْهُومُ لِنَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وأيّا ما كانَ فَفي النَّهْيِ المَذْكُورِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلَيْهِ ﴿وزِنُوا﴾ المَوْزُوناتِ ﴿بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وقِيلَ: القِسْطاسُ القَبّانُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُعَرَّبٌ رُومِيُّ الأصْلِ ومَعْناهُ العَدْلُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَرَبِيٌّ، فَقِيلَ: هو مِنَ القِسْطِ ووَزْنُهُ فِعْلاعٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ إذْ هي لا تُكَرَّرُ وحْدَها مَعَ الفَصْلِ بِاللّامِ، وقِيلَ: مِن قَسْطَسَ وهو رُباعِيٌّ ووَزْنُهُ فِعْلالٌ، والمُرادُ الأمْرُ بِوَفاءِ الوَزْنِ وإتْمامِهِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْها ولَمْ يُؤْمَرْ بِها في الكَيْلِ والوَزْنِ، وكَأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَها فَقَدْ أحْسَنَ ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَلا عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ مَعْنى ﴿وزِنُوا﴾ إلَخْ: وعَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والظّاهِرُ إذْ عادَلَ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «بِالقُسْطاسِ» بِضَمِّ القافِ

الشعراء 26:182

﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، ولَعَلَّ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّهْيِ، أوْ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ المَفْهُومُ لِنَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وأيّا ما كانَ فَفي النَّهْيِ المَذْكُورِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلَيْهِ ﴿وزِنُوا﴾ المَوْزُوناتِ ﴿بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وقِيلَ: القِسْطاسُ القَبّانُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُعَرَّبٌ رُومِيُّ الأصْلِ ومَعْناهُ العَدْلُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَرَبِيٌّ، فَقِيلَ: هو مِنَ القِسْطِ ووَزْنُهُ فِعْلاعٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ إذْ هي لا تُكَرَّرُ وحْدَها مَعَ الفَصْلِ بِاللّامِ، وقِيلَ: مِن قَسْطَسَ وهو رُباعِيٌّ ووَزْنُهُ فِعْلالٌ، والمُرادُ الأمْرُ بِوَفاءِ الوَزْنِ وإتْمامِهِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْها ولَمْ يُؤْمَرْ بِها في الكَيْلِ والوَزْنِ، وكَأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَها فَقَدْ أحْسَنَ ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَلا عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ مَعْنى ﴿وزِنُوا﴾ إلَخْ: وعَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والظّاهِرُ إذْ عادَلَ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «بِالقُسْطاسِ» بِضَمِّ القافِ

الشعراء 26:183

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ: لا تَنْقُصُوهم شَيْئًا مِن حُقُوقِهِمْ، أيَّ حَقٍّ كانَ، فَإضافَةُ (أشْياءَ) جِنْسِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ، والمُرادُ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا تَبْخَسُوا أحَدًا شَيْئًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِلْإشارَةِ إلى الأنْواعِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ كُلَّ شَيْءٍ جَلِيلًا كانَ أوْ حَقِيرًا، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ المُرادِ بِالذِّكْرِ لِغايَةِ انْهِماكِهِمْ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِأشْيائِهِمُ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ وبَخْسُها بِالقَطْعِ مِن أطْرافِها ولَوْلاهُ لَمْ يُجْمَعْ، وبَخَسَ مِمّا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فالمَنصُوبانِ مَفْعُولاهُ، وقِيلَ هو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ فالثّانِي بَدَلُ اشْتِمالٍ. ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بِالقَتْلِ والغارَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والعَثْوُ الفَسادُ أوْ أشَدُّهُ و«مُفْسِدِينَ» حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُفْسِدِينَ صفحة 119 آخِرَتَكم فَتَكُونُ حالًا مُؤَسِّسَةً.

الشعراء 26:184

﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وذَوِي الجِبِلَّةِ، أيِ: الخِلْقَةِ والطَّبِيعَةِ أوْ: والمَجْبُولِينَ عَلى أحْوالِهِمُ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها، وسُبُلِهِمُ الَّتِي قُيِّضُوا لِسُلُوكِها، المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْكم مِنَ الأُمَمِ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِبِلَّةَ الجَماعَةُ إذا كانَتْ عَشَرَةَ آلافٍ، كَأنَّها شُبِّهَتْ - عَلى ما قِيلَ - بِالقِطْعَةِ العَظِيمَةِ مِنَ الجَبَلِ، وقِيلَ: هي الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مُطْلَقًا، كَأنَّها شُبِّهَتْ بِما ذُكِرَ أيْضًا. وقَرَأ أبُو حُصَيْنٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ: «الجُبُلَّةَ» بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: «الجِبْلَةَ» بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ كالخِلْقَةِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ.

الشعراء 26:185

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ ثَمُودَ، بَيْدَ أنَّهُ أدْخَلَ الواوَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ التَّسْحِيرِ والبَشَرِيَّةِ مُنافٍ لِلرِّسالَةِ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا؟ وأرادُوا بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في التَّكْذِيبِ، ولَمْ تَدْخُلْ هُناكَ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قُرِّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم كَذا في الكَشّافِ، وفي الكَشْفِ أنَّ فِيهِ ما يُلَوِّحُ إلى اخْتِصاصِ كُلٍّ بِمَوْضِعِهِ، وأنَّ الكَلامَ هُنالِكَ في كَوْنِهِ مِثْلَهم غَيْرُ مُمْتازٍ بِما يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، ولِهَذا عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةً لِلنُّبُوَّةِ، وإنَّما جَعَلُوا الوَصْفَ تَمْهِيدًا لِلِاشْتِراكِ وأنَّهُ أبْدَعَ في دَعْواهُ، وهاهُنا ساقُوا ذَلِكَ مَساقَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ فَجَعَلُوا كُلَّ واحِدٍ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً في المُنافاةِ لِيَكُونَ أبْلَغَ، وجَعَلُوا إنْكارَ النُّبُوَّةِ أمْرًا مَفْرُوغًا ولِذا عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ﴾ إلَخْ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ في وجْهِ الِاخْتِصاصِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَلَّلَ في الخِطابِ فَقَلَّلُوا في الجَوابِ، وأكْثَرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الخِطابِ - ولِهَذا قِيلَ لَهُ: خَطِيبُ الأنْبِياءِ - فَأكْثَرُوا في الجَوابِ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بالَغَ في زَجْرِهِمْ فَبالَغُوا في تَكْذِيبِهِ، ولا كَذَلِكَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ فَتَأمَّلْ. (وإنْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ في (لَمِنَ) هي الفارِقَةُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: (إنْ) نافِيَةٌ و(اللّامُ) بِمَعْنى إلّا وهو خِلافٌ مَشْهُورٌ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ نَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ في الدَّعْوى، أوْ ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ فِيها، ومُرادُهم أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ وحاشاهُ - راسِخُ القَدَمِ في الكَذِبِ في دَعْواهُ الرِّسالَةَ، أوْ فِيها وفي دَعْوى نُزُولِ العَذابِ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِنَ التَّهْدِيدِ، وظاهِرُ حالِهِمْ أنَّهم عَنَوْا بِالظَّنِّ الإدْراكَ الجازِمَ.

الشعراء 26:186

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ ثَمُودَ، بَيْدَ أنَّهُ أدْخَلَ الواوَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ التَّسْحِيرِ والبَشَرِيَّةِ مُنافٍ لِلرِّسالَةِ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا؟ وأرادُوا بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في التَّكْذِيبِ، ولَمْ تَدْخُلْ هُناكَ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قُرِّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم كَذا في الكَشّافِ، وفي الكَشْفِ أنَّ فِيهِ ما يُلَوِّحُ إلى اخْتِصاصِ كُلٍّ بِمَوْضِعِهِ، وأنَّ الكَلامَ هُنالِكَ في كَوْنِهِ مِثْلَهم غَيْرُ مُمْتازٍ بِما يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، ولِهَذا عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةً لِلنُّبُوَّةِ، وإنَّما جَعَلُوا الوَصْفَ تَمْهِيدًا لِلِاشْتِراكِ وأنَّهُ أبْدَعَ في دَعْواهُ، وهاهُنا ساقُوا ذَلِكَ مَساقَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ فَجَعَلُوا كُلَّ واحِدٍ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً في المُنافاةِ لِيَكُونَ أبْلَغَ، وجَعَلُوا إنْكارَ النُّبُوَّةِ أمْرًا مَفْرُوغًا ولِذا عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ﴾ إلَخْ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ في وجْهِ الِاخْتِصاصِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَلَّلَ في الخِطابِ فَقَلَّلُوا في الجَوابِ، وأكْثَرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الخِطابِ - ولِهَذا قِيلَ لَهُ: خَطِيبُ الأنْبِياءِ - فَأكْثَرُوا في الجَوابِ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بالَغَ في زَجْرِهِمْ فَبالَغُوا في تَكْذِيبِهِ، ولا كَذَلِكَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ فَتَأمَّلْ. (وإنْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ في (لَمِنَ) هي الفارِقَةُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: (إنْ) نافِيَةٌ و(اللّامُ) بِمَعْنى إلّا وهو خِلافٌ مَشْهُورٌ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ نَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ في الدَّعْوى، أوْ ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ فِيها، ومُرادُهم أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ وحاشاهُ - راسِخُ القَدَمِ في الكَذِبِ في دَعْواهُ الرِّسالَةَ، أوْ فِيها وفي دَعْوى نُزُولِ العَذابِ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِنَ التَّهْدِيدِ، وظاهِرُ حالِهِمْ أنَّهم عَنَوْا بِالظَّنِّ الإدْراكَ الجازِمَ.

الشعراء 26:187

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ مِنَ الِاقْتِراحِ الَّذِي تَحْتَهُ كُلُّ الإنْكارِ عَلى نَحْوِ ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ ولَعَلَّهم قابَلُوا بِهِ ما أشْعَرَ بِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِمّا ذَكَرْنا وكِسَفًا أيْ قِطَعًا - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ - جَمْعُ كِسْفَةٍ كَقِطْعَةٍ. وقَرَأ الأكْثَرُونَ «كِسْفًا» بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ وهو أيْضًا جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدْرٍ، وقِيلَ: الكِسْفُ والكِسْفَةُ كالرِّيعِ والرِّيعَةِ وهي القِطْعَةُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ إمّا المُظِلَّةُ - وهو الظّاهِرُ - وإمّا السَّحابُ، والظّاهِرُ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما قَبْلَهُ، وتَعَلُّقُهُ بِـ(أسْقِطْ) في غايَةِ السُّقُوطِ، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وجَوابُ (إنْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ (فَأسْقِطْ) ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ الجَوابِ جَعَلَهُ الجَوابَ.

الشعراء 26:188

﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ هو تَعالى أعْلَمُ بِأعْمالِكم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العَذابِ صفحة 120 فَسَيُنْزِلُهُ عَلَيْكم حَسْبَما تَسْتَوْجِبُونَ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا مَحالَةَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فاسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وكَذَّبُوهُ تَكْذِيبًا بَعْدَ تَكْذِيبٍ ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلَيْهِمْ حَرًّا شَدِيدًا، فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، فَدَخَلُوا أجْوافَ البُيُوتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنها هِرابًا إلى البَرِّيَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ سَحابَةً فَأظَلَّتْهم مِنَ الشَّمْسِ - وهي الظُّلَّةُ - فَوَجَدُوا لَها بَرْدًا ولَذَّةً، فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى إذا اجْتَمَعُوا تَحْتَها أسْقَطَها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ نارًا فَأكَلَتْهم جَمِيعًا. وجاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، ثُمَّ كانَ ما كانَ مِنَ الخُرُوجِ إلى البَرِّيَّةِ وما بَعْدَهُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما اقْتَرَحُوهُ، لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهم عَنَوْا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وفي إضافَةِ العَذابِ إلى يَوْمِ الظُّلَّةِ دُونَ نَفْسِها إيذانٌ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ غَيْرَ عَذابِ الظُّلَّةِ، وفي تَرْكِ بَيانِهِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: مَن حَدَّثَكَ مِنَ العُلَماءِ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَكَذِّبْهُ، وكَأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مَجْمُوعَ عَذابِ الظُّلَّةِ الَّذِي ذُكِرَ في الخَبَرِ السّابِقِ والعَذابِ الآخَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الإضافَةُ إلى اليَوْمِ ﴿إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ وفَظاعَةِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ التّامَّةِ.

الشعراء 26:189

﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ هو تَعالى أعْلَمُ بِأعْمالِكم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العَذابِ صفحة 120 فَسَيُنْزِلُهُ عَلَيْكم حَسْبَما تَسْتَوْجِبُونَ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا مَحالَةَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فاسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وكَذَّبُوهُ تَكْذِيبًا بَعْدَ تَكْذِيبٍ ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلَيْهِمْ حَرًّا شَدِيدًا، فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، فَدَخَلُوا أجْوافَ البُيُوتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنها هِرابًا إلى البَرِّيَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ سَحابَةً فَأظَلَّتْهم مِنَ الشَّمْسِ - وهي الظُّلَّةُ - فَوَجَدُوا لَها بَرْدًا ولَذَّةً، فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى إذا اجْتَمَعُوا تَحْتَها أسْقَطَها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ نارًا فَأكَلَتْهم جَمِيعًا. وجاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، ثُمَّ كانَ ما كانَ مِنَ الخُرُوجِ إلى البَرِّيَّةِ وما بَعْدَهُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما اقْتَرَحُوهُ، لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهم عَنَوْا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وفي إضافَةِ العَذابِ إلى يَوْمِ الظُّلَّةِ دُونَ نَفْسِها إيذانٌ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ غَيْرَ عَذابِ الظُّلَّةِ، وفي تَرْكِ بَيانِهِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: مَن حَدَّثَكَ مِنَ العُلَماءِ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَكَذِّبْهُ، وكَأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مَجْمُوعَ عَذابِ الظُّلَّةِ الَّذِي ذُكِرَ في الخَبَرِ السّابِقِ والعَذابِ الآخَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الإضافَةُ إلى اليَوْمِ ﴿إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ وفَظاعَةِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ التّامَّةِ.

الشعراء 26:190

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا آخِرُ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي سِيقَتْ لِما عَلِمْتَهُ سابِقًا، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذا العَدَدِ - عَلى ما قِيلَ - لِأنَّهُ عَدَدٌ تامٌّ، وأنا أُفَوِّضُ العِلْمَ بِسِرِّ ذَلِكَ وكَذا العِلْمَ بِسِرِّ تَرْتِيبِ القَصَصِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِحَضْرَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ، عَوْدٌ لِما في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، ورَدُّ ما قالَ المُشْرِكُونَ فِيهِ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِحَقِّيَّةِ تِلْكَ القَصَصِ، وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالضَّمِيرُ لِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ النّاطِقَةِ بِتِلْكَ القَصَصِ المَحْكِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ الَّذِي هي مِن جُمْلَتِهِ، والإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ بِـ(تَنْزِيلُ) لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لَمُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَصْفُهُ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَنْزِيلَهُ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَأْفَتِهِ بِالكُلِّ.

الشعراء 26:191

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا آخِرُ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي سِيقَتْ لِما عَلِمْتَهُ سابِقًا، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذا العَدَدِ - عَلى ما قِيلَ - لِأنَّهُ عَدَدٌ تامٌّ، وأنا أُفَوِّضُ العِلْمَ بِسِرِّ ذَلِكَ وكَذا العِلْمَ بِسِرِّ تَرْتِيبِ القَصَصِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِحَضْرَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ، عَوْدٌ لِما في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، ورَدُّ ما قالَ المُشْرِكُونَ فِيهِ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِحَقِّيَّةِ تِلْكَ القَصَصِ، وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالضَّمِيرُ لِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ النّاطِقَةِ بِتِلْكَ القَصَصِ المَحْكِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ الَّذِي هي مِن جُمْلَتِهِ، والإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ بِـ(تَنْزِيلُ) لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لَمُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَصْفُهُ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَنْزِيلَهُ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَأْفَتِهِ بِالكُلِّ.

الشعراء 26:192

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا آخِرُ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي سِيقَتْ لِما عَلِمْتَهُ سابِقًا، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذا العَدَدِ - عَلى ما قِيلَ - لِأنَّهُ عَدَدٌ تامٌّ، وأنا أُفَوِّضُ العِلْمَ بِسِرِّ ذَلِكَ وكَذا العِلْمَ بِسِرِّ تَرْتِيبِ القَصَصِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِحَضْرَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ، عَوْدٌ لِما في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، ورَدُّ ما قالَ المُشْرِكُونَ فِيهِ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِحَقِّيَّةِ تِلْكَ القَصَصِ، وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالضَّمِيرُ لِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ النّاطِقَةِ بِتِلْكَ القَصَصِ المَحْكِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ الَّذِي هي مِن جُمْلَتِهِ، والإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ بِـ(تَنْزِيلُ) لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لَمُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَصْفُهُ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَنْزِيلَهُ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَأْفَتِهِ بِالكُلِّ.

الشعراء 26:193

﴿نَزَلَ بِهِ﴾ أيْ: أنْزَلَهُ عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلْمُصاحِبَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ﴾ أيْ: نَزَلَ مُصاحِبًا لَهُ ﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ يَعْنِي جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعُبِّرَ عَنْهُ بِالرُّوحِ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي بِهِ الخَلْقَ في بابِ الدِّينِ، أوْ لِأنَّهُ رُوحٌ كُلُّهُ لا كالنّاسِ الَّذِينَ في أبْدانِهِمْ رُوحٌ، ووُصِفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِالأمِينِ؛ لِأنَّهُ أمِينُ وحْيِهِ تَعالى ومُوصِلُهُ إلى مَن شاءَ مِن عِبادِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ وتَحْرِيفٍ أصْلًا. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وابْنُ عامِرٍ: (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الأمِينَ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ الرُّوحِ والأمِينِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الرُّوحَ الأمِينَ نازِلًا بِهِ

الشعراء 26:194

﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(نَزَلَ) لا بِالأمِينِ، والمُرادُ بِالقَلْبِ إمّا الرُّوحُ، وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ كَما قالَ الرّاغِبُ، وكَوْنُ الإنْزالِ عَلَيْهِ - عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - لِأنَّهُ المُدْرِكُ والمُكَلَّفُ دُونَ صفحة 121 الجَسَدِ. وقَدْ يُقالُ: لَمّا كانَ لَهُ ﷺ جِهَتانِ جِهَةٌ مَلَكِيَّةٌ يَسْتَفِيضُ بِها وجِهَةٌ بَشَرِيَّةٌ يَفِيضُ بِها جُعِلَ الإنْزالُ عَلى رُوحِهِ ﷺ لِأنَّها المُتَّصِفَةُ بِالصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ الَّتِي يَسْتَفِيضُ بِها مِنَ الرُّوحِ الأمِينِ. ولِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ قِيلَ: ( عَلى قَلْبِكَ ) دُونَ (عَلَيْكَ) الأخْصَرِ. وقِيلَ: إنَّ هَذا؛ لِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ في الصُّحُفِ كَغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ. وإمّا العُضْوُ المَخْصُوصُ وهو الإطْلاقُ المَشْهُورُ، وتَخْصِيصُهُ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ قِيلَ لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ تَعَقُّلِهِ ﷺ وفَهْمِهِ ذَلِكَ المُنَزَّلَ؛ حَيْثُ لَمْ تُعْتَبَرْ واسِطَةٌ في وُصُولِهِ إلى القَلْبِ الَّذِي هو مَحَلُّ العَقْلِ، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، ويَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ عَلى ما لا يَخْفى (عَلى مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ) وقَدْ أطالَ في الِانْتِصارِ لِذَلِكَ الإمامُ في تَفْسِيرِهِ، ورَدَّ عَلى مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الدِّماغَ مَحَلُّ العَقْلِ. وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى صَلاحِ قَلْبِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – وتَقَدُّسِهِ؛ حَيْثُ كانَ مَنزِلًا لِكَلامِهِ تَعالى لِيُعْلَمَ مِنهُ حالُ سائِرِ أجْزائِهِ ﷺ فَإنَّ القَلْبَ رَئِيسُ جَمِيعِ الأعْضاءِ ومَلِكُها، ومَتّى صَلُحَ المَلِكُ صَلُحَتِ الرَّعِيَّةُ. وفِي الحَدِيثِ: ««ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ»». وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِقَلْبِ رَسُولِهِ ﷺ سَمْعًا مَخْصُوصًا يَسْمَعُ بِهِ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ تَمْيِيزًا لِشَأْنِهِ عَلى سائِرِ ما يَسْمَعُهُ ويَعِيهِ - عَلى حَدِّ ما قِيلَ - وذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ مِن أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ لِفُؤادِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَصَرًا فَرَآهُ بِهِ سُبْحانَهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ. وهَذا كُلُّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْزِلُ بِالألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ المَحْفُوظَةِ لَهُ بَعْدَ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ، أوِ الَّتِي يَحْفَظُها مِنَ اللَّوْحِ عِنْدَ الأمْرِ بِالإنْزالِ، أوِ الَّتِي يُوحى بِها إلَيْهِ، أوِ الَّتِي يَسْمَعُها مِنهُ سُبْحانَهُ - عَلى ما قالَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ السَّلَفِ - عِنْدَهُ فَيُلْقِيها إلى النَّبِيِّ ﷺ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ أصْلًا. وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ألْقى عَلَيْهِ المَعانِيَ القُرْآنِيَّةَ، وأنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِهَذِهِ الألْفاظِ العَرَبِيَّةِ، ثُمَّ نَزَلَ بِها كَذَلِكَ فَألْقاها إلى النَّبِيِّ، ﷺ. وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما نَزَلَ بِالمَعانِي خاصَّةً إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلِمَ تِلْكَ المَعانِيَ وعَبَّرَ عَنْها بِلُغَةِ العَرَبِ فَقِيلَ: إنَّ القَلْبَ بِمَعْنى العُضْوِ المَخْصُوصِ لا غَيْرُ، وتَخْصِيصُهُ؛ لِأنَّ المَعانِيَ إنَّما تُدْرَكُ بِالقُوَّةِ المُودَعَةِ فِيهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الرُّوحُ، ورُوحُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِغايَةِ تَقَدُّسِها وكَمالِها في نَفْسِها - تُدْرِكُ المَعانِيَ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ آلَةٍ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا لَهُ وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ألْقى عَلَيْهِ المَعانِيَ فَعَبَّرَ عَنْها بِألْفاظٍ فَنَزَلَ بِما عَبَّرَ هو بِهِ، والقَوْلُ الرّاجِحُ أنَّ الألْفاظَ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - كالمَعانِي لا مَدْخَلَ لِجِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيها أصْلًا. وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُها ويَعِيها بِقُوًى إلَهِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ لا كَسَماعِ البَشَرِ إيّاها مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَنْفَعِلُ عِنْدَ ذَلِكَ قُواهُ البَشَرِيَّةُ، ولِهَذا يَظْهَرُ عَلى جَسَدِهِ الشَّرِيفِ ﷺ ما يَظْهَرُ، ويُقالُ لِذَلِكَ بُرَحاءُ الوَحْيِ، حَتّى يُظَنَّ في بَعْضِ الأحايِينِ أنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَدْ يُظَنُّ أنَّهُ ﷺ أغْفى. وعَلى هَذا يُخَرَّجُ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ أظْهُرِنا إذْ أغْفى إغْفاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنا: ما أضْحَكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: أُنْزِلَ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾»». ولا يَحْتاجُ مَن قالَ: إنَّ الأشْبَهَ صفحة 122 أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ نَزَلَ في اليَقَظَةِ إلى تَأْوِيلِ هَذا الخَبَرِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خَطَرَ لَهُ في تِلْكَ الإغْفاءَةِ سُورَةُ الكَوْثَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَها في اليَقَظَةِ، أوْ عُرِضَ عَلَيْهِ الكَوْثَرُ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ السُّورَةُ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ نَزَلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو نائِمٌ اسْتِدْلالًا بِهَذا الخَبَرِ يَبْقى ما قُلْناهُ مِن سَماعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما يَنْزِلُ إلَيْهِ ﷺ ووَعْيِهِ إيّاهُ بِقُوًى إلَهِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، ونَوْمُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، كَيْفَ وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي»». وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَدِّرِينَ في مَحافِلِ الحِكْمَةِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ نُزُولِ الكَلامِ وهُبُوطِ الوَحْيِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ عَلى قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ الرُّوحَ الإنْسانِيَّ إذا تَجَرَّدَ عَنِ البَدَنِ، وخَرَجَ عَنْ وِثاقِهِ مِن بَيْتِ قالَبِهِ ومَوْطِنِ طَبْعِهِ، مُهاجِرًا إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ؛ لِمُشاهَدَةِ آياتِهِ الكُبْرى، وتَطَهَّرَ عَنْ دَرَنِ المَعاصِي واللَّذّاتِ والشَّهَواتِ والوَساوِسِ العادِيَّةِ والمُتَعَلِّقاتِ - لاحَ لَهُ نُورُ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ الأعْلى، وهَذا النُّورُ إذا تَأكَّدَ وتَجَوْهَرَ كانَ جَوْهَرًا قُدْسِيًّا يُسَمّى في لِسانِ الحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعَقْلِ الفَعّالِ، وفي لِسانِ الشَّرِيعَةِ النَّبَوِيَّةِ بِالرُّوحِ القُدْسِيِّ، وبِهَذا النُّورِ الشَّدِيدِ العَقْلِيِّ يَتَلَأْلَأُ فِيهِ أسْرارُ ما في الأرْضِ والسَّماءِ، ويَتَراءى مِنهُ حَقائِقُ الأشْياءِ، كَما يَتَراءى بِالنُّورِ الحِسِّيِّ البَصَرِيِّ الأشْباحَ المِثالِيَّةَ في قُوَّةِ البَصَرِ إذا لَمْ يَمْنَعْ حِجابٌ. والحِجابُ هاهُنا هو آثارُ الطَّبِيعَةِ وشَواغِلُ هَذِهِ الأُولى، فَإذا عَرِيَتِ النَّفْسُ عَنْ دَواعِي الطَّبِيعَةِ والِاشْتِغالِ بِما تَحْتَها مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والحِسِّ والتَّخَيُّلِ وتَوَجَّهَتْ بِوَجْهِها شَطْرَ الحَقِّ وتِلْقاءَ عالَمِ المَلَكُوتِ الأعْلى اتَّصَلَتْ بِالسَّعادَةِ القُصْوى، فَلاحَ لَها سِرُّ المَلَكُوتِ، وانْعَكَسَ عَلَيْها قُدْسُ اللّاهُوتِ، ورَأتْ عَجائِبَ آياتِ اللَّهِ تَعالى الكُبْرى، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّوحَ إذا كانَتْ قُدْسِيَّةً، شَدِيدَةَ القُوى، قَوِيَّةَ الآثارِ لِقُوَّةِ اتِّصالِها بِما فَوْقَها - فَلا يَشْغَلُها شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ولا يَمْنَعُها جِهَةُ فَوْقِها عَنْ جِهَةِ تَحْتِها، فَتَضْبُطُ الطَّرَفَيْنِ، وتَسَعُ قُوَّتُها الجانِبَيْنِ؛ لِشِدَّةِ تَمَكُّنِها في الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ المُلْكِ والمَلَكُوتِ كالأرْواحِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي إذا مالَتْ إلى جانِبٍ غابَ عَنْها الجانِبُ الآخَرُ، وإذا رَكَنَتْ إلى مَشْعَرٍ مِنَ المَشاعِرِ ذُهِلَتْ عَنِ المَشْعَرِ الآخَرِ. وإذا تَوَجَّهَتْ هَذِهِ الرُّوحُ القُدْسِيَّةُ - الَّتِي لا يَشْغَلُها شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ولا تَصْرِفُها نَشْأةٌ عَنْ نَشْأةٍ - وتَلَقَّتِ المَعارِفَ الإلَهِيَّةَ بِلا تَعَلُّمٍ بَشَرِيٍّ - بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى - يَتَعَدّى تَأْثِيرُها إلى قُواها، ويَتَمَثَّلُ لِرُوحِهِ البَشَرِيِّ صُورَةُ ما شاهَدَهُ بِرُوحِهِ القُدْسِيِّ، وتَبْرُزُ مِنها إلى ظاهِرِ الكَوْنِ فَتَتَمَثَّلُ لِلْحَواسِّ الظّاهِرَةِ - سِيَّما السَّمْعُ والبَصَرُ - لِكَوْنِهِما أشْرَفَ الحَوّاسِ الظّاهِرَةِ، فَيَرى بِبَصَرِهِ شَخْصًا مَحْسُوسًا في غايَةِ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، ويَسْمَعُ بِسَمْعِهِ كَلامًا مَنظُومًا في غايَةِ الجَوْدَةِ والفَصاحَةِ، فالشَّخْصُ هو المَلَكُ النّازِلُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى الحامِلُ لِلْوَحْيِ الإلَهِيِّ، والكَلامُ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وبِيَدِهِ لَوْحٌ فِيهِ كِتابٌ هو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الأمْرُ المُتَمَثِّلُ بِما مَعَهُ أوْ فِيهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ صُورَةٍ خَيالِيَّةٍ لا وُجُودَ لَها في خارِجِ الذِّهْنِ والتَّخَيُّلِ، كَما يَقُولُهُ مَن لا حَظَّ لَهُ مِن عِلْمِ الباطِنِ، ولا قَدَمَ لَهُ في أسْرارِ الوَحْيِ والكِتابِ كَبَعْضِ أتْباعِ المَشّائِينَ، مَعاذَ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ العَقِيدَةِ النّاشِئَةِ عَنِ الجَهْلِ بِكَيْفِيَّةِ الإنْزالِ والتَّنْزِيلِ. ثُمَّ قالَ: إنارَةٌ قَلْبِيَّةٌ وإشارَةٌ عَقْلِيَّةٌ، عَلَيْكَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ لِلْمَلائِكَةِ ذَواتٍ حَقِيقِيَّةً وذَواتٍ إضافِيَّةً مُضافَةً إلى ما دُونِها إضافَةَ النَّفْسِ إلى البَدَنِ الكائِنِ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، فَأمّا ذَواتُها الحَقِيقِيَّةُ فَإنَّما هي أمْرِيَّةٌ قَضائِيَّةٌ قَوْلِيَّةٌ، وأمّا ذَواتُها الإضافِيَّةُ فَإنَّما هي خُلُقِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَنْشَأُ مِنها المَلائِكَةُ اللَّوْحِيَّةُ، وأعْظَمُهم إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ اللَّوْحِيَّةُ يَأْخُذُونَ الكَلامَ الإلَهِيَّ والعُلُومَ اللَّدُنِّيَّةَ مِنَ المَلائِكَةِ القَلَمِيَّةِ، ويُثْبِتُونَها في صَحائِفِ ألْواحِهِمُ القَدَرِيَّةِ الكِتابِيَّةِ، وإنَّما كانَ صفحة 123 يُلاقِي النَّبِيَّ ﷺ في مِعْراجِهِ الصِّنْفُ الأوَّلُ مِنَ المَلائِكَةِ، ويُشاهِدُ رُوحَ القُدُسِ في اليَقَظَةِ، فَإذا اتَّصَلَتِ الرُّوحُ النَّبَوِيَّةُ بِعالَمِهِمْ عالَمِ الوَحْيِ الرَّبّانِيِّ يَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وهو إعْلامُ الحَقائِقِ بِالمُكالَمَةِ الحَقِيقِيَّةِ، وهي الإفاضَةُ والِاسْتِفاضَةُ في مَقامِ (قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى) وهو مَقامُ القُرْبِ ومَقْعَدُ الصِّدْقِ ومَعْدِنُ الوَحْيِ والإلْهامِ. وكَذا إذا عاشَرَ النَّبِيُّ المَلائِكَةَ الأعْلَيْنَ يَسْمَعُ صَرِيفَ أقْلامِهِمْ، وإلْقاءَ كَلامِهِمْ، وهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى النّازِلُ في مَحَلِّ مَعْرِفَتِهِمْ، وهي ذَواتُهم وعُقُولُهم لِكَوْنِهِمْ في مَقامِ القُرْبِ، ثُمَّ إذا نَزَلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى ساحَةِ المَلَكُوتِ السَّماوِيِّ يَتَمَثَّلُ لَهُ صُورَةُ ما عَقَلَهُ وشاهَدَهُ في لَوْحِ نَفْسِهِ الواقِعَةِ في عالَمِ الأرْواحِ القَدَرِيَّةِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ يَتَعَدّى مِنهُ الأثَرُ إلى الظّاهِرِ، وحِينَئِذٍ يَقَعُ لِلْحَواسِّ شِبْهُ دَهْشٍ ونَوْمٍ لِما أنَّ الرُّوحَ القُدْسِيَّةَ - لِضَبْطِها الجانِبَيْنِ - تَسْتَعْمِلُ المَشاعِرَ الحِسِّيَّةَ لَكِنْ لا في الأغْراضِ الحَيَوانِيَّةِ بَلْ في سَبِيلِ السُّلُوكِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ، فَهي تُشائِعُ الرُّوحَ في سَبِيلِ مَعْرِفَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ، فَلا جَرَمَ إذا خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى خِطابًا مِن غَيْرِ حِجابٍ خارِجِيٍّ - سَواءٌ كانَ الخِطابُ بِلا واسِطَةٍ أوْ بِواسِطَةِ المَلَكِ - واطَّلَعَ عَلى الغَيْبِ فانْطَبَعَ في فَصِّ نَفْسِهِ النَّبَوِيَّةِ نَقْشُ المَلَكُوتِ وصُورَةُ الجَبَرُوتِ - تَنْجَذِبُ قُوَّةُ الحِسِّ الظّاهِرِ إلى فَوْقُ، ويَتَمَثَّلُ لَها صُورَةً غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنْ مَعْناها ورُوحِها الحَقِيقِيِّ، لا كَصُورَةِ الأحْلامِ والخَيالاتِ العاطِلَةِ عَنِ المَعْنى، فَيَتَمَثَّلُ لَها حَقِيقَةُ المَلَكِ بِصُورَتِهِ المَحْسُوسَةِ بِحَسَبِ ما يَحْتَمِلُها، فَيَرى مَلَكًا عَلى غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي كانَتْ لَهُ في عالَمِ الأمْرِ؛ لِأنَّ الأمْرَ إذا نَزَلَ صارَ خَلْقًا مُقَدَّرًا، فَيَرى صُورَتَهُ الخِلْقِيَّةَ القَدَرِيَّةَ، ويَسْمَعُ كَلامًا مَسْمُوعًا بَعْدَما كانَ وحْيًا مَعْقُولًا، أوْ يَرى لَوْحًا بِيَدِهِ مَكْتُوبًا، فالمُوحى إلَيْهِ يَتَّصِلُ بِالمَلَكِ أوَّلًا بِرُوحِهِ العَقْلِيِّ ويَتَلَقّى مِنهُ المَعارِفَ الإلَهِيَّةَ، ويُشاهِدُ بِبَصَرِهِ العَقْلِيِّ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى، ويَسْمَعُ بِسَمْعِهِ العَقْلِيِّ كَلامَ رَبِّ العالَمِينَ مِنَ الرُّوحِ الأعْظَمِ. ثُمَّ إذا نَزَلَ عَنْ هَذا المَقامِ الشّامِخِ الإلَهِيِّ يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ بِصُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ بِحَسَبِهِ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ إلى حِسِّهِ الظّاهِرِ، ثُمَّ إلى الهَواءِ، وهَكَذا الكَلامُ في كَلامِهِ، فَيَسْمَعُ أصْواتًا وحُرُوفًا مَنظُومَةً مَسْمُوعَةً، يَخْتَصُّ هو بِسَماعِها دُونَ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ المَلَكِ وكَلامِهِ وكِتابِهِ قَدْ تَأدّى مِن غَيْبِهِ إلى شَهادَتِهِ، ومِن باطِنِ سِرِّهِ إلى مَشاعِرِهِ. وهَذِهِ التَّأْدِيَةُ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ الِانْتِقالِ والحَرَكَةِ لِلْمَلَكِ المُوحِي مِن مَوْطِنِهِ ومَقامِهِ؛ إذْ كُلٌّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، لا يَتَعَدّاهُ ولا يَنْتَقِلُ عَنْهُ، بَلْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إلى انْبِعاثٍ نَفْسِيٍّ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن نَشْأةِ الغَيْبِ إلى نَشْأةِ الظُّهُورِ، ولِهَذا كانَ يَعْرِضُ لَهُ شِبْهُ الدَّهْشِ والغَشْيِ، ثُمَّ يَرى ويَسْمَعُ، ثُمَّ يَقَعُ مِنهُ الإنْباءُ والإخْبارُ، فَهَذا مَعْنى تَنْزِيلِ الكِتابِ، وإنْزالِ الكَلامِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، انْتَهى. وفِيهِ ما تَأْباهُ الأُصُولُ الإسْلامِيَّةُ مِمّا لا يَخْفى عَلَيْكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ بِانْتِقالِ المَلَكِ - وهو جِسْمٌ عِنْدَهم - ولَمْ يُؤَوِّلْ أحَدٌ مِنهم نُزُولَهُ فِيما نَعْلَمُ، نَعَمْ، أوَّلُوا نُزُولَ القُرْآنِ وإنْزالَهُ. قالَ الأصْفَهانِيُّ في أوائِلِ تَفْسِيرِهِ: اتَّفَقَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّلٌ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الإنْزالِ، فَمِنهم مَن قالَ: إظْهارُ القِراءَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَ كَلامَهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو في السَّماءِ، وعَلَّمَهُ قِراءَتَهُ ثُمَّ جِبْرِيلُ أدّاهُ في الأرْضِ وهو يَهْبِطُ في المَكانِ، وفي ذَلِكَ طَرِيقَتانِ: إحْداهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْخَلَعَ مِن صُورَةِ البَشَرِيَّةِ إلى صُورَةِ المَلَكِيَّةِ، وأخَذَهُ مِن جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وثانِيَتُهُما أنَّ المَلَكَ انْخَلَعَ إلى البَشَرِيَّةِ حَتّى يَأْخُذَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنهُ، والأُولى أصْعَبُ الحالَيْنِ، انْتَهى. وقالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ نُزُولَ القُرْآنِ عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَتَلَقَّفَهُ المَلَكُ تَلَقُّفًا رُوحانِيًّا أوْ يَحْفَظَهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَنْزِلُ بِهِ إلى الرَّسُولِ ويُلْقِيهِ عَلَيْهِ. صفحة 124 وقالَ القُطْبُ في حَواشِي الكَشّافِ: الإنْزالُ في اللُّغَةِ الإيواءُ، وبِمَعْنى تَحْرِيكِ الشَّيْءِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، وكِلاهُما لا يَتَحَقَّقانِ في الكَلامِ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنًى مَجازِيٍّ. فَمَن قالَ: القُرْآنُ مَعْنًى قائِمٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى فَإنْزالُهُ أنْ تُوجَدَ الكَلِماتُ والحُرُوفُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ المَعْنى ويُثْبِتَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ومَن قالَ: القُرْآنُ هو الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى المَعْنى القائِمِ بِذاتِهِ تَعالى فَإنْزالُهُ مُجَرَّدُ إثْباتِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا المَعْنى مُناسِبٌ لِكَوْنِهِ مَجازًا عَنْ أوَّلِ المَعْنَيَيْنِ اللُّغَوِيَّيْنِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإنْزالِهِ إثْباتُهُ في السَّماءِ الدُّنْيا بَعْدَ الإثْباتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا مُناسِبٌ لِلْمَعْنى الثّانِي. والمُرادُ بِإنْزالِ الكُتُبِ عَلى الرُّسُلِ أنْ يَتَلَقَّفَها المَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَلَقُّفًا رُوحانِيًّا، أوْ يَحْفَظَها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ويَنْزِلَ بِها، فَيُلْقِيَها عَلَيْهِمُ، انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى. وعِنْدِي أنَّ إنْزالَهُ إظْهارُهُ في عالَمِ الشَّهادَةِ بَعْدَ أنْ كانَ في عالَمِ الغَيْبِ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ القُرْآنِ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِهِ الشَّرِيفِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا يُنافِي ما قِيلَ: إنَّ آخِرَ سُورَةِ البَقَرَةِ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى بِها لَيْلَةَ المِعْراجِ حَيْثُ لا واسِطَةَ؛ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى» الحَدِيثَ، وفِيهِ: «فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لا يُشْرِكُ مِن أُمَّتِهِ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا المُقْحِماتُ»». وأُجِيبَ - بَعْدَ تَسْلِيمٍ - أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ دَلِيلًا لِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما ذُكِرَ أيْضًا تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ ثَبَتَ نُزُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالآيَةِ الواحِدَةِ مَرَّتَيْنِ لِما ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم كَوْنَها كَذَلِكَ لِأمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلَ بِهِ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ما كانَ في أوَّلِ النُّبُوَّةِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ أصْلًا. وفِي الإتْقانِ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ النُّبُوَّةُ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثَ سِنِينَ، فَكانَ يُعَلِّمُهُ الكَلِمَةَ والشَّيْءَ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ القُرْآنُ عَلى لِسانِهِ، فَلَمّا مَضَّتْ ثَلاثُ سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ عَلى لِسانِهِ عَشْرَ سِنِينَ، انْتَهى. وهُوَ صَرِيحٌ في خِلافِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ فِيهِ ما يُخالِفُ الصَّحِيحَ المَشْهُورَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالوَحْيِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، إلّا أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ غَيْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا بِبَعْضِ الأُمُورِ، وكَثِيرًا ما يَنْزِلُونَ لِتَشْيِيعِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ مَعَ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ كَوْنَها بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ؛ لِأنَّ إنْزالَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ لا يَكُونُ عَلى القَلْبِ؛ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في البابِ الرّابِعَ عَشَرَ مِنَ الفُتُوحاتِ مِن قَوْلِهِ: اعْلَمْ أنَّ المَلَكَ يَأْتِي النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالوَحْيِ عَلى حالَيْنِ؛ تارَةً يَنْزِلُ بِالوَحْيِ عَلى قَلْبِهِ، وتارَةً يَأْتِيهِ في صُورَةٍ جَسَدِيَّةٍ مِن خارِجٍ، فَيُلْقِي ما جاءَ بِهِ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ عَلى أُذُنِهِ فَيَسْمَعُهُ، أوْ يُلْقِيهِ عَلى بَصَرِهِ فَيُبْصِرُهُ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ النَّظَرِ ما يَحْصُلُ مِنَ السَّمْعِ سَواءً. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ، وما نُقِلَ عَنْ مُحْيِي الدِّينِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - لا يَدُلُّ عَلى أنَّ نُزُولَ الوَحْيِ إلى كُلِّ نَبِيٍّ يَكُونُ عَلى هَذَيْنِ الحالَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ الوَحْيِ إلى نَبِيِّنا ﷺ عَلى الحالِ الأُولى فَقَطْ، سَلَّمْنا دَلالَتَهُ عَلى العُمُومِ، وأنَّ نُزُولَ الوَحْيِ إلى نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ يَكُونُ بِتَمَثُّلِ المَلَكِ بِناءً عَلى بَعْضِ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ نُزُولَ الوَحْيِ - إذا كانَ المُوحى قُرْآنًا - يَكُونُ عَلى الحالِ الثّانِيَةِ، سَلَّمْنا دَلالَتَهُ عَلى ذَلِكَ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ جَعْلِهِ مَبْنًى لِتَأْوِيلِ الآيَةِ، وكَيْفَ يُؤَوَّلُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى لِكَلامٍ صفحة 125 مُنافٍ لِظاهِرِهِ صَدَرَ مِن غَيْرِ مَعْصُومٍ، ويَكْفِي مُحْيِيَ الدِّينِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - مِن عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ أنْ يُؤَوِّلُوا كَلامَهُ لِيُوافِقَ كَلامَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَسْلَمَ مِنَ الطَّعْنِ، ولَعَلَّ مَن يُؤَوِّلُ في مِثْلِ ذَلِكَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِمُحْيِي الدِّينِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ويَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَقَدْ قالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الكَلامِ عَلى الإذْنِ مِنَ الفُتُوحاتِ: اعْلَمْ أنِّي لَمْ أُقَرِّرْ - بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى - في كِتابِي هَذا ولا غَيْرِهِ قَطُّ أمْرًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وما خَرَجْتُ عَنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ في شَيْءٍ مِن تَصانِيفِي، وقالَ في البابِ السّادِسِ والسِّتِّينَ وثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الكِتابِ المَذْكُورِ: جَمِيعُ ما أتَكَلَّمُ بِهِ في مَجالِسِي وتَأْلِيفِي إنَّما هو مِن حَضْرَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، فَإنِّي أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ العِلْمِ فِيهِ، فَلا أسْتَمِدُّ قَطُّ في عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ إلّا مِنهُ، كُلُّ ذَلِكَ حَتّى لا أخْرُجَ عَنْ مُجالَسَةِ الحَقِّ تَعالى في مُناجاتِهِ بِكَلامِهِ، أوْ بِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ سُبْحانَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ - في الحَقِيقَةِ - ذَلِكَ الدَّلِيلُ، لا نَفْسُ كَلامِهِ - قُدِّسَ سِرُّهُ – العَزِيزِ، وهو اللّائِقُ بِالمُسْلِمِينَ الكامِلِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(نَزَلَ) أيْ: نَزَلَ بِهِ لِتُنْذِرَهم بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ العُقُوباتِ الهائِلَةِ، وإيثارُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى انْتِظامِهِ ﷺ في سِلْكِ أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ المَشْهُورِينَ في حَقِّيَّةِ الرِّسالَةِ وتَقَرُّرِ العَذابِ المُنْذَرِ بِهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

الشعراء 26:195

﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(نَزَلَ) عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الأجِلَّةِ، ويَكُونُ حِينَئِذٍ عَلى ما قالَ الشِّهابُ بَدَلًا مِن (بِهِ) بِإعادَةِ العامِلِ، وتَقْدِيمُ ﴿لِتَكُونَ﴾ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ الإنْذارِ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جُمْلَةِ المُنْذِرِينَ المَذْكُورِينَ مُتَوَقِّفٌ عَلى كَوْنِ الإنْزالِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، واسْتُحْسِنَ كَوْنُ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ والجارِّ والمَجْرُورِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) أيْ: نَزَلَ بِهِ مُلْتَبِسًا بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ واضِحَةِ المَعْنى ظاهِرَةِ المَدْلُولِ؛ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ، وقِيلَ: بِلُغَةٍ مُبَيِّنَةٍ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، عَلى أنَّ (مُبِينٍ) مِن (أبانَ) المُتَعَدِّي، والأوَّلُ أظْهَرُ. وجُوِّزَ أنَّ تَعَلُّقَ الجارِّ والمَجْرُورِ بِالمُنْذِرِينَ، أيْ: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِلُغَةِ العَرَبِ، وهم هُودٌ وصالِحٌ وإسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ ﷺ وزادَ بَعْضُهم خالِدَ بْنَ سِنانٍ، وصَفْوانَ بْنَ حَنْظَلَةَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ غايَةَ الإنْذارِ كَوْنُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جُمْلَةِ المُنْذِرِينَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ فَقَطْ مِن هُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ- ولا يَخْفى فَسادُهُ، كَيْفَ لا، والطّامَّةُ الكُبْرى في بابِ الإنْذارِ ما أنْذَرَهُ نُوحٌ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وأشَدُّ الزَّواجِرِ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ ما أنْذَرَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِانْتِمائِهِمْ إلَيْهِ وادِّعائِهِمْ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّكَ أنْذَرْتَهُمْ، كَما أُنْذِرَ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ، وأنَّكَ لَسْتَ بِمُبْتَدِعٍ بِهَذا، فَكَيْفَ كَذَّبُوكَ؟! والحَقُّ أنَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ دُونَ الوَجْهِ السّابِقِ، وأمّا أنَّهُ فاسِدٌ مَعْنًى - كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ المُتَعَقِّبِ - فَلا.

الشعراء 26:196

﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وإنَّ ذِكْرَ القُرْآنِ لَفي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقُرْآنِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهَذا كَما يُقالُ: إنَّ فَلانًا في دَفْتَرِ الأمِيرِ. وقِيلَ: المُرادُ: وإنَّ مَعْناهُ لَفي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ؛ فَإنَّ التَّوْحِيدَ وسائِرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ والصِّفاتِ وكَثِيرًا مِنَ المَواعِظِ والقَصَصِ مَسْطُورٌ في الكُتُبِ السّابِقَةِ، فَلا يَضُرُّ أنَّ مِنهُ ما لَيْسَ في ذَلِكَ بِحَسَبِ الظَّنِّ الغالِبِ كَقِصَّةِ الإفْكِ، وما كانَ في نِكاحِ امْرَأةِ زَيْدٍ، وما تَضَمَّنَهُ صَدْرُ سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. واشْتُهِرَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ جَوَّزَ قِراءَةَ القُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ والتُّرْكِيَّةِ والهِنْدِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ مُطْلَقًا؛ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ. وفِي رِوايَةٍ صفحة 126 تَخْصِيصُ الجَوازِ بِالفارِسِيَّةِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ اللُّغاتِ بَعْدَ العَرَبِيَّةِ لِخَبَرِ: ««لِسانُ أهْلِ الجَنَّةِ العَرَبِيُّ والفارِسِيُّ الدُّرِّيُّ»». وفِي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها إنَّما تَجُوزُ بِالفارِسِيَّةِ إذا كانَ ثَناءً كَسُورَةِ الإخْلاصِ، أمّا إذا كانَ غَيْرَهُ فَلا تَجُوزُ. وفِي أُخْرى أنَّها إنَّما تَجُوزُ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ إذا كانَ المُصَلِّي عاجِزًا عَنِ العَرَبِيَّةِ، وكانَ المَقْرُوءُ ذِكْرًا وتَنْزِيهًا، أمّا القِراءَةُ بِها في غَيْرِ الصَّلاةِ أوْ في الصَّلاةِ - وكانَ القارِئُ يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، أوْ في الصَّلاةِ وكانَ القارِئُ عاجِزًا عَنِ العَرَبِيَّةِ لَكِنْ كانَ المَقْرُوءُ مِنَ القَصَصِ والأوامِرِ والنَّواهِي - فَإنَّها لا تَجُوزُ، وذُكِرَ أنَّ هَذا قَوْلُ صاحِبَيْهِ. وكانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قَدْ ذَهَبَ إلى خِلافِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَيْهِ، وقَدْ صَحَّحَ رُجُوعَهُ عَنِ القَوْلِ بِجَوازِ القِراءَةِ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ مُطْلَقًا جَمْعٌ مِنَ الثِّقاتِ المُحَقِّقِينَ. ولِلْعَلّامَةِ حَسَنٍ الشِّرْنِبْلالِيِّ رِسالَةٌ في تَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ سَمّاها (النَّفْحَةُ القُدْسِيَّةُ في أحْكامِ قِراءَةِ القُرْآنِ وكِتابَتِهِ بِالفارِسِيَّةِ) فَمَن أرادَ التَّحْقِيقَ فَلْيَرْجِعْ إلَيْها. وكانَ رُجُوعُ الإمامِ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - عَمّا اشْتُهِرَ عَنْهُ لِضَعْفِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ. وفِي الكَشْفِ أنَّ القُرْآنَ كانَ هو المُنَزَّلَ لِلْإعْجازِ، إلى آخِرِ ما يُذْكَرُ في مَعْناهُ، فَلا شَكَّ أنَّ التَّرْجَمَةَ لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ - وإنْ كانَ هو المَعْنى القائِمَ بِصاحِبِهِ - فَلا شَكَّ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنِ القِراءَةِ. فَإنْ قِيلَ: هو المَعْنى المُعَبَّرُ عَنْهُ بِأيِّ لُغَةٍ كانَ، قُلْنا: لا شَكَّ في اخْتِلافِ الأسامِي بِاخْتِلافِ اللُّغاتِ، وكَما لا يُسَمّى القُرْآنُ بِالتَّوْراةِ لا يُسَمّى التَّوْراةُ بِالقُرْآنِ، فالأسْماءُ لِخُصُوصِ العِباراتِ فِيها مَدْخَلٌ، لا أنَّها لِمُجَرَّدِ المَعْنى المُشْتَرَكِ اهـ، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ يَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَتَهُ قُرْآنًا أيْضًا لَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، فَلَيْسَ لِخُصُوصِ العِبارَةِ العَرَبِيَّةِ مَدْخَلٌ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا، والحَقُّ أنَّ (قُرْآنًا) المُنْكَرَ لَمْ يُعْهَدْ فِيهِ نَقْلٌ عَنِ المَعْنى اللُّغَوِيِّ فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَقْرُوءٍ، أمّا القُرْآنُ بِاللّامِ فالمَفْهُومُ مِنهُ العَرَبِيُّ في عُرْفِ الشَّرْعِ فَلِخُصُوصِ العِبارَةِ مَدْخَلٌ في التَّسْمِيَةِ؛ نَظَرًا إلَيْهِ، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ وبِذَلِكَ تَمَّ المَقْصُودُ، وجَعْلُ (مِن) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ وإرادَةُ المَعْنى مِن هَذا البَعْضِ لا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ بِواضِحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ «زُبْرِ» بِسُكُونِ الباءِ.