Tafsir Al-Alusi — غافر 40:1 – فصلت 41:53
المحتويات
- غافر 40:1
- غافر 40:2
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:9
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:13
- غافر 40:14
- غافر 40:15
- غافر 40:16
- غافر 40:17
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:20
- غافر 40:21
- غافر 40:22
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:27
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:31
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:39
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:42
- غافر 40:43
- غافر 40:44
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:47
- غافر 40:48
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:52
- غافر 40:53
- غافر 40:54
- غافر 40:55
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:62
- غافر 40:63
- غافر 40:64
- غافر 40:65
- غافر 40:66
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:69
- غافر 40:70
- غافر 40:71
- غافر 40:72
- غافر 40:73
- غافر 40:74
- غافر 40:75
- غافر 40:76
- غافر 40:77
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:80
- غافر 40:81
- غافر 40:82
- غافر 40:83
- غافر 40:84
- غافر 40:85
- فصلت 41:1
- فصلت 41:2
- فصلت 41:3
- فصلت 41:4
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:7
- فصلت 41:8
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:14
- فصلت 41:15
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:18
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:21
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:27
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
غافر 40:1
سُورَةُ المُؤْمِنِ
وتُسَمّى سُورَةَ غافِرٍ وسُورَةَ الطَّوْلِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ ومَسْرُوقٍ وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَكِّيَّةٌ، وحَكى أبُو حَيّانَ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافِرَ: 55] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وكانَتِ الصَّلاةُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ مِن غَيْرِ تَوْقِيتٍ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ قَوْلُ الأكْثَرِينَ: إنَّ الخَمْسَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ إرادَةُ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ في الآيَةِ، وقِيلَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [غافِرَ: 35] الآيَةَ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا ذَكَرُوا الدَّجّالَ، وهَذا لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قَوْلُهم نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا يُرادُ بِهِ تارَةً سَبَبُ النُّزُولِ ويُرادُ بِهِ تارَةً أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الآيَةِ وإنْ لَمْ يَكُنِ السَّبَبُ كَما تَقُولُ: عُنِي بِهَذِهِ الآيَةِ كَذا، وقالَ الزَّرْكَشِيُّ في البُرْهانِ: قَدْ عُرِفَ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّ أحَدَهم إذا قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا فَإنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَتَضَمَّنُ هَذا الحُكْمَ لا أنَّ هَذا كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الحُكْمِ بِالآيَةِ لا مِن جِنْسِ النَّقْلِ لِما وقَعَ. نَعَمْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبِي العالِيَةِ ما هو كالنَّصِّ عَلى ذَلِكَ.
وآيُها خَمْسٌ وثَمانُونَ في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وأرْبَعٌ في الحِجازِيِّ، واثْنَتانِ في البَصْرِيِّ، وقِيلَ: سِتٌّ وثَمانُونَ، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَمانُونَ، ووَجْهُ مُناسِبَةِ أوَّلِها لِآخِرِ الزُّمُرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِ وحالُ المُؤْمِنِ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا هُنا أنَّهُ تَعالى غافِرُ الذَّنْبِ وقابِلُ التَّوْبِ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ والإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وبَيْنَ السُّورَتَيْنِ أنْفُسِهِما أوْجُهٌ مِنَ المُناسَبَةِ، ويَكْفِي فِيها أنَّهُ ذُكِرَ في كُلٍّ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وأحْوالِ الكَفَرَةِ فِيهِ وهم في المَحْشَرِ وفي النّارِ ما ذُكِرَ، وقَدْ فُصِّلَ في هَذِهِ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يُفَصَّلْ مِنهُ في تِلْكَ.
وفِي تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ إيلاءِ الحَوامِيمِ السَّبْعِ لِسُورَةِ الزُّمُرِ تَواخِي المَطالِعِ في الِافْتِتاحِ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أوَّلُ الزُّمُرِ حم وتِلْكَ مُناسَبَةٌ جَلِيلَةٌ، ثُمَّ إنَّ الحَوامِيمَ تَرَتَّبَتْ لِاشْتِراكِها في الِافْتِتاحِ - بِحم - وبِذِكْرِ الكِتابِ وأنَّها مَكِّيَّةٌ بَلْ ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ الزُّمُرِ مُتَتالِياتٍ كَتَرْتِيبِها في المُصْحَفِ، ووَرَدَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لَبابًا وإنَّ لَبابَ القُرْآنِ الحَوامِيمُ.
وأخْرَجَ هو وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ. وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ
صفحة 40
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا ««الحَوامِيمُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ»» .
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والدّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْراهِيمَ قالَ: كُنَّ الحَوامِيمُ يُسَمَّيْنَ العَرائِسَ. وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطانِي السَّبْعَ الطُّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ وأعْطانِي الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ مُرَّةً أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««الحَوامِيمُ سَبْعٌ وأبْوابُ جَهَنَّمَ سَبْعٌ تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها فَتَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَؤُنِي»» وجاءَ في خُصُوصِ بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَن قَرَأ حم إلى ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وآيَةَ الكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ ومَن قَرَأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ»».
( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ) ﴿حم﴾ بِتَفْخِيمِ الألِفِ وتَسْكِينِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ذَكْوانَ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالإمالَةِ الصَّرِيحَةِ، ونافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ. وأبُو عَمْرٍو بِالإمالَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِفَتْحِ المِيمِ عَلى التَّحْرِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحَةِ لِلْخِفَّةِ كَما في أيْنَ وكَيْفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا بِإضْمارِ اقْرَأْ ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ لِأنَّهُ بِمَعْنى السُّورَةِ أوْ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في لُغَةِ العَجَمِ كَقابِيلَ وهابِيلَ، ونُقِلَ هَذا عَنْ سِيبَوَيْهِ. وفي الكَشْفِ أنَّ الأوْلى أنْ يُعَلَّلَ بِالتَّعْرِيفِ والتَّرْكِيبِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما في جَيْرِ: والزُّهْرِيُّ بِرَفْعِها والظّاهِرُ أنَّهُ إعْرابٌ فَهو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ في المُرادِ بِهِ كالكَلامِ في نَظائِرِهِ، ويُجْمَعُ عَلى حَوامِيمَ وحامِيماتٍ أمّا الثّانِي فَقَدْ أنْشَدَ فِيهِ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ:
هَذا رَسُولُ اللَّهِ في الخَيْراتِ جاءَ بِياسِينَ وحامِيماتِ
وأمّا الأوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ عِدَّةُ أخْبارٍ فِيهِ ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يُنْكِرُ صِحَّةَ جَمِيعِها أوْ يَزْعُمُ أنَّ لَفْظَ حَوامِيمَ فِيها مِن تَحْرِيفِ الرُّواةِ الأعاجِمِ وأيْضًا أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ الأُلى تَطَوَّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمْئِيَتْ
وبِثَمانٍ ثُنِّيَتْ وكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينِ اللَّواتِي تُلِيَتْ
وبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ وبِالمُفَصَّلِ الَّتِي قَدْ فُصِّلَتْ
وذَهَبَ الجَوالِيقِيُّ والحَرِيرِيُّ وابْنُ الجَوْزِيِّ إلى أنَّهُ لا يُقالُ حَوامِيمُ، وفي الصِّحاحِ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ قَوْلَ العامَّةِ الحَوامِيمُ لَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ، وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّ مِنَ الخَطَأِ أنْ تَقُولَ:
قَرَأْتُ الحَوامِيمَ والصَّوابُ أنْ تَقُولَ قَرَأْتُ آلَ حم، وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إذا وقَعْتُ في آلِ حم فَقَدْ وقَعْتُ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ، وعَلى هَذا قَوْلُ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ في الهاشِمِيّاتِ:
صفحة 41
وجَدْنا لَكم في آلِ حم آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ
والطَّواسِينُ والطَّواسِيمُ بِالمِيمِ بَدَلَ النُّونِ كَذَلِكَ عِنْدَهم، وما سَمِعْتَ يَكْفِي في رَدِّهِمْ. نَعَمْ ما قالُوهُ مَسْمُوعٌ مَقْبُولٌ كالَّذِي قُلْناهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ آلَ في قَوْلِهِمْ آلَ حم كَما قالَ الخَفاجِيُّ لَيْسَ بِمَعْنى الآلِ المَشْهُورِ وهو الأهْلُ بَلْ هو لَفْظٌ يُذْكَرُ قَبْلَ ما لا يَصِحُّ تَثْنِيَتُهُ وجَمْعُهُ مِنَ الأسْماءِ المُرَكَّبَةِ ونَحْوِها كَتَأبَّطَ شَرًّا فَإذا أرادُوا تَثْنِيَتَهُ أوْ جَمْعَهُ وهو جُمْلَةٌ لا يَتَأتّى فِيها ذَلِكَ إذْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ زادُوا قَبْلَهُ لَفْظَةَ آلٍ أوْ ذَوا فَيُقالُ: جاءَنِي آلُ تَأبَّطَ شَرًّا أوْ ذَوا تَأبَّطَ شَرًّا أيِ الرَّجُلانِ أوِ الرِّجالُ المُسَمَّوْنَ بِهَذا الِاسْمِ، فَآلُ حم بِمَعْنى الحَوامِيمِ وآلٌ بِمَعْنى ذُو، والمُرادُ بِهِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ ويُسْتَعْمَلُ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ وهو مَجازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ المَعْنَوِيَّةِ، وفي كَلامِ الرَّضِيِّ وغَيْرِهِ إشارَةٌ إلى هَذا إلّا أنَّهم لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَفْسِيرِهِ فَعَلَيْكَ بِحِفْظِهِ، وحُكِيَ في الكَشْفِ أنَّ الأوْلى أنْ يُجْمَعَ بِذَواتِ حم أيْ دُونَ حَوامِيمَ أوْ حامِيماتٍ ومَعْناهُ السُّوَرُ المَصْحُوباتُ بِهَذا اللَّفْظِ أعْنِي حم.
غافر 40:2
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ الكَلامُ فِيهِ إعْرابًا كالكَلامِ في مَطْلَعِ سُورَةِ الزُّمُرِ بَيْدَ أنَّهُ يَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) خَبَرًا عَنْ حم ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الوَصْفَيْنِ لِما في القُرْآنِ الجَلِيلِ مِنَ الإعْجازِ وأنْواعِ العُلُومِ الَّتِي يَضِيقُ عَنِ الإحاطَةِ بِها نِطاقُ الأفْهامِ أوْ هو عَلى نَحْوِ تَخْصِيصِ الوَصْفَيْنِ فِيما سَبَقَ فَإنْ شَأْنَ البَلِيغِ عِلْمُهُ بِالأشْياءِ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا إلّا أنَّهُ قِيلَ ( اَلْعَلِيمِ ) دُونَ الحَكِيمِ تَفَنُّنًا،
غافر 40:3
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ صِفاتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ كالعَزِيزِ العَلِيمِ، وذُكِرَ ( غافِرِ اَلذَّنْبِ وقابِلِ اَلتَّوْبِ وذِي اَلطَّوْلِ ) لِلتَّرْغِيبِ وذُكِرَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِلتَّرْهِيبِ والمَجْمُوعُ لِلْحَثِّ عَلى المَقْصُودِ مِن ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وهو المَذْكُورُ بَعْدَ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْإيمانِ بِما سِواهُما والإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والأوَّلانِ مِنها وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ إلّا أنَّهُما لَمْ يُرَدْ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ بَلْ أُرِيدَ بِهِما الثُّبُوتُ والِاسْتِمْرارُ فَإضافَتُهُما لِلْمَعْرِفَةِ بِعْدَهُما مَحْضَةٌ أكْسَبَتْهُما تَعْرِيفًا فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما أعْرَفُ المَعارِفِ، والأمْرُ في ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا. نَعَمِ الأمْرُ في ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) مُشْكِلٌ فَإنَّ شَدِيدًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ فَيَتَعَرَّفُ ويُنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ ومِن هُنا ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) بَدَلٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ في تَوْسِيطِ البَدَلِ بَيْنَ الصِّفاتِ تَنافُرًا بَيِّنًا لِأنَّ الوَصْفَ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَوْصُوفَ مَقْصُودٌ والبَدَلُ بِخِلافِهِ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ اسْتِئْنافِ القَصْدِ بَعْدَ ما جُعِلَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، والجَوابُ أنَّهُ إنَّما يُشْكِلُ ظاهِرًا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ لا تَتَعَرَّفُ أصْلًا بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّها كَغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ قَدْ تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ ويَجُوزُ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِها نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ حَسَنِ الوَجْهِ فَلا، ويُقالُ فِيما ذُكِرَ عَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ: إنَّ «شَدِيدًا» مُؤَوَّلٌ بِمُشَدِّدٍ اسْمِ فاعِلٍ مِن أشَدَّهُ جَعَلَهُ شَدِيدًا كَأذِينٍ بِمَعْنى مُؤَذِّنٌ فَيُعْطى حُكْمَهُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مُعَرَّفٌ بِألْ والأصْلُ الشَّدِيدُ عِقابُهُ لَكِنْ حُذِفَتْ لِأمْنِ اللَّبْسِ بِغَيْرِ الصِّفَةِ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ الصِّفاتِ واحْتِمالُ كَوْنِهِ بَدَلًا وحْدَهُ لا يُلْتَفَتُ عَلى ما سَمِعْتَ إلَيْهِ ورِعايَةً لِمُشاكَلَةِ ما مَعَهُ مِنَ الأوْصافِ المُجَرَّدَةِ مِنها والمُقَدَّرُ في حُكْمِ المَوْجُودِ، وقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ المُشاكَلَةِ حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سَحادَلِيهِ مِن عَنادَلِيهِ أرادُوا ما يَعْرِفُ ذَكَرَهُ مِن أُنْثَيَيْهِ
صفحة 42
فَثَنُّوا ما هو وتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ جَمِيعِ التَّوابِعِ المَذْكُوراتِ أبْدالًا وتَعَمَّدَ تَنْكِيرَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ وأمَرَّ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. وفي الكَشْفِ جَعْلُ كُلِّها أبْدالًا فِيهِ تَنافُرٌ عَظِيمٌ لا سِيَّما في إبْدالِ ( اَلْعَزِيزِ ) مِنَ ( اَللَّهِ ) الِاسْمِ الجامِعِ لِسائِرِ الصِّفاتِ العَلَمِ النَّصِّ وأيْنَ هَذا مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ؟ وذَهَبَ مَكِّيٌّ إلى جَوازِ كَوْنِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ دُونَ ما قَبْلَهُما بَدَلَيْنِ وأنَّهُما حِينَئِذٍ نَكِرَتانِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ بَدَلَ البَداءِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ قَدْ يَتَكَرَّرُ وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلُ اشْتِمالٍ فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها أوْ مَنعِهِ إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ دُونَ تَعَدُّدِ البَدَلِ واتِّحادِ المُبْدَلِ مِنهُ، وظاهِرُ كَلامِ الخَفاجِيِّ أنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِجَوازِ تَعَدُّدِهِ حَيْثُ قالَ: لا يَرِدُ عَلى القَوْلِ بِالإبْدالِ قِلَّةُ البَدَلِ في المُشْتَقّاتِ، ولا أنَّ النَّكِرَةَ لا تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ ما لَمْ تُوصَفْ، ولا أنَّ تَعَدَّدَ البَدَلِ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ كَما قِيلَ لِأنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِخِلافِهِ في الجَمِيعِ، ولِلدَّمامِينِيِّ فِيهِ كَلامٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ في أوَّلِ شَرْحِ الخَزْرَجِيَّةِ لا يَسَعُهُ هَذا المَقامُ فَإنْ أرَدْتَهُ فانْظُرْ فِيهِ. انْتَهى. .
وعِنْدِي أنَّ الإبْدالَ هُنا لَيْسَ بِشَيْءٍ كُلًّا أوْ بَعْضًا، ( والتَّوْبِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالأوْبِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ لِتَوْبَةٍ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، ( والطَّوْلِ ) الفَضْلُ بِالثَّوابِ والإنْعامِ أوْ بِذَلِكَ وبِتَرْكِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ كَما قِيلَ وهو أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِتَرْكِ العِقابِ وإنْ وقَعَ بَعْدَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وكَوْنُ الثَّوابِ مَوْعُودًا فَصارَ كالواجِبِ فَلا يَكُونُ فَضْلًا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ الوَعْدَ بِهِ لَيْسَ بِواجِبٍ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِالسِّعَةِ والغِنى، وقَتادَةُ بِالنِّعَمِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالقُدْرَةِ، وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لِإفادَةِ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ سُبْحانَهُ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذَّنْبِ كَأنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ كَأنَّهُ قِيلَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ووَجْهُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّها صِفاتٌ مُتَعاقِبَةٌ بِدُونِ الواوِ دالَّةٌ عَلى مَعْنى الجَمْعِ المُطْلَقِ مِن مُجَرَّدِ الإجْراءِ فَإذا خُصَّتْ بِالواوِ إحْدى القَرائِنِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ المُعْتَبَرَ فِيها وفِيما تَقَدَّمَها خاصَّةً صَوْنًا لِكَلامِ البَلِيغِ عَنِ الإلْغاءِ، فَفي الواوِ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ جامِعٌ بَيْنَ الغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ لِلتّائِبِ خاصَّةً، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتُبْ، وما قِيلَ: إنَّ التَّوْسِيطَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى كَما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ غافِرُ الذَّنْبِ لِمَن لَمْ يَتُبْ وقابَلُ التَّوْبِ لِمَن تابَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، والتَّغايُرُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ بَيْنَ مَوْقِعِ الفِعْلَيْنِ وهُما غُفْرانُ الذَّنْبِ وقَبُولُ التَّوْبَةِ عَنْهُ المُقْتَضِي لِكَوْنِ الغُفْرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ والقَبُولِ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ إذْ جَعَلُوا مُوقِعَ الأوَّلِ الذَّنْبَ الباقِيَ في الصَّحائِفِ مِن غَيْرِ مُؤاخَذَةٍ ومُوقِعَ الثّانِي الذَّنْبَ الزّائِلَ المَمْحُوَّ عَنْها حاصِلٌ مَعَ الإجْراءِ فَلا مَدْخَلَ لِلْواوِ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ السّابِقِ جارٍ عَلى أصْلَيْ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ فَلا وجْهَ لِرَدِّهِ بِما لَيْسَ بِقادِحٍ وإيثارُ ما هو مَرْجُوحٌ، وتَقْدِيمُ الغافِرِ عَلى القابِلِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ فافْهَمْ. وفي القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلانِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. وفي البَحْرِ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ كَتَوْبَةِ العاصِي بِهِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها، وفي تَوْحِيدِ صِفَةِ العَذابِ مَغْمُورَةً بِصِفاتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى الرَّحْمَةِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الرَّحْمَةِ وسَبْقِها فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أرْحَمَهُ وأكْرَمَهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَيَجِبُ الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلى طاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَحَسْبُ لا إلى غَيْرِهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُطِيعِ والعاصِي، وجُمْلَةُ ( لا إلَهَ إلّا هو ) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِشَدِيدِ
صفحة 43
العِقابِ، وفي الآياتِ مِمّا يَقْتَضِي الِاتِّعاظَ ما فِيها. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ أنَّ رَجُلًا كانَ ذا بَأْسٍ وكانَ مِن أهْلِ الشّامِ وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدَهُ فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: تَتابَعَ في الشَّرابِ فَدَعا عُمَرُ كاتِبَهُ فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ سَلامٌ عَلَيْكم فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿حم﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى - ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وخُتِمَ الكِتابُ، وقالَ لِرَسُولِهِ: لا تَدْفَعْهُ إلَيْهِ حَتّى تَجِدَهُ صاحِيًا ثُمَّ أمَرَ مَن عِنْدَهُ بِالدُّعاءِ لَهُ بِالتَّوْبَةِ فَلَمّا أتَتْهُ الصَّحِيفَةُ جَعَلَ يَقْرَؤُها ويَقُولُ: قَدْ وعَدَنِي رَبِّي أنْ يَغْفِرَ لِي وحَذَّرَنِي عِقابَهُ فَلَمْ يَبْرَحْ يُرَدِّدُها عَلى نَفْسِهِ حَتّى بَكى ثُمَّ نَزَعَ فَأحْسَنَ النُّزُوعَ فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ تَوْبَتُهُ قالَ: هَكَذا فافْعَلُوا إذا رَأيْتُمْ أخاكم قَدْ زَلَّ زَلَّةً فَسَدِّدُوهُ ووَقِّفُوهُ وادْعُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ ولا تَكُونُوا أعْوانًا لِلشَّياطِينِ عَلَيْهِ.
غافر 40:4
﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نَزَلَتْ عَلى ما قالَ أبُو العالِيَةِ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السُّلَمِيِّ أحَدِ المُسْتَهْزِئِينَ، والمُرادُ بِالجِدالِ الجِدالُ بِالباطِلِ مِنَ الطَّعْنِ في الآياتِ والقَصْدِ إلى إدْحاضِ الحَقِّ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ، ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ فَإنَّهُ مَذْكُورٌ تَشْبِيهًا لِحالِ كُفّارِ مَكَّةَ بِكُفّارِ الأحْزابِ مِن قَبْلُ وإلّا فالجِدالُ فِيها لِإيضاحِ مُلْتَبَسِها وحَلِّ مُشْكِلِها ومُقادَحَةِ أهْلِ العِلْمِ في اسْتِنْباطِ مَعانِيها ورَدُّ أهْلِ الزَّيْغِ عَنْها أعْظَمُ جِهادٍ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وفي قَوْلِهِ ﷺ وقَدْ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ»» إيماءً إلى ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ جِدالًا مُنْكَرًا لِلتَّنْوِيعِ فَأشْعَرَ أنَّ نَوْعًا مِنهُ كُفْرٌ وضَلالٌ ونَوْعًا آخَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
والتَّحْقِيقُ كَما في الكَشْفِ أنَّ المُجادَلَةَ في الشَّيْءِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ إمّا مَشْكُوكًا عِنْدَ المُجادِلِينَ أوْ أحَدِهِما أوْ مُنْكَرًا كَذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَذْمُومٌ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ مِن مُوَحِّدٍ لِخارِجٍ عَنِ المِلَّةِ أوْ مِن مُحَقِّقٍ لِزائِغٍ إلى البِدْعَةِ فَهو مَحْمُودٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ البَحْثَ فِيها لِإيضاحِ المُلْتَبَسِ ونَحْوِهِ جِدالٌ عَنْها لا فِيها فَإنَّ الجِدالَ يَتَعَدّى بِعْنَ إذا كانَ لِلْمَنعِ والذَّبِّ عَنِ الشَّيْءِ وبِفِي لِخِلافِهِ كَما ذَكَرَهُ الإمامُ وبِالباءِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلَ: 125] فَفِيهِ بَحْثٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي آياتِ اللَّهِ﴾ دُونَ - فِيهِ - بِالضَّمِيرِ العائِدِ إلى الكِتابِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنهُ يَكْفِي كُفْرُ المُجادَلَةِ فَكَيْفَ بِمَن يُنْكِرُهُ كُلَّهُ ويَقُولُ فِيهِ ما يَقُولُ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنهُ آيَةٌ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ فَيَدُلُّ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَةِ المُجادِلِ في الكُفْرِ وأنَّهُ جادَلَ في الواضِحِ الَّذِي لا خَفاءَ بِهِ، ومِمّا ذُكِرَ يَظْهَرُ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وارْتِباطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ بِها أيْ إذا عَلِمْتَ أنَّ هَؤُلاءِ شَدِيدُو الشَّكائِمِ في الكُفْرِ قَدْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ حَيْثُ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ فَلا تَلْتَفِتْ لِاسْتِدْراجِهِمْ بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ وإمْهالِهِمْ فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ كَما فُعِلَ بِمَن قَبْلَهم مِن أمْثالِهِمْ
غافر 40:5
مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ .. إلَخْ، والتَّقَلُّبُ الخُرُوجُ مِن أرْضٍ إلى أُخْرى. والمُرادُ بِالبِلادِ بِلادُ الشّامِ واليَمَنِ فَإنَّ الآيَةَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وهم كانُوا يَتَقَلَّبُونَ بِالتِّجارَةِ في هاتِيكَ البِلادِ ولَهم رِحْلَةُ الشِّتاءِ لِلْيَمَنِ ورِحْلَةُ الصَّيْفِ لِلشّامِ، ولا بَأْسَ في إرادَةِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَلا يَغُرَّكَ» بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ والفَكُّ لُغَةُ الحِجازِيِّينَ، وبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في البَحْرِ أوَّلُ رَسُولٍ في الأرْضِ أوْ لِأنَّهم أوَّلُ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَهم وعَتَوْا عُتُوًّا شَدِيدًا ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ
صفحة 44
والَّذِينَ تَحَزَّبُوا واجْتَمَعُوا عَلى مُعاداةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بِرَسُولِها» رِعايَةَ اللَّفْظِ الأُمَّةِ ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ لِيَتَمَكَّنُوا مِن إيقاعِ ما يُرِيدُونَ بِهِ مِن حَبْسٍ وتَعْذِيبٍ وقَتْلٍ وغَيْرِهِ، فالأخْذُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ المَذْكُورِ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِالأسْرِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ لِيَقْتُلُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ قِيلَ هو قَوْلُهم: ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [إبْراهِيمَ: 10] والأوْلى أنْ يُقالَ هو كُلُّ ما يَذْكُرُونَهُ لِنَفْيِ الرِّسالَةِ وتَحْسِينِ ما هم عَلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ لِيُزِيلُوا ﴿بِهِ﴾ أيْ بِالباطِلِ، وقِيلَ: أيْ بِجِدالِهِمْ بِالباطِلِ ﴿الحَقَّ﴾ الأمْرُ الثّابِتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ بِالإهْلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَهم ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ فَإنَّكم تَمُرُّونَ عَلى دِيارِهِمْ وتَرَوْنَ أثَرَهُ، وهَذا تَقْرِيرٌ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِلسّامِعِينَ مِمّا وقَعَ بِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ هَؤُلاءِ، واكْتَفى بِالكَسْرَةِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ في عِقابٍ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، واخْتُلِفَ في المُسَبَّبِ عَنْهُ الأخْذُ المَذْكُورُ فَقِيلَ: مَجْمُوعُ التَّكْذِيبِ والهَمِّ بِالأخْذِ والجِدالِ بِالباطِلِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ الهَمَّ بِالأخْذِ، قالَ في الكَشْفِ: وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا﴾ هو التَّكْذِيبُ بِعَيْنِهِ والأخْذُ يُشاكِلُ الأخْذَ وإنَّما التَّكْذِيبُ مُوجِبٌ اسْتِحْقاقَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بَعْدُ، ولا يُنْكَرُ أنَّ كِلَيْهِما يَقْتَضِي كِلَيْهِما لَكِنْ لَمّا كانَ مُلاءَمَةُ الأخْذِ لِلْأخْذِ أتَمَّ والتَّكْذِيبُ لِلْعَذابِ الأُخْرَوِيِّ أظْهَرَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ المُلاءَمَةِ، ثُمَّ المُجادَلَةُ العِنادِيَّةُ لَيْسَ الغَرَضُ مِنها إلّا الإيذاءَ فَهي تُؤَكِّدُ الهَمَّ مِن هَذا الوَجْهِ بَلِ التَّكْذِيبُ أيْضًا يُؤَكِّدُهُ، والغَرَضُ مِن تَمْهِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ﴾ وذِكْرُ الأحْزابِ الإلْمامُ بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ -: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى ما اخْتارَهُ دَلالَةً بَيِّنَةً فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَعْتَذِرَ بِأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ هَذا لا ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ المُجادَلَةِ الباطِلَةِ لِلتَّسَلِّي. انْتَهى. والإنْصافُ أنَّ فِيما صَنَعَهُ جارُ اللَّهِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْنى ومُناسَبَةً لَفْظِيَّةً إلّا أنَّ الظّاهِرَ هو التَّفْرِيعُ عَلى المَجْمُوعِ كَما لا يَخْفى
غافر 40:6
﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كَما وجَبَ حُكْمُهُ تَعالى بِالإهْلاكِ عَلى هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلى الأنْبِياءِ وجَبَ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ بِالإهْلاكِ عَلى هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلَيْكَ أيْضًا وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ لِأنَّهم أصْحابُ النّارِ أيْ لِأنَّ العِلَّةَ مُتَّحِدَةٌ وهي أنَّهم كُفّارٌ مُعانِدُونَ مُهْتَمُّونَ بِقَتْلِ النَّبِيِّ مِثْلُهم، فَوَضَعَ ( أصْحابُ اَلنّارِ ) مَوْضِعَ ما ذُكِرَ لِأنَّهُ آخِرُ أوْصافِهِمْ وشَرُّها والدّالُّ عَلى الباقِي، ( وأنَّهم ) .. إلَخْ. في حَيِّزِ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ أُرِيدَ بِالكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى أوْ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم مِن أصْحابِ النّارِ، وبَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ أُرِيدَ بِها الأعَمُّ، ويُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا أُولَئِكَ المُتَحَزِّبُونَ، والمَعْنى كَما وجَبَ إهْلاكُهم بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ في الدُّنْيا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ أيْضًا لِكُفْرِهِمْ، والوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ بِالمَساقِ. والتَّعْبِيرُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفُسِّرَتْ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الرُّومَ: 47] ونَحْوِهِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ «وكَذَلِكَ سَبَقَتْ» وهو عَلى ما قِيلَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةً. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وشَيْبَةُ وابْنُ القَعْقاعِ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «كَلِماتٌ» عَلى الجَمْعِ.
غافر 40:7
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وهو جِسْمٌ عَظِيمٌ لَهُ قَوائِمُ الكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ.
صفحة 45
وفِي بَعْضِ الآثارِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ. وذَكَرَ بَعْضُهم في سِعَتِهِ أنَّهُ لَوْ مُسِحَ مُقَعَّرُهُ بِجَمِيعِ مِياهِ الدُّنْيا مَسْحًا خَفِيفًا لَقَصُرَتْ عَنِ اسْتِيعابِهِ ويَزْعُمُ أهْلُ الهَيْئَةِ ومَن وافَقَهم أنَّهُ كُرَيٌّ وأنَّهُ المُحَدَّدُ وفَلَكُ الأفْلاكِ وأنَّهُ كَسائِرِ الأفْلاكِ لا يُوصَفُ بِثِقَلٍ ولا خِفَّةٍ ولَيْسَ لَهم في ذَلِكَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ بَلِ الأخْبارُ ظاهِرَةٌ في خِلافِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ وحَمَلَتُهُ مَلائِكَةٌ عِظامٌ.
أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ الأرْضَ السّابِعَةَ السُّفْلى والعَرْشُ عَلى مَنكِبَيْهِ وهو يَقُولُ: سُبْحانَكَ أيْنَ كُنْتُ وأيْنَ تَكُونُ».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرٍ بِلَفْظِ ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حَمَلَةِ العَرْشِ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عامٍ»» وهم عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ثَمانِيَةٌ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ هارُونَ بْنِ رَبابٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ يَتَجاوَبُونَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَقُولُ أرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عَفْوِكَ وأرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي قُبَيْلٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ ما بَيْنَ مَوْقِ أحَدِهِمْ إلى مُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ ويَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُيِّدُوا بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ، مَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ إنْسانٍ يَشْفَعُ لِبَنِيآدَمَ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ نَسْرٍ يَشْفَعُ لِلطَّيْرِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ ثَوْرٍ يَشْفَعُ لِلْبَهائِمِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ أسَدٍ يَشْفَعُ لِلسِّباعِ في أرْزاقِهِمْ فَلَمّا حَمَلُوا العَرْشَ وقَعُوا عَلى رُكَبِهِمْ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلُقِّنُوا لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فاسْتَوَوْا قِيامًا عَلى أرْجُلِهِمْ.
وجاءَ رِوايَةً عَنْ وهْبٍ أيْضًا أنَّهم يَحْمِلُونَ العَرْشَ عَلى أكْتافِهِمْ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ السّابِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ حِبّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ أقْدامُهم مُثَبَّتَةٌ في الأرْضِ السّابِعَةِ ورُؤُوسُهم قَدْ جاوَزَتِ السَّماءَ السّابِعَةَ وقُرُونُهم مِثْلُ طُولِهِمْ عَلَيْها العَرْشُ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وفي بَعْضِها لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْفَعُوا أبْصارَهم مِن شُعاعِ النُّورِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أُمامَةَ يَتَكَلَّمُونَ بِالفارِسِيَّةِ أيْ إذا تَكَلَّمُوا بِغَيْرِ التَّسْبِيحِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهم يُسَبِّحُونَ بِالعَرَبِيَّةِ، عَلى أنَّ الخَبَرَ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وفي بَعْضِ الآثارِ عَنْ وهْبٍ أنَّهم لَيْسَ لَهم كَلامٌ إلّا أنْ يَقُولُوا قُدُّوسٌ اللَّهُ القَوِيُّ مَلَأتْ عَظَمَتُهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُعَيْدَ هَذا في الآيَةِ يَأْبى ظاهِرُهُ الحَصْرَ ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ أيْ والَّذِينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ وهم مَلائِكَةٌ في غايَةِ الكَثْرَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٌ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ قَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَّمائِلِ ما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ. وذُكِرَ في كَثْرَتِهِمْ
صفحة 46
أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ مَجْمُوعِ المَذْكُورِ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرَ: 31] ويُقالُ لِحَمَلَةِ العَرْشِ والحافِّينَ بِهِ الكَرُوبِيُّونَ جَمْعَ كَرُوبِيٍّ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّ الرّاءِ المُهْمَلَةِ المُخَفَّفَةِ وتَشْدِيدُها خَطَأٌ ثُمَّ واوٌ بَعْدَها ياءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ مِن كَرُبَ بِمَعْنى قَرُبَ، وقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُهم في سَماعِهِ مِنَ العَرَبِ وأثْبَتَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ:
كَرُوبِيَّةٌ مِنهم رُكُوعٌ وسُجَّدُ
وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى المُبالَغَةِ في القُرْبِ لِصِيغَةِ فَعُولٍ والياءِ الَّتِي تُزادُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ وكَأنَّ وصْفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم أشَدُّ المَلائِكَةِ خَوْفًا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَرُوبِيِّينَ حَمَلَةُ العَرْشِ وأنَّهم أوَّلُ المَلائِكَةِ وُجُودًا ومِثْلُهُ لا يُعْرَفُ إلّا بِسَماعٍ. وعَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهم مَلائِكَةُ العَذابِ وكَأنَّ ذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ سِينا في رِسالَةِ المَلائِكَةِ: الكَرُوبِيُّونَ هُمُ العامِرُونَ لِعَرَصاتِ التِّيهِ الأعْلى الواقِفُونَ في المَوْقِفِ الأكْرَمِ زُمُرًا النّاظِرُونَ إلى المَنظَرِ الأبْهى نَظَرًا وهُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ والأرْواحُ المُبَرَّءُونَ، وأمّا المَلائِكَةُ العامِلُونَ فَهم حَمَلَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وعُمّارُ السَّماواتِ. انْتَهى. .
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَمْلَ العَرْشِ مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِهِ وحِفْظِهِ مِن أنْ يَعْرِضَ لَهُ ما يُخِلُّ بِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَقْلِيَّةً لِأنَّ العَرْشَ ( كَرَيّ ) في حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلٍ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحُكَماءِ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، وكَذا ذَهَبُوا إلى أنَّ الحَفِيفَ والطَّوافَ بِالعَرْشِ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنِ القُرْبِ مِن ذِي العَرْشِ سُبْحانَهُ ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى وتَوَسُّطِهِمْ في نَفاذِ أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَقُّ الحَقِيقَةُ في المَوْضِعَيْنِ وما ذُكِرَ مِنَ القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ في حَيِّزِ المَنعِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ «العُرُشَ» بِضَمِّ العَيْنِ فَقِيلَ: هو جَمْعُ عَرْشٍ كَسُقُفٍ وسَقْفٍ أوْ لُغَةٌ في العَرْشِ، والمَوْصُولُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ والثّانِي عَطْفٌ عَلَيْهِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَيانِ أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في المَحَلِّ الأعْلى مُثابِرُونَ عَلى وِلايَةِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ واسْتِدْعاءِ ما يُسْعِدُهم في الدّارَيْنِ أيْ يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ كالجِسْمِيَّةِ وكَوْنِ العَرْشِ حامِلًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي لا تَتَناهى.
﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إيمانًا حَقِيقِيًّا كامِلًا، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ الغِنى عَنْ ذِكْرِهِ رَأْسًا لِإظْهارِ فَضِيلَةِ الإيمانِ وإبْرازِ شَرَفِ أهْلِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ وإنْ تَخالَفَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إشْعارٌ بِأنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وسُكّانَ الفَرْشِ سَواءٌ في الإيمانِ بِالغَيْبِ إذْ لَوْ كانَ هُناكَ مُشاهَدَةٌ لِلُزُومِها مِنَ الحَمْلِ بِناءً عَلى العادَةِ الغالِبَةِ أوْ عَلى أنَّ العَرْشَ جِسْمٌ شَفّافٌ لا يَمْنَعُ الأبْصارَ البَتَّةَ لَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ أعْنِي العِلْمَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مَعَ اعْتِرافٍ وإنَّما يَكُونُ في الخَبَرِ ومَضْمُونِهِ مِن مُعْتَقَدٍ عِلْمِيٍّ أوْ ظَنِّيٍّ ناشِئٍ مِنَ البُرْهانِ أوْ قَوْلِ الصّادِقِ كَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِصِدْقِ المُخْبِرِ أوِ البُرْهانِ
صفحة 47
وأمّا العِيانُ فَيُغْنِي عَنِ البَيانِ، فَفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى الرَّدِّ عَلى المُجَسِّمَةِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى»» كَذا قِيلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كَوْنَ حَمَلَةِ العَرْشِ لا يَرَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالحاسَّةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهُ تَعالى في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا.. إلَخْ، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّها تَفْسِيرٌ - لِيَسْتَغْفِرُونَ - أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ بِناءً عَلى جَوازِهِ في الجُمَلِ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَسْتَغْفِرُونَ ) .
وفُسِّرَ اسْتِغْفارُهم عَلى هَذا الوَجْهِ بِشَفاعَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وحَمْلِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ بِما يُفِيضُونَ عَلى سَرائِرِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ المُفَسَّرُ بِتَرْكِ مُعاجَلَةِ العِقابِ وإدْرارِ الرِّزْقِ والِارْتِفاقِ بِما خَلَقَ مِنَ المَنافِعِ الجَمَّةِ ونَحْوَ ذَلِكَ وهو وإنْ لَمْ يَخُصَّ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهم أصْلٌ فِيهِ فَتَخْصِيصُهم هُنا بِالذِّكْرِ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، والأظْهَرُ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَفْسِيرًا، ونُصِبَ ( رُحْمًا وعِلْمًا ) عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ وحُوِّلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ حَيْثُ جُعِلَتْ ذاتُهُ سُبْحانَهُ كَأنَّها عَيْنُ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ مَعَ التَّلْوِيحِ إلى عُمُومِها لِأنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الأشْياءِ إلَيْهِ تَعالى مُسْتَوِيَةٌ فَتَقْتَضِي اسْتِواءَها في شُمُولِهِما، ووَصْفُهُ تَعالى بِكَمالِ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ .. إلَخْ، وتَسَبُّبُ المَغْفِرَةِ عَنِ الرَّحْمَةِ ظاهِرٌ، وأمّا تَسَبُّبُها عَنِ العِلْمِ فَلِأنَّ المَعْنى فاغْفِرْ لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَّوْبَةَ أيْ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا بِناءً عَلى أنَّهُ المُتَبادَرُ مِنَ الإطْلاقِ واتِّباعِ سَبِيلِكَ وهو سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَها اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ ودَعا إلَيْها الإسْلامُ أيْ عِلْمُكَ الشّامِلُ المُحِيطُ بِما خَفِيَ وما عَلَنَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى طِهارَتِهِمْ مِن كُدُوراتِ الرِّياءِ والهَوى فَإنَّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ.
ويَتَضَمَّنُ التَّمْهِيدُ المَذْكُورُ الإشارَةَ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ الواسِعَةَ والعِلْمَ الشّامِلَ يَقْتَضِيانِ أنْ يَنالَ هَؤُلاءِ الفَوْزَ العَظِيمَ والقِسْطَ الأعْلى مِنَ الرِّضْوانِ وفِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى:
إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا
فَإنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ حَقَّ المُبالَغَةِ في أداءِ حُقُوقِهِ تَعالى فَهو مُقَصِّرٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ»» وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ها هُنا، وفي تَصْدِيرِ الدُّعاءِ بِرَبِّنا مِنَ الِاسْتِعْطافِ ما لا يَخْفى ولِذا كَثُرَ تَصْدِيرُ الدُّعاءِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيْ واحْفَظْهم عَنْهُ تَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ لِلتَّأْكِيدِ فَإنَّ الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ العَذابِ.
غافر 40:8
﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ أيْ وعَدْتَهم إيّاها فالمَفْعُولُ الآخَرُ مُقَدَّرٌ والمُرادُ وعَدْتَهم دُخُولَها، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِزِيادَةِ الِاسْتِعْطافِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ «( جَنَّة ) عَدْنٍ» بِالإفْرادِ وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ( أدْخِلْهم ) أيْ وأدْخِلْ مَعَهم هَؤُلاءِ لِيَتِمَّ سُرُورُهم ويَتَضاعَفَ ابْتِهاجُهم، وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ أيْ وعَدْتَهم ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ.. إلَخْ. فَقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدُ العامُّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَبْقى عَلى هَذا لِلْعَطْفِ وجْهٌ فالمُرادُ الوَعْدُ الخاصُّ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21]، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى الأوَّلِ والدُّعاءُ بِالإدْخالِ
صفحة 48
فِيهِ صَرِيحٌ، وفي الثّانِي ضِمْنِيٌّ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاحِ الصَّلاحُ المُصَحِّحُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ دُونَ صَلاحِ المَتْبُوعِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ «صَلُحَ» بِضَمِّ اللّامِ يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ، وقَرَأ عِيسى «ذُرِّيَتَهم» بِالإفْرادِ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَقْدُورٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إدْخالُ مَن طُلِبَ إدْخالُهُمُ الجَنّاتِ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
غافر 40:9
﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ العُقُوباتِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وإطْلاقُ السَّيِّئَةِ عَلى العُقُوبَةِ لِأنَّها سَيِّئَةٌ في نَفْسِها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى المَشْهُورُ وهو المَعاصِي والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقَهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ أوْ تَجُوزُ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَتَكَرَّرُ هَذا مَعَ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ بَلْ هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِشُمُولِهِ العُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ مُطْلَقًا أوِ الدُّعاءُ الأوَّلُ لِلْمَتْبُوعِينَ وهَذا لِلتّابِعِينَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالسَّيِّئاتِ المَعْنى المَشْهُورُ بِدُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ ولا تَجُوزُ أيِ المَعاصِي أيْ وقِهِمُ المَعاصِيَ في الدُّنْيا ووِقايَتُهم مِنها حِفْظُهم عَنِ ارْتِكابِها وهو دُعاءٌ بِالحِفْظِ عَنْ سَبَبِ العَذابِ بَعْدَ الدُّعاءِ بِالحِفْظِ عَنِ المُسَبَّبِ وهو العَذابُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأنْسَبَ عَلى هَذا تَقْدِيمُ هَذا الدُّعاءِ عَلى ذاكَ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ المُؤاخَذَةِ ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ ويُقالُ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَ العَمَلِ أيْ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في الآخِرَةِ وأيَّدَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِن يَوْمَئِذٍ الدُّنْيا لِأنَّ ( إذْ ) تَدُلُّ عَلى المُضِيِّ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ ﴿وذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن رَحْمَتِهِ أوْ إلى الوِقايَةِ المَفْهُومَةِ مِن فِعْلِها أوْ إلى مَجْمُوعِهِما، وأمْرُ التَّذْكِيرِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وكَذا أمْرُ الإفْرادِ عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ ظاهِرٌ ﴿هُوَ الفَوْزُ﴾ أيِ الظَّفَرُ ﴿العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا مَطْمَعَ وراءَهُ لِطامِعٍ، هَذا وإلى كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينِ تابُوا الَّذِينَ تابُوا مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ في السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ هي الصَّغائِرُ أوِ الكَبائِرُ المَتُوبُ عَنْها، وذَكَرَ أنَّ الوِقايَةَ مِنها التَّكْفِيرُ أوْ قَبُولُ التَّوْبَةِ وأنَّ هَؤُلاءِ المُسْتَغْفَرَ لَهم تائِبُونَ صالِحُونَ مِثْلُ المَلائِكَةِ في الطَّهارَةِ وأنَّ الِاسْتِغْفارَ لَهم بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ وفائِدَتُهُ زِيادَةُ الكَرامَةِ والثَّوابِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُهم مَوْعُودِينَ المَغْفِرَةَ واللَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والمُبالَغَةِ فِيها إذا كانَ المَغْفُورُ لَهُ مِثْلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الطَّهارَةِ وأيُّ حاجَةٍ إلى الِاسْتِغْفارِ فَضْلًا عَنِ المُبالَغَةِ، وأنَّ ما قالَهُ في السَّيِّئاتِ لا يَجُوزُ فَإنَّ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبٌ في مَذْهَبِهِ وما كانَ فِعْلُهُ واجِبًا كانَ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ عَبَثًا قَبِيحًا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وكَذا إسْقاطُ عُقُوبَةِ الصَّغِيرَةِ فَلا يَحْسُنُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ مَنفَعَةٍ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، حَكى هَذا الطَّيِّبِيُّ عَنِ الإمامِ ثُمَّ قالَ: فَحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ كَما قالَ الواحِدِيُّ فاغْفِرْ لِلَّذِينِ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أيْ دِينَكَ الإسْلامَ، فَإنْ قُلْتَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّوْبَةُ مِنَ المَعاصِي مُرادًا لَكانَ يَكْفِي أنْ يَقُولُوا: فاغْفِرْ لِلَّذِينِ آمَنُوا لِيُطابِقَ السّابِقَ، قُلْتُ: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ هو قَرِيبٌ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ اللَّفْظِ السّابِقِ وبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ الآيَةَ جاءَ مَفْصُولًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالآيَةُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِغْفارِ لا لِحالِ المُسْتَغْفَرِ لَهم، ووَصْفُهُمُ المُمَيَّزُ يُعْرَفُ بِالذَّوْقِ، وأمّا فائِدَةُ العُدُولِ عَنِ المُضْمَرِ وأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فاغْفِرْ لَهم بَلْ قِيلَ:
صفحة 49
لِلَّذِينِ تابُوا فَهي أنَّ المَلائِكَةَ كَما عَلَّلُوا الغُفْرانَ في حَقِّ مُفِيضِ الخَيْراتِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالعِلْمِ الشّامِلِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ عَلَّلُوا قابِلَ الفَيْضِ أيْضًا بِالتَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ واتِّباعِ سَبِيلِ الإسْلامِ، فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ التَّوْبَةُ إنَّما تَصِحُّ في حَقِّ مَن سَبَقَ شِرْكُهُ عَلى إسْلامِهِ دُونَ مَن وُلِدَ مُسْلِمًا ودامَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: الآيَةُ نازِلَةٌ في زَمَنِ الصَّحابَةِ وجُلُّهُمُ انْتَقَلُوا مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ ولَوْ قِيلَ: فاغْفِرْ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ لَخَرَجُوا فَغُلِّبَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى سُنَنِ جَمِيعِ الأحْكامِ. انْتَهى. ولَعَمْرِي إنَّ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالًا أيَّ مَجالٍ.
وفِي الكَشْفِ إنَّما اخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما اخْتارَهُ عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ مِن أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَ الإطْلاقِ تَنْصَرِفُ إلى التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا عَلى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا إذْ ذاكَ لِأنَّ التّائِبَ عَنِ الشِّرْكِ هو المُسْلِمُ، وقَدْ فَسَّرَ مُتَّبِعِ السَّبِيلِ في هَذا القَوْلِ بِهِ وإذا شَرَطَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَلاحَ التّابِعِ وهو الذُّرِّيَّةُ مَعَ ما ورَدَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21] فَما بالُ المَتْبُوعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاحَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُؤْمِنِ وكَفاكَ دُعاءُ إبْراهِيمَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ في الإلْحاقِ بِالصّالِحِينَ شاهِدًا، وأمّا أنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الدُّعاءِ فَجَوابُهُ أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْحاجَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِنا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وما ورَدَ فِيهِ مِنَ الفَضائِلِ والمَعْلُومُ حُصُولُهُ مِنهُ تَعالى يَحْسُنُ طَلَبُهُ فَإنَّ الدُّعاءَ في نَفْسِهِ عِبادَةٌ ويُوجِبُ لِلدّاعِي والمَدْعُوِّ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ ما لا يَتَقاعَدُ عَنْ حُصُولِ أصْلِ الثَّوابِ، ثُمَّ إنَّ الوِقايَةَ عَنِ السَّيِّئاتِ إنْ كانَتْ بِمَعْنى التَّكْفِيرِ وقَعَ الكَلامُ في أنَّ السَّيِّئاتِ المُكَفَّرَةَ ما هي ولا خَفاءَ أنَّ النُّصُوصَ دالَّةٌ عَلى تَكْفِيرِ التَّوْبَةِ لِلسَّيِّئاتِ كُلِّها وأنَّ الصَّغائِرَ مُكَفَّراتٌ ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِها بِهِ كَما ذُكِرَ وإنْ كانَ مَعْناها أنْ يُعْفى عَنْها ولا يُؤاخَذَ بِها كَما هو قَوْلُ الواحِدِيِّ ومُخْتارُ الإمامِ ومَنِ ائْتَمَّ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنْظُرَ أنَّ الوِقايَةَ في أيِّ المَعْنَيَيْنِ أظْهَرُ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ وما يُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ عَلى نَحْوِ مَن أدْرَكَ مَرْعى الصُّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ.
وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ في شَأْنِ المُقَصِّرِينَ أظْهَرُ أوْ شَأْنِ المُكَفَّرِينَ، ومِن هَذا التَّقْرِيرِ قَدْ لاحَ أنَّ هَذا الوَجْهَ ظاهِرٌ هَذا السِّياقُ وأنَّهُ يُوافِقُ أصْلَ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ بِلا تَوْبَةٍ أوْ لا يَعْفُو فَلا يُنافِي جَوازُهُ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى إلى آخِرِ ما قالَ وهو كَلامٌ حَسَنٌ وإنْ كانَ في بَعْضِهِ كَحَدِيثِ التَّكْرارِ وكَوْنُ الصَّلاحِ في الآيَةِ ما هو مِن أخَصِّ أوْصافِ المُؤْمِنِ نَوْعَ مُناقَشَةٍ، وقَدْ يُرَجَّحُ كَوْنُ المُرادِ بِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا دُونَ التَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ فَقَطْ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِن ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وقِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن نُفُوذِ الوَعِيدِ في طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ العاصِينَ وتَعْذِيبِهِمْ في النّارِ فَيَكُونُ الدُّعاءُ بِحِفْظِ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ مُحَرَّمًا.
وقَدْ نَصُّوا عَلى حُرْمَةِ أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ لِذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ لِلتّائِبِينَ الصّالِحِينَ، وحَمْلُ الإضافَةِ عَلى العَهْدِ بِأنْ يُرادَ بِعَذابِ الجَحِيمِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ لا يَخْفى حالُهُ والِاعْتِراضُ بِلُزُومِ الدُّعاءِ بِمَعْلُومِ الحُصُولِ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالتَّوْبَةِ ذَلِكَ بِخِلافِ ما إذا أُرِيدَ بِها التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذِ المَعْنى عَلَيْهِ فاغْفِرْ لِلَّذِينِ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ ذُنُوبَهُمُ الَّتِي لَمْ يَتُوبُوا عَنْها وغُفْرانُ تِلْكَ الذُّنُوبِ غَيْرُ مَعْلُومِ الحُصُولِ قَدْ عُلِمَ جَوابُهُ مِمّا في الكَشْفِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ الغُفْرانِ لِلتّائِبِ مَعْلُومَ الحُصُولِ خِلافًا أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ. نَعَمْ هَذا اللُّزُومُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ ما ورَدَ في الدُّعاءِ
صفحة 50
إثْرَ الأذانِ وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِي وعَدْتَهُ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ وهو أنَّ سَبْقَ الوَعْدِ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَ المَوْعُودِ بِلا تَوَسُّطِ دُعاءٍ.
وبِالجُمْلَةِ لا بَأْسَ بِحَمْلِ التَّوْبَةِ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا ولا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ بِهِ القَوْلُ بِشَيْءٍ مِن أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ،
غافر 40:10
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ الكُفّارِ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ ﴿يُنادَوْنَ﴾ وهم في النّارِ وقَدْ مَقَتُوا أنْفُسَهم ( اَلْأمّارَة ) بِالسُّوءِ الَّتِي وقَعُوا فِيما وقَعُوا بِاتِّباعِ هَواها حَتّى أكَلُوا أنامِلَهم مِنَ المَقْتِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ يَقُولُ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: 22] وقِيلَ: يَمْقُتُونَها حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم مِن أصْحابِ النّارِ، والمُنادى الخَزَنَةُ أوِ المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ لَهم إعْظامًا لِحَسْرَتِهِمْ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ وهَذا مَعْمُولٌ لِلنِّداءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ يُنادَوْنَ مَقُولًا لَهم لَمَقْتُ.. إلَخْ. أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بِفاءِ التَّفْسِيرِ أيْ يُنادَوْنَ فَيُقالُ لَهم: لَمَقْتُ.. إلَخْ، وجَعْلُهُ مَعْمُولًا لِلنِّداءِ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، و( مَقْتُ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إضافَةَ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ، وكَذا إضافَةُ المَقْتِ الثّانِي إلى ضَمِيرِ الخِطابِ.
وفِي الكَلامِ تَنازُعٌ أوْ حَذْفُ مَعْمُولِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ تَنازُعٍ أيْ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم أوْ أنْفُسَكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم، واللّامُ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلْقَسَمِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ والخَلَفُ يُؤَوِّلُونَهُ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى بِأشَدِّ الإنْكارِ.
﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ أيْ إذْ يَدْعُوكُمُ الأنْبِياءُ ونُوّابُهم ﴿إلى الإيمانِ﴾ فَتَأْبَوْنَ قَبُولَهُ ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ أوْ لِلْمَحْكُومِ بِهِ - فَإذْ - مُتَعَلِّقَةٌ - بِأكْبَرَ - وكانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمَقْتُ اللَّهِ تَعالى أنْفُسَكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم إيّاها لِأنَّكم دُعِيتُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلى الإيمانِ فَتَكَرَّرَ مِنكُمُ الكُفْرُ، وزَمانُ المَقْتَيْنِ واحِدٌ عَلى ما هو المُتَبادَرُ وهو زَمانُ مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمُ الَّذِي حَكَيْناهُ آنِفًا» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِمَقْتِهِمْ أنْفُسَهم وإذْ مُتَعَلِّقَةٌ - بِمَقْتٍ - الثّانِي فَهم مَقَتُوا أنْفُسَهم لِأنَّهم دُعُوا مِرارًا إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، وزَمانُ المَقْتَيْنِ كَذَلِكَ، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ مَعَ تَكَرُّرِ دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِمَقْتِ اللَّهِ ( وإذْ ) مُتَعَلِّقَةً بِهِ، ويُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما عَلَيْهِ وما لَهُ، وظاهِرُ صَنِيعِ جَماعَةٍ مِنَ الأجِلَّةِ اخْتِيارُ كَوْنِ ( إذْ ) ظَرْفِيَّةً لا تَعْلِيلِيَّةً فَقِيلَ: هي ظَرْفٌ - لِمَقْتٍ - الأوَّلِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ تَعالى أنْفُسَكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ أشَدُّ مِن مَقْتِكم إيّاها اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ أوْ وأنْتُمْ مُتَحَقِّقُونَ أنَّكم مِن أصْحابِها فَزَمانُ المَقْتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وكَوْنُ زَمانِ الأوَّلِ الدُّنْيا وزَمانِ الثّانِي الآخِرَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ بِلُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما في صِلَتِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ، وفي أمالِي ابْنِ الحاجِبِ لا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأنَّ الظُّرُوفَ مُتَّسَعٌ فِيها، وقِيلَ: هي ظَرْفٌ لِمَصْدَرٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الأوَّلُ أوْ لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما في البَحْرِ.
وفِي الكَشْفِ فِيهِ أنَّ المُقَدَّرَ لا بُدَّ لَهُ مِن جَزاءاتٍ إنِ اسْتَقَلَّ ويَتَّسِعُ الخَرْقُ وإنْ جُعِلَ بَدَلًا فَحَذْفُهُ وإعْمالُ
صفحة 51
المَصْدَرِ المَحْذُوفِ لا يَتَقاعَدُ عَنِ الفَصْلِ بِالخَبَرِ ولَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ، وتَقْدِيرُ الفِعْلِ أيْ مَقْتُكُمُ اللَّهَ إذْ تُدْعَوْنَ أبْعَدُ وأبْعَدُ، وقِيلَ: هي ظَرْفٌ لِمَقْتٍ الثّانِي. واعْتُرِضَ بِأنَّهم لَمْ يَمْقُتُوا أنْفُسَهم وقْتَ الدَّعْوَةِ بَلْ في القِيامَةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ قَوْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأحْمَرُ وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ عَدْسٍ التَّمِيمِيِّ لِمُطَلَّقَتِهِ دَخَتْنُوسَ بِنْتِ لَقِيطٍ وقَدْ سَألَتْهُ لَبَنًا وكانَتْ مُقْفِرَةً مِنَ الزّادِ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ مَجازًا بِتَنْزِيلِ وُقُوعِ السَّبَبِ وهو كُفْرُهم وقْتَ الدَّعْوَةِ مَنزِلَةَ وُقُوعِ المُسَبَّبِ وهو مَقْتُهم لِأنْفُسِهِمْ حِينَ مُعايَنَتِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ عَلَيْهِ إذْ تَبَيَّنَ أنَّكم دُعِيتُمْ إلى الإيمانِ المُنَجِّي والحَقِّ الحَقِيقِ بِالقَبُولِ فَأبَيْتُمْ أوْ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِهِمْ جِنْسُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم كانُوا يَمْقُتُونَ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا إذْ يُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ وهو أبْعَدُ التَّأْوِيلاتِ وقالَ مَكِّيٌّ: ( إذْ ) مَعْمُولَةٌ لِاذْكُرُوا مُضْمَرًا والمُرادُ التَّحَيُّرُ والتَّنْدِيمُ واسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهم وأراهُ خِلافَ المُتَبادَرِ. وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ فِيهِ تَنافُرًا بَيِّنًا وعَلَّلَهُ بِما لَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُهُ فَتَأمَّلْ.
وتَفْسِيرُ ﴿مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ بِمَقْتِ كُلِّ واحِدٍ نَفْسَهُ هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ مَقْتُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَقِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكَفْرِ والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ لِما أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم فَحَمَلُوا أوْزارًا مِثْلَ أوْزارِهِمْ فَلا تَغْفُلْ
غافر 40:11
﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ صِفَتانِ لِمَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، والتَّقْدِيرُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ المَصْدَرَيْنِ مَوْتَتَيْنِ وحَياتَيْنِ وهُما إمّا مَصْدَرانِ لِلْفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أيْضًا بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أوْ مَصْدَرانِ لِفِعْلَيْنِ آخَرَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِما المَذْكُورانِ فَإنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ يُنْبِئانِ عَنِ المَوْتِ والحَياةِ حَتْمًا فَكَأنَّهُ أمَتَّنا فَمُتْنا مَوْتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا فَحَيِينا حَياتَيْنِ اثْنَتَيْنِ عَلى طُرُزِ قَوْلِهِ:
وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ لَمْ يَدْعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ.. إلَخْ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى خَلْقَهم أمْواتًا وبِالثّانِيَةِ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ وهم في الأرْحامِ وبِالثّانِيَةِ إحْياؤُهم بِإعادَةِ أرْواحِهِمْ إلى أبْدانِهِمْ لِلْبَعْثِ. وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ آيَةِ [البَقَرَةَ: 28] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ والإماتَةُ إنْ كانَتْ حَقِيقَةً في جَعْلِ الشَّيْءِ عادِمَ الحَياةِ سُبِقَ بِحَياةٍ أمْ لا فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَتْ حَقِيقَةً في تَصْيِيرِ الحَياةِ مَعْدُومَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَما هو ظاهِرُ كَلامِهِمْ حَيْثُ قالُوا: إنَّ صِيغَةَ الأفْعالِ وصِيغَةَ التَّفْعِيلِ مَوْضُوعَتانِ لِلتَّصْيِيرِ أيِ النَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ فَفي إطْلاقِها عَلى ما عُدَّ إماتَةً أُولى خَفاءٌ لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ سَبْقَ الحَياةِ ولا سَبْقَ فِيما ذُكِرَ، ووُجِّهَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ كَما قَرَّرُوهُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ ووُسْعِ أسْفَلِها قالُوا: إنَّ الصّانِعَ إذا اخْتارَ أحَدَ الجائِزَيْنِ وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ الجائِزَ عَنِ الآخَرِ فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ يَعْنِي أنَّهُ تَجُوزُ بِالأفْعالِ أوِ التَّفْعِيلِ الدّالِّ عَلى التَّصْيِيرِ وهو النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى عَنْ لازِمِهِ وهو الصَّرْفُ عَمّا في حَيِّزِ الإمْكانِ، ويَتْبَعُهُ جَعْلُ المُمْكِنِ الَّذِي تَجُوزُ إرادَتُهُ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، وكَذا جُعِلَ الأمْرُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ مَثَلًا بِإنْشائِهِ عَلى الحالِ الثّانِيَةِ بِمَنزِلَةِ أمْرِهِ بِنَقْلِهِ عَنْ غَيْرِها، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِعارَةِ
صفحة 52
بِالكِنايَةِ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا مُسْتَتْبَعًا لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، فالمُرادُ بِالإماتَةِ هُناكَ الصَّرْفُ لا النَّقْلُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الآيَةِ أوِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ بِناءً عَلى زَعْمِ أنَّ الصِّيغَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الصَّرْفِ والنَّقْلِ، ومَن أجازَ ما ذُكِرَ لَمْ يَحْتَجْ لِلْقَوْلِ بِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ آثَرَ جارُ اللَّهِ أنَّ إحْدى الإماتَتَيْنِ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ وإطْلاقُها عَلَيْهِ مِن بابِ المَجازِ وهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ، وقَدْ ذُكِرَ وجْهُ التَّجَوُّزِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُبَتْنى عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ الإحْياءَ مَعْناهُ جَعْلُ الشَّيْءِ حَيًّا فالمادَّةُ التُّرابِيَّةُ أوِ النُّطْفِيَّةُ إذا أُفِيضَتْ عَلَيْها الحَياةُ صَدَقَ أنَّها صارَتْ ذاتَ حَياةٍ عَلى الحَقِيقَةِ إذْ لا يُحْتاجُ إلى سَبْقِ مَوْتٍ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ إلى سَبْقِ عَدَمِ الحَياةِ فَهُناكَ إحْياءٌ حَقِيقَةً، وأمّا الإماتَةُ فَإنْ جُعِلَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ التَّقابُلُ المَشْهُورِيُّ اسْتَدْعى المَسْبُوقِيَّةَ بِالحَياةِ فَلا تَصِحُّ الإماتَةُ قَبْلَها حَقِيقَةً، وإنْ جُعِلَ التَّقابُلُ الحَقِيقِيُّ صَحَّتْ، لَكِنَّ الظّاهِرَ في الِاسْتِعْمالِ بِحَسَبِ عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ أنَّهُ مَشْهُورِيٌّ. انْتَهى. وأرادَ بِالمَشْهُورِيِّ والحَقِيقِيِّ ما ذَكَرُوهُ في التَّقابُلِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ فَإنَّهم قالُوا: المُتَقابِلانِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ وهُما أمْرانِ يَكُونُ أحَدُهُما وُجُودِيًّا والآخَرُ عَدَمَ ذَلِكَ الوُجُودِيِّ في مَوْضُوعٍ قابِلٍ لَهُ إنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ بِحَسَبِ شَخْصِهِ في وقْتِ اتِّصافِهِ بِالأمْرِ العَدَمِيِّ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ كالكَوْسَجِيَّةِ فَإنَّها عَدَمُ اللِّحْيَةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَكُونَ مُلْتَحِيًا فَإنَّ الصَّبِيَّ لا يُقالُ لَهُ كَوْسَجٌ، وإنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ أعَمَّ مِن ذَلِكَ بِأنْ لا يُقَيَّدَ بِذَلِكَ الوَقْتِ كَعَدَمِ اللِّحْيَةِ عَنِ الطِّفْلِ أوْ يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ بِحَسَبِ نَوْعِهِ كالعَمى لِلْأكْمَهِ أوْ جِنْسِهِ القَرِيبِ كالعَمى لِلْعَقْرَبِ أوِ البَعِيدِ كَعَدَمِ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ عَنِ الجَبَلِ فَإنَّ جِنْسَهُ البَعِيدَ أعْنِي الجِسْمَ الَّذِي هو فَوْقَ الجَمادِ قابِلٌ لِلْحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ لَكِنَّ في بِناءِ اقْتِضاءِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالحَياةِ وعَدَمِهِ عَلى ذَلِكَ خَفاءً، وإنَّ ضُمَّ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ.
ثُمَّ وُجِّهَ تَسَبُّبُ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ والإحْياءِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهم قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ فَكَفَرُوا وتَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُحْصى لِأنَّ مَن لَمْ يَخْشَ العاقِبَةَ تَخَرَّقَ في المَعاصِي فَلَمّا رَأوُا الإماتَةَ والإحْياءَ قَدْ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ عَلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى الإعادَةِ قُدْرَتُهُ عَلى الإنْشاءِ فاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها مِن إنْكارِ البَعْثِ وما تَبِعَهُ مِن مَعاصِيهِمْ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى إماتَتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم في القَبْرِ لِلسُّؤالِ وبِالإماتَةِ الثّانِيَةِ إماتَتُهم بَعْدَ هَذِهِ الإحْياءَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ وبِالإحْياءَةِ الثّانِيَةِ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ هَذا القائِلَ ثَلاثُ إحْياءاتٍ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ أحْيَيْتَنا ثَلاثًا فَإنِ ادَّعى عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِالإحْياءَةِ المَعْرُوفَةِ وهي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا لِسُرْعَةِ انْصِرامِها وانْقِطاعِ آثارِها وأحْكامِها لَزِمَهُ أنْ لا يُعْتَدَّ بِالإماتَةِ بَعْدَها.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الِانْتِصارِ لَهُ: إنَّ مُرادَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ اعْتِرافُهم بِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا ويُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ حِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كالجَوابِ عَنِ النِّداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ كَأنَّهم أجابُوا أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعَوْنا وكُنّا نَعْتَقِدُ أنْ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ فالآنَ نَعْتَرِفُ بِالمَوْتَيْنِ والحَياتَيْنِ لِما قاسَيْنا مِن شَدائِدِهِما وأحْوالِهِما فالذَّنْبُ المُعْتَرَفُ بِهِ تَكْذِيبُ البَعْثِ، ولِهَذا جُعِلَ مُرَتَّبًا عَلى القَوْلِ وإنَّما ذَكَرُوا الإماتَتَيْنِ لِيَذْكُرُوا الإحْياءَيْنِ إذْ كِلْتا الحَياتَيْنِ كانَتا مُنْكَرَتَيْنِ عِنْدَهم دُونَ الحَياةِ المَعْرُوفَةِ ومَقامُ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَقامِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ فَإنَّ هَذِهِ
صفحة 53
كَما سَمِعْتَ لِبَيانِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ مِنهم في الآخِرَةِ بِما أنْكَرُوهُ في الدُّنْيا وتِلْكَ لِبَيانِ الِامْتِنانِ الَّذِي يَسْتَدْعِي شُكْرَ المُنْعِمِ أوْ لِبَيانِ الدَّلائِلِ لِتَصْرِفَهم عَنِ الكُفْرِ.
ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّ أمْرَ إطْلاقِ الإماتَةِ عَلى كِلْتا الإماتَتَيْنِ ظاهِرٌ. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ في اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلى خُرُوجِ الإحْياءِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ الإطْلاقَ عَلَيْهِ أظْهَرُ والمُقابَلَةُ تُنادِي عَلى دُخُولِهِ. ويَكْفِي في الِاعْتِرافِ إثْباتُ إحْياءٍ واحِدٍ مِنهُما غَيْرَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّما قالُوا: ( أحْيَيْتِنا اِثْنَتَيْنِ ) لِأنَّهُما نَوْعانِ إحْياءُ البَعْثِ وإحْياءٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ إحْياءُ البَعْثِ قِسْمانِ إحْياءٌ في القَبْرِ وإحْياءٌ عِنْدَ القِيامِ ولَمْ يَذْكُرْ تَقْسِيمَهُ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِقِسْمَيْهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذِكْرَ الإماتَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي في القَبْرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّقْسِيمَ مَلْحُوظٌ، والمُرادُ التَّعَدُّدُ الشَّخْصِيُّ لا النَّوْعِيُّ نَعَمْ هَذا يَصْلُحُ تَأْيِيدًا لِما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ مِن أنَّ الإحْياءاتِ وإنْ كانَتْ ثَلاثًا إنَّما سَكَتَ عَنِ الثّانِيَةِ لِأنَّها داخِلَةٌ في إحْياءَةِ البَعْثِ قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ ثُمَّ قالَ: وعَلى هَذا فالإماتَةُ عَلى مُخْتارِ جارِ اللَّهِ إماتَةٌ قَبْلَ الحَياةِ وإماتَةٌ بَعْدَها وطُوِيَتْ إماتَةُ القَبْرِ كَما طُوِيَتْ إحْياءَتُهُ ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ الإماتَةَ نَوْعٌ واحِدٌ بِخِلافِ الإحْياءِ فَرُوعِيَ التَّعَدُّدُ فِيها شَخْصًا بِخِلافِهِ، وذَكَرَ الإماتَةَ الثّانِيَةَ لِأنَّها مُنْكَرَةٌ عِنْدَهم كالحَياتَيْنِ، ويَجِبُ الِاعْتِرافُ بِها لا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّعَدُّدَ في الإحْياءِ شَخْصِيٌّ والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ وجْهٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( اِثْنَتَيْنِ ) ظاهِرٌ في المَرَّةِ فَلِذا آثَرَ مَن آثَرَ الوَجْهَ الأوَّلَ وإنْ كانَتِ الإماتَةُ فِيهِ غَيْرَ ظاهِرَةٍ ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ فَتَأمَّلْ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ وذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ فَإحْدى المَوْتَتَيْنِ مَشاهَدٌ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ حَياةٍ أُخْرى في القَبْرِ حَتّى يَصِيرَ المَوْتُ الَّذِي عَقِيبَها مَوْتًا ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ حَياةٍ في القَبْرِ، وأطالَ الكَلامَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ والِانْتِصارِ لَهُ، والمُنْصِفُ يَرى أنَّ عَذابَ القَبْرِ ثابِتٌ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ هَذِهِ الآيَةِ لِقِيامِ الوَجْهِ المَرْوِيِّ عَمَّنْ سَمِعْتَ أوَّلًا فِيها، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ الوَجْهُ لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اخْتِيارَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ لِدَسِيسَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في الآيَةِ أُرِيدَ إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم ثُمَّ إحْياؤُهم وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الإحْياءاتِ ثَلاثٌ، وقَدْ أطْلَقَ فِيهِ الإحْياءَ الثّالِثَ والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ عَنى بِهِ إحْياءَ البَعْثِ، وقِيلَ: التَّثْنِيَةُ في كَلامِهِمْ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [المُلْكَ: 4] مُرادٌ بِها التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ فَكَأنَّهم قالُوا: أمَتَّنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأحْيَيْتَنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلِمْنا عَظِيمَ قُدْرَتِكَ وأنَّهُ لا يَتَعاصاها الإعادَةُ كَما لا يَتَعاصاها غَيْرُها فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا الَّتِي اقْتَرَفْناها مِن إنْكارِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ فَلا عَلَيْكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَوْتَ في صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ الإحْياءَ لِأخْذِ العَهْدِ ثُمَّ الإماتَةَ ثُمَّ الإحْياءَ بِنَفْخِ الرُّوحِ في الأرْحامِ ثُمَّ الإماتَةَ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ في الدُّنْيا ثُمَّ الإحْياءَ في القَبْرِ لِلسُّؤالِ أوْ لِغَيْرِهِ ثُمَّ الإماتَةَ فِيهِ ثُمَّ الإحْياءَ لِلْبَعْثِ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ المَقُولُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ مَثَلًا دُونَ ما في المُنَزَّلِ، فَإنَّ ( اِثْنَتَيْنِ ) فِيهِ وصْفٌ لِإماتَتَيْنِ ولِإحْياءَتَيْنِ وهو دافِعٌ لِاحْتِمالِ إرادَةِ التَّكْثِيرِ كَما قِيلَ في ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْلَ: 51] وبِناءُ الأمْرِ عَلى أنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِن غَرائِبِ ما قِيلَ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الكافِرَ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ فَهُناكَ إماتَةٌ وإحْياءٌ لِلْقَلْبِ والجَسَدِ في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ الآجالِ ثُمَّ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، ومِثْلُ هَذا يُحْكى لِيُطَّلَعَ عَلى حالِهِ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ إلى نَوْعِ خُرُوجٍ مِنَ النّارِ أيْ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ أوْ مِن مَكانٍ مِنها إلى آخَرَ أوْ إلى الدُّنْيا أوْ غَيْرِها
صفحة 54
﴿مِن سَبِيلٍ﴾ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَنَسْلُكُهُ ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ اليَأْسِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ الِاسْتِفْهامَ وإنَّما قالُوهُ مِن فَرْطِ قُنُوطِهِمْ تَعَلُّلًا أوْ تَحَيُّرًا ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِذِكْرِ ما أوْقَعَهم في الهَلاكِ وهو
غافر 40:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ .. إلَخْ. مِن غَيْرِ جَوابٍ عَنِ الخُرُوجِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا وإنْ كانَ الِاسْتِفْهامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ طَلَبُ الخُرُوجِ نَظِيرَ ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السَّجْدَةَ: 12] ونَحْوَهُ لَقِيلَ:
﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ [المُؤْمِنُونَ: 108] أوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَذا قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا طَلَبُوا الرَّجْعَةَ لِيَعْمَلُوا بِمُوجَبِ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ لَكِنْ مَعَ اسْتِبْعادٍ لَها واسْتِشْعارِ يَأْسٍ مِنها والجَوابُ إقْناطٌ لَهم بِبَيانِ أنَّهم كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ فَجُوزُوا بِاسْتِمْرارِ العِقابِ والخُلُودِ في النّارِ كَما يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ تَعالى وذَلِكَ جَوابٌ بِنَفْيِ السَّبِيلِ إلى الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، ولا أرى في هَذا الوَجْهِ بَأْسًا ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ المُتَبادَرُ، والمَعْنى ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ ﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ﴾ أيْ عُبِدَ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا ﴿وحْدَهُ﴾ أيْ مُتَّحِدًا مُنْفَرِدًا فَهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ مُنَكَّرٌ أوْ يُوَحَّدُ وحْدَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى حَدِّ ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: 17] والجُمْلَةُ بِتَمامِها حالٌ أيْضًا حُذِفَتْ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَها، وفِيهِ كَلامٌ آخَرُ مُفَصَّلٌ في الوَفْدَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ.
﴿كَفَرْتُمْ﴾ بِتَوْحِيدِهِ تَعالى أيْ جَحَدْتُمْ وأنْكَرْتُمْ ذَلِكَ ﴿وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ بِالإشْراكِ أيْ تُذْعِنُوا وتُقِرُّوا بِهِ، وفي إيرادِ ( إذا ) وصِيغَةُ الماضِي في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى ( وإنْ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ في الثّانِيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَقْضِي إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ المُتَّصِفُ بِغايَةِ العُلُومِ نِهايَةَ الكِبْرِياءِ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولِذا اشْتَدَّتْ سَطْوَتُهُ بِمَن أشْرَكَ بِهِ واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خُلُودَهُ في النّارِ فَلا سَبِيلَ لِخُرُوجِكم مِنها أبَدًا إذْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ. واسْتِدْلالُ الحَرُورِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ في غايَةِ السُّقُوطِ، ويَكْفِي في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ [النِّساءَ: 35] الآيَةَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائِدَةَ: 95]
غافر 40:13
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ الدّالَّةُ عَلى شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَإذا دُعِيَ سُبْحانَهُ وحْدَهُ تُؤْمِنُوا وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تَكْفُرُوا، وهَذِهِ الآياتُ ما يُشاهَدُ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
﴿ويُنَزِّلُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ ﴿لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ أيْ سَبَبَ رِزْقٍ وهو المَطَرُ، وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الآياتِ لِتَفَرُّدِهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وجَلائِلِ نِعْمَتِهِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإراءَةِ والتَّنْزِيلِ واسْتِمْرارِهِما، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي كالمَرْكُوزَةِ في العُقُولِ لِظُهُورِها المَغْفُولِ عَنْها لِلِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى ﴿إلا مَن يُنِيبُ﴾ يَرْجِعُ عَنِ الإنْكارِ بِالإقْبالِ عَلَيْها والتَّفَكُّرِ فِيها، فَإنَّ الجازِمَ بِشَيْءٍ لا يَنْظُرُ فِيما يُنافِيهِ فَمَن لا يُنِيبُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّذَكُّرِ
غافر 40:14
﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ اعْبُدُوهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ إخْلاصَكم وشَقَّ عَلَيْهِمْ. وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ ( ادْعُوا ) .. إلَخْ. مُسَبَّبٌ عَنِ الإنابَةِ وأنَّ فِيهِ التِفاتًا حَيْثُ قالَ: ثُمَّ قالَ لِلْمُنِيبِينَ
صفحة 55
والأصْلُ فَلْيَدْعُ ذَلِكَ المُنِيبُ، عَلى مَعْنى إنْ صَحَّتِ الإنابَةُ عَلى نَحْوِ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا، وقَدْ وافَقَ عَلى كَوْنِهِ خِطابًا لِمَن ذُكِرَ غَيْرُ واحِدٍ. وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ .. إلَخْ. اعْتِراضٌ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ عَلى أنَّهُ خِطابٌ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لَسَبْقِ ذِكْرِهِما لا لِلْكُفّارِ وحْدَهم عَلى نَحْوِ ﴿مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ إذْ لَيْسَ مِمّا نُودُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى فادْعُوهُ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَتَمَكَّنَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ ولِيُشْعِرَ بِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى هو المَعْبُودَ بِحَقٍّ هو الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ. وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ ودَلالَتَها عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُنِيبُ لا المُعانِدِ.
وقَوْلُهُ في الكَشّافِ: ثُمَّ قالَ لِلْمُنِيبِينَ إشارَةَ أنَّ فائِدَةَ تَقْدِيمِ الِاعْتِراضِ أنَّ الِانْتِفاعَ بِالآياتِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ الإنابَةِ مَعْنى لِما كانَ تَسَبُّبُ السّابِقِ لِلّاحِقِ الإنابَةَ، فَهَذا هو الوَجْهُ ولا يَأْباهُ تَفْسِيرُ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: وإنْ غاظَ ذَلِكَ أعْداءَكم فَإنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ امْتِثالَ ذَلِكَ الأمْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ إنابَتِهِمْ وكَأنَّ قَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وحَصَلَ التَّضادُّ بَيْنَهم وبَيْنَ الكافِرِينَ، وهو تَحْقِيقٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لَكِنْ في تَوْجِيهِ كَلامِ الكَشّافِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ
غافر 40:15
﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أُضِيفَتْ إلى فاعِلِها مِن رَفُعَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ إذا عَلا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ مِن بابِ أسْماءِ الفاعِلِينَ وأُضِيفَ إلى المَفْعُولِ وفِيهِ بُعْدٌ، ( والدَّرَجاتُ ) مَصاعِدُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى أنْ يَبْلُغُوا العَرْشَ أيْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ ومَعارِجِهِمْ إلى عَرْشِهِ.
وفَسَّرَها ابْنُ جُبَيْرٍ بِالسَّماواتِ ولا بَأْسَ بِذَلِكَ فَإنَّ المَلائِكَةَ يَعْرُجُونَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى يَبْلُغُوا العَرْشَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ «رَفِيعًا» اسْمَ فاعِلٍ مُضافًا إلى المَفْعُولِ فَقالَ: أيْ رَفْعُ سَماءٍ فَوْقَ سَماءِ والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ، وقَدْ سَمِعْتَ آنِفًا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، ووَصْفُهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ عَلى عِزَّتِهِ سُبْحانَهُ ومَلَكُوتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ رِفْعَةِ شَأْنِهِ وسُلْطانِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وسُلْطانُهُ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ كِنايَةً عَنْ مُلْكِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ إلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ عَرْشًا أوْ لا، فالكِنايَةُ وإنْ لَمْ تُنافِ إرادَةَ الحَقِيقَةِ لَكِنْ لا تَقْتَضِي وُجُوبَ إرادَتِها فَقَدْ وقَدْ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: أيْ عَظِيمُ الصِّفاتِ وكَأنَّهُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى الكِنائِيِّ، وقِيلَ: هي دَرَجاتُ ثَوابِهِ الَّتِي يُنْزِلُها أوْلِياءَهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ سَلامٍ، وهَذا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ لِتَضَمُّنِهِ ذِكْرَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهُمُ المُنَزَّلُونَ بِالرُّوحِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النَّحْلَ: 2] وأيًّا ما كانَ - فَرَفِيعُ الدَّرَجاتِ - ( وذُو اَلْعَرْشِ ) وجُمْلَةُ ( يُلْقِي ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ قِيلَ: - لِهو - السّابِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ .. إلَخْ. واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ بِطُولِ الفَصْلِ، وقِيلَ: لِهو مَحْذُوفًا، والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ تَعالى، وهي مُتَضَمِّنَةٌ بَيانَ إنْزالِ الرِّزْقِ الرُّوحانِيِّ بَعْدَ بَيانِ إنْزالِ الرِّزْقِ الجُسْمانِيِّ في ( يُنَزِّلُ لَكم مِنَ اَلسَّماءِ رِزْقًا ) فَإنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ الوَحْيُ وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القُرْآنُ وذَلِكَ جارٍ مِنَ القُلُوبِ مَجْرى الرُّوحِ مِنَ الأجْسادِ، وفَسَّرَهُ الضَّحّاكُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ حَياةُ القُلُوبِ بِاعْتِبارِ ما يَنْزِلُ بِهِ مِنَ العِلْمِ.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ قِيلَ: بَيانٌ لِلرُّوحِ، وفُسِّرَ بِما يَتَناوَلُ الأمْرَ والنَّهْيَ، وأُوثِرَ عَلى
صفحة 56
لَفْظِ الوَحْيِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اخْتِصاصَ حَياةِ القُلُوبِ بِالوَحْيِ مِن جِهَتَيِ التَّخَلِّي والتَّحَلِّي الحاصِلَيْنِ بِالِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الأمْرِ بِالقَضاءِ فَجُعِلَتْ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( اَلرُّوحَ ) أيْ ناشِئًا مِن أمْرِهِ أوْ صِفَةً لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ أيِ الكائِنُ مِن أمْرِهِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمَلَكِ وجَعَلَ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أوْ صِفَةً عَلى ما ذُكِرَ آنِفًا، وكَوْنُ المَلَكِ مَبْدَأً لِلْوَحْيِ لِتَلَقِّيهِ عَنْهُ، ومَن فَسَّرَ الرُّوحَ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ( مِن ) سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ - بِيُلْقِي - والمَعْنى يُنَزِّلُ الرُّوحَ مِن أجْلِ تَبْلِيغِ أمْرِهِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهو الَّذِي اصْطَفاهُ سُبْحانَهُ لِرِسالَتِهِ وتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْهِمْ، والِاسْتِمْرارُ التَّجَدُّدِيُّ المَفْهُومُ مِن ( يُلْقِي ) ظاهِرٌ فَإنَّ الإلْقاءَ لَمْ يَزَلْ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى انْتِهاءِ زَمانِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو في حُكْمِ المُتَّصِلِ إلى قِيامِ السّاعَةِ بِإقامَةِ مَن يَقُومُ بِالدَّعْوَةِ عَلى ما رَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِن يُجَدِّدُ لَها دِينَها»» أيْ بِإحْياءِ ما انْدَرَسَ مِنَ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والأمْرِ بِمُقْتَضاهُما، وأمْرُ ذَلِكَ التَّجَدُّدِ عَلى ما جَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ. وقُرِئَ «رَفِيعَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ ( لِيُنْذِرَ ) عِلَّةً لِلْإلْقاءِ، وضَمِيرُهُ المُسْتَتِرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِمَن وهو المُلْقى إلَيْهِ أوْ لِلرُّوحِ أوْ لِلْأمْرِ، وعَوْدُهُ عَلى المُلْقى إلَيْهِ وهو الرَّسُولُ أقْرَبُ لَفْظًا ومَعْنًى لِقُرْبِ المَرْجِعِ وقُوَّةِ الإسْنادِ فَإنَّهُ الَّذِي يُنْذِرُ النّاسَ حَقِيقَةً بِلا واسِطَةٍ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ رُجُوعَهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ مَفْعُولٌ - لِيُنْذِرَ - أوْ ظَرْفٌ والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيْ لِيُنْذِرَ العَذابَ أوْ نَحْوَهُ يَوْمَ التَّلاقِ،
غافر 40:16
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ و( هم ) مُبْتَدَأٌ و﴿بارِزُونَ﴾ خَبَرٌ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِإضافَةِ ( يَوْمَ ) إلَيْها، قِيلَ: وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ مِن جَوازِ إضافَةِ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَإذا إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَحْوَ أجِيئُكَ إذا زِيدٌ ذاهِبٌ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ ويُوجِبُ تَقْدِيرَ فِعْلٍ بَعْدَ الظَّرْفِ يَكُونُ الِاسْمُ مُرْتَفِعًا بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَ ) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ والظّاهِرُ البَدَلِيَّةُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بُرُوزِهِمْ وتَقْرِيرٌ لَهُ وإزاحَةٌ لِما كانَ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ المُتَوَهِّمِينَ في الدُّنْيا مِنَ الِاسْتِتارِ تَوَهُّمًا باطِلًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا - لَهم. .
وقِيلَ: هي حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿بارِزُونَ﴾ و﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: لِالتِقاءِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ فِيهِ. وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: لِالتِقاءِ أهْلِ السَّماءِ وأهْلِ الأرْضِ وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ: لِالتِقاءِ الظّالِمِ والمَظْلُومِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ ذَلِكَ لِالتِقاءِ كُلِّ امْرِئٍ وعَمَلَهُ، واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ ما قالَ مُقاتِلٌ وقالَ: هو أوْلى الوُجُوهِ لِما فِيهِ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى ما ورَدَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ نَحْوَ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ .
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: القَوْلُ الأوَّلُ وهو ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوَّلًا أشْبَهُ لِجَرَيانِ الكَلامِ فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ ونَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ المُساواةِ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ البَدَلَيْنِ بِفائِدَةٍ في التَّهْوِيلِ لِما في الأوَّلِ مِن تَصْوِيرِ تَلاقِي الخَلائِقِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، وفي الثّانِي مِنَ البُرُوزِ لِمالِكِ أمْرِها بُرُوزًا لا يَبْقى لِأحَدٍ فِيهِ شُبْهَةٌ. وأمّا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكَهْفَ: 110] فَمَسُوقٌ بِمَعْنًى آخَرَ، ( وبارِزُونَ ) مِن بَرَزَ وأصْلُهُ حَصَلَ في بِرازٍ أيْ
صفحة 57
فَضاءٍ، والمُرادُ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ لِأنَّ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ قاعٌ صَفْصَفٌ ولَيْسَ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ كَما جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّكم مُلاقُو اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا»» وقِيلَ: المُرادُ خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ أوْ ظاهِرَةٌ أعْمالُهم وسَرائِرُهم، وقِيلَ: ظاهِرَةٌ نُفُوسُهم لا تُحْجَبُ بِغَواشِي الأبْدانِ مَعَ تَعَلُّقِها بِها، ولا يُقْبَلُ هَذا بِدُونِ ثَبْتٍ مِنَ المَعْصُومِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( مِنهم ) عَلى ما قِيلَ: مِن أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ.
وقِيلَ: مِن أعْيانِهِمْ، واخْتِيرَ التَّعْمِيمُ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ شَيْءٌ ما مِن أعْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ «لِيُنْذِرَ يَوْمُ» بِبِناءِ يُنْذِرَ لِلْفاعِلِ ورَفْعِ يَوْمٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ «لِيُنْذَرَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «يَوْمُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ «لِتُنْذِرَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ فَقِيلَ: الفاعِلُ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الرُّوحِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ حِكايَةً لِما يُسْألُ عَنْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولِما يُجابُ بِهِ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ المُسْتَأْنَفَةِ أوْ مُسْتَأْنَفٌ يَقَعُ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ بُرُوزِهِمْ وظُهُورِ أحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَكُونُ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ﴾ .. إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا ﴿ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ سَرِيعٌ حِسابُهُ إذْ لا يَشْغَلُهُ سُبْحانَهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيَصِلُ إلى المُحاسَبِ مِنَ النُّفُوسِ ما يَسْتَحِقُّهُ سَرِيعًا. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَعالى إذا أخَذَ في حِسابِهِمْ لَمْ يُقِلْ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا فِيها ولا أهْلُ النّارِ إلّا فِيها مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ إجْمالِ فِيهِ، والتَّذْيِيلُ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ.
والمُنادِي بِذَلِكَ سُؤالًا وجَوابًا واحِدٌ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها قَطُّ ولَمْ يُخْطَأْ فِيها فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَؤُونَ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ»» الحَدِيثَ، وهو عِنْدَ الحَسَنِ اللَّهُ نَفْسُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مَلَكٌ، وقِيلَ: السّائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ مَلَكٌ والمُجِيبُ النّاسُ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ تَقْرِيرًا لِعِبارَةِ الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى﴾ .. إلَخْ. تَعْلِيلٌ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا سَألَ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ وأجابَ هو سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ كانَ المَقامُ مَوْقِعَ السُّؤالِ وطَلَبَ التَّعْلِيلِ
غافر 40:17
﴿اليَوْمَ تُجْزى﴾ جَوابًا عَنْهُ يَعْنِي إنَّما اخْتَصَّ المُلْكُ بِهِ تَعالى لِأنَّهُ وحْدَهُ يَقْدِرُ عَلى مُجازاةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ولَهُ العَدْلُ التّامُّ فَلا يَظْلِمُ أحَدًا ولَهُ التَّصَرُّفُ فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُسْرِعُ الحِسابَ، ولَوْ أوْقَعَ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ جَوابًا عَنْ أهْلِ المَحْشَرِ لَمْ يَحْسُنْ هَذا الِاسْتِئْنافُ. انْتَهى. وفِيهِ ما فِيهِ.
والحَقُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ .. إلَخْ. إنْ كانَ مِن كَلامِ المُجِيبِ كَما هو ظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعُدَ أنْ يَكُونَ مِنَ النّاسِ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ لا يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ بَلْ هو حِكايَةٌ لِما سَيَقُولُهُ تَعالى في ذَلِكَ
صفحة 58
اليَوْمِ عَقِيبَ السُّؤالِ والجَوابِ. وأيًّا ما كانَ فَتَخْصِيصُ المُلْكِ بِهِ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى ظاهِرِ الحالِ مِن زَوالِ الأسْبابِ وارْتِفاعِ الوَسائِطِ وظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ. وأمّا حَقِيقَةُ الحالِ فَناطِقَةٌ بِذَلِكَ دائِمًا. وذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ إلى أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ مِنهُ تَعالى ويَكُونانِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ حِينَ يُفْنِي عَزَّ وجَلَّ الخَلائِقَ. ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ ويَنْزِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ» والسِّياقُ ظاهِرٌ في أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلَعَلَّهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الحَدِيثِ يَكُونُ مَرَّتَيْنِ. ومَعْنى جَزاءِ النُّفُوسِ بِما كَسَبَتْ أنَّها تُجْزى خَيْرًا إنْ كَسَبَتْ خَيْرًا وشَرًّا إنْ كَسَبَتْ شَرًّا. وقِيلَ: إنَّ النُّفُوسَ تَكْتَسِبُ بِالعَقائِدِ والأعْمالِ هَيْئاتٍ تُوجِبُ لَذَّتَها وألَمَها لَكِنَّها لا تَشْعُرُ بِها في الدُّنْيا فَإذا قامَتْ قِيامَتُها وزالَتِ العَوائِقُ أدْرَكَتْ ألَمَها ولَذَّتَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِاللَّذَّةِ والألَمِ الرُّوحانِيَّيْنِ ونَحْنُ لا نُنْكِرُ حُصُولَهُما يَوْمَئِذٍ لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ الجَزاءَ لا يَنْحَصِرُ بِهِما بَلْ يَكُونُ أيْضًا بِلَذَّةٍ وألَمٍ جُسْمانِيَّيْنِ. فالِاقْتِصارُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ قُصُورٌ.
غافر 40:18
﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، ومَعْنى ( اَلْآزِفَةِ ) القَرِيبَةِ يُقالُ: أزِفَ الشُّخُوصُ إذا قَرُبَ وضاقَ وقْتُهُ، فَهي في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ ثُمَّ نُقِلَتْ مِنهُ وجُعِلَتِ اسْمًا لِلْقِيامَةِ لِقُرْبِها بِالإضافَةِ لِما مَضى مِن مُدَّةِ الدُّنْيا أوْ لِما بَقِيَ فَإنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ باقِيَةً عَلى الأصْلِ فَتَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ أيِ السّاعَةُ الآزِفَةُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَوْصُوفَةَ الخُطَّةَ بِضَمِّ الخاءِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ المُهْمَلَةِ وهي القِصَّةُ والأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُخَطَّ ويُكْتُبَ لِغَرابَتِهِ، ويُرادُ بِذَلِكَ ما يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأُمُورِ الصَّعْبَةِ وقُرْبُها لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا أوْ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ.
ورَجَّحَ بِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ التَّكْرارِ وأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ ووَصْفُ القُرْبِ مِنهُ أظْهَرُ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ اَلْآزِفَةِ والحَناجِرِ ) جَمْعُ حَنْجَرَةٍ أوْ حُنْجُورٍ كَحُلْقُومٍ لَفْظًا ومَعْنى وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: رَأسُ الغَلْصَمَةِ مِن خارِجٍ وهي لُحْمَةٌ بَيْنَ الرَّأْسِ والعُنُقِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ فَرْطِ التَّألُّمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ وتَبْلُغُ قُلُوبُ الكُفّارِ حَناجِرَهم يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَمُوتُونَ كَما لَوْ كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى فَإنَّ ذِكْرَ القُلُوبِ يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ أصْحابِها فَهو مِن بابِ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ [الحِجْرَ: 47] فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ عَلَيْها، وهو مِن كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها وسَدَّ فاها، فالمَعْنى مُمْسِكِينَ أنْفُسَهم عَلى قُلُوبِهِمْ لِئَلّا تَخْرُجَ مَعَ النَّفْسِ فَإنَّ كاظِمَ القِرْبَةِ كاظِمٌ عَلى الماءِ مُمْسَكُها عَلَيْهِ لِئَلّا يَخْرُجَ امْتِلاءً. وفِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ( اَلْقُلُوبُ ) المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ أعْنِي ﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ وعَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ كَوْنُهُ حالًا مِن ( اَلْقُلُوبُ ) نَفْسِها.
وجَمَعَ جَمْعَ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهم لِوَصْفِها بِصِفَتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشُّعَراءَ: 4] والمَعْنى حالَ كَوْنِ القُلُوبِ كاظِمَةً عَلى الغَمِّ والكَرْبِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ ظَرْفَ ﴿كاظِمِينَ﴾
صفحة 59
لِفَسادِ المَعْنى والحاجَةِ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مَعَ الغِنى عَنْهُ، وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ كاظِمُونَ لِلْأوَّلِ فَقَطْ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ خَبَرًا وكاظِمُونَ خَبَرًا آخَرَ وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ كَوْنُ الحالِ مِنَ القُلُوبِ، وقَدَّرَ الكَواشِيُّ هم كاظِمُونَ لِيُوافِقَ وجْهَ الحالِيَّةِ مِنَ الأصْحابِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن مَفْعُولِ ( أنْذِرْهم ) أيْ أنْذِرْهم مُقَدِّرًا كَظْمَهم أوْ مُشارِفِينَ الكَظْمَ.
﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ قَرِيبٍ مُشْفِقٍ مَنِ احْتَمَّ فُلانٌ لِفُلانٍ احْتَدَّ فَكَأنَّهُ الَّذِي يَحْتَدُّ حِمايَةً لِذَوِيهِ ويُقالُ لِخاصَّةِ الرَّجُلِ حامَّتُهُ ومِن هُنا فُسِّرَ الحَمِيمُ بِالصَّدِيقِ ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أيْ ولا شَفِيعٌ يَشْفَعُ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ رَفْعٍ صِفَةٌ ( شَفِيعٍ ) والمُرادُ نَفْيُ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ لا الصِّفَةُ فَقَطْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ثَمَّ شَفِيعًا لَكِنْ لا يُطاعُ فالكَلامُ مِن بابِ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى نَفْعِ الشَّفِيعِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ ما ضَمَّ لِيُقامَ انْتِفاءُ المَوْصُوفِ مَقامَ الشّاهِدِ عَلى انْتِفاءِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّمُّ إزالَةً لِتَوَهُّمِ وُجُودِ المَوْصُوفِ حَيْثُ جَعَلَ انْتِفاؤُهُ أمْرًا مُسَلَّمًا مَشْهُورًا لا نِزاعَ فِيهِ لِأنَّ الدَّلِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوْضَحَ مِنَ المَدْلُولِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن عاتَبَكَ عَلى القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ ما لِي فَرَسٌ أرْكَبُهُ وما مَعِي سِلاحٌ أُحارِبُ بِهِ فَلْيُفَهْمْ، والضَّمائِرُ المَذْكُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهُمْ﴾ إلى هُنا إنْ كانَتْ لِلْكُفّارِ كَما هو الظّاهِرُ فَوَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وإنْ كانَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ فَلَيْسَ هَذا مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وإنَّما هو بَيانُ حُكْمٍ لِلظّالِمِينَ بِخُصُوصِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ وهُمُ الكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: 13]
غافر 40:19
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ أيِ النَّظْرَةَ الخائِنَةَ كالنَّظْرَةِ إلى غَيْرِ المَحْرَمِ واسْتِراقِ النَّظَرِ إلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ - فَخائِنَةُ - صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وجَعْلُ النَّظْرَةِ خائِنَةً إسْنادٌ مَجازِيٌّ أوِ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِجَعْلِ النَّظَرِ بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ يُسْرَقُ مِنَ المَنظُورِ إلَيْهِ ولِذا عَبَّرَ فِيهِ بِالِاسْتِراقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خائِنَةٌ مَصْدَرًا كالكاذِبَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ خِيانَةَ الأعْيُنِ، وقِيلَ: هو وصْفٌ مُضافٌ إلى مَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ:
وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسِقِينا
أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ ولا يَحْسُنُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أيْ والَّذِي تُخْفِيهِ الصُّدُورُ مِنَ الضَّمائِرِ أوْ إخْفاءُ الصُّدُورِ لِما تُخْفِيهِ مِن ذَلِكَ لِأنَّ المُلاءَمَةَ واجِبَةُ الرِّعايَةِ في عِلْمِ البَيانِ ومُلائِمُ الأعْيُنِ الخائِنَةِ الصُّدُورُ المُخْفِيَةُ، وما قِيلَ في عَدَمِ حُسْنِ ذَلِكَ مِن أنَّ مَقامَ المُبالَغَةِ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ اسْتِراقُ العَيْنِ ضُمَّ إلَيْهِ هَذِهِ القَرِينَةُ أوَّلًا فَغَيْرُ قادِحٍ في التَّعْلِيلِ المَذْكُورِ إذْ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ عَلى مَطْلُوبٍ دَلائِلُ ثُمَّ لَوْلا القَرِينَةُ لَجازَ أنْ تَجْعَلَ الأعْيُنَ تَمْهِيدًا لِلْوَصْفِ فالقَرِينَةُ هي المانِعَةُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما في الكَشّافِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ الكَلامِ خَبَرٌ مِن أخْبارِ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ عَلى مَعْنى هو الَّذِي يُرِيكم.. إلَخْ. وهو يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ تَعْلِيلًا لِنَفْيِ الشَّفاعَةِ عَلى مَعْنى ما لَهم مِن شَفِيعٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ مِنهُمُ الخِيانَةَ سِرًّا وعَلانِيَةً قِيلَ: لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِنَفْيِها بَلْ لِنَفْيِ قَبُولِها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو العالِمُ لا الشَّفِيعُ والمَقْصُودُ نَفْيُ الشَّفاعَةِ، ووَجْهُ تَقْرِيرِ هَذا الخَبَرِ في هَذا المَوْضِعِ ما فِيهِ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى ذَمِّ آلِهَتِهِمْ مَعَ أنَّ تَقْدِيمَهُ عَلى ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ لا وجْهَ لَهُ لِتَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ أشَدَّ التَّعَلُّقِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وكَذَلِكَ عَلى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ لِاتِّصالِهِ بِالسّابِقِ وأمْرِ المُنِيبِينَ بِالإخْلاصِ ولِما فِيهِ مِنَ النَّبْوِ مِن تَوْسِيطِ المُنْكَرِ الفِعْلِيِّ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ المُعَرَّفِ الِاسْمِيِّ، وأمّا تَوْسِيطُهُ بَيْنَ القَرائِنِ الثَّلاثِ فَبَيْنَ العَصا
صفحة 60
ولِحائِها فَلا مَوْضِعَ لَهُ أحَقُّ مِن هَذا ولا يَضُرُّ البُعْدُ اللَّفْظِيُّ في مِثْلِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وظَنَّ بَعْضُهم ضَرَرَهُ فَمِنهم مَن قالَ: الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ ( عَزَّ ) عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ إلى آخِرِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِإنْذارِ ذَلِكَ اليَوْمِ وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ وذَكَرَ تَعالى أنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيَهُ مِن ذَلِكَ ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا اطِّلاعَهُ عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ وأنَّهُ مُجازى بِما عَمِلَ لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَيّانَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ تَعالى لِلْخَلْقِ إنَّما هي لِعِلْمِهِ تَعالى الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ، وحَكى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ فِرْقَةٍ أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ ويُضْعِفُهُ البُعْدُ وكَثْرَةُ الحائِلِ، وجَعَلَها بَعْضٌ مُتَّصِلَةً بِنَفْيِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فَإنَّ ﴿يُطاعُ﴾ المَنفِيَّ بِمَعْنى تَقَبُّلِ شَفاعَتِهِ عَلى أنَّها تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ أيْ لا تُقْبَلُ شَفاعَةُ شَفِيعٍ لَهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ مِنهُ الخِيانَةَ سِرًّا وعَلانِيَةً ولَيْسَتْ تَعْلِيلًا لِنَفْيِ الشَّفاعَةِ لِيَرُدَّ ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولَعَمْرِي إنَّ جارَ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا يُجارى.
غافر 40:20
﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ والَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَقْضِي قَضاءً مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ لِاسْتِغْنائِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الظُّلْمِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلتَّقْوى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَصْرِ وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ والإتْيانِ بِالِاسْمِ الجامِعِ عَقِيبَ ذِكْرِ الأوْصافِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن إرادَةِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ تَهَكُّمٌ بِآلِهَتِهِمْ لِأنَّ الجَمادَ لا يُقالُ فِيهِ يَقْضِي أوْ لا يَقْضِي، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ المُشاكَلَةِ وأصْلُهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، واخْتِيرَ الأوَّلُ قِيلَ لِأنَّ التَّهَكُّمَ أبْلَغُ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ الِاسْتِدْلالَ عَلى عَدَمِ صَلاحِيَّتِهِمْ لِلْإلَهِيَّةِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ. وهِشامٌ «تَدْعُونَ» بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ قُلْ فَلا يَكُونُ التِفاتًا وإنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالغَيْبَةِ قَبْلَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ مَبْنِيٍّ عَلى خِطابِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِخائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ بِالحَقِّ ووَعِيدٌ لَهم عَلى ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِحالِ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القاضِيَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا
غافر 40:21
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ ما حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهم كَعادٍ. وثَمُودَ، و( يَنْظُرُوا ) مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَسِيرُوا )، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا في جَوابِ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ:
ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرْكَ الرُّسُومُ
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِأنْ لَمْ يَسِيرُوا يَنْظُرُوا. وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيٌّ وهو في مَعْنى النَّفْيِ فَيَكُونُ جَوابَ نَفْيِ النَّفْيِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قُدْرَةً وتَمَكُّنًا مِنَ التَّصَرُّفاتِ، والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ ولا يَتَعَيَّنُ وُقُوعُهُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ فَقَدْ أجازَ الجُرْجانِيُّ وُقُوعَ المُضارِعِ بَعْدَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البُرُوجَ: 13] نَعَمِ الأصْلُ الأكْثَرُ فِيهِ ذَلِكَ، عَلى أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ الواقِعِ بَعْدَهُ مِنَ الدّاخِلَةِ عَلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ مُضارِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ لَفْظًا في عَدَمِ دُخُولِ ألْ عَلَيْهِ ومَعْنى لِأنَّ المُرادَ بِهِ الأفْضَلُ بِاعْتِبارِ أفْضَلِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
صفحة 61
وجُمْلَةُ ( كانُوا ) .. إلَخْ. مُسْتَأْنَفَةٌ في جَوابِ كَيْفَ صارَتْ أُمُورُهم. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «مِنكم» بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى قُوَّةٍ أيْ وأشَدَّ آثارًا في الأرْضِ مِثْلَ القِلاعِ المُحْكَمَةِ والمَدائِنِ الحَصِينَةِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمٍ مِنهم أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى ( أشَدَّ ) بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ وأكْثَرَ آثارًا فَتَشْمَلُ الآثارَ القَوِيَّةَ وغَيْرَها، وهو ارْتِكابُ خِلافِ المُتَبادَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآثارِ آثارُ أقْدامِهِمْ في الأرْضِ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهُ مِنَ واقٍ﴾ أيْ ولَيْسَ لَهم واقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقِيهِمْ ويَمْنَعُ عَنْهم عَذابَهُ تَعالى أبَدًا، فَكانَ لِلِاسْتِمْرارِ والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ، ومِنَ الثّانِيَةِ زائِدَةٌ ومِنَ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بَواقٍ، وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ والفاصِلَةِ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى قِيلَ: لَمْ يَقَعْ مُقَطِّعًا لِلْفَواصِلِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنَ الأُولى لِلْبَدَلِيَّةِ أيْ ما كانَ لَهم بَدَلًا مِنَ المُتَّصِفِ بِصِفاتِ الكَمالِ واقٍ وأُرِيدَ بِذَلِكَ شُرَكاؤُهم، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأخْذَ في غايَةِ العُنْفِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَبْتَدِئْ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ واقِيَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهم باقِيَةٌ
غافر 40:22
﴿ذَلِكَ﴾ الأخْذُ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ والأحْكامِ الواضِحَةِ ﴿فَكَفَرُوا﴾ رَيْثَما أتَتْهم رُسُلُهم بِذَلِكَ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ مُتَمَكِّنٌ مِمّا يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ غايَةَ التَّمَكُّنِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يُعْتَدُّ بِعِقابٍ عِنْدَ عِقابِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا بَيانٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ إنْ كانَتِ الباءُ هُناكَ سَبَبِيَّةً وبَيانٌ لِسَبَبِ الأخْذِ إنْ كانَتْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ أخْذُهم مُلابِسِينَ لِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها فَتَأمَّلْ
غافر 40:23
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حُجَّةٌ قاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ قِيلَ ما أُرِيدَ بِالآياتِ ونُزِّلَ تَغايُرُ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتَيْنِ فَعُطِفَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ بَعْضٌ مِن آياتِهِ لَهُ شَأْنٌ كالعَصا، وعُطِفَ عَلَيْها تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ كَما عُطِفَ جِبْرِيلُ ومِيكالُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مِثْلَهُ إنَّما يَكُونُ إذا غُيِّرَ الثّانِي بِعَلَمٍ أوْ نَحْوِهِ أمّا مَعَ إبْهامِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ حُجَجُ التَّوْحِيدِ وبِالسُّلْطانِ المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ الآياتُ المُعْجِزاتُ والسُّلْطانُ ما أُوتِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القُوَّةِ القُدُسِيَّةِ وظُهُورُها بِاعْتِبارِ ظُهُورِ آثارِها مِنَ الإقْدامِ عَلى الدَّعْوَةِ مِن غَيْرِ اكْتِراثٍ. وقَرَأ عِيسى «سُلُطانٍ» بِضَمِّ اللّامِ
غافر 40:24
﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ وزِيرِ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ اليَهُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ وزِيرٌ يُدْعى هامانَ وإنَّما هامانُ ظالِمٌ جاءَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ نَفْيٌ جاءَهم مِنَ اخْتِلالِ أمْرِ كُتُبِهِمْ وتَوارِيخِ فِرْعَوْنَ لِطُولِ العَهْدِ وكَثْرَةِ المِحَنِ الَّتِي ابْتُلُوا بِها فاضْمَحَلَّتْ مِنها أنْفُسُهم وكُتُبُهم.
﴿وقارُونَ﴾ قِيلَ هو الَّذِي كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو غَيْرُهُ وكانَ مُقَدَّمُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، وذِكْرُهُما مِن بَيْنَ أتْباعِ فِرْعَوْنَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ وكَوْنِهِما أشْهَرَ الأتْباعِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ الإرْسالِ إلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ وتَفْصِيلِ ما جَرى تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيانٌ لِعاقِبَةِ مَن هو أشَدُّ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلُ وأقْرَبُهم زَمانًا ولِذا خُصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ، ولا بُعْدَ في كَوْنِ فِرْعَوْنَ
صفحة 62
وجُنُودِهِ أشَدَّ مِن عادٍ ﴿فَقالُوا ساحِرٌ﴾ أيْ هو يَعْنُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ساحِرٌ فِيما أظْهَرَ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿كَذّابٌ﴾ في دَعْواهُ أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ
غافر 40:25
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وبَلَغَهم أمْرُ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِقَوْلِهِمْ ساحِرٌ كَذّابٌ ﴿قالُوا﴾ غَيْظًا وحَنَقًا وعَجْزًا عَنِ المُعارَضَةِ ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ أيْ أعِيدُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ بِهِمْ أوَّلًا كَيْ تَصُدُّوهم عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فالأمْرُ بِالقَتْلِ والِاسْتِحْياءِ وقَعَ مَرَّتَيْنِ. المَرَّةُ الأُولى حِينَ أخْبَرَتِ الكَهَنَةُ والمُنَجِّمُونَ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ بِمَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَسْلُبُهُ مُلْكَهُ، والمَرَّةُ الثّانِيَةُ هَذِهِ، وضَمِيرُ ( قالُوا ) لِفِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّ قارُونَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ هَذِهِ المَقالَةَ لَكِنَّهم غَلَبُوا عَلَيْهِ ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ في ضَياعٍ مِن ضَلَّتِ الدّابَّةُ إذا ضاعَتْ، والمُرادُ أنَّهُ لا يُفِيدُهم شَيْئًا فالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أوْ لِلْجِنْسِ والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأباطِيلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ بُطْلانِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإبْراقِ والإرْعادِ واضْمِحْلالِهِ بِالمَرَّةِ.
غافر 40:26
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ وهو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ وما هو إلّا ساحِرٌ يُقاوِمُهُ ساحِرٌ مِثْلُهُ وأنَّكَ إذا قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَيْقَنَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ ولَكِنْ كانَ فِيهِ خَبٌّ وجَرْبَزَةٌ وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحْسَنَ مِنهُ بِأنَّهُ الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي﴾ .. إلَخْ. كانَ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ لِأنَّ ظاهِرَهُ الِاسْتِهانَةُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُعائِهِ رَبَّهُ سُبْحانَهُ كَما يُقالُ: ادْعُ ناصِرَكَ فَإنِّي مُنْتَقِمٌ مِنكَ، وباطِنُهُ أنَّهُ كانَ يَرْعُدُ فَرائِصُهُ مِن دُعاءِ رَبِّهِ فَلِهَذا تَكَلَّمَ بِهِ أوَّلَ ما تَكَلَّمَ وأظْهَرَ أنَّهُ لا يُبالِي بِدُعاءِ رَبِّهِ وما هو إلّا كَمَن قالَ: ذَرُونِي أفْعَلْ كَذا وما كانَ فَلْيَكُنْ وإلّا فَما لِمَن يَدَّعِي أنَّهُ رَبُّهم إلّا عَلى أنْ يَجْعَلَ لِما يَدَّعِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وزْنًا فَيَتَفَوَّهُ بِهِ تَهَكُّمًا أوْ حَقِيقَةً ﴿إنِّي أخافُ﴾ إنْ لَمْ أقْتُلْهُ ﴿أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أنْ يُغَيِّرَ حالَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِي وعِبادَةِ الأصْنامِ وكانَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ قَدْ أمَرَهم بِنَحْتِها وأنْ تُجْعَلَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ كَما كانَ كُفّارُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يُونُسَ: 18] ولِهَذا المَعْنى أضافُوا الآلِهَةَ إلَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعْرافَ: 127] فَهي إضافَةُ تَشْرِيفٍ واخْتِصاصٍ وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الدِّينُ السُّلْطانُ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
لَئِنْ حَلَلْتَ بِحَيٍّ مِن بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
أيْ إنِّي أخافُ أنْ يُغَيِّرَ سُلْطانَكم ويَسْتَذِلَّكم ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ﴾ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَغْيِيرِ دِينِكم بِالكُلِّيَّةِ ﴿فِي الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا فالفَسادُ الَّذِي عَناهُ فَسادُ دُنْياهم، فَيَكُونُ حاصِلُ المَعْنى عَلى ما قَرَّرَ أوَّلًا إنِّي أخافُ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْكم
صفحة 63
أمْرَ دِينِكم بِالتَّبْدِيلِ أوْ يُفْسِدَ عَلَيْكم أمْرَ دُنْياكم بِالتَّعْطِيلِ وهُما أمْرانِ كُلٌّ مِنهُما مُرٌّ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ عَلى المَعْنى الثّانِي لِلدِّينِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّعِينَ عَنى بِالفَسادِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى: وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو «وأنْ» الواوُ الواصِلَةُ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ ( يُظْهِرَ ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ «( يَظَّهَّرُ )» بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يُظْهَرُ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ.
غافر 40:27
﴿وقالَ مُوسى﴾ لَمّا سَمِعَ بِما أجْراهُ اللَّعِينُ مِن حَدِيثِ قَتْلِهِ ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا بِهِ قَوْمَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ السّابِقُ مِن فِرْعَوْنَ خِطابًا لِقَوْمِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِشارَةِ وإجالَةِ الرَّأْيِ لا بِمَحْضَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الظّاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا خاطَبَ قَوْمَهُ لا فِرْعَوْنَ وحاضِرِيهِ بِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: في [الأعْرافِ: 128] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ( ورَبِّكم ) فَإنَّ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ لا يَعْتَقِدُونَ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى وارِدَةً أنَّهُ تَعالى كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَضُرُّ في كَوْنِهِ مُؤَيَّدًا لِأنَّ التَّأْيِيدَ مَدارُهُ الظّاهِرُ، وصُدِّرَ الكَلامُ بِإنَّ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّبَبَ المُؤَكَّدَ في دَفْعِ الشَّرِّ هو العِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وخُصَّ اسْمُ الرَّبِّ لِأنَّ المَطْلُوبَ هو الحِفْظُ، والتَّرْبِيَةُ وأضافَهُ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ حَثًّا لَهم عَلى مُوافَقَتِهِ في العِياذِ بِهِ سُبْحانَهُ والتَّوَجُّهِ التّامِّ بِالرُّوحِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِما في تَظاهُرِ الأرْواحِ مِنَ اسْتِجْلابِ الإجابَةِ، وهَذا هو الحِكْمَةُ في مَشْرُوعِيَّةِ الجَماعَةِ في العِباداتِ، ( ومِن كُلِّ ) عَلى مَعْنى مِن شَرِّ كُلٍّ وأرادَ بِالتَّكَبُّرِ الِاسْتِكْبارَ عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ وهو أقْبَحُ اسْتِكْبارٍ وأدَلُّهُ عَلى دَناءَةِ ومَهانَةِ نَفْسِهِ وعَلى فَرْطِ ظُلْمِهِ وعَسْفِهِ، وضُمَّ إلَيْهِ عَدَمُ الإيمانِ بِيَوْمِ الجَزاءِ لِيَكُونَ أدَلَّ وأدَلَّ، فَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ التَّكَبُّرُ والتَّكْذِيبُ بِالجَزاءِ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِالعاقِبَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ أسْبابَ القَسْوَةِ والجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعِبادِهِ ولَمْ يَتْرُكْ عَظِيمَةً إلّا ارْتَكَبَها، واخْتِيرَ المُنَزَّلُ دُونَ مِنهُ سُلُوكًا لِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ لِأنَّهُ كَلامٌ وارِدٌ في عَرْضِهِمْ فَلا يَلْبَسُونَ جِلْدَ النَّمِرِ إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ الِاسْتِعاذَةِ ورِعايَةِ حَقِّ تَرْبِيَةِ اللَّعِينِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «عُتُّ» بِإدْغامِ الذّالِ المُعْجَمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها تاءً
غافر 40:28
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قِيلَ كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وقِيلَ: كانَ غَرِيبًا لَيْسَ مِنَ الفِئَتَيْنِ، ووَصْفُهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِكَوْنِهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِ دُخُولِهِ في زُمْرَتِهِمْ وإظْهارِ أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ ومِلَّتِهِمْ تَقِيَّةً وخَوْفًا، ويُقالُ نَحْوُ هَذا في الإضافَةِ في مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الواقِعِ في عِدَّةِ أخْبارٍ، وقِيلَ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ أيْ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، ولا بَأْسَ عَلى هَذا في الوَقْتِ عَلى مُؤْمِنٍ. واعْتُرِضَ بِأنَّ كَتْمَ يَتَعَدّى بِنَفَسِهِ دُونَ مِن فَيُقالُ: كَتَمْتُ فُلانا كَذا دُونَ كَتَمْتُ مِن فُلانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءَ: 42] وقالَ الشّاعِرُ:
كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرا وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووَرْدُ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
وأرادَ عَلى ما في البَحْرِ كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ، وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِتَعَدِّيهِ بِمِن أيْضًا قالَ
صفحة 64
فِي المِصْباحِ كَتَمَ مِن بابِ قَتَلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ويَجُوزُ زِيادَةُ مِن في المَفْعُولِ الأوَّلِ فَيُقالُ: كَتَمْتُ مِن زَيْدٍ الحَدِيثَ كَما يُقالُ: بِعْتُهُ الدّارَ وبِعْتُها مِنهُ. نَعَمْ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ بَلِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِرَجُلٍ، والظّاهِرُ عَلى هَذا كَوْنُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ حَقِيقَةً وفي كَلامِهِ المَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ واسْمُهُ قِيلَ: شَمْعانُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: خِرْبِيلُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ، وقِيلَ: حِزْبِيلُ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وزايٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: حَبِيبٌ.
وقَرَأ عِيسى وعَبْدُ الوارِثِ وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «رَجْلٌ» بِسُكُونِ الجِيمِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا﴾ أيْ أتَقْصُدُونَ قَتْلَهُ فَهو مَجازٌ ذُكِرَ فِيهِ المُسَبَّبُ وأُرِيدَ السَّبَبُ، وكَوْنُ الإنْكارِ لا يَقْتَضِي الوُقُوعَ لا يُصَحِّحُهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ لِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ الشّاهِدَةَ عَلى صِدْقِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، والِاسْتِدْلالاتِ الكَثِيرَةِ وجَمْعُ المُؤَنَّثِ السّالِمِ وإنْ شاعَ أنَّهُ لِلْقِلَّةِ لَكِنَّهُ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ يُفِيدُ الكَثْرَةَ بِمَعُونَةِ المَقامِ. والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وهَذا إنْكارٌ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم شَدِيدٌ كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ مَعَ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مِن عِنْدِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ، وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ وفي ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ - إلى - ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ وهي أنَّ مَن يَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ أوْ فُلانٌ لا يَقْتَضِي أنْ يُقابَلَ بِالقَتْلِ كَما لا تُقابَلُونَ بِالقَتْلِ إذا قُلْتُمْ: رَبُّنا فِرْعَوْنُ كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ رَبَّهُ مَن هو رَبُّكم فَكانَ عَلَيْكم بِأنْ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ لا أنْ تَخْذُلُوهُ وتَقْتُلُوهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( أنْ يَقُولَ ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقْتَ أنْ يَقُولَ فَحُذِفَ الظَّرْفُ فانْتَصَبَ المُضافُ إلَيْهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ، والمَعْنى أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القائِمَ مَقامَ الظَّرْفِ لا يَكُونُ إلّا المَصْدَرَ الصَّرِيحَ كَجِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ أوْ ما كانَ بِما الدَّوامِيَّةِ دُونَ الغَيْرِ الصَّرِيحِ كِجِئْتُ أنْ صاحَ أوْ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وفِيهِ إنَّ ابْنَ جِنِّيٍّ كالزَّمَخْشَرِيِّ صَرَّحَ بِالجَوازِ وكُلٌّ إمامٌ. ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ احْتاطَ لِنَفْسِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْرِفَ اللَّعِينُ حَقِيقَةَ أمْرِهِ فَيَبْطِشَ بِهِ فَتَلَطَّفَ في الِاحْتِجاجِ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم بِهِ أوْ يَعِدِكُمُوهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ فَإنَّهُ إذا حَذَّرَهم مِن إصابَةِ البَعْضِ أفادَ أنَّهُ مَهْلَكٌ مَخُوفٌ فَما بالُ الكُلِّ وإظْهارٌ لِلْإنْصافِ وعَدَمِ التَّعَصُّبِ ولِذا قَدَّمَ احْتِمالَ كَوْنِهِ كاذِبًا، وقِيلَ: المُرادُ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو بَعْضُ مَواعِيدِهِ كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما هو أظْهَرُ احْتِمالًا عِنْدَهم، وقِيلَ: بَعْضٌ بِمَعْنى كُلٍّ وأنْشَدُوا لِذَلِكَ قَوْلَ عَمْرٍو القَطامِيِّ:
قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( بَعْضُ ) فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ إلْزامُ الحُجَّةِ وإبانَةُ فَضْلِ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ فالبَيْتُ كالآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأنْشَدُوا لِمَجِيءِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
صفحة 65
ولا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَ البَعْضَ بِالكُلِّ أيْضًا وأنْشَدَ قَوْلَ لَبِيدٍ:
تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
حُمِلَ البَيْتُ عَلى مَعْنى لا أزالُ أنْتَقِلُ في البِلادِ إلى أنْ لا يَبْقى أحَدٌ أقْصِدُهُ مِنَ العِبادِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ البَعْضَ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِهِ نَفْسُهُ، والمَعْنى لا أزالُ أتْرُكُ ما لَمْ أرْضَهُ مِنَ الأمْكِنَةِ إلّا أنْ أمُوتَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ حَقَّ فِيهِ قَوْلُ المازِنِي في مَسْألَةِ العِلْقى كانَ أجْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الرَّدِّ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيِّناتِ ولَما عَضَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ. وثانِيهِما إنْ كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ المَعْنى الأوَّلَ وأوْهَمَهم أنَّهُ أرادَ الثّانِيَ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهم وعَرَّضَ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مُسْرِفٌ أيْ في القَتْلِ والفَسادِ كَذّابٌ في ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ تَعالى سَبِيلَ الصَّوابِ ومِنهاجَ النَّجاةِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ مَعْنى بِالشَّرْطِيَّةِ الأُولى أوْ بِالثّانِيَةِ أوْ بِهِما
غافر 40:29
﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ غالِبِينَ عالِينَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ في أرْضِ مِصْرَ لا يُقاوِمُكم أحَدٌ في هَذا الوَقْتِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ مِن أخْذِهِ وعَذابِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنْ جاءَنا﴾ أيْ فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِهِ فَإنَّهُ إنْ جاءَنا لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ أحَدٌ، فالفاءُ في - فَمَن -.. إلَخْ فَصَيْحَةٌ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وإنَّما نَسَبَ ما يَسُرُّهم مِنَ المُلْكِ والظُّهُورِ في الأرْضِ إلَيْهِمْ خاصَّةً ونَظَمَ نَفْسَهُ في سِلْكِهِمْ فِيما يَسُؤْهم مِن مَجِيءِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وإيذانًا بِأنَّهُ مُناصِحٌ لَهم ساعٍ في تَحْصِيلِ ما يُجْدِيهِمْ ودَفْعِ ما يُرْدِيهِمْ سَعْيُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ لِيَتَأثَّرُوا بِنُصْحِهِ.
﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ بَعْدَ ما سَمِعَ ذَلِكَ ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ أيْ ما أُشِيرُ عَلَيْكم ﴿إلا ما أرى﴾ إلّا الَّذِي أراهُ وأسْتَصْوِبُهُ مِن قَتْلِهِ يَعْنِي لا أسْتَصْوِبُ إلّا قَتْلَهُ وهو الَّذِي تَقُولُونَهُ غَيْرُ صَوابٍ ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ طَرِيقَ الصَّوابِ والصَّلاحِ أوْ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ مِنَ الصَّوابِ ولا أدَّخِرُ مِنهُ شَيْئًا ولا أُسِرُّ عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُ يَعْنِي أنَّ لِسانَهُ وقَلْبَهُ مُتَواطِئانِ عَلى ما يَقُولُ، وقَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ فَقَدْ كانَ مُسْتَشْعِرًا لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ ولَوْلا اسْتِشْعارُهُ لَمْ يَسْتَشِرْ أحَدًا، وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ والحَسَنِ أنَّهُما قَرَآ «( الرَّشّادِ )» بِشَدِّ الشِّينِ عَلى أنَّهُ فَعّالٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن رَشِدَ بِالكَسْرِ كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ أوْ مِن رَشَدَ بِالفَتْحِ كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقِيلَ: هو مِن أرْشَدَ المَزِيدِ كَجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعّالًا لَمْ يَجِئْ مِنَ المَزِيدِ إلّا في عِدَّةِ أحْرُفٍ نَحْوَ جَبّارٍ ودَرّاكٍ وقَصّارٍ وسَآَّرٍ ولا يَحْسُنُ القِياسُ عَلى القَلِيلِ مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ في بَعْضِهِ كَجَبّارٍ سَماعَ الثُّلاثِيِّ فَلا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِنَ المَزِيدِ فَقَدْ جاءَ جَبَرَهُ عَلى كَذا كَأجْبَرَهُ وقَصّارٌ كَجَبّارٍ عِنْدَ بَعْضٍ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِن أقْصَرَ لِمَجِيءِ قَصَرَ عَنِ الشَّيْءِ كَأقْصَرَ عَنْهُ، وحُكِيَ عَنِ الجَوْهَرِيِّ أنَّ الإقْصارَ كَفٌّ مَعَ قُدْرَةٍ والقَصْرُ كَفٌّ مَعَ عَجْزٍ فَلا يَتِمُّ هَذا عَلَيْهِ، وأمّا دَرّاكٌ وسَآَّرٌ فَقَدْ خُرِّجا عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ تَقْدِيرًا لا اسْتِعْمالًا كَما قالُوا: أبَقَلَ المَكانُ فَهو باقِلٌ وأوْرَسَ الرَّمْثُ فَهو وارِسٌ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وعَلى هَذا خُرِّجَ الرَّشادُ فَيَكُونُ مِن رَشَدَ بِمَعْنى أرْشَدَ تَقْدِيرًا لا اسْتِعْمالًا فَإنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ إذا كانَ المَعْنى عَلى أرْشَدَ فَكَيْفَ أجَزْتَ أنْ يَكُونَ مِن رَشِدَ المَكْسُورِ أوْ مِن
صفحة 66
رَشَدَ المَفْتُوحِ ؟ قِيلَ: المَعْنى راجِعٌ إلى أنَّهُ مُرْشِدٌ لِأنَّهُ إذا رَشَدَ أرْشَدَ لِأنَّ الإرْشادَ مِنَ الرَّشَدِ فَهو مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ. انْتَهى. وقِيلَ: أُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الرُّشْدِ تَكُونُ بِالإرْشادِ كَما قَرَّرُوا في قَيُّومٍ وطَهُورٍ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنْ رَشَدَ بِمَعْنى اهْتَدى فالمَعْنى ما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ مَنِ اهْتَدى وعَظُمَ رُشْدُهُ فَلا حاجَةَ إلى ما سَمِعْتَ، وإنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَوْ وجَبَ كَوْنُ المَعْنى ما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ مَن كَثُرَ إرْشادُهُ ومِن أيْنَ وجَبَ ذَلِكَ ؟ وجُوِّزَ كَوْنُ فَعّالٍ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّسْبَةِ كَما قالُوا: عَوّاجٌ لِبَيّاعِ العاجِ وبَتّاتٌ لِبَيّاعِ البَتِّ وهو كِساءٌ غَلِيظٌ، وقِيلَ: طَيْلَسانٌ مِن خَزٍّ أوْ صُوفٍ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ القِراءَةِ عَلى صِيغَةِ فَعّالٍ في كَلامِ فِرْعَوْنَ وإنَّما هي في قَوْلِ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشّادِ، فَإنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ كانَ كَما قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وأبُو حاتِمٍ يُفَسِّرُ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ عَلى قِراءَتِهِ بِسَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو لا يَتَسَنّى في كَلامِ فِرْعَوْنَ كَما لا يَخْفى، وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعاذًا قَرَأ كَذَلِكَ في قَوْلِ المُؤْمِنِ فَلَعَلَّ التَّفْسِيرَ بِسَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كانَ فِيهِ دُونَ كَلامِ فِرْعَوْنَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
غافر 40:30
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ الكاتِمُ إيمانَهُ القائِلُ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ قَوّى اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ وثَبَّتَ قَلْبَهُ فَلَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ فَأتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ فَقالَ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ إلى آخِرِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، والمُرادُ بِالَّذِي آمَنَ هُنا هو مُوسى نَفْسُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّتْ بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ أيْ قالَ ناصِحًا لِقَوْمِهِ: يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم في تَكْذِيبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّعَرُّضِ لَهُ بِالسُّوءِ أنْ يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِالَّذِينِ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، واليَوْمَ واحِدُ الأيّامِ بِمَعْنى الوَقائِعِ وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُها بِذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ بِمَعْناها المَعْرُوفِ لُغَةً، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِثْلُ حادِثِ يَوْمِ الأحْزابِ.
وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ جَمْعُ اليَوْمِ لَكِنَّ جَمْعَ الأحْزابِ المُضافَ هو إلَيْهِ مَعَ التَّفْسِيرِ بِما بَعْدُ أغْنى عَنْ جَمْعِهِ، والمَعْنى عَلَيْهِ ورُجِّحَ الإفْرادُ بِالخِفَّةِ والِاخْتِصارِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ يَوْمَ حُزِّبَ حِزْبٌ بِمَعْنى أنَّ جَمْعَ حِزْبٍ مُرادٌ بِهِ شُمُولُ أفْرادِهِ عَلى طَرِيقِ البَدَلِ وهو تَأْوِيلٌ في الثّانِي وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.
غافر 40:31
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ مِثْلُ جَزاءِ دَأْبِهِمْ أيْ عادَتُهُمُ الدّائِمَةُ مِنَ الكُفْرِ وإيذاءِ الرُّسُلِ، وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المُخَوَّفَ في الحَقِيقَةِ جَزاءُ العَمَلِ لا هو، وجاءَ هَذا مِن نَصْبِ ( مِثْلَ ) الثّانِي عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِمِثْلِ الأوَّلِ لِأنَّ آخِرَ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ قَوْمُ نُوحٍ، ولَوْ قُلْتَ: أهْلَكَ اللَّهُ الأحْزابَ قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا عَطْفَ بَيانٍ لِإضافَةِ قَوْمٍ إلى أعْلامٍ فَسَرى ذَلِكَ الحُكْمُ إلى أوَّلِ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَدَلٌ مِن ( مِثْلَ ) الأوَّلِ، والِاحْتِياجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ عَلى حالِهِ ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ كَقَوْمِ لُوطٍ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ فَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِهَؤُلاءِ الأحْزابِ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا بَلْ كانَ عَدْلًا وقِسْطًا لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهم بِالبَيِّناتِ فَكَذَّبُوهم وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ فاقْتَضى ذَلِكَ إهْلاكَهم، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 46] مِن حَيْثُ جَعْلِ المَنفِيِّ فِيهِ إرادَةَ الظُّلْمِ لِأنَّ مَن كانَ عَنْ إرادَةِ
صفحة 67
الظُّلْمِ بَعِيدًا كانَ عَنِ الظُّلْمِ نَفْسِهِ أبْعَدَ، وحَيْثُ نُكِّرَ الظُّلْمُ كَأنَّهُ نَفى أنْ يُرِيدَ ظُلْمًا ما لِعِبادِهِ، ويُجَوِّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزُّمُرَ: 7] أيْ لا يُرِيدُ سُبْحانَهُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا يَعْنِي أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَمَّرَهم لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَعْنى مَرْجُوحٌ لَفْظًا ومَعْنى، ثُمَّ لا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ لِثُبُوتِ الفَرْقِ بَيْنَ أرادَهُ مِنهُ وأرادَهُ لَهُ فَلَوْ سُلِّمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُرِيدَهُ مِنهم والمُمْتَنِعُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ هو هَذا فَلا احْتِياجَ إلى صَرْفِ الآيَةِ عَنِ الظّاهِرِ عِنْدَهم أيْضًا.
غافر 40:32
﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ خَوَّفَهم بِالعَذابِ الأُخْرَوِيِّ بَعْدَ تَخْوِيفِهِمْ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، والتَّنادِ مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا، ويَوْمَ التَّنادِ يَوْمُ القِيامَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُنادِي فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا لِلِاسْتِغاثَةِ أوْ يَتَصايَحُونَ فِيهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ أوْ لِتَنادِيَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ كَما حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ أوْ لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ أوْ لِنِداءِ المُؤْمِنِ ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةَ: 19] والكافِرِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةَ: 25] .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا التَّنادِيَ هو التَّنادِي الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّذِي نالَهم ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ هَذا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ التَّذْكِيرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «التَّنادْ» بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ «( التَّنادِّ )» بِتَشْدِيدِ الدّالِ مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ أيْ يَوْمَ الهَرَبِ والفِرارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: 34] الآيَةَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النّاسَ جَوَلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا» .
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ يَوْمَ الِاجْتِماعِ مِن نَدا إذا اجْتَمَعَ ومِنهُ النّادِي
غافر 40:33
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمَ التَّنادِ أيْ يَوْمَ تُوَلُّونَ عَنِ المَوْقِفِ مُنْصَرِفِينَ عَنْهُ إلى النّارِ، وقِيلَ: فارِّينَ مِنَ النّارِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ هَرَبُوا فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا فَلا يَنْفَعُهُمُ الهَرَبُ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ أتَمُّ فائِدَةً وأظْهَرُ ارْتِباطًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ يَعْصِمُكم في فِرارِكم حَتّى لا تُعَذَّبُوا في النّارِ قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلى النّارِ مِن مانِعٍ يَمْنَعُكم مِنها أوْ ناصِرٍ، وهَذا ما يُقالُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ - لِيَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ - وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ حالٌ أُخْرى مِن ضَمِيرِ ﴿تُوَلُّونَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ أصْلًا، وكَأنَّ الرَّجُلَ يَئِسَ مِن قَبُولِهِمْ نُصْحَهُ فَقالَ ذَلِكَ ثُمَّ وبَّخَهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ السّالِفِينَ فَقالَ:
غافر 40:34
﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ بِالمَوْتِ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ غايَةً لِقَوْلِهِ.
﴿فَما زِلْتُمْ﴾ وأرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ تَكْذِيبَ رِسالَتِهِ ورِسالَةِ غَيْرِهِ أيْ لا رَسُولَ فَيَبْعَثُ فَهم بَعْدَ الشَّكِّ بُتُّوا بِهَذا التَّكْذِيبِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرَقِّيًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّكُّ في رِسالَتِهِ عَلى حالِهِ وبَتُّهم إنَّما هو بِتَكْذِيبِ رِسالَةِ غَيْرِهِ مِن بَعْدِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا أظْهِرُوا الشَّكَّ في حَياتِهِ حَسَدًا وعِنادًا فَلَمّا ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَرُّوا بِها وأنْكَرُوا أنْ يَبْعَثَ
صفحة 68
اللَّهُ تَعالى مِن بَعْدِهِ رَسُولًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَجِيءُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ المُخاطَبِينَ بِالبَيِّناتِ قِيلَ: مِن بابِ نِسْبَةِ أحْوالِ الآباءِ إلى الأوْلادِ وكَذَلِكَ نِسْبَةُ الأفْعالِ الباقِيَةِ إلَيْهِمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ بَعْضِ الَّذِينَ جاءَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً حَيًّا فَفي بَعْضِ التَّوارِيخِ أنَّ وفاةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ مَوْلِدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً فَيَكُونُ مِن نِسْبَةِ حالِ البَعْضِ إلى الكُلِّ، واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُكِرَ عَنْ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّهُ عُمِّرَ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، والَّذِي ذَكَرَهُ أغْلَبُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى اسْمُهُ الرَّيّانُ وفِرْعَوْنَ يُوسُفَ اسْمُهُ الوَلِيدُ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ فِرْعَوْنَ الأوَّلِ مِنَ العَمالِقَةِ وهَذا قِبْطِيٌّ، وفِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ في زَمَنِهِ، واخْتارَ القَوْلَ بِتَغايُرِهِما، وأمْرُ المَجِيءِ وما مَعَهُ مِنَ الأفْعالِ عَلى ما سَمِعْتَ، وقِيلَ: المُرادُ بِيُوسُفَ المَذْكُورِ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا فَأقامَ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً وكانَ مِن أمْرِهِمْ ما قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ومِنَ الغَرِيبِ جِدًّا ما حَكاهُ النَّقّاشُ والماوَرْدِيُّ أنَّ يُوسُفَ المَذْكُورَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الجِنِّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا إلَيْهِمْ، نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ ولا يَقْبَلُهُ مَن لَهُ أدْنى إتْقانٍ. نَعَمِ القَوْلُ بِأنَّ لِلْجِنِّ نَبِيًّا مِنهُمُ اسْمُهُ يُوسُفُ أيْضًا مِمّا عَسى أنْ يُقْبَلَ كَما لا يَخْفى.
وقُرِئَ «ألَنْ يَبْعَثَ» بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البِعْثَةِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ الفَظِيعِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ في العِصْيانِ ﴿مُرْتابٌ﴾ في دِينِهِ شاكٌّ فِيما تَشْهَدُ بِهِ البَيِّناتُ لِغَلَبَةِ الوَهْمِ والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ
غافر 40:35
﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ - أعْنِي مَن - أوْ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّ مُسْرِفٍ مُرْتابٍ أوِ المُسْرِفِينَ المُرْتابِينَ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأعْنِي مُقَدَّرًا، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ عَلى الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقٌ - بِيُجادِلُونَ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أتاهُمْ﴾ صِفَةُ ( سُلْطانٍ ) والمُرادُ بِإتْيانِهِ إتْيانُهُ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إمّا عَلى أيْدِي الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ ذاكَ إشارَةً إلى الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وإمّا بِطَرِيقِ الإفاضَةِ عَلى عُقُولِهِمْ فَيَكُونُ ذاكَ إشارَةً إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، وقَدْ يُعَمَّمُ فَيَكُونُ المَعْنى يُجادِلُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ صالِحَةٍ لِلتَّمَسُّكِ بِها أصْلًا لا عَقْلِيَّةً ولا نَقْلِيَّةً.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَقْرِيرٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ مِن ذَمِّهِمْ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، وفاعِلُ ( كَبُرَ ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الجِدالِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( يُجادِلُونَ ) عَلى نَحْوِ مَن كَذَّبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيْ كَبُرَ الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ.. إلَخْ، أوْ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ وأُفْرِدَ رِعايَةً لِلَفْظِهِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى المَعْنى، وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَجْتَنِبُونَهُ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: هَذا شَيْءٌ نَقَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ ولَمْ يُساعِدْهُ غَيْرُهُ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْ كَبُرَ المُسْرِفُ المُرْتابُ المُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَقْتًا أيْ كَبُرَ مَقْتُهُ وعَظُمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ فَيَصْدُرُ عَنْهُ أمْثالُ ما ذُكِرَ مِنَ الإسْرافِ والِارْتِيابِ والمُجادَلَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ كَبُرَ ) خَبَرُهُ لَكِنْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُخْبَرُ عَنْهُ حَقِيقَةً أيْ جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ مَقْتًا، وأنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً عَلى حَذْفِ المُضافِ ( وبِغَيْرِ سُلْطانٍ )
صفحة 69
خَبَرُ المُضافِ المُقَدَّرِ أيْ جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى كائِنٌ بِغَيْرِ سُلْطانٍ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأٌ مِن غَيْرِ حَذْفِ مُضافٍ ( وبِغَيْرِ سُلْطانٍ ) خَبَرُهُ، وفِيهِ الإخْبارُ عَنِ الذّاتِ والجُثَّةِ بِالظَّرْفِ وفاعِلُ ( كَبُرَ ) كَذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى اسْمِيَّةَ الكافِ كالأخْفَشِ أيْ كَبُرَ مَقْتًا مِثْلُ ذَلِكَ الجِدالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( يَطْبَعُ ) .. إلَخْ. اسْتِئْنافًا لِلدَّلالَةِ عَلى المُوجِبِ لِجِدالِهِمْ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وفي البَحْرِ الأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ( كَبُرَ ) والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ( يُجادِلُونَ ) أيِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ «قَلْبٍ» بِالتَّنْوِينِ فَما بَعْدَهُ صِفَتُهُ، ووَصْفُهُ بِالكِبْرِ والتَّجَبُّرِ لِأنَّهُ مَنبَعُهُما كَقَوْلِهِمْ: رَأتْ عَيْنِي وسَمِعَتْ أُذُنِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذاكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ كُلَّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ، وجَعْلُ الصِّفَتَيْنِ لِصاحِبِ القَلْبِ لِتَتَوافَقَ القِراءَتانِ هَذِهِ وقِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ بِلا تَنْوِينٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ المُتَكَبِّرُ المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، والجَبّارُ المُتَسَلِّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ عُمُومَ كُلٍّ مُنْسَحِبٌ عَلى المُتَكَبِّرِ والجَبّارِ أيْضًا فَكَأنَّهُ اعْتُبِرَ أوَّلًا إضافَةُ «قَلْبٍ» إلى ما بَعْدَهُ ثُمَّ اعْتُبِرَتْ إضافَتُهُ إلى المَجْمُوعِ.
غافر 40:36
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ بِناءً مَكْشُوفًا عالِيًا مِن صَرَحَ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ أيِ الطُّرُقَ كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابَ وهي جَمْعُ سَبَبٍ ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ بَيانٌ لَها، وفي إبْهامِها ثُمَّ إيضاحِها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها وتَشْوِيقٌ لِلسّامِعِ إلى مَعْرِفَتِها.
غافر 40:37
﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّرَجِّي عِنْدَ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ النَّصْبَ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي كالتَّمَنِّي، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ وخَرَّجُوا النَّصْبَ هُنا عَلى أنَّهُ في جَوابِ الأمْرِ وهو ( اِبْنِ ) كَما في قَوْلِهِ:
يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحا إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ عَلى خَبَرِ لَعَلِّي بِتَوَهُّمِ أنَّ فِيهِ لِأنَّهُ كَثِيرًا ما جاءَنا مَقْرُونًا بِها أوْ عَلى ( اَلْأسْبابَ ) عَلى حَدِّ:
ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي وقالَ بَعْضٌ: إنَّ هَذا التَّرَجِّيَ تَمَنٍّ في الحَقِيقَةِ لَكِنْ أخْرَجَهُ اللَّعِينُ هَذا المَخْرَجَ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ فَكانَ النَّصْبُ في جَوابِ التَّمَنِّي، والظّاهِرُ أنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ تَرَجٍّ وتَرَجٍّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ( أبْلُغُ ) قِيلَ: ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصَدًا في مَوْضِعٍ عالٍ يَرْصُدُ مِنهُ أحْوالَ الكَواكِبِ الَّتِي هي أسْبابٌ سَماوِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ فَيَرى هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى إرْسالِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُقِرٌّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما طَلَبَ ما يُزِيلُ شَكَّهُ في الرِّسالَةِ، وكانَ لِلَّعِينِ وأهْلِ عَصْرِهِ اعْتِناءٌ بِالنُّجُومِ وأحْكامِها عَلى ما قِيلَ.
وهَذا الِاحْتِمالُ في غايَةِ البُعْدِ عِنْدِي، وقِيلَ: أرادَ أنْ يُعْلِمَ النّاسَ بِفَسادِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ السَّماواتِ بِأنَّهُ إنْ كانَ رَسُولًا مِنهُ فَهو مِمَّنْ يَصِلُ إلَيْهِ وذَلِكَ بِالصُّعُودِ لِلسَّماءِ وهو مُحالٌ فَما بُنِيَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، ومَنشَأُ ذَلِكَ جَهْلُهُ بِاللَّهِ تَعالى وظَنُّهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُسْتَقِرٌّ في السَّماءِ وأنَّ رُسُلَهُ كَرُسُلِ المُلُوكِ يُلاقُونَهُ ويَصِلُونَ إلى مَقَرِّهِ، وهو عَزَّ وجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ المُحْدَثاتِ والأجْسامِ ولا تَحْتاجُ إلى ما تَحْتاجُ إلَيْهِ رُسُلُ المُلُوكِ رُسُلُهُ الكِرامُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا نَفْيٌ لِرِسالَتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولا تَعَرُّضَ فِيهِ لِنَفْيِ الصّانِعِ المُرْسَلِ لَهُ، وقالَ الإمامُ: الَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: ( إنّا ) لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أما إنّا لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ
صفحة 70
ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ولِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ عَدَمِ الإمْكانِ قالَ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ فَما هو إلّا لِإظْهارِ عَدَمِ إمْكانِ ما ذُكِرَ لِكُلِّ أحَدٍ، ولَعَلَّ لا تَأْبى ذَلِكَ لِأنَّها لِلتَّهَكُّمِ عَلى هَذا وهي شُبْهَةٌ في غايَةِ الفَسادِ إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ أحَدِ طُرُقِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ انْتِفاءُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ورَأيْتُ لِبَعْضِ السَّلَفِيِّينَ أنَّ اللَّعِينَ ما قالَ ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ سَمِعَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِالعُلُوِّ أوْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى مُسْتَحِيلٍ في حَقِّهِ تَعالى لَمْ يَرُدَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ما قالَ تَهَكُّمًا وتَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ رَدَّ بِهِ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ ورَدَّ احْتِجاجَهم بِما أشْعَرَتْ بِهِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ وسَمّاهُمُ المُشَبِّهَةَ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلُ المَجالِ والحَقُّ مَعَ السَّلَفِ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ المَلِكِ المُتَعالِ وحاشاهم ثُمَّ حاشاهم مِنَ التَّشْبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهِ كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ وأنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهِ كاذِبًا في دَعْوى أنَّ لَهُ إلَهًا غَيْرِي لِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَصَ: 38] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المُفْرِطِ ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فانْهَمَكَ فِيهِ انْهِماكًا لا يَرْعَوِي عَنْهُ بِحالٍ ﴿وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ والفِعْلانِ مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ والفاعِلُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ كُلًّا مِنَ التَّزْيِينِ والصَّدْرِ إلّا لِأنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ واقْتَضى ذَلِكَ سُوءَ اخْتِيارِهِ ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ قُرِئَ «( زَيَّنَ )» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولَمْ يَسْبِقْ سِوى ذِكْرِهِ تَعالى دُونَ الشَّيْطانِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الشَّيْطانَ ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ الوَسْوَسَةِ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ والشّامِيُّ وأبُو عَمْرٍو «( وصَدّ )» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ عَلى أنَّ المَعْنى وصَدَّ فِرْعَوْنُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ بِأمْثالِ هَذِهِ التَّمْوِيهاتِ والشُّبُهاتِ، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ أيْ في خَسارٍ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ ذِكْرٍ لِلْكَيْدِ وهو في هَذِهِ القِراءَةِ أظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «( وصَدَّ )» بِكَسْرِ الصّادِ أصْلُهُ صَدِدَ نُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ «( وصَدّ )» بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ( سُوءُ عَمَلِهِ )، وقُرِئَ «وصُدُّوا» بِواوِ الجَمْعِ أيْ هو وقَوْمُهُ
غافر 40:38
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: فِيهِ نَظِيرُ ما قِيلَ في سابِقِهِ أنَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ضَعِيفٌ كَما لا يَخْفى ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ فِيما دَلَلْتُكم عَلَيْهِ ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ سَبِيلًا يَصِلُ بِهِ سالِكُهُ إلى المَقْصُودِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سَبِيلُ الغَيِّ. وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ كَما في البَحْرِ ( اَلرَّشادِ ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ
غافر 40:39
﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ أيْ تَمَتُّعٌ أوْ مُتَمَتَّعٌ بِهِ يَسِيرُ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ ﴿وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ لِخُلُودِها ودَوامِ ما فِيها
غافر 40:40
﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ في الدُّنْيا ﴿فَلا يُجْزى﴾ في الآخِرَةِ ﴿إلا مِثْلَها﴾ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الجِناياتِ تُغَرَّمُ بِمِثْلِها أيْ بِوِزانِها مِن غَيْرِ مُضاعَفَةٍ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ عَمِلُوا ذَلِكَ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ ومُوازَنَةٍ بِالعَمَلِ بَلْ أضْعافًا مُضاعَفَةً فَضْلًا مِنهُ تَعالى ورَحْمَةً، وقَسَّمَ العُمّالَ إلى ذَكَرٍ وأُنْثى لِلِاهْتِمامِ والِاحْتِياطِ في الشُّمُولِ لِاحْتِمالِ نَقْصِ الإناثِ، وجَعَلَ الجَزاءَ في جَزاءِ أعْمالِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُصَدَّرَةً بِاسْمِ الإشارَةِ مَعَ تَفْضِيلِ الثَّوابِ وتَفْصِيلِهِ تَغْلِيبًا لِلرَّحْمَةِ وتَرْغِيبًا فِيما
صفحة 71
عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلَ العَمَلَ عُمْدَةً ورُكْنًا مِنَ القَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ والإيمانَ حالًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في اعْتِبارِ العَمَلِ والِاعْتِدادِ بِهِ والثَّوابِ عَلَيْهِ لِأنَّ الأحْوالَ قُيُودٌ وشُرُوطٌ لِلْحِكَمِ الَّتِي وقَعَتْ فِيهِ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى عَظِيمِ شَرَفِهِ ومَزِيدِ ثَوابِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ. والحَسَنُ. وأبُو جَعْفَرٍ. وعِيسى. وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ «يُدْخَلُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ
غافر 40:41
﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ كَرَّرَ نِداءَهم إيقاظًا لَهم عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ واهْتِمامًا بِالمُنادى لَهُ ومُبالَغَةً في تَوْبِيخِهِمْ عَلى ما يُقابِلُونَ بِهِ دَعْوَتَهُ، وتَرَكَ العَطْفَ في النِّداءِ الثّانِي وهو ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ .. إلَخْ. لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما أُجْمِلَ في النِّداءِ قَبْلَهُ مِنَ الهِدايَةِ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ فَإنَّها التَّحْذِيرُ مِنَ الإخْلادِ إلى الدُّنْيا والتَّرْغِيبُ في إيثارِ الآخِرَةِ عَلى الأُولى وقَدْ أدّى ذَلِكَ فِيهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأحْسَنِهِ ولَمْ يَتْرُكْ في هَذا النِّداءِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِلْمُوازَنَةِ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ دَعْوَتِهِ إلى دِينِ اللَّهِ الَّذِي ثَمَرَتُهُ النَّجاةُ ودَعْوَتِهِمْ إلى اتِّخاذِ الأنْدادِ الَّذِي عاقَبْتُهُ النّارُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن تَفْسِيرِ الهِدايَةِ في شَيْءٍ بَلْ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ هادٍ وأنَّهم مُضِلُّونَ وأنَّ ما عَلَيْهِ هو الهُدى وما هم عَلَيْهِ هو الضَّلالُ فَهو عَطْفٌ عَلى النِّداءِ الأوَّلِ أوِ المَجْمُوعِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى النِّداءِ الثّانِي داخِلٌ مَعَهُ في التَّفْسِيرِ لِما أُجْمِلَ في النِّداءِ الأوَّلِ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا، ولِكُلٍّ وجْهٌ وفي التَّرْجِيحِ كَلامٌ.
غافر 40:42
﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِن تَدْعُونَنِي إلى النّارِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ يَجْرِي في الجُمَلِ كالمُفْرَداتِ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ، والدُّعاءُ كالهِدايَةِ في التَّعْدِيَةِ بِإلى واللّامُ ﴿وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ﴾ أيْ بِكَوْنِهِ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في المَعْبُودِ أوْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ ﴿عِلْمٌ﴾ ونَفْيُ العِلْمِ هُنا كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَعْلُومِ، وفي إنْكارِهِ لِلدَّعْوَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إشْعارٌ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن بُرْهانٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ بِها.
﴿وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المُجازاةِ والقُدْرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ والغُفْرانِ وخُصَّ هَذانِ الوَصْفانِ بِالذِّكْرِ وإنْ كانا كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ لِاسْتِلْزامِهِما ذَلِكَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما فِيهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ المُناسِبِ لِحالِهِ وحالِهِمْ
غافر 40:43
﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ سِياقُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ لا رَدَّ لِكَلامٍ سابِقٍ وهو ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ ها هُنا مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وشِرْكِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ عَزَّ وجَلَّ بِهِ و( جَرَمَ ) فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى ثَبَتَ وحَقَّ كَما في قَوْلِهِ:
ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُبَيْدَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها فاعِلَةٌ أيْ ثَبَتَ وحَقَّ عَدَمُ دَعْوَةٍ لِلَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ الأصْنامِ إلى نَفْسِهِ أصْلًا يَعْنِي أنَّ مِن حَقِّ المَعْبُودِ بِالحَقِّ أنْ يَدْعُوَ العِبادَ المُكْرَمِينَ كالأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إلى نَفْسِهِ ويَأْمُرَهم بِعِبادَتِهِ ثُمَّ يَدْعُو العِبادُ بَعْضُهم بَعْضًا إلَيْهِ تَعالى وإلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ وما تَدْعُونَ إلَيْهِ وإلى عِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ لا يَدْعُو هو إلى ذَلِكَ ولا يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ أصْلًا لا في الدُّنْيا لِأنَّهُ جَمادٌ فِيها لا يَسْتَطِيعُ شَيْئًا مِن دُعاءٍ وغَيْرِهِ ولا في الآخِرَةِ لِأنَّهُ إذا أنْشَأهُ اللَّهُ تَعالى فِيها حَيَوانًا تَبَرَّأ مِنَ الدُّعاةِ إلَيْهِ ومِن عَبَدَتِهِ وحاصِلُهُ حَقٌّ أنْ لَيْسَ لِآلِهَتِكم دَعْوَةٌ أصْلًا فَلَيْسَتْ بِآلِهَةٍ حَقَّةٍ أوْ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ الدُّعاءِ السّابِقِ الَّذِي دَعاهُ قَوْمُهُ وإنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها مَفْعُولُهُ أيْ كَسَبَ دُعاؤُكم إيّايَ إلى آلِهَتِكم أنْ لا دَعْوَةَ لَها أيْ ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ
صفحة 72
إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِها وذَهابُها ضَياعًا، وقِيلَ: ( جَرَمَ ) اسْمُ لا وهو مَصْدَرٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ بِمَعْنى القَطْعِ والخَبَرُ أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها عَلى مَعْنى لا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ أيْ لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ البُطْلانُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَيَنْقَلِبُ حَقًّا، وهَذا البُطْلانُ هو مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ .. إلَخْ، ولا ( جَرَمَ ) عَلى هَذا مِثْلَ لا بُدَّ فَإنَّهُ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ وانْقِطاعُ بَعْضِ الشَّيْءِ مِن بَعْضٍ، ومِن ثَمَّ قِيلَ: المَعْنى لا بُدَّ مِن بُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ أيْ بُطْلانُها أمْرٌ ظاهِرٌ مُقَرَّرٌ، ونُقِلَ هَذا القَوْلُ عَنِ الفَرّاءِ، وعَنْهُ أنَّ ذَلِكَ هو أصْلُ لا ( جَرَمَ ) لَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى حَقًّا فَلِهَذا يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ في مِثْلِ لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ. وفي الكَشّافِ ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ لا جَرَمَ أنَّهُ يَفْعُلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ أيْ لا بُدَّ وفَعَلَ وفُعْلَ أخَوانِ كَرَشَدَ ورُشْدٍ وعَدَمَ وعُدْمٍ، وهَذِهِ اللُّغَةُ تُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالِاسْمِيَّةِ في اللُّغَةِ الأُخْرى ولا تُعَيِّنُها كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ في لا جَرَمَ أيْضًا فَلْيُتَذَكَّرْ.
ولامَ لَهُ في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْجُهِ لِنِسْبَةِ الدَّعْوَةِ إلى الفاعِلِ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المَعْنى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِنِسْبَتِها إلى المَفْعُولِ فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا يَدْعُونَ آلِهَتَهم في الآيَةِ دُعاءَهم إيّاها في مَعْنى نَفْيِ الِاسْتِجابَةِ مِنها لِدُعائِهِمْ إيّاها، فالمَعْنى أنَّ ما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ الأصْنامِ لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ لِمَن يَدْعُوهُ أصْلًا أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ أيْ لا يَدَّعِي دُعاءً يَسْتَجِيبُهُ لِداعِيهِ. فالكَلامُ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وجُوِّزَ التَّجَوُّزُ فِيهِ بِالدَّعْوَةِ فَعَنِ اسْتِجابَتِها الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها، وهَذا كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازِيُّ عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ وهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ عِنْدَ بَعْضٍ ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ مَرْجِعَنا إلَيْهِ تَعالى بِالمَوْتِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى أنَّ ما تَدْعُونَنِي داخِلٌ في حُكْمِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ وفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ ( اَلْمُسْرِفِينَ ) هُنا بِالسَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حَلِّها فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ خَتَمَ تَعْرِيضًا بِما افْتَتَحَ بِهِ تَصْرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا﴾ .
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الإشْراكَ إسْرافٌ في الضَّلالَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ فَهو مُسْرِفٌ والمُرادُ بِأصْحابِ النّارِ مُلازِمُوها، فَإنْ أُرِيدَ بِالمُسْرِفِينَ ما يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي أُرِيدَ بِالمُلازَمَةِ العُرْفِيَّةِ الشّامِلَةِ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِمْ ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ فَهي بِمَعْنى الخُلُودِ.
غافر 40:44
﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ وقُرِئَ ( فَسَتَذْكُرُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ أيْ فَسَيُذَكِّرُ بَعْضُكم بَعْضًا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ ﴿ما أقُولُ لَكُمْ﴾ مِنَ النَّصائِحِ ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ لِيَعْصِمَنِي مِن كُلِّ سُوءٍ ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ فَيَحْرُسُ مَن يَلُوذُ بِهِ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ المَكارِهِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابَ تَوَعُّدِهِمُ المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ [غافِرَ: 37] أوْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
غافر 40:45
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتارَكَةً والتَّفْرِيعُ في ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ عَلى قَوْلِهِ الأخِيرِ: ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ .. إلَخْ، وجَعَلَهُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿يا قَوْمِ﴾ الثّانِي تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ، وما في ﴿ما مَكَرُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ و( السَّيِّئاتُ ) الشَّدائِدُ أيْ فَوَقاهُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ مَكْرِهِمْ ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ أوْلى مِنهم بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آلُ فِرْعَوْنَ شامِلًا لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِأنْ يُرادَ بِهِمْ مُطْلَقُ كَفَرَةِ القِبْطِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سَبَأ: 13] أنَّهُ شامِلٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما حَكى الأوْزاعِيُّ ولا أعْتَقِدُ صِحَّتَهُ ألْفَيْ ألْفٍ وسِتَّمِائَةِ ألْفٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا المُؤْمِنَ لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ قَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَهَرَبَ إلى جَبَلٍ فَبَعَثَ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ
صفحة 73
فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ يُصَلِّي والسِّباعُ حَوْلَهُ فَلَمّا هَمُّوا لِيَأْخُذُوهُ ذَبَّتْ عَنْهُ فَأكَلَتْهم، ومِنهم مَن ماتَ في الجَبَلِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ، فالمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هَؤُلاءِ الألْفُ الَّذِينَ بَعَثَهم إلى قَتْلِهِ أيْ فَنَزَلَ بِهِمْ وأصابَهم ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ الغَرَقُ عَلى الأوَّلِ وأكْلُ السِّباعِ والمَوْتُ عَطَشًا والقَتْلُ والصَّلْبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والنّارُ عَلَيْهِما ولَعَلَّهُ الأوْلى، وإضافَةُ ( سُوءُ ) إلى ( اَلْعَذابِ ) لامِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ،
غافر 40:46
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاقَ﴾ .. إلَخْ. .
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( اَلنّارُ ) بَدَلًا مِن ( سُوءُ اَلْعَذابِ ويُعْرَضُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنها أوْ مِنَ الآلِ، وأنْ تَكُونَ النّارُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ ؟ فَقِيلَ: هو النّارُ، وجُمْلَةُ ( يُعْرَضُونَ ) تَفْسِيرٌ عَلى ما مَرَّ، وفي الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ النّارِ وتَهْوِيلِ عَذابِها ما لَيْسَ في هَذا الوَجْهِ كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومَنشَأُ التَّعْظِيمِ عَلى ما في الكَشْفِ الإجْمالُ والتَّفْسِيرُ في كَيْفِيَّةِ تَعْذِيبِهِمْ وإفادَةُ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ نَوْعًا مِنَ التَّهْوِيلِ. الأُولى الإحاطَةُ بِعَذابٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى سُوءَ العَذابِ. والثّانِيَةُ النّارُ المَعْرُوضُ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا. والسِّرُّ في إفادَةِ تَعْظِيمِ النّارِ في هَذا الوَجْهِ دُونَ ما تَضَمَّنَ تَفْسِيرَ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) وبَيانُ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ أنَّكَ إذا فَسَّرْتَ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) بِالنّارِ فَقَدْ بالَغْتَ في تَعْظِيمِ سُوءِ العَذابِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفْتَ بِيُعْرَضُونَ عَلَيْها تَتْمِيمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلنّارِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، وإذا جِئْتَ بِالجُمْلَتَيْنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى المُفْرِدِينَ وإنَّ أحَدَهُما تَفْسِيرٌ لِلْآخَرِ فَقَدْ قَصَدْتَ بِالنّارِ قَصْدَ الِاسْتِقْلالِ حَيْثُ جَعَلْتَها مُعْتَمَدَ الكَلامِ وجِئْتَ بِالجُمْلَةِ بَيانًا وإيضاحًا لِلْأُولى كَأنَّكَ قَدْ آذَنْتَ بِأنَّها أوْضَحُ لِاشْتِمالِها عَلى ما لا أسْوَأ مِنهُ أعْنِي النّارَ عَلى أنَّ مِن مُوجِباتِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ إنْباؤُهُ عَنِ التَّعْظِيمِ مَعَ اقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ وها هُنا كَذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى، والتَّرْكِيبُ أيْضًا يُفِيدُ التَّقْوى عَلى نَحْوِ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ.
ومِن هُنا قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: هَذا هو الوَجْهُ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ مَن نَصَبَ ( اَلنّارُ ) بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ مَنصُوبَةً بِأخُصُّ أوْ أعْنِي بَلْ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يُعْرَضُونَ ) مِثْلَ يُصْلَوْنَ فَإنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ إحْراقُهم بِها مِن قَوْلِهِمْ: عُرِضَ الأسارى عَلى السَّيْفِ قُتِلُوا بِهِ، وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِحالِ مَتاعٍ يُبْرَزُ لِمَن يُرِيدُ أخْذَهُ، وفي ذَلِكَ جَعَلَ النّارَ كالطّالِبِ الرّاغِبِ فِيهِمْ لِشِدَّةِ اسْتِحْقاقِهِمُ الهَلاكَ، وهَذا العَرْضُ لِأرْواحِهِمْ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو وتَرُوحُ عَلى النّارِ فَذَلِكَ عَرْضُها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الطَّيْرُ صُوَرٌ تُخْلَقُ لَهم مِن صُوَرِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: ذاكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وذِكْرُ الوَقْتَيْنِ ظاهِرٌ في التَّخْصِيصِ بِمَعْنى أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ صَباحًا مَرَّةً ومَساءً مَرَّةً أيْ فِيما هو صَباحٌ ومَساءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ لَهُ صَرْخَتانِ في كُلِّ يَوْمٍ غَدْوَةً وعَشِيَّةً كانَ يَقُولُ أوَّلَ النَّهارِ: ذَهَبَ اللَّيْلُ وجاءَ النَّهارُ وعَرْضُ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى النّارِ، ويَقُولُ أوَّلَ اللَّيْلِ: ذَهَبَ النَّهارُ وجاءَ اللَّيْلُ وعَرْضُ آلِ فِرْعَوْنَ
صفحة 74
عَلى النّارِ فَلا يَسْمَعُ أحَدٌ صَوْتَهُ إلّا اسْتَعاذَ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ النّارِ، والفَصْلُ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ إمّا بِتَرْكِ العَذابِ أوْ بِتَعْذِيبِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ غَيْرِ النّارِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّأْبِيدَ اكْتِفاءً بِالطَّرَفَيْنِ المُحِيطَيْنِ عَنِ الجَمِيعِ، وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى بَقاءِ النَّفْسِ وعَذابِ البَرْزَخِ لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ذَلِكَ العَرْضَ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ وهو ظاهِرٌ في المُغايَرَةِ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ذَلِكَ في البَرْزَخِ، ولا قائِلَ بِالفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ عَلى العُمُومِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ تَعالى»» ( ويَوْمَ ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ أيْ عَذابَ جَهَنَّمَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِمّا كانُوا فِيهِ أوْ أشَدَّ عَذابِ جَهَنَّمَ فَإنَّ عَذابَها ألْوانٌ بَعْضُها ( أشَدّ ) مِن بَعْضٍ، وعَنْ بَعْضِ أشَدِّ العَذابِ هو عَذابُ الهاوِيَةِ، وقِيلَ: هو مَعْمُولُ ﴿أدْخِلُوا﴾ .
وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ( عَشِيًّا ) فالعامِلُ فِيهِ ( يُعْرَضُونَ وأدْخِلُوا ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ وهو كَما تَرى، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ وأبُو بَكْرٍ «ادْخُلُوا» عَلى أنَّهُ أمَرٌ لِآلِ فِرْعَوْنَ بِالدُّخُولِ أيِ ادْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ،
غافر 40:47
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ مَعْمُولٌ لِاذْكُرْ مَحْذُوفًا أيْ واذْكُرْ وقْتَ تَخاصُمِهِمْ في النّارِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لا عَلى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ ما تُلِيَ عَلَيْكَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ ومُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافِرَ: 4] أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافِرَ: 18] لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّقْدِيرِ في الأوَّلِ وبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الأخِيرَيْنِ.
وزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ( إذْ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافِرَ: 18] وهو مَعَ بُعْدِهِ فِيهِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿غُدُوًّا﴾ وجُمْلَةُ ( يَوْمَ تَقُومُ ) اعْتِراضٌ بَيْنِهِما وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ قَلِيلُ الفائِدَةِ، وضَمِيرُ يَتَحاجُّونَ عَلى ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ لِجَمِيعِ كُفّارِ الأُمَمِ، ويَتَراءى مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: هو لِآلِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ تَفْصِيلٌ لِلْمُحاجَّةِ والتَّخاصُمِ في النّارِ أيْ يَقُولُ المَرْءُوسُونَ لِرُؤَسائِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكم تَبَعًا﴾ تَباعًا فَهو كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ.
وذَهَبَ جَمْعٌ لِقِلَّةِ هَذا الجَمْعِ إلى أنَّ ( تَبَعًا ) مَصْدَرٌ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنّا كُنّا لَكم ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعًا أوْ عَلى التَّجَوُّزِ في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِمْ لِشِدَّةِ تَبَعِيَّتِهِمْ كَأنَّهم عَيْنُ التَّبَعِيَّةِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ بِدَفْعِ بَعْضِ عَذابِها أوْ بِتَحَمُّلِهِ عَنّا، ( ومُغْنُونَ ) مِنَ الغَناءِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الفائِدَةِ، ( ونَصِيبًا ) بِمَعْنى حِصَّةٍ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّفْعِ أوِ الحَمْلِ أوَّلَهُ بِتَضْمِينِ أحَدِهِما أيْ دافِعِينَ أوْ حامِلِينَ عَنّا نَصِيبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصِيبًا قائِمًا مَقامَ المَصْدَرِ كَشَيْئًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آلَ عِمْرانَ: 116] . ( ومِنَ اَلنّارِ ) عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ - بِمُغْنُونَ - وعَلى ما قَبْلَهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ بَيانٌ - لَنَصِيبًا. .
غافر 40:48
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِلضُّعَفاءِ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ
صفحة 75
فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم ولَوْ قَدَرْنا لَدَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا شَيْئًا مِنَ العَذابِ ورَفْعُ ( كُلٌّ ) عَلى الِابْتِداءِ وهو مُضافٌ تَقْدِيرًا لِأنَّ المُرادَ كُلُّنا ( وفِيها ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ «كُلًّا» بِالنَّصْبِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، وكَوْنُ كُلٍّ المَقْطُوعِ عَنِ الإضافَةِ يَقَعُ تَأْكِيدًا اكْتِفاءً بِأنَّ المَعْنى عَلَيْها مَذْهَبُ الفَرّاءِ ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِهِ لِلتَّسْهِيلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في مَعْنى المُضافِ ولِذا جازَ الِابْتِداءُ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ حالًا، وإذا سُلِّمَ كِفايَةُ هَذا المِقْدارِ مِنَ التَّنْكِيرِ في الحالِيَّةِ فالظَّرْفُ لا يَعْمَلُ في الحالِ المُتَقَدِّمَةِ كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ المُتَقَدِّمِ نَحْوَ كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ.
وأُجِيبَ عَنْ أمْرِ العَمَلِ بِأنَّ الأخْفَشَ أجازَ عَمَلَ الظَّرْفِ في الحالِ إذا تَوَسَّطَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْتَدَأِ نَحْوَ زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ عِنْدَكَ وما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ بَعْضَهم أجازَ ذَلِكَ ولَوْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلى المُبْتَدَأِ والظَّرْفِ نَعَمْ مَنَعَهُ بَعْضُهم مُطْلَقًا لَكِنَّ المُخْرِجَ لَمْ يُقَلِّدْهُ، وابْنُ الحاجِبِ جَوَّزَهُ في بَعْضِ كُتُبِهِ ومَنَعَهُ في بَعْضٍ، قِيلَ: وقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المَنعَ عَلى تَقْدِيرِ عَمَلِ الظَّرْفِ لِنِيابَتِهِ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ، والجَوازُ عَلى جَعْلِ العامِلِ مُتَعَلِّقُهُ المُقَدَّرِ فَيَكُونُ لَفْظِيًّا لا مَعْنَوِيًّا، وإلى هَذا التَّخْرِيجِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ بَعْضِ الطّائِيِّينَ:
دَعا فَأجَبْنا وهو بادِي ذِلَّةٍ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمُرَ: 67] في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ أبُو حَيّانَ:
الَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنَ اسْمِ إنَّ لَأنَّ كُلًّا يَتَصَرَّفُ فِيها بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ كُلًّا فِيها. وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعا ويَوْمًا أجْمَعا عَلى البَدَلِ مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ فَأنْ يُدَّعى في كُلٍّ البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ ( كُلٌّ ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا أيْ جَمِيعًا. ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ:
كَيْفَ تَجْعَلُهُ بَدَلًا وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ ؟ قُلْتُ: مَذْهَبُ الأخْفَشِ. والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائِدَةَ: 114] وكَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم مَعْناهُ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ وهو ( كُلٌّ ) أوْلى ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ مَناطَ الخِلافِ. انْتَهى. ولَعَلَّ القَوْلَ بِالتَّوْكِيدِ أحْسَنُ مِن هَذا وأقْرَبُ، ورَدُّ ابْنِ مالِكٍ لَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ فَأدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلَ النّارِ النّارَ، وقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنّا ومِنكم عَذابًا لا يُدْفَعُ عَنْهُ ولا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ
غافر 40:49
﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ﴾ مِنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ جَمِيعًا لِما ضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وعَيَتَ بِهِمُ العِلَلُ ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ لِلْقُوّامِ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وكانَ الظّاهِرُ - لِخَزَنَتِها - بِضَمِيرِ النّارِ لَكِنْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَهُ لِلتَّهْوِيلِ، فَإنَّ جَهَنَّمَ أخَصُّ مِنَ النّارِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِإطْلاقِها عَلى ما في الدُّنْيا أوْ لِأنَّها مَحَلٌّ لِأشَدِّ العَذابِ الشّامِلِ لِلنّارِ وغَيْرِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَيانِ مَحَلِّ الكَفَرَةِ في النّارِ بِأنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ أبْعَدَ دَرَكاتِها مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهْنامٌ بَعِيدَةُ القَعْرِ وفِيها أعْتى الكَفَرَةِ وأطْغاهم، فَلَعَلَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ أُولَئِكَ أجُوبُ دَعْوَةً لِزِيادَةِ قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلِهَذا تَعَمَّدَهم أهْلُ النّارِ بِطَلَبِ الدَّعْوَةِ
صفحة 76
مِنهم وقالُوا لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا﴾ أيْ مِقْدارَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا ﴿مِنَ العَذابِ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العَذابِ، فَمَفْعُولُ ( يُخَفِّفْ ) مَحْذُوفٌ، ( ومِنَ ) تَحْتَمِلُ البَيانَ والتَّبْعِيضَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ ( يَوْمًا ) بِحَذْفِ المُضافِ نَحْوَ ألَمِ يَوْمٍ ( ومِنَ اَلْعَذابِ ) بَيانُهُ، والمُرادُ يَدْفَعُ عَنّا يَوْمًا مِن أيّامِ العَذابِ:
غافر 40:50
﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ لَمْ تُنَبَّهُوا عَلى هَذا ولَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ هَذا وأرادُوا بِذَلِكَ إلْزامَهم وتَوْبِيخَهم عَلى إضاعَةِ أوْقاتِ الدُّعاءِ وتَعْطِيلِ أسْبابِ الإجابَةِ ﴿قالُوا بَلى﴾ أيْ أتَوْنا بِها فَكَذَّبْناهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [المُلْكَ: 9] والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا فادْعُوا﴾ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فادْعُوا أنْتُمْ فَإنَّ الدُّعاءَ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلَكم ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ صُدُورُهُ عَنّا، وقِيلَ: في تَعْلِيلِ امْتِناعِ الخَزَنَةِ عَنِ الدُّعاءِ: لِأنّا لَمْ نُؤْذَنْ في الدُّعاءِ لِأمْثالِكم، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ عِرائِهِ عَنْ بَيانٍ أنَّ سَبَبَهُ مِن قِبَلِ الكَفَرَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ الإذْنَ في حَيِّزِ الإمْكانِ وأنَّهم لَوْ أُذِنَ لَهم لَفَعَلُوا فالتَّعْلِيلُ الأوَّلُ أوْلى، ولَمْ يُرِيدُوا بِأمْرِهِمْ بِالدُّعاءِ إطْماعَهم في الإجابَةِ بَلْ إقْناطَهم مِنها وإظْهارَ خَيْبَتِهِمْ حَيْثُما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ في ضَياعٍ وبُطْلانٍ أيْ لا يُجابُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ . واسْتَدَلَّ بِها مُطْلَقًا مَن قالَ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ لا يُسْتَجابُ وإنَّهُ لا يُمَكَّنُ مِنَ الخُرُوجِ في الِاسْتِسْقاءِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ في دُعاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ الكافِرَ قَدْ يَقَعُ في الدُّنْيا ما يَدْعُو بِهِ ويَطْلُبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إثْرَ دُعائِهِ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ، وأمّا أنَّهُ هَلْ يُقالُ لِذَلِكَ إجابَةٌ أمْ لا فَبَحْثٌ لا جَدْوى لَهُ،
غافر 40:51
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ ما أصابَ الكَفَرَةَ مِنَ العَذابِ المَحْكِيِّ مِن فُرُوعِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ هو أنَّ شَأْنَنا المُسْتَمِرَّ أنَّنا نَنْصُرُ رُسُلَنا وأتْباعَهم ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالحُجَّةِ والظَّفَرِ والِانْتِقامِ لَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالِاسْتِئْصالِ والقَتْلِ والسَّبْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما قَدْ يَتَّفِقُ لِلْكَفَرَةِ مِن صُورَةِ الغَلَبَةِ امْتِحانًا إذِ العِبْرَةُ إنَّما هي بِالعَواقِبِ وغالِبِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ النُّصْرَةِ وأنَّها تَكُونُ عِنْدَ جَمْعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وشَهادَةِ الإشْهادِ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وعَلى الكَفَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ، فالأشْهادُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى شاهِدٍ كَأشْرافٍ جَمْعِ شَرِيفٍ، وقِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ بِناءً عَلى أنَّ فاعِلًا قَدْ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وبَعْضُ مَن لَمْ يُجَوِّزْ يَقُولُ: هو جَمْعُ شَهْدٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِشاهِدٍ كَما قالُوا في صَحْبٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِصاحِبٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( اَلْأشْهادُ ) بِالجَوارِحِ ولَيْسَ بِذاكَ، وهو عَلَيْهِما مِنَ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: هو مِنَ المُشاهَدَةِ بِمَعْنى الحُضُورِ.
وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ أنَّ النُّصْرَةَ في الآخِرَةِ لا تَتَخَلَّفُ أصْلًا بِخِلافِها في الدُّنْيا فَإنَّ الحَرْبَ فِيها سِجالٌ وإنْ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ولِذا دَخَلَتْ ( في ) عَلى ( اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ) دُونَ قَرِينِهِ لِأنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ بِفي لا يَسْتَوْعِبُ كالمَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ. انْتَهى. وفِيهِ بَحْثٌ.
صفحة 77
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وإسْماعِيلُ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَقُومُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى مَعْنى جَماعَةِ الأشْهادِ.
غافر 40:52
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يَقُومُ ) ولا قِيلَ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنَفْيِ النَّفْعِ فَقَطْ عَلى مَعْنى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا يَنْفَعُهم مَعْذِرَتُهم لِبُطْلانِها وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنَفْيِ النَّفْعِ والمَعْذِرَةِ عَلى مَعْنى لا تَقَعُ مَعْذِرَةٌ لِتَنْفَعَ، وفي الكَشّافِ يُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ بِمَعْذِرَةٍ ولَكِنَّها لا تَنْفَعُ لِأنَّها باطِلَةٌ وأنَّهم لَوْ جاءُوا بِمَعْذِرَةٍ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: 36] وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ عَدَمَ النَّفْعِ إمّا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى المَعْذِرَةِ الكائِنَةِ وهو بُطْلانُها، وإمّا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى مَن يَقْبَلُ العُذْرَ ولا نَظَرَ فِيهِ إلى وُقُوعِ العُذْرِ والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ الصِّفَةُ ولا نَظَرَ فِيهِ إلى المَوْصُوفِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا، ولَيْسَ في كَلامِهِ إشارَةٌ إلى إرادَةِ نَفْيِهِما جَمِيعًا فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ ونافِعٌ «لا تَنْفَعُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، ووَجْهُها ظاهِرٌ، وأمّا قِراءَةُ الياءِ فَلِأنَّ المَعْذِرَةَ مَصْدَرٌ وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ مَعَ أنَّهُ فُصِلَ عَنِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ هي جَهَنَّمُ وسُوءُها ما يَسُوءُ فِيها مِنَ العَذابِ فَإضافَتُهُ لامِيَّةٌ أوْ هي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أيِ الدّارُ السُّوأى، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَتَيْنِ مِن إهانَتِهِمْ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ
غافر 40:53
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ ما يُهْتَدى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ والصُّحُفِ والشَّرائِعِ فَهو مَصْدَرٌ تُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذَكَرَ أوْ جُعِلَ عَيْنَ الهُدى مُبالَغَةً فِيهِ.
﴿وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ تَرَكْنا عَلَيْهِمْ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ التَّوْراةَ فالإيراثُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ التَّرْكِ أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَعَلْنا بَنِي إسْرائِيلَ آخِذِينَ الكِتابَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا كَسْبٍ فَيَشْمَلُ مَن في حَياتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يُقالُ: العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وهو وجْهٌ إلّا أنَّ اعْتِبارَ بَعْدَ المَوْتِ أوْفَقُ في الإيراثِ والعَلاقَةَ عَلَيْهِ أتَمُّ، وإرادَةُ التَّوْراةِ مِنَ الكِتابِ هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جِنْسَ ما أُنْزِلَ عَلى أنْبِيائِهِمْ فَيَشْمَلُ التَّوْراةَ والزَّبُورَ والإنْجِيلَ
غافر 40:54
﴿هُدًى وذِكْرى﴾ هِدايَةً وتَذْكِرَةً أيْ لِأجْلِهِما أوْ هادِيًا ومُذَكِّرًا فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الوَهْمِ، وخُصُّوا لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ
غافر 40:55
﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ إذا عَرَفْتَ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ لِلتَّأسِّي فاصْبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ إيّاكَ والمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أوْ جَمِيعَ مَواعِيدِهِ تَعالى ويَدْخُلُ فِيهِ وعْدُهُ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿حَقٌّ﴾ لا يَخْلُفُهُ سُبْحانَهُ أصْلًا فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِ نَصْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ، واسْتَشْهَدَ بِحالِ مُوسى ومَن مَعَهُ وفِرْعَوْنَ ومَن تَبِعَهُ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أقْبِلْ عَلى أمْرِ الدِّينِ وتَلافَ ما رُبَّما يَفْرُطُ مِمّا يُعَدُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ ذَنْبًا وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الِاهْتِمامُ بِأمْرِ العِدا بِالِاسْتِغْفارِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى كافِيكَ في النَّصْرِ وإظْهارِ الأمْرِ، وقِيلَ: ﴿لِذَنْبِكَ﴾ لِذَنْبِ أُمَّتِكَ في حَقِّكَ، قِيلَ: فَإضافَةُ المَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ ودُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ لِرَبِّكَ عَلى أنَّهُ عُبِّرَ بِالطَّرَفَيْنِ وأُرِيدَ جَمِيعُ الأوْقاتِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ خُصُوصُ الوَقْتَيْنِ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ أوِ الصَّلاةِ، قالَ قَتادَةُ: أُرِيدَ صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، وعَنِ الحَسَنِ أُرِيدَ رَكْعَتانِ بُكْرَةً ورَكْعَتانِ عَشِيًّا، قِيلَ: لِأنَّ الواجِبَ بِمَكَّةَ كانَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا
صفحة 78
أنَّ الحِسَّ لا يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ بِمَكَّةَ فَقِيلَ: كانَ يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً ورَكْعَتَيْنِ عَشِيًّا.
وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ كانَ الواجِبُ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَ، والكُلُّ مُخالِفٌ لِلصَّرِيحِ المَشْهُورِ، وجُوِّزَ عَلى إرادَةِ الدَّوامِ أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ ويُرادَ بِذَلِكَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وحُكِيَ ذَلِكَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما
غافر 40:56
﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ دَلائِلِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي نَصَبَها عَلى تَوْحِيدِهِ وكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وما أظْهَرَ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ أيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ في ذَلِكَ أتَتْهم مِن جِهَتِهِ تَعالى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِيُجادِلُونَ - وتَقْيِيدُ المُجادَلَةِ بِذَلِكَ مَعَ اسْتِحالَةِ إتْيانِ الحُجَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ في أمْرِ الدِّينِ لا بُدَّ مِنَ اسْتِنادِهِ إلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ وبُرْهانٍ مُبِينٍ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ مُجادِلٍ مُبْطِلٍ وإنْ نَزَلَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وهم عَلى الأصَحِّ مُشْرِكُو مَكَّةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾ خَبَرٌ لِأنْ ( وإنَّ ) نافِيَةٌ، والمُرادُ بِالصُّدُورِ القُلُوبُ أُطْلِقَتْ عَلَيْها لِلْمُجاوَرَةِ والمُلابَسَةِ، والكِبْرُ التَّكَبُّرُ والتَّعاظُمُ أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا تَكَبُّرٌ عَنِ الحَقِّ وتَعاظُمٌ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ أوْ هو مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمُ عَلى الإطْلاقِ أوْ إرادَةِ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا إرادَةُ الرِّياسَةِ أوْ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم دُونَكَ حَسَدًا وبَغْيًا حَسْبَما قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفَ: 31] وقالُوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحْقافَ: 11] ولِذَلِكَ يُجادِلُونَ في آياتِهِ تَعالى لا أنَّ فِيها مَوْقِعَ جِدالٍ ما أوْ أنَّ لَهم شَيْئًا يُتَوَهَّمُ صَلاحِيَتُهُ لِأنْ يَكُونَ مَدارًا لِمُجادَلَتِهِمْ في الجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ صِفَةٌ - لِكِبْرٍ - أيْ ما هم بِبالِغِي مُوجِبِ الكِبْرِ ومُقْتَضِيهِ وهو مُتَعَلِّقُ إرادَتِهِمْ مِن دَفْعِ الآياتِ أوْ مِنَ الرِّياسَةِ أوِ النُّبُوَّةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الكِبْرِ عَلَيْكَ وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبْرِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أذَلَّهم، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وضَمِيرُ ﴿بِبالِغِيهِ﴾ لِدَفْعِ الآياتِ المَفْهُومِ مِنَ المُجادَلَةِ، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُجادِلُونَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ اليَهُودُ عَظَّمُوا أمْرَ الدَّجّالِ فَنَزَلَتْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنَّ الدَّجّالَ يَكُونُ مِنّا في آخِرِ الزَّمانِ ويَكُونُ مِن أمْرِهِ ما يَكُونُ فَعَظَّمُوا أمْرَهُ وقالُوا: يَصْنَعُ كَذا وكَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾» .. إلَخْ، وهَذا كالنَّصِّ في أنَّ أمْرَ اليَهُودِ كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها، وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ. وفي رِوايَةٍ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: يَخْرُجُ صاحِبُنا المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يُرِيدُونَ الدَّجّالَ ويَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ وتَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ فَيَرْجِعُ إلَيْنا المُلْكُ، حَكاها في الكَشّافِ ثُمَّ قالَ: فَسَمّى اللَّهُ تَعالى تَمَنِّيَهم ذَلِكَ كِبْرًا ونَفى سُبْحانَهُ أنْ يَبْلُغُوا مُتَمَنّاهم، ويَخْطُرُ لِي عَلى هَذا القَوْلِ إنَّ اليَهُودَ لَمْ يُرِيدُوا مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الدَّجّالِ سِوى نَفْيِ أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ في آخِرِ الزَّمانِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم وزَعَمَ أنَّ المُبَشَّرَ بِهِ هو ذَلِكَ اللَّعِينُ، فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا - يَعْنُونَ النَّبِيَّ المُبَشِّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ ويَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ، وفي ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ دَفْعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ الكِبْرُ والحَسَدُ وحُبُّ أنْ لا تُخْرِجَ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ مَعْناها عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ المُجادِلِينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ. ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ
صفحة 79
كَذَبُوا أوَّلًا بِقَوْلِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا، وثانِيًا بِقَوْلِهِمْ: بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَعْنُونَ الدَّجّالَ، أمّا الكَذِبُ الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجّالَ وأنْذَرَهم إيّاهُ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، وهم قالُوا: هو صاحِبُنا يَعْنُونَ المُبَشَّرَ بِبَعْثَتِهِ آخِرَ الزَّمانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الجِدالِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ تَعالى مِن كَيْدِ مَن يَحْسُدُكَ ويَبْغِي عَلَيْكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: هَذا أمْرٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَعَوَّذَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ لِأقْوالِكم وأفْعالِكم، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ قَبْلَها.
غافر 40:57
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَبْيِينٌ لِأشْهَرِ ما يُجادِلُونَ فِيهِ مِن أمْرِ البَعْثِ الَّذِي هو كالتَّوْحِيدِ في وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81] وإضافَةُ ( خَلْقُ ) إلى ما بَعْدَهُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ لَخَلْقُ اللَّهِ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ أعْظَمُ مِن خَلْقِهِ سُبْحانَهُ النّاسَ لِأنَّ النّاسَ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ كَلا شَيْءَ، والمُرادُ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ ذَلِكَ فَهو سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِ ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بَدْأً وإعادَةً أقْدَرُ وأقْدَرُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: النّاسُ الدَّجّالُ وهو بِناءٌ عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ في المُجادِلِينَ، ولَعَمْرِي إنَّ تَطْبِيقَ هَذا ونَحْوِهِ عَلى ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ وأنا لا أقُولُ بِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ الكَفَرَةُ، ولَمّا كانَ ما قَبْلُ لِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ وتَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ اقْتِضاءً ظاهِرًا ناسَبَ نَفْيَ العِلْمِ عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مِنَ العُقَلاءِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم إنْكارُهُ، ولَمْ يَذْكُرْ لِلْعِلْمِ مَفْعُولًا لِأنَّ المُناسِبَ لِلْمَقامِ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقِيلَ: المُرادُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ أيْ لا يَجْرُونَ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ بِذَلِكَ مِنَ الإقْرارِ بِالبَعْثِ ومَن لا يَجْرِي عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِ هو والجاهِلُ سَواءٌ.
وفِي البَحْرِ أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجادَلَ في آياتِ اللَّهِ ولا يَتَكَبَّرَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَخَلْقُ﴾ .. إلَخْ. أيْ إنَّ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى أكْبَرُ وأجَلُّ مِن خَلْقِ البَشَرِ فَما لِأحَدِهِمْ يُجادِلُ ويَتَكَبَّرُ عَلى خالِقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ لا يَتَأمَّلُونَ لِغَلَبَةِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ ولِذَلِكَ جادَلُوا وتَكَبَّرُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ تَفْسِيرٌ قَلِيلُ الجَدْوى.
غافر 40:58
﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ الغافِلُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ في مَبْدَئِهِ ومَعادِهِ ومَن كانَتْ لَهُ بَصِيرَةٌ في مَعْرِفَتِهِما، وتَفْسِيرُ ( اَلْبَصِيرُ ) بِاللَّهِ تَعالى ( والأعْمى ) بِالصَّنَمِ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ المُحْسِنُ ولِذا قُوبِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا المُسِيءُ﴾ وعَدَلَ عَنِ التَّقابُلِ الظّاهِرِ كَما في الأعْمى والبَصِيرِ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشارَةً إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلَمٌ في الإحْسانِ، وقُدِّمَ ( اَلْأعْمى ) لِمُناسَبَةِ العَمى ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ العِلْمِ، وقُدِّمَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدُ لِمُجاوِرَةِ البَصِيرِ ولِشَرَفِهِمْ، وفي مِثْلِهِ طُرُقٌ أنْ يُجاوِرَ كُلٌّ ما يُناسِبُهُ كَما هُنا، وأنْ يُقَدَّمَ ما يُقابِلُ الأوَّلَ ويُؤَخَّرُ ما يُقابِلُ الآخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطِرَ: 19 - 22] وأنْ يُؤَخَّرَ المُتَقابِلانِ كالأعْمى والأصَمِّ والسَّمِيعِ والبَصِيرِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفَنُّنِ
صفحة 80
فِي البَلاغَةِ وأسالِيبِ الكَلامِ، والمَقْصُودُ مَن نَفْيِ اسْتِواءِ مَن ذُكِرَ بَيانُ أنَّ هَذا التَّفاوُتَ مِمّا يُرْشِدُ إلى البَعْثِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَسْتَوِي الغافِلُ والمُسْتَبْصِرُ والمُحْسِنُ والمُسِيءُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهم حالٌ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ وهي فِيما بَعْدَ البَعْثِ.
وأُعِيدَتْ لا في المُسِيءِ تَذْكِيرًا لِلنَّفْيِ السّابِقِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ بِطُولِ الصِّلَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ أنَّ الكافِرَ المُسِيءَ لا يُساوِي المُؤْمِنَ المُحْسِنَ، وذِكْرُ عَدَمِ مُساواةِ الأعْمى لِلْبَصِيرِ تَوْطِئَةً لَهُ، ولَوْ لَمْ يَعُدِ النَّفْيُ فِيهِ فَرُبَّما ذَهَلَ عَنْهُ وظَنَّ أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ، ولَوْ قِيلَ: ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِيهِ أيْضًا لِاحْتِمالٍ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ خَبَرُهُ وجُمِعَ عَلى المَعْنى قالَهُ الخَفاجِيُّ، وهو أنَّ تَمَّ فِعْلَيِ القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ مُساواةِ المُسِيءِ لِلْمُحْسِنِ لا نَفْيُ مُساواةِ المُحْسِنِ لَهُ إذِ المُرادُ بَيانُ خَسارَتِهِ ولا يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ فَتَدَبَّرْ، والمَوْصُولُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلى ( اَلْأعْمى ) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحَدِيدَ: 3] ولَمْ يُتْرَكِ العَطْفُ بَيْنَهُما بِناءً عَلى أنَّ الأوَّلَ مُشَبَّهٌ بِهِ والثّانِيَ مُشَبَّهٌ وهُما مُتَّحِدانِ مَآلًا لِأنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُغايِرٌ لِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ وتَغايُرُ الصِّفاتِ كَتَغايُرِ الذَّواتِ في صِحَّةِ التَّعاطُفِ، ووَجْهُ التَّغايُرِ أنَّ الغافِلَ والمُسْتَبْصِرَ والمُحْسِنَ والمُسِيءَ صِفاتٌ مُتَغايِرَةُ المَفْهُومِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اتِّحادِ ما صَدَقَهُما وعَدَمِهِ، وقِيلَ: التَّغايُرُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ والوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِن جِهَةِ أنَّ القَصْدَ في الأوَّلَيْنِ إلى العِلْمِ، وفي الأخِيرَيْنِ إلى العَمَلِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وقِيلَ: هُما وإنِ اتَّحَدا ذاتًا مُتَغايِرانِ اعْتِبارًا مِن حَيْثُ إنَّ الثّانِيَ صَرِيحٌ والأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ هَذِهِ المُغايَرَةِ لَزِمَ جَوازُ عَطْفِ المُشَبَّهِ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ وعَكْسِهِ.
﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ والأعْرَجُ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلنّاسِ أوِ الكُفّارِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتّاءُ أعَمُّ، وعَلَّلَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ فِيهِ تَغْلِيبَ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، وقالَ القاضِي: إنَّ التّاءَ لِلتَّغَيُّبِ أوِ الِالتِفاتِ أوْ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُخاطَبَةِ أيْ بِتَقْدِيرِ قُلْ قَبْلَهُ، وآثَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ الِالتِفاتَ لِأنَّ العُدُولَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ يَدُلُّ عَلى العُنْفِ الشَّدِيدِ والإنْكارِ البَلِيغِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِخَلْقِ السَّماواتِ وهو كَلامٌ مَعَ المُجادِلِينَ. وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ما ذَكَرَ نُكْتَةَ التَّغْلِيبِ فَيَكُونُ أوْلى لِفائِدَةِ التَّعْمِيمِ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ التَّغْلِيبَ جارٍ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلنّاسِ واحْتِمالِ كَوْنِهِ لِلْكُفّارِ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ أوِ الكُفّارِ مُخاطَبٌ هُنا والتَّقْلِيلُ أيْضًا يَصِحُّ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ مِنهم مَن يَتَذَكَّرُ ويَهْتَدِي، وقالَ الجَلَبِيُّ: الضَّمِيرُ إذا كانَ لِلنّاسِ فالتَّقْلِيلُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ والمُسْتَثْنى هُمُ المُؤْمِنُونَ وإذا كانَ لِلْكَفّارِ فَهو بِمَعْنى النَّفْيِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُخاطَبَ مَن خاطَبَهُ ﷺ مِن قُرَيْشٍ فَمَن قالَ: المُخاطَبُ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ﴾ ولا يُناسِبُ إدْخالُهُ فِيمَن لَمْ يَتَذَكَّرْ فَقَدْ سَها ولَمْ يَتَذَكَّرْ.
غافر 40:59
﴿إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ في مَجِيئِها أيْ لا بُدَّ مِن مَجِيئِها ولا مَحالَةَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى جَوازِها وإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى الوَعْدِ الصّادِقِ بِوُقُوعِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّها آتِيَةٌ وأنَّها لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلرَّيْبِ أيْ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ إلى آخِرِ ما مَرَّ، والفَرْقُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الرَّيْبِ عَلى الأوَّلِ المَجِيءُ وعَلى هَذا السّاعَةُ والحَمْلُ عَلَيْهِ أوْلى.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِها لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى ما يُدْرِكُونَهُ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ واسْتِيلاءِ
صفحة 81
الأوْهامِ عَلى عُقُولِهِمْ
غافر 40:60
﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أيِ اعْبُدُونِي أُثِبْكم عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ. وعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ هو الدُّعاءُ يَعْنِي أنَّ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ تَرْجَمَةٌ عَنْ طَلَبِ الباطِنِ وأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لِصِحَّةِ التَّوَجُّهِ وتَرْكِ المُخالَفَةِ فَمِن تَرْكِ الذُّنُوبِ فَقَدْ سَألَ الحَقَّ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وهو الدُّعاءُ الَّذِي يَلْزَمُهُ الإجابَةُ ومَن لا يَتْرُكُها فَلَيْسَ بِسائِلٍ وإنْ دَعاهُ سُبْحانَهُ ألْفَ مَرَّةٍ وما ذَكَرَ مُؤَيِّدٌ لِتَفْسِيرِ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ ومُحَقِّقٌ لَهُ فَإنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ مِن أجَلِّ العِباداتِ ويَنْطَبِقُ عَلى ذَلِكَ كَمالُ الِانْطِباقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ أذِلّاءَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اسْألُونِي أُعْطِكم وهو المَرْوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ دُعائِي لِأنَّ الدُّعاءَ نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ ومِن أفْضَلِ أنْواعِها، بَلْ رَوى ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أفْضَلُ العِبادَةِ الدُّعاءُ وقَرَأ الآيَةَ، والتَّوَعُّدُ عَلى الِاسْتِكْبارِ عَنْهُ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتْرَفِينَ المُسْرِفِينَ وإنَّما المُؤْمِنُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ تَقَلُّباتِهِ، وفي إيقاعِ العِبادَةِ صِلَةَ الِاسْتِكْبارِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّ الدُّعاءَ بابٌ مِن أبْوابِ الخُضُوعِ لِأنَّ العِبادَةَ خُضُوعٌ ولِأنَّ المُرادَ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ والِاسْتِكْبارُ إنَّما يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ إذا أتى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْبِرًا. قالَ في الكَشْفِ: وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وأنْسَبُ إلى السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ المُجادَلَةَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكِبْرِ جَعَلَ الدُّعاءَ وتَسْلِيمَ آياتِهِ مِنَ الخُضُوعِ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهُ تَعالى المُلْتَجِئَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُجادِلُ في آياتِهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ مِنهُ البَتَّةَ، والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وقالَ ) مِن عَطْفِ مَجْمُوعِ قِصَّةٍ عَلى مَجْمُوعِ أُخْرى لِاسْتِوائِهِما في الغَرَضِ، ولِهَذا لَمّا تَمَّمَ هَذِهِ القِصَّةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البَقَرَةَ: 117 وغَيْرَها] صَرَّحَ بِالغَرَضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ كَما بَنى القِصَّةَ أوَّلًا عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ [غافِرَ: 35] ولَوْ تُؤَمِّلَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ حَقَّ التَّأمُّلِ وُجِدَ جُلَّ الكَلامِ فِيها مَبْنِيًّا عَلى رَدِّ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وتَبْيِينِ وجْهِ الرَّدِّ في ذَلِكَ بِفُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ انْظُرْ إلى ما خُتِمَ بِهِ السُّورَةُ كَيْفَ يُطابِقُ ما بُدِئَتْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ﴾ [غافِرَ: 4] وكَيْفَ صَرَّحَ آخِرًا بِما رَمَزَ إلَيْهِ أوَّلًا لِتَقْضِيَ مِنهُ العَجَبَ فَهَذا وجْهُ العَطْفِ. انْتَهى. .
وما ذَكَرَهُ مِن أظَهْرِيَّةِ هَذا الوَجْهِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ ظاهِرٌ جِدًّا لِما في الأُولى مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ في مَوْضِعَيْنِ في الدُّعاءِ حَيْثُ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العِبادَةِ لِتَضَمُّنِها لَهُ أوْ لِأنَّهُ عِبادَةٌ خاصَّةٌ أُرِيدَ بِهِ المُطْلَقُ، وفي الِاسْتِجابَةِ حَيْثُ جُعِلَتِ الإثابَةُ عَلى العِبادَةِ لِتَرَتُّبِها عَلَيْها اسْتِجابَةً مَجازًا أوْ مُشاكَلَةً بِخِلافِ الثّانِي فَإنَّ فِيهِ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ وهو التَّجَوُّزُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو ﴿عَنْ عِبادَتِي﴾ ومَعَ هَذا هو بَعْدَ الحاجَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَنَزْعِ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ بَلْ قِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ فِيهِ لِأنَّ الإضافَةَ مُرادٌ بِها العَهْدُ هُنا فَتُفِيدُ ما تَقَدَّمَ، لَكِنَّ كَوْنَهُ أنْسَبَ بِالسِّياقِ أيْضًا مِمّا لا يَتِمُّ في نَظَرِي، وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿أسْتَجِبْ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ أيْ إنْ تَدْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم والِاسْتِجابَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَشْرُوطَةٌ بِالمَشِيئَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أُصُولُنا، وقَدْ صَرَّحَ
صفحة 82
فِي اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ [الأنْعامَ: 41] والِاسْتِكْبارُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى دُعاءً كانَتْ أوْ غَيْرَهُ كُفْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
وأمّا تَرْكُ ذَلِكَ لا عَنِ اسْتِكْبارٍ فَتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَخْفى، والمَقاماتُ في تَرْكِ الدُّعاءِ فَقِيلَ: مُتَفاوِتَةٌ فَقَدْ لا يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن لَمْ يَدْعُ اللَّهَ تَعالى يَغْضَبْ عَلَيْهِ»» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وقَدْ يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ مِن تَرْكِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ الدُّعاءَ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ وقَوْلِهِ عِلْمُهُ بِحالِي يُغْنِي عَنْ سُؤالِي، ورُبَّما يُقالُ: تَرْكُ الدُّعاءِ اكْتِفاءً بِعِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ دُعاءٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ «سَيُدْخَلُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإدْخالِ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو
غافر 40:61
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ بِأنْ أغابَ سُبْحانَهُ فِيهِ الشَّمْسَ فَجَعَلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بارِدًا مُظْلِمًا وجَعَلَ عَزَّ وجَلَّ بَرْدَهُ سَبَبًا لِضَعْفِ القُوى المُحَرِّكَةِ وظُلْمَتَهُ سَبَبًا لِهُدُوِّ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ إلى أشْياءَ أُخْرى جَعَلَها أسْبابًا لِلسُّكُونِ والرّاحَةِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ يُبْصِرُ فِيهِ أوْ بِهِ فالنَّهارُ إمّا ظَرْفُ زَمانٍ لِلْإبْصارِ أوْ سَبَبٌ لَهُ.
وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ الإبْصارِ لَهُ بِجَعْلِهِ مُبْصِرًا إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ وأنَّهُ بَلَغَ الإبْصارُ إلى حَدٍّ سَرى في نَهارِ المُبْصِرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: لِتُبْصِرُوا فِيهِ عَلى طُرُزِ ما وقَعَ في قَرِينِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا لِيَكُونَ فِيهِ المُبالَغَةُ المَذْكُورَةُ وتَخْرُجَ القَرِينَتانِ مَخْرَجًا واحِدًا في المُبالَغَةِ، قُلْتُ: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ نِعْمَةَ النَّهارِ أتَمُّ وأعْظَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّيْلِ فَسَلَكَ مَسْلَكَ المُبالَغَةِ فِيها، وتُرِكَتِ الأُخْرى عَلى الظّاهِرِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ النِّعْمَتَيْنِ فَرَسا رِهانٍ فَدَلَّ عَلى فَضْلِ الأُولى بِالتَّقْدِيمِ وعَلى فَضْلِ الأُخْرى بِالمُبالَغَةِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ يُوصَفُ عَلى الحَقِيقَةِ بِالسُّكُونِ فَيُقالُ: لَيْلٌ ساكِنٌ أيْ لا رِيحَ فِيهِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السُّكُونُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. فَلَوْ قِيلَ: ساكِنًا لَمْ يَتَمَيَّزِ المُرادُ نَظَرًا إلى الإطْلاقِ وإنْ تَمَيَّزَ نَظَرًا إلى قَرِينَةِ التَّقابُلِ.
وكانَ رُجْحانُ هَذا الأُسْلُوبِ لِأنَّ الكَلامَ المُحْكَمَ الواضِحَ بِنَفْسِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو الأصْلُ لا سِيَّما في خِطابٍ ورَدَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ لِلْخاصَّةِ والعامَّةِ، وهم مُتَفاوِتُونَ في الفَهْمِ والدِّرايَةِ النّاقِصَةِ والتّامَّةِ، وفي الكَشْفِ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإبْصارُ عِلَّةً غائِيَّةً في نَفْسِهِ بَلِ العِلَّةُ ابْتِغاءُ الفَضْلِ كَما ورَدَ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ القَصَصِ بِخِلافِ السُّكُونِ والدَّعَةِ في اللَّيْلِ صَرَّحَ بِذَلِكَ في الأوَّلِ ورَمَزَ في الثّانِي مَعَ إفادَةِ نُكْتَةٍ سَرِيَّةٍ في الإسْنادِ المَجازِيِّ.
وقالَ الجَلَبِيُّ: إذا حُمِلَتِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: المُرادُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ بِقَرِينَةِ الثّانِيَةِ ومِنَ الثّانِي بِقَرِينَةِ الأوَّلِ لَمْ يَحْتَجَّ إلى ما ذُكِرَ في تَعْلِيلِ تَرْكِ المُبالَغَةِ في القَرِينَةِ الأُولى، وهَذا هو المَشْهُورُ في الآيَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ لا يُوازِيهِ فَضْلٌ ولِقَصْدِ الإشْعارِ بِهِ لَمْ يَقُلِ المُفَضَّلُ ﴿عَلى النّاسِ﴾ بَرُّهم وفاجِرُهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواقِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ
صفحة 83
بِهِمْ، وذَلِكَ مِن إيقاعِهِ عَلى صَرِيحِ اسْمِهِمُ الظّاهِرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن شَأْنِهِمْ وخاصَّتِهِمْ في الغالِبِ.
غافر 40:62
﴿ذَلِكُمُ﴾ المُتَّصِفُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ تُخَصِّصُ اللّاحِقَةُ السّابِقَةَ وتُقَلِّلُ اشْتِراكَها في المَفْهُومِ نَظَرًا إلى أصْلِ الوَضْعِ وتُقَرِّرُها، وجُوِّزَ في بَعْضِها الوَصْفِيَّةُ والبَدَلِيَّةُ، وأخَّرَ ( خالِقُ كُلِ شَيْءٍ ) عَنْ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ في آيَةِ [106 مِن سُورَةِ الأنْعامِ]، وقَدَّمَ هُنا لِما أنَّ المَقْصُودَ ها هُنا عَلى ما قِيلَ الرَّدُّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ فَناسَبَ تَقْدِيمُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَبْدَأُ كُلِّ شَيْءٍ فَكَذا إعادَتُهُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «خالِقَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي أوْ أخَصُّ خالِقَ كُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اسْتِئْنافًا مِمّا هو كالنَّتِيجَةِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ ولا إلَهَ إلّا مَنِ اتَّصَفَ بِها فَلا إلَهَ إلّا هو ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ تُصْرَفُونَ مِن عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ طَلْحَةُ في رِوايَةٍ «يُؤْفَكُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.
غافر 40:63
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ العَجِيبِ الَّذِي لا وجْهَ لَهُ ولا مُصَحِّحَ أصْلًا يُؤْفَكُ كُلُّ مَن جَحَدَ بِآياتِهِ تَعالى أيَّ آيَةٍ كانَتْ لا إفْكًا آخَرَ لَهُ وجْهٌ ومُصَحِّحٌ في الجُمْلَةِ.
غافر 40:64
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ أيْ مُسْتَقَرًّا ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ قُبَّةً ومِنهُ أبْنِيَةُ العَرَبِ لِقِبابِهِمُ الَّتِي تُضْرَبُ وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى السَّماءِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وفِيهِ إشارَةٌ لِكُرَيَتِها. وهَذا بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالمَكانِ بَعْدَ بَيانِ فَضْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِالزَّمانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ في ( فَأحْسَنَ ) تَفْسِيرِيَّةٌ فالمُرادُ صَوَّرَكم أحْسَنَ تَصْوِيرٍ حَيْثُ خَلَقَ كُلًّا مِنكم مُنْتَصِبَ القامَةِ بادِيَ البَشَرَةِ مُتَناسِبَ الأعْضاءِ والتَّخْطِيطاتِ مُتَهَيِّأً لِمُزاوَلَةِ الصَّنائِعِ واكْتِسابِ الكِمالاتِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو رُزَيْنٍ «صِوَرَكم» بِكَسْرِ الصّادِ فِرارًا مِنَ الضَّمَّةِ قَبْلَ الواوِ، وجَمْعُ فُعْلَةٍ بِضَمِّ الفاءِ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِها شاذٌّ ومِنهُ قُوَّةٌ وقِوى بِكَسْرِ القافِ في الجَمْعِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «صُورَكم» بِضَمِّ الصّادِ وإسْكانِ الواوِ عَلى نَحْوِ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ طَعْمًا ولِباسًا وغَيْرَهُما وقِيلَ الحَلالُ ﴿ذَلِكُمُ﴾ الَّذِي نُعِتَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خَبَرانِ لِذَلِكم ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ تَعالى بِذاتِهِ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ والكُلُّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ تَعالى في ذاتِهِ ووُجُودِهِ وسائِرِ أحْوالِهِ جَمِيعِها بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ فَيْضُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَنْهُ آنًا لِعُدِمَ بِالكُلِّيَّةِ
غافر 40:65
﴿هُوَ الحَيُّ﴾ المُنْفَرِدُ بِالحَياةِ الذّاتِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ يُدانِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فادْعُوهُ﴾ فاعْبُدُوهُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ بِهِ تَعالى.
وتَفْسِيرُ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ الطّاعَةَ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ والجَلِيِّ وأنَّهُ الألْيَقُ بِالتَّرَتُّبِ عَلى ما ذُكِرَ مِن أوْصافِ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَتْ بِعُنْوانِ الدُّعاءِ لِأنَّ اللّائِقَ هو العِبادَةُ عَلى وجْهِ التَّضَرُّعِ والِانْكِسارِ والخُضُوعِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ.
صفحة 84
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَقُلْ عَلى أثَرِها الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ﴾ .. إلَخْ. . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَـ ( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ ) .. إلَخْ. مِن كَلامِ المَأْمُورِينَ بِالعِبادَةِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ إنْشاءُ حَمْدِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
غافر 40:66
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ أوْ مِنَ الآياتِ لِكَوْنِها مُؤَيِّدَةً لِأدِلَّةِ العَقْلِ مُنَبِّهَةً عَلَيْها فَإنَّ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ مُفَسِّراتٌ لِلْآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ بِأنْ أنْقادَ لَهُ تَعالى وأُخْلِصَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ دِينِيَ.
غافر 40:67
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ ثُمَّ خَلَقَكم خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ قِطْعَةِ دَمٍ جامِدٍ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ أيْ أطْفالًا وهو اسْمُ جِنْسٍ صادِقٌ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ.
وفِي المِصْباحِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَكُونُ الطِّفْلُ بِلَفْظٍ واحِدٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والجَمْعِ ويَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّهُ إفْرادٌ بِتَأْوِيلِ خَلَقَ كُلَّ فَرْدٍ مِن هَذا النَّوْعِ ثُمَّ يُخْرِجُ كُلَّ فَرْدٍ مِنهُ طِفْلًا ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا وذَلِكَ المَحْذُوفُ عَطْفٌ عَلى ( يُخْرِجُكم ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لِتَبْلُغُوا ) عَطْفًا عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ لِيُخْرِجَكم كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم وكَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ( لِتَبْلُغُوا ) .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «شُيُوخًا» بِكَسْرِ الشِّينِ. وقُرِئَ «شَيْخًا» كَقَوْلِهِ تَعالى: ( طِفْلًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ) أيْ مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ أيْضًا ﴿ولِتَبْلُغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ أيْ ولِتَبْلُغُوا ﴿أجَلا مُسَمًّى﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ بِفِعْلِ ذَلِكَ الخَلْقِ مِن تُرابٍ وما بَعْدَهُ مِنَ الأطْوارِ، وهو عَطْفٌ عَلى ( خَلَقَكم ) والمُرادُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ ما فِيهِ مِنَ الجَزاءِ فَإنَّ الخَلْقَ ما خُلِقُوا إلّا لِيَعْبُدُوا ثُمَّ يَبْلُغُوا الجَزاءَ، وتَفْسِيرُ الأجَلِ المُسَمّى بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقالَ بَعْضٌ: هو يَوْمُ المَوْتِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ وقْتَ المَوْتِ فُهِمَ مِن ذِكْرِ التَّوَفِّي قَبْلَهُ فالأوْلى تَفْسِيرُهُ بِما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ صَنِيعِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَرْجِيحُ هَذا عَلى ما بُيِّنَ في الكَشْفِ ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ولِكَيْ تَعْقِلُوا ما في ذَلِكَ التَّنَقُّلِ في الأطْوارِ مِن فُنُونِ الحِكَمِ والعِبَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: أيْ ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ عَنْ رَبِّكم أنَّهُ يُحْيِيكم كَما أماتَكُمْ
غافر 40:68
﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي﴾ الأمْواتَ ﴿ويُمِيتُ﴾ الأحْياءَ أوِ الَّذِي يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أرادَ بُرُوزَ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلى الوُجُودِ الخارِجِيِّ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا.
وهَذا عِنْدَ الخَلْفِ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى في المَقْدُوراتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِها وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ المُكَوِّناتِ عَلى تَكْوِينِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ ومَأْمُورٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، والفاءُ الأُولى
صفحة 85
لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مِن نَتائِجِ ما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي قُدْرَةً ذاتِيَّةً غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى العَدَدِ والمَوادِّ، وجُوِّزَ فِيها كَوْنُها تَفْصِيلِيَّةً وتَعْلِيلِيَّةً أيْضًا فَتَدَبَّرْ
غافر 40:69
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن أحْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ وآرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ تَكْذِيبِهِمْ بِكُلِّ القُرْآنِ وبِسائِرِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ وتَرْتِيبُ الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ، كَما أنَّ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ .. إلَخْ. بَيانٌ لِابْتِناءِ جِدالِهِمْ عَلى مَبْنًى فاسِدٍ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ فَلا تَكْرِيرَ فِيهِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.
وقالَ القاضِي: تَكْرِيرُ ذِكْرِ المُجادَلَةِ لِتَعَدُّدِ المُجادِلِ بِأنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْمًا وهُنا قَوْمًا آخَرِينَ أوِ المُجادَلَةُ فِيهِ بِأنْ يُحْمَلَ في كُلٍّ عَلى مَعْنًى مُناسِبٍ فَفِيما مَرَّ في البَعْثِ وهُنا في التَّوْحِيدِ أوْ هو لِلتَّأْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ ذَلِكَ. واخْتارَ ما في الإرْشادِ، أيِ انْظُرْ إلى هَؤُلاءِ المُكابِرِينَ المُجادِلِينَ في آياتِهِ تَعالى الواضِحَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِها الزّاجِرَةِ عَنِ الجِدالِ فِيها كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْها مَعَ تَعاضُدِ الدَّواعِي إلى الإقْبالِ عَلَيْها وانْتِفاءِ الصَّوارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ.
غافر 40:70
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِكُلِّ القُرْآنِ أوْ بِجِنْسِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَإنَّ تَكْذِيبَهُ تَكْذِيبٌ لَها في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لَهُ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وإنَّما وُصِلَ المَوْصُولُ الثّانِي بِالتَّكْذِيبِ دُونَ المُجادَلَةِ لِأنَّ المُعْتادَ وُقُوعُ المُجادَلَةِ في بَعْضِ المَوادِّ لا في الكُلِّ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ كَما أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ المُجادَلَةِ وتَكَرُّرِها ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ الكِتابِ أوْ مُطْلَقِ الوَحْيِ والشَّرائِعِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي فِيهِ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ما فَعَلُوا مِنَ الجِدالِ والتَّكْذِيبِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعُقُوباتِهِ
غافر 40:71
﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَعْلَمُونِ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ حَتّى كَأنَّهُ ماضٍ حَقِيقَةً فَلا تَنافُرَ بَيْنَ سَوْفَ وإذْ ﴿والسَّلاسِلُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( اَلْأغْلالُ ) والجارُّ والمَجْرُورُ في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذِ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ في أعْناقِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أيْ يَجُرُّونَ
غافر 40:72
﴿فِي الحَمِيمِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَعْلَمُونَ ) أوْ ضَمِيرِ ( في أعْناقِهِمْ ) أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( اَلسَّلاسِلُ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( يُسْحَبُونَ ) خَبَرُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُسْحَبُونَ بِها.
وجُوِّزَ كَوْنُ ( اَلْأغْلالُ ) مُبْتَدَأً ﴿والسَّلاسِلُ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( وفي أعْناقِهِمْ ) في مَوْضِعِ الحالِ، ولا يَخْفى حالُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ «والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ» بِنَصْبِ السَّلاسِلِ وبِناءِ يَسْحَبُونَ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ السَّلاسِلُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِيَسْحَبُونِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولا بَأْسَ بِالتَّفاوُتِ اسْمِيَّةً وفِعْلِيَّةً.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ «والسَّلاسِلِ» بِالجَرِّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ عَلى الجَرِّ بِخافِضٍ مَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِهِ:
أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ الأصابِعِ
أيْ وبِالسَّلاسِلِ كَما قُرِئَ بِهِ أوْ في السَّلاسِلِ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، والفَرّاءُ عَلى العَطْفِ بِحَسَبِ المَعْنى إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ بِمَعْنى أعْناقِهِمْ في الأغْلالِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:
مَشائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبَ إلّا بِبَيْنِ غُرابِها
صفحة 86
ويُسَمّى في غَيْرِ القُرْآنِ عَطَفَ التَّوَهُّمِ، وذَهَبَ إلى هَذا التَّخْرِيجِ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ بَعْدَ أنْ ضَعَّفَ تَخْرِيجَ الزَّجّاجِ خَرَّجَ القِراءَةَ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ: خاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدٌ العاقِلَيْنِ بِنَصْبِ العاقِلَيْنِ ورَفْعِهِ لِأنَّ أحَدَهُما إذا خاصَمَ صاحِبَهُ فَقَدْ خاصَمَ الآخَرُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لا تَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ونَقَلَ جَوازَها عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدانَ الكُوفِيِّ قالَ: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلٌ مَفْعُولٌ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يُحْرَقُونَ ظاهِرًا وباطِنًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ إيقادًا ويَكُونُ بِمَعْنى مَلْأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، ومِنهُ السَّجِيرُ لِلصَّدِيقِ الخَلِيلِ كَأنَّهُ سُجِرَ بِالحُبِّ أيْ مُلِئَ، ويُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ أنَّ السَّجْرَ مِنَ الأضْدادِ، وكِلا الِاشْتِقاقَيْنِ مُناسِبٌ في السَّجِيرِ أيْ مُلِئَ مِن حُبِّكَ أوْ فَرَغَ مِن غَيْرِكَ إلَيْكَ والأوَّلُ أظْهَرُ.
والمُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ أنَّهم مُعَذَّبُوهم بِأنْواعِ العَذابِ سَحْبِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ المُوقَدَةِ ثُمَّ تَسْلِيطِ النّارِ عَلى باطِنِهِمْ وأنَّهم يُعَذَّبُونَ ظاهِرًا وباطِنًا فَلا اسْتِدْراكَ في ذِكْرٍ هَذا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ.
غافر 40:73
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والسُّؤالُ لِلتَّوْبِيخِ، وضَلالُهم عَنْهم بِمَعْنى غَيْبَتِهِمْ مِن ضَلَّتْ دابَّتُهُ إذا لَمْ يَعْرِفْ مَكانَها، وهَذا لا يُنافِي ما يُشْعِرُ بِأنَّ آلِهَتَهم مَقْرُونُونَ بِهِمْ في النّارِ لِأنَّ لِلنّارِ طَبَقاتٍ ولَهم فِيها مَواقِفُ فَيَجُوزُ غَيْبَتُهم عَنْهم في بَعْضِها واقْتِرانُهم بِهِمْ في بَعْضٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَلالُهُمُ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ النَّفْعِ فَحُضُورُهم كالعَدَمِ فَذُكِرَ عَلى حَقِيقَتِهِ في مَوْضِعٍ وعَلى مَجازِهِ في آخَرَ ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ بَلْ تَبَيَّنَ لَنا اليَوْمَ ( أنّا ) لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ في الدُّنْيا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ عِنْدَهم أوْ لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ إلى أنَّها لَيْسَتْ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ.
وفِي ذَلِكَ اعْتِرافٌ بِخَطَئِهِمْ ونَدَمٌ عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ، وجَعَلَ الجَلَبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامَ: 23] يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ لِحَيْرَتِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ أنَّهُ تَعالى يُحَيِّرُهم في أمْرِهِمْ حَتّى يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ هو المُناسِبُ لِلسِّياقِ.
ومَعْنى هَذا مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ يَضِلُّ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا الكافِرِينَ حَتّى أنَّهم يَدَّعُونَ فِيها ما يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أوْ مِثْلُ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم في الآخِرَةِ نُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ فِيها حَتّى لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ وطَلَبَتْهم لَمْ يَلْقَ بَعْضُهم بَعْضًا أوْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ وعَدَمُ النَّفْعِ يُضِلُّ اللَّهُ تَعالى الكافِرِينَ حَتّى لا يَهْتَدُوا في الدُّنْيا إلى ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، وفي المَجْمَعِ كَما أضَلَّ اللَّهُ تَعالى أعْمالَ هَؤُلاءِ وأبْطَلَ ما كانُوا يُؤَمِّلُونَهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِأعْمالِ جَمِيعِ مَن يَتَدَيَّنُ بِالكُفْرِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنها، فَإضْلالُ الكافِرِينَ عَلى مَعْنى إضْلالِ أعْمالِهِمْ أيْ إبْطالِها، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ في مَعْناهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
غافر 40:74
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والسُّؤالُ لِلتَّوْبِيخِ، وضَلالُهم عَنْهم بِمَعْنى غَيْبَتِهِمْ مِن ضَلَّتْ دابَّتُهُ إذا لَمْ يَعْرِفْ مَكانَها، وهَذا لا يُنافِي ما يُشْعِرُ بِأنَّ آلِهَتَهم مَقْرُونُونَ بِهِمْ في النّارِ لِأنَّ لِلنّارِ طَبَقاتٍ ولَهم فِيها مَواقِفُ فَيَجُوزُ غَيْبَتُهم عَنْهم في بَعْضِها واقْتِرانُهم بِهِمْ في بَعْضٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَلالُهُمُ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ النَّفْعِ فَحُضُورُهم كالعَدَمِ فَذُكِرَ عَلى حَقِيقَتِهِ في مَوْضِعٍ وعَلى مَجازِهِ في آخَرَ ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ بَلْ تَبَيَّنَ لَنا اليَوْمَ ( أنّا ) لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ في الدُّنْيا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ عِنْدَهم أوْ لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ إلى أنَّها لَيْسَتْ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ.
وفِي ذَلِكَ اعْتِرافٌ بِخَطَئِهِمْ ونَدَمٌ عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ، وجَعَلَ الجَلَبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامَ: 23] يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ لِحَيْرَتِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ أنَّهُ تَعالى يُحَيِّرُهم في أمْرِهِمْ حَتّى يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ هو المُناسِبُ لِلسِّياقِ.
ومَعْنى هَذا مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ يَضِلُّ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا الكافِرِينَ حَتّى أنَّهم يَدَّعُونَ فِيها ما يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أوْ مِثْلُ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم في الآخِرَةِ نُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ فِيها حَتّى لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ وطَلَبَتْهم لَمْ يَلْقَ بَعْضُهم بَعْضًا أوْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ وعَدَمُ النَّفْعِ يُضِلُّ اللَّهُ تَعالى الكافِرِينَ حَتّى لا يَهْتَدُوا في الدُّنْيا إلى ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، وفي المَجْمَعِ كَما أضَلَّ اللَّهُ تَعالى أعْمالَ هَؤُلاءِ وأبْطَلَ ما كانُوا يُؤَمِّلُونَهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِأعْمالِ جَمِيعِ مَن يَتَدَيَّنُ بِالكُفْرِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنها، فَإضْلالُ الكافِرِينَ عَلى مَعْنى إضْلالِ أعْمالِهِمْ أيْ إبْطالِها، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ في مَعْناهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
غافر 40:75
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن سَحْبِهِمْ في السَّلاسِلِ والأغْلالِ وتَسْجِيرِهِمْ في النّارِ وتَوْبِيخِهِمْ بِالسُّؤالِ، وجُوِّزَ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إضْلالِ اللَّهِ تَعالى الكافِرِينَ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ تَبْطُرُونَ وتَأْشَرُونَ كَما
صفحة 87
قالَ مُجاهِدٌ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهو الشِّرْكُ والمَعاصِي أوْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ، وفي ذَلِكَ ( اَلْأرْضِ ) زِيادَةُ تَفْظِيعٍ لِلْبَطَرِ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تَتَوَسَّعُونَ في الفَرَحِ، وقِيلَ: المَعْنى بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُصِيبُ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى وأوْلِياءَهُ مِنَ المَكارِهِ وبِما كُنْتُمْ تَتَوَسَّعُونَ في الفَرَحِ بِما أُوتِيتُمْ حَتّى نَسِيتُمْ لِذَلِكَ الآخِرَةَ واشْتَغَلْتُمْ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ، وفي الحَدِيثِ ««اللَّهُ تَعالى يَبْغَضُ البَذِخِينَ الفَرَحِينَ ويُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ»» وبَيْنَ الفَرَحِ والمَرَحِ تَجْنِيسٌ حَسَنٌ، والعُدُولُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ لِأنَّ ذَمَّ المَرْءِ في وجْهِهِ تَشْهِيرٌ لَهُ، ولِذا قِيلَ: النُّصْحُ بَيْنَ المَلَأِ تَقْرِيعٌ
غافر 40:76
﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أيِ الأبْوابَ المَقْسُومَةَ لَكم ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ، وكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ الجَلِيلِ حَيْثُ صُدِّرَ بِادْخُلُوا أنْ يُقالَ: فَبِئْسَ مَدْخَلُ المُتَكَبِّرِينَ لِيَتَجاوَبَ الصَّدْرُ والعَجُزُ لَكِنْ لَمّا كانَ الدُّخُولُ المُقَيَّدُ بِالخُلُودِ سَبَبَ الثَّواءِ عَبَّرَ بِالمَثْوى وصَحَّ التَّجاوُبُ مَعْنًى، وهَذا الأمْرُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ مَقُولٌ لَهم بَعْدَ المُحاوَرَةِ السّابِقَةِ وهم في النّارِ، ومَطْمَحُ النَّظَرِ فِيهِ الخُلُودُ فَهو أمْرٌ بِقَيْدِ الخُلُودِ لا بِمُطْلَقِ الدُّخُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هم بَعْدَ الدُّخُولِ فِيها أُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا الأبْوابَ المَقْسُومَةَ لَهم فَكانَ أمْرًا بِالدُّخُولِ بِقَيْدِ التَّجْزِئَةِ لِكُلِّ بابٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقالُ لَهم قَبْلَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ في أوَّلِ الأمْرِ ادْخُلُوا.
غافر 40:77
﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِتَعْذِيبِ أعْدائِكَ الكَفَرَةِ ﴿حَقٌّ﴾ كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصْلُهُ فَإنْ نَرَكَ فَزِيدَتْ ( ما ) لِتَوْكِيدِ ( إنِ ) الشَّرْطِيَّةِ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَلْحَقَ الفِعْلَ نُونُ التَّوْكِيدِ عَلى ما قِيلَ: وإلى التَّلازُمِ بَيْنَ ما ونُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ. والزَّجّاجُ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما زِيادَةُ ما بِدُونِ إلْحاقِ نُونٍ ولا إلْحاقُ نُونٍ بِدُونِ زِيادَةِ ما ورَدَ بِقَوْلِهِ:
فَإمّا تَرَيَنِّي ولِي لُمَّةٌ فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
ونَسَبَ أبُو حَيّانَ عَلى كَلامٍ فِيهِ جَوازَ الأمْرَيْنِ إلى سِيبَوَيْهِ والغالِبُ أنَّ إنْ إذا أُكِّدَتْ - بِما - يَلْحَقُ الفِعْلَ بَعْدَها نُونُ التَّوْكِيدِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ وهو القَتْلُ والأسْرُ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، وهو جَوابُ ( نَتَوَفَّيَنَّكَ ) وجَوابُ ( نُرِيَنَّكَ ) مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُما عَلى مَعْنى أنْ نُعَذِّبَهم في حَياتِكَ أوْ لَمْ نُعَذِّبْهم فَإنّا نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ أشَدَّ العَذابِ ويَدُلُّ عَلى شِدَّتِهِ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الرُّجُوعِ في هَذا المَعْرِضِ. والزَّمَخْشَرِيُّ آثَرَ في الآيَةِ هُنا ما ذُكِرَ أوَّلًا وذُكِرَ في [الرَّعْدَ: 40] في نَظِيرِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المَقْرُونَةَ بِالفاءِ جَوابٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، قالَ في الكَشْفِ: والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ ) [الرُّومَ: 60، غافِرَ: 55، 77] عِدَةٌ لِلْإنْجازِ والنَّصْرِ وهو الَّذِي هَمُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَمُّ المُؤْمِنِينَ مَعْقُودٌ بِهِ لِمُقْتَضى هَذا السِّياقِ فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ فَذاكَ هُناكَ ثُمَّ جِيءَ بِالتَّقْدِيرِ الثّانِي رَدًّا لِشَماتَتِهِمْ وأنَّهُ مَنصُورٌ عَلى كُلِّ حالٍ وإتْمامًا لِلتَّسَلِّي، وأمّا مَساقُ الَّتِي في الرَّعْدِ فَلا يُجابُ التَّبْلِيغُ وأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ كَيْفَما دارَتِ القَضِيَّةُ، فَمَن ذَهَبَ إلى إلْحاقِ ما هُنا بِما في الرَّعْدِ ذَهَبَ عَنْهُ مَغْزى الزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى. فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ويَعْقُوبُ «يَرْجِعُونَ» بِفَتْحِ الياءِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ويَعْقُوبُ في رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ
صفحة 88
حَسّانَ بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ
غافر 40:78
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا﴾ ذَوِي خَطَرٍ وكَثْرَةٍ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ مِن قَبْلِ إرْسالِكَ.
﴿مِنهم مَن قَصَصْنا﴾ أوْرَدْنا أخْبارَهم وآثارَهم ﴿عَلَيْكَ﴾ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ وهم أكْثَرُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««قُلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ عِدَّةُ الأنْبِياءِ ؟ قالَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا الرُّسُلُ مِن ذَلِكَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا»» والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ في الآيَةِ ما هو أخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ، ورُبَّما يُوهِمُ صَنِيعُ القاضِي أنَّ المُرادَ بِهِ ما هو مُساوٍ لِلنَّبِيِّ.
وأيًّا ما كانَ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى عَدَمِ عِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعَدَدِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تَوَهَّمَ بَعْضُ النّاسِ، ورُدَّ لِذَلِكَ خَبَرُ الإمامِ أحْمَدَ وجَرى بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ النِّزاعِ ما جَرى، وذَلِكَ لِأنَّ المَنفِيَّ القَصُّ وقَدْ عَلِمْتَ مَعْناهُ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ ذَلِكَ نَفْيُ ذِكْرِ أسْمائِهِمْ، ولَوْ سُلِّمَ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ ذِكْرِ الأسْماءِ نَفْيُ ذِكْرِ أنَّ عِدَّتَهم كَذا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِذِكْرِ أسْمائِهِمْ، عَلى أنَّ النَّفْيَ بِلَمْ وهي عَلى الصَّحِيحِ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا فالمَنفِيُّ القَصُّ في الماضِي ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ قُصُّوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمِيعًا بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَنْزِلْ ذَلِكَ قُرْآنًا، وأظْهَرُ مِن ذَلِكَ في الدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ اسْتِمْرارِ النَّفْيِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ [النِّساءَ: 164] لِتَبادُرِ الذِّهْنِ فِيهِ إلى أنَّ المُرادَ لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ لِمَكانٍ ﴿قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ وبِالجُمْلَةِ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ عِدَّةَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا عَلِمَها بَعْدَ جَهْلٍ عَظِيمٍ بَلْ خِذْلانٍ جَسِيمٍ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَبْدًا حَبَشِيًّا نَبِيًّا فَهو مِمَّنْ لَمْ يُقْصَصْ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِلَفْظِ «إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ نَبِيًّا أسْوَدَ في الحَبَشِ فَهو مِمَّنْ لَمْ يُقْصَصْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ» والمُرادُ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ أنَّهُ لَمْ تُذْكَرْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِصَصُهُ وآثارُهُ ولا أُورِدَتْ عَلَيْهِ أحْوالُهُ وأخْبارُهُ كَما كانَ في شَأْنِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما مِنَ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعْثَةُ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِذَلِكَ إذْ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وأيْضًا لَوْ أُرِيدَ ما ذُكِرَ فَمِن أيْنَ عَلِمَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أوِ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ وهَلْ يَقُولُ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ عَلى عِلْمٍ لَمْ يُفْضَ عَلَيْكَ مِن تِلْكَ المَدِينَةِ حاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ وكَذا ابْنُ عَمِّهِ العَبّاسِ عَبْدُ اللَّهِ.
واسْتُشْكِلَ هَذا الخَبَرُ بِأنَّ فِيهِ رِسالَةَ العَبْدِ وقَدْ قالُوا العَبْدُ لا يَكُونُ رَسُولًا، وأُجِيبَ بِأنَّ العَبْدَ فِيهِ لَيْسَ بِمَعْنى المَمْلُوكِ وهو الَّذِي لا يَكُونُ رَسُولًا لِنُقْصانِ تَصَرُّفِهِ ونَفْرَةِ النُّفُوسِ عَنِ اتِّباعِهِ بَلْ هو أحَدُ العَبِيدِ بِمَعْنى السُّودانِ عُرْفًا ولَوْ قِيلَ: إنَّ العَبْدَ بِهَذا المَعْنى لا يَكُونُ رَسُولًا أيْضًا لِنَفْرَةِ النُّفُوسِ عَنِ اتِّباعِهِ كَنَفْرَتِها عَنِ اتِّباعِ المَمْلُوكِ قُلْنا: عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ النَّفْرَةِ إنَّما هي فِيما إذا كانَ الإرْسالُ لِغَيْرِ السُّودانِ وأمّا إذا كانَ الإرْسالُ لِلسُّودانِ فَلَيْسَتْ هُناكَ نَفْرَةٌ أصْلًا، وظاهِرُ لَفْظِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ إنَّما بُعِثَ في الحَبَشِ والتِزامُ أنَّهُ لا يَكُونُ رَسُولٌ مِنَ السُّودانِ أوْلادِ حامٍ مِمّا لا يُساعِدُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ لِأنَّهُ إنْ كانَتِ النَّفْرَةُ مانِعَةً مِنَ الإرْسالِ فَهي لا تَتَحَقَّقُ فِيما إذا كانَ الإرْسالُ إلى بَنِي صِنْفِهِ وإنْ كانَ المانِعُ أنَّهُ لا يُوجَدُ مُتَأهِّلٌ لِلْإرْسالِ في بَنِي حامٍ لِنُقْصانِ عُقُولِهِمْ وقِلَّةِ كَمالِهِمْ فَدَعْوى ذَلِكَ جَهْلٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ وكَمْ رَأيْنا في أبْناءِ حامٍ مَن هو أعْقَلُ وأكْمَلُ مِن كَثِيرٍ مِن أبْناءِ سامٍ ويافِثَ، وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ قاطِعٌ مِن نَبِيِّنا
صفحة 89
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ لا يَكُونُ مِن أُولَئِكَ رَسُولٌ فَلْيُذْكَرْ وأنّى بِهِ ثُمَّ إنَّ أمْرَ النُّبُوَّةِ فِيمَن ذُكِرَ أهْوَنُ مِن أمْرِ الرِّسالَةِ كَما لا يَخْفى، وكَأنَّهُ لِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا قالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: في صِحَّةِ الخَبَرِ نَظَرٌ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ﴾ أيْ وما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِرَسُولٍ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ بِمُعْجِزَةٍ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فالمُعْجِزاتُ عَلى تَشَعُّبِ فُنُونِها عَطايا مِنَ اللَّهِ تَعالى قَسَّمَها بَيْنَهم حَسْبَما اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ كَسائِرِ القَسْمِ لَيْسَ لَهُمُ اخْتِيارٌ في إيثارِ بَعْضِها والِاسْتِبْدادِ بِإتْيانِ المُقْتَرَحِ بِها ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ بِإنْجاءِ المُحِقِّ وإثابَتِهِ وإهْلاكِ المُبْطِلِ وتَعْذِيبِهِ ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ﴾ أيْ وقْتُ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى اسْمُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ ﴿المُبْطِلُونَ﴾ المُتَمَسِّكُونَ بِالباطِلِ عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المُعانِدُونَ المُقْتَرِحُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ المُبْطِلِينَ بِهِمْ وفَسَّرَ أمْرَ اللَّهِ بِالقِيامَةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ وما ذَكَرْنا أوْلى.
وأبْعَدُ ما رَأيْنا في الآيَةِ أنَّ المَعْنى فَإذا أرادَ اللَّهُ تَعالى إرْسالَ رَسُولٍ وبَعْثَةَ نَبِيٍّ قَضى ذَلِكَ وأنْفَذَهُ بِالحَقِّ وخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ وحَصَلَ عَلى فَسادِ آخِرَتِهِ.
غافر 40:79
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ المُرادُ بِها الإبِلُ خاصَّةً كَما حُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ في نَظِيرِ الآيَةِ أيْ خَلَقَها لِأجْلِكم ولِمَصْلَحَتِكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ .. إلَخْ. تَفْصِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ إجْمالًا، ومِن هُنا جَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم بَدَلًا مِمّا قَبْلَهُ بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ أيِ ابْتِداءَ تَعَلُّقِ الرُّكُوبِ بِها أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ وكَذا ( مِن ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ عَلى إرادَةِ التَّبْعِيضِ أنَّ كُلًّا مِنَ الرُّكُوبِ والأكْلِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنها بِحَيْثُ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرُ بَلْ عَلى أنَّ كُلَّ بَعْضٍ مِنها صالِحٌ لِكُلٍّ مِنهُما. نَعَمْ كَثِيرًا ما يَعُدُّونَ النَّجائِبَ مِنَ الإبِلِ لِلرُّكُوبِ، والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَلَبِيُّ عَطْفٌ عَلى المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ في مَعْنى مِنها تَرْكَبُونَ أوْ إنَّ مِنها تَأْكُلُونَ في مَعْنى لِتَأْكُلُوا مِنها لَكِنْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ كَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ.
وقالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ لَكِنْ يَرِدُ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ فِيهِ عَطْفَ الحالِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ ولا مَحِيصَ عَنْهُ سِوى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ أيْ خَلَقَ لَكُمُ الأنْعامَ مِنها تَأْكُلُونَ لِيَكُونَ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ.
وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَلُحْ لِي وجْهُ جَعْلِ هَذِهِ الواوِ عاطِفَةً مُحْتاجَةً إلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّها واوٌ حالِيَّةٌ سَواءٌ قُلْنا إنَّها حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ والمُنْساقُ إلى ذِهْنِي العَطْفُ بِحَسَبِ المَعْنى، ولَعَلَّ اعْتِبارَهُ في جانِبِ المَعْطُوفِ أيْسَرَ فَيُعْتَبَرُ أيْضًا في
غافر 40:80
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ غَيْرُ الرُّكُوبِ والأكْلِ كالألْبانِ والأوْبارِ والجُلُودِ ويُقالُ: إنَّهُ في مَعْنى ولِتَنْتَفِعُوا بِمَنافِعَ فِيها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ أمْرًا ذا بالٍ تَهْتَمُّونَ بِهِ وذَلِكَ كَحَمْلِ الأثْقالِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهَذا عَطْفٌ عَلى لِتَرْكَبُوا مِنها جاءَ عَلى نَمَطِهِ، وكانَ الظّاهِرُ المُزاوَجَةَ بَيْنَ الفَوائِدِ المُحَصَّلَةِ مِنَ الأنْعامِ بِأنْ يُؤْتى بِاللّامِ في الجَمِيعِ أوْ تُتْرَكَ فِيهِ لَكِنْ عَدَلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِنُكْتَةٍ.
صفحة 90
قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ الأنْعامَ ها هُنا لَمّا أُرِيدَ بِها الإبِلُ خاصَّةً جَعَلَ الرُّكُوبَ وبُلُوغَ الحاجَةِ مِن أتَمِّ الغَرَضِ مِنها لِأنَّ مِن مَنافِعِها الرُّكُوبَ والحَمْلَ عَلَيْها، وأمّا الأكْلُ مِنها والِانْتِفاعُ بِأوْبارِها وألْبانِها بِالنِّسْبَةِ إلى ذَيْنَكِ الأمْرَيْنِ فَنَزْرٌ قَلِيلٌ، فَأدْخَلَ اللّامَ عَلَيْهِما وجُعِلا مُكْتَنِفَيْنِ لِما بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أيْضًا مِمّا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ ولَكِنْ قاصِرًا عَنْهُما، وأمّا الِاخْتِصاصُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ فَلِأنَّها مِن بَيْنِ ما يُقْصَدُ لِلرُّكُوبِ ويُعَدُّ لِلْأكْلِ فَلا يَنْتَقِضُ بِالخَيْلِ عَلى مَذْهَبِ مَن أباحَ لَحْمَها ولا بِالبَقَرِ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: إنَّما قِيلَ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِتَأْكُلُوا مِنها ولِتَصِلُوا إلى المَنافِعِ لِأنَّهم في الحالِ آكِلُونَ وآخِذُونَ المَنافِعَ وأمّا الرُّكُوبُ وبُلُوغُ الحاجَةِ فَأمْرانِ مُنْتَظَرانِ فَجِيءَ فِيهِما بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْبالِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكُلَّ مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ الخَلْقِ.
وقالَ القاضِي: تَغْيِيرُ النَّظْمِ في الأكْلِ لِأنَّهُ في حَيِّزِ الضَّرُورَةِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِهِ: يَعْنِي أنَّ مَدْخُولَ الغَرَضِ لا يَلْزَمُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى الفِعْلِ، فالتَّغْيِيرُ إلى صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مَعَ الإتْيانِ بِصِيغَةِ الِاسْتِمْرارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى امْتِيازِهِ عَنِ الرُّكُوبِ في كَوْنِهِ مِن ضَرُورِيّاتِ الإنْسانِ. ويَطَّرِدُ هَذا الوَجْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ لِأنَّ المُرادَ مَنفَعَةُ الشُّرْبِ واللُّبْسِ وهَذا مِمّا يَلْحَقُ بِالضَّرُورِيّاتِ وهو لا يَضُرُّ نَعَمْ فِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الرُّكُوبَ وبُلُوغَ الحاجَةِ يَصِحُّ أنْ يَكُونا غَرَضَ الحَكِيمِ جَلَّ شَأْنُهُ لِما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ كَإقامَةِ دِينٍ وطَلَبِ عِلْمٍ واجِبٍ أوْ مَندُوبٍ فَلِذا جِيءَ فِيهِما بِاللّامِ بِخِلافِ الأكْلِ وإصابَةِ المَنافِعِ فَإنَّهُما مِن جِنْسِ المُباحاتِ الَّتِي لا تَكُونُ غَرَضَ الحَكِيمِ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ مِنَ الرَّبْطِ بَيْنَ الأمْرِ والإرادَةِ ولا يَصِحُّ أيْضًا لِأنَّ المُباحاتِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ تَصِحُّ أنْ تَكُونَ غَرَضَ الحَكِيمِ جَلَّ جَلالُهُ عِنْدَهم، ويا لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يُونُسَ: 67] نَعَمْ لَوْ ذُكِرَ أنَّهُ لِاشْتِمالِهِ عَلى الغَرَضِ الدِّينِيِّ كانَ أنْسَبَ بِدُخُولِ اللّامِ لَكانَ وجْهًا إنْ تَمَّ.
وقِيلَ: تَغْيِيرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ في الأكْلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ فَكالتّابِعِ لِلْأكْلِ فَأُجْرِيَ مَجْراهُ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَيْها﴾ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ لِيَجْمَعَ بَيْنَ سَفائِنِ البَرِّ وسَفائِنِ البَحْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وعَلَيْها في البَرِّ وعَلى الفُلْكِ في البَحْرِ تُحْمَلُونَ فَلا تَكْرارَ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لَعَلَّ المُرادَ بِهَذا الحَمْلِ حَمْلُ النِّساءِ والوَلَدانِ عَلَيْها بِالهَوْدَجِ وهو السِّرُّ في فَصْلِهِ عَنِ الرُّكُوبِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ قِيلَ: لِمُراعاةِ الفَواصِلِ كَتَقْدِيمِهِ قَبْلُ.
وقِيلَ التَّقْدِيمُ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ لِلِاهْتِمامِ وقِيلَ: ( عَلى اَلْفُلْكِ ) دُونَ في الفُلْكِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هُودَ: 40] لِأنَّ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ والِاسْتِعْلاءِ مَوْجُودٌ فِيها فَيَصِحُّ كُلٌّ مِنَ العِبارَتَيْنِ، والمُرَجَّحُ لِعَلى هُنا المُشاكَلَةُ.
وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالأنْعامِ الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ فَمَعْنى الرُّكُوبِ والأكْلِ مِنها تَعَلُّقُهُما بِالكُلِّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُخْتَصٌّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنها بِحَيْثُ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرُ بَلْ عَلى أنَّ بَعْضَها يَتَعَلَّقُ بِهِ الأكْلُ فَقَطْ كالغَنَمِ وبَعْضُها يَتَعَلَّقُ بِهِ كِلاهُما كالإبِلِ ومِنهم مَن عَدَّ البَقَرَ أيْضًا ورُكُوبَهُ مُعْتادٌ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الأخْبِيَةِ، وأدْرَجَ بَعْضُهُمُ الخَيْلَ والبِغالَ وسائِرَ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ البَهائِمِ في الأنْعامِ وهو ضَعِيفٌ.
ورُجِّحَ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ عَلى القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنِ الزَّجّاجِ مِن أنَّ المُرادَ الإبِلُ خاصَّةً بِأنَّ المَقامَ
صفحة 91
مَقامُ امْتِنانٍ وهو مُقْتَضٍ لِلتَّعْمِيمِ، والظّاهِرُ ذاكَ، وكَوْنُ المَقامِ مَقامَ امْتِنانٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هو مَقامُ اسْتِدْلالٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشِيَةَ: 17] كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ، ولا يَأْباهُ ذِكْرُ المَنافِعِ فَإنَّهُ اسْتِطْرادِيٌّ
غافر 40:81
﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ شُؤُونِهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ فَأيَّ آيَةٍ مِن تِلْكَ الآياتِ ﴿تُنْكِرُونَ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِنها مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْتَرِئُ عَلى إنْكارِها مَن لَهُ عَقْلٌ في الجُمْلَةِ. فَأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ وهي مَنصُوبَةٌ بِتُنْكِرُونَ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ إنْكارِها وتَنْكِيرُ أيْ في مِثْلِ ما ذُكِرَ هو الشّائِعُ المُسْتَفِيضُ والتَّأْنِيثُ قَلِيلٌ ومِنهُ قَوْلُهُ:
بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ نَحْوَ حِمارٍ وحَمّارَةٍ غَرِيبٌ وهي في أيْ أغْرَبُ لِإبْهامِهِ لِأنَّهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَمّا هو مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ السّائِلِ والتَّفْرِقَةُ مُخالَفَةٌ لِما ذُكِرَ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّمْيِيزَ بَيْنَ ما هو مُؤَنَّثٌ ومُذَكَّرٌ فَيَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ
غافر 40:82
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ أقَعَدُوا فَلَمْ يَسِيرُوا عَلى أحَدِ الرَّأْيَيْنِ: ﴿فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ .. إلَخْ. اسْتِئْنافٌ نَظِيرَ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ أوَّلَ السُّورَةِ بَلْ أكْثَرُ الكَلامِ هُناكَ جارٍ ها هُنا ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما الأُولى نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى النَّفْيِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِأغْنى، والثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِهِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ الحاصِلُ بِالتَّأْوِيلِ مَرْفُوعٌ بِهِ أيْضًا أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهم أوْ أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُمُ الَّذِي كَسَبُوهُ أوْ كَسْبُهُمْ
غافر 40:83
﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ المُعْجِزاتِ أوِ الآياتِ الواضِحاتِ الشّامِلَةِ لِذَلِكَ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ ذُكِرَ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ. الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ عَقائِدُهُمُ الزّائِغَةُ وشُبَهُهُمُ الدّاحِضَةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ وغَيْرِهِما أوْ عَقائِدُهُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالعِلْمِ عَلى زَعْمِهِمْ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النَّمْلَ: 66] . والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَسْتَحْقِرُونَ لَهُ عِلْمَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَدْفَعُونَ بِهِ البَيِّناتِ. الثّانِي أنَّ المُرادَ بِهِ عِلْمُ الفَلاسِفَةِ والدَّهْرِيِّينَ مِن بَنِي يُونانَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ فَكانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ. وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتُ إلَيْهِ فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مُهَذَّبُونَ فَلا حاجَةَ لَنا إلى مَن يُهَذِّبُنا. والزَّمانُ مُتَشابِهٌ فَقَدْ رَأيْنا مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ خاتَمِ المُرْسَلِينَ ﷺ واسْتَنْكَفَ عَنِ الِانْتِسابِ إلى شَرِيعَةِ أحَدٍ مِنهم فَرَحًا بِما لَحِسَ مِن فَضَلاتِ الفَلاسِفَةِ وقالَ: إنَّ العِلْمَ هو ذاكَ دُونَ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. الثّالِثُ أنَّ أصْلَ المَعْنى فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ فَوُضِعُوا مَوْضِعَهُ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ الجَهْلِ ثُمَّ سُمِّيَ ذَلِكَ الجَهْلُ عِلْمًا لِاغْتِباطِهِمْ بِهِ ووَضْعِهِمْ إيّاهُ مَكانَ ما يَنْبَغِي لَهم مِنَ الِاغْتِباطِ بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ التَّهَكُّمُ بِفَرْطِ جَهْلِهِمْ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهم مِنَ العِلْمِ، وضَمِيرُ ( فَرِحُوا وعِنْدَهم ) عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِلْكَفَرَةِ المُحَدَّثِ عَنْهم.
الرّابِعُ أنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ ( فَرِحُوا ) لِلْكَفَرَةِ وضَمِيرُ ( عِنْدَهم ) لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُرادُ بِالعِلْمِ الحَقُّ الَّذِي جاءَ المُرْسَلُونَ بِهِ أيْ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، وخُلاصَتُهُ أنَّهُمُ اسْتَهْزَؤُوا
صفحة 92
بِالبَيِّناتِ وبِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِلْمِ الوَحْيِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
الخامِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا جَهْلَ الكَفَرَةِ المُتَمادِي واسْتِهْزاءَهم بِالحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ تَعالى وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءَ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ.
السّادِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ عِلْمُهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتُهم بِتَدْبِيرِها كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الرُّومَ: 7] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النَّجْمَ: 30] فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعِلْمِ الدِّياناتِ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِمْ لِبَعْثِها عَلى رَفْضِ الدُّنْيا والظِّلْفِ عَنِ المَلاذِّ والشَّهَواتِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وصَغَّرُوها واسْتَهْزَؤُوا بِها واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعَ وأجْلَبَ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ فَفَرِحُوا بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والأرْجَحُ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأوْجُهِ السِّتَّةِ الثّالِثُ فَفِيهِ التَّهَكُّمُ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهِمْ مِنَ العِلْمِ ومُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وزِيادَةً سالِمٌ عَنْ عَدَمِ الطِّباقِ لِلْواقِعِ كَما في الثّانِي وعَنْ قُصُورِ العِبارَةِ عَنِ الأداءِ كالرّابِعِ وعَنْ فَكِّ الضَّمائِرِ كَما في الخامِسِ، والسّادِسُ قَرِيبٌ لَكِنَّهُ قاصِرٌ عَنْ فَوائِدِ الثّالِثِ. انْتَهى. فَتَأمَّلْهُ جِدًّا. وأبُو حَيّانَ اسْتَحْسَنَ الوَجْهَ السّادِسَ وتَعَقَّبَ الوَجْهَ الثّالِثَ بِأنَّهُ لا يُعَبِّرُ بِالجُمْلَةِ الظّاهِرِ كَوْنُها مُثْبَتَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ نَحْوَ شَرٌّ أهَرُّ ذا نابٍ عَلى خِلافٍ فِيهِ، ولَما آلَ أمْرُهُ إلى الإثْباتِ المَحْصُورِ جازَ، وأمّا الآيَةُ فَيَنْبَغِي أنْ لا تُحْمَلَ عَلى القَلِيلِ لِأنَّ في ذَلِكَ تَخْلِيطًا لِمَعانِي الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ فَلا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَبايُنَ مَعْنى بَيْنَ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ و﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ عَلى ما قُرِّرَ. نَعَمْ هَذا الوَجْهُ عِنْدِي مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنٍ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وكَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ
غافر 40:84
﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ شِدَّةَ عَذابِنا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعْرافَ: 165] ﴿قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ أوْ سائِرَ آلِهَتِهِمُ الباطِلَةِ:
غافر 40:85
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ أيْ عِنْدَ رُؤْيَةِ عَذابِنا لِأنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ قَضَتْ أنْ لا يُقْبَلَ مِثْلُ ذَلِكَ الإيمانِ، ( وإيمانُهم ) رُفِعَ بِيَكُ اسْمًا لَها أوْ فاعِلَ ( يَنْفَعُهم ) وفي ( يَكُ ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في كانَ يَقُومُ زَيْدٌ، ودَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الكَوْنِ لا عَلى النَّفْعِ لِإفادَةِ مَعْنى نَفْيِ الصِّحَّةِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ حِكْمَةُ نَفْعِ إيمانِهِمْ إيّاهم عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وها هُنا أرْبَعَةُ فاءاتٍ فاءُ ﴿فَما أغْنى﴾ وفاءُ ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ وفاءُ ﴿فَلَمّا رَأوْا﴾ وفاءُ ﴿فَلَمْ يَكُ﴾ فالفاءُ الأُولى مِثْلُها في نَحْوِ قَوْلِكَ: رُزِقَ المالُ فَمَنَعَ المَعْرُوفَ فَما بَعْدَها نَتِيجَةٌ مالِيَّةٌ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ التَّكاثُرِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّمَتُّعِ بِالحُصُونِ ونَحْوِها، والثّانِيَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِكَ: فَلَمْ يَحْسُنْ إلى الفُقَراءِ بَعْدُ فَمَنعُ المَعْرُوفِ في المِثالِ فَما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ إيضاحٌ لِذَلِكَ المُجْمَلِ وأنَّهُ كَيْفَ انْتَهى بِهِمُ الأمْرُ إلى عَكْسِ ما أمَّلُوهُ وأنَّهم كَيْفَ جَمَعُوا واحْتَشَدُوا وأوْسَعُوا في إطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وكَيْفَ حاقَ المَكْرُ السَّيِّئُ بِأهْلِهِ إذْ كانَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَما أغْنى عَنْهم ) إيماءٌ بِأنَّهم زاوَلُوا أنْ يَجْعَلُوها مُغْنِيَةً، والثّالِثُ لِلتَّعْقِيبِ، وجَعْلَ ما بَعْدَها تابِعًا لِما قَبْلَها واقِعًا عَقِيبَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( فَلَمّا جاءَتْهم ) .. إلَخْ. تابِعٌ لَهُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ فَكَفَرُوا إلّا أنَّ ( فَلَمّا جاءَتْهم ) الآيَةَ بَيانُ كُفْرٍ مُفَصَّلٌ مُشْتَمِلٍ عَلى سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ وكُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى العُظْمى مِنَ الكِتابِ والرَّسُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكَفَرُوا فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا آمَنُوا، ومِثْلُها الفاءُ الرّابِعَةُ
صفحة 93
فَما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى آمَنُوا دَلالَةً عَلى أنَّ عَدَمَ نَفْعِ إيمانِهِمْ ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ تابِعٌ لِلْإيمانِ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا آمَنُوا فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم إذِ النّافِعُ إيمانُ الِاخْتِيارِ ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ أيْ سَنَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أعْنِي عَدَمَ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَأْسِ سَنَةً ماضِيَةً في البِعادِ، وهي مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَوَعْدِ اللَّهِ وصِبْغَةِ اللَّهِ، وجُوِّزَ انْتِصابُها عَلى التَّحْذِيرِ أيِ احْذَرُوا يا أهْلَ مَكَّةَ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى في أعْداءِ الرُّسُلِ.
﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ أيْ وقْتَ رُؤْيَتِهِمُ البَأْسَ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ قَدِ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ كَما سَلَفَ آنِفًا، وهَذا الحُكْمُ خاصٌّ بِإيمانِ البَأْسِ وأمّا تَوْبَةُ البَأْسِ فَهي مَقْبُولَةٌ نافِعَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ، والفَرْقُ ظاهِرٌ. وعَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ إيمانَ البَأْسِ مَقْبُولٌ أيْضًا ومَعْنى ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ أنَّ نَفْسَ إيمانِهِمْ لَمْ يَنْفَعْهم وإنَّما نَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَقِيقَةً بِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ حالُ هَذا التَّأْوِيلِ وما كانَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
«ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ» عَلى ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ السّاداتِ ﴿حم﴾ إشارَةٌ إلى ما أُفِيضَ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الرَّحْمَنِ فَإنَّ الحاءَ والمِيمَ مِن وسَطِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا سِرٌّ لا يَجُوزُ كَشْفُهُ ولَمّا صُدِّرَتِ السُّورَةُ بِما أشارَ إلى الرَّحْمَةِ وأنَّها وصْفُ المَدْعُوِّ إلَيْهِ والدّاعِي ذُكِرَ بَعْدُ مِن صِفاتِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ الرَّحْمَةِ وسَبْقِها، وفي ذَلِكَ مِن بِشارَةِ المَدْعُوِّ ما فِيهِ.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. إلَخْ. فِيهِ إشارَةٌ إلى شَرَفِ الإيمانِ وجَلالَةِ قَدْرِ المُؤْمِنِينَ وإلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ مِن بَنِي آدَمَ أنْ يَسْتَغْفِرَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا مِن تَأْكِيدِ الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بِأنْ يَكُونَ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشَيْءٍ مِن مَقاصِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ قِيلَ: في إطْلاقِ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى رُوحِ النُّبُوَّةِ وهو يُلْقى عَلى الأنْبِياءِ، ورُوحِ الوِلايَةِ ويُلْقى عَلى العارِفِينَ، ورُوحِ الدِّرايَةِ ويُلْقى عَلى المُؤْمِنِينَ النّاسِكِينَ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قِيلَ التَّلاقِي مَعَ اللَّهِ تَعالى ولا وُجُودَ لِغَيْرِهِ تَعالى وهو مَقامُ الفَناءِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ مِن قَبُولِ وجُودِهِمْ لا ﴿يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ إذْ لَيْسَ في الدّارِ غَيْرُهُ دِيارٌ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ التَّجَلِّي ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ في بَذْلِ الوُجُودِ لِلْمَعْبُودِ لا ﴿ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ فَتَنالُ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ التَّجَلِّي بِقَدْرِ بَذْلِها مِنَ الوُجُودِ لا أقَلَّ مِن ذَلِكَ.
﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ هَذِهِ قِيامَةُ العَوامِّ المُؤَجَّلَةُ ويُشِيرُ إلى قِيامَةِ الخَواصِّ المُعَجَّلَةِ لَهم، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ لَهم في كُلِّ نَفْسٍ قِيامَةً مِنَ العِتابِ والعِقابِ والثَّوابِ والبِعادِ والِاقْتِرابِ وما لَمْ يَكُنْ لَهم في حِسابٍ، وخَفَقانُ القَلْبِ يَنْطِقُ والنُّحُولُ يُخْبِرُ واللَّوْنُ يُفْصِحُ والمَشُوقُ يَسْتُرُ ولَكِنَّ البَلاءَ يَظْهَرُ، وإذا أزِفَ فَناءُ الصِّفاتِ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وشَهِدَتِ العُيُونُ بِما تُخْفِي الضَّمائِرُ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ خائِنَةَ أعْيُنِ المُحِبِّينَ اسْتِحْسانَهم تَعَمُّدَ النَّظَرِ إلى غَيْرِ المَحْبُوبِ بِاسْتِحْسانٍ واسْتِلْذاذٍ وما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ مِن مُتَمَنَّياتِ النُّفُوسِ ومُسْتَحْسَناتِ القُلُوبِ ومَرْغُوباتِ الأرْواحِ ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قِيلَ أيِ اطْلُبُونِي مِنِّي أُجِبْكم فَتَجِدُونِي ومَن وجَدَنِي وجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فالدُّعاءُ الَّذِي لا يُرَدُّ هو هَذا الدُّعاءُ، فَفي بَعْضِ الأخْبارِ مَن طَلَبَنِي وجَدَنِي ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ دُعائِي وطَلَبِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ الحِرْمانَ
صفحة 94
والبُعْدَ مِنِّي ﴿داخِرِينَ﴾ ذَلِيلَيْنِ مُهِينَيْنِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى لَيْلِ البَشَرِيَّةِ ونَهارِ الرُّوحانِيَّةِ، وذُكِرَ أنَّ سُكُونَ النّاسِ في اللَّيْلِ المَعْرُوفِ عَلى أقْسامٍ فَأهْلُ الغَفْلَةِ يَسْكُنُونَ إلى اسْتِراحَةِ النُّفُوسِ والأبْدانِ، وأهْلُ الشَّهْوَةِ يَسْكُنُونَ إلى أمْثالِهِمْ وأشْكالِهِمْ مِنَ الرِّجالِ والنِّسْوانِ، وأهْلُ الطّاعَةِ يَسْكُنُونَ إلى حَلاوَةِ أعْمالِهِمْ وقُوَّةِ آمالِهِمْ. وأهْلُ المَحَبَّةِ يَسْكُنُونَ إلى أنِينِ النُّفُوسِ وحَنِينِ القُلُوبِ وضَراعَةِ الأسْرارِ واشْتِعالِ الأرْواحِ بِالأشْواقِ الَّتِي هي أحَرُّ مِنَ النّارِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أرْضَ البَشَرِيَّةِ مَقَرًّا لِلرُّوحِ ( والسَّماءَ ) بِناءً أيْ سَماءُ الرُّوحانِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْها ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بِأنْ جَعْلَكم مَرايا جَمالِهِ وجَلالِهِ، وفي الخَبَرِ ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلى صُورَتِهِ»» وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رَدِّ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةَ: 30] ولِلَّهِ تَعالى مَن قالَ:
ما حَطَّكَ الواشُونَ عَنْ رُتْبَةٍ عِنْدِي ولا ضَرَّكَ مُغْتابُ
كَأنَّهم أثْنَوْا ولَمْ يَعْلَمُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابُوا
والكافِرُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ التَحَقَ بِالشَّياطِينِ وصارَ مُظْهِرًا لِصِفاتِ القَهْرِ مِن رَبِّ العالَمِينَ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ، تَمَّ الكَلامُ عَلى سُورَةِ المُؤْمِنِ والحَمْدُ لِلَّهِ أوَّلًا وآخِرًا وباطِنًا وظاهِرًا.
فصلت 41:1
سُورَةُ فُصِّلَتْ
وتُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ وسُورَةَ حم السَّجْدَةِ وسُورَةَ المَصابِيحِ وسُورَةَ الأقْواتِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ ولَمْ أقِفْ فِيها عَلى اسْتِثْناءٍ، وعَدَدُ آياتِها كَما قالَ الدّانِيُّ خَمْسُونَ وآيَتانِ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ وثَلاثٌ مَكِّيٌّ ومَدَنِيٌّ وأرْبَعٌ كُوفِيٌّ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَبْلُ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافِرَ: 82].. إلَخْ. وكانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا تَهْدِيدًا وتَقْرِيعًا لِقُرَيْشٍ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم وخَصَّهم بِالخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ [فُصِّلَتْ: 13] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بَيانٍ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الآيَةَ، وبَيْنَهُما أوْجَهٌ مِنَ المُناسَبَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ تَبارَكَ وحم السَّجْدَةَ».
( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ) ﴿حم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ عَلى المُبالَغَةِ أوِ التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ حم مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ عِنْدَ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن تَتِمَّتِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِما بَعْدَهُ خَبَرُهُ
فصلت 41:2
سُورَةُ فُصِّلَتْ
وتُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ وسُورَةَ حم السَّجْدَةِ وسُورَةَ المَصابِيحِ وسُورَةَ الأقْواتِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ ولَمْ أقِفْ فِيها عَلى اسْتِثْناءٍ، وعَدَدُ آياتِها كَما قالَ الدّانِيُّ خَمْسُونَ وآيَتانِ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ وثَلاثٌ مَكِّيٌّ ومَدَنِيٌّ وأرْبَعٌ كُوفِيٌّ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَبْلُ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافِرَ: 82].. إلَخْ. وكانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا تَهْدِيدًا وتَقْرِيعًا لِقُرَيْشٍ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم وخَصَّهم بِالخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ [فُصِّلَتْ: 13] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بَيانٍ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الآيَةَ، وبَيْنَهُما أوْجَهٌ مِنَ المُناسَبَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ تَبارَكَ وحم السَّجْدَةَ».
( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ) ﴿حم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ عَلى المُبالَغَةِ أوِ التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ حم مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ عِنْدَ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن تَتِمَّتِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِما بَعْدَهُ خَبَرُهُ
فصلت 41:3
﴿كِتابٌ﴾ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والحَوْفِيِّ، وهو عَلى الأوْجُهِ الأوَّلِ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكِتابٍ، وإضافَةُ التَّنْزِيلِ إلى
صفحة 95
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن بَيْنَ أسْمائِهِ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءَ: 107] وتَفْصِيلُ آياتِهِ تَمْيِيزُها لَفْظًا بِفَواصِلِها ومَقاطِعِها ومَبادِئِ السُّوَرِ وخَواتِمِها، ومَعْنى بِكَوْنِها وعْدًا ووَعِيدًا وقَصَصًا وأحْكامًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِن أنْصَفِ عِلْمٍ أنَّهُ لَيْسَ في بَدْءِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ عِبارَةً وإشارَةً مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وعَنِ السُّدِّيِّ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ بُيِّنَتْ فَفَصَلَ بَيْنَ حَرامِهِ وحَلالِهِ وزَجْرِهِ وأمْرِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقالَ الحَسَنُ: فُصِّلَتْ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ، وما ذَكَرْنا أوَّلًا أعَمُّ ولَعَلَّ ما ذَكَرُوهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ فُصِّلَتْ آياتُهُ في التَّنْزِيلِ أيْ لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً ولَيْسَ بِذاكَ. وقُرِئَ «( فَصَلَّتْ )» بِفَتْحِ الفاءِ والصّادِ مُخَفَّفَةً أيْ فَرَقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن خالَفَهُ عَلى أنَّ فَصَلَ مُتَعَدٍّ أوْ فَصَلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الفَواصِلِ والمَعانِي عَلى أنَّ فَصَلَ لازِمٌ بِمَعْنى انْفَصَلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ [يُوسُفَ: 94] .
وقُرِئَ «فُصِلَتْ» بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُخَفَّفَةً عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ والمَعْنى عَلى ما مَرَّ ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) نُصِبَ عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ أعْنِي أوْ أمْدَحُ أوْ نَحْوِهِ أوْ عَلى الحالِ فَقِيلَ: مِن ( كِتابٌ ) لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقِيلَ: مِن ( آياتُهُ ) وجُوِّزَ في هَذِهِ الحالِ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِنَفْسِها وأنْ تَكُونَ مُوَطِّئَةً لِلْحالِ بَعْدَها، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ يَقْرَؤُوهُ قُرْآنًا، وقالَ الأخْفَشُ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وهو كَما تَرى إنْ لَمْ تَكُنْ أخْفَشَ، وأيًّا ما كانَ فَفي ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ امْتِنانٌ بِسُهُولَةِ قِراءَتِهِ وفَهْمِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانِ مَن نَزَلَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ مَعانِيَهُ لِكَوْنِهِ عَلى لِسانِهِمْ عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ أوْ لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولامُ ( لِقَوْمٍ ) تَعْلِيلِيَّةٌ أوِ اخْتِصاصِيَّةٌ وخَصَّهم بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا في مَوْضِعِ صِفَةٍ أُخْرى - لِقُرْآنًا - أوْ صِلَةٌ - لِتَنْزِيلٍ - أوْ - لِفُصِّلَتْ - قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ، ولَعَلَّهُ أرادَ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصِّفَةِ وهي
فصلت 41:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ ومَوْصُوفِها وهو ( قُرْآنًا ) بِناءً عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ بِالصِّلَةِ وهي ( لِقَوْمٍ ) عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ - بِتَنْزِيلِ - أوْ - بِفُصِّلَتْ - وبَيْنَ الصِّلَةِ - ومَوْصُولِها بِالصِّفَةِ أيْ ( تَنْزِيلٌ ) أوْ ( فُصِّلَتْ ولِقَوْمٍ ) والجُمَعُ لِلْمُبالَغَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ لِمَن يُفَرِّقُ بَيْنَ آخَرِينَ: لا تَفْعَلْ فَإنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الإخْوانِ مَذْمُومٌ أوْ أرادَ لِئَلّا يُفَرِّقَ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ في الحُكْمِ مَعَ عَدَمِ المُوجِبِ لِلتَّفْرِيقِ وهو أنْ يَتَّصِلَ ( مِنَ اَلرَّحْمَنِ ) بِمَوْصُولِهِ ولا يَتَّصِلُ ( لِقَوْمٍ ) وكَذَلِكَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ وهو ( عَرَبِيًّا ) بِمَوْصُوفِهِ ولا يَتَّصِلُ ( بَشِيرًا ) والجَمْعُ لِذَلِكَ أيْضًا. واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ صِلَةً ( فُصِّلَتْ ) وقالَ: يَبْعُدُ تَعَلُّقُهُ - بِتَنْزِيلِ - لِكَوْنِهِ وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقِهِ إنْ كانَ ( مِنَ اَلرَّحْمَنِ ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أوْ أُبْدِلَ مِنهُ ( كِتابٌ ) أوْ كانَ خَبَرًا - لِتَنْزِيلِ - فَيَكُونُ في ذَلِكَ البَدَلِ مِنَ المَوْصُولِ أوِ الإخْبارِ عَنْهُ قَبْلَ أخْذِهِ مُتَعَلِّقَهُ وهو لا يَجُوزُ ولَعَلَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وكَوْنُ ( بَشِيرًا ) صِفَةً ( قُرْآنًا ) هو المَشْهُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ حالٌ مِن ( كِتابٌ ) أوْ مِن ( آياتُهُ ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بَشِيرٌ» و«نَذِيرٌ» بِرَفْعِهِما وهي رِوايَةٌ شاذَّةٌ عَنْ نافِعٍ عَلى الوَصْفِيَّةِ لِكِتابٍ أوِ الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ أيْ هو بَشِيرٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ ونَذِيرٌ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ عَنْ تَدَبُّرِهِ وقَبُولِهِ، والضَّمِيرُ لِلْقَوْمِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِيَعْلَمُونَ ولِلْكُفّارِ المَذْكُورِينَ حُكْمًا عَلى المَعْنى الثّانِي، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنْ يُرادَ بِهِ
صفحة 96
ما مِن شَأْنِهِمُ العِلْمُ والنَّظَرُ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَقْبَلُونَ ولا يُطِيعُونَ مِن قَوْلِكَ: تَشَفَّعْتُ إلى فُلانٍ فَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلِي ولَقَدْ سَمِعَهُ ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَقْبَلْهُ ولَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضاهُ فَكَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ أنْكَرُوا إعْجازَهُ والإذْعانَ لَهُ مَعَ العِلْمِ ولَمْ يَقْبَلُوا بَشائِرَهُ ونُذُرَهُ لِعَدَمِ التَّدَبُّرِ.
فصلت 41:5
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ أغْطِيَةٍ مُتَكاثِفَةٍ ﴿مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ( ومِن ) عَلى ما في البَحْرِ لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وأصْلُهُ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ غَلِيظٌ يَمْنَعُنا عَنِ التَّواصُلِ ومِن لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحِجابَ مُبْتَدَأٌ مِنَ الجانِبَيْنِ بِحَيْثُ اسْتَوْعَبَ ما بَيْنَهُما مِنَ المَسافَةِ المُتَوَسِّطَةِ ولَمْ يَبْقَ ثَمَّتُ فَراغٌ أصْلًا.
وتَوْضِيحُهُ أنَّ البَيْنَ بِمَعْنى الوَسْطِ بِالسُّكُونِ وإذا قِيلَ: بَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ صَدَقَ عَلى حِجابٍ كائِنٍ بَيْنَهُما اسْتَوْعَبَ أوَّلًا، وأمّا إذا قِيلَ: مِن بَيْنِنا فَيَدُلُّ عَلى أنَّ مُبْتَدَأُ الحِجابِ مِنَ الوَسْطِ أعْنِي طَرَفَهُ الَّذِي يَلِي المُتَكَلِّمَ فَسَواءٌ أُعِيدَ ( مِن ) أوْ لَمْ يُعَدْ يَكُونُ الطَّرَفُ الآخَرُ مُنْتَهًى بِاعْتِبارٍ ومُبْتَدَأً بِاعْتِبارٍ فَيَكُونُ الظّاهِرُ الِاسْتِيعابَ لِأنَّ جَمِيعَ الجِهَةِ أعْنِي البَيْنَ جُعِلَ مُبْتَدَأ الحِجابِ فالمُنْتَهى غَيْرُهُ البَتَّةَ، وهَذا كافٍ في الفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ كَيْفَ وقَدْ أُعِيدَ البَيْنُ لِاسْتِئْنافِ الِابْتِداءِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ أيْضًا إذْ لَوْ قِيلَ: ومِن بَيْنِنا بِتَغْلِيبِ المُتَكَلِّمِ لَكَفى، ثُمَّ ضَرُورَةُ العَطْفِ عَلى نَحْوِ بَيْنِي وبَيْنِكَ إنْ سَلَّمْتَ لا تُنافِي إرادَةَ الإعادَةِ لَهُ فَتَدَبَّرْ، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ تَمْثِيلاتٌ لِنَبْوِ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ مُواصَلَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأرادُوا بِذَلِكَ إقْناطَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ اتِّباعِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى لا يَدْعُوَهم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لَمّا كانَ القَلْبُ مَحَلَّ المَعْرِفَةِ والسَّمْعُ والبَصَرُ مُعِينانِ عَلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ ذَكَرُوا أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ عَنْ أنْ يَصِلَ إلَيْها مِمّا يُلْقِيهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْءٌ مُؤْلِمٌ يَقُولُوا عَلى قُلُوبِنا أكِنَّةٌ كَما قالُوا: وفي آذانِنا وقْرٌ لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ في جَعْلِ القُلُوبِ والآذانِ مُسْتَقِرَّ الأكِنَّةِ والوَقْرُ وإنْ كانَ أحَدَهُما اسْتِقْرارَ اسْتِعْلاءٍ والثّانِي اسْتِقْرارَ احْتِواءٍ إذْ لا فَرْقَ في المَعْنى بَيْنَ قُلُوبِنا في أكِنَّةٍ وعَلى قُلُوبِنا أكِنَّةٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكَهْفَ: 57] ولَوْ قِيلَ إنّا جَعَلَنا قُلُوبَهم في أكِنَّةٍ لَمْ يَخْتَلِفِ المَعْنى فالمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى والمَطابِيعُ مِنَ العَرَبِ لا يُراعُونَ الطِّباقَ والمُلاحَظَةَ إلّا في المَعانِي، واخْتِصاصُ كُلٍّ مِنَ العِبارَتَيْنِ بِمَوْضِعِهِ لِلتَّفَنُّنِ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ كانَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ والقَهْرِ أنْسَبَ، وها هُنا لَمّا كانَ حِكايَةً عَنْ مَقالِهِمْ كانَ مَعْنى الِاحْتِواءِ أقْرَبَ، كَذا حَقَّقَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ ودَغْدَغَ فِيهِ، وتَفْسِيرُ الأكِنَّةِ بِالأغْطِيَةِ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَهي جَمْعُ كِنانٍ كَغِطاءٍ لَفْظًا ومَعْنى، وقِيلَ: هي ما يُجْعَلُ فِيها السِّهامُ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ قالُوا كالجَعْبَةِ لِلنَّبْلِ ﴿فاعْمَلْ﴾ عَلى دِينِكَ وقِيلَ في إبْطالِ أمْرِنا ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ عَلى دِينِنا وقِيلَ: في إبْطالِ أمْرِكَ والكَلامُ عَلى الأوَّلِ مُتارَكَةٌ وتَقْنِيطٌ عَنِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَقْصُودُهم أنَّنا عامِلُونَ، والأوَّلُ تَوْطِئَةٌ لَهُ، وحاصِلُ المَعْنى أنّا لا نَتْرُكُ دِينَنا بَلْ نَثْبُتُ عَلَيْهِ
صفحة 97
كَما تَثْبُتُ عَلى دِينِكَ، وعَلى الثّانِي هو مُبارَزَةٌ بِالخِلافِ والجِدالِ، وقائِلُ ما ذُكِرَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ جَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ.
فَفِي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أبُو سَهْلٍ السَّرِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ القُدُّوسِ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «أقْبَلَتْ قُرَيْشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهم: ما يَمْنَعُكم مِنَ الإسْلامِ فَتَسُودُوا العَرَبَ ؟ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَفْقَةُ ما تَقُولُ ولا نَسْمَعُهُ وأنَّ عَلى قُلُوبِنا لَغُلْفًا وأخَذَ أبُو جَهْلٍ ثَوْبًا فَمَدَّهُ فَما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ، وفِيهِ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أقْبَلَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اعْرِضْ عَلَيْنا الإسْلامَ فَلَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الإسْلامَ أسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِالأمْسِ تَزْعُمُونَ أنَّ عَلى قُلُوبِكم غُلْفًا وقُلُوبَكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرًا وأصْبَحْتُمُ اليَوْمَ مُسْلِمِينَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَذَبْنا واللَّهِ بِالأمْسِ لَوْ كَذَلِكَ ما اهْتَدَيْنا أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى الصّادِقُ والعِبادَ الكاذِبُونَ عَلَيْهِ وهو الغَنِيُّ ونَحْنُ الفُقَراءُ إلَيْهِ»
فصلت 41:6
﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لَسْتُ مَلَكًا ولا جِنِّيًّا لا يُمَكِّنُكُمُ التَّلَقِّي مِنهُ. وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: بَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ ﴿يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ ولا أدْعُوكم إلى ما تَنْبُو عَنْهُ العُقُولُ وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلائِلُ العَقْلِ وشَهِدَتْ لَهُ شَواهِدُ السَّمْعِ، وهَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ فاسْتَوُوا إلَيْهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العِبادَةِ ولا تَتَمَسَّكُوا بِعُرا الشِّرْكِ وتَقُولُوا لِمَن يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ.. إلَخْ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ مِمّا سَلَفَ مِنكم مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ وهَذا وجْهٌ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ في رَبْطِ الأمْرِ بِما قَبْلَهُ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أيْ لَسْتُ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكم حِجابٌ وتَبايُنٌ مُصَحِّحٌ لِتَبايُنِ الأعْمالِ والأدْيانِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُكم: ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ بَلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم مَأْمُورٌ بِما آمُرُكم بِهِ حَيْثُ أُخْبِرْنا جَمِيعًا بِالتَّوْحِيدِ بِخِطابٍ جامِعٍ بَيْنِي وبَيْنَكم، فَإنَّ الخِطابَ في ( إلَهُكم ) مَحْكِيٌّ مُنْتَظِمٌ لِلْكُلِّ لا أنَّهُ خِطابٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْكَفَرَةِ كَما في مَثَلِكم وهو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِيارِ الوَجْهِ الأوَّلِ في ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ولا بَأْسَ بِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ نَعَمْ فِيهِ قُصُورٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: لَيْسَ هَذا جَوابًا لِقَوْلِهِمْ إذْ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ، وحاصِلُهُ لا تَتْرُكْهم وما يَدِينُونَ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ المَقْصُودِ مِنهُ أنْ تَتْرُكَهم، سَلَّمْنا أنَّهُ جَوابٌ لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ أنِّي بَشَرٌ فَلا أقْدِرُ أنْ أُخْرِجَ قُلُوبَكم مِنَ الأكِنَّةِ وأرْفَعَ الحِجابَ مِنَ البَيْنِ والوَقْرَ مِنَ الآذانِ ولَكِنِّي أُوحِيَ إلَيَّ وأُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ ولِلْإمامِ كَلامٌ قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ التَّسْلِيمِ، وكِلا الكَلامَيْنِ غَيْرُ وافٍ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابًا مِن أنَّ المُشْرِكِينَ طالَما يَتَمَسَّكُونَ في رَدِّ النُّبُوَّةِ بِأنَّ مُدَّعِيَها بَشَرٌ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا ولِذا لا يُصْغُونَ إلى قَوْلِ الرَّسُولِ ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ» مِن بابِ القَلْبِ عَلَيْهِمْ لا القَوْلِ بِالمُوجَبِ ولا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ في شَيْءٍ كَما قِيلَ كَأنَّهُ ﷺ قالَ: ما تَمَسَّكْتُمْ بِهِ في رَدِّ نُبُوَّتِي مِن أنِّي بَشَرٌ هو الَّذِي يُصَحِّحُ نُبُوَّتِي إذْ لا يَحْسُنُ في الحِكْمَةِ أنْ يُرْسَلَ إلَيْكُمُ المَلَكُ فَهَذا يُوجِبُ قَبُولَكم لا الرَّدَّ والغُلُوَّ في الإعْراضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ﴾ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ البِعْثَةِ بَعْدَ إثْباتِ النُّبُوَّةِ أوَّلًا مَفَصَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: حم الآياتِ ومُجْمَلًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ ثُمَّ قِيلَ: ﴿أنَّما إلَهُكُمْ﴾ بَيانًا لِلْمَقْصُودِ فَقَوْلُهُ ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ مَسُوقٌ لِلتَّمْهِيدِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى
صفحة 98
إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَذا المَعْنى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فاعْمَلْ﴾ .. إلَخْ. فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَوَجْهُهُ أنَّ الدِّينَ هو جُمْلَةُ ما يَلْتَزِمُهُ المَبْعُوثُ إلَيْهِ مِن طاعَةِ الباعِثِ تَعالى بِوَساطَةِ تَبْلِيغِ المَبْعُوثِ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ المُسَبَّبَةِ عَنْ دَلِيلِها فَأظْهَرُوا بِذَلِكَ أنَّهم مُنْقادُونَ لِما قَرَّرَ لَدَيْهِمْ آباؤُهم مِن مُنافاةِ النُّبُوَّةِ لِلْبَشَرِيَّةِ وأنَّهُ دِينُهم فَقِيلَ لَهم ما قِيلَ، وهو عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ طِباقًا وأبْلَغُ، وهَذا حَسَنٌ دَقِيقٌ وما ذُكِرَ أوَّلًا أسْرَعُ تَبادُرًا، وفي الكَشْفِ أنَّ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمُ الإعْجازَ والنُّبُوَّةَ وقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا﴾ يُقابِلُ عَدَمَ القَبُولِ وفِيهِ رَمْزٌ إلى شَيْءٍ مِمّا سَمِعْتَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( قالَ إنَّما ) فِعْلًا ماضِيًا، وقَرَأ النَّخَعِيُّ والأعْمَشُ «يُوحِي» بِكَسْرِ الحاءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ أيْ يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ.
﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ مِن شِرْكِهِمْ بِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ
فصلت 41:7
﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لِبُخْلِهِمْ وعَدَمِ إشْفاقِهِمْ عَلى الخَلْقِ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الرَّذائِلِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ - وهم - الثّانِي ضَمِيرُ فَصْلٍ ( وبِالآخِرَةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِكافِرُونَ، والتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ امْتِناعَهم عَنِ الزَّكاةِ لِاسْتِغْراقِهِمْ في الدُّنْيا وإنْكارِهِمْ لِلْآخِرَةِ، وحَمْلُ الزَّكاةِ عَلى مَعْناها الشَّرْعِيِّ مِمّا قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: الزَّكاةُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ أيْ لا يَفْعَلُونَ ما يُزَكِّي أنْفُسَهم وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ والرَّبِيعِ لا يُزَكُّونَ أعْمالَهم، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ أيْ لا يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَذا الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ. وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ فالمَعْنى حِينَئِذٍ لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ، واخْتارَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ قالَ: والمَعْنى عَلَيْهِ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ تَعالى وتُوبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِمّا سَبَقَ لَكم مِنَ الشِّرْكِ ووَيْلٌ لَكم إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ مَنعُ إيتاءِ الزَّكاةِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ الِاسْتِقامَةَ عَلى التَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى والتَّبَرِّي عَنِ الشِّرْكِ هو تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، وهو أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ حَبْرُ الأُمَّةِ إلّا لِمُراعاةِ النَّظْمِ، وجَعَلَ قَوْلَهُ:
فصلت 41:8
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ مَذْكُورًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِطْرادِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ وأنَّ نَصِيبَهم مَقْطُوعٌ حَيْثُ لَمْ ( يُزَكُّوا ) أنْفُسَهم كَما زُكُّوا، واسْتَدَلَّ عَلى الِاسْتِطْرادِ بِالآيَةِ بَعْدُ، وفي الكَشْفِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ والمُشْرِكُونَ باقٍ عَلى عُمُومِهِ لا مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ كَهَذا القَوْلِ وأنَّ الجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةٌ كالتَّعْلِيلِ لِما أمَرَهم بِهِ وكَذَلِكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وطُوبى لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِما مِنَ التَّحْذِيرِ والتَّرْغِيبِ ما يُؤَكِّدُ أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ والِاسْتِقامَةِ تَأْكِيدٌ لا يَخْفى حالُهُ عَلى ذِي لُبٍّ، وكَذَلِكَ الزَّكاةُ فِيهِ عَلى الظّاهِرِ، وخُصَّ مِن بَيْنِ أوْصافِ الكَفَرَةِ مَنعُها لِما أنَّها مِعْيارٌ عَلى الإيمانِ المُسْتَكِنِّ في القَلْبِ كَيْفَ، وقَدْ قِيلَ: المالُ شَقِيقُ الرُّوحِ بَلْ قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
وقالُوا شَقِيقُ الرُّوحِ مالُكَ فاحْتَفِظْ بِهِ فَأجَبْتُ المالُ خَيْرٌ مِنَ الرُّوحِ
أرى حِفْظَهُ يَقْضِي بِتَحْسِينِ حالَتِي ∗∗∗ وتَضْيِيعَهُ يُفْضِي لِتَسْآلِ مَقْبُوحِ
والصَّرْفُ عَنِ الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الشّائِعَةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ لا يَجُوزُ كَيْفَ ومَعْنى الإيتاءِ لا يَقَرُّ قَرارُهُ، نَعَمْ لَوْ كانَ بَدَلَهُ يَأْتُونَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ [التَّوْبَةَ: 54] لَحَسُنَ لا يُقالُ: إنَّ الزَّكاةَ فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ لِأنّا نَقُولُ: إطْلاقُ الِاسْمِ عَلى طائِفَةٍ مُخْرِجَةٍ مِنَ المالِ عَلى وجْهٍ مِنَ القُرْبَةِ مَخْصُوصٍ كانَ شائِعًا قَبْلَ فَرْضِيَّتِها بِدَلِيلِ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ، عَلى أنَّ هَذا الحَقَّ عَلى هَذا الوَجْهِ المَعْرُوفِ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ،
صفحة 99
وقَدْ كانَ في مَكَّةَ فُرِضَ شَيْءٌ مِنَ المالِ يُخْرَجُ إلى المُسْتَحِقِّ لا عَلى هَذا الوَجْهِ وكانَ يُسَمّى زَكاةً أيْضًا ثُمَّ نُسِخَ. انْتَهى. . ومِنهُ يُعْلَمُ سُقُوطُ ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ. بَقِيَ مُخالَفَةُ الحَبْرِ وهي لا تَتَحَقَّقُ إلّا إذا تَحَقَّقَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ وبَعْدَهُ الأمْرُ أيْضًا سَهْلٌ، ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقْرَأُ لا يَأْتُونَ مِنَ الإتْيانِ إذِ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ تَأْبى ذَلِكَ إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، والعَجَبُ نِسْبَةُ ما ذُكِرَ عَنِ الحَبْرِ في البَحْرِ إلى الجُمْهُورِ أيْضًا، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مَخْلَصُ بَعْضٍ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِتَكْلِيفِ الكَفّارِ بِالفُرُوعِ لَكِنْ لا يَخْفى حالُ الحَمْلِ وهي عَلى المَعْنى المُتَبادَرِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ومِمَّنْ لا يَقُولُ بِهِ قالَ: هم مُكَلَّفُونَ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِها دُونَ إيقاعِها والتَّكْلِيفُ بِهِ بَعْدَ الإيمانِ فَمَعْنى الآيَةِ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ بَعْدَ الإيمانِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُقِرُّونَ بِفَرْضِيَّتِها، والقَوْلُ بِتَكْلِيفِ المَجْنُونِ أقْرَبُ مِن هَذا التَّأْوِيلِ، وقِيلَ كَلِمَةُ ( ويْلٌ ) تَدُلُّ عَلى الذَّمِّ لا التَّكْلِيفِ وهو مَذْمُومٌ عَقْلًا، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، هَذا وقِيلَ: في ( مَمْنُونٍ ) لا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَنِّ بِمَعْنى تَعْدادِ النِّعَمِ، وأصْلُ مَعْناهُ الثِّقَلُ فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ لِثِقَلِهِ عَلى المَمْنُونِ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَنقُوصِ، وأنْشَدُوا لِذِي الأُصْبُعِ العُدْوانِيِّ:
إنِّي لَعَمْرُكَ ما بابِي بِذِي غَلْقٍ ∗∗∗ عَنِ الصَّدِيقِ ولا زادِي بِمَمْنُونِ
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ نَزَلَتْ في المَرْضى والهَرْمى إذا عَجَزُوا عَنْ كَمالِ الطّاعاتِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ في المَرَضِ والهَرَمِ مِثْلُ الَّذِي كانَ يُكْتَبُ لَهم وهم أصِحّاءُ وشُبّانٌ ولا تَنْقُصُ أُجُورُهم وذَلِكَ مِن عَظِيمِ كَرَمِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ
فصلت 41:9
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ والكَلامُ فِيها كَثِيرٌ ومِنهُ ما لَيْسَ بِالمَشْهُورِ ولْنَبْدَأْ بِما هو المَشْهُورُ وبَعْدَ التَّمامِ نَذْكُرُ الآخَرَ فَنَقُولُ: هَذا إنْكارٌ وتَشْنِيعٌ لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ اللّامَ إمّا لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَقْدِيمُ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُفْرَهم مِنَ البُعْدِ بِحَيْثُ يُنْكِرُ العُقَلاءُ وُقُوعَهُ فَيَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وعَلَّقَ سُبْحانَهُ كُفْرَهم بِالمَوْصُولِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ تَعالى واسْتِعْظامِ كُفْرِهِمْ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ الجِسْمُ المَعْرُوفُ، وقِيلَ: لَعَلَّ المُرادَ مِنها ما في جِهَةِ السُّفْلِ مِنَ الأجْرامِ الكَثِيفَةِ واللَّطِيفَةِ مِنَ التُّرابِ والماءِ والهَواءِ تَجَوُّزًا بِاسْتِعْمالِها في لازِمِ المَعْنى عَلى ما قِيلَ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ وحُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَخْلُوَ الكَلامُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِمُدَّةِ خَلْقِ ما عَدا التُّرابَ، ومِن خَلْقِها في يَوْمَيْنِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ لَها أصْلًا مُشْتَرَكًا ثُمَّ خَلَقَ لَها صُوَرًا بِها تَنَوَّعَتْ إلى أنْواعٍ، واليَوْمُ في المَشْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ زَمانِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأُفُقِ وأُرِيدَ مِنهُ ها هُنا الوَقْتُ مُطْلَقًا لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ والكَواكِبِ والأرْضِ نَفْسِها ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمِقْدارِ اليَوْمِ المَعْرُوفِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أقَلَّ مِنهُ أوْ أكْثَرَ والأقَلُّ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ اليَوْمَيْنِ ظَرْفانِ لِخَلْقِ الأرْضِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَوْزِيعٍ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ أصْلَها ومادَّتَها في يَوْمٍ وصَوَّرَها وطَبَقاتِها في آخَرَ، وقالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ المُرادُ بِخَلْقِ الأرْضِ تَقْدِيرُ وجُودِها أيْ حَكَمَ بِأنَّها سَتُوجَدُ في يَوْمَيْنِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 59] والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ تَعالى إلْحادُهم في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وخُرُوجُهم عَنِ الحَقِّ اللّازِمِ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى عِبادِهِ مِن تَوْحِيدِهِ واعْتِقادِ ما يَلِيقُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَلا يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ صِفاتِ الأجْسامِ ولا يُثْبِتُونَ لَهُ القُدْرَةَ التّامَّةَ والنُّعُوتَ اللّائِقَةَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا يَعْتَرِفُونَ بِإرْسالِهِ تَعالى الرُّسُلَ وبَعْثِهِ سُبْحانَهُ الأمْواتَ حَتّى كَأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ العِبادَ عَبَثًا وتَرَكَهم سُدًى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَطْفٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ،
صفحة 100
وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( خَلَقَ ) لا يَخْفى حالُهُ، وجَمْعُ الأنْدادِ بِاعْتِبارِ ما هو الواقِعُ لا بِأنْ يَكُونَ مَدارُ الإنْكارِ هو التَّعَدُّدُ أيْ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا وأكْفاءً مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ والحالُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ نِدٌّ واحِدٌ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في العَظَمَةِ، وإفْرادُ الكافِ لِما أنَّ المُرادَ لَيْسَ تَعْيِينَ المُخاطَبِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ ومُرَبِّيها دُونَ الأرْضِ خاصَّةً فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ نِدًّا لَهُ عَزَّ وجَلَّ،
فصلت 41:10
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَطْفٌ عَلى ﴿خَلَقَ الأرْضَ﴾ داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ، ولا ضَيْرَ في الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمْلَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ لِأنَّ الأُولى مُتَّحِدَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: - تَكْفُرُونَ - بِمَنزِلَةِ إعادَتِها والثّانِيَةَ مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ فالفَصْلُ بِهِما كَلا فَصْلَ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ أيْ ( خَلَقَ اَلْأرْضَ ) كافٍ في كَوْنِهِ تَعالى رَبَّ العالَمِينَ وأنْ لا يُجْعَلَ لَهُ نِدٌّ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّتْ إلَيْهِ هَذِهِ المَعْطُوفاتُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاتِّحادَ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ فاصِلًا مُشَوِّشًا لِلذِّهْنِ مُورِثًا لِلتَّعْقِيدِ فالحَقُّ والأقْرَبُ أنْ تُجْعَلَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً وكُلٌّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُعْتَرِضٌ لِيَنْدَفِعَ بِالِاعْتِراضِ الِاعْتِراضُ أوْ يُجْعَلُ ابْتِداءَ كَلامٍ بِناءً عَلى أنَّهُ يُصَدَّرُ بِالواوِ أوْ يُقالُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَخَلَقَ، واخْتارَ هَذا الأخِيرَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أوْجَهُ ما ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ بَعْدَ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ خَلَقَها وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ فَكَأنَّهُ ساقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أوَّلًا رَدًّا عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثانِيًا تَتْمِيمًا لِلْقِصَّةِ وتَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ، ولَيْسَ سَبِيلُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ سَبِيلَ الِاعْتِراضِ حَتّى تُجْعَلَ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ ويُعْتَذَرُ عَنْ تَخَلُّلِ ( تَجْعَلُونَ ) عَطْفًا عَلى ( تَكْفُرُونَ ) بِاتِّحادِهِ بِما قَبْلَهُ عَلى أُسْلُوبِ ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البَقَرَةَ: 217] وذَلِكَ لِأنَّهُ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ في هَذا المَساقِ وهو رُكْنٌ لِلْإنْكارِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ وأُكِّدَ عَلى ما لا يَخْفى عَلى ذِي بَصِيرَةٍ.
والرَّواسِي الجِبالُ مِن رَسا إذا ثَبَتَ، والمُرادُ بِجَعْلِها إبْداعُها بِالفِعْلِ، وفي الإرْشادِ المُرادُ تَقْدِيرُ الجَعْلِ لا الجَعْلُ بِالفِعْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِرَواسِي أيْ كائِنَةٌ مِن فَوْقِها والضَّمِيرُ لِلْأرْضِ وفي ذَلِكَ اسْتِخْدامٌ عَلى ما قِيلَ في المُرادِ مِنها لِأنَّ الجِبالَ فَوْقَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ لا فَوْقَ جَمِيعِ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ والبَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ، وفائِدَةُ﴿مِن فَوْقِها﴾ الإشارَةِ إلى أنَّها جُعِلَتْ مُرْتَفِعَةً عَلَيْها لا تَحْتَها كالأساطِينِ ولا مَغْرُوزَةً فِيها كالمَسامِيرِ لِتَكُونَ مَنافِعُها مُعْرَضَةً لِأهْلِها ويَظْهَرَ لِلنُّظّارِ ما فِيها مِن مَراصِدِ الِاعْتِبارِ ومَطارِحِ الأفْكارِ ولَعَمْرِي ( إنَّ ) في ارْتِفاعِها مِنَ الحِكَمِ التَّكْوِينِيَّةِ ما تَدْهَشُ مِنهُ العُقُولُ، والآيَةُ لا تَأْبى أنْ يَكُونَ في المَغْمُورِ مِنَ الأرْضِ في الماءِ جِبالًا كَما لا يَخْفى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ كَثَّرَ خَيْرَها، وفي الإرْشادِ قَدَّرَ سُبْحانَهُ أنْ يَكْثُرَ خَيْرُها بِأنْ يُكَثِّرَ فِيها أنْواعَ النَّباتاتِ وأنْواعَ الحَيَواناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ بَيْنَ كَمِّيَّتِها وأقْدارِها، وقالَ في الإرْشادِ: أيْ حَكَمَ بِالفِعْلِ بِأنْ يُوجِدَ فِيما سَيَأْتِي لِأهْلِها مِنَ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ أقْواتَها المُناسِبَةَ لَها عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ
صفحة 101
السُّدِّيِّ حَيْثُ قالَ: أضافَ الأقْواتَ إلَيْها مِن حَيْثُ هي فِيها وعَنْها بَرَزَتْ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ الأقْواتَ بِالمَطَرِ والمِياهِ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ أنَّها ما خَصَّ بِهِ كُلَّ إقْلِيمٍ مِنَ المَلابِسِ والمَطاعِمِ والنَّباتاتِ لِيَكُونَ النّاسُ مُحْتاجِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وهو مُقْتَضٍ لِعِمارَةِ الأرْضِ وانْتِظامِ أُمُورِ العالَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ بَعْضِهِمْ «وقَسَّمَ فِيها أقْواتَها» ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحُصُولِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لا بِتَقْدِيرِها عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ قَدَّرَ حُصُولَها في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ وكانَ الزَّجّاجُ يُعَلِّقُهُ - بِقَدَّرَ - كَما هو رَأْيُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ في القَيْدِ إذا وقَعَ بَعْدَ مُتَعاطِفاتٍ نَحْوَ أكْرَمْتُ زَيْدًا وضَرَبْتُ عَمْرًا ورَأيْتُ خالِدًا في الدّارِ، والشّافِعِيُّ يَقُولُ: المُتَعَقِّبُ لِلْجُمَلِ يَعُودُ إلَيْها جَمِيعًا لِأنَّ الأصْلَ اشْتِراكُ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في المُتَعَلِّقاتِ فَيَكُونُ القَيْدُ هُنا عائِدًا إلى جَعْلِ الرَّواسِي وما بَعْدَهُ وهو الَّذِي يَتَبادَرُ إلى فَهْمِي ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ الَّذِي سَمِعْتَ وقَدْ صَرَّحَ الزَّجّاجُ بِتَقْدِيرِهِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَعَلَ الجارَّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ كُلُّ ذَلِكَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَهُ كائِنٌ في أرْبَعَةِ أيّامٍ عَلى أنَّهُ فَذْلَكَةٌ أيْ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ أتى بِهِ لِمُجْمَلِ ما ذُكِرَ مُفَصَّلًا مَأْخُوذَةٌ مِن فَذْلَكَةِ الحِسابِ وقَوْلِهِمْ: فَذْلَكَ كَذا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الجَمْعِ فَما نَحْنُ فِيهِ ألْحَقَ فِيهِ أيْضًا جُمْلَةً مِنَ العَدَدِ بِجُمْلَةٍ أُخْرى وجَعَلَهُ كَذَلِكَ لا يَمْنَعُ عَطْفَ ( جَعَلَ فِيها رَواسِيَ ) عَلى مُقَدَّرٍ لِأنَّ الرَّبْطَ المَعْنَوِيَّ كافٍ. والقَوْلُ بِأنَّ الفَذْلَكَةَ تَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ الجُمْلَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: سَرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى واسِطٍ في يَوْمَيْنِ ومِن واسِطٍ إلى الكُوفَةِ في يَوْمَيْنِ فَذَلِكَ أرْبَعَةُ أيّامٍ وها هُنا لَمْ يَنُصُّ إلّا عَلى أحَدِ المَبْلَغَيْنِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ العِلْمَ بِالمَبْلَغَيْنِ في تَحْقِيقِ الفَذْلَكَةِ كافٍ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ جارٍ مَجْراها وإنَّما لَمْ يَجُزِ الحَمْلُ عَلى أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي وما ذُكِرَ عَقِيبَهُ أوْ تَقْدِيرِ الأقْواتِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ الأرْضِ وما فِيها في سِتَّةِ أيّامٍ وقَدْ ذُكِرَ بَعْدَهُ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ.
وقَدْ تَكَرَّرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أنَّ خَلْقَهُما أعْنِي السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ، وقُيِّدَتِ الأيّامُ الأرْبَعَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءً﴾ فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِأيّامٍ أيِ اسْتَوَتْ سَواءً أيِ اسْتِواءً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، والحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وعِيسى ويَعْقُوبَ «سَواءٍ» بِالجَرِّ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في الوَصْفِيَّةِ وبِذَلِكَ يَضْعُفُ القَوْلُ بِكَوْنِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿أقْواتَها﴾ مَعَ قِلَّةِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ الصُّوَرِ الثَّلاثِ ولُزُومِ تَخالُفِ القِراءَتَيْنِ في المَعْنى.
ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ يُجْعَلُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سَواءٌ وتُجْعَلُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِأيّامٍ أيْضًا لا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ شائِعٌ في مِثْلِ ذَلِكَ مُطَّرِدٌ في عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ فَتَراهم يَقُولُونَ: فَعَلْتُهُ في يَوْمَيْنِ ويُرِيدُونَ في يَوْمٍ ونِصْفٍ مَثَلًا وسِرْتُ أرْبَعَةَ أيّامٍ ويُرِيدُونَ ثَلاثَةً ونِصْفًا مَثَلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البَقَرَةَ: 197] فَإنَّ المُرادَ بِالأشْهُرِ فِيهِ شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وتِسْعٌ مِن ذِي الحِجَّةِ ولَيْلَةَ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الزّائِدَ جُعِلَ فَرْدًا مَجازًا. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَجْمُوعِ اسْمُ العَدَدِ الكامِلِ فالمَعْنى ها هُنا في أرْبَعَةِ أيّامٍ لا نُقْصانَ فِيها ولا زِيادَةَ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أُوثِرَ ما في التَّنْزِيلِ عَلى أنْ يُقالَ: وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ كَما قِيلَ
صفحة 102
أوَّلًا ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَكانَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ والأخِيرَيْنِ أكْثَرُهُما وإنَّما لَمْ يَقُلْ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ كامِلَيْنِ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ كامِلَيْنِ أوْ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ تِلْكَ أرْبَعَةٌ سَواءٌ لِأنَّ ما أوْرَدَهُ سُبْحانَهُ أخْصَرُ وأفْصَحُ وأحْسَنُ طِباقًا لِما عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ مِن مَغاصاتِ القَرائِحِ ومَصاكِّ الرَّكْبِ لِيَتَمَيَّزَ الفاضِلُ مِنَ النّاقِصِ والمُتَقَدِّمُ مِنَ النّاكِصِ وتَرْتَفِعُ الدَّرَجاتُ وتَتَضاعَفُ المَثُوباتُ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ دَلالَةً أيْ مَعَ الِاخْتِصارِ عَلى أنَّ اليَوْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ مُتَّصِلانِ بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِتَبادُرِهِ مِن جَعْلِهِما جُمْلَةً واحِدَةً واتِّصالِهِما في الذِّكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا الحَصْرُ في أرْبَعَةٍ كائِنٌ لِلسّائِلِينَ عَنْ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، ولا ضَيْرَ في تَوالِي حَذْفِ مُبْتَدَأيْنِ بِناءً عَلى ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلُ، وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ - بِقَدَّرَ - السّابِقِ أيْ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ لَها المُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ المُقْتاتِينَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ هو حالٌ مِنَ الأقْواتِ، والكُلُّ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى ما آثَرَهُ الزَّجّاجُ دُونَ ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ الفَذْلَكَةَ كَما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَتَيْنِ فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَوَسَّطَ بَيْنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وبَعْضِ مُتَعَلِّقاتِها وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِسَواءٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والمَعْنى مُسْتَوِيَةٌ مُهَيَّأةٌ لِلْمُحْتاجِينَ أوْ بِهِ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ وجَعْلِهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أيْ أمْرُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ونَفْعُها مُسْتَوٍ مُهَيَّأٌ لِلْمُحْتاجِينَ إلَيْهِ مِنَ البَشَرِ وهو كَما تَرى
فصلت 41:11
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ قَصَدَ إلَيْها وتَوَجَّهَ دُونَ إرادَةِ تَأْثِيرٍ في غَيْرِها مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ لا يَلْوِي عَلى غَيْرِهِ.
وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الِاسْتِواءَ مَتّى عُدِّيَ بِعَلى فَبِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طَهَ: 5] وإذا عُدِّيَ بِإلى فَبِمَعْنى الِانْتِهاءِ إلى الشَّيْءِ إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالتَّدْبِيرِ، وعَلى الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ، وكَلامُ السَّلَفِ في الِاسْتِواءِ مَشْهُورٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا فِيما سَلَفَ طَرَفًا مِنهُ ويُشْعِرُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مَحْذُوفًا أيْ ثُمَّ اسْتَوى إلى خَلْقِ السَّماءِ ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ أمْرٌ ظُلْمانِيٌّ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ مادَّتُها الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتْ وأنا لا أقُولُ بِالجَواهِرِ الفَرْدَةِ لِقُوَّةِ الأدِلَّةِ عَلى نَفْيِها ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ مَحْذُورٌ أصْلًا كَما لا يَخْفى عَلى الذَّكِيِّ المُنْصِفِ، وقِيلَ: إنَّ عَرْشَهُ تَعالى كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الماءِ فَأحْدَثَ اللَّهُ تَعالى في الماءِ سُخُونَةً فارْتَفَعَ زَبَدٌ ودُخانٌ فَأمّا الزَّبَدُ فَبَقِيَ عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ اليُبُوسَةَ وأحْدَثَ سُبْحانَهُ مِنهُ الأرْضَ وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ السَّماواتِ.
وقِيلَ: كانَ هُناكَ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ فَنَظَرَ سُبْحانَهُ إلَيْها بِعَيْنِ الجَلالِ فَذابَتْ وصارَتْ ماءً فَأزْبَدَ وارْتَفَعَ مِنهُ دُخانٌ فَكانَ ما كانَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ الدُّخانُ كائِنًا مِنَ النّارِ الَّتِي هي إحْدى العَناصِرِ لِأنَّها مِن تَوابِعِ الأرْضِ ولَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً إذْ ذاكَ عَلى قَوْلٍ كَما سَتَعْرِفُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى القَوْلِ بِالوُجُودِ لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى تَكَوُّنِ ذَلِكَ مِن تِلْكَ النّارِ والحَقُّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُلْتَفَتُ إلى ما سِواهُ أنَّ كُرَةَ النّارِ الَّتِي يَزْعُمُها الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ ووافَقَهم كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ عَلَيْها لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ ولا تَوَقُّفَ لِحُدُوثِ الشُّهُبِ عَلى وُجُودِها كَما يَظْهَرُ لِذِي ذِهْنٍ ثاقِبٍ.
صفحة 103
﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا﴾ بِما خَلَقْتُ فِيكُما مِنَ المَنافِعِ فَلَيْسَ المَعْنى عَلى إتْيانِ ذاتِهِما وإيجادِهِما بَلْ إتْيانُ ما فِيهِما مِمّا ذُكِرَ بِمَعْنى إظْهارِهِ والأمْرُ لِلتَّسْخِيرِ قِيلَ ولا بُدَّ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ المُتَرَتِّبَ بَعْدَ جَعْلِ السَّماواتِ سَبْعًا أوْ مَضْمُونَ مَجْمُوعِ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ الفاءِ وإلّا فالأمْرُ بِالإتْيانِ بِهَذا المَعْنى مُتَرَتِّبٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ والسَّماءِ.
وقالَ بَعْضٌ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصْلُ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ.. إلَخْ. فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا.. إلَخْ. وهو أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أوْ كُونا وأحْدِثا عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ وفي وقْتٍ مُقَدَّرٍ لِكُلٍّ مِنكُما فالمُرادُ إتْيانُ ذاتِهِما وإيجادُهُما فالأمْرُ لِلتَّكْوِينِ عَلى أنَّ خَلَقَ وجَعَلَ وبارَكَ وقَدَّرَ بِالمَعْنى الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ ويَكُونُ هَذا شُرُوعًا في بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ إثْرَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّقْدِيرِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ البَيانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ وما فِيها لِما أنَّ بَيانَ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِ المُخاطَبِينَ وتَرْتِيبَ مَبادِئِ مَعايِشِهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِمّا يَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وخَصَّ الِاسْتِواءَ بِالسَّماءِ مَعَ أنَّ الخِطابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِما مَعًا اكْتِفاءً بِذِكْرِ تَقْدِيرِ الأرْضِ وتَقْدِيرِ ما فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: فَقِيلَ لَها ولِلْأرْضِ الَّتِي قُدِّرَ وُجُودُها ووُجُودُ ما فِيها كُونا وأحْدِثا وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي قَدَّمَهُ صاحِبُ الإرْشادِ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ احْتِمالًا وجَعَلَ الأمْرَ عِبارَةً عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُجُودِهِما تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ ومَأْمُورٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( كُنْ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ تَمْثِيلًا لِتَحَتُّمِ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى فِيهِما واسْتِحالَةِ امْتِناعِهِما مِن ذَلِكَ لا إثْباتَ الطَّوْعِ والكُرْهِ لَهُما، وهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ أيْ طائِعَتَيْنِ أوْ كارِهَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ مُنْقادِينَ تَمْثِيلًا لِكَمالِ تَأثُّرِهِما عَنِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ وحُصُولِهِما كَما أُمِرا بِهِ وتَصْوِيرًا لِكَوْنِ وُجُودِهِما كَما هُما عَلَيْهِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ فَإنَّ الطَّوْعَ مُنْبِئٌ عَنْ ذَلِكَ والكُرْهَ مُوهِمٌ لِخِلافِهِ، وقِيلَ: ﴿طائِعِينَ﴾ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ مَعَ اخْتِصاصِهِ بِالعُقَلاءِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما في مَعْرِضِ الخِطابِ والجَوابِ ولا وجْهَ لِلتَّأْنِيثِ عِنْدَ إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ لِكَوْنِ التَّأْنِيثِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَقَطْ،
فصلت 41:12
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ تَفْسِيرًا وتَفْصِيلًا لِتَكْوِينِ السَّماءِ المُجْمَلِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالأمْرِ وجَوابُهُ لا أنَّهُ فِعْلٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَكْوِينِهِما أيْ خَلَقَهُنَّ خَلْقًا إبْداعِيًّا وأتْقَنَ أمْرَهُنَّ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في وقْتَيْنِ وضَمِيرُ ( هُنَّ ) إمّا لِلسَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّماواتِ ولِذا قِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ - فَسَبْعَ - حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ وإمّا مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ فَهو لَهُ وإنْ تَأخَّرَ لَفْظًا ورُتْبَةً لِجَوازِهِ في التَّمْيِيزِ نَحْوَ رَبَّهِ رَجُلًا وهو وجْهٌ عَرَبِيٌّ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: انْتَصَبَ ( سَبْعَ ) عَلى الحالِ وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقالَ بَعْضُهم: بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ والتَّقْدِيرُ قَضى مِنهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ، وقالَ الحَوْفِيُّ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ القَضاءِ مَعْنى التَّصْيِيرِ ولَمْ يُذْكَرْ مِقْدارُ زَمَنِ خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقِ ما فِيها اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في بَيانِ تَقْدِيرِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفًا عَلى ( قَضاهُنَّ ) أيْ خَلَقَ في كُلٍّ مِنها ما اسْتَعَدَّتْ لَهُ واقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَكُونَ فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والنَّيِّراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ السُّدِّيِّ. وقَتادَةُ فالوَحْيُ عِبارَةٌ عَنِ التَّكْوِينِ كالأمْرِ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الوَقْتِ أوْ أوْحى إلى أهْلِ كُلٍّ مِنها أوامِرَهُ وكَلَّفَهم
صفحة 104
ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ كَما قِيلَ: فالوَحْيُ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ مِن بَيْنِ مَعانِيهِ ومُطْلَقٌ عَنِ القَيْدِ المَذْكُورِ أوْ مُقَيَّدٌ بِهِ فِيما أرى، واحْتِمالُ التَّقْيِيدِ والإطْلاقِ جارٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ مِنَ الكَواكِبِ وهي فِيها وإنْ تَفاوَتَتْ في الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ أوْ بَعْضُها فِيها وبَعْضُها فِيما فَوْقَها لَكِنَّها لِكَوْنِها كُلَّها تَرى مُتَلَأْلِئَةً عَلَيْها صَحَّ كَوْنُ تَزْيِينِها بِها، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ مَزِيدِ العِنايَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِفْظًا﴾ فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( زَيَّنّا ) أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، والضَّمِيرُ لِلسَّماءِ وحِفْظُها إمّا مِنَ الآفاتِ أوْ مِنَ الشَّياطِينِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَصابِيحِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ عَلى المَعْنى أيْ مَعْطُوفًا عَلى مَفْعُولٍ لَهُ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ السّابِقُ أيْ زِينَةً وحِفْظًا، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِهِ مَعَ ظُهُورِ الأوَّلِ وسُهُولَتِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ في البَحْرِ.
وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى جَمِيعِ الَّذِي ذُكِرَ بِتَفاصِيلِهِ أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ البالِغُ في القُدْرَةِ والبالِغُ في العِلْمِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ الإرْشادِ بَعْدَ ما سَمِعْتُ مِمّا حُكِيَ عَنْهُ: فَعَلى هَذا لا دَلالَةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى التَّرْتِيبِ بَيْنَ إيجادِ الأرْضِ وإيجادِ السَّماءِ وإنَّما التَّرْتِيبُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ أيْ تَقْدِيرُ إيجادِ الأرْضِ وما فِيها وإيجادِ السَّماءِ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخَلْقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعانِيها الظّاهِرَةِ فَهي تَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها وعَلَيْهِ إطْباقُ أكْثَرِ أهْلِ التَّفْسِيرِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ حَمْلَ تِلْكَ الأفْعالِ عَلى ما حَمَلَها عَلَيْهِ خِلافُ الظّاهِرِ كَما هو مُقِرٌّ بِهِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِخَلْقِ الأرْضِ وما فِيها بِالفِعْلِ كَما تَعَرَّضَ لِخَلْقِ السَّماواتِ كَذَلِكَ لا يُلائِمُ دَعْوى الِاعْتِناءِ الَّتِي أشارَ إلَيْها في بَيانِ وجْهِ تَخْصِيصِ البَيانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ وما فِيها عَلى أنَّ خَلْقَ ما فِيها بِالفِعْلِ غَيْرُ ظاهِرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَتِ الأرْضُ قَبْلُ مُسْتَقِلَّةً وذُكِرَ ما فِيها مُسْتَقِلًّا فَلا يَتَبادَرُ مِنَ الأرْضِ هُنا إلّا تِلْكَ الأرْضُ المُسْتَقِلَّةُ لا هي مَعَ ما فِيها، وأمْرُ تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ وتَأخُّرِهِ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّ إتْيانَ السَّماءِ حُدُوثُها وإتْيانَ الأرْضِ أنْ تَصِيرَ مَدْحُوَّةً وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ حَيْثُ شَبَّهَ البُرُوزَ مِنَ العَدَمِ وبَسْطَ الأرْضِ وتَمْهِيدَها بِالإتْيانِ مِن مَكانٍ آخَرَ وفي صِحَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما كَلامٌ عَلى أنَّ في كَوْنِ الدَّحْوِ مُؤَخَّرًا عَنْ جَعْلِ الرَّواسِي كَلامًا أيْضًا سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ لِتَأْتِ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى في حُدُوثِ ما أُرِيدَ تَوْلِيدُهُ مِنكُما وأُيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ «آتِيا» و«قالَتا أتَيْنا» عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُواتاةِ بِمَعْنى المُوافَقَةِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ آتَيْتُهُ عَلى ذَلِكَ الأمْرِ مُواتاةً إذا وافَقْتُهُ وطاوَعْتُهُ لِأنَّ المُتَوافِقَيْنِ يَأْتِي كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ وجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ وعَلاقَتُهُ اللُّزُومُ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هي المُسارَعَةُ وهو حَسَنٌ أيْضًا ولَمْ يَجْعَلْهُ أكْثَرُ الأجِلَّةِ مِنَ الإيتاءِ لِأنَّهُ غَيْرُ لائِحٍ وجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنهُ وقَدَّرَ المَفْعُولَ أيْ أعْطِيا مِن أنْفُسِكُما مِنَ الطّاعَةِ ما أرَدْتُهُ مِنكُما وما تَقَدَّمَ أحْسَنُ وما أسْلَفْناهُ في أوَّلِ الأوْجُهِ مِنَ الكَلامِ يَأْتِي نَحْوُهُ هُنا كَما لا يَخْفى.
واخْتَلَفَ النّاسُ في أمْرِ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ في خَلْقِ كُلٍّ مِنَ السَّماواتِ وما فِيها والأرْضِ وما فِيها وذَلِكَ لِلْآياتِ والأحادِيثِ الَّتِي ظاهِرُها التَّعارُضُ فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ ذَكَرَ فِيها أوَّلًا خَلْقَ الأرْضِ وجَعْلَ الرَّواسِي فِيها وتَقْدِيرَ الأقْواتِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ .. إلَخْ. وأبى أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالإتْيانِ لِلْأرْضِ أمْرَ تَكْوِينٍ، ولِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: في آيَةِ [البَقَرَةَ: 29] ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾
صفحة 105
وأوَّلِ آيَةِ النّازِعاتِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ [النّازِعاتِ: 27 - 33] لِما أنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى تَأخُّرِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها مِنَ الماءِ والمَرْعى والجِبالِ لِأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى السّابِقِ وهو رَفْعُ السَّمْكَ والتَّسْوِيَةُ، والأرْضُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ أيْ ودَحا الأرْضَ بَعْدَ رَفْعِ السَّماءِ وتَسْوِيَتِها دَحاها.. إلَخْ. بِأنَّ الأرْضَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ نَحْوَ تَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ أوِ اذْكُرِ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ لا بِمُضْمَرٍ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ أوْ بِهِ وبَعْدَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ سابِقًا مِن ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ لا خَلْقَ السَّماءِ نَفْسَهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الذِّكْرِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ في الأوَّلِ لَكِنَّهُ تَتْمِيمٌ كَما تَقُولُ جُمَلًا ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْتَ وكَيْتَ وهَذا كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ والعَجَمِ، وكَأنَّ بُعْدَ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى عَكْسُهُ إذا اسْتُعْمِلَ لِتَراخِي الرُّتْبَةِ والتَّعْظِيمِ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ ثُمَّ أيْضًا بِهَذا المَعْنى وكَذا الفاءُ، وبَعْضُهم يَذْهَبُ في الجَوابِ إلى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَقَدْ رَوى الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: رَأيْتُ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ في القُرْآنِ قالَ: هاتِ ما اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ - حَتّى بَلَغَ - ﴿طائِعِينَ﴾ فَبَدَأ بِخَلْقِ الأرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾ - ثُمَّ قالَ - ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَبَدَأ جَلَّ شَأْنُهُ بِخَلْقِ السَّماءِ قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أمّا خَلْقُ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ فَإنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ وكانَتِ السَّماءُ دُخانًا فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ يَقُولُ جَعَلَ فِيها جَبَلًا وجَعَلَ فِيها نَهْرًا وجَعَلَ فِيها شَجَرًا وجَعَلَ فِيها بُحُورًا. انْتَهى. قالَ الخَفاجِيُّ: يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِدَحاها بِمَعْنى بَسَطَها مُبَيِّنٌ لِلْمُرادِ مِنهُ فَيَكُونُ تَأخُّرُها في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِمَعْنى تَأخُّرِ ذاتِها بَلْ بِمَعْنى تَأخُّرِ خَلْقِ ما فِيها وتَكْمِيلِهِ وتَرْتِيبِهِ بَلْ خَلْقُ التَّمَتُّعِ والِانْتِفاعِ بِهِ فَإنَّ البَعِيدَةَ كَما تَكُونُ بِاعْتِبارِ نَفْسِ الشَّيْءِ تَكُونُ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ الأخِيرِ وقَيْدُهُ المَذْكُورُ كَما لَوْ قُلْتَ: بَعَثْتُ إلَيْكَ رَسُولًا ثُمَّ كُنْتُ بَعَثْتُ فُلانًا لِيَنْظُرَ ما يَبْلُغُهُ فَبَعْثُ الثّانِي وإنْ تَقَدَّمَ لَكِنْ ما بُعِثَ لِأجْلِهِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُتَأخِّرًا. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ هَذا مَعَ ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ وصَحَّحُوهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِنَ المَنافِعِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ فَقالَ تَعالى: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ»» فَإنَّهُ يُخالِفُ الأوَّلَ لِاقْتِضائِهِ خَلْقَ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْجارِ والأنْهارِ ونَحْوِها قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ قُلْتُ: الظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ خَلَقَ فِيما ذَكَرَ مادَّةَ ذَلِكَ وأُصُولَهُ إذْ لا يُتَصَوَّرُ العُمْرانُ والخَرابُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ فَعَطْفُهُ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ لِذَلِكَ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ كَما أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الآياتِ اخْتِلافٌ. انْتَهى كَلامُ الخَفاجِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة 106
السّابِقَ نَصٌّ في أنَّ جَعْلَ الجِبالِ في الأرْضِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ وهو ظاهِرُ آيَةِ النّازِعاتِ إذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النّازِعاتِ: 32] وآيَةُ حم السَّجْدَةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ جَعْلَ الجِبالِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ، ثُمَّ إنَّ رِوايَةَ ابْنِ جَرِيرٍ المَذْكُورَةَ عَنْهُ مُخالِفَةٌ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِيَدِي فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وخَلَقَ فِيها الجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ فِيما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ»» واسْتَدَلَّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ بِهَذا الخَبَرِ عَلى أنَّ السَّبْتَ أوَّلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ دُونَ الأحَدِ ونَقَلَهُ عَنْ أصْحابِهِ الشّافِعِيَّةِ وصَحَّحَهُ الأسْنَوِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ وهو مَذْهَبُنا يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ كَما في الرَّوْضَةِ وأصْلِها بَلْ قالَ السُّهَيْلِيُّ في رَوْضِهِ لَمْ يَقُلْ بِأنَّ أوَّلَهُ الأحَدُ إلّا ابْنُ جَرِيرٍ، وجَرى النَّوَوِيُّ في مَوْضِعٍ عَلى ما يَقْتَضِي أنَّ أوَّلَهُ الأحَدُ فَقالَ: في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ ثانِي الأيّامِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ جَرى في تَوْجِيهِ التَّسْمِيَةِ المُكْتَفِي فِيهِ بِأدْنى مُناسَبَةٍ عَلى القَوْلِ الضَّعِيفِ.
وانْتَصَرَ القَفّالُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ لِكَوْنِ أوَّلِهِ الأحَدَ بِأنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ وقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الحُفّاظُ عَلى ابْنِ المَدائِنِيِّ والبُخارِيِّ وغَيْرِهِما وجَعَلُوهُ مِن كَلامِ كَعْبٍ وأنَّ أبا هُرَيْرَةَ إنَّما سَمِعَهُ مِنهُ ولَكِنِ اشْتَبَهَ عَلى بَعْضِ الرُّواةِ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا. وأُجِيبَ بِأنَّ مَن حَفِظَ الرَّفْعَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْهُ والثِّقَةُ لا يُرَدُّ حَدِيثُهُ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ ولِأجْلِ ذَلِكَ أعْرَضَ مُسْلِمٌ عَمّا قالَهُ أُولَئِكَ واعْتَمَدَ الرَّفْعَ وخَرَّجَ طَرِيقَهُ في صَحِيحِهِ فَوَجَبَ قَبُولُها.
وذَكَرَ أحْمَدُ بْنُ أحْمَدَ المُقْرِئُ المالِكِيُّ أنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَواهُ أيْضًا في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «شَبَّكَ بِيَدِي أبُو القاسِمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ»» الحَدِيثَ، وفي الدُّرِّ المَنثُورِ عِدَّةُ أخْبارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ناطِقَةٍ بِأنَّ مَبْدَأً خَلْقِ الأرْضِ كانَ يَوْمَ الأحَدِ، وفِيهِ أيْضًا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««جاءَ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَلْقِ في هَذِهِ الأيّامِ السِّتَّةِ فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ الجِبالَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ المَدائِنَ والأقْواتَ والأنْهارَ وعُمْرانَها وخَرابَها يَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ والمَلائِكَةَ يَوْمَ الخَمِيسِ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ يَعْنِي مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ وخَلَقَ في أوَّلِ ساعَةٍ الآجالَ وفي الثّانِيَةِ الآفَةَ وفي الثّالِثَةِ آدَمَ قالُوا: صَدَقْتَ إنْ تَمَّمْتَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُرِيدُونَ فَغَضِبَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾».
واليَهُودُ قاطِبَةً عَلى أنَّ أوَّلَ الأُسْبُوعِ يَوْمُ الأحَدِ احْتِجاجًا بِما يُسَمُّونَهُ التَّوْراةَ وظاهِرُهُ الِاشْتِقاقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأوَّلَ السَّبْتُ قالَ: لا حُجَّةَ في ذَلِكَ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَثْبُتْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولا مِن رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَعَلَّ اليَهُودَ وضَعُوا أسْماءَ الأُسْبُوعِ عَلى ما يَعْتَقِدُونَ فَأخَذَتْها العَرَبُ عَنْهم ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا الجُمُعَةُ والسَّبْتُ ولَيْسا مِن أسْماءِ العَدَدِ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لَوْ ثَبَتَتْ عَنِ العَرَبِ لَمْ يَكُنْ فِيها دَلِيلٌ لَأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي خامِسَ الوِرْدِ رُبْعًا وتاسِعَهُ عُشْرًا وهَذا هو الَّذِي أخَذَ مِنهُ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَهُ الَّذِي كادَ يَنْفَرِدُ بِهِ أنَّ يَوْمَ عاشُوراءَ هو يَوْمُ تاسِعِ المُحَرَّمِ وتاسُوعاءَ هو يَوْمُ ثامِنِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الجَوابَ الأوَّلَ خارِجٌ عَنِ الإنْصافِ فَلِأيّامِ الأُسْبُوعِ عِنْدَ العَرَبِ أسْماءُ أُخَرُ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا، وهي أوَّلُ وأهْوَنُ وجُبارٌ ودُبارٌ ومُؤْنِسٌ وعَرُوبَةُ وشِيارٌ، ولا يَسُوغُ لِمُنْصِفٍ أنْ يَظُنَّ أنَّ العَرَبَ تَبِعُوا في ذَلِكَ اليَهُودَ وجاءَ الإسْلامُ وأقَرَّهم عَلى ذَلِكَ، ولَيْتَ شِعْرِي إذا كانَتْ تِلْكَ الأسْماءُ وقَعَتْ مُتابَعَةً لِلْيَهُودِ فَما الأسْماءُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي وضَعَها واضِعُ
صفحة 107
لُغَةِ العَرَبِ غَيْرُ تابِعٍ فِيها لِلْيَهُودِ، والجَوابُ الثّانِي خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
ونَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الأرْضِ فَضْلًا عَنْ دَحْوِها واخْتارَهُ الإمامُ ونَسَبَهُ بَعْضُهم إلى المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّ الخَلْقَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّكْوِينِ والإيجادِ بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، والمُرادُ بِهِ في حَقِّهِ تَعالى حُكْمُهُ تَعالى أنْ سَيُوجَدُ وقَضاؤُهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 59] ولا بُدَّ عَلى هَذا مِن تَأْوِيلٍ ( جَعَلَ وبارَكَ ) بِنَحْوِ ما سَمِعْتُ عَنِ الإرْشادِ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى خَلَقَ وكَذا ما بَعْدَهُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ ويَكُونُ الكَلامُ عَلى إرادَةِ الإرادَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائِدَةَ: 6] أيْ بِالَّذِي أرادَ خَلْقَ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ وأرادَ أنْ يَجْعَلَ فِيها رَواسِيَ وقالُوا: إنَّ ثُمَّ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ المُنَزَّلَةِ مَنزِلَةَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَلَدَ: 17] فَإنَّ اسْمَ كانَ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البَلَدَ: 11] وهو الإنْسانُ الكافِرُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البَلَدَ: 13 - 16] تَفْسِيرٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّرْتِيبُ الظّاهِرِيُّ يُوجِبُ تَقْدِيمَ الإيمانِ عَلَيْهِ لَكِنَّ ثُمَّ هُنا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ مَجازًا، وفي الكَشْفِ أنَّ ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ لا إشْكالَ فِيهِ ويَتَعَيَّنُ ( ثُمَّ ) في هَذِهِ السُّورَةِ والسَّجْدَةِ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ وهو أوْفَقُ لِمَشْهُورِ قَواعِدِ الحُكَماءِ لَكِنْ لا يُوافِقُ ما جاءَ مِن أنَّ الِابْتِداءَ مِن يَوْمِ الأحَدِ كانَ، وخَلْقَ السَّماواتِ وما فِيها مِن يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ وفي آخِرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ تَمَّ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الكُفّارَ وُبِّخُوا وقُرِّعُوا بِكُفْرِهِمْ بِمَن صَدَرَتْ عَنْهُ هَذِهِ الأشْياءُ جَمِيعُها مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ زَمانِيٍّ وإنَّ ( ثُمَّ ) لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ الزَّمانِ والمُهْلَةِ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ بِالَّذِي أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَلا تَعَرُّضَ في الآيَةِ لِتَرْتِيبِ الوُقُوعِ التَّرْتِيبَ الزَّمانِيَّ، ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماءِ أبْدَعَ في القُدْرَةِ مِن خَلْقِ الأرْضِ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ فِيهِ بِثُمَّ فَهي لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنْعامَ: 154] بَعْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ [الأنْعامَ: 151] ويَكُونُ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾ بَعْدَ إخْبارِهِ تَعالى أخْبَرَ بِهِ تَصْوِيرًا لِخَلْقِهِما عَلى وفْقِ إرادَتِهِ تَعالى كَقَوْلِكَ أرَأيْتَ الَّذِي أثْنَيْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ إنَّكَ عالِمٌ صالِحٌ فَهَذا تَصْوِيرٌ لِما أثْنَيْتَ بِهِ وتَفْسِيرٌ لَهُ فَكَذَلِكَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ خَلَقَ كَيْتَ وكَيْتَ فَأوْجَدَ ذَلِكَ إيجادًا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ إرادَتِهِ. انْتَهى. وظاهِرُ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها﴾ .. إلَخْ. أنَّ القَوْلَ بَعْدَ الإيجادِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتَّمْثِيلِ أوِ التَّخْيِيلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ السَّماءَ والأرْضَ مَحَلّا قُدْرَتِهِ تَعالى يَتَصَرَّفُ فِيهِما كَيْفَ يَشاءُ إيجادًا وإكْمالًا ذاتًا وصِفَةً ويَكُونُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ أيْ لَمّا كانَ الخَلْقُ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ قَضى السَّماواتِ وأحْكَمَ خَلْقَها في يَوْمَيْنِ فَيَصِحُّ هَذا القَوْلُ قَبْلَ كَوْنِهِما وبَعْدَهُ، وفي أثْنائِهِ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ دَلالَةً عَلى وُقُوعٍ.
وذُكِرَ في نُكْتَةِ تَقْدِيمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها في الذِّكْرِ ها هُنا وفي سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والعَكْسِ في سُورَةِ النّازِعاتِ أنَّها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّ المَقامَ في الأوَّلِيَّيْنِ مَقامُ الِامْتِنانِ وتَعْدادِ النِّعَمِ فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو أقْرَبُ النِّعَمِ إلى المُخاطَبِينَ والمُقامُ في الثّالِثَةِ مَقامُ بَيانِ كَمالِ القُدْرَةِ فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو أدَلُّ عَلى كَمالِها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنْبِياءَ: 30] الآيَةَ.
وجَعَلَهُ بَعْضُهم دَلِيلًا عَلى تَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ، وفي الإرْشادِ أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ فَإنَّ بَسْطَ
صفحة 108
الأرْضِ مَعْطُوفٌ عَلى إصْعادِ الدُّخانِ وخَلْقِ السَّماءِ بِالواوِ فَلا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ قَطْعًا، وفي الكَشْفِ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ السَّماءِ دُخانًا سابِقٌ عَلى دَحْوِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها بَلْ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وإيجادُ الجَوْهَرَةِ النُّورِيَّةِ والنَّظَرُ إلَيْها بِعَيْنِ الجَلالِ المُبَطَّنُ بِالرَّحْمَةِ والجَمالِ وذَوْيُها وامْتِيازُ لَطِيفِها عَنْ كَثِيفِها وصُعُودُ المادَّةِ الدُّخانِيَّةِ اللَّطِيفَةِ وبَقاءُ الكَثِيفِ هَذا كُلُّهُ سابِقٌ عَلى الأيّامِ السِّتَّةِ وثَبَتَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ ولا يُنافِي الآياتِ. واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ خَلْقَ المادَّةِ البَعِيدَةِ لِلسَّماءِ والأرْضِ كانَ في زَمانٍ واحِدٍ وهي الجَوْهَرَةُ النُّورِيَّةُ أوْ غَيْرُها وكَذا فَصْلُ مادَّةِ كُلٍّ عَنِ الأُخْرى وتَمْيِيزُها عَنْها أعْنِي الفَتْقَ وإخْراجَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ لِلسَّماواتِ وإبْقاءَ الكَثِيفَةِ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ لِلْأرْضِ فَإنَّ فَصْلَ اللَّطِيفِ عَنِ الكَثِيفِ يَسْتَلْزِمُ فَصْلَ الكَثِيفِ عَنْهُ وبِالعَكْسِ، وأمّا خَلْقُ كُلٍّ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي يُشاهَدُ بِها فَلَيْسَ في زَمانٍ واحِدٍ بَلْ خَلْقُ السَّماواتِ سابِقٌ في الزَّمانِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرْتابَ في تَأخُّرِ خَلْقِ الأرْضِ بِجَمِيعِ ما فِيها عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ كَذَلِكَ، ومَتى ساغَ حَمْلُ ( ثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ في الإخْبارِ هانَ أمْرُ ما يُظَنُّ مِنَ التَّعارُضِ في الآياتِ والإخْبارِ هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ولِبَعْضِ المُتَأخِّرِينَ في الآيَةِ كَلامٌ غَرِيبٌ دَفَعَ بِهِ ما يُظَنُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الفُرْقانَ: 59، السَّجْدَةَ: 4] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: 38] وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي يُخَيَّلُ مِنها أنَّ خَلْقَ ذَلِكَ في ثَمانِيَةِ أيّامٍ وهو أنَّ لِلشَّيْءِ حُكْمًا مِن حَيْثُ ذاتِهِ ونَفْسِهِ وحُكْمًا مِن حَيْثُ صِفاتِهِ وإضافاتِهِ ونِسَبِهِ ورَوابِطِهِ واقْتِضاءاتِهِ ومُتَمِّماتِهِ وسائِرِ ما يُضافُ إلَيْهِ ولِكُلٍّ مِن ذَلِكَ أجَلٌ مَعْدُودٌ وحَدٌّ مَحْدُودٌ يُظْهِرُهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ بِالأزْمانِ الخاصَّةِ بِهِ والأوْقاتِ المُؤَجَّلَةِ لَهُ وهي مُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، واللَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في حَدِّ ذاتِها في سِتَّةِ أيّامٍ، وذَلِكَ عِنْدَ نَشْئِها في ذاتِها مِن خَلْقِهِ سُبْحانَهُ إيّاها مِنَ البَحْرِ الحاصِلِ مِن ذَوَبانِ الياقُوتَةِ الحَمْراءِ لَمّا نَظَرَ إلَيْها جَلَّ شَأْنُهُ بِنَظَرِ الهَيْبَةِ فَتَمَوَّجَ إلى أنْ حَصَلَ مِنهُ الزَّبَدُ وثارَ الدُّخانُ فَخَلَقَ السَّماءَ مِنَ الدُّخانِ والأرْضَ مِنَ الزَّبَدِ والنُّجُومَ مِنَ الشُّعُلاتِ المُسْتَجِنَّةِ في زَبَدِ البَحْرِ والنّارَ والهَواءَ والماءَ مِن جِسْمٍ أكْثَفَ مِنَ الدُّخانِ وألْطَفَ مِنَ الزَّبَدِ، والسَّماءُ حَقِيقَةٌ وحْدانِيَّةٌ في ذاتِها ولَها صَلاحِيَّةُ التَّعَدُّدِ والكَثْرَةِ عَلى حَسَبِ بُدُوِّ شَأْنِها في عِلْمِ الغَيْبِ فَتَعَيَّنَها بِالسَّبْعَةِ عَلى الجِهَةِ الخاصَّةِ ووُقُوعُ كُلِّ سَماءٍ في مَحَلِّها الخاصِّ مُتَرَتِّبًا عَلَيْها حُكْمٌ خاصٌّ يَحْتاجُ إلى جَعْلٍ غَيْرِ جَعْلِها في نَفْسِها وهو المُسَمّى بِالقَدْرِ وتَعْيِينُ الحُدُودِ الَّتِي هي الهَنْدَسَةُ الإيجادِيَّةُ، وهَذا الجَعْلُ مُتَفَرِّعٌ عَلى الخَلْقِ ونَحْوُهُ غَيْرُ نَحْوِهِ قَطْعًا كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانَ: 2] وقَدْ يُسَمّى بِالتَّسْوِيَةِ وبِالقَضاءِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البَقَرَةَ: 29] وقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ - إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ - ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وأمّا تَقْدِيرُ أقْواتِ الأرْضِ وإعْطاءُ البَرَكَةِ وتَوْلِيدُ المُتَوَلِّداتِ فَلَها أيّامٌ مَعْدُوداتٌ وحُدُودٌ مَحْدُوداتٌ لا تَدْخُلُ في أيّامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّها لِإيجادِ أنْفُسِها، فالأيّامُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ إنَّما هي لِجَعْلِ الرَّواسِي وتَقْدِيرِ الأقْواتِ وإحْداثِ البَرَكَةِ ولَيْسَتْ مِن تِلْكَ السِّتَّةِ وكَذَلِكَ اليَوْمانِ اللَّذانِ لِتَسْوِيَةِ السَّماءِ وقَضائِها سَبْعَ سَماواتٍ خارِجانِ عَنْها فَلَيْسَ في الآيَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها سِوى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ كانَ في يَوْمَيْنِ وأمّا خَلْقُ السَّماواتِ وما بَيَّنَها وبَيْنَ الأرْضِ فَلَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ مُدَّةً لَهُ وإنَّما ذَكَرَ مُدَّةَ قَضاءِ السَّماواتِ وهو غَيْرُ خَلْقِها ومُدَّةَ جَعْلِ الرَّواسِي وتَقْدِيرِ الأقْواتِ وإحْداثِ البَرَكَةِ وذَلِكَ غَيْرُ خَلْقِ الأرْضِ وما بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ فَلا تَنافِيَ بَيْنَها وبَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ
صفحة 109
والأرْضِ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الصّادِقِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ الأرَضِينَ وخَلَقَ أقْواتَها في يَوْمِ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الأرْبِعاءِ ويَوْمِ الخَمِيسِ وخَلَقَ أقْواتَها يَوْمَ الجُمُعَةِ وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ المَذْكُورِ فِيهِ أنَّ الأقْواتَ قَدْ خُلِقَتْ في يَوْمَيْنِ لا أنَّها قُدِّرَتْ وبَيْنَ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَخَلْقُ الأقْواتِ عِبارَةٌ عَنْ إيجادِ ذاتِيّاتِها ومَوادِّها وعِلَلِها وأسْبابِها فَإذا وُجِدَتْ قُدِّرَتْ وفُصِّلَتْ عَلى الأطْوارِ المَعْلُومَةِ فَلا إشْكالَ.
والعَجَبُ مِمَّنِ اسْتَشْكَلَ هَذا المَقامَ كَيْفَ لَمْ يَنْظُرْ في مَدْلُولاتِ الألْفاظِ الإلَهِيَّةِ بِحَسَبِ القَواعِدِ القُرْآنِيَّةِ واللُّغَوِيَّةِ فاحْتاجَ في حَلِّهِ إلى تَكَلُّفاتِ أُمُورٍ ( خَفِيَّة ) وارْتِكابِ تَوْجِيهاتٍ غَيْرِ مُرْضِيَةٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا البَعْضَ ذَكَرَ لِلْيَوْمِ ما يَزِيدُ عَلى سِتِّينَ إطْلاقًا مِنها المَرْتَبَةُ ونَقَلَ هَذا عَنْ شَيْخِهِ ورَأيْتُهُ في بَعْضِ الكُتُبِ لِغَيْرِهِ، وجُوِّزَ إرادَتُهُ في الآيَةِ وكَذا جُوِّزَ إرادَةُ غَيْرِهِ مِنَ الإطْلاقاتِ، وذَكَرَ سِرَّ كَوْنِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في سِتَّةِ أيّامٍ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وكانَ ذَلِكَ ضِمْنَ رِسالَةٍ ألَّفَها حِينَ طُلِبَتْ مِنهُ جَوابًا عَمّا يُظَنُّ مِنَ المُنافاةِ غَيْرَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ، ومَن وقَفَ عَلى تِلْكَ الرِّسالَةِ سَمِعَ مِنها قَعْقَعَةً بِلا سِلاحٍ وأحَسَّ بِطَيَرانٍ في جَوِّ ما يَزْعُمُهُ تَحْقِيقًا بِلا جَناحٍ فَكَمْ فِيها مِن قَوْلٍ لا سَنَدَ لَهُ ومُدَّعى لَمْ يُورِدْ دَلِيلَهُ، فَعَلَيْكَ بِالتَّأمُّلِ التّامِّ فِيما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ وما ذَكَرَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ الكَلامِ ولا تَكُ لِلْإنْصافِ مُجانِبًا ولِلتَّعَصُّبِ مُصاحِبًا واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
وما تَقَدَّمَ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ عَلى التَّمْثِيلِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُما نَطَقَتا نُطْقًا حَقِيقِيًّا وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُما حَياةً وإدْراكًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يَدْفَعُهُ وأنَّ العِبْرَةَ فِيهِ أتَمُّ والقُدْرَةَ فِيهِ أظْهَرُ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى الأوَّلَ أبْلَغُ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ لِلْجَماداتِ إدْراكًا لائِقًا بِها قالَ بِظاهِرِ الآيَةِ ولَعَلَّها إحْدى أدِلَّتِهِ عَلى ذَلِكَ. وذَكَرَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ كُلَّ سَماءٍ بِما مَيَّزَها عَنِ السَّماءِ الأُخْرى مِنَ الذّاتِيّاتِ وجَعَلَ ذَلِكَ وجْهًا في جَمْعِ السَّماواتِ وإفْرادِ الأرْضِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «أوْ كُرْهًا» بِضَمِّ الكافِ، قالَ أبُو حَيّانَ: والأصَحُّ أنَّها لُغَةٌ في الإكْراهِ عَلى الشَّيْءِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ مَعْناهُ المَشَقَّةُ
فصلت 41:13
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أإنَّكُمْ﴾ .. إلَخْ. أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما ذَكَرَ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ أوْ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم: ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ أُنْذِرُكم، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الإنْذارِ المُنْبِئِ عَنْ تَحَقُّقِ المُنْذَرِ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الصّاعِقَةَ تَأْتِي في اللُّغَةِ بِمَعْنى العَذابِ، ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم وجَعَلَ ما ذَكَرَ مَجازًا، والمُرادُ عَذابًا شَدِيدَ الوَقْعِ كَأنَّهُ صاعِقَةٌ مِثْلُ صاعِقَتِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أعْلَمْتُكم حُلُولَ صاعِقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ» بِغَيْرِ ألِفٍ فِيهِما وسُكُونِ العَيْنِ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ أوِ الصَّعْقُ ويُقالُ: صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ صَعْقًا فَصَعَقَ صَعْقًا بِالفَتْحِ أيْ هَلَكَ بِالصّاعِقَةِ المُصِيبَةِ لَهُ
فصلت 41:14
﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ أيْ جاءَتْ عادًا وثَمُودَ فَفِيهِ إطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ وهو شائِعٌ وكَذا ( اَلرُّسُلُ )
صفحة 110
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ما يَعُمُّ رَسُولَ الرَّسُولِ، وجُوِّزَ في الأوَّلِ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ أفْرادِ القَبِيلَتَيْنِ، وذَكَرُوا في ( إذْ ) أوْجُهًا مِنَ الإعْرابِ. الأوَّلُ أنَّهُ ظَرْفٌ لِأنْذَرْتُكم. الثّانِي أنَّهُ صِفَةٌ لِصاعِقَةٍ الأُولى، وأُورِدَ عَلَيْهِما لُزُومُ كَوْنِ إنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والصّاعِقَةِ الَّتِي أنْذَرَ بِها واقِعَيْنِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ عادًا وثَمُودَ ولَيْسَ كَذَلِكَ. الثّالِثُ أنَّهُ صِفَةٌ لِصاعِقَةٍ الثّانِيَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أوْ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ. الرّابِعُ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِصاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها العَذابُ وإلّا فَهي بِالمَعْنى المَعْرُوفِ جُثَّةٌ لا يَتَعَلَّقُ بِها الظَّرْفُ وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى. الخامِسُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ حالٌ مِنها لِأنَّها مُعَرَّفَةٌ بِالإضافَةِ، وبَعْضُهم يُجَوِّزُ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الأُولى أيْضًا لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ بِالمُتَخَصِّصِ بِالإضافَةِ فَتَكُونُ الأوْجُهُ سِتَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْهم، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ لِعادٍ وثَمُودَ، والجِهَتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ عَلى ما عُرِفَ في مِثْلِهِ أيْ أتَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، والمُرادُ بِإتْيانِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بَذْلُ الوُسْعِ في دَعْوَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الزَّمَنُ الماضِي وبِما خَلْفَهُمُ المُسْتَقْبَلُ وبِالعَكْسِ واسْتُعِيرَ فِيهِ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ والمُرادُ جاءُوهم بِالإنْذارِ عَمّا جَرى عَلى أمْثالِهِمُ الكَفَرَةِ في الماضِي وبِالتَّحْذِيرِ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ لِلرُّسُلِ والمُرادُ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ مَنزِلَةَ مَجِيءِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّ هُودًا وصالِحًا كانا داعِيَيْنِ لَهم إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ مِمَّنْ جاءَ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ ومِمَّنْ يَجِيءُ مِن خَلْفِهِمْ فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ألّا تَعْبُدُوا إلّا اَللَّهَ ) ورُوِيَ هَذا الوَجْهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ. ونَصَّ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى أنَّ ( مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ) عَلَيْهِ حالٌ مِنَ الرُّسُلِ لا مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْهم، وجَمْعُ الرُّسُلِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الرُّسُلِ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [النَّحْلَ: 112] وقالَ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ لِعادٍ وثَمُودَ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ لِلرُّسُلِ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ خُرُوجًا عَنِ الظّاهِرِ في تَفْرِيقِ الضَّمائِرِ وتَعْمِيَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ وجاءَتْهم مِن خَلْفِ الرُّسُلِ أيْ مِن خَلْفِ أنْفُسِهِمْ، وهَذا مَعْنى لا يُتَعَقَّلُ إلّا إنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا في ( مِن خَلْفِهِمْ ) عَلى الرُّسُلِ لَفْظًا وهو عائِدٌ عَلى رُسُلٍ آخَرِينَ مَعْنًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِ رُسُلٍ آخَرِينَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أيْ ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، وبُعْدُهُ لا يَخْفى.
وخُصِّ بِالذِّكْرِ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عادٌ وثَمُودُ لِعِلْمِ قُرَيْشٍ بِحالِهِما ولِوُقُوفِهِمْ عَلى بِلادِهِمْ في اليَمَنِ والحِجْرِ، و( أنْ ) يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَجِيءِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ بِالوَحْيِ وبِالشَّرائِعِ فَيَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ و( لا ) ناهِيَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ولا ناهِيَةً أيْضًا، والمَصْدَرِيَّةُ قَدْ تُوصَلُ بِالنَّهْيِ كَما تُوصَلُ بِالأمْرِ عَلى كَلامٍ فِيهِ، وجَعَلَ الحَوْفِيُّ ( لا ) نافِيَةً و( أنْ ) ناصِبَةً لِلْفِعْلِ، وقِيلَ: إنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ومَعَها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّها إنَّما تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ اليَقِينِ وأنَّ خَبَرَ بابِ أنْ لا يَكُونُ طَلَبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ وأنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ كالوَحْيِ مَعْنًى فَيَكُونُ مِثْلَهُ في وُقُوعِ أنْ بَعْدَهُ لِتَضَمُّنِهِ ما يُفِيدُ اليَقِينَ كَما أشارَ إلَيْهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ وعَلى احْتِمالِ كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً وكَوْنِها مُخَفَّفَةً يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ
صفحة 111
الجَرِّ أيْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ مَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إرْسالَ الرُّسُلِ أيْ لَوْ شاءَ رَبُّنا إرْسالَ الرُّسُلِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَأرْسَلَهم لَكِنْ لَمّا كانَ إرْسالُهم بِطَرِيقِ الإنْذارِ قِيلَ: لَأنْزَلَ، قِيلَ: ولَمْ يُقَدِّرْ إنْزالَ المَلائِكَةِ بِناءً عَلى أنَّ الشّائِعَ تَقْدِيرُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ بَعْدَ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ عارٍ عَنْ إفادَةِ ما أرادُوهُ مِن نَفْيِ إرْسالِهِ تَعالى البَشَرَ والشّائِعُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّما التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ رَبُّنا إنْزالَ مَلائِكَةٍ بِالرِّسالَةِ مِنهُ إلى الإنْسِ لَأنْزَلَهم بِها إلَيْهِمْ، وهَذا أبْلَغُ في الِامْتِناعِ مِن إرْسالِ البَشَرِ إذْ عَلَّقُوا ذَلِكَ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَشاؤُوهُ في البَشَرِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُمْ بِهِ عَلى زَعْمِكم، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ ﴿كافِرُونَ﴾ لِما أنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، والفاءُ فاءُ النَّتِيجَةِ السَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ في الكَلامِ إيماءٌ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ أيْ لَكِنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً لِشَرْطِيَّتِهِمْ أيْ إنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنّا مُنْكِرُونَ لِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَما نُنْكِرُ رِسالَتَكم، و( ما ) كَما أشَرْنا إلَيْهِ مَوْصُولَةٌ، وكَوْنُها مَصْدَرِيَّةً وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ خِلافُ الظّاهِرِ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والمَلَأُ مِن قُرَيْشٍ قَدِ التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوِ التَمَسْتُمْ رَجُلًا عالِمًا بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَكَلَّمَهُ ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ مِن أمْرِهِ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والكِهانَةَ والسِّحْرَ وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفى ( عَلَيَّ ) إنْ كانَ كَذَلِكَ فَأتاهُ فَقالَ لَهُ يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ قالَ: فَبِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُ آباءَنا فَإنْ كُنْتَ إنَّما بِكَ الرِّياسَةُ عَقَدْنا ألْوِيَتَنا لَكَ، وإنْ كانَ المالَ جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما تَسْتَغْنِي بِهِ أنْتَ وعَقِبُكَ مِن بَعْدِكَ، وإنْ كانَ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُ مِن أيِّ بَناتِ قُرَيْشٍ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ساكِتٌ لا يَتَكَلَّمُ فَلَمّا فَرَغَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ - فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ - ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾» فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْشَدَهُ الرَّحِمَ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَخْرُجْ إلى قُرَيْشٍ فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ما أرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبا إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وأعْجَبَهُ طَعامُهُ وما ذاكَ إلّا مِن حاجَةٍ أصابَتْهُ انْتَقِلُوا بِنا إلَيْهِ فَأتَوْهُ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ يا عُتْبَةُ ما حَسِبْنا إلّا أنَّكَ صَبَوْتَ إلى مُحَمَّدٍ وأعْجَبَكَ أمْرُهُ فَإنْ كُنْتَ بِكَ حاجَةٌ جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما يُغْنِيكَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَضِبَ وأقْسَمَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبَدًا وقالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي أكْثَرُ قُرَيْشٍ مالًا ولَكِنِّي أتَيْتُهُ فَقَصَّ عَلَيْهِمُ القِصَّةَ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ واللَّهِ ما هو بِسِحْرٍ ولا شِعْرٍ ولا كِهانَةٍ قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حَتّى ﴿أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ فَأمْسَكْتُ بِفِيهِ وناشَدْتُهُ الرَّحِمَ فَكَفَّ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ»»
فصلت 41:15
﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الجِنايَةِ والعَذابِ، ولِتَفَرُّعِ التَّفْصِيلِ عَلى الإجْمالِ قُرِنَ بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ، وبُدِئَ بِقِصَّةِ عادٍ لِأنَّها أقْدَمُ زَمانًا أيْ فَأمّا عادٌ فَتَعَظَّمُوا في الأرْضِ الَّتِي لا يَنْبَغِي التَّعَظُّمُ فِيها عَلى أهْلِها ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِلتَّعَظُّمِ.
صفحة 112
وقِيلَ: تَعَظَّمُوا عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَبُولِ ما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ ﴿وقالُوا﴾ اغْتِرارًا بِقُوَّتِهِمْ: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ أيْ لا أشَدَّ مِنّا قُوَّةً فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهَذا بَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَظَمَةَ وجَوابِ الرُّسُلِ عَمّا خَوَّفُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وخَلْقٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَلَغَ مِن قُوَّتِهِمْ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَنْزِعُ الصَّخْرَةَ مِنَ الجَبَلِ ويَرْفَعُها بِيَدِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ أغْفَلُوا ولَمْ يَنْظُرُوا أوْ ولَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا جَلِيًّا شَبِيهًا بِالمُشاهَدَةِ والعِيانِ ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ قُدْرَةً فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ بِالذّاتِ مُقْتَدِرٌ عَلى ما لا يَتَناهى قَوِيٌّ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ مُفِيضٌ لِلْقُوَّةِ والقَدْرِ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ وقادِرٍ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ ما خَوَّفَهم بِهِ الرُّسُلُ لَيْسَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ بِناءً عَلى قُوَّةٍ مِنهم وإنَّما هو مِنَ اللَّهِ تَعالى خالِقِ القُوى والقَدْرِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أشَدُّ قُوَّةً مِنهم، وتَفْسِيرُ القُوَّةِ بِالقُدْرَةِ لِأنَّهُ أحَدُ مَعانِيها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القُوَّةَ عَرَضٌ يُنَزَّهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَكِنَّها مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْقُدْرَةِ فَلِذا عَبَّرَ عَنْها بِها مُشاكَلَةً. وأُورِدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ( خَلَقَهم ) دُونَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِادِّعائِهِمُ الشِّدَّةَ في القُوَّةِ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ يُنْكِرُونَها وهم يَعْرِفُونَ حَقِّيَّتَها وهو عَطْفٌ عَلى ( فاسْتَكْبَرُوا ) أوْ ( قالُوا ) فَجُمْلَةُ ( أوَلَمْ يَرَوْا ) .. إلَخْ. مَعَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ اعْتِراضٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو وحْدَهُ اعْتِراضًا والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ.
فصلت 41:16
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةُ السَّمُومِ فَهو مِنَ الصَّرِّ بِفَتْحِ الصّادِ بِمَعْنى الحَرِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: بارِدَةٌ تُهْلِكُ بِشِدَّةِ بَرْدِها مِنَ الصَّرِّ بِكَسْرِ الصّادِ وهو البَرْدُ الَّذِي يُصِرُّ أيْ يَجْمَعُ ظاهِرَ جِلْدِ الإنْسانِ ويَقْبِضُهُ والأوَّلُ أنْسَبُ لِدِيارِ العَرَبِ، وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا وأبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ: مُصَوِّتَةٌ مِن صَرَّ يَصِرُّ إذا صَوَّتَ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذّارِياتِ: 29] وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ تَعالى أمَرَ خَزَنَةَ الرِّيحِ فَفَتَحُوا عَلَيْهِمْ قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ ولَوْ فَتَحُوا قَدْرَ مِنخَرِ الثَّوْرِ لَهَلَكَتِ الدُّنْيا»، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ العِيرَ بِأوْقارِها فَتَرْمِيهِمْ في البَحْرِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ جَمْعُ نَحِسَةٍ بِكَسْرِ الحاءِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن نَحِسَ نِحْسًا كَعَلِمَ عِلْمًا نَقِيضُ سَعِدَ سَعْدًا.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والنَّخَعِيُّ وعِيسى والأعْرَجُ «نُحُساتٍ» بِسُكُونِ الحاءِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُخَفَّفًا مِن فَعِلَ كَصَعِبَ. وفي البَحْرِ تَتَبَّعْتُ ما ذَكَرَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ مِمّا جاءَ صِفَةً مِن فَعِلَ اللّازِمِ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ فِعْلًا بِسُكُونِ العَيْنِ وإنَّما ذَكَرُوا فِعْلًا بِالكَسْرِ كَفَرِحَ وأفْعَلُ كَأحْوَرُ وفَعْلانَ كَشَبْعانَ وفاعِلًا كَسالِمٍ، وهو صِفَةٌ ( أيّامٍ ) وجُمِعَ بِالألِفِ والتّاءِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِما لا يَعْقِلُ، والمُرادُ بِها مَشائِيمُ عَلَيْهِمْ لِما أنَّهم عُذِّبُوا فِيها، فاليَوْمُ الواحِدُ يُوصَفُ بِالنَّحْسِ والسَّعْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصَيْنِ فَيُقالُ لَهُ سَعْدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُنَعَّمُ فِيهِ، ويُقالُ لَهُ نَحْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُعَذَّبُ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يَزْعُمُهُ النّاسُ مِن خُصُوصِيّاتِ الأوْقاتِ، لَكِنْ ذَكَرَ الكَرْمانِيُّ في مَناسِكِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الأيّامُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَعْضَها نُحُوسًا وبَعْضَها سُعُودًا، وتَفْسِيرُ ﴿نَحِساتٍ﴾ بِمَشائِيمَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وقالَ الضَّحّاكُ: أيْ شَدِيدَةُ البَرْدِ حَتّى كَأنَّ البَرْدَ عَذابٌ لَهم، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ في النَّحْسِ بِمَعْنى البَرْدِ:
صفحة 113
كَأنَّ سُلافَهُ مُزِجَتْ بِنَحْسٍ
وقِيلَ: نَحِساتٌ ذَواتُ غُبارٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
قَدِ اغْتَدى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ∗∗∗ لِلصَّيْدِ في يَوْمٍ قَلِيلِ النَّحْسِ
يُرِيدُ قَلِيلَ الغُبارِ، وكانَتْ هَذِهِ الأيّامُ مِن آخِرِ شُباطٍ وتُسَمّى أيّامَ العَجُوزِ، وكانَتْ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ آخِرَ شَوّالٍ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ، ورُوِيَ ما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا في يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أوَّلُها غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أُضِيفَ العَذابُ إلى الخِزْيِ وهو الذُّلُّ عَلى قَصْدِ وصْفِهِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ وهو في الأصْلِ صِفَةُ المُعَذَّبِ وإنَّما وُصِفَ بِهِ العَذابُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذُلَّ الكافِرِ زادَ حَتّى اتَّصَفَ بِهِ عَذابُهُ كَما قَرَّرَ في قَوْلِهِمْ: شِعْرٌ شاعِرٌ، وهَذا في مُقابَلَةِ اسْتِكْبارِهِمْ وتَعَظُّمِهِمْ. وقُرِئَ «لِتُذِيقَهم» بِالتّاءِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ الرِّيحِ أوِ الأيّامِ النَّحِساتِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
فصلت 41:17
﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: أيْ بَيَّنّا لَهم، وأرادُوا بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ بَيانُ طَرِيقَيِ الضَّلالَةِ والرُّشْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدَ: 10] وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيْ فاخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى فالظّاهِرُ في أنَّهُ بَيَّنَ لَهُمُ الطَّرِيقانِ فاخْتارُوا أحَدَهُما، وصَرَّحَ ابْنُ زَيْدٍ بِذَلِكَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أيْ أعْلَمْناهُمُ الهُدى مِنَ الضَّلالِ، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الهِدايَةَ هُنا بِالدَّلالَةِ أيْ فَدَلَلْناهم عَلى الحَقِّ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ فاخْتارُوا الضَّلالَ ولَمْ يُفَسِّرُوها بِالدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ لِإباءِ ظاهِرِ ﴿فاسْتَحَبُّوا﴾ .. إلَخْ عَنْهُ.
واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِاخْتِيارِ العَبْدِ عَلى الِاسْتِقْلالِ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( هَدَيْناهم ) دَلَّ عَلى نَصْبِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ .. إلَخْ دَلَّ عَلى أنَّهم بِأنْفُسِهِمْ آثَرُوا العَمى. والجَوابُ كَما في الكَشْفِ أنَّ في لَفْظِ الِاسْتِحْبابِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى هي المُؤَثِّرَةُ وأنَّ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَدْخَلًا ما فَإنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً بِالِاتِّفاقِ وإيثارَ العَمى حُبًّا وهو الِاسْتِحْبابُ مِنَ الِاخْتِيارِيَّةِ، فانْظُرْ إلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ تَرَ العَجَبَ العُجابَ، وإلى نَحْوِهِ أشارَ الإمامُ الدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى قُدِّسَ سِرُّهُ، ومَعْنى كَوْنِ المَحَبَّةِ لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً إنَّها بَعْدَ حُصُولِ ما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِن أُمُورٍ اخْتِيارِيَّةٍ تَكُونُ بِجَذْبِ الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ لِلشَّخْصِ في مَيْلِ قَلْبِهِ وارْتِباطِ هَواهُ بِمَن يُحِبُّهُ، فَهي نَفْسُها غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ لَكِنَّها بِاعْتِبارِ مُقَدِّماتِها اخْتِيارِيَّةٌ، ولِذَلِكَ كُلِّفْنا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وفي طَوْقِ الحَمامَةِ لِابْنِ سَعِيدٍ أنَّ المَحَبَّةَ مَيْلٌ رُوحانِيٌّ طَبِيعِيٌّ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعْرافَ: 189] أيْ يَمِيلُ فَجَعَلَ عِلَّةَ مَيْلِها كَوْنَها مِنها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ»» وتَكُونُ المَحَبَّةُ لِأُمُورٍ أُخَرَ كالحُسْنِ والإحْسانِ والكَمالِ، ولَها آثارٌ يُطْلَقُ عَلَيْها مَحَبَّةً كالطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ، وهَذِهِ هي الَّتِي يُكَلَّفُ بِها لِأنَّها اخْتِيارِيَّةٌ فاعْرِفْهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ «وأمّا ثَمُودٌ» بِالرَّفْعِ مَصْرُوفًا.
وقَدْ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ بِصَرْفِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ( وآتَيْنا ثَمُودَ اَلنّاقَةَ ) [الإسْراءَ: 59] لِأنَّهُ في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ بِخِلافٍ عَنْهُ والمُفَضَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأعْمَشُ
صفحة 114
وعاصِمٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «ثَمُودًا» بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ الوَجْهَيْنِ والمَنعُ عَنِ الصَّرْفِ لِلْعِلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، ومَن صَرَفَهُ جَعَلَهُ اسْمَ رَجُلٍ، والنَّصْبُ عَلى جَعْلِهِ مِن بابِ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، ويُقَدَّرُ الفِعْلُ النّاصِبُ بَعْدَهُ لِأنَّ أمّا لا يَلِيها في الغالِبِ إلّا اسْمٌ. وقُرِئَ بِضَمِّ الثّاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ ثَمَدٍ وهو قِلَّةُ الماءِ فَكَأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ في الرِّمالِ بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وصَنْعاءَ وكانُوا قَلِيلِي الماءِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيِ الذُّلِّ وهو صِفَةٌ لِلْعَذابِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ووَصَفَهُ بِهِ مَصْدَرًا لِلْمُبالَغَةِ وكَذا إضافَةُ صاعِقَةٍ إلى العَذابِ فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ عَذابَهم عَيْنُ الهُونِ وأنَّ لَهُ صاعِقَةً، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ النّارُ الخارِجَةُ مِنَ السَّحابِ كَما هو المَعْرُوفُ، وسَبَبُ حُدُوثِها العادِيُّ مَشْهُورٌ في كُتُبِ الفَلْسَفَةِ القَدِيمَةِ وقَدْ تَكَلَّمَ في ذَلِكَ أهْلُ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ المُتَداوَلَةِ اليَوْمَ في بِلادِ الرُّومِ وما قَرُبَ مِنها فَقالُوا في كَيْفِيَّةِ انْفِجارِ الصّاعِقَةِ: مِنَ المَعْلُومِ أنَّ انْطِلاقَ الكَهْرَبائِيَّةِ الَّتِي في السَّحابِ وهي قُوَّةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأجْسامِ نَحْوَ قُوَّةِ الكَهْرَباءِ الَّتِي بِها تَجْذِبُ التَّبِنَةَ ونَحْوَها إلَيْها إنَّما يَحْصُلُ بِاتِّحادِ كَهْرَبائِيَّةِ الأجْسامِ مَعَ بَعْضِها فَإذا قَرُبَ السَّحابُ مِنَ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ طَلَبَتِ الكَهْرَبائِيَّةُ السَّحابِيَّةُ أنْ تَتَّحِدَ بِالكَهْرَبائِيَّةِ الأرْضِيَّةِ فَتَتَبَجَّسُ بَيْنَهُما شَرارَةٌ كَهْرَبائِيَّةٌ فَتَصْعَقُ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ، وتَتَفاوَتُ قُوَّةُ الصّاعِقَةِ بِاخْتِلافِ الِاسْتِحالَةِ البُخارِيَّةِ فَلَيْسَتْ في جَمِيعِ البِلادِ والفُصُولِ واحِدَةً، وأوْضَحُوا ذَلِكَ بِكَلامٍ طَوِيلٍ مَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ في كُتُبِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّاعِقَةِ هُنا الصَّيْحَةُ كَما ورَدَتْ في آياتٍ أُخَرَ، ولا مانِعَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما.
وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «الهَوانِ» بِفَتْحِ الهاءِ وألِفٍ بَعْدَ الواوِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ اخْتِيارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما تُشْعِرُ بِهِ الفاءُ
فصلت 41:18
﴿ونَجَّيْنا﴾ مِن تِلْكَ الصّاعِقَةِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّقْوى، والمُرادُ بِها تَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: تَقْوى الصّاعِقَةِ والمُتَّقِي عَذابِ اللَّهِ تَعالى مُتَّقٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولَيْسَ بِذاكَ
فصلت 41:19
﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ عُقُوباتِهِمُ الآجِلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ عُقُوباتِهِمُ العاجِلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِأعْداءِ اللَّهِ تَعالى لِذَمِّهِمْ والإيذانِ بِعِلَّةِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِن ألْوانِ العَذابِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى الآتِي: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ [فُصِّلَتْ: 25] كالصَّرِيحِ في إرادَةِ الكَفَرَةِ المَعْهُودِينَ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى النّارِ﴾ قِيلَ: إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنّارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ النّارَ عاقِبَةُ حَشْرِهِمْ وأنَّهم عَلى شَرَفِ دُخُولِها، ولا مانِعَ مِن إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ والقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الشَّهادَةِ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم في المَوْقِفِ مَرَّةً وعَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ أُخْرى، ﴿ويَوْمَ﴾ إمّا مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فُصِّلَتْ: 12] أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ إيهامًا لِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يَحْبِسُ أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا وهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: يُساقُونَ ويُدْفَعُونَ إلى النّارِ، والفاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ونافِعٌ والأعْرَجُ وأهْلُ المَدِينَةِ «نَحْشُرُ» بِالنُّونِ «أعْداءَ» بِالنَّصْبِ وكَسَرَ الأعْرَجُ الشِّينَ. وقُرِئَ «يَحْشُرُ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى ونَصْبِ «أعْداءَ اللَّهِ»
فصلت 41:20
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيِ النّارَ جَمِيعًا غايَةً لِيُحْشَرُ أوْ لِيُوزَعُونَ أيْ
صفحة 115
حَتّى إذا حَضَرُوها، وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ الشَّهادَةِ بِالحُضُورِ لِأنَّها تُؤَكِّدُ ما زِيدَتْ بَعْدَهُ فَهي تُؤَكِّدُ مَعْنى إذا، ( وإذا ) دالَّةٌ عَلى اتِّصالِ الجَوابِ بِالشَّرْطِ لِوُقُوعِهِما في زَمانٍ واحِدٍ، وهَذا مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنَّحْوِ حَتّى يَضُرَّ فِيهِ أنَّ النُّحاةَ لَمْ يَذْكُرُوهُ كَما شَنَّعَ بِهِ أبُو حَيّانَ وأكَّدَ لِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ حَتّى إذا ما جاءُوها وسَألُوا عَمّا أجْرَمُوا فَأنْكَرُوا ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ واكْتَفى عَنِ المَحْذُوفِ بِذِكْرِ الشَّهادَةِ لِاسْتِلْزامِها إيّاهُ، ولا يَأْبى التَّقْدِيرُ تَأْكِيدَ الِاتِّصالِ إذْ يَكْفِي لِلِاتِّصالِ وُقُوعُ ذَلِكَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، والظّاهِرُ أنَّ الجُلُودَ هي المَعْرُوفَةُ، وقِيلَ: هي الجَوارِحُ كُنِّيَ بِها عَنْها، وقِيلَ: كُنِّيَ بِها عَنِ الفُرُوجِ، قِيلَ: وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وفي الإرْشادِ أنَّهُ الأنْسَبُ بِتَخْصِيصِ السُّؤالِ في
فصلت 41:21
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَإنَّ ما تَشْهَدُ بِهِ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ جِنايَةً وقُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ مِمّا يَشْهَدُ بِهِ السَّمْعُ والأبْصارُ مِنَ الجِناياتِ المُكْتَسَبَةِ بِتَوَسُّطِهِما وفِيهِ نَظَرٌ ولَعَلَّ إرادَةَ الظّاهِرِ أوْلى، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ السُّؤالِ بِالجُلُودِ لِأنَّها بِمَرْأى مِنهم بِخِلافِ السَّمْعِ والبَصَرِ أوْ لِأنَّها هي مُدْرِكَةٌ العَذابَ بِالقُوَّةِ المُودَعَةِ فِيها كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النِّساءَ: 56] قالَ الجَلَبِيُّ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ العَلّامَةِ الثّانِي في ذَلِكَ أنَّ الشَّهادَةَ مِنَ الجُلُودِ أعْجَبُ وأبْعَدُ إذْ لَيْسَ شَأْنُها الإدْراكَ بِخِلافِ السَّمْعِ والبَصَرِ، وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: فِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ الجِلْدَ مَحَلُّ القُوَّةِ اللّامِسَةِ الَّتِي هي أهَمُّ الحَواسِّ لِلْحَيَوانِ كَما أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ مَحَلُّ السّامِعَةِ والباصِرَةِ والَّذِي يُنْطِقُ الأعْيانَ دُونَ الأعْراضِ ثُمَّ إنَّ اللّامِسَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الذّائِقَةِ الَّتِي هي الأهَمُّ بَعْدَ اللّامِسَةِ، ثُمَّ قالَ: ويَلُوحُ بِما قَرَّرْناهُ وجْهٌ آخَرُ لِلتَّخْصِيصِ فَإنَّ الأهَمِّيَّةَ لِلْإنْسانِ والِاشْتِمالِ عَلى أهَمِّ مِن غَيْرِها يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا، فانْقِلابُ ما يَرْجُونَ مِنهُ أكْمَلَ النَّفْعِ أعْجَبُ ومِثْلُهُ أحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ مِن غَيْرِهِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ رَدَّهُ عَلى العَلّامَةِ لَمْ يُصادِفْ مَحَزَّهُ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِمّا ذَكَرَهُ مِن أنَّها لَيْسَ مِن شَأْنِها الإدْراكُ إلّا إدْراكَ أنْواعِ المَعاصِي الَّتِي يُشْهَدُ عَلَيْها كالكُفْرِ والكَذِبِ والقَتْلِ والزِّنا مَثَلًا وإدْراكُ مِثْلِها مُنْحَصِرٌ في السَّمْعِ والبَصَرِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ طَيِّ كُشْحِ البَحْثِ في هَذا الجَوابِ أنَّ ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ لا يُناسِبُ ظاهِرَ السُّؤالِ أعْنِي ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وأوْلى ما قِيلَ مِن أوْجُهِ التَّخْصِيصِ: إنَّ المُدافَعَةَ عَنِ الجُلُودِ أزْيَدُ مِنَ المُدافَعَةِ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَإنَّ جِلْدَ الإنْسانِ الواحِدِ لَوْ جُزِّئَ لَزادَ عَلى ألْفِ سَمْعٍ وبَصَرٍ وهو يُدافِعُ عَنْ كُلِّ جُزْءٍ ويَحْذَرُ أنْ يُصِيبَهُ ما يَشِينُهُ فَكانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الجُلُودِ عَلَيْهِمْ أعْجَبَ وأبْعَدَ عَنِ الوُقُوعِ.
وفِي الحَدِيثِ - «إنَّ أوَّلَ ما يَنْطِقُ مِنَ الإنْسانِ فَخِذُهُ اليُسْرى ثُمَّ تَنْطِقُ الجَوارِحُ فَيَقُولُ: تَبًّا لَكِ فَعَنْكِ كُنْتُ أُدافِعُ»، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ قَدْ مَرَّ أوَّلَ التَّفْسِيرِ، ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجِلْدِ أشارَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ قالَ: لَمّا كانَتِ الحَواسُّ خَمْسَةً السَّمْعَ والبَصَرَ والشَّمَّ والذَّوْقَ واللَّمْسَ وكانَ الذَّوْقُ مُنْدَرِجًا في اللَّمْسِ إذْ بِمُماسَّةِ جَلْدِ اللِّسانِ الرَّطْبِ لِلْمَذُوقِ يَحْصُلُ إدْراكُ طَعْمِ المَذُوقِ وكانَ حِسُّ الشَّمِّ لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفٌ لا أمْرَ ولا نَهْيَ وهو ضَعِيفٌ اقْتَصَرَ مِنَ الحَواسِّ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ واللَّمْسِ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ أنَّ المُرادَ بِالجُلُودِ ما سِوى السَّمْعِ والأبْصارِ وأنَّ ذِكْرَ السَّمْعِ لِما أنَّهُ وسِيلَةُ إدْراكِ أكْثَرِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ وذِكْرُ الأبْصارِ لِما أنَّها وسِيلَةُ إدْراكِ أكْثَرِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ.
صفحة 116
وقَدْ أُشِيرَ إلى كُلٍّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ عَلى وجْهٍ، وأنَّ شَهادَتَهُما فِيما يَتَعَلَّقُ بِالكُفْرِ، فَيَشْهَدُ السَّمْعُ عَلَيْهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا بِالآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها الرُّسُلُ وسَمِعُوها مِنهم، والأبْصارُ أنَّهم لَمْ يَعْبَئُوا بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي أبْصَرُوها وكَفَرُوا بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ شَهادَةَ الجُلُودِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِما سِوى الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي الَّتِي نَهى عَنْها الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كالزِّنا مَثَلًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ السَّمْعِ بِإدْراكِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والأبْصارِ بِإدْراكِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والجُلُودِ بِالكُفْرِ بِما يَقْتَضِيهِ كُلٌّ وبِالمَعاصِي الآخَرُ، ولا بُعْدَ في شُمُولِ ما ( كانُوا يَعْمَلُونَ ) لِإدْراكِ الآياتِ والإحْساسِ بِها بِقِسْمَيْها فَتَدَبَّرْ.
ولَعَلَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ﴾ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ المُوجِبَةِ، وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ في ﴿شَهِدْتُمْ﴾ وما بَعْدُ مَعَ أنَّ المُرادَ مِنهُ لَيْسَ مِن ذَوِي العُقُولِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ في مَوْقِعِ السُّؤالِ والجَوابِ المُخْتَصَّيْنِ بِالعُقَلاءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «لِمَ شَهِدْتُنَّ» بِضَمِيرِ المُؤْنَّثاتِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ أنْطَقَنا اللَّهُ تَعالى وأقْدَرَنا عَلى بَيانِ الواقِعِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ وما كَتَمْنا، وحَيْثُ كانَ مَعْنى السُّؤالِ لِأيِّ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ شَهِدْتُمْ ؟ صَلَحَ ما ذُكِرَ جَوابًا لَهُ، وقِيلَ: لا قَصْدَ هُنا لِلسُّؤالِ أصْلًا وإنَّما القَصْدُ إلى التَّعَجُّبِ ابْتِداءً لِأنَّ التَّعَجُّبَ يَكُونُ فِيما لا يُعْلَمُ سَبَبُهُ وعِلَّتُهُ فالسُّؤالُ عَنِ العِلَّةِ المُسْتَلْزِمُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِها جُعِلَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ التَّعَجُّبِ، فَقَدْ قِيلَ: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ العَجَبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ نُطْقُنا بِعَجَبٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فالنُّطْقُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما هو الظّاهِرُ وكَذا الشَّهادَةُ، ولا يُقالُ: الشّاهِدُ أنْفُسُهم والسَّمْعُ والأبْصارُ والجُلُودُ آلاتٌ كاللِّسانِ فَما مَعْنى ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ لِأنَّهُ يُقالُ: لَيْسَ المُرادُ هَذا النَّوْعَ مِنَ النُّطْقِ الَّذِي يُسْنَدُ حَقِيقَةً إلى جُمْلَةِ الشَّخْصِ ويَكُونُ غَيْرُهُ آلَةً بِلا قُدْرَةٍ وإرادَةٍ لَهُ في نَفْسِهِ حَتّى لَوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ كانَ مَجازًا كَإسْنادِ الكِتابَةِ إلى القَلَمِ بَلْ هو نُطْقٌ يُسْنَدُ إلى العُضْوِ حَقِيقَةً فَيَكُونُ نَفْسُهُ ناطِقًا بِقُدْرَةٍ وإرادَةٍ خَلَقَهُما اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَما يَنْطِقُ الشَّخْصُ بِالآلَةِ، وكَيْفَ لا وأنْفُسُهم كارِهَةٌ لِذَلِكَ مُنْكِرَةٌ لَهُ، وقِيلَ: النّاطِقُ هم بِتِلْكَ الأعْضاءِ إلّا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ كَوْنِها آلاتٍ ولِذا نُسِبَتِ الشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ إلَيْها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ النُّطْقُ مَجازًا عَنِ الدَّلالَةِ فالمُرادُ بِالشَّهادَةِ ظُهُورُ عَلاماتٍ عَلى الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى ما كانَتْ مُلْتَبِسَةً بِهِ في الدُّنْيا بِتَغْيِيرِ أشْكالِها ونَحْوِهِ مِمّا يُلْهِمُ اللَّهُ تَعالى مَن رَآهُ أنَّها تَلَبَّسَتْ بِهِ في الدُّنْيا لِارْتِفاعِ الغِطاءِ في الآخِرَةِ، وهو خِلافُ ظاهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ ولا داعِيَ إلَيْهِ، وعَلى الظّاهِرِ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ ( كُلَ شَيْءٍ ) بِكُلِّ حَيٍّ نَطَقَ إذْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ ولا كُلُّ حَيٍّ يَنْطِقُ بِالنُّطْقِ الحَقِيقِيِّ ومِثْلُ هَذا التَّخْصِيصِ شائِعٌ، ومِنهُ ما قِيلَ في ( واَللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [البَقَرَةَ: 284، آلَ عِمْرانَ: 29، المائِدَةَ: 19، 40، التَّوْبَةَ: 39] و﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحْقافَ: 25]، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النُّطْقُ في ﴿أنْطَقَنا﴾ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ ويُحْمَلُ النُّطْقُ في ﴿أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عَلى الدَّلالَةِ فَيَبْقى العامُّ عَلى عُمُومِهِ ولا يَحْتاجُ إلى التَّخْصِيصِ المَذْكُورِ ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالنُّطْقِ لِلْمُشاكَلَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمَوْصُولُ المُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ يَأْباهُ إباءً ظاهِرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ ومَقُولِ القَوْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُرادُ عَلى كُلِّ حالٍ تَقْرِيرُ ما قَبْلَهُ بِأنَّ القادِرَ عَلى الخَلْقِ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى الإنْطاقِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ إذا كانَ الخِطابُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ أنَّ الرَّجْعَ فِيهِ مُتَحَقَّقٌ لا مُسْتَقْبَلَ لِما أنَّ المُرادَ بِالرَّجْعِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الرَّدِّ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ المُرْتَقَبِ عِنْدَ التَّخاطُبِ عَلى تَغْلِيبِ المُتَوَقَّعِ عَلى الواقِعِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ،
فصلت 41:22
وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 117
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ تَقْرِيرًا لِجَوابِ الجُلُودِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ مِن كَلامِ الجَوارِحِ و﴿أنْ يَشْهَدَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ في الدُّنْيا عِنْدَ مُباشَرَتِكُمُ الفَواحِشَ مَخافَةَ أوْ كَراهَةَ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم بِذَلِكَ أيْ لَيْسَ اسْتِتارُكم لِلْخَوْفِ مِمّا ذُكِرَ أوْ لِكَراهَتِهِ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ ولَكِنْ لِأجْلِ ظَنِّكم أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ وهو ما عَمِلْتُمْ خِفْيَةً فَلا يُظْهِرُهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَنْطِقُ الجَوارِحُ بِهِ فَلِذا سَعَيْتُمْ في الِاسْتِتارِ عَنِ الخَلْقِ دُونَ الخالِقِ عَزَّ وجَلَّ أوْ هو بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِتَسْتَتِرُونَ فَقِيلَ: هو الباءُ والمُسْتَتَرُ عَنْهُ الجَوارِحُ، والمَعْنى ما اسْتَتَرْتُمْ عَنْها بِمُلابَسَةِ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم أيْ تَتَحَمَّلُ الشَّهادَةَ إذْ ما ظَنَنْتُمْ أنَّها تَشْهَدُ عَلَيْكم بَلْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ فَلِذا لَمْ يَكُنِ اسْتِتارُكم بِهَذا السَّبَبِ، وقِيلَ: هو عَنْ والمَعْنى لَمْ يُمْكِنْكُمُ الِاسْتِتارُ عَنِ الجَوارِحِ لِئَلّا تَتَحَمَّلَ الشَّهادَةَ عَلَيْكم حِينَ تَرْتَكِبُونَ ما تَرْتَكِبُونَ لَكِنْ ظَنَنْتُمْ ما ظَنَنْتُمْ.
وقِيلَ: ( أنْ تَشْهَدَ ) مَفْعُولٌ لَهُ والمُسْتَتَرُ عَنْهُ الجَوارِحُ أيْ ما تَسْتَتِرُونَ عَنْ جَوارِحِكم مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم لَكِنْ ظَنَنْتُمْ.. إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ ضُمِّنَ مَعْنى الظَّنِّ فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ أيْ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ظانِّينَ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ قَتادَةَ: أيْ ما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم.. إلَخْ، والحَقُّ أنَّ هَذا بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى.
أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ عِفَّةُ قُلُوبِهِمْ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرُ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا يَسْمَعُهُ وإذا لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ فَقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ - إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ - ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» فالحُكْمُ المَحْكِيُّ حِينَئِذٍ يَكُونُ خاصًّا بِمَن كانَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ مِنَ الكُفْرِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ في الكَفَرَةِ. وفي الإرْشادِ لَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُرادَ بِالظَّنِّ مَعْنى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الأعْمالِ المُنْبِئَةِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ [الهُمَزَةَ: 3] لِيَعُمَّ ما حُكِيَ مِنَ الحالِ جَمِيعَ أصْنافِ الكَفَرَةِ فَتَدَبَّرْ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ لا يَمُرَّ عَلَيْهِ حالٌ إلّا بِمُلاحَظَةِ أنَّ عَلَيْهِ رَقِيبًا كَما قالَ أبُو نُواسٍ:
إذا ما خَلَوْتُ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ خَلَوْتُ ولَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ ساعَةً ∗∗∗ ولا أنَّ ما يَخْفى عَلَيْهِ يَغِيبُ
فصلت 41:23
﴿وذَلِكُمْ﴾ إشارَةً إلى ظَنِّهِمُ المَذْكُورِ في ضِمْنِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ظَنَنْتُمْ ) وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والسُّوءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرْداكُمْ﴾ أيْ أهْلَكَكم خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ظَنُّكُمُ ) خَبَرَ أوْ ﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ( ذَلِكم ) إشارَةٌ إلى ظَنِّهِمُ السّابِقِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ وظَنُّكم بِرَبِّكم أنَّهُ لا يُعْلَمُ ظَنُّكم بِرَبِّكم فَما اسْتُفِيدَ مِنَ الخَبَرِ هو ما اسْتُفِيدَ مِنَ المُبْتَدَأِ وهو لا يَجُوزُ كَقَوْلِهِمْ: سَيِّدُ الجارِيَةِ مالِكُها وقَدْ مَنَعَهُ النُّحاةُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِجَوازِ جَعْلِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ العَظِيمِ في القَباحَةِ فَيَخْتَلِفُ المَفْهُومُ بِاخْتِلافِ العُنْوانِ ويَصِحُّ
صفحة 118
الحَمْلُ كَما في هَذا زَيْدٌ، ولَوْ سُلِّمَ فالِاتِّحادُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
مِمّا يَدُلُّ عَلى الكَمالِ في الحُسْنِ كَما في هَذا المِثالِ أوْ في القُبْحِ كَما في الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ والتَّهَكُّمُ، وقَدْ يُرادُ مِنَ الخَبَرِ غَيْرُ فائِدَةِ الخَبَرِ ولازِمِها. واخْتارَ بَعْضُهم في الجَوابِ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ في شَرْحِ -
بانَتْ سُعادُ .....
- وبَسَطَ الكَلامَ فِيهِ مِن أنَّ الفائِدَةَ كَما تَحْصُلُ مِنَ الخَبَرِ تَحْصُلُ مِن صِفَتِهِ وقَيْدِهِ كالحالِ، وجُوِّزَ في جُمْلَةِ ﴿أرْداكُمْ﴾ أنْ تَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمَوْصُولُ في جَمِيعِ الأوْجَهِ صِفَةٌ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ وقِيلَ: الثَّلاثَةُ أخْبارٌ فَلا تَغْفُلْ ﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ السُّوءِ الَّذِي أهْلَكَكم ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ إذْ صارَ ما أعْطَوْا مِنَ الجَوارِحِ لِنَيْلِ السَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِأنَّ بِها تَعَيُّشَهم في الدُّنْيا وإدْراكَهم ما يَهْتَدُونَ بِهِ إلى اليَقِينِ ومَعْرِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ المُوَصِّلِ لِلسَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ سَبَبًا لِلشَّقاءِ في الدّارَيْنِ حَيْثُ أدّاهم إلى كُفْرانِ نِعَمِ الرّازِقِ والكُفْرِ بِالخالِقِ والِانْهِماكِ في الغَفَلاتِ وارْتِكابِ المَعاصِي واتِّباعِ الشَّهَواتِ
فصلت 41:24
﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ مَحَلُّ ثَواءٍ وإقامَةٍ أبَدِيَّةٍ لَهم بِحَيْثُ لا بَراحَ لَهم مِنها، وتَرْتِيبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يَصْبِرُوا والظَّنُّ أنَّ الصَّبْرَ يَنْفَعُهم لِأنَّهُ مِفْتاحُ الفَرَجِ لا يَنْفَعُهم صَبْرُهم إذا لَمْ يُصادِفْ مَحَلَّهُ فَإنَّ النّارَ مَحَلُّهم لا مَحالَةَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ أوْ لا يَصْبِرُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطُّورَ: 16] وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى تَرْكِ دِينِكَ واتِّباعِ هَواهم فالنّارُ مَثْوًى لَهم ولَيْسَ بِذاكَ، والِالتِفاتُ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَحْكِيَ سُوءَ حالِهِمْ لِلْغَيْرِ أوْ لِلْإشْعارِ بِإبْعادِهِمْ عَنْ حَيِّزِ الخِطابِ وإلْقائِهِمْ في غَيابَةِ دَرَكاتِ النّارِ ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ يَسْألُوا العُتْبى وهي الرُّجُوعُ إلى ما يُحِبُّونَهُ جَزَعًا مِمّا هم فِيهِ ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيِ المُجابِينَ إلَيْها.
وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ إنْ يَعْتَذِرُوا فَما هم مِنَ المَعْذُورِينَ: وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ومُوسى الأسْوارِيُّ «وإنْ يَسْتَعْتِبُوا» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «فَما هم مِنَ المُعْتِبِينَ» اسْمُ فاعِلٍ أيْ إنْ طُلِبَ مِنهم أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ ولا يَكُونُ ذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ فارَقُوا الدُّنْيا دارَ الأعْمالِ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ»» ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ بِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامَ: 28] .
فصلت 41:25
﴿وقَيَّضْنا لَهُمْ﴾ أيْ قَدَّرْنا، وفي البَحْرِ أيْ سَبَّبْنا لَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقِيلَ: سَلَّطْنا ووَكَّلْنا عَلَيْهِمْ ﴿قُرَناءَ﴾ جَمْعَ قَرِينٍ أيْ أخْدانًا وأصْحابًا مِن غُواةِ الجِنِّ، وقِيلَ: مِنهم ومِنَ الإنْسِ يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءَ القَيْضِ وهو القِشْرُ عَلى البَيْضِ، وقِيلَ: أصْلُ القَيْضِ البَدَلُ ومِنهُ المُقايَضَةُ لِلْمُعاوَضَةِ فَتَقْيِيضُ القَرِينِ لِلشَّخْصِ إمّا لِاسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ أوْ لِأخْذِهِ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ مِن قُرَنائِهِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ حَسَّنُوا وقَرَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ حَيْثُ ألْقَوْا إلَيْهِمْ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا مِنَ الضَّلالَةِ والكُفْرِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، وقالَ الحَسَنُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الدُّنْيا وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ أعْمالُهُمُ الَّتِي يُشاهِدُونَها وما خَلْفَهم ما هم عامِلُوهُ في المُسْتَقْبَلِ ولِكُلِّ وُجْهَةٍ، ولَعَلَّ الأحْسَنَ ما حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ ثَبَتَ وتَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ وتَحَقَّقَ مُوجِبُها ومِصْداقُها وهي قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] . حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أيْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ أُمَمٍ، وقِيلَ: ( في ) بِمَعْنى مَعَ ويَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُهُ:
صفحة 119
إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ فُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أفَكُوا
وفِي البَحْرِ لا حاجَةَ لِلتَّضْمِينِ مَعَ صِحَّةِ مَعْنى في، وتَنْكِيرُ ( أُمَمٍ ) لِلتَّكْثِيرِ أيْ في أُمَمٍ كَثِيرَةٍ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ والضَّمِيرُ لَهم ولِلْأُمَمِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لَهم بِقَرِينَةِ السِّياقِ
فصلت 41:26
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن رُؤَساءِ المُشْرِكِينَ لِأعْقابِهِمْ أوْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ أيْ لا تُنْصِتُوا لَهُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ إذا قَرَأ القُرْآنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَكانَ المُشْرِكُونَ يَطْرُدُونَ النّاسَ عَنْهُ ويَقُولُونَ: لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ» ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ وأْتُوا بِاللَّغْوِ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَتَشَوَّشَ عَلى القارِئِ، والمُرادُ بِاللَّغْوِ ما لا أصْلَ لَهُ وما لا مَعْنى لَهُ، وكانَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ قِراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْتُونَ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والصِّياحِ وإنْشادِ الشِّعْرِ والأراجِيزِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْ قَعُوا فِيهِ وعَيِّبُوهُ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ وقَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُما «وألْغُوا» بِضَمِّ الغَيْنِ مُضارِعَ لَغا بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ يُقالُ لَغِيَ يَلْغى كَرَضِيَ يَرْضى ولَغا يَلْغُو كَعَدا يَعْدُو إذا هَذى، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ مِن لَغى بِالشَّيْءِ يَلْغى بِهِ إذا رَمى بِهِ فَيَكُونُ ﴿فِيهِ﴾ بِمَعْنى بِهِ أيِ ارْمُوا بِهِ وانْبُذُوهُ ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ أيْ تَغْلِبُونَهُ عَلى قِراءَتِهِ أوْ تَطُمُّونَ أمْرَهُ وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ
فصلت 41:27
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ فَواللَّهِ لَنُذِيقَنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِالعِلِّيَّةِ أوْ جَمِيعِ الكُفّارِ وهم يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جَزاءَ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمُ الَّتِي هي في أنْفُسِها أسْوَأُ - فَأفْعَلُ - لِلزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُجازِيهِمْ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ كَإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وصِلَةِ الأرْحامِ وقِرى الأضْيافِ لِأنَّها مُحْبَطَةٌ بِالكُفْرِ، والعَذابُ إمّا في الدّارَيْنِ أوْ في إحْداهُما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَذابًا شَدِيدًا يَوْمَ بَدْرٍ وأسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخِرَةِ.
فصلت 41:28
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ جَزاءٌ مُعَدٌّ لِأعْدائِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿النّارُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِجَزاءٍ أوْ بَدَلٌ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ و( جَزاءُ ) مُبْتَدَأٌ و( النّارُ ) خَبَرُهُ، والإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( اَلنّارُ ) مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ أيْ هي بِعَيْنِها دارُ إقامَتِهِمْ عَلى أنَّ في لِلتَّجْرِيدِ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابَ: 21] وقَوْلِ الشّاعِرِ:
وفِي اللَّهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حُكْمَ عَدْلِ
وهُوَ أنْ يُنْتَزَعَ مِن أمْرٍ ذِي صِفَةٍ آخَرُ مِثْلُهُ مُبالَغَةً فِيها، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: المَقْصُودُ ذِكْرُ الصِّفَةِ والدّارِ إنَّما ذُكِرَتْ تَوْطِئَةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم فِيها الخُلُودُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، والمُرادُ أنَّ لَهم في النّارِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الدَّرَكاتِ دارًا مَخْصُوصَةً هم فِيها خالِدُونَ والأوَّلُ أبْلَغُ.
صفحة 120
﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً أوْ بِالمَصْدَرِ السّابِقِ فَإنَّ المَصْدَرَ يَنْتَصِبُ بِمِثْلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسْراءَ: 63] والباءُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِجَزاءٍ والثّانِيَةُ بِيَجْحَدُونَ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِقَصْدِ الحَصْرِ الإضافِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِنا الحَقَّةِ دُونَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي جُحُودُها، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجَحُودَ مَجازًا عَنِ اللَّغْوِ المُسَبَّبِ عَنْهُ أيْ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يُلْغُونَ
فصلت 41:29
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم مُتَقَلِّبُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ.
﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنُونَ فَرِيقَيْ شَياطِينِ النَّوْعَيْنِ المُقَيَّضِينَ لَهُمُ الحامِلِينَ لَهم عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي بِالتَّسْوِيلِ والتَّزْيِينِ، وعَنْعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وقَتادَةَ أنَّهُما إبْلِيسُ وقابِيلُ فَإنَّهُما سَبَبا الكُفْرِ والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّ قابِيلَ مُؤْمِنٌ عاصٍ، والظّاهِرُ أنَّ الكُفّارَ إنَّما طَلَبُوا إراءَةَ المُضِلِّينَ بِالكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الخُلُودِ وكَوْنُهم رَئِيسَ الكَفَرَةِ ورَئِيسَ أهْلِ الكَبائِرِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «أرِنا» بِالتَّخْفِيفِ كَفَخْذٍ بِالسُّكُونِ في فَخِذٍ، وفي الكَشّافِ «أرِنا» بِالكَسْرِ لِلِاسْتِبْصارِ وبِالسُّكُونِ لِلِاسْتِعْطاءِ ونَقَلَهُ عَنِ الخَلِيلِ، فَمَعْنى القِراءَةِ عَلَيْهِ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ نَدُوسُهُما بِها انْتِقامًا مِنهُما، وقِيلَ: نَجْعَلُهُما في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ لِيَشْتَدَّ عَذابُهُما فالمُرادُ نَجْعَلُهُما في الجِهَةِ الَّتِي تَحْتَ أقْدامِنا، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ «اللَّذَيْنِّ» بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي حُجَّةٌ عَلى البَصْرِيِّينَ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ التَّشْدِيدَ فِيها في حالِ كَوْنِها بِالياءِ وكَذا في اللَّتَيْنِ وهَذَيْنِ وهاتَيْنِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ ذُلًّا ومَهانَةً أوْ مَكانًا.
فصلت 41:30
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُسْنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ فِيهِما أيْ قالُوهُ اعْتِرافًا بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وإقْرارًا بِوَحْدانِيَّتِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الحَصْرُ الَّذِي يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ كَما في صَدِيقِي زَيْدٌ ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ ثُمَّ ثَبَتُوا عَلى الإقْرارِ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى الشِّرْكِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ تَلا الآيَةَ وهي قَدْ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ثُمَّ قالَ: ما تَقُولُونَ فِيها ؟ قالُوا: لَمْ يُذْنِبُوا قالَ: قَدْ حَمَلْتُمُ الأمْرَ عَلى أشَدِّهِ قالُوا: فَما تَقُولُ ؟ قالَ: لَمْ يَرْجِعُوا إلى عِبادَةِ الأوْثانِ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَقامُوا لِلَّهِ تَعالى بِطاعَتِهِ لَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَّعالِبِ، وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخْلَصُوا العَمَلَ، وعَنِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أدَّوُا الفَرائِضَ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: عَمِلُوا عَلى وِفاقِ ما قالُوا، وقالَ الفُضَيْلُ: زَهِدُوا في الفانِيَةِ ورَغِبُوا في الباقِيَةِ، وقالَ الرَّبِيعُ: أعْرَضُوا عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، وفي الكَشّافِ أيْ ثُمَّ ثَبَتُوا عَلى الإقْرارِ ومُقْتَضَياتِهِ وأرادَ أنَّ مَن قالَ: رَبِّيَ اللَّهُ تَعالى فَقَدِ اعْتَرَفَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مالِكُهُ ومُدَبِّرُ أمْرِهِ ومُرَبِّيهِ وأنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلاهُ فالثَّباتُ عَلى مُقْتَضاهُ أنْ لا تَزِلَّ قَدَمُهُ عَنْ طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ قَلْبًا وقالَبًا ولا يَتَخَطّاهُ وفِيهِ يَنْدَرِجُ كُلُّ العِباداتِ والِاعْتِقاداتِ ولِهَذا قالَ ﷺ لِمَن طَلَبَ أمْرًا يَعْتَصِمُ بِهِ: ««قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ اسْتَقِمْ»» وذَكَرَ أنَّ ما ورَدَ عَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم جُزْئِيّاتٌ لِهَذا المَعْنى ذُكِرَ كُلٌّ مِنها عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَبْعُدُ كَوْنُ ما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَعَلَّ ( ثُمَّ ) عَلى هَذا لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ الِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ أعْظَمُ وأصْعَبُ مِنَ الإقْرارِ وكَذا يُقالُ عَلى أغْلَبِ التَّفاسِيرِ السّابِقَةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ لِأنَّها تَحْصُلُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن وقْتِ الإقْرارِ، وجُعِلَتْ
صفحة 121
عَلى تَفْسِيرِ الِاسْتِقامَةِ بِأداءِ الفَرائِضِ أوْ بِالعَمَلِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ الإقْرارَ مَبْدَأُ الِاسْتِقامَةِ عَلى ذَلِكَ ومَنشَؤُها، وهَذا عَلى عَكْسِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ الَّذِي سَمِعْتُهُ أوَّلًا لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ فِيهِ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ المَعْطُوفِ إذْ هو العُمْدَةُ والأساسُ، وعَلى ما تَقَدَّمَ المَعْطُوفُ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ مِنَ اللَّهِ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ ﴿المَلائِكَةُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ مُقاتِلٌ: عِنْدَ البَعْثِ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ يَمُدُّونَهم فِيما يَعِنُّ ويَطْرَأُ لَهم مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ بِما يَشْرَحُ صُدُورَهم ويَدْفَعُ عَنْهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ بِطَرِيقِ الإلْهامِ كَما أنَّ الكَفَرَةَ يُغْوِيهِمْ ما قُيِّضَ لَهم مِن قُرَناءِ السُّوءِ بِتَزْيِينِ القَبائِحِ، قِيلَ: وهَذا هو الأظْهَرُ لِما فِيهِ مِنَ الإطْلاقِ والعُمُومِ الشّامِلِ لِتَنَزُّلِهِمْ في المُواطِنِ الثَّلاثِ السّابِقَةِ وغَيْرِها، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ أنْ جَمِيعًا مِنَ النّاسِ يَقُولُونَ: بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلى المُتَّقِينَ في كَثِيرٍ مِنَ الأحايِينِ وأنَّهم يَأْخُذُونَ مِنهم ما يَأْخُذُونَ فَتَذَكَّرْ.
﴿ألا تَخافُوا﴾ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ فَإنَّ الخَوْفَ غَمٌّ يَلْحَقُ لِتَوَقُّعِ المَكْرُوهِ ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما خَلَّفْتُمْ فَإنَّهُ غَمٌّ يَلْحَقُ لِوُقُوعِهِ مِن فَواتِ نافِعٍ أوْ حُصُولِ ضارٍّ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: لا تَخافُوا رَدَّ حَسَناتِكم فَإنَّها مَقْبُولَةٌ ولا تَحْزَنُوا عَلى ذُنُوبِكم فَإنَّها مَغْفُورَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ نَهْيُهم عَنِ الغُمُومِ عَلى الإطْلاقِ.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ لَكُمُ الأمْنَ مِن كُلِّ غَمٍّ فَلَنْ تَذُوقُوهُ أبَدًا و( أنْ ) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ و( لا ) ناهِيَةٌ أوْ نافِيَةٌ وسُقُوطُ النُّونِ لِلنَّصْبِ والخَبَرُ في مَوْضِعِ الإنْشاءِ مُبالَغَةٌ، وإمّا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ و﴿تَتَنَزَّلُ﴾ مُضَمَّنٌ مَعْنى العِلْمِ ولا ناهِيَةٌ وأنْ في الوَجْهَيْنِ مُقَدَّرَةٌ بِالباءِ أيْ بِأنْ لا تَخافُوا أوْ بِأنَّهُ لا تَخافُوا والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. وإمّا مُفَسِّرَةٌ و﴿تَتَنَزَّلُ﴾ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ ولا ناهِيَةٌ أيْضًا.
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «لا تَخافُوا» بِدُونِ ( أنْ ) أيْ يَقُولُونَ لا تَخافُوا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَها في الدُّنْيا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، هَذا مِن بِشاراتِهِمْ في أحَدِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ،
فصلت 41:31
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إلى آخِرِهِ مِن بِشاراتِهِمْ في الدُّنْيا أيْ أعْوانُكم في أُمُورِكم نُلْهِمُكُمُ الحَقَّ ونُرْشِدُكم إلى ما فِيهِ خَيْرُكم وصَلاحُكم، ولَعَلَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الطّاعاتِ مِن أنَّ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ لَهم بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ بَعْضِ النّاسِ أنْ تَقُولَ المَلائِكَةُ لِبَعْضِ المُتَّقِينَ شَفاهًا في غَيْرِ تِلْكَ المَواطِنِ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ نَمُدُّكم بِالشَّفاعَةِ ونَتَلَقّاكم بِالكَرامَةِ حِينَ يَقَعُ بَيْنَ الكَفَرَةِ وقُرَنائِهِمْ ما يَقَعُ مِنَ الدَّعاوى والخِصامِ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا مِن بِشاراتِهِمْ في أحَدِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ أيْضًا عَلى مَعْنى كُنّا نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الدُّنْيا ونَحْنُ أوْلِياؤُكم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى دُونَ المَلائِكَةِ أيْ نَحْنُ أوْلِياؤُكم بِالهِدايَةِ والكِفايَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولَكم فِيها﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ مِن فُنُونِ المَلاذِّ ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ما تَتَمَنَّوْنَ وهو افْتِعالٌ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم وهو عِنْدَ بَعْضٍ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ قَدْ يَقَعُ الطَّلَبُ في أُمُورٍ مَعْنَوِيَّةٍ وفَضائِلَ عَقْلِيَّةٍ رُوحانِيَّةٍ، وقِيلَ: بَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ
صفحة 122
مِن وجْهٍ إذْ قَدْ يَشْتَهِي المَرْءُ ما لا يَطْلُبُهُ كالمَرِيضِ يَشْتَهِي ما يَضُرُّهُ ولا يُرِيدُهُ، وكَوْنُ التَّمَنِّي أعَمَّ مِنَ الإرادَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، نَعَمْ قِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالمُتَمَنّى ما يَصِحُّ تَمَنِّيهِ لا ما يَتَمَنّى بِالفِعْلِ فَذاكَ.
وقالَ ابْنُ عِيسى: المُرادُ ما تَدَّعُونَ أنَّهُ لَكم فَهو لَكم بِحُكْمِ رَبِّكم ( ولَكم ) في المَوْضِعَيْنِ خَبَرٌ وما مُبْتَدَأٌ و( فِيها ) حالٌ مِن ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ ( ما تَدَّعُونَ ) عَلى ﴿ما تَشْتَهِي﴾ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما
فصلت 41:32
﴿نُزُلا﴾ قالَ الحَسَنُ: ( مِنّا ) وقالَ بَعْضُهم: ثَوابًا، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ وكَذا وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ النُّزُلَ ما يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ أيِ الضَّيْفِ لِيَأْكُلَهُ حِينَ نُزُولِهِ وتَحْسُنُ إرادَتُهُ هُنا عَلى التَّشْبِيهِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى عِظَمِ ما بَعْدُ مِنَ الكَرامَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلى ( ما تَدَّعُونَ ) لا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ الرّاجِعِ إلى ما لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ التَّمَنِّيَ والِادِّعاءَ لَيْسَ في حالِ كَوْنِهِ نُزُلًا بَلْ ثَبَتَ لَهم ذَلِكَ المُدَّعى واسْتَقَرَّ حالَ كَوْنِهِ نُزُلًا، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المَبْدَأِ نَفْسِهِ لا يَخْفى حالُهُ عَلى ذِي تَمْيِيزٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ( نُزُلًا ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَحْفُوظُ أنَّ مَصْدَرَ نَزَلَ نُزُولٌ لا نُزُلٌ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَصْدَرًا لِأنْزَلَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نازِلٍ كَشارِفٍ وشُرُفٍ فَيَنْتَصِبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ نازِلِينَ، وذُو الحالِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ( تَدَّعُونَ ) ولا يَحْسُنُ تَعَلُّقُ ﴿مِن غَفُورٍ﴾ بِهِ عَلى هَذا القَوْلِ فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «نُزْلًا» بِإسْكانِ الزّايِ
فصلت 41:33
﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى تَوْحِيدِهِ تَعالى وطاعَتِهِ والظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ داعٍ إلَيْهِ تَعالى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: بِالخُصُوصِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنْهُ أيْضًا هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَتْ عائِشَةُ وقَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ، ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ قَوْلُهم عَلى أنَّهم داخِلُونَ في الآيَةِ وإلّا فالسُّورَةُ بِكَمالِها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ ولَمْ يَكُنِ الأذانُ بِمَكَّةَ إنَّما شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، والتِزامُ القَوْلِ بِتَأخُّرِ حُكْمِها عَنْ نُزُولِها كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، وقِيلَ: بِهِ وبِاليَدِ كَأنْ يَدْعُوَ إلى الإسْلامِ ويُجاهِدَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دَعا إلى اللَّهِ بِالسَّيْفِ، ولَعَلَّ هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى الخُرُوجِ بِالسَّيْفِ عَلى بَعْضِ الظَّلَمَةِ مِن مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وكانَ زَيْدٌ هَذا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عالِمًا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولَهُ تَفْسِيرٌ ألْقاهُ عَلى بَعْضِ النَّقَلَةِ عَنْهُ وهو في حَبْسِ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ وفِيهِ مِنَ العِلْمِ والِاسْتِشْهادِ بِكَلامِ العَرَبِ حَظٌّ وافِرٌ.
ويُقالُ: إنَّهُ كانَ إذا تَناظَرَ هو وأخُوهُ مُحَمَّدٌ الباقِرُ اجْتَمَعَ النّاسُ بِالمَحابِرِ يَكْتُبُونَ ما يَصْدُرُ عَنْهُما مِنَ العِلْمِ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُما، والِاسْتِفْهامُ في مَعْنى النَّفْيِ أيْ لا أحَدَ أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا صالِحًا أيَّ عَمَلٍ صالِحٍ كانَ.
وقالَ أبُو أُمامَةَ: صَلّى بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: صَلّى وصامَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أدّى الفَرائِضَ والحَقُّ العُمُومُ ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَلَفَّظَ بِذَلِكَ ابْتِهاجًا بِأنَّهُ مِنهم وتَفاخُرًا بِهِ مَعَ قَصْدِ الثَّوابِ إذْ هو لا يُنافِيهِ أوْ جَعَلَ واتَّخَذَ الإسْلامَ دِينًا لَهُ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ أيْ مَذْهَبُهُ ومُعْتَقَدُهُ، وبَعْضُهم يُرْجِعُ الوَجْهَيْنِ إلى وجْهٍ واحِدٍ، والمَعْنى عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ الآيَةِ خاصَّةً بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 123
اخْتارَ النِّسْبَةَ إلى الإسْلامِ دُونَ عِزِّ الدُّنْيا وشَرَفِها وهو قَوْلُهم رَدُّ لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ وتَعَجُّبٌ مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وإبْراهِيمُ بْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ المَيّالِ «وقالَ ( إنِّي )» بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ دُونَ نُونِ الوِقايَةِ.
واسْتَدَلَّ أبُو بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ القائِلِ: أنا مُسْلِمٌ أوْ أنا مُؤْمِنٌ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عامِلًا عَمَلًا صالِحًا لِيَكُونَ النّاسُ إلى قَبُولِ دُعائِهِ أقْرَبَ وإلَيْهِ أسْكَنَ.
فصلت 41:34
﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ مَحاسِنِ الأعْمالِ الجارِيَةِ بَيْنَ العِبادِ إثْرَ بَيانِ مَحاسِنِ الأعْمالِ الجارِيَةِ بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ تَرْغِيبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّبْرِ عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ومُقابَلَةِ إساءَتِهِمْ بِالإحْسانِ، والحُكْمُ عامٌّ أيْ لا تَسْتَوِي الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ في الآثارِ والأحْكامِ، ولا الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطِرَ: 21] لِأنَّ اسْتَوى لا يَكْتَفِي بِمُفْرَدٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُسْنِ عاقِبَةِ الحَسَنَةِ أيِ ادْفَعِ السَّيِّئَةَ حَيْثُ اعْتَرَضَتْكَ مِن بَعْضِ أعادِيكَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِنها وهي الحَسَنَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ الزّائِدُ مُطْلَقًا أوْ بِأحْسَنِ ما يُمْكِنُ دَفْعُها بِهِ مِنَ الحَسَناتِ كالإحْسانِ إلى مَن أساءَ فَإنَّهُ أحْسَنُ مِن مُجَرَّدِ العَفْوِ فَأحْسَنُ عَلى ظاهِرِهِ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ عامٌّ ولِذا حُذِفَ كَما في اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ، وإخْراجُهُ مَخْرَجَ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ مَن قالَ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟ لِلْمُبالَغَةِ والإشارَةِ إلى أنَّهُ مُهِمٌّ يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ والسُّؤالُ عَنْهُ، ولِلْمُبالَغَةِ أيْضًا وُضِعَ ( أحْسَنُ ) مَوْضِعَ الحَسَنَةِ لِأنَّ مَن دَفَعَ بِالأحْسَنِ هانَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ بِما دُونَهُ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ أمْرَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الحَسَنَةُ حُبُّ الرَّسُولِ وآلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والسَّيِّئَةُ بُغْضُهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الحَسَنَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الدَّعْوَتانِ إلَيْهِما، وقالَ الضَّحّاكُ: الحُلْمُ والفُحْشُ، وقِيلَ: الصَّبْرُ، وقِيلَ: المُدارَةُ والغِلْظَةُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ بَعْضَ المَرْوِيِّ يَكادُ لا تَصِحُّ إرادَتُهُ هُنا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ تَفاوَتِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في أنْفُسِهِما بِمَعْنى أنَّ الحَسَناتِ تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ والسَّيِّئاتِ كَذَلِكَ فَتَعْرِيفُ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ لِلْجِنْسِ ولا الثّانِيَةُ لَيْسَتْ مَزِيدَةً وأفْعَلُ عَلى ظاهِرِهِ، والكَلامُ في ﴿ادْفَعْ﴾ .. إلَخْ عَلى مَعْنى الفاءِ أيْ إذا كانَ كُلٌّ مِنَ الجِنْسَيْنِ مُتَفاوِتَ الأفْرادِ في نَفْسِهِ فادْفَعْ بِأحْسَنِ الحَسَنَتَيْنِ السَّيِّئِ والأسْوَأِ، وتُرِكَ الفاءُ لِلِاسْتِئْنافِ الَّذِي ذَكَرْنا وهو أقْوى الوَصْلَيْنِ ولَعَلَّ الأوَّلَ أقْرَبُ ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ بَيانٍ لِنَتِيجَةِ الدَّفْعِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ صارَ عَدُوُّكَ المَشاقُّ مِثْلَ الوَلِيِّ الشَّفِيقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ ( كَأنَّ ) المُفِيدَةُ لِلتَّشْبِيهِ لِأنَّ العَدُوَّ لا يَعُودُ ولِيًّا حَمِيمًا بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وإنَّما يَحْسُنُ ظاهِرُهُ فَيُشْبِهُ بِذَلِكَ الوَلِيَّ الحَمِيمَ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِأقَلِّ اللّازِمِ وهَذا بِالنَّظَرِ إلى الغالِبِ وإلّا فَقَدَ تَزُولُ العَداوَةُ بِالكُلِّيَّةِ بِذَلِكَ كَما قِيلَ:
إنَّ العَداوَةَ تَسْتَحِيلُ مَوَدَّةً بِتَدارُكِ الهَفَواتِ بِالحَسَناتِ
و﴿الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ﴾ أبْلَغُ مِن عَدُوِّكَ ولِذا اخْتِيرَ عَلَيْهِ مَعَ اخْتِصارِهِ، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ كانَ عَدُوًّا مُبِينًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَصارَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ ولِيًّا مُصافِيًا وكَأنَّ ما عِنْدَهُ انْتَقَلَ إلى ولَدِ ولَدِهِ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما يَسْتَحِقُّ
فصلت 41:35
﴿وما يُلَقّاها﴾ أيْ ما يُلَقّى ويُؤْتى هَذِهِ
صفحة 124
الفِعْلَةَ والخَصْلَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي هي الدَّفْعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فالضَّمِيرُ راجِعٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ، وجُوِّزَ رُجُوعُهُ لِلَّتِي هي أحْسَنُ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ الضَّمِيرَ لِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَكَأنَّهُ أرْجَعَ لِلَّتِي هي أحْسَنُ وفُسِّرَتْ بِالشَّهادَةِ المَذْكُورَةِ ومَعَ هَذا هو كَما تَرى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ «وما يُلاقاها» مِنَ المُلاقاةِ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ طَبِيعَةُ الصَّبْرِ وشَأْنُهم ذَلِكَ ﴿وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ذُو نَصِيبٍ عَظِيمٍ مِن خِصالِ الخَيْرِ وكَمالِ النَّفْسِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِنَ الثَّوابِ، وقِيلَ: الحَظُّ العَظِيمُ الجَنَّةُ، وعَلَيْهِما فَهو وعْدٌ وعَلى الأوَّلِ هو مَدْحٌ، وكُرِّرَ ﴿وما يُلَقّاها﴾ تَأْكِيدًا لِمَدْحِ تِلْكَ الفِعْلَةِ الجَمِيلَةِ الجَلِيلَةِ ولِأوْحَدِ أهْلِ عَصْرِهِ الَّذِي بَخِلَ الزَّمانُ أنَّ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ صالِحٍ أفَنْدِي كاتِبِ دِيوانِ الإنْشاءِ في الحَدْباءِ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ مُخْتَصَرَةٌ التَزَمَ الدِّقَّةَ فِيها رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ الآيَةَ يُمْكِنُ أنْ يُؤْخَذَ مِنَ الأوَّلِ ما هو مِن أوَّلِ الأوَّلِ لا الثّانِي لِلِاتِّفاقِ فَيَتَحَقَّقُ الأشْرَفُ بَعْدَ إعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ فَيَتَحَقَّقُ الحابِسُ أنَّهُ مَجْدُودٌ فَيَقِفُ عِنْدَ الحَدِّ المَحْدُودِ انْتَهَتْ.
وأرادَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُؤْخَذَ مِنَ الأوَّلِ أيْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ ومِنَ الثّانِي وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ما أيُّ شَكْلٍ هو مِن أوَّلِ ضُرُوبِ الشَّكْلِ الأوَّلِ الأرْبَعَةِ وهو قِياسٌ مِنهُ مُرَكَّبٌ مِن مُوجَبَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ يُنْتِجُ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً بِأنْ يُقالَ: كُلُّ صابِرٍ هو الَّذِي يُلَقّاها وكُلُّ مَن يُلَقّاها فَهو ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يُنْتِجُ كُلَّ صابِرٍ هو ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُؤْخَذَ قِياسٌ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي لِلِاتِّفاقِ في الكَيْفِ وشَرْطُ الشَّكْلِ الثّانِي اخْتِلافُ المُقَدِّمَتَيْنِ فِيهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَحَلِّهِ فَيَتَحَقَّقُ بَعْدَ الأخْذِ وتَرْكِيبِ المُقَدِّمَتَيْنِ الأمْرَ الأشْرَفَ أيِ النَّتِيجَةُ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ كُلِّيَّةٌ وهي أشْرَفُ المَحْصُوراتِ الأرْبَعِ لِاشْتِمالِها عَلى الإيجابِ الأشْرَفِ مِنَ السَّلْبِ والكُلِّيَّةُ الأشْرَفُ مِنَ الجُزْئِيَّةِ بَعْدَ إعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ مِن جَعْلِ المَوْصُولِ لِلِاسْتِغْراقِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِيُفِيدَ الكُلِّيَّةَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ ويَعْلَمُ الحابِسُ أيِ الصّابِرُ أنَّهُ مَجْدُودٌ أيْ ذُو جَدٍّ وحَظٍّ فَيَقِفُ عِنْدَ الحَدِّ المَحْدُودِ ولا يَتَجاوَزُ مِنَ الصَّبْرِ إلى غَيْرِهِ فافْهَمْ.
فصلت 41:36
﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْعُ النَّخْسُ وهو المَسُّ بِطَرْفِ قَضِيبٍ أوْ أُصْبُعٍ بِعُنْفٍ مُؤْلِمٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلْوَسْوَسَةِ الباعِثَةِ عَلى الشَّرِّ وجُعِلَ نازِغًا لِلْمُبالَغَةِ عَلى طَرِيقَةِ جَدَّ جِدُّهُ - فَمِن - عَلى هَذا ابْتِدائِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نازِغٌ عَلى أنَّ المَصْدَرَ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ وصْفًا لِلشَّيْطانِ - فَمِن - بَيانِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ هي ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّازِغِ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ و«إنْ» شَرْطِيَّةٌ و«ما» مَزِيدَةٌ أيْ وإنْ يَنْزَغَنَّكَ ويَصْرِفَنَّكَ الشَّيْطانُ عَمّا وُصِّيتَ بِهِ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِ ولا تُطِعْهُ ﴿إنَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ فَيَسْمَعُ سُبْحانَهُ اسْتِعاذَتَكَ ﴿العَلِيمُ﴾ فَيَعْلَمُ جَلَّ شَأْنُهُ نِيَّتَكَ وصَلاحَكَ، وقِيلَ: السَّمِيعُ لِقَوْلِ مَن أذاكَ العَلِيمُ بِفِعْلِهِ فَيَنْتَقِمُ مِنهُ مُغْنِيًا عَنِ انْتِقامِكَ، وقِيلَ: العَلِيمُ بِنَزْغِ الشَّيْطانِ، وفي جَعْلِ تَرْكِ الدَّفْعِ مِن آثارِ نَزَغاتِ الشَّيْطانِ مَزِيدَ تَحْذِيرٍ وتَنْفِيرٍ عَنْهُ، ولَعَلَّ الخِطابَ مِن بابِ
إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالشَّيْطانِ ما يَعُمُّ شَيْطانَ الإنْسِ فَإنَّ مِنهم مَن يُصْرَفُ عَنِ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ويَقُولُ:
صفحة 125
إنَّهُ عَدُوُّكَ الَّذِي فَعَلَ بِكَ كَيْتَ وكَيْتَ فانْتَهِزِ الفُرْصَةَ فِيهِ وخُذْ ثَأْرَكَ مِنهُ لِتَعْظُمَ في عَيْنِهِ وأعْيُنِ النّاسِ ولا يُظَنُّ فِيكَ العَجْزُ وقِلَّةُ الهِمَّةِ وعَدَمُ المُبالاةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي رُبَّما لا تَخْطُرُ أبَدًا بِبالِ شَيْطانِ الجِنِّ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى السَّمِيعِ العَلِيمِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ، وفَسَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ النَّزْغُ بِالغَضَبِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَهُ.
وقَدْ رَوى الحاكِمُ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ قالَ: «( اِسْتَبَّ ) رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاشْتَدَّ غَضَبُ أحَدِهِما فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ. أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَقالَ الرَّجُلُ: أمَجْنُونًا تَرانِي ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ»».
ولَعَلَّ الغَضَبَ مِن آثارِ الوَسْوَسَةِ
فصلت 41:37
﴿ومِن آياتِهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ في حُدُوثِهِما وتَعاقُبِهِما وإيلاجِ كُلٍّ مِنهُما في الآخَرِ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ في اسْتِنارَتِهِما واخْتِلافِهِما في قُوَّةِ النُّورِ والعِظَمِ والآثارِ والحَرَكاتِ مَثَلًا، وقُدِّمَ ذِكْرُ اللَّيْلِ قِيلَ: تَنْبِيهًا عَلى تَقَدُّمِهِ مَعَ كَوْنِ الظُّلْمَةِ عَدَمًا، وناسَبَ ذِكْرُ الشَّمْسِ بَعْدَ النَّهارِ لِأنَّها آيَتُهُ وسَبَبُ تَنْوِيرِهِ ولِأنَّها أصْلٌ لِنُورِ القَمَرِ بِناءً عَلى ما قالُوا مِن أنَّهُ مُسْتَفادٌ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ، وأمّا ضِياؤُها فالمَشْهُورُ أنَّهُ غَيْرُ طارِئٍ عَلَيْها مِن جِرْمٍ آخَرَ، وقِيلَ: هو مِنَ العَرْشِ، والفَلاسِفَةُ اليَوْمَ يَظُنُّونَ أنَّهُ مِن جِرْمٍ آخَرَ وادَّعَوْا أنَّهم يَرَوْنَ في طَرَفٍ مِن جِرْمِ الشَّمْسِ ظُلْمَةً قَلِيلَةً لا ﴿تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى اَلْمُسَخَّرَةِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ تَعالى مِثْلِكم ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الضَّمِيرُ قِيلَ لِلْأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ لَكِنْ نَظَمَ مَعَهُما اللَّيْلَ والنَّهارَ إشْعارًا بِأنَّهُما مِن عِدادِ ما لا يُعْلَمُ ولا يُخْتارُ ضَرُورَةً أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ كَذَلِكَ ولَوْ ثُنِّيَ الضَّمِيرُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إشْعارٌ بِذَلِكَ.
وحُكْمُ جَماعَةِ ما لا يَعْقِلُ - عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - حُكْمُ الأُنْثى فَيُقالُ: الأقْلامُ بَرَيْتُها وبَرَيْتُهُنَّ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ الضَّمِيرَ لَمّا كانَ لِلَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ كانَ المُناسِبُ تَغْلِيبَ الذُّكُورِ، والجَوابُ بِأنَّهُ لَمّا كُنَّ مِنَ الآياتِ عُدَّتْ كالإناثِ تَكَلُّفٌ عَنْهُ غِنًى بِالقاعِدَةِ المَذْكُورَةِ. نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: يَنْبَغِي أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ جَمْعِ القِلَّةِ مِن ذَلِكَ وجَمْعِ الكَثْرَةِ فَإنَّ الأفْصَحَ في الأوَّلِ أنْ يَكُونَ بِضَمِيرِ الواحِدِ تَقُولُ الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ عَلى الأفْصَحِ في الثّانِي أنْ يَكُونَ بِضَمِيرِ الإناثِ تَقُولُ الجُذُوعُ انْكَسَرْنَ وما في الآيَةِ لَيْسَ بِجَمْعِ قِلَّةٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ لَكِنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ والِاثْنانِ جَمْعٌ وجَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُؤَنَّثُ، ومِن حَيْثُ يُقالُ شُمُوسٌ وأقْمارٌ لِاخْتِلافِهِما بِالأيّامِ واللَّيالِي ساغَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما جَمْعًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ( ومِن آياتِهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ) فَإنَّ السُّجُودَ أقْصى مَراتِبِ العِبادَةِ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنُ مَسْعُودٍ يَسْجُدانِ عِنْدَ ( تَعْبُدُونَ ) ونُسِبَ القَوْلُ بِأنَّهُ مَوْضِعُ السَّجْدَةِ لِلشّافِعِيِّ، وسَجَدَ عِنْدَ ﴿لا يَسْأمُونَ﴾ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو وائِلٍ وبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ وهْبٍ ومَسْرُوقٍ والسُّلَمِيِّ والنَّخَعِيِّ وأبِي صالِحٍ وابْنِ وثّابٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ونَقَلَهُ في التَّحْرِيرِ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفي الكَشْفِ أصَحُّ
صفحة 126
الوَجْهَيْنِ عِنْدَ أصْحابِنا - يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ - أنَّ مَوْضِعَ السَّجْدَةِ ﴿لا يَسْأمُونَ﴾ كَما هو مَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، ووَجْهُهُ أنَّها تَمامُ المَعْنى عَلى أُسْلُوبِ اسْجُدْ فَإنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنْهُ مَذْمُومٌ، وعَلَّلَهُ بَعْضُهم بِالِاحْتِياطِ لِأنَّها إنْ كانَتْ عِنْدَ ( تَعْبُدُونَ ) جازَ التَّأْخِيرُ لِقَصْرِ الفَصْلِ، وإنْ كانَتْ عِنْدَ ﴿يَسْأمُونَ﴾ لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُها
فصلت 41:38
﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ تَعاظَمُوا عَنِ اجْتِنابِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ السُّجُودِ لِتِلْكَ المَخْلُوقاتِ وامْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِخالِقِهِنَّ فَلا يَعْبَأْ بِهِمْ أوْ فَلا يُخِلُّ ذَلِكَ بِعَظَمَةِ رَبِّكَ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في حَضْرَةِ قُدُسِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ هم خَيْرٌ مِنهم ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ دائِمًا وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم لَيْلٌ ونَهارٌ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ لا يَمَلُّونَ ذَلِكَ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْ نَحْوُهُ وما ذُكِرَ قائِمٌ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الإخْبارِ كَما قِيلَ في نَحْوِ إنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ أنَّهُ عَلى مَعْنى فَأُخْبِرْكَ إنِّي قَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ.
وقُرِئَ «لا يِسْأمُونَ» بِكَسْرِ الياءِ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في أُناسٍ مِنَ الكَفَرَةِ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ كالصّابِئِينَ في عِبادَتِهِمُ الكَواكِبَ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِالسُّجُودِ لَهُما السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الواسِطَةِ وأُمِرُوا أنْ يَقْصِدُوا بِسُجُودِهِمْ وجْهَ اللَّهِ تَعالى خالِصًا. واسْتَدَلَّ الشَّيْخُ أبُو إسْحاقَ في المُهَذَّبِ بِالآيَةِ عَلى صَلاتَيِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ قالَ: لِأنَّهُ لا صَلاةَ تَتَعَلَّقُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ غَيْرُهُما وأُخِذَ مِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهُما عَلى صَلاةِ الِاسْتِسْقاءِ لِكَوْنِهِما في القُرْآنِ بِخِلافِها
فصلت 41:39
﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى﴾ يا مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ: ﴿الأرْضَ خاشِعَةً﴾ يابِسَةً مُتَطامِنَةً مُسْتَعارٌ مِنَ الخُشُوعِ بِمَعْنى التَّذَلُّلِ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾ أيِ المَطَرِ ﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ وانْتَفَخَتْ لِأنَّ النَّبْتَ إذا دَنا أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ وانْتَفَخَتْ ثُمَّ تَصَدَّعَتْ عَنِ النَّباتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حالَ جُدُوبَةِ الأرْضِ وخُلُوِّها عَنِ النَّباتِ ثُمَّ إحْياءَ اللَّهِ تَعالى إيّاها بِالمَطَرِ وانْقِلابَها مِنَ الجُدُوبَةِ إلى الخِصْبِ وإنْباتِ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ بِحالِ شَخْصٍ كَئِيبٍ كاسِفِ البالِ رَثِّ الهَيْئَةِ لا يَؤْبَهُ بِهِ ثُمَّ إذا أصابَهُ شَيْءٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وزِينَتِها تَكَلَّفَ بِأنْواعِ الزِّينَةِ والزَّخارِفِ فَيَخْتالُ في مَشْيِهِ زَهْوًا فَيَهْتَزُّ بِالأعْطافِ خُيَلاءَ وكِبْرًا فَحُذِفَ المُشَبَّهُ واسْتُعْمِلَ الخُشُوعُ والِاهْتِزازُ دَلالَةً عَلى مَكانِهِ ورُجِّحَ اعْتِبارُ التَّمْثِيلِ. وقُرِئَ «رَبَأتْ» أيْ زادَتْ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى رَبَتْ عَظُمَتْ ورَبَأتْ بِالهَمْزِ ارْتَفَعَتْ ومِنهُ الرَّبِيئَةُ وهي طَلِيعَةٌ عَلى المَوْضِعِ المُرْتَفِعِ ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها﴾ بِما ذَكَرَ بَعْدَ مَوْتِها ( لَمُحْيِ اَلْمَوْتى ) بِالبَعْثِ ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإحْياءُ ﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالَغَةً في القُدْرَةِ.
فصلت 41:40
﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ يَنْحَرِفُونَ في تَأْوِيلِ آياتِ القُرْآنِ عَنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ والِاسْتِقامَةِ فَيَحْمِلُونَها عَلى المُحامِلِ الباطِلَةِ، وهو مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ: يَضَعُونَ الكَلامَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأصْلُهُ مِن ألْحَدَ إذا مالَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شَقٍّ ويُقالُ لَحَدَ. وقُرِئَ «يَلْحَدُونَ» و«يُلْحِدُونَ» بِاللُّغَتَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُنا الإلْحادُ التَّكْذِيبُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّغْوُ فالمَعْنى يَمِيلُونَ عَمّا يَنْبَغِي ويَلِيقُ في شَأْنِ آياتِنا فَيُكَذِّبُونَ القُرْآنَ أوْ فَيَلْغُونَ ويُصَفِّرُونَ عِنْدَ قِراءَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وبِالإلْحادِ ما يَشْمَلُ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ وتَبْدِيلَهُ لَكِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ القُرْآنِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ كَما وقَعَ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ عَلى ما هو الشّائِعُ. وعَنْ أبِي مالِكٍ تَفْسِيرُ الآياتِ بِالأدِلَّةِ فالإلْحادُ في شَأْنِها الطَّعْنُ في دَلالَتِها والإعْراضُ عَنْها، وهَذا أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 127
﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ .. إلَخْ، وما تَقَدَّمَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: 26] وبِما بَعْدُ، والآيَةُ عَلى تَفْسِيرِ مُجاهِدٍ أوْفَقُ وأوْفَقُ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ مُجازاتُهم عَلى الإلْحادِ فالآيَةُ وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ الجَزاءِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقابَلَ الإلْقاءُ في النّارِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ اعْتِناءً بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ الأمْنَ مِنَ العَذابِ أعَمُّ وأهَمُّ ولِذا عُبِّرَ في الأوَّلِ بِالإلْقاءِ الدّالِّ عَلى القَسْرِ والقَهْرِ وفِيهِ بِالإتْيانِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ بِالِاخْتِيارِ والرِّضا مَعَ الأمْنِ ودُخُولِ الجَنَّةِ لا يَنْفِي أنْ يُبَدَّلَ حالُهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِتَقْدِيرِ مَن يَأْتِي خائِفًا ويُلْقى في النّارِ ومَن يَأْتِي آمِنًا ويَدْخُلُ الجَنَّةَ فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ مُقابِلَ الثّانِي ومِنَ الثّانِي مُقابِلَ الأوَّلِ وفِيهِ بُعْدٌ. والآيَةُ كَما قالَ ابْنُ بَحْرٍ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ ومُؤْمِنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ﴾ أبُو جَهْلٍ ﴿أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا﴾ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ تَمِيمٍ مَن يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ ومَن يَأْتِي آمِنًا عَمّارٌ، والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِما، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقِيلَ: فِيهِ وفي عُمَرَ، وقِيلَ: فِيهِ وفي حَمْزَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيهِ وفي الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكَفَرَةِ المُلْحِدِينَ الَّذِينَ يُلْقَوْنَ في النّارِ ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَةَ الأمْرِ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِ أعْمالِكم.
فصلت 41:41
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِمْ زَمانٌ يَتَأمَّلُونَ فِيهِ ويَتَكَفَّرُونَ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ أوْ مَنِيعٌ لا تَتَأتّى مُعارَضَتُهُ، وأصْلُ العِزِّ حالَةٌ مانِعَةٌ لِلْإنْسانِ عَنْ أنْ يُغْلَبَ، وإطْلاقُهُ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ وكَذا كَوْنُهُ مَنِيعًا، وقِيلَ: غالِبٌ لِلْكُتُبِ لِنَسْخِهِ إيّاها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ كِرِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِغايَةِ شَناعَةِ الكُفْرِ بِهِ،
فصلت 41:42
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابٍ، وما بَيْنَ يَدَيْهِ وما خَلْفَهُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ كالصَّباحِ والمَساءِ كِنايَةٌ عَنِ الزَّمانِ كُلِّهِ أيْ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الباطِلُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وفِيهِ تَمْثِيلٌ لِتَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ حُمِيَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَلا يُمَكِّنُ أعْداءَهُ الوُصُولَ إلَيْهِ لِأنَّهُ في حِصْنٍ حَصِينٍ مِن حِمايَةِ الحَقِّ المُبِينِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن جِهَةِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأخْبارِ الماضِيَةِ والأُمُورِ الآتِيَةِ. وقِيلَ: الباطِلُ بِمَعْنى المُبْطِلِ كَوارِسٍ بِمَعْنى مُورِسٍ أوْ هو مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ بِمَعْنى مُبْطِلٍ أيْضًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أيْ مَحْمُودٌ عَلى ما أسْدى مِنَ النِّعَمِ الَّتِي مِنها تَنْزِيلُ الكِتابِ، وحَمْدُهُ سُبْحانَهُ: بِلِسانِ الحالِ مُتَحَقَّقٌ مِن كُلِّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ وبِلِسانِ القالِ مُتَحَقَّقٌ مِمَّنْ وُفِّقَ لِذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابٍ مُفِيدَةٌ لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ كَما أنَّ الصِّفَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مُفِيدَتانِ لِفَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ﴾ .. إلَخْ. اعْتِراضٌ عِنْدَ مَن لا يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ غَيْرِ الصَّرِيحِ مِنَ الصِّفاتِ عَلى الصَّرِيحِ كُلُّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ بُطْلانِ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ، واخْتَلَفُوا في خَبَرِ ( إنَّ ) أمَذْكُورٌ هو أوْ مَحْذُوفٌ
صفحة 128
فَقِيلَ: مَذْكُورٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وهو قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في حِكايَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ بِلالِ بْنِ أبِي بَرْدَةَ سُئِلَ بِلالٌ في مَجْلِسِهِ عَنْ هَذا فَقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرٍو: إنَّهُ مِنكَ لَقَرِيبٌ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ وهو في مَكانٍ بَعِيدٍ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ بِحَذْفِ العائِدِ أيِ الكافِرُونَ وحالُهُ أنَّهُ كِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنهم أيْ مَتى رامُوا إبْطالًا لَهُ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ أوْ بِجَعْلِ ألْ في الباطِلِ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ بِهِ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ أيْ لا يَأْتِيهِ باطِلُهم أوْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ .. إلَخْ. والعائِدُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ ما يُقالُ لَكَ في شَأْنِهِمْ أوْ فِيهِمْ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ أيْ أوْحى إلَيْكَ في شَأْنِ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ لَكَ ولِما جِئْتَ بِهِ مِثْلَ ما أوْحى إلى مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ وهو أنَّهم عاقِبَتُهم سَيِّئَةٌ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ الدّائِمِ ثُمَّ قالَ: وغايَةُ ما في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ حَذْفُ الضَّمِيرِ العائِدِ وهو مَوْجُودٌ نَحْوَ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ والبُرُّ كُرٌّ بِدِرْهَمٍ أيْ مِنهُ.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ نُحاةِ الكُوفَةِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ لا يُتَعَقَّلُ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ وخَبَرُ ( إنَّ ) يُحْذَفُ لِفَهْمِ المَعْنى، وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ عَمْرٌو: مَعْناهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ فَقالَ عِيسى: أجَدْتَ يا أبا عُثْمانَ. وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ مُعانِدُونَ أوْ هالِكُونَ، وقالَ الكِسائِيُّ: قَدْ سَدَّ مَسَدَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ قَبْلُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى﴾ وكَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَيُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ يَخْلُدُونَ في النّارِ، ويُقَدَّرَ الخَبَرُ عَلى ما اسْتَحْسَنَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ ( حَمِيدٍ ) وفي الكَشّافِ أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ قالَ في البَحْرِ: ولَمْ يَتَعَرَّضْ بِصَرِيحِ الكَلامِ إلى خَبَرِ ( إنَّ ) أمَذْكُورٌ هو أوْ مَحْذُوفٌ لَكِنَّهُ قَدْ يَدَّعِي أنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ فَإنَّ المَحْكُومَ بِهِ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ هو المَحْكُومُ بِهِ عَلى البَدَلِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا. وفي الكَشْفِ فائِدَةُ هَذا الإبْدالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما يَحْمِلُهم عَلى الإلْحادِ إلّا مُجَرَّدُ الكُفْرِ، وفِيهِ إمْدادُ التَّحْذِيرِ مِن وُجُوهِ ما ذَكَرَ مِنَ التَّنْبِيهِ ووَضْعُ الذِّكْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى الآياتِ زِيادَةُ تَحْسِيرٍ لَهم، وما في ( لَمّا ) مِن مَعْنى مُفاجَأتِهِمْ بِالكُفْرِ أوَّلَ ما جاءَ، وما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الآياتِ والتَّمْهِيدِ لِلْحَدِيثِ عَنْ كَمالِ الكِتابِ الدّالِّ عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ المُلْحِدِ فِيهِ، ثُمَّ الأشْبَهُ أنْ يُحْمَلَ كَلامُ الكَشّافِ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ السّابِقِ عَلَيْهِ ولِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِذَهابِ الوَهْمِ كُلَّ مَذْهَبٍ وتَكُونُ الجُمْلَةُ بَدَلًا عَنِ الجُمْلَةِ لِأنَّ البَدَلَ بِتَكْرِيرِ العامِلِ إنَّما جُوِّزَ في المَجْرُورِ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ. انْتَهى. فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ ما
فصلت 41:43
﴿يُقالُ لَكَ﴾ إلى آخِرِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا يُصِيبُهُ مِن أذِيَّةِ الكُفّارِ مِن طَعْنِهِمْ في كِتابِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ فالقائِلُ الكُفّارُ أيْ ما يَقُولُ كُفّارُ قَوْمِكَ في شَأْنِكَ وشَأْنِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إلا ما قَدْ قِيلَ﴾ أيْ مِثْلُ ما قَدْ قالَ الكَفَرَةُ السّابِقُونَ ﴿لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ مِنَ الكَلامِ المُؤْذِي المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ فِيما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذّارِياتِ: 52] .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ السِّياقِ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَكَ إلّا نَحْوُ ما قِيلَ لِأمْثالِكَ مِنَ الرُّسُلِ فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ عَظِيمَةٍ
صفحة 129
لِأوْلِيائِهِ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ لِأعْدائِهِمْ فَيَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ويَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِمْ، أوْ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ ماذا ؟ فَقِيلَ: إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِأوْلِيائِهِ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ لِأعْدائِهِمْ وقَدْ نَصَرَ لِذَلِكَ مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وانْتَقَمَ مِن أعْدائِهِمْ وسَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَ وبِأعْدائِكَ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتُ عَنْ أبِي حَيّانَ وقَدْ جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ خَبَرَ ( إنَّ ) أيْ ما يُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ في شَأْنِ الكُفّارِ المُؤْذِينَ لَكَ إلّا مِثْلَ ما أوْحى لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ في شَأْنِ الكُفّارِ المُؤْذِينَ لَهم مِن أنَّ عاقِبَتَهم سَيِّئَةٌ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ الألِيمِ فاصْبِرْ إنَّ رَبَّكَ.. إلَخْ، وقَدْ يُجْعَلُ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ .. إلَخْ. بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ تَفْسِيرًا لِلْمَقُولِ فَحاصِلُ المَعْنى ما أوْحى إلَيْكَ وإلى الرُّسُلِ إلّا وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِالمَغْفِرَةِ والكافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ دُونَ العَكْسِ الَّذِي يَزْعُمُهُ الكَفَرَةُ بِلِسانِ حالِهِمْ فاصْبِرْ فَسَيُنْجِزُ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ، وقِيلَ: المَقُولُ هو الشَّرائِعُ أيْ ما يُوحى إلَيْكَ إلّا مِثْلُ ما أُوحِيَ إلى الرُّسُلِ مِنَ الشَّرائِعِ دُونَ أُمُورِ الدُّنْيا وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الكُفّارِ بِتَكْذِيبِ ذَلِكَ فَما عَلَيْكَ إذا كَذَّبَ كُفّارُ قَوْمِكَ واصْبِرْ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلَ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ .. إلَخْ. تَعْلِيلًا لِما يُسْتَفادُ مِنَ السِّياقِ أيْضًا، وجَعَلَهُ بَعْضُهم تَفْسِيرًا لِذَلِكَ المَقُولِ أعْنِي الشَّرائِعَ لِأنَّها الأوامِرُ والنَّواهِي الإلَهِيَّةُ وهي مُجْمَلَةٌ فِيهِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وإلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا ذَهَبَ قَتادَةُ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ فَكَما كُذِّبُوا كُذِّبْتَ وكَما صَبَرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ لَهم فاصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِكَ لَكَ، واخْتِيارُ ( ألِيمٍ ) عَلى شَدِيدٍ مَعَ أنَّهُ أنْسَبُ بِالفَواصِلِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ نَظْمَ القُرْآنِ لَيْسَ كالأسْجاعِ والخُطَبِ وأنَّ حُسْنَهُ ذاتِيٌّ والنَّظَرَ فِيهِ إلى المَعانِي دُونَ الألْفاظِ، ويَحْسُنُ وصْفُ العِقابِ بِهِ هُنا كَوْنُ العِقابِ جَزاءَ التَّكْذِيبِ المُؤْلِمِ
فصلت 41:44
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ، والضَّمِيرُ لِلذِّكْرِ ﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ بُيِّنَتْ لَنا وأُوضِحَتْ بِلِسانٍ نَفْقَهُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ والثّانِيَةُ هَمْزَةُ أعْجَمِيٍّ والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها مَدَّةٌ هي هَمْزَةُ أعْجَمِيٍّ إنْكارٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّحْضِيضِ أيْ كَلامٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، وحاصِلُهُ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ كَما يُرِيدُونَ لَأنْكَرُوا أيْضًا وقالُوا ما لَكَ ولِلْعُجْمَةِ أوْ ما لَنا ولِلْعُجْمَةِ، والأعْجَمِيُّ أصْلُهُ أعْجَمَ بِلا ياءٍ ومَعْناهُ مَن لا يُفْهَمُ كَلامُهُ لِلُكْنَتِهِ أوْ لِغَرابَةِ لُغَتِهِ وزِيدَتِ الياءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما في أحْمَرِيٍّ ودَوّارِيٍّ وأُطْلِقَ عَلى كَلامِهِ مَجازًا لَكِنَّهُ اشْتُهِرَ حَتّى التَحَقَ بِالحَقِيقَةِ، وزَعَمَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّ الياءَ فِيهِ بِمَنزِلَةِ ياءِ كُرْسِيٍّ وهو وهْمٌ، وقِيلَ: ( عَرَبِيٌّ ) عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ومُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ مَعَ أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ جَمْعٌ فَحَقُّهُ أنْ يُقالَ: عَرَبِيَّةٌ أوْ عَرَبِيُّونَ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ التَّنافِي والتَّنافُرِ بَيْنَ الكَلامِ وبَيْنَ المُخاطَبِ بِهِ لا بَيانُ كَوْنِ المُخاطَبِ بِهِ واحِدًا أوْ جَمْعًا، ومِن حَقِّ البَلِيغِ أنْ يُجَرِّدَ الكَلامَ لِلدَّلالَةِ عَلى ما ساقَهُ لَهُ ولا يَأْتِي بِزائِدٍ عَلَيْهِ إلّا ما يَشُدُّ مِن عَضُدِهِ فَإذا رَأى لِباسًا طَوِيلًا عَلى امْرَأةٍ قَصِيرَةٍ قالَ: اللِّباسُ طَوِيلٌ واللّابِسُ قَصِيرٌ دُونَ واللّابِسَةُ قَصِيرَةٌ لِأنَّ الكَلامَ لَمْ يَقَعْ في ذُكُورَةِ اللّابِسِ وأُنُوثَتِهِ فَلَوْ قالَ لَخُيِّلَ أنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، وهَذا أصْلٌ مِنَ الأُصُولِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى ذِكْرٍ، ويُبْنى عَلَيْهِ الحَذْفُ والإثْباتُ والتَّقْيِيدُ والإطْلاقُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكُلِّ كَلامٍ بَلِيغٍ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ «( أعْجَمِيّ )» بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بِفَتْحِ العَيْنِ أيْ أكَلامٌ مَنسُوبٌ إلى العَجَمِ وهم مَن عَدا العَرَبِ وقَدْ يُخَصُّ بِأهْلِ فارِسَ ولُغَتِهِمُ العَجَمِيَّةِ أيْضًا فَبَيْنَ الأعْجَمِيِّ والعَجَمِيِّ عُمُومٌ
صفحة 130
وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَرَبِيِّ مُقابِلُ الأعْجَمِيِّ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ومُقابِلُهُ العَجَمِيُّ في القِراءَةِ الأُخْرى. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو الأسْوَدِ والجَحْدَرِيُّ وسَلّامٌ والضَّحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْهُما «( أعْجَمِيّ )» بِلا اسْتِفْهامٍ وبِسُكُونِ العَيْنِ عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ بِأنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والمُتَكَلِّمَ بِهِ أوِ المُخاطَبَ عَرَبِيٌّ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَلّا فُصِّلَتْ آياتُهُ فَجُعِلَ بَعْضُها أعْجَمِيًّا لِإفْهامِ العَجَمِ وبَعْضُها عَرَبِيًّا لِإفْهامِ العَرَبِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ هو بَعْضٌ أيْ بَعْضُها أعْجَمِيٌّ وبَعْضُها عَرَبِيٌّ، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ إبْطالُ مُقْتَرَحِهِمْ وهو كَوْنُهُ بِلُغَةِ العَجَمِ بِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ وهو فَواتُ الغَرَضِ مِنهُ إذْ لا مَعْنى لِإنْزالِهِ أعْجَمِيًّا عَلى مَن لا يَفْهَمُهُ أوِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنِ التَّعَنُّتِ فَإذا وُجِدَتِ الأعْجَمِيَّةُ طَلَبُوا أمْرًا آخَرَ وهَكَذا.
﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴿وشِفاءٌ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِي آذانِهِمْ وقْرٌ﴾ عَلى أنَّ ( في آذانِهِمْ ) خَبَرَ مُقَدَّمٌ و( وقْرٌ ) مُبْتَدَأٌ أيْ مُسْتَقِرٌّ في آذانِهِمْ وقْرٌ أيْ صَمَمٌ مِنهُ فَلا يَسْمَعُونَهُ، وقِيلَ: خَبَرُ المَوْصُولِ ( في آذانِهِمْ ) و( وقْرٌ ) فاعِلُ الظَّرْفِ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو آيُ القُرْآنِ و( في آذانِهِمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( وقْرٌ ) . ورُجِّحَ بِأنَّهُ أوْفَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ ومَن جَوَّزَ العَطْفَ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ عَطَفَ المَوْصُولَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ و( وقْرٌ ) عَلى ( هُدىً ) عَلى مَعْنى هو لِلَّذِينِ آمَنُوا هُدًى ولِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ وقْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي آذانِهِمْ﴾ ذُكِرَ بَيانًا لِمَحَلِّ الوَقْرِ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلى ﴿وقْرٌ﴾ والأوَّلُ أبْلَغُ ويَرُدُّ عَلَيْهِ بُعْدُ الإغْماضِ عَمّا في جَوازِ العَطْفِ المَذْكُورِ مِنَ الخِلافِ أنَّ فِيهِ تَنافُرًا بِجَعْلِ القُرْآنِ نَفْسَ الوَقْرِ لا سِيَّما وقَدْ ذَكَرَ مَحَلَّهُ ولَيْسَ كَجَعْلِهِ نَفْسَ العَمى لِأنَّهُ يُقابِلُ جَعْلَهُ نَفْسَ الهُدى فَرُوعِيَ الطِّباقُ ولِذا لَمْ يُبَيِّنْ مَحَلَّهُ، وأمّا الوَقْرُ إذا جُعِلَ نَفْسَ الكِتابِ فَهو كالدَّخِيلِ ولَمْ يُطابِقْ ما ورَدَ في سائِرِ المَواضِعِ مِنَ التَّنْزِيلِ، وهَذا يَرُدُّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ أيْضًا، وجَوَّزَ ابْنُ الحاجِبِ في الأمالِي أنْ يَكُونَ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ والتَّقْدِيرُ هو لِلَّذِينِ آمَنُوا هُدًى وعَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ عَمى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلى الدُّعاءِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا وإنْ جازَ مِن جِهَةِ الإعْرابِ لَكِنَّهُ مِن جِهَةِ المَعانِي مَرْدُودٌ لَفَّكِ النَّظْمِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ ( هو ) عائِدٌ عَلى الوَقْرِ وهو مِنَ العَمى كَما تَرى.
وأوْلى الأوْجَهِ ما تَقَدَّمَ وجِيءَ بِعَلى في ﴿عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِيلاءِ العَمى عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُذْكَرْ حالَ القَلْبِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعْرِيضِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ بِأنَّهُ لِغَيْرِهِمْ مَرَضٌ فَظِيعٌ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى المَوْصُولِ الثّانِي بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ مَعَ ما فِيهِ مِن كَمالِ المُناسَبَةِ لِلنِّداءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ أيْ أُولَئِكَ البُعَداءُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن ( اَلتَّصامّ ) عَنِ الحَقِّ الَّذِي يُسْمِعُونَهُ والتَّعامِي عَنِ الآياتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها ﴿يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ فَهْمِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِما دُعُوا لَهُ بِمَن يُنادى مِن مَسافَةٍ نائِيَةٍ فَهو يَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا يَفْهَمُ تَفاصِيلَهُ ولا مَعانِيَهُ أوْ لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، فَقَدْ حَكى أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ يُقالُ لِلَّذِي لا يَفْهَمُ:
أنْتَ تُنادى مِن بَعِيدٍ، وإرادَةُ هَذا المَعْنى مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 131
وجْهَهُ. ومُجاهِدٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يُنادَوْنَ بِكُفْرِهِمْ وقَبِيحِ أعْمالِهِمْ بِأقْبَحِ أسْمائِهِمْ مِن بُعْدٍ حَتّى يَسْمَعَ ذَلِكَ أهْلُ المَوْقِفِ فَتَعْظُمُ السُّمْعَةُ عَلَيْهِمْ وتَحِلُّ المَصائِبُ بِهِمْ، وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّهُ هادٍ لِلْمُؤْمِنِينَ شافٍ لِما في صُدُورِهِمْ كافٍ في دَفْعِ الشُّبَهِ فَلِذا ورَدَ بِلِسانِهِمْ مُعْجِزًا بَيِّنًا في نَفْسِهِ مُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ عَلى أيِّ حالٍ جاءَهم، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُعاوِيَةُ وعَمْرُو بْنُ العاصِ وابْنُ هُرْمُزَ «عَمٍ» بِكَسْرِ المِيمِ وتَنْوِينِهِ، وقالَ يَعْقُوبُ القارِيُّ وأبُو حاتِمٍ: لا نَدْرِي ( نَوَّنُوا ) أمْ فَتَحُوا الياءَ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ رَواها عَمْرُو بْنُ دِينارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى
فصلت 41:45
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ في شَأْنِ الكُتُبِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لِلْأُمَمِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ فاخْتُلِفَ فِيها فَمِن مُصَدِّقٍ لَها ومُكَذِّبٍ وهَكَذا حالُ قَوْمِكَ في شَأْنِ ما آتَيْناكَ مِنَ القُرْآنِ فَمِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في حَقِّ أُمَّتِكَ المُكَذِّبَةِ وهي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ وفَصْلِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخُصُومَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القَمَرَ: 46] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطِرَ: 45] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِاسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ كَما فُعِلَ بِمُكَذِّبِي الأُمَمِ السّالِفَةِ ﴿وإنَّهُمْ﴾ أيْ كُفّارُ قَوْمِكَ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوجِبٌ لِلْقَلَقِ والِاضْطِرابِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الثّانِي لِلتَّوْراةِ والأوَّلُ لِلْيَهُودِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ
فصلت 41:46
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ بِأنْ آمَنَ بِالكُتُبِ وعَمِلَ بِمُوجِبِها ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَلِنَفْسِهِ يَعْمَلُهُ أوْ فَلِنَفْسِهِ نَفْعُهُ لا لِغَيْرِهِ، ( ومَن ) يَصِحُّ فِيها الشَّرْطِيَّةُ والمَوْصُولِيَّةُ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ضَرُّهُ لا عَلى الغَيْرِ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ تَرْكِ إثابَةِ المُحْسِنِ بِعَمَلِهِ أوْ إثابَةِ الغَيْرِ بِعَمَلِهِ وتَنْزِيلِ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ إساءَةٍ أوْ بِإساءَةِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى ولَمْ يَحْتَجْ بَعْضُهم إلى التَّنْزِيلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ وفي تَوْجِيهِ النَّفْيِ والمُبالَغَةِ فَتَذَكَّرْ.
تَمَّ الجُزْءُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ والعِشْرُونَ، وأوَّلُهُ ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ .. إلَخْ. .
فصلت 41:47
صفحة 2
بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ إذا سُئِلَ عَنْها قِيلَ اَللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أوْ لا يَعْلَمُها إلّا اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فالمَقْصُودُ مِن هَذا اَلْكَلامِ إرْشادُ اَلْمُؤْمِنِينَ في اَلتَّقَصِّي عَنْ هَذا اَلسُّؤالِ وكِلا اَلْجَوابَيْنِ يَلْزَمُهُ اِخْتِصاصُ عِلْمِها بِهِ تَعالى، أمّا اَلثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا اَلْأوَّلُ فَلِأنَّكَ إذا سُئِلْتَ عَنْ مَسْألَةٍ وقُلْتَ. فُلانٌ يَعْلَمُهُ كانَ فِيهِ نَفْيٌ عَنْكَ كِنايَةً وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ فُلانًا أهْلٌ أنْ يَسْألَ عَنْهُ دُونَكَ ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ أيْ مِن أوْعِيَتِها جَمْعُ كِمٍّ بِالكَسْرِ وهو وِعاءُ اَلثَّمَرَةِ كَجَفَّ اَلطَّلْعَةُ مِن كِمِّهِ إذا سَتَرَهُ وقَدْ يُضَمُّ وكُمُّ اَلْقَمِيصِ بِالضَّمِّ وقَرَأ اَلْحَسَنُ في رِوايَةٍ والأعْمَشُ. وطَلْحَةُ. وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ (مِن ثَمَرَةٍ) عَلى إرادَةِ اَلْجِنْسِ والجَمْعِ لِاخْتِلافِ اَلْأنْواعِ. وقُرِئَ (مِن ثَمَراتٍ) مِن أكْمامِهِنَّ، بِجَمِيعِ اَلضَّمِيرِ أيْضًا وما نافِيَةٌ ومِنَ اَلْأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اَلِاسْتِغْراقِ والنَّصُّ عَلَيْهِ ومِنَ اَلثّانِيَةِ اِبْتِدائِيَّةٌ وكَذا (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ﴾ أيْ حَمْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِعِلْمِهِ﴾ في مَوْضِعِ اَلْحالِ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ اَلْمُصاحَبَةِ والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما يَحْدُثُ شَيْءٌ مِن خُرُوجِ ثَمَرَةٍ ولا حَمْلِ حامِلٍ ولا وضْعِ واضِعٍ مُلابِسًا أوْ مُصاحِبًا بِشَيْءٍ مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا مُصاحِبًا أوْ مُلابِسًا بِعِلْمِهِ اَلْمُحِيطِ سُبْحانَهُ واقِعًا حَسْبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ، وجُوِّزَ في اَلْأُولى أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى اَلسّاعَةِ أيْ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ اَلسّاعَةِ وعِلْمُ ما يَخْرُجُ ومِنَ اَلْأُولى بَيانِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ ومِنَ اَلثّانِيَةِ عَلى حالِها، وتَأْنِيثُ ﴿تَخْرُجُ﴾ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِأنَّ ما بِمَعْنى ثَمَرَةٍ قِيلَ: ولا يَجُوزُ في اَلثّانِيَةِ ذَلِكَ لِمَكانِ اَلِاسْتِثْناءِ اَلْمُفَرَّغِ وأجازَهُ بَعْضُهُمْ، ويَكْفِي لِصِحَّةِ اَلتَّفْرِيغِ اَلنَّفْيُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَضَعُ﴾ وجُمْلَةُ لا تَضَعُ إمّا حالٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ﴾ إلَخْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ اَلْمُتَبادِرَ في اَلْمَوْضِعَيْنِ اَلنَّفْيُ ثُمَّ إنَّ اَلِاسْتِثْناءَ مُتَعَلِّقٌ بِالكُلِّ وتَبْيِينِ اَلْقَدْرِ اَلْمُشْتَرِكِ بَيْنَ اَلْأفْعالِ اَلثَّلاثَةِ وجَعْلِهِ اَلْأصْلَ في تَعَلُّقِ اَلْمُفَرَّغِ كَما سَمِعْتَ لِإظْهارِ اَلْمَعْنى والإيماءِ إلى أنَّهُ لا يَحْتاجُ في مَثَلِهِ إلى حَذْفٍ مِنَ اَلْأوَّلَيْنِ أعْنِي ما تَخْرُجُ وما تَحْمِلُ وهو قَرِيبٌ مِن أُسْلُوبِ
وقَدْ حِيلَ بَيْنَ اَلْعِيرِ والنَّزَوانِ
لِأنَّ خَرَجَ زَيْدٌ مَعْناهُ حَدَثَ خُرُوجُهُ كَما أنَّ مَعْنى ذَلِكَ فِعْلُ اَلْحَيْلُولَةِ ولَيْسَ ذاكَ مِن بابِ اَلِاسْتِثْناءِ اَلْمُتَعَقِّبِ لِجُمَلٍ والخِلافُ في مُتَعَلِّقِهِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ اَلْمُفَرَّغِ فَقَدْ ذَكَرَ اَلنَّحْوِيُّونَ في بابِ اَلتَّنازُعِ وإنْ كانَ مَنفِيًّا بِإلّا فالحَذْفُ لَيْسَ إلّا ولَوْ كانَ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِاتِّحادِ اَلْجُمَلِ في اَلْمَقْصُودِ وظُهُورِ قَرِينَةِ اَلرُّجُوعِ إلى اَلْكُلِّ، والكَلامُ عَلى ما في شَرْحِ اَلتَّأْوِيلاتِ مُتَّصِلٌ بِأمْرِ اَلسّاعَةِ والبَعْثِ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ هَذا كُلَّهُ إلّا اَللَّهُ تَعالى فَذَكَرَ هَذِهِ اَلْأُمُورَ لِمُناسَبَتِها لِعِلْمِ اَلسّاعَةِ وإنَّ اَلْكُلَّ إيجادٌ بَعْدَ اَلْعَدَمِ بِقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ كالبُرْهانِ عَلى اَلْحَشْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ إلَخْ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ إلَخْ؛ فالمَعْنى مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ أنْ تَخْرُجَ اَلثَّمَراتُ وتَحْمِلَ اَلْحَوامِلُ وتَضَعَ حَسْبَ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا، والأوَّلُ أقْرَبُ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِزَعْمِكم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”أيْنَ شُرَكائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ“
صفحة 3
وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَقْرِيعٌ لَهُمْ، و”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ تُرِكَ إيذانًا بِقُصُورِ اَلْبَيانِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وضَمِيرُ ﴿يُنادِيهِمْ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَن عَبَدَ غَيْرَ اَللَّهِ تَعالى فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَبَدَةُ اَلْأوْثانِ.
﴿قالُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ اَلْمُنادَوْنَ ﴿آذَنّاكَ﴾ أيْ أعْلَمْناكَ والمُرادُ بِالإعْلامِ هُنا اَلْإخْبارُ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ فَلا يَصِحُّ إعْلامُهُ بِما هو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِهِ بِخِلافِ اَلْإخْبارِ فَإنَّهُ يَكُونُ لِلْعالِمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ أخْبَرْناكَ ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ أيْ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يَشْهَدُ لَهم بِالشَّرِكَةِ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِ ﴿آذَنّاكَ﴾ وقَدْ عَلَّقَ عَنْها وفي تَعْلِيقِ بابِ أعْلَمَ وأنْبَأ خِلافٌ والصَّحِيحُ أنَّهُ مَسْمُوعٌ في اَلْفَصِيحِ، و﴿شَهِيدٍ﴾ فَعَيْلٌ مِنَ اَلشَّهادَةِ ونَفْيُ اَلشَّهادَةِ كِنايَةٌ عَنِ اَلتَّبَرُّؤِ مِنهم لِأنَّ اَلْكَفَرَةَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أنْكَرُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ تَعالى مَرَّةً وأقَرُّوا بِها وتَبَرَّءُوا عَنْها مَرَّةً أُخْرى وفَسَّرَهُ اَلسَّمَرْقَنْدِيُّ بِالإنْكارِ لِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ اَللَّهِ تَعالى وشِرْكِهِمْ كَذِبًا مِنهم وافْتِراءً كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وظاهِرُ ﴿آذَنّاكَ﴾ يَقْتَضِي سَبْقَ اَلْإيذانِ في جَوابِ أيْنَ شُرَكائِي وإنَّما سُئِلُوا ثانِيًا حَتّى أجابُوا بِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ اَلْجَوابُ لِأنَّهُ تَوْبِيخٌ وفي إعادَةِ اَلتَّوْبِيخِ مِن تَأْكِيدِ أمْرِ اَلْجِنايَةِ وتَقْبِيحِ حالِ مَن يَرْتَكِبُها ما لا يَخْفى، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ اَلْمُرادَ إحْداثُ إيذانٍ لا إخْبارٌ عَنْ إيذانٍ سابِقٍ عَلى نَحْوِ طَلَّقْتُ وأمْثالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إخْبارٌ بِإعْلامٍ سابِقٍ وذَلِكَ اَلْإعْلامُ اَلسّابِقُ ما عَلِمَهُ تَعالى مِن بَواطِنِهِمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أنَّهم لَمْ يَبْقَوْا عَلى اَلشِّرْكِ وعَلى تِلْكَ اَلشَّهادَةِ وكَأنَّهُ إعْلامٌ مِنهم بِلِسانِ اَلْحالِ وهَذا لا يَقْتَضِي سَبْقَ سُؤالٍ ولا جَوابٍ وفِيهِ حُسْنُ أدَبٍ كَأنَّهم يَقُولُونَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ في اَلْجَوابِ.
قالَ في اَلْكَشْفِ: وهَذا اَلْوَجْهُ هو اَلْمُخْتارُ لِاشْتِمالِهِ عَلى اَلنُّكْتَةِ اَلْمَذْكُورَةِ وما في اَلْآخَرِينَ مِن سُوءِ اَلْأدَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى آذَنّاكَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يُشاهِدُهم فَشَهِيدٌ مِنَ اَلشُّهُودِ بِمَعْنى اَلْحُضُورِ والمُشاهَدَةِ ونَفْيِ مُشاهَدَتِهِمُ اَلظّاهِرَ أنَّهُ عَلى اَلْحَقِيقَةِ وذَلِكَ في مَوْقِفِ وجَعْلِ بَعْضِ اَلْعَبَدَةِ مُقِرِّينَ بِمَعْبُوداتِهِمْ في آخَرَ فَلا تَنافِيَ بَيْنَهُما، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى شَرِيكٌ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا نَرى لَكَ مَثَلًا تُرِيدُ لا مَثَلَ لَكَ لِنَراهُ، والكَلامُ في ﴿آذَنّاكَ﴾ عَلى ما آذَنّاكَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿قالُوا﴾ لِلشُّرَكاءِ أيْ قالَ اَلشُّرَكاءُ: لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم كانُوا مُحِقِّينَ فَشَهِيدٌ مِنَ اَلشَّهادَةِ لا غَيْرَ، والمُرادُ اَلتَّبَرُّؤُ مِنهم وفِيهِ تَفْكِيكُ اَلضَّمائِرِ،
فصلت 41:48
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ﴾ عَلى ما قِيلَ: إنَّ شُرَكاءَهُمُ اَلَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم مِن قَبْلُ ويَرْجُونَ نَفْعَهم غابُوا عَنْهم عَلى أنَّ اَلضَّلالَ عَلى مَعْناهُ اَلْحَقِيقِيِّ وهو اَلَّذِي يُقابِلُ اَلْوِجْدانَ أوْ أنَّ شُرَكاءَهم لَمْ يَنْفَعُوهم بِشَيْءٍ عَلى أنَّ اَلضَّلالَ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ اَلنَّفْعِ و(ما) اِسْمُ مَوْصُولٍ عِبارَةً عَنِ اَلشُّرَكاءِ، ويَحْسُنُ جَمْعُ مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ في اَلتَّعْبِيرِ بِما في مِثْلِ هَذا اَلْمَقامِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما عِبارَةً عَنِ اَلْقَوْلِ اَلَّذِي كانُوا يَقُولُونَهُ في شَأْنِ اَلشُّرَكاءِ مِن أنَّهم آلِهَةٌ وشُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمَعْنى نَسُوا ما كانُوا يَقُولُونَهُ في شَأْنِ شُرَكائِهِمْ مِن نِسْبَةِ اَلْأُلُوهِيَّةِ إلَيْهِمْ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَها مَصْدَرِيَّةً والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا وأنْ تَكُونَ اِعْتِراضًا، وذَكَرَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ اَلْأخِيرُ عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿قالُوا﴾ لِلشُّرَكاءِ وكَوْنِ اَلضَّلالِ مَجازًا عَنْ عَدَمِ اَلنَّفْعِ فَتَدَبَّرْ ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ أيْقَنُوا كَما قالَ اَلسُّدِّيُّ وغَيْرُهُ لِأنَّهُ لا اِحْتِمالَ لِغَيْرِهِ هُنا والظَّنُّ يَكُونُ بِمَعْنى اَلْعِلْمِ كَثِيرًا ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مَهْرَبٍ، والظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ في مَحَلِّ نَصْبٍ سادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وهي مُعَلَّقَةٌ عَنْها بِحَرْفِ اَلنَّفْيِ، وقِيلَ: تَمَّ اَلْكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وظَنُّوا﴾ والظَّنُّ
صفحة 4
عَلى ظاهِرِهِ أيْ وتَرَجَّحَ عِنْدَهم أنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ مَنجاةٌ لَهم أوْ أمْرٌ يُمَوِّهُونَ بِهِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنِفَةٌ أيْ لا يَكُونُ لَهم مَنجًى أوْ مَوْضِعَ رَوَغانٍ
فصلت 41:49
﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ لا يَمَلُّ ولا يَفْتُرُ ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ مِن طَلَبِ اَلسَّعَةِ في اَلنِّعْمَةِ وأسْبابِ اَلْمَعِيشَةِ، ( ودُعاءِ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مِن دُعاءِ اَلْخَيْرِ هو.
وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ) بِباءٍ داخِلَةٍ عَلى اَلْخَيْرِ ﴿وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ اَلضِّيقَةُ والعُسْرُ ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ أيْ فَهو يَئُوسٌ قُنُوطٌ مِن فَضْلِ اَللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، وهَذا صِفَةُ اَلْكافِرِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في اَلْوَلِيدِ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ، وقِيلَ: في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وقَدْ بُولِغَ في يَأْسِهِ مِن جِهَةِ اَلصِّيغَةِ لِأنَّ فَعُولًا مِن صِيَغِ اَلْمُبالَغَةِ ومِن جِهَةِ اَلتَّكْرارِ اَلْمَعْنَوِيِّ فَإنَّ اَلْقُنُوطَ أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ اَلْيَأْسِ فَيَتَضاءَلَ ويَنْكَسِرَ، ولَمّا كانَ أثَرُهُ اَلدّالُّ عَلَيْهِ لا يُفارِقُهُ كانَ في ذِكْرِهِ ذِكْرُهُ ثانِيًا بِطَرِيقٍ أبْلَغَ، وقَدَّمَ اَلْيَأْسَ لِأنَّهُ صِفَةُ اَلْقَلْبِ وهو أنْ يَقْطَعَ رَجاءَهُ مِنَ اَلْخَيْرِ وهي اَلْمُؤَثِّرَةُ فِيما يَظْهَرُ عَلى اَلصُّورَةِ مِنَ اَلتَّضاؤُلِ والِانْكِسارِ
فصلت 41:50
﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ أيْ لَئِنْ فَرَّجْنا عَنْهُ بِصِحَّةٍ بَعْدَ مَرَضٍ أوْ سَعَةٍ بَعْدَ ضِيقٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ حَقِّي أسْتَحِقُّهُ لِما لِي مِنَ اَلْفَضْلِ والعَمَلِ لا تَفَضُّلٌ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فاللّامُ لِلِاسْتِحْقاقِ أوْ هو لِي دائِمًا لا يَزُولُ فاللّامُ لِلْمِلْكِ وهو يَشْعُرُ بِالدَّوامِ ولَعَلَّ اَلْأوَّلَ أقْرَبُ.
﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ تَقُومُ فِيما سَيَأْتِي ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي﴾ عَلى تَقْدِيرِ قِيامِها ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أيْ لَلْحالَةَ اَلْحُسْنى مِنَ اَلْكَرامَةِ، والتَّأْكِيدُ بِالقَسَمِ هُنا لَيْسَ لِقِيامِ اَلسّاعَةِ بَلْ لِكَوْنِهِ مَجْزِيًّا بِالحُسْنى بِاسْتِحْقاقِهِ لِلْكَرامَةِ لِاعْتِقادِهِ أنَّ ما أصابَهُ مِن نِعَمِ اَلدُّنْيا لِاسْتِحْقاقِهِ لَهُ وأنَّ نِعَمَ اَلْآخِرَةِ كَذَلِكَ فَلا تَنافِيَ بَيْنَ أنَّ اَلَّتِي اَلْأصْلُ فِيها أنْ تُسْتَعْمَلَ لِغَيْرِ اَلْمُتَّقِينَ وبَيْنَ اَلتَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ وإنَّ واللّامِ وتَقْدِيمِ اَلظَّرْفَيْنِ وصِيغَةِ اَلتَّفْضِيلِ ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ لَنُعْلِمَنَّهم بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ ولَنُبْصِرَنَّهم بِعَكْسِ ما اِعْتَقَدُوا فِيها فَيَظْهَرُ لَهم أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْإهانَةِ لا اَلْكَرامَةِ كَما تَوَهَّمُوا ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ لا يُمْكِنُهُمُ اَلتَّفَصِّي عَنْهُ لِشِدَّتِهِ فَهو كَوِثاقٍ غَلِيظٍ لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ
فصلت 41:51
﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ اَلشُّكْرِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ تَكَبَّرَ واخْتالَ عَلى أنَّ اَلْجانِبَ بِمَعْنى اَلنّاحِيَةِ والمَكانِ ثُمَّ نَزَلَ مَكانَ اَلشَّيْءِ وجِهَتَهُ كِنايَةُ مَنزِلَةِ اَلشَّيْءِ نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ وقَوْلُ اَلشّاعِرِ:
ذَعَرْتُ بِهِ اَلْقَطا ونُفِيتُ عَنْهُ مَقامَ اَلذِّئْبِ كالرَّجُلِ اَللَّعِينِ
وقَوْلُ اَلْكُتّابِ حَضْرَةُ فُلانٍ ومَجْلِسُهُ اَلْعالِي وكَتَبْتُ إلى جِهَتِهِ وإلى جانِبِهِ اَلْعَزِيزِ يُرِيدُونَ نَفْسَهُ وذاتَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَأى بِنَفْسِهِ ثُمَّ كَنّى بِنَفْسِهِ عَنِ اَلتَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ﴿بِجانِبِهِ﴾ عَطْفُهُ ويَكُونَ عِبارَةً عَنِ اَلِانْحِرافِ والِازْوِرارِ كَما قالُوا: ثَنى عِطْفَهُ وتَوَلّى بِرُكْنِهِ والأوَّلُ مُشْتَمِلٌ عَلى كِنايَتَيْنِ، وضْعِ اَلْجانِبِ مَوْضِعَ اَلنَّفْسِ والتَّعْبِيرِ عَنِ اَلتَّكَبُّرِ اَلْبالِغِ بِنَحْوِ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وهَذا عَلى واحِدَةٍ عَلى ما في اَلْكَشْفِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اَلْجانِبَ والجَنْبَ حَقِيقَةً كالعِطْفِ في اَلْجارِحَةِ وأحَدَ شِقَّيِ اَلْبَدَنِ مَجازًا في اَلْجِهَةِ فَلا تَغْفُلْ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ نَأى بِجانِبِهِ إنْ نَهَضَ بِهِ وهو عِبارَةٌ عَنِ اَلتَّكَبُّرِ كَشَمَخَ بِأنْفِهِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ ثُمَّ إنَّ اَلتَّعْبِيرَ عَنْ ذاتِ اَلشَّخْصِ بِنَحْوِ اَلْمَقامِ والمَجْلِسِ كَثِيرًا ما يَكُونُ لِقَصْدِ اَلتَّعْظِيمِ والِاحْتِشامِ عَنِ اَلصَّرِيحِ بِالِاسْمِ وهو يَتْرُكُونَ اَلتَّصْرِيحَ بِهِ عِنْدَ
صفحة 5
إرادَةِ تَعْظِيمِهِ قالَ زُهَيْرٌ:
فَعَرِّضْ إذا ما جِئْتَ بِالبانِ والحِمى ∗∗∗ وإيّاكَ أنْ تَنْسى فَتَذْكُرَ زَيْنَبا
سَيَكْفِيكَ مِن ذاكَ اَلْمُسَمّى إشارَةً ∗∗∗ فَدَعْهُ مَصُونًا بِالجَلالِ مُحَجَّبا
ومِن هُنا قالَ اَلطَّيِّبِيُّ: إنَّ ما هُنا وارِدٌ عَلى اَلتَّهَكُّمِ. وقُرِئَ (ونَآ) بِإمالَةِ اَلْألِفِ وكَسْرِ اَلنُّونِ لِلْإتْباعِ (وناءَ) عَلى اَلْقَلْبِ كَما قالُوا راءَ في رَأى ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أيْ كَثِيرٍ مُسْتَمِرٍّ مُسْتَعارٍ مِمّا لَهُ عَرْضٌ مُتَّسِعٌ وأصْلُهُ مِمّا يُوصَفُ بِهِ اَلْأجْسامُ وهو أقْصَرُ اَلِامْتِدادَيْنِ وأطْوَلُهُما هو اَلطُّولُ، ويُفْهَمُ في اَلْعُرْفِ مِنَ اَلْعَرِيضِ اَلِاتِّساعُ وصِيغَةُ اَلْمُبالَغَةِ وتَنْوِينُ اَلتَّكْثِيرِ يُقَوِّيانِ ذَلِكَ، ووَصْفُ اَلدُّعاءِ بِما ذُكِرَ يَسْتَلْزِمُ عِظَمَ اَلطُّولِ أيْضًا لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أزْيَدَ مِنَ اَلْعَرْضِ وإلّا لَمْ يَكُنْ طُولًا، والِاسْتِعارَةُ في كُلٍّ مِنَ اَلدُّعاءِ والعَرِيضِ جائِزَةٌ ولا يَخْفى كَيْفِيَّةُ إجْرائِها.
وذَكَرَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلْآياتِ قَدْ تَضَمَّنَتْ ضَرْبَيْنِ مِن طُغْيانِ جِنْسِ اَلْإنْسانِ فالأوَّلَ في بَيانِ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى اَلْجَمْعِ وشِدَّةِ جَزَعِهِ عَلى اَلْفَقْدِ والتَّعْرِيضِ بِتَظْلِيمِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ ﴿هَذا لِي﴾ مُدْمِجًا فِيهِ سُوءَ اِعْتِقادِهِ في اَلْمَعادِ اَلْمُسْتَجْلِبِ لِتِلْكَ اَلْمَساوِئِ كُلِّها، والثّانِيَ في بَيانِ طَيْشِهِ اَلْمُتَوَلِّدِ عَنْهُ إعْجابُهُ واسْتِكْبارُهُ عِنْدَ وُجُودِ اَلنِّعْمَةِ واسْتِكانَتُهُ عِنْدَ فَقْدِها وقَدْ ضُمِّنَ في ذَلِكَ ذَمُّهُ بِشَغْلِهِ عَنِ اَلْمُنْعِمِ في اَلْحالَتَيْنِ، أمّا في اَلْأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا في اَلثّانِي فَلِأنَّ اَلتَّضَرُّعَ جَزَعًا عَلى اَلْفَقْدِ لَيْسَ رُجُوعًا إلى اَلْمُنْعِمِ بَلْ تَأسُّفٌ عَلى اَلْفَقْدِ اَلْمُشْغِلِ عَنِ اَلْمُنْعِمِ كُلَّ اَلْإشْغالِ، وذُكِرَ أنَّ في ذِكْرِ اَلْوَصْفَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَدِيمُ اَلنُّهْيَةِ أيِ اَلْعَقْلِ ضَعِيفُ اَلْمِنَّةِ أيِ اَلْقُوَّةِ فَإنَّ اَلْيَأْسَ والقُنُوطَ يُنافِيانِ اَلدُّعاءَ اَلْعَرِيضَ وأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ كالغَرِيقِ اَلْمُتَمَسِّكِ بِكُلِّ شَيْءٍ اِنْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ جَوابُ ما قِيلَ: كَوْنُهُ يَدْعُو دُعاءً عَرِيضًا مُتَكَرِّرًا يُنافِي وصْفَهُ بِأنَّهُ يَئُوسٌ قُنُوطٌ لِأنَّ اَلدُّعاءَ فَرْعُ اَلطَّمَعِ والرَّجاءِ وقَدِ اعْتُبِرَ في اَلْقُنُوطِ ظُهُورُ أثَرِ اَلْيَأْسِ فَظُهُورُ ما يَدُلُّ عَلى اَلرَّجاءِ يَأْباهُ، وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اَلْحالُ اَلثّانِي شَأْنُ بَعْضٍ غَيْرِ اَلْبَعْضِ اَلَّذِي حَكى عَنْهُ اَلْيَأْسَ والقُنُوطَ أوْ شَأْنُ اَلْكُلِّ في بَعْضِ اَلْأوْقاتِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ عَلى أنَّ اَلْإيجازَ غَيْرُ اَلِاخْتِصارِ وفَسَّرَهُ لِهَذِهِ اَلْآيَةِ بِحَذْفِ تَكْرِيرِ اَلْكَلامِ مَعَ اِتِّحادِ اَلْمَعْنى والإيجازُ بِحَذْفِ طُولِهِ وهو اَلْإطْنابُ وهو اِسْتِدْلالٌ بِما لا يَدُلُّ إذْ لَيْسَ فِيها حَذْفُ ذَلِكَ اَلْعَرْضِ فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ
فصلت 41:52
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ إلَخْ رُجُوعٌ لِإلْزامِ اَلطّاعِنِينَ والمُلْحِدِينَ وخَتْمٌ لِلسُّورَةِ بِما يُلْتَفَتُ لَفْتُ بَدَئِها وهو مِنَ اَلْكَلامِ اَلْمُنْصِفِ وفِيهِ حَثٌّ عَلى اَلتَّأمُّلِ واسْتِدْراجٌ لِلْإقْرارِ مَعَ ما فِيهِ مِن سِحْرِ اَلْبَيانِ وحَدِيثُ اَلسّاعَةِ وقَعَ في اَلْبَيْنِ تَتْمِيمًا لِلْوَعِيدِ وتَنْبِيهًا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ اَلضَّلالِ اَلْبَعِيدِ كَذا قِيلَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى بَسْطُ اَلْكَلامِ في ذَلِكَ، ومَعْنى﴿أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ﴾ أيِ اَلْقُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ اَلْإيمانِ بِهِ، و﴿ثُمَّ﴾ كَما قالَ اَلنَّيْسابُورِيُّ لِلتَّراخِي اَلرُّتْبِيِّ ﴿مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ﴾ أيْ خِلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ غايَةَ اَلْبُعْدِ عَنِ اَلْحَقِّ، والمُرادُ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ اَلْمُخاطَبُونَ، ووَضَعَ اَلظّاهِرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ شَرْحًا لِحالِهِمْ بِالصِّلَةِ وتَعْلِيلًا لِمَزِيدِ ضَلالِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿مَن أضَلُّ﴾ عَلى ما قالَ اِبْنُ اَلشَّيْخِ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ”رَأيْتُمْ“ وفي اَلْبَحْرِ اَلْمَفْعُولُ اَلْأوَّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أرَأيْتُمْ أنْفُسَكم والثّانِي هو جُمْلَةُ اَلِاسْتِفْهامِ، وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، قالَ اَلنَّيْسابُورِيُّ:
تَقْدِيرُهُ مَثَلًا فَمَن أضَلُّ مِنكُمْ، وقِيلَ: إنْ كانَ مِن عِنْدِ اَللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ فَأخْبِرُونِي مَن أضَلُّ مِنكُمْ، ولَعَلَّهُ اَلْأظْهَرُ.
فصلت 41:53
صفحة 6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ إلَخْ مُرْتَبِطٌ عَلى ما اِخْتارَهُ صاحِبُ اَلْكَشّافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ إلَخْ عَلى وجْهِ اَلتَّتْمِيمِ والإرْشادِ إلى ما ضُمِّنَ مِنَ اَلْحَثِّ عَلى اَلنَّظَرِ لِيُؤَدِّيَ إلى اَلْمَقْصُودِ فَيُهْدَوْا إلى إعْجازِهِ ويُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ ويَفُوزُوا كُلَّ اَلْفَوْزِ، وفَسَّرَ اَلْآياتِ بِما أجْرى اَللَّهُ تَعالى عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى أيْدِي خُلَفائِهِ وأصْحابِهِمْ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ اَلْفُتُوحاتِ اَلدّالَّةِ عَلى قُوَّةِ اَلْإسْلامِ وأهْلِهِ ووَهَنِ اَلْباطِلِ وحِزْبِهِ، والآفاقُ اَلنَّواحِي اَلْواحِدُ أُفُقٌ بِضَمَّتَيْنِ وأفَقٌ بِفُتْحَتَيْنِ أيْ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في اَلنَّواحِي عُمُومًا مِن مَشارِقِ اَلْأرْضِ ومَغارِبِها وشَمالِها وجَنُوبِها، وفِيهِ أنَّ هَذِهِ اَلْإرادَةَ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ حَقٌّ لا يَحُومُ حَوْلَها رِيبَةٌ ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ في بِلادِ اَلْعَرَبِ خُصُوصًا وهو مِن عَطْفِ جِبْرِيلَ عَلى مَلائِكَتِهِ، وفي اَلْعُدُولِ عَنْها إلى اَلْمَنزِلِ ما لا يَخْفى مِن تَمْكِينِ ذَلِكَ اَلنَّصْرِ وتَحْقِيقِ دَلالَتِهِ عَلى حَقِّيَةِ اَلْمَطْلُوبِ إثْباتُهُ وإظْهارِ أنَّ كَوْنَهُ آيَةً بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْأنْفُسِ وإنْ كانَ كَوْنُهُ فَتْحًا بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْأرْضِ والبَلْدَةِ ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ يَظْهَرَ ﴿لَهم أنَّهُ﴾ أيِ اَلْقُرْآنَ هو ﴿الحَقُّ﴾ اَلَّذِي لا يَأْتِيهِ اَلْباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ فَهو اَلْحَقُّ كُلُّهُ مِن عِنْدِ اَللَّهِ تَعالى اَلْمُطَّلِعِ عَلى كُلِّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ فَلِهَذا نُصِرَ حامِلُوهُ وكانُوا مُحِقِّينَ، وفي اَلتَّعْرِيفِ مِنَ اَلْفَخامَةِ ما لا يَخْفى جَلالَةً وقَدْرًا، وفِيما ذَكَرَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَزالُ يُنْشِئُ فَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ وآيَةً غِبَّ آيَةٍ إلى أنْ يُظْهِرَهُ عَلى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ فانْظُرْ إلى هَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْجامِعَةِ كَيْفَ دَلَّتْ عَلى حَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ عَلى وجْهٍ تَضَمَّنَ حَقِّيَةَ أهْلِهِ ونُصْرَتِهِمْ عَلى اَلْمُخالِفِينَ وأعْظِمْ بِذاكَ تَسَلِّيًا عَمّا أشْعَرَتْ بِهِ اَلْآيَةُ اَلسّابِقَةُ مِنَ اِنْهِماكِهِمْ في اَلْباطِلِ إلى حَدٍّ يُقَرِّبُ مِنَ اَلْيَأْسِ، وقِيلَ: اَلضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ اَلدِّينِ أوِ اَلتَّوْحِيدِ ولَعَلَّ اَلْأوَّلَ أوْلى ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ اِسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى إنْكارِهِمْ تَحَقُّقَ اَلْإرادَةِ.
والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ عَلى أحَدِ اَلرَّأْيَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اَلْهَمْزَةُ يَقْتَضِيهِ اَلْمَقامُ والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ و(رَبُّكَ) فاعِلُ كَفى وزِيادَةُ اَلْباءِ في فاعِلِها هو اَلْقَوْلُ اَلْمَشْهُورُ اَلْمَرْضِيُّ لِلنُّحاةِ وتُزادُ في فاعِلِ فِعْلِ اَلتَّعَجُّبِ أيْضًا نَحْوَ أحْسِنْ بِزَيْدٍ فَإنَّ أحْسِنْ فِعْلٌ ماضٍ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ اَلْأمْرِ والباءُ زائِدَةٌ وزَيْدٌ فاعِلٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ اَلنَّحْوِيِّينَ ولا تَكادُ تُزادُ في غَيْرِهِما، وقَوْلُهُ:
ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تُنْمى بِما لاقَتْ لُبُونُ بَنِي زِيادِ
شاذٌّ قَبِيحٌ عَلى ما قالَ اَلشِّهابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْفاعِلِ بَدَلُ اِشْتِمالٍ، وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ حَرْفِ اَلْجَرِّ أيْ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ رَبُّكَ بِأنَّهُ إلَخْ، وما لِلنَّحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ مِنَ اَلْكَلامِ شَهِيرٌ، أيْ أنْكَرُوا إراءَةَ ذَلِكَ اَلدّالَّةَ عَلى حَقِّيَّةِ اَلْقُرْآنِ ولَمْ يَكْفِهِمْ دَلِيلًا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ ومِن ذَلِكَ حالُهم وحالُكَ اَلْمُوجِبانِ حِكْمَةَ نَصْرِكَ عَلَيْهِمْ وخِذْلانَهُمْ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ نَزَلَ مُنْزِلَةَ اَلْمَعْلُومِ لَهم.
وفِي اَلْكَشْفِ أيْ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ سُبْحانَهُ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَوِي عِنْدَهُ غَيْبُ اَلْأشْياءِ وشَهادَتُها عَلى مَعْنى أوَلَمْ يَكْفِهِمْ هَذِهِ اَلْإراءَةُ دَلِيلًا قاطِعًا ولَمّا كانَ ما وعَدَهُ غَيْبًا عَنْهم كَيْفَ وقَدْ نَزَلَ وهم في حالِ ضَعْفٍ وقِلَّةٌ يُقاسُونَ ما يُقاسُونَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ قِيلَ: أوَلَمْ يَكْفِهِمُ اِطِّلاعُ مَن هَذا اَلْكِتابُ اَلْحَقُّ مِن عِنْدِهِ عَلى كُلِّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ دَلِيلًا عَلى كَيْنُونَةِ اَلْإراءَةِ وإحْضارِ ذَلِكَ اَلْغَيْبِ عِنْدَهم إذْ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي اَلْعُدُولِ إلى هَذِهِ اَلْعِبارَةِ فائِدَتانِ: إحْداهُما تَحْقِيقُ إنْجازِ ذَلِكَ اَلْمَوْعِدِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ بِذِكْرِ اَلدَّلِيلِ اَلْقاطِعِ عَلى اَلْوُقُوعِ. والثّانِيَةُ اَلدَّلالَةُ
صفحة 7
عَلى أنَّ هَذِهِ اَلْإراءَةَ اَلْآنَ وهم في ضَعْفٍ وقِلَّةٍ قَدْ تَمَّتْ بِالنِّسْبَةِ إلى إثْباتِ حَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وعَلِمَ أنَّ اَلْقُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن عِنْدِهِ عَلِمَ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ حَقٌّ وصِدْقٌ فَعَلِمَ أنَّ تِلْكَ اَلنُّصْرَةَ كائِنَةٌ.
والحاصِلُ أنَّهُ كَما يُسْتَدَلُّ مِن تِلْكَ اَلْآياتِ عَلى حَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ وحَقِّيَةِ أهْلِهِ تارَةً يَسْتَدِلُّ مِن إعْجازِ اَلْقُرْآنِ عَلى حَقِّيَةِ تِلْكَ اَلْآياتِ وُقُوعًا وحَقِّيَةِ أهْلِ اَلْإسْلامِ أُخْرى فَأدّى اَلْمَعْنَيانِ في عِبارَةٍ جامِعَةٍ تُؤَدِّي اَلْغَرَضَيْنِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ أتَمُّ مِنهُ اِنْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ في اَلْآيَةِ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ اَلْإلْغازِ، وقِيلَ: أيْ ألَمْ يُغْنِهِمْ عَنْ إراءَةِ اَلْآياتِ اَلْمَوْعُودَةِ اَلْمُبَيِّنَةِ لِحَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ ولَمْ يَكْفِهِمْ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى جَمِيعِ اَلْأشْياءِ وقَدِ اخْبَرَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: اَلْمَعْنى ولَمْ يَكْفِكَ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُحَقِّقٌ لَهُ فَيُحَقِّقُ أمْرَكَ بِإظْهارِ اَلْآياتِ اَلْمَوْعُودَةِ كَما حَقَّقَ سائِرَ اَلْأشْياءِ اَلْمَوْعُودَةِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ مَعَ إيهامِهِ ما لا يَلِيقُ بِجَلالَةِ مَنصِبِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلتَّرَدُّدِ فِيما ذُكِرَ مِن تَحَقُّقِ اَلْمَوْعُودِ لا يُلائِمُ