Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — لقمان 31:34 – الأحزاب 33:34

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. لقمان 31:34
  2. السجدة 32:1
  3. السجدة 32:2
  4. السجدة 32:3
  5. السجدة 32:4
  6. السجدة 32:5
  7. السجدة 32:6
  8. السجدة 32:7
  9. السجدة 32:8
  10. السجدة 32:9
  11. السجدة 32:10
  12. السجدة 32:11
  13. السجدة 32:12
  14. السجدة 32:13
  15. السجدة 32:14
  16. السجدة 32:15
  17. السجدة 32:16
  18. السجدة 32:17
  19. السجدة 32:18
  20. السجدة 32:19
  21. السجدة 32:20
  22. السجدة 32:21
  23. السجدة 32:22
  24. السجدة 32:23
  25. السجدة 32:24
  26. السجدة 32:25
  27. السجدة 32:26
  28. السجدة 32:27
  29. السجدة 32:28
  30. السجدة 32:29
  31. السجدة 32:30
  32. الأحزاب 33:1
  33. الأحزاب 33:2
  34. الأحزاب 33:3
  35. الأحزاب 33:4
  36. الأحزاب 33:5
  37. الأحزاب 33:6
  38. الأحزاب 33:7
  39. الأحزاب 33:8
  40. الأحزاب 33:9
  41. الأحزاب 33:10
  42. الأحزاب 33:11
  43. الأحزاب 33:12
  44. الأحزاب 33:13
  45. الأحزاب 33:14
  46. الأحزاب 33:15
  47. الأحزاب 33:16
  48. الأحزاب 33:17
  49. الأحزاب 33:18
  50. الأحزاب 33:19
  51. الأحزاب 33:20
  52. الأحزاب 33:21
  53. الأحزاب 33:22
  54. الأحزاب 33:23
  55. الأحزاب 33:24
  56. الأحزاب 33:25
  57. الأحزاب 33:26
  58. الأحزاب 33:27
  59. الأحزاب 33:28
  60. الأحزاب 33:29
  61. الأحزاب 33:30
  62. الأحزاب 33:31
  63. الأحزاب 33:32
  64. الأحزاب 33:33
  65. الأحزاب 33:34

لقمان 31:34

﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلَخْ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ الوارِثُ بْنُ عَمْرٍو جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، مَتّى قِيامُ السّاعَةِ؟ وقَدْ أجْدَبَتْ بِلادُنا، فَمَتى تُخْصِبُ؟ وقَدْ تَرَكْتُ امْرَأتِي حُبْلى فَما تَلِدُ؟ وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا؟ وقَدْ عَلِمْتُ بِأيِّ أرْضٍ وُلِدْتُ، فَبِأيِّ أرْضٍ أمُوتُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وذَكَرَ نَحْوَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ، والواحِدِيُّ، والثَّعْلَبِيُّ، فَهو نَظَرًا إلى سَبَبِ النُّزُولِ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُحَقَّقٍ، ونَظَرًا إلى ما قَبْلَها مِنَ الآيِ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: مَتى هَذا اليَوْمُ الَّذِي ذُكِرَ مِن شَأْنِهِ ما ذُكِرَ؟ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ عِلْمَ السّاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ، لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ، ولِأنَّ تَقْدِيمَهُ وبِناءَ الخَبَرِ عَلَيْهِ يُفِيدُ الحَصْرَ كَما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيَّةِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ أيْضًا، بَلْ لَفْظُ عِنْدَ كَذَلِكَ، لِأنَّها تُفِيدُ حِفْظَهُ بِحَيْثُ لا يُوصَلُ إلَيْهِ، فَيُفِيدُ الكَلامُ مِن أوْجُهٍ اخْتِصاصَ عِلْمِ وقْتِ القِيامَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيْ في إبّانِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ في بَلَدٍ لا يَتَجاوَزُهُ بِهِ، وبِمِقْدارٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى عَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 21] فَيَكُونُ خَبَرًا مَبْنِيًّا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِثْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيُفِيدُ الكَلامُ الِاخْتِصاصَ أيْضًا، والمَقْصُودُ تَقْيِيداتُ التَّنْزِيلِ الرّاجِعَةُ إلى العِلْمِ لا مَحْضِ القُدْرَةِ عَلى التَّنْزِيلِ، إذْ لا شُبْهَةَ فِيهِ، فَيَرْجِعُ الِاخْتِصاصُ إلى العِلْمِ بِزَمانِهِ ومَكانِهِ ومِقْدارِهِ، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ الكَشْفِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ: دِلالَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى عِلْمِ الغَيْبِ مِن حَيْثُ دِلالَةُ المَقْدُورِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَلى العِلْمِ الشّامِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ أيْ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أتامٌّ أمْ ناقِصٌ؟ وكَذَلِكَ ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ أيْضًا نَظِيرَ ما قَبْلَهُ، وخُولِفَ بَيْنَ ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وبَيْنَ هَذا، لِيَدُلَّ في الأوَّلِ عَلى مَزِيدِ الِاخْتِصاصِ اعْتِناءً بِأمْرِ السّاعَةِ ودِلالَةً عَلى شِدَّةِ خَفائِها، وفي هَذا عَلى اسْتِمْرارِ تَجَدُّدِ التَّعَلُّقاتِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ المُتَعَلِّقاتِ مَعَ الِاخْتِصاصِ، ولَمْ يُراعَ هَذا الأُسْلُوبُ فِيما قَبْلَهُ بِأنْ يُقالَ: ويَعْلَمُ الغَيْثَ مَثَلًا إشارَةً بِإسْنادِ التَّنْزِيلِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ صَرِيحًا إلى عِظَمِ شَأْنِهِ لِما فِيهِ مِن كَثْرَةِ المَنافِعِ لِأجْناسِ الخَلائِقِ، وشُيُوعِ الِاسْتِدْلالِ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن إحْياءِ الأرْضِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِالسّاعَةِ في الكِتابِ العَظِيمِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [الرُّومُ: 49، 50]، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الرُّومُ: 19]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ لِتَنْزِيلِ الغَيْثِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الغَيْثَ المَعْهُودَ دَخْلًا في المَبْعَثِ بِناءً عَلى ما ورَدَ مِن حَدِيثِ «مَطَرِ السَّماءِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى مَطَرًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ». وقِيلَ: الِاخْتِصاصُ راجِعٌ إلى التَّنْزِيلِ، وما تَرْجِعُ إلَيْهِ تَقْيِيداتُهُ الَّتِي يَقْتَضِيها المَقامُ مِنَ العِلْمِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، ولِلِاعْتِناءِ بِرَدِّ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ في الرُّبُوبِيَّةِ عُدِلَ عَنْ يَعْلَمُ إلى ( يُنَزِّلُ )، وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ بَرَّةٍ كانَتْ أوْ فاجِرَةً، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ أيْ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَوْلُهُ صفحة 110 سُبْحانَهُ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وأشارَ إلى أنَّهُ لَمّا كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِلِاخْتِصاصِ لا لِإفادَةِ أصْلِ العِلْمِ لَهُ تَعالى، فَإنَّهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ لَزِمَ مِنَ النَّفْيِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ اخْتِصاصُهُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ، وفي العُدُولِ عَنْ لَفْظِ العِلْمِ إلى لَفْظِ الدِّرايَةِ لِما فِيها مِن مَعْنى الخَتَلِ والحِيلَةِ، لِأنَّ أصْلَ دَرى رَمى الدَّرِيَّةَ، وهي الحَلْقَةُ الَّتِي يَقْصِدُ رَمْيَها الرُّماةُ، وما يُتَعَلَّمُ عَلَيْهِ الطَّعْنُ والنّاقَةُ الَّتِي يُسَيِّبُها الصّائِدُ لِيَأْنَسَ بِها الصَّيْدُ فَيَسْتَتِرُ مِن ورائِها فَيَرْمِيهِ، وفي كُلٍّ حِيلَةٌ، ولِكَوْنِها عِلْمًا بِضَرْبٍ مِنَ الخَتَلِ والحِيلَةِ لا تُنْسَبُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا إذا أُوِّلَتْ بِمُطْلَقِ العِلْمِ كَما في خَبَرِ: ««خَمْسٌ لا يَدْرِيهِنَّ إلّا اللَّهُ تَعالى»» وقِيلَ: قَدْ يُقالُ المَمْنُوعُ نِسْبَتُها إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِانْفِرادِهِ تَعالى، أمّا مَعَ غَيْرِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ تَغْلِيبًا فَلا، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ صِحَّةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا عَلى سَبِيلِ المُشاكَلَةِ كَما في قَوْلِهِ: لاهُمَّ لا أدْرِي وأنْتَ الدّارِي فَلا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّهُ كَلامُ أعْرابِيٍّ جِلْفٍ لا يَعْرِفُ ما يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وما يَمْتَنِعُ، فَيَكُونُ المَعْنى لا تَعْرِفُ كُلُّ نَفْسٍ، وإنْ أعْمَلَتْ حِيَلَها ما يَلْصَقُ بِها، ويَخْتَصُّ، ولا يَتَخَطّاها، ولا شَيْءَ أخَصُّ بِالإنْسانِ مِن كَسْبِهِ، وعاقِبَتِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَتِهِما، كانَ مِن مَعْرِفَةِ ما عَداهُما أبْعَدَ وأبْعَدَ، وقَدْ رُوعِيَ في هَذا الأُسْلُوبِ الإدْماجُ المَذْكُورُ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: ويَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أصْلُ ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ وأنْ يُنَزِّلَ الغَيْثَ، فَحُذِفَ أنْ، وارْتَفَعَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ: أيُّهَذا الزّاجِرِي أحَضَرَ الوَغى وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ والعَطْفُ عَلى ( عِلْمُ السّاعَةِ ) فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وتَنْزِيلُ الغَيْثِ، وعِلْمُ ما في الأرْحامِ، ودِلالَةُ ذَلِكَ عَلى اخْتِصاصِ عِلْمِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ بِهِ سُبْحانَهُ ظاهِرٌ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِعِنْدِهِ تَنْزِيلُ الغَيْثِ عِنْدَهُ عِلْمُ تَنْزِيلِهِ، وإذا عَطَفَ ( يُنَزِّلُ ) عَلى ( السّاعَةِ ) كانَ الِاخْتِصاصُ أظْهَرُ لِانْسِحابِ عِلْمِ المُضافِ إلى السّاعَةِ إلى الإنْزالِ حِينَئِذٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ تَنْزِيلِ الغَيْثِ، وهَذا العَطْفُ لا يَكادُ يَتَسَنّى في ( ويَعْلَمُ ) إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وعِنْدَهُ عِلْمُ عِلْمِ ما في الأرْحامِ، ولَيْسَ ذاكَ بِمُرادٍ أصْلًا. وجَعَلَ الطِّيبِيُّ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفًا عَلى خَبَرِ إنَّ، مِن حَيْثُ المَعْنى بِأنْ يُجْعَلَ المَنفِيُّ مُثْبَتًا بِأنْ يُقالَ: ويَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ غَدًا، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، وقالَ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ جائِزٌ في الكَلامِ إذا رُوعِيَ نُكَتُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الأنْعامُ: 151]، فَإنَّ العَطْفَ فِيهِ بِاعْتِبارِ رُجُوعِ التَّحْرِيمِ إلى ضِدِّ الإحْسانِ، وهي الإساءَةُ، وذَكَرَ في بَيانِ نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ المُثْبَتِ إلى المَنفِيِّ نَحْوَ ما ذَكَرْنا آنِفًا. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ عَنْهُ مَندُوحَةً أيْ بِما ذَكَرَ مِن عَطْفِهِ عَلى جُمْلَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وقالَ الإمامُ في وجْهِ نَظْمِ الجُمَلِ: الحَقُّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا﴾ إلَخْ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ كائِنٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ قائِلًا: ( إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) فَكَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: فَمَتى هَذا اليَوْمُ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا العِلْمَ مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذُكِرا مِرارًا عَلى البَعْثِ. أحَدُهُما إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ والثّانِي الخَلْقُ ابْتِداءً المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: يا أيُّها السّائِلُ إنَّكَ لا تَعْلَمُ وقْتَها، ولَكِنَّها كائِنَةٌ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْها كَما هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى إحْياءِ الأرْضِ، وعَلى صفحة 111 الخَلْقِ في الأرْحامِ، ثُمَّ بَعْدُ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (وما تَدْرِي) إلَخْ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: يا أيُّها السّائِلُ، إنَّكَ تَسْألُ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، وإنَّ مِنَ الأشْياءِ ما هو أهَمُّ مِنها، لا تَعْلَمُ مَعاشَكَ ومَعادَكَ فَما تَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ غَدًا مَعَ أنَّهُ فِعْلُكَ وزَمانُكَ، ولا تَعْلَمُ أيْنَ تَمُوتُ مَعَ أنَّهُ شُغْلُكَ ومَكانُكَ، فَكَيْفَ تَعْلَمُ قِيامَ السّاعَةِ، مَتى يَكُونُ؟ واللَّهُ تَعالى ما عَلَّمَكَ كَسْبَ غَدِكَ ولا عَلَّمَكَ أيْنَ تَمُوتُ؟ مَعَ أنَّ لَكَ في ذَلِكَ فَوائِدَ شَتّى، وإنَّما لَمْ يُعْلِمْكَ لِكَيْ تَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ بِسَبَبِ الرِّزْقِ راجِعًا مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولِكَيْلا تَأْمَنَ المَوْتَ، إذا كُنْتَ في غَيْرِ الأرْضِ الَّتِي أعْلَمَكَ سُبْحانَهُ أنَّكَ تَمُوتُ فِيها، فَإذا لَمْ يُعْلِمْكَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ، كَيْفَ يُعْلِمُكَ ما لا حاجَةَ لَكَ إلَيْهِ، وهو وقْتُ القِيامَةِ، وإنَّما الحاجَةُ إلى العِلْمِ بِأنَّها تَكُونُ، وقَدْ أعْلَمَكَ جَلَّ وعَلا بِذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ عَلى ما ذَكَرَهُ أنْ يُقالَ: وبِخَلْقِ ما في الأرْحامِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ ذَلِكَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ غَيْرُ ظاهِرٍ، عَلى أنَّ كَلامَهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وكَوْنُ المُرادِ اخْتِصاصَ عِلْمِ هَذِهِ الخَمْسِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ والآثارُ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ: ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ مَتى السّاعَةُ؟ فَقالَ لِلسّائِلِ: ما المَسْؤُولُ عَنْها بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ، وسَأُخْبِرُكَ عَنْ أشْراطِها، إذا ولَدَتِ الأمَةُ رَبَّها، وإذا تَطاوَلَ رُعاةُ الإبِلِ إلَيْهِمْ في البُنْيانِ في خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ الآيَةَ»» أيْ إلى آخِرِ السُّورَةِ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، وما وقَعَ عِنْدَ البُخارِيِّ في التَّفْسِيرِ مِن قَوْلِهِ: إلى الأرْحامِ تَقْصِيرٌ مِن بَعْضِ الرُّواةِ، وأخْرَجا أيْضًا هُما وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِفْتاحُ - وفي رِوايَةِ مَفاتِحُ - الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما يَكُونُ في غَدٍ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ ما يَكُونُ في الأرْحامِ، ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، وما يَدْرِي أحَدٌ مَتى يَجِيءُ المَطَرُ»». وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والرُّويانِيُّ، والضِّياءُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ، إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، الآيَةَ»» وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ ما عَدا هَذِهِ الخَمْسَ مِنَ المُغَيَّباتِ قَدْ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ. أخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ ذَكَرَ العِلْمَ بِوَقْتِ الكُسُوفِ قَبْلَ الظُّهُورِ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّما الغَيْبُ خَمْسٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وما عَدا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ ويَجْهَلُهُ قَوْمٌ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَ هَذِهِ الخَمْسِ لَمْ يُؤْتَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويَلْزَمُهُ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بابِ أوْلى. أخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أُوتِيتُ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا الخَمْسَ، ( إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ)» الآيَةَ». وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أُوتِيَ نَبِيُّكم ﷺ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ الخَمْسِ: ( إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ) الآيَةَ». وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «لَمْ يُغَمَّ عَلى نَبِيِّكم ﷺ إلّا الخَمْسُ مِن سَرائِرِ الغَيْبِ هَذِهِ الآيَةُ في آخِرِ لُقْمانَ: (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) إلى آخِرِ السُّورَةِ». وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِراشٍ قالَ: «حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنَ العِلْمِ شَيْءٌ لا تَعْلَمُهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَقَدْ عَلَّمَنِي اللَّهُ تَعالى خَيْرًا، وإنَّ مِنَ العِلْمِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى الخَمْسَ، ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ». وصَرَّحَ بَعْضُهم بِاسْتِئْثارِ اللَّهِ تَعالى بِهِنَّ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِنَّ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِنَّ مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نَبِيًّا مُرْسَلًا، (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ)، صفحة 112 ولا يَدْرِي أحَدٌ مِنَ النّاسِ مَتى تَقُومُ السّاعَةُ في أيِّ سَنَةٍ، ولا في أيِّ شَهْرٍ، ألَيْلًا، أمْ نَهارًا؟ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ ألَيْلًا أمْ نَهارًا؟ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ، فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ ما في الأرْحامِ أذَكَرًا أمْ أُنْثى أحْمَرَ أوْ أسْوَدَ؟ ولا تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا؟ أخَيْرًا أمْ شَرًّا؟ وما تَدْرِي بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ؟ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَدْرِي أيْنَ مَضْجَعُهُ مِنَ الأرْضِ، أفِي بَحْرٍ أمْ في بَرٍّ؟ في سَهْلٍ؟ أمْ في جَبَلٍ؟ والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كُلَّ غَيْبٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ المُغَيَّباتُ مَحْصُورَةً بِهَذِهِ الخَمْسِ، وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِوُقُوعِ السُّؤالِ عَنْها، أوْ لِأنَّها كَثِيرًا ما تَشْتاقُ النُّفُوسُ إلى العِلْمِ بِها، وقالَ القَسْطَلّانِيُّ: ذَكَرَ ﷺ خَمْسًا، وإنْ كانَ الغَيْبُ لا يَتَناهى، لِأنَّ العَدَدَ لا يَنْفِي زائِدًا عَلَيْهِ، ولِأنَّ هَذِهِ الخَمْسَةَ هي الَّتِي كانُوا يَدَّعُونَ عِلْمَها، انْتَهى، وفي التَّعْلِيلِ الأخِيرِ نَظَرٌ لا يَخْفى، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُطْلِعَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ أصْفِيائِهِ عَلى إحْدى هَذِهِ الخَمْسِ ويَرْزُقَهُ عَزَّ وجَلَّ العِلْمَ بِذَلِكَ في الجُمْلَةِ، وعِلْمُها الخاصُّ بِهِ جَلَّ وعَلا ما كانَ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ لِأحْوالِ كُلٍّ مِنها، وتَفْصِيلَهُ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وفي شَرْحِ المُناوِيِّ الكَبِيرِ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ السّابِقِ: (خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ)، عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ كُلِّيًّا وجُزْئِيًّا، فَلا يُنافِيهِ إطْلاعُ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ خَواصِّهِ عَلى بَعْضِ المُغَيَّباتِ مِن هَذِهِ الخَمْسِ، لِأنَّها جُزْئِيّاتٌ مَعْدُودَةٌ، وإنْكارُ المُعْتَزِلَةِ لِذَلِكَ مُكابَرَةٌ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى اسْتِئْثارِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ ذَلِكَ، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ كَبَعْضِ إخْباراتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُغَيَّباتِ الَّتِي هي مِن هَذا القَبِيلِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَن راجَعَ نَحْوَ الشِّفاءِ، والمَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ مِمّا ذُكِرَ فِيهِ مُعْجِزاتُهُ ﷺ، وإخْبارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُغَيَّباتِ، وذَكَرَ القَسْطَلّانِيُّ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ إذا أمَرَ بِالغَيْثِ وسَوْقِهِ إلى ما شاءَ مِنَ الأماكِنِ عَلِمَتْهُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِهِ، ومَن شاءَ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَذا إذا أرادَ تَبارَكَ وتَعالى خَلْقَ شَخْصٍ في رَحِمٍ يُعْلِمُ سُبْحانَهُ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالرَّحِمِ بِما يُرِيدُ جَلَّ وعَلا، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يا رَبِّ نُطْفَةٌ، يا رَبِّ عَلَقَةٌ، يا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قالَ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ فَما الرِّزْقُ والأجَلُ؟ فَيُكْتَبُ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ بِذَلِكَ المَلَكُ، ومَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ»» وهَذا لا يُنافِي الِاخْتِصاصَ والِاسْتِئْثارَ بِعِلْمِ المَذْكُوراتِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِنّا مِن أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ سُبْحانَهُ بِهِ العِلْمُ الكامِلُ بِأحْوالِ كُلٍّ عَلى التَّفْصِيلِ، فَما يَعْلَمُ بِهِ المَلَكُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ الخَواصِّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُونَ ذَلِكَ العِلْمِ، بَلْ هو كَذَلِكَ في الواقِعِ بِلا شُبْهَةٍ، وقَدْ يُقالُ فِيما يَحْصُلُ لِلْأوْلِياءِ مِنَ العِلْمِ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إنَّهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ يَقِينِيٍّ قالَ: عَلِيٌّ القارِي في شَرْحِ الشِّفا: الأوْلِياءُ وإنْ كانَ قَدْ يَنْكَشِفُ لَهم بَعْضُ الأشْياءِ، لَكِنْ عِلْمُهم لا يَكُونُ يَقِينِيًّا، وإلْهامُهم لا يُفِيدُ إلّا أمْرًا ظَنِّيًّا، ومِثْلُ هَذا عِنْدِي بَلْ هو دُونَهُ بِمَراحِلَ عِلْمُ النُّجُومِيِّ ونَحْوِهِ بِواسِطَةِ أماراتٍ عِنْدَهُ بِنُزُولِ الغَيْثِ، وذُكُورَةِ الحَمْلِ أوْ أُنُوثَتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ولا أرى كُفْرَ مَن يَدَّعِي مِثْلَ هَذا العِلْمِ، فَإنَّهُ ظَنٌّ عَنْ أمْرٍ عادِيٍّ، وقَدْ نَقَلَ العَسْقَلانِيُّ في فَتْحِ البارِي عَنِ القُرْطُبِيِّ أنَّهُ قالَ: مَنِ ادَّعى عِلْمَ شَيْءٍ مِنَ الخَمْسِ غَيْرَ مُسْنَدَةٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ كاذِبًا في دَعْواهُ، وأمّا ظَنُّ الغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ المُنَجِّمِ، وغَيْرِهِ إذا كانَ عَنْ أمْرٍ عادِيٍّ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُ القَسْطَلّانِيِّ: مَنِ ادَّعى عِلْمَ شَيْءٍ مِنها فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ العِلْمُ فِيهِ عَلى نَحْوِ العِلْمِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ دُونَ مُطْلَقِ العِلْمِ الشّامِلِ لِلظَّنِّ، وما يُشْبِهُهُ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ إنَّ أمْرَ السّاعَةِ أخْفى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وإنَّ ما أطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِن وقْتِ قِيامِها في غايَةِ الإجْمالِ، وإنْ كانَ أتَمَّ مِن عِلْمِ غَيْرِهِ مِنَ البَشَرِ ﷺ. وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ»» لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ العِلْمِ الإجْمالِيِّ بِوَقْتِها، ولا أظُنُّ أنَّ خَواصَّ صفحة 113 المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْلَمُ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ ظَنِّي ما رَواهُ الحُمَيْدِيُّ في نَوادِرِهِ بِالسَّنَدِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: سَألَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَنِ السّاعَةِ فانْتَفَضَ بِأجْنِحَتِهِ، وقالَ: ما المَسْؤُولُ بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ، والمُرادُ التَّساوِي في العِلْمِ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، ويُرْشِدُ إلى العِلْمِ الإجْمالِيِّ بِها ذِكْرُ أشْراطِها كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ حَبِيبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى وقْتِ قِيامِها عَلى وجْهٍ كامِلٍ، لَكِنْ لا عَلى وجْهٍ يُحاكِي عِلْمَهُ تَعالى بِهِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَتْمَهُ لِحِكْمَةٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ عِنْدِي ما يُفِيدُ الجَزْمَ بِذَلِكَ، هَذا وخَصَّ سُبْحانَهُ المَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ لِيُعْرَفَ الزَّمانُ مِن بابِ أوْلى، فَإنَّ الأوَّلَ في وُسْعِ النَّفْسِ في الجُمْلَةِ بِخِلافِ الثّانِي، وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي غُرَّةَ الهُذَلِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى قَبْضَ عَبْدٍ بِأرْضٍ جَعَلَ لَهُ إلَيْها حاجَةً، فَلَمْ يَنْتَهِ حَتّى يَقْدَمَها، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ)»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنْ خَيْثَمَةَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَرَّ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن جُلَسائِهِ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَيْهِ، فَقالَ الرَّجُلُ: مَن هَذا؟ قالَ: مَلَكُ المَوْتِ، فَقالَ: كَأنَّهُ يُرِيدُنِي، فَمُرِ الرِّيحَ أنْ تَحْمِلَنِي وتُلْقِيَنِي بِالهِنْدِ، فَفَعَلَ، فَقالَ المَلَكُ: كانَ دَوامُ نَظَرِي إلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنهُ، إذْ أُمِرْتُ أنْ أقْبِضَ رُوحَهُ بِالهِنْدِ، وهو عِنْدَكَ. ( وتَدْرِي ) في المَوْضِعَيْنِ مُعَلَّقَةٌ، فالجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا تَكْسِبُ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّها مَوْصُولًا مَنصُوبَ المَحَلِّ (بِتَدْرِي) كَأنَّهُ قِيلَ: وما تَدْرِي نَفْسٌ الشَّيْءَ الَّذِي تَكْسِبُهُ غَدًا، ( وبِأيِّ ) مُتَعَلِّقٌ (بِتَمُوتُ)، والباءُ ظَرْفِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (بِتَدْرِي). وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ «يُنْزِلُ» مِنَ الإنْزالِ، وقَرَأ مُوسى الأسْوارِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «بِأيَّةِ أرْضٍ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِإضافَتِها إلى المُؤَنَّثِ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِيها، كَما أنَّ كُلّا إذا أُضِيفَتْ إلى مُؤَنَّثٍ قَدْ تُؤَنَّثُ نادِرًا فَيُقالُ: كُلَّتُهُنَّ فَعَلْنَ ذَلِكَ، فَلْيُعْلَمْ، واللَّهُ عَزَّ جَلَّ أعْلَمُ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، ﴿خَبِيرٌ﴾ يَعْلَمُ بَواطِنَها كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها، فالجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِلْإشارَةِ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ عِلْمِ الظّاهِرِ والباطِنِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِن نَفْيِ دِرايَةِ الأنْفُسِ ماذا تَكْسِبُ غَدًا، وبِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، وهو جَوابٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ وزِيادَةً، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَتِمَّةِ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها كانَتْ دِلالَةُ الكَلامِ عَلى انْحِصارِ العِلْمِ بِالأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ نُفِيَ العِلْمُ بِهِما عَنْ كُلِّ نَفْسٍ ظاهِرَةٍ جَدًّا، فَتَأمَّلْ ذاكَ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَوَلّى هُداكَ. * * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ): ﴿الم﴾ إشارَةٌ إلى آلائِهِ تَعالى ولُطْفِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ومَجْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ بِحُضُورِ القَلْبِ والإعْراضِ عَنِ السِّوى، وهي صَلاةُ خَواصِّ الخَواصِّ، وأمّا صَلاةُ الخَواصِّ فَبِنَفْيِ الخَطَراتِ الرَّدِيَّةِ، والإراداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يَضُرُّ فِيها طَلَبُ الجَنَّةِ ونَحْوُهُ، وأمّا صَلاةُ العَوامِّ فَما يَفْعَلُهُ أكْثَرُ النّاسِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ بِبَذْلِ الوُجُودِ لِلْمَلِكِ المَعْبُودِ لِنَيْلِ المَقْصُودِ، وهي زَكاةُ الأخَصِّ، وزَكاةُ الخاصَّةِ بِبَذْلِ المالِ كُلِّهِ لِتَصْفِيَةِ قُلُوبِهِمْ عَنْ صَدَإ مَحَبَّةِ الدُّنْيا، وزَكاةُ العامَّةِ بِبَذْلِ القَدْرِ المَعْرُوفِ مِنَ المالِ المَعْلُومِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ المَشْهُورِ لِتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ عَنْ نَجاسَةِ البُخْلِ، ﴿ومِنَ صفحة 114 النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ هو ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُ، ويَحْجُبُ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ اسْتِماعُهُ، وأمّا الغِناءُ فَهو عِنْدَ كَثِيرٍ مِنهم أقْسامٌ مِنها ما هو مِن لَهْوِ الحَدِيثِ، ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: السَّماعُ عَلى أهْلِ النُّفُوسِ حَرامٌ لِبَقاءِ نُفُوسِهِمْ، وعَلى أهْلِ القُلُوبِ مُباحٌ لِوُفُورِ عُلُومِهِمْ، وصَفاءِ قُلُوبِهِمْ، وعَلى أصْحابِنا واجِبٌ لِفَناءِ حُظُوظِهِمْ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الكِنانِيِّ: سَماعُ العَوامِّ عَلى مُتابَعَةِ الطَّبْعِ، وسَماعُ المُرِيدِينَ رَغْبَةٌ ورَهْبَةٌ، وسَماعُ الأوْلِياءِ رُؤْيَةُ الآلاءِ والنِّعَمِ، وسَماعُ العارِفِينَ عَلى المُشاهَدَةِ، وسَماعُ أهْلِ الحَقِيقَةِ عَلى الكَشْفِ والعِيانِ، ولِكُلٍّ مِن هَؤُلاءِ مَصْدَرٌ ومَقامٌ، وذَكَرُوا أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن يَسْمَعُ في اللَّهِ ولِلَّهِ وبِاللَّهِ، ومِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ولا يَسْمَعُ بِالسَّمْعِ الإنْسانِيِّ بَلْ يَسْمَعُ بِالسَّمْعِ الرَّبّانِيِّ كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ»» وقالُوا: إنَّما حُرِّمَ اللَّهْوُ لِكَوْنِهِ لَهْوًا، فَمَن لا يَكُونُ لَهْوًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، إذْ عِلَّةُ الحُرْمَةِ في حَقِّهِ مُنْتَفِيَةٌ، والحُكْمُ يَدُورُ مَعَ العِلَّةِ وُجُودًا وعَدَمًا، ويَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِحِلِّ شُرْبِ المُسْكِرِ لِمَن لا يُسْكِرُهُ، لا سِيَّما لِمَن يَزِيدُهُ نَشاطًا لِلْعِبادَةِ مَعَ ذَلِكَ، ومِن زَنادِقَةِ القَلَنْدَرِيَّةِ مَن يَقُولُ بِحِلِّ الخَمْرِ والحَشِيشَةِ ونَحْوِها مِنَ المُسْكِراتِ المُحَرَّمَةِ بِلا خِلافٍ، زاعِمِينَ أنَّ اسْتِعْمالَ ذَلِكَ يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الكُشُوفِ، وبَعْضُ الجَهَلَةِ الَّذِينَ لَعِبَ بِهِمُ الشَّيْطانُ يَطْلُبُونَ مِنهُمُ المَدَدَ في ذَلِكَ الحالِ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ قِيلَ: هي إدْراكُ خِطابِ الحَقِّ بِوَصْفِ الإلْهامِ، وذَكَرُوا أنَّ الحِكْمَةَ مَوْهِبَةُ الأوْلِياءِ كَما أنَّ الوَحْيَ مَوْهِبَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكُلٌّ لَيْسَ بِكَسْبِيٍّ إلّا أنَّ لِلْكَسْبِ مَدْخَلًا ما في الحِكْمَةِ. فَقَدْ ورَدَ: ««مَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى أرْبَعِينَ صَباحًا تَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ»» والحِكْمَةُ الَّتِي يَزْعُمُ الفَلاسِفَةُ أنَّها حِكْمَةٌ لَيْسَتْ بِحِكْمَةٍ، إذْ هي مِن نَتائِجِ الفِكْرِ، ويُؤْتاها المُؤْمِنُ والكافِرُ، وقَلَّما تَسْلَمُ مِن شَوائِبِ آفاتِ الوَهْمِ، ولِهَذا وقَعَ الِاخْتِلافُ العَظِيمُ بَيْنَ أهْلِها، وعَدَّها بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مِن لَهْوِ الحَدِيثِ، ولَمْ يَبْعُدْ في ذَلِكَ عَنِ الصَّوابِ، وأشارَتْ قِصَّةُ لُقْمانَ إلى التَّوْحِيدِ، ومَقامِ جَمْعِ الجَمْعِ، وعَيْنِ الجَمْعِ، واتِّباعِ سَبِيلِ الكامِلِينَ، والإعْراضِ عَنِ السِّوى، وتَكْمِيلِ الغَيْرِ، والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ، والتَّواضُعِ لِلنّاسِ، وحُسْنِ المُماشاةِ، والمُعامَلَةِ والسِّيرَةِ، وتَرْكِ التَّماوُتِ في المَشْيِ، وتَرْكِ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقِيلَ: ( الحَمِيرُ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ هُمُ الصُّوفِيَّةُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسانِ المَعْرِفَةِ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ، وطَبَّقَ بَعْضُهم جَمِيعَ ما في القِصَّةِ عَلى ما في الأنْفُسِ، ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً )،﴾ قالَ الجُنَيْدُ: النِّعَمُ الظّاهِرَةُ حُسْنُ الأخْلاقِ والنِّعَمُ الباطِنَةُ أنْواعُ المَعارِفِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ اتِّباعُ ظاهِرِ العِلْمِ، والباطِنَةُ طَلَبُ الحَقِيقَةِ في الِاتِّباعِ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ بِلا زَلَّةٍ، والباطِنَةُ قَلْبٌ بِلا غَفْلَةٍ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ يُشِيرُ إلى أهْلِ الجَدَلِ مِنَ الفَلاسِفَةِ فَإنَّهم يُجادِلُونَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، لِأنَّهم لا يَعْتَبِرُونَ كَلامَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ مِنَ السَّماءِ، وأكْثَرُ عُلُومِهِمْ مَشُوبٌ بِآفَةِ الوَهْمِ، ومَعَ هَذا فَشُؤُونُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا طَوْرُ ما وراءَ طَوْرِ العَقْلِ: هَيْهاتَ أنْ تَصْطادَ عَنْقاءُ البَقا بِلُعابِهِنَّ عَناكِبَ الأفْكارِ وأبْعَدُ مِن مُحَدَّبِ الفَلَكِ التّاسِعِ حُصُولُ عِلْمٍ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ يُعْتَدُّ بِهِ، بِدُونِ نُورٍ إلَهِيٍّ يَسْتَضِيءُ العَقْلُ بِهِ، وعُقُولُهم في ظُلُماتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقَدْ سُدَّتْ أبْوابِ الوُصُولِ إلّا عَلى مُتَّبِعٍ لِلرَّسُولِ ﷺ، قالَ بَعْضُهم مُخاطِبًا لِحَضْرَةِ صاحِبِ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ امْرِئٍ ∗∗∗ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ صفحة 115 ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمامٌ، وفَوْقَ التَّمامِ، والمُرادُ بِالأوَّلِ مَن حَصَلَ لَهُ كُلُّ ما جازَ لَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( هو الحَقُّ )، والمُرادُ بِالثّانِي مَن حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، وحَصَلَ لِما عَداهُ ما جازَ لَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( هو العَلِيُّ الكَبِيرُ )، ووَراءَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ ناقِصٌ، وهو ما لَيْسَ لَهُ ما يَنْبَغِي، كالصَّبِيِّ، والمَرِيضِ، والأعْمىِ، ومُكْتَفٍ، وهو مَن أعْطى ما تَنْدَفِعُ بِهِ حاجَتُهُ في وقْتِهِ، كالإنْسانِ الَّذِي لَهُ مِنَ الآلاتِ ما تَنْدَفِعُ بِهِ حاجَتُهُ في وقْتِهِ، ولَكِنَّها في مَعْرِضِ التَّحَلُّلِ، والزَّوالِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ حِكاياتٍ عَنِ الأوْلِياءِ مُتَضَمِّنَةً لِإطْلاعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلى ما عَدا عِلْمَ السّاعَةِ مِنَ الخَمْسِ، وقَدْ عَلِمْتَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وأغْرَبُ ما رَأيْتُ ما ذَكَرَهُ الشَّعْرانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ كانَ يَبِيعُ المَطَرَ فَيُمْطِرُ عَلى أرْضِ مَن يَشْتَرِي مِنهُ مَتى شاءَ، ومَن لَهُ عَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ لا يَقْبَلُ مِثْلَ هَذِهِ الحِكايَةِ، وكَمْ لِلْقُصّاصِ أمْثالُها مِن رِوايَةٍ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْفَظَنا، وإيّاكم مِنَ اعْتِقادِ خُرافاتٍ لا أصْلَ لَها، وهو سُبْحانَهُ ولِيُّ العِصْمَةِ والتَّوْفِيقِ.

السجدة 32:1

سُورَةُ السَّجْدَةِ وتُسَمّى المَضاجِعَ أيْضًا، كَما في الإتْقانِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّها كَما تُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ، تُسَمّى سَجْدَةَ لُقْمانَ لِئَلّا تَلْتَبِسَ (بِحم السَّجْدَةِ)، وأُطْلِقَ القَوْلُ بِمَكِّيَّتِها، أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ اسْتِثْناءٌ، أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ بِمَكَّةَ سِوى ثَلاثِ آياتٍ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، والكَلْبِيِّ، واسْتَثْنى بَعْضُهم أيْضًا آيَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ [السَّجْدَةُ: 16] إلَخْ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الرِّواياتِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وسَتَطَّلِعُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واسْتُبْعِدَ اسْتِثْناؤُهُما لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِما بِما قَبْلَهُما، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ، وثَلاثُونَ في الباقِيَةِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُ كُلٍّ عَلى دَلائِلِ الأُلُوهِيَّةِ، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، وهو الأصْلُ الأوَّلُ، ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا المَعادَ وهو الأصْلُ الثّانِي، وخَتَمَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ السُّورَةَ، ذَكَرَ تَعالى في بَدْءِ هَذِهِ السُّورَةِ الأصْلَ الثّالِثَ وهو النُّبُوَّةُ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَها: إنَّها شَرْحٌ لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ في خاتِمَةِ ما قَبْلُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السَّجْدَةُ: 5]، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانُ: 34]، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [السَّجْدَةُ: 6]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ [السَّجْدَةُ: 7] شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لُقْمانُ: 34]، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السَّجْدَةُ: 7] الآياتِ شَرْحُ قَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ [لُقْمانُ: 34]، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ [السَّجْدَةُ: 5]، ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السَّجْدَةُ: 13]، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السَّجْدَةُ: 10]، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السَّجْدَةُ: 11]، شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لُقْمانُ: 34]، اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجاءَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ. أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ الضُّرَيْسِ مِن مُرْسَلِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««تَجِيءُ الم تَنْزِيلُ - وفي رِوايَةٍ - الم السَّجْدَةِ، يَوْمَ القِيامَةِ لَها جَناحانِ، تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ»». وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: (الم السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، تَفْضُلانِ صفحة 116 عَلى كُلِّ سُورَةٍ في القُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً)، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (تَفْضُلانِ سِتِّينَ دَرَجَةً عَلى غَيْرِهِما مِن سُوَرِ القُرْآنِ). وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، والم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ»» . ورَوى نَحْوَهُ هُوَ، والثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والثَّعْلَبِيُّ دُونَهم مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ قائِلًا: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مَوْضُوعَةٌ، لَكِنْ رَأيْتُ في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ الخَرائِطِيَّ أخْرَجَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن طَرِيقِ حاتِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: ما عَلى الأرْضِ رَجُلٌ يَقْرَأُ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) (وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ)، في لَيْلَةٍ إلّا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ)، قالَ: حاتِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطاءٍ، فَقالَ: صَدَقَ طاوُسٌ، واللَّهِ ما تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ بِهِنَّ إلّا أنْ أكُونَ مَرِيضًا، ولَمْ أقِفْ عَلى ما قِيلَ في هَذا الخَبَرِ صِحَّةً وضَعْفًا ووَضْعًا، وفِيهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في فَضْلِها غَيْرُ هَذا، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِها، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْرَؤُها، و( هَلْ أتى ) [الإنْسانُ: 1]، في صَلاةِ فَجْرِ الجُمُعَةِ وهو مُشْعِرٌ بِفَضْلِها، والحَدِيثُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ لا مَقالَ فِيهِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ)، و(هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ)»،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وهَؤُلاءِ إلّا البُخارِيَّ نَحْوَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿الم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ، أوِ القُرْآنِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا الم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ باقٍ عَلى مَعْناهُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ هو مُؤَوَّلٌ باسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مُنَزَّلٌ، وإضافَتُهُ إلى الكِتابِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أوْ بَيانِيَّةٌ بِمَعْنى مِن، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الم) مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لَهُ، أيِ: المُسَمّى بِالم الكِتابُ المُنَزَّلُ لا رَيْبَ فِيهِ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ، وإذْ لا عَهْدَ بِالنِّسْبَةِ قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها. وقالَ أبُو البَقاءِ: (الم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ( وتَنْزِيلُ ) بِمَعْنى مُنَزَّلٍ خَبَرُهُ، ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، والعامِلُ فِيها المُضافُ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ ( ومِن رَبِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَنْزِيلُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( فِيهِ )، والعامِلُ فِيها الظَّرْفُ لا ( رَيْبَ )، لِأنَّهُ هُنا مَبْنِيٌّ وفِيهِ ما سَمِعْتَ، وهَذا التَّعْلِيقُ يَجُوزُ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ (الم) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وما بَعْدَهُ أخْبارًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وإنْ جُعِلَ (الم) مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وفي إعْرابِ ما بَعْدُ عِدَّةُ أوْجُهٍ، قالَ البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأً، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) الخَبَرَ، ( ومِن رَبِّ ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(تَنْزِيلُ)، لِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( مِن رَبِّ )، و( لا رَيْبَ ) حالًا مِنَ ( الكِتابِ )، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ انْتَهى. ووَجْهُ مَنعِ التَّعْلِيقِ بِالمَصْدَرِ بَعْدَ ما أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ عامِلٌ ضَعِيفٌ، فَلا يَتَعَدّى عَمَلُهُ لِما بَعْدَ الخَبَرِ، وعَنِ التِزامِ حَدِيثِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ سَعَةٌ هُنا، أوْ أنَّ المُتَعَلِّقَ مِن تَمامِهِ، والِاسْمُ لا يُخْبِرُ عَنْهُ قَبْلَ تَمامِهِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ صفحة 117 تَعَلُّقَ ( مِن رَبِّ ) بِـ(رَيْبَ)، وفِيهِ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ المَعْنى المَقْصُودِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَ ( تَنْزِيلُ ) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأٌ، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ( ومِن رَبِّ العالَمِينَ ) الخَبَرُ، وضَمِيرُ ( فِيهِ ) راجِعٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أعْنِي كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، لا لِلتَّنْزِيلِ، ولا لِلْكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ في ذَلِكَ، أيْ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، وهَذا ما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ أنَّهُ الوَجْهُ، ويَشْهَدُ لِوَجاهَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى:

السجدة 32:2

سُورَةُ السَّجْدَةِ وتُسَمّى المَضاجِعَ أيْضًا، كَما في الإتْقانِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّها كَما تُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ، تُسَمّى سَجْدَةَ لُقْمانَ لِئَلّا تَلْتَبِسَ (بِحم السَّجْدَةِ)، وأُطْلِقَ القَوْلُ بِمَكِّيَّتِها، أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ اسْتِثْناءٌ، أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ بِمَكَّةَ سِوى ثَلاثِ آياتٍ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، والكَلْبِيِّ، واسْتَثْنى بَعْضُهم أيْضًا آيَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ [السَّجْدَةُ: 16] إلَخْ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الرِّواياتِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وسَتَطَّلِعُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واسْتُبْعِدَ اسْتِثْناؤُهُما لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِما بِما قَبْلَهُما، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ، وثَلاثُونَ في الباقِيَةِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُ كُلٍّ عَلى دَلائِلِ الأُلُوهِيَّةِ، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، وهو الأصْلُ الأوَّلُ، ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا المَعادَ وهو الأصْلُ الثّانِي، وخَتَمَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ السُّورَةَ، ذَكَرَ تَعالى في بَدْءِ هَذِهِ السُّورَةِ الأصْلَ الثّالِثَ وهو النُّبُوَّةُ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَها: إنَّها شَرْحٌ لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ في خاتِمَةِ ما قَبْلُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السَّجْدَةُ: 5]، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانُ: 34]، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [السَّجْدَةُ: 6]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ [السَّجْدَةُ: 7] شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لُقْمانُ: 34]، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السَّجْدَةُ: 7] الآياتِ شَرْحُ قَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ [لُقْمانُ: 34]، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ [السَّجْدَةُ: 5]، ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السَّجْدَةُ: 13]، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السَّجْدَةُ: 10]، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السَّجْدَةُ: 11]، شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لُقْمانُ: 34]، اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجاءَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ. أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ الضُّرَيْسِ مِن مُرْسَلِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««تَجِيءُ الم تَنْزِيلُ - وفي رِوايَةٍ - الم السَّجْدَةِ، يَوْمَ القِيامَةِ لَها جَناحانِ، تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ»». وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: (الم السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، تَفْضُلانِ صفحة 116 عَلى كُلِّ سُورَةٍ في القُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً)، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (تَفْضُلانِ سِتِّينَ دَرَجَةً عَلى غَيْرِهِما مِن سُوَرِ القُرْآنِ). وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، والم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ»» . ورَوى نَحْوَهُ هُوَ، والثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والثَّعْلَبِيُّ دُونَهم مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ قائِلًا: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مَوْضُوعَةٌ، لَكِنْ رَأيْتُ في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ الخَرائِطِيَّ أخْرَجَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن طَرِيقِ حاتِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: ما عَلى الأرْضِ رَجُلٌ يَقْرَأُ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) (وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ)، في لَيْلَةٍ إلّا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ)، قالَ: حاتِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطاءٍ، فَقالَ: صَدَقَ طاوُسٌ، واللَّهِ ما تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ بِهِنَّ إلّا أنْ أكُونَ مَرِيضًا، ولَمْ أقِفْ عَلى ما قِيلَ في هَذا الخَبَرِ صِحَّةً وضَعْفًا ووَضْعًا، وفِيهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في فَضْلِها غَيْرُ هَذا، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِها، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْرَؤُها، و( هَلْ أتى ) [الإنْسانُ: 1]، في صَلاةِ فَجْرِ الجُمُعَةِ وهو مُشْعِرٌ بِفَضْلِها، والحَدِيثُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ لا مَقالَ فِيهِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ)، و(هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ)»،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وهَؤُلاءِ إلّا البُخارِيَّ نَحْوَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿الم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ، أوِ القُرْآنِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا الم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ باقٍ عَلى مَعْناهُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ هو مُؤَوَّلٌ باسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مُنَزَّلٌ، وإضافَتُهُ إلى الكِتابِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أوْ بَيانِيَّةٌ بِمَعْنى مِن، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الم) مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لَهُ، أيِ: المُسَمّى بِالم الكِتابُ المُنَزَّلُ لا رَيْبَ فِيهِ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ، وإذْ لا عَهْدَ بِالنِّسْبَةِ قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها. وقالَ أبُو البَقاءِ: (الم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ( وتَنْزِيلُ ) بِمَعْنى مُنَزَّلٍ خَبَرُهُ، ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، والعامِلُ فِيها المُضافُ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ ( ومِن رَبِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَنْزِيلُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( فِيهِ )، والعامِلُ فِيها الظَّرْفُ لا ( رَيْبَ )، لِأنَّهُ هُنا مَبْنِيٌّ وفِيهِ ما سَمِعْتَ، وهَذا التَّعْلِيقُ يَجُوزُ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ (الم) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وما بَعْدَهُ أخْبارًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وإنْ جُعِلَ (الم) مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وفي إعْرابِ ما بَعْدُ عِدَّةُ أوْجُهٍ، قالَ البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأً، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) الخَبَرَ، ( ومِن رَبِّ ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(تَنْزِيلُ)، لِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( مِن رَبِّ )، و( لا رَيْبَ ) حالًا مِنَ ( الكِتابِ )، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ انْتَهى. ووَجْهُ مَنعِ التَّعْلِيقِ بِالمَصْدَرِ بَعْدَ ما أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ عامِلٌ ضَعِيفٌ، فَلا يَتَعَدّى عَمَلُهُ لِما بَعْدَ الخَبَرِ، وعَنِ التِزامِ حَدِيثِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ سَعَةٌ هُنا، أوْ أنَّ المُتَعَلِّقَ مِن تَمامِهِ، والِاسْمُ لا يُخْبِرُ عَنْهُ قَبْلَ تَمامِهِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ صفحة 117 تَعَلُّقَ ( مِن رَبِّ ) بِـ(رَيْبَ)، وفِيهِ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ المَعْنى المَقْصُودِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَ ( تَنْزِيلُ ) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأٌ، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ( ومِن رَبِّ العالَمِينَ ) الخَبَرُ، وضَمِيرُ ( فِيهِ ) راجِعٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أعْنِي كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، لا لِلتَّنْزِيلِ، ولا لِلْكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ في ذَلِكَ، أيْ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، وهَذا ما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ أنَّهُ الوَجْهُ، ويَشْهَدُ لِوَجاهَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى:

السجدة 32:3

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فَإنَّ قَوْلَهم هَذا مُفْتَرًى إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أيْ فالأنْسَبُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الرَّيْبِ عَمّا أنْكَرُوهُ، وهو كَوْنُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: أيْ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ مَوْرِدُهُ حُكْمًا مَقْصُودًا بِالإفادَةِ، لا قَيْدًا لِلْحُكْمِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، وفِيهِ بَحْثٌ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ مِثْلَهُ في الشَّهادَةِ، ثُمَّ قالَ في نَظْمِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ: إنَّهُ أُسْلُوبٌ صَحِيحٌ مُحْكَمٌ، أثْبَتَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أنَّ تَنْزِيلَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، أيْ لا مَدْخَلَ لِلرَّيْبِ في أنَّهُ تَنْزِيلُ اللَّهِ تَعالى، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنهُ، لِأنَّ نافِيَ الرَّيْبِ ومُمِيطَهُ مَعَهُ لا يَنْفَكُّ أصْلًا عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ مُعْجِزًا لِلْبَشَرِ، ثُمَّ أضْرَبَ جَلَّ وعَلا عَنْ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: «أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ»، لِأنَّ «أمْ» هي المُنْقَطِعَةُ الكائِنَةُ بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ إنْكارًا لِقَوْلِهِمْ وتَعْجِيبًا مِنهُ، لِظُهُورِ عَجْزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ، فَهو إمّا قَوْلُ مُتَعَنِّتٍ مُكابِرٍ، أوْ جاهِلٍ عَمِيَتْ مِنهُ النَّواظِرُ، ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الإنْكارِ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ، وفي الكَشْفِ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ بَيَّنَ وجاهَةَ كَوْنِ ( تَنْزِيلُ الكِتابِ ) مُبْتَدَأً، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعْتِراضًا، ( ومِن رَبِّ العالَمِينَ ) خَبَرًا، بِحُسْنِ مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ إذْ ذاكَ حَسُنَ الإنْكارُ عَلى الزّاعِمِ أنَّهُ مُفْتَرًى، مَعَ وُجُودِ نافِي الرَّيْبِ ومُمِيطِهِ، ثُمَّ إثْباتُ ما هو المَقْصُودُ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى شَغَبِ هَؤُلاءِ المُكابِرَةِ بَعْدَ التَّلْخِيصِ البَلِيغِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وما في إيثارِ لَفْظِ ( الحَقُّ )، وتَعْرِيفِهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مِنَ الحُسْنِ، ويَقْرُبُ عِنْدِي مِن هَذا الوَجْهِ جَعْلُ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأً، وجُمْلَةِ ( لا رَيْبَ فِيهِ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( الكِتابِ) (ومِن رَبِّ ) خَبَرًا، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ ( أمْ ) بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ، وقالَ: إنَّ هَذا خُرُوجٌ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والظّاهِرُ أنَّ ( مِن رَبِّكَ ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كائِنًا مِن رَبِّكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا ثانِيًا، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى العالَمِينَ أوَّلًا، ثُمَّ إلى ضَمِيرِ سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثانِيًا بَعْدَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ عَلا شَأْنُهُ فِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العَبْدُ الجامِعُ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ ما فَرَّقَ في العالَمِ بِالأسْرِ، ووُرُودُهُ عَلى أُسْلُوبِ التَّرَقِّي دَلَّ عَلى أنَّ جَمْعِيَّتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّ مِمّا لِكُلِّ العالَمِ، وحُقَّ لَهُ ذَلِكَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن تَنْزِيلِهِ، فَقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ (بِتَنْزِيلُ)، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ إلَخْ، وقِيلَ: بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( مِن رَبِّكَ)، (وقَوْمًا ) مَفْعُولٌ أوَّلُ (لِتُنْذِرَ)، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيِ العِقابَ، وما نافِيَةٌ كَما هو الظّاهِرُ، ( ومِنَ ) الأُولى صِلَةٌ، ( ونَذِيرٌ ) فاعِلُ ( أتاهم )، ويُطْلَقُ عَلى الرَّسُولِ، وهو المَشْهُورُ، وعَلى ما يَعُمُّهُ، والعالِمِ الَّذِي يُنْذِرُ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: وهو المُرادُ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطِرٌ: 24]. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّذِيرُ ها هُنا مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، ( ومِن قَبْلِكَ ) أيْ مِن قَبْلِ إنْذارِكَ أوْ مِن قَبْلِ زَمانِكَ مُتَعَلِّقٌ بِأتى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ (لِقَوْمًا)، والمُرادُ بِهِمْ قُرَيْشٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، قالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ صفحة 118 أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مِنهم قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانُوا مُلْزَمِينَ بِشَرائِعِ الرُّسُلِ مِن قَبْلُ، وإنْ كانُوا مُقَصِّرِينَ في البَحْثِ عَنْها، لا سِيَّما دِينُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، إنْ قُلْنا: إنَّ دَعْوَتَيْ مُوسى، وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لَمْ تَعُمّا، وهو الأظْهَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ القَوْلُ بِانْقِطاعِ حُكْمِ نُبُوَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ ما عَدا نَبِيَّنا ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلا يُكَلَّفُ أحَدٌ مُطْلَقًا يَجِيءُ بَعْدَهُ بِاتِّباعِهِ، والقَوْلُ بِالِانْقِطاعِ إلّا بِالنِّسْبَةِ لِمَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قُرَيْشًا كانُوا مُلْزَمِينَ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإنَّهم لَمْ يَزالُوا عَلى ذَلِكَ إلى أنْ فَشَتْ في العَرَبِ عِبادَةُ الأصْنامِ الَّتِي أحْدَثَها فِيهِمْ عَمْرٌو الخُزاعِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ إلّا قَلِيلٌ، بَلْ أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، فَهم داخِلُونَ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ فَإنَّهُ عامٌّ لِلرَّسُولِ، ولِلْعالِمِ يُنْذِرُ كَذا قِيلَ. واسْتَشْكَلَ مَعَ ما هُنا، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ ما أتاهم نَذِيرٌ مِنهم مِن قَبْلِكَ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشْفِ، وهُناكَ (إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) مِنها، أوْ مِن غَيْرِها، أوْ يُحْمَلُ النَّذِيرُ فِيهِ عَلى الرَّسُولِ، وفي تِلْكَ الآيَةِ عَلى الأعَمِّ، قالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المَلائِكَةِ: إنَّ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ، إمّا بِمُباشَرَةٍ مِن أنْبِيائِهِمْ، وإمّا بِنَقْلٍ إلى وقْتِ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والآياتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ قُرَيْشًا ما جاءَهم نَذِيرٌ مَعْناها لَمْ يُباشِرْهم وآباءَهُمُ الأقْرَبِينَ، وإمّا أنَّ النِّذارَةَ انْقَطَعَتْ فَلا تَعُمُّ، لَمّا شَرَعَتْ آثارُها تَنْدَرِسُ بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وما ذَكَرَهُ أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ مِن حالِ أهْلِ الفَتَراتِ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الفَرْضِ لا أنَّهُ واقِعٌ، فَلا تُوجَدُ أُمَّةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ إلّا وقَدْ عَلِمَتِ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعِبادَتِهِ انْتَهى. وفِي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ومُقْتَضاهُ أنَّ المَنفِيَّ ها هُنا إتْيانُ نَذِيرٍ مُباشِرٍ، أيْ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قُرَيْشًا الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ ﷺ، وأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يُنْذِرُهُمْ، ويَدْعُوهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ بِالنَّقْلِ، أيْ عَنْ نَبِيٍّ كانَ يَدْعُو إلى ذَلِكَ، والأوَّلُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ اثْنانِ، بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ إنْسانٌ، والثّانِي مَظْنُونُ التَّحَقُّقِ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيِّ والِدِ سَعِيدٍ أحَدِ العَشَرَةِ، فَإنَّهُ عاصَرَ النَّبِيَّ ﷺ، واجْتَمَعَ، وآمَنَ بِهِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يُدْرِكْها، إذْ قَدْ ماتَ، وقُرَيْشٌ تَبْنِي الكَعْبَةَ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وكانَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: لَقَدْ رَأيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ، يَقُولُ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أصْبَحَ أحَدٌ مِنكم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرِي، وفي بَعْضِ طُرُقِ الخَبَرِ عَنْهُ أيْضًا بِزِيادَةٍ، وكانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي لَوْ أعْلَمُ أحَبَّ الوُجُوهِ إلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ، ولَكِنِّي لا أعْلَمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلى راحِلَتِهِ، وذَكَرَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ في المَغازِي: سَمِعْتُ مَن أرْضى يُحَدِّثُ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كانَ يَعِيبُ عَلى قُرَيْشٍ ذَبْحَهم لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وصَحَّ أنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِن ذَبائِحِ المُشْرِكِينَ الَّتِي أُهِلَّ بِها لِغَيْرِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِهِ سَعِيدٍ أنَّهُ قالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أبِي كانَ كَما رَأيْتَ، وكَما بَلَغَكَ، أفَأسْتَغْفِرُ لَهُ: (قالَ، نَعَمْ، فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ)». ولا يَبْعُدُ مِمَّنْ كانَ هَذا شَأْنَهُ الإنْذارُ والدَّعْوَةُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مَن أنْصَفَ يَرى تَضَمُّنَ كَلامِهِ الَّذِي حَكَتْهُ أسْماءُ، وإنْكارَهُ عَلى قُرَيْشٍ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّيالِسِيُّ والدَّعْوَةَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ، وكَذا تَضَمُّنُ كَلامِهِ النَّقْلَ أيْضًا، ويَعْلَمُ مِمّا نَقَلْناهُ أنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وهو ظاهِرٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ ويَقُولُ: هَلُمُّوا إلَيَّ، فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلى دِينِ الخَلِيلِ غَيْرِي، وصِحَّةُ ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ، وعَلى فَرْضِ التَّسْلِيمِ، لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى المَقْصُودِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٌ، ومِثْلُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قُسُّ بْنُ ساعِدَةَ الإيادِيُّ، فَإنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ داعِيًا إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ صفحة 119 وعاصَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وماتَ قَبْلَ البَعْثَةِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، وكانَ مِنَ المُعَمَّرِينَ، ذَكَرَ السِّجِسْتانِيُّ أنَّهُ عاشَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ المَرْزُبانِيُّ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ عاشَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وذَكَرُوا في شَأْنِهِ أخْبارًا كَثِيرَةً، لَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في كِتابِهِ الإصابَةِ: قَدْ أفْرَدَ بَعْضُ الرُّواةِ طَرِيقَ قُسٍّ، وفِيهِ شِعْرُهُ، وخُطْبَتُهُ وهو في الطِّوالاتِ، لِلطَّبَرانِيِّ وغَيْرِها، وطُرُقُهُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، وعَدَّ مِنها ما عَدَّ فَلْيُراجَعْ، ثُمَّ إنَّ الإشْكالَ إنَّما يُتَوَهَّمُ لَوْ أُرِيدَ بِقُرَيْشٍ جَمِيعُ أوْلادِ قُصَيٍّ، أوْ فِهْرٍ، أوِ النَّضْرِ، أوْ إلْياسَ، أوْ مُضَرَ، أمّا إذا أُرِيدَ مَن كانَ مِنهم حِينَ بُعِثَ ﷺ، فَلا، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ العَرَبُ قُرَيْشٌ وغَيْرُهُمْ، ولَمْ يَأْتِ المُعاصِرِينَ مِنهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَذِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ غَيْرُهُ ﷺ، وكانَ فِيهِمْ مَن يُنْذِرُ، ويَدْعُو إلى التَّوْحِيدِ، وعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ولَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا، وأمّا العَرَبُ غَيْرُ المُعاصِرِينَ فَلَمْ يَأْتِهِمْ مِن عَهْدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ مِنهُمْ، بَلْ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ مُطْلَقًا، ومُوسى. وعِيسى وغَيْرُهُما مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا إلَيْهِمْ عَلى الأظْهَرِ، وخالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وخَبَرُ وُرُودِ بِنْتٍ لَهُ عَجُوزٍ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَها: «(مَرْحَبًا بِابْنَةِ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ)» ونَحْوُهُ مِنَ الأخْبارِ مِمّا لِلْحُفّاظِ فِيهِ مَقالٌ لا يَصْلُحُ مَعَهُ لِلِاسْتِدْلالِ، وفي شُرُوحِ الشِّفاءِ والإصابَةِ لِلْحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ الفَتْرَةِ مِنَ العَرَبِ، وغَيْرِهِمْ، حَتّى أهْلِ الكِتابِ، والمَعْنى ما أتاهم نَذِيرٌ مِن قَبْلِكَ بَعْدَ الضَّلالِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِمْ. هَذا وكَأنِّي بِكَ تَحْمِلُ النَّذِيرَ هُنا عَلى الرَّسُولِ الَّذِي يُنْذِرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ لِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النَّحْلُ: 36]، وأظُنُّ أنَّكَ تَجْعَلُ التَّنْوِينَ في (أُمَّةٍ) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ وإنْ مِن أُمَّةٍ جَلِيلَةٍ مُعْتَنًى بِأمْرِها إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ، ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ جَلِيلَةٍ مُعْتَنًى بِأمْرِها رَسُولًا، أوْ تُعْتَبِرُ العَرَبَ أُمَّةً وبَنِي إسْرائِيلَ أُمَّةً، ونَحْوُ ذَلِكَ أُمَّةٌ دُونَ أهْلِ عَصْرٍ واحِدٍ، وتَحْمِلُ مَن لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ عَلى جَماعَةٍ مِن أُمَّةٍ لَمْ يَأْتِهِمْ بِخُصُوصِهِمْ نَذِيرٌ، ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ في ذَلِكَ أنَّهُ حِينَ يُنْفى إتْيانُ النَّذِيرِ يُنْفى عَنْ قَوْمٍ، ونَحْوِهِ لا عَنْ أُمَّةٍ، فَلْيُتَأمَّلْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وجُوِّزَ كَوْنُ (ما) مَوْصُولَةً، وقَعَتْ مَفْعُولًا ثانِيًا (لِتُنْذِرَ)، ( ومِن نَذِيرٍ ) عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ (بِأتاهُمْ) أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، أيْ عَلى لِسانِ نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وعَلَيْهِ لا مَجالَ لِتَوَهُّمِ الإشْكالِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادِرِ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، والِاقْتِصارُ عَلى الإنْذارِ في بَيانِ الحِكْمَةِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُمُ: ( افْتَراهُ ) دُونَ التَّبْشِيرِ، ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ يَهْتَدُوا بِإنْذارِكَ إيّاهُمْ، أوْ راجِيًا لِاهْتِدائِهِمْ، وجَعْلُ التَّرَجِّي مُسْتَعارًا لِلْإرادَةِ مَنسُوبًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

السجدة 32:4

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ مَرَّ بَيانُهُ فِيما سَلَفَ عَلى مَذْهَبَيِ السَّلَفِ والخَلَفِ، ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ ما لَكم مُجاوِزِينَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، أيْ رِضاهُ سُبْحانَهُ وطاعَتَهُ تَعالى، ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، أيْ لا يَنْفَعُكم هَذانِ مِنَ الخَلْقِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، دُونَ رِضاهُ جَلَّ جَلالُهُ، ( فَمِن دُونِهِ ) حالٌ مِن مَجْرُورِ ( لَكم )، والعامِلُ الجارُّ أوْ مُتَعَلِّقُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى، لا دَلِيلَ في الخِطابِ عَلى أنَّهُ تَعالى شَفِيعٌ دُونَ غَيْرِهِ، لِيُقالَ: كَيْفَ ذاكَ وتَعالى جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ شَفِيعًا، وكَفى في ذَلِكَ رَدُّهُ ﷺ عَلى الأعْرابِيِّ حَيْثُ قالَ: إنّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ تَعالى إلَيْكَ، وقَدْ يُقالُ: المُمْتَنِعُ اطِّلاقُ الشَّفِيعِ عَلَيْهِ تَعالى بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ صفحة 120 وأمّا إطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى النّاصِرِ مَجازًا فَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ هُنا، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مِن دُونِهِ ) حالًا مِمّا بَعْدُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ودُونَ بِمَعْنى غَيْرُ، والمَعْنى ما لَكم ولِيٌّ ولا ناصِرٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَجْرُورِ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، والمَعْنى ما لَكم إذا جاوَزْتُمْ وِلايَتَهُ ونُصْرَتَهُ جَلَّ وعَلا ولِيٌّ ولا ناصِرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ التَّعْبِيرَ بِالشَّفِيعِ هُنا مِن قَبِيلِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِما أنَّ المُشْرِكِينَ المُنْذَرِينَ كَثِيرًا ما كانُوا يَقُولُونَ في آلِهَتِهِمْ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا، ويَزْعُمُونَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها شَفِيعٌ لَهُمْ، ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ ألا تَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها، أوْ أتَسْمَعُونَها فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها، فالإنْكارُ عَلى الأوَّلِ مُتَوَجِّهٌ إلى عَدَمِ السَّماعِ، وعَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعًا، وعَلى الثّانِي إلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ السَّماعِ.

السجدة 32:5

﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ قِيلَ: أيْ أمْرَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في دابِرِ الأمْرِ والتَّفَكُّرُ فِيهِ لِيَجِيءَ مَحْمُودَ العاقِبَةِ، وهو في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، (وإلى) انْتِهائِيَّةٌ، أيْ يُرِيدُهُ تَعالى عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ مُنَزِّلًا لَهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإنْزالُهُ مِنَ السَّماءِ بِاعْتِبارِ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَهُ سَماوِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ أيْ يَصْعَدُ ويَرْتَفِعُ ذَلِكَ الأمْرُ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا العُرُوجُ مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ في عِلْمِهِ تَعالى، أيْ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا بِأنْ يَعْلَمَهُ جَلَّ وعَلا مَوْجُودًا بِالفِعْلِ، أوْ عَنْ كِتابَتِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ القائِمِينَ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مَوْجُودًا كَذَلِكَ، ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ في بُرْهَةٍ مُتَطاوِلَةٍ مِنَ الزَّمانِ فَلَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، وعَبَّرَ عَنِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ بِالألْفِ لِأنَّها مُنْتَهى المَراتِبِ وأقْصى الغاياتِ، ولَيْسَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَها إلّا ما يَتَفَرَّعُ مِنها مِن أعْدادِ مَراتِبِها، والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقَدْ أُعْمِلَ الثّانِي مِنهُما فِيهِ، فَتُفِيدُ الآيَةُ طُولَ امْتِدادِ الزَّمانِ بَيْنَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِوُجُودِ الحَوادِثِ في أوْقاتِها مُتْقَنَةً مُراعًى فِيها الحِكْمَةُ، وبَيْنَ وُجُودِها كَذَلِكَ، وظاهِرُها يَقْتَضِي أنَّ وُجُودَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ مَرَّةً أُخْرى، بَلْ يَكْفِي فِيهِ التَّعَلُّقُ السّابِقُ، وقِيلَ: ( في يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ (بِيَعْرُجُ)، ولَيْسَ الفِعْلانِ مُتَنازِعَيْنِ فِيهِ، والمُرادُ بِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ وُصُولُ خَبَرِ وُجُودِهِ بِالفِعْلِ، كَما دَبَّرَ جَلَّ وعَلا بِواسِطَةِ المَلَكِ، وعَرْضُهُ ذَلِكَ في حَضْرَةٍ قَدْ أعَدَّها سُبْحانَهُ لِلِاخْتِبارِ، بِما هو جَلَّ جَلالُهُ أعْلَمُ بِهِ إظْهارًا لِكَمالِ عَظَمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ جَلَّتْ سَلْطَنَتُهُ وهَذا كَعَرْضِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْمالَ العِبادِ الوارِدِ في الأخْبارِ، وألْفُ سَنَةٍ عَلى حَقِيقَتِها، وهي مَسافَةُ ما بَيْنَ الأرْضِ، ومُحَدَّبِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالسَّيْرِ المَعْهُودِ لِلْبَشَرِ، فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وثُخْنُ السَّماءِ كَذَلِكَ، كَما جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، والمَلَكُ يَقْطَعُ ذَلِكَ في زَمانٍ يَسِيرٍ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ تَعالى الأمْرَ مُتْقَنًا مُراعًى فِيهِ الحِكْمَةُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ، فَيَكُونُ كَما أرادَ سُبْحانَهُ، فَيَعْرُجُ ذَلِكَ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ، ويَرْتَفِعُ خَبَرُهُ إلى حَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وقِيلَ: العُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِ الأمْرِ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في ( يَوْمٍ )، والمُرادُ أنَّهُ زَمانُ تَدْبِيرِ الأمْرِ، لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ، وزَمانُ العُرُوجِ لَوْ كانَ مِنهم أيْضًا صفحة 121 وإلّا فَزَمانُ التَّدْبِيرِ والعُرُوجِ يَسِيرٌ، وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَيَنْزِلُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ المَلَكُ أوِ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ تَعالى في زَمانٍ هو نَظَرًا لِلنُّزُولِ والعُرُوجِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وأُرِيدَ بِهِ مِقْدارُ ما بَيْنَ الأرْضِ ومُقَعَّرِ سَماءِ الدُّنْيا ذَهابًا وإيابًا، والظّاهِرُ أنَّ ( يُدَبِّرُ ) عَلَيْهِ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، لا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ كَما قِيلَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ ( إلَيْهِ ) لِلسَّماءِ، وهي قَدْ تُذَكَّرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المُزَّمِّلُ: 18]، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ سُبْحانَهُ أمْرَ الدُّنْيا كُلِّها مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، وهو ألْفُ سَنَةٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحَجُّ: 47]، ثُمَّ يَصِيرُ إلَيْهِ تَعالى، ويُثْبِتُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ جَلَّ وعَلا كُلَّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ هَذِهِ المُدَّةِ ما يَرْتَفِعُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ إلى أنْ تَبْلُغَ المُدَّةُ آخِرَها، ثُمَّ يُدَبِّرُ أيْضًا لِيَوْمٍ آخَرَ، وهَلُمَّ جَرّا، إلى أنَّ تَقُومَ السّاعَةُ، ويُشِيرَ إلى هَذا ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِينِنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ تَعالى، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ولا تَضْمِينَ في ( يُدَبِّرُ )، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ، وكَتْبِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ، ( وألْفَ سَنَةٍ )، عَلى ظاهِرِهِ، ( وفي يَوْمٍ ) يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلَيْنِ، وأُعْمِلَ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ لِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا، ثُمَّ يُعْرَجُ إلَيْهِ تَعالى فِيهِ كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ ونَظَرْتُ في الكِتابِ، أيْ قَصَدْتُ إلى الكِتابِ، ونَظَرْتُ فِيهِ، ولا يُمْنَعُ اخْتِلافُ الصِّلَتَيْنِ مِنَ التَّنازُعِ، وتَكْرارُ التَّدْبِيرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ العُدُولُ إلى المُضارِعِ مَعَ أنَّ الأمْرَ ماضٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يُجَدِّدُ هَذا الأمْرَ مُسْتَمِرًّا، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ الأمْرُ كُلُّهُ أيْ يَصِيرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَحْكُمَ فِيهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ لَهُ كَما في سابِقِهِ، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى الصَّيْرُورَةُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا لِيُثْبِتَ في صُحُفِ المَلائِكَةِ بَلْ لِيَحْكُمَ جَلَّ وعَلا فِيهِ. ( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ ولا تَنازُعَ، والمُرادُ بِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا يَوْمُ القِيامَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المَعارِجُ: 4]، بِناءً عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ، لِتَفاوُتِ الِاسْتِطالَةِ عَلى حَسَبِ الشِّدَّةِ، أوْ لِأنَّ ثَمَّ خَمْسِينَ مَوْطِنًا، كُلُّ مَوْطِنٍ ألْفُ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى ما كانَ مِن قَبُولِهِ، أوْ رَدِّهِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في يَوْمٍ مِقْدارُ مَسافَةِ السَّيْرِ فِيهِ ألْفُ سَنَةٍ، وهو ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هُبُوطًا وصُعُودًا، فالأمْرُ عَلَيْهِ مُرادٌ بِهِ الوَحْيُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ [غافِرٌ: 15]، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ خَبَرِ القَبُولِ والرَّدِّ مَعَ عُرُوجِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّدْبِيرِ والعُرُوجِ في اليَوْمِ، لَكِنْ عَلى التَّوَسُّعِ والتَّوْزِيعِ، فالفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الظَّرْفِ، ولَكِنْ لا اخْتِلافَ في الصِّلَةِ، ولا تُنافِي الآيَةُ عَلى هَذا قَوْلَهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ بِناءً عَلى الوَجْهِ الآخَرِ فِيهِ، وسَتَعْرِفُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ العُرُوجَ فِيهِ إلى العَرْشِ، وفِيها إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وكِلاهُما عُرُوجٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى التَّجَوُّزِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، والمَعْنى: يُنْزِلُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا يُعْمَلُ بِهِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ المَأْمُورُ بِهِ خالِصًا يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ الخُلَّصِ مِنَ العِبادِ، وعَلَيْهِ ( يُدَبِّرُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، (ومِن وإلى) مُتَعَلِّقانِ بِهِ، ومَعْنى العُرُوجِ الصُّعُودُ كَما في قَوْلِهِ صفحة 122 تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطِرٌ: 10]، والغَرَضُ مِنَ الألِفِ اسْتِطالَةُ المُدَّةِ، والمَعْنى اسْتِقْلالُ عِبادَةِ الخُلَّصِ، واسْتِطالَةُ مُدَّةِ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، ( وثُمَّ ) لِلِاسْتِبْعادِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى إثْرَ ذَلِكَ: ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) [الأعْرافُ: 10، المُؤْمِنُونَ: 78، السَّجْدَةُ: 9]، لِأنَّ الكَلامَ بَعْضُهُ مَرْبُوطٌ بِالبَعْضِ، وقِلَّةُ الشُّكْرِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الإنْعاماتِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِقْلالِ المَذْكُورِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أُمُورَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها مِنَ المَشْرِقِ، وغُرُوبِها في المَغْرِبِ، ومَدارِها في العالَمِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وزَمانِ طُلُوعِها إلى أنْ تَغْرُبَ، وتَرْجِعَ إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفُ سَنَةٍ، وهي تَقْطَعُ ذَلِكَ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. هَذا ما قالُوهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ في بَيانِ المُرادِ مِنها، ولا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ تَكَلُّفُ أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ، ومُخالَفَتُهُ لِلظّاهِرِ جَدًّا، وهي بَيْنَ يَدَيْكَ فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو، ويَظْهَرُ لِي أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [المُلْكِ: 16]، وبِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِهِ، كَما سُمِعَتْ عَنِ الجَماعَةِ، ( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ بِلا تَنازُعٍ، وأقُولُ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ وأعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُدَبِّرُ أُمُورَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، ويُرِيدُها مُتْقَنَةً، وهو سُبْحانَهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، وذَلِكَ هو التَّدْبِيرُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، ثُمَّ يَصْعَدُ خَبَرُ ذَلِكَ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، إظْهارًا لِمَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ عَظُمَتْ سَلْطَنَتُهُ، إلى حِكَمٍ هو جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِها، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى لائِقٍ بِهِ تَعالى، مُجامِعٍ لِلتَّنْزِيهِ، مُبايِنٍ لِلتَّشْبِيهِ، حَسْبَما يَقُولُهُ السَّلَفُ في أمْثالِهِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمُ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ، وما دُونَهُ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ، وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصْرِيفِ، فِيهِ رائِحَةٌ ما مِمّا ذَكَرْنا، وأمّا تَقْدِيرُ يَوْمِ العُرُوجِ هُنا بِألْفِ سَنَةٍ، وفي آيَةٍ أُخْرى بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَوْجِيهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضٌ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ، فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ؟ فَقالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيِّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ، فَلَمْ يُخْبِرْ ولَمْ يَدْرِ، فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما سَمِعْتُ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أبى أنْ يَقُولَ فِيهِما، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ يُسَمُّونَ اليَوْمَ المُقَدَّرَ بِألْفِ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، واليَوْمَ المُقَدَّرَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الإلَهِيِّ، ومُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ يُسَمِّي الأوَّلَ يَوْمَ الرَّبِّ، والثّانِيَ يَوْمَ المَعارِجِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ، وأيّامًا أُخَرَ، كَيَوْمِ الشَّأْنِ، ويَوْمِ المِثْلِ، ويَوْمِ القَمَرِ، ويَوْمِ الشَّمْسِ، ويَوْمِ زُحَلَ، وأيّامِ سائِرِ السَّيّارَةِ، ويَوْمِ الحَمَلِ، وأيّامِ سائِرِ البُرُوجِ في الفُتُوحاتِ. وقَدْ سَألْتُ رَئِيسَ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ الحادِثَةِ في عَصْرِنا في كَرْبَلاءَ عَنْ مَسْألَةٍ، فَكَتَبَ في جَوابِها ما كَتَبَ، واسْتَطْرَدَ بَيانَ إطْلاقاتِ اليَوْمِ، وعَدَّ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةً وسِتِّينَ إطْلاقًا، مِنها إطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، وإطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الإلَهِيِّ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ المَقامِ، ولَعَلَّنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَنْقُلُ لَكَ مِنهُ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْضًا تَمامَ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المَعارِجُ: 4]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾ صِفَةُ ( ألْفَ )، أوْ صِفَةُ ( سَنَةٍ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «يُعْرَجُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «ثُمَّ يَعْرُجُ المَلائِكَةُ» إلَيْهِ بِزِيادَةِ المَلائِكَةِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَعَلَّهُ تَفْسِيرٌ مِنهُ لِسُقُوطِهِ في سَوادِ المُصْحَفِ. صفحة 123 وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ «يَعُدُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

السجدة 32:6

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الذّاتُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ العامَّةِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ كُلِّ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ، ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ كُلِّ ما شاهَدَهُ الخَلْقُ، فَيُدَبِّرُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وقِيلَ: الغَيْبُ الآخِرَةُ والشَّهادَةُ الدُّنْيا ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ لِلْعِبادِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتَفَضِّلٌ فِيما يَفْعَلُ جَلَّ وعَلا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والأوْصافُ الثَّلاثَةُ بَعْدَهُ أخْبارٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ خَبَرًا، والأخِيرانِ نَعْتانِ لِلْأوَّلِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِخَفْضِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ، مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ فاعِلُ ( يَعْرُجُ )، والأوْصافُ مَجْرُورَةٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ( إلَيْهِ )، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ بِخَفْضِ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ عَلى أنَّ ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، ( وعالِمُ ) خَبَرُهُ، والوَصْفانِ مَجْرُورانِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ.

السجدة 32:7

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ أوْ نَعْتٌ ثالِثٌ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الَّذِي، وكَوْنَ ( العَزِيزُ ) مُبْتَدَأً، ( والرَّحِيمُ ) صِفَتَهُ، وهَذا خَبَرَهُ، وجُمْلَةَ ( خَلَقَهُ )، في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةِ ( شَيْءٍ )، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةِ ( كُلَّ )، واحْتِمالُ الِاسْتِئْنافِ بَعِيدٌ، أيْ حَسَّنَ سُبْحانَهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ مِنها إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ واسْتَدْعَتْهُ المَصْلَحَةُ، فَجَمِيعُ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ، وإنْ تَفاوَتَتْ في مَراتِبِ الحُسْنِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التِّينُ: 4]، ونَفى التَّفاوُتَ في خَلْقِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكُ: 3]، عَلى مَعْنًى سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ مُنافٍ لِما ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُ، وحَقِيقَتُهُ يُحْسِنُ مَعْرِفَتَهُ، أيْ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً حَسَنَةً بِتَحْقِيقٍ وإيقانٍ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ «خَلْقَهُ» بِسُكُونِ اللّامِ، فَقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( كُلَّ )، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ لَهُ، وهو باقٍ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وقِيلَ: هو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وهو بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ (لِأحْسَنَ) عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطى، أيْ أعْطى سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ اللّائِقَ بِهِ بِطَرِيقِ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ( وكُلَّ شَيْءٍ ) المَفْعُولُ الثّانِي، وضَمِيرُهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى تَضْمِينِ الإحْسانِ مَعْنى الإلْهامِ كَما قالَ الفَرّاءُ، أوِ التَّعْرِيفُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والمَعْنى، ألْهَمَ أوْ عَرَّفَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فَيَؤُولُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: 50]. واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لِأحْسَنَ) مِن مَعْناهُ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلُ: 88]، ( وعْدَ اللَّهِ ) [النِّساءُ: 122 وغَيْرُها]، ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿مِن طِينٍ﴾ أوْ بَدَأ خَلْقَ هَذا الجِنْسِ المَعْرُوفِ ( مِن طِينٍ ) حَيْثُ بَدَأ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مِنهُ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «بَدا» بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ في البَحْرِ: ولَيْسَ القِياسُ في هَدَأ هَدا بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا بَلْ قِياسُ هَذِهِ الهَمْزَةِ التَّسْهِيلُ بَيْنَ بَيْنَ، عَلى أنَّ الأخْفَشَ حَكى في قَرَأْتُ قَرَيْتُ، قِيلَ: وهي لُغَةُ الأنْصارِ، فَهم يَقُولُونَ في بَدَأ بَدِيَ بِكَسْرِ عَيْنِ الكَلِمَةِ وياءٍ بَعْدَها، وطَيِّئُ يَقُولُونَ في فِعْلِ هَذا نَحْوَ بَقِيَ بَقى كَرَمى، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ بَدِيَ، ثُمَّ صارَ بَدا، وعَلى صفحة 124 لُغَةِ الأنْصارِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ: بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ولَوْ عَبَدْنا غَيْرَهُ شَقِينا

السجدة 32:8

﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ، وتَنْفَصِلُ مِنهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ أيْ خُلاصَةٍ وأصْلُها ما يُسَلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ، ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مُمْتَهَنٍ، لا يُعْتَنى بِهِ، وهو المَنِيُّ.

السجدة 32:9

﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ عَدَّلَهُ بِتَكْمِيلِ أعْضائِهِ في الرَّحِمِ وتَصْوِيرِها عَلى ما يَنْبَغِي، وأصْلُ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً، ( وثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ، أوِ الذِّكْرِيِّ، ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهُ، كَما فِي: بَيْتِ اللَّهِ تَعالى، وناقَةِ اللَّهِ تَعالى، وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وصُنْعٌ بَدِيعٌ، وقِيلَ: أضافَهُ لِذَلِكَ إيماءً إلى أنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، ونَفْخُ الرُّوحِ قِيلَ: مَجازٌ عَنْ جَعْلِها مُتَعَلِّقَةً بِالبَدَنِ، وهو أوْفَقُ بِمَذْهَبِ القائِلِينَ بِتَجَرُّدِ الرُّوحِ وأنَّها غَيْرُ داخِلَةٍ في البَدَنِ مِنَ الفَلاسِفَةِ، وبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ كَحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُباشِرُ لَهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ عَلى الرَّحِمِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ القائِلُونَ بِأنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كالهَواءِ، سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الجَمْرِ، وهو الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ ظَواهِرُ الأخْبارِ، وأقامَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ عَلَيْهِ نَحْوَ مِائَةِ دَلِيلٍ. ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لا يَخْفى مَوْقِعُ ذِكْرِهِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، وتَشْرِيفُهُ بِخِلْعَةِ الخِطابِ حِينَ صَلَحَ لِلْخِطابِ، والجَعْلُ إبْداعِيٌّ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، والتَّقَدُّمُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وتَقْدِيمُ السَّمْعِ لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ، فَإنَّ أكْثَرَ أُمُورِ الدِّينِ لا تُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِ، وأُفْرِدَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ. وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُدْرِكَهُ نَوْعٌ واحِدٌ، وهو الصَّوْتُ بِخِلافِ البَصَرِ، فَإنَّهُ يُدْرِكُ الضَّوْءَ واللَّوْنَ والشَّكْلَ والحَرَكَةَ والسُّكُونَ، وبِخِلافِ الفُؤادِ فَإنَّهُ يُدْرِكُ مُدْرَكاتِ الحَواسِّ بِواسِطَتِها، وزِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ، أيْ خَلَقَ لِمَنفَعَتِكم تِلْكَ المَشاعِرَ لِتَعْرِفُوا أنَّها مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها نِعَمًا جَلِيلَةً لا يُقادَرُ قَدْرَها وسائِلُ إلى التَّمَتُّعِ بِسائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الفائِضَةِ عَلَيْكُمْ، وتَشْكُرُوها بِأنْ تَصْرِفُوا كُلًّا مِنها إلى ما خُلِقَ هو لَهُ، فَتُدْرِكُوا بِسَمْعِكُمُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ النّاطِقَةَ بِالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ وبِأبْصارِكُمُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِهِما، وتَسْتَدِلُّوا بِأفْئِدَتِكم عَلى حَقِّيَّتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، والقِلَّةُ بِمَعْنى النَّفْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ. ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ مَعْمُولًا (لِتَشْكُرُونَ)، أيْ شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ. واسْتَظْهَرَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لا اعْتِراضِيَّةً.

السجدة 32:10

﴿وقالُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أباطِيلِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ شُكْرِهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ، ورُوِيَ أنَّ القائِلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِرِضا الباقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ ضِعْنا فِيها بِأنْ صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِها بِحَيْثُ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، فَهو مِن ضَلَّ المَتاعُ إذا ضاعَ، أوْ غِبْنا فِيها بِالدَّفْنِ، وإنْ لَمْ نَصِرْ تُرابًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ يَرْثِي النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ: وآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونائِلُ صفحة 125 وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ «ضَلِلْنا» بِكَسْرِ اللّامِ، ويُقالُ: ضَلَّ يَضِلُّ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وضَلَّ يَضِلُّ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، وهُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ الفَصِيحَةُ وهي لُغَةُ نَجْدٍ، والثّانِي لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ضُلِلْنا) بِضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِي: «صَلَلْنا» بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ اللّامِ، ونُسِبَتْ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ، ويُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما يُقالُ في ضَلَّ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، وزِيادَةِ أصَلَّ بِالهَمْزَةِ كَأفْعَلَ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى صِرْنا بَيْنَ الصِّلَةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُّلْبَةُ كَأنَّها مِنَ الصَّلِيلِ، لِأنَّ اليابِسَ الصُّلْبَ إذا انْشَقَّ يَكُونُ لَهُ صَلِيلٌ. وقِيلَ: أنْتَنّا مِنَ الصِّلَةِ، وهو النَّتْنُ، وقِيلَ لِلْأرْضِ الصِّلَةُ لِأنَّها اسْتُ الدُّنْيا، وتَقُولُ العَرَبُ ضَعِ الصِّلَةَ عَلى الصِّلَةِ، وقالَ النَّحّاسُ: لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: أصَلَّ اللَّحْمُ وصَلَّ، وأخَمَّ وخَمَّ إذا نَتَنَ، وهَذا غَرِيبٌ مِنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «إذا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو نُبْعَثُ، أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هو العامِلَ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وإنْ وُكِّلَ مِنهُما لا يَعْمَلُ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، ويُعْتَبَرُ ما ذُكِرَ مِن نُبْعَثُ أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا جَوابًا (لِإذا)، إذا اعْتُبِرَتْ شَرْطِيَّةً لا ظَرْفِيَّةً مَحْضَةً، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ تَأْكِيدُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّأْكِيدِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقْدِيمِها عَلى أداتِهِ، فَإنَّها مُؤَخَّرَةٌ عَنْها في الِاعْتِبارِ، وتَقْدِيمُها عَلَيْها لِقُوَّةِ اقْتِضائِها الصَّدارَةَ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ «إنّا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ آنِفًا، ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ، وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، وما يَكُونُ بَعْدَهُ جَمِيعًا، وقِيلَ: هو إضْرابٌ وتَرَقٍّ مِنَ التَّرَدُّدِ في البَعْثِ واسْتِبْعادِهِ إلى الجَزْمِ بِجَحْدِهِ بِناءً عَلى أنَّ لِقاءَ الرَّبِّ كِنايَةٌ عَنِ البَعْثِ، ولا يَضُرُّ فِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ إنْكارِيًّا، وهو يُؤَوَّلُ إلى الجَحْدِ، فَتَأمَّلْ.

السجدة 32:11

﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ يَسْتَوْفِي نُفُوسَكم لا يَتْرُكُ مِنها شَيْئًا مِن أجْزائِها، أوْ لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِن جُزْئِيّاتِها، ولا يُبْقِي أحَدًا مِنكُمْ، وأصْلُ التَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ بِتَمامِهِ، وفُسِّرَ بِالِاسْتِيفاءِ، لِأنَّ التَّفَعُّلَ والِاسْتِفْعالَ يَلْتَقِيانِ كَثِيرًا كَتَقَضَّيْتُهُ، واسْتَقْضَيْتُهُ، وتَعَجَّلْتُهُ واسْتَعْجَلْتُهُ، ونِسْبَةُ التَّوَفِّي إلى مَلَكِ المَوْتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُباشِرُ قَبْضَ الأنْفُسِ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أيْ بِقَبْضِ أنْفُسِكم ومَعْرِفَةِ انْتِهاءِ آجالِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يَعُودُهُ، فَإذا مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (يا مَلَكَ المَوْتِ ارْفُقْ بِصاحِبِي، فَإنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقالَ: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، فَإنِّي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيقٌ، واعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أنِّي لَأقْبِضُ رُوحَ ابْنِ آدَمَ فَيَصْرُخُ أهْلُهُ، فَأقُومُ في جانِبٍ مِنَ الدّارِ فَأقُولُ: واللَّهِ ما لِي مِن ذَنْبٍ، وإنَّ لِي لَعَوْدَةٌ وعَوْدَةٌ، الحَذَرَ الحَذَرَ، وما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ بَيْتٍ، ولا مَدَرٍ، ولا شَعَرٍ، ولا وبَرٍ في بَرٍّ ولا بَحْرٍ إلّا وأنا أتَصَفَّحُهم فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَمْسَ مَرّاتٍ، حَتّى أنِّي لَأعْرَفُ بِصَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ، واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنِّي لا أقْدِرُ أقْبِضُ رُوحَ بَعُوضَةٍ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْضِهِ)،» وأخْرَجَ نَحْوَهُ صفحة 126 الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَندَهْ ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ [الزُّمَرُ: 42] بِاعْتِبارِ أنَّ أفْعالَ العِبادِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ جَلَّ وعَلا، لا مَدْخَلَ لِلْعِبادِ فِيها بِسِوى الكَسْبِ كَما يَقُولُهُ الأشاعِرَةُ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، ونِسْبَتُهُ إلى الرُّسُلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامُ: 61]، وإلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النَّحْلُ: 28]، لِما أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ، بَلْ لَهُ أعْوانٌ كَما جاءَ في الآثارِ يُعالِجُونَ نَزْعَ الرُّوحِ حَتّى إذا قَرُبَ خُرُوجُها قَبَضَها مَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكِ المَوْتِ الجِنْسُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ بَعْضَ النّاسِ يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ، وبَعْضَهم يَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِنَفْسِهِ. أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ مَلَكَ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبْضِ الأرْواحِ إلّا شُهَداءَ البَحْرِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى قَبْضَ أرْواحِهِمْ»». وجاءَ ذَلِكَ أيْضًا في خَبَرٍ آخَرَ يُفِيدُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لِلْإنْسِ غَيْرُ مَلَكِ المَوْتِ لِلْجِنِّ والشَّياطِينِ، وما لا يَعْقِلُ. أخْرَجَ ابْنُ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: وُكِّلَ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبْضِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ، فَهو الَّذِي يَلِي قَبْضَ أرْواحِهِمْ، ومَلَكٌ في الجِنِّ، ومَلَكٌ في الشَّياطِينِ، ومَلَكٌ في الطَّيْرِ والوَحْشِ والسِّباعِ والحِيتانِ والنَّمْلِ، فَهم أرْبَعَةُ أمْلاكٍ، والمَلائِكَةُ يَمُوتُونَ في الصَّعْقَةِ الأُولى، وأنَّ مَلَكَ المَوْتِ يَلِي قَبْضَ أرْواحِهِمْ، ثُمَّ يَمُوتُ، وأمّا الشُّهَداءُ في البَحْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَلِي قَبْضَ أرْواحِهِمْ لا يَكِلُ ذَلِكَ إلى مَلَكِ المَوْتِ بِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لِمَن يَعْقِلُ، وما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ واحِدٌ، وهو عِزْرائِيلُ، ومَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيما قِيلَ، نَعَمْ لَهُ أعْوانٌ كَما ذَكَرْنا، وخَبَرُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها عَلى ما ذَكَرْنا في تَوْجِيهِ الإضْرابِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّهم لَمّا جَحَدُوا لِقاءَ مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ عِنْدَ المَوْتِ وما يَكُونُ بَعْدَهُ ذَكَرَ لَهم حَدِيثَ تَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ إيّاهم إيماءً إلى أنَّهم سَيُلاقُونَهُ، وحَدِيثَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وأمّا عَلى ما قِيلَ، فَوَجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ والمَعادَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِما ذَكَرَ لِتَضَمُّنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ البَعْثَ وزِيادَةً، ذَكَرَ تَوَفِّيَ مَلَكِ المَوْتِ إيّاهم وكَوْنَهُ مُوَكَّلًا بِهِمْ لِتَوَقُّفِ البَعْثِ عَلى وفاتِهِمْ، ولِتَهْدِيدِهِمْ، وتَخْوِيفِهِمْ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ القادِرَ عَلى الإماتَةِ قادِرٌ عَلى الإحْياءِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِرَدِّ ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُهم مِن أنَّ المَوْتَ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ حَيْثُ أسْنَدُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ فَلَيْسَ عِنْدَهم بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى ومُباشَرَةِ مَلائِكَتِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ في المُناسَبَةِ: إنَّ عِزْرائِيلَ وهو عَبْدٌ مِن عَبِيدِهِ تَعالى إذا قَدَرَ عَلى تَخْلِيصِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ مَعَ سَرَيانِها فِيهِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الجَمْرِ، فَكَيْفَ لا يَقْدِرُ خالِقُ القُوى والقُدَرِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى تَمْيِيزِ أجْزائِهِمُ المُخْتَلِطَةِ بِالتُّرابِ، وكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ البَعْثُ مَعَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، لِما أنَّ ذَلِكَ السَّرَيانَ مِمّا خَفِيَ عَلى العُقَلاءِ حَتّى أنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، فَكَيْفَ بِجَهَلَةِ المُشْرِكِينَ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تَرْجِعُونَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.

السجدة 32:12

﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ وهُمُ القائِلُونَ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أوْ جِنْسُ المُجْرِمِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ، ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ مُطْرِقُوها مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حِينَ حِسابِهِمْ، لَمْ يَظْهَرْ مِن قَبائِحِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها في الدُّنْيا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «نَكَّسُوا رُؤُوسَهُمْ» فِعْلًا ماضِيًا ومَفْعُولًا، ﴿رَبَّنا﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ الواقِعِ حالًا والعامِلِ فِيهِ ( ناكِسُو )، أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا إلَخْ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ: يَسْتَغِيثُونَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا صفحة 127 ﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ صِرْنا مِمَّنْ يُبْصِرُ ويَسْمَعُ، وحَصَلَ لَنا الِاسْتِعْدادُ لِإدْراكِ الآياتِ المُبْصَرَةِ والآياتِ المَسْمُوعَةِ، وكُنّا مِن قَبْلُ عُمْيًا صُمًّا لا نُدْرِكُ شَيْئًا، ﴿فارْجِعْنا﴾ إلى الدُّنْيا ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ: ادِّعاءٌ مِنهم لِصِحَّةِ مُشْعِرِي البَصَرِ والسَّمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعْلِيلُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو مُتَضَمِّنٌ لِادِّعائِهِمْ صِحَّةَ الأفْئِدَةِ والِاقْتِدارِ عَلى فَهْمِ مَعانِي الآياتِ والعَمَلِ بِما يُوجِبُها، وفِيهِ مِن إظْهارِ الثَّباتِ عَلى الإيقانِ، وكَمالِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا: أبْصَرْنا وسَمِعْنا وأيْقَنّا فارْجِعْنا إلَخْ، ولَعَلَّ تَأْخِيرُ السَّمْعِ لِأنَّ أكْثَرَ العَمَلِ الصّالِحِ المَوْعُودِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ دُونَ البَصَرِ، فَكانَ عَدَمُ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالبَصَرِ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَفْعُولٌ مُناسِبٌ لَهُ، مِمّا يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ بِأنْ يُقالَ: أبْصَرْنا البَعْثَ الَّذِي كُنّا نُنْكِرُهُ، وما وعَدْتَنا بِهِ عَلى إنْكارِهِ، وسَمِعْنا مِنكَ ما يَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُرادُ بِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الأنْعامُ: 130]، لا الإخْبارُ الصَّرِيحُ بِلَفْظِ أنَّ رُسُلِي صادِقُونَ مَثَلًا، أوْ يُقالُ: أبْصَرْنا البَعْثَ وما وعَدْتَنا بِهِ، وسَمِعْنا قَوْلَ الرُّسُلِ، أيْ سَمِعْناهُ سَمْعَ طاعَةٍ وإذْعانٍ، أوْ يُقالُ: أبْصَرْنا قُبْحَ أعْمالِنا الَّتِي كُنّا نَراها في الدُّنْيا حَسَنَةً، وسَمِعْنا قَوْلَ المَلائِكَةِ لَنا، إنَّ مَرَدَّكم إلى النّارِ، وقِيلَ: أرادُوا أبْصَرْنا رُسُلَكَ وسَمِعْنا كَلامَهم حِينَ كُنّا في الدُّنْيا، أوْ أبْصَرْنا آياتِكَ التَّكْوِينِيَّةَ، وسَمِعْنا آياتِكَ التَّنْزِيلِيَّةَ في الدُّنْيا، فَلَكَ الحُجَّةُ عَلَيْنا، ولَيْسَ لَنا حُجَّةٌ، فارْجِعْنا إلَخْ، ولا يَخْفى حالُ هَذا القِيلِ، وعَلى سائِرِ هَذِهِ التَّقادِيرِ وجْهُ تَقْدِيمِ الإبْصارِ عَلى السَّماعِ ظاهِرٌ، و«لَوْ» هي الَّتِي سَمّاها غَيْرُ واحِدٍ امْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. والخِطابُ في «تَرى» لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ إذِ المُرادُ بَيانُ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها واسْتِفْظاعُها بِراءٍ دُونَ راءٍ، مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ والدَّواهِي الفَظِيعَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ أنَّ حالَهم قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَمْتَنِعُ خَفاؤُها البَتَّةَ، فَلا يَخْتَصُّ بِرُؤْيَتِها راءٍ دُونَ راءٍ، والجَوابُ المُقَدَّرُ أوْفَقُ بِما ذُكِرَ أوَّلًا، والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيْ لَوْ تَكُنْ مِنكَ رُؤْيَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ خاصًّا بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ، ( ولَوْ ) لِلتَّمَنِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَكَ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُؤُوسِهِمْ لِتَشْمَتَ بِهِمْ، وحُكْمُ التَّمَنِّي مِنهُ تَعالى حُكْمُ التَّرَجِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ، ولا جَوابَ لَها حِينَئِذٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقالَ أبُو حَيّانَ، وابْنُ مالِكٍ: لا بُدَّ لَها مِنَ الجَوابِ اسْتِدْلالًا بِقَوْلِ مُهَلْهِلٍ في حَرْبِ البَسُوسِ: فَلَوْ نُبِشَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ فَيُخْبِرَ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ بِيَوْمِ الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنًا ∗∗∗ وكَيْفَ لِقاءُ مَن تَحْتَ القُبُورِ فَإنَّ لَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي بِدَلِيلِ نَصْبِ (فَيُخْبِرَ) ولَهُ جَوابٌ، وهو قَوْلُهُ: (لَقَرَّ)، ورُدَّ بِأنَّها شَرْطِيَّةٌ، (ويُخْبِرَ) عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِن (نُبِشَ) كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ حَصَلَ نَبْشٌ فَإخْبارٌ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَوْ قِيلَ: إنَّها لِتَقْدِيرِ التَّمَنِّي مَعَها كَثِيرًا أُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، واسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ الجَوابِ فِيها إذا لَمْ يُذْكَرْ كَما في الوَصْلِيَّةِ، ونَصْبُ جَوابِها كانَ أسْهَلَ مِمّا ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ لِتَرى مَفْعُولٌ، دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، أيْ لَوْ تَرى المُجْرِمِينَ، أوْ لَوْ تَرى نَكْسَهم رُؤُوسَهُمْ، والمُضِيُّ في لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ، وإذْ، لِأنَّ إخْبارَهُ تَعالى عَمّا تَحَقَّقَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ لِتَحَقُّقِهِ بِمَنزِلَةِ الماضِي صفحة 128 فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلى المُضِيِّ مَجازًا كَلَوْ وإذْ، هَذا ومِنَ الغَرِيبِ قَوْلُ أبِي العَبّاسِ في الآيَةِ: المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُجْرِمِ، ولَوْ تَرى، وقَدْ حَكاهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: رَأى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( يَتَوَفّاكم ) داخِلَةٌ تَحْتَ ( قُلِ ) السّابِقِ، ولِذا لَمْ يُجْعَلِ الخِطابُ فِيهِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى كَلامُهُ فَلا تَغْفُلْ.

السجدة 32:13

﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ إلَخْ، وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿فارْجِعْنا﴾ يُفِيدُ أنَّهم لَوْ أُرْجِعُوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى إعْطاؤُهُمُ الهُدى، أيْ ونَقُولُ: لَوْ شِئْنا أيْ لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُنا تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِأنْ نُعْطِيَ كُلَّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ هُداها، أيْ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِنَفْسِ الإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، والأوَّلُ أوْلى، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِما سَألَهُ الكَثْرَةُ مِنَ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، أوْ بِالهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لَأعْطَيْناها إيّاهُ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الكَسْبِ، وما أخَّرْناهُ إلى دارِ الجَزاءِ، ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ أيْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ قَوْلِي، وسَبَقَتْ كَلِمَتِي حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: 84، 85]، وهو المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ كَما يَلُوحُ بِهِ تَقْدِيمُ الجِنَّةِ عَلى النّاسِ، فَإنَّهُ في الخِطابِ لِإبْلِيسَ مُقَدَّمٌ، وتَقْدِيمُهُ هُناكَ لِأنَّهُ الأوْفَقُ لِمَقامِ تَحْقِيرِ ذَلِكَ المُخاطَبِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وقِيلَ: التَّقْدِيمُ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ مِنَ الجِنَّةِ أكْثَرُ. ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ العُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا﴾ إلى ضَمِيرِ الوَحْدَةِ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ في الرَّدِّ عَلى اللَّعِينِ، وقَدْ وقَعَ فِيهِ القَوْلُ، والإمْلاءُ مُسْنَدَيْنِ إلى ضَمِيرِ الوَحْدَةِ، لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى طِرازِ ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ﴾ [ص: 82، 83] في تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ، وقَدْ يُقالُ: ضَمِيرُ العَظَمَةِ أوْفَقُ بِالكَثْرَةِ الدّالِّ عَلَيْها «كُلُّ نَفْسٍ» والضَّمِيرُ الآخَرُ أوْفَقُ بِما دُونَ تِلْكَ الكَثْرَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ) أوْ يُقالُ: إنَّهُ وحَّدَ الضَّمِيرَ في الوَعِيدِ لِما أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَكَأنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى وجْهٍ لا يَتَوَهَّمُ فِيهِ مُتَوَهِّمٌ نَوْعًا مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ أصْلًا، أوْ أُخْرِجَ عَلى وجْهٍ يَلُوحُ بِما عَدَلُوا عَنْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ إلى ما ارْتَكَبُوهُ مِمّا أوْجَبَ لَهُمُ الوَعِيدَ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ يُقالُ: وحَّدَ الضَّمِيرَ في ( لَأمْلَأنَّ ) لِأنَّ الإمْلاءَ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، فَتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ أوْفَقُ بِهِ، ويُقالُ نَظِيرُ ذَلِكَ في ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ والإيتاءُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ المُؤْتى، فَضَمِيرُ العَظَمَةِ أوْفَقُ بِهِ ويُقالُ نَظِيرُهُ في ( شِئْنا ) فَتَدَبَّرْ، ولا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( أجْمَعِينَ ) دُخُولُ جَمِيعِ الجِنِّ والإنْسِ فِيها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مَرْيَمُ: 71]، فالوُرُودُ فِيهِ غَيْرُ الدُّخُولِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، لِأنَّ ( أجْمَعِينَ ) تُفِيدُ عُمُومَ الأنْواعِ لا الأفْرادِ، فالمَعْنى: لَأمْلَأنَّها مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، كَمَلَأْتُ الكِيسَ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ جَمِيعًا كَذا قِيلَ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ قَصَدَ ما ذَكَرَ لَكانَ المُناسِبُ التَّثْنِيَةَ دُونَ الجَمْعِ بِأنْ يُقالَ كِلَيْهِما، واسْتُظْهِرَ أنَّها لِعُمُومِ الأفْرادِ، والتَّعْرِيفُ في ( الجِنَّةِ والنّاسِ ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ عُصاتُهُما، ويُؤَيِّدُهُ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ خِطابَ إبْلِيسَ، وحاصِلُ الآيَةِ: لَوْ شِئْنا إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها لَآتَيْناها إيّاهُ، لَكِنْ تَحَقَّقَ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ إلَخْ، فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ، بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفْتُمُ اخْتِيارَكم إلى الغَيِّ بِإغْوائِهِ، ومَشِيئَتُنا لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةٌ بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ تَخْتارُوا الهُدى واخْتَرْتُمُ الضَّلالَ، لَمْ نَشَأْ إعْطاءَهُ لَكُمْ، وإنَّما أعْطَيْناهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ البَرَرَةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ الآيَةَ صفحة 129 فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إعْطاءَ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ، لا تَحَقُّقَ القَوْلِ، وإنَّما قُيِّدَتِ المَشِيئَةُ بِما مَرَّ مِنَ التَّعَلُّقِ الفِعْلِيِّ بِأفْعالِ العِبادِ عِنْدَ حُدُوثِها، لِأنَّ المَشِيئَةَ الأزَلِيَّةَ مِن حَيْثُ تَعَلُّقِها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ إجْمالًا مُتَقَدِّمَةً عَلى تَحَقُّقِ كَلِمَةِ العَذابِ، فَلا يَكُونُ عَدَمُها مَنُوطًا بِتَحَقُّقِها، وإنَّما مَناطُهُ عِلْمُهُ تَعالى أنَّهُ لا يَصْرِفُ اخْتِيارَهم فِيما سَيَأْتِي إلى الغَيِّ، وإيثارَهِمْ لَهُ عَلى الهُدى، فَلَوْ أُرِيدَتْ هي مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لاسْتُدْرِكَ بِعَدَمِها بِأنْ يُقالَ: ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ونِيطَ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَناطِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنْفالُ: 23]، كَذا قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ. وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَشِيئَةِ المَشِيئَةُ الأزَلِيَّةُ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ، ويُرادُ بِالقَوْلِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ وكَذا كَلِمَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ، كَما قالَ الرّاغِبُ، وذَكَرَ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: 7]، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يُونُسُ: 96]، وحاصِلُ المَعْنى: لَوْ شِئْنا في الأزَلِ إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها في الدُّنْيا لَآتَيْناها إيّاهُ، ولَكِنْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ عِلْمِي أزَلًا بِتَعْذِيبِ العُصاةِ، فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ لَمْ نَشَأْ إذْ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ المَعْلُومِ عَلى طِبْقِ العِلْمِ، لِئَلّا يَلْزَمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا، ووُقُوعُ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ العُصاةِ، إذْ تَعْذِيبُ العُصاةِ فَرْعُ وجُودِهِمْ، ومَشِيئَةُ إيتاءِ الهُدى كُلَّ نَفْسٍ تَسْتَلْزِمُ طاعَةَ كُلِّ نَفْسٍ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ العِلَّةِ لِلْمَعْلُولِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ المُعَذَّبَةُ عاصِيَةً طائِعَةً، وهو مُحالٌ، وهَذا المُحالُ جاءَ مِن مَشِيئَتِهِ إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِتَعْذِيبِ العُصاةِ، فَإمّا أنْ يَنْتَفِيَ العِلْمُ المَذْكُورُ، وهو مُحالٌ، لِأنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالمَعْلُومِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ضَرُورِيٌّ، فَتَعَيَّنَ انْتِفاءُ المَشِيئَةِ لِذَلِكَ، ويُرَجَّحُ هَذا بِالآخِرَةِ إلى أنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ مَشِيئَتِهِ إيتاءَ الهُدى لِلْعُصاةِ سُوءُ ما هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ، والعِلْمُ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ في نَفْسِهِ، فَعِلْمُهُ تَعالى بِتَعْذِيبِ العُصاةِ يَسْتَدْعِي عِلْمَهُ سُبْحانَهُ إيّاهم بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ عُصاةً، فَلا يَشاؤُهم جَلَّ جَلالُهُ، إلّا بِهَذا العُنْوانِ الثّابِتِ لَهم في أنْفُسِهِمْ، ولا يَشاؤُهم سُبْحانَهُ عَلى خِلافِهِ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إيّاهم كَذَلِكَ تَسْتَدْعِي تَعَلُّقَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولَيْسَ ذَلِكَ عِلْمًا. ويُمْكِنُ أنْ يَبْقى العِلْمُ عَلى ظاهِرِهِ، ويُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هُداهم لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا قالَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يُعَذِّبُ أتْباعَهُ، ولا بُدَّ ولا يَقُولُ تَعالى خِلافَ ما يَعْلَمُ، فَلا يَشاءُ تَبارَكَ وتَعالى خِلافَ ما يَقُولُ، ويَرْجِعُ بِالآخِرَةِ أيْضًا إلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هُداهم لِسُوءِ ما هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ بِأدْنى تَأمُّلٍ، ومَآلُ الجَوابِ عَلى التَّقْرِيرَيْنِ لا فائِدَةَ لَكم في الرُّجُوعِ لِسُوءِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في أنْفُسِكُمْ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالأعْيانِ الثّابِتَةِ، وأنَّ الشَّقِيَّ شَقِيٌّ في نَفْسِهِ، والسَّعِيدَ سَعِيدٌ في نَفْسِهِ، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى إنَّما تَعَلَّقَ بِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ في أنْفُسِهِما، وأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إنَّما تَعَلَّقَتْ بِإيجادِهِما حَسْبَما عَلِمَ جَلَّ شَأْنُهُ، فَوُجِدا في الخارِجِ بِإيجادِهِ تَعالى عَلى ما هُما عَلَيْهِ في أنْفُسِهِما، فَإذا تَمَّ هَذا تَمَّ ذاكَ، وإلّا فَلا، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:

السجدة 32:14

﴿فَذُوقُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قِيلَ مِن نَفْيِ الرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ إلَخْ، ولَعَلَّ هَذا أسْرَعُ تَبادُرًا، وجَعَلَها بَعْضُهم واقِعَةً في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا يَئِسْتُمْ مِنَ الرُّجُوعِ أوْ إذا حَقَّ القَوْلُ فَذُوقُوا، وجُوِّزَ كَوْنُها تَفْصِيلِيَّةً، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، والباءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، (وما) مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذا صِفَةُ (يَوْمِ) جِيءَ بِهِ لِلتَّهْوِيلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولَ ( ذُوقُوا )، وهو إشارَةٌ إلى ما هم فِيهِ مِن نَكْسِ الرُّؤُوسِ والخِزْيِ والغَمِّ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مَفْعُولُ ( ذُوقُوا ) مَحْذُوفًا، والوَصْفِيَّةُ أظْهَرُ أيْ: فَذُوقُوا بِسَبَبِ نِسْيانِكم لِقاءَ هَذا اليَوْمِ الهائِلِ صفحة 130 وتَرْكِكُمُ التَّفَكُّرَ فِيهِ، والتَّزَوُّدَ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِسَبَبِ العَذابِ مِن قِبَلِهِمْ، فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ حَقِيقِيًّا كانَ أوْ غَيْرَهُ، والتَّوْبِيخُ بِهِ مِن بَيْنِ الأسْبابِ لِظُهُورِهِ، وكَوْنِهِ صادِرًا مِنهم لا يَسَعُهم إنْكارُهُ، والمُرادُ بِنِسْيانِهِمْ ذَلِكَ تَرْكُهُمُ التَّفَكُّرَ فِيهِ، والتَّزَوُّدَ لَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهو بِهَذا المَعْنى اخْتِيارِيٌّ يُوَبَّخُ عَلَيْهِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، وإنْ صَحَّ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ تَعَمُّدِ سَبَبِهِ مِنَ الِانْهِماكِ في اتِّباعِ الشَّهَواتِ، ومِثْلُهُ في كَوْنِهِ مَجازًا النِّسْيانُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ أيْ تَرَكْناكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ بِالمَرَّةِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، ولَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ الأوَّلِ مَجازًا مانِعًا مِنها قِيلَ: والقَرِينَةُ عَلى قَصْدِ المُشاكَلَةِ فِيهِ، أنَّهُ قُصِدَ جَزاؤُهم مِن جِنْسِ العَمَلِ، فَهو عَلى حَدِّ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: 40]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وتَعْيِينُ المَفْعُولِ المُبْهَمِ لِلذَّوْقِ والإشْعارِ بِأنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذُكِرَ مِنَ النِّسْيانِ، بَلْ بِهِ أسْبابٌ أُخَرُ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْها في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى الأوَّلِ حَصَلَتْ بِهِ مُغايَرَتُهُ لَهُ اسْتَحَقَّ العَطْفَ عَلَيْهِ، ولَمْ يُنْظَمِ الكُلُّ في سِلْكٍ واحِدٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ النِّسْيانِ، وما ذُكِرَ في اسْتِيجابِ العَذابِ، وفي إبْهامِ المَذُوقِ أوَّلًا وبَيانِهِ ثانِيًا بِتَكْرِيرِ الأمْرِ، وتَوْسِيطِ الِاسْتِئْنافِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ السُّخْطِ بَيْنَهُما مِنَ الدِّلالَةِ عَلى غايَةِ التَّشْدِيدِ في الِانْتِقامِ مِنهم ما لا يَخْفى.

السجدة 32:15

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِإيتاءِ الهُدى والإشْعارِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لَوْ أُوتُوهُ بِتَعْيِينِ مَن يَسْتَحِقُّهُ بِطَرِيقِ القَصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِآياتِنا الدّالَّةِ عَلى شُؤُونِنا، ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجَبِها عَمَلًا صالِحًا، ولَوْ أرْجَعْناكم إلى الدُّنْيا، وإنَّما يُؤْمِنُ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ وُعِظُوا ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أثَرَ ذِي أثِيرٍ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ ولا تَلَعْثُمٍ فَضْلًا عَنِ التَّسْوِيفِ إلى مُعايَنَةِ ما نَطَقَتْ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ سَقَطُوا ساجِدِينَ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، وخُشُوعًا وخَوْفًا مِن عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ أبُو حَيّانَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ مِن عَزائِمِ سُجُودِ القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّجُودُ هُنا الرُّكُوعُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكانَ الرُّكُوعُ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، ومِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القارِئَ لِآيَةِ السَّجْدَةِ يَرْكَعُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: 24] اهـ. ولا يَخْفى ما في الِاسْتِدْلالِ مِنَ المَقالِ، ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ونَزَّهُوهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَجْزُ عَنِ البَعْثِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى نَعْمائِهِ جَلَّ وعَلا الَّتِي مِن أجْلِها الهِدايَةُ بِإيتاءِ الآياتِ والتَّوْفِيقِ إلى الِاهْتِداءِ بِها، فالحَمْدُ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ بِأنَّهم يَفْعَلُونَهُما بِمُلاحَظَةِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُمْ، ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ كَما يَفْعَلُ مَن يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا، كَأنْ لَمْ يَسْمَعِ الآياتِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ ( خَرُّوا وسَبَّحُوا ) وجُوِّزَ عَطْفُها عَلى أحَدِ الفِعْلَيْنِ.

السجدة 32:16

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً، أوْ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، والتَّجافِي البُعْدُ والِارْتِفاعُ والجُنُوبُ جَمْعُ جَنْبٍ الشُّقُوقُ، وذَكَرَ صفحة 131 الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الجَنْبِ الجارِحَةُ، ثُمَّ يُسْتَعارُ في النّاحِيَةِ الَّتِي تَلِيها كَعادَتِهِمْ في اسْتِعارَةِ سائِرِ الجَوارِحِ لِذَلِكَ نَحْوِ اليَمِينِ والشِّمالِ، ( والمَضاجِعُ ) جَمْعُ المَضْجَعِ أماكِنُ الِاتِّكاءِ لِلنَّوْمِ، أيْ تَتَنَحّى وتَرْتَفِعُ جُنُوبُهم عَنْ مَواضِعِ النَّوْمِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِهِمُ النَّوْمَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ يَصِفُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّجافِي القِيامُ لِصَلاةِ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وغَيْرِهِمْ. وفي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَشْهَدُ لَهُ، أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ««كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ، فَأصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنهُ، ونَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النّارِ؟ قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ يَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثُمَّ قالَ: ألا أدُلَّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ (يَعْمَلُونَ)»» الحَدِيثَ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ العِشاءَ والصُّبْحَ في جَماعَةٍ، وعَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ: هو أنْ لا يَنامَ الرَّجُلُ حَتّى يُصَلِّيَ العِشاءَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ نَزَلَتْ في انْتِظارِ الصَّلاةِ الَّتِي تُدْعى العَتَمَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها: «نَزَلَتْ فِينا مَعاشِرَ الأنْصارِ، كُنّا نُصَلِّي المَغْرِبَ، فَلا نَرْجِعُ إلى رِحالِنا حَتّى نُصَلِّيَ العِشاءَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» وقِيلَ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ المَغْرِبَ، ويُصَلِّيَ بَعْدَها إلى العَشاءِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: «سَألْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ، ويُصَلُّونَ بَعْدَها إلى عِشاءِ الآخِرَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسى قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَتَجافى جُنُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كُلَّما اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا في قِيامٍ، أوْ قُعُودٍ، أوْ عَلى جُنُوبِهِمْ، لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى، ورَوى نَحْوَهُ هو ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، والجُمْهُورُ عَوَّلُوا عَلى ما هو المَشْهُورُ، وفي فَضْلِ التَّهَجُّدِ ما لا يُحْصى مِنَ الأخْبارِ، وأفْضَلُهُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ما كانَ في الأسْحارِ. ( يَدْعُونَ رَبَّهم ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( جُنُوبُهم )، وقَدْ أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو جُزْءٌ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿تَتَجافى﴾ إلَخْ حالِيَّةً أنْ تَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِمّا جُعِلَتْ تِلْكَ حالًا مِنهُ، وعَلى احْتِمالِ كَوْنِها خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا، وجُوِّزَ كَوْنُها مُسْتَأْنَفَةً، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِدُعائِهِمْ رَبَّهم سُبْحانَهُ المَعْنى المُتَبادِرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ، ﴿خَوْفًا﴾ أيْ خائِفِينَ مِن سُخْطِهِ تَعالى، وعَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِمْ، ﴿وطَمَعًا﴾ صفحة 132 فِي رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، فالمَصْدَرانِ حالانِ مِن ضَمِيرِ ( يَدْعُونَ )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ لِمُقَدَّرٍ، أيْ يَخافُونَ خَوْفًا ويَطْمَعُونَ طَمَعًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالًا، وأنْ يَكُونا مَفْعُولًا لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ عَلى الحالِيَّةِ أمْدَحُ. ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إيّاهُ مِنَ المالِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ.

السجدة 32:17

﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَضْلًا عَمَّنْ عَداهُمْ، فَإنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ. والفاءُ سَبَبِيَّةٌ أوْ فَصِيحَةٌ أيْ: أُعْطَوْا فَوْقَ رَجائِهِمْ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عُدِّدَتْ نُعُوتُهُمُ الجَلِيلَةُ ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنٌ، وفي إضافَةِ القُرَّةِ إلى الأعْيُنِ عَلى الإطْلاقِ لا إلى أعْيُنِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما أُخْفِيَ لَهم في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ. ورَوى الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ ما أطْلَعْتُكم عَلَيْهِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)»» وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: «لَقَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ولا يَعْلَمُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وأنَّهُ لَفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)،﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جُوزُوا جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، (فَجَزاءً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وجُوِّزَ جَعْلُها حالِيَّةً، وقِيلَ: يَجُوزُ جَعْلُهُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ عَلى مَعْنى مُنِعَتِ العِلْمَ لِلْجَزاءِ، أوْ لِأُخْفِيَ، فَإنَّ إخْفاءَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أخْفى القَوْمُ أعْمالًا في الدُّنْيا، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، أيْ أخْفى ذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ. وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ﴾ رابِطَةٌ لِلْأحَقِّ بِالسّابِقِ، وأصْلُهُ فَلا يَعْلَمُونَ، والعُدُولُ لِتَعْظِيمِ الجَزاءِ، وعَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ في ( أُخْفِيَ ) تَرْشِيحٌ لَهُ، لِأنَّ جازِيَهُ مَن هو العَظِيمُ وحْدَهُ، فَلا يَذْهَبُ، وهَلْ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اهـ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ «أخْفِي» بِسُكُونِ الياءِ فِعْلًا مُضارِعًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وابْنُ مَسْعُودٍ «نَخْفِي» بِنُونِ العَظَمَةِ، والأعْمَشُ أيْضًا «أخْفَيْتُ» بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ( أخْفى ) فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (وما) في جَمِيعِ ذَلِكَ اسْمٌ مَوْصُولٌ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُ )، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وضَمِيرُهُ مَحْذُوفٌ عَلى غَيْرِها، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ( وأُخْفِيَ لَهم ) خَبَرُهُ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الياءَ، وعَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَها، وجَعْلُ ( أُخْفِيَ ) مُضارِعًا يَكُونُ (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأخْفى، (ويَعْلَمُ) مِنهُ حالُها عَلى سائِرِ القِراءاتِ، وإذا كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ تَسُدُّ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَسَدَّهُما، وعَلى كُلٍّ مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِفْهامِيَّةِ فالإيهامُ لِلتَّعْظِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ وعَوْنٌ، والعُقَيْلِيُّ «مِن قُرّاتِ» عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْمَشِ، وجَمْعُ المَصْدَرِ أوِ اسْمِهِ لِاخْتِلافِ أنْواعِ القُرَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ. صفحة 133

السجدة 32:18

﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ أيْ أبَعْدَ ظُهُورِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ المُؤْمِنِ الَّذِي حُكِيَتْ أوْصافُهُ الفاضِلَةُ كالفاسِقِ الَّذِي ذُكِرَتْ أحْوالُهُ القَبِيحَةُ العاطِلَةُ، وأصْلُ الفِسْقِ الخُرُوجُ مِن فَسَقَتِ الثَّمَرَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ، وأحْكامِ الشَّرْعِ مُطْلَقًا، فَهو أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ، وقَدْ يُخَصُّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النُّورُ: 55]، وكَما هُنا لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِ مَعَ ما سَتَسْمَعُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ إفادَةِ الإنْكارِ لِنَفْيِ المُشابَهَةِ بِالمَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، وبِناءِ التَّفْصِيلِ الآتِي عَلَيْهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِاثْنَيْنِ وهُما المُؤْمِنُ والكافِرُ، والتَّثْنِيَةُ جَمْعٌ.

السجدة 32:19

﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ نَفْيِ اسْتِوائِهِما، وقِيلَ: بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِهِما في الدُّنْيا، وأُضِيفَتِ الجِنانُ إلى المَأْوى لِأنَّها المَأْوى، والمَسْكَنُ الحَقِيقِيُّ، والدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْهُ، لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المَأْوى عَلَمٌ لِمَكانٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجِنانِ كَعَدْنٍ، وقِيلَ: جَنَّةُ المَأْوى لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ، ورُوِيَ أنَّها عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، ولا يَخْفى ما في جَعْلِهِ عَلَمًا مِنَ البُعْدِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَجافِيهِمْ عَنْ مَضاجِعِهِمُ الَّتِي هي مَأْواهم في الدُّنْيا. وقَرَأ طَلْحَةُ «جَنَّةُ المَأْوى» بِالإفْرادِ، ﴿نُزُلا﴾ أيْ ثَوابًا، وهو في الأصْلِ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الطَّعامِ، والشَّرابِ، والصِّلَةِ، ثُمَّ عَمَّ كَلَّ عَطاءٍ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( جَنّاتُ )، والعامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نازِلٍ فَيَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( الَّذِينَ آمَنُوا )، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «نُزْلًا» بِإسْكانِ الزّايِ كَما في قَوْلِهِ: وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدَ مَحْذُوفٌ، والباءَ سَبَبِيَّةٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ سَبَبًا بِمُقْتَضى فَضْلِهِ تَعالى ووَعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يُنافِي حَدِيثَ ««لا يَدْخُلُ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»» ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُقابَلَةِ، والمُعارَضَةِ، كَعَلى في نَحْوِ: بِعْتُكَ الدّارَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ، أيْ فَلَهم ذَلِكَ عَلى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ.

السجدة 32:20

﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ، فَكَفَرُوا، وارْتَكَبُوا المَعاصِيَ، ﴿فَمَأْواهُمُ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهم ومَحَلُّهُمُ ﴿النّارُ )،﴾ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَأْوى صارَ مُتَعارَفًا فِيما يَكُونُ مَلْجَأً لِلشَّخْصِ، ومُسْتَراحًا يَسْتَرِيحُ إلَيْهِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، ولَوْ وهْمًا، فَإذا أُرِيدَ هُنا يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) [آلُ عِمْرانَ: 21، التَّوْبَةُ: 34، الِانْشِقاقُ: 24]، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في أحَدِ القِسْمَيْنِ (فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى) ذَكَرَ في الآخَرِ ( فَمَأْواهُمُ النّارُ)، ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ النّارِ مَأْواهُمْ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكَهْفُ: 77] عَلى ما قِيلَ، والمَعْنى كُلَّما شارَفُوا الخُرُوجَ مِنها، وقَرُبُوا مِنهُ أُعِيدُوا فِيها ودُفِعُوا إلى قَعْرِها. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَضْرِبُهم لَهَبُ النّارِ فَيَرْتَفِعُونَ إلى أعْلاها حَتّى إذا قَرُبُوا مِن بابِها، وأرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها، يَضْرِبُهُمُ اللَّهَبُ فَيَهْوُونَ إلى قَعْرِها، وهَكَذا يُفْعَلُ بِهِمْ أبَدًا. وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، إلّا أنَّ فِيهِ حَذْفًا أيْ صفحة 134 كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها فَخَرَجُوا مِن مُعْظَمِها أُعِيدُوا فِيها، ويُشِيرُ إلى أنَّ الخُرُوجَ مِن مُعْظَمِها قَوْلُهُ تَعالى: ( فِيها ) دُونَ إلَيْها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا عِبارَةً عَنْ خُلُودِهِمْ فِيها، وأيًّا ما كانَ، لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البَقَرَةُ: 167]، ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ. ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِعَذابِ النّارِ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الدُّنْيا، وأُظْهِرَتِ النّارُ مَعَ تَقَدُّمِها قَبْلُ لِزِيادَةِ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وذَكَرابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وجْهًا آخَرَ لِلْإظْهارِ وهو أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ بَعْدَ القَوْلِ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ مِنَ النّارِ، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ وضْعُ الضَّمِيرِ إذْ لَيْسَ القَوْلُ حِينَئِذٍ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ذِكْرُ النّارِ، وإنَّما ذَكَرَها سُبْحانَهُ قَبْلُ إخْبارًا عَنْ أحْوالِهِمْ، ونَظَرَ فِيهِ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ داخِلٌ أيْضًا في حَيِّزِ الإخْبارِ لِعَطْفِهِ عَلى ( أُعِيدُوا ) الواقِعِ جَوابًا لِكُلَّما، فَكَما جازَ الإضْمارُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ جازَ فِيهِ أيْضًا، إنْ لَمْ يُقْصَدْ زِيادَةُ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ. ورُدَّ بِأنَّ المانِعَ أنَّهُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، والأصْلُ في الحِكايَةِ أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، دُونَ تَغْيِيرٍ ولا إضْمارٍ في المَحْكِيِّ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ فِيهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ يُناقَشُ فِيهِ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ يَجُوزُ رِعايَةُ المَحْكِيِّ، والحِكايَةِ، وكَما أنَّ الأصْلَ رِعايَةُ المَحْكِيِّ الأصْلُ الإضْمارُ إذا تَقَدَّمَ الذِّكْرُ، فَلا بُدَّ مِن مُرَجِّحٍ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أرادَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ الإظْهارَ هو المُناسِبُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ نَظَرًا إلى ذاتِها، ونَظَرًا إلى سِياقِها، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّها تُقالُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ سِياقَ الآيَةِ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وفي الإظْهارِ مِن ذَلِكَ ما لَيْسَ في الإضْمارِ، وهَذا بَعِيدٌ مِن أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نَظَرُ الطِّيبِيِّ، والإنْصافُ أنَّ كُلًّا مِنَ الإضْمارِ والإظْهارِ جائِزٌ، وأنَّهُ رَجَّحَ الإظْهارَ اقْتِضاءُ السِّياقِ لِذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ في هَذِهِ الآيَةِ مَقامُ الضَّمِيرِ حَيْثُ ذُكِرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ: إنَّهُ تَعالى قالَ ها هُنا ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [سَبَأٌ: 42]، فَذَكَّرَ جَلَّ وعَلا ها هُنا، وأنَّثَ سُبْحانَهُ هُناكَ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النّارَ ها هُنا وقَعَتْ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ، والضَّمِيرُ لا يُوصَفُ، فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى العَذابِ المُضافِ إلَيْها، وهو مُذَكَّرٌ، وفي تِلْكَ الآيَةِ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ النّارِ في سِياقِها، فَلَمْ تَقَعِ النّارُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلَيْها، وهي مُؤَنَّثَةٌ دُونَ العَذابِ، فَتَأمَّلْ.

السجدة 32:21

﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيِ الأقْرَبِ، وقِيلَ: الأقَلِّ، وهو عَذابُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ أقْرَبُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وأقَلُّ مِنهُ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ، فَرَوى النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُنُونَ أصابَتْهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ، ومُقاتِلٍ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ وآخَرُونَ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا أنَّهُ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِلَفْظٍ هو القَتْلُ بِالسَّيْفِ، نَحْوَ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ القَتْلُ والجُوعُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وأبُو عَوانَةَ في صَحِيحِهِ، وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، والدُّخانُ، وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ: أوِ الدُّخانُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا وأسْقامُها وبَلاياها، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ: مَصائِبُ الدُّنْيا في الأنْفُسِ والأمْوالِ، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ الآيَةَ فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هي المَصائِبُ والأسْقامُ والآصارُ عَذابٌ لِلْمُسْرِفِ صفحة 135 فِي الدُّنْيا دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما هي لَنا؟ قالَ: زَكاةٌ وطَهُورٌ،» وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحُدُودُ. وأخْرَجَ هُنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِعَذابِ القَبْرِ، وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ في أنَّهُ ذَلِكَ، وفي التَّحْرِيرِ: إنَّ أكْثَرَهم عَلى أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ في النّارِ، وقِيلَ: هو القَتْلُ، والسَّبْيُ، والأسْرُ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ خُرُوجُ المَهْدِيِّ بِالسَّيْفِ انْتَهى. وعَلَيْهِما يُفَسَّرُ العَذابُ الأدْنى بِالسِّنِينَ، أوِ الأسْقامِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ أدْنى مِمّا ذُكِرَ، وعَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ تَفْسِيرُهُ بِالدّابَّةِ والدَّجّالِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ. وإنَّما لَمْ يَقُلِ الأصْغَرُ في مُقابَلَةِ ( الأكْبَرِ )، أوِ الأبْعَدُ في مُقابَلَةِ ( الأدْنى )، لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّخْوِيفُ والتَّهْدِيدُ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالقُرْبِ، لا بِالصِّغَرِ، وبِالكِبَرِ لا بِالبُعْدِ، قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ مُلَخِّصًا لَهُ مِن كَلامِ الإمامِ، وكَذا أوْجَبَ أبُو حَيّانَ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ الأدْنى يَتَضَمَّنُ الأصْغَرَ لِأنَّهُ مُنْقَضٍ بِمَوْتِ المُعَذَّبِ، والأكْبَرَ يَتَضَمَّنُ الأبْعَدَ لِأنَّهُ واقِعٌ في الآخِرَةِ فَحَصَلَتِ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ التَّضَمُّنُ، وصَرَّحَ بِما هو آكَدُ في التَّخْوِيفِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم يَتُوبُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ لَعَلَّهم يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ ويَطْلُبُونَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السَّجْدَةُ: 12]، وسُمِّيَتْ إرادَةُ الرُّجُوعِ رُجُوعًا كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ قِيامًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائِدَةُ: 6]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ «يُرْجَعُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ انْتَهى. وهُوَ عَلى ما حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، فَيَتَعَلَّقُ ( لَعَلَّهم ) إلَخْ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ كَما في الأوَّلِ، إلّا أنَّ الرُّجُوعَ هُنالِكَ التَّوْبَةُ، وها هُنا الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، ويَكُونُ مِن بابِ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصُ: 8]، أوْ يَكُونُ التَّرَجِّي راجِعًا إلَيْهِمْ، ووَجْهُ دِلالَةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ الحَمْلُ فِيها عَلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، والقِراءَةُ لا تَأْباهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يُرْجِعُهم ذَلِكَ العَذابُ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، و(لَعَلَّ) لِتَرَجِّي المُخاطَبِينَ كَما فَسَّرَها بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها هُنا بِكَيْ، وكَأنَّ المُرادَ كَيْ نُعَرِّضَهم بِذَلِكَ لِلتَّوْبَةِ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِتَرَجِّيهِ سُبْحانَهُ، ولِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ حَمَلَهُ عَلى إرادَتِهِ تَعالى، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ سُؤالًا أجابَ عَنْهُ عَلى مَذْهَبِهِ في الِاعْتِزالِ، فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، هَذا والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ أخِي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأُمِّهِ أرْوى بِنْتِ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. أخْرَجَ أبُو الفَرَجِ الأصْفَهانِيُّ في كِتابِ الأغانِي، والواحِدِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنا أحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأبْسَطُ مِنكَ لِسانًا، وأمْلَأُ لِلْكَتِيبَةِ مِنكَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اسْكُتْ، فَإنَّما أنْتَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلَخْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ هَذا أيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما جَرى. وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ ولَمْ يُسَمِّهِ. وفِي الكَشّافِ رُوِيَ في نُزُولِها «أنَّهُ شَجَرَ بَيْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ صفحة 136 اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ كَلامٌ، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ صَبِيٌّ أنا أشَبُّ مِنكَ شَبابًا، وأجْلَدُ مِنكَ جَلَدًا، وأذْرَبُ مِنكَ لِسانًا، وأحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأشْجَعُ مِنكَ جِنانًا، وأمْلَأُ مِنكَ حَشْوًا في الكَتِيبَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ». ولَمْ نَرَهُ بِهَذا اللَّفْظِ مُسْنَدًا، وقالَ الخَفاجِيُّ: قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ، فَإنَّ الوَلِيدَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا، بَلْ كانَ طِفْلًا، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ حُضُورُ بَدْرٍ وصُدُورُ ما ذُكِرَ. ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الشَّيْخِ ولِيِّ الدِّينِ: هو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإنَّ الوَلِيدَ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وأقُولُ: بَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا يَوْمَ بَدْرٍ أوْ كانَ صَغِيرًا جِدًّا، أخْرَجَ أبُو داوُدَ في السُّنَنِ مِن طَرِيقِ ثابِتِ بْنِ الحَجّاجِ عَنْ أبِي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدانِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ جَعَلَ أهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيانِهِمْ، فَيَمْسَحُ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَأُتِيَ بِي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِن أجْلِ الخَلُوقِ،» إلّا أنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ قالَ: إنَّ أبا مُوسى مَجْهُولٌ، وأيْضًا ذَكَرَ الزُّبَيْرُ، وغَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ لَمّا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الهُدْنَةِ سَنَةَ سَبْعٍ خَرَجَ أخَواها الوَلِيدُ وعُمارَةُ لِيَرُدّاها، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا يَوْمَ الفَتْحِ، إذْ مَن يَكُونُ كَذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ مِمَّنْ خَرَجَ لِيَرُدَّ أُخْتَهُ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في كِتابِهِ الإصابَةَ أنَّهُ قَدِمَ في فِداءِ ابْنِ عَمِّ أبِيهِ الحارِثِ بْنِ أبِي وجْرَةَ بْنِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وكانَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فافْتَداهُ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقالَ: حَكاهُ أهْلُ المَغازِي، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، وسَوْقُ كَلامِهِ ظاهِرٌ في ارْتِضائِهِ، ووَجْهُ اقْتِضائِهِ ذَلِكَ أنَّ ما تَعاطاهُ مِن أفْعالِ الرِّجالِ دُونَ الصِّبْيانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ يُخالِفُ ما ذَكَرَهُ عَنْهُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِمّا مَرَّ آنِفًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَغِيرًا ذَلِكَ اليَوْمَ صِغَرًا يُمْكِنُ مَعَهُ عادَةً الحُضُورُ، فَحَضَرَ، وجَرى ما جَرى لِأنَّ وصْفَهُ بِالفِسْقِ بِمَعْنى الكُفْرِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ بِما سَمِعْتَ في الآياتِ مَعَ كَوْنِهِ دُونَ البُلُوغِ مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا مَن يَلْتَزِمُ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالإيمانِ إذْ ذاكَ كانَ مَشْرُوطًا بِالتَّمْيِيزِ، ولا أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ بَعْدَ إسْلامِهِ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فاسِقٌ وهو مُسْلِمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحُجُراتُ: 6]، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، حَيْثُ إنَّهُ ﷺ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ فَعادَ، وأخْبَرَ أنَّهُمُ ارْتَدُّوا، ومَنَعُوا الصَّدَقَةَ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الفِسْقَ ها هُنا بِمَعْنى الكُفْرِ، وهُناكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والوَلِيدِ لِكَلامٍ جَرى يَوْمَ بَدْرٍ يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ، والمُخْتارُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خِلافُهُ.

السجدة 32:22

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِمَن قابَلَ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِالإعْراضِ بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن قابَلَها بِالسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وكَلِمَةُ ( ثُمَّ ) لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها عَقْلًا مَعَ غايَةِ وُضُوحِها وإرْشادِها إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ، كَما في قَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلَيَّةَ الحارِثِيِّ: ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قِيلَ: أيْ مِن كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإجْرامِ، وكَسْبِ الأُمُورِ المَذْمُومَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ، ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وأشَدُّ جُرْمًا مِن كُلِّ جارِمٍ، فَفي الجُمْلَةِ إثْباتُ الِانْتِقامِ مِنهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. صفحة 137 وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُجْرِمِ المُعْرِضُ المَذْكُورُ وقَدْ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى ( مَن )، بِاعْتِبارِ مَعْناها، وكانَ الأصْلُ: إنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ عِلَّةَ الِانْتِقامِ ارْتِكابُ هَذا المُعْرِضِ مِثْلَ هَذا الجُرْمِ العَظِيمِ: وفَسَّرَ البَغَوِيُّ المُجْرِمِينَ هُنا بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ حِكايَتِهِ: ولا ارْتِيابَ أنَّ الكَلامَ في ذَمِّ المُعْرِضِينَ، وهَذا الأُسْلُوبُ أذَمُّ، لِأنَّهُ يُقِرُّ أنَّ الكافِرَ إذا وُصِفَ بِالظُّلْمِ، والإجْرامِ حُمِلَ عَلى نِهايَةِ كُفْرِهِ وغايَةِ تَمَرُّدِهِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالخاتِمَةِ لِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ القائِلِينَ: ( أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) [السَّجْدَةُ: 3 وغَيْرُها]، والتَّخَلُّصُ إلى قِصَّةِ الكَلِيمِ مَسْلاةٌ لِقَلْبِ الحَبِيبِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى آخِرِ ما ذَكَرَهُ فَلْيُراجَعْ.

السجدة 32:23

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ، ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ﴾ أيْ شَكٍّ. وقَرَأ الحَسَنُ «مُرْيَةٍ» بِضَمِّ المِيمِ، ﴿مِن لِقائِهِ﴾ أيْ لِقائِكَ ذَلِكَ الجِنْسِ عَلى أنَّ لِقاءَ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والضَّمِيرُ المَذْكُورُ لِلْكِتابِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، وإيتاءُ ذَلِكَ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ إيتاءِ التَّوْراةِ، ولِقاؤُهُ بِاعْتِبارِ لِقاءِ القُرْآنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النَّمْلُ: 6]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءُ: 13]، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ ( الكِتابَ ) عَلى العَهْدِ، أيِ الكِتابَ المَعْهُودَ وهو التَّوْراةُ، ولَمّا لَمْ يَصِحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ ظاهِرًا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُلَقَّ عَيْنَ ذَلِكَ الكِتابِ قِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ لِقاءِ مِثْلِهِ أوْ عَلى الِاسْتِخْدامِ، أوْ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنهُ، ولا يَخْفى ما في كُلٍّ مِنَ البُعْدِ، والمَعْنى إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَّيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَّيْناكَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيتَ مِثْلَهُ ونَظِيرَهُ، وخُلاصَةُ ما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ التَّفْرِيعِيَّةُ أنَّ مَعْرِفَتَكَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُوتِيَ التَّوْراةَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِإزالَةِ الرَّيْبِ عَنْكَ في أمْرِ كِتابِكَ، ونَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ المَقْصُودُ مِنهُ نَهْيُ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّعْرِيضُ بِمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ مِن لِقائِهِ إيّاكَ ووُصُولِهِ إلَيْكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِاللِّقاءِ دُونَ الإيتاءِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مُؤْذِنٌ بِالتَّعْظِيمِ أيْضًا لَكِنْ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: الكِتابُ التَّوْراةُ، وضَمِيرُ ﴿لِقائِهِ﴾ عائِدٌ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، ولا ارْتِكابِ اسْتِخْدامٍ، (ولِقاءٌ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وفاعِلُهُ مُوسى، أيْ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، أوْ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولُهُ مُوسى، أيْ مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى، ووُصُولِهِ إلَيْهِ، فالفاءُ مِثْلُها في قَوْلِهِ: لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَدَلَ الواوِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ ضَمِيرَ ( لِقائِهِ ) عائِدٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ بِالنّاسِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ ما قِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْضًا، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَجِلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْ مِثْلِ هَذا التَّخْرِيجِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيْ مِن لِقاءِ مُوسى، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ صفحة 138 عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ كَذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: أوَلَقِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُوسى؟ قالَ: نَعَمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ [الزُّخْرُفُ: 45]، وأرادَ بِذَلِكَ لِقاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ كَما ذُكِرَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ الزَّجّاجَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ عَلى هَذا وعْدَهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلِقاءِ مُوسى، وتَكُونُ الآيَةُ نازِلَةً قَبْلَ الإسْراءِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ بِالفاءِ بَدَلَ الواوِ، كَما سَمِعْتَ آنِفًا. وجَعْلُها مُفَرَّعَةً عَلى ما قَبْلَها غَيْرُ ظاهِرٍ، وبِهَذا اعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وبِالفِرارِ إلى الإعْراضِ سَلامَةٌ مِنَ الِاعْتِراضِ، وكَأنِّي بِكَ تُرَجِّحُهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، ﴿وجَعَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى، وقالَ قَتادَةُ أيْ وجَعَلْنا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿هُدًى﴾ أيْ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِما أنَّهم أكْثَرُ المُنْتَفِعِينَ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما في كِتابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَدُ إسْماعِيلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

السجدة 32:24

﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً﴾ قالَ قَتادَةُ: رُؤَساءَ في الخَيْرِ سِوى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ كانُوا في بَنِي إسْرائِيلَ ﴿يَهْدُونَ﴾ بَقِيَّتَهم بِما في تَضاعِيفِ الكِتابِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ يَهْدُونَهم إلى ما فِيهِ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ عَزَّ وجَلَّ بِأمْرِنا إيّاهم بِأنْ يَهْدُوا، عَلى أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأوامِرِ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم أنْبِياءُ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم لَيْسُوا بِأنْبِياءَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ تَعالى إيّاهم بِذَلِكَ عَلى حَدِّ أمْرِ عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآيَةَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ، والمُرادُ يَهْدُونَ بِتَوْفِيقِنا، ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: عَلى تَرْكِ الدُّنْيا، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمّا صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الطّاعَةِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ( ولَمّا ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي فِيها مَعْنى الجَزاءِ نَحْوُ: لَمّا أكْرَمْتَنِي أكْرَمْتُكَ، أيْ لَمّا صَبَرُوا جَعَلْنا أئِمَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي بِمَعْنى الحِينِ الخالِيَةِ عَنْ مَعْنى الجَزاءِ، والظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ ظَرْفٌ لِجَعَلْنا، أيْ أئِمَّةً حِينَ صَبَرُوا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها ظَرْفًا لِيَهْدُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ ( لِما ) بِكَسْرِ اللّامِ، وتَخْفِيفِ المِيمِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لِصَبْرِهِمْ، وهو مُتَعَلِّقٌ (بِجَعَلْنا)، أوْ (بِيَهْدُونَ). وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا «بِما» بِالباءِ السَّبَبِيَّةِ، وما المَصْدَرِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ، ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي في تَضاعِيفِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أيْ كانُوا يُوقِنُونَ بِها لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ لا بِغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الباطِلَةِ، وهو تَعْرِيضٌ بِكَفَرَةِ أهْلِ مَكَّةَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صَبَرُوا )، فَتَكُونُ داخِلَةً في حَيِّزِ ( لَمّا )، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ( جَعَلْنا )، وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( صَبَرُوا) . والمُرادُ كَذَلِكَ: لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ، أوْ لَنَجْعَلَنَّكَ هُدًى لِأُمَّتِكَ ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.

السجدة 32:25

﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ يَقْضِي ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ، صفحة 139 وقِيلَ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُمَيِّزُ سُبْحانَهُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

السجدة 32:26

﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَنَوِيٍّ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويُناسِبُ المَعْطُوفَ مَعْنًى عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وفِعْلُ الهِدايَةِ إمّا مِن قَبِيلِ: فُلانٌ يُعْطِي، في أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ بِلا مُلاحَظَةِ المَفْعُولِ، وإمّا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما في الذِّهْنِ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ﴾ وكَمْ في مَحَلِّ نَصْبٍ (بِأهْلَكْنا) أيْ أغِفَلُوا، ولَمْ يَفْعَلِ الهِدايَةَ لَهُمْ، أوْ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم مَآلَ أمْرِهِمْ أوْ طَرِيقَ الحَقِّ كَثْرَةُ مَن أهْلَكْنا، أوْ كَثْرَةُ إهْلاكِ مَن أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ مِثْلِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كَمْ ) فاعِلًا لِصَدارَتِها كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّجّاجُ حاكِيًا لَهُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ (بِيَهْدِ) كَأنَّكَ قُلْتَ: أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمُ القُرُونُ الهالِكَةُ فَيَتَّعِظُوا، ولا أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ إلّا في مَواضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَيْسَ هَذا مِنها، ولا مُضْمَرًا عائِدًا إلى ما بَعْدُ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا، ورُتْبَةً في غَيْرِ مَحَلِّ جَوازِهِ، ولا الجُمْلَةُ نَفْسُها لِأنَّها لا تَقَعُ فاعِلًا عَلى الصَّحِيحِ إلّا إذا قُصِدَ لَفْظُها نَحْوُ: تَعْصِمُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الدِّماءُ والأمْوالُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى شَأْنُهُ لَسَبْقِ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ ) إلَخْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ زَيْدٍ «نَهْدِ لَهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الخَفاجِيُّ: والفِعْلُ بِكم عَنِ المَفْعُولِ وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ، فَلا تَغْفُلْ. ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ ويُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( لَهُمْ)، وقِيلَ: مِنَ ( القُرُونِ)، والمَعْنى: أهْلَكْناهم حالَ غَفْلَتِهِمْ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِوَجْهِ هِدايَتِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ «يُمَشُّونَ» بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ تَفْعِيلٌ مِنَ المَشْيِ لِلتَّكْثِيرِ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن إهْلاكِنا لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ العاتِيَةِ، أوْ في مَساكِنِهِمْ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها كَثِيرَةً في عَدَدِها، ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ هَذِهِ الآياتِ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.

السجدة 32:27

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الكَلامَ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ أيِ أعَمُوا ولَمْ يُشاهِدُوا ﴿أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ بِسَوْقِ السَّحابِ الحامِلِ لَهُ، وقِيلَ: نَسُوقُ نَفْسَ الماءِ بِالسُّيُولِ، وقِيلَ: بِإجْرائِهِ في الأنْهارِ، ومِنَ العُيُونِ ﴿إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أيِ الَّتِي جُرِزَ نَباتُها، أيْ قُطِعَ إمّا لِعَدَمِ الماءِ وإمّا لِأنَّهُ رَعْيٌ وأُزِيلَ كَما في الكَشّافِ. وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: الأرْضُ الجُرُزُ اليابِسَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها نَباتٌ لِانْقِطاعِ الأمْطارِ عَنْها مِن قَوْلِهِمْ: سَيْفٌ جَرّازٌ، أيْ قَطّاعٌ لا يُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَهُ، وناقَةٌ جَرّازٌ إذا كانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَتْهُ بِفِيها، ورَجُلٌ جَرُوزٌ أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى وقالَ الرّاغِبُ: الجُرُزُ مُنْقَطِعُ النَّباتِ مِن أصْلِهِ، وأرْضٌ مَجْرُوزَةٌ أُكِلَ ما عَلَيْها، وفي مَثَلٍ: لا تَرْضى شانِئَةٌ إلّا بِجَرُوزَةٍ، أيْ بِالِاسْتِئْصالِ، والجارِزُ الشَّدِيدُ مِنَ السُّعالِ، تُصُوِّرَ مِنهُ مَعْنى الجُرُزِ وهو القَطْعُ بِالسَّيْفِ اهـ، ويُفْهَمُ مِمّا قالَهُ أنَّ الجُرُزَ يُطْلَقُ عَلى ما انْقَطَعَ نَباتُهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ صفحة 140 مِن شَأْنِهِ الإنْباتُ كالسِّباخِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأرْضُ المُتَّصِفَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أيُّ أرْضٍ كانَتْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّها قُرًى بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ. وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أرْضٌ بِاليَمَنِ، وإلى عَدَمِ التَّعْيِينِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، أخْرَجَ عَنْهُ جَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: الأرْضُ الجُرُزُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ، وهي أبْيَنُ ونَحْوُها مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ «الجُرْزِ» بِسُكُونِ الرّاءِ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلْماءِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ السَّلَفِ الصّالِحِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: المُرادُ فَنُخْرِجُ عِنْدَهُ، والزَّرْعُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وعُبِّرَ بِهِ عَنِ المَزْرُوعِ، والمُرادُ بِهِ ما يَخْرُجُ بِالمَطَرِ مُطْلَقًا، فَيَشْمَلُ الشَّجَرَ وغَيْرَهُ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿تَأْكُلُ مِنهُ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ ﴿أنْعامُهُمْ﴾ كالتِّبْنِ والقَصِيلِ والوَرَقِ، وبَعْضِ الحُبُوبِ المَخْصُوصَةِ بِها، ﴿وأنْفُسُهُمْ﴾ كالبُقُولِ والحُبُوبِ الَّتِي يَقْتاتُها الإنْسانُ، وفي البَحْرِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّرْعِ النَّباتُ المَعْرُوفُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّباتُ مُطْلَقًا، وقَدَّمَ الأنْعامَ لِأنَّ انْتِفاعَها مَقْصُورٌ عَلى ذَلِكَ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ، ولِأنَّ أكْلَها مِنهُ مُقَدَّمٌ لِأنَّها تَأْكُلُهُ قَبْلَ أنْ يُثْمِرَ، ويُخْرِجَ سُنْبُلَهُ، وقِيلَ: لِيَتَرَقّى مِنَ الأدْنى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ «يَأْكُلُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ ألا يُبْصِرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُعِلَتِ الفاصِلَةُ هُنا ( يُبْصِرُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَرْئِيٌّ وفِيما قَبْلَهُ ( يَسْمَعُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، وقِيلَ: تَرَقِّيًا إلى الأعْلى في الِاتِّعاظِ مُبالَغَةً في التَّذْكِيرِ، ورَفْعِ العُذْرِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «تُبْصِرُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ.

السجدة 32:28

﴿ويَقُولُونَ﴾ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ أيِ الفَصْلُ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَكم وبَيْنَنا، وكَأنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقِيلَ: أيِ النَّصْرُ عَلَيْنا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ لَنا يَوْمًا يُوشِكُ أنْ نَسْتَرِيحَ فِيهِ، ونَنْتَقِمَ فِيهِ فَقالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الفَتْحُ إلَخْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو يَفْصِلُ بَيْنَ المُحِقِّينَ والمُبْطِلِينَ، وقِيلَ: في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُكم عَلَيْنا.

السجدة 32:29

﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يَوْمُ الفَتْحِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو كَما في البَحْرِ: مَنصُوبٌ (بِلا يَنْفَعُ)، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا إمّا أُولَئِكَ القائِلُونَ المُسْتَهْزِءُونَ، فالإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَسْجِيلِ كُفْرِهِمْ، وبَيانِ عِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وحِينَئِذٍ يُعْلَمُ حُكْمُ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا هم يُنْظَرُونَ ) اسْتِمْرارُ النَّفْيِ الظّاهِرِ أنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( لا يَنْفَعُ ) إلَخْ، والقَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيها، وظاهِرُ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الجَوابَ بِتَعْيِينِ اليَوْمِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ غَرَضُهم في السُّؤالِ عَنْ وقْتِ الفَتْحِ اسْتِعْجالًا مِنهم عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ أُجِيبُوا عَلى حَسَبِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ، ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنِّي بِكُمْ، وقَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وآمَنتُمْ فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ واسْتَنْظَرْتُمْ في إدْراكِ العَذابِ فَلَمْ تُنْظَرُوا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ صفحة 141 هَذا، وتَفْسِيرُ ﴿يَوْمَ الفَتْحِ﴾ بِيَوْمِ القِيامَةِ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ الفَصْلُ لِلْخُصُومَةِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ولا يَكادُ يَتَسَنّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ النَّصْرُ عَلى أُولَئِكَ القائِلِينَ إذا كانُوا عانِينَ بِهِ النَّصْرَ والغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا كَما هو ظاهِرٌ مِمّا سَمِعْتَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَلَيْهِ قِيلَ: المُرادُ بِيَوْمِ الفَتْحِ يَوْمُ بَدْرٍ، أخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، واسْتَشْكَلَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ مِنَ الكافِرِ يَوْمَئِذٍ مَعَ أنَّهُ آمَنَ ناسٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقُبِلَ مِنهُمْ، وكَذا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأُجِيبَ بِأنَّ المَوْصُولَ عَلى كُلٍّ مِنهُما عِبارَةٌ عَنِ المَقْتُولِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الكُفْرِ، فَمَعْنى (لا يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ) أنَّهم لا إيمانَ لَهم حَتّى يَنْفَعَهُمْ، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ. سَواءٌ أُرِيدَ بِهِمْ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ اسْتَهْزَؤُوا أمْ لا، وسَواءٌ عُطِفَ قَوْلُهُ تَعالى: ( ولا هم يُنْظَرُونَ ) عَلى المُقَيَّدِ، أوْ عَلى المَجْمُوعِ فَتَأمَّلْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا كَوْنُ يَوْمِ الفَتْحِ يَوْمَ بَدْرٍ بَعِيدٌ عَنْ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، وكَذا كَوْنُهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ويُبْعِدُ هَذا أيْضًا قِلَّةُ المَقْتُولِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ جِدًّا، تَدَبَّرْ.

السجدة 32:30

﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، واسْتِهْزائِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ الإعْراضُ عَنْ مُناظَرَتِهِمْ لِعَدَمِ نَفْعِها، أوْ تَخْصِيصُهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ النَّسْخُ. ﴿وانْتَظِرْ﴾ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ وهَلاكَهُمْ، ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: أيِ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التَّوْبَةُ: 52]، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ هَلاكَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ الآيَةَ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: وانْتَظِرْ عَذابَنا لَهم إنَّهم مُنْتَظِرُونَ أيْ هَذا حُكْمُهُمْ، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ، فَإنَّ اسْتِعْجالَهُمُ المَذْكُورَ وعُكُوفَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي في حُكْمِ انْتِظارِهِمُ العَذابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، وقَرَأ اليَمانِيُّ «مُنْتَظِرُونَ» بِفَتْحِ الظّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى مَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهُمْ، أوْ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَنْتَظِرُونَهُ، والمُرادُ أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ هَذا. * * * «ومِن بابِ الإشارَةِ» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى الأسْبابِ، والِاعْتِمادُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَدْبِيرَ العِبادِ عِنْدَ تَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ لا أثَرَ لَهُ، فَطُوبى لِمَن رُزِقَ الرِّضا، بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَغْنى عَنْ تَدْبِيرِهِ، ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْتَقْبِحَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ حُكِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَصَقَ عَلى كَلْبٍ أجْرَبَ، فَأنْطَقَ اللَّهُ تَعالى الكَلْبَ فَقالَ: يا نُوحُ أعِبْتَنِي أمْ عِبْتَ خالِقِي، فَناحَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ زَمانًا طَوِيلًا. فالأشْياءُ كُلُّها حَسَنَةٌ كُلٌّ في بابِهِ والتَّفاوُتُ إضافِيٌّ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ﴾ إلَخْ، إشارَةٌ إلى التَّنَقُّلِ في أطْوارِ الحُسْنِ والعُرُوجِ في مَعارِجِهِ فَكَمْ بَيْنَ الطِّينِ والإنْسانِ السَّمِيعِ البَصِيرِ العالِمِ فَإنَّ الإنْسانَ مِشْكاةُ أنْوارِ الذّاتِ والصِّفاتِ، والطِّينُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَلا شَيْءٍ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ صفحة 142 وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى حالِ كامِلِي الإيمانِ، وعُلُوِّ شَأْنِ السُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّواضُعِ لِعَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إشارَةٌ إلى سَهَرِهِمْ في مُناجاةِ مَحْبُوبِهِمْ، ومُلاحَظَةِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ مِنَ المَعارِفِ وأنْواعِ الفَيُوضاتِ، ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِهِمْ لِلْغَيْرِ بَعْدَ كَمالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ القَوْمُ أنَّ العَذابَ الأدْنى الحِرْصُ عَلى الدُّنْيا، والعَذابَ الأكْبَرَ العَذابُ عَلى ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوَّلُ التَّعَبُ في طَلَبِ الدُّنْيا، والثّانِي شَتاتُ السِّرِّ، وقِيلَ: الأوَّلُ حِرْمانُ المَعْرِفَةِ، والثّانِي الِاحْتِجابُ عَنْ مُشاهَدَةِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: الأوَّلُ الهَوانُ والثّانِي الخِذْلانُ، ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرْشِدُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ، وهو الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ العِباداتِ، وأنْواعِ البَلِيّاتِ، وحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ مَلاذِّ الشَّهَواتِ، والإيقانُ بِالآياتِ، فَمَن يَدَّعِي الإرْشادَ وهو غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِما ذُكِرَ فَهو ضالٌّ مُضَلَّلٌ، ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنِ المُنْكِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالعارِفِينَ، والسّالِكِينَ إذا لَمْ يَنْجَعْ فِيهِمُ الإرْشادُ والنَّصِيحَةُ، وإلى أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، فَإنَّ الإنْكارَ الَّذِي لا يُعْذَرُ صاحِبُهُ سُمٌّ قاتِلٌ وسَهْمٌ هَدَفُهُ المُقاتِلُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الأحزاب 33:1

سُورَةُ الأحْزابِ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وهي ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: بِالإجْماعِ، وقالَ الدّانِيُّ: هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، والطَّيالِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، وآخَرُونَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، كائِنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ، أوْ كائِنْ تَعُدُّها؟ قُلْتُ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ: اقْطَعْ، لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لِتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها «الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، وأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ النَّسْخَ، وأمّا كَوْنُ الزِّيادَةِ كانَتْ في صَحِيفَةٍ عِنْدَ عائِشَةَ فَأكَلَها الدّاجِنُ، فَمِن وضْعِ المَلاحِدَةِ وكَذِبِهم في أنَّ ذَلِكَ ضاعَ بِأكْلِ الدّاجِنِ مِن غَيْرِ نَسْخٍ، كَذا في الكَشّافِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِائَتَيْ آيَةٍ فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ المَصاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ، وهو ظاهِرٌ في الضَّياعِ مِنَ القُرْآنِ، ومُقْتَضى ما سَمِعْتُ أنَّهُ مَوْضُوعٌ، والحَقُّ أنَّ كُلَّ خَبَرٍ ظاهِرُهُ ضَياعُ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ، إمّا مَوْضُوعٌ أوْ مُؤَوَّلٌ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيِّ تَشابُهُ مَطْلَعِ هَذِهِ، ومَقْطَعِ تِلْكَ، فَإنَّ تِلْكَ خُتِمَتْ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالإعْراضِ عَنِ الكافِرِينَ وانْتِظارِ عَذابِهِمْ، وهَذِهِ بَدَأتْ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّقْوى، وعَدَمِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، واتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ناداهُ جَلَّ وعَلا بِوَصْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ صفحة 143 والسَّلامُ دُونَ اسْمِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَفْخِيمًا، قالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَ نِداءَهُ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالوَصْفِ كَرامَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَشْرِيفًا ورَبْأً بِمَحَلِّهِ، وتَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ، وأوْقَعَ اسْمَهُ في الإخْبارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفَتْحُ: 29]، ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 144] لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وتَلْقِينٌ لَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ، ويَدْعُوهُ بِهِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ النِّداءِ والإخْبارِ، ألا تَرى إلى ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعْلِيمُ والتَّلْقِينُ مِنَ الإخْبارِ، كَيْفَ ذَكَرَهُ تَعالى بِنَحْوِ ما ذَكَرَهُ في النِّداءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التَّوْبَةُ: 128]، ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ﴾ [الفُرْقانُ: 30]، ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحْزابُ: 6] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ أمْرَ التَّعْلِيمِ والتَّلْقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ظاهِرٌ أمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ فَلا، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ [مُحَمَّدٌ: 2]، يَنْقُضُ ما بَناهُ، نَعَمِ النِّداءُ يُناسِبُ التَّعْظِيمَ، ورُبَّما يَكُونُ نِداءُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُتُبِهِمْ أيْضًا عَلى نَحْوٍ مِنهُ، وحُكِيَ في القُرْآنِ بِأسْمائِهِمْ دَفْعًا لِلْإلْباسِ، والأشْبَهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّ ذِكْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْمِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ شَأْنًا صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ. واخْتارَ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ أنَّ النِّداءَ المَذْكُورَ هُنا لِلِاحْتِراسِ، وجَبْرِ ما يُوهِمُهُ الأمْرُ، والنَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةُ: 43]، وظاهِرُ سِياقِ ما بَعْدُ أنَّ المَعْنِيَّ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لا أُمَّتُهُ، كَما قِيلَ في نَظائِرِهِ، والمَقْصُودُ الدَّوامُ، والثَّباتُ عَلَيْها، وقِيلَ: الِازْدِيادُ مِنها، فَإنَّ لَها بابًا واسِعًا وعَرْضًا عَرِيضًا لا يُنال مَداهُ، ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيِ المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ، ﴿والمُنافِقِينَ﴾ المُضْمِرِينَ لِذَلِكَ فِيما يُرِيدُونَ مِنَ الباطِلِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ دَعَوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ عَلى أنْ يُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، وخَوَّفَهُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ قَتَلُوهُ فَنَزَلَتْ،» وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ بِغَيْرِ إسْنادٍ: «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في زَمانِ المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَهُمْ، وقامَ مَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ، وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ فَنَزَلَتْ،» وقِيلَ: «نَزَلَتْ في ناسٍ مِن ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَطَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُمَتِّعَهم بِاللّاتِ والعُزّى سَنَةً قالُوا: لِتَعْلَمَ قُرَيْشٌ مَنزِلَتَنا مِنكَ،» ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنَّهْيِ الثَّباتَ عَلى عَدَمِ الإطاعَةِ، وذِكْرُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّقْوى المُرادُ مِنهُ الثَّباتُ عَلَيْها عَلى ما قِيلَ مِن قَبِيلِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاهْتِمامَ بِهِ، وقِيلَ: مِن قَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ كُلٍّ مِنَ التَّقْوى والإطاعَةِ مُغايِرٌ لِلْآخَرِ عَلى ما رَوى الواحِدِيُّ، والثَّعْلَبِيُّ، والمَعْنى: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى في نَقْضِ العَهْدِ ونَبْذِ المُوادَعَةِ، ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا مِنكَ مِن رَفْضِ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ، وقَوْلِكَ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، وكَأنَّهُ إنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في نَقْضِ العَهْدِ لِما أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ هَمُّوا بِما يَقْتَضِيهِ بِخِلافِ الإطاعَةِ المَنهِيِّ عَنْها، فَإنَّها مِمّا لَمْ يَهُمَّ بِما يَقْتَضِيها أحَدٌ أصْلًا، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِالأمْرِ أتَمَّ مِنَ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ النَّهْيِ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَيَعْلَمُ الأشْياءَ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ فَلا يَأْمُرُكَ إلّا بِما فِيهِ صفحة 144 مَصْلَحَةٌ، ولا يَنْهاكَ إلّا عَمّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ ولا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، مُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِها. وقِيلَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، فَيُجازِيهِ بِما يَلِيقُ بِهِ، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ، فالجُمْلَةُ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

الأحزاب 33:2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَبِيلِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، أيِ اتَّبِعْ في كُلِّ ما تَأْتِي، وتَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ الآمِرَةُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى النّاهِيَةُ عَنْ إطاعَةِ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّما جاءَ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى﴾ إلَخِ، اتَّبِعْ أنْتَ وأصْحابُكَ وقِيلَ: لِلْغائِبِينَ مِنَ الكَفَرَةِ المُنافِقِينَ، وبِطَرِيقِ الِالتِفاتِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ. نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْكُلِّ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّغْلِيبِ، وأيًّا ما كانَ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ لِمُوجَبِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى الأوَّلِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ بِما تَعْمَلُ، فَيُرْشِدُكَ إلى ما فِيهِ الصَّلاحُ، فَلا بُدَّ مِنَ اتِّباعِ الوَحْيِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ حَتْمًا، وعَلى الثّانِي أنَّ اللَّهَ تَعالى خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُ الكَفَرَةُ والمُنافِقُونَ مِنَ الكَيْدِ، والمَكْرِ، فَيَأْمُرُكَ سُبْحانَهُ بِما يَدْفَعُهُ، فَلا بُدَّ مِنَ اتِّباعِ ما يُوحِيهِ جَلَّ وعَلا إلَيْكَ، وعَلى الثّالِثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُ، ويَعْمَلُ الكَفَرَةُ، والمُنافِقُونَ، فَيُرْشِدُكَ إلى ما فِيهِ صَلاحُ حالِكَ ويُطْلِعُكَ عَلى كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، ويَأْمُرُكَ جَلَّ شَأْنُهُ بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرُدُّهُ، فَلا بُدَّ مِنَ اتِّباعِ وحْيِهِ تَعالى والعَمَلِ بِمُوجَبِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يَعْمَلُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ عامًّا فَلا تَغْفُلْ.

الأحزاب 33:3

﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ فَوِّضْ جَمِيعَ أُمُورِكَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ حافِظًا مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلُّ الأُمُورِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّعْظِيمِ، ولِتَسْتَقِلَّ الجُمْلَةُ اسْتِقْلالَ المَثَلِ.

الأحزاب 33:4

﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قامَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكُمْ، وقَلْبًا مَعَهُمْ، فَنَزَلَتْ،» وفي رِوايَةٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَأكْثَرُوا، فَقالُوا: إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ألَمْ تَسْمَعُوا إلى قَوْلِهِ، وكَلامِهِ في الصَّلاةِ، إنَّ لَهُ قَلْبًا مَعَكُمْ، وقَلْبًا مَعَ أصْحابِهِ، فَنَزَلَتْ،» وقالَ مُقاتِلٌ في تَفْسِيرِهِ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي زِيادٍ الشّامِيُّ، وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في أبِي مَعْمَرٍ الفِهْرِيِّ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: لَهُ قَلْبانِ مِن قُوَّةِ حِفْظِهِ، وكانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ أنَّ كُلَّ لَبِيبٍ أرِيبٍ لَهُ قَلْبانِ حَقِيقَةً، وأبُو مَعْمَرٍ هَذا اشْتُهِرَ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِذِي القَلْبَيْنِ، وهو عَلى ما في الإصابَةِ جَمِيلُ بْنُ أُسَيْدٍ مُصَغَّرُ الأسَدِ، وقِيلَ: ابْنُ أسَدٍ مُكَبَّرًا، وسَمّاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ وهْبٍ، وقِيلَ: إنَّ ذا القَلْبَيْنِ هو جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ جُمَحَ الجُمَحِيُّ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (وكَيْفَ ثُوائِي البَيْتَ)، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ، والمُعَوَّلُ عَلى ما في الإصابَةِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ لِي قَلْبَيْنِ، أفْهَمُ بِأحَدِهِما صفحة 145 أكْثَرَ مِمّا يَفْهَمُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَرُوِيَ أنَّهُ انْهَزَمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَرَّ بِأبِي سُفْيانَ وهو مُعَلِّقٌ إحْدى نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ والأُخْرى في رِجْلِهِ، فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: ما فَعَلَ النّاسُ؟ فَقالَ: هم ما بَيْنَ مَقْتُولٍ وهارِبٍ، فَقالَ لَهُ: ما بالُ إحْدى نَعْلَيْكَ في رِجْلِكَ والأُخْرى في يَدِكَ؟ فَقالَ: ما ظَنَنْتُ إلّا أنَّهُما في رِجْلِي، فَأكْذَبَ اللَّهَ تَعالى قَوْلَهُ وقَوْلَهم. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ جَماعَةٌ يَقُولُ الواحِدُ مِنهُمْ: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي، ونَفْسٌ تَنْهانِي، فَنَزَلَتْ، والجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ، ومِن سَيْفِ خَطِيبٍ، والمُرادُ ما خَلَقَ سُبْحانَهُ لِأحَدٍ، أوْ لِذِي قَلْبٍ مِنَ الحَيَوانِ مُطْلَقًا قَلْبَيْنِ، فَخُصُوصُ الرَّجُلِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِكَمالِ لُزُومِ الحَياةِ فِيهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنَ الإناثِ، وأمّا الصِّبْيانُ فَمَآلُهم إلى الرُّجُولِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، والتَّصْوِيرِ كالقُلُوبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحَجُّ: 46]، وذُكِرَ في بَيانِ عَدَمِ جَعْلِهِ تَعالى قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ بِناءً عَلى ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّ المُرادَ بِالقَلْبِ المُضْغَةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ وكَذا الحَيَوانِيَّةُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، ومُتَعَلِّقُها هو الرُّوحُ، وهو جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ، يَتَكَوَّنُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الأغْذِيَةِ، لِأنَّ شَدَّ الأعْصابِ يُبْطِلُ قُوى الحِسِّ والحَرَكَةِ عَمّا وراءَ مَوْضِعِ الشَّدِّ مِمّا لا يَلِي جِهَةَ الدِّماغِ، والشَّدُّ لا يَمْنَعُ إلّا نُفُوذَ الأجْسامِ، والتَّجارِبُ الطِّبِّيَّةُ أيْضًا شاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وحَيْثُ إنَّ النَّفْسَ واحِدَةٌ فَلا بُدَّ مِن عُضْوٍ واحِدٍ يَكُونُ تَعَلُّقُها بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِسائِرِ الأعْضاءِ بِواسِطَتِهِ. وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ أوَّلَ عُضْوٍ يُخْلَقُ هو القَلْبُ، فَإنَّهُ المَجْمَعُ لِلرُّوحِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعَلُّقُ أوَّلًا بِهِ، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ بِالدِّماغِ والكَبِدِ، وبِسائِرِ الأعْضاءِ، فَمَنبَعُ القُوى بِأسْرِها مِنهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ إذْ لَوْ تَعَدَّدَ بِأنْ كانَ هُناكَ قَلْبانِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما أصْلًا لِلْقُوى، وغَيْرَ أصْلٍ لَها، أوْ تَوارُدَ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ، ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أنَّ هَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى مُقَدِّماتٍ لا تَكادُ تَثْبُتُ عِنْدَ أكْثَرِ الإسْلامِيِّينَ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ والخَلَفِ المُتَأخِّرِينَ، ولَوْ بِشِقِّ الأنْفُسِ، أمْرٌ إقْناعِيٌّ لا بُرْهانٌ قَطْعِيٌّ، عَلى أنَّ لِلْفَلْسَفِيِّ أيْضًا لَهُ فِيهِ مَقالًا، وقَدْ يُفَسَّرُ القَلْبُ بِالنَّفْسِ بِناءً عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ إطْلاقًا لِلْمُتَعَلِّقِ عَلى المُتَعَلَّقِ، وقَدْ بَيَّنُوا وحْدَةَ النَّفْسِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ نَفْسانِ فَأكْثَرُ بِبَدَنٍ بِما يَطُولُ ذِكْرُهُ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ فَلْيُراجَعْ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ بِناءً عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما ذُكِرَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، بَلْ يَجُوزُ تَفْسِيرُ القَلْبِ عَلَيْهِ بِما هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ أيْضًا، وحَيْثُ إنَّ القَلْبَ مُتَعَلَّقُ النَّفْسِ يَكُونُ نَفْيُ جَعْلِ القَلْبَيْنِ دالًّا عَلى نَفْيِ جَعْلِ النَّفْسَيْنِ، فَتَدَبَّرْ. ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ إبْطالٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن إجْراءِ أحْكامِ الأُمُومَةِ عَلى المُظاهِرِ مِنها، والظِّهارُ لُغَةً مَصْدَرُ ظاهَرَ، وهو مُفاعَلَةٌ مِنَ الظَّهْرِ، ويُسْتَعْمَلُ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ راجِعَةٍ إلَيْهِ مَعْنًى ولَفْظًا بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأغْراضِ، فَيُقالُ: ظاهَرْتُهُ إذا قابَلْتَ ظَهْرَكَ بِظَهْرِهِ حَقِيقَةً، وكَذا إذا غايَظْتَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُغايَظَةَ تَقْتَضِي هَذِهِ المُقابَلَةَ، وظاهَرْتُهُ إذا نَصَرْتَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُقالُ: قَوّى ظَهْرَهُ إذا نَصَرَهُ، وظاهَرْتُ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ إذا لَبِسْتَ أحَدَهُما فَوْقَ الآخَرِ عَلى اعْتِبارِ جَعْلِ ما يَلِي بِهِ كُلُّ مِنهُما الآخَرَ ظَهْرًا لِلثَّوْبِ، ويُقالُ: ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ إذا قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِ، نَظِيرَ لَبّى إذا قالَ لَبَّيْكَ، وأفَّفَ: إذا قالَ أُفٍّ، وكَوْنُ لَفْظِ الظَّهْرِ في بَعْضِ هَذِهِ التَّراكِيبِ مَجازًا لا يَمْنَعُ الِاشْتِقاقَ مِنهُ ويَكُونُ المُشْتَقُّ مَجازًا أيْضًا، والمُرادُ مِنهُ هُنا المَعْنى الأخِيرُ، وكانَ ذَلِكَ طَلاقًا مِنهم. وإنَّما عُدِّيَ بِمِن، مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّباعُدِ، ونَحْوِهِ مِمّا فِيهِ مَعْنى المُجانَبَةِ، ويَتَعَدّى بِمِن، والظَّهْرُ في ذَلِكَ مَجازٌ عَلى ما قِيلَ عَنِ البَطْنِ، لِأنَّهُ إنَّما يُرْكَبُ البَطْنُ، فَقَوْلُهُ: كَظَهْرِ أُمِّي بِمَعْنى كَبَطْنِها، بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ، ولِأنَّهُ صفحة 146 عَمُودُهُ، قالَ ابْنُ الهُمامِ: لَكِنْ لا يَظْهَرُ ما هو الصّارِفُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِنَ النِّكاتِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ ما مَعْناهُ: خَصُّوا الظَّهْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ، والمَرْأةُ تُرْكَبُ إذا غُشِيَتْ، فَهو كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ انْتَقَلَ مِنَ الظَّهْرِ إلى المَرْكُوبِ، ومِنهُ إلى المَغْشِيِّ، والمَعْنى: أنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ لا تُرْكَبِينَ كَما لا يُرْكَبُ ظَهْرُ الأُمَّ، وقِيلَ: خَصَّ الظَّهْرَ لِأنَّ إتْيانَ المَرْأةِ مِن ظَهْرِها في قُبُلِها كانَ حَرامًا عِنْدَهُمْ، فَإتْيانُ أُمِّهِ مِن ظَهْرِها أحْرَمُ فَكَثُرَ التَّغْلِيظُ، وقِيلَ: كَنَّوْا بِالظَّهْرِ عَنِ البَطْنِ، لِأنَّهم يَسْتَقْبِحُونَ ذِكْرَ الفَرْجِ وما يَقْرُبُ مِنهُ سِيَّما في الأُمِّ، وما شابَهَ بِها، ولَيْسَ بِذاكَ، وهو في الشَّرْعِ تَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ، أوْ جُزْءٍ مِنها شائِعٌ أوْ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنِ الكُلِّ بِما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمَةِ عَلى التَّأْيِيدِ، ولَوْ بِرَضاعٍ، أوْ صِهْرِيَّةٍ، وزادَ في النِّهايَةِ قَيْدَ الِاتِّفاقِ لِيَخْرُجَ التَّشْبِيهُ بِما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتُلِفَ في تَحْرِيمِها كالبِنْتِ مِنَ الزِّنا، وتَحْقِيقُ الحَقِّ في ذَلِكَ في فَتْحِ القَدِيرِ، وخُصَّ بِاسْمِ الظِّهارِ تَغْلِيبًا لِلظَّهْرِ، لِأنَّهُ كانَ الأصْلُ في اسْتِعْمالِهِمْ، وشَرْطُهُ في المَرْأةِ كَوْنُها زَوْجَةً، وفي الرَّجُلِ كَوْنُهُ مِن أهْلِ الكَفّارَةِ، ورُكْنُهُ اللَّفْظُ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ التَّشْبِيهِ، وحُكْمُهُ حُرْمَةُ الوَطْءِ، ودَواعِيهِ إلى وُجُودِ الكَفّارَةِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ. وقَرَأ قالُونَ، وقُنْبُلٌ هُنا، وفي المُجادَلَةِ والطَّلاقِ «اللّاءِ» بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ ياءٍ، ووَرْشٌ بِياءٍ مُخْتَلَسَةِ الكَسْرَةِ، والبَزِّيُّ، وأبُو عَمْرٍو «اللّاي» بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ «تَظاهَرُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرُونَ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «تَظّاهَرُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ، وأصْلُهُ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهُ أُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الظّاءِ.. وقَرَأ الحَسَنُ «تُظَهِّرُونَ» بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الظّاءِ المُخَفَّفَةِ، وشَدِّ الهاءِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ ظَهَّرَ، بِتَشْدِيدِ الهاءِ بِمَعْنى ظاهَرَ، كَعَقَدَ بِمَعْنى عاقَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ «تَظْهِرُونَ» بِضَمِّ التّاءِ، وسُكُونِ الظّاءِ، وكَسْرِ الهاءِ مُضارِعُ أظْهَرَ، وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَظْهَرُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ، والهاءِ، وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعُ ظَهَرَ بِتَخْفِيفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: «تَتَظَهَّرُونَ» بِتاءَيْنِ، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ. ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ إبْطالٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ أيْضًا وصَدْرٍ مِنَ الإسْلامِ مِن أنَّهُ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ أُجْرِيَتْ أحْكامُ البُنُوَّةِ عَلَيْهِ، وقَدْ تَبَنّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ البَعْثَةِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، والخَطّابُ عامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبُو حُذَيْفَةَ مَوْلاهُ سالِمًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ﴾ إلَخْ، نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. و«أدْعِياءُ» جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يُدْعى ابْنًا، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقِياسُهُ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعْلى كَجَرِيحٍ وجَرْحى لا عَلى أفْعِلاءَ، فَإنَّ الجَمِيعَ عَلَيْهِ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَتَقِيٍّ، وأتْقِياءَ، فَكَأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ في اللَّفْظِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ، وجُمِعَ جَمْعَهُ كَما قالُوا في أسِيرٍ وقَتِيلٍ أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الجَمْعَ مَقِيسٌ في المُعْتَلِّ مُطْلَقًا، وفِيهِ نَظَرٌ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ قِيلَ: إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مِن أنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَلْبانِ في جَوْفٍ، والظِّهارِ والِادِّعاءِ، وقِيلَ: إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الأخِيرَتَيْنِ، وقِيلَ: إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الأخِيرَةِ، ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِصْداقٌ وحَقِيقَةٌ في الواقِعِ، ونَفْسِ الأمْرِ، فَإذَنْ هو بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ، أوِ اسْتِتْباعِ الأحْكامِ كَما زَعَمْتُمْ. صفحة 147 ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ الثّابِتَ المُحَقَّقَ في نَفْسِ الأمْرِ، ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ سَبِيلَ الحَقِّ فَدَعُوا قَوْلَكم وخُذُوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ قَتادَةُ عَلى ما في البَحْرِ «يُهْدِي» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ قَرَأ «وهُوَ الَّذِي يَهْدِي السَّبِيلَ» .

الأحزاب 33:5

﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ أيِ انْسُبُوهم إلَيْهِمْ وخُصُّوهم بِهِمْ. أخْرَجَ الشَّيْخانِ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ إلَخْ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ». وكانَ مِن أمْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ كانَ في أخْوالِهِ بَنِي مَعْنٍ مِن بَنِي ثَعْلٍ مِن طَيٍّ، فَأُصِيبَ في نَهْبٍ مِن طَيٍّ، فَقُدِمَ بِهِ سُوقُ عُكاظَ، وانْطَلَقَ حَكِيمِ بْنِ حِزامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ إلى عُكاظَ يَتَسَوَّقُ بِها فَأوْصَتْهُ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ أنْ يَبْتاعَ لَها غُلامًا ظَرِيفًا عَرَبِيًّا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَلَمّا قَدِمَ وجَدَ زَيْدًا يُباعُ فِيها، فَأعْجَبَهُ ظُرْفُهُ فابْتاعَهُ فَقَدِمَ بِهِ عَلَيْها، وقالَ لَها: إنِّي قَدِ ابْتَعْتُ لَكِ غُلامًا ظَرِيفًا عَرَبِيًّا، فَإنْ أعْجَبَكِ فَخُذِيهِ وإلّا فَدَعِيهِ، فَإنَّهُ قَدْ أعْجَبَنِي، فَلَمّا رَأتْهُ خَدِيجَةُ أعْجَبَها، فَأخَذَتْهُ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عِنْدَها، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظُرْفُهُ، فاسْتَوْهَبَهُ مِنها، فَقالَتْ: أهَبُهُ لَكَ، فَإنْ أرَدْتَ عِتْقَهُ فالوَلاءُ لِي، فَأبى عَلَيْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأوْهَبَتْهُ لَهُ إنْ شاءَ أعْتَقَ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ، قالَ: فَشَبَّ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ في إبِلٍ لِأبِي طالِبٍ بِأرْضِ الشّامِ فَمَرَّ بِأرْضِ قَوْمِهِ فَعَرَفَهُ عَمُّهُ، فَقامَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن أنْتَ يا غُلامُ؟ قالَ: غُلامٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَ: مِن أنْفُسِهِمْ؟ قالَ: لا، قالَ: فَحُرٌّ أنْتَ أمْ مَمْلُوكٌ؟ قالَ: بَلْ مَمْلُوكٌ، قالَ: لِمَن؟ قالَ: لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ لَهُ: أعَرابِيٌّ أنْتَ أمْ عَجَمِيٌّ؟ قالَ: عَرَبِيٌّ، قالَ: مِمَّنْ أصْلُكَ؟ قالَ: مِن كَلْبٍ، قالَ: مِن أيِّ كَلْبٍ؟ قالَ: مِن بَنِي عَبْدِ وُدٍّ، قالَ: ويْحُكَ ابْنُ مَن أنْتَ؟ قالَ: ابْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ، قالَ: وأيْنَ أُصِبْتَ؟ قالَ: في أخْوالِي، قالَ: ومَن أخْوالُكَ؟ قالَ طَيٌّ، قالَ: ما اسْمُ أُمِّكَ؟ قالَ: سُعْدى، فالتَزَمَهُ وقالَ: ابْنُ حارِثَةَ ودَعا أباهُ، فَقالَ: يا حارِثَةُ هَذا ابْنُكَ، فَأتاهُ حارِثَةُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ عَرَفَهُ، قالَ: كَيْفَ صَنَعَ مَوْلاكَ إلَيْكَ؟ قالَ: يُؤْثِرُنِي عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَرَكِبَ مَعَهُ أبُوهُ، وعَمُّهُ، وأخُوهُ حَتّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ حارِثَةُ: يا مُحَمَّدُ، أنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى، وجِيرانُهُ، وعِنْدَ بَيْتِهِ، تَفُكُّونَ العانِيَ وتُطْعِمُونَ الأسِيرَ، ابْنِي عِنْدَكَ فامْنُنْ عَلَيْنا، وأحْسِنْ إلَيْنا في فِدائِهِ، فَإنَّكَ ابْنُ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وإنّا سَنَرْفَعُ إلَيْكَ في الفِداءِ ما أحْبَبْتَ، فَقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُعْطِيكم خَيْرًا مِن ذَلِكَ، قالُوا: وما هُوَ؟ قالَ: أُخَيِّرُهُ، فَإنِ اخْتارَكم فَخُذُوهُ بِغَيْرِ فِداءٍ، وإنِ اخْتارَنِي فَكُفُّوا عَنْهُ، فَقالَ: جَزاكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا، فَقَدْ أحْسَنْتَ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: يا زَيْدُ، أتَعْرِفُ هَؤُلاءِ؟ قالَ: نَعَمْ، هَذا أبِي وعَمِّي وأخِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَهم مَن قَدْ عَرَفْتَهُمْ، فَإنِ اخْتَرْتَهُمْ، فاذْهَبْ مَعَهُمْ، وإنِ اخْتَرْتَنِي فَأنا مَن تَعْلَمُ، قالَ لَهُ زَيْدٌ: ما أنا بِمُخْتارٍ عَلَيْكَ أحَدًا أبَدًا، أنْتَ مَعِي بِمَكانِ الوالِدِ والعَمِّ، قالَ أبُوهُ وعَمُّهُ: أيا زَيْدُ، أتَخْتارُ العُبُودِيَّةَ؟ قالَ: ما أنا بِمُفارِقٍ هَذا الرَّجُلَ، فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِرْصَهُ عَلَيْهِ قالَ: اشْهَدُوا أنَّهُ حُرٌّ، وأنَّهُ ابْنِي يَرِثُنِي وأرِثُهُ. فَطابَتْ نَفْسُ أبِيهِ وعَمِّهِ لَمّا رَأوْا مِن كَرامَتِهِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يَزَلْ في الجاهِلِيَّةِ يُدْعى زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ فَدُعِيَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ،» وفي بَعْضِ صفحة 148 الرِّواياتِ أنَّ أباهُ سَمِعَ أنَّهُ بِمَكَّةَ فَأتاهُ هو وعَمُّهُ وأخُوهُ، فَكانَ ما كانَ، ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، والضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ ادْعُوا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائِدَةُ: 8]، ( وأقْسَطُ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ قُصِدَ بِهِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا مِنَ القِسْطِ بِمَعْنى العَدْلِ، والمُرادُ بِهِ البالِغُ في الصِّدْقِ، فانْدَفَعَ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي ذِكْرَ الصِّدْقِ لا العَدْلِ، أيْ دُعاؤُكم إيّاهم لِآبائِهِمْ بالِغٌ في العَدْلِ والصِّدْقِ، وزائِدٌ فِيهِ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ عَلى ما هو الشّائِعُ فِيهِ، والمَعْنى أعْدَلُ مِمّا قالُوهُ، ويَكُونُ جَعْلُهُ ذا عَدْلٍ مَعَ أنَّهُ زُورٌ لا عَدْلَ فِيهِ أصْلًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ تَعْرِفُوا ﴿آباءَهُمْ﴾ فَتَنْسُبُوهم إلَيْهِمْ، ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ فَهم إخْوانُكم ﴿فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ أيْ وأوْلِياؤُكم فِيهِ، فادْعُوهم بِالأُخُوَّةِ والمَوْلَوِيَّةِ بِتَأْوِيلِهِما بِالأُخُوَّةِ والوَلايَةِ في الدِّينِ، وبِهَذا المَعْنى قِيلَ لِسالِمٍ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ: مَوْلى حُذَيْفَةَ، وكانَ قَدْ تَبَنّاهُ قَبْلُ، وقِيلَ: ( مَوالِيكم ) أيْ بَنُو أعْمامِكُمْ، وقِيلَ: مُعْتِقُوكُمْ، ومُحَرِّرُوكُمْ، وكَأنَّ دُعاءَهم بِذَلِكَ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ، ولِذا لَمْ يُؤْمَرْ بِدُعائِهِمْ بِأسْمائِهِمْ فَقَطْ. ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ إثْمٌ ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ جاهِلِينَ قَبْلَ النَّهْيِ، ﴿ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ ولَكِنَّ الجُناحَ والإثْمَ فِيما تَعَمَّدْتُمُوهُ بَعْدَ النَّهْيِ عَلى أنَّ (ما) في مَحَلِّ الجَرِّ عَطْفًا عَلى ما مِن ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْطُوفَ المَجْرُورَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، ولِذا قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ما مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ ذَلِكَ، ولا أخِيهِ: إنَّهُ حُذِفَ المُضافُ مِن جِهَةِ المَعْطُوفِ، وأُبْقِيَ المُضافُ إلَيْهِ عَلى إعْرابِهِ، والأصْلُ: ولا مِثْلُ أخِيهِ، لِيَكُونَ العَطْفُ عَلى المَرْفُوعِ. وأُجِيبَ بِالفَرْقِ بَيْنَ (ما) هُنا، والمِثالِ، وأنْ لا فَصْلَ فِيهِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ هو المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ أعْنِي ما تَعَمَّدَتْ عَلى مِثْلِهِ أعْنِي ما أخْطَأْتُمْ، أوْ ولَكِنْ ما تَعَمَّدْتُمْ فِيهِ الجُناحَ عَلى أنَّ (ما) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ، ونِسْبَةُ التَّعَمُّدِ إلى القُلُوبِ عَلى حَدِّ النِّسْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَةُ: 238]، وكَوْنُ المُرادِ في الأوَّلِ قَبْلَ النَّهْيِ، وفي الثّانِي بَعْدَهُ أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: كِلا الأمْرَيْنِ بَعْدَ النَّهْيِ، والخَطَأُ مُقابِلُ العَمْدِ، والمَعْنى لا إثْمَ عَلَيْكم إذا قُلْتُمْ لِوَلَدِ غَيْرِكم يا بُنَيَّ عَلى سَبِيلِ الخَطَإ، وعَدَمِ التَّعَمُّدِ، كَأنْ سَهَوْتُمْ، أوْ سَبَقَ لِسانُكُمْ، ولَكِنَّ الإثْمَ عَلَيْكم إذا قُلْتُمْ ذَلِكَ مُتَعَمِّدِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ، ولَكِنْ ما تَعَمَّدْتَ وقَصَدْتَ دُعاءَهُ لِغَيْرِ أبِيهِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ إلَخِ، العَفْوُ عَنِ الخَطَإ دُونَ العَمْدِ عَلى طَرِيقِ العُمُومِ. لِحَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنِّي لَسْتُ أخافُ عَلَيْكُمُ الخَطَأ ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكُمُ العَمْدَ»» وحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، والنِّسْيانُ، وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ»» ثُمَّ تَناوَلَ لِعُمُومِهِ خَطَأ التَّبَنِّي وعَمْدَهُ، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرَيِ الخُصُوصِ والعُمُومِ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ تَأْكِيدًا لِامْتِثالِ ما نُدِبُوا إلَيْهِ مَعَ إدْماجِ حُكْمٍ مَقْصُودٍ في نَفْسِهِ، وجَعَلَها بَعْضُهم عَطْفًا مُؤَوَّلًا بِجُمْلَةٍ طَلَبِيَّةٍ عَلى مَعْنى: ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ لَكُمْ، ولا تَدْعُوهم لِأنْفُسِكم مُتَعَمِّدِينَ صفحة 149 فَتَأْثَمُوا عَلى تَقْدِيرِ الخُصُوصِ، وجُمْلَةٍ مُسْتَطْرَدَةٍ عَلى تَقْدِيرِ العُمُومِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وظاهِرُ الآيَةِ حُرْمَةُ تَعَمُّدِ دَعْوَةِ الإنْسانِ لِغَيْرِ أبِيهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ فِيما إذا كانَتِ الدَّعْوَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ كَما يَقُولُ الكَبِيرُ لِلصَّغِيرِ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ: يا ابْنِي، وكَثِيرًا ما يَقَعُ ذَلِكَ، فالظّاهِرُ عَدَمُ الحُرْمَةِ. وفِي حَواشِي الخَفاجِيِّ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ: البُنُوَّةُ وإنْ صَحَّ فِيها التَّأْوِيلُ كالأُخُوَّةِ، لَكِنْ نُهِيَ عَنْها بِالتَّشْبِيهِ بِالكَفَرَةِ والنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ انْتَهى، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهَذا النَّهْيِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ، فَإنَّ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ نَهْيُ التَّحْرِيمِ عَنِ الدَّعْوَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، والأوْلى أنْ يُقالَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ: سَدًّا لِبابِ التَّشْبِيهِ بِالكَفَرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ مِن كَراهَةِ قَوْلِ الشَّخْصِ لِوَلَدِ غَيْرِهِ: يا ابْنِي، حَكاهُ لِي مَن أرْتَضِيهِ عَنْ فَتاوى ابْنِ حَجَرٍ الكُبْرى، وحُكْمِ التَّبَنِّي بِقَوْلِهِ: هو ابْنِي، إنْ كانَ عَبْدًا لِلْقائِلِ العِتْقُ عَلى كُلِّ حالٍ، ولا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ إلّا إذا كانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ، وكانَ بِحَيْثُ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، ولَمْ يُقِرَّ قَبْلَهُ بِنَسَبٍ مِن غَيْرِهِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: لا عِبْرَةَ بِالتَّبَنِّي فَلا يُفِيدُ العِتْقَ، ولا ثُبُوتَ النَّسَبِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ إذا لَمْ يُعْرَفِ الأبُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: يا أخِي، وأنْ يُقالَ: يا مَوْلايَ، في أنَّ كُلًّا مِنهُما مُباحٌ مُطْلَقًا حِينَئِذٍ، لَكِنْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِحُرْمَةِ أنْ يُقالَ لِلْفاسِقِ: يا مَوْلايَ لِخَبَرٍ في ذَلِكَ، وقِيلَ: لِما أنَّ فِيهِ تَعْظِيمَهُ وهو حَرامٌ، ومُقْتَضاهُ أنَّ قَوْلَ: يا أخِي إذا كانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ بِأنْ كانَ مِن جَلِيلِ الشَّأْنِ حَرامٌ أيْضًا، فَلَعَلَّ الدُّعاءَ لِغَيْرِ مَعْرُوفِ الأبِ بِما ذُكِرَ مَخْصُوصٌ بِما إذا لَمْ يَكُنْ فاسِقًا، ودَلِيلُ التَّخْصِيصِ هو دَلِيلُ حُرْمَةِ تَعْظِيمِ الفاسِقِ فَتَدَبَّرْ، وكَذا الظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ في أمْرِ الدَّعْوَةِ بَيْنَ كَوْنِ المَدْعُوِّ ذَكَرًا، وكَوْنِهِ أُنْثى، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلى وُقُوعِ التَّبَنِّي لِلْإناثِ في الجاهِلِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ فَيَغْفِرُ لِلْعامِدِ إذا تابَ ﴿رَحِيمًا﴾ ولِذا رَفَعَ سُبْحانَهُ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ، ويُعْلَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ انْتِسابُ الشَّخْصِ إلى غَيْرِ أبِيهِ، وعَدَّ ذَلِكَ بَعْضُهم مِنَ الكَبائِرِ لِما أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ، فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ»». وأخْرَجَ الشَّيْخانِ أيْضًا: ««مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى، والمَلائِكَةِ، والنّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ صَرْفًا ولا عَدْلًا»» وأخْرَجا أيْضًا: ««لَيْسَ مِن رَجُلٍ ادَّعى لِغَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُ إلّا كَفَرَ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وحَدِيثُهُ حَسَنٌ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَفَرَ مَن تَبَرَّأ مِن نَسَبٍ، وإنْ دَقَّ، أوِ ادَّعى نَسَبًا لا يُعْرَفُ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، هَذا ومُناسَبَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ، لِما قَبْلَهُ أنَّهُ شُرُوعٌ في ذِكْرِ شَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أُمِرَ ﷺ في اتِّباعِهِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ تَعالى وبِالآخَرِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ تَعالى حَقَّ تُقاتِهِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحْزابُ: 48]، حَيْثُ جِيءَ بِهِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ يُؤْمِنُ بِأحَدِهِما ويَكْفُرُ بِالآخَرِ، وإنَّما هو قَلْبٌ واحِدٌ، فَإمّا أنْ يُؤْمِنَ، وإمّا أنْ يَكْفُرَ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ - بِلا تُطِعْ واتَّبِعْ - والمَعْنى أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ اتِّباعَيْنِ مُتَضادَّيْنِ: اتِّباعِ الوَحْيِ والقُرْآنِ، صفحة 150 واتِّباعِ أهْلِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، فَكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِذِكْرِ القَلْبَيْنِ، لِأنَّ الِاتِّباعَ يَصْدُرُ عَنِ الِاعْتِقادِ، وهو مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَكَما لا يُجْمَعُ قَلْبانِ في جَوْفٍ واحِدٍ لا يُجْمَعُ اعْتِقادانِ مُتَضادّانِ في قَلْبٍ واحِدٍ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُشْعِرٌ بِوَحْدَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، وكَفى بِهِ تَعالى وكِيلًا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وحْدَهُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى أنَّ أمْرَ الرَّجُلِ الواحِدِ لا يَنْتَظِمُ ومَعَهُ قَلْبانِ، فَكَيْفَ تَنْتَظِمُ أُمُورُ العالَمِ ولَهُ إلَهانِ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ مَسُوقٌ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ إطاعَةِ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ بِحِكايَةِ أباطِيلِهِمْ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ﴾ إلَخْ، ضَرَبَ مَثَلًا لِلظِّهارِ والتَّبَنِّي، أيْ كَما لا يَكُونُ لِرَجُلٍ قَلْبانِ لا تَكُونُ المُظاهَرَةُ أُمًّا والمُتَبَنّى ابْنًا، وجَعَلَ المَذْكُوراتِ الثَّلاثَ بِجُمْلَتِها مَثَلًا فِيما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وارْتَضى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ هَذا أنْسَبُ لِنَظْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ تَعالى نَسَّقَ المَنفِيّاتِ الثَّلاثِ عَنْ تَرْتِيبٍ واحِدٍ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ذَلِكُمْ﴾ فَذْلَكَةً لَها، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ثُمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى الكُلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ التَّذْيِيلِ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ، شاهِدا صِدْقٍ بِأنَّ الأوَّلَ مَضْرُوبٌ لِلتَّبَنِّي، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا يَجْعَلُونَ الأزْواجَ أُمَّهاتٍ بَلْ كانُوا يَجْعَلُونَ اللَّفْظَ طَلاقًا، فَإدْخالُهُ في قَرْنِ مَسْألَةِ التَّبَنِّي اسْتِطْرادًا هو الوَجْهُ لا أنَّهُ قَوْلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كالأوَّلِ. وانْتَصَرَ الخَفاجِيُّ لِلْجَماعَةِ فَقالَ: لَوْ كانَ مَثَلًا لِلتَّبَنِّي فَقَطْ لَمْ يُفْصَلْ مِنهُ، وكَوْنُ القَلْبَيْنِ لِرَجُلٍ وجَعْلُ المُتَبَنّى ابْنًا في جَمِيعِ الأحْكامِ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا في شَرْعٍ ظاهِرٍ، وكَذا جَعْلُ الأزْواجِ كالأُمَّهاتِ في الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ مُطْلَقًا مِن مُخْتَرَعاتِهِمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَنِدُوا فِيها إلى مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، فَلا حَقِيقَةَ لَهُ أيْضًا، فَما ادَّعاهُ غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِمْ، لا سِيَّما مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما رُوِيَ عَنْهُمُ انْتَهى، ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، وبَيَّنَ الطِّيبِيُّ نَظْمَ الآياتِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ إلى ها هُنا فَقالَ: إنَّ الِاسْتِهْلالَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ الخِطابَ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّنْبِيهِ عَلى أمْرٍ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ لائِحٌ فِيهِ مَعْنى التَّهَيُّجِ والإلْهابِ، ومِن ثَمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ( ولا تُطِعْ ) كَما يُعْطَفُ الخاصُّ عَلى العامِّ، وأرْدَفَ النَّهْيَ بِالأمْرِ عَلى نَحْوِ قَوْلِكَ: لا تُطِعْ مَن يَخْذُلُكَ واتَّبِعْ ناصِرَكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى بِالطَّرْدِ والعَكْسِ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّوَكُّلِ تَشْجِيعًا عَلى مُخالَفَةِ أعْداءِ الدِّينِ والِالتِجاءِ إلى حَرِيمِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى لِيَكْفِيَهُ شُرُورَهُمْ، ثُمَّ عَقَّبَ سُبْحانَهُ كُلًّا مِن تِلْكَ الأوامِرِ عَلى سَبِيلِ التَّتْمِيمِ والتَّذْيِيلِ بِما يُطابِقُهُ، وعَلَّلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَتْمِيمًا لِلِارْتِداعِ أيِ اتَّقِ اللَّهَ فِيما تَأْتِي وتَذَرُ في سِرِّكَ وعَلانِيَتِكَ، لِأنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِالأحْوالِ كُلِّها يَجِبُ أنْ يُحْذَرَ مِن سُخْطِهِ، حَكِيمٌ لا يُحِبُّ مُتابَعَةَ حَبِيبِهِ أعْداءَهُ، وعَلَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَتْمِيمًا أيْضًا أيِ اتَّبِعِ الحَقَّ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ الباطِلَةَ، وآراءَهُمُ الزّائِغَةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ عَمَلَكَ وعَمَلَهم فَيُكافِئُ كُلًّا ما يَسْتَحِقُّهُ، وذَيَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ تَقْرِيرًا وتَوْكِيدًا عَلى مِنوالِ: فُلانٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحَقُّ أبْلَجُ يَعْنِي: مِن حَقِّ مَن يَكُونُ كافِيًا لِكُلِّ الأُمُورِ أنْ تُفَوِّضَ الأُمُورَ إلَيْهِ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وفَصَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ تَنْبِيهًا عَلى بَعْضٍ مِن أباطِيلِهِمْ وتَمَحُّلاتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم قَوْلُكُمْ﴾ إلَخْ، فَذْلَكَةٌ لِتِلْكَ الأقْوالِ آذَنَتْ بِأنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يُحْكَمَ عَلَيْها بِالبُطْلانِ، وحَقِيقٌ بِأنْ يُذَمَّ قائِلُها فَضْلًا عَنْ أنْ يُطاعَ، ثُمَّ وصَلَ تَعالى ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ إلَخْ، عَلى هَذِهِ الفَذْلَكَةِ بِجامِعِ التَّضادِّ عَلى مِنوالِ ما سَبَقَ في ( ولا تُطِعِ واتَّبِعْ )، وفَصَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى:

الأحزاب 33:6

﴿النَّبِيُّ﴾ إلَخْ، وهَلُمَّ جَرّا إلى آخِرِ السُّورَةِ تَفْصِيلًا لِقَوْلِ الحَقِّ والِاهْتِداءِ إلى صفحة 151 السَّبِيلِ القَوِيمِ انْتَهى، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ أحَقُّ وأقْرَبُ إلَيْهِمْ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أوْ أشَدُّ ولايَةً ونُصْرَةً لَهم مِنها، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَأْمُرُهم ولا يَرْضى مِنهم إلّا بِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاحُهم بِخِلافِ النَّفْسِ فَإنَّها إمّا أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، وحالُها ظاهِرٌ أوَّلًا، فَقْدَ تَجْهَلُ بَعْضَ المَصالِحِ، وتَخْفى عَلَيْها بَعْضُ المَنافِعِ، وأُطْلِقَتِ الأوْلَوِيَّةُ لِيُفِيدَ الكَلامُ أوْلَوِيَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ الأُمُورِ، ويُعْلَمَ مِن كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى بِهِمْ مِن كُلٍّ مِنَ النّاسِ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ»» ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الأنْفُسِ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النِّساءُ: 29]، لِأنَّ إفادَةَ الآيَةِ المُدَّعى عَلى الظّاهِرِ ظاهِرَةٌ أيْضًا، وإذا كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذِهِ المَثابَةِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ أنْفَذَ مِن حُكْمِها، وحَقُّهُ آثَرَ لَدَيْهِمْ مِن حُقُوقِها، وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أقْدَمَ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قِيلَ ما رُوِيَ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ فَقالَ أُناسٌ مِنهُمْ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا، فَنَزَلَتْ». ووَجْهُ دِلالَتِها عَلى السَّبَبِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا كانَ أوْلى مِن أنْفُسِهِمْ فَهو أوْلى مِنَ الأبَوَيْنِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، ولا حاجَةَ إلى حَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ عَلى خِلافِ المَعْنى المُتَبادِرِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ مُنَزَّلاتٌ مَنزِلَةَ أُمَّهاتِهِمْ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ، وأمّا فِيما عَدا ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ، والخَلْوَةِ بِهِنَّ وإرْثِهِنَّ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهُنَّ كالأجْنَبِيّاتِ، وفَرَّعَ عَلى هَذا القَسْطَلّانِيُّ في المَواهِبِ: أنَّهُ لا يُقالُ لِبَناتِهِنَّ: أخَواتُ المُؤْمِنِينَ في الأصَحِّ، والطَّبَرْسِيُّ وهو شِيعِيٌّ: أنَّهُ لا يُقالُ لِإخْوانِهِنَّ: أخْوالُ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُسِرُّ حَسْوًا بِارْتِغاءٍ، وفي المَواهِبِ: أنَّ في جَوازِ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ وجْهَيْنِ أشْهَرُهُما المَنعُ، ولِكَوْنِ وجْهِ الشَّبَهِ مَجْمُوعُ ما ذُكِرَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِامْرَأةٍ قالَتْ لَها يا أُمَّهْ: (أنا أُمُّ رِجالِكم لا أُمُّ نِسائِكُمْ) أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْها، ولا يُنافِي هَذا اسْتِحْقاقَ التَّعْظِيمِ مِنهُنَّ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكُمْ، والنِّساءِ)، وعَلَيْهِ يَكُونُ ما ذُكِرَ وجْهَ الشَّبَهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرِّجالِ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النِّساءِ فَهو اسْتِحْقاقُ التَّعْظِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أزْواجِهِ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن طَلَّقَها، ومَن لَمْ يُطَلِّقْها، ورَوى ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ، فَيَثْبُتُ الحُكْمُ لِكُلِّهِنَّ، وهو الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ، وقِيلَ: لا يَثْبُتُ الحُكْمُ لِمَن فارَقَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَياةِ كالمُسْتَعِيذَةِ، والَّتِي رَأى بِكَشْحِها بَياضًا، وصَحَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، والرّافِعِيُّ في الصَّغِيرِ تَحْرِيمَ المَدْخُولِ بِها فَقَطْ، لِما رُوِيَ أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ نَكَحَ المُسْتَعِيذَةَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهِ، فَأخْبَرَهُ أنَّها لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِها فَكَفَّ، وفي رِوايَةٍ: أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَمَّ بِرَجْمِها، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا؟ وما ضُرِبَ عَلَيَّ حِجابٌ، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا، فَكَفَّ عَنْها، وذَكَرَ في المَواهِبِ: أنَّ في حِلِّ مَنِ اخْتارَتْ مِنهُنَّ الدُّنْيا لِلْأزْواجِ طَرِيقَيْنِ، أحَدُهُما طَرْدُ الخِلافِ، والثّانِي القَطْعُ بِالحِلِّ، واخْتارَ هَذا الإمامُ صفحة 152 والغَزالِيُّ، وحُكِيَ القَوْلُ بِأنَّ المُطَلَّقَةَ لا يَثْبُتُ لَها هَذا الحُكْمُ عَنِ الشِّيعَةِ، وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِهِمْ نَفْيَ الأُمُومَةِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالُوا: لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوَّضَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنْ يُبْقِيَ مَن يَشاءُ مِن أزْواجِهِ، ويُطَلِّقَ مَن يَشاءُ مِنهُنَّ بَعْدَ وفاتِهِ وِكالَةً عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ طَلَّقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عائِشَةَ يَوْمَ الجَمَلِ، فَخَرَجَتْ عَنِ الأزْواجِ، ولَمْ يَبْقَ لَها حُكْمُهُنَّ، وبَعْدَ أنْ كَتَبْتُ هَذا اتَّفَقَ لِي أنْ نَظَرْتُ في كِتابٍ ألَّفَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَحْرانِيُّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ في مَثالِبِ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ حاشى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَرَأيْتُ ما نَصُّهُ: رَوى أبُو مَنصُورٍ أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ الطَّبَرْسِيُّ في كِتابِ الِاحْتِجاجِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ سَألَ القائِمَ المُنْتَظَرَ وهو طِفْلٌ في حَياةِ أبِيهِ، فَقالَ لَهُ: يا مَوْلانا وابْنَ مَوْلانا، رُوِيَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَعَلَ طَلاقَ نِسائِهِ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَتّى أنَّهُ بَعَثَ في يَوْمِ الجَمَلِ رَسُولًا إلى عائِشَةَ وقالَ: إنَّكِ أدْخَلْتِ الهَلاكَ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ بِالغِشِّ الَّذِي حَصَلَ مِنكِ، وأوْرَدْتِ أوْلادَكِ في مَوْضِعِ الهَلاكِ بِالجَهالَةِ، فَإنِ امْتَنَعْتِ وإلّا طَلَّقْتُكِ، فَأخْبِرْنا يا مَوْلانا عَنْ مَعْنى الطَّلاقِ الَّذِي فَوَّضَ حُكْمَهُ رَسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَقَدَّسَ اسْمُهُ عَظَّمَ شَأْنَ نِساءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَخَصَّهُنَّ بِشَرَفِ الأُمَّهاتِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا أبا الحَسَنِ إنَّ هَذا الشَّرَفَ باقٍ ما دُمْنا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَأيَّتُهُنَّ عَصَتِ اللَّهَ تَعالى بَعْدِي بِالخُرُوجِ عَلَيْكَ فَطَلِّقْها مِنَ الأزْواجِ وأسْقِطْها مِن شَرَفِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ: ورَوى الطَّبَرْسِيُّ أيْضًا في الِاحْتِجاجِ عَنِ الباقِرِ أنَّهُ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمَلِ وقَدْ رُشِقَ هَوْدَجُ عائِشَةَ بِالنَّبْلِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: واللَّهِ ما أُرانِي إلّا مُطَلِّقُها، فَأنْشَدَ اللَّهَ تَعالى رَجُلًا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: يا عَلِيُّ أمْرُ نِسائِي بِيَدِكَ مِن بَعْدِي لَمّا قامَ فَشَهِدَ فَقامَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَشَهِدُوا بِذَلِكَ الحَدِيثِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الأخْبارِ الَّتِي لا تَحْضُرُنِي الآنَ ما هو صَرِيحٌ في وُقُوعِ الطَّلاقِ اهـ، ما قالَهُ البَحْرانِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ. وهَذا لَعَمْرِي مِنَ السَّفاهَةِ والوَقاحَةِ والجَسارَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكانٍ، وبُطْلانُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ورَكاكَةُ ألْفاظِهِ تُنادِي عَلى كَذِبِهِ بِأعْلى صَوْتٍ، ولا أظُنُّهُ قَوْلًا مُرْضِيًا عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ مِنهُمْ، فَلَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَنِ اخْتَلَقَهُ، وكَذا مَن يَعْتَقِدُهُ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ «النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ في الحَرْفِ الأوَّلِ «النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبُوهُمْ» وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُما «النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ»، وإطْلاقُ الأبِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الأبَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ أيْضًا بَلْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحَقُّ بِالأُبُوَّةِ مِنهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كُلُّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ، ومِن هُنا قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ: هَؤُلاءِ بَناتِي، أنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، ووَجْهُهُ ما ذُكِرَ، ويَلْزَمُ مِن هَذِهِ الأُبُوَّةِ عَلى ما قِيلَ أُخُوَّةُ المُؤْمِنِينَ. ويُعْلَمُ مِمّا رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الأُبُوَّةَ لَيْسَتْ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا لَيْسَ كَأُمُومَةِ أزْواجِهِ، فَإنَّها عَلى ما في المَواهِبِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ فَلا يَحْرُمُ نِكاحُ أزْواجِ مَن عَداهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بَعْدِهِمْ عَلى أحَدٍ مِن أُمَمِهِمْ، ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ أيْ ذَوُو القَراباتِ الشّامِلُونَ لِلْعَصَباتِ صفحة 153 لا ما يُقابِلُهم ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ، وغَيْرِهِ مِنَ النَّفْعِ المالِيِّ، أوْ في التَّوارُثِ، ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ الآتِي ذِكْرُهُ، ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما كَتَبَهُ في اللَّوْحِ، أوْ فِيما أنْزَلَهُ، وهي آيَةُ المَوارِيثِ أوْ هَذِهِ الآيَةُ، أوْ فِيما كَتَبَهُ سُبْحانَهُ وفَرَضَهُ وقَضاهُ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ صِلَةٌ (لِأوْلى)، فَمَدْخُولُ ( مِن ) هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِ، وهي ابْتِدائِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِكَ: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو، أيْ أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى في كُلِّ نَفْعٍ، أوْ بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَقِّ الدِّينِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا (لِأُولُو الأرْحامِ)، أيِ الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وكانَ في المَدِينَةِ تَوارُثٌ بِالهِجْرَةِ، وبِالمُوالاةِ في الدِّينِ ذَلِكَ بِآيَةِ آخِرِ الأنْفالِ، أوْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بِالإجْماعِ، وأرادُوا كَشْفَهُ عَنِ النّاسِخِ وإلّا فَهو لا يَكُونُ ناسِخًا كَما لا يَخْفى، ورَفْعُ ( بَعْضُهم ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِيَّةِ وأنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، ( وفي كِتابِ ) مُتَعَلِّقٌ (بِأوْلى)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا والعامِلُ فِيهِ مَعْنى ( أوْلى )، ولا يَجُوزُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ( أُولُو ) لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ، ولِأنَّهُ لا عامِلَ إذًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ إمّا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ ما تُقَدَّرُ الأوْلَوِيَّةُ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: القَرِيبُ أوْلى مِنَ الأجْنَبِيِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ في كُلِّ نَفْعٍ مِن مِيراثٍ وصَدَقَةٍ وهَدِيَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ إلّا في الوَصِيَّةِ، فَإنَّها المُرادَةُ بِالمَعْرُوفِ فالأجْنَبِيُّ أحَقُّ بِها مِنَ القَرِيبِ الوارِثِ فَإنَّها لا تَصِحُّ لِوارِثٍ، وإمّا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِما فِيهِ الأوْلَوِيَّةُ هو التَّوارُثُ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن خِلافِ الجِنْسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُوَرِّثُوا غَيْرَ أُولِي الأرْحامِ، لَكِنْ فِعْلُكم إلى أوْلِيائِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الأجانِبِ مَعْرُوفًا وهو أنْ تُوصُوا لِمَن أحْبَبْتُمْ مِنهم بِشَيْءٍ جائِزٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ بِالوَصِيَّةِ لا بِالمِيراثِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْرُوفُ عامًّا لِما عَدا المِيراثَ، والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ انْقِطاعُ الِاسْتِثْناءِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ، ومَكِّيٌّ، وكَذا الطَّبَرْسِيُّ، وجُعِلَ المَصْدَرُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وتَفْسِيرُ الأوْلِياءِ بِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، فَهو مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِناءً عَلى أنَّ ( مِن ) فِيما تَقَدَّمَ لِلِابْتِداءِ لا لِلْبَيانِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَهُ بِالَّذِينِ والى بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في جَوازِ وصِيَّةِ المُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، وأخْرَجُوا عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الأوْلِياءُ القَرابَةُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، والمَعْرُوفُ الوَصِيَّةُ، وحُكِيَ في البَحْرِ عَنْ جَماعَةٍ مِنهُمُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ: أنَّ الأوْلِياءَ يَشْمَلُ القَرِيبَ والأجْنَبِيَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، وأنَّ المَعْرُوفَ أعَمُّ مِنَ الوَصِيَّةِ. وقَدْ أجازَها لِلْكافِرِ القَرِيبِ، وكَذا الأجْنَبِيُّ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ والإمامِيَّةِ يُجَوِّزُونَها لِبَعْضِ ذَوِي القَرابَةِ الكُفّارِ، وهُمُ الوالِدانِ، والوَلَدُ لا غَيْرُ، والنَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ لا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ والبِرِّ لَهم. وعُدِّيَ (تَفْعَلُوا) بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإيصالِ والإسْداءِ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أنْ تَفْعَلُوا مُسْدِينَ إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا، ﴿كانَ ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ أعْنِي ( ادْعُوهم لِآبائِهِمْ، والنَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، أوْ إلى ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ﴾ أوْ إلى ما ذُكِرَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ وفِيهِ بَحْثٌ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ في اللَّوْحِ، أوِ القُرْآنِ، وقِيلَ: في التَّوْراةِ ﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ مُثْبَتًا بِالإسْطارِ، وعَنْ صفحة 154 قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ القِراءاتِ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبًا أنْ لا يَرِثَ المُشْرِكُ المُؤْمِنَ فَلا تَغْفُلْ.

الأحزاب 33:7

﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ مُقَدَّرٌ (بِاذْكُرْ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لا ظَرْفٌ لِفَسادِ المَعْنى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، أوْ عَلى مُقَدَّرٍ كَخُذْ هَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى خَبَرِ كانَ، وهو بَعِيدٌ، وإنْ كانَ قَرِيبًا، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ مُتَضَمِّنًا أحْكامًا شَرْعَها اللَّهُ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ مِمّا كانَ في الإسْلامِ أُبْطِلَتْ ونُسِخَتْ أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِما فِيهِ حَثٌّ عَلى التَّبْلِيغِ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ( وإذْ ) إلَخْ، أيْ واذْكُرْ وقْتَ أخْذِنا مِنَ النَّبِيِّينَ كافَّةً عُهُودَهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ، والدُّعاءِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ وقْتُ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالذَّرِّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ عُهُودَهم بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، واتِّباعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَهم بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ تَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِمْ في النَّبِيِّينَ انْدِراجًا بَيِّنًا لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مِن مَشاهِيرِ أرْبابِ الشَّرائِعِ. واشْتُهِرَ أنَّهم هم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهم خِيارُ ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقْدِيمُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّهُ آخِرُهم بَعْثَةً لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ خَطَرِهِ الجَلِيلِ أوْ لِتَقَدُّمِهِ في الخَلْقِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا: «(بُدِئَ بِي الخَلْقُ، وكُنْتُ آخِرَهم في البَعْثِ)». وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ)» وكَذا في الِاسْتِنْباءِ، فَقَدْ جاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ؟ (قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ).» ولا يَضُرُّ فِيما ذُكِرَ تَقْدِيمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في آيَةِ الشُّورى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشُّورى: 13] الآيَةَ، إذْ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، والمَقامُ هُناكَ وصْفُ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، والمُناسِبُ فِيهِ تَقْدِيمُ نُوحٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ والمَشاهِيرِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ هو المُخاطَبُ والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ هَذا المَتْلُوُّ، فَكانَ أحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ، وفِيهِ بَحْثٌ، ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ عَهْدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ أوْ وثِيقًا قَوِيًّا، وهَذا هو المِيثاقُ الأوَّلُ، وأخْذُهُ هو أخْذُهُ، والعَطْفُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هُودٌ: 58]، إثْرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هُودٌ: 58]، وفي ذَلِكَ مِن تَفْخِيمِ الشَّأْنِ ما فِيهِ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ عَزَّ وجَلَّ: وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مِيثاقًا غَلِيظًا مَثَلًا، وقالَ سُبْحانَهُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ اليَمِينُ بِاللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ بَعْدَ ما أخَذَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ المِيثاقَ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ أكَّدَ بِاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا، فالمِيثاقانِ مُتَغايِرانِ بِالذّاتِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

الأحزاب 33:8

﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ صفحة 155 قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ مَسُوقٌ لِبَيانِ عِلَّةِ الأخْذِ المَذْكُورِ وغايَتِهِ، أيْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِيَسْألَ إلَخْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ (بِأخَذْنا)، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ نَفْسِ المِيثاقِ، ثُمَّ بَيانُ عِلَّتِهِ وغايَتِهِ بَيانًا قَصْدِيًّا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، والمُرادُ بِالصّادِقِينَ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أُخِذَ مِيثاقُهُمْ، ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّهم صادَقُوا فِيما سُئِلُوا عَنْهُ، وإنَّما السُّؤالُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ أيْ لِيَسْألَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ صَدَقُوا عُهُودَهم عَنْ كَلامِهِمُ الصّادِقِ الَّذِي قالُوهُ لِأقْوامِهِمْ، أوْ عَنْ تَصْدِيقِ أقْوامِهِمْ إيّاهُمْ، وسُؤالُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ لِتَبْكِيتِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائِدَةُ: 109]، أوِ المُرادُ بِهِمُ المُصَدِّقُونَ بِالنَّبِيِّينَ، والمَعْنى لِيَسْألَ المُصَدِّقِينَ لِلنَّبِيِّينَ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ إيّاهم فَيُقالُ: هَلْ صَدَقْتُمْ؟ وقِيلَ: يُقالُ لَهم هَلْ كانَ تَصْدِيقُكم لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى؟ ووَجْهُ إرادَةِ ذَلِكَ أنَّ مُصَدِّقَ الصّادِقِ صادِقٌ وتَصْدِيقَهُ صِدْقٌ، وقِيلَ: المَعْنى لِيَسْألَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَّقُوا عَهْدَهم حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهم. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ تَذْكِيرِ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ قِيلَ: عُطِفَ عَلى فِعْلٍ مُضْمَرٍ مُتَعَلِّقًا فِيما قَبْلُ، وقِيلَ: عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لِيَسْألَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ، وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ إلَخْ، وقِيلَ: عَلى ( أخَذْنا ) وهو عَطْفٌ مَعْنَوِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: أكَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّينَ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ إلَخْ. وقِيلَ: عَلى (يَسْألَ) بِتَأْوِيلِهِ بِالمُضارِعِ، ولا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ مُناسَبَةٍ لِيَحْسُنَ العَطْفُ، وقِيلَ: عَلى مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ الِاحْتِباكُ، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، وأعَدَّ لَهم ثَوابًا عَظِيمًا، ويَسْألَ الكاذِبِينَ عَنْ كَذِبِهِمْ، وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا، فَحَذَفَ مِن كُلٍّ مِنهُما ما ثَبَتَ في الآخَرِ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَسْألَ) بِتَقْدِيرِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، ولا يَخْفى أقَلُّها تَكَلُّفًا.

الأحزاب 33:9

﴿أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ قِصَّةِ الأحْزابِ، وهي وقْعَةُ الخَنْدَقِ، وكانَتْ عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ، وقالَ مالِكٌ: سَنَةَ أرْبَعٍ. والنِّعْمَةُ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْعامِ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِها وإلّا فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها أيْ كائِنَةٌ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، أوْ لِثُبُوتِها لَهُمْ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ (بِاذْكُرْ) عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( نِعْمَةَ )، والمُرادُ بِالجُنُودِ الأحْزابُ، وهم قُرَيْشٌ يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ، وبَنُو أسَدٍ يَقُودُهم طُلَيْحَةُ، وغَطَفانُ يَقُودُهم عُيَيْنَةُ، وبَنُو عامِرٍ يَقُودُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وبَنُو سُلَيْمٍ يَقُودُهم أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وبَنُو النَّضِيرِ رُؤَساؤُهم حُيَيُّ ابْنُ أخْطَبَ وأبْناءُ أبِي الحَقِيقِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ سَيِّدُهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، «وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَنَبَذَهُ بِسَعْيِ حَيَيٍّ، وكانَ مَجْمُوعُهم عَشَرَةَ آلافٍ في قَوْلٍ، وخَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا في آخَرَ، وقِيلَ: زُهاءُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإقْبالِهِمْ حَفَرَ خَنْدَقًا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ مُحِيطًا بِها بِإشارَةِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أعْطى كُلَّ أرْبَعِينَ ذِراعًا لِعَشَرَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ مُعَسْكَرَهُ، والخَنْدَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ، وأمَرَ بِالذَّرارِي والنِّساءِ فَدُفِعُوا في الآطامِ، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، ونَجَمَ النِّفاقُ كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، ومَضى قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ عَلى الفَرِيقَيْنِ لا حَرْبَ بَيْنَهم سِوى الرَّمْيِ بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ مِن وراءِ الخَنْدَقِ، إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهم عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ وكانَ يُعَدُّ بِألْفِ فارِسٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وضِرارُ بْنُ الخَطّابِ، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ، ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ رَكِبُوا خُيُولَهم وتَيَمَّمُوا مِنَ الخَنْدَقِ مَكانًا ضَيِّقًا فَضَرَبُوا بِخُيُولِهِمْ، فاقْتَحَمُوا، فَجالَتْ بِهِمْ في السَّبْخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ، وسَلْعٍ، فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَتّى أخَذَ عَلَيْهِمُ الثَّغْرَةَ الَّتِي اقْتَحَمُوا مِنها، فَأقْبَلَتِ صفحة 156 الفُرْسانُ مَعَهُمْ، وقَتَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَمْرًا في قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ، فانْهَزَمَتْ خَيْلُهُ حَتّى اقْتَحَمَتْ مِنَ الخَنْدَقِ هارِبَةً وقُتِلَ مَعَ عَمْرٍو مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، وقِيلَ: وُجِدَ نَوْفَلٌ في جَوْفِ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ، فَقالَ لَهُمْ: قِتْلَةً أجْمَلَ مِن هَذِهِ، يَنْزِلُ بَعْضُكم أُقاتِلُهُ، فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ. وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ طَعَنَهُ في تَرْقُوَتِهِ حَتّى أخْرَجَها مِن مَراقِّهِ، فَماتَ في الخَنْدَقِ، وبَعَثَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَشْتَرُونَ جِيفَتَهُ بِعَشَرَةِ آلافٍ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (هُوَ لَكُمْ، لا نَأْكُلُ ثَمَنَ المَوْتى)، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾» عَطْفٌ عَلى ( جاءَتْكم ) مَسُوقٌ لِبَيانِ النِّعْمَةِ إجْمالًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَقِيَّتُها في آخِرِ القِصَّةِ. ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ ألْفًا، رُوِيَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلَيْهِمْ صَبًا بارِدَةً في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ فَأخْصَرَتْهم وسَفَّتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ، وأمَرَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ وقَطَعَتِ الأطْنابَ وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فَقالَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ: أمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَدْ بَدَأكم بِالسِّحْرِ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ فانْهَزَمُوا، وقالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى وقَدْ ذَهَبَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَبَرِ القَوْمِ: خَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ، ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ، ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكُمْ، وإذا الرَّجُلُ في عَسْكَرِهِمْ ما يُجاوِزُ عَسْكَرَهم شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمْ، والرِّيحُ تَضْرِبُهُمْ، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا صِرْتُ في نِصْفِ الطَّرِيقِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إذا أنا بِنَحْوِ عِشْرِينَ فارِسًا مُتَعَمِّمِينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَفاهُ القَوْمَ». وقَرَأ الحَسَنُ «وجَنُودًا» بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ أيْضًا «لَمْ يَرَوْها» بِياءِ الغَيْبَةِ، ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ، وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الحَرْبِ إعْلاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مِنَ التِجائِكم إلَيْهِ تَعالى ورَجائِكم مِن فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يَعْمَلُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ أيْ بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ التَّحَرُّزِ، والمُحارَبَةِ وإغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَيْها حِرْصًا عَلى إبْطالِ حَقِّكُمْ، وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿بَصِيرًا﴾ ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِن نَصْرِكم عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

الأحزاب 33:10

﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ جاءَتْكُمْ﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ (بِتَعْمَلُونَ) أوْ (بِبَصِيرًا)، ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، والجائِي مِن ذَلِكَ بَنُو غَطَفانَ، ومَن تابَعَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ، وبَنُو قُرَيْظَةَ، وبَنُو النَّضِيرِ ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، والجائِي مِن ذَلِكَ قُرَيْشٌ ومَن شايَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وبَنِي كِنانَةَ، وأهْلِ تِهامَةَ، وقِيلَ: الجائِي مِن فَوْقُ بَنُو قُرَيْظَةَ، ومِن أسْفَلُ قُرَيْشٌ، وأسَدٌ، وغَطَفانُ، وسُلَيْمٌ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن فَوْقُ ومِن أسْفَلُ كِنايَةً عَنِ الإحاطَةِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ جاؤُوكم مُحِيطِينَ صفحة 157 بِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 55]، ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ أيْ حِينَ مالَتِ الأبْصارُ عَنْ سُنَنِها، وانْحَرَفَتْ عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً ودَهْشَةً. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ حِينَ مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها، ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ خافَتْ خَوْفًا شَدِيدًا، وفَزِعَتْ فَزَعًا عَظِيمًا، لِأنَّها تَحَرَّكَتْ عَنْ مَوْضِعِها، وتَوَجَّهَتْ إلى الحَناجِرِ لِتَخْرُجَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ القُلُوبَ لَوْ تَحَرَّكَتْ وزالَتْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ، ولَكِنْ إنَّما هو الفَزَعُ فالكَلامُ عَلى المُبالَغَةِ، وقِيلَ: القَلْبُ عِنْدَ الغَضَبِ يَنْدَفِعُ، وعِنْدَ الخَوْفِ يَجْتَمِعُ، فَيَتَقَلَّصُ بِالحَنْجَرَةِ، وقَدْ يُفْضِي إلى أنْ يَسُدَّ مَخْرَجَ النَّفَسِ، فَلا يَقْدِرُ المَرْءُ أنْ يَتَنَفَّسَ، ويَمُوتُ خَوْفًا، وقِيلَ: إنَّ الرِّئَةَ تَنْتَفِخُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ والغَضَبِ والغَمِّ الشَّدِيدِ، وإذا انْتَفَخَتْ رَبَتْ، وارْتَفَعَ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحْرُهُ، وإلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ ذَهَبَ قَتادَةُ. أخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيْ شَخَصَتْ عَنْ مَكانِها، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ. وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ، فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: (نَعَمِ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنا، وآمِن رَوْعاتِنا)، قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالرِّيحِ». والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ لِمَن يُظْهِرُ الإيمانَ عَلى الإطْلاقِ، والظُّنُونُ جَمْعُ الظَّنِّ، وهو مَصْدَرٌ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما جُمِعَ لِلدِّلالَةِ عَلى تَعَدُّدِ أنْواعِهِ، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في أشْعارِهِمْ، أنْشَدَ أبُو عَمْرٍو في كِتابِ الألْحانِ: إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا أيْ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ تَعالى أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ، فَيَظُنُّ المُخْلِصُونَ مِنكُمُ الثّابِتُونَ في ساحَةِ الإيمانِ أنْ يُنْجِزَ سُبْحانَهُ وعْدَهُ في إعْلاءِ دِينِهِ، ونُصْرَةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُعْرِبُ عَنْ ذَلِكَ ما سَيُحْكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ، أوْ أنْ يَمْتَحِنَهم فَيَخافُونَ أنْ تَزِلَّ أقْدامُهُمْ، فَلا يَتَحَمَّلُونَ ما نَزَلَ بِهِمْ، وهَذا لا يُنافِي الإخْلاصَ والثَّباتَ كَما لا يَخْفى، ويَظُنُّ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ظُنُونٌ مُخْتَلِفَةٌ ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ، وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ وأنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وقَدْ يُخْتارُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهِرًا وباطِنًا واخْتِلافُ ظُنُونِهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم يَظُنُّونَ تارَةً أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُهم عَلى الكُفّارِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، وتارَةً أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ سَيَنْصُرُ الكُفّارَ عَلَيْهِمْ، فَيَسْتَوْلُونَ عَلى المَدِينَةِ، ثُمَّ يَنْصُرُهم عَلَيْهِمْ بَعْدُ، وأُخْرى أنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُ الكُفّارَ بِحَيْثُ يَسْتَأْصِلُونَهم وتَعُودُ الجاهِلِيَّةُ، أوْ بِسَبَبِ أنَّ بَعْضَهم يَظُنُّ هَذا وبَعْضَهم يَظُنُّ ذاكَ وبَعْضَهم يَظُنُّ ذَلِكَ. ويُلْتَزَمُ أنَّ الظَّنَّ الَّذِي لا يَلِيقُ بِحالِ المُؤْمِنِ كانَ مِن خَواطِرِ النَّفْسِ الَّتِي أوْجَبَها الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ، ولَمْ يُمْكِنِ البَشَرُ دَفْعَها، ومِثْلُها عَفْوٌ، أوْ يُقالُ: ظُنُونُهُمُ المُخْتَلِفَةُ هي ظَنُّ النَّصْرِ بِدُونِ نَيْلِ العَدُوِّ مِنهم شَيْئًا، وظَنُّهُ بَعْدَ النَّيْلِ، وظَنُّ الِامْتِحانِ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى الِاعْتِذارِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( زاغَتْ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وكُتِبَ ﴿الظُّنُونا﴾ وكَذا أمْثالُهُ مِنَ المَنصُوبِ المُعَرَّفِ صفحة 158 بِألْ، كالسَّبِيلا والرَّسُولا في المُصْحَفِ بِألِفٍ في آخِرِهِ، فَحَذَفَها أبُو عَمْرٍو وقْفًا ووَصْلًا، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ يَحْذِفُونَها وصْلًا خاصَّةً، ويُثْبِتُها باقِي السَّبْعَةِ في الحالَيْنِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، والحُذّاقُ أنْ يُوقَفَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالألِفِ، ولا تُوصَلُ فَتُحْذَفُ أوْ تُثْبَتُ، لِأنَّ حَذْفَها مُخالِفٌ لِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، ولِأنَّ إثْباتَها في الوَصْلِ مَعْدُومٌ في لِسانِ العَرَبِ نَظْمِهِمْ ونَثْرِهِمْ لا في اضْطِرارٍ، ولا في غَيْرِهِ، أمّا إثْباتُها في الوَقْفِ فَفِيهِ اتِّباعُ الرَّسْمِ ومُوافَقَةٌ لِبَعْضِ مَذاهِبِ العَرَبِ، لِأنَّهم يُثْبِتُونَ هَذِهِ الألِفَ في قَوافِي أشْعارِهِمْ ومَصارِيعِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: أقَلى اللَّوْمَ عاذِلٌ والعِتابا والفَواصِلُ في الكَلامِ كالمَصارِيعِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ رُؤُوسَ الآيِ تُشَبَّهُ بِالقَوافِي مِن حَيْثُ كانَتْ مَقاطِعَ كَما كانَتِ القَوافِي مَقاطِعَ.

الأحزاب 33:11

﴿هُنالِكَ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ، ويُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ وهو أنْسَبُ هُنا، وأيًّا ما كانَ، فَهو ظَرْفٌ لِما بَعْدَهُ، لا (لِتَظُنُّونَ) كَما قِيلَ، أيْ في ذَلِكَ الزَّمانِ الهائِلِ، أوْ في ذَلِكَ المَكانِ المُدْحَضِ، ﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، والكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ عامَلَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والرّاسِخُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، وابْتِلاؤُهم عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ بِالجُوعِ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ بِشِدَّةِ الحِصارِ، عَلى ما قِيلَ بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ. ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ أيِ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَدِيدًا مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وكَثْرَةِ الأعْداءِ، وعَنِ الضَّحّاكِ «أنَّهم زُلْزِلُوا عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ»، وقِيلَ: أيْ حُرِّكُوا إلى الفِتْنَةِ فَعُصِمُوا. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى اللُّؤْلُئِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو «زِلْزِلُوا» بِكَسْرِ الزّايِ، قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ أبِي عَمْرٍو إشْمامُ زايِ (زُلْزِلُوا) وكَأنَّهُ عَنى إشْمامَها الكَسْرَ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ إتْباعُ حَرَكَةِ الزّايِ الأُولى لِحَرَكَةِ الثّانِيَةِ، ولَمْ يَعْتَدَّ بِالسّاكِنِ كَما لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ مَن قالَ: مِنتِنٌ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أنْتَنَ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى «زَلْزالًا» بِفَتْحِ الزّايِ، ومَصْدَرُ فَعْلَلَ مِنَ المُضاعَفِ يَجُوزُ فِيهِ الفَتْحُ والكَسْرُ نَحْوُ قَلْقَلَ قَلْقالًا، وقَدْ يُرادُ بِالمَفْتُوحِ اسْمُ الفاعِلِ نَحْوُ: صَلْصالٍ بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ، فَإنْ كانَ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ فَما سُمِعَ مِنهُ عَلى فَعْلالٍ مَكْسُورُ الفاءِ نَحْوُ: سَرْهَفَهُ سَرْهافًا، ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( إذْ زاغَتِ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ القَوْلِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ. ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ظاهِرُ العَطْفِ أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ فَقِيلَ: هم قَوْمٌ كانَ المُنافِقُونَ يَسْتَمِيلُونَهم بِإدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا ضُعَفاءَ الِاعْتِقادِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالإسْلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المُنافِقِينَ أنْفُسَهُمْ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ. ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ الظَّفَرِ وإعْلاءِ الدِّينِ ﴿إلا غُرُورًا﴾ أيْ وعْدَ غُرُورٍ، وقِيلَ: أيْ قَوْلًا باطِلًا، وفي البَحْرِ: أيْ أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. رُوِيَ «أنَّ الصَّحابَةَ بَيْنَما يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ عَرَضَتْ لَهم صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، لا تَدْخُلُ فِيها المَعاوِلُ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَضَرَبَها ضَرْبَةً دَعَّها وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ حَتّى لَكَأنَّ صفحة 159 مِصْباحًا في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَصَدَعَها وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّالِثَةَ فَكَسَرَها، وبَرَقَتْ بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أضاءَ لِي في الأُولى قُصُورُ الحِيرَةِ، ومَدائِنُ كِسْرى، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي الثّانِيَةَ قُصُورُ الحُمْرِ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ، فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى مُعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ وكانَ مُنافِقًا: أيَعِدُنا مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَفْتَحَ لَنا مَدائِنَ اليَمَنِ وبِيضَ المَدائِنِ وقُصُورَ الرُّومِ، وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ، هَذا واللَّهِ الغُرُورُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذا» .

الأحزاب 33:12

﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ إلَخْ. وفِي رِوايَةٍ قالَ المُنافِقُونَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ: ألا تَعْجَبُونَ يُحَدِّثُكم ويَعِدُكم ويُمَنِّيكُمُ الباطِلَ أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكُمْ، وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ، ولا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ ووَجْهُ الجَمْعِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ القائِلَ واحِدٌ أنَّ الباقِينَ راضُونَ بِذَلِكَ، قابَلُوهُ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ نِسْبَةَ الوَعْدِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ لا يَعْتَقِدُونَ اتِّصافَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرِّسالَةِ، ولا أنَّ الوَعْدَ وعْدُ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كانَتْ مِن بابِ المُماشاةِ، أوِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانَتْ قَدْ وقَعَتْ مِن غَيْرِهِمْ فَهي بِالتَّبَعِيَّةِ لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وُقُوعُ ما ذُكِرَ في الحِكايَةِ لا في كَلامِهِمْ، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما وقَعَ في بَعْضِ الآثارِ، وبَعْضُهم بَحَثَ عَنْ إطْلاقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّهُ في الحِكايَةِ لا في كَلامِهِمْ، كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُعْتِبٍ، أوْ هو تَقِيَّةٌ لا اسْتِهْزاءٌ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ المُنافِقِينَ فَتَأمَّلْ، ولا تَغْفُلْ.

الأحزاب 33:13

﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ وأصْحابُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سَلِمَةَ، وقالَ أوْسُ بْنُ رُومانَ: هم أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأصْحابُهُ بَنُو حارِثَةَ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِلْمُنافِقِينَ أوْ لِلْجَمِيعِ ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ هو اسْمُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْمُ بُقْعَةٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقِيلَ: اسْمُ أرْضِها، وهو عَلَيْها مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، ووَزْنِ الفِعْلِ، أوِ التَّأْنِيثِ، ولا يَنْبَغِي تَسْمِيَةُ المَدِينَةِ بِذَلِكَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى هي طابَةُ هي طابَةُ هي طابَةُ )». وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(لا تَدْعُونَها يَثْرِبَ، فَإنَّها طَيْبَةُ )، يَعْنِي المَدِينَةَ، (ومَن قالَ: يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى ثَلاثَ مَرّاتٍ، هي طَيْبَةُ هي طَيْبَةُ هي طَيْبَةُ )». وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ: أنَّ تَسْمِيَتَها بِهِ مَكْرُوهَةٌ كَراهَةً تَنْزِيهِيَّةً، وذُكِرَ في وجْهِ ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ يُشْعِرُ بِالتَّثْرِيبِ، وهو اللَّوْمُ والتَّعْبِيرُ. وقالَ الرّاغِبُ: التَّثْرِيبُ التَّقْرِيعُ بِالذَّنْبِ والثَّرْبُ شَحْمَةٌ رَقِيقَةٌ، ويَثْرِبُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن هَذا البابِ، والياءُ تَكُونُ فِيهِ زائِدَةً انْتَهى، وقِيلَ: يَثْرِبُ اسْمُ رَجُلٍ مِنَ العَمالِقَةِ، وبِهِ سُمِّيَتِ المَدِينَةُ، وكانَ يُقالُ لَها: أثْرَبُ أيْضًا، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الشَّرِيفِ المُرْتَضى أنَّ لِلْمَدِينَةِ أسْماءً مِنها يَثْرِبُ، وطَيْبَةُ، وطابَةُ، والدّارُ، والسَّكِينَةُ، وجائِزَةُ، والمَحْبُورَةُ، والمَحَبَّةُ، والمَحْبُوبَةُ، والعَذْراءُ، والمَرْحُومَةُ، والقاصِمَةُ، ويَنْدَدُ انْتَهى، وكَأنَّ القائِلِينَ اخْتارُوا يَثْرِبَ مِن صفحة 160 بَيْنِ الأسْماءِ مُخالَفَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِما عَلِمُوا مِن كَراهِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِهَذا الِاسْمِ مِن بَيْنِها، ونِداؤُهم أهْلَ المَدِينَةِ بِعُنْوانِ أهْلِيَّتِهِمْ لَها تَرْشِيحٌ لِما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلَيْها ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ لا مَكانَ إقامَةٍ أوْ لا إقامَةَ لَكم أيْ لا يَنْبَغِي أوْ لا يُمْكِنُ لَكُمُ الإقامَةُ ها هُنا. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ وأكْثَرُ السَّبْعَةِ «لا مَقامَ» بِفَتْحِ المِيمِ، وهو يَحْتَمِلُ أيْضًا المَكانَ أيْ لا مَكانَ قِيامٍ، والمَصْدَرَ أيْ لا قِيامَ لَكُمْ، والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿فارْجِعُوا﴾ أيْ إلى مَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أسْلَمَ لَكم مِنَ القَتْلِ أوْ لِيَكُونَ لَكم عِنْدَ هَذِهِ الأحْزابِ يَدٌ، قِيلَ: ومُرادُهم أمْرُهم بِالفِرارِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ ما بَعْدُ، لَكِنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالرُّجُوعِ تَرْوِيجًا لِمَقالَتِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الفِرارِ المَذْمُومِ، وقِيلَ: المَعْنى لا مُقامَ لَكم في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ، وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ لا مُقامَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ في يَثْرِبَ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ فارْجِعُوا كُفّارًا لِيَتَسَنّى لَكُمُ المُقامُ فِيها لِارْتِفاعِ العَداوَةِ حِينَئِذٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا خافُوا مِن قَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم بَعْدَ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ ظَهَرَ أنَّهم مُنافِقُونَ فَقالُوا: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ عَلى مَعْنى لا مُقامَ لَكم مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ إنْ غُلِبَ قَتَلَكم فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ وأسْلِمُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ، واتَّفِقُوا مَعَ الأحْزابِ، أوْ لَيْسَ لَكم مَحَلُّ إقامَةٍ في الدُّنْيا أصْلًا إنْ بَقِيتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى آخِرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، وبَعْضُ هَذِهِ الأوْجُهِ بَعِيدٌ جِدًّا كَما لا يَخْفى. ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قالَتْ )، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُسْتَأْذِنُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَنُو حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ، قِيلَ: أرْسَلُوا أوْسَ بْنَ قَيْظِيٍّ أحَدَهم لِلِاسْتِئْذانِ، وقالَ السُّدِّيُّ: جاءَ هو ورَجُلٌ آخَرُ مِنهم يُدْعى أبا عُرابَةَ بْنَ أوْسٍ، وقِيلَ: المُسْتَأْذِنُ بَنُو حارِثَةَ، وبَنُو سَلِمَةَ اسْتَأْذَنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الرُّجُوعِ مُمْتَثِلِينَ بِأمْرِ أُولَئِكَ القائِلِينَ: يا أهْلَ يَثْرِبَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَسْتَأْذِنُ ) أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ ذَلِيلَةُ الحِيطانِ يُخافُ عَلَيْها السُّرّاقُ، كَما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ مُتَخَرَّقَةٌ مُمْكَنَةٌ لِمَن أرادَها، وقالَ الكَلْبِيُّ: أيْ خالِيَةٌ مِنَ الرِّجالِ ضائِعَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: قاصِيَةٌ يُخْشى عَلَيْها العَدُوُّ، وأصْلُها عَلى ما قِيلَ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخَلَلِ، ووُصِفَ بِها مُبالَغَةً، وتَكُونُ صِفَةً لِلْمُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ والمُفْرَدِ وغَيْرِهِ، كَما هو شَأْنُ المَصادِرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً عَلى أنَّها مُخَفَّفُ عَوِرَةٍ بِكَسْرِ الواوِ، كَما قَرَأ بِذَلِكَ هُنا وفِيما بَعْدُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو طالُوتَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَّتْ، قالَ ابْنُ جِنِّي: صِحَّةُ الواوِ عَلى هَذا شاذَّةٌ، والقِياسُ قَلْبُها ألِفًا فَيُقالُ: عارَةٌ، كَما يُقالُ: كَبْشٌ صافٌ، ونَعْجَةٌ صافَةٌ، ويَوْمٌ راحٌ ورَجُلٌ مالٌ، والأصْلٌ صَوْفٌ وصَوْفَةٌ ورَوْحٌ ومَوْلٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ القِياسَ إنَّما يَقْتَضِي القَلْبَ إذا وقَعَ القَلْبُ في الفِعْلِ، وعَوِرَ هُنا قَدْ صَحَّتْ عَيْنُهُ حَمْلًا عَلى اعْوَرَّ المُشَدَّدِ، ورَجَّحَ كَوْنَها مَصْدَرًا وصْفٌ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِذارِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ صفحة 161 مَقالَتِهِمْ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ إذا أُجْرِيَ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ كَما أُجْرِيَ فِيما قَبْلَهُ أنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 46] والواوُ فِيهِ لِلْحالِ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ﴿إنْ يُرِيدُونَ﴾ أيْ ما يُرِيدُونَ بِالِاسْتِئْذانِ ﴿إلا فِرارًا﴾ أيْ هَرَبًا مِنَ القِتالِ ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ قالَهُ جَماعَةٌ، قِيلَ: فِرارٌ مِنَ الدِّينِ.

الأحزاب 33:14

﴿ولَوْ دُخِلَتْ﴾ أيِ البُيُوتُ كَما هو الظّاهِرُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ القائِلِينَ، وأُسْنِدَ الدُّخُولُ إلى بُيُوتِهِمْ، وأُوقِعَ عَلَيْهِمْ لِما أنَّ المُرادَ فَرْضُ دُخُولِها، وهم فِيها لا فَرْضُ دُخُولِها مُطْلَقًا كَما هو المَفْهُومُ لَوْ لَمْ يُذْكَرِ الجارُّ والمَجْرُورُ ولا فَرْضُ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا كَما هو المَفْهُومُ، لَوْ أُسْنِدَ الجارُّ والمَجْرُورُ وفاعِلُ الدُّخُولِ الدّاخِلُ مِن أهْلِ الفَسادِ مَن كانَ، أيْ لَوْ دَخَلَ كُلُّ مَن أرادَ الدُّخُولَ مِن أهْلِ الدَّعارَةِ والفَسادِ بُيُوتَهُمْ، وهم فِيها، ﴿مِن أقْطارِها﴾ جَمْعُ قُطْرٍ بِمَعْنى النّاحِيَةِ والجانِبِ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ لُغَةٌ فِيهِ، أيْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِها، وذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ مُخْتَلَّةً بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا داخِلٌ في المَفْرُوضِ، فَلا يُخالِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ( وما هي بِعَوْرَةٍ ثُمَّ سُئلُوا ) أيْ طُلِبَ مِنهم مِن جِهَةِ طائِفَةٍ أُخْرى عِنْدَ تِلْكَ النّازِلَةِ والرَّجْفَةِ الهائِلَةِ ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيِ القِتالَ كَما قالَ الضَّحّاكُ ﴿لآتَوْها﴾ أيْ لَأعْطَوْها أُولَئِكَ السّائِلِينَ، كَأنَّهُ شَبَّهَ الفِتْنَةَ والمَطْلُوبُ اتِّباعُهم فِيها بِأمْرٍ نَفِيسٍ يُطْلَبُ مِنهم بَذْلُهُ ونَزَّلَ إطاعَتَهم واتِّباعَهم بِمَنزِلَةِ بَذْلِ ما سَألُوهُ وإعْطائِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ «لَأتَوْها» بِالقَصْرِ أيْ لَفَعَلُوها، ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ أيْ بِالفِتْنَةِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما لَبِثُوها وما أخَّرُوها، ﴿إلا يَسِيرًا﴾ أيْ إلّا تَلْبُّثًا يَسِيرًا، أوْ إلّا زَمانًا يَسِيرًا، وهو مِقْدارُ ما يَأْخُذُونَ فِيهِ سِلاحَهم عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: مِقْدارُ ما يُجِيبُونَ السُّؤالَ فِيهِ، وكِلاهُما عِنْدِي مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ أنَّهم لَوْ سَألَهم غَيْرُكَ القِتالَ وهم في أشَدِّ حالٍ وأعْظَمِ بِلْبالٍ لَأسْرَعُوا جِدًّا فَضْلًا عَنِ التَّعَلُّلِ بِاخْتِلالِ البُيُوتِ مَعَ سَلامَتِها، كَما فَعَلُوا الآنَ. والحاصِلُ أنَّ طَلَبَهُمُ الإذْنَ في الرُّجُوعِ لَيْسَ لِاخْتِلالِ بُيُوتِهِمْ بَلْ لِنِفاقِهِمْ وكَراهَتِهِمْ نُصْرَتَكَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها واشْتَدَّ الحَرْبُ الحَقِيقِيُّ ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَطارُوا إلَيْها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرَ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهُمُ انْتَهى، فَضَمِيرَ ( دُخِلَتْ ) عِنْدَهُ عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ، وباءُ ( بِها ) لِلظَّرْفِيَّةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ولَمْ يَتَلَبَّثُوا بِسَبَبِ حِفْظِها، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ أيْضًا، والضَّمِيرُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلْبُيُوتِ، وفِيهِ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ. وعَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ ( الفِتْنَةُ ) الشِّرْكُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: هي الرِّدَّةُ والرُّجُوعُ إلى إظْهارِ الكُفْرِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ضَمِيرَيْ ( دُخِلَتْ، وبِها ) لِلْمَدِينَةِ، وزَعَمَ أنَّ المَعْنى: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِها، ثُمَّ سُئِلُوا الرُّجُوعَ إلى إظْهارِ الكُفْرِ والشِّرْكِ لَفَعَلُوا، وما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ إظْهارِ كُفْرِهِمْ إلّا يَسِيرًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم أوْ يُخْرِجُهم بِالمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( دُخِلَتْ ) لِلْبُيُوتِ أوْ لِلْمَدِينَةِ، وضَمِيرُ ( بِها ) لِلْفِتْنَةِ، بِمَعْنى الشِّرْكِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، والمَعْنى: ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ سُئِلُوا الشِّرْكَ لَأشْرَكُوا، وما أخَّرُوهُ إلّا يَسِيرًا، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ قَتادَةَ أيْ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ سُئِلُوا الشِّرْكَ لَأعْطَوْهُ طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُهُمْ، وما تَحَبَّسُوا بِهِ إلّا يَسِيرًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ صفحة 162 لِغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: فاعِلُ الدُّخُولِ أُولَئِكَ العَساكِرُ المُتَحَزِّبَةُ، والوُجُوهُ المُحْتَمَلَةُ في الآيَةِ كَثِيرَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٌ. وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو الأظْهَرُ فِيما أرى. وقَرَأ الحَسَنُ «سُولُوا» بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ قالُوا: وهي مِن سالَ يُسالُ كَخافَ يَخافُ، لُغَةٌ في سَألَ المَهْمُوزِ العَيْنِ، وحَكىأبُو زَيْدٍ هُما يَتَساوَلانِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُها الهَمْزَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سُولُوا) عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ في ضُرِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ضَرَبَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها واوًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ في بُؤْسٍ بُوسٍ، بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ «سِيلُوا» بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ نَحْوَ قِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ «سُويِلُوا» بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ، وياءٍ مَكْسُورَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ.

الأحزاب 33:15

﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ الفَرِيقُ المُسْتَأْذِنُونَ، وهم بَنُو حارِثَةَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هم بَنُو سَلِمَةَ كانُوا قَدْ جَبُنُوا يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدُوا يَوْمَئِذٍ قَبْلَ يَوْمِ الخَنْدَقِ أنْ لا يَفِرُّوا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قَوْمٌ عاهَدُوا بِمَكَّةَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أنْ يَمْنَعُوهُ ﷺ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهُمْ، وقِيلَ: أُناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ فَحَزِنُوا عَلى ما فاتَهم مِمّا أعْطى أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ تَعالى قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ، (وعاهَدَ) أُجْرِيَ مَجْرى اليَمِينِ لِذَلِكَ تَلَقّى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ وجاءَ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ عَلى المَعْنى، ولَوْ جاءَ كَما لَفَظُوا بِهِ لَكانَ التَّرْكِيبُ لا تُوَلّى الأدْبارُ، وتَوْلِيَةُ الأدْبارِ كِنايَةٌ عَنِ الفِرارِ والِانْهِزامِ، فَإنَّ الفارَّ يُوَلِّي دُبُرَهُ مَن فَرَّ مِنهُ، ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ عَنِ الوَفاءِ بِهِ مُجازًى عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وقِيلَ: أيْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَسْؤُولًا عَنِ الوَفاءِ بِهِ، أوْ مَسْؤُولًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ.

الأحزاب 33:16

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ أيْ لَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ، ويَدْفَعَ عَنْكم ما أُبْرِمَ في الأزَلِ عَلَيْكم مِن مَوْتِ أحَدِكم حَتْفَ أنْفِهِ، أوْ قَتْلِهِ بِسَيْفٍ ونَحْوِهِ، فَإنَّ المُقَدَّرَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ بِأنْ دَفَعَ عَنْكم ما أُبْرِمَ عَلَيْكم فَمُتِّعْتُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وهَذا مِن بابِ فَرْضِ المُحالِ، ولَمْ يَقُلْ: ولَوْ نَفَعَكم إخْراجًا لِلْكَلامِ مَخْرَجَ المُماشاةِ أوْ إذا نَفَعَكُمُ الفِرارُ فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ بِأنْ كانَ ذَلِكَ مُعَلَّقًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى الفِرارِ مَرْبُوطًا بِهِ، لَمْ يَكُنِ التَّمْتِيعُ إلّا قَلِيلًا، فَإنَّ أيّامَ الحَياةِ وإنْ طالَتْ قَصِيرَةٌ، وعُمْرٌ تَأْكُلُهُ ذَرّاتُ الدَّقائِقِ وإنْ كَثُرَ قَلِيلٌ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المَعْنى لا يَنْفَعُكم نَفْعًا دائِمًا أوْ تامًّا في دَفْعِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ المَوْتِ أوِ القَتْلِ بِالكُلِّيَّةِ، إذْ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن مَوْتٍ حَتْفَ أنْفِهِ أوْ قَتْلٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ لا لِأنَّهُ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْمُقْضى فَلا يَكُونُ باعِثًا عَلَيْهِ، بَلْ لِأنَّهُ مُقْتَضى تَرَتُّبِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، فَلا دِلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ الفِرارَ لا يُغْنِي شَيْئًا حَتّى يُشْكِلَ بِالنَّهْيِ عَنِ الإلْقاءِ إلى التَّهْلُكَةِ، وبِالأمْرِ بِالفِرارِ عَنِ المَضارِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ في الفِرارِ نَفْعًا في الجُمْلَةِ إذِ المَعْنى لا تُمَتَّعُونَ عَلى تَقْدِيرِ الفِرارِ إلّا مَتاعًا قَلِيلًا، وفِيهِ ما فِيهِ فَتَأمَّلْ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ بَعْضَ المَرْوانِيَّةِ مَرَّ عَلى حائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ، فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلُ نَطْلُبُ، وكَأنَّهُ مالَ إلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى ما ذَكَرَهُ البَعْضُ في الآيَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ لِإنْ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ( وإذًا ) تَقَدَّمَها ها هُنا حَرْفُ عَطْفٍ، فَيَجُوزُ فِيها الإعْمالُ والإهْمالُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ هُنا إلّا بِالإهْمالِ. صفحة 163 وقُرِئَ بِالإعْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ [الإسْراءِ: 76] ( وإذا لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ ) وقُرِئَ «لا يُمَتَّعُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

الأحزاب 33:17

﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أحَدَ يَمْنَعُكم مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَدَرِهِ جَلَّ جَلالُهُ إنْ خَيْرًا وإنْ شَرًّا، فَجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ قَرِينَةَ السُّوءِ في العِصْمَةِ مَعَ أنَّهُ لا عِصْمَةَ إلّا مِنَ السُّوءِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَقْدِيرٌ، والأصْلُ: قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً فاخْتُصِرَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ورَأيْتُ زَوْجَكَ في الوَغى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا فَإنَّهُ أرادَ وحامِلًا أوْ ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ويَجْرِي نَحْوَ التَّوْجِيهِ السّابِقِ في الآيَةِ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَنِ الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ مَنِ الَّذِي يَمْنَعُ رَحْمَةَ اللَّهِ مِنكم إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، وقَرِينَةُ التَّقْدِيرِ ما في ( يَعْصِمُكم ) مِن مَعْنى المَنعِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِسَلامَتِهِ عَنْ حَذْفِ جُمْلَةٍ بِلا ضَرُورَةٍ. ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَنْفَعُهم ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُمْ، والمُرادُ الأُولى، فَيَجِدُوهُ إلَخْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ اهـ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا عاصِمَ لَهُمْ، ولا ولِيَّ ولا نَصِيرَ، أوِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

الأحزاب 33:18

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أيِ المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ أقْبِلُوا إلَيْنا أوْ قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، قالَ ابْنُ السّائِبِ: الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعْتِبِ بْنِ قُشَيْرٍ، ومَن رَجَعَ مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ كانُوا إذا جاءَهُمُ المُنافِقُ قالُوا لَهُ: ويْحَكَ اجْلِسْ، ولا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ إلى إخْوانِهِمْ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا فَإنّا نَنْتَظِرُكُمْ، وقالَ قَتادَةُ: هي في المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ مِن ساكِنِي المَدِينَةِ مِن أنْصارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ فَخَلُّوهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: «انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الأحْزابِ إلى شَقِيقِهِ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ شِواءً ونَبِيذًا، فَقالَ لَهُ: أنْتَ ها هُنا ورَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ، فَقالَ: هَلُمَّ إلَيَّ فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا، فَقالَ: كَذَبْتَ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَأُخْبِرَنَّهُ بِأمْرِكَ فَذَهَبَ لِيُخْبِرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَزَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ». وقِيلَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ لِأهْلِ المَدِينَةِ: تَعالَوْا إلَيْنا، وكُونُوا مَعَنا، وكَأنَّ المُرادَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ المُنافِقُونَ مِنهُمُ المَعْلُومُ نِفاقُهم عِنْدَ اليَهُودِ، ( وقَدْ ) لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِلتَّقْلِيلِ، وهو بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقِ، ( ومِنكم ) بَيانٌ لِلْمُعَوِّقِينَ لا صِلَتُهُ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، والمُرادُ بِالأُخُوَّةِ التَّشارُكُ في الصِّفَةِ، وهو النِّفاقُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، والكُفْرُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ، والصُّحْبَةُ والجِوارُ وسُكْنى المَدِينَةِ عَلى القَوْلِ الثّانِي، وكَذا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجامِعُ الأُخُوَّةِ في النَّسَبِ، وظاهِرُ صِيغَةِ الجَمْعِ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ في ذَيْنِكَ الشَّقِيقَيْنِ وحْدَهُما، فَلَعَلَّها نَزَلَتْ فِيهِما، وفي المُنافِقِينَ القائِلِينَ ذَلِكَ والأنْصارِ المُخْلِصِينَ المَقُولِ لَهُمْ، وجَوازُ كَوْنِها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الإخْوانِ في النَّسَبِ مُجَرَّدُ احْتِمالٍ، وإنْ كانَ لَهُ مُسْتَنَدٌ سَمْعِيٌّ، فَلْتُحْمَلِ الأُخُوَّةُ عَلَيْهِ عَلى الأُخُوَّةِ صفحة 164 فِي النَّسَبِ، ولا ضَيْرَ، والقَوْلُ بِجَمِيعِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وحَمْلِ الأُخُوَّةِ عَلى الأُخُوَّةِ في الدِّينِ والأُخُوَّةِ في الصُّحْبَةِ والجِوارِ والأُخُوَّةِ في النَّسَبِ لا يَخْفى حالُهُ، ( وهَلُمَّ ) عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ يُسَوّى فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ والجَماعَةِ، وأمّا عِنْدَ تَمِيمٍ، فَيُقالُ: هَلُمَّ يا رَجُلُ، وهَلُمُّوا يا رِجالُ، وهو عِنْدَ بَعْضِ الأئِمَّةِ صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ، واشْتُهِرَ أنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا (كَهَلُمَّ شُهَداءَكُمْ) بِمَعْنى أحْضِرُوا أوْ قَرِّبُوا ولازِمًا (كَهَلُّمَ إلَيْنا)، بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِ بِأقْبِلُوا إلَيْنا، وأمّا عَلى تَفْسِيرِهِ بِقَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، فالظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لازِمًا، وهَذا تَفْسِيرٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وفي البَحْرِ أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَلُمَّ لَيْسَ صَوْتًا، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ، اخْتُلِفَ في أصْلِ تَرْكِيبِهِ فَقِيلَ: مُرَكَّبٌ مِن ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ، والمِمْ بِمَعْنى اقْصِدْ، وأقْبِلْ وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: مِن هَلْ وأُمَّ، والكَلامُ عَلى المُخْتارِ مِن ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ. ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ الحَرْبَ والقِتالَ، وأصْلُ مَعْناهُ الشِّدَّةُ، ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إتْيانًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا فَقَدْ كانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ لا يَجِدُوا بُدًّا مِن إتْيانِهِ، فَيَأْتُونَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهُمْ، فَإذا غَفَلُوا عَنْهم عادُوا إلى بُيُوتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَفْعُولٍ مُقَدَّرٍ كَما كانَ صِفَةَ المَصْدَرِ أوِ الزَّمانِ، أيْ إلّا بَأْسًا قَلِيلًا عَلى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ في البَأْسِ الكَثِيرِ ولا يَخْرُجُونَ إلّا في القَلِيلِ، وإتْيانُ البَأْسِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ عَلى ظاهِرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ القِتالِ، والمَعْنى: ولا يُقاتِلُونَ إلّا قِتالًا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ وقِلَّتُهُ إمّا لِقِصَرِ زَمانِهِ، وإمّا لِقِلَّةِ غِنائِهِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ حالٌ مِنَ ( القائِلِينَ )، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ عَلى ( قَدْ يَعْلَمُ )، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: هي مِن مَقُولِ القَوْلِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيِ القائِلِينَ ذَلِكَ والقائِلِينَ لا يَأْتِي أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَرْبَ الأحْزابِ، ولا يُقاوِمُونَهم إلّا قَلِيلًا، وهَذا القَوْلُ خِلافُ المُتَبادِرِ، وكَأنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ مَن قالَ أنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ.

الأحزاب 33:19

﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بُخَلاءَ عَلَيْكم بِالنَّفَقَةِ والنُّصْرَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقِيلَ: بِأنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، وقِيلَ: بِكُلِّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ لَكُمْ، وصَوَّبَ هَذا أبُو حَيّانَ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى أضِنّاءُ بِكم يَتَرَفْرَفُونَ عَلَيْكم كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ بِالذّابِّ عَنْهُ المُناضِلِ دُونَهُ عِنْدَ الخَوْفِ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لَوْ غَلَبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهم مَن يَمْنَعُ الأحْزابَ عَنْهُمْ، ولا مَن يَحْمِي حَوْزَتَهم سِواهُمْ، وقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ رِياءً، والأكْثَرُونَ ذَهَبُوا إلى ما سَمِعْتَ قَبْلُ، وعَدَلَ إلَيْهِ مُخْتَصِرُو كَشّافِهِ أيْضًا وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ، لِأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَعْنى ما في التَّفْرِيعِ بَعْدُ، فَيَحْتاجُ إلى جَعْلِهِ تَفْسِيرًا، ورَجَّحَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ فَقالَ: إنَّما اخْتارَهُ لِيُطابِقَ مَعْنًى، ويُقابِلَ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ ولِأنَّ الِاسْتِعْمالَ يَقْتَضِيهِ، فَإنَّ الشُّحَّ عَلى الشَّيْءِ هو أنْ يُرادَ بَقاؤُهُ كَما في الصِّحاحِ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أضِنّاءُ بِكُمْ، وما ذَكَرَهُ غَيْرُهُ لا يُساعِدُهُ الِاسْتِعْمالُ انْتَهى. قالَ الخَفاجِيُّ: إنْ سَلِمَ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعْمالِ كانَ مُتَعَيِّنًا، وإلّا فَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ بِأسالِيبِ الكَلامِ، ( وأشِحَّةً ) جَمِيعُ شَحِيحٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ، إذْ قِياسُ فَعِيلٍ الوَصْفُ المُضَعَّفُ عَيْنُهُ ولامُهُ أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعِلاءَ كَضَنِينٍ وأضِنّاءَ وخَلِيلٍ وأخِلّاءَ فالقِياسُ أشِحّاءُ وهو مَسْمُوعٌ أيْضًا، ونَصْبُهُ عِنْدَ الزَّجّاجِ وأبِي البَقاءِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( يَأْتُونَ ) عَلى مَعْنى تَرَكُوا الإتْيانَ أشِحَّةً، وقالَ الفَرّاءُ: عَلى الذَّمِّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ يُعَوِّقُونَ مُضْمَرًا، ونُقِلَ أوَّلُهُما عَنِ الطَّبَرِيِّ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: مِنَ ﴿المُعَوِّقِينَ )،﴾ أوْ مِنَ صفحة 165 القائِلِينَ، ورُدّا بِأنَّ فِيهِما الفَصْلَ بَيْنَ أبْعاضِ الصِّلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الفاصِلَ مِن مُتَعَلِّقاتِ الصِّلَةِ، وإنَّما يَظْهَرُ الرَّدُّ عَلى كَوْنِهِ حالًا مِنَ ( المُعَوِّقِينَ )، لِأنَّهُ قَدْ عُطِفَ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَ تَمامِ صِلَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أشِحَّةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ أيْ هم أشِحَّةٌ، ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ مِنَ العَدُوِّ، وتُوُقِّعَ أنْ يُسْتَأْصَلَ أهْلُ المَدِينَةِ ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ أيْ أحْداقُهم أوْ بِأحْداقِهِمْ عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى تُدِيرُ أعْيُنَهم أحْداقُهُمْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ دائِرَةً أعْيُنُهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ ( يَنْظُرُونَ )، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوْ لِمَصْدَرِ ﴿تَدُورُ )،﴾ أوْ حالٌ مِن ﴿أعْيُنُهم )،﴾ أيْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا كائِنًا كَنَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ حَذَرًا وخَوْفًا ولِواذًا بِكَ أوْ يَنْظُرُونَ كائِنِينَ، كالَّذِي إلَخْ، أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم دَوَرانًا كائِنًا كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي إلَخْ، أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم كائِنَةً كَعَيْنِ الَّذِي إلَخْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إذا جاءَ الخَوْفُ مِنَ القِتالِ، وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِمْ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم في رُؤْيَتِهِمْ، وتَجُولُ وتَضْطَرِبُ رَجاءَ أنْ يُلَوِّحَ لَهم مُضْرِبٌ لِأنَّهم يَحْضُرُونَ عَلى نِيَّةِ شَرٍّ، لا عَلى نِيَّةِ خَيْرٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ أيْ آذَوْكم بِالكَلامِ، وخاصَمُوكم بِألْسِنَةٍ سَلِطَةٍ ذَرِبَةٍ قالَهُ الفَرّاءُ، وعَنْ قَتادَةَ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكُمْ، وقْتَ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ يَقُولُونَ: أعْطُونا أعْطُونا، فَلَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم في أذاكُمْ، وسَبِّكُمْ، وتَنْقِيصِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أصْلُ السَّلْقِ بَسْطُ العُضْوِ ومَدُّهُ لِلْقَهْرِ سَواءٌ كانَ يَدًا أوْ لِسانًا، فَسَلْقُ اللِّسانِ بِإعْلانِ الطَّعْنِ والذَّمِّ، وفُسِّرَ السَّلْقُ هُنا بِالضَّرْبِ مَجازًا كَما قِيلَ لِلذَّمِّ طَعْنٌ، والحامِلُ عَلَيْهِ تَوْصِيفُ الألْسِنَةِ بِحِدادٍ، وجُوِّزَ أنْ يُشَبَّهَ اللِّسانُ بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ ويُثْبَتُ لَهُ السَّلْقُ بِمَعْنى الضَّرْبِ تَخْيِيلًا، وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ السَّلْقِ في الآيَةِ فَقالَ: الطَّعْنُ بِاللِّسانِ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ فَقالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الأعْشى: فِيهِمُ الخِصْبُ والسَّماحَةُ والنَّجْدَةُ فِيهِمْ والخاطِبُ المِسْلاقُ وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ بِالمُخاطَبَةِ الشَّدِيدَةِ قالَ: مَعْنى سَلَقُوكم خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ وسَلّاقٌ إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم في السَّلْقِ رَفْعَ الصَّوْتِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَيْسَ مِنّا مَن سَلَقَ أوْ حَلَقَ»» قالَ في النِّهايَةِ: أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وقِيلَ: أنْ تَصُكَّ المَرْأةُ وجْهَها وتَمْرُشَهُ، والأوَّلُ أصَحُّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى في الآيَةِ بَسَطُوا ألْسِنَتَهم في مُخادَعَتِكم بِما يُرْضِيكم مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُجامَلَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «صَلَقُوكُمْ» بِالصّادِ. ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ أيْ بُخَلاءَ حَرِيصِينَ عَلى مالِ الغَنائِمِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: عَلى مالِهِمُ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ، وقالَ الجُبّائِيُّ: أيْ بُخَلاءُ بِأنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ فِيهِ خَيْرٌ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى عُمُومِ الخَيْرِ. ونُصِبَ ﴿أشِحَّةً﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أوْ عَلى الذَّمِّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ «أشِحَّةٌ» بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم أشِحَّةٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا حالِيَّةٌ كَما هو كَذَلِكَ عَلى الذَّمِّ، وغايَرَ بَعْضُهم بَيْنَ الشُّحِّ هُنا، والشُّحِّ فِيما مَرَّ بِأنَّ ما هُنا مُقَيَّدٌ بِالخَبَرِ المُرادِ بِهِ مالُ الغَنِيمَةِ وما مَرَّ مُقَيَّدٌ بِمُعاوَنَةِ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ، أوْ بِالإنْفاقِ صفحة 166 فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَلا يَتَكَرَّرُ هَذا مَعَ ما سَبَقَ، والزَّمَخْشَرِيُّ لِما ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ هُناكَ، قالَ هُنا: فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ووَقَعَتِ القِسْمَةُ نَقَلُوا ذَلِكَ الشُّحَّ وتِلْكَ الضِّنَّةَ والرَّفْرَفَةَ عَلَيْكم إلى الخَيْرِ، وهو المالُ والغَنِيمَةُ، ونَسُوا تِلْكَ الحالَةَ الأُولى، واجْتَرَءُوا عَلَيْكم وضَرَبُوكم بِألْسِنَتِكم إلَخْ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في ذَلِكَ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذا، وما سَبَقَ: إنَّ المُرادَ مِمّا سَبَقَ ذَمُّهم بِالبُخْلِ بِكُلِّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ أوْ بِنَوْعٍ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ومِن هَذا ذَمُّهم بِالحِرْصِ عَلى المالِ، أوْ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، أوْ غَيْرِهِمْ، وهو أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ مِنَ الأوَّلِ، ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ السُّوءِ ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بِالإخْلاصِ فَإنَّهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، وأبْطَنُوا في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أظْهَرَ بُطْلانَها، لِأنَّها باطِلَةٌ مُنْذُ عُمِلَتْ إذْ صِحَّتُها مَشْرُوطَةٌ بِالإيمانِ بِالإخْلاصِ، وهم مُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وفي البَحْرِ: أيْ لَمْ يَقْبَلْها سُبْحانَهُ، فَكانَتْ كالمُحْبَطَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ المُرادُ بِالأعْمالِ العِباداتُ المَأْمُورُ بِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ما عَمِلُوهُ نِفاقًا وتَصَنُّعًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِبادَةً، والمَعْنى فَأبْطَلَ عَزَّ وجَلَّ صُنْعَهم ونِفاقَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مُسْتَتْبِعًا لِمَنفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أصْلًا. وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الأعْمالَ عَلى العِباداتِ، والإحْباطَ عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ نافَقَ بَعْدَ بَدْرٍ، ووَقَعَ مِنهُ ما وقَعَ، فَأحْبَطَ اللَّهُ تَعالى عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها، وصِيغَةُ الجَمْعِ تُبْعِدُ ذَلِكَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ فَإنَّ هَذا كَما هو ظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ قَدْ آمَنَ قَبْلُ، وأيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»» يَأْبى ذَلِكَ، فالظّاهِرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ. ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيِ الإحْباطُ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ هَيِّنًا لا يُبالِي بِهِ، ولا يَخافُ سُبْحانَهُ اعْتِراضًا عَلَيْهِ، وقِيلَ: أيْ هَيِّنًا سَهْلًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَخْصِيصُ يُسْرِهِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ تَعالى يَسِيرٌ لِبَيانِ أنَّ أعْمالَهم بِالإحْباطِ المَذْكُورِ لِكَمالِ تَعاضُدِ الحِكَمِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، وعَدَمُ مانِعٍ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى حالِهِمْ مِنَ الشُّحِّ ونَحْوِهِ، والمَعْنى كانَ ذَلِكَ الحالُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ هَيِّنًا لا يُبالِي بِهِ، ولا يَجْعَلُهُ سُبْحانَهُ سَبَبًا لِخِذْلانِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ بِذاكَ، والمَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ.

الأحزاب 33:20

﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ هم مِنَ الجَزَعِ والدَّهْشَةِ لِمَزِيدِ جُبْنِهِمْ وخَوْفِهِمْ بِحَيْثُ هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ فَرَحَلُوا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم لَمْ يَرْحَلُوا، وقِيلَ: المُرادُ هَؤُلاءِ لِجُبْنِهِمْ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقَدِ انْهَزَمُوا فانْصَرَفُوا عَنِ الخَنْدَقِ راجِعِينَ إلى المَدِينَةِ لِذَلِكَ، وهَذا إنْ صَحَّتْ فِيهِ رِوايَةٌ فَذاكَ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ لِدِلالَتِهِ ظاهِرًا عَلى أنَّهم خارِجُونَ عَنْ مُعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّونَ إخْوانَهم عَلى اللَّحاقِ بِهِمْ، وكَوْنُ المُرادِ هَلُمُّوا إلى رَأْيِنا، أوْ إلى مَكانِنا الَّذِي هو في طَرَفٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ السَّهْمُ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ عَلى ما هو الظّاهِرُ أيْضًا، إذْ يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى اتِّحادِ المَكانِ، ولَوْ في الخَنْدَقِ، ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ تَمَنَّوْا أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ، وحاصِلُونَ مَعَ الأعْرابِ، وهم أهْلُ العَمُودِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ «بُدًّى» جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى، ولَيْسَ بِقِياسٍ في مُعْتَلِّ اللّامِ وقِياسُهُ فُعَلَةٌ كَقاضٍ وقُضاةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «بَدَوْا» فِعْلًا ماضِيًا، وفي رِوايَةِ صاحِبِ الإقْلِيدِ «بَدى» بِوَزْنِ عَدى، ﴿يَسْألُونَ﴾ أيْ كُلَّ قادِمٍ مِن جانِبِ المَدِينَةِ ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ عَمّا جَرى عَلَيْكم مِنَ الأحْزابِ يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَكم بِالِاسْتِخْبارِ لا بِالمُشاهَدَةِ صفحة 167 فَرَقًا وجُبْنًا، واخْتِيارُ البَداوَةِ لِيَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (بادُونَ)، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو، وعاصِمًا، والأعْمَشَ قَرَؤُوا «يَسَلُونَ» بِغَيْرِ هَمْزٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البَقَرَةُ: 211]، ولَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في شاذِّهِما ونَقَلَها صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما «يَسّالُونَ» بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمَدِّ، وأصْلُهُ يَتَساءَلُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ وماذا بَلَغَكَ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ، أيْ يَسْألُونَهم كَما تَقُولُ: رَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْتُهُ، وأبْصَرْتُ زَيْدًا وتَباصَرْتُهُ، ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ أيْ في هَذِهِ الكَرَّةِ المَفْرُوضَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ) أوْ ( لَوْ كانُوا فِيكم ) في الكَرَّةِ الأُولى السّابِقَةِ، ولَمْ يَرْجِعُوا إلى داخِلِ المَدِينَةِ، وكانَتْ مُحارَبَةٌ بِالسُّيُوفِ ومُبارَزَةُ الصُّفُوفِ ما ﴿قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ رِياءً وسُمْعَةً وخَوْفًا مِنَ التَّعْبِيرِ، قالَ مُقاتِلٌ، والجَيّانِيُّ، والبَعْلَبَكِّيُّ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ، ولَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى كانَ كَثِيرًا.

الأحزاب 33:21

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ المُخاطَبِينَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ . والإسْوَةُ بِكَسْرَةِ الهَمْزَةِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ وبِضَمِّها كَما قَرَأ عاصِمٌ الخَصْلَةُ، وقالَ الرّاغِبُ: الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الإنْسانُ وهي اسْمُ كانَ ( ولَكُمُ ) الخَبَرُ، ( وفي رَسُولِ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَكم )، أوْ في مَوْضِعٍ مِن ( أُسْوَةٌ )، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بَكانَ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ فِيها ناقِصَةً وفي أخَواتِها أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فِي رَسُولِ اللَّهِ) الخَبَرَ، (ولَكُمْ) تَبْيِينٌ، أيْ أعْنِي لَكم أيْ واللَّهِ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى ويُقْتَدى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُسْوَةِ القُدْوَةُ بِمَعْنى المُقْتَدى عَلى مَعْنى هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نَفْسِهِ قُدْوَةٌ يَحْسُنُ التَّأسِّي بِهِ، وفي الكَلامِ صَنْعَةُ التَّجْرِيدِ، وهو أنْ يُنْتَزَعَ مِن ذِي صِفَةٍ آخَرُ مِثْلُهُ فِيها مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ نَحْوَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا، وهو كَما يَكُونُ بِمَعْنى مِن يَكُونُ بِمَعْنى في كَقَوْلِهِ: أراقَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حُكْمُ عَدْلِ وكَقَوْلِهِ: في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مَنًّا حَدِيدًا، أيْ هي نَفْسُها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، والآيَةُ وإنْ سِيقَتْ لِلِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمْرِ الحَرْبِ مِنَ الثَّباتِ ونَحْوِهِ، فَهي عامَّةٌ في كُلِّ أفْعالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّها مِن خُصُوصِيّاتِهِ كَنِكاحِ ما فَوْقَ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَأيْتُكَ في السَّفَرِ لا تُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ، ولا بَعْدَها، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذا وكَذا فَلَمْ أرَهُ يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ ولا بَعْدَها، ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «هَمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَنْهى عَنِ الحِبَرَةِ، فَقالَ رَجُلٌ: ألَيْسَ قَدْ رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَلْبَسُها؟ قالَ عُمَرُ: بَلى، قالَ الرَّجُلُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَتَرَكَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.» وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ سَألَ عَنْ رَجُلٍ مُعْتَمِرٍ طافَ بِالبَيْتِ أيَقَعُ عَلى امْرَأتِهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؟ فَقالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَطافَ بِالبَيْتِ وصَلّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، وسَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ثُمَّ قَرَأ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» صفحة 168 وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ الأُصُولِ. ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ يُؤَمِّلُ اللَّهَ تَعالى وثَوابَهُ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ أثَرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ وضَعَ ﴿اليَوْمَ الآخِرَ﴾ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ مَوْضِعَ الثَّوابِ، لِأنَّ ثَوابَهُ تَعالى يَقَعُ فِيهِ، فَهو عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ، والكَلامُ نَحْوُ قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وكَرَمَهُ، مِمّا يَكُونُ ذِكْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيهِ تَوْطِئَةً لِلْمَعْطُوفِ، وهو المَقْصُودُ، وفِيهِ مِنَ الحُسْنِ والبَلاغَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا كَرَمَهُ، عَلى البَدَلِيَّةِ. وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، أوْ رِضا اللَّهِ، وثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، فَفي الكَلامِ مُضافانِ مُقَدَّرانِ، وعَنْ مُقاتِلٍ، أيْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى ويَخْشى البَعْثَ الَّذِي فِيهِ جَزاءُ الأعْمالِ عَلى أنَّهُ وضَعَ اليَوْمَ الآخِرَ مَوْضِعَ البَعْثِ، لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ، والرَّجاءُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الخَوْفِ، ومُتَعَلِّقُ الرَّجاءِ بِأيِّ مَعْنى كانَ أمْرٌ مِن جِنْسِ المَعانِي، لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لَفْظَ أيّامٍ مُرادًا بِها الوَقائِعُ، فَإنَّ اليَوْمَ يُطْلَقُ عَلى ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الحُرُوبِ والحَوادِثِ، واشْتُهِرَ في هَذا حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ، وجُعِلَ قَرِينَةَ هَذا التَّقْدِيرِ المَعْطُوفُ، وجُعِلَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والظّاهِرُ أنَّ الرَّجاءَ عَلى هَذا بِمَعْنى الخَوْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وكَرَمَهُ، وأنْ يَكُونَ الرَّجاءُ فِيهِ بِمَعْنى الأمَلِ إنْ أُرِيدَ ما في اليَوْمِ مِنَ النَّصْرِ والثَّوابِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَوْفِ والأمَلِ مَعًا، بِناءً عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ، أوْ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، وإرادَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ المُلائِمِ والمُنافِرِ، وعِنْدِي أنَّ تَقْدِيرَ أيّامٍ غَيْرُ مُتَبادِرٍ إلى الفَهْمِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ ﴿اليَوْمَ الآخِرَ﴾ بِيَوْمِ السِّياقِ والمُتَبادِرُ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ، و(مَن) عَلى ما قِيلَ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ( لَكم )، وأُعِيدَ العامِلُ لِلتَّأْكِيدِ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والفائِدَةُ فِيهِ الحَثُّ عَلى التَّأسِّي، وإبْدالُ الِاسْمِ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ هَذا الإبْدالَ جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، والأخْفَشِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بِكم قُرَيْشُ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ∗∗∗ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضَلِيلا ومَنَعَ ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ: ومِن هُنا قالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، هو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ولا يَتَسَنّى إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الخِطابَ عامٌّ وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ كَما سَمِعْتَ، ومَعَ هَذا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مِنكُمْ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَن مُتَعَلِّقًا (بِحَسَنَةً)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، لِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً (لِأُسْوَةً)، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ وصْفِهِ، وكَذا تَعَدُّدُ الوَصْفِ بِدُونِ العَطْفِ لا يَصِحُّ، وقَدْ صَرَّحَ بِمَنعِ ذَلِكَ الإمامُ الواحِدِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ فَلا تَغْفُلْ. ﴿وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا، وقَرَنَ سُبْحانَهُ بِالرَّجاءِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُثابَرَةَ عَلى كَثْرَةِ ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ تُؤَدِّي إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، وبِها يَتَحَقَّقُ الِائْتِساءُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأجِلَّةِ كالنَّوَوِيِّ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى المُعْتَبَرَ شَرْعًا ما يَكُونُ في ضِمْنِ جُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ، كَسُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وما لا يَكُونُ بِمُفْرَدٍ لا يُعَدُّ شَرْعًا ذِكْرًا نَحْوَ اللَّهِ، أوْ قادِرٍ، أوْ سَمِيعٍ، أوْ بَصِيرٍ إذْ لَمْ يُقَدَّرْ هُناكَ ما يَصِيرُ بِهِ اللَّفْظُ كَلامًا، والنّاسُ عَنْ هَذا غافِلُونَ، وأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ الذِّكْرَ المُتَعَبَّدَ بِمَعْناهُ لا يُثابُ صاحِبُهُ ما لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَعْناهُ، فالمُتَلَفِّظُ بِنَحْوِ: سُبْحانَ اللَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، إذا كانَ غافِلًا عَنِ المَعْنى غَيْرَ مُلاحِظٍ ومُسْتَحْضِرًا إيّاهُ لا يُثابُ إجْماعًا، والنّاسُ أيْضًا عَنْ هَذا غافِلُونَ صفحة 169 فَإنّا لِلَّهِ، وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.

الأحزاب 33:22

﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْ خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اشْتِباهِ الشُّؤُونِ واخْتِلاطِ الظُّنُونِ، بَعْدَ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِمْ، أيْ لَمّا شاهَدُوهم حَسْبَما وُصِفُوا لَهُمْ، ﴿قالُوا﴾ هَذا إشارَةٌ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ إلى ما شاهَدُوهُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ، نَعَمْ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ الَّذِي هو ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُنْوانَ أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ عِنْدَ المُشاهَدَةِ، وعِنْدَ الأكْثَرِ إشارَةٌ إلى الخَطْبِ والبَلاءِ، (وما) مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ وهو المَفْعُولُ الثّانِي (لِوَعَدَ) أيِ الَّذِي وعَدْناهُ اللَّهَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ هَذا وعْدُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إيّانا، وأرادُوا بِذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [البَقَرَةِ: 214]، ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، ونَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ قَبْلَ الواقِعَةِ بِحَوْلٍ عَلى ما أخْرَجَهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وفِي البَحْرِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا». أيْ في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ، أوْ عَشْرٍ، أيْ مِن وقْتِ الإخْبارِ، أوْ مِن غُرَّةِ الشَّهْرِ، فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ، قالُوا ذَلِكَ، فَمُرادُهم بِذَلِكَ ما وعَدَ بِهَذا الخَبَرِ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ الحَدِيثِ، وقُرِئَ بِإمالَةِ الرّاءِ مِن «رَأى» نَحْوَ الكَسْرَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ وعَدَمِ إمالَتِها، ورُوِيَ إمالَتُهُما وإمالَةُ الهَمْزَةِ دُونَ الرّاءِ عَلى تَفْصِيلٍ فِيهِ في النَّشْرِ، فَلْيُراجَعْ، ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، فَجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿هَذا ما وعَدَنا﴾ إلَخْ، أوْ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ، وهو كَما تَرى، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ. وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّ الصِّدْقَ مُحَقَّقٌ قَبْلَ ذَلِكَ والمُتَرَتِّبُ عَلى رُؤْيَةِ الأحْزابِ ظُهُورُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وصَدَقَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في النُّصْرَةِ والثَّوابِ كَما صَدَقَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ في البَلاءِ، والإظْهارُ مَعَ سَبْقِ الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ، وقِيلَ وصَدَقَ جاءَ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، والأوْلى تَرْكُهُ، أوْ قِيلَ وصَدَقَ وهو ورَسُولُهُ بَقِيَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ فَلا يَنْدَفِعُ السُّؤالُ كَذا قِيلَ، وحَدِيثُ الجَمْعِ قَدْ مَرَّ ما فِيهِ، ﴿وما زادَهُمْ﴾ أيْ ما رَأوُا المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ( رَأى ) يُعَكِّرُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، وأرْجَعَهُ بَعْضُهم إلى الشُّهُودِ المَفْهُومِ مِن ذَلِكَ، وجُوِّزَ رُجُوعُهُ إلى الوَعْدِ، أوِ الخَطْبِ والبَلاءِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ السِّياقِ، أوِ الإشارَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «وما زادُوهُمْ» بِضَمِيرِ الجَمْعِ العائِدِ عَلى الأحْزابِ ﴿إلا إيمانًا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وبِمَواعِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وتَسْلِيمًا﴾ لِأوامِرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وأقْدارِهِ سُبْحانَهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ، ومَن أنْكَرَ قالَ: إنَّ الزِّيادَةَ فِيما يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وفي كُتُبِ الكَلامِ عَلى أبْسَطِ وجْهٍ مَسْطُورٍ.

الأحزاب 33:23

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ بِالإخْلاصِ مُطْلَقًا، لا الَّذِينَ حُكِيَتْ مَحاسِنُهم خاصَّةً صفحة 170 ﴿رِجالٌ﴾ أيْ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُقاتَلَةِ لِلْأعْداءِ، وقِيلَ: مِنَ الطّاعاتِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وسَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرٌ في الأوَّلِ. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما بَعْدُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ تَعالى ما أصْنَعُ، فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو أيْنَ؟ قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ مِن ضَرْبَةٍ، وطَعْنَةٍ، ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وأصْحابِهِ». وفِي الكَشّافِ نَذَرَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا، أيْ نَذَرُوا الثَّباتَ التّامَّ، والقِتالَ الَّذِي يُفْضِي بِحَسَبِ العادَةِ إلى نَيْلِ الشَّهادَةِ، وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وغَيْرُهُمْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ أنَّ هَؤُلاءِ الرِّجالَ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: هم بَنُو حارِثَةَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي ما قَدَّمْتُهُ، ومَعْنى ( صَدَقُوا ) أتَوْا بِالصِّدْقِ مِن صَدَقَنِي، إذا قالَ الصِّدْقَ، ومَحَلُّ ( ما عاهَدُوا ) النَّصْبُ إمّا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو فِي، وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، عَلى رِوايَةِ النَّصْبِ أيْ في سِنِّ بَكْرِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والأصْلُ: صَدَقُوا اللَّهَ فِيما عاهَدُوهُ، وإمّا عَلى أنَّهُ هو المَفْعُولُ الصَّرِيحُ. وجُعِلَ (ما عاهَدُوا عَلَيْهِ) بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ مُعاهَدٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ وجَعْلُهُ مَصْدُوقًا تَخْيِيلٌ، وعَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِحالِ الصّادِقِينَ، وتَقْسِيمٌ لَهم إلى قِسْمَيْنِ، والنَّحْبُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ النَّذْرُ المَحْكُومُ بِوُجُوبِهِ، يُقالُ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، أيْ وفى بِنَذْرِهِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: النَّذْرُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ، ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَ ما قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ وقالَ جَرِيرٌ: بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، وشاعَ قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، بِمَعْنى ماتَ، إمّا عَلى أنَّ النَّحْبَ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ في رَقَبَةِ كُلِّ إنْسانٍ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ، والقَضاءُ تَرْشِيحٌ، وإمّا عَلى أنَّ قَضاءَ النَّحْبِ مُسْتَعارٌ لَهُ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالنَّحْبِ في الآيَةِ النَّذْرُ، وأنْ يُرادَ المَوْتُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا لِالتِزامِ المَوْتِ شَهِيدًا، إمّا بِتَنْزِيلِ التِزامِ أسْبابِهِ الَّتِي هي أفْعالٌ اخْتِيارِيَّةٌ لِلنّاذِرِ مَنزِلَةَ التِزامِ نَفْسِهِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ نَفْسِهِ مَنزِلَةَ أسْبابِهِ وإيرادِ الِالتِزامِ عَلَيْهِ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المَدْحِ، وجَعْلُهُ اسْتِعارَةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ مَسْخٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وإذْهابٌ بِرَوْنَقِها، وإخْراجٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ بِالكُلِّيَّةِ انْتَهى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ النَّحْبَ هُنا بِمَعْنى النَّذْرِ، وقَضاؤُهُ أداؤُهُ والوَفاءُ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ طَلْحَةَ «أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هُوَ؟ وكانُوا لا يَجْتَرِؤُونَ عَلى مَسْألَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ صفحة 171 ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ؟ قالَ الأعْرابِيُّ: أنا قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ،» وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (يا طَلْحَةُ، أنْتَ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ)،» وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: «( طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ).» وكَأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنى مَدْحَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهِ تَعالى وجْهَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، وإلى حَمْلِ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، فالمَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعَهْدِهِ، وأدّى نَذْرَهُ، ومِنهم أيْ وبَعْضُهم مَن يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ فَيَقْضِي نَحْبَهُ، ويُؤَدِّي نَذْرَهُ ويَفِي بِعَهْدِهِ، ومَن حَمَلَ (ما عاهَدُوا اللَّهَ) تَعالى عَلى العُمُومِ، وأبْقى النَّحْبَ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ: المَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعُهُودِ الإسْلامِ، وما يَلْزَمُ مِنَ الطّاعاتِ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ، واسْتَشْكَلَ إبْقاءُ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، لِأنَّ وفاءَ النَّذْرِ عَيْنُ صِدْقِ العَهْدِ، فَيَكُونُ مَآلُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى وصَدَقُوا أيْ فَعَلُوا، ووَفُّوا بِما عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، فَمِنهم مَن فَعَلَ، ووَفّى بِما عاهَدَ، وفِيهِ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ويُشْكِلُ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ لِأنَّ المُنْتَظِرَ غَيْرُ وافٍ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ قِسْمًا مِنَ الَّذِينَ صَدَقُوا أيْ وفَّوْا، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالصِّدْقِ في الآيَةِ مُطابَقَةُ النِّسْبَةِ الكَلامِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ الخارِجَةِ، وهَذا الكَلامُ المُتَضَمِّنُ لِهَذِهِ النِّسْبَةِ هو ما اقْتَضاهُ عَهْدُهم عَلى الثَّباتِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: لَئِنْ أرانا اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنُثْبِتَنَّ ولَنُقاتِلَنَّ، واتِّصافُ الخَبَرِ بِالصِّدْقِ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ، لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن مُطابَقَةِ نِسْبَتِهِ لِلْواقِعِ في أحَدِ الأزْمِنَةِ، فَنَحْوُ: يَقُومُ زَيْدٌ صادِقٌ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ وقْتَ الإخْبارِ بِهِ، وإنْ كانَ وُقُوعُ القِيامِ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ مَثَلًا، وكَذا نَحْوُ: إنْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً فالنَّهارُ مَوْجُودٌ صادِقٌ، وإنْ كانَ التَّكَلُّمُ بِهِ لَيْلًا، فَهَؤُلاءِ الرِّجالُ لَمّا أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ إنَّهم إنْ أراهُمُ اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَبَتُوا وقاتَلُوا، وعَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا مُطابِقٌ لِلْواقِعِ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم صَدَقُوا، ثُمَّ قَسَمَهم عَزَّ وجَلَّ إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أدّى ما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يُؤَدِّيهِ، وقِسْمٍ يَنْتَظِرُ وقْتًا يُؤَدِّيهِ فِيهِ، ولا يَتَّصِفُ هَذا القِسْمُ بِالكَذِبِ إلّا إذا ماتَ، وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، ولَمْ يُؤَدِّ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالصِّدْقِ ما ماتُوا حَتّى أدَّوْا فَلا إشْكالَ. نَعَمِ الإشْكالُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصِّدْقِ فِيما عاهَدُوا تَحْقِيقُ العَهْدِ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ كَما فَسَّرَهُ الرّاغِبُ، ويُرادُ مِن قَضاءِ النَّحْبِ وفاءُ النَّذْرِ أوِ العَهْدِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المُرادُ بِصِدْقِهِمُ المَذْكُورِ مُطابَقَةُ ما في ألْسِنَتِهِمْ لِما في قُلُوبِهِمْ عَلى خِلافِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ. ولا إشْكالَ في التَّقْسِيمِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: الصِّدْقُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ المُرادَ بِصَدَقُوا يُصَدِّقُونَ، وعَبَّرَ عَنِ المُضارِعِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ فَقالَ: أجْلَهُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ لَبِيدٍ: ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ ∗∗∗ أنَحَبٌ فَيَقْضِي أمْ ضَلالٌ وباطِلُ وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلَيْهِ لا مانِعَ صفحة 172 مِن أنْ يُرادَ (بِصَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) كَما ذُكِرَ عَنِ الرّاغِبِ: حَقَّقُوا العَهْدَ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى الثَّباتِ والقِتالِ إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَقَّقُوا ذَلِكَ، وثَبَتُوا فَمِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ أنَّ المُرادَ قَضى نَحْبَهُ ثابِتًا بِأنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُشْهِدَ كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، ومُعْصَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ فَيَدْخُلُ مَن ماتَ بَعْدَ الثَّباتِ حَتْفَ أنْفِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ إنْ كانَ هُنالِكَ مَن هو كَذَلِكَ، وعَدُّوا مِمَّنْ يَنْتَظِرُ عُثْمانَ وطَلْحَةَ، وأوَّلُ ما ورَدَ في طَلْحَةَ مِن أنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ في حُكْمِ مَنِ اسْتُشْهِدَ، وأوْجَبُوا ذَلِكَ فِيما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، عَنْ عائِشَةَ بِلَفْظِ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي في الأرْضِ، وقَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»» وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ فِينا: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، وأنا واللَّهِ المُنْتَظِرَ. وفِي وصْفِهِمْ بِالِانْتِظارِ المُنْبِئِ عَنِ الرَّغْبَةِ في المُنْتَظِرِ شَهادَةٌ حَقَّةٌ بِكَمالِ اشْتِياقِهِمْ إلى الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إلى المَوْتِ مُطْلَقًا حُبًّا لِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى، ورَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى ( صَدَقُوا ) وفاعِلُهُ فاعِلُهُ، أيْ وما بَدَّلُوا عَهْدَهُمْ، وما غَيَّرُوهُ تَبْدِيلًا ما لا أصْلًا ولا وصْفًا، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ راغِبِينَ فِيهِ، مُراعِينَ لِحُقُوقِهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ، أمّا الَّذِينَ قَضَوْا فَظاهِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَيَشْهَدُ بِهِ انْتِظارُهم أصْدَقَ شَهادَةٍ، وتَعْمِيمُ عَدَمِ التَّبْدِيلِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مَعَ ظُهُورِ حالِهِمْ لِلْإيذانِ بِمُساواةِ الفَرِيقِ الثّانِي لَهم في الحُكْمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( بَدَّلُوا ) لِلْمُنْتَظِرِينَ خاصَّةً بِناءً عَلى أنَّ المُحْتاجَ إلى البَيانِ حالُهُمْ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حَيْثُ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا كَما بَدَّلَ المُنافِقُونَ، فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

الأحزاب 33:24

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِيهِ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ اعْتِناءً بِأمْرِ الصِّدْقِ، ويَكْتَفِي بِما يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ لِأنَّهُ الأصْلُ ولا داعِيَ إلى خِلافِهِ، والمُرادُ: ويُعَذِّبُ المُنافِقِينَ بِنِفاقِهِمْ، ﴿إنْ شاءَ﴾ أيْ تَعْذِيبَهُمْ، ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ فَلا يُعَذِّبُهم بَلْ يَرْحَمُهم سُبْحانَهُ إنْ شاءَ عَزَّ وجَلَّ كَذا قِيلَ، وظاهِرُهُ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّعْذِيبِ والرَّحْمَةِ لِلْمُنافِقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَوْ ماتُوا عَلى النِّفاقِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى. واسْتَشْكَلَ بِأنَّ النِّفاقَ أقْبَحُ الكُفْرِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النِّساءُ: 145]، وقَدْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ مُطْلَقًا حَتْمًا لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ هَذا التَّعْلِيقُ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا إشْكالَ، فَإنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، والتَّعْلِيقُ لِذَلِكَ فَهو جَلَّ شَأْنُهُ إنْ شاءَ عَذَّبَ المُنافِقَ، وإنْ شاءَ رَحِمَهُ، لَكِنَّ المُتَحَقِّقَ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى شاءَ تَعْذِيبَهُ، ولَمْ يَشَأْ رَحْمَتَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ شاءَ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ شاءَ تَعْذِيبَهم فِيها، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ، لَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يَشَأْ، ورَفْعُ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ في مِثْلِ هَذِهِ القَضِيَّةِ يُنْتِجُ رَفْعَ التّالِيَ، وإنَّما لَمْ تُقَيَّدْ مُجازاةُ الصّادِقِينَ بِالمَشِيئَةِ كَما صفحة 173 قَيَّدَ تَعْذِيبَ المُنافِقِينَ، والتَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ بِها مَعَ أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ يَجْزِي الصّادِقِينَ وإنْ شاءَ لَمْ يَجْزِهِمْ لِمَكانِ نَفْيِ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ تَعالى لِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ هُما تَحَقُّقُ مَشِيئَةِ المُجازاةِ، وكَوْنُ الرَّحْمَةِ مَقْصُودَةً بِالذّاتِ بِخِلافِ العَذابِ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لِهَذا الأخِيرِ لَمْ يَقُلْ: لِيُثِيبَ أوْ لِيُنْعِمَ، وقالَ سُبْحانَهُ في المُقابِلِ: ( ويُعَذِّبَ ) وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِتَوْبَتِهِمْ، ومَعْنى تَوْبَتِهِ تَعالى عَلى العِبادِ قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوْ يَقْبَلُ تَوْبَتَهم إنْ تابُوا، وحُذِفَ الشَّرْطُ لِظُهُورِ اسْتِلْزامِ المَذْكُورِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ تَوْبَتُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِ تَعالى إيّاهم لِلتَّوْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكِلا هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ لِتَوْبَتِهِ تَعالى وارِدٌ كَما في القامُوسِ، وأيًّا ما كانَ، فالأمْرُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ ولا التَّوْفِيقُ لَها، والمُرادُ مِن تَعْلِيقِ تَعْذِيبِ المُنافِقِينَ بِالمَشِيئَةِ أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ عَذَّبَهم بِإبْقائِهِمْ مُنافِقِينَ، وإنْ شاءَ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَذِّبْهم بِأنْ يَسْلُبَ عَنْهم وصْفَ النِّفاقِ بِالتَّوْفِيقِ إلى الإخْلاصِ في الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَةُ إقامَتِهِمْ عَلى النِّفاقِ ومَوْتِهِمْ عَلَيْهِ، والتَّوْبَةُ مُوازَنَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَتُها تَرْكُهم بِلا عَذابٍ، فَهُناكَ أمْرانِ إقامَةٌ عَلى النِّفاقِ، وتَوْبَةٌ مِنهُ، وعَنْهُما ثَمَرَتانِ تَعْذِيبٌ ورَحْمَةٌ، فَذَكَرَ تَعالى عَلى جِهَةِ الإيجازِ واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ، ودَلَّ ما ذُكِرَ عَلى ما تَرْكِ ذِكْرِهِ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إنْ شاءَ ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَرْفُ ( أوِ ) انْتَهى، وأرادَ بِذَلِكَ حَلَّ الإشْكالِ، وكَأنَّ ما ذَكَرَهُ يَؤُولُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمُهُمْ، فَحَذَفَ سَبَبَ التَّعْذِيبِ وأثْبَتَ المُسَبَّبَ وهو التَّعْذِيبُ، وأثْبَتَ سَبَبَ الرَّحْمَةِ، والغُفْرانِ، وحَذَفَ المُسَبَّبَ وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاحْتِباكِ، قالَ في البَحْرِ: وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى ويُعَذِّبُ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أنْ يُمِيتَهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ بِنَقْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ إلى الإيمانِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ الإماتَةَ عَلى النَّفَقَةِ دُونَ التَّعْذِيبِ، كَما هو الظّاهِرُ لِما سَمِعْتَ مِنَ اسْتِشْكالِ تَعْلِيقِ تَعْذِيبِهِمْ بِالمَشِيئَةِ مَعَ أنَّهُ مُتَحَتِّمٌ، وقِيلَ لِذَلِكَ أيْضًا: إنَّ المُرادَ يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فَلا يُعَذِّبُهم فِيها، وحُكِيَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ، والكَلامُ عَلَيْهِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالمُنافِقِينَ الجَماعَةُ المَخْصُوصُونَ القائِلُونَ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحْزابُ: 12]، عَلى أنَّ ذَلِكَ كالِاسْمِ لَهم فَلا يُلاحَظُ فِيهِ مَبْدَأُ الِاشْتِقاقِ، ولا يُجْعَلُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، بَلِ العِلَّةُ لَهُ ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، فَيَكُونُ المُعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ تَعْذِيبَ أُناسٍ مَخْصُوصِينَ، ويَكُونُ المَعْنى: يُعَذِّبُ فُلانًا وفُلانًا مَثَلًا إنْ شاءَ بِأنْ يُمِيتَهم سُبْحانَهُ مُصِرِّينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِي التَّعْذِيبَ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلتَّوْبَةِ فَيَرْحَمُهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصّادِقِينَ نَحْوُ هَذا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ تَصْرِيحًا بِما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ شَيْخِ الإسْلامِ أنَّ ذِكْرَ الصِّدْقِ وحْدَهُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ حَيْثُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ والوَفاءِ قَوْلًا وفِعْلًا، ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ المَحْكِيَّةِ، قِيلَ: ولَمْ يَقُلْ في جانِبِ المُنافِقِينَ بِنِفاقِهِمْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أوْ يَتُوبَ ) إلَخْ، فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي فِعْلًا خاصًّا بِهِمْ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في ( لِيَجْزِيَ ) لِلتَّعْلِيلِ، والكَلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ تَعْلِيلٌ لِلْمَنطُوقِ مِن نَفْيِ التَّبْدِيلِ عَنِ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، والمُعَرَّضِ بِهِ مِن إثْباتِ التَّعْرِيضِ لِمَن سِواهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ الكَلامَ عَلى ما سَمِعْتَ في قُوَّةِ، ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ كَما ( بَدَّلَ ) المُنافِقُونَ، فَقَوْلُهُ: ( لِيَجْزِيَ ويُعَذِّبَ ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَنفِيِّ والمُثْبَتِ عَلى اللَّفِّ والنَّشْرِ التَّقْدِيرِيِّ، وجَعْلُ تَبْدِيلِ المُنافِقِينَ عِلَّةً لِلتَّعْذِيبِ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ المُنافِقِينَ بِالقاصِدِينَ عاقِبَةَ السُّوءِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، والقَرِينَةُ إثْباتُ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ حَقِيقَةٌ بِالنَّظَرِ صفحة 174 إلى المَنطُوقِ، ومَجازًا بِالنَّظَرِ إلى المُعَرَّضِ بِهِ، ويَكُونُ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وقَدْ جَوَّزَهُ مَن جَوَّزَهُ. وقِيلَ: لا يَبْعُدُ جَعْلُ ( لِيَجْزِيَ ) إلَخْ، تَعْلِيلًا لِلْمَنطُوقِ المُقَيَّدِ بِالمُعَرَّضِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما بَدَّلُوا كَغَيْرِهِمْ لِيَجْزِيَهم بِصِدْقِهِمْ، ويُعَذِّبَ غَيْرَهم إنْ لَمْ يَتُبْ، وأنَّهُ يَظْهَرُ بِحُسْنِ صَنِيعِهِمْ قُبْحُ غَيْرِهِمْ، وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ (لِصَدَقُوا)، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ وقِيلَ: لِما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الخَطْبِ (لِيَجْزِيَ) الآيَةَ، واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ قائِلًا: إنَّهُ طَرِيقٌ أسْهَلُ مَأْخَذًا وأبْعَدُ عَنِ التَّعَسُّفِ، وأقْرَبُ إلى المَقْصُودِ مِن جَعْلِهِ تَعْلِيلًا لِلْمَنطُوقِ والمُعَرَّضِ بِهِ، واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ لِبَيانِ ما هو داعٍ إلى وُقُوعٍ ما حُكِيَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ عَلى التَّفْصِيلِ، وغايَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحْزابُ: 8]، كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ جَمِيعُ ما وقَعَ لِيَجْزِيَ اللَّهُ إلَخْ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، وإنْ كانَ فِيهِ حَذْفٌ، فَتَأمَّلْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ لِمَن تابَ، وهَذا اعْتِراضٌ فِيهِ بَعْثٌ إلى التَّوْبَةِ.

الأحزاب 33:25

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ﴾ إلَخْ، رُجُوعٌ إلى حِكايَةِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ وتَفْصِيلٌ لِتَتِمَّةِ النِّعْمَةِ المُشارِ إلَيْها إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحْزابُ: 9]، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أرْسَلْنا)، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما بَيانُ كَوْنِ ما نَزَلَ بِهِمْ واقِعَةً طامَّةً تَحَيَّرَتْ بِهِ العُقُولُ والأفْهامُ، وداهِيَةً تَحاكَّتْ فِيها الرُّكَبُ، وزَلَّتِ الأقْدامُ، وتَفْصِيلُ ما صَدَرَ عَنْ فَرِيقَيْ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ لِإظْهارِ عِظَمِ النِّعْمَةِ وإبانَةِ خَطَرِها الجَلِيلِ بِبَيانِ وُصُولِها إلَيْهِمْ عِنْدَ غايَةِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، أيْ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، ورَدَدْنا بِذَلِكَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وجَوَّزَ شَيْخُ الإسْلامِ، ولَعَلَّ صَنِيعَهُ يُشِيرُ إلى أوْلَوِيَّتِهِ حَيْثُ بَدَأ بِهِ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى عَلى المُقَدَّرِ قَبْلَ: ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ حِكايَةِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وقَعَ ما وقَعَ مِنَ الحَوادِثِ ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أنْ جَزاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِصِدْقِهِمْ، ورَدَّ أعْداءَهم وهَذا الرَّدُّ مِن جُمْلَةِ جَزائِهِمْ عَلى صِدْقِهِمْ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا الأحْزابُ عَلى ما رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى المُشْرِكِينَ واليَهُودَ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأبِي سُفْيانَ، وأصْحابِهِ، ولَعَلَّهُ الأوْلى، وعَلى القَوْلَيْنِ المُرادُ: رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ حَوْلَ المَدِينَةِ وتَحَزُّبِهِمْ إلى مَساكِنِهِمْ، ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ لا مِن ضَمِيرِ ( كَفَرُوا )، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْظِهِمْ، وهو أشَدُّ الغَضَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ حالٌ مِن ذاكَ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرِ ( بِغَيْظِهِمْ ) أيْ غَيْرَ ظافِرِينَ بِخَيْرٍ أصْلًا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الخَيْرَ بِالظَّفَرِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، وإطْلاقُ الخَيْرِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمْ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتُ: 8]، والأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ خَيْرٍ عِنْدَهُمْ، فالنَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ سَبَبِ غَيْظِهِمْ، أوْ بَدَلًا، ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ أيْ وقاهم سُبْحانَهُ ذَلِكَ، ( وكَفى ) هَذِهِ تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى أغْنى وتَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. والكَلامُ هُنا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والأصْلُ: وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنِ القِتالِ، أيْ أغْناهم سُبْحانَهُ عَنْهُ، ولا وجْهَ لَهُ صفحة 175 وهَذِهِ الكِفايَةُ كانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: بِقَتْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ «وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ» وفي مَجْمَعِ البَيانِ: هو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ، والظّاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحْزابُ: 9]، وكَأنَّ المُرادَ بِالقِتالِ الَّذِي كَفاهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ القِتالُ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ مِن تَعْبِيَةِ الصُّفُوفِ، والرَّمْيِ بِالسِّهامِ، والمُقارَعَةِ بِالسُّيُوفِ، أوِ القِتالُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ التَّحَزُّبُ والِاجْتِماعُ بِحُكْمِ العادَةِ. وفِي البَحْرِ: ما هو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ كَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مُداوَمَةَ القِتالِ، وعَوْدَتَهُ، فَإنَّ قُرَيْشًا هُزِمُوا بِقُوَّةِ اللَّهِ تَعالى وعِزَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وما غَزَوُا المُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإلّا فَقَدْ وقَعَ قِتالٌ في الجُمْلَةِ، وقَتْلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ أصابَهُ سَهْمٌ فَماتَ مِنهُ بِمَكَّةَ، ومِن بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ فَتَوَرَّطَ فِيهِ فَقُتِلَ، ومِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ مِن بَنِي مالِكِ بْنِ حِسْلٍ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، نازَلَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَما عَلِمْتَ فَقَتَلَهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَتَلَ يَوْمَئِذٍ ابْنَهُ حِسْلًا أيْضًا فَيَكُونُ مَن قُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةً، واسْتُشْهِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الغَزْوَةِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وأنَسُ بْنُ أُوَيْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَثَمَةَ، وهُما مِن بَنِي جُشَمَ بْنِ الخَزْرَجِ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، وهو مِن بَنِي النَّجّارِ، ثُمَّ مِن بَنِي دِينارٍ أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ولَمْ يُسْتَشْهَدْ إلّا هَؤُلاءِ السِّتَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ عَلى إحْداثِ كُلِّ ما يُرِيدُ جَلَّ شَأْنُهُ، ﴿عَزِيزًا﴾ غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

الأحزاب 33:26

﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ عاوَنُوا الأحْزابَ المَرْدُودَةَ، ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهم بَنُو النَّضِيرِ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ، ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ أيْ مِن حُصُونِهِمْ جَمْعُ صِيصِيَةٍ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ، ويُقالُ لِقَرْنِ الثُّوّارِ والظِّباءِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ الَّتِي في رِجْلِهِ كالقَرْنِ الصَّغِيرِ، وتُطْلَقُ الصَّياصِي عَلى الشَّوْكِ الَّذِي لِلنَّسّاجِينَ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ الجُشَمِيِّ: نَظَرْتُ إلَيْهِ والرِّماحُ تَنُوشُهُ كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ وتُطْلَقُ عَلى الأُصُولِ أيْضًا قالَ: أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جَذَّ اللَّهُ تَعالى صِئْصِئَهُ أيْ أصْلَهُ. ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيِ الخَوْفَ الشَّدِيدَ بِحَيْثُ أسْلَمُوا أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ، وأهْلِيهِمْ، وأوْلادَهم لِلْأسْرِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن جِهَتِهِمْ حِراكٌ فَضْلًا عَنِ المُخالَفَةِ والِاسْتِعْصاءِ. وفي البَحْرِ: أنَّ قَذْفَ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنْ قَدَّمَ المُسَبَّبَ لِما أنَّ السُّرُورَ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرُ، والإخْبارَ بِهِ أهَمُّ، وقَدَّمَ مَفْعُولَ ( تَقْتُلُونَ ) لِأنَّ القَتْلَ وقَعَ عَلى الرِّجالِ، وكانُوا مَشْهُورِينَ، وكانَ الِاعْتِناءُ بِحالِهِمْ أهَمَّ، ولَمْ يَكُنْ في المَأْسُورِينَ هَذا الِاعْتِناءُ، بَلِ الِاعْتِناءُ هُناكَ بِالأسْرِ أشَدُّ، ولَوْ قِيلَ: وفَرِيقًا تَأْسِرُونَ لَرُبَّما ظُنَّ قَبْلَ سَماعِ تَأْسِرُونَ أنَّهُ يُقالُ بَعْدُ تَهْزِمُونَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وقِيلَ: قَدَّمَ المَفْعُولَ في الجُمْلَةِ الأُولى لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ صفحة 176 لِتَفْصِيلِهِ، وأُخِّرَ في الثّانِيَةِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وقِيلَ: التَّقْدِيمُ لِذَلِكَ، وأمّا التَّأْخِيرُ فَلِئَلّا يَفْصِلَ بَيْنَ القَتْلِ وأخِيهِ، وهو الأسْرُ فاصِلٌ، وقِيلَ: غُويِرَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في النَّظْمِ لِتَغايُرِ حالِ الفَرِيقَيْنِ في الواقِعِ، فَقَدْ قُدِّمَ أحَدُهُما، فَقُتِلَ، وأُخِّرَ الآخَرُ فَأُسِرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ «الرُّعُبَ» بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «تَأْسُرُونَ» بِضَمِّ السِّينِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ «يَأْسِرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ أنَسٍ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ بِها فِيهِ، وفي (يَقْتُلُونَ)، ولا يَظْهَرُ لِي وجْهٌ وجِيهٌ لِتَخْصِيصِ الِاسْمِ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ فَتَأمَّلْ، وتَفْصِيلُ القِصَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ أنَّهُ لَمّا كانَتْ صَبِيحَةُ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيها الأحْزابُ، أوْ ظُهْرُ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ، وقَدْ «رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُسْلِمُونَ إلى داخِلِ المَدِينَةِ أتى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَجِرًا بِعِمامَةِ إسْتَبْرَقٍ عَلى بَغْلَةٍ عَلَيْها رِحالَةٌ عَلَيْها قَطِيفَةٌ مِن دِيباجٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ تَغْسِلُ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ، وقَدْ غَسَلَتْ شِقَّهُ فَقالَ: أوَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكَ، ما وضَعَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ السِّلاحَ بَعْدُ، وما رَجَعْتُ إلّا الآنَ مِن طَلَبِ القَوْمِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِالمَسِيرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ وإنِّي عامِدٌ إلَيْهِمْ، فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُؤَذِّنًا، فَأذَّنَ في النّاسِ، (مَن كانَ سامِعًا مُطِيعًا، فَلا يُصَلِّينَ العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ)، واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِرايَتِهِ إلَيْهِمْ، وابْتَدَرَها النّاسُ، فَسارَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَتّى إذا دَنا مِنَ الحُصُونِ سَمِعَ مِنها مَقالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا عَلَيْكَ أنْ تَدْنُوَ مِن هَؤُلاءِ الأخابِثِ قالَ: لِمَ؟ أظُنُّكَ سَمِعْتَ لِي مِنهم أذًى، قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَوْ رَأوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمّا دَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن حُصُونِهِمْ قالَ: يا إخْوانَ القِرَدَةِ، هَلْ أخْزاكُمُ اللَّهُ تَعالى، وأنْزَلَ بِكم نِقْمَتَهُ؟ قالُوا: يا أبا القاسِمِ، ما كُنْتَ جَهُولًا، وفي رِوايَةٍ: فَحّاشًا، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِهِ بِالصُّورَيْنِ، قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: هَلْ مَرَّ بِكم أحَدٌ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ مَرَّ بِنا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها رِحالَةٌ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، ولَمّا أتاهم ﷺ نَزَلَ عَلى بِئْرٍ مِن آبارِها مِن ناحِيَةِ أمْوالِهِمْ يُقالُ لَها: بِئْرُ أنّا، وتَلاحَقَ النّاسُ فَأتى رِجالٌ مِن بَعْدِ العِشاءِ الآخِرَةِ، ولَمْ يُصَلُّوا العَصْرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ) وقَدْ شَغَلَهم ما لَمْ يَكُنْ لَهم مِنهُ بُدٌّ في حَرْبِهِمْ، فَلَمّا أتَوْا صَلَّوْها بَعْدَ العِشاءِ فَما عابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في كِتابِهِ، ولا عَنَّفَهم رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وحاصَرَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَمْسَةً وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وجَهِدَهُمُ الحِصارُ، وخافُوا أشَدَّ الخَوْفِ، وقَدْ كانَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ دَخَلَ مَعَهم في حِصْنِهِمْ حِينَ رَجَعَتْ عَنْهم قُرَيْشٌ وغَطَفانُ، وفاءً لِكَعْبِ بْنِ أسَدٍ بِما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا أيْقَنُوا بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهم حَتّى يُناجِزَهُمْ، قالَ لَهم كَعْبٌ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، قَدْ نَزَلَ بِكم مِنَ الأمْرِ ما تَرَوْنَ، وإنِّي عارِضٌ عَلَيْكم خِلالًا، فَخُذُوا أيَّها شِئْتُمْ، قالُوا: وما هِيَ؟ قالَ: نُتابِعُ هَذا الرَّجُلَ ونُصَدِّقُهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وأنَّهُ الَّذِي تَجِدُونَهُ في كِتابِكم فَتَأْمَنُونَ عَلى دِمائِكُمْ، وأمْوالِكُمْ، وأبْنائِكُمْ، ونِسائِكُمْ، قالُوا: لا نُفارِقُ حُكْمَ التَّوْراةِ أبَدًا، ولا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قالَ: فَإذا أبَيْتُمْ عَلى هَذِهِ، فَلْنَقْتُلْ أبْناءَنا ونِساءَنا، ثُمَّ نَخْرُجُ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ رِجالًا مُصَلَّتِينَ بِالسُّيُوفِ، لَمْ نَتْرُكْ وراءَنا ثِقَلًا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فَإنْ نَهْلِكْ نَهْلِكْ ولَمْ نَتْرُكْ صفحة 177 وراءَنا نَسْلًا نَخْشى عَلَيْهِ، وأنْ نَظْهَرَ، فَلَعَمْرِي لَنَتَّخِذَنَّ النِّساءَ والأبْناءَ، قالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلاءِ المَساكِينَ، فَما خَيْرُ العَيْشِ بَعْدَهُمْ، قالَ: فَإنْ أبَيْتُمْ عَلى هَذِهِ، فَإنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ وإنَّهُ عَسى أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ قَدْ أمِنُونا فِيها، فانْزِلُوا لَعَلَّنا نُصِيبُ مِنهم غِرَّةً، قالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنا ونُحْدِثُ فِيهِ ما لَمْ يُحْدِثْ مَن كانَ قَبْلَنا، إلّا مَن قَدْ عَلِمْتَ، فَأصابَهُ ما لَمْ يَخَفَ عَلَيْكَ مِنَ المَسْخِ، قالَ: فَما باتَ رَجُلٌ مِنكم مُنْذُ ولَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً واحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ حازِمًا، ثُمَّ إنَّهم بَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنِ ابْعَثْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ أخا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وكانُوا حُلَفاءَ الأوْسِ نَسْتَشِيرُهُ في أمْرِنا، فَأرْسَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ فَلَمّا رَأوْهُ قامَ إلَيْهِ الرِّجالُ، وجَهَشَ إلَيْهِ النِّساءُ والصِّبْيانُ يَبْكُونَ في وجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، وقالُوا لَهُ: يا أبا لُبابَةَ أتَرى أنْ نَنْزِلَ عَلى حُكْمِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ: نَعَمْ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ، إنَّهُ الذَّبْحُ، فَعَرَفَ أنَّهُ قَدْ خانَ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَهَبَ إلى المَدِينَةِ، ورَبَطَ نَفْسَهُ بِجِذْعٍ في المَسْجِدِ حَتّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَنْزَلَهُمْ، فَتَواثَبَ الأوْسُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهم مَوالِينا دُونَ الخَزْرَجِ، وقَدْ فَعَلْتَ في مَوالِي إخْوانِنا بِالأمْسِ ما قَدْ عَلِمْتَ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ حاصَرَ بَنِي قَيْنُقاعَ، وقَدْ كانُوا حُلَفاءَ الخَزْرَجِ فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ فَسَألَهُ إيّاهم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَوَهَبَهم لَهُ، فَلَمّا كَلَّمَتْهُ الأوْسُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأوْسِ أنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنكُمْ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَذاكَ، إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ جَعَلَهُ في خَيْمَةٍ لِامْرَأةٍ مِن أسْلَمَ، يُقالُ لَها: رُفَيْدَةُ في مَسْجِدِهِ، كانَتْ تُداوِي الجَرْحى، وتَحْتَسِبُ بِنَفْسِها عَلى خِدْمَةِ مَن كانَتْ بِهِ صَنِيعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ كانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ الخَنْدَقِ رَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: ابْنُ العَرِقَةِ بِسَهْمٍ، فَأصابَ أكْحُلَهُ فَقَطَعَهُ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتّى تَقَرَّ عَيْنِي مِن قُرَيْظَةَ، ورُوِيَ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ هُمُ اخْتارُوا النُّزُولَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ ورَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَأتاهُ قَوْمُهُ، وهو في المَسْجِدِ، فَحَمَلُوهُ عَلى حِمارٍ، وقَدْ وطَّؤُوا لَهُ بِوِسادَةٍ مِن أدَمٍ، وكانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمَّ أقْبَلُوا مَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يَقُولُونَ: يا أبا عَمْرٍو أحْسِنْ في مَوالِيكَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما ولّاكَ ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ، فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أنْ لا تَأْخُذَهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، فَرَجَعَ بَعْضُ مَن كانَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ إلى دارِ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَنَعى إلَيْهِمْ رِجالَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ عَنْ كَلِمَتِهِ الَّتِي سَمِعَ مِنهُ، فَلَمّا انْتَهى سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُسْلِمِينَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ» فَأمّا المُهاجِرُونَ مِن قُرَيْشٍ فَقالُوا: إنَّما أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الأنْصارَ، وأمّا الأنْصارُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَمَّ بِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْلِمِينَ، فَقامُوا إلَيْهِ، فَقالُوا: يا أبا عَمْرٍو، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ ولّاكَ أمْرَ مُوالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ، فَقالَ سَعْدٌ: عَلَيْكم عَهْدُ اللَّهِ تَعالى ومِيثاقُهُ أنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ لَما حَكَمْتُ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وعَلى مَن ها هُنا في النّاحِيَةِ الَّتِي فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو مُعَرِّضٌ بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ، قالَ سَعْدٌ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ الرِّجالُ، وتُقَسَّمَ الأمْوالُ، وتُسْبى الذَّرارِي والنِّساءُ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ، فَحَبَسَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دارِ بِنْتِ الحارِثِ امْرَأةٍ مِن بَنِي النَّجّارِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى سُوقِ المَدِينَةِ الَّتِي هي سُوقُها اليَوْمَ، فَخَنْدَقَ بِها خَنادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ فَضَرَبَ أعْناقَهم في تِلْكَ الخَنادِقِ، يَخْرُجُ إلَيْهِمْ بِها أرْسالًا، وفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ رَأْسُ القَوْمِ صفحة 178 وهم سِتُّمِائَةٍ أوْ سَبْعُمِائَةٍ، والمُسْتَكْثِرُ لَهم يَقُولُ: كانُوا بَيْنَ الثَّمانِمِائَةِ والتِّسْعِمِائَةِ، وقَدْ قالُوا لِكَعْبٍ وهم يُذْهَبُ بِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أرْسالًا يا كَعْبُ ما تُراهُ يَصْنَعُ بِنا؟ قالَ: أفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لا تَعْقِلُونَ، أما تَرَوْنَ الدّاعِيَ لا يَنْزِعُ، ومَن ذَهَبَ مِنكم لا يَرْجِعُ، هو واللَّهِ القَتْلُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأْبَ، حَتّى فَرَغَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُتِيَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى وعَلَيْهِ حُلَّةٌ تُفّاحِيَّةٌ قَدْ شَقَّها عَلَيْهِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ قَدْرَ أنْمُلَةٍ أنْمُلَةٍ لِئَلّا يَسْلُبَها مَجْمُوعَةُ يَداهُ إلى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ، فَلَمّا نَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: أما واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّهُ مَن يَخْذُلِ اللَّهَ تَعالى يُخْذَلْ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كِتابٍ وقَدَرٍ ومَلْحَمَةٍ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ فَقالَ فِيهِ جَبَلُ بْنُ جِدالٍ التَّغْلِبِيُّ: لَعُمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذُلِ اللَّهَ يُخْذَلُ لِجاهِدٍ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلٍ يَبْغِي العِزَّ كُلُّ مُقَلْقَلِ » ورُوِيَ «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَوْهَبَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الزُّبَيْرَ بْنَ باطا القُرَظِيَّ لِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ يَوْمَ بُعاثَ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هو لَكَ، فَأتاهُ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ وهَبَ لِي دَمَكَ، فَهو لَكَ قالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ فَما يَصْنَعُ بِالحَياةِ، ولا أهْلَ لَهُ، ولا ولَدَ؟ فَأتى ثابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، امْرَأتُهُ ووَلَدُهُ، قالَ: هم لَكَ فَأتاهُ، فَقالَ قَدْ وهَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أهْلَكَ ووَلَدَكَ فَهم لَكَ، قالَ أهْلُ بَيْتٍ بِالحِجازِ: لا مالَ لَهم فَما بَقاؤُهم عَلى ذَلِكَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ما لَهُ؟ قالَ: هو لَكَ، فَأتاهُ، فَقالَ: قَدْ أعْطانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مالَكَ، فَهو لَكَ، فَقالَ أيْ ثابِتٌ: ما فَعَلَ الَّذِي كانَ وجْهُهُ مِرْآةً صِينِيَّةً يَتَمَرَّأُ فِيها عَذارى الحَيِّ كَعْبُ بْنُ أسَدٍ؟ قالَ: قُتِلَ، قالَ: فَما فَعَلَ مُقَدَّمَتُنا إذا شَدَدْنا وحامِيَتُنا إذا فَرَرْنا غَزالُ بْنُ شَمْوالَ؟ قالَ: قُتِلَ، قالَ: فَما فَعَلَ المَجْلِسانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، قالَ: قُتِلُوا، قالَ: فَإنِّي أسْألُكَ يا ثابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ ألا ألْحِقْنِي بِالقَوْمِ، فَواللَّهِ ما في العَيْشِ بَعْدَ هَؤُلاءِ مِن خَيْرٍ، فَما أنا بِصابِرٍ لِلَّهِ تَعالى قِتْلَةَ ذِكْرِ ناصِحٍ حَتّى ألْقى الأحِبَّةَ، فَقَدَّمَهُ ثابِتٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، فَلَمّا بَلَغَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلُهُ: ألْقى الأحِبَّةَ، قالَ: يَلْقاهُمْ، واللَّهِ في جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها مُخَلَّدِينَ، واسْتَوْهَبَتْ سَلْمى بِنْتُ أقْيَسَ أُمُّ المُنْذِرِ أُخْتُ سَلِيطِ بْنِ قَيْسٍ، وكانَتْ إحْدى خالاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قَدْ صَلَّتْ مَعَهُ القِبْلَتَيْنِ، وبايَعَتْهُ مُبايَعَةَ النِّساءِ رِفاعَةَ بْنَ شَمْوالَ القُرَظِيَّ، وقالَتْ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَبْ لِي رِفاعَةَ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ سَيَصِلُ ويَأْكُلُ لَحْمَ الجَمَلِ، فَوَهَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَها فاسْتَحْيَتْهُ. وقَتَلَ مِنهُ كُلَّ مَن أنْبَتَ مِنَ الذُّكُورِ، وأمّا النِّساءُ فَلَمْ يَقْتُلْ مِنهم إلّا امْرَأةً يُقالُ لَها لُبابَةُ زَوْجَةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ وكانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ». أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: واللَّهِ إنَّ هَذِهِ الِامْرَأةُ لَعِنْدِي تُحَدِّثُ مَعِي وتَضْحَكُ ظَهْرًا وبَطْنًا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجالَها بِالسُّيُوفِ، إذْ هَتَفَ هاتِفٌ بِاسْمِها أيْنَ فُلانَةُ؟ قالَتْ: أنا واللَّهِ، قُلْتُ لَها: ويْلُكِ ما لَكِ؟ قالَتْ: أُقْتَلُ، قُلْتُ: ولِمَ؟ قالَتْ: لِحَدَثٍ أحْدَثْتُهُ، فانْطُلِقَ بِها فَضُرِبَتْ عُنُقُها، فَكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها تَقُولُ: فَواللَّهِ ما أنْسى عَجَبًا مِنها طِيبَ نَفْسِها، وكَثْرَةَ ضَحِكِها، وقَدْ عَرَفَتْ أنَّها تُقْتَلُ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَسَّمَ صفحة 179 أمْوالَهم ونِساءَهم وأبْناءَهم عَلى المُسْلِمِينَ، وأُعْلِمَ في ذَلِكَ اليَوْمِ سُهْمانُ الخَيْلِ وسُهْمانُ الرِّجالِ، وأُخْرِجَ مِنها الخُمُسُ، وكانَ لِلْفَرَسِ سَهْمانِ، ولِلْفارِسِ سَهْمٌ، ولِلرّاجِلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ سَهْمٌ، وكانَتِ الخَيْلُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ سِتَّةً وثَلاثِينَ فَرَسًا، وهو أوَّلُ فَيْءٍ وقَعَتْ فِيهِ السُّهْمانُ، وأُخْرِجَ مِنهُ الخُمُسُ» عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ، «ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، أخا بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ بِسَبايا مِن سَبايا القَوْمِ، وكانَتِ السَّبايا كُلُّها عَلى ما قِيلَ سَبْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ إلى نَجْدٍ، فابْتاعَ بِها لَهم خَيْلًا وسِلاحًا، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ اصْطَفى لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ مِن نِسائِهِمْ رَيْحانَةَ بِنْتَ عَمْرٍو وكانَتْ في مِلْكِهِ ﷺ حَتّى تُوُفِّيَ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَرَضَ عَلَيْها أنْ يَتَزَوَّجَها ويَضْرِبَ عَلَيْها الحِجابَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي في مِلْكٍ، فَهو أخَفُّ عَلَيَّ، وعَلَيْكَ، فَتَرَكَها ﷺ، وكانَتْ حِينَ سَباها قَدْ أبَتْ إلّا اليَهُودِيَّةَ فَعَزَلَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَجَدَ في نَفْسِهِ لِذَلِكَ، فَبَيْنَما هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أصْحابِهِ، إذْ سَمِعَ وقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقالَ: إنَّ هَذا لَنَعْلا ابْنِ شُعْبَةَ جاءَ يُبَشِّرُنِي بِإسْلامِ رَيْحانَةَ، فَجاءَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أسْلَمَتْ رَيْحانَةُ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ مِن أمْرِها،» وكانَ الفَتْحُ عَلى ما في البَحْرِ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ، وهَذِهِ الغَزْوَةُ وغَزْوَةُ الخَنْدَقِ كانَتا في سَنَةٍ واحِدَةٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلَ القِصَّةِ، وهو الصَّحِيحُ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ كُلًّا مِنهُما في سَنَةٍ، ولَمّا انْقَضى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ جُرْحُهُ فَماتَ شَهِيدًا، وقَدِ اسْتَبْشَرَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِرُوحِهِ واهْتَزَّ لَهُ العَرْشُ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: وما اهْتَزَّ عَرْشُ اللَّهِ مِن مَوْتِ هالِكٍ ∗∗∗ سَمِعْنا بِهِ إلّا لِسَعْدٍ أبِي عَمْرِو واسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ خَلّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، وطُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًى فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، وذَكَرُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: إنَّ لَهُ لَأجْرَ شَهِيدَيْنِ. وماتَ أبُو سِنانِ بْنُ مُحْصَنِ بْنِ حَرْثانَ أخُو بَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُحاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ فَدُفِنَ في مَقْبَرَتِهِمُ الَّتِي يَدْفِنُونَ فِيها اليَوْمَ، وإلَيْهِ دَفَنُوا مَوْتاهم في الإسْلامِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ في كُتُبِ السِّيَرِ.

الأحزاب 33:27

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( أنْزَلَ ) إلَخْ، والمُرادُ بِأرْضِهِمْ مَزارِعَهُمْ، وتَقَدَّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّخْلِ والزُّرُوعِ. وفِي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( أوْرَثَكم ) إشْعارٌ بِأنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ، وأنَّ مُلْكَهم إيّاهُ مُلْكٌ قَوِيٌّ لَيْسَ بِعَقْدِ الفَسْخِ أوِ الإقالَةِ ﴿ودِيارَهُمْ﴾ أيْ حُصُونَهم ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ نُقُودَهم ومَواشِيَهم وأثاثَهُمُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها أرْضُهم ودِيارُهم. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ «أنَّ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَكَمَ بِقَتْلِ مُقاتِلِهِمْ، وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ بِأنَّ أعْقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَ قَوْمُهُ: أتُؤْثِرُ المُهاجِرِينَ بِالأعْقارِ عَلَيْنا؟ فَقالَ: إنَّكم ذُو أعْقارٍ وإنَّ المُهاجِرِينَ لا أعْقارَ لَهُمْ، وأمْضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُكْمَهُ». وفِي الكَشّافِ: رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَعَلَ عَقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَتِ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّكم في مَنازِلِكُمْ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أما تُخَمِّسُ كَما خَمَّسْتَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قالَ: لا، إنَّما جُعِلَتْ هَذِهِ لِي طُعْمَةً دُونَ النّاسِ، قالَ: رَضِينا بِما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ». صفحة 180 وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ الخَبَرَ رَواهُ الواقِدِيُّ مِن رِوايَةِ خارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمِّ العَلاءِ، قالَتْ: (لَمّا غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنِي النَّضِيرِ جَعَلَ...) الحَدِيثَ، ومِن طَرِيقِ المِسْوَرِ بْنِ رِفاعَةَ قالَ: «فَقالَ عُمَرُ: (يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا تُخَمِّسُ ما أُصِيبَ مِن بَنِي النَّضِيرِ)» الحَدِيثَ اهـ، وعَلَيْهِ لا يَحْسُنُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ ذِكْرُهُ ها هُنا، مَعَ أنَّ الآياتِ عِنْدَهُ في شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيما وقَعَ لِبَنِي النَّضِيرِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الحَشْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ قالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ فُتِحَتْ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ يَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ، وقالَ الحَسَنُ: هي أرْضُ الرُّومِ، وفارِسُ، وقِيلَ: اليَمَنُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي ما ظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ في البَحْرِ، وقالَ عُرْوَةُ: لا أحْسَبُها إلّا كُلَّ أرْضٍ فَتَحَها اللَّهُ تَعالى عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ هو عَزَّ وجَلَّ فاتِحُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ عَلى ( أرْضَهم )، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ الإرْثَ ماضٍ حَقِيقَةً بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ومَجازًا بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا المَعْطُوفِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُرادُ بِأوْرَثَكم أوْرَثَكم في عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِيما وقَعَ مِنَ الإرْثِ كَأرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وفِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ كَإرْثِ ما لَمْ يَكُنْ مَفْتُوحًا وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ. وقَدَّرَ بَعْضُهم أوْرَثَكم في جانِبِ المَعْطُوفِ مُرادًا بِهِ يُورِثُكُمْ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والدَّلِيلِ المَذْكُورِ، واسْتُبْعِدَ دِلالَةُ المَذْكُورِ عَلَيْهِ لِتَخالُفِهِما حَقِيقَةً ومَجازًا. وقِيلَ: الدَّلِيلُ ما بَعْدُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وكانَ اللَّهُ ) إلَخْ، ثُمَّ إذا جُعِلَتِ الأرْضُ شامِلَةً لِما فُتِحَ عَلى أيْدِي الحاضِرِينَ، ولِما فُتِحَ عَلى أيْدِي غَيْرِهِمْ مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم لا يَخُصُّ الخِطابُ الحاضِرِينَ، كَما لا يَخْفى. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أُرِيدَ بِهَذِهِ الأرْضِ نِساؤُهُمْ، وعَلَيْهِ لا يُتَوَهَّمُ إشْكالٌ في العَطْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «لَمْ تَطَوُها» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ أبْدَلَ هَمْزَةَ تَطَأُ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: إنَّ السِّباعَ لَتُهْدى في مَرابِضِها والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدًا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ، فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ لَمْ تَرَوْها، ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فَهو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَمْلِكَكم ما شاءَ.

الأحزاب 33:28

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيِ السَّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها، ﴿وزِينَتَها﴾ أيْ زُخْرُفَها، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ أقْبِلْنَ بِإرادَتِكُنَّ واخْتِيارِكُنَّ لِإحْدى الخَصْلَتَيْنِ كَما يُقالُ: أقْبَلَ يُخاصِمُنِي، وذَهَبَ يُكَلِّمُنِي، وقامَ يُهَدِّدُنِي، وأصْلُ تَعالَ أمْرٌ بِالصُّعُودِ لِمَكانٍ عالٍ، ثُمَّ غَلَبَ في الأمْرِ بِالمَجِيءِ مُطْلَقًا والمُرادُ ها هُنا ما سَمِعْتَ، وقالَ الرّاغِبُ: قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أصْلَهُ مِنَ العُلُوِّ، وهو ارْتِفاعُ المَنزِلَةِ، فَكَأنَّهُ دُعاءٌ إلى ما فِيهِ رِفْعَةٌ كَقَوْلِكَ: افْعَلْ كَذا غَيْرَ صاغِرٍ، تَشْرِيفًا لِلْمَقُولِ لَهُ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مُرادٍ هُنا، كَما لا يَخْفى، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أيْ أُعْطِكُنَّ مُتْعَةَ الطَّلاقِ، والمُتْعَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها، ولَمْ يُفْرَضْ لَها في العَقْدِ واجِبَةٌ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأصْحابِهِ، ولِسائِرِ المُطَلَّقاتِ مُسْتَحَبَّةٌ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ مُتْعَتانِ أحَدُهُما يَقْضِي بِها السُّلْطانُ ويُجْبِرُ عَلَيْها مَن طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ ويَدْخُلَ بِها، والثّانِيَةُ حَقٌّ عَلى المُتَّقِينَ مَن طَلَّقَ بَعْدَ ما فَرَضَ ودَخَلَ. وخاصَمَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ في المُتْعَةِ، فَقالَ: مَتِّعْها إنْ كُنْتَ مِنَ المُتَّقِينَ، ولَمْ يُجْبِرْهُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: المُتْعَةُ حَقٌّ مَفْرُوضٌ، وعَنِ الحَسَنِ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلّا المُخْتَلِعَةَ والمُلاعِنَةَ، والمُتْعَةُ دِرْعٌ وحِمارٌ ومِلْحَفَةٌ عَلى حَسَبِ السَّعَةِ، والإقْتارِ، إلّا أنْ يَكُونَ نِصْفُ مَهْرِها أقَلَّ مِن ذَلِكَ فَيَجِبُ لَها الأقَلُّ مِنهُما، ولا صفحة 181 يَنْقُصُ مِن خَمْسَةِ دَراهِمَ، لِأنَّ أقَلَّ المَهْرِ عَشَرَةُ دَراهِمَ، فَلا يَنْقُصُ مِن نِصْفِها كَذا في الكَشّافِ، وتَمامُ الكَلامِ في الفُرُوعِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَزْمُ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، ويَكُونَ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ، والجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ قَدْ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ: واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِّرا وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ «أُمَتِّعُكُنَّ وأُسَرِّحُكُنَّ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أُمَتِّعُكُنَّ» بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، والتَّسْرِيحُ في الأصْلِ مُطْلَقُ الإرْسالِ ثُمَّ كَنّى بِهِ عَنِ الطَّلاقِ أيْ وأُطَلِّقُكُنَّ، ﴿سَراحًا﴾ أيْ طَلاقًا ﴿جَمِيلا﴾ أيْ ذا حُسْنٍ كَثِيرٍ بِأنْ يَكُونَ سُنِّيًّا لا ضِرارَ فِيهِ، كَما في الطَّلاقِ البِدْعِيِّ المَعْرُوفِ عِنْدَ الفُقَهاءِ. وفي مَجْمَعِ البَيانِ تَفْسِيرُ السَّراحِ الجَمِيلِ بِالطَّلاقِ الخالِي عَنِ الخُصُومَةِ والمُشاجَرَةِ، وكانَ الظّاهِرُ تَأْخِيرُ التَّمْتِيعِ عَنِ التَّسْرِيحِ لِما أنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ إيناسًا لَهُنَّ وقَطْعًا لِمَعاذِيرِهِنَّ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةُ: 43]، مِن وجْهٍ، ولِأنَّهُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّنْيا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّهِ بِناءً عَلى أنَّ إرادَةَ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ الطَّلاقِ، والسَّراحُ الإخْراجُ مِنَ البُيُوتِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أرَدْتُنَّ الدُّنْيا وطُلِّقْتُنَّ فَتَعالَيْنَ أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ، وأُخْرِجُكُنَّ مِنَ البُيُوتِ إخْراجًا جَمِيلًا بِلا مُشاجَرَةٍ ولا إيذاءٍ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ أزْواجَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألْنَهُ ثِيابَ الزِّينَةِ وزِيادَةَ النَّفَقَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ، والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَلِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَدَخَلا، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ، وحَوْلَهُ نِساؤُهُ، وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ يَعْنِي امْرَأتَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَألَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ عُنُقَها فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَدا ناجِذُهُ، وقالَ: هُنَّ حَوْلِي سَألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى حَفْصَةَ كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ. وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الخِيارَ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هُوَ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ بَلْ أخْتارُ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِامْرَأةٍ مِن نِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا، ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا أخْبَرْتِنِي إلّا أخْبَرْتُها)». وفِي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ كانَ تَحْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تِسْعُ نِسْوَةٍ خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وكانَ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ، وبَدَأ بِعائِشَةَ، فَلَمّا اخْتارَتِ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدّارَ الآخِرَةَ رُئِيَ الفَرَحُ في صفحة 182 وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَتَتابَعْنَ كُلُّهُنَّ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَيَّرَهُنَّ، واخْتَرْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدّارَ الآخِرَةَ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ذَلِكَ، إذْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحْزابُ: 52]، فَقَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي اخْتَرْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ». وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَيَّرَ نِساءَهُ، فاخْتَرْنَ جَمِيعًا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرَ العامِرِيَّةِ اخْتارَتْ قَوْمَها. فَكانَتْ بَعْدُ تَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ، وكانَتْ تَلْقُطُ البَعْرَ وتَبِيعُهُ، وتَسْتَأْذِنُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ». وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جَناحٍ قالَ: اخْتَرْنَهُ جَمِيعًا غَيْرَ العامِرِيَّةِ، كانَتْ ذاهِبَةَ العَقْلِ حَتّى ماتَتْ. وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: غَيْرَ الحِمْيَرِيَّةِ، وهي العامِرِيَّةُ، وكانَ هَذا التَّخْيِيرُ كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ بَعْدَ أنْ هَجَرَهُنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَهْرًا تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا. وفي البَحْرِ «أنَّهُ لَمّا نَصَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَدَّ عَنْهُ الأحْزابَ وفَتَحَ عَلَيْهِ النَّضِيرَ وقُرَيْظَةَ ظَنَّ أزْواجَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ اخْتَصَّ بِنَفائِسِ اليَهُودِ وذَخائِرِهِمْ، فَقَعَدْنَ حَوْلَهُ، وقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَناتُ كِسْرى، وقَيْصَرَ في الحُلِيِّ والحُلَلِ، والإماءِ والخَوَلِ، ونَحْنُ عَلى ما تَراهُ مِنَ الفاقَةِ والضِّيقِ، وآلَمْنَ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُطالَبَتِهِنَّ لَهُ بِتَوْسِعَةِ الحالِ، وأنْ يُعامِلَهُنَّ بِما تُعامِلُ بِهِ المُلُوكُ وأبْناءُ الدُّنْيا أزْواجَهُمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِنَّ ما نَزَلَ في أمْرِهِنَّ،» وما أحْسَنَ مَوْقِعَ هَذِهِ الآياتِ عَلى هَذا بَعْدَ انْتِهاءِ قِصَّةِ الأحْزابِ، وبَنِي قُرَيْظَةَ كَما لا يَخْفى، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِأوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ أنَّ مَكارِمَ الأخْلاقِ مُنْحَصِرَةٌ في شَيْئَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِإرْشادِ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ التَّعْظِيمِ لَهُ تَعالى، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحْزابُ: 2] إلَخْ، ثُمَّ أرْشَدَهُ سُبْحانَهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ الشَّفَقَةِ، وبَدَأ بِالزَّوْجاتِ لِأنَّهُنَّ أوْلى النّاسِ بِذَلِكَ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الشَّرْطِيَّةَ المَذْكُورَةَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى:

الأحزاب 33:29

﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إلَخْ، لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما سَمِعْتَ. وقالَ الإمامُ: إنَّ التَّقْدِيمَ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الدُّنْيا، ولَذّاتِها غايَةَ الِالتِفاتِ، وذَكَرَ أنَّ في وصْفِ السَّراحِ بِالجَمِيلِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا، ومَعْنى ( إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ) إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ رَسُولَ اللَّهِ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهُ تَعالى، ﴿والدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ نَعِيمَها الباقِيَ الَّذِي لا قَدْرَ عِنْدَهُ لِلدُّنْيا وما فِيها، ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ﴾ أيْ هَيَّأ، ويَسَّرَ ﴿لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ بِمُقابَلَةِ إحْسانِهِنَّ ﴿أجْرًا﴾ لا تُحْصى كَثْرَتُهُ ﴿عَظِيمًا﴾ لا تُسْتَقْصى عَظَمَتُهُ، و(مِن) لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ كُلَّهُنَّ كُنَّ مُحْسِناتٍ. وقِيلَ: ويَجُوزُ فِيهِ التَّبْعِيضُ عَلى أنَّ المُحْسِناتِ المُخْتاراتُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واخْتِيارُ الجَمِيعِ لَمْ يُعْلَمْ وقْتُ النُّزُولِ، وهو عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعِيدٌ، وجَوابُ ( إنْ ) في الظّاهِرِ ما قُرِنَ بِالفاءِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: الماضِي فِيهِ بِمَعْنى المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ نَحْوَ: تُثَبْنَ، أوْ تَنُلْنَ خَيْرًا، وما ذَكَرَ دَلِيلُهُ، وتَجْرِيدُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى عَنِ الوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ مَعْنى صفحة 183 التَّخْيِيرِ والِاحْتِرازِ عَنْ شائِبَةِ الإكْراهِ، قِيلَ: وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ التَّمْتِيعِ عَلى التَّسْرِيحِ، ووَصْفِ التَّسْرِيحِ بِالجَمِيلِ. هَذا واخْتُلِفَ فِيما وقَعَ مِنَ التَّخْيِيرِ هَلْ كانَ تَفْوِيضُ الطَّلاقِ إلَيْهِنَّ حَتّى يَقَعَ الطَّلاقُ بِنَفْسِ الِاخْتِيارِ أوْ لا، فَذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو الظّاهِرُ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفْوِيضَ الطَّلاقِ، وإنَّما كانَ تَخْيِيرًا لَهُنَّ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، عَلى أنَّهُنَّ إنْ أرَدْنَ الدُّنْيا فارَقَهُنَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ كانَ تَفْوِيضًا لِلطَّلاقِ إلَيْهِنَّ حَتّى لَوْ أنَّهُنَّ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ كانَ ذَلِكَ طَلاقًا، وكَذا اخْتُلِفَ في حُكْمِ التَّخْيِيرِ بِأنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: اخْتارِي، فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، أوِ اخْتارِي نَفْسَكِ، فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ، فَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ يَقَعُ الطَّلاقُ الثَّلاثُ، وبِهِ أخَذَ مالِكٌ في المَدْخُولِ بِها، وفي غَيْرِها يُقْبَلُ مِنَ الزَّوْجِ دَعْوى الواحِدَةِ، وعَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ يَقَعُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وسُفْيانَ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ. وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنَّهُ يَقَعُ واحِدَةً بائِنَةً. ورَوى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وبِذَلِكَ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، فَإنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ تَقَعُ طَلْقَةٌ واحِدَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ رِوايَتانِ إحْداهُما أنَّهُ تَقَعُ واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، والأُخْرى أنَّهُ لا يَقَعُ شَيْءٌ أصْلًا، وعَلَيْهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ. وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المَرْوِيَّ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ اخْتِصاصُ التَّخْيِيرِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ. واخْتُلِفَ في مُدَّةِ مِلْكِ الزَّوْجَةِ الِاخْتِيارَ إذا قالَ لَها الزَّوْجُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: تَمْلِكُهُ ما دامَتْ في المَجْلِسِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. وبِهِ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وسُفْيانُ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وقِيلَ: تَمْلِكُهُ في المَجْلِسِ، وفي غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ نَصْرٍ، وحَكاهُ صاحِبُ المُغْنِي عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وفِي بَلاغاتِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قائِلٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى المَجْلِسِ كَقَوْلِ الجَماعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وما لِكُلٍّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وما عَلَيْهِ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ الفُرُوعِ كَشُرُوحِ الهِدايَةِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها بَيْدَ أنِّي أقُولُ: كَوْنُ ما في الآيَةِ هو المَسْألَةُ المَذْكُورَةُ في الفُرُوعِ الَّتِي وقَعَ الِاخْتِلافُ فِيها مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى، وتَأْوِيلُ الخَفاجِيِّ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِها في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْلُو عَنْ كَلامٍ عِنْدَ ذَوِي الأفْهامِ. هَذا وذَكَرَ الإمامُ في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِدَّةَ مَسائِلَ: الأُولى أنَّ التَّخْيِيرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلًا كانَ واجِبًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا شَكٍّ، لِأنَّهُ إبْلاغُ الرِّسالَةِ، وأمّا مَعْنًى فَكَذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ. الثّانِيَةُ أنَّهُ لَوْ أرَدْنَ كُلُّهُنَّ أوْ إحْداهُنَّ الدُّنْيا، فالظّاهِرُ نَظَرًا إلى مَنصِبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّمْتِيعُ والتَّسْرِيحُ، لِأنَّ الخُلْفَ في الوَعْدِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ جائِزٍ. الثّالِثَةُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا تَحْرُمُ المُخْتارَةُ بَعْدَ البَيْنُونَةِ عَلى غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإلّا لا يَكُونُ التَّخْيِيرُ مُمْكِنًا مِنَ التَّمَتُّعِ بِزِينَةِ الدُّنْيا. الرّابِعَةُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَنِ اخْتارَتِ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صفحة 184 صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَحْرُمُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ الشَّرِيفِ طَلاقُها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الأحزاب 33:30

﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِنَّ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِنُصْحِهِنَّ، ونِداؤُهُنَّ ها هُنا وفِيما بَعْدُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّها الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها ما يَرِدُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الأحْكامِ، واعْتِبارُ كَوْنِهِنَّ نِساءً في المَوْضِعَيْنِ أبْلَغُ مِنَ اعْتِبارِ كَوْنِهِنَّ أزْواجًا كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ﴿مَن يَأْتِ﴾ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مَن)، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ الأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى مَعْناها، ﴿مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ بِكَبِيرَةٍ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهِرَةِ القُبْحِ مِن بَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ (مُبَيَّنَةٍ) بِفَتْحِ الياءِ، والمُرادُ بِها عَلى ما قِيلَ: كُلُّ ما يُقْتَرَفُ مِنَ الكَبائِرِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّها العِصْيانُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: ذَلِكَ وطَلَبُهُنَّ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ ما يَضِيقُ بِهِ ذَرْعُهُ، ويَغْتَمُّ ﷺ لِأجْلِهِ. ومَنَعَ في البَحْرِ أنْ يُرادَ بِها الزِّنا، قالَ: لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ ارْتِكابِ نِسائِهِ ذَلِكَ، ولِأنَّهُ وُصِفَتِ الفاحِشَةُ بِالتَّبَيُّنِ، والزِّنا مِمّا يُتَسَتَّرُ بِهِ، ومُقْتَضاهُ مَنعُ إرادَةِ الأعَمِّ، ثُمَّ قالَ: ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ الفاحِشَةُ عَلى عُقُوقِ الزَّوْجِ، وفَسادِ عِشْرَتِهِ، ولا يَخْلُو كَلامُهُ عَنْ بَحْثٍ، والإمامُ فَسَّرَها بِهِ، وجَعَلَ الشَّرْطِيَّةَ مِن قَبِيلِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرُ: 65]، مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ مُمْكِنُ الوُقُوعِ في أوَّلِ النَّظَرِ، ولا يَقَعُ جَزْمًا، فَإنَّ الأنْبِياءَ صانَ اللَّهُ تَعالى زَوْجاتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ النُّورِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى طَرَفٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِما أيْضًا، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أوْ فِيهِ، وفي الدُّنْيا عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ يُعَذَّبْنَ ضِعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ، أيْ مِثْلَيْهِ، فَإنْ مَكَثَ غَيْرُهُنَّ مِمَّنْ أتى بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ في النّارِ يَوْمًا مَثَلًا مَكَثْنَ هُنَّ لَوْ أتَيْنَ بِمِثْلِ ما أتى يَوْمَيْنِ. وإنْ وجَبَ عَلى غَيْرِهِنَّ حَدٌّ لِفاحِشَةٍ وجَبَ عَلَيْهِنَّ لَوْ أتَيْنَ بِمِثْلِها حَدّانِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو، وأبُو عُبَيْدَةَ فِيما حَكى الطَّبَرِيُّ عَنْهُما الضِّعْفانِ أنْ يُجْعَلَ الواحِدَةُ ثَلاثَةً، فَيَكُونُ عَلَيْهِنَّ ثَلاثَةُ حُدُودٍ، أوْ ثَلاثَةُ أمْثالٍ عَذابُ غَيْرِهِنَّ، ولَيْسَ بِذاكَ، وسَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ أنَّ الذَّنْبَ مِنهُنَّ أقْبَحُ، فَإنَّ زِيادَةَ قُبْحِهِ تابِعَةٌ لِزِيادَةِ فَضْلِ المُذْنِبِ، والنِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وتِلْكَ ظاهِرَةٌ فِيهِنَّ، ولِذَلِكَ جُعِلَ حَدُّ الحُرِّ ضِعْفَ حَدِّ الرَّقِيقِ، وعُوتِبَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِما لا يُعاتَبُ بِهِ الأُمَمُ، وكَذا حالُ العالِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجاهِلِ، فَلَيْسَ مَن يَعْلَمُ كَمَن لا يَعْلَمُ. ورُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّكم أهْلُ بَيْتٍ مَغْفُورٌ لَكُمْ، فَغَضِبَ، وقالَ: نَحْنُ أحْرى أنْ يَجْرِيَ فِينا ما أجْرى اللَّهُ تَعالى في أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أنْ نَكُونَ كَما تَقُولُ، إنّا نَرى لِمُحْسِنِنا ضِعْفَيْنِ مِنَ الأجْرِ، ولِمُسِيئِنا ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي تَلِيها. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو «يُضَعَّفُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِلا ألِفٍ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ «نُضَعِّفُ» بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، بِلا ألِفٍ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «نُضاعِفُ» بِالنُّونِ والألِفِ والبِناءُ لِلْفاعِلِ، وفِرْقَةٌ «يُضاعَفُ» بِالياءِ والألِفِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ «العَذابَ» بِالرَّفْعِ مَن قَرَأ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وبِالنَّصْبِ مَن قَرَأ لِلْفاعِلِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ سَهْلًا، لا يَمْنَعُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَنْهُ كَوْنُهُنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ هو سَبَبٌ لَهُ. (تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ الجُزْءُ الحادِي والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّانِي والعِشْرُونَ، وأوَّلُهُ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ .

الأحزاب 33:31

صفحة 2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ أيْ ومَن تَخْشَعْ وتَخْضَعْ ﴿لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ عَمَلًا ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ كَصَلاةٍ وصَوْمٍ وحَجٍّ وإيتاءِ زَكاةٍ، وهَذا العَمَلُ غَيْرُ القُنُوتِ لِلَّهِ تَعالى عَلى ما سَمِعْتَ مِن تَفْسِيرِهِ فَلا تَكْرارَ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالطّاعَةِ، ودَفَعَ التَّكْرارَ بِأنَّ المُرادَ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ لِلَّهِ تَعالى، وذِكْرُ اللَّهِ إنَّما هو لِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ بِجَعْلِ طاعَتِهِ غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَعْضُهم بِما ذُكِرَ أيْضًا إلّا أنَّهُ دَفَعَ التَّكْرارَ بِأنَّ المُرادَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الخِدْمَةُ الحَسَنَةُ والقِيامُ بِمَصالِحِ البَيْتِ لا نَحْوَ الصَّلاةِ والصِّيامِ وبِالطّاعَةِ المُفَسَّرِ بِها القُنُوتُ اِمْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ النَّواهِي، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِدَوامِ الطّاعَةِ فَقِيلَ في دَفْعِ التَّكْرارِ نَحْوُ ما مَرَّ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الدَّوامُ عَلى الطّاعَةِ السّابِقَةِ وبِالعَمَلِ الصّالِحِ: العِباداتُ الَّتِي يُكَلَّفْنَ بِها بَعْدُ. وقِيلَ: القُنُوتُ السُّكُوتُ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 238] والمُرادُ بِهِ هاهُنا السُّكُوتُ عَنْ طَلَبِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ لَهُنَّ بِهِ مِن زِيادَةِ النَّفَقَةِ وثِيابِ الزِّينَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿نُؤْتِها أجْرَها﴾ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ عَلى ذَلِكَ فَضْلًا وكَرَمًا ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ فَيَكُونُ أجْرُها مُضاعَفًا وهَذا في مُقابَلَةِ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ في حاصِلِ مَعْنى الآيَتَيْنِ: أنَّهُ مَن عَصى مِنكُنَّ فَإنَّهُ يَكُونُ لِلْعَذابِ عَلَيْها الضِّعْفُ مِنهُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ ومَن عَمِلَ صالَحًا فَإنَّ الأجْرَ لَها الضِّعْفُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُسْلِمِينَ، ويَسْتَدْعِي هَذا أنَّهُ إذا أُثِيبَ نِساءُ المُسْلِمِينَ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها أُثِبْنَ هُنَّ عَلى الحَسَنَةِ بِعِشْرِينَ مَثَلًا لَها، وإنْ زِيدَ لِلنِّساءِ عَلى العَشْرِ شَيْءٌ زِيدَ لَهُنَّ ضِعْفُهُ، وكَأنَّهُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ إنَّما قِيلَ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ دُونَ يُضاعَفُ لَها الأجْرُ، كَما قِيلَ في المُقابِلِ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ لِأنَّ أصْلَ تَضْعِيفِ الأجْرِ لَيْسَ مِن خَواصِّهِنَّ بَلْ كُلُّ مَن عَمِلَ صالِحًا مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يُضاعَفُ أجْرُهُ، فَأُخْرِجَ الكَلامُ مُغايِرًا لِما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ رَمْزًا إلى أنَّ تَضْعِيفَ الأجْرِ عَلى طُرُزٍ مُغايِرٍ لِطُرُزِ تَضْعِيفِ العَذابِ مَعَ تَضَمُّنِ الكَلامِ المَذْكُورِ الإشارَةَ إلى مَزِيدِ تَكْرِيمِهِنَّ ووُفُورِ الِاعْتِناءِ بِهِنَّ فَإنَّ الإحْسانَ المُكَرَّرَ أحْلى، ومَن تَأمَّلَ في الجُمْلَتَيْنِ ظَهَرَ لَهُ تَغْلِيبُ جانِبِ الرَّحْمَةِ عَلى جانِبِ الغَضَبِ وكَفى بِالتَّصْرِيحِ بِفاعِلِ إيتاءِ الأجْرِ وجَعْلِهِ ضَمِيرَ العَظَمَةِ والتَّعْبِيرِ عَمّا يُؤْتُونَ مِنَ النَّعِيمِ بِالأجْرِ مَعَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِنَّ مَعَ خُلُوِّ جُمْلَةِ تَضْعِيفِ العَذابِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ - شُهَداءَ عَلى ما ذُكِرَ، ثُمَّ إنَّ تَضْعِيفَ أجْرِهِنَّ لِمَزِيدِ كَرامَتِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِنَّ مِنَ النِّسْبَةِ إلى خَيْرِ البَرِيَّةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلى أعْمالِهِنَّ الصّالِحَةِ الَّتِي عَمِلْنَها في حَياتِهِ ﷺ فَقَطْ بَلْ يُضاعَفُ أجْرُهُنَّ عَلَيْها وعَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي يَعْمَلْنَها بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. صفحة 3 وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ إحْداهُما عَلى الطّاعَةِ والأُخْرى عَلى طَلَبِهِنَّ رِضاءً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالقَناعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، وجَعَلَ في البَحْرِ وغَيْرِهِ سَبَبَ التَّضْعِيفِ هَذا الطَّلَبَ وتِلْكَ الطّاعَةِ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرُوهُ مُوهِمٌ لِعَدَمِ التَّضْعِيفِ بِالنِّسْبَةِ لِما فَعَلُوهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ، وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: أرادَ مِن جَعْلِ سَبَبِ مُضاعَفَةِ أُجُورِهِنَّ ما ذُكِرَ التَّطْبِيقُ عَلى لَفْظِ الآيَةِ، حَيْثُ جُعِلَ القُنُوتُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مَعَ ما تَلاهُ سَبَبًا، ويُدْمَجُ فِيهِ أنَّ مُضاعَفَةَ العَذابِ إنَّما نَشَأتْ مِن أنَّ النُّشُوزَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، وطَلَبُ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ لَيْسَ كالنُّشُوزِ مَعَ سائِرِ الأزْواجِ ولِذَلِكَ اِقْتَضى مُضاعَفَةَ العَذابِ وكَذَلِكَ طاعَتُهُ وحَسَنُ التَّخَلُّقِ مَعَهُ والمُعاشَرَةُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، فَهَذا يُؤَكِّدُ ما قالُوا مِن أنَّ سَبَبَ تَضْعِيفِ العَذابِ زِيادَةُ قُبْحِ الذَّنْبِ مِنهُنَّ وفِيهِ أنَّ العَكْسَ يُوجِبُ العَكْسَ، فَتَأمَّلْ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُّنْيا ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ وكَذَلِكَ الأجْرُ، فالمَرَّتانِ إحْداهُما في الدُّنْيا وثانِيَتُهُما في الأُخْرى، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والأسْوارِيُّ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ وكَذا اِبْنُ عامِرٍ «ومَن تَقْنُتْ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ حَمْلًا عَلى المَعْنى وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِياءٍ مِن تَحْتٍ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ عَلى أنَّ في «يُؤْتِها» ضَمِيرُ اِسْمِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ «ومَن تَقْنُتْ» بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى «ويَعْمَلْ» بِالياءِ مِن تَحْتٍ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ، فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّذْكِيرَ أصْلٌ فَلا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلتَّأْنِيثِ وما عَلَّلُوهُ بِهِ قَدْ جاءَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [اَلْأنْعامِ: 139] اِنْتَهى، فَتَذَكَّرْ. ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ في الجَنَّةِ زِيادَةً عَلى أجْرِها المُضاعَفِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ عَظِيمَ القَدْرِ رَفِيعَ الخَطْرِ مَرْضِيًّا لِصاحِبِهِ، وقِيلَ الرِّزْقُ الكَرِيمُ ما يَسْلَمُ مِن كُلِّ آفَةٍ. وجَوَّزَ اِبْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيٌّ، أيْ إنَّ رِزْقَها في الدُّنْيا عَلى اللَّهِ تَعالى وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ هو حَلالٌ وقَصْدٌ بِرِضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى في نَيْلِهِ، وهو كَما تَرى

الأحزاب 33:32

﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الرِّجالِ إلى أنَّ المَعْنى لَيْسَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ كَشَخْصٍ واحِدٍ مِنَ النِّساءِ أيْ مِن نِساءِ عَصْرِكُنَّ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ لِما اِمْتازَتْ بِشَرَفِ الزَّوْجِيَّةِ لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمُومَةِ المُؤْمِنِينَ (فَأحَدٌ) باقٍ عَلى كَوْنِهِ وصْفَ مُذَكَّرٍ، إلّا أنَّ مَوْصُوفَهُ مَحْذُوفٌ ولا بُدَّ مِنَ اِعْتِبارِ الحَذْفِ في جانِبِ المُشَبَّهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى وحَدٌ وهو الواحِدُ ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ وما وراءَهُ، والمَعْنى لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ، أيْ إذا تُقِصِّيَتْ أُمَّةُ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً لَمْ يُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ والسّابِقَةِ، وقَدِ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المُتَعَدِّدِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [اَلنِّساءِ: 152] لِمَكانِ ( بَيْنَ ) المُقْتَضِيَةِ لِلدُّخُولِ عَلى مُتَعَدِّدٍ، وحَمْلُ أحَدٍ عَلى الجَماعَةِ عَلى ما في الكَشْفِ لِيُطابِقَ المُشَبَّهِ، والمَعْنى عَلى تَفْضِيلِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى نِساءِ غَيْرِهِ لا النَّظَرِ إلى تَفْضِيلِ واحِدَةٍ عَلى واحِدَةٍ مِن آحادِ النِّساءِ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا مِن هَذا السِّياقِ ولا يُعْطِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. وكَوْنُ ذَلِكَ أبْلَغَ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَفْضِيلُ جَماعَتِهِنَّ عَلى كُلِّ جَماعَةٍ ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ تَفْضِيلُ كُلِّ واحِدَةٍ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِن آحادِ النِّساءِ لَوْ سُلِّمَ لَكانَ إذا ساعَدَهُ اللَّفْظُ والمَقامُ، واعْتَرَضَهُ أيْضًا بَعْضُهم بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلَ مِن فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. صفحة 4 وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اِلْتِزامِهِ إلّا أنَّهُ يَلْتَزِمُ كَوْنَ الأفْضَلِيَّةِ مِن حَيْثُ أُمُومَةُ المُؤْمِنِينَ والزَّوْجِيَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ فَلا يَضُرُّ فِيهِ كَوْنُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أفْضَلَ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ لِبَعْضِ الحَيْثِيّاتِ الأُخَرِ بَلْ هي مِن بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ كَحَيْثِيَّةِ البِضْعِيَّةِ أفْضَلُ مِن كُلٍّ مِنَ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ. نَعَمْ أُورِدُ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ أحَدًا المَوْضُوعَ في النَّفْيِ العامِّ هَمْزَتُهُ أصْلِيَّةٌ غَيْرُ مُنْقَلِبَةٍ عَنِ الواحِدِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، وخالَفَ فِيهِ الرَّضِيُّ فَنُقِلَ عَنْهُ أنَّ هَمْزَةَ أحَدٍ في كُلِّ مَكانٍ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، والمَشْهُورُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الواقِعِ في النَّفْيِ العامِّ والواقِعِ في الإثْباتِ بِأنَّ هَمْزَةَ الأوَّلِ أصْلِيَّةٌ وهَمْزَةَ الثّانِي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. وفِي (اَلْعِقْدُ المَنظُومُ في ألْفاظِ العُمُومِ) لِلْفاضِلِ القَرافِيِّ قَدْ أشْكَلَ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ الفُضَلاءِ لِأنَّ اللَّفْظَيْنِ صُورَتُهُما واحِدَةٌ ومَعْنى الوَحْدَةِ يَتَناوَلُهُما والواوُ فِيها أصْلِيَّةٌ فَيَلْزَمُ قَطْعًا اِنْقِلابُ ألِفِ أحَدٍ مُطْلَقًا عَنْها وجَعْلُ ألِفِ أحَدِهِما مُنْقَلِبًا دُونَ ألِفِ الآخَرِ، وقَدْ أطْلَعَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى جَوابِهِ وهو أنَّ أحَدًا الَّذِي لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ مَعْناهُ إنْسانٌ بِإجْماعِ أهْلِ اللُّغَةِ وأحَدًا الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ مَعْناهُ الفَرْدُ مِنَ العَدَدِ فَإذا تَغايَرَ مُسَمّاهُما تَغايَرَ اِشْتِقاقُهُما لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ والمَعْنى ولا يَكْفِي فِيهِ أحَدُهُما، فَإذا كانَ المَقْصُودُ بِهِ الإنْسانَ فَهو الَّذِي لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ وهَمْزَتُهُ أصْلِيَّةٌ، وإنْ قُصِدَ بِهِ العَدَدُ ونِصْفُ الِاثْنَيْنِ فَهو الصّالِحُ لِلْإثْباتِ والنَّفْيِ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ اه. ولا يَخْفى أنَّهُ إذا سُلِّمَ الفَرْقُ المَذْكُورُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ هُنا أصْلِيَّةً، وإلى أنَّ هَمْزَةَ الواقِعِ في النَّفْيِ أصْلِيَّةٌ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ فَقالَ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ إلخ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ واحِدٍ لِأنَّ واحِدًا يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اِتَّصَفَ بِالوَحْدَةِ وأحَدًا المُسْتَعْمَلَ في النَّفْيِ العامِّ مَخْصُوصٌ بِمَن يَعْقِلُ وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ مادَّتَهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ ومادَّةُ أحَدٍ بِمَعْنى واحِدٍ أصْلُهُ واوٌ وحاءٌ ودالٌ فَقَدِ اِخْتَلَفا مادَّةً ومَدْلُولًا. وذِكْرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 285] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي لِلنَّفْيِ العامِّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى واحِدٍ، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ، أيْ بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ مِن رُسُلِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ وقالَ الرّاغِبُ: أحَدٌ يُسْتَعْمَلُ عَلى ضَرْبَيْنِ في النَّفْيِ لِاسْتِغْراقِ جِنْسِ النّاطِقِينَ، ويَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ عَلى الِاجْتِماعِ والِانْفِرادِ، نَحْوَ ما في الدّارِ أحَدٌ، أيْ لا واحِدَ ولا اِثْنانِ فَصاعِدًا لا مُجْتَمَعِينَ ولا مُتَفَرِّقِينَ، وهَذا المَعْنى لا يُمْكِنُ في الإثْباتِ لِأنَّ نَفْيَ المُتَضادَّيْنِ يَصِحَّ، ولا يَصِحُّ إثْباتُهُما، فَلَوْ قِيلَ في الدّارِ أحَدٌ، لَكانَ إثْباتَ أحَدٍ مُنْفَرِدٍ مَعَ إثْباتِ ما فَوْقَ الواحِدِ مُجْتَمِعِينَ ومُتَفَرِّقِينَ وهو بَيْنَ الإحالَةِ ولِتَناوُلِهِ ما فَوْقَ الواحِدِ صَحَّ نَحْوَ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [اَلْحاقَّةِ: 47] وفي الإثْباتِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، اِسْتِعْمالُهُ في الواحِدِ المَضْمُومِ إلى العَشَراتِ كَأحَدَ عَشَرَ وأحَدٍ وعِشْرِينَ، واسْتِعْمالُهُ مُضافًا أوْ مُضافًا إلَيْهِ بِمَعْنى الأوَّلِ نَحْوَ ﴿أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي﴾ [يُوسُفَ: 41] وقَوْلُهم يَوْمَ الأحَدِ، واسْتِعْمالُهُ وصْفًا وهَذا لا يَصِحُّ إلّا في وصْفِهِ تَعالى شَأْنُهُ، أمّا أصْلُهُ- أعْنِي وحَدٌ- فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: كَأنَّ رَحْلَيْ وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا ∗∗∗ بِذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحِدِ اِنْتَهى. وهُوَ مُحْتَمِلٌ لِدَعْوى اِنْقِلابِ هَمْزَتِهِ عَنْ واوٍ مُطْلَقًا ولِدَعْوى اِنْقِلابِها عَنْها في الِاسْتِعْمالِ الأخِيرِ. صفحة 5 ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّ كَوْنَ المَعْنى في الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أظْهَرَ، وتَفْضِيلُ كُلِّ واحِدَةٍ مِن نِسائِهِ ﷺ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ مِن سائِرِ النِّساءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِهَذِهِ الآيَةِ بَلْ هو لِدَلِيلٍ آخَرَ إمّا عَقْلِيٍّ أوْ نَصٍّ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [اَلْأحْزابِ: 6] وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَها فَإنَّها تُفِيدُ بِحَسَبِ عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَفْضِيلَ كُلٍّ مِنهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ، لِأنَّ فَضْلَ الجَماعَةِ عَلى الجَماعَةِ يَكُونُ غالِبًا لِفَضْلِ كُلٍّ مِنها. ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ شَرْطٌ لِنَفْيِ المِثْلِيَّةِ وفَضْلِهِنَّ عَلى النِّساءِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ والِاتِّقاءُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ في لِسانِ الشَّرْعِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ إنِ اِتَّقَيْتُنَّ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ورِضا رَسُولِهِ ﷺ، والمُرادُ إنْ دُمْتُنَّ عَلى اِتِّقاءِ ذَلِكَ ومِثْلُهُ شائِعٌ أوْ هو عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ بِهِ التَّهْيِيجُ بِجَعْلِ طَلَبِ الدُّنْيا والمِيلِ إلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ النِّساءُ لِبُعْدِهِ مِن مَقامِهِنَّ بِمَنزِلَةِ الخُرُوجِ مِنَ التَّقْوى، أوْ شَرْطٌ جَوابُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ والِاتِّقاءُ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وفي البَحْرِ أنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ أيْ إنِ اِسْتَقْبَلْتُنَّ أحَدًا فَلا تَخْضَعْنَ، وهو بِهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ: سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ أيِ اِسْتَقْبَلَتْنا بِاليَدِ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى أبْلَغَ في مَدْحِهِنَّ إذْ لَمْ يُعَلِّقْ فَضْلَهُنَّ عَلى التَّقْوى ولا عَلَّقَ نَهْيَهُنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِها إذْ هُنَّ مُتَّقِياتٍ لِلَّهِ تَعالى في أنْفُسِهِنَّ، والتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي ظاهِرَهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ مُتَحَلِّياتٍ بِالتَّقْوى، وفِيهِ أنَّ اِتَّقى بِمَعْنى اِسْتَقْبَلَ وإنْ كانَ صَحِيحًا لُغَةً، وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ [اَلزُّمَرِ: 24] إلّا أنَّهُ لا يَتَأتّى هاهُنا لِأنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ المَعْنى إلّا مَعَ المُتَعَلِّقِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الوِقايَةُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِوَجْهِهِ﴾ وقَوْلِ النّابِغَةِ بِاليَدِ، وما اِسْتُدِلَّ بِهِ أمْرُهُ سَهْلٌ، وظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ اِخْتِيارُ كَوْنِ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ شَرْطًا جَوابُهُ فَلا تَخْضَعْنَ، وفُسِّرَ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ بِإنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى وإنْ كُنْتُنَّ مُتَّقِياتٍ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَجَوُّزٌ في الكَلامِ لِأنَّ الواقِعَ أنَّ المُخاطَباتِ مُتَّقِياتٌ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الأوْلى المُبالَغَةَ في النَّهْيِ فَيُفَسَّرُ بِإنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى، وإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ التَّهْيِيجَ والإلْهابَ، فَيُفَسَّرُ بِإنْ كُنْتُنَّ مُتَّقِياتٍ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ كَما تُوُهِّمَ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ في الكَشْفِ، ومَعْنى لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ لا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ لَيِّنًا خَنِثًا عَلى سُنَنِ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ، وحاصِلُهُ لا تُلِنَّ الكَلامَ ولا تُرَقِّقْنَهُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ في غَيْرِ مُخاطِبَةِ الزَّوْجِ ونَحْوِهِ كَخاطِبَةِ الأجانِبِ وإنْ كُنَّ مُحَرَّماتٍ عَلَيْهِمْ عَلى التَّأْبِيدِ. رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ أنَّها كانَتْ تَضَعُ يَدَها عَلى فَمِها إذا كَلَّمَتْ أجْنَبِيًّا تَغَيَّرَ صَوْتُها بِذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يُسْمَعَ رَخِيمًا لَيِّنًا، وعُدَّ إغْلاظُ القَوْلِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ مِن جُمْلَةِ مَحاسِنِ خِصالِ النِّساءِ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا، كَما عُدَّ مِنها بُخْلُهُنَّ بِالمالِ وجُبْنُهُنَّ، وما وقَعَ في الشِّعْرِ مِن مَدْحِ العَشِيقَةِ بِرَخامَةِ الصَّوْتِ وحُسْنِ الحَدِيثِ ولِينِ الكَلامِ فَمِن بابِ السَّفَهِ كَما لا يَخْفى. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى لا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ، وهو كَما تَرى ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ فُجُورٌ وزِنًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى: حافِظٌ لِلْفَرْجِ راضٍ بِالتُّقى ∗∗∗ لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضُ والمُرادُ نِيَّةُ أوْ شَهْوَةُ فُجُورٍ وزِنًا، وعَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرُهُ بِالنِّفاقِ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: المَرَضُ مَرَضانِ فَمَرَضُ زِنًا ومَرَضُ نِفاقٍ، ونَصْبُ (يَطْمَعَ) صفحة 6 فِي جَوابِ النَّهْيِ، وقَرَأ أبانُ اِبْنُ عُثْمانَ وابْنُ هُرْمُزَ «فَيَطْمَعْ» بِالجَزْمِ وكَسْرِ العَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِمَرِيضِ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ عَقِيبَ نَهْيِهِنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَلا يَطْمَعُ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي: قَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى «فَيَطْمِعَ» بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، ونَقَلَها اِبْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السَّمّالِ قالَ: وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ مُحَيْصِنٍ، وذُكِرَ أنَّ الأعْرَجَ وهو اِبْنُ هُرْمُزَ قَرَأ «فَيُطْمِعَ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، أيْ فَيُطْمِعَ هو أيِ الخُضُوعَ بِالقَوْلِ. والَّذِي مَفْعُولٌ أوِ الَّذِي فاعِلٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ فَيَطْمَعُ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ نَفْسُهُ، ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ حَسَنًا بَعِيدًا عَنِ الرِّيبَةِ غَيْرَ مُطْمِعٍ لِأحَدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أيْ صَحِيحًا بِلا هَجْرٍ ولا تَمْرِيضٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: عَنِيفًا، وقِيلَ أيْ قَوْلًا أُذِنَ لَكم فِيهِ، وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ،

الأحزاب 33:33

﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ مِن قَرَّ يَقَرُّ مِن بابِ عَلِمَ أصْلُهُ اِقْرَرْنَ فَحُذِفَتْ الرّاءُ الأُولى وأُلْقِيَتْ فَتْحَتُها عَلى ما قَبْلَها وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها بِتَحَرُّكِ القافِ. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ في كِتابِ (اَلتِّبْيانِ) وجْهًا آخَرَ، قالَ: قارَّ يُقارُّ إذا اِجْتَمَعَ ومِنهُ القارَّةُ لِاجْتِماعِها، ألا تَرى إلى قَوْلِ عَضَلٍ والدِّيشِ: اِجْتَمِعُوا فَكُونُوا قارَّةً فالمَعْنى واجْمَعْنَ أنْفُسَكُنَّ في البُيُوتِ. وقَرَأ الأكْثَرُ (وقِرْنَ) بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا إذا سَكَنَ وثَبَتَ، وأصْلُهُ اُوقِرْنَ فَفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِ عِدْنَ مِن وعَدَ أوْ مِن قَرَّ يَقِرُّ المُضاعَفُ مِن بابِ ضَرَبَ وأصْلُهُ اِقْرِرْنَ حُذِفَتْ الرّاءُ الأُولى وأُلْقِيَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ وحُذِفَتْ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها. وقالَ مَكِّيٌّ وأبُو عَلِيٍّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ ثُمَّ حُذِفَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها وسَقَطَتِ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ القافِ، وهَذا غايَةٌ في التَّمَحُّلِ، وفي البَحْرِ أنَّ قَرَرْتُ وقَرِرْتُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ كِلاهُما مِنَ القَرارِ في المَكانِ بِمَعْنى الثُّبُوتِ فِيهِ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وأنْكَرَ قَوْمٌ مِنهُمُ المازِنِيُّ مَجِيءَ قَرِرْتُ في المَكانِ بِالكَسْرِ أقَرُّ بِالفَتْحِ، وإنَّما جاءَ قَرَّتْ عَيْنُهُ تَقَرُّ بِالكَسْرِ في الماضِي والفَتْحِ في المُضارِعِ والمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «واقْرِرْنَ» بِألِفِ الوَصْلِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى. والمُرادُ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ أمْرُهُنَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ وهو أمْرٌ مَطْلُوبٌ مِن سائِرِ النِّساءِ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المَرْأةَ عَوْرَةٌ، فَإذا خَرَجَتْ مِن بَيْتِها اِسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ، وأقْرَبُ ما تَكُونُ مِن رَحْمَةِ رَبِّها وهي في قَعْرِ بَيْتِها»»، وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جِئْنَ النِّساءُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الرِّجالُ بِالفَضْلِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَهَلْ لَنا عَمَلٌ نُدْرِكُ بِهِ فَضْلَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن قَعَدَتْ مِنكُنَّ في بَيْتِها فَإنَّها تُدْرِكُ عَمَلَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» وقَدْ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الخُرُوجُ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً كَخُرُوجِهِنَّ لِزِيارَةِ القُبُورِ إذا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ، وخُرُوجِهِنَّ ولَوْ إلى المَسْجِدِ وقَدِ اِسْتَعْطَرْنَ وتَزَيَّنَ إذا تَحَقَّقَتِ الفِتْنَةُ أمّا إذا ظُنَّتْ فَهو حَرامٌ غَيْرُ كَبِيرَةٍ، وما يَجُوزُ مِنَ الخُرُوجِ كالخُرُوجِ لِلْحَجِّ وزِيارَةِ الوالِدَيْنِ وعِيادَةِ المَرْضى وتَعْزِيَةِ الأ َمْواتِ مِنَ الأقارِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنَّما يَجُوزُ بِشُرُوطٍ مَذْكُورَةٍ في مَحَلِّها. وظاهِرُ إضافَةِ البُيُوتِ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ المُطَهَّراتِ أنَّها كانَتْ مِلْكَهُنَّ وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الحافِظُ غُلامُ مُحَمَّدٍ الأسْلَمِيُّ نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى ضَرِيحَهُ في التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَنى كُلَّ حُجْرَةٍ لِمَن سَكَنَ صفحة 7 فِيها مِنَ الأزْواجِ وكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ تَتَصَرَّفُ بِالحُجْرَةِ السّاكِنَةِ هي فِيها تَصَرُّفَ المالِكِ في مِلْكِهِ بِحُضُورِهِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ أنَّ مَن بَنى بَيْتًا لِزَوْجَتِهِ وأقْبَضَهُ إيّاها كانَ كَمَن وهَبَ زَوْجَتَهُ بَيْتًا وسَلَّمَهُ إلَيْها، فَيَكُونُ البَيْتُ مِلْكًا لَها ويَشْهَدُ لِدَعْوى أنَّ الحُجْرَةَ الَّتِي كانَتْ تَسْكُنُها عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَتْ مِلْكًا لَها غَيْرَ الإضافَةِ في ﴿بُيُوتِكُنَّ﴾ الدّاخِلِ فِيهِ حُجْرَتِها اِسْتِئْذانُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِدَفْنِهِ فِيها مِنها بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وعَدَمُ إنْكارِ أحَدٍ مِنهم حَتّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، واسْتِئْذانُ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنها لِذَلِكَ أيْضًا الثّابِتُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ، كَما ذُكِرَ في (اَلْفُصُولُ المُهِمَّةُ في مَعْرِفَةِ الأئِمَّةِ) وغَيْرِهِ مِن كُتُبِهِمْ، فَإنَّ تِلْكَ الحُجْرَةَ لَوْ كانَتْ لِبَيْتِ المالِ لِحَدِيثِ ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»» لاسْتَأْذَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الوَرَغِ مَرْوانَ فَإنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ حاكِمَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ والمُتَصَرِّفَ في بَيْتِ المالِ، ولَوْ كانَتْ لِلْوَرَثَةِ بِناءً عَلى زَعْمِ الشِّيعَةِ مِن أنَّهُ ﷺ يُورَثُ كَغَيْرِهِ لَزِمَ الِاسْتِئْذانُ مِن سائِرِ الأزْواجِ أيْضًا لِتَعَلُّقِ حَقُّهُنَّ فِيها عَلى زَعْمِهِمْ بَلْ يَلْزَمُ الِاسْتِئْذانُ أيْضًا مِن عُصْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَحِقِّينَ لِما يَبْقى بَعْدَ النِّصْفِ والثُّمْنِ إذا قُلْنا بِتَوْرِيثِهِمْ فَحَيْثُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا مِنها عُلِمَ أنَّها مِلْكُها وحْدَها. والقَوْلُ بِأنَّهُ عُلِمَ رِضا الجَمِيعِ سِواها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فاسْتَأْذَنَها لِذَلِكَ لا يَقُومُ لَهم حُجَّةٌ، ولَهم في هَذا البابِ أكاذِيبُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها ولا يَلْتَفِتُ أرِيبٌ إلَيْها، مِنها أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أذِنَتْ لِلْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ اِسْتَأْذَنَها في الدَّفْنِ في الحُجْرَةِ المُبارَكَةِ، ثُمَّ نَدِمَتْ بَعْدَ وفاتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورَكِبَتْ عَلى بَغْلَةٍ لَها وأتَتِ المَسْجِدَ ومَنَعَتِ الدَّفْنَ ورَمَتِ السِّهامَ عَلى جِنازَتِهِ الشَّرِيفَةِ الطّاهِرَةِ وادَّعَتِ المِيراثَ. وأنْشَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: تَجَمَّلْتِ تَبَغَّلْتِ وإنْ عِشْتِ تَفَيَّلْتِ لَكِ التُّسْعُ مِنَ الثُّمْنِ فَكَيْفَ الكُلَّ مَلَكْتِ ورَكاكَةُ هَذا الشِّعْرِ تُنادِي بِكَذِبِ نِسْبَتِهِ إلى ذَلِكَ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَيْتَ شِعْرِي أيُّ حاجَةٍ لَها إلى الرُّكُوبِ ومَسْكَنُها كانَ تِلْكَ الحُجْرَةَ المُبارَكَةَ فَلَوْ كانَتْ بِصَدَدِ المَنعِ لَأغْلَقَتْ بابَها ثُمَّ إنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كَيْفَ يُظَنُّ بِها ولَها مِنَ العَقْلِ الحَظُّ الأوْفَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ أخَواتِها أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ تَدَّعِي المِيراثَ وهي وأبُوها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَوَيا بِمَحْضَرِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»». هَذا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةُ البُيُوتِ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ المُطَهَّراتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ ساكِناتٍ فِيها قائِماتٍ بِمَصالِحِها قَيِّماتٍ عَلَيْها، واسْتِعْمالُ الخاصَّةِ والعامَّةِ شائِعٌ بِإضافَةِ البُيُوتِ إلى الأزْواجِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، والِاسْتِئْذانُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِانْتِقالِ كُلِّ بَيْتٍ إلى مِلْكِ السّاكِنَةِ فِيهِ بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ مِن جِهَةِ الخَلِيفَةِ ولِيِّ بَيْتِ المالِ لَمّا رَأى مِنَ المَصْلَحَةِ في تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنهُنَّ بِمَسْكَنِهِ وتَرْكِهِ لَها عَلى نَحْوِ الإقْطاعِ مِن بَيْتِ المالِ، ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِكَوْنِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِنَّ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا لِكَوْنِ البُيُوتِ مِلْكَهُنَّ إضافَةُ البَيْتِ إلى النَّبِيِّ ﷺ في غَيْرِ ما أثَرٍ، بَلْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إضافَةُ البُيُوتِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [اَلْأحْزابِ: 53] الآيَةَ، وهي أحَقُّ بِأنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ فَلْيُراجَعْ هَذا المَطْلَبُ ولِيُتَأمَّلْ. ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ أبِي نَجِيحٍ المَشْيُ بِتَبَخْتُرٍ وتَكَسُّرٍ وتَغَنُّجٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنْ تُلْقِيَ المَرْأةُ خِمارَها صفحة 8 عَلى رَأْسِها ولا تَشُدَّهُ فَيُوارِيَ قَلائِدَها وقُرْطَها وعُنُقَها ويَبْدُو ذَلِكَ كُلُّهُ مِنها، وقالَ المُبَرِّدُ: أنْ تُبْدِيَ مِن مَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ، قالَ اللَّيْثُ: ويُقالُ تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حَسَنُ نَظَرٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْ تُخْرِجَ مِن مَحاسِنِها ما تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةً لِلرِّجالِ، وأصْلُهُ عَلى ما في البَحْرِ مِنَ البَرَجِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وحُسْنُها، ويُقالُ طَعْنَةٌ بَرْجاءٌ أيْ واسِعَةٌ، وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ إذا تَفَرَّقَ ما بَيْنَها، وقِيلَ: هو البُرْجُ بِمَعْنى القَصْرِ، ومَعْنى تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ ظَهَرَتْ مِن بُرْجِها أيْ قَصْرِها، وجَعَلَ الرّاغِبُ إطْلاقَ البَرَجِ عَلى سِعَةِ العَيْنِ وحُسْنِها لِلتَّشْبِيهِ بِالبُرْجِ في الأمْرَيْنِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ فُسِّرَ التَّبَرُّجُ هُنا بِالظُّهُورِ مِنَ البُرْجِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها، فالأوْلى أنْ لا يُفَسَّرَ بِهِ، وتَبَرُّجٌ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مِثْلَ لَهُ صَوْتٌ صَوْتُ حِمارٍ، أيْ لا تَبَرَّجْنَ مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، وقِيلَ في الكَلامِ إضْمارٌ مُضافَيْنِ، أيْ تَبَرُّجِ نِساءِ أيّامِ الجاهِلِيَّةِ، وإضافَةِ نِساءٍ عَلى مَعْنى فِي، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: الجاهِلِيَّةُ ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، قالَ: وإنَّ بَطْنَيْنِ مِن ولَدِ آدَمَ كانَ أحَدُهُما يَسْكُنُ السَّهْلَ والآخَرُ يَسْكُنُ الجِبالَ، وكانَ رِجالُ الجِبالِ صَباحًا وفي النِّساءِ دَمامَةٌ، وكانَ نِساءُ السَّهْلِ ورِجالُهُ عَلى العَكْسِ فاِتَّخَذَ أهْلُ السَّهْلِ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ في السَّنَةِ، فَتَبَرَّجَ النِّساءُ لِلرِّجالِ والرِّجالُ لَهُنَّ، وأنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَبَلِ هَجَمَ عَلَيْهِمْ في عِيدِهِمْ فَرَأى النِّساءَ وصَباحَتَهُنَّ فَأتى أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَتَحَوَّلُوا إلَيْهِنَّ فَنَزَلُوا مَعَهُنَّ فَظَهَرَتِ الفاحِشَةُ فِيهِنَّ، وفي رِوايَةٍ: إنَّ المَرْأةَ إذْ ذاكَ تَجْتَمِعُ بَيْنَ زَوْجٍ وعَشِيقٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ فَكانَ نِساؤُهم مِن أقْبَحِ ما يَكُونُ مِنَ النِّساءِ ورِجالُهم حِسانٌ وكانَتِ المَرْأةُ تُراوِدُ الرَّجُلَ عَنْ نَفْسِهِ وهي الجاهِلِيَّةُ الأُولى. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ هي ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ زَمَنَ نَمْرُوذَ وكانَ فِيهِ بَغايا يَلْبَسْنَ أرَقَّ الدُّرُوعِ ويَمْشِينَ في الطُّرُقِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى زَمَنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والثّانِيَةَ زَمَنَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانَتِ الأُولى زَمَنَ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ وكانَ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُّرِّ غَيْرَ مَخِيطِ الجانِبَيْنِ يَظْهَرُ مِنهُ الأعْكانِ والسَّوْأتانِ. وقالَ المُبَرِّدُ: كانَتِ المَرْأةُ تَجْمَعُ بَيْنَ زَوْجِها وخِدْنِها، لِلزَّوْجِ نِصْفُها الأسْفَلُ ولِلْخِدْنِ نِصْفُها الأعْلى، يَتَمَتَّعُ بِهِ في التَّقْبِيلِ والتَّرَشُّفِ، وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو الأشْبَهُ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفَةُ كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا. وإنَّما قِيلَ الأُولى لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ أوَّلُ وأُولى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما هو نَصٌّ في أنَّ الأُولى هُنا مُقابِلَ الأُخْرى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةَ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، فَكَأنَّ المَعْنى ولا تُحَدِّثْنَ بِالتَّبَرُّجِ جاهِلِيَّةً في الإسْلامِ تَتَشَبَّهْنَ بِها بِأهْلِ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى إشارَةٌ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي تَخُصُّهُنَّ فَأُمِرْنَ بِالنَّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكُفْرِ وقِلَّةِ الغَيْرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ صفحة 9 وأبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأبِي ذَرٍّ وكانَ قَدْ عَيَّرَ رَجُلًا أُمُّهُ أعْجَمِيَّةٌ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا أبا ذَرٍّ إنَّكَ اِمْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ،» وفَسَّرَها اِبْنُ الأثِيرِ بِالحالَةِ الَّتِي عَلَيْها العَرَبُ قَبْلَ الإسْلامِ مِنَ الجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وشَرائِعِ الدِّينِ والمُفاخَرَةِ بِالأنْسابِ والكَبَرِ والتَّجَبُّرِ وغَيْرِ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وتَمَسَّكَ الرّافِضَةُ في طَعْنِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وحاشاها مِن كُلِّ طَعْنٍ بِخُرُوجِها مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ ومِنها إلى البَصْرَةِ وهُناكَ وقَعَتْ وقْعَةُ الجَمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ وهي مِنهُنَّ بِالسُّكُونِ في البُيُوتِ ونَهاهُنَّ عَنِ الخُرُوجِ وهي بِذَلِكَ قَدْ خالَفَتْ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ونَهْيَهُ عَزَّ وجَلَّ. وأُجِيبَ بِأنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِقْرارِ في البُيُوتِ والنَّهْيَ عَنِ الخُرُوجِ لَيْسَ مُطْلَقًا وإلّا لَما أخْرَجَهُنَّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ ولَما ذَهَبَ بِهِنَّ في الغَزَواتِ ولَما رَخَّصَ لَهُنَّ لِزِيارَةِ الوالِدَيْنِ وعِيادَةِ المَرْضى وتَعْزِيَةِ الأقارِبِ وقَدْ وقَعَ كُلُّ ذَلِكَ كَما تَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ كُنَّ يَحْجُجْنَ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: إلّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وسَوْدَةَ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وغَيْرُهُ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُنَّ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ: ««أُذِنَ لِكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ»،» فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ وقارُهُنَّ وامْتِيازُهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ بِأنْ يُلازِمْنَ البُيُوتَ في أغْلَبِ أوْقاتِهِنَّ ولا يَكُنَّ خَرّاجاتٍ ولّاجاتٍ طَوّافاتٍ في الطُّرُقِ والأسْواقِ وبُيُوتِ النّاسِ، وهَذا لا يُنافِي خُرُوجَهُنَّ لِلْحَجِّ أوْ لِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مَعَ التَّسَتُّرِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، إنَّما خَرَجَتْ مِن بَيْتِها إلى مَكَّةَ لِلْحَجِّ وخَرَجَتْ مَعَها لِذَلِكَ أيْضًا أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وهي وكَذا صَفِيَّةُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الشِّيعَةِ لَكِنَّها لَمّا سَمِعَتْ بِقَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وانْحِيازِ قَتَلَتِهِ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَزِنَتْ حُزْنًا شَدِيدًا واسْتَشْعَرَتِ اِخْتِلالَ أمْرِ المُسْلِمِينَ وحُصُولَ الفَسادِ والفِتْنَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، وبَيْنَما هي كَذَلِكَ جاءَها طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ ونُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ في آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هارِبِينَ مِنَ المَدِينَةِ خائِفِينَ مِن قَتَلَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمّا أنَّهم أظْهَرُوا المُباهاةَ بِفِعْلِهِمُ القَبِيحِ، وأعْلَنُوا بِسَبِّ عُثْمانَ فَضاقَتْ قُلُوبُ أُولَئِكَ الكِرامِ وجَعَلُوا يَسْتَقْبِحُونَ ما وقَعَ ويُشَنِّعُونَ عَلى أُولَئِكَ السَّفَلَةِ ويَلُومُونَهم عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ الأشْنَعِ فَصَحَّ عِنْدَهم عَزْمُهم عَلى إلْحاقِهِمْ بِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَلِمُوا أنْ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى مَنعِهِمْ إذا هَمُّوا بِذَلِكَ فَخَرَجُوا إلى مَكَّةَ ولاذُوا بِأُمِّ المُؤْمِنِينَ وأخْبَرُوها الخَبَرَ فَقالَتْ لَهُمْ: أرى الصَّلاحَ أنْ لا تَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ ما دامَ أُولَئِكَ السَّفَلَةُ فِيها مُحِيطِينَ بِمَجْلِسِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِصاصِ مِنهم أوْ طَرْدِهِمْ فَأقِيمُوا بِبَلَدٍ تَأْمَنُونَ فِيهِ وانْتَظِرُوا اِنْتِظامَ أُمُورِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقُوَّةَ شَوْكَتِهِ واسْعَوْا في تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ وإعانَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِمَن بَعْدَهُمْ، فارْتَضَوْا ذَلِكَ واسْتَحْسَنُوهُ فاخْتارُوا البَصْرَةَ لِما أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ مَجْمَعًا لِجُنُودِ المُسْلِمِينَ ورَجَّحُوها عَلى غَيْرِها وألَحُّوا عَلى أُمِّهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنْ تَكُونَ مَعَهم إلى أنْ تَرْتَفِعَ الفِتْنَةُ ويَحْصُلَ الأمْنُ وتَنْتَظِمَ أُمُورُ الخِلافَةِ وأرادُوا بِذَلِكَ زِيادَةَ اِحْتِرامِهِمْ وقُوَّةَ أُمْنِيَتِهِمْ لِما أنَّها أُمُّ المُؤْمِنِينَ والزَّوْجُ المُحْتَرَمَةُ غايَةَ الِاحْتِرامِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّها كانَتْ أحَبَّ صفحة 10 أزْواجِهِ إلَيْهِ وأكْثَرَهُنَّ قَبُولًا عِنْدَهُ وبِنْتَ خَلِيفَتِهِ الأوَّلِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَسارَتْ مَعَهم بِقَصْدِ الإصْلاحِ وانْتِظامِ الأُمُورِ وحِفْظِ عِدَّةِ نُفُوسٍ مِن كِبارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وكانَ مَعَها اِبْنُ أُخْتِها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ مِن أبْناءِ أخَواتِها أُمِّ كُلْثُومٍ زَوْجِ طَلْحَةَ وأسْماءَ زَوْجِ الزُّبَيْرِ بَلْ كُلُّ مَن مَعَها بِمَنزِلَةِ الأبْناءِ في المَحْرَمِيَّةِ وكانَتْ في هَوْدَجٍ مِن حَدِيدٍ، فَبَلَغَ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خَبَرَ التَّوَجُّهِ إلى البَصْرَةِ أُولَئِكَ القَتَلَةُ السَّفَلَةُ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ وحَمَلُوهُ عَلى أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمْ ويُعاقِبَهُمْ، وأشارَ عَلَيْهِ الحَسَنُ والحُسَيْنُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِعَدَمِ الخُرُوجِ واللُّبْثِ إلى أنْ يَتَّضِحَ الحالُ فَأبى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا فَخَرَجَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَعَهُ أُولَئِكَ الأشْرارُ أهْلُ الفِتْنَةِ فَلَمّا وصَلُوا قَرِيبًا مِنَ البَصْرَةِ أرْسَلُوا القَعْقاعَ إلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ لِيَتَعَرَّفَ مَقاصِدَهم ويَعْرِضَها عَلى الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهَ، فَجاءَ القَعْقاعُ إلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: يا أُمّاهُ ما أشْخَصَكِ وأقْدَمَكِ هَذِهِ البَلْدَةَ؟ فَقالَتْ: أيْ بُنَيَّ الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ بَعَثَتْ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ، فَقالَ القَعْقاعُ: أخْبَرانِي بِوَجْهِ الصَّلاحِ قالا: إقامَةُ الحَدِّ عَلى قَتَلَةِ عُثْمانَ وتَطْيِيبُ قُلُوبِ أوْلِيائِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأمْنِنا وعِبْرَةً لِمَن بَعْدَهم فَقالَ القَعْقاعُ: هَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ اِتِّفاقِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ وسُكُونِ الفِتْنَةِ فَعَلَيْكُما بِالمُسالَمَةِ في هَذِهِ السّاعَةِ فَقالا: أصَبْتَ وأحْسَنْتَ، فَرَجَعَ إلى الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَسُرَّ بِهِ واسْتَبْشَرَ وأشْرَفَ القَوْمُ عَلى الرُّجُوعِ ولَبِثُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَشُكُّونَ في الصُّلْحِ فَلَمّا غَشِيَتْهم لَيْلَةُ اليَوْمِ الرّابِعِ وقَرَّرَتِ الرُّسُلُ والوَسائِطُ في البَيْنِ أنْ يُظْهِرُوا المُصالَحَةَ صَبِيحَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ويُلاقِي الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأُولَئِكَ القَتَلَةُ لَيْسُوا حاضِرِينَ مَعَهُ وتَحَقَّقُوا ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ واضْطَرَبُوا وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ فَتَشاوَرُوا فِيما بَيْنَهم أنْ يُغِيرُوا عَلى مَن كانَ مَعَ عائِشَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَظُنُّوا الغَدْرَ مِنَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَيَهْجُمُوا عَلى عَسْكَرِهِ فَيَظُنُّوا بِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ غَدَرُوا فَيَنْشَبُ القِتالُ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَهَجَمَ مَن كانَ مَعَ عائِشَةَ عَلى عَسْكَرِ الأمِيرِ وصَرَخَ أُولَئِكَ القَتَلَةُ بِالغَدْرِ فالتَحَمَ القِتالُ ورَكِبَ الأمِيرُ مُتَعَجِّبًا فَرَأى الوَطِيسَ قَدْ حَمِيَ والرِّجالَ قَدْ سَبَحَتْ بِالدِّماءِ فَلَمْ يَسَعْهُ رَضِيَ لِلَّهِ تَعالى عَنْهُ إلّا الِاشْتِغالُ بِالحَرْبِ والطَّعْنِ والضَّرْبِ. وقَدْ نَقَلَ الواقِعَةَ كَما سَمِعْتَ الطَّبَرِيُّ وجَماهِيرُ ثِقاةِ المُؤَرِّخِينَ ورَوَوْها كَذَلِكَ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وما وراءَ ذَلِكَ مِمّا رَواهُ الشِّيعَةُ عَنْ أسْلافِهِمْ قَتَلَةِ عُثْمانَ مِمّا لا يُلْتَفَتُ لَهُ، ويَدُلُّ عَلى تَغَلُّبِ القَتَلَةِ وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ ما في (نَهْجِ البَلاغَةِ) المَقْبُولِ عِنْدَ الشِّيعَةِ مِن أنَّهُ قالَ لِلْأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ: لَوْ عاقَبْتَ قَوْمًا أجْلَبُوا عَلى عُثْمانَ فَقالَ: يا إخْوَتاهُ إنِّي لَسْتُ أجْهَلُ ما تَعْلَمُونَ ولَكِنْ كَيْفَ لِي بِهِمْ والمُجْلِبُونَ عَلى شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنا ولا نَمْلِكُهم وها هم هَؤُلاءِ قَدْ ثارَتْ مَعَهم عِبْدانُكم والتَفَّتْ إلَيْهِمْ أعْرابُكم وهم خِلالَكم يَسُومُونَكم ما شاؤُوا. فَحَيْثُ كانَ الخُرُوجُ أوَّلًا لِلْحَجِّ ومَعَها مِن مَحارِمِها مَن مَعَها ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ بِالِاسْتِقْرارِ في البُيُوتِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ مِثْلِهِ لَمْ يَتَوَجَّهِ الطَّعْنُ بِهِ أصْلًا، وكَذا المَسِيرُ إلى البَصْرَةِ لِذَلِكَ القَصْدِ فَإنَّهُ لَيْسَ أدْوَنُ مِن سَفَرِ حَجِّ النَّفْلِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ في حِسابِها ولَمْ يَمُرَّ بِبالِها تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ، ولِهَذا لَمّا وقَعَ ما وقَعَ وتَرَتَّبَ ما تَرَتَّبَ نَدِمَتْ غايَةَ النَّدَمِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّها كُلَّما كانَتْ تَذْكُرُ يَوْمَ الجَمَلِ تَبْكِي حَتّى يَبْتَلَّ مِعْجَرُها، بَلْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في (زَوائِدِ الزُّهْدِ) وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إذا قَرَأتْ صفحة 11 ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها وما ذاكَ إلّا لِأنَّ قِراءَتَها تُذَكِّرُها الواقِعَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيها كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذا كَما أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أحْزَنَهُ ذَلِكَ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا وقَعَ الِانْهِزامُ عَلى مَن مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وقُتِلَ مَن قُتِلَ مِنَ الجَمْعَيْنِ طافَ في مَقْتَلِ القَتْلى فَكانَ يَضْرِبُ عَلى فَخْذَيْهِ ويَقُولُ: يا لَيْتَنِي مُتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا، ولَيْسَ بُكاؤُها عِنْدَ قِراءَةِ الآيَةِ لِعِلْمِها بِأنَّها أخْطَأتْ في فَهْمِ مَعْناها أوْ أنَّها نَسِيَتْها يَوْمَ خَرَجَتْ كَما تُوُهِّمَ، وقالَ في ذَلِكَ مُسْتَهْزِئًا كاظِمٌ الأزْدِيُّ البَغْدادِيُّ مِن مُتَأخِّرِي شُعَراءِ الرّافِضَةِ مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ كَفَرَ بِعِدَّةِ مَواضِعَ فِيها: حَفِظَتْ أرْبَعِينَ ألْفَ حَدِيثٍ ∗∗∗ ومِنَ الذِّكْرِ آيَةٌ تُنْساها نَعَمْ قَدْ يَنْضَمُّ لِما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ البُكاءِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمًا لِأزْواجِهِ المُطَهَّراتِ وفِيهِنَّ عائِشَةُ: «كَأنِّي بِإحْداكُنَّ تَنْبَحُها كِلابُ الحَوْأبِ»» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الغَيْرِ المُعْتَبَرَةِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ بِزِيادَةِ: ««فَإيّاكِ أنْ تَكُونِي يا حُمَيْراءُ»،» ولَمْ تَكُنْ سَألَتْ قَبْلَ المَسِيرِ عَنِ الحَوْأبِ هَلْ هو واقِعٌ في طَرِيقِها أمْ لا حَتّى نَبَحَتْها في أثْناءِ المَسِيرِ كِلابٌ عِنْدَ ماءٍ فَقالَتْ لِمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: ما اِسْمُ هَذا الماءِ؟ فَقالَ: يَقُولُونَ لَهُ حَوْأبٌ فَقالَتْ أرْجِعُونِي، وذَكَرَتِ الحَدِيثَ وامْتَنَعَتْ عَنِ المَسِيرِ وقَصَدَتِ الرُّجُوعَ فَلَمْ يُوافِقْها أكْثَرُ مَن مَعَها، ووَقَعَ التَّشاجُرُ حَتّى شَهِدَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ مَعَ نَحْوٍ مِن ثَمانِينَ رَجُلًا مِن دَهاقِينِ تِلْكَ النّاحِيَةِ بِأنَّ هَذا الماءَ ماءٌ آخَرُ ولَيْسَ هو حَوْأبًا، فَمَضَتْ لِشَأْنِها بِسَبَبِ ذَلِكَ وتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ ووُقُوعُ الأمْرِ، فَكَأنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها رَأتْ سُكُوتَها عَنِ السُّؤالِ وتَحْقِيقَ الحالِ قَبْلَ المَسِيرِ تَقْصِيرًا مِنها وذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِها فَبَكَتْ لَهُ. ولِما تَقَدَّمَ وما زَعَمَتْهُ الشِّيعَةُ مِن أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَتْ هي الَّتِي تُحَرِّضُ النّاسَ عَلى قَتْلِ عُثْمانَ وتَقُولُ: اُقْتُلُوا نَعْثَلًا فَقَدْ فَجَرَ، تُشَبِّهُهُ بِيَهُودِيٍّ يُدْعى نَعْثَلًا حَتّى إذا قُتِلَ وبايَعَ النّاسُ عَلِيًّا قالَتْ: ما أُبالِي أنْ تَقَعَ السَّماءُ عَلى الأرْضِ قُتِلَ واَللَّهِ مَظْلُومًا وأنا طالِبَةٌ بِدَمِهِ، فَذَكَّرَها عُبَيْدٌ بِما كانَتْ تَقُولُ، فَقالَتْ: قَدْ واَللَّهِ قُلْتُ وقالَ النّاسُ، فَأنْشَدَ: فَمِنكِ البُداءُ ومِنكِ الغَيْرُ ∗∗∗ ومِنكِ الرِّياحُ ومِنكِ المَطَرْ وأنْتِ أمَرْتِ بِقَتْلِ الإمامِ ∗∗∗ وقُلْتِ لَنا إنَّهُ قَدْ فَجَرْ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ وهو مِن مُفْتَرَياتِ اِبْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ أعْثِمَ الكُوفِيِّ والسُّمْساطِيِّ وكانُوا مَشْهُورِينَ بِالكَذِبِ والِافْتِراءِ. ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَذِبِ زَعْمُهم أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ما خَرَجَتْ وسارَتْ إلى البَصْرَةِ إلّا لِبُغْضِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّها لَمْ تَزَلْ تَرْوِي مَناقِبَهُ وفَضائِلَهُ، ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ أنَّها قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُبُّ عَلِيٍّ عِبادَةٌ»، وقالَتْ بَعْدَ وُقُوعِ ما وقَعَ: واَللَّهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ عَلِيٍّ إلّا ما يَكُونُ بَيْنَ المَرْأةِ وأحْمائِها. وقَدْ أكْرَمَها عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأحْسَنَ مَثْواها وبالَغَ في اِحْتِرامِها ورَدَّها إلى المَدِينَةِ ومَعَها جَماعَةٌ مِن نِساءِ أعْيانِ البَصْرَةِ عَزِيزَةً كَرِيمَةً، وهَذا مِمّا يُرَدُّ بِهِ عَلى الرّافِضَةِ الزّاعِمِينَ كُفْرَها وحاشاها بِما فَعَلَتْ، وما رُوِيَ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ مِن (أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمّا ظَهَرَ عَلى أهْلِ الجَمَلِ أرْسَلَ إلى عائِشَةَ أنِ اِرْجِعِي إلى المَدِينَةِ فَأبَتْ فَأعادَ إلَيْها الرَّسُولَ وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَها: واَللَّهِ لَتَرْجِعِنَّ أوْ لَأبْعَثَنَّ إلَيْكِ نِسْوَةً مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ مَعَهُنَّ شِفارٌ حِدادٌ يَأْخُذْنَكِ بِها فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ خَرَجَتْ) لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ في (اَلْمُصَنَّفِ) لِمُخالَفَتِهِ لِما رَواهُ الأوْثَقُ حَتّى كادَ يَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ. هَذا ولا يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ الخُرُوجِ لِلْحَجِّ ونَحْوِهِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيَرِينَ قالَ: ثَبَتَ أنَّهُ قِيلَ لِسَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: صفحة 12 ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ تَعالى أنْ أقَرَّ في بَيْتِي فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها لِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اِجْتِهادِها، كَما أنَّ خُرُوجَ الأخَواتِ مَبْنِيٌّ عَلى اِجْتِهادِهِنَّ، نَعَمْ أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِنِسائِهِ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ: «هَذِهِ ثُمَّ لُزُومَ الحُصُرِ»،» قالَ: فَكانَ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ إلّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وكانَتا تَقُولانِ: واَللَّهِ لا تُحَرِّكُنا دابَّةٌ بَعْدَ أنْ سَمِعْنا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (هَذِهِ الخ): أنَّكُنَّ لا تَعُدْنَ تَخْرُجْنَ بَعْدَ هَذِهِ الحِجَّةِ مِن بُيُوتِكُنَّ وتَلْزَمْنَ الحُصُرَ وهو جَمْعُ حَصِيرٍ الَّذِي يُبْسَطُ في البُيُوتِ مِنَ القَصَبِ، وتَضُمُّ الصّادُّ وتُسْكَنُ تَخْفِيفًا وهو في مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ لِلْحَجِّ فَلا يَتِمُّ ما ذَكَرَ أوَّلًا، ويُشْكِلُ خُرُوجُ سائِرِ الأزْواجِ لِذَلِكَ. وأُجِيبَ بِأنَّ الخَبَرَ لَيْسَ نَصًّا في النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ لِلْحَجِّ بَعْدَ تِلْكَ الحِجَّةِ وإلّا لَما خَرَجَ لَهُ سائِرُ الأزْواجِ الطّاهِراتِ مِن غَيْرِ نَكِيرِ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلَيْهِنَّ بَلْ جاءَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرْسَلَهُنَّ لِلْحَجِّ في عَهْدِهِ وجَعَلَ مَعَهُنَّ عُثْمانَ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وقالَ لَهُما: إنَّكُما ولَدانِ بارّانِ لَهُنَّ فَلْيَكُنْ أحَدُكُما قُدّامَ مَراكِبِهِنَّ والآخَرُ خَلْفَها، ولَمْ يُنْكِرْ أحَدٌ، فَكانَ إجْماعًا سُكُوتِيًّا عَلى الجَوازِ، فَكَأنَّ زَيْنَبَ وسَوْدَةَ فَهِما مِنَ الخَبَرِ قُضِيَتْ هَذِهِ الحِجَّةُ أوْ أُبِيحَتْ، لَكِنَّ هَذِهِ الحِجَّةَ بِخُصُوصِهِما ثُمَّ الواجِبُ بَعْدَها عَلَيْكُنَّ لُزُومَ البُيُوتِ فَلَمْ يَحُجّا بَعْدُ لِذَلِكَ، وغَيْرُهُما فَهِمَ مِنهُ المُناسِبَ لَكِنْ أوِ اللّائِقُ بِكُنَّ هَذِهِ الحِجَّةُ أيْ جِنْسُها أوْ هَذِهِ الحالَةُ مِنَ السَّفَرِ لِلْحَجِّ أوْ لِأمْرٍ دِينِيٍّ مُهِمٍّ، ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ المُناسِبِ أوِ اللّائِقِ لُزُومَ البُيُوتِ، فَيَكُونُ مُفادُهُ إباحَةُ الخُرُوجِ لِذَلِكَ. ومَن أنْصَفَ لا يَكادُ يَقُولُ بِإفادَةِ الخَبَرِ الأمْرَ بِلُزُومِ البُيُوتِ والنَّهْيَ عَنِ الخُرُوجِ مِنها مُطْلَقًا بَعْدَ تِلْكَ الحِجَّةِ بِخُصُوصِها، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرِضَ في بَيْتِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وبَقِيَ مَرِيضًا فِيهِ حَتّى تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَكادُ يَشُكُّ أحَدٌ في خُرُوجِ سائِرِهِنَّ لِعِيادَتِهِ أوْ يَتَصَوَّرُ اِسْتِقْرارَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ غَيْرَ بالِينَ شَوْقَهُنَّ بِرُؤْيَةِ طَلْعَتِهِ الشَّرِيفَةِ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ أقَلُّ النِّساءِ حُبًّا لِأزْواجِهِنَّ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهم فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ الأزْواجُ الطّاهِراتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو هو وحُبُّهُنَّ لَهُ حُبُّهُنَّ، ثُمَّ إنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ ويَحْتاجُ الجَزْمُ بِصِحَّتِهِ إلى تَنْقِيرٍ ومُراجَعَةٍ فَلْيُنْقَرْ ولْيُراجَعْ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ﴾ أُمِرْنَ بِهِما لِإنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما وكَوْنِهِما أساسَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ. ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ في كُلِّ ما تَأْتِينَ وتَذَرْنَ لا سِيَّما فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ ونُهِيتُنَّ عَنْهُ. ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُفِيدٌ تَعْلِيلَ أمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ، والرِّجْسُ في الأصْلِ الشَّيْءُ القَذِرُ وأُرِيدَ بِهِ هُنا عِنْدَ كَثِيرٍ الذَّنْبُ مَجازًا، وقالَ السُّدِّيُّ: الإثْمُ، وقالَ الزَّجّاجُ: الفِسْقُ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: الشَّيْطانُ، وقالَ الحَسَنُ: الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، وقِيلَ: البُخْلُ والطَّمَعُ، وقِيلَ: الأهْواءُ والبِدَعُ، وقِيلَ: إنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلى الإثْمِ وعَلى العَذابِ وعَلى النَّجاسَةِ وعَلى النَّقائِصِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الضَّعْفِ، وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ. والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ التَّحْلِيَةُ بِالتَّقْوى، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ فِيما نَهاكم ويُحَلِّيكم بِالتَّقْوى تَحْلِيَةً بَلِيغَةً فِيما أمَرَكُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الصَّوْنُ، والمَعْنى إنَّما يُرِيدُ سُبْحانَهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ويَصُونَكم مِنَ المَعاصِي صَوْنًا بَلِيغًا فِيما أمَرَ ونَهى جَلَّ شَأْنُهُ. واخْتُلِفَ في لامِ ﴿لِيُذْهِبَ﴾ فَقِيلَ زائِدَةٌ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ صفحة 13 لِ يُرِيدَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ اللَّهُ إذْهابَ الرِّجْسِ عَنْكم وتَطْهِيرَكُمْ، وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلاءِ فَقِيلَ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أمْرَكم ونَهْيَكم لِيُذْهِبَ أوْ إنَّما يُرِيدُ مِنكم ما يُرِيدُ لِيُذْهِبَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ومَن تابَعَهُما: الفِعْلُ في ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ واللّامُ وما بَعْدَها خَبَرٌ أيْ إنَّما إرادَةُ اللَّهِ تَعالى لِلْإذْهابِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ فِي- تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- فَلا مَفْعُولَ لِلْفِعْلِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: اللّامُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وإرادَتُهُ لِيُذْهِبَ وهو كَما تَرى، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ جارٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [اَلنِّساءِ: 26] ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [اَلْأنْعامِ: 71] وقَوْلِ الشّاعِرِ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ مَكانِ ونُصِبَ ( أهْلَ ) عَلى النِّداءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى المَدْحِ فَيُقَدَّرُ أمْدَحُ أوْ أعْنِي، وأنْ يَكُونَ عَلى الِاخْتِصاصِ وهو قَلِيلٌ في المُخاطَبِ ومِنهُ بِكَ اللَّهِ نَرْجُو الفَضْلَ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ في المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: نَحْنُ بَناتُ طارِقٍ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ. وألْ في البَيْتِ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ بَيْتُ الطِّينِ والخَشَبِ لا بَيْتَ القَرابَةِ والنَّسَبِ وهو بَيْتُ السُّكْنى لا المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ كَما قِيلَ، وحِينَئِذٍ فالمُرادُ بِأهْلِهِ نِساؤُهُ ﷺ المُطَهَّراتُ لِلْقَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ سِوى سُكْناهُنَّ، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ إلخ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ ذَلِكَ بِدُونِ لَفْظِ (خاصَّةً)، وقالَ عِكْرِمَةُ مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ بِاَلَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ إنَّما هو نِساءُ النَّبِيِّ ﷺ. ورَوى اِبْنُ جَرِيرٍ أيْضًا أنَّ عِكْرِمَةَ كانَ يُنادِي في السُّوقِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ نَزَلَ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ، وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: يَعْنِي أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ وتَوْحِيدَ البَيْتِ لِأنَّ بُيُوتَ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ بِاعْتِبارِ الإضافَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ بَيْتٌ واحِدٌ وجَمْعُهُ فِيما سَبَقَ ولَحِقَ بِاعْتِبارِ الإضافَةِ إلى الأزْواجِ المُطَهَّراتِ اللّاتِي كُنَّ مُتَعَدِّداتٍ، وجَمْعُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [اَلْأحْزابِ: 53] دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إرادَةِ بَيْتِ زَيْنَبَ لَوْ أُفْرِدَ مِن حَيْثُ إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أمْرٌ وقَعَ فِيهِ كَما سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأُورِدَ ضَمِيرُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في ( عَنْكُمُ )، ﴿ويُطَهِّرَكُمْ﴾ رِعايَةً لِلَفْظِ الأهْلِ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما يَسْتَعْمِلُونَ صِيَغَ المُذَكَّرِ في مِثْلِ ذَلِكَ رِعايَةً لِلَّفْظِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى خِطابًا لِسارَّةَ اِمْرَأةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هُودٍ: 73] ومِنهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِاِمْرَأتِهِ ولَعَلَّ اِعْتِبارَ التَّذْكِيرِ هُنا أدْخَلَ في التَّعْظِيمِ، وقِيلَ: المُرادُ هو ﷺ ونِساؤُهُ المُطَهَّراتُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ، وضَمِيرُ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِتَغْلِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ ولِذا أُفْرِدَ ولَمْ يُجْمَعْ كَما في السّابِقِ واللّاحِقِ. فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا صفحة 14 فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [اَلْواقِعَةِ: 27]، ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [اَلْواقِعَةِ: 41] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثُلُثًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [اَلْواقِعَةِ: 9، 10] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ ثُمَّ جَعَلَ إلّا ثَلاثَ قَبائِلَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [اَلْحُجُراتِ: 13] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ولا فَخْرَ، ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أنا وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ»» فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو قِسْمٌ مِنَ القَبِيلَةِ البَيْتُ النِّسْبِيُّ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِأهْلِهِ فَذَهَبَ الثَّعْلَبِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِهِمْ جَمِيعُ بَنِي هاشِمٍ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُؤْمِنِي بَنِي هاشِمٍ وهَذا هو المُرادُ بِالآلِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: المُرادُ بِهِمْ آلُهُ ﷺ الَّذِينَ هم مُؤْمِنُو بَنِي هاشِمٍ والمُطَّلِبِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أهْلَ البَيْتِ تُعُورِفَ في أُسْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُطْلَقًا، وأُسْرَةُ الرَّجُلِ عَلى ما في القامُوسِ رَهْطُهُ أيْ قَوْمُهُ وقَبِيلَتُهُ الأدْنَوْنَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: صارَ أهْلُ البَيْتِ مُتَعارَفًا في آلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصَحَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: مِن أهْلِ بَيْتِهِ نِساؤُهُ ﷺ؟ فَقالَ: لا، اَيْمُ اللَّهِ إنَّ المَرْأةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ ثُمَّ يُطَلِّقُها فَتَرْجِعُ إلى أبِيها وقَوْمِها أهْلِ بَيْتِهِ أصْلِهِ وعُصْبَتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ﷺ، وفي آخَرٍ أخْرَجَهُ هو أيْضًا مُبَيِّنٌ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ أنَّهُ قالَ: هم آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعْفَرٍ وآلُ عَبّاسٍ، وقالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ: أهْلُ البَيْتِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ البَيْتُ المَدَرُ والخَشَبُ أمْ بَيْتُ القَرابَةِ والنَّسَبِ عامٌّ، أمّا عُمُومُهُ عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ يَشْمَلُ الإماءَ والخَدَمَ فَإنَّ البَيْتَ المَدَرِيَّ يَسْكُنُهُ هَؤُلاءِ أيْضًا وقَدْ صَحَّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمُومَ غَيْرُ مُرادٍ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا». وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وأوْمَأ بِها إلى السَّماءِ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، ثَلاثَ مَرّاتٍ. وفِي بَعْضٍ آخَرَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ألْقى عَلَيْهِمْ كِساءً فَدَكِيًّا ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وفي لَفْظٍ آلُ مُحَمَّدٍ فاجْعَلْ صَلَواتِكَ وبَرَكاتِكَ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما جَعَلْتَها عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». وجاءَ في رِوايَةٍ أخْرَجَها الطَّبَرانِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: فَرَفَعْتُ الكِساءَ لِأدْخُلَ مَعَهم فَجَذَبَهُ ﷺ مِن يَدِي وقالَ: إنَّكِ عَلى خَيْرٍ» . وفِي أُخْرى رَواها اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها «أنَّها قالَتْ ألَسْتُ مِن أهْلِ البَيْتِ؟ فَقالَ ﷺ إنَّكِ إلى خَيْرٍ إنَّكَ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ،» وفي آخِرِها رَواها التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأنا مَعَهُمْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، قالَ: أنْتِ عَلى مَكانِكِ وإنَّكِ عَلى خَيْرٍ». وأخْبارُ إدْخالِهِ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم تَحْتَ الكِساءِ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة 15 اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، ودُعائِهِ لَهُمْ، وعَدَمِ إدْخالِ أُمِّ سَلَمَةَ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وهي مُخَصَّصَةٌ لِعُمُومِ أهْلِ البَيْتِ بِأيِّ مَعْنًى كانَ البَيْتُ فالمُرادُ بِهِمْ مَن شَمَلَهُمُ الكِساءُ ولا يَدْخُلُ فِيهِمْ أزْواجُهُ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ بِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ مِنَ الشِّيعَةِ عَبْدُ اللَّهِ المَشْهَدِيُّ، وقالَ المُرادُ مِنَ البَيْتِ بَيْتُ النُّبُوَّةِ ولا شَكَّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ لُغَةً شامِلٌ لِلْأزْواجِ بَلْ لِلْخُدّامِ مِنَ الإماءِ اللّائِي يَسْكُنَّ في البَيْتِ أيْضًا: ولَيْسَ المُرادُ هَذا المَعْنى اللُّغَوِيَّ بِهَذِهِ السِّعَةِ بِالِاتِّفاقِ، فالمُرادُ بِهِ آلُ العَباءِ الَّذِينَ خَصَصَّهم حَدِيثُ السَّكّاءِ، وقالَ أيْضًا: إنَّ كَوْنَ البُيُوتِ جَمْعًا في ﴿بُيُوتِكُنَّ﴾ وإفْرادَ البَيْتِ في ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بُيُوتَهُنَّ غَيْرُ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ اه. وفِيهِ ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وقِيلَ المُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ السُّكْنى وبَيْتُ النَّسَبِ، وأهْلُ ذَلِكَ أهْلُ كُلٍّ مِنَ البَيْتَيْنِ، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ فِيهِ وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ السُّكْنى وأهْلُهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ وسِباقُها والأخْبارُ الَّتِي لا تُحْصى كَثْرَةً ويَشْهَدُ لَهُ العُرْفُ مَن لَهُ مَزِيدُ اِخْتِصاصٍ بِهِ إمّا بِالسُّكْنى فِيهِ مَعَ القِيامِ بِمَصالِحِهِ وتَدْبِيرِ شَأْنِهِ والِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ وعَدَمِ كَوْنِ السّاكِنِ في مَعْرِضِ التَّبَدُّلِ والتَّحَوُّلِ بِحُكْمِ العادَةِ الجارِيَةِ مِن بَيْعٍ وهِبَةٍ كالأزْواجِ، أوْ بِالسُّكْنى فِيهِ كَذَلِكَ بِدُونِ مُلاحَظَةِ القِيامِ بِالمَصالِحِ كالأوْلادِ، أوْ بِقُرْبَةٍ مِن صاحِبِهِ تَقْضِي بِحَسَبِ العادَةِ بِالتَّرَدُّدِ إلَيْهِ والجُلُوسِ فِيهِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ مِن صاحِبِهِ لِذَلِكَ، أوْ بِعَدَمِ المَنعِ مِن ذَلِكَ فالأوْلادُ الَّذِينَ لا يُسْكِنُونَهُ وكَأوْلادِهِمْ وإنْ نَزَلُوا وكالأعْمامِ وأوْلادِ الأعْمامِ، عَلى هَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ وقَدْ سَمِعْتَ بَعْضَها كَحَدِيثِ الكِساءِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ وكالحَدِيثِ الحَسَنِ «أنَّهُ ﷺ اِشْتَمَلَ عَلى العَبّاسِ وبَنِيهِ بِمُلاءَةٍ، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ هَذا عَمِّي وصِنْوُ أبِي وهَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فاسْتُرْهم مِنَ النّارِ كَسَتْرِي إيّاهم بِمُلاءَتِي هَذِهِ، فَأمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ البابِ وحَوائِطُ البَيْتِ فَقالَتْ آمِينَ ثَلاثًا». وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضَمَّ إلى أهْلِ الكِساءِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَقِيَّةَ بَناتِهِ وأقارِبِهِ وأزْواجِهِ، وصَحَّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ في بَعْضٍ آخَرَ أنَّها قالَتْ، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أما أنا مِن أهْلِ البَيْتِ؟ فَقالَ: بَلى إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي بَعْضٍ آخَرَ أيْضًا أنَّها قالَتْ لَهُ ﷺ؟ ألَسْتُ مِن أهْلِكَ، قالَ: بَلى، وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أدْخَلَها الكِساءَ بَعْدَ ما قَضى دُعاءَهُ لَهم. وقَدْ تَكَرَّرَ كَما أشارَ إلَيْهِ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مِنهُ ﷺ الجَمْعُ وقَوْلُ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي والدُّعاءُ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وبَيْتِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِما، وبِهِ جُمِعَ بَيْنَ اِخْتِلافِ الرِّواياتِ في هَيْئَةِ الِاجْتِماعِ وما جَلَّلَ ﷺ بِهِ المُجْتَمِعِينَ وما دَعا بِهِ لَهُمْ، وما أجابَ بِهِ أُمَّ سَلَمَةَ، وعَدَمُ إدْخالِها في بَعْضِ المَرّاتِ تَحْتَ الكِساءِ لَيْسَ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن أهْلِ البَيْتِ أصْلًا بَلْ لِظُهُورِ أنَّها مِنهم حَيْثُ كانَتْ مِنَ الأزْواجِ اللّاتِي يَقْتَضِي سِياقُ الآيَةِ وسِباقُها دُخُولَهُنَّ فِيهِمْ بِخِلافِ مَن أُدْخِلُوا تَحْتَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ لَمْ يُدْخِلْهم ويَقُلْ ما قالَ لَتُوُهِّمَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الآيَةِ لِعَدَمِ اِقْتِضاءِ سِياقِها وسِباقِها ذَلِكَ. وذَكَرَ اِبْنُ حَجَرٍ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ بَعْضِ الرِّواياتِ المُخْتَلِفَةِ الحَمْلَ عَلى أنَّ النُّزُولَ كانَ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ أدْخَلَ ﷺ بَعْضَ مَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ سَبَبِيَّةٌ ولا نِسْبِيَّةٌ في أهْلِ البَيْتِ تَوَسُّعًا وتَشْبِيهًا كَسَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««سَلْمانُ مِنّا أهْلَ البَيْتِ»،» وجاءَ في رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ «أنَّ واثِلَةَ قالَ: وأنا مِن أهْلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْتَ مِن أهْلِي، فَكانَ واثِلَةُ يَقُولُ: إنَّها لَمِن أرْجى ما أرْجُو،» والخَبَرُ الدّالُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ البَيْتُ النِّسْبِيُّ أعْنِي خَبَرَ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ ومَن مَعَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ يَجُوزُ حَمْلُ البَيْتِ فِيهِ عَلى بَيْتِ المَدَرِ، والحَيَوانُ يَنْقَسِمُ إلى رُومِيٍّ وزِنْجِيٍّ مَثَلًا كَما يَنْقَسِمُ الإنْسانُ إلَيْهِما عَلى أنَّ في رُواتِهِ مِن وثَّقَهُ اِبْنُ مَعِينٍ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ والجَرْحُ مُقَدَّمٌ صفحة 16 عَلى التَّعْدِيلِ، وما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن نَفْيِ كَوْنِ أزْواجِهِ ﷺ أهْلَ بَيْتِهِ وكَوْنِ أهْلِ بَيْتِهِ أصْلَهُ وعُصْبَتَهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمُرادُ بِأهْلِ البَيْتِ فِيهِ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ جَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثانِيَ الثَّقَلَيْنِ لا أهْلُ البَيْتِ بِالمَعْنى الأعَمِّ المُرادِ في الآيَةِ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ يَزِيدَ بْنِ حِبّانَ قالَ: اِنْطَلَقْتُ أنا وحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إلى زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ فَلَمّا جَلَسْنا إلَيْهِ قالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسَمِعْتَ حَدِيثَهُ وغَزَوْتَ مَعَهُ وصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ يا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا حَدِّثْنا يا زَيْدُ بِما سَمِعْتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: يا اِبْنَ أخِي واَللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وقَدُمَ عَهْدِي ونَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أعِي مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَما حَدَّثْتُكم فاقْبَلُوا وما لا فَلا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينا خَطِيبًا بِماءٍ يُدْعى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ووَعَظَ وذَكَّرَ، ثُمَّ قالَ: «أمّا بَعْدُ ألا يا أيُّها النّاسُ فَإنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وإنِّي تارِكٌ فِيكم ثَقَلَيْنِ أوَّلُهُما كِتابُ اللَّهِ فِيهِ الهُدى والنُّورُ فَخُذُوا بِكِتابِ اللَّهِ واسْتَمْسَكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلى كِتابِ اللَّهِ ورَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: «وأهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي أُذِكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي، ثَلاثًا- فَقالَ لَهُ حُصَيْنٌ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ يا زَيْدُ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ- قالَ: ومَن هُمْ؟ قالَ: هم آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعْفَرٍ وآلُ عَبّاسٍ»» الحَدِيثَ. فَإنَّ الِاسْتِدْراكَ بَعْدَ جَعْلِهِ النِّساءَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ﷺ ظاهِرٌ في أنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُرادِ بِأهْلِ البَيْتِ في الحَدِيثِ الَّذِي حُدِّثَ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم فِيهِ ثانِي الثَّقَلَيْنِ فَلِأهْلِ البَيْتِ إطْلاقانِ يَدْخُلُ في أحَدِهِما النِّساءُ ولا يَدْخُلْنَ في الآخَرِ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ والخَبَرِ السّابِقِ المُتَضَمِّنِ نَفْيَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَوْنَ النِّساءِ مِن أهْلِ البَيْتِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ظاهِرَ تَعْلِيلِهِ نَفِيُ كَوْنِ النِّساءِ أهْلَ البَيْتِ بِقَوْلِهِ: اَيْمُ اللَّهِ إنَّ المَرْأةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ ثُمَّ يُطَلِّقُها فَتَرْجِعُ إلى أبِيها وقَوْمِها، يَقْتَضِي أنْ لا يَكُنَّ مِن أهْلِ البَيْتِ مُطْلَقًا فَلَعَلَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ في الخَبَرِ السّابِقِ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ أنِساؤُهُ إلخ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ فَيَكُونُ بِمَعْنى لَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، كَما في مُعْظَمِ الرِّواياتِ في غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ويَكُونُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمَّنْ يَرى أنَّ نِساءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَسْنَ مِن أهْلِ البَيْتِ أصْلًا ولا يَلْزَمُنا أنْ نَدِينَ اللَّهَ تَعالى بِرَأْيِهِ لا سِيَّما وظاهِرُ الآيَةِ مَعَنا وكَذا العُرْفُ وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ هم أحَدَ الثَّقَلَيْنِ بِالمَعْنى الشّامِلِ لِلْأزْواجِ وغَيْرُهُنَّ مِن أصْلِهِ وعُصْبَتِهِ ﷺ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ عَدَمُ اِسْتِمْرارِ بَقاءِ الأزْواجِ كَما اِسْتَمَرَّ بَقاءُ الآخَرِينَ مَعَ الكِتابِ كَما لا يَخْفى اه. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««إنِّي تارِكٌ فِيكم خَلِيفَتَيْنِ - وفي رِوايَةٍ ثَقَلَيْنِ - كِتابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي وإنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»،» يَقْتَضِي أنَّ النِّساءَ المُطَهَّراتِ غَيْرُ داخِلاتٍ في أهْلِ البَيْتِ الَّذِينَ هم أحَدُ الثَّقَلَيْنِ لِأنَّ عِتْرَةَ الرَّجُلِ كَما في الصِّحاحِ نَسْلُهُ ورَهْطُهُ الأدْنَوْنَ، وأهْلَ بَيْتِي في الحَدِيثِ الظّاهِرِ أنَّهُ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ مُتَّحِدًا مَعَهُ فَحَيْثُ لَمْ تَدَخُلِ النِّساءُ في الأوَّلِ لَمْ تَدْخُلْ في الثّانِي. وفِي النِّهايَةِ أنَّ عِتْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ أهْلُ بَيْتِهِ الأقْرَبُونَ وهم أوْلادُهُ وعَلِيٌّ وأوْلادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: عِتْرَتُهُ الأقْرَبُونَ والأبْعَدُونَ مِنهُمُ اه. واَلَّذِي رَجَّحَهُ صفحة 17 القُرْطُبِيُّ أنَّهم مَن حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الزَّكاةُ، وفي كَوْنِ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ كَذَلِكَ خِلافٌ قالَ اِبْنُ حَجَرٍ: والقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الزَّكاةِ عَلَيْهِنَّ ضَعِيفٌ، وإنْ حَكى اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ الإجْماعَ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ، ولا يُرَدُّ عَلى حَمْلِ أهْلِ البَيْتِ في الآيَةِ عَلى المَعْنى الأعَمِّ ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ فِيَّ وفي عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وحَسَنٍ وحُسَيْنٍ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾»» إذْ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ، والعَدَدُ لا مَفْهُومَ لَهُ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى مَن ذَكَرَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم أفْضَلُ مَن دَخَلَ في العُمُومِ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الحَدِيثِ واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَمْ أعْهَدْ نَحْوَ هَذا في الآياتِ مِنهُ ﷺ في شَيْءٍ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها في أسْبابِ النُّزُولِ، وبِتَفْسِيرِ أهْلِ البَيْتِ بِمَن لَهُ مَزِيدُ اِخْتِصاصٍ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ يَنْدَفِعُ ما ذَكَرَهُ المَشْهَدِيُّ مِن شُمُولِهِ لِلْخُدّامِ والإماءِ والعَبِيدِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ البَيْتَ فَإنَّهم في مَعْرِضِ التَّبَدُّلِ والتَّحَوُّلِ بِانْتِقالِهِمْ مِن مَلِكٍ إلى مَلِكٍ بِنَحْوِ الهِبَةِ والبَيْعِ ولَيْسَ لَهم قِيامٌ بِمَصالِحِهِ واهْتِمامٌ بِأمْرِهِ وتَدْبِيرٌ لِشَأْنِهِ إلّا حَيْثُ يُؤْمَرُونَ بِذَلِكَ، ونَظْمُهم في سِلْكِ الأزْواجِ ودَعْوى أنَّ نِسْبَةَ الجَمِيعِ إلى البَيْتِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُنْصِفٌ ولا يَقُولُ بِهِ إلّا مُتَعَسِّفٌ. وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ دُخُولَهم في العُمُومِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لِأنَّ الآيَةَ عِنْدَهم لا تَدُلُّ عَلى العِصْمَةِ ولا حَجْرَ عَلى رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولِأجْلِ عَيْنِ ألْفِ عَيْنٍ تُكْرَمُ، وأمّا أمْرُ الجَمْعِ والأفْرادِ فَقَدْ سَمِعْتَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، والظّاهِرُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ التَّعْبِيرَ بِضَمِيرِ جَمْعِ المُذَكَّرِ في ( عَنْكُمُ ) لِلتَّغْلِيبِ، وذُكِرَ أنَّ في ( عَنْكُمُ ) عَلَيْهِ تَغْلِيبَيْنِ أحَدُهُما تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وثانِيهِما تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ إذْ غَيْرُ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ مِن أهْلِ البَيْتِ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ فِيما قَبْلُ ولَمْ يُخاطَبُوا بِأمْرٍ أوْ نَهْيٍ أوْ غَيْرِهِما فِيهِ، وأمْرُ التَّعْلِيلِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَظُهُورِهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ البَيْتِ الأزْواجُ المُطَهَّراتُ فَقَطْ. واعْتَذَرَ المَشْهَدِيُّ عَنْ وُقُوعِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ إلخ في البَيْنِ بِأنَّ مِثْلَهُ واقِعٌ في القُرْآنِ الكَرِيمِ فَقَدْ قالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾ [اَلنُّورِ: 54] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ تَمامِ الآيَةِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [اَلنُّورِ: 56] فَعَطَفَ أقِيمُوا عَلى أطِيعُوا مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ الكَثِيرِ بَيْنَهُما، وفِيهِ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ ( أقِيمُوا الصَّلاةَ ) إلخ ( وأطِيعُوا الرَّسُولَ ) فَلَوْ كانَ العَطْفُ عَلى ما ذُكِرَ لَزِمَ عَطْفُ أطِيعُوا عَلى أطِيعُوا وهو كَما تَرى. سَلَّمْنا أنْ لا فَسادَ في ذَلِكَ إلّا أنَّ مِثْلَ هَذا الفَصْلِ لَيْسَ في مَحَلِّ النِّزاعِ فَإنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ مِن حَيْثُ الإعْرابُ وهو لا يُنافِي البَلاغَةَ وما نَحْنُ فِيهِ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ فَصْلٌ بِأجْنَبِيٍّ بِاعْتِبارِ مَوارِدِ الآياتِ اللّاحِقَةِ والسّابِقَةِ، وإنْكارُ مُنافاتِهِ لِلْبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ مُكابَرَةٌ لا تَخْفى. ومِمّا يَضْحَكُ مِنهُ الصِّبْيانُ أنَّهُ قالَ بَعْدُ: إنَّ بَيْنَ الآياتِ مُغايِرَةً إنْشائِيَّةً وخَبَرِيَّةً لِأنَّ آيَةَ التَّطْهِيرِ جُمْلَةٌ نِدائِيَّةٌ وخَبَرِيَّةٌ وما قَبْلَها وما بَعْدَها مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ جُمَلٌ إنْشائِيَّةٌ وعَطْفُ الإنْشائِيَّةِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لا يَجُوزُ، ولَعَمْرِي أنَّهُ أشْبَهُ كَلامٍ مِن حَيْثُ الغَلَطُ بِقَوْلِ بَعْضِ عَوامِّ الأعْجامِ: (خسن وخسين دختران مغاوية)، ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [اَلنُّورِ: 40] ثُمَّ إنَّ الشِّيعَةَ اِسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِمْ بِتَخْصِيصِ أهْلِ البَيْتِ فِيها بِمَن سَمِعْتَ، وجَعَلَ ﴿لِيُذْهِبَ﴾ مَفْعُولًا بِهِ لِ ﴿يُرِيدُ﴾ صفحة 18 وتَفْسِيرُ الرِّجْسِ بِالذُّنُوبِ عَلى العِصْمَةِ فَذَهَبُوا إلى أنَّ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ عِصْمَتَهُ ﷺ مِنها، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ المُتَأخِّرِينَ بِأنَّهُ لَوْ فُرِضَ تَعَيُّنُ كُلِّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا تَسْلَمُ دَلالَتُها عَلى العِصْمَةِ بَلْ لَها دَلالَةٌ عَلى عَدَمِها إذْ لا يُقالُ في حَقِّ مَن هو طاهِرٌ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أُطَهِّرَهُ ضَرُورَةَ اِمْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ. وغايَةُ ما في البابِ أنَّ كَوْنَ أُولَئِكَ الأشْخاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَحْفُوظَيْنِ مِنَ الرِّجْسِ والذُّنُوبِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِإذْهابِ رِجْسِهِمْ يَثْبُتُ بِالآيَةِ ولَكِنْ هَذا أيْضًا عَلى أُصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ لا عَلى أُصُولِ الشِّيعَةِ لِأنَّ وُقُوعَ مُرادِهِ تَعالى غَيْرُ لازِمٍ عِنْدَهم لِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مُطْلَقًا وبِالجُمْلَةِ لَوْ كانَتْ إفادَةُ مَعْنى العِصْمَةِ مَقْصُودَةً لَقِيلَ هَكَذا إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وطَهَّرَكم تَطْهِيرًا، وأيْضًا لَوْ كانَتْ مُفِيدَةً لِلْعِصْمَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الصَّحابَةُ لا سِيَّما الحاضِرِينَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قاطِبَةً مَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 6] بَلْ لَعَلَّ هَذا أفْيَدُ لِما فِيهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ وُقُوعَ هَذا الإتْمامِ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الحِفْظِ عَنِ المَعاصِي وشَرِّ الشَّيْطانِ اه. وقَرَّرَ الطَّبَرْسِيُّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى العِصْمَةِ بِأنَّ ﴿إنَّما﴾ لَفْظَةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما أثْبَتَ بَعْدَها نافِيَةٌ لِما لَمْ يُثْبِتْ، فَإذا قِيلَ: إنَّما لَكَ عِنْدِي دِرْهَمٌ أفادَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُخاطَبِ عِنْدَهُ سِوى دِرْهَمٍ فَتُفِيدُ الآيَةُ تَحَقُّقَ الإرادَةِ ونَفْيَ غَيْرِها، والإرادَةُ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ هي الإرادَةَ المَحْضَةَ أوِ الإرادَةَ الَّتِي يَتْبَعُها التَّطْهِيرُ، وإذْهابُ الرِّجْسِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإرادَةَ المَحْضَةَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن كُلِّ مُكَلَّفٍ ذَلِكَ بِالإرادَةِ المَحْضَةِ فَلا اِخْتِصاصَ لَها بِأهْلِ البَيْتِ دُونَ سائِرِ المُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ يَقْتَضِي المَدْحَ والتَّعْظِيمَ لَهم بِلا رَيْبٍ ولا مَدْحٍ في الإرادَةِ المُجَرَّدَةِ فَتَعَيَّنَ إرادَةُ الإرادَةِ بِالمَعْنى الثّانِي، وقَدْ عُلِمَ أنَّ مَن عَدا أهْلِ الكِساءِ غَيْرُ مُرادٍ فَتَخْتَصُّ العِصْمَةُ بِهِمُ اه. وهو كَما تَرى، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ في كُتُبِ الشِّيعَةِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو أفْضَلُ مِن ضَمِّهِ الكِساءَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفي نَهْجِ البَلاغَةِ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ لِأصْحابِهِ: لا تَكُفُّوا عَنْ مَقالَةٍ بِحَقٍّ أوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإنِّي لَسْتُ بِفَوْقِ أنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ مِن ذَلِكَ في فِعْلِي إلّا أنْ يُلْقِيَ اللَّهُ تَعالى في نَفْسِي ما هو أمْلَكُ بِهِ مِنِّي، وفِيهِ أيْضًا كانَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ما تَقَرَّبْتُ بِهِ إلَيْكَ وخالَفَهُ قَلْبِي، وقَصْدُ التَّعْلِيمِ كَما في بَعْضِ الأدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ بَعِيدٌ كَذا قِيلَ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ. وفَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ الإرادَةَ هاهُنا بِالمَحَبَّةِ، قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِها الإرادَةُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَها الفِعْلُ لَكانَ كُلٌّ مِن أهْلِ البَيْتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَحْفُوظًا مِن كُلِّ ذَنَبٍ والمَشاهِدُ خِلافُهُ، والتَّخْصِيصُ بِأهْلِ الكِساءِ وسائِرِ الأئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامِيَّةُ المُدَّعُونَ عِصْمَتَهم مِمّا لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَنا، والمَدْحُ جاءَ مِن جِهَةِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِمْ وإفادَتِهِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى لَهم هَذا الأمْرَ الجَلِيلَ الشَّأْنَ ومُخاطَبَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم بِذَلِكَ وجَعْلِهِ قُرْآنًا يُتْلى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى كَوْنِ الإرادَةِ هاهُنا بِالمَعْنى المَذْكُورِ دُونَ المَعْنى المَشْهُورِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ الفِعْلُ بِأنَّهُ ﷺ «قالَ حِينَ أدْخَلَ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم تَحْتَ الكِساءِ «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا»» فَإنَّهُ أيُّ حاجَةٍ لِلدُّعاءِ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُرادًا بِالإرادَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وهَلْ هو الِادِّعاءُ بِحُصُولٍ واجِبِ الحُصُولِ. واسْتَدَلَّ بِهَذا بَعْضُهم عَلى عَدَمِ نُزُولِ الآيَةِ في حَقِّهِمْ وإنَّما أدْخَلَهم ﷺ في أهْلِ البَيْتِ صفحة 19 المَذْكُورِ في الآيَةِ بِدُعائِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُو جَمِيعُ ما ذُكِرَ عَنْ بَحْثٍ، واَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المُرادَ بِأهْلِ البَيْتِ مَن لَهم مَزِيدُ عَلاقَةٍ بِهِ ﷺ ونِسْبَةٍ قَوِيَّةٍ قَرِيبَةٍ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ لا يَقْبُحُ عُرْفًا اِجْتِماعُهم وسُكْناهم مَعَهُ ﷺ في بَيْتٍ واحِدٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أزْواجُهُ والأرْبَعَةُ أهْلُ الكِساءِ وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ ما لَهُ مِنَ القَرابَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَشَأ في بَيْتِهِ وحِجْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يُفارِقْهُ وعامَلَهُ كَوَلَدِهِ صَغِيرًا أوْ صاهَرَهُ وآخاهُ كَبِيرًا. والإرادَةُ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ المُسْتَتْبَعِ لِلْفِعْلِ، والآيَةُ لا تَقُومُ دَلِيلًا عَلى عِصْمَةِ أهْلِ بَيْتِهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ المَوْجُودِينَ حِينَ نُزُولِها وغَيْرُهم ولا عَلى حِفْظِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى ما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ لا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ أوْ نَحْوُهُ لِإذْهابِ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرِ بِأنْ يُجْعَلَ المَفْعُولُ بِهِ لِ (يُرِيدُ) مَحْذُوفًا ويُجْعَلُ (لِيُذْهِبَ) و(يُطَهِّرُ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ وذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ بَلْ لِأنَّ المَعْنى حَسْبَما يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ ويَقْتَضِيهِ وُقُوعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ والأمْرِ نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى وأمَرَكم لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُرِيدُ بِنَهْيِكم وأمْرِكم إذْهابَ الرِّجْسِ عَنْكم وتَطْهِيرَكُمْ، وفي ذَلِكَ غايَةُ المُصْلِحَةِ لَكم ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ اِمْتِحانَكم وتَكْلِيفَكم بِلا مَنفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْكم وهو عَلى مَعْنى الشَّرْطِ، أيْ يُرِيدُ بِنَهْيِكم وأمْرِكم لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ويُطَهِّرَكم إنِ اِنْتَهَيْتُمْ وائْتَمَرْتُمْ ضَرُورَةَ أنَّ أُسْلُوبَ الآيَةِ نَحْوُ أُسْلُوبِ قَوْلِ القائِلِ لِجَماعَةٍ عُلِمَ أنَّهم إذا شَرِبُوا الماءَ أذْهَبُ عَنْهم عَطَشَهم لا مَحالَةَ: يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالماءِ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ العَطَشَ فَإنَّهُ عَلى مَعْنى يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِالماءِ إذْهابَ العَطَشِ عَنْكم إنْ شَرِبْتُوهُ فَيَكُونُ المُرادُ إذْهابَ العَطَشِ بِشَرْطِ شُرْبِ المُخاطَبِينَ الماءَ لا الإذْهابَ مُطْلَقًا. فَمُفادُ التَّرْكِيبِ في المِثالِ تَحَقُّقُ إذْهابِ العَطَشِ بَعْدَ الشُّرْبِ وفِيما نَحْنُ فِيهِ إذْهابُ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرُ بَعْدَ الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ لِأنَّ المُرادَ الإذْهابُ المَذْكُورُ بِشَرْطِهِما فَهو مُتَحَقِّقُ الوُقُوعِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ وتَحَقُّقُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ إذْ هو أمْرٌ اِخْتِيارِيٌّ ولَيْسَ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الذَّنْبُ وبِإذْهابِهِ إزالَةُ مَبادِئِهِ بِتَهْذِيبِ النَّفْسِ وجَعْلِ قُواها كالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ والقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَنْشَأُ عَنْهُما ما يَنْشَأُ مِنَ الذُّنُوبِ كالزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وغَيْرِهِما لا إزالَةُ نَفْسِ الذَّنْبِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ في الخارِجِ وصُدُورِهِ مِنَ الشَّخْصِ إذْ هو غَيْرُ مَعْقُولٍ إلّا عَلى مَعْنى مَحْوِهِ مِن صَحائِفِ الأعْمالِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ وإرادَةِ ذَلِكَ كَما تَرى. وكَأنَّ مَآلُ الإذْهابِ التَّخْلِيَةَ ومَآلُ التَّطْهِيرِ التَّحْلِيَةَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، والآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الوَعْدَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِأهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ ﷺ بِأنَّهم إنْ يَنْتَهُوا عَمّا يَنْهى عَنْهُ ويَأْتَمِرُوا بِما يَأْمُرُهم بِهِ يُذْهِبْ عَنْهم لا مَحالَةَ مَبادِئَ ما يَسْتَهْجِنُ وُيُحَلِّيهم أجَلَّ تَحْلِيَةٍ بِما يُسْتَحْسَنُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى قَبُولِ أعْمالِهِمْ وتَرَتُّبِ الآثارِ الجَمِيلَةِ عَلَيْها قَطْعًا ويَكُونُ هَذا خُصُوصِيَّةً لَهم ومِزْيَةً عَلى مَن عَداهم مِن حَيْثُ إنَّ أُولَئِكَ الأغْيارَ إذا اِنْتَهَوْا وائْتَمَرُوا لا يُقْطَعُ لَهم بِحُصُولِ ذَلِكَ. ولِذا نَجِدُ عِبادَ أهْلِ البَيْتِ أتَمَّ حالًا مِن سائِرِ العِبادِ المُشارِكِينَ لَهم في العِبادَةِ الظّاهِرَةِ وأحْسَنَ أخْلاقًا وأزْكى نَفْسًا وإلَيْهِمْ تَنْتَهِي سَلاسِلُ الطَّرائِقِ الَّتِي مَبْناها كَما لا يَخْفى عَلى سالِكِيها التَّخْلِيَةُ والتَّحْلِيَةُ اللَّتانِ هُما جَناحانِ لِلطَّيَرانِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ والوُقُوفِ عَلى أوْكارِ الأُنْسِ حَتّى ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ القُطْبَ في كُلِّ عَصْرٍ لا يَكُونُ إلّا مِنهم خِلافًا لِلْأُسْتاذِ أبِي العَبّاسِ المُرْسِي حَيْثُ ذَهَبَ كَما نَقَلَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ التّاجُ بْنُ عَطاءِ اللَّهِ إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِهِمْ، ورَأيْتُ في مَكْتُوباتِ الإمامِ الفارُوقِيِّ الرَّبّانِيِّ مُجَدِّدِ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ ما حاصِلُهُ أنَّ القُطْبِيَّةَ لَمْ تَكُنْ عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ إلّا الأئِمَّةَ أهْلَ البَيْتِ المَشْهُورِينَ ثُمَّ إنَّها صارَتْ بَعْدَهم لِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ النِّيابَةِ عَنْهم حَتّى اِنْتَهَتِ النَّوْبَةُ إلى السَّيِّدِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ النُّورانِيِّ فَنالَ مَرْتَبَةَ القُطْبِيَّةِ صفحة 20 عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ فَلَمّا عُرِجَ بِرُوحِهِ القُدْسِيَّةِ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ نالَ مَن نالَ بَعْدَهُ تِلْكَ الرُّتْبَةَ عَلى سَبِيلِ النِّيابَةِ عَنْهُ فَإذا جاءَ المَهْدِيُّ يَنالُها أصالَةً كَما نالَها غَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ اه، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ والوُقُوفِ عَلى حَقِّيَّتِهِ إلّا بِالكَشْفِ وأنّى لِي بِهِ. واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ القُطْبَ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِهِمْ لَكِنَّ قُطْبَ الأقْطابِ لا يَكُونُ إلّا مِنهم لِأنَّهم أزْكى النّاسِ أصْلًا وأوْفَرُهم فَضْلًا وأنَّ مَن يَنالُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ مِنهم لا يَنالُها إلّا عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ دُونَ النِّيابَةِ والوِكالَةِ وأنا لا أعْقِلُ النِّيابَةَ في ذَلِكَ المَقامِ وإنْ عَقَلْتُ قُلْتُ: كُلُّ قُطْبٍ في كُلِّ عَصْرٍ نائِبٌ عَنْ نَبِيِّنا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ ولا بِدَعَ في نِيابَةِ الأقْطابِ بَعْدَهُ عَنْهُ ﷺ كَما نابَتْ عَنْهُ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكامِلُ المُكَمِّلُ لِلْخَلِيقَةِ والواسِطَةِ في الإفاضَةِ عَلَيْهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ وكُلُّ مَن تَقَدَّمَهُ عَصْرًا مِنَ الأنْبِياءِ وتَأخَّرَ عَنْهُ مِنَ الأقْطابِ والأوْلِياءِ نُوّابٌ عَنْهُ ومُسْتَمِدُّونَ مِنهُ، وأقُولُ إنَّ السَّيِّدَ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ قَدْ نالَ ما نالَ مِنَ القُطْبِيَّةِ بِواسِطَةِ جَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِ حالٍ، فَقَدْ كانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أجِلَّةِ أهْلِ البَيْتِ حَسَنِيًّا مِن جِهَةِ الأبِ حُسَيْنِيًّا مِن جِهَةِ الأُمِّ لَمْ يُصِبْهُ نَقْصٌ لَوْ أنَّ وعَسى ولَيْتَ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا زِنْدِيقٌ أوْ رافِضِيٌّ يُنْكِرُ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ وأرى أنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أفَلَتْ شُمُوسُ الأوَّلِينَ وشَمْسُنا ∗∗∗ أبَدًا عَلى فَلَكِ العُلا لا تَغْرُبُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يَنالُ القُطْبِيَّةَ بَعْدَهُ مِن أهْلِ البَيْتِ الَّذِينَ عُنْصُرُهم وعُنْصُرُهُ واحِدٌ نائِبٌ عَنْهُ لَيْسَ لَهُ فَيْضٌ إلّا مِنهُ بَلْ غايَةُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويُومِئُ إلَيْهِ اِسْتِمْرارُ ظُهُورِ أمْرِهِ وانْتِشارُ صِيتِهِ وشُهْرَةُ طَرِيقَتِهِ وعُمُومُ فَيْضِهِ لِمَنِ اِسْتَفاضَ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِهِ مِنهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ وأظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ. هَذا ما عِنْدِي في الكَلامِ عَلى الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِفَضِيلَةٍ لِأهْلِ البَيْتِ عَظِيمَةٍ، ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ التَّعْبِيرِ بِ (يُرِيدُ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ إذْهابِ الرِّجْسِ عَلى التَّطْهِيرِ، ووَجْهُ دُعائِهِ ﷺ لِأهْلِ الكِساءِ بِإذْهابِ الرِّجْسِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ لِلدَّوامِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ ونَحْوِهِ، ولا يُورَدُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمّا يُورَدُ عَلى غَيْرِهِ ومَعَ هَذا لِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اِتِّساعٌ ولا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا مانِعَ مِن أنَّ يُوَفِّقَ أحَدًا لِما هو أحْسَنُ مِن هَذا وأجَلُّ، فَتَدَبَّرْ ذاكَ واَللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.

الأحزاب 33:34

﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ أيِ اُذْكُرْنَ لِلنّاسِ بِطَرِيقِ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، وقِيلَ: أيْ تَذَكَّرْنَ ولا تَنْسَيْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿والحِكْمَةِ﴾ هي السُّنَّةُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ، وفُسِّرَتْ بِنَصائِحِهِ ﷺ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في المُصْحَفِ بَدَلَ الحِكْمَةِ السُّنَّةُ حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الشِّهْرِسْتانِيُّ في أوائِلِ تَفْسِيرِهِ (مَفاتِيحِ الأسْرارِ)، وقالَ جَمْعٌ: المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ القُرْآنُ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُتْلى﴾ أيِ اُذْكُرْنَ ما يُتْلى مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِ اللَّهِ تَعالى البَيِّنَةَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ بِأوْجُهٍ شَتّى وكَوْنِهِ حِكْمَةً مُنْطَوِيَةً عَلى فُنُونِ العُلُومِ والشَّرائِعِ، وهَذا تَذْكِيرٌ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ جَعَلَهُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطَ الوَحْيِ وما شاهَدْنَ مِن بُرَحاءَ الوَحْيِ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كُلِّفْنَهُ، وقِيلَ: هَذا أمْرٌ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِما فِيهِ كَما لَهُنَّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ تَوْسِيطِ ﴿إنَّما يُرِيدُ﴾ إلخ في البَيْنِ والتَّعَرُّضُ صفحة 21 لِلتِّلاوَةِ في البُيُوتِ دُونَ النُّزُولِ فِيها مَعَ أنَّها الأنْسَبُ لِكَوْنِها مَهْبِطَ الوَحْيِ لِعُمُومِها لِجَمِيعِ الآياتِ ووُقُوعِها في كُلِّ البُيُوتِ وتَكَرُّرِها المُوجِبِ لِتَمَكُّنِهِنَّ مِنَ الذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ بِخِلافِ النُّزُولِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِرِعايَةِ الحِكْمَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها السُّنَّةُ فَإنَّها لَمْ تَنْزِلْ نُزُولَ القُرْآنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لَمْ تُتْلَ أيْضًا تِلاوَتَهُ، وعَدَمُ تَعْيِينِ التّالِي لِتَعُمَّ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ وتِلاوَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وتِلاوَتَهُنَّ وتِلاوَةَ غَيْرِهِنَّ تَعْلِيمًا وتَعَلُّمًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تُتْلى» بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يُصْلِحُ في الدِّينِ ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ أوْ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ ومَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يَعْمَلُ الحِكْمَةَ حَيْثُ أنْزَلَ كِتابَهُ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اللَّطِيفُ ناظِرًا لِلْآياتِ لِدِقَّةِ إعْجازِها والخَبِيرُ لِلْحِكْمَةِ لِمُناسَبَتِها لِلْخِبْرَةِ.