Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الزخرف 43:1 – الدخان 44:59

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الزخرف 43:1
  2. الزخرف 43:2
  3. الزخرف 43:3
  4. الزخرف 43:4
  5. الزخرف 43:5
  6. الزخرف 43:6
  7. الزخرف 43:7
  8. الزخرف 43:8
  9. الزخرف 43:9
  10. الزخرف 43:10
  11. الزخرف 43:11
  12. الزخرف 43:12
  13. الزخرف 43:13
  14. الزخرف 43:14
  15. الزخرف 43:15
  16. الزخرف 43:16
  17. الزخرف 43:17
  18. الزخرف 43:18
  19. الزخرف 43:19
  20. الزخرف 43:20
  21. الزخرف 43:21
  22. الزخرف 43:22
  23. الزخرف 43:23
  24. الزخرف 43:24
  25. الزخرف 43:25
  26. الزخرف 43:26
  27. الزخرف 43:27
  28. الزخرف 43:28
  29. الزخرف 43:29
  30. الزخرف 43:30
  31. الزخرف 43:31
  32. الزخرف 43:32
  33. الزخرف 43:33
  34. الزخرف 43:34
  35. الزخرف 43:35
  36. الزخرف 43:36
  37. الزخرف 43:37
  38. الزخرف 43:38
  39. الزخرف 43:39
  40. الزخرف 43:40
  41. الزخرف 43:41
  42. الزخرف 43:42
  43. الزخرف 43:43
  44. الزخرف 43:44
  45. الزخرف 43:45
  46. الزخرف 43:46
  47. الزخرف 43:47
  48. الزخرف 43:48
  49. الزخرف 43:49
  50. الزخرف 43:50
  51. الزخرف 43:51
  52. الزخرف 43:52
  53. الزخرف 43:53
  54. الزخرف 43:54
  55. الزخرف 43:55
  56. الزخرف 43:56
  57. الزخرف 43:57
  58. الزخرف 43:58
  59. الزخرف 43:59
  60. الزخرف 43:60
  61. الزخرف 43:61
  62. الزخرف 43:62
  63. الزخرف 43:63
  64. الزخرف 43:64
  65. الزخرف 43:65
  66. الزخرف 43:66
  67. الزخرف 43:67
  68. الزخرف 43:68
  69. الزخرف 43:69
  70. الزخرف 43:70
  71. الزخرف 43:71
  72. الزخرف 43:72
  73. الزخرف 43:73
  74. الزخرف 43:74
  75. الزخرف 43:75
  76. الزخرف 43:76
  77. الزخرف 43:77
  78. الزخرف 43:78
  79. الزخرف 43:79
  80. الزخرف 43:80
  81. الزخرف 43:81
  82. الزخرف 43:82
  83. الزخرف 43:83
  84. الزخرف 43:84
  85. الزخرف 43:85
  86. الزخرف 43:86
  87. الزخرف 43:87
  88. الزخرف 43:88
  89. الزخرف 43:89
  90. الدخان 44:1
  91. الدخان 44:2
  92. الدخان 44:3
  93. الدخان 44:4
  94. الدخان 44:5
  95. الدخان 44:6
  96. الدخان 44:7
  97. الدخان 44:8
  98. الدخان 44:9
  99. الدخان 44:10
  100. الدخان 44:11
  101. الدخان 44:12
  102. الدخان 44:13
  103. الدخان 44:14
  104. الدخان 44:15
  105. الدخان 44:16
  106. الدخان 44:17
  107. الدخان 44:18
  108. الدخان 44:19
  109. الدخان 44:20
  110. الدخان 44:21
  111. الدخان 44:22
  112. الدخان 44:23
  113. الدخان 44:24
  114. الدخان 44:25
  115. الدخان 44:26
  116. الدخان 44:27
  117. الدخان 44:28
  118. الدخان 44:29
  119. الدخان 44:30
  120. الدخان 44:31
  121. الدخان 44:32
  122. الدخان 44:33
  123. الدخان 44:34
  124. الدخان 44:35
  125. الدخان 44:36
  126. الدخان 44:37
  127. الدخان 44:38
  128. الدخان 44:39
  129. الدخان 44:40
  130. الدخان 44:41
  131. الدخان 44:42
  132. الدخان 44:43
  133. الدخان 44:44
  134. الدخان 44:45
  135. الدخان 44:46
  136. الدخان 44:47
  137. الدخان 44:48
  138. الدخان 44:49
  139. الدخان 44:50
  140. الدخان 44:51
  141. الدخان 44:52
  142. الدخان 44:53
  143. الدخان 44:54
  144. الدخان 44:55
  145. الدخان 44:56
  146. الدخان 44:57
  147. الدخان 44:58
  148. الدخان 44:59

الزخرف 43:1

سُورَةُ اَلزُّخْرُفِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وحَكى اِبْنُ عَطِيَّةَ إجْماعَ أهْلِ اَلْعِلْمِ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُنْقَلِ اِسْتِثْناءٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ بِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ كَذا في مَجْمَعِ اَلْبَيانِ، وفي اَلْإتْقانِ نَزَلَتْ بِالسَّماءِ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ، وعَدَدُ آيِها ثَمانٌ وثَمانُونَ في اَلشّامِيِّ وتِسْعٌ وثَمانُونَ في غَيْرِهِ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ مُفْتَتَحِها لِمُخْتَتَمِ ما قَبْلَها ظاهِرٌ. بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿حم﴾ اَلْكَلامُ فِيهِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ في مُفْتَتَحِ يس ﴿والكِتابِ﴾ أيِ اَلْقُرْآنِ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُهُ، وجُوِّزَ إرادَةُ جِنْسِهِ اَلصّادِقِ بِبَعْضِهِ وكُلِّهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ أوِ اَلْمَكْتُوبِ في اَللَّوْحِ أوِ اَلْمَعْنى اَلْمَصْدَرِيِّ وهو اَلْكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِها لِما فِيها مِن عَظِيمِ اَلْمَنافِعِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، والأوْلى عَلى تَقْدِيرِ اِسْمِيَّةِ (حم) كَوْنُهُ اِسْمًا لِلْقُرْآنِ وأنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِالكِتابِ وهو مُقْسَمٌ بِهِ إمّا اِبْتِداءً أوْ عَطْفًا عَلى (حم) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ اَلْقَسَمِ عَلى أنَّ مَدارَ اَلْعَطْفِ اَلْمُغايِرَةُ في اَلْعُنْوانِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلى هَذا حَذْفُ حَرْفِ اَلْجَرِّ وإبْقاءُ عَمَلِهِ كَما فِي: أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ اَلْأصابِعِ ومَنعُ أنْ يُقْسَمَ بِشَيْئَيْنِ بِحَرْفٍ واحِدٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ومَناطُ تَكْرِيرِ اَلْقَسَمِ اَلْمُبالَغَةُ في تَأْكِيدِ اَلْجُمْلَةِ اَلْقَسَمِيَّةِ ﴿المُبِينِ﴾ أيِ اَلْمُبِينِ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ بِلُغَتِهِمْ وعَلى أسالِيبِ كَلامِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن أبانَ اَللّازِمِ أوِ اَلْمُبِينِ لِطَرِيقِ اَلْهُدى مِن طَرِيقِ اَلضَّلالَةِ اَلْمُوَضِّحِ لِأصُولَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في أبْوابِ اَلدِّيانَةِ عَلى أنَّهُ مِن أبانَ اَلْمُتَعَدِّي.

الزخرف 43:2

سُورَةُ اَلزُّخْرُفِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وحَكى اِبْنُ عَطِيَّةَ إجْماعَ أهْلِ اَلْعِلْمِ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُنْقَلِ اِسْتِثْناءٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ بِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ كَذا في مَجْمَعِ اَلْبَيانِ، وفي اَلْإتْقانِ نَزَلَتْ بِالسَّماءِ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ، وعَدَدُ آيِها ثَمانٌ وثَمانُونَ في اَلشّامِيِّ وتِسْعٌ وثَمانُونَ في غَيْرِهِ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ مُفْتَتَحِها لِمُخْتَتَمِ ما قَبْلَها ظاهِرٌ. بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿حم﴾ اَلْكَلامُ فِيهِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ في مُفْتَتَحِ يس ﴿والكِتابِ﴾ أيِ اَلْقُرْآنِ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُهُ، وجُوِّزَ إرادَةُ جِنْسِهِ اَلصّادِقِ بِبَعْضِهِ وكُلِّهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ أوِ اَلْمَكْتُوبِ في اَللَّوْحِ أوِ اَلْمَعْنى اَلْمَصْدَرِيِّ وهو اَلْكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِها لِما فِيها مِن عَظِيمِ اَلْمَنافِعِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، والأوْلى عَلى تَقْدِيرِ اِسْمِيَّةِ (حم) كَوْنُهُ اِسْمًا لِلْقُرْآنِ وأنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِالكِتابِ وهو مُقْسَمٌ بِهِ إمّا اِبْتِداءً أوْ عَطْفًا عَلى (حم) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ اَلْقَسَمِ عَلى أنَّ مَدارَ اَلْعَطْفِ اَلْمُغايِرَةُ في اَلْعُنْوانِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلى هَذا حَذْفُ حَرْفِ اَلْجَرِّ وإبْقاءُ عَمَلِهِ كَما فِي: أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ اَلْأصابِعِ ومَنعُ أنْ يُقْسَمَ بِشَيْئَيْنِ بِحَرْفٍ واحِدٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ومَناطُ تَكْرِيرِ اَلْقَسَمِ اَلْمُبالَغَةُ في تَأْكِيدِ اَلْجُمْلَةِ اَلْقَسَمِيَّةِ ﴿المُبِينِ﴾ أيِ اَلْمُبِينِ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ بِلُغَتِهِمْ وعَلى أسالِيبِ كَلامِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن أبانَ اَللّازِمِ أوِ اَلْمُبِينِ لِطَرِيقِ اَلْهُدى مِن طَرِيقِ اَلضَّلالَةِ اَلْمُوَضِّحِ لِأصُولَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في أبْوابِ اَلدِّيانَةِ عَلى أنَّهُ مِن أبانَ اَلْمُتَعَدِّي.

الزخرف 43:3

صفحة 64 ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، والجَعْلُ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ اَلْمُعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ لا بِمَعْنى اَلْخَلْقِ اَلْمُعَدّى لِواحِدٍ لا لِأنَّهُ يُنافِي تَعْظِيمَ اَلْقُرْآنِ بَلْ لِأنَّهُ يَأْباهُ ذَوْقُ اَلْمَقامِ اَلْمُتَكَلَّمِ فِيهِ لِأنَّ اَلْكَلامَ لَمْ يَسْبِقْ لِتَأْكِيدِ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا وما كانَ إنْكارُهم مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ بَلْ هو مَسُوقٌ لِإثْباتِ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُفَصَّلًا وارِدًا عَلى أسالِيبِهِمْ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ فَهْمُ ما فِيهِ ودَرَكُ كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ اَلنَّظَرِ اَلرّائِقِ والمَعْنى اَلْفائِقِ وتَقِفُوا عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ اَلشَّواهِدِ اَلنّاطِقَةِ بِخُرُوجِهِ عَنْ طَوْقِ اَلْبَشَرِ وتَعْرِفُوا حَقَّ اَلنِّعْمَةِ في ذَلِكَ وتَنْقَطِعَ أعْذارُكم بِالكُلِّيَّةِ والقَسَمُ بِالقُرْآنِ عَلى ذَلِكَ مِنَ اَلْأيْمانِ اَلْحَسَنَةِ اَلْبَدِيعَةِ لِما فِيهِ مِن رِعايَةِ اَلْمُناسَبَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ أعْلى مِنهُ فَيُقْسَمَ بِهِ ولا أهَمَّ مِن وصْفِهِ فَيُقْسَمَ عَلَيْهِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ: وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضُ ولِآلِ قَوْمٍ وبَرْقٍ ومِيضِ بِناءً عَلى أنَّ جَوابَ اَلْقَسَمِ قَوْلُهُ: إنَّها إغْرِيضُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اَلْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وأطالُوا اَلْكَلامَ في ذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنْ دَلَّ عَلى اَلْمَخْلُوقِيَّةِ فَلا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن مَخْلُوقِيَّةِ اَلْكَلامِ اَللَّفْظِيِّ ولا نِزاعَ فِيها. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اَلْحَنابِلَةَ يُنازِعُونَ في ذَلِكَ ولَهم عَنِ اَلِاسْتِدْلالِ أجْوِبَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِهِمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ مِن حَضْرَمَوْتَ فَقالَ لَهُ: يا اِبْنَ عَبّاسٍ أخْبِرْنِي عَنِ اَلْقُرْآنِ أكَلامٌ مِن كَلامِ اَللَّهِ تَعالى أمْ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ قالَ: بَلْ كَلامٌ مِن كَلامِ اَللَّهِ تَعالى أوَما سَمِعْتَ اَللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فَقالَ لَهُ اَلرَّجُلُ أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ: كَتَبَهُ اَللَّهُ تَعالى في اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ بِالعَرَبِيَّةِ أما سَمِعْتَ اَللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ فَتَأمَّلْ فِيهِ

الزخرف 43:4

﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ في اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ فَإنَّهُ أُمُّ اَلْكُتُبِ اَلسَّماوِيَّةِ أيْ أصْلُها لِأنَّها كُلَّها مَنقُولَةٌ مِنهُ، وقِيلَ: (أُمُّ اَلْكِتابِ) اَلْعِلْمُ اَلْأزَلِيُّ، وقِيلَ: اَلْآياتُ اَلْمُحْكَماتُ والضَّمِيرُ – لِحم - أوْ لِلْكِتابِ بِمَعْنى اَلسُّورَةِ أيْ إنَّها واقِعَةٌ في اَلْآياتِ اَلْمُحْكَماتِ اَلَّتِي هي اَلْأُمُّ وهو كَما تَرى. وقَرَأ اَلْأخَوانِ (إمِّ) بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ لِإتْباعِ اَلْمِيمِ أوِ (اَلْكِتابِ) فَلا تُكْسَرُ في عَدَمِ اَلْوَصْلِ ﴿لَدَيْنا﴾ أيْ عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ رَفِيعُ اَلشَّأْنِ بَيْنَ اَلْكُتُبِ لِإعْجازِهِ واشْتِمالِهِ عَلى عَظِيمِ اَلْأسْرارِ ﴿حَكِيمٌ﴾ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ أوْ مُحْكَمٌ لا يَنْتَسِخُهُ غَيْرُهُ أوْ حاكِمٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ اَلْكُتُبِ وهُما خِبْرانِ لَإنَّ، وفي (أُمِّ اَلْكِتابِ) قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيٍّ واللّامُ لَمّا فارَقَتْ مَحَلَّها وتَغَيَّرَتْ عَنْ أصْلِها بَطَلَتْ صَدارَتُها فَجازَ تَقْدِيمُ ما في حَيِّزِها عَلَيْها أوْ حالٌ مِنهُ لِأنَّهُ صِفَةُ نَكِرَةٍ تَقَدَّمَتْها أوْ مِن ضَمِيرِهِ اَلْمُسْتَتِرِ و(لَدَيْنا) بَدَلٌ مِن (أُمِّ اَلْكِتابِ) وهُما وإنْ كانا مُتَغايِرَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى اَلْمَعْنى مُتَوافِقانِ بِالنَّظَرِ إلى اَلْحاصِلِ أوْ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ اَلْكِتابِ فَإنَّ اَلْمُضافَ في حُكْمِ اَلْجُزْءِ لِصِحَّةِ سُقُوطِهِ، ولَعَلَّ اَلْمُخْتارَ كَوْنُ اَلظَّرْفَيْنِ في مَوْضِعِ اَلْخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَحَلِّ اَلْحُكْمِ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ بَيانِ اِتِّصافِهِ بِما ذُكِرَ مِنَ اَلْوَصْفَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ هَذا في أُمِّ اَلْكِتابِ ولَدَيْنا، ولَمْ يُجَوِّزُوا كَوْنَهُما في مَوْضِعِ اَلْخَبَرِ لَإنَّ لِدُخُولِ اَللّامِ في غَيْرِهِما. وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ اَلْمُؤَكَّدَةُ إمّا عَطْفٌ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْها داخِلَةٌ في حُكْمِها وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِعُلُوِّ شَأْنِ اَلْقُرْآنِ صفحة 65 اَلَّذِي أنْبَأ اَلْإقْسامُ بِهِ عَلى مِنهاجِ اَلِاعْتِراضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾

الزخرف 43:5

وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ عُلُوَّ شَأْنِ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ وحَقَّقَ جَلَّ وعَلا أنَّ إنْزالَهُ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَعْقِلُوهُ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ عَقَّبَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ اَلْأمْرُ بِخِلافِهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ أيْ أفَنُنَحِّيهِ ونُبْعِدُهُ عَنْكم عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِعارَةِ اَلتَّمْثِيلِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ اَلْغَرائِبَ عَنِ اَلْحَوْضِ شَبَّهَ حالَ اَلذِّكْرِ وتَنْحِيَتَهُ بِحالِ غَرائِبِ اَلْإبِلِ وذَوْدِها عَنِ اَلْحَوْضِ إذا دَخَلَتْ مَعَ غَيْرِها عِنْدَ اَلْوَرْدِ ثُمَّ اِسْتَعْمَلَ ما كانَ في تِلْكَ اَلْقِصَّةِ هاهُنا، وفِيهِ إشْعارٌ بِاقْتِضاءِ اَلْحِكْمَةِ تَوَجُّهَ اَلذِّكْرِ إلَيْهِمْ ومُلازَمَتَهُ لَهم كَأنَّهُ يَتَهافَتُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ جُعِلَ اِسْتِعارَةً في اَلْمُفْرِدِ بِجَعْلِ اَلتَّنْحِيَةِ ضَرْبًا جازَ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ: أضْرِبُ عَنْكَ اَلْهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ اَلْفَرَسِ وقَوْلُ اَلْحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ يُهَدِّدُ أهْلَ اَلْعِراقِ: لَأضْرِبَنَّكم ضَرْبَ غَرائِبِ اَلْإبِلِ. و(الذِّكْرَ) قِيلَ اَلْمُرادُ بِهِ اَلْقُرْآنُ ويُرْوى ذَلِكَ عَنِ اَلضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنْزالَ اَلذِّكْرِ وفِيهِ إقامَةُ اَلظّاهِرِ مَقامَ اَلْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا، وقِيلَ: بَلْ هو ذِكْرُ اَلْعِبادِ بِما فِيهِ صَلاحُهم فَهو بِمَعْنى اَلْمَصْدَرِ حَقِيقَةً، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ ما يَقْتَضِيهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ عَلى أحَدِ اَلرَّأْيَيْنِ في مِثْلِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ أيْ أنُهْمِلُكم فَنُنَحِّي اَلذِّكْرَ عَنْكُمْ، وقالَ اِبْنُ اَلْحاجِبِ: اَلْفاءُ لِبَيانِ ما قَبْلَها وهو جَعْلُ اَلْقُرْآنِ عَرَبِيًّا سَبَبٌ لِما بَعْدَها وهو إنْكارُ أنْ يَضْرِبَ سُبْحانَهُ اَلذِّكْرَ عَنْهم ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، وهو مَصْدَرٌ لِنَضْرِبَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ تَنْحِيَةَ اَلذِّكْرِ إعْراضٌ فَنَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلى نَهْجِ قَعَدْتُ جُلُوسًا كَأنَّهُ قِيلَ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا أوْ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مُؤَوَّلٍ بِصافِحِينَ بِمَعْنى مُعْرِضِينَ، وأصْلُ اَلصَّفْحِ أنْ تُولِيَ اَلشَّيْءَ صَفْحَةَ عُنُقِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى اَلْجانِبِ فَيَنْتَصِبُ عَلى اَلظَّرْفِيَّةِ أيْ أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَسّانَ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلضَّبْعِيِّ والسُّمَيْطِ بْنِ عُمَيْرٍ وشُبَيْلِ بْنِ عُذْرَةَ (صُفْحًا) بِضَمِّ اَلصّادِ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ صُفْحٍ كَرُسْلٍ جَمْعَ صَفُوحٍ بِمَعْنى صافِحِينَ، وأبُو حَيّانَ اِخْتارَ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا بِمَعْنى اَلْمَفْتُوحِ كالسَّدِّ والسُّدِّ. وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَطِيَّةَ أنَّ اِنْتِصابَ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ اَلْجُمْلَةِ اَلسّابِقَةِ فَيَكُونُ اَلْعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ اَلْأمْرُ خِلافَ ما ذُكِرَ مِن إنْزالِ كِتابٍ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَفْهَمُوهُ ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أيْ لِأنْ كُنْتُمْ مُنْهَمِكِينَ في اَلْإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّ اَلْحِكْمَةَ تَقْتَضِي ذِكْرَكم وإنْزالَ اَلْقُرْآنِ عَلَيْكم فَلا نَتْرُكُ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّكم مُسْرِفُونَ لا تَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ بَلْ نَفْعَلُ اِلْتَفَتُّمْ أمْ لا. وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى أنَّ حالَكم وإنِ اِقْتَضى تَخْلِيَتَكم وشَأْنَكم حَتّى تَمُوتُوا عَلى اَلْكُفْرِ والضَّلالَةِ وتَبْقَوْا في اَلْعَذابِ اَلْخالِدِ لَكِنَّنا لِسِعَةِ رَحْمَتِنا لا نَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ نَهْدِيكم إلى اَلْحَقِّ بِإرْسالِ اَلرَّسُولِ اَلْأمِينِ وإنْزالِ اَلْكِتابِ اَلْمُبِينِ. وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ (إنْ كُنْتُمْ) بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ عَلى أنَّ اَلْجُمْلَةَ شَرْطِيَّةٌ، وإنْ وإنْ كانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمَشْكُوكِ وإسْرافُهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ لَكِنْ جِيءَ بِها هُنا بِناءً عَلى جَعْلِ اَلْمُخاطَبِ كَأنَّهُ مُتَرَدِّدٌ في ثُبُوتِ اَلشَّرْطِ شاكٌّ فِيهِ قَصْدًا إلى نِسْبَتِهِ إلى اَلْجَهْلِ بِارْتِكابِهِ اَلْإسْرافَ لِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَفْرِضُ لِوُجُوبِ اِنْتِفائِهِ وعَدَمِ صُدُورِهِ مِمَّنْ يَعْقِلُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا لِأنَّ اَلشَّرْطَ اَلْإسْرافُ في اَلْمُسْتَقْبَلِ وهو لَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ، ورُدَّ بِأنَّ إنِ اَلدّاخِلَةَ عَلى كانَ لا تَقْلِبُهُ لِلِاسْتِقْبالِ صفحة 66 عِنْدَ اَلْأكْثَرِ، ولِذا قِيلَ: (إنْ) هُنا بِمَعْنى إذْ. وأُيِّدَ بِأنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ قَرَأ بِهِ وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اَلتَّعْلِيلِ فَتُوافِقُ قِراءَةَ اَلْفَتْحِ مَعْنًى، ولَوْ سُلِّمَ فالظّاهِرُ مِن حالِ اَلْمُسْرِفِ اَلْمُصِرِّ عَلى إسْرافِهِ بَقاؤُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُحَقَّقًا في اَلْمُسْتَقْبَلِ أيْضًا عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّها تَقْلِبُ كانَ كَغَيْرِها مِنَ اَلْأفْعالِ وجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلشَّرْطُ في مَوْقِعِ اَلْحالِ أيْ مَفْرُوضًا إسْرافُكم عَلى أنَّهُ مِنَ اَلْكَلامِ اَلْمُنْصِفِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ إنِ اَلْوَصْلِيَّةَ تَرِدُ في كَلامِهِمْ بِدُونِ اَلْواوِ والمَعْرُوفُ في اَلْعَرَبِيَّةِ خِلافُهُ.

الزخرف 43:6

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ إسْرافَ اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ لَمْ يَمْنَعْهُ تَعالى مِن إرْسالِ اَلْأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ اِسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ قِيلَ: اَلْبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، و”(كَمْ)“ مَفْعُولُ ﴿أرْسَلْنا﴾ و﴿فِي الأوَّلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ صِفَةُ ﴿نَبِيٍّ﴾ وما يَأْتِيهِمْ إلَخْ لِلِاسْتِمْرارِ وضَمِيرُهُ لِلْأوَّلِينَ،

الزخرف 43:7

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ إسْرافَ اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ لَمْ يَمْنَعْهُ تَعالى مِن إرْسالِ اَلْأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ اِسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ قِيلَ: اَلْبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، و”(كَمْ)“ مَفْعُولُ ﴿أرْسَلْنا﴾ و﴿فِي الأوَّلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ صِفَةُ ﴿نَبِيٍّ﴾ وما يَأْتِيهِمْ إلَخْ لِلِاسْتِمْرارِ وضَمِيرُهُ لِلْأوَّلِينَ،

الزخرف 43:8

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ اَلتَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وضَمِيرُ ﴿مِنهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى اَلْمُسْرِفِينَ اَلْمُخاطَبِينَ لا إلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”(ما يَأْتِيهِمْ)“ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ سَلَفَ في اَلْقُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ ذِكْرُ قِصَّتِهِمُ اَلَّتِي حَقُّها أنْ تَسِيرَ مَسِيرَ اَلْمَثَلِ، ونَصْبُ ﴿بَطْشًا﴾ عَلى اَلتَّمْيِيزِ وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَلى اَلْحالِ مِن فاعِلِ ﴿فَأهْلَكْنا﴾ أيْ باطِشِينَ، والأوَّلُ أحْسَنُ، ووَصَفَ أُولَئِكَ بِالأشَدِّيَّةِ لِإثْباتِ حُكْمِهِمْ لِهَؤُلاءِ بِطَرِيقِ اَلْأوْلَوِيَّةِ،

الزخرف 43:9

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلْخِطابِ اَلسّابِقِ والآيَتانِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا﴾ اِعْتِراضٌ لِإفادَةِ اَلتَّقْرِيرِ والتَّسْلِيَةِ كَما سَمِعْتَ، والمُرادُ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ اَلْعالَمَ لَيُسْنِدُّنَ خَلْقَهُ إلى مَن هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ اَلصِّفاتِ في نَفْسِ اَلْأمْرِ لا أنَّهم يَقُولُونَ هَذِهِ اَلْألِفاظَ ويَصِفُونَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ اَلصِّفاتِ ذَكَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ فِيما نُسِبَ إلَيْهِ. وهَذا حَسَنٌ ولَهُ نَظِيرٌ عُرْفًا وهو أنَّ واحِدًا لَوْ أخْبَرَكَ أنَّ اَلشَّيْخَ قالَ كَذا وعَنى بِالشَّيْخِ شَمْسَ اَلْأئِمَّةِ ثُمَّ لَقِيتَ شَمْسَ اَلْأئِمَّةِ فَقُلْتَ: إنَّ فُلانًا أخْبَرَنِي أنَّ شَمْسَ اَلْأئِمَّةِ قالَ: كَذا مَعَ أنَّ فُلانًا لَمْ يَجْرِ عَلى لِسانِهِ إلّا اَلشَّيْخُ ولَكِنَّكَ تَذْكُرُ ألْقابَهُ وأوْصافَهُ فَكَذا هَهُنا اَلْكُفّارُ يَقُولُونَ: خَلَقَهُنَّ اَللَّهُ لا يُنْكِرُونَ ثَمَّ أنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَ صِفاتِهِ أيْ أنَّ اَللَّهَ تَعالى اَلَّذِي يُحِيلُونَ عَلَيْهِ خَلْقَ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ مِن صِفَتِهِ سُبْحانَهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ: إنَّ ﴿العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ مِن كَلامِ اَلْمَسْؤُولِينَ وما بَعْدُ مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ. وفي اَلْكَشْفِ لا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ اَلْوَجْهِ وهَذا في اَلْحاصِلِ فَإنَّهُ حِكايَةُ كَلامٍ عَنْهم مُتَّصِلٍ بِهِ كَلامُهُ تَعالى عَلى أنَّهُ مِن تَتِمَّتِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَفَوَّهُوا بِهِ، وهَذا كَما يَقُولُ مُخاطِبُكَ: أكْرَمَنِي زَيْدٌ فَنَقُولُ: اَلَّذِي أكْرَمَكَ وحَيّاكَ أوْ لِجَماعَةٍ آخَرِينَ حاضِرِينَ اَلَّذِي أكْرَمَكم وحَيّاكم فَإنَّكَ تَصِلُ كَلامَهُ عَلى أنَّهُ مِن تَتِمَّتِهِ ولَكِنْ لا تَجْعَلُهُ مِن مَقُولِهِ، والأظْهَرُ مِن حَيْثُ اَللَّفْظِ ما ذَكَرَهُ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ وحِينَئِذٍ يَقَعُ اَلِالتِفاتُ في ﴿فَأنْشَرْنا﴾ بَعْدَ مَوْقِعِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ وفي إعادَةِ اَلْفِعْلِ في اَلْجَوابِ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِهِ ومُطابَقَتُهُ لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى عَلى ما زَعَمَ أبُو حَيّانَ لا مِن حَيْثُ اَللَّفْظِ قالَ: لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ فَلَوْ طابَقَ في اَللَّفْظِ لَكانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً دُونَ اَلْفِعْلِ بِأنْ يُقالَ: اَلْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ خَلَقَهُنَّ

الزخرف 43:10

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ مَكانًا مُمَهَّدًا أيْ مُوَطَّأً ومَآلُهُ بَسْطُها لَكم تَسْتَقِرُّونَ فِيها صفحة 67 ولا يُنافِي ذَلِكَ كُرَيَّتِها لِمَكانِ اَلْعِظَمِ، وعَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (مَهْدًا) بِدُونِ ألِفٍ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ طُرُقًا تَسْلُكُونَها في أسْفارِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم أوْ بِالتَّفَكُّرِ فِيها إلى اَلتَّوْحِيدِ اَلَّذِي هو اَلْمَقْصِدُ اَلْأصْلِيُّ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ بِمِقْدارٍ تَقْتَضِيهِ اَلْمَشِيئَةُ اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ ولا يَعْلَمُ مِقْدارَ ما يُنْزِلُ مِن ذَلِكَ في كُلِّ سَنَةٍ عَلى اَلتَّحْقِيقِ إلّا اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والآلَةُ اَلَّتِي صَنَعَها اَلْفَلاسِفَةُ في هَذِهِ اَلْأعْصارِ اَلْمُسَمّاةُ بِالأُودُومِيتَرِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ يُعْرَفُ بِها مِقْدارُ اَلْمَطَرِ اَلنّازِلِ في كُلِّ بَلَدٍ مِنَ اَلْبِلادِ في جَمِيعِ اَلسَّنَةِ لا تُفِيدُ تَحْقِيقًا في اَلْبُقْعَةِ اَلْواحِدَةِ اَلصَّغِيرَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِها كَما لا يَخْفى عَلى اَلْمُنْصِفِ. وفي اَلْبَحْرِ بِقَدَرٍ أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في اَلْأزَلِ، والأوَّلُ أوْلى

الزخرف 43:11

﴿فَأنْشَرْنا بِهِ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ اَلْماءِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ خالِيَةً عَنِ اَلنَّماءِ والنَّباتِ بِالكُلِّيَّةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى (مَيِّتًا) بِالتَّشْدِيدِ، وتَذْكِيرِهِ لِأنَّ اَلْبَلْدَةَ في مَعْنى اَلْبَلَدِ والمَكانِ، قالَ اَلْجَلْبِيُّ: لا يَبْعُدُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيثُ اَلْبَلَدِ وتَذْكِيرُ ﴿مَيْتًا﴾ إشارَةً إلى بُلُوغِ ضَعْفِ حالِهِ اَلْغايَةَ، وفي اَلْكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَصْرِيحِيَّةٌ. والِالتِفاتُ في (أنْشَرْنا) إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِإظْهارِ كَمالِ اَلْعِنايَةِ بِأمْرِ اَلْإحْياءِ والإشْعارِ بِعِظَمِ خَطَرِهِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ اَلْإنْشارِ اَلَّذِي هو في اَلْحَقِيقَةِ إخْراجٌ مِنَ اَلْأرْضِ وهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْشارًا كَذَلِكَ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وفي اَلتَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِ اَلنَّباتِ بِالإنْشارِ اَلَّذِي هو إحْياءُ اَلْمَوْتى وعَنْ إحْيائِهِمْ بِالإخْراجِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ اَلْإنْباتِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ اَلْبَعْثِ، وفي ذَلِكَ مِنَ اَلرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ ما فِيهِ. وقَرَأ اِبْنُ وثّابٍ. وعَبْدُ اَللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ. وعِيسى. وابْنُ عامِرٍ. والأخَوانِ (تَخْرُجُونَ) مَبْيِنًّا لِلْفاعِلِ.

الزخرف 43:12

﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ أصْنافَ اَلْمَخْلُوقاتِ فالزَّوْجُ هُنا بِمَعْنى اَلصِّنْفِ لا بِمَعْناهُ اَلْمَشْهُورِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ اَلْأزْواجُ اَلضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقِيلَ: كُلُّ ما سِوى اَللَّهِ سُبْحانَهُ زَوْجٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ اَلْمُقابِلِ كَفَوْقٍ وتَحْتٍ ويَمِينٍ وشِمالٍ وماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ والفَرْدُ اَلْمُنْزَعُ عَنِ اَلْمُقابِلِ هو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَعْوى اِطِّرادِهِ في اَلْمَوْجُوداتِ بِأسْرِها لا تَخْلُو عَنِ اَلنَّظَرِ. ولَعَلَّ مَن قالَ: كُلُّ ما سِوى اَللَّهِ سُبْحانَهُ زَوْجٌ لَمْ يَبْنِ اَلْأمْرَ عَلى ما ذُكِرَ وإنَّما بَناهُ عَلى أنَّ اَلْواجِبَ جَلَّ شَأْنُهُ واحِدٌ مِن جَمِيعِ اَلْجِهاتِ لا تَرْكِيبَ فِيهِ سُبْحانَهُ بِوَجْهٍ مِنَ اَلْوُجُوهِ لا عَقْلًا ولا خارِجًا ولا كَذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ اَلْمُمَكَّناتِ مادِّيَّةً كانَتْ أوْ مُجَرَّدَةً ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أيْ ما تَرْكَبُونَهُ، فَما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والرُّكُوبُ بِالنَّظَرِ إلى اَلْفُلْكِ يَتَعَدّى بِواسِطَةِ اَلْحَرْفِ وهو في كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ بِخِلافِهِ لا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَإنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ إلّا أنَّهُ غَلَبَ اَلْمُتَعَدِّي بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى اَلْمُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ فالتَّجَوُّزُ اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ اَلتَّغْلِيبُ بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْمُتَعَلِّقِ أوْ غَلَبَ اَلْمَخْلُوقُ لِلرُّكُوبِ عَلى اَلْمَصْنُوعِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَصْنُوعَ اَلْخالِقِ اَلْقَدِيرِ أوِ اَلْغالِبُ عَلى اَلنّادِرِ فالتَّجَوُّزُ في ما وضَمِيرِهِ اَلَّذِي تَعَدّى اَلرُّكُوبُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ دُونَ اَلنِّسْبَةِ إلى اَلْمَفْعُولِ ولِتَغْلِيبِ ما رُكِبَ مِنَ اَلْحَيَوانِ عَلى اَلْفُلْكِ

الزخرف 43:13

﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ اَلْقَرارِ عَلى اَلْجَمِيعِ بِالِاسْتِواءِ عَلى اَلظُّهُورِ اَلْمَخْصُوصِ بِالدَّوابِّ والضَّمِيرِ - لِما تَرْكَبُونَ - وأُفْرِدَ رِعايَةً لِلَّفْظِ، وجَمَعَ ظُهُورَ مَعَ إضافَتِهِ إلَيْهِ رِعايَةً لِمَعْناهُ، والظّاهِرُ أنَّ لامَ (لِتَسْتَوُوا) لامَ كَيْ، وقالَ اَلْحَوْفِيُّ: مَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ صفحة 68 أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ اَلْأمْرِ، وفِيهِ بَعْدٌ مِن حَيْثُ اِسْتِعْمالِهِ أمْرَ اَلْمُخاطَبِ بِتاءِ اَلْخِطابِ، وقَدِ اِخْتُلِفَ في أمْرِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا في قِراءَةٍ شاذَّةٍ نَحْوَ (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) أوْ شِعْرٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: لِتَقُمْ أنْتَ يا بْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ وما ذَكَرَهُ اَلْمُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم» يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِنَ اَلْمَرْوِيِّ بِالمَعْنى، وقالَ اَلزَّجّاجُ: إنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وأبُو حَيّانَ عَلى اَلْأوَّلِ وحَكاهُ عَنْ جُمْهُورِ اَلنَّحْوِيِّينَ. ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ تَذْكُرُوها بِقُلُوبِكم مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها ثُمَّ تَحْمَدُوا عَلَيْها بِألْسِنَتِكم وهَذا هو مَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اَللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ عَلى ما قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ، وحاصِلُهُ أنَّ اَلذِّكْرَ يَتَضَمَّنُ شُعُورَ اَلْقَلْبِ والمُرُورَ عَلى اَللِّسانِ فَنَزَلَ عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرًا بِاللِّسانِ مَعَ شُعُورٍ مِنَ اَلْقَلْبِ، وأمّا اَلِاعْتِرافُ والِاسْتِعْظامُ فَمِن نِعْمَةِ رَبِّكم لِاقْتِضائِهِ اَلْإحْضارَ في اَلْقَلْبِ لِذَلِكَ وهَذا عَيْنُ اَلْحَمْدِ اَلَّذِي هو شُكْرٌ في هَذا اَلْمَقامِ لا أنَّهُ يُوجِبُهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ اَلتَّقْرِيرُ سَدِيدًا أيْضًا، ومِنهُ يَظْهَرُ إيثارُهُ عَلى ثُمَّ تَحْمَدُوا إذا اِسْتَوَيْتُمْ، ومَن جَوَّزَ اِسْتِعْمالَ اَلْمُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ جَوَّزَ هُنا أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ اَلذِّكْرُ اَلْقَلْبِيُّ والذِّكْرُ اَللِّسانِيُّ وهو كَما تَرى. ولَمّا كانَتْ تِلْكَ اَلنِّعْمَةُ مُتَضَمِّنَةً لِأمْرٍ عَجِيبٍ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا﴾ هَذا أيْ وتَقُولُوا سُبْحانَ اَلَّذِي ذَلَّلَهُ وجَعَلَهُ مُنْقادًا لَنا مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ اَلْإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ بَلْ لِتَصْوِيرِ اَلْحالِ وفِيها مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِمَعْنى اَلتَّعَجُّبِ، والكَلامُ وإنْ كانَ إخْبارًا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا يُشْعِرُ بِالطَّلَبِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: رَأى اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكَرَّمَ وجْهَهُما رَجُلا رَكِبَ دابَّةً فَقالَ: سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا فَقالَ: أوَبِذَلِكَ أُمِرْتَ؟ فَقالَ: فَكَيْفَ أقُولُ؟ قالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَنِي في خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ثُمَّ تَقُولُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ - إلى- ﴿مُقْرِنِينَ﴾ وهَذا يُومِي إلى أنْ لَيْسَ اَلْمُرادُ مِنَ اَلنِّعْمَةِ نِعْمَةَ اَلتَّسْخِيرِ، وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُ فَسَّرَها بِنِعْمَةِ اَلْإسْلامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ. وأبُو داوُدَ. واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ. والنَّسائِيُّ. وجَماعَةٌ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ أُتِيَ بِدابَّةٍ فَلَمّا وضَعَ رِجْلَهُ في اَلرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اَللَّهِ فَلَمّا اِسْتَوى عَلى ظَهْرِها قالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلاثًا واَللَّهُ أكْبَرُ ثَلاثًا سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا إلى لَمُنْقَلِبُونَ سُبْحانَكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إنَّهُ لا يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إلّا أنْتَ ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلَ كَما فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ مِمَّ ضَحِكْتَ؟ فَقالَ: يَتَعَجَّبُ اَلرَّبُّ مِن عَبْدِهِ إذا قالَ: رَبِّ اِغْفِرْ لِي ويَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّهُ لا يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ غَيْرِي،» وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. واَلتِّرْمِذِيُّ. وأبُو داوُدَ. والدّارِمِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا اِسْتَوى عَلى بَعِيرِهِ خارِجًا إلى سَفَرٍ حَمِدَ اَللَّهَ تَعالى وسَبَّحَ وكَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا إلى لَمُنْقَلِبُونَ،» وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ. وغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما مِن بَعِيرٍ إلّا في ذُرْوَتِهِ شَيْطانٌ فاذْكُرُوا اِسْمَ اَللَّهِ تَعالى إذا رَكِبْتُمُوهُ كَما أمَرَكُمْ،» وظاهِرُ اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ أنَّ تَذَكُّرَ اَلنِّعْمَةِ والقَوْلَ اَلْمَذْكُورَ لا يَخُصّانِ رُكُوبَ اَلْأنْعامِ بَلْ يَعُمّانِها والفُلْكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: إذا رَكِبْتَ اَلسَّفِينَةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ - إلى- ﴿رَحِيمٌ﴾ ويُقالُ: عِنْدَ اَلنُّزُولِ مِنها (اَللَّهُمَّ صفحة 69 أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ اَلْمُنْزِلِينَ ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أيْ مُطِيقِينَ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: لَقَدْ عَلِمَ اَلْقَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في اَلنّائِباتِ بِمُقْرِنِينا وهُوَ مِن أقْرَنَ اَلشَّيْءَ إذا أطاقَهُ، قالَ اِبْنُ هَرِمَةَ: وأقْرَنْتُ ما حَمَّلْتَنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ اِحْتِمالُ اَلصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ لِأنَّ اَلصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعِيفِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ في اَلضَّعِيفِ لا تُقْرِنُ بِهِ اَلصَّعْبَةَ، والقَرْنُ اَلْحَبْلُ اَلَّذِي يُقْرَنُ بِهِ، قالَ اَلشّاعِرُ: وابْنُ اَللَّبُونِ إذا ما لَزَّ في قَرْنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ اَلْبَزْلِ اَلْقَناعِيسِ وحاصِلُ اَلْمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ اَلْقُوَّةِ ما يَضْبُطُ بِهِ اَلدّابَّةَ والفُلْكَ وإنَّما اَللَّهُ تَعالى هو اَلَّذِي سَخَّرَ ذَلِكَ وضَبَطَهُ لَنا. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ قَوْمًا كانُوا في سَفَرٍ فَكانُوا إذا رَكِبُوا قالُوا: سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وكانَ فِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ناقَةٌ رِزامٌ فَقالَ: أمّا أنا فَلِهَذِهِ مُقْرِنٌ فَقَمَصَتْ بِهِ فَصَرَعَتْهُ فانْدَقَّتْ عُنُقُهُ، وقُرِئَ (مُقَرَّنِينَ) بِتَشْدِيدِ اَلرّاءِ مَعَ فَتْحِها وكَسْرِها وهُما بِمَعْنى اَلْمُخَفَّفِ.

الزخرف 43:14

﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ راجِعُونَ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ حَقَّ اَلرّاكِبِ أنْ يَتَأمَّلَ فِيما يُلابِسُهُ مِنَ اَلسَّيْرِ ويَتَذَكَّرُ مِنهُ اَلْمُسافَرَةَ اَلْعُظْمى اَلَّتِي هي اَلِانْقِلابُ إلى اَللَّهِ تَعالى فَيَبْنِي أُمُورَهُ في مَسِيرِهِ ذَلِكَ عَلى تِلْكَ اَلْمُلاحَظَةِ ولا يَأْتِي بِما يُنافِيها، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رُكُوبُهُ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اَلرُّكُوبَ مَخْطَرَةٌ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ فِيهِ عَنْ تَذَكُّرِ اَلْآخِرَةِ.

الزخرف 43:15

﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ فَهو حالٌ مِن فاعِلِ (لَيَقُولُنَّ) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّهم مُناقِضُونَ مُكابِرُونَ حَيْثُ اِعْتَرَفُوا بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خالِقُ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ وصَفُوهُ سُبْحانَهُ بِصِفاتِ اَلْمَخْلُوقِينَ وما يُناقِضُ كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لَهُما فَجَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ جُزْءًا وقالُوا: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وعَبَّرَ عَنِ اَلْوَلَدِ بِالجُزْءِ لِأنَّهُ بَضْعَةٌ مِمَّنْ هو وُلِدَ لَهُ كَما قِيلَ: أوْلادُنا أكْبادُنا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ اِسْتِحالَتِهِ عَلى اَلْحَقِّ اَلْواحِدِ اَلَّذِي لا يُضافُ إلَيْهِ اِنْقِسامٌ حَقِيقَةً ولا فَرْضًا ولا خارِجًا ولا ذِهْنًا جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا، ولِتَأْكِيدِ أمْرِ اَلْمُناقَضَةِ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جُزْءًا﴾ وقِيلَ ﴿مِن عِبادِهِ﴾ لِأنَّهُ يَلْزَمُهم عَلى مُوجَبِ اِعْتِرافِهِمْ أنْ يَكُونَ ما فِيهِما مَخْلُوقَهُ تَعالى وعَبْدَهُ سُبْحانَهُ إذْ هو حادِثٌ بَعْدَهُما مُحْتاجٌ إلَيْهِما ضَرُورَةً. وقِيلَ: اَلْجُزْءُ اِسْمُ لِلْإناثِ يُقالُ: أجْزَأتِ اَلْمَرْأةُ إذْ ولَدَتْ أُنْثى، وأنْشَدَ قَوْلَ اَلشّاعِرِ: إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ اَلْحُرَّةُ اَلْمِذْكارَ أحْيانًا وقَوْلَهُ: زَوَّجْتُها مِن بَناتِ اَلْأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اَللَّدْنِ في أنْيابِها زَجَلُ وجَعَلَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ مِن بِدَعِ اَلتَّفاسِيرِ وذَكَرَ أنَّ اِدِّعاءَ أنَّ اَلْجُزْءَ في لُغَةِ اَلْعَرَبِ اِسْمٌ لِلْإناثِ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ ووَضْعٌ مُسْتَحْدَثٌ مَنخُولٌ وأنَّ اَلْبَيْتَيْنِ مَصْنُوعانِ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: في اَلْبَيْتِ اَلْأوَّلِ لا أدْرِي قَدِيمٌ أمْ مَصْنُوعٌ. ووَجَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن جُزْءِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ اَلْإناثِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (جُزُأً) بِضَمَّتَيْنِ، ثُمَّ لِلْكَلامِ وإنْ سِيقَ لِلْفَرْضِ اَلْمَذْكُورِ يُفْهَمُ مِنهُ كُفْرُهم لِتَجْسِيمِ اَلْخالِقِ تَعالى والِاسْتِخْفافِ بِهِ جَلَّ وعَلا حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ أخَسَّ اَلنَّوْعَيْنِ بَلْ إثْباتُ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي اَلْإمْكانَ صفحة 70 اَلْمُؤْذِنَ بِحُدُوثِهِ تَعالى فَلا يَكُونُ إلَهًا ولا بارِئًا ولا خالِقًا تَعالى عَمّا يَقُولُونَ وسُبْحانَهُ عَمّا يَصْفُونَ، ولَيْسَ اَلْكَلامُ مُساقًا لِتَعْدِيدِ اَلْكُفْرانِ كَما قِيلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ لا يَقْتَضِيهِ فَإنَّ اَلْمُرادَ اَلْمُبالَغَةُ في كُفْرانِ اَلنِّعْمَةِ وهي في إنْكارِ اَلصّانِعِ أشَدُّ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ في كُفْرِهِمْ بِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، و(مُبِينٌ) مِن أبانَ اَللّازِمِ أيْ ظاهِرُ اَلْكُفْرانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ اَلْمُتَعَدِّي أيْ مُظْهِرٌ كُفْرانَهُ

الزخرف 43:16

﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ﴿أمِ﴾ مُقَطَّعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى (اِتَّخَذَ) داخِلٌ في حُكْمِ اَلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والِالتِفاتُ إلى خِطابِهِمْ لِتَشْدِيدِ اَلْإنْكارِ أيْ بَلِ اِتَّخَذَ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِهِ أخَسَّ اَلصِّنْفَيْنِ واخْتارَ لَكم أفْضَلَهُما عَلى مَعْنى هَبُوا أنَّ إضافَةَ اِتِّخاذِ اَلْوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ جائِزَةً فَرْضًا أما تَفَطَّنْتُمْ لِما اِرْتَكَبْتُمْ مِنَ اَلشَّطَطِ في اَلْقِسْمَةِ وقُبْحِ ما اِدَّعَيْتُمْ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ آثَرَكم عَلى نَفْسِهِ بِخَيْرِ اَلْجُزْئَيْنِ وأعْلاهُما وتَرَكَ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَرَّهُما وأدْناهُما فَما أنْتُمْ إلّا في غايَةِ اَلْجَهْلِ والحَماقَةِ، وتَنْكِيرُ بَناتٍ وتَعْرِيفُ اَلْبَنِينَ لِقَرِينَةِ ما اِعْتُبِرَ فِيهِما مِنَ اَلْحَقارَةِ والفَخامَةِ،

الزخرف 43:17

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ قِيلَ: حالٌ وارْتَضاهُ اَلْعَلّامَةُ اَلثّانِي عَلى مَعْنى أنَّهم نَسَبُوا إلَيْهِ تَعالى ما ذَكَرُوا مِن حالِهِمْ أنَّ أحَدَهم إذا بُشِّرَ بِهِ اِغْتَمَّ، وقِيلَ: اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ما قَبْلَهُ ولَيْسَ بِذاكَ. والِالتِفاتُ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ أنْ يُعْرِضَ عَنْهُ وتُحْكى لِغَيْرِهِمْ تَعْجِيبًا، والجُمْلَةُ اَلِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ أيْ إذا أُخْبِرَ أحَدُهم بِجِنْسِ ما جَعَلَهُ مَثَلًا لِلرَّحْمَنِ جَلَّ شَأْنُهُ وهو جِنْسُ اَلْإناثِ لِأنَّ اَلْوَلَدَ لا بُدَّ أنْ يُجانِسَ اَلْوَلَدَ ويُماثِلَهُ صارَ وجْهُهُ أسْوَدَ في اَلْغايَةِ لِسُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ عِنْدَهُ والحالُ هو مَمْلُوءٌ مِنَ اَلْكَرْبِ والكَآبَةِ، وعَنْ بَعْضِ اَلْعَرَبِ أنَّ اِمْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى فَهَجَرَ اَلْبَيْتَ اَلَّذِي فِيهِ اَلْمَرْأةَ فَقالَتْ: ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا يَظَلُّ في اَلْبَيْتِ اَلَّذِي يَلِينا غَضْبانَ أنْ لا نَلِدَ اَلْبَنِينا ∗∗∗ ولَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا وقُرِئَ (مُسْوَدٌّ) بِالرَّفْعِ و(مِسْوادٌ) بِصِيغَةِ اَلْمُبالَغَةِ مِنَ اِسْوادَّ كاحْمارَّ مَعَ اَلرَّفْعِ أيْضًا عَلى أنَّ في (ظَلَّ) ضَمِيرَ اَلْمُبَشَّرِ ووَجْهُهُ مُسْوَدٌّ أوْ مُسْوادٌّ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ اَلْخَبَرِ، والمَعْنى صارَ اَلْمُبَشَّرُ مُسْوَدَّ اَلْوَجْهِ وقِيلَ: اَلضَّمِيرُ اَلْمُسْتَتِرُ في (ظَلَّ) ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ والجُمْلَةُ خَبَرُها، وقِيلَ: اَلْفِعْلُ تامٌّ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ والوَجْهُ ما تَقَدَّمَ،

الزخرف 43:18

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإنْكارِ و(مَن) مَنصُوبَةُ اَلْمَحَلِّ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (جَعَلُوا) وهُناكَ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ أوَجَعَلُوا لَهُ تَعالى مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَبّى في اَلزِّينَةِ وهُنَّ اَلْبَناتُ كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٌ. وقَتادَةُ. والسُّدِّيُّ: ولِذا فالهَمْزَةُ لِإنْكارِ اَلْواقِعِ واسْتِقْباحِهِ. وجُوِّزَ اِنْتِصابُ (مَن) بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (اِتَّخَذَ) فالهَمْزَةُ حِينَئِذٍ لِإنْكارِ اَلْوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ، وإقْحامُها بَيْنَ اَلْمَعْطُوفَيْنِ لِتَذْكِيرِ ما في أمِ اَلْمُنْقَطِعَةِ مِنَ اَلْإنْكارِ، والعَطْفُ لِلتَّغايُرِ اَلْعُنْوانِيِّ أيْ أوِ اِتَّخَذَ سُبْحانَهُ مِن هَذِهِ اَلصِّفَةِ اَلذَّمِيمَةِ ولَدًا ﴿وهُوَ﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ اَلْقُصُورِ ﴿فِي الخِصامِ﴾ أيِ اَلْجِدالِ اَلَّذِي لا يَكادُ يَخْلُو عَنْهُ إنْسانٌ في اَلْعادَةِ ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ غَيْرُ قادِرٍ عَلى تَقْرِيرِ دَعْواهُ وإقامَتِهِ حُجَّتَهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ صفحة 71 بِمُبِينٍ، وإضافَةُ (غَيْرُ) لا تَمْنَعَ عَمَلَ ما بَعْدَها فِيهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى اَلنَّفْيِ فَلا حاجَةَ لِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ، وجُوِّزَ كَوْنُ مَن مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ اَلْخَبَرِ أيْ أوَمَن حالُهُ كَيْتَ وكَيْتَ ولَدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلَ بَعْضُهم خَبَرَهُ جَعَلُوهُ ولَدًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوِ اِتَّخَذَهُ جَلَّ وعَلا ولَدًا، وعَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّ اَلْمُرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في اَلْحِلْيَةِ اَلْأصْنامُ قالَ: وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ اَلذَّهَبِ والفِضَّةِ ويَجْعَلُونَ اَلْحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُبْعِدُ هَذا اَلْقَوْلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ اَلْإبانَةِ نَفْيُ اَلْخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإبانَةُ كَقَوْلِهِ: عَلى لا حُبَّ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ وعِنْدِي أنَّ هَذا اَلْقَوْلَ بَعِيدٌ في نَفْسِهِ وأنَّ اَلْكَلامَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذَ﴾ إلى هُنا وارِدٌ لِمَزِيدِ اَلْإنْكارِ في أنَّهم قَوْمٌ مِن عادَتِهِمُ اَلْمُناقَضَةُ ورَمْيُ اَلْقَوْلِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ، وفي اَلْمَجِيءِ بِأمِ اَلْمُنْقَطِعَةِ وما في ضِمْنِها مِنَ اَلْإضْرابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُعْتَمَدَ اَلْكَلامِ إثْباتُ جَهْلِهِمْ ومُناقَضَتِهِمْ لا إثْباتَ كُفْرِهِمْ لَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ كَما سَمِعْتَ وتَسْمَعُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى، وقَرَأ اَلْجَحْدَرِيُّ في رِوايَةٍ (يُنْشَأُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وقَرَأ اَلْحَسَنُ في رِوايَةٍ أيْضًا (يُناشَأُ) عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والمُناشَأةُ بِمَعْنى اَلْإنْشاءِ كالمُغالاةِ بِمَعْنى اَلْإغْلاءِ، وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ (يَنْشَأُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ اَلنُّشُوءَ في اَلزِّينَةِ والنُّعُومَةِ مِنَ اَلْمَعايِبِ والمَذامِّ وأنَّهُ مِن صِفاتِ رَبّاتِ اَلْحِجالِ فَعَلى اَلرَّجُلِ أنْ يَجْتَنِبَ ذَلِكَ ويَأْنَفَ مِنهُ ويَرْبَأ بِنَفْسِهِ عَنْهُ ويَعِيشَ كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اِخْشَوْشَنُوا في اَللِّباسِ واخْشَوْشَنُوا في اَلطَّعامِ وتَمَعْدَدُوا وإنْ أرادَ أنْ يُزَيِّنَ نَفْسَهُ زَيَّنَها مِن باطِنٍ بِلِباسِ اَلتَّقْوى،

الزخرف 43:19

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ أيْ سَمَّوْا وقالُوا: إنَّهم إناثٌ، قالَ اَلزَّجّاجُ: اَلْجَعْلُ في مِثْلِهِ بِمَعْنى اَلْقَوْلِ والحُكْمِ عَلى اَلشَّيْءِ تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أعْلَمَ اَلنّاسِ أيْ وصَفْتُهُ بِذَلِكَ وحَكَمْتُ بِهِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ اَلْمَعْنى صَيَّرُوهم في اِعْتِقادِهِمْ إناثًا اِعْتِراضٌ وارِدٌ لِإثْباتِ مُناقَضَتِهِمْ أيْضًا وادِّعاءُ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ اَلْمُؤَيِّدُ لِجَعْلِهِ مُعْتَمَدَ اَلْكَلامِ عَلى ما سَبَقَ آنِفًا فَإنَّهم أنَّثُوهم في هَذا اَلْمُعْتَقَدِ مِن غَيْرِ اِسْتِنادٍ إلى عِلْمٍ فارْشَدْ إلى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِن إثْباتِ اَلْوَلَدِ مِثْلُ ما هم عَلَيْهِ مِن تَأْنِيثِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ في أنَّهُما سَخَفٌ وجَهْلٌ كانا كُفْرَيْنِ أوَّلًا، نَعَمْ هُما في نَفْسِ اَلْأمْرِ كُفْرانِ، أمّا اَلْأوَّلُ فَظاهِرٌ. وأمّا اَلثّانِي فَلِلِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ سُبْحانَهُ أعْنِي اَلْمَلائِكَةَ وجَعْلَهم أنْقَصَ اَلْعِبادِ رَأْيًا وأخَسَّهم صِنْفًا وهُمُ اَلْعِبادُ اَلْمُكْرَمُونَ اَلْمُبَرَّءُونَ مِنَ اَلذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ فَإنَّهُما مِن عَوارِضِ اَلْحَيَوانِ اَلْمُتَغَذِّي اَلْمُحْتاجِ إلى بَقاءِ نَوْعِهِ لِعَدَمِ جَرَيانِ حِكْمَةِ اَللَّهِ تَعالى بِبَقاءِ شَخْصِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ اَلْجُمْلَةَ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِن فاعِلِ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ولا يَحْسُنُ بِحَسَبِ اَلظّاهِرِ أنْ يُقالَ. ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ وقَدْ جَعَلُوا اَلْمَلائِكَةَ إناثًا، وقُرِئَ (عَبِيدُ) جَمْعُ عَبْدٍ وكَذا (عِبادُ) وقِيلَ: عِبادُ جَمْعُ عابِدٍ كَصائِمٍ وصِيامٍ وقائِمٍ وقِيامٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطّابِ. والحَسَنُ. وأبُو رَجاءٍ. وقَتادَةُ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. والأعْرَجُ. والِابْنانِ. ونافِعٌ (عِنْدَ اَلرَّحْمَنِ) ظَرْفًا وهو أدَلُّ عَلى رَفْعِ اَلْمَنزِلَةِ وقُرْبِ اَلْمَكانَةِ، والكَلامُ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ في اَلْمَشْهُورِ لِاسْتِحالَةِ اَلْعِنْدِيَّةِ اَلْمَكانِيَّةِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بِالباءِ مُفْرِدِ عِبادٍ، والمَعْنى عَلى اَلْجَمْعِ بِإرادَةِ اَلْجِنْسِ. وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (عِبادَ) بِالجَمْعِ والنَّصْبِ حَكاها اِبْنُ خالَوَيْهِ وقالَ: هي في مُصْحَفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ، وخَرَّجَ أبُو حَيّانَ اَلنَّصْبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيِ اَلَّذِينَ هم خُلِقُوا عِبادَ اَلرَّحْمَنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (أُنُثًا) بِضَمَّتَيْنِ كَكُتُبٍ جَمْعَ إناثًا فَهو جَمْعُ اَلْجَمْعِ، وعَلى جَمِيعِ اَلْقِراءاتِ اَلْحَصْرُ إذا سَلِمَ إضافِيٌّ فَلا يَتِمُّ اَلِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ اَلْمَلَكِ عَلى اَلْبَشَرِ. ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ أحَضِرُوا خَلْقَ اَللَّهِ تَعالى إيّاهم فَشاهَدُوهم إناثًا حَتّى يَحْكُمُوا بِأُنُوثَتِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ صفحة 72 بِالمُشاهَدَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وفِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ اَلدَّلائِلِ اَلنَّقْلِيَّةِ لِأنَّها في مِثْلِ هَذا اَلْمَطْلَبِ مُفَرَّعَةٌ عَلى اَلْقَوْلِ بِالنُّبُوَّةِ وهُمُ اَلْكَفَرَةُ اَلَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِها ولِنَفْيِ اَلدَّلائِلِ اَلْعَقْلِيَّةِ لِظُهُورِ اِنْتِفائِها والنَّفْيُ اَلْمَذْكُورُ أظْهَرُ في اَلتَّهَكُّمِ فافْهَمْ، وقَرَأ نافِعٌ (أأُشْهِدُوا) بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى أُشْهِدَ اَلرُّباعِيِّ اَلْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ سَهَّلَ هَذِهِ اَلْهَمْزَةَ فَجَعَلَها بَيْنَ اَلْهَمْزَةِ والواوِ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ، وفي أُخْرى أنَّهُ سَهَّلَها وأدْخَلَ بَيْنَها وبَيْنَ اَلْأوْلى ألِفًا كَراهَةَ اِجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ ونُسِبَتْ إلى جَماعَةٍ، والِاكْتِفاءُ بِالتَّسْهِيلِ أوْجَهُ، وقَرَأ اَلزُّهْرِيُّ وناسٌ (أُشْهِدُوا) بِغَيْرِ اِسْتِفْهامٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ رُباعِيًّا فَقِيلَ اَلْمَعْنى عَلى اَلِاسْتِفْهامِ نَحْوَ قَوْلِهِ: قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بُهْرا وهُوَ اَلظّاهِرُ، وقِيلَ: عَلى اَلْإخْبارِ، والجُمْلَةُ صِفَةُ (إناثًا) وهم وإنْ لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم لَكِنْ نَزَلُوا لِجَراءَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن أُشْهِدَ أوِ اَلْمُرادُ أنَّهم أطْلَقُوا عَلَيْهِمُ اَلْإناثَ اَلْمَعْرُوفاتِ لَهُمُ اَللّاتِي أُشْهِدُوا خَلْقَهُنَّ لا صِنْفًا آخَرَ مِنَ اَلْإناثِ ولا يَخْفى ما في كِلا اَلتَّأْوِيلَيْنِ مِنَ اَلتَّكَلُّفِ ﴿سَتُكْتَبُ﴾ في دِيوانِ أعْمالِهِمْ ﴿شَهادَتُهُمْ﴾ اَلَّتِي شَهِدُوا بِها عَلى اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وقِيلَ: سَألَهُمُ اَلرَّسُولُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «ما يُدْرِيكم أنَّهم إناثٌ فَقالُوا: سَمِعْنا ذَلِكَ مِن آبائِنا ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم لَمْ يَكْذِبُوا» فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ عَنْها يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، والكَلامُ وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ والمُجازاةِ عَلى ذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ عَلى ظاهِرِها مِنَ اَلِاسْتِقْبالِ ويَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى تَأْخِيرِ كِتابَةِ اَلسَّيِّئاتِ لِرَجاءِ اَلتَّوْبَةِ والرُّجُوعِ كَما ورَدَ في اَلْحَدِيثِ إنَّ كاتِبَ اَلْحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ اَلسَّيِّئاتِ فَإذا أرادَ أنْ يَكْتُبَها قالَ لَهُ: تَوَقَّفْ فَيَتَوَقَّفُ سَبْعَ ساعاتٍ فَإنِ اِسْتَغْفَرَ وتابَ لَمْ يَكْتُبْ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مِن شَأْنِ اَلْكِتابَةِ قُرِنَتْ بِالسِّينِ، وكَوْنُهم كُفّارًا مُصِرِّينَ عَلى اَلْكُفْرِ لا يَأْباهُ. وقَرَأ اَلزُّهْرِيُّ (سَيُكْتَبُ) بِالياءِ اَلتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ كالجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ قَرَأ (شَهاداتِهِمْ) بِالجَمْعِ وهي قَوْلُهُمْ: إنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ جُزْءًا وإنَّ لَهُ بَناتٍ وإنَّها اَلْمَلائِكَةُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ ما أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ اَلتَّكْرارِ، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وأبُو جَعْفَرٍ. وأبُو حَيْوَةَ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ. والجَحْدَرِيُّ. والأعْرَجُ (سَنَكْتُبُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (شَهادَتَهُمْ) بِالنَّصْبِ والإفْرادِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (سَيَكْتُبُ) بِالياءِ اَلتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وبِإفْرادِ (شَهادَتَهُمْ) ونَصْبِها أيْ سَيَكْتُبُ اَللَّهُ تَعالى شَهادَتَهم. وقُرِئَ (يَسّاءَلُونَ) مِنَ اَلْمُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ

الزخرف 43:20

﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ﴾ إلَخْ إشارَةً إلى أنَّهُ مِن جِنْسِ اِدِّعائِهِمْ أُنُوثَةَ اَلْمَلائِكَةِ في أنَّهم قالُوهُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ، ومُرادُهم بِهَذا اَلْقَوْلِ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ اَلِاسْتِدْلالُ بِنَفْيِ مَشِيئَةِ اَللَّهِ تَعالى تَرْكَ عِبادَةِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلى اِمْتِناعِ اَلنَّهْيِ عَنْها أوْ عَلى حُسْنِها فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّ اَللَّهَ تَعالى لَمْ يَشَأْ تَرْكَ عِبادَتِنا اَلْمَلائِكَةَ ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ لَتَحَقَّقَ بَلْ شاءَ جَلَّ شَأْنُهُ اَلْعِبادَةَ لِأنَّها اَلْمُتَحَقِّقَةُ فَتَكُونُ مَأْمُورًا بِها أوْ حَسَنَةً ويَمْتَنِعُ كَوْنُها مَنهِيًّا عَنْها أوْ قَبِيحَةً، وهو اِسْتِدْلالٌ باطِلٌ لِأنَّ اَلْمَشِيئَةَ لا تَسْتَلْزِمُ اَلْأمْرَ أوِ اَلْحُسْنَ لِأنَّها تَرْجِيحُ بَعْضِ اَلْمُمَكَّناتِ عَلى بَعْضٍ حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا فَلِذَلِكَ جَهِلُوا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ﴾ اَلْقَوْلِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي قَصَدُوهُ مِنهُ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى اَلْإشارَةِ إلى زَعْمِهِمْ أنَّ اَلْمَشِيئَةَ تَقْتَضِي طِباقَ اَلْأمْرِ لَها أوْ حُسْنَ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ ﴿مِن عِلْمٍ﴾ يَسْتَنِدُ إلى سَنَدٍ ما. ﴿إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ كَما فَسَّرَهُ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، ويُطْلِقُ اَلْخَرْصُ عَلى اَلْحَزْرِ وهو شائِعٌ صفحة 73 بَلْ قِيلَ: إنَّهُ اَلْأصْلُ وعَلى كُلٍّ هو قَوْلٌ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ،

الزخرف 43:21

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ مِن طَرِيقِ اَلْعَقْلِ إلى إبْطالِ أنْ يَكُونَ لَهم سَنَدٌ مِن جِهَةِ اَلنَّقْلِ فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ لا مُتَّصِلَةً مُعادِلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا﴾ كَما قِيلَ لِبُعْدِهِ وضَمِيرُ (قَبْلِهِ) لِلْقُرْآنِ لِعِلْمِهِ مِنَ اَلسِّياقِ أوِ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وسِينُ مُسْتَمْسِكُونَ لِلتَّأْكِيدِ لا لِلطَّلَبِ أيْ بَلْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ اَلْقُرْآنِ أوْ مِن قَبْلِ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ فَهم بِذَلِكَ اَلْكِتابِ مُتَمَسِّكُونَ وعَلَيْهِ مُعَوِّلُونَ،

الزخرف 43:22

وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ أصْلًا أيْ لا حُجَّةَ لَهم عَلى ذَلِكَ عَقْلِيَّةً ولا نَقْلِيَّةً وإنَّما جَنَحُوا فِيهِ إلى تَقْلِيدِ آبائِهِمُ اَلْجَهَلَةِ مِثْلِهِمْ، والأُمَّةُ اَلدِّينُ والطَّرِيقَةُ اَلَّتِي تُؤَمُّ أيْ كالرِّحْلَةِ لِلرَّجُلِ اَلْعَظِيمِ اَلَّذِي يُقْصَدُ في اَلْمُهِمّاتِ يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ لا دِينَ ولا نِحْلَةَ، قالَ اَلشّاعِرُ: وهَلْ يَسْتَوِي ذُو أُمَّةٍ وكَفُورُ وقالَ قَيْسُ بْنُ اَلْحَطِيمِ: كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ∗∗∗ ويَقْتَدِي بِالأوَّلِ اَلْآخِرُ وقالَ اَلْجُبّائِيُّ: اَلْأُمَّةُ اَلْجَماعَةُ والمُرادُ وجَدْنا آباءَنا مُتَوافِقِينَ عَلى ذَلِكَ، والجُمْهُورُ عَلى اَلْأوَّلِ وعَلَيْهِ اَلْمُعَوَّلُ، ويُقالُ فِيها إمَّةٌ بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ أيْضًا وبِها قَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ. ومُجاهِدٌ. وقَتادَةُ. والجَحْدَرِيُّ، وقَرَأ اِبْنُ عَيّاشٍ (أمَّةٍ) بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ، قالَ في اَلْبَحْرِ: أيْ عَلى قَصْدٍ وحالٍ، و﴿عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ قِيلَ خَبَرانِ لِأنَّ، وقِيلَ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ صِلَةُ ﴿مُهْتَدُونَ﴾ ومُهْتَدُونَ هو اَلْخَبَرُ، هَذا وجَعَلَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ اَلْآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأِ اَلْكُفْرَ مِنَ اَلْكافِرِ وإنَّما شاءَ سُبْحانَهُ اَلْإيمانَ، وكَفَّرَ أهْلُ اَلسُّنَّةِ اَلْقائِلِينَ بِأنَّ اَلْمَقْدُوراتِ كُلَّها بِمَشِيئَةِ اَللَّهِ تَعالى، ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ اَلْكُفّارَ لَمّا اِدَّعَوْا أنَّهُ تَعالى شاءَ مِنهُمُ اَلْكُفْرَ حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ إلَخْ أيْ لَوْ شاءَ جَلَّ جَلالُهُ مِنّا أنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ اَلْأصْنامِ تَرَكْناها رَدَّ اَللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأبْطَلَ اِعْتِقادَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ إلَخْ فَلَزِمَ حَقِيقَةُ خِلافِهِ وهو عَيْنُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ أوْ عَلى (جَعَلُوا اَلْمَلائِكَةَ) إلَخْ فَيَكُونُ ما تَضَمَّنَتْهُ كُفْرًا آخَرَ ويَلْزَمُهُ كُفْرُ اَلْقائِلِينَ بِأنَّ اَلْكُلَّ بِمَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِمّا سَمِعْتَ يُعْلَمُ رَدُّهُ، وقِيلَ: في رَدِّهِ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أصْلِ اَلدَّعْوى وهو جَعْلُ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بَناتِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا دُونَ ما قَصَدُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ﴾ إلَخْ وما ذُكِرَ بَعْدَ أصْلِ اَلدَّعْوى مِن تَتِمَّتِها فَإنَّهُ حِكايَةُ شُبْهَتِهِمُ اَلْمُزَيَّفَةِ لِأنَّ اَلْعِبادَةَ لِلْمَلائِكَةِ وإنْ كانَتْ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَها مِن أقْبَحِ اَلْقَبائِحِ اَلْمَنهِيِّ عَنْها وهَذا خِلافُ اَلظّاهِرِ. وقالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ: إنَّ كُفْرَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ اَلِاسْتِهْزاءِ، ورَدَّهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ اَلسِّياقَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوهُ مُسْتَهْزِئِينَ؛ عَلى اَللَّهِ تَعالى قَدْ حَكى عَنْهم عَلى سَبِيلِ اَلذَّمِّ والشَّهادَةِ بِالكُفْرِ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ جُزْءًا وأنَّهُ جَلَّ وعَلا اِتَّخَذَ بَناتٍ واصْطَفاهم بِالبَنِينَ وأنَّهم جَعَلُوا اَلْمَلائِكَةَ اَلْمُكْرَمِينَ إناثًا وأنَّهم عَبَدُوهم وقالُوا لَوْ شاءَ اَلرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم فَلَوْ كانُوا ناطِقِينَ بِها عَلى طَرِيقِ اَلْهَزْءِ لَكانَ اَلنُّطْقُ بِالمَحْكِيّاتِ قَبْلَ هَذا اَلْمَحْكِيِّ اَلَّذِي هو إيمانٌ عِنْدَهُ لَوَجَدُوا بِالنُّطْقِ بِهِ مَدْحًا لَهم مِن قِبَلِ أنَّها كَلِماتُ كُفْرٍ نَطَقُوا بِها عَلى طَرِيقِ اَلْهَزْءِ فَبَقِيَ أنْ يَكُونُوا صفحة 74 جادِّينَ ويَشْتَرِكُ كُلُّها في أنَّها كَلِماتُ كُفْرٍ، فَإنْ جَعَلُوا اَلْأخِيرَ وحْدَهُ مَقُولًا عَلى وجْهِ اَلْهَزْءِ دُونَ ما قَبْلَهُ فَما بِهِمْ إلّا تَعْوِيجُ كِتابِ اَللَّهِ تَعالى ولَوْ كانَتْ هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ نَطَقُوا بِها هُزُأً لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ إلَخْ مَعْنًى لِأنَّ اَلْواجِبَ فِيمَن تَكَلَّمَ بِالحَقِّ اِسْتِهْزاءً أنْ يُنْكَرَ عَلَيْهِ اِسْتِهْزاؤُهُ ولا يُكَذَّبَ، ولا يَخْفى أنَّ رَدَّهُ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اَلسِّياقِ صَحِيحٌ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن حِكايَةِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّعْوِيجِ فَلا لِأنَّهُ تَعالى ما حَكى عَنْهم قَوْلًا أوَّلًا بَلْ أثْبَتَ لَهُمُ اِعْتِقادًا يَتَضَمَّنُ قَوْلًا أوْ فِعْلًا وقَدْ بَيَّنَ أنَّهم مُسْتَخِفُّونَ في ذَلِكَ اَلْعَقْدِ كَما أنَّهم مُسْتَخِفُّونَ في هَذا اَلْقَوْلِ فَقَوْلُهُ: لَوْ نَطَقُوا إلَخْ لا مَدْخَلَ لَهُ في اَلسّابِقِ ولَيْسَ فِيهِ تَعْوِيجٌ اَلْبَتَّةَ مِن هَذا اَلْوَجْهِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهُمْ﴾ إلَخْ مَعْنًى مَرْدُودٌ لِأنَّ اَلِاسْتِهْزاءَ بابٌ مِنَ اَلْجَهْلِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ في اَلْبَقَرَةِ، وأمّا اَلْكَذِبُ فَراجِعٌ إلى مَضْمُونِهِ والمُرادُ مِنهُ كَما سَمِعْتَ فَمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اَللَّهُ اِسْتِهْزاءً مُكَذَّبٌ فِيما يَلْزَمُ مِن أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ إثْباتِ اَلتَّعَدُّدِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنِ اَلتَّوْحِيدِ فافْهَمْ كَذا في اَلْكَشْفِ. وفِيهِ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ إلَخْ فُهِمْ مِنهُ كَوْنُهُ كُفْرًا مِن أوْجُهٍ. أحَدُها أنَّهُ اِعْتِذارٌ عَنْ عِبادَتِهِمُ اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ اَلَّتِي هي كُفْرٌ وإلْزامٌ أنَّهُ إذا كانَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا. والثّانِي أنَّ اَلْكُفْرَ والإيمانَ بِتَصْدِيقِ ما هو مُضْطَرٌّ إلى اَلْعِلْمِ بِثُبُوتِهِ بَدِيهَةً أوِ اِسْتِدْلالًا مُتَعَلِّقًا بِالمَبْدَأِ والمَعادِ وتَكْذِيبَهُ لا بِإيقاعِ اَلْفِعْلِ عَلى وفْقِ اَلْمَشِيئَةِ وعَدَمِهِ. والثّالِثُ أنَّهم دَفَعُوا قَوْلَ اَلرَّسُولِ بِدَعْوَتِهِمْ إلى عِبادَتِهِ تَعالى ونَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ اَلْمَقالَةِ ثُمَّ إنَّهم مُلْزَمُونَ عَلى مَساقِ هَذا اَلْقَوْلِ لِأنَّهُ إذا اِسْتَنَدَ اَلْكُلُّ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ فَقَدْ شاءَ إرْسالُ اَلرُّسُلِ وشاءَ دَعْوَتَهم لِلْعِبادِ وشاءَ سُبْحانَهُ جُحُودَهم وشاءَ جَلَّ وعَلا دُخُولَهُمُ اَلنّارَ فالإنْكارُ والدَّفْعُ بَعْدَ هَذا اَلْقَوْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قالُوهُ لا عَنِ اِعْتِقادٍ بَلْ مُجازَفَةٌ، وإلَيْهِ اَلْإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في مَثَلِهِ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ أنَّهم يَعْجِزُونَ اَلْخالِقَ بِإثْباتِ اَلتَّمانُعِ بَيْنَ اَلْمَشِيئَةِ وضِدِّ اَلْمَأْمُورِ بِهِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يُرِيدَ إلّا ما أمَرَ سُبْحانَهُ بِهِ ولا يَنْهى جَلَّ شَأْنُهُ إلّا وهو سُبْحانَهُ لا يُرِيدُهُ وهَذا تَعْجِيزٌ مِن وجْهَيْنِ. إخْراجِ بَعْضِ اَلْمَقْدُوراتِ عَنْ أنْ يَصِيرَ مَحَلُّها وتَضْيِيقِ مَحَلِّ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وهَذا بِعَيْنِهِ مَذْهَبُ إخْوانِهِمْ مِنَ اَلْقَدَرِيَّةِ ولِهَذِهِ اَلنُّكْتَةِ جُعِلَ قَوْلُهُمْ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ مُعْتَمَدَ اَلْكَلامِ ولَمْ يَقُلْ: وعَبَدُوا اَلْمَلائِكَةَ وقالُوا: لَوْ شاءَ ونَظِيرُ قَوْلِهِمْ في أنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِدَفْعِ ما عُلِمَ ضَرُورَةً قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ فالدَّفْعُ كُفْرٌ والتَّعْجِيزُ كُفْرٌ في كُفْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ يَحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى جَمِيعِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ﴾ إلى هَذا اَلْمَقامِ ويَحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى اَلْأخِيرِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهم قالُوهُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ وهو اَلْأظْهَرُ لِلْقُرْبِ وتَعْقِيبُ كُلٍّ بِإنْكارٍ مُسْتَقِلٍّ وطِباقُهُ لِما في اَلْأنْعامِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ عَلى هَذا اَلتَّكْذِيبِ اَلْمَفْهُومِ مِنهُ راجِعٌ إلى اِسْتِنْتاجِ اَلْمَقْصُودِ مِن هَذِهِ اَللُّزُومِيَّةِ فَقَدْ سَبَقَ أنَّها عَلَيْهِمْ لا لَهم ولَوَّحَ إلى طَرَفٍ مِنهُ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ أوْ إلى اَلْحُكْمِ بِامْتِناعِ اَلِانْفِكاكِ مَعَ تَجْوِيزِ اَلْحاكِمِ اَلِانْفِكاكَ حالَ حُكْمِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ وإنْ كانَ ذَلِكَ اَلْحُكْمُ في نَفْسِهِ حَقًّا صَحِيحًا يَحِقُّ أنْ يُعْلَمَ كَما تَقُولُ زَيْدٌ قائِمٌ قَطْعًا أوِ اَلْبَتَّةَ وعِنْدَكَ اِحْتِمالُ نَقِيضِهِ. ولَيْسَ هَذا رُجُوعًا إلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ اَلصِّدْقَ بِطِباقِهِ لِلْمُعْتَقَدِ فافْهَمْ، عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ اِعْتِذارًا عَلى ما مَرَّ صَحَّ أنْ يَرْجِعَ اَلتَّكْذِيبُ إلى أنَّهُ لا يَصْلُحُ اِعْتِذارًا أيْ إنَّهم كاذِبُونَ في أنَّ اَلْمَشِيئَةَ تَقْتَضِي طِباقَ اَلْأمْرِ لَها، وهَذا ما آثَرَهُ صفحة 75 اَلْإمامُ. والعَلامَةُ. والقاضِي، والظّاهِرُ ما قَدَّمْناهُ. وتَعْقِيبُ اَلْخَرْصِ عَلى وجْهِ اَلْبَيانِ أوِ اَلِاسْتِئْنافِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ في سُورَةِ اَلْأنْعامِ دَلِيلٌ عَلى ما أشَرْنا فَقَدْ لاحَ لِلْمُسْتَرْشِدِ أنَّ اَلْآيَةَ تَصْلُحُ حُجَّةً لِأهْلِ اَلسُّنَّةِ لا لِلْمُعْتَزِلَةِ وقالَ في آيَةِ سُورَةِ اَلْأنْعامِ: إنَّ قَوْلَهم هَذا إمّا لِدَعْوى اَلْمَشْرُوعِيَّةِ رَدًّا لِلرُّسُلِ أوْ لِتَسْلِيمِ أنَّهم عَلى اَلْباطِلِ اِعْتِذارًا بِأنَّهم مَجْبُورُونَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ اَلْمَشِيئَةَ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِمُ اَلْمَشْرُوعِ وغَيْرِهِ فَما شاءَ اَللَّهُ تَعالى أنْ يَقَعَ مِنهم مَشْرُوعًا وقَعَ كَذَلِكَ وما شاءَ اَللَّهُ تَعالى أنْ يَقَعَ لا كَذَلِكَ وقَعَ لا كَذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّ مَن تَوَهَّمَ أنَّ كَوْنَ اَلْفِعْلِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى يُنافِي مَجِيءَ اَلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ اَلْمُباشَرُ مِنَ اَلْكُفْرِ والضَّلالِ فَقَدْ كَذَّبَ اَلتَّكْذِيبَ كُلَّهُ وهو كاذِبٌ في اِسْتِنْتاجِ اَلْمَقْصُودِ مِن هَذِهِ اَللُّزُومِيَّةِ، وظاهِرُ اَلْآيَةِ مَسُوقٌ لِهَذا اَلْمَعْنى، والثّانِي عَلى ما فِيهِ مِن حُصُولِ اَلْمَقْصُودِ وهو اَلِاعْتِرافُ بِالبُطْلانِ باطِلٌ أيْضًا إذْ لاجَبْرَ لِأنَّ اَلْمَشِيئَةَ تَعَلَّقَتْ بِأنْ يُشْرِكُوا اِخْتِيارًا مِنهم والعِلْمُ تَعَلَّقَ كَذَلِكَ فَهو يُؤَكِّدُ دَفْعَ اَلْقَدَرِ لا أنَّهُ يُحَقِّقُهُ وإلَيْهِ اَلْإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ ثُمَّ إنَّهم كاذِبُونَ في هَذا اَلْقَوْلِ لِجَزْمِهِمْ حَيْثُ لا ظَنَّ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنِ اَلْعِلْمِ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ اَلْمَعْلُومِ أنَّ اَلْعِلْمَ بِصِفاتِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ فَرْعُ اَلْعِلْمِ بِذاتِهِ جَلَّ وعَلا والإيمانُ بِها كَذَلِكَ والمُحْتَجُّونَ بِهِ كَفَرَةٌ مُشْرِكُونَ مُجَسِّمُونَ، ونَقَلَ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ نَحْوًا مِنَ اَلْكَلامِ اَلْأخِيرِ عَنْ إمامِ اَلْحَرَمَيْنِ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ في اَلْإرْشادِ اهـ. وقَدْ أطالَ اَلْعُلَماءُ اَلْأعْلامُ اَلْكَلامَ في هَذا اَلْمَقامِ وأرى اَلرَّجُلَ سَقى اَللَّهُ تَعالى مَرْقَدَهُ صَيِّبَ اَلرِّضْوانِ قَدْ مَخَضَ كُلَّ ذَلِكَ وأتى بِزُبْدِهِ بَلْ لَمْ يَتْرُكْ مِنَ اَلتَّحْقِيقِ شَيْئًا لِمَن أتى مِن بَعْدِهِ فَتَأمَّلْ واَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو اَلْمُوَفِّقُ.

الزخرف 43:23

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ والأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ اَلْحُجَّةِ مُطْلَقًا وتَشَبُّثِهِمْ بِذَيْلِ اَلتَّقْلِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ اَلتَّقْلِيدَ فِيما بَيْنَهم ضَلالٌ قَدِيمٌ لِأسْلافِهِمْ وأنَّ مُتَقَدِّمِيهِمْ أيْضًا لَمْ يَكُنْ لَهم سَنَدٌ مَنظُورٌ إلَيْهِ وتَخْصِيصُ اَلْمُتْرَفِينَ بِتِلْكَ اَلْمَقالَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اَلتَّنَعُّمَ وحُبَّ اَلْبِطالَةِ صَرَفَهم عَنِ اَلنَّظَرِ إلى اَلتَّقْلِيدِ ﴿قالَ﴾ حِكايَةً لِما جَرى بَيْنَ اَلْمُنْذِرِينَ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ عِنْدَ تَعَلُّلِهِمْ بِتَقْلِيدِ آبائِهِمْ أيْ قالَ: كُلُّ نَذِيرٍ مِن أُولَئِكَ اَلْمُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ

الزخرف 43:24

﴿أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ أيْ أتَقْتَدُونَ بِآبائِكم ولَوْ جِئْتُكم ﴿بِأهْدى﴾ بِدِينٍ أهْدى ﴿مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ مِنَ اَلضَّلالَةِ اَلَّتِي لَيْسَتْ مِنَ اَلْهِدايَةِ في شَيْءٍ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ مُجاراةً مَعَهم عَلى مَسْلَكِ اَلْإنْصافِ. وقَرَأ اَلْأكْثَرُونَ (قُلْ) عَلى أنَّهُ حِكايَةُ أمْرٍ ماضٍ أُوحِيَ إلى كُلِّ نَذِيرٍ أيْ فَقِيلَ أوْ قُلْنا لِلنَّذِيرِ قُلْ إلَخْ، واسْتَظْهَرَ في اَلْبَحْرِ كَوْنَهُ خِطابًا لِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والظّاهِرُ هو ما تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ جِدًّا في أنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ أيْ قالَ كُلُّ أُمَّةٍ لِنَذِيرِها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ إلَخْ وقَدْ أجْمَلَ عِنْدَ اَلْحِكايَةِ لِلْإيجازِ كَما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ . وجَعَلَهُ حِكايَةً عَنْ قَوْمِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَمْلِ صِيغَةِ اَلْجَمْعِ عَلى تَغْلِيبِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى سائِرِ اَلْمُنْذِرِينَ وتَوْجِيهُ كُفْرِهِمْ إلى ما أُرْسِلَ بِهِ اَلْكُلُّ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ لِإجْماعِهِمْ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلَيْهِ كَما في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ تَمَحُّلٌ بَعِيدٌ، وأيْضًا يَأْباهُ ظاهِرُ

الزخرف 43:25

قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ صفحة 76 فَإنَّ ظاهِرَهُ كَوْنُ اَلِانْتِقامِ بِعَذابِ اَلِاسْتِئْصالِ وصاحِبُ اَلْبَحْرِ يَحْمِلُهُ عَلى اَلِانْتِقامِ بِالقَحْطِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ. وقَرَأ أُبَيٌّ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. وابْنُ مُقْسِمٍ. والزَّعْفَرانِيُّ. وغَيْرُهم (أوَلَوْ جِئْناكُمْ) بِنُونِ اَلْمُتَكَلِّمِينَ وهي تُؤَيِّدُ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ والأمْرُ بِالنَّظَرِ فِيما اِنْتَهى إلَيْهِ حالُ اَلْمُكَذِّبِينَ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإرْشادٌ إلى عَدَمِ اَلِاكْتِراثِ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ

الزخرف 43:26

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لأبِيهِ﴾ آزَرَ ﴿وقَوْمِهِ﴾ اَلْمُكَبِّينَ عَلى اَلتَّقْلِيدِ كَيْفَ تَبَرَّأ مِمّا هم فِيهِ بُقُولُهُ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ وتَمَسَّكَ بِالبُرْهانِ، والكَلامُ تَمْهِيدٌ لِما أهْلُ مَكَّةَ فِيهِ مِنَ اَلْعِنادِ والحَسَدِ والإباءِ عَنْ تَدَبُّرِ اَلْآياتِ وأنَّهم لَوْ قَلَّدُوا آباءَهم لَكانَ اَلْأوْلى أنْ يُقَلِّدُوا أباهُمُ اَلْأفْضَلَ اَلْأعْلَمَ اَلَّذِي هم يَفْتَخِرُونَ بِالِانْتِماءِ إلَيْهِ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَكَأنَّهُ بَعْدَ تَعْيِيرِهِمْ عَلى اَلتَّقْلِيدِ يُعَيِّرُهم عَلى أنَّهم مُسِيئُونَ في تَرْكِ اِخْتِيارِهِ أيْضًا. وبَراءٌ مَصْدَرٌ كالطَّلاقِ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ اَلْواحِدُ والمُتَعَدِّدُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. وقَرَأ اَلزَّعْفَرانِيُّ والقَوْرَصِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ. وابْنِ اَلْمَناذِرِيِّ عَنْ نافِعٍ (بُراءٌ) بِضَمِّ اَلْباءِ هو اِسْمٌ مُفْرَدٌ كَطُوالٌ وكُرامٌ بِضَمِّ اَلْكافِ، وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (بَرِيٌّ) وهو وصْفٌ كَطَوِيلُ وكَرِيمُ وقِراءَةُ اَلْعامَّةِ لُغَةُ اَلْعالِيَةِ وهَذِهِ لُغَةُ نَجْدٍ. وقَرَأ اَلْأعْمَشُ أيْضًا (إنِّي) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ دُونَ نُونِ اَلْوِقايَةِ

الزخرف 43:27

﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ اِسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ قُلْنا إنَّ ما عامَّةٌ لِذَوِي اَلْعِلْمِ وغَيْرِهِمْ وأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اَللَّهَ تَعالى والأصْنامَ ولَيْسَ هَذا مِنَ اَلْجَمْعِ بَيْنَ اَللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ سُبْحانَهُ اَلَّذِي يَجِبُ اِجْتِنابُهُ لِما فِيهِ مِن إيهامِ اَلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا لِظُهُورِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في اَلْكَلامِ أوْ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّ ما مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ ذَوِي اَلْعِلْمِ وأنَّهُ لا يُناسِبُ اَلتَّغْلِيبَ أصْلًا وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُ تَعالى أوْ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهُ عَزَّ وجَلَّ إلّا أنَّ عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ مَعَ اَلشِّرْكِ في حُكْمِ اَلْعَدَمِ، وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ مَحَلُّ اَلْمَوْصُولِ اَلنَّصْبُ، وأجازَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما اَلْمَجْرُورِ بِمِن، وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهُ يَصِيرُ اِسْتِثْناءً مِنَ اَلْمُوجَبِ ولَمْ يُجَوِّزُوا فِيهِ اَلْبَدَلَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في مَعْنى اَلنَّفْيِ لِأنَّ مَعْنى ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ إلّا أنَّ ذَلِكَ في اَلْمُفَرَّغِ وهَذا فِيما ذُكِرَ فِيهِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ وهم لا يَخُصُّونَهُ بِالمُفَرَّغِ ولا بِألِفاظٍ مَخْصُوصَةٍ أيْضًا كَأبى وقَلَّما، نَعَمْ إنَّ أبا حَيّانَ يَأْبى إلّا أنَّهُ مُوجَبٌ ولا يَعْتَبِرُ اَلنَّفْيَ مَعْنًى، وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (إلّا) صِفَةً بِمَعْنى غَيْرِ عَلى أنَّ (ما) في ما (تَعْبُدُونَ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والتَّقْدِيرُ إنَّنِي بَراءٌ مِن آلِهَةٍ تَعْبُدُونَها غَيْرَ اَلَّذِي فَطَرَنِي فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ واعْتِبارُ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِناءً عَلى أنَّ إلّا لا تَكُونُ صِفَةً إلّا لِنَكِرَةٍ وكَذا اِعْتِبارُها بِمَعْنى اَلْجَمْعِ بِناءً عَلى اِشْتِراطِ كَوْنِ اَلنَّكِرَةِ اَلْمَوْصُوفَةِ بِها كَذَلِكَ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، فَمِنَ اَلنَّحْوِيِّينَ مَن قالَ إنَّ إلّا يُوصَفُ بِها اَلْمَعْرِفَةُ والنَّكِرَةُ مُطْلَقًا وعَلَيْهِ لا يُحْتاجُ إلى اِعْتِبارِ كَوْنِ ما نَكِرَةً بِمَعْنى آلِهَةٍ، وفي جَعْلِ اَلصِّلَةِ ﴿فَطَرَنِي﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ اَلْعِبادَةَ إلّا اَلْخالِقُ لِلْعابِدِ ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ يُثَبِّتُنِي عَلى اَلْهِدايَةِ فالسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ لا لِلِاسْتِقْبالِ لِأنَّهُ جاءَ في اَلشُّعَراءِ يَهْدِينِ بِدُونِها والقِصَّةُ واحِدَةٌ، والمُضارِعُ في اَلْمَوْضِعَيْنِ لِلِاسْتِمْرارِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى وراءِ ما هَدانِي إلَيْهِ أوَّلًا فالسِّينُ عَلى ظاهِرِها والتَّغايُرُ في اَلْحِكايَةِ والمَحْكِيِّ بِناءً عَلى تَكَرُّرِ اَلْقِصَّةِ

الزخرف 43:28

﴿وجَعَلَها﴾ اَلضَّمِيرُ اَلْمَرْفُوعُ اَلْمُسْتَتِرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أوْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والضَّمِيرُ اَلْمَنصُوبُ لِكَلِمَةِ اَلتَّوْحِيدِ أعْنِي لا إلَهَ صفحة 77 إلّا اَللَّهُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. ومُجاهِدٍ. والسُّدِّيِّ. ويُشْعِرُ بِها قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى هَذا اَلْقَوْلِ نَفْسِهِ وهو أيْضًا كَلِمَةٌ لُغَةً ﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ في ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اَللَّهَ تَعالى ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ (كِلْمَةً) بِكَسْرِ اَلْكافِ وسُكُونِ اَللّامِ وهي لُغَةٌ فِيها، وقُرِئَ (فِي عَقْبِهِ) بِسُكُونِ اَلْقافِ تَخْفِيفًا و(فِي عاقِبِهِ) أيْ مَن عَقِبَهُ أيْ خَلَفَهُ ومِنهُ تَسْمِيَةُ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالعاقِبِ لِأنَّهُ آخِرُ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ جَعَلَها باقِيَةً في عَقِبِهِ كَيْ يَرْجِعَ مَن أشْرَكَ مِنهم بِدُعاءِ مَن وحَّدَ أوْ بِسَبَبِ بَقائِها فِيهِمْ، والضَّمِيرانِ لِلْعَقِبِ وهو بِمَعْنى اَلْجَمْعِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ اَلْكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لَعَلَّ مُشْرِكِيهِمْ أوِ اَلْإسْنادُ مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى اَلْكُلِّ وأوَّلُوا لَعَلَّ بِناءً عَلى أنَّ اَلتَّرَجِّيَ مِنَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهو لا يَصِحُّ في حَقِّهِ تَعالى أوْ مِنهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَكِنَّهُ مِنَ اَلْأنْبِياءِ في حُكْمِ اَلْمُتَحَقِّقِ ويَجُوزُ تَرْكُ اَلتَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى بَلْ هو اَلْأظْهَرُ إذا كانَ ذاكَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

الزخرف 43:29

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ أهْلَ مَكَّةَ اَلْمُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وآباءَهُمْ﴾ بِالمَدِّ في اَلْعُمُرِ والنِّعْمَةِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ دَعْوَةُ اَلتَّوْحِيدِ أوِ اَلْقُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ اَلرِّسالَةِ بِما لَهُ مِنَ اَلْمُعْجِزاتِ اَلْباهِراتِ أوْ مُبِينٌ لِلتَّوْحِيدِ بِالآياتِ اَلْبَيِّناتِ والحُجَجِ اَلْقاطِعاتِ، والمُرادُ بِالتَّمْتِيعِ ما هو سَبَبٌ لَهُ مِنَ اِسْتِمْتاعِهِمْ بِما مُتِّعُوا واشْتِغالِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ شُكْرِ اَلْمُنْعِمِ وطاعَتِهِ والغايَةُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اِشْتَغَلُوا حَتّى جاءَ اَلْحَقُّ وهي غايَةٌ لَهُ في نَفْسِ اَلْأمْرِ لِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ مِمّا يُنَبِّهُ عَنْ سُنَّةِ اَلْغَفْلَةِ ويَزْجُرُ عَنِ اَلِاشْتِغالِ بِالمَلاذِّ لَكِنَّهم عَكَسُوا فَجَعَلُوا ما هو سَبَبٌ لِلتَّنَصُّلِ سَبَبًا لِلتَّوَغُّلِ فَهو عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، و﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ بَلْ مَتَّعْتُ مُشْرِكِي مَكَّةَ وأشْغَلْتُهم بِالمَلاهِي والمَلاذِّ فاشْتَغَلُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا أوْ فَلَمْ يَحْصُلْ ما رَجاهُ مِن رُجُوعِهِمْ عَنِ اَلشِّرْكِ، وهو في اَلْحَقِيقَةِ إضْرابٌ عَنِ اَلتَّمْهِيدِ اَلَّذِي سَمِعْتَ وشُرُوعٌ في اَلْمَقْصُودِ لَكِنْ رُوعِيَ فِيهِ اَلْمُناسِبَةُ بِما قَرَّبَ مِن جُمْلَةِ اَلْإضْرابِ أعْنِي ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ وفي اَلْحَواشِي اَلشِّهابِيَّةِ أنَّهُ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَها﴾ إلَخْ أيْ لَمْ يَرْجِعُوا فَلَمْ أُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ بَلْ أعْطَيْتُهم نِعَمًا أُخَرَ غَيْرَ اَلْكَلِمَةِ اَلْباقِيَةِ لِأجْلِ أنْ يَشْكُرُوا مُنْعِمَها ويُوَحِّدُوهُ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَلْ زادَ طُغْيانُهم لِاغْتِرارِهِمْ أوِ اَلتَّقْدِيرُ ما اِكْتَفَيْتُ في هِدايَتِهِمْ بِجَعْلِ اَلْكَلِمَةِ باقِيَةً فِيهِمْ بَلْ مَتَّعْتُهم وأرْسَلْتُ رَسُولًا. وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ (بَلْ مَتَّعْتَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ ورَواها يَعْقُوبُ عَنْ نافِعٍ وهو مِن كَلامِهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ اَلتَّجْرِيدِ لا اَلِالتِفاتُ وإنْ قِيلَ بِهِ في مِثْلِهِ أيْضًا كَأنَّهُ تَعالى اِعْتَرَضَ بِذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلَها﴾ إلَخْ لا لِتَقْبِيحِ فِعْلِهِ سُبْحانَهُ بَلْ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَوْبِيخِ اَلْمُشْرِكِينَ كَما إذا قالَ اَلْمُحْسِنُ عَلى مَن أساءَ مُخاطِبًا لِنَفْسِهِ: أنْتَ اَلدّاعِي لِإساءَتِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِ ورِعايَتِهِ فَيَبْرُزُ كَلامُهُ في صُورَةِ مَن يَعْتَرِضُ عَلى نَفْسِهِ ويُوَبِّخُها حَتّى كَأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ وفي ذَلِكَ مِن تَوْبِيخِ اَلْمُسِيءِ ما فِيهِ، وقالَ صاحِبُ اَللَّوامِحِ: هو مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ومُناجاتِهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ في اَلْبَحْرِ: اَلظّاهِرُ أنَّهُ مِن مُناجاةِ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَعْنى قُلْ يا رَبِّ مَتَّعْتُ، والأوَّلُ أوْلى وهو اَلْمُوافِقُ لِلْأصْلِ اَلْمَشْهُورِ، وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (مَتَّعْنا) بِنُونِ اَلْعَظَمَةِ.

الزخرف 43:30

﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ لِيُنَبِّهَهم عَمّا هم فِيهِ مِنَ اَلْغَفْلَةِ ويُرْشِدَهم إلى اَلتَّوْحِيدِ ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ صفحة 78 زادُوا شَرارَةً فَضَمُّوا إلى شِرْكِهِمْ مُعانَدَةَ اَلْحَقِّ والِاسْتِخْفافَ بِهِ فَسَمَّوُا اَلْقُرْآنَ سِحْرًا وكَفَرُوا بِهِ واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ

الزخرف 43:31

﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ﴾ أيْ مِن إحْدى اَلْقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفِ أوْ مِن رِجالِهِما فَمِنَ اِبْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقُرِئَ (رَجْلٍ) بِسُكُونِ اَلْجِيمِ ﴿عَظِيمٍ﴾ بِالجاهِ والمالِ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: اَلَّذِي مِن مَكَّةَ اَلْوَلِيدُ بْنُ اَلْمُغِيرَةِ اَلْمَخْزُومِيُّ واَلَّذِي مِنَ اَلطّائِفِ حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ اَلثَّقَفِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وكِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ، وقالَ قَتادَةُ: اَلْوَلِيدُ بْنُ اَلْمُغِيرَةِ. وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ اَلثَّقَفِيُّ، وكانَ اَلْوَلِيدُ بْنُ اَلْمُغِيرَةِ يُسَمّى رَيْحانَةَ قُرَيْشٍ وكانَ يَقُولُ: لَوْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَقًّا لَنَزَلَ عَلَيَّ أوْ عَلى أبِي مَسْعُودٍ يَعْنِي عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وكانَ يُكْنى بِذَلِكَ، وهَذا بابٌ آخَرُ مِن إنْكارِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ وذَلِكَ أنَّهم أنْكَرُوا أوَّلًا أنْ يَكُونَ اَلنَّبِيُّ بَشَرًا ثُمَّ لَمّا بُكِّتُوا بِتَكْرِيرِ اَلْحُجَجِ ولَمْ يَبْقَ عِنْدَهم تَصَوُّرٌ رَواجٌ لِذَلِكَ جاؤُوا بِالإنْكارِ مِن وجْهٍ آخَرَ فَتَحَكَّمُوا عَلى اَللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ اَلرَّسُولُ أحَدَ هَذَيْنِ وقَوْلُهم هَذا اَلْقُرْآنُ ذِكْرٌ لَهُ عَلى وجْهِ اَلِاسْتِهانَةِ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا هَذِهِ اَلْمَقالَةَ تَسْلِيمًا بَلْ إنْكارًا كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا اَلْكَذِبُ اَلَّذِي يَدَّعِيهِ لَوْ كانَ حَقًّا لَكانَ اَلْحَقِيقَ بِهِ رَجُلٌ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٌ وهَذا مِنهم لِجَهْلِهِمْ بِأنَّ رُتْبَةَ اَلرِّسالَةِ إنَّما تَسْتَدْعِي عَظِيمَ اَلنَّفْسِ بِالتَّخَلِّي عَنِ اَلرَّذائِلِ اَلدَّنِيَّةِ والتَّحَلِّي بِالكِمالاتِ والفَضائِلِ اَلْقُدُسِيَّةِ دُونَ اَلتَّزَخْرُفِ بِالزَّخارِفِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ،

الزخرف 43:32

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنْكارٌ فِيهِ تَجْهِيلٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ بِنُزُولِ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ عَلى مَن أرادُوا، والرَّحْمَةُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ بِها ظاهِرَها وهو ظاهِرُ كَلامِ اَلْبَحْرِ ونَزَّلَ تَعْيِينَهم لِمَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ اَلْوَحْيُ مَنزِلَةَ اَلتَّقْسِيمِ لَها وتَدْخُلُ اَلنُّبُوَّةُ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ بِها اَلنُّبُوَّةَ وهو اَلْأنْسَبُ لِما قَبْلُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ، وفي إضافَةِ اَلرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، وفي إضافَةِ اَلرَّحْمَةِ إلى اَلرَّبِّ إشارَةٌ إلى أنَّها مِن صِفاتِ اَلرُّبُوبِيَّةِ ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ أسْبابَ مَعِيشَتِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ. وابْنُ عَبّاسٍ. والأعْمَشُ. وسُفْيانُ (مَعايِشَهُمْ) عَلى اَلْجَمْعِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قِسْمَةً تَقْتَضِيها مَشِيئَتُنا اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ ولَمْ نُفَوِّضْ أمْرَها إلَيْهِمْ عِلْمًا مِنّا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَدْبِيرِها بِالكُلِّيَّةِ وإطْلاقُ اَلْمَعِيشَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَلالُها وحَرامُها مِنَ اَللَّهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في اَلرِّزْقِ وسائِرِ مَبادِئِ اَلْمَعاشِ ﴿دَرَجاتٍ﴾ مُتَفاوِتَةً بِحَسْبِ اَلْقُرْبِ والبُعْدِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ فَمِن ضَعِيفٍ وقَوِيٍّ وغَنِيٍّ وفَقِيرٍ وخادِمٍ ومَخْدُومٍ وحاكِمٍ ومَحْكُومٍ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيَسْتَعْمِلَ بَعْضُهم بَعْضًا في مَصالِحِهِمْ ويَسْتَخْدِمُوهم في مِهَنِهِمْ ويُسَخِّرُوهم في أشْغالِهِمْ حَتّى يَتَعايَشُوا ويَتَرافَدُوا ويَصِلُوا إلى مُرافِقِهِمْ لا لِكَمالٍ في اَلْمُوَسَّعِ عَلَيْهِ ولا لِنَقْصٍ في اَلْمُقَتَّرِ عَلَيْهِ ولَوْ فَوَّضْنا ذَلِكَ إلى تَدْبِيرِهِمْ لَضاعُوا وهَلَكُوا فَإذا كانُوا في تَدْبِيرِ خُوَيِّصَةِ أمْرِهِمْ وما يُصْلِحُهم مِن مَتاعِ اَلدُّنْيا اَلدَّنِيَّةِ وهو عَلى طَرَفِ اَلتَّمامِ بِهَذِهِ اَلْحالَةِ فَما ظَنُّهم بِأنْفُسِهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِ اَلدِّينِ وهو أبْعَدُ مِن مَناطِ اَلْعُيُوقِ ومِن أيْنَ لَهُمُ اَلْبَحْثُ عَنْ أمْرِ اَلنُّبُوَّةِ والتَّخَيُّرُ لَها مَن يَصْلُحُ لَها ويَقُومُ بِأمْرِها، والسُّخْرِيُّ عَلى ما سَمِعْتَ نِسْبَةٌ إلى اَلسُّخْرَةِ وهي اَلتَّذْلِيلُ والتَّكْلِيفُ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلسُّخْرِيُّ هو اَلَّذِي يَقْهَرُ أنْ يَتَسَخَّرَ بِإرادَتِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ هُنا مِنَ اَلسَّخْرِ بِمَعْنى اَلْهَزْءِ أيْ لِيَهْزَأ اَلْغَنِيُّ بِالفَقِيرِ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ. وقالَ اَلسَّمِينُ: إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وابْنُ أبِي لَيْلى. وأبُو رَجاءٍ. والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ (سِخْرِيًّا) بِكَسْرِ اَلسِّينِ والمُرادُ بِهِ ما ذَكَرْنا أيْضًا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا﴾ إلَخْ ما يَزْهَدُ في اَلِانْكِبابِ عَلى طَلَبِ اَلدُّنْيا ويُعِينُ عَلى اَلتَّوَكُّلِ صفحة 79 عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ: فاعْتَبِرْ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم تَلْقَهُ حَقًّا وبِالحَقِّ نَزَلْ ﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ اَلنُّبُوَّةُ وما يَتْبَعُها مِن سَعادَةِ اَلدّارَيْنِ، وقِيلَ: اَلْهِدايَةُ والإيمانُ، وقالَ قَتادَةُ. والسُّدِّيُّ: اَلْجَنَّةُ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ اَلدُّنْيا اَلدَّنِيَّةِ فالعَظِيمُ مَن رُزِقَ تِلْكَ اَلرَّحْمَةَ دُونَ ذَلِكَ اَلْحُطامِ اَلدَّنِيءِ اَلْفانِي.

الزخرف 43:33

﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُبِينٌ لِحَقارَةِ مَتاعِ اَلدُّنْيا ودَناءَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى أنَّ حَقارَةَ شَأْنِهِ بِحَيْثُ لَوْلا كَراهَةُ أنْ يَجْتَمِعَ اَلنّاسُ عَلى اَلْكُفْرِ ويُطْبِقُوا عَلَيْهِ لَأعْطَيْناهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مَن هو شَرُّ اَلْخَلائِقِ وأدْناهم مَنزِلَةً، فَكَراهَةُ اَلِاجْتِماعِ عَلى اَلْكُفْرِ هي اَلْمانِعَةُ مِن تَمْتِيعِ كُلِّ كافِرٍ والبَسْطِ عَلَيْهِ لا أنَّ اَلْمانِعَ كَوْنُ مَتاعِ اَلدُّنْيا لَهُ قَدْرٌ عِنْدَنا، والكَراهَةُ اَلْمَذْكُورَةُ هي وجْهُ اَلْحِكْمَةِ في تَرْكِ تَنْعِيمِ كُلِّ كافِرٍ وبَسْطِ اَلرِّزْقِ عَلَيْهِ فَلا مَحْذُوفَ في تَقْدِيرِها ولَيْسَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى وُجُوبِ رِعايَةِ اَلْمَصْلَحَةِ وإرادَةِ اَلْإيمانِ مِنَ اَلْخَلْقِ لِيَكُونَ اِعْتِزالًا كَما ظُنَّ، وكَأنَّ وجْهَ كَوْنِ اَلْبَسْطِ عَلى اَلْكُفّارِ سَبَبًا لِلِاجْتِماعِ عَلى اَلْكُفْرِ مَزِيدُ حُبِّ اَلنّاسِ لِلدُّنْيا فَإذا رَأوْا ذَلِكَ كَفَرُوا لِيَنالُوها، وهَذا عَلى مَعْنى أنَّ اَللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَدَعا اَلنّاسَ إذْ ذاكَ حُبُّهم لِلدُّنْيا إلى اَلْكُفْرِ، فَلا يُقالُ: إنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلنّاسِ اَلْيَوْمَ يَتَحَقَّقُ اَلْغِنى اَلتّامُّ لَوْ كَفَرَ ولا يَكْفُرُ ولَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِالقَتْلِ، وكَوْنُ اَلْمُرادِ بِالأمْرِ اَلْواحِدِ اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَوْنُهم أُمَّةً واحِدَةً فَإنَّهُ بِمَعْنى اِجْتِماعِهِمْ عَلى أمْرٍ واحِدٍ اَلْكُفْرَ بِقَرِينَةِ اَلْجَوابِ،

الزخرف 43:34

﴿ولِبُيُوتِهِمْ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾ واللّامُ فِيهِما لِلِاخْتِصاصِ أوْ هُما مُتَعَلِّقانِ بِالفِعْلِ لا عَلى اَلْبَدَلِيَّةِ ولامُ لِمَن صِلَةُ اَلْفِعْلِ لِتَعَدِّيهِ بِاللّامِ فَهو بِمَنزِلَةِ اَلْمَفْعُولِ بِهِ ولامُ ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ فَهو بِمَنزِلَةِ اَلْمَفْعُولِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اَلْأُولى لِلْمِلْكِ والثّانِيَةُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِكَ: وهَبْتُ اَلْحَبْلَ لِزَيْدٍ لِدابَّتِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ عَطِيَّةَ، ولا يَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ اِخْتِلافِ اَللّامَيْنِ مَعْنى اَلْبَدَلِيَّةِ إذْ مُقْتَضى إعادَةِ اَلْعامِلِ في اَلْبَدَلِ اَلِاتِّحادُ في اَلْمَعْنى وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن أنْ يُبْدَلَ اَلْمَجْمُوعُ مِنَ اَلْمَجْمُوعِ بِدُونِ اِعْتِبارِ إعادَةٍ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ كَرُهُنٍ جَمْعُ رَهْنٍ، وعَنِ اَلْفَرّاءِ أنَّهُ جَمْعُ سَقِيفَةٍ كَسُفُنٍ جَمْعُ سَفِينَةٍ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرِجٍ وهو عَطْفٌ عَلى (سُقُفًا) أيْ ولَجَعَلْنا لَهم مَصاعِدَ عَلَيْها يَعْلَوْنَ اَلسُّطُوحَ والعِلالِي وكَأنَّ اَلْمُرادَ مَعارِجُ مِن فِضَّةٍ بِناءً عَلى أنَّ اَلْعَطْفَ ظاهِرٌ في اَلتَّشْرِيكِ في اَلْقَيْدِ وإنْ تَقَدَّمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ (سُقْفًا) بِضَمِّ اَلسِّينِ وسُكُونِ اَلْقافِ تَخْفِيفًا وفي اَلْبَحْرِ هي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ. وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ اَلسِّينِ والسُّكُونِ عَلى اَلْإفْرادِ لِأنَّهُ اِسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى اَلْواحِدِ وما فَوْقَهُ وهو اَلْمُرادُ بِقَرِينَةِ اَلْبُيُوتِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ اَلسِّينِ والقافِ وهي لُغَةٌ في سَقْفٍ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيكَ ساكِنٍ لِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ. وقُرِئَ (سُقُوفًا) وهو جَمْعُ سَقْفٍ كَفُلُوسٍ جَمْعُ فَلْسٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ (مَعارِيجَ) جَمْعُ مِعْراجٍ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ﴾ أيْ ولَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ، وتَكْرِيرُ ذِكْرِ بُيُوتِهِمْ لِزِيادَةِ اَلتَّقْرِيرِ ولِأنَّهُ اِبْتِداءُ آيَةٍ ﴿أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ مِن فِضَّةٍ عَلى ما سَمِعْتَ، وقُرِئَ (سَرَرًا) بِفَتْحِ اَلسِّينِ والرّاءِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ وبَعْضِ كَلْبٍ وذَلِكَ في جَمْعِ فَعِيلٍ اَلْمُضَعَّفِ إذا كانَ اِسْمًا بِاتِّفاقٍ وصِفَةً نَحْوُ ثَوْبٌ جَدِيدٌ وثِيابٌ جُدُدٌ بِاخْتِلافٍ بَيْنَ اَلنُّحاةِ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ عَلى اَلسُّرُرِ يَتَّكِؤُنَ صفحة 80 كَما هو شَأْنُ اَلْمُلُوكِ لا يُهِمُّهم شَيْءٌ

الزخرف 43:35

﴿وزُخْرُفًا﴾ قالَ اَلْحَسَنُ: أيْ نُقُوشًا وتَزاوِيقَ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: اَلزُّخْرُفُ أثاثُ اَلْبَيْتِ وتَحَمُّلاتُهُ وهو عَلَيْهِما عَطْفٌ عَلى (سُقُفًا) . وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ. وقَتادَةُ. والشَّعْبِيُّ. والسُّدِّيُّ. والحُسْنُ أيْضًا في رِوايَةٍ اَلزُّخْرُفُ اَلذَّهَبُ، وأكْثَرُ اَللُّغَوِيِّينَ ذَكَرُوا لَهُ مَعْنَيَيْنِ هَذا والزِّينَةَ فَقِيلَ اَلظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِما، وقِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في اَلزِّينَةِ ولِكَوْنِ كَمالِها بِالذَّهَبِ اِسْتُعْمِلَ فِيهِ أيْضًا، ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ اَلرّاغِبِ قالَ: اَلزُّخْرُفُ اَلزِّينَةُ اَلْمُزَوِّقَةُ ومِنهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ زُخْرُفٌ، وفي اَلْبَحْرِ جاءَ في اَلْحَدِيثِ إيّاكم والحُمْرَةَ فَإنَّها مِن أحَبِّ اَلزِّينَةِ إلى اَلشَّيْطانِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اَلْحُسْنُ أحْمَرُ والشَّهَواتُ تَتْبَعُهُ ولِبَعْضِ شُعَراءِ اَلْمَغْرِبِ: وصَبَغْتَ دِرْعَكَ مِن دِماءِ كَماتِهِمْ لَمّا رَأيْتَ اَلْحُسْنَ يُلْبَسُ أحْمَرا وهُوَ عَلى هَذا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ كَأنَّ اَلْأصْلَ سُقْفًا مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ يَعْنِي بَعْضُها مِن فِضَّةٍ وبَعْضُها مِن ذَهَبٍ فَنُصِبَ عَطْفًا عَلى اَلْمَحَلِّ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى (سُقُفًا) أيْضًا ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ وما كَلُّ ما ذُكِرَ مِنَ اَلْبُيُوتِ اَلْمَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ اَلْمُفَصَّلَةِ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وفي مَعْناهُ ما قُرِئَ (وما كَلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ اَلدُّنْيا) وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ (لَما) بِفَتْحِ اَللّامِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ (إنْ) هي اَلْمُخَفَّفَةُ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ واللّامُ هي اَلْفارِقَةُ بَيْنَ اَلْمُخَفَّفَةِ وغَيْرِها وما زائِدَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِتَقْدِيرِ لَمّا هو مَتاعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ في قِراءَةِ مَن رَفَعَ اَلنُّونَ، وقَرَأ رَجاءٌ وفي اَلتَّحْرِيرِ أبُو حَيْوَةَ (لِما) بِكَسْرِ اَللّامِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ (إنْ) هي اَلْمُخَفَّفَةُ واللّامُ حَرْفُ جَرٍّ وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرٍّ بِها والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْخَبَرِ لِكُلُّ وصَدْرُ اَلصِّلَةِ مَحْذُوفٌ كَما سَمِعْتَ آنِفًا. وحَقُّ اَلتَّرْكِيبِ في مِثْلِهِ اَلْإتْيانُ بِاللّامِ اَلْفارِقَةِ فَيُقالُ: لَلَمّا مَتاعُ لَكِنَّها حُذِفَتْ لِظُهُورِ إرادَةِ اَلْإثْباتِ كَما في قَوْلِهِ: أنا اِبْنُ أُباةِ اَلضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ ∗∗∗ وإنْ مالِكٌ كانَتْ كِرامَ اَلْمَعادِنِ بَلْ لا يَجُوزُ في اَلْبَيْتِ إدْخالُ اَللّامِ كَما لا يَخْفى عَلى اَلنَّحْوِيِّ ﴿والآخِرَةُ﴾ أيْ بِما فِيها مِن فُنُونِ اَلنَّعِيمِ اَلَّتِي لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ اَلْبَيانِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ خاصَّةً لَهُمْ، والمُرادُ بِهِمْ مَنِ اِتَّقى اَلشِّرْكَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: مَنِ اِتَّقى ذَلِكَ والمَعاصِي، وفي اَلْآيَةِ مِنَ اَلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّزْهِيدِ في اَلدُّنْيا وزِينَتِها والتَّحْرِيضِ عَلى اَلتَّقْوى ما فِيها، وقَدْ أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَوْ كانَتِ اَلدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ)» وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: اَلدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْهِ كَلْبٌ في يَدِ مَجْذُومٍ، هَذا واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ عَلى أنَّ اَلسَّقْفَ لِرَبِّ اَلْبَيْتِ اَلْأسْفَلِ لا لِصاحِبِ اَلْعُلُوِّ لِأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى اَلْبَيْتِ

الزخرف 43:36

﴿ومَن يَعْشُ﴾ أيْ يَتَعامَ ويُعْرِضْ ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ وهو اَلْقُرْآنُ، وإضافَتُهُ إلى اَلرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِنُزُولِهِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أُضِيفَ إلى اَلْمَفْعُولِ أيْ مَن يَعْشُ عَنْ أنْ يَذْكُرَ اَلرَّحْمَنَ. وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أُضِيفَ إلى اَلْفاعِلِ أيْ عَنْ تَذْكِيرِ اَلرَّحْمَنِ عِبادَهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَلامٍ اَلْبَصْرِيُّ (يَعْشَ) بِفَتْحِ اَلشِّينِ كَيَرْضَ أيْ يَعْمَ يُقالُ: عَشِيَ كَرَضِيَ إذا حَصَلَتِ اَلْآفَةُ في بَصَرِهِ وعَشا كَغَزا إذا نَظَرَ نَظَرَ اَلْعَشى لِعارِضٍ قالَ اَلْحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ أيْ تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ اَلْعَشى لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ اَلْوَقُودِ واتِّساعِ اَلضَّوْءِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِكَلِمَةِ صفحة 81 اَلْغايَةِ مُوقِعٌ وأظْهَرُ مِنهُ في اَلْمَقْصُودِ قَوْلُ حاتِمٍ: أعُشْو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي اَلْخِدْرُ لِأنَّهُ قُيِّدَ بِالوَقْتِ وأتى بِالغايَةِ وما هو خَلْقِيٌّ لا يَزُولُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ أرَ أحَدًا يُجِيزُ عَشَوْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتَ وإنَّما يُقالُ تَعاشَيْتُ وتَعامَيْتُ عَنِ اَلشَّيْءِ إذا تَغافَلْتَ عَنْهُ كَأنَّكَ لَمْ تَرَهُ ويُقالُ: عَشَوْتُ إلى اَلنّارِ إذا اِسْتَدْلَلْتَ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ، وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ومِثْلُهُ عَشِيَ وعَشا عَرِجَ بِكَسْرِ اَلرّاءِ لِمَن بِهِ اَلْآفَةُ وعَرَجَ بِفَتْحِها لِمَن مَشى مِشْيَةَ اَلْعِرَجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ عَلى ما في اَلْكَشّافِ، وفِيهِ خِلافٌ لِأهْلِ اَللُّغَةِ فَفي اَلْقامُوسِ يُقالُ: عَرَجَ أيْ بِالفَتْحِ إذا أصابَهُ شَيْءٌ في رِجْلِهِ ولَيْسَ بِخِلْقَةٍ فَإذا كانَ خِلْقَةً فَعَرِجَ كَفَرِحَ أوْ يُثَلَّثُ في غَيْرِ اَلْخِلْقَةِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يَعْشُو) بِإثْباتِ اَلْواوِ وخَرَّجَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والمِدَّةُ إمّا لِلْإشْباعِ أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَجْزِمُ اَلْمُعْتَلَّ اَلْآخِرَ بِحَذْفِ اَلْحَرَكَةِ عَلى ما حَكاهُ اَلْأخْفَشُ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْفِعْلِ مَجْزُومًا بِحَذْفِ اَلنُّونِ والواوُ ضَمِيرُ اَلْجَمْعِ، وقَدْ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنى مَن، وتَخْرِيجُ اَلزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيٌّ عَلى اَلْفَصِيحِ اَلْمُطَّرِدِ اَلْمُتَبادِرِ. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ أيْ نُتِحْ لَهُ شَيْطانًا لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ اِسْتِيلاءَ اَلْقَيْضِ عَلى اَلْبَيْضِ وهو اَلْقِشْرُ اَلْأعْلى. ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ دائِمًا لا يُفارِقُهُ ولا يَزالُ يُوَسْوِسُهُ ويُغْوِيهِ وهَذا عُقابٌ عَلى اَلْكُفْرِ بِالخَتْمِ وعَدَمِ اَلْفَلاحِ كَما يُقالُ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى اَلْمَعْصِيَةِ بِمَزِيدِ اِكْتِسابِ اَلسَّيِّئاتِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. والسِّلْمِيُّ. والأعْمَشُ ويَعْقُوبُ. وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمّادٌ عَنْ عاصِمٍ. وعِصْمَةُ عَنِ اَلْأعْمَشِ وعَنْ عاصِمٍ والعُلَيْمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ (يُقَيِّضْ) بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ (اَلرَّحْمَنِ)، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ (يُقَيَّضْ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (شَيْطانٌ) بِالرَّفْعِ والفِعْلُ في جَمِيعِ اَلْقِراءاتِ مَجْزُومٌ ولَمْ نَسْمَعْ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ، وفي اَلْكَشّافِ حَقُّ مَن قَرَأ (مَن يَعْشُو) بِالواوِ أنْ يَرْفَعَهُ أيْ بِناءً عَلى تَخْرِيجِهِ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (يُقَيِّضُ) مَرْفُوعًا لَكِنَّهُ سَكَنَ تَخْفِيفًا. وفِي اَلْبَحْرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً وجُزِمَ (نُقَيِّضْ) تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ اَلشَّرْطِ وإذا كانَ ذَلِكَ مَسْمُوعًا في اَلَّذِي وهو لَمْ يَكُنِ اِسْمَ شَرْطٍ قَطُّ فالأوْلى أنْ يَكُونَ فِيما اِسْتُعْمِلَ مَوْصُولًا وشَرْطًا، قالَ الشّاعِرُ: لا تَحْفِرَنْ بِئْرًا تُرِيدُ أخًا بِها ∗∗∗ فَإنَّكَ فِيها أنْتَ مِن دُونِهِ تَقَعْ كَذاكَ اَلَّذِي يَبْغِي عَلى اَلنّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعْ أنْشَدَهُما اِبْنُ اَلْأعْرابِيِّ وهو مَذْهَبٌ لِلْكُوفِيِّينَ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ اَلْقِياسِ وهو أنَّهُ كَما شُبِّهَ اَلْمَوْصُولُ بِاسْمِ اَلشَّرْطِ فَدَخَلَتِ اَلْفاءُ في خَبَرِهِ فَكَذَلِكَ يُشَبَّهُ بِهِ فَيَنْجَزِمُ اَلْخَبَرُ إلّا أنَّ دُخُولَ اَلْفاءِ مُنْقاسٌ إذا كانَ اَلْخَبَرُ مُسَبَّبًا عَنِ اَلصِّلَةِ بِشُرُوطِهِ اَلْمَذْكُورَةِ في اَلنَّحْوِ وهَذا لا يَقِيسُهُ اَلْبَصْرِيُّونَ

الزخرف 43:37

﴿وإنَّهُمْ﴾ أيِ اَلشَّياطِينُ اَلَّذِينَ قُيِّضَ وقُدِّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَعْشُو ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيْ لَيَصُدُّونَ قُرَناءَهم وهُمُ اَلْكُفّارُ اَلْمُعَبَّرُ عَنْهم بِمَن يَعْشُ، وجُمِعَ ضَمِيرُ اَلشَّيْطانِ لِأنَّ اَلْمُرادَ بِهِ اَلْجِنْسُ. وجُمِعَ ضَمِيرُ مَن رِعايَةً لِلْمَعْنى كَما أُفْرِدَ أوَّلًا رِعايَةً لِلَّفْظِ. وفي اَلِانْتِصافِ أنَّ في هَذِهِ اَلْآيَةِ نُكْتَتَيْنِ بَدِيعَتَيْنِ اَلْأُولى اَلدَّلالَةُ عَلى أنَّ اَلنَّكِرَةَ اَلْواقِعَةَ في سِياقِ اَلشَّرْطِ تُفِيدُ اَلْعُمُومَ وهي مَسْألَةٌ أضْرَبَ فِيها اَلْأُصُولِيُّونَ وإمامُ اَلْحَرَمَيْنِ مِنَ اَلْقائِلِينَ بِإفادَتِها اَلْعُمُومَ حَتّى اِسْتَدْرَكَ عَلى اَلْأئِمَّةِ إطْلاقَهُمُ اَلْقَوْلَ بِأنَّ اَلنَّكِرَةَ في سِياقِ اَلْإثْباتِ تَخُصُّ، وقالَ إنَّ اَلشَّرْطَ يَعُمُّ والنَّكِرَةَ في سِياقِهِ تَعُمُّ وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ اَلْفَقِيهُ أبُو اَلْحَسَنِ صفحة 82 عَلِيٌّ اَلْأبْيارِيُّ شارِحُ كِتابِهِ رَدًّا عَنِيفًا، وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ لِلْإمامِ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ كِفايَةٌ، وذَلِكَ أنَّ اَلشَّيْطانَ ذُكِرَ فِيها مُنَكَّرًا في سِياقِ شَرْطٍ ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّهُ إنَّما أُرِيدَ عُمُومُ اَلشَّياطِينِ لا واحِدٌ لِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ شَيْطانًا فَكَيْفَ بِالعاشِي عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ تَعالى والآخَرُ مِنَ اَلْآيَةِ وهو أنَّهُ أُعِيدَ عَلَيْهِ اَلضَّمِيرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ تَعالى: (وإنَّهُمْ) فَإنَّهُ عائِدٌ إلى اَلشَّيْطانِ قَوْلًا واحِدًا ولَوْلا إفادَتُهُ عُمُومَ اَلشُّمُولِ لَما جازَ عَوْدُ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ عَلَيْهِ بِلا إشْكالٍ، فَهَذِهِ نُكْتَةٌ تَجِدُ عِنْدَ سَماعِها لِمُخالِفِي هَذا اَلرَّأْيِ سَكْتَةً. اَلنُّكْتَةُ اَلثّانِيَةُ أنَّ فِيها رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ اَلْعَوْدَ عَلى مَعْنى مَن يَمْنَعُ مِنَ اَلْعَوْدِ عَلى لَفْظِها بَعْدَ ذَلِكَ واحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ إجْمالٌ بَعْدَ تَفْسِيرٍ، وهو خِلافُ اَلْمَعْهُودِ مِنَ اَلْفَصاحَةِ وقَدْ نَقَضَ ذَلِكَ اَلْكِنْدِيُّ وغَيْرُهُ بِآياتٍ، واسْتَخْرَجَ جَدِّي مِن هَذِهِ اَلْآيَةِ نَقْضَ ذَلِكَ أيْضًا لِأنَّهُ أُعِيدَ اَلضَّمِيرُ عَلى اَللَّفْظِ في (يَعْشُ. ولَهُ) وعَلى اَلْمَعْنى في ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ ثُمَّ عَلى اَللَّفْظِ في ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ وقَدْ قَدَّمْتُ أنَّ اَلَّذِي مَنَعَ قَدْ يَكُونُ اِقْتَصَرَ بِمَنعِهِ عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ وأمّا إذا تَعَدَّدَتِ اَلْجُمَلُ واسْتَقَلَّتْ كُلٌّ بِنَفْسِها فَقَدْ لا يُمْنَعُ ذَلِكَ اِنْتَهى. وفِي كَوْنِ ضَمِيرِ (إنَّهُمْ) عائِدًا عَلى اَلشَّيْطانِ قَوْلًا واحِدًا نَظَرٌ، فَقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ: اَلظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ اَلنَّصْبِ في ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن عَلى اَلْمَعْنى وهو أوْلى مِن عَوْدٍ ضَمِيرِ”(إنَّهُمْ)“ عَلى اَلشَّيْطانِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ عَطِيَّةَ لِتَناسُقِ اَلضَّمائِرِ في (إنَّهُمْ) وما بَعْدَهُ فَلا تَغْفُلْ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ اَلْمُسْتَبِينِ اَلَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ ذِكْرُ اَلرَّحْمَنِ ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أيِ اَلْعاشُونَ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ اَلشَّياطِينَ ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أيْ إلى ذَلِكَ اَلسَّبِيلِ اَلْحَقِّ وإلّا لَما اِتَّبَعُوهم أوْ ويَحْسَبُ اَلْعاشُونَ أنَّ أنْفُسَهم مُهْتَدُونَ فَإنَّ اِعْتِقادَ كَوْنِ اَلشَّياطِينِ مُهْتَدِينَ مُسْتَلْزِمٌ لِاعْتِقادِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِاتِّحادِ مَسْلَكِهِما. والظّاهِرُ أنَّ أبا حَيّانَ يَخْتارُ هَذا اَلْوَجْهَ لِلتَّناسُقِ أيْضًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ (يَصُدُّونَ) بِتَقْدِيرِ اَلْمُبْتَدَأِ أوْ مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما أيْ وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ اَلطَّرِيقِ اَلْحَقِّ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ إلَيْهِ.

الزخرف 43:38

وصِيغَةُ اَلْمُضارِعِ في اَلْأفْعالِ اَلْأرْبَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلِاسْتِمْرارِ اَلتَّجَدُّدِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ فَإنَّ (حَتّى) وإنْ كانَتِ اِبْتِدائِيَّةً داخِلَةً عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلشَّرْطِيَّةِ لَكِنَّها تَقْتَضِي حَتْمًا أنْ تَكُونَ غايَةً لِأمْرٍ مُمْتَدٍّ وأفْرَدَ اَلضَّمِيرَ في جاءَ وما بَعْدَهُ لِما أنَّ اَلْمُرادَ حِكايَةُ مَقالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ اَلْعاشِينَ لِقَرِينِهِ لِتَهْوِيلِ اَلْأمْرِ وتَفْظِيعِ اَلْحالِ والمَعْنى يَسْتَمِرُّ أمْرُ اَلْعاشِينَ عَلى ما ذُكِرَ حَتّى إذا جاءَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَعَ قَرِينِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لَهُ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ أيْ في اَلدُّنْيا، وقِيلَ: في اَلْآخِرَةِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ بُعْدَ كُلٍّ مِنهُما مِنَ اَلْآخَرِ، والمُرادُ بِهِما اَلْمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كَما اِخْتارَهُ اَلزَّجّاجُ أوِ اَلْفَرّاءُ وغَيْرُهُما لَكِنْ غَلَبَ اَلْمَشْرِقُ عَلى اَلْمَغْرِبِ وثُنِّيا كالمَوْصِلَيْنِ لِلْمَوْصِلِ والجَزِيرَةِ وأُضِيفُ اَلْبُعْدُ إلَيْهِما، والأصْلُ بُعْدَ اَلْمَشْرِقِ مِنَ اَلْمَغْرِبِ والمَغْرِبِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ وإنَّما اِخْتُصِرَ هَذا اَلْمَبْسُوطُ لِعَدَمِ اَلْإلْباسِ إذْ لا خَفاءَ أنَّهُ لا يُرادُ بُعْدُهُما مِن شَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ اَلْبُعْدَ مِن أحَدِهِما قُرْبٌ مِنَ اَلْآخَرِ ولِأنَّهُما مُتَقابِلانِ فَبُعْدُ أحَدِهِما مِنَ اَلْآخَرِ مِثْلٌ في غايَةِ اَلْبُعْدِ لا بُعْدُهُما عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، وإشْعارُ اَلسِّياقِ بِالمُبالَغَةِ لا يُنْكَرُ فَلا لَبْسَ مِن هَذا اَلْوَجْهِ أيْضًا، وقالَ اِبْنُ اَلسّائِبِ: لا تَغْلِيبَ، والمُرادُ مَشْرِقُ اَلشَّمْسِ في أقْصَرِ يَوْمٍ مِنَ اَلسَّنَةِ ومَشْرِقُها في أطْوَلِ يَوْمٍ مِنها ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيْ أنْتَ، وقِيلَ: أيْ هو عَلى أنَّهُ مِن كَلامِهِ تَعالى وهو كَما تَرى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. وأبُو بَكْرٍ. والحَرَمِيّانِ. وقَتادَةُ. والزُّهْرِيُّ. والجَحْدَرِيُّ (جاءانا) عَلى اَلتَّثْنِيَةِ أيِ اَلْعاشِي والقَرِينُ

الزخرف 43:39

صفحة 83 وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا، وفاعِلُ (يَنْفَعَكُمْ) ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ أيْ لَنْ يَنْفَعَكم هو أيْ تَمَنِّيكم لِمُباعَدَتِهِمْ أوِ اَلنَّدَمُ أوِ اَلْقَوْلُ اَلْمَذْكُورُ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ إذْ تَبَيَّنَ أنَّكم ظَلَمْتُمْ في اَلدُّنْيا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِالتَّبَيُّنِ قِيلَ لِئَلّا يُشْكِلُ جَعْلُهُ وهو ماضٍ بَدَلًا مِنَ ﴿اليَوْمَ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لِأنَّ تَبَيُّنَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فاليَوْمَ وزَمانُ اَلتَّبَيُّنِ مُتَّحِدانِ وهَذا كَقَوْلِهِ: إذا ما اِنْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ اَلسُّؤالَ عائِدٌ لِأنَّ (إذْ) ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ اَلزَّمانِ ولا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ اَلتَّبَيُّنِ وتَفَصّى بَعْضُهم عَنِ اَلْإشْكالِ بِأنَّ إذْ قَدْ تَخْرُجُ مِنَ اَلْمُضِيِّ إلى اَلِاسْتِقْبالِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهُمُ اِبْنُ مالِكٍ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ﴾ وإلى اَلْحالِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ فَلْتَكُنْ هُنا لِلِاسْتِقْبالِ، وأهْلُ اَلْعَرَبِيَّةِ يُضْعِفُونَ دَعْوى خُرُوجِها مِنَ اَلْمُضِيِّ. وقالَ اَلْجَلْبِيُّ: لَعَلَّ اَلْأظْهَرَ حَمْلُها عَلى اَلتَّعْلِيلِ فَيَتَعَلَّقُ بِالنَّفْيِ، فَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها بِمَعْنى اَلتَّعْلِيلِ حَرْفٌ بِمَنزِلَةِ لامِ اَلْعِلَّةِ، نَعَمْ أنْكَرَ اَلْجُمْهُورُ هَذا اَلْقِسْمَ لَكِنَّ إثْباتَ سِيبَوَيْهِ إيّاهُ يَكْفِي حُجَّةً فَإنَّ اَلْقَوْلَ ما قالَتْ حَذامِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَكْفِي في تَخْرِيجِ كَلامِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ إثْباتُ سِيبَوَيْهِ وحْدَهُ مَعَ إطْباقِ جَمِيعِ أئِمَّةِ اَلْعَرَبِيَّةِ عَلى خِلافِهِ، وأيْضًا تَعْلِيلُ اَلنَّفْيِ بَعْدُ يُبْعِدُهُ وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ اَلْبَدَلُ عَلى بَقاءِ إذْ عَلى مَوْضُوعِها مِن كَوْنِها ظَرْفًا لِما مَضى مِنَ اَلزَّمانِ فَإنْ جُعِلَتْ لِمُطْلَقِ اَلْوَقْتِ جازَ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ فَهَلْ تَكْفِي اَلْبَدَلِيَّةُ قَرِينَةً لَهُ فَإنْ كَفَتْ فَذاكَ، وقالَ اِبْنُ جِنِّي: راجَعْتُ أبا عَلِيٍّ في هَذِهِ اَلْمَسْألَةِ يَعْنِي اَلْإبْدالَ اَلْمَذْكُورَ مِرارًا وآخِرُ ما تَحَصَّلَ مِنهُ أنَّ اَلدُّنْيا والآخِرَةَ مُتَّصِلَتانِ وهُما سَواءٌ في حُكْمِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وعِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَجْرِي عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ زَمانٌ فَكَأنَّ (إذْ) مُسْتَقْبَلٌ أوِ (اَلْيَوْمَ) ماضٍ فَصَحَّ ذَلِكَ، ورُدَّ بِأنَّ اَلْمُعْتَبَرَ حالَ اَلْحِكايَةِ والكَلامُ فِيها وارِدٌ عَلى ما تَعارَفَهُ اَلْعَرَبُ ولَوْلاهُ لَسُدَّ بابُ اَلنِّكاتِ ولَغَتِ اَلِاعْتِباراتُ في اَلْعِباراتِ ومِثْلُهُ غَنِيٌّ عَنِ اَلْبَيانِ، وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: اَلتَّقْدِيرُ بَعْدَ إذْ ظَلَمْتُمْ فَحُذِفَ اَلْمُضافُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وقالَ اَلْحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ اَلْمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ اِجْتِماعُكم إذْ ظَلَمْتُمْ مَثَلًا. ومِنَ اَلنّاسِ مَنِ اِسْتَشْكَلَ اَلْآيَةَ مِن حَيْثُ إنَّ فِيها إعْمالُ ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾ اَلدّالُّ عَلى اَلِاسْتِقْبالِ لِاقْتِرانِهِ بِلَنْ في اَلْيَوْمِ وهو اَلزَّمانُ اَلْحاضِرُ وإذْ وهو لِلزَّمانِ اَلْماضِي، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُدْفَعُ اَلثّانِي بِما قَدَّرُوهُ مِنَ اَلتَّبَيُّنِ لِأنَّ تَبَيُّنَ اَلْحالِ يَكُونُ في اَلِاسْتِقْبالِ والأوَّلُ بِأنَّ ﴿اليَوْمَ﴾ تَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ لا لِلْحُضُورِ كَتَعْرِيفِ اَلْآنَ وإنْ كانَ نَوْعًا مِنهُ. وقِيلَ: يُدْفَعُ بِأنَّ اَلِاسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتِ اَلْخِطابِ وهو بَعْضُ أوْقاتِ اَلْيَوْمِ وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ اَلنَّفْعِ أيْ لِأنَّ حَقَّكم أنْ تَشْتَرِكُوا أنْتُمْ وقُرَناؤُكم في اَلْعَذابِ كَما كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ في سَبَبِهِ في اَلدُّنْيا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْفِعْلُ مُسْنَدًا إلَيْهِ أيْ لَنْ يَنْفَعَكم كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في اَلْعَذابِ كَما يَنْفَعُ اَلْواقِعِينَ في اَلْأمْرِ اَلصَّعْبِ اِشْتِراكُهم فِيهِ لِتُعاوِنِهم في تَحَمُّلِ أعْبائِهِ وتَقَسُّمِهِمْ لِشِدَّتِهِ وعَنائِهِ وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم بِهِ مِنَ اَلْعَذابِ ما لا تَبْلُغُهُ طاقَتُهُ أوْ لَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ مِن حَيْثُ اَلتَّأسِّي فَإنَّ اَلْمَكْرُوبَ يَتَأسّى ويَتَرَوَّحُ بِوِجْدانِ اَلْمُشارِكِ وهو اَلَّذِي عَنَتْهُ اَلْخَنْساءُ بِقَوْلِها: يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ اَلشَّمْسِ صَخْرًا ∗∗∗ وأذْكُرُهُ بِكُلِّ مَغِيبِ شَمْسِ صفحة 84 ولَوْلا كَثْرَةُ اَلْباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أعَزِّي اَلنَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فَهَؤُلاءِ يُؤَسِّيهِمُ اِشْتِراكُهم ولا يُرَوِّحُهم لِعِظَمِ ما هم فِيهِ أوْ لَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ مِن حَيْثُ اَلتَّشَفِّي أيْ لَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ اَلتَّشَفِّي بِكَوْنِ قُرَنائِكم مُعَذَّبِينَ مِثْلَكم حَيْثُ كُنْتُمْ تَدْعُونَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِكُمْ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ وقَوْلِكُمْ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ لِتَتَشَفَّوْا بِذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ مِن هَذِهِ اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ بِأنَّ اَلِانْتِفاعَ بِالتَّعاوُنِ في تَحَمُّلِ أعْباءِ اَلْعَذابِ لَيْسَ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِنَفْيِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ أنْ يَخْطُرَ ذَلِكَ بِبالِهِمْ لِمَكانِ اَلْمُقارَنَةِ والصُّحْبَةِ والغَرِيقُ يَتَشَبَّثُ بِالحَشِيشِ والظَّمْآنُ يَحْسَبُ اَلسَّرابَ شَرابًا. وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ (إنَّكُمْ) بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ وهو تُقَوِّي ما ذُكِرَ أوَّلًا مِن إضْمارِ اَلْفاعِلِ وتَقْدِيرُ اَللّامِ في أنَّكم مَعْنًى ولَفْظًا لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا فَيَتَعَيَّنُ اَلْإضْمارُ، ولِأنَّ اَلْجُمْلَةَ عَلَيْها تَكُونُ اِسْتِئْنافًا تَعْلِيلِيًّا فَيُناسِبُ تَقْدِيرَ اَللّامِ لِتَتَوافَقَ اَلْقِراءَتانِ،

الزخرف 43:40

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ إنْكارُ تَعْجِيبٍ مِن أنْ يَكُونَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو اَلَّذِي يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ وهم قَدْ تَمَرَّنُوا في اَلْكُفْرِ واعْتادُوهُ واسْتَغْرَقُوا في اَلضَّلالِ بِحَيْثُ صارَ ما بِهِمْ مِنَ اَلْعَشى عَمًى مَقْرُونًا بِالصَّمَمِ ﴿ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلْعَمى بِاعْتِبارِ تَغايُرِ اَلْوَصْفَيْنِ أعْنِي اَلْعَمى والضَّلالَ بِحَسْبِ اَلْمَفْهُومِ وإنِ اِتَّحَدا مَآلًا، ومَدارُ اَلْإنْكارِ هو اَلتَّمَكُّنُ والِاسْتِقْرارُ في اَلضَّلالِ اَلْمُفْرِطِ اَلَّذِي لا يَخْفى لا تَوَهُّمَ اَلْقُصُورِ مِنهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اَللَّهُ وحْدَهُ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ وقَدْ كانَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبالِغُ في اَلْمُجاهَدَةِ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا غَيًّا وتَعامِيًا عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِن شَواهِدِ اَلنُّبُوَّةِ وتَصامًّا عَمّا يَسْمَعُونَهُ مِن بَيِّناتِ اَلْقُرْآنِ فَنَزَلَتْ ﴿أفَأنْتَ﴾ إلَخْ

الزخرف 43:41

﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فَإنْ قَبَضْناكَ قَبْلَ أنْ نُبْصِرَكَ عَذابَهم ونَشْفِيَ بِذَلِكَ صَدْرَكَ وصُدُورَ اَلْمُؤْمِنِينَ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ لا مَحالَةَ في اَلدُّنْيا والآخِرَةِ واقْتَصَرَ بَعْضَهم عَلى عَذابِ اَلْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وما ذَكَرْنا أتَمُّ فائِدَةً وأوْفَقُ بِإطْلاقِ اَلِانْتِقامِ، وأمّا تِلْكَ اَلْآيَةُ فَلَيْسَ فِيها ذِكْرُهُ، وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وهي بِمَنزِلَةِ لامِ اَلْقَسَمِ في اِسْتِجْلابِ اَلنُّونِ اَلْمُؤَكِّدَةِ.

الزخرف 43:42

﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ أيْ أوْ أرَدْنا أنْ نُرِيَكَ اَلْعَذابَ اَلَّذِي وعَدْناهم ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ بِحَيْثُ لا مَناصَ لَهم مِن تَحْتِ مُلْكِنا وقَهْرِنا واعْتِبارُ اَلْإرادَةِ لِأنَّها أنْسَبُ بِذِكْرِ اَلِاقْتِدارِ بَعْدُ، وفي اَلتَّعْبِيرِ بِالوَعْدِ وهو سُبْحانَهُ لا يُخْلِفُ اَلْمِيعادَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو اَلْواقِعُ، وهَكَذا كانَ إذْ لَمْ يُفْلِتُ أحَدٌ مِن صَنادِيدِهِمْ في بَدْرِ وغَيْرِها إلّا مَن تَحَصَّنَ بِالإيمانِ، وقُرِئَ (نُرِيَنْكَ) بِالنُّونِ اَلْخَفِيفَةِ

الزخرف 43:43

﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِأُمَّتِهِ بِالدَّوامِ عَلى اَلتَّمَسُّكِ بِالآياتِ والعَمَلِ بِها، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ أحَدُ هَذَيْنِ اَلْأمْرَيْنِ واقِعًا لا مَحالَةَ فاسْتَمْسِكْ بِاَلَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِمْساكِ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ. صفحة 85 وقَرَأ بَعْضُ قُرّاءِ اَلشّامِ (أُوحِي) بِإسْكانِ اَللّامِ، وقَرَأ اَلضَّحّاكَ (أوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

الزخرف 43:44

﴿وإنَّهُ﴾ أيْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ والمُرادُ بِهِ اَلْقُرْآنُ ﴿لَذِكْرٌ﴾ لَشَرَفٌ عَظِيمٌ ﴿لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ هم قُرَيْشٌ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ. وقَتادَةَ. والسُّدِّيِّ. وابْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالا: كانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى اَلْقَبائِلِ بِمَكَّةَ ويَعِدُهُمُ اَلظُّهُورَ فَإذا قالُوا: لِمَنِ اَلْمُلْكُ بَعْدَكَ أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْهم بِشَيْءٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُؤْمَرْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ فَكانَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدُ إذا سُئِلَ قالَ لِقُرَيْشٍ: فَلا يُجِيبُونَهُ حَتّى قَبِلَتْهُ اَلْأنْصارُ عَلى ذَلِكَ». وأخْرَجَ اَلطَّبَرانِيُّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: (كُنْتُ قاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ألا إنَّ اَللَّهَ تَعالى عَلِمَ ما في قَلْبِي مِن حُبِّي لِقَوْمِي فَبَشَّرَنِي فِيهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ اَلْآيَةَ فَجَعَلَ اَلذِّكْرَ والشَّرَفَ لِقَوْمِي في كِتابِهِ) اَلْحَدِيثَ، وفِيهِ (فالحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ اَلصِّدِّيقَ مِن قَوْمِي والشَّهِيدَ مِن قَوْمِي إنَّ اَللَّهَ تَعالى قَلَّبَ اَلْعِبادَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرَ اَلْعَرَبِ قُرَيْشٌ وهي اَلشَّجَرَةُ اَلْمُبارَكَةُ إلى أنْ قالَ عَدِيٌّ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذُكِرَ عِنْدَهُ قُرَيْشٌ بِخَيْرٍ قَطُّ إلّا سَرَّهُ حَتّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ اَلسُّرُورُ في وجْهِهِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ وكانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كَثِيرًا ما يَتْلُو هَذِهِ اَلْآيَةَ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾» إلَخْ، وقِيلَ هُمُ اَلْعَرَبُ مُطْلَقًا لِما أنَّ اَلْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ ثُمَّ يُخْتَصُّ بِذَلِكَ اَلشَّرَفِ اَلْأخَصُّ فالأخَصُّ مِنهم حَتّى يَكُونَ اَلشَّرَفُ لِقُرَيْشٍ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِمْ ثُمَّ لِبَنِي هاشِمٍ أكْثَرَ مِمّا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ هم مَنِ اِتَّبَعَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمَّتِهِ. وقالَ اَلْحَسَنُ: هُمُ اَلْأُمَّةُ والمَعْنى وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لَكَ ولِأُمَّتِكَ، والأرْجَحُ عِنْدِي اَلْقَوْلُ اَلْأوَّلُ. ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ عَنْهُ وعَنْ قِيامِكم بِحُقُوقِهِ، وقالَ اَلْحَسَنُ. والكَلْبِيُّ. والزَّجّاجُ: تُسْئَلُونَ عَنْ شُكْرِ ما جَعَلَهُ اَللَّهُ تَعالى لَكم مِنَ اَلشَّرَفِ، قِيلَ إنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْإنْسانَ يَرْغَبُ في اَلثَّناءِ اَلْحَسَنِ والذِّكْرِ اَلْجَمِيلِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَرْغُوبًا فِيهِ ما اِمْتَنَّ اَللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والذِّكْرُ اَلْجَمِيلُ قائِمٌ مُقامَ اَلْحَياةِ ولِذا قِيلَ ذِكْرُ اَلْفَتى عُمْرُهُ اَلثّانِي، وقالَ اِبْنُ دُرَيْدٍ: وإنَّما اَلْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى وقالَ آخَرُ: إنَّما اَلدُّنْيا مَحاسِنُها ∗∗∗ طِيبُ ما يَبْقى مِنَ اَلْخَبَرِ ويُحْكى أنَّ اَلطّاغِيَةَ هُلاكُو سَألَ أصْحابَهُ: مَنِ اَلْمَلِكُ؟ فَقالُوا لَهُ: أنْتَ اَلَّذِي دَوَّخْتَ اَلْبِلادَ ومَلَكْتَ اَلْأرْضَ وطاعَتْكَ اَلْمُلُوكُ وكانَ اَلْمُؤَذِّنُ إذْ ذاكَ يُؤَذِّنُ فَقالَ لا اَلْمَلِكُ هَذا لَهُ أزْيَدُ مِن سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ قَدْ ماتَ وهو يُذْكَرُ عَلى اَلْمَآذِنِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَمْسَ مَرّاتٍ يُرِيدُ مُحَمَّدًا رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

الزخرف 43:45

﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أيْ هَلْ حَكَمْنا بِعِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِ اَلْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ والمُرادُ اَلِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ اَلْمُرْسَلِينَ صفحة 86 عَلى اَلتَّوْحِيدِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ اِبْتَدَعَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى يُكَذَّبَ ويُعادى لَهُ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ واسْألْ أُمَمَ مَن أرْسَلْنا أوْ عَلى جَعْلِ سُؤالِ اَلْأُمَمِ بِمَنزِلَةِ سُؤالِ اَلْمُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ. قالَ اَلْفَرّاءُ: هم إنَّما يُخْبِرُونَ عَنْ كُتُبِ اَلرُّسُلِ فَإذا سَألَهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ سَألَ اَلْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ اَلْمَسْؤُولُ اَلْأُمَمُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْحَسَنِ. ومُجاهِدٍ. وقَتادَةَ. والسُّدِّيِّ. وعَطاءٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ اَلْقِراءاتِ واسْألْ مَن أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا قَبْلَكَ. وأخْرَجَ هو وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اَللَّهِ يَقْرَأُ واسْألِ اَلَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا، وعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ واسْألِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُونَ اَلْكِتابَ مِن قَبْلِ مُؤْمِنِي أهْلِ اَلْكِتابِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اَلسُّؤالَ مَجازًا عَنِ اَلنَّظَرِ والفَحْصِ عَنْ مِلَلِهِمْ في سُؤالِ اَلدِّيارِ والأطْلالِ ونَحْوِها مِن قَوْلِهِمْ: سَلِ اَلْأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ وغَرَسَ أشْجارَكِ وجَنى ثِمارَكِ. ورُوِيَ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وابْنِ جُبَيْرٍ. والزُّهْرِيِّ. وابْنِ زَيْدٍ أنَّ اَلْكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ اَلْإسْراءِ حِينَ جُمِعَ لَهُ اَلْأنْبِياءُ في اَلْبَيْتِ اَلْمُقَدَّسِ فافْهَمْ ولَمْ يَسْألْهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ لَمْ يَكُنْ في شَكٍّ». وفي بَعْضِ اَلْآثارِ أنَّ مِيكالَ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ: هَلْ سَألَ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقالَ: هو أعْظَمُ يَقِينًا وأوْثَقُ إيمانًا مِن أنْ يَسْألَ. وتُعُقِّبَ هَذا اَلْقَوْلُ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِهَذا اَلسُّؤالِ إلْزامُ اَلْمُشْرِكِينَ وهم مُنْكِرُونَ اَلْإسْراءَ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. والخِطابُ عَلى جَمِيعِ ما سَمِعْتَ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ. وفِي اَلْبَحْرِ اَلَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلسّامِعِ اَلَّذِي يُرِيدُ أنْ يَفْحَصَ عَنِ اَلدِّياناتِ قِيلَ لَهُ اِسْألْ أيُّها اَلنّاظِرُ أتْباعَ اَلرُّسُلِ أجاءَتْ رُسُلُهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهم يُخْبِرُونَكَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ولا يُمْكِنْ أنْ يَأْتُوا بِهِ ولَعَمْرِي إنَّهُ خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ اَلْعَجَبُ ما قِيلَ: إنَّ اَلْمَعْنى واسْألْنِي أوْ واسْألْنا عَمَّنْ أرْسَلْنا وعَلَّقَ اِسْألْ فارْتَفَعَ مَن وهو اِسْمُ اِسْتِفْهامٍ عَلى اَلِابْتِداءِ وأرْسَلْنا خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْألْ بَعْدَ إسْقاطِ اَلْخافِضِ كَأنَّ سُؤالَهُ مَن أرْسَلْتَ يا رَبِّ قَبْلِي مِن رُسُلِكَ أجَعَلْتَ في رِسالَتِهِ آلِهَةً تُعْبَدُ ثُمَّ اَلسُّؤالُ فَحَكى اَلْمَعْنى فَرَدَّ اَلْخِطابَ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ اِنْتَهى، واسْألْ مَن قَرَأ أبا جادٍ أيَرْضى بِهَذا اَلْكَلامِ ويَسْتَحْسِنُ تَفْسِيرَ كَلامِ اَللَّهِ تَعالى اَلْمَجِيدِ بِذَلِكَ

الزخرف 43:46

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِها ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ ﴿فَقالَ﴾ لَهم ﴿إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَيْكم وأُرِيدَ بِاقْتِصاصِ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإبْطالُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مَعَ عَدَمِ زَخارِفِ اَلدُّنْيا لَدَيْهِ كانَ لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وهو مَلِكٌ جَبّارٌ ما كانَ وقَدْ أيَّدَهُ اَللَّهُ سُبْحانَهُ بِوَحْيِهِ وما أنْزَلَ عَلَيْهِ، والِاسْتِشْهادُ بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلى اَلتَّوْحِيدِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن إجْماعِ جَمِيعِ اَلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلَيْهِ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ وجْهُ مُناسَبَةِ اَلْآياتِ لِما قَبْلَها، وقالَ أبُو حَيّانَ: مُناسَبَتُها مِن وجْهَيْنِ. اَلْأوَّلُ أنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ قَوْلَ اَلْمُشْرِكِينَ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ﴾ إلَخْ وفِيهِ زَعْمٌ أنَّ اَلْعِظَمَ بِالجاهِ والمالِ وأُشِيرَ في هَذِهِ اَلْآياتِ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ سَبَقَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ إلَخْ فَهو قُدْوَتُهم في ذَلِكَ وقَدِ اِنْتُقِمَ مِنهُ فَكَذَلِكَ يُنْتَقَمُ مِنهُمْ، اَلثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿واسْألْ﴾ إلَخْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا قِصَّةَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ وهُما أكْثَرُ أتْباعًا مِمَّنْ سَبَقَ صفحة 87 مِنَ اَلْأنْبِياءِ وكُلٌّ جاءَ بِالتَّوْحِيدِ فَلَمْ يَكُنْ فِيما جاءا بِهِ إباحَةُ اِتِّخاذِ آلِهَةٍ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى كَما اِتَّخَذَتْ قُرَيْشٌ فَناسَبَ ذِكْرُ قِصَّتِهِما اَلْآيَةَ اَلَّتِي قَبْلَها.

الزخرف 43:47

﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ أيْ فاجَأهُمُ اَلضَّحِكُ مِنها أيِ اِسْتَهْزَأُوا بِها أوَّلَ ما رَأوْها ولَمْ يَتَأمَّلُوا فِيها، وفي اَلْكَشّافِ جازَ أنْ تُجابَ لَمّا بِإذا اَلْمُفاجِأةِ لِأنَّ فِعْلَ اَلْمُفاجَأةِ مُقَدَّرٌ مَعَها وهو عامِلُ اَلنَّصْبِ في مَحَلِّها كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَأُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. فالجَوابُ عِنْدَهُ ذَلِكَ اَلْفِعْلُ وهو اَلْعامِلُ في لَمّا، وقُدِّرَ ماضِيًا لِأنَّهُ اَلْمَعْرُوفُ في جَوابِها، وإذا مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا نَعْلَمُ نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا اَلرَّجُلُ مِن أنَّ إذا اَلْفُجائِيَّةَ تَكُونُ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ فاجَأ بَلِ اَلْمَذاهِبُ فِيها ثَلاثَةٌ. اَلْأوَّلُ أنَّها حَرْفٌ فَلا تَحْتاجُ إلى عامِلٍ. اَلثّانِي أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ فَإنْ صُرِّحَ بَعْدَ اَلِاسْمِ بَعْدَها بِخَبَرٍ لَهُ كانَ ذَلِكَ اَلْخَبَرُ عامِلًا فِيها نَحْوُ خَرَجْتُ فَإذا زَيْدٌ قائِمٌ فَقائِمٌ هو اَلنّاصِبُ لَها والتَّقْدِيرُ خَرَجْتُ فَفي اَلْمَكانِ اَلَّذِي خَرَجْتُ فِيهِ زَيْدٌ قائِمٌ. اَلثّالِثُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ فِيها اَلْخَبَرُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: فَفي اَلزَّمانِ اَلَّذِي خَرَجْتُ فِيهِ زَيْدٌ قائِمٌ: وإذا لَمْ يُذْكَرُ بَعْدَ اَلِاسْمِ خَبَرٌ أوْ ذُكِرَ اِسْمٌ مَنصُوبٌ عَلى اَلْحالِ كانَتْ إذا خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ: فَإنْ كانَ جُثَّةً وقُلْنا: إذا ظَرْفُ مَكانٍ كانَ اَلْأمْرُ واضِحًا وإنْ قُلْنا ظَرْفُ زَمانٍ كانَ اَلْكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَفي اَلزَّمانِ حُضُورُ زَيْدٍ ثُمَّ إنَّ اَلْمُفاجَأةَ اَلَّتِي اِدَّعاها لا يَدُلُّ اَلْمَعْنى عَلى أنَّها تَكُونُ مِنَ اَلْكَلامِ اَلسّابِقِ بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَكُونُ مِنَ اَلْكَلامِ اَلَّتِي هي فِيهِ تَقُولُ خَرَجْتُ فَإذا اَلْأسَدُ فالمَعْنى فَفاجَأنِي اَلْأسَدُ اِنْتَهى، وقالَ اَلْخَفاجِيُّ ما قِيلَ إنَّ نَصْبَها بِفِعْلِ اَلْمُفاجَأةِ اَلْمُقَدَّرِ هَكَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ اَلنُّحاةِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وتَفْصِيلُهُ في شُرُوحِ اَلْمُغْنِي

الزخرف 43:48

﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ مِنَ اَلْآياتِ: ﴿إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أيْ مِن آيَةٍ مِثْلِها في كَوْنِها آيَةً دالَّةً عَلى اَلنُّبُوَّةِ واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ اَلْآياتِ فاضِلَةً ومَفْضُولَةً مَعًا وهو يُؤَدِّي إلى اَلتَّناقُضِ وتَفْضِيلُ اَلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ لِعُمُومِ آيَةٍ في اَلنَّفْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ اَلْغَرَضَ مِن هَذا اَلْكَلامِ أنَّهُنَّ مَوْصُوفاتٌ بِالكِبَرِ لا يَكَدْنَ يَتَفاوَتْنَ فِيهِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ لِكَمالِها في نَفْسِها إذا نُظِرَ إلَيْها قِيلَ هي أكْبَرُ مِنَ اَلْبَواقِي لِاسْتِقْلالِها بِإفادَةِ اَلْمَقْصُودِ عَلى اَلتَّمامِ كَما قالَ اَلْحَماسِيُّ: مَن تَلْقَ مِنهم تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهم مِثْلُ اَلنُّجُومِ اَلَّتِي يَسْرِي بِها اَلسّارِي وإذا لُوحِظَ اَلْكُلُّ تُوُقِّفَ عَنِ اَلتَّفْضِيلِ بَيْنَهُنَّ، ولَقَدْ فاضَلَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ خُرْشُبٍ اَلْأنْمارِيَّةُ بَيْنَ أوْلادِها اَلْكِمْلَةِ رَبِيعَةَ اَلْحَفّاظِ. وعِمارَةَ اَلْوَهّابِ. وأُنْسِ اَلْفَوارِسِ ثُمَّ قالَتْ: أبْصَرْتُ مَراتِبَهم مُتَدانِيَةً قَلِيلَةَ اَلتَّفاوُتِ ثَكِلْتُهم إنْ كُنْتُ أعْلَمَ أيُّهم أفْضَلُ هم كالحَلْقَةِ اَلْمُفَرَّغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها، وقالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ: اَلْمُرادُ بِأفْعَلَ اَلزِّيادَةُ مِن وجْهٍ أيِّ ما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي مُخْتَصَّةٌ بِنَوْعٍ مِنَ اَلْإعْجازِ مُفَضَّلَةٌ عَلى غَيْرِها بِذَلِكَ اَلِاعْتِبارِ، ولا ضَيْرَ في كَوْنِ اَلشَّيْءِ اَلْواحِدِ فاضِلًا ومَفْضُولًا بِاعْتِبارَيْنِ، وقَدْ أطالَ اَلْكَلامَ في ذَلِكَ جَلالُ اَلدِّينِ اَلدَّوانِيُّ في حَواشِيهِ عَلى اَلشَّرْحِ اَلْجَدِيدِ لِلتَّجْرِيدِ فَلْيُراجِعْ ذَلِكَ مَن أرادَهُ، وفي اَلْبَحْرِ قِيلَ: كانَتْ آياتُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن كِبارِ اَلْآياتِ وكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ أكْبَرَ مِنَ اَلَّتِي قَبْلَها فَعَلى هَذا يَكُونُ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ مِن أُخْتِها اَلسّابِقَةِ عَلَيْها ولا يَبْقى في اَلْكَلامِ تَعارُضٌ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ اَلْحُكْمُ في اَلْآيَةِ اَلْأوْلى لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْها شَيْءٌ فَتَكُونَ أكْبَرَ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم في اَلْأكْبَرِيَّةِ أنَّ اَلْأُولى تَقْتَضِي عِلْمًا والثّانِيَةَ تَقْتَضِي عِلْمًا مُنْضَمًّا إلى عِلْمِ اَلْأُولى فَيَزْدادُ اَلرُّجُوعُ اِنْتَهى، والأوْلى ما تَقَدَّمَ لِشُيُوعِ إرادَةِ ذَلِكَ اَلْمَعْنى مِن مِثْلِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ كالسِّنِينَ والجَرادِ والقُمَّلِ وغَيْرِها: صفحة 88 ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لِكَيْ يَرْجِعُوا ويَتُوبُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ اَلْكُفْرِ

الزخرف 43:49

﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ قالَ اَلْجُمْهُورُ: وهو خِطابُ تَعْظِيمٍ فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ اَلْماهِرِ ساحِرٌ لِاسْتِعْظامِهِمْ عِلْمَ اَلسِّحْرِ، وحَكاهُ في مَجْمَعِ اَلْبَيانُ عَنِ اَلْكَلْبِيِّ والجُبّائِيِّ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى يا غالِبَ اَلسَّحَرَةِ مِن ساحَرَهُ فَسَحَرَهُ كَخاصَمَهُ فَخَصَمَهُ فَهو خِطابُ تَعْظِيمٍ أيْضًا، وقِيلَ: اَلسّاحِرُ عَلى اَلْمَعْنى اَلْمَعْرُوفِ فِيهِ وقَدْ تَعَوَّدُوا دُعاءَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِذَلِكَ قَبْلُ، ومُقْتَضى مَقامِ طَلَبِ اَلدُّعاءِ مِنهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أنْ لا يَدْعُوهُ بِهِ إلّا أنَّهم لِفَرْطِ حَسْرَتِهِمْ سَبَقَ لِسانُهم إلى ما تَعَوَّدُوا بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابُ اِسْتِهْزاءٍ وانْتِقاصٍ دَعاهم إلَيْهِ شِدَّةُ شَكِيمَتِهِمْ ومَزِيدُ حَماقَتِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْحَسَنِ. ودَفَعَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ اَلْمُنافاةَ بَيْنَ هَذا اَلْخِطابِ وقَوْلِهِمُ اَلْآتِي: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ بِأنَّ ذَلِكَ اَلْقَوْلَ وعْدٌ مَنوِيٌّ إخْلافُهُ وعَهْدٌ مَعْزُومٌ عَلى نَكْثِهِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ أنْ يَدْعُوَ لَهم ويَنْكَشِفَ عَنْهُمُ اَلْعَذابُ وفِيهِ أنَّ اَلْوَعْدَ وإنْ كانَ مَنوِيَّ اَلْإخْلافِ لَكِنَّ إظْهارَ اَلْإخْلافِ حالَ اَلتَّضَرُّعِ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يُنافِيهِ لِأنَّهم في اِسْتِلانَةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. وقِيلَ اَلْأظْهَرُ أنَّهم قالُوا يا مُوسى كَما في اَلْأعْرافِ لَكِنْ حَكى اَللَّهُ تَعالى كَلامَهم هُنا عَلى حَسَبِ حالِهِمْ ووَفْقَ ما في قُلُوبِهِمْ تَقْبِيحًا لِذَلِكَ وتَسْلِيَةً لِحَبِيبِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى عَكْسِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وجُعِلَ عَلى هَذا قَوْلُهُمُ اَلْآتِي مُجْمَلَ ما فُصِّلَ هُنالِكَ مِنَ اَلْإيمانِ وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ فَلا يُحْتاجُ إلى اِلْتِزامِ كَوْنِ اَلْقَوْلَيْنِ في مَجْلِسَيْنِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ والِالتِزامُ اَلْمَذْكُورُ لا أرى ضَرَرًا فِيهِ. وقُرِئَ (يا أيُّهُ) بِضَمِّ اَلْهاءِ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ لِيَكْشِفْ عَنّا اَلْعَذابَ ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، والمُرادُ بِهِ اَلنُّبُوَّةُ وسُمِّيَتْ عَهْدًا إمّا لِأنَّ اَللَّهَ تَعالى عاهَدَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أنْ يُكْرِمَهُ بِها وعاهَدَ اَلنَّبِيُّ رَبَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ يَسْتَقِلَّ بِأعْبائِها أوْ لِما فِيها مِنَ اَلْكُلْفَةِ بِالقِيامِ بِأعْبائِها ومِنَ اَلِاخْتِصاصِ كَما بَيْنَ اَلْمُتَواثِقَيْنِ أوْ لِأنَّ لَها حُقُوقًا تُحْفَظُ كَما يُحْفَظُ اَلْعَهْدُ أوْ مِنَ اَلْعَهْدِ اَلَّذِي يُكْتَبُ لِلْوُلاةِ كَأنَّ اَلنُّبُوَّةَ مَنشُورٌ مِنَ اَللَّهِ تَعالى بِتَوْلِيَةِ مَن أكْرَمَهُ بِها والباءُ إمّا صِلَةٌ - لِادْعُ - أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ فِيهِ أيْ مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ تَعالى بِما عَهِدَ أوْ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اِلْتِماسُهم مِثْلُ أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلْقَسَمِ والجَوابُ ما يَأْتِي، وهي عَلى هَذا لِلْقَسَمِ حَقِيقَةً وعَلى ما قَبْلَهُ لِلْقَسَمِ اَلِاسْتِعْطافِيِّ وعَلى اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وإدْخالُ ذَلِكَ في اَلِاسْتِعْطافِ خُرُوجٌ عَنِ اَلِاصْطِلاحِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ عَهْدُ اِسْتِجابَةِ اَلدَّعْوَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: بِما عاهَدَكَ اَللَّهُ تَعالى مُكْرِمًا لَكَ مِنَ اِسْتِجابَةِ دَعْوَتِكَ أوْ عَهِدَ كَشْفَ اَلْعَذابِ عَمَّنِ اِهْتَدى، وأمْرُ اَلْباءِ في اَلْوَجْهَيْنِ عَلى ما مَرَّ وأنْ يُرادَ بِالعَهْدِ اَلْإيمانُ والطّاعَةُ أيْ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فَوَفَيْتَ بِهِ عَلى أنَّهُ مِن عَهِدَ إلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ كَذا أيْ أخَذَ مِنهُ اَلْعَهْدَ عَلى فِعْلِهِ ومِنهُ اَلْعَهْدُ اَلَّذِي يُكْتَبُ لِلْوُلاةِ، و(عِنْدَكَ) يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ اَلصِّلَةِ مَعَ إفادَةِ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مَخْزُونٌ عِنْدَ اَلْمُخاطَبِ، والأوْلى عَلى هَذا أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، وهَذا اَلْوَجْهُ فِيهِ كَما في اَلْكَشْفِ نَبْوٌ لَفْظًا ومَعْنًى وسِياقًا ما لا يَخْفى عَلى اَلْفِطَنِ. ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ لَمُؤْمِنُونَ ثابِتُونَ عَلى اَلْإيمانِ وهو إمّا مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ كَشْفِ اَلْعَذابِ كَما في قَوْلِهِمُ اَلْمَحْكِيِّ في سُورَةِ اَلْأعْرافِ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا اَلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ أوْ غَيْرُ مُعَلَّقٍ ويَجِبُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ هَذا مِنهم في مَجْلِسٍ آخَرَ، وإنْ قُلْنا: لَمْ يَصْدُرْ مِنهم طَلَبُ اَلدُّعاءِ إلّا مَرَّةً أوْ أكْثَرَ مِنها لَكِنْ عَلى طَرْزٍ واحِدٍ قِيلَ هُنا: أرادُوا مِنَ اَلِاهْتِداءِ اَلْإيمانَ وإرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ كَما سَمِعْتَ آنِفًا

الزخرف 43:50

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ أيْ بِدَعْوَتِهِ فَفي اَلْكَلامِ صفحة 89 حَذْفٌ أيْ فَدَعانا بِكَشْفِ اَلْعَذابِ فَكَشَفْناهُ فَلَمّا كَشَفْناهُ عَنْهم ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجَأهم نَكْثُ عَهْدِهِمْ بِالِاهْتِداءِ أوْ فاجَؤُوا وقْتَ نَكْثِ عَهْدِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (يَنْكِثُونَ) بِكَسْرِ اَلْكافِ.

الزخرف 43:51

﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِنَفْسِهِ فِيما بَيْنَ قَوْمِهِ بِذَلِكَ اَلْقَوْلِ، ولَعَلَّهُ جَمَعَ عُظَماءَ اَلْقِبْطِ في مَحَلِّهِ اَلَّذِي هو فِيهِ بِهِ أنْ كُشِفَ اَلْعَذابُ فَنادى فِيما بَيْنَهم بِذَلِكَ لِتَنْتَشِرَ مَقالَتُهُ في جَمِيعِ اَلْقِبْطِ ويَعْظُمَ في نُفُوسِهِمْ مَخافَةَ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ويَتْرُكُوهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إسْنادُ اَلنِّداءِ إلَيْهِ مَجازًا والمُرادُ أمَرَ بِالنِّداءِ بِذَلِكَ في اَلْأسْواقِ والأزِقَّةِ ومَجامِعِ اَلنّاسِ وهَذا كَما يُقالُ بَنى اَلْأمِيرُ اَلْمَدِينَةَ، ﴿ونادى﴾ قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى فاجَأ اَلْمُقَدَّرِ ونَزَلَ مَنزِلَةَ اَللّازِمِ وعُدِّيَ بِفي كَقَوْلِهِ: يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي. لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ اَلنِّداءِ فِيهِمْ، وعَنى بِمُلْكِ مِصْرَ ضَبْطَها والتَّصَرُّفَ فِيها بِالحُكْمِ ولَمْ يُرِدْ مِصْرَ نَفْسَها بَلْ هي وما يَتْبَعُها وذَلِكَ مِن إسْكَنْدَرِيَّةَ إلى أسْوانَ كَما في اَلْبَحْرِ، والأنْهارُ اَلْخُلْجانُ اَلَّتِي تَخْرُجُ مِنَ اَلنِّيلِ اَلْمُبارَكِ كَنَهْرِ اَلْمَلِكِ. ونَهْرِ دِمْياطَ. ونَهْرِ تَنِّيسَ ولَعَلَّ نَهْرَ طُولُونَ كانَ مِنها إذْ ذاكَ لَكِنَّهُ اِنْدَرَسَ فَجَدَّدَهُ أحْمَدُ بْنُ طُولُونَ مَلِكُ مِصْرَ في اَلْإسْلامِ وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن تَحْتِي﴾ مِن تَحْتِ أمْرِي. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ كانَتْ أنْهارٌ تَخْرُجُ مِنَ اَلنِّيلِ وتَجْرِي مِن تَحْتِ قَصْرِهِ وهو مُشْرِفٌ عَلَيْها، وقِيلَ: كانَ لَهُ سَرِيرٌ عَظِيمٌ مُرْتَفِعٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهِ أنْهارٌ أخْرَجَها مِنَ اَلنِّيلِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ لَهُ جِنانٌ وبَساتِينُ بَيْنَ يَدَيْهِ تَجْرِي فِيها اَلْأنْهارُ، وفَسَّرَ اَلضَّحّاكُ اَلْأنْهارَ بِالقُوّادِ والرُّؤَساءِ اَلْجَبابِرَةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَجْرُونَ مِن تَحْتِهِ أنَّهم يَسِيرُونَ تَحْتَ لِوائِهِ ويَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ، وقَدْ أبْعَدَ جِدًّا وكَذا مَن فَسَّرَها بِالأمْوالِ ومَن فَسَّرَها بِالخَيْلِ وقالَ: كَما يُسَمّى اَلْفَرَسُ بَحْرًا يُسَمّى نَهْرًا بَلِ اَلتَّفاسِيرُ اَلثَّلاثَةُ تُقَرِّبُ مِن تَفاسِيرِ اَلْباطِنِيَّةِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْها، والواوُ في ﴿وهَذِهِ﴾ إلَخْ إمّا عاطِفَةٌ لِهَذِهِ اَلْأنْهارِ عَلى اَلْمُلْكِ فَجُمْلَةُ تَجْرِي حالٌ مِنها أوْ لِلْحالِ فَهَذِهِ مُبْتَدَأٌ و﴿الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وجُمْلَةُ هَذِهِ إلَخْ حالٌ مِن ضَمِيرِ اَلتَّكَلُّمِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ (وهَذِهِ تَجْرِي) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى اِسْمِ لَيْسَ وخَبَرِها، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ اَلْمَفْعُولِ أيْ أفَلا تُبْصِرُونَ ذَلِكَ أيْ ما ذُكِرَ، ويَجُوزُ أنْ يُنْزَلَ مَنزِلَةَ اَللّازِمِ والمَعْنى ألَيْسَ لَكم بَصَرٌ أوْ بَصِيرَةٌ، وقَرَأ عِيسى (تُبْصِرُونِ) بِكَسْرِ اَلنُّونِ فَتَكُونُ اَلْياءُ اَلْواقِعَةُ مَفْعُولًا مَحْذُوفَةً، وقَرَأ فَهْدُ بْنُ اَلصَّقْرِ (يُبْصِرُونَ) بِياءِ اَلْغَيْبَةِ ذَكَرَهُ في اَلْكامِلِ لِلْهَزْلِيِّ والسّاجِي عَنْ يَعْقُوبَ ذَكَرَهُ اِبْنُ خالَوَيْهِ، ولا يَخْفى ما بَيْنَ اِفْتِخارِ اَللَّعِينِ بِمُلْكِ مِصْرَ ودَعْواهُ اَلرُّبُوبِيَّةَ مِنَ اَلْبُعْدِ اَلْبَعِيدِ، وعَنِ اَلرَّشِيدِ أنَّهُ لَمّا قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ قالَ لَأُوَلِّيَنَّها- يَعْنِي مِصْرَ- أخَسَّ عَبِيدِي فَوَلّاها اَلْخَصِيبَ وكانَ عَلى وُضُوئِهِ، وعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ طاهِرٍ أنَّهُ ولِيَها فَخَرَجَ إلَيْها فَلَمّا شارَفَها ووَقَعَ عَلَيْها بَصَرُهُ قالَ: هي اَلْقَرْيَةُ اَلَّتِي اِفْتَخَرَ بِها فِرْعَوْنُ حَتّى قالَ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ واَللَّهِ لَهي أقَلُّ عِنْدِي مِن أنْ أدْخُلَها فَثَنى عِنانَهُ

الزخرف 43:52

﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ مَعَ هَذِهِ اَلْبَسْطَةِ والسَّعَةِ في اَلْمُلْكِ والمالِ ﴿مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ أيْ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ أوْ مُبْتَذَلٌ ذَلِيلٌ فَهو مِنَ اَلْمَهانَةِ وهي اَلْقِلَّةُ أوِ اَلذِّلَّةُ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ أيِ اَلْكَلامَ، والجُمْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ كانَ بِلِسانِهِ بَعْضُ شَيْءٍ مِن أثَرِ اَلْجَمْرَةِ لَكِنَّ اَللَّعِينَ بالَغَ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اَللَّهَ تَعالى كانَ أجابَ سُؤالَهُ حَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مِنها أثَرٌ قالَ: اَلْمَعْنى ولا يَكادُ يُبِينُ حُجَّتَهُ اَلدّالَّةَ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي لا أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى اَلْإفْصاحِ بِاللَّفْظِ وهو اِفْتِراءٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ألا تَرى إلى صفحة 90 مُناظَرَتِهِ لَهُ ورَدِّهِ عَلَيْهِ وإفْحامِهِ إيّاهُ، وقِيلَ: عابَهُ بِما كانَ بِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِنَ اَلْحَبْسَةِ أيّامَ كانَ عِنْدَهُ وأرادَ اَللَّعِينُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اَلْعَدَدِ وآلاتِ اَلْمُلْكِ والسِّياسَةِ ما يَعْتَضِدُ بِهِ وهو في نَفْسِهِ مُخِلٌّ بِما يُنْعَتُ بِهِ اَلرِّجالُ مِنَ اَللِّسانِ وإبانَةِ اَلْكَلامِ، و﴿أمْ﴾ عَلى ما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مُتَّصِلَةٌ، وقَدْ نُزِّلَ اَلسَّبَبُ بَعْدَها مَنزِلَةَ اَلْمُسَبِّبِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ، والمَعْنى أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ إلّا أنَّهُ وضَعَ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ مَوْضِعَ أمْ تُبْصِرُونَ. وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ اَللَّعْنَةُ لَمّا قَدَّمَ أسْبابَ اَلْبَسْطَةِ والرِّياسَةِ بُقُولِهِ ﴿ألَيْسَ لِي﴾ إلَخْ وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ أفَلا تُبْصِرُونَ اِسْتِقْصارًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِنَ اَلْوُضُوحِ بِمَكانٍ لا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنَيْنِ قالَ في مُقابِلِهِ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ بِمَعْنى أمْ تُبْصِرُونَ أنِّي أنا اَلْمُقَدَّمُ اَلْمَتْبُوعُ، وفي اَلْعُدُولِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا اَلشِّقَّ هو اَلْمُسَلَّمُ لا مَحالَةَ عِنْدَكم فَكَأنَّهُ يَحْكِيهِ عَنْ لِسانِهِمْ بَعْدَما أبْصَرُوا وهو أُسْلُوبٌ عَجِيبٌ وفَنٌّ غَرِيبٌ، وجَعَلَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ مِن إنْزالِ اَلسَّبَبِ مَكانَ اَلْمُسَبَّبِ لِأنَّ كَوْنَهُ خَيْرًا في نَفْسِهِ أيْ مُحَصِّلًا لَهُ أسْبابُ اَلتَّقَدُّمِ والمُلْكُ سَبَبٌ لِأنْ يُقالُ فِيهِ أنْتَ خَيْرٌ مِنهُ وقَوْلُهُمْ: أنْتَ خَيْرٌ سَبَبٌ لِكَوْنِهِمْ بُصَراءَ وسَبَبُ اَلسَّبَبِ قَدْ يُقالُ لَهُ سَبَبٌ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ إنَّ اَلسَّبَبَ قَوْلُهُمْ: أنْتَ خَيْرٌ لا قَوْلُهُ: أنا خَيْرٌ، وقالَ اَلْقاضِي اَلْبَيْضاوِيُّ: إنَّهُ مِن إنْزالِ اَلْمُسَبَّبِ مَنزِلَةَ اَلسَّبَبِ لِأنَّ عِلْمَهم بِأنَّهُ خَيْرٌ مُسْتَفادٌ مِنَ اَلْإبْصارِ. وفِيهِ أنَّ اَلْمَذْكُورَ أنا خَيْرٌ لا أمْ تَعْلَمُونَ أنِّي خَيْرٌ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: ذَلِكَ يُغْنِي غِناهُ لِأنَّهُ جَعَلَهُ مُسَلَّمًا مَعْلُومًا ما عِنْدَهم فَقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ لا أمْ تَعْلَمُونَ كَما سَلَفَ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ أظْهَرُ كَذا في اَلْكَشْفِ، وقالَ اَلْعَلّامَةُ اَلثّانِي في تَقْرِيرِ ذَلِكَ: إنَّ قَوْلَهُ: أنا خَيْرٌ سَبَبٌ لِقَوْلِهِمْ مِن جِهَةِ بَعْثِهِ عَلى اَلنَّظَرِ في أحْوالِهِ واسْتِعْدادِهِ لِما اِدَّعاهُ وقَوْلُهُمْ: أنْتَ خَيْرٌ سَبَبٌ لِكَوْنِهِمْ بُصَراءَ عِنْدَهُ فَأنا خَيْرٌ سَبَبٌ لَهُ بِالواسِطَةِ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ والحُكْمِ بِهِ، وأمّا بِحَسْبِ اَلْوُجُودِ فالأمْرُ بِالعَكْسِ لِأنَّ إبْصارَهم سَبَبٌ لِقَوْلِهِ أنْتَ خَيْرٌ فَتَأمَّلْ، وبِالجُمْلَةِ إنَّ ما بَعْدَ ﴿أمْ﴾ مُؤَوَّلٌ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ مَعْلُولَةٍ لَفْظًا ومَعْنًى هي ما سَمِعْتَ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ اَلتَّأْوِيلِ ﴿أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ أيْ أمْ صَمَتُّمْ، وقَوْلُهُ: أمُخْدِجُ اَلْيَدَيْنِ أمْ أتَمَّتْ أيْ أمْ مُتِمًّا، وقِيلَ: حُذِفَ اَلْمُعادِلُ لِدَلالَةِ اَلْمَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرِ أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ أنا خَيْرٌ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ بَعْدَ أمْ لا نَحْوَ أيَقُومُ زَيْدٌ أمْ لا أيْ أمْ لا يَقُومُ فَأمّا حَذْفُهُ دُونَ لا فَلَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في اَلْكَلامِ طَيٌّ عَلى نَهْجِ اَلِاحْتِباكِ والمَعْنى أهُوَ خَيْرٌ مِنِّي فَلا تُبْصِرُونَ ما ذَكَّرْتُكم بِهِ أمْ أنا خَيْرٌ مِنهُ لِأنَّكم تُبْصِرُونَهُ، ولا يَنْبَغِي اَلِالتِفاتُ إلَيْهِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةً مُقَدَّرَةً بِبَلْ والهَمْزَةُ اَلَّتِي لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّ اَللَّعِينَ قالَ إثْرَ ما عَدَّدَ أسْبابَ فَضْلِهِ ومُبادِيَ خَيْرِيَّتِهِ: أثَبُتَ عِنْدَكم واسْتَقَرَّ لَدَيْكم أنِّي خَيْرٌ وهَذِهِ حالِي مِن هَذا إلَخْ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم لِما فِيهِ مِن عَدَمِ اَلتَّكَلُّفِ في أمْرِ اَلْمُعادِلِ اَللّازِمِ أوَّلًا لِحُسْنٍ في اَلْمُتَّصِلَةِ، وقالَ اَلسُّدِّيُّ. وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أمْ﴾ بِمَعْنى بَلْ فَيَكُونُ قَدِ اِنْتَقَلَ مِن ذَلِكَ اَلْكَلامِ إلى إخْبارِهِ بِأنَّهُ خَيْرٌ كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ اَلشَّمْسِ في رَوْنَقِ اَلضُّحى ∗∗∗ وصُورَتُها أمْ أنْتَ في اَلْعَيْنِ أمْلَحُ وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: إنَّها مُنْقَطِعَةٌ لَفْظًا مُتَّصِلَةٌ مَعْنًى وأرادَ ما تَقَدَّمَ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ اَلنُّحاةُ كَما تُوُهِّمَ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى اَلصِّلَةِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ. وقُرِئَ (أما أنا خَيْرٌ) بِإدْخالِ اَلْهَمْزَةِ عَلى ما اَلنّافِيَةِ، وقَرَأ اَلْباقِرُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَبِينُ) بِفَتْحِ اَلْياءِ مِن بانَ إذا ظَهَرَ

الزخرف 43:53

﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا إذا سَوَّدُوا رَجُلًا سَوَّرُوهُ بِسُوارَيْنِ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقِ ذَهَبٍ عَلامَةً لِسُؤْدُدِهِ، صفحة 91 فَقالَ فِرْعَوْنُ هَلّا ألْقى رَبُّ مُوسى عَلَيْهِ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ إنْ كانَ صادِقًا، وهَذا مِنَ اَللَّعِينِ لِزَعْمِهِ أنَّ اَلرِّياسَةَ مِن لَوازِمِ اَلرِّسالَةِ كَما قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ في عَظِيمِ اَلْقَرْيَتَيْنِ، والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ نَحْوُ خِمارٍ وأخْمِرَةٍ، وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (أساوِرُ) ورُوِيَتْ عَنْ أُبَيٍّ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو جَمْعُ أسْوِرَةٍ فَهو جَمْعُ اَلْجَمْعِ، وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ (أساوِرَةٌ) جَمْعُ أسْوارٍ بِمَعْنى اَلسِّوارِ والهاءُ عِوَضٌ مِن ياءِ أساوِيرَ فَإنَّها تَكُونُ في اَلْجَمْعِ اَلْمَحْذُوفِ مِدَّتُهُ لِلْعِوَضِ عَنْها كَما في زَنادِقَةَ جَمْعُ زِنْدِيقٍ. وقَدْ قَرَأ (أساوِيرُ) عَبْدُ اَللَّهِ وأُبَيٌّ في اَلرِّوايَةِ اَلْمَشْهُورَةِ، وقَرَأ اَلضَّحّاكُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيِ اَللَّهُ تَعالى أساوِرَةً بِالنَّصْبِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ مِن قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، وفُسِّرَ بِمَقْرُونِينَ أيْ بِهِ لِأنَّهُ لازَمَ مَعْناهُ بِناءً عَلى هَذا، وفُسِّرَ أيْضًا بِمُتَقارِنِينَ مِنَ اِقْتَرَنَ بِمَعْنى تَقارَنَ والِاقْتِرانُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ اَلْإعانَةِ. ولِذا قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: يُعِينُونَهُ عَلى مَن خالَفَهُ، وقِيلَ: عَنِ اَلتَّصْدِيقِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ مَعَهُ فائِدَةٌ، وهو عَلى اَلْأوَّلِ حِسِّيٌّ وعَلى اَلثّانِي مَعْنَوِيٌّ، وقِيلَ: مُتَقارِنِينَ بِمَعْنى مُجْتَمَعِينَ كَثِيرِينَ، وعَنْ قَتادَةَ مُتَتابِعِينَ.

الزخرف 43:54

﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ فَطَلَبَ مِنهُمُ اَلْخِفَّةَ في مُطاوَعَتِهِ عَلى أنَّ اَلسِّينَ لِلطَّلَبِ عَلى حَقِيقَتِها، ومَعْنى اَلْخِفَّةِ اَلسُّرْعَةُ لِإجابَتِهِ ومُتابَعَتِهِ كَما يُقالُ هم خُفُوفٌ إذا دُعُوا وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ وقالَ اِبْنُ اَلْأعْرابِيِّ اِسْتَخَفَّ أحْلامَهم أيْ وجَدَهم خَفِيفَةً أحْلامُهم أيْ قَلِيلَةً عُقُولُهم فَصِيغَةُ اَلِاسْتِفْعالِ لِلْوِجْدانِ كالإفْعالِ كَما يُقالُ أحُمَدْتُهُ وجَدْتُهُ مَحْمُودًا وفي نِسْبَتِهِ ذَلِكَ لِلْقَوْمِ تَجَوُّزٌ. ﴿فَأطاعُوهُ﴾ فِيما أمَرَهم بِهِ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فَلِذَلِكَ سارَعُوا إلى طاعَةِ ذَلِكَ اَلْفاسِقِ اَلْغَوِيِّ

الزخرف 43:55

﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ أسْخَطُونا كَما قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وفي مَعْناهُ ما قِيلَ أيْ أغْضَبُونا أشَدَّ اَلْغَضَبِ أيْ بِأعْمالِهِمْ. والغَضَبُ عِنْدَ اَلْخَلَفِ مَجازٌ عَنْ إرادَةِ اَلْعُقُوبَةِ فَيَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ أوْ عَنِ اَلْعُقُوبَةِ فَيَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اَللَّهِ اَلرِّضا رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْسَفُ كَأسَفِنا ولَكِنْ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ أوْلِياءُ يَأْسَفُونَ ويَرْضَوْنَ فَجَعَلَ سُبْحانَهُ رِضاهم رِضاهُ وغَضَبَهم غَضَبَهُ تَعالى، وعَلى ذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: «(مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ)» وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ وعَلَيْهِ قِيلَ: اَلْمَعْنى فَلَمّا آسَفُوا مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ومَن مَعَهُ، والسَّلَفُ لا يُؤَوِّلُونَ ويَقُولُونَ: اَلْغَضَبُ فِينا اِنْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ وصِفاتُهُ سُبْحانَهُ لَيْسَتْ كَصِفاتِنا بِوَجْهٍ مِنَ اَلْوُجُوهِ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ اَلْأسَفِ بِالحُزْنِ وأنَّهُ قالَ هُنا: أيْ أحْزَنُوا أوْلِياءَنا اَلْمُؤْمِنِينَ نَحْوَ اَلسَّحَرَةِ وبَنِي إسْرائِيلَ. وذَكَرَ اَلرّاغِبُ أنَّ اَلْأسَفَ اَلْحُزْنُ والغَضَبُ مَعًا وقَدْ يُقالُ لِكُلٍّ مِنهُما عَلى اَلِانْفِرادِ، وحَقِيقَتُهُ ثَوَرانُ دَمِ اَلْقَلْبِ شَهْوَةَ اَلِانْتِقامِ فَمَتى كانَ ذَلِكَ عَلى مَن دُونَهُ اِنْتَشَرَ فَصارَ غَضَبًا ومَتى كانَ عَلى مَن فَوْقَهُ اِنْقَبَضَ فَصارَ حُزْنًا، ولِذَلِكَ سُئِلَ اِبْنُ عَبّاسٍ عَنْهُما فَقالَ: مَخْرَجُهُما واحِدٌ واللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ فَمَن نازَعَ مَن يَقْوى عَلَيْهِ أظْهَرَهُ غَيْظًا وغَضَبًا ومَن نازَعَ مَن لا يَقْوى عَلَيْهِ أظْهَرَهُ حُزْنًا وجَزَعًا، وبِهَذا اَلنَّظَرِ قالَ اَلشّاعِرُ: فَحُزْنُ كُلِّ أخِي حُزْنٍ أخُو اَلْغَضَبِ اِنْتَهى، وعَلى جَمِيعِ اَلْأقْوالِ آسَفَ مَنقُولٌ بِالهَمْزَةِ مِن أسِفَ. ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ في اَلْيَمِّ

الزخرف 43:56

﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ. وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وقَتادَةُ أيْ مُتَقَدِّمِينَ إلى اَلنّارِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: قُدْوَةً لِلْكُفّارِ اَلَّذِينَ بَعْدَهم يَقْتَدُونَ بِهِمْ في اِسْتِيجابِ مِثْلِ عِقابِهِمْ ونُزُولِهِ بِهِمْ، والكَلامُ صفحة 92 عَلى اَلِاسْتِعارَةِ لِأنَّ اَلْخَلَفَ يَقْتَدِي بِالسَّلَفِ فَلَمّا اِقْتَدَوْا بِهِمْ في اَلْكُفْرِ جُعِلُوا كَأنَّهُمُ اِقْتَدَوْا بِهِمْ في مَعْلُولِ اَلْغَضَبِ وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اَلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وقِيلَ: جَمْعُ سالِفٍ كَحارِسٍ وحَرَسٍ وخادِمٍ وخَدَمٍ وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالجَمْعِ فِيهِ ظاهِرُهُ ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ اِسْمُ اَلْجَمْعِ فَإنَّ فَعَلًا لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اَلْجُمُوعِ لِغَلَبَتِهِ في اَلْمُفْرَداتِ، والمَشْهُورُ في جَمْعِهِ أسْلافٌ وجاءَ سُلافٌ أيْضًا. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اَللَّهِ. وأصْحابُهُ. وسَعِيدُ بْنُ عِياضٍ. والأعْمَشُ. والأعْرَجُ. وطَلْحَةُ. وحَمْزَةُ. والكِسائِيُّ (سُلُفًا) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَلِيفٍ كَفَرِيقٍ لَفْظًا ومَعْنًى، سَمِعَ اَلْقاسِمُ بْنُ مَعْنٍ اَلْعَرَبَ تَقُولُ: مَضى سَلِيفٌ مِنَ اَلنّاسِ يَعْنُونَ فَرِيقًا، مِنهم وقِيلَ: جَمْعُ سَلْفٍ كَصَبْرٍ جَمْعِ صابِرٍ أوْ جَمْعُ سَلَفٍ كَجَنَبٍ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. ومُجاهِدٌ. والأعْرَجُ أيْضًا (سُلَفًا) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ إمّا عَلى أنَّهُ أُبْدِلَتْ فِيهِ ضَمَّةُ اَللّامِ فُتْحَةً تَخْفِيفًا كَما يُقالُ في جُدُدٍ بِضَمِّ اَلدّالِ جُدَدٌ بِفَتْحِها أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ سُلْفَةٍ بِمَعْنى اَلْأُمَّةِ والجَماعَةِ مِنَ اَلنّاسِ أيْ فَجَعَلْناهم أُمَّةُ سَلُفَتْ، والسُّلَفُ بِالضَّمِّ فالفَتْحِ في غَيْرِ هَذا ولَدُ اَلْقَبْجِ والجَمْعُ سِلْفانٌ كَصِرْدانٍ ويُضَمُّ. ﴿ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ أيْ عِظَةً لَهُمْ، والمُرادُ بِهِمُ اَلْكُفّارُ بَعْدَهُمْ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ عَلى اَلتَّنازُعِ بِسَلَفًا ومَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ اَلْقِصَّةُ اَلْعَجِيبَةُ اَلَّتِي تَسِيرُ مُسِيرَ اَلْأمْثالِ ومَعْنى كَوْنِهِمْ مَثَلًا لِلْكُفّارِ أنْ يُقالَ لَهُمْ: مَثَلُكم مَثَلُ قَوْمِفِرْعَوْنَ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُ اَلْجارِّ بِالثّانِي وتَعْمِيمُ اَلْآخِرِينَ بِحَيْثُ يَشْمَلُ اَلْمُؤْمِنِينَ، وكَوْنُهم قِصَّةً عَجِيبَةً لِلْجَمِيعِ ظاهِرٌ

الزخرف 43:57

﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ إلَخْ بَيانٌ لِعِنادِ قُرَيْشٍ بِالباطِلِ والرَّدُّ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ اَلزِّبَعْرى قَبْلَ إسْلامِهِ، قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ سَمِعَهُ يَقُولُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ألَيْسَتِ اَلنَّصارى يَعْبُدُونَ اَلْمَسِيحَ وأنْتَ تَقُولُ كانَ نَبِيًّا وعَبْدًا مِن عِبادِ اَللَّهِ تَعالى صالِحًا فَإنْ كانَ في اَلنّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتَنا مَعَهُ فَفَرِحَ قُرَيْشٌ وضَحِكُوا وارْتَفَعَتْ أصْواتُهم» وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ فالمَعْنى ولَمّا ضَرَبَ اِبْنُ اَلزِّبَعْرى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ مَثَلًا وحاجَّكَ بِعِبادَةِ اَلنَّصارى إيّاهُ إذا قَوْمُكَ مِن ذَلِكَ ولِأجْلِهِ يَرْتَفِعُ لَهم جَلَبَةٌ وضَجِيجٌ فَرَحًا وجَدَلًا، والحَجَّةُ لَمّا كانَتْ تَسِيرُ مَسِيرَ اَلْأمْثالِ شُهْرَةً قِيلَ لَها مَثَلٌ أوِ اَلْمَثَلُ بِمَعْنى اَلْمِثالِ أيْ جَعَلَهُ مِقْياسًا وشاهِدًا عَلى إبْطالِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ آلِهَتَهم مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ،» وجَعَلَ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ نَفْسَهُ مَثَلًا مِن بابِ (اَلْحَجُّ عَرَفَةُ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ. والأعْرَجُ. والنَّخَعِيُّ. وأبُو رَجاءٍ. وابْنُ وثّابٍ. وابْنُ عامِرٍ. ونافِعٌ. والكِسائِيُّ (يَصُدُّونَ) بِضَمِّ اَلصّادِ مِنَ اَلصُّدُودِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأنْكَرَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَذِهِ اَلْقِراءَةَ وهو قَبْلَ بُلُوغِهِ تَواتُرُها، والمَعْنى عَلَيْها إذا قَوْمُكَ مِن أجْلِ ذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنِ اَلْحَقِّ بِالجَدَلِ بِحُجَّةٍ داحِضَةٍ واهِيَةٍ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ يَثْبُتُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اَلْإعْراضِ. وقالَ اَلْكِسائِيُّ. والفَرّاءُ: يَصِدُّونَ بِالكَسْرِ ويَصُدُّونَ بِالضَّمِّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ ومَعْناهُما يَضِجُّونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يُعْرِضُونَ

الزخرف 43:58

﴿وقالُوا﴾ تَمْهِيدًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ مِنَ اَلْباطِلِ اَلْمُمَوَّهِ بِما يَغْتَرُّ بِهِ اَلسُّفَهاءُ ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ أيْ ظاهِرٌ عِنْدَكَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ خَيْرٌ مِن آلِهَتِنا فَحَيْثُ كانَ هو في اَلنّارِ فَلا بَأْسَ بِكَوْنِها وإيّانا فِيها، وحَقَّقَ اَلْكُوفِيُّونَ اَلْهَمْزَتَيْنِ هَمْزَةَ اَلِاسْتِفْهامِ والهَمْزَةَ اَلْأصْلِيَّةَ وسَهَّلَ باقِي اَلسَّبْعَةِ اَلثّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ، صفحة 93 وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةِ أبِي اَلْأزْهَرِ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى مِثالِ اَلْخَبَرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى حَذْفِ هَمْزَةِ اَلِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ إبْطالٌ لِباطِلِهِمْ إجْمالًا اِكْتِفاءً بِما فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا لا يَذْهَبُ عَلى ذِي مُسْكَةٍ بُطْلانُهُ فَكَيْفَ عَلى غَيْرِهِ ولَكِنَّ اَلْعِنادَ يُعْمِي ويُصِمُّ أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ اَلْجِدالِ والخِصامِ لا لِطَلَبِ اَلْحَقِّ فَإنَّهُ في غايَةِ اَلْبُطْلانِ بَلْ هم قَوْمٌ لُدٌّ شِدادُ اَلْخُصُومَةِ مَجْبُولُونَ عَلى اَلْمَحْكِ أيْ سُؤالِ اَلْخَلَقِ واللَّجاجِ، فَجَدَلًا مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ اَلْحالِ أيْ مُجادِلِينَ، وقَرَأ اِبْنُ مُقْسِمٍ (جِدالًا) بِكَسْرِ اَلْجِيمِ وألِفٍ بَعْدِ اَلدّالِ،

الزخرف 43:59

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ ﴿إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ورَوادِفِها فَهو مَرْفُوعُ اَلْمَنزِلَةِ عَلى اَلْقَدْرِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مِنَ اِسْتِحْقاقِ اَلْمَعْبُودِيَّةِ مِن نَصِيبٍ، كَلامٌ حَكِيمٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ اَلرَّمْزِ وعَلى فَسادِ رَأْيِ اَلنَّصارى في إيثارِهِمْ عِبادَتَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ تَعْرِيضًا بِمَكانِ عِبادَةِ قُرَيْشٍ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلا﴾ أيْ أمْرًا عَجِيبًا حَقِيقًا بِأنْ يَسِيرَ ذِكْرُهُ كالأمْثالِ اَلسّائِرَةِ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ حَيْثُ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ وجَعَلْنا لَهُ مِن إحْياءِ اَلْمَوْتى وإبْراءِ اَلْأكْمَهِ والأبْرَصِ ونَحْوِ ذَلِكَ ما لَمْ نَجْعَلْ لِغَيْرِهِ في زَمانِهِ، كَلامٌ أُجْمِلَ فِيهِ وجْهُ اَلِافْتِتانِ بِهِ وعَلَيْهِ، ووَجْهُ دَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ خالِقِهِ تَعالى شَأْنُهُ وبَعْدَ اِسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ عَمّا قَرِفَ بِهِ إفْراطًا وتَفْرِيطًا،

الزخرف 43:60

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِوَجْهِ دَلالَتِهِ عَلى اَلْقُدْرَةِ وأنَّ اَلِافْتِتانَ مِن عَدَمِ اَلتَّأمُّلِ وتَضْمِينٌ لِلْإنْكارِ عَلى مَنِ اِتَّخَذَ اَلْمَلائِكَةَ آلِهَةً كَما اِتُّخِذَ عِيسى عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ أيْ ولَوْ نَشاءُ لِقُدْرَتِنا عَلى عَجائِبِ اَلْأُمُورِ وبَدائِعِ اَلْفِطَرِ لَجَعَلْنا بِطَرِيقِ اَلتَّوْلِيدِ ومَآلُهُ لَوَلَّدْنا ﴿مِنكُمْ﴾ يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً﴾ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ ﴿فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أيْ يَخْلُفُونَكم في اَلْأرْضِ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم أوْ يَكُونُونَ خَلَفًا ونَسْلًا لَكم لِيُعْرَفَ تَمَيُّزُنا بِالقُدْرَةِ اَلْباهِرَةِ ولِيُعْلَمَ أنَّ اَلْمَلائِكَةَ ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ تُخْلَقُ تَوْلِيدًا كَما تُخْلَقُ إبْداعًا فَمِن أيْنَ لَهُمُ اِسْتِحْقاقُ اَلْأُلُوهِيَّةِ والِانْتِسابِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالبُنُوَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى لَجَعَلْنا إلَخْ لَحَوَّلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً فَمِنَ اِبْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ و(مَلائِكَةً) مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ، وقِيلَ: مِن لِلْبَدَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وقَوْلِهِ: ولَمْ تَذُقْ مِنَ اَلْبُقُولِ اَلْفُسْتَقا أيْ ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا بَدَلَكم مَلائِكَةً يَكُونُونَ مَكانَكم بَعْدَ إذْهابِكُمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، والمُرادُ بَيانُ كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى لا اَلتَّوَعُّدُ بِالِاسْتِئْصالِ وإنْ تَضَمَّنَهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْمَقامِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن قَصْدِهِما مَعًا نَعَمْ كَثِيرٌ مِنَ اَلنَّحْوِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ لِمِن مَعْنى اَلْبَدَلِيَّةِ ويَتَأوَّلُونَ ما ورَدَ مِمّا يُوهِمُ ذَلِكَ والأظْهَرُ ما قُرِّرَ أوَّلًا. وذَكَرَ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ﴾ إلَخْ جَوابٌ عَنْ جَدَلِ اَلْكَفَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ إلَخْ وإنَّ تَقْرِيرَهُ إنَّ جَدَلَكم هَذا باطِلٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ما دَخَلَ في ذَلِكَ اَلنَّصِّ اَلصَّرِيحِ لِأنَّ اَلْكَلامَ مَعَكم أيُّها اَلْمُشْرِكُونَ وأنْتُمُ اَلْمُخاطَبُونَ بِهِ وإنَّما اَلْمُرادُ بِما تَعْبُدُونَ اَلْأصْنامَ اَلَّتِي تَنْحِتُونَها بِأيْدِيكم وأمّا عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَما هو إلّا عَبْدٌ مُكْرَمٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ مَرْفُوعُ اَلْمَنزِلَةِ والذِّكْرِ مَشْهُورٌ في بَنِي إسْرائِيلَ كالمَثَلِ اَلسّائِرِ فَمِن أيْنَ تَدْخُلُ في قَوْلِنا: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ثُمَّ لا اِعْتِراضَ عَلَيْنا أنْ نَجْعَلَ قَوْمًا أهْلًا لِلنّارِ وآخَرِينَ أهْلًا لِلْجَنَّةِ إذْ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم ومِن أنْفُسِكم أيُّها اَلْكَفَرَةُ مَلائِكَةً أيْ عَبِيدًا مُكْرَمُونَ مُهْتَدُونَ وإلى اَلْجَنَّةِ صائِرُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ صفحة 94 نَفْسٍ هُداها﴾ اهـ. وعَلى ما ذَكَرْنا أنَّ اَلْكَلامَ في إبْطالٍ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَصِمُونَ﴾ وما بَعْدُ لِما سَمِعْتَ قَبْلُ وهو أدَقُّ وأوْلى مِمّا ذَكَرَهُ بَلْ ما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ لِنَفِيَ اَلِاعْتِراضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. ورُوِيَ «أنَّ اِبْنَ اَلزِّبَعْرى قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أهَذا لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ اَلْأُمَمِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لَكم ولِآلِهَتِكم ولِجَمِيعِ اَلْأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ اَلْكَعْبَةِ ألَيْسَتِ اَلنَّصارى يَعْبُدُونَ اَلْمَسِيحَ، واليَهُودُ عُزَيْرًا، وبَنُو مَلِيحٍ اَلْمَلائِكَةَ؟ فَإنْ كانَ هَؤُلاءِ في اَلنّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم فَفَرِحُوا وضَحِكُوا وسَكَتَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ اَلْآيَةَ أوْ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ، وأنْكَرَ بَعْضُهُمُ اَلسُّكُوتَ، وذَكَرَ «أنَّ اِبْنَ اَلزِّبَعْرى حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلام: خَصَمْتُكَ رَدَّ عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أما فَهِمْتَ أنَّ ما لِما لا يَعْقِلُ،» ورَوى مُحْيِي اَلسُّنَّةِ في اَلْمَعالِمِ «أنَّ اِبْنَ اَلزِّبَعْرى قالَ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: أنْتَ قُلْتَ: (إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: ألَيْسَتِ اَلْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا والنَّصارى تَعْبُدُ اَلْمَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ يَعْبُدُونَ اَلْمَلائِكَةَ؟ فَقالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: بَلْ هم يَعْبُدُونَ اَلشَّيْطانَ» فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ وهَذا أثْبَتُ مِنَ اَلْخَبَرِ اَلَّذِي قَبْلَهُ. وتُعُقِّبَ ما تَقَدَّمَ في اَلْخَبَرِ اَلسّابِقِ مِن سُؤالِ «اِبْنِ اَلزِّبَعْرى أهَذا لَنا إلَخْ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لَكم إلَخْ» بِأنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ. وذَكَرَ مَن أثْبَتَهُ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما لَمْ يُجِبْ حِينَ سُئِلَ عَنِ اَلْخُصُوصِ والعُمُومِ بِالخُصُوصِ عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ كَلِمَةُ (ما) لِأنَّ إخْراجَ اَلْمَعْهُودِينَ عَنِ اَلْحُكْمِ عِنْدَ اَلْمُحاجَّةِ وهم لِلرُّخْصَةِ في عِبادَتِهِمْ في اَلْجُمْلَةِ فَعَمَّمَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْكُلِّ لَكِنْ لا بِطْرِيقِ عِبارَةِ اَلنَّصِّ بَلْ بِطَرِيقِ اَلدَّلالَةِ بِجامِعِ اَلِاشْتِراكِ في اَلْمَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونُوا مَعْبُودِيهِمْ بِما جاءَ في خَبَرِ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «بَلْ هم يَعْبُدُونَ اَلشَّيْطانَ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾» اَلْآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ. وفِي اَلدَّرِّ اَلْمَنثُورِ أخْرَجَ اَلْإمامُ أحْمَدُ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ. والطَّبَرانِيُّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِقُرَيْشٍ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى فِيهِ خَيْرٌ فَقالُوا: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كانَ نَبِيًّا وعَبْدًا مِن عِبادِ اَللَّهِ تَعالى صالِحًا فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَإنَّهُ كَآلِهَتِنا» فَأنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ إلَخْ، والكَلامُ في اَلْآياتِ عَلى هَذِهِ اَلرِّوايَةِ يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ بِأدْنى اِلْتِفاتٍ، وقِيلَ: إنَّ اَلْمُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ قالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنَ اَلنَّصارى لِأنَّهم عَبَدُوا آدَمِيًّا ونَحْنُ نَعْبُدُ اَلْمَلائِكَةَ فَنَزَلَتْ، فالمَثَلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ اَلْآيَةَ والضّارِبُ هو تَعالى شَأْنُهُ أيْ ولَمّا بَيَّنَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهُ اَلْعَجِيبَةَ اِتَّخَذَهُ قَوْمُكَ ذَرِيعَةً إلى تَرْوِيجِ ما هم فِيهِ مِنَ اَلْباطِلِ بِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا بَشَرًا قَدْ عُبِدَ فَنَحْنُ أهْدى حَيْثُ عَبَدْنا مَلائِكَةً مُطَهَّرِينَ مُكْرَمِينَ عَلَيْهِ وهو اَلَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ فَأبْطَلَ اَللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِأنَّهُ مُقايَسَةُ باطِلٍ بِباطِلٍ وأنَّهم في اِتِّخاذِهِمُ اَلْعَبْدَ اَلْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إلَهًا مُبْطِلُونَ مِثْلُكم في اِتِّخاذِ اَلْمَلائِكَةِ وهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّ اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ مَخْلُوقُونَ مِثْلُهُ وأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ صفحة 95 عَلى أعْجَبِ مِن خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وأنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ اَلْمَخْلُوقِ تَوالُدًا وإبْداعًا فَلا يَصْلُحُ اَلْقِسْمانِ لِلْإلَهِيَّةِ. وفي رِوايَةٍعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وقَتادَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ اَلْآيَةَ قالَتْ قُرَيْشٌ: ما أرادَ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذِكْرِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلّا أنْ نَعْبُدَهُ كَما عَبَدَتِ اَلنَّصارى عِيسى. ومَعْنى يَصِدُّونَ يَضِجُّونَ ويَضْجَرُونَ، والضَّمِيرُ في (أمْ) هو لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وغَرَضُهم بِالمُوازَنَةِ بَيْنَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ آلِهَتِهِمُ اَلِاسْتِهْزاءُ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ رَدٌّ وتَكْذِيبٌ لَهم في اِفْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَيانِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْحَقِيقَةِ وفِيما أُوحِيَ إلى اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ إلّا أنَّهُ عَبْدٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ كَما ذُكِرَ فَكَيْفَ يَرْضى صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَعْبُودِيَّتِهِ أوْ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ اَلرِّضا بِمَعْبُودِيَّةِ نَفْسِهِ ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ مَثَلَ عِيسى لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن قُدْرَةِ اَللَّهِ تَعالى وأنَّهُ قادِرٌ عَلى أبْدَعَ مِنهُ وأبْدَعَ مَعَ اَلتَّنْبِيهِ عَلى سُقُوطِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ أيْضًا عَنْ دَرَجَةِ اَلْمَعْبُودِيَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ وفِيهِ أنَّ اَلدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ اَلْمَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ، وكَذَلِكَ رُجُوعُ اَلضَّمِيرِ إلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُوَ﴾ مَعَ رُجُوعِهِ إلى عِيسى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ﴾ وفِيهِ مِن فَكِّ اَلنَّظْمِ ما يَجِبُ أنْ يُصانَ اَلْكِتابُ اَلْمُعْجِزُ عَنْهُ، ولا يَكادُ يُقْبَلُ اَلْقَوْلُ بِرُجُوعِ اَلضَّمِيرِ اَلثّانِي إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ اَلرِّوايَةَ عَنِ اَلْخَبَرِ غَيْرُ ثابِتَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ اَلتَّنَصُّلَ عَمّا أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمُ: اَلْمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بَناتُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ ومِن عِبادَتِهِمْ إيّاهم كَأنَّهم قالُوا: ما قُلْنا بِدْعًا مِنَ اَلْقَوْلِ ولا فَعَلْنا مُنْكَرًا مِنَ اَلْفِعْلِ فَإنَّ اَلنَّصارى جَعَلُوا اَلْمَسِيحَ اِبْنَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَنَحْنُ أشَفُّ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا حَيْثُ نَسَبْنا إلَيْهِ تَعالى اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وهم نَسَبُوا إلَيْهِ اَلْأناسِيَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ كَما في اَلْوَجْهِ اَلثّانِي

الزخرف 43:61

﴿وإنَّهُ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أيْ إنَّهُ بِنُزُولِهِ شَرْطٌ مِن أشْراطِها أوْ بِحُدُوثِهِ بِغَيْرِ أبٍ أوْ بِإحْيائِهِ اَلْمَوْتى دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ اَلْبَعْثِ اَلَّذِي هو مُعْظَمُ ما يُنْكِرُهُ اَلْكَفَرَةُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْواقِعَةِ في اَلسّاعَةِ، وأيًّا ما كانَ فَعِلْمُ اَلسّاعَةِ مَجازٌ عَمّا تُعْلَمُ بِهِ والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ (لَذِكْرٌ) وهو مَجازٌ كَذَلِكَ. وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ. وأبُو هُرَيْرَةَ. وأبُو مالِكٍ اَلْغِفارِيُّ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقَتادَةُ. ومُجاهِدٌ. والضَّحّاكُ. ومالِكُ بْنُ دِينارٍ. والأعْمَشُ. والكَلْبِيُّ قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ. وأبُو نُصْرَةَ (لَعَلَمٌ) بِفَتْحِ اَلْعَيْنِ واللّامِ أيْ لَعَلامَةٌ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ. قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ. وأبُو نُصْرَةَ ( لالعَلَمُ) مُعَرَّفًا بِفُتْحَتَيْنِ والحُصْرُ إضافِيٌّ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّهُ أعْظَمُ اَلْعَلاماتِ، وقَدْ نَطَقَتِ اَلْأخْبارُ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَقَدْ أخْرَجَ اَلْبُخارِيُّ. ومُسْلِمٌ. واَلتِّرْمِذِيُّ. وأبُو داوُدَ. وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «يَنْزِلَنَّ اِبْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَلَيَكْسِرَنَّ اَلصَّلِيبَ ولَيَقْتُلَنَّ اَلْخِنْزِيرَ ولَيَضَعَنَّ اَلْجِزْيَةَ ولَيَتْرُكَنَّ اَلْقِلاصَ فَلا يُسْقى عَلَيْها ولَيُذْهِبَنَّ اَلشَّحْناءَ والتَّباغُضَ والتَّحاسُدَ ولَيَدْعُوَنَّ إلى اَلْمالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ)، وفي رِوايَةٍ (وإنَّهُ نازِلٌ فَإذا رَأيْتُمُوهُ فاعْرِفُوهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إلى اَلْحُمْرَةِ والبَياضِ يَنْزِلُ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ فَلَيُقاتِلُ اَلنّاسَ عَلى اَلْإسْلامِ) وفِيهِ (ويُهْلِكُ اَلْمَسِيحَ اَلدَّجّالَ) وفي أُخْرى قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْفَ أنْتُمْ إذا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكم وإمامُكم مِنكُمْ) وفي رِوايَةٍ (فَأمَّكم مِنكُمْ) قالَ اِبْنُ أبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي ما أمَّكم مِنكُمْ؟ قالَ: تُخْبِرُنِي قالَ: فَأمَّكم بِكِتابِ رَبِّكم عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةِ نَبِيِّكم صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» والمَشْهُورُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِدِمَشْقَ والنّاسُ في صفحة 96 صَلاةِ اَلصُّبْحِ فَيَتَأخَّرُ اَلْإمامُ وهو اَلْمَهْدِيُّ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ويُصَلِّي خَلْفَهُ ويَقُولُ: إنَّما أُقِيمَتْ لَكَ. وقِيلَ بَلْ يَتَقَدَّمُ هو ويَؤُمُّ اَلنّاسَ والأكْثَرُونَ عَلى اِقْتِدائِهِ بِالمَهْدِيِّ في تِلْكَ اَلصَّلاةِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ نُزُولِهِ ناسِخًا وأمّا في غَيْرِها فَيَؤُمُّ هو اَلنّاسَ لِأنَّهُ اَلْأفْضَلُ والشِّيعَةُ تَأْبى ذَلِكَ. وفِي بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ يُقالُ لَها أفِيقُ بِفاءٍ وقافٍ بِوَزْنِ أمِيرٍ وهي هُنا مَكانٌ بِالقُدْسِ اَلشَّرِيفِ نَفْسِهِ ويَمْكُثُ في اَلْأرْضِ عَلى ما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أرْبَعِينَ سَنَةً وفي رِوايَةٍ سَبْعَ سِنِينَ قِيلَ والأرْبَعُونَ إنَّما هي مُدَّةُ مُكْثِهِ قَبْلَ اَلرَّفْعِ وبَعْدَهُ ثُمَّ يَمُوتُ ويُدْفَنُ في اَلْحُجْرَةِ اَلشَّرِيفَةِ اَلنَّبَوِيَّةِ، وتَمامُ اَلْكَلامِ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ لِلسَّفارِينِيِّ، وعَنِ اَلْحَسَنِ. وقَتادَةَ. وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿إنَّهُ﴾ لِلْقُرْآنِ لِما أنَّ فِيهِ اَلْإعْلامَ بِالسّاعَةِ فَجَعَلَهُ عَيْنَ اَلْعِلْمِ مُبالَغَةً أيْضًا، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْقُرْآنِ ذِكْرٌ هُنا مَعَ عَدَمِ مُناسِبَةِ ذَلِكَ لِلسِّياقِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «(بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ)» وفِيهِ مِنَ اَلْبُعْدِ ما فِيهِ. وكَأنَّ هَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ ﴿أمْ هُوَ﴾ وضَمِيرَ ﴿إنْ هُوَ﴾ لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا وهو كَما تَرى ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ فَلا تَشُكُّنَّ في وُقُوعِها ﴿واتَّبِعُونِ﴾ أيْ واتَّبِعُوا هُدايَ أوْ شَرْعِي أوْ رَسُولِي، وقِيلَ: هو قَوْلُ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو بِتَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ أيْ وقُلِ اِتَّبِعُونِي ﴿هَذا﴾ أيِ اَلَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ أوِ اَلْقُرْآنُ عَلى أنَّ اَلضَّمِيرَ في (إنَّهُ) لَهُ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ مُوصِلٌ إلى اَلْحَقِّ

الزخرف 43:62

﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ عَنِ اِتِّباعِي ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ اَلْعَداوَةِ أوْ مُظْهِرُها حَيْثُ أخْرَجَ أباكم مِنَ اَلْجَنَّةِ وعَرَّضَكم لِلْبَلِيَّةِ

الزخرف 43:63

﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ بِالأُمُورِ اَلْواضِحاتِ وهي اَلْمُعْجِزاتُ أوْ آياتُ اَلْإنْجِيلِ أوِ اَلشَّرائِعُ ولا مانِعَ مِن إرادَةِ اَلْجَمِيعِ ﴿قالَ﴾ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ أيِ اَلْإنْجِيلِ كَما قالَ اَلْقُشَيْرِيُّ. والماوَرْدِيُّ، وقالَ اَلسُّدِّيُّ: بِالنُّبُوَّةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ هي قَضايا يَحْكُمُ بِها اَلْعَقْلُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ بِما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ اَلْإلَهِيَّةُ مِنَ اَلشَّرائِعِ، وقالَ اَلضَّحّاكُ: أيْ بِالمَوْعِظَةِ ﴿ولأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمُقَدَّرٍ أيْ وجِئْتُكم لِأُبَيِّنَ لَكُمْ، ولَمْ يَتْرُكِ اَلْعاطِفَ لِيَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ لِيُؤْذِنَ بِالِاهْتِمامِ بِالعِلَّةِ حَيْثُ جُعِلَتْ كَأنَّها كَلامٌ بِرَأْسِهِ. وفي اَلْإرْشادِ هو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ اَلْمَجِيءُ بِالحِكْمَةِ كَأنَّهُ قِيلَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ لِأُعَلِّمَكم إيّاها ولِأُبَيِّنَ لَكم ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو أمْرُ اَلدِّياناتِ وما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ دُونَ اَلْأُمُورِ اَلَّتِي لَمْ يَتَعَبَّدُوا بِمَعْرِفَتِها كَكَيْفِيَّةِ نَضْدِ اَلْأفْلاكِ وأسْبابِ اِخْتِلافِ تَشَكُّلاتِ اَلْقَمَرِ مَثَلًا فَإنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا لِبَيانِ ما يُخْتَلَفُ فِيهِ مِن ذَلِكَ ومِثْلُها ما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ اَلدُّنْيا كَكَيْفِيَّةِ اَلزِّراعَةِ وما يُصْلِحُ اَلزَّرْعَ وما يُفْسِدُهُ مَثَلًا فَإنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا لِبَيانِهِ أيْضًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قِصَّةِ تَأْبِيرِ اَلنَّخْلِ «(أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمْ)» . وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهَذا اَلْبَعْضِ بَعْضُ أُمُورِ اَلدِّينِ اَلْمُكَلَّفِ بِها وأُرِيدَ بِالبَيانِ اَلْبَيانُ عَلى سَبِيلِ اَلتَّفْصِيلِ وهي لا يُمْكِنُ بَيانُ جَمِيعِها تَفْصِيلًا وبَعْضُها مُفَوَّضٌ لِلِاجْتِهادِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلْمُرادُ بَعْضُ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وقَدْ أحَلَّ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَهم لُحُومَ اَلْإبِلِ والشَّحْمَ مِن كُلِّ حَيَوانٍ وصَيْدَ اَلسَّمَكِ يَوْمَ اَلسَّبْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُ اَلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن تَبْدِيلِ اَلتَّوْراةِ، وقالَ قَتادَةُ: لِأُبَيِّنَ لَكُمُ اِخْتِلافَ اَلَّذِينَ تَحَزَّبُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن صفحة 97 مُخالَفَتِي ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ عَنْهُ تَعالى

الزخرف 43:64

﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ بَيانٌ لِما أمَرَهم بِالطّاعَةِ فِيهِ وهو اِعْتِقادُ اَلتَّوْحِيدِ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ ﴿هَذا﴾ أيْ هَذا اَلتَّوْحِيدُ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ، وهو إمّا مِن تَتِمَّةِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أوِ اِسْتِئْنافٌ مِنَ اَللَّهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِمَقالَةِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

الزخرف 43:65

﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ اَلْفِرَقُ اَلْمُتَحَزِّبَةُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ مِن بَيْنِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ وخاطَبَهم بِما خاطَبَهم مِنَ اَلْيَهُودِ والنَّصارى وهم أُمَّةُ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اَلنَّصارى وهم أُمَّةُ إجابَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وقَدِ اِخْتَلَفُوا فِرَقًا مَلْكانِيَّةً ونَسْطُورِيَّةً ويَعْقُوبِيَّةً ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ اَلْمُخْتَلِفِينَ وهُمُ اَلَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ عَبْدُ اَللَّهِ ورَسُولُهُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ هو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ وألِيمٌ صِفَةُ عَذابٍ أوْ يَوْمٍ عَلى اَلْإسْنادِ اَلْمَجازِيِّ.

الزخرف 43:66

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اَلضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وأنْ تَأْتِيَهم بَدَلٌ مِنَ اَلسّاعَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وجُوِّزَ جَعْلُ إلّا بِمَعْنى غَيْرِ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ ويَنْظُرُونَ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا إلّا إتْيانَ اَلسّاعَةِ فَجْأةً وهم غافِلُونَ عَنْها، وفي ذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ حَيْثُ جُعِلَ إتْيانُ اَلسّاعَةِ كالمُنْتَظَرِ اَلَّذِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. ولَمّا جازَ اِجْتِماعُ اَلْفَجْأةِ والشُّعُورِ وجَبَ أنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لِعَدَمِ إغْناءِ اَلْأوَّلِ عَنْهُ فَلا اِسْتِدْراكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِلا يَشْعُرُونَ اَلْإثْباتُ لِأنَّ اَلْكَلامَ وارِدٌ عَلى اَلْإنْكارِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَزْعُمُونَ أنَّها تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ بَلْ تَأْتِيهِمْ وهم فَطِنُونَ، وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ لِلَّذِينِ ظُلِمُوا، وقِيلَ: لِلنّاسِ مُطْلَقًا وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَقُومُ اَلسّاعَةُ والرَّجُلانِ يَحْلِبانِ اَلنَّعْجَةَ والرَّجُلانِ يَطْوِيانِ اَلثَّوْبَ ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾»

الزخرف 43:67

﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ اَلظَّرْفُ مُتَعَلِّقٍ بِعَدُوٍّ والفَصْلُ لا يَضُرُّهُ، والمُرادُ أنَّ اَلْمَحَبّاتِ تَنْقَطِعُ يَوْمَ إذْ تَأْتِيَهِمُ اَلسّاعَةُ ولا يَبْقى إلّا مَحَبَّةُ اَلْمُتَّقِينَ وهُمُ اَلْمُتَصادِقُونَ في اَللَّهِ عَزَّ وجِلٍ لِما أنَّهم يَرَوْنَ ثَوابَ اَلتَّحابِّ في اَللَّهِ تَعالى، واعْتِبارُ اَلِانْقِطاعِ لِأنَّ اَلْخِلَّ حالَ كَوْنِهِ خِلًّا مُحالٌ أنْ يَصِيرَ عَدُوًّا. وقِيلَ: اَلْمَعْنى اَلْأخِلّاءُ تَنْقَطِعُ خِلَّتُهم ذَلِكَ اَلْيَوْمَ إلّا اَلْمُجْتَنِبِينَ أخِلّاءَ اَلسُّوءِ، والفَرْقُ بَيْنَ اَلْوَجْهَيْنِ أنَّ اَلْمُتَّقِيَ في اَلْأوَّلِ هو اَلْمُحِبُّ لِصاحِبِهِ في اَللَّهِ تَعالى فاتَّقى اَلْحُبَّ أنْ يَشُوبَهُ غَرَضٌ غَيْرُ إلَهِيٍّ، وفي اَلثّانِي هو مَنِ اِتَّقى صُحْبَةَ اَلْأشْرارِ. والِاسْتِثْناءُ فِيهِما مُتَّصِلٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ مُتَعَلِّقًا بِالأخِلّاءِ والمُرادُ بِهِ في اَلدُّنْيا ومُتَعَلِّقُ عَدُوٍّ مُقَدَّرٌ أيْ في اَلْآخِرَةِ والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ

الزخرف 43:68

﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حِكايَةً لِما يُنادى بِهِ اَلْمُتَّقُونَ اَلْمُتَحابُّونَ في اَللَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ فَهو بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ أيْ فَيُقالُ لَهم يا عِبادِي إلَخْ أوْ فَأقُولُ: لَهم بِناءً عَلى أنَّ اَلْمُنادِيَ هو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وعَنِ اَلْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّ اَلنّاسَ حِينَ يُبْعَثُونَ لَيْسَ مِنهم أحَدٌ إلّا يَفْزَعُ فَيُنادِي مُنادٍ يا عِبادِ إلَخْ فَيَرْجُوها اَلنّاسُ كُلُّهم فَيَتْبَعُها

الزخرف 43:69

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَيَيْأسُ مِنها اَلْكُفّارُ، فَيا عِبادِ عامٌّ مَخْصُوصٌ إمّا بِالآيَةِ اَلسّابِقَةِ وإمّا بِاللّاحِقَةِ، والأوَّلُ أوْفَقُ مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ. والمَوْصُولُ إمّا صِفَةٌ لِلْمُنادى أوْ بَدَلٌ أوْ مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ أمْدَحُ ونَحْوَهُ، وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿آمَنُوا﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، وجُوِّزَ عَطْفُها عَلى اَلصِّلَةِ، ورُجِّحَتِ اَلْحالِيَّةُ بِأنَّ اَلْكَلامَ عَلَيْها أبْلَغُ لِأنَّ اَلْمُرادَ بِالإسْلامِ صفحة 98 هُنا اَلِانْقِيادُ والإخْلاصُ لِيُفِيدَ ذِكْرُهُ بَعْدَ اَلْإيمانِ فَإذا جُعِلَ حالًا أفادَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ في اَلْماضِي اِتِّصالَهُ بِزَمانِ اَلْإيمانِ، وكانَ تَدُلُّ عَلى اَلِاسْتِمْرارِ أيْضًا ومِن هُنا جاءَ اَلتَّأْكِيدُ والأبْلَغِيَّةُ بِخِلافِ اَلْعَطْفِ، وكَذا اَلْحالُ اَلْمُفْرَدَةُ بِأنْ يُقالَ: اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا مُخْلِصِينَ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ (يا عِبادِيَ) بِالياءِ عَلى اَلْأصْلِ، والحَذْفُ كَثِيرٌ شائِعٌ وبِهِ قَرَأ حَفْصٌ. وحَمْزَةُ. والكِسائِيُّ، وقَرَأ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ (لا خَوْفُ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، والحَسْنُ. والزُّهْرِيُّ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ. وعِيسى. وابْنُ يَعْمُرَ. ويَعْقُوبُ. بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ

الزخرف 43:70

﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾ نِساؤُكُمُ اَلْمُؤْمِناتُ فالإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ اَلتّامِّ فَيَخْرُجُ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهُنَّ ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُسَرُّونَ سُرُورًا يَظْهَرُ حِبارُهُ أيْ أثَرُهُ مِنَ اَلنَّضْرَةِ والحُسْنِ عَلى وُجُوهِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أوْ تُزَيَّنُونَ مِنَ اَلْحَبْرِ بِفَتْحِ اَلْحاءِ وكَسْرِها وهو اَلزِّينَةُ وحُسْنُ اَلْهَيْئَةِ وهَذا مُتَحَدٌّ بِما قَبْلَهُ مَعْنًى والفَرْقُ في اَلْمُشْتَقِّ مِنهُ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: أيْ تُكْرَمُونَ إكْرامًا يُبالَغُ فِيهِ، والحَبْرَةُ بِالفَتْحِ اَلْمُبالَغَةُ في اَلْفِعْلِ اَلْمَوْصُوفِ بِأنَّهُ جَمِيلٌ ومِنهُ اَلْإكْرامُ فَهو في اَلْأصْلِ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ أفْرادِهِ هُنا

الزخرف 43:71

﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بَعْدَ دُخُولِهِمُ اَلْجَنَّةَ حَيْثُما أمَرُوا بِهِ ﴿بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ كَذَلِكَ، والصِّحافُ جَمْعُ صَحْفَةٍ قِيلَ هي كالقَصْعَةِ، وقِيلَ: أعْظَمُ أوانِي اَلْأكْلِ اَلْجَفْنَةُ ثُمَّ اَلْقَصْعَةُ ثُمَّ اَلصَّحْفَةُ ثُمَّ اَلْكَيْلَةُ. والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ لا أُذُنَ لَهُ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ دُونَ اَلْإبْرِيقِ، وقالَ: بَلَغَنا أنَّهُ مُدَوَّرُ اَلرَّأْسِ ولَمّا كانَتْ أوانِي اَلْمَأْكُولِ أكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ لِأوانِي اَلْمَشْرُوبِ عادَةً جَمْعَ اَلْأوَّلَ جَمْعَ كَثْرَةٍ والثّانِيَ جَمْعَ قِلَّةٍ، وقَدْ تَظافَرَتِ اَلْأخْبارُ بِكَثْرَةِ اَلصِّحافِ، أخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُبارَكِ. وابْنُ أبِي اَلدُّنْيا في صِفَةِ اَلْجَنَّةِ. والطَّبَرانِيُّ في اَلْأوْسَطِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ أسْفَلَ أهْلِ اَلْجَنَّةِ أجْمَعِينَ دَرَجَةً لِمَن يَقُومُ عَلى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلافِ خادِمٍ بِيَدِ كُلِّ واحِدٍ صَحْفَتانِ واحِدَةٌ مِن ذَهَبٍ والأُخْرى مِن فِضَّةٍ في كُلِّ واحِدَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ في اَلْأُخْرى مِثْلُهُ يَأْكُلُ مِن آخِرِها مِثْلَ ما يَأْكُلُ مِن أوَّلِها يَجِدُ لِآخِرِها مِنَ اَلطِّيبِ واللَّذَّةِ مِثْلَ اَلَّذِي يَجِدُ لِأوَّلِها ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ كَرَشْحِ اَلْمِسْكِ اَلْأذْفَرِ لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ ولا يَمْتَخِطُونَ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ)» وفي حَدِيثٍ رَواهُ عِكْرِمَةُ «(إنَّ أدْنى أهْلِ اَلْجَنَّةِ مَنزِلَةً وأسْفَلَهم دَرَجَةً لَرَجُلٌ لا يَدْخُلُ بَعْدَهُ أحَدٌ يُفْسَحُ لَهُ في بَصَرِهِ مَسِيرَةُ عامٍ في قُصُورٍ مِن ذَهَبٍ وخِيامٍ مِن لُؤْلُؤٍ لَيْسَ فِيها مَوْضِعَ شِبْرٍ إلّا مَعْمُورٌ يُغْدى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ويُراحُ بِسَبْعِينَ ألِفَ صَحْفَةٍ في كُلِّ صَحْفَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ في اَلْأُخْرى مِثْلُهُ شَهْوَتُهُ في آخِرِها كَشَهْوَتِهِ في أوَّلِها لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أهْلِ اَلْأرْضِ لَوَسِعَ عَلَيْهِمْ مِمّا أُعْطِي لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمّا أُوتِيَ شَيْئًا)» ورَوى اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ هَذا اَلْعَدَدَ عَنْ كَعْبٍ أيْضًا، وإذا كانَ ذَلِكَ لِلْأدْنى فَما ظَنُّكَ بِالأعْلى، رَزَقَنا اَللَّهُ تَعالى ما يَلِيقُ بِجُودِهِ وكَرَمِهِ. وأمالَ أبُو اَلْحَرْثِ عَنِ اَلْكِسائِيِّ كَما ذَكَرَ اِبْنُ خالَوَيْهِ بِصِحافٍ ﴿وفِيها﴾ أيْ في اَلْجَنَّةِ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ مِن فُنُونِ اَلْمَلاذِّ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ تَسْتَلِذُّ وتَقَرُّ بِمُشاهَدَتِهِ، وذِكْرُ ذَلِكَ اَلشّامِلِ لِكُلِّ لَذَّةٍ ونَعِيمٍ بَعْدَ ذِكْرِ اَلطَّوافِ عَلَيْهِمْ بِأوانِي اَلذَّهَبِ اَلَّذِي هو بَعْضٌ مِنَ اَلتَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ كَما أنَّ ذِكْرَ لَذَّةِ اَلْعَيْنِ اَلَّتِي هي جاسُوسُ اَلنَّفْسِ بَعْدَ اِشْتِهاءِ اَلنَّفْسِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وقالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بِصِحافٍ دَلَّ عَلى اَلْأطْعِمَةِ ﴿وأكْوابٍ﴾ عَلى اَلْأشْرِبَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَلى اَلْمَنكَحِ والمَلْبَسِ وما يَتَّصِلُ بِهِما لِيَتَكامَلَ جَمِيعُ اَلْمُشْتَهَياتِ اَلنَّفْسانِيَّةِ فَبَقِيَتِ اَللَّذَّةُ اَلْكُبْرى وهي اَلنَّظَرُ إلى وجْهِ اَللَّهِ تَعالى اَلْكَرِيمِ صفحة 99 فَكُنِّيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ ولِهَذا قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ اَلنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ: «(حُبِّبَ إلَيَّ اَلطِّيبُ والنِّساءُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في اَلصَّلاةِ)» وقالَ قَيْسُ بْنُ مُلَوَّحٍ: ولَقَدْ هَمَمْتُ بِقَتْلِها مِن حُبِّها كَيْما تَكُونَ خَصِيمَتِي في اَلْمَحْشَرِ حَتّى يَطُولَ عَلى اَلصِّراطِ وُقُوفُنا ∗∗∗ وتَلَذُّ عَيْنِي مِن لَذِيذِ اَلْمَنظَرِ ويُوافِقُ هَذا قَوْلُ اَلْإمامِ جَعْفَرٍ اَلصّادِقِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: شَتّانَ بَيْنَ ما تَشْتَهِي اَلْأنْفُسُ وبَيْنَ ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ لِأنَّ جَمِيعَ ما في اَلْجَنَّةِ مِنَ اَلنَّعِيمِ والشَّهَواتِ في جَنْبِ ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ كَأُصْبُعٍ تُغْمَسُ في اَلْبَحْرِ لِأنَّ شَهَواتِ اَلْجَنَّةِ لَها حَدٌّ ونِهايَةٌ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ولا تَلَذُّ عَيْنٌ في اَلدّارِ اَلْباقِيَةِ إلّا بِالنَّظَرِ إلى اَلْباقِي جَلَّ وعَزَّ ولا حَدَّ لِذَلِكَ ولا صِفَةَ ولا نِهايَةَ اِنْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ اَلْمَعْنى عَلى اِعْتِبارِ وفِيها ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ وعَلى ذَلِكَ بَنى اَلزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: هَذا حَصْرٌ لِأنْواعِ اَلنِّعَمِ لِأنَّها إمّا مُشْتَهاةٌ في اَلْقُلُوبِ أوْ مُسْتَلَذَّةٌ في اَلْأعْيُنِ، وتَعَقَّبَهُ في اَلْكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِانْتِقاضِهِ بِمُسْتَلَذّاتِ سائِرِ اَلْمَشاعِرِ اَلْخَمْسِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّها مِنَ اَلْقِسْمِ اَلْأوَّلِ قُلْنا: مُسْتَلَذُّ اَلْعَيْنِ كَذَلِكَ فالوَجْهُ أنَّهُ ذُكِرَ تَعْظِيمًا لِنَعِيمِها بِأنَّهُ مِمّا يَتَوافَقُ فِيهِ اَلْقَلْبُ والعَيْنُ وهو اَلْغايَةُ عِنْدَهم في اَلْمَحْبُوبِ لِأنَّ اَلْعَيْنَ مُقَدِّمَةُ اَلْقَلْبِ وهَذا قَوْلٌ بِأنَّهُ لَيْسَ في اَلْجُمْلَةِ اَلثّانِيَةِ اِعْتِبارُ مَوْصُولٍ آخَرَ بَلْ هي والجُمْلَةُ قَبْلَها صِلَتانِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ وهو اَلْمَذْكُورُ، وما تَقَدَّمَ هو اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ اَلْأكْثَرِينَ، وحَذْفُ اَلْمَوْصُولِ في مِثْلِ ذَلِكَ شائِعٌ، ولا مانِعَ مِن إدْخالِ اَلنَّظَرِ إلى وجْهِهِ تَعالى اَلْكَرِيمِ فِيما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، و(ألْ) في اَلْأنْفُسِ والأعْيُنِ لِلِاسْتِغْراقِ عَلى ما قِيلَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ جَمْعِ اَلْقِلَّةِ والكَثْرَةِ. ولَعَلَّ مَن يَقُولُ: بِأنَّ اِسْتِغْراقَ اَلْمُفْرَدِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ اَلْجَمْعِ ويَفْرِقُ بَيْنَ اَلْجَمْعَيْنِ في اَلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى يَقُولُ: بِأنَّ اِسْتِغْراقَ جَمْعِ اَلْقِلَّةِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ جَمْعِ اَلْكَثْرَةِ، وقِيلَ: هي لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: عِوَضٌ عَنِ اَلْمُضافِ إلَيْهِ أيْ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهُمْ، وجَمْعُ اَلنَّفْسِ والعَيْنِ اَلْباصِرَةِ عَلى أفْعُلٍ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ مِن جَمْعِهِما عَلى غَيْرِهِ بَلْ لَيْسَ في اَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ جَمْعُ اَلْباصِرَةِ إلّا عَلى ذَلِكَ، وما أنْسَبَ هَذا اَلْجَمْعَ هُنا لِمَكانِ ﴿الأخِلاءُ﴾ وحَمْلُ ما تَشْتَهِيهِ اَلنَّفْسُ عَلى اَلْمَنكَحِ والمَلْبَسِ وما يَتَّصِلُ بِهِما خِلافُ اَلظّاهِرِ. وفِي اَلْأخْبارِ أيْضًا ما هو ظاهِرٌ في اَلْعُمُومِ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ. واَلتِّرْمِذِيُّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «(جاءَ رَجُلٌ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: هَلْ في اَلْجَنَّةِ خَيْلٌ فَإنَّها تُعْجِبُنِي؟ قالَ: إنْ أحْبَبْتَ ذَلِكَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ فَتَطِيرَ بِكَ في اَلْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ اَلْإبِلَ تُعْجِبُنِي فَهَلْ في اَلْجَنَّةِ مِن إبِلٍ؟ فَقالَ: يا عَبْدَ اَللَّهِ إنْ أُدْخِلْتَ اَلْجَنَّةَ فَلَكَ فِيها ما تَشْتَهِي نَفْسُكَ ولَذَّتْ عَيْنُكَ)» . وأُخْرِجَ أيْضًا نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ وقالَ: هو أصَحُّ مِنَ اَلْأوَّلِ، وجاءَ نَحْوُهُ أيْضًا في رِواياتٍ أُخَرَ فَلا يَضُرُّهُ ما قِيلَ مِن ضَعْفِ إسْنادِهِ، ولا يُشْكِلُ عَلى اَلْعُمُومِ أنَّ اَللُّواطَةَ مَثَلًا لا تَكُونُ في اَلْجَنَّةِ لِأنَّ ما لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ فِيها لا يُشْتَهى بَلْ قِيلَ في خُصُوصِ اَللُّواطَةِ أنَّهُ لا يَشْتَهِيها في اَلدُّنْيا اَلْأنْفُسُ اَلسَّلِيمَةُ. واخْتَلَفَ اَلنّاسُ هَلْ يَكُونُ في اَلْجَنَّةِ حَمْلٌ أمْ لا فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى اَلْأوَّلِ، فَقَدْ أخْرَجَ اَلْإمامُ أحْمَدُ. وهَنّادٌ. والدّارِمِيُّ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ ماجَهْ. وابْنُ حِبّانَ. واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. والبَيْهَقِيُّ في اَلْبَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ قالَ: «(قُلْنا يا رَسُولَ اَللَّهِ إنَّ اَلْوَلَدَ مِن قُرَّةِ اَلْعَيْنِ وتَمامِ اَلسُّرُورِ فَهَلْ يُولَدُ لِأهْلِ اَلْجَنَّةِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اَلْمُؤْمِنَ إذا اِشْتَهى اَلْوَلَدُ في اَلْجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ كَما يَشْتَهِي)». صفحة 100 وذَهَبِ طاوُسٌ. وإبْراهِيمُ اَلنَّخْعِيُّ. ومُجاهِدٌ. وعَطاءٌ. وإسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ إلى اَلثّانِي. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ اَلْعَقِيلِيِّ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إنَّ أهْلَ اَلْجَنَّةِ لا يَكُونُ لَهم ولَدٌ)» وفي حَدِيثِ لَقِيطٍ اَلطَّوِيلِ اَلَّذِي رَواهُ عَبْدُ اَللَّهِ اِبْنُ اَلْإمامِ أحْمَدَ. وأبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرٍو. وأبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ. والطَّبَرانِيُّ. وابْنُ حِبّانَ. ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ اِبْنِ مَندَهْ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. وأبُو نُعَيْمٍ. وجَماعَةٌ مِنَ اَلْحُفّاظِ وتَلَقّاهُ اَلْأئِمَّةُ بِالقَبُولِ وقالَ فِيهِ اِبْنُ مَندَهْ: لا يُنْكِرُ هَذا اَلْحَدِيثَ إلّا جاحِدٌ أوْ جاهِلٌ أوْ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ قُلْتُ: «(يا رَسُولَ اَللَّهِ أوَلَنا فِيها- يَعْنِي اَلْجَنَّةَ- أزْواجٌ أوَمِنهُنَّ مُصْلِحاتٌ؟ قالَ: اَلْمُصْلِحاتُ لِلْمُصْلِحِينَ تَلْذَذُونَهُنَّ ويَلْذُذْنَكم مِثْلَ لَذّاتِكم في اَلدُّنْيا غَيْرَ أنْ لا تَوالُدَ)» . وقالَ مُجاهِدٌ. وعَطاءٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ مُطَهَّرَةٌ مِنَ اَلْوَلَدِ والحَيْضِ والغائِطِ والبَوْلِ ونَحْوِها، وقالَ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ اَلسّابِقِ: إنَّهُ عَلى مَعْنى إذا اِشْتَهى اَلْمُؤْمِنُ اَلْوَلَدَ في اَلْجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ كَما يَشْتَهِي ولَكِنْ لا يَشْتَهِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّ (إذا) لِمُتَحَقِّقِ اَلْوُقُوعِ ولَوْ أُرِيدَ ما ذُكِرَ لَقِيلَ: لَوِ اِشْتَهى، وفي حادِي اَلْأرْواحِ إسْنادُ حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ عَلى شَرْطِ اَلصَّحِيحِ فَرِجالُهُ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِيهِ ولَكِنَّهُ غَرِيبٌ جِدًّا. وقالَ اَلسَّفارِينِيُّ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ: حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ أجْوَدُ أسانِيدِهِ إسْنادُ اَلتِّرْمِذِيِّ وقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالغَرابَةِ وأنَّهُ لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ أبِي اَلصَّدِيقِ اَلتّاجِيِّ وقَدِ اِضْطَرَبَ لَفْظُهُ فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ إذا اِشْتَهى اَلْوَلَدَ وتارَةً أنَّهُ يَشْتَهِي اَلْوَلَدَ وتارَةً أنَّ اَلرَّجُلَ لَيُولَدُ لَهُ، وإذا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ اَلتَّعْلِيقِ اَلْأعَمِّ مِنَ اَلْمُحَقَّقِ وغَيْرِهِ، ورُجِّحَ اَلْقَوْلُ بِعَدَمِ اَلْوِلادَةِ بِعَشَرَةِ وُجُوهٍ مَذْكُورَةٍ فِيها، وأنا أخْتارُ اَلْقَوْلَ بِالوِلادَةِ كَما نَطَقَ بِها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ وقَدْ قالَ فِيهِ اَلْأُسْتاذُ أبُو سَهْلٍ فِيما نَقَلَهُ اَلْحاكِمُ: إنَّهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا أهْلُ اَلزَّيْغِ، وفِيهِ غَيْرُ إسْنادٍ، ولَيْسَ تَكَوُّنُ اَلْوَلَدِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْمَعْهُودِ في اَلدُّنْيا بَلْ يُكَوَّنُ كَما نَطَقَ بِهِ اَلْحَدِيثُ ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا يُسْتَبْعَدُ تَكَوُّنُهُ مِن نَسِيمٍ يَخْرُجُ وقْتَ اَلْجِماعِ، وزُعِمَ أنَّ اَلْوَلَدَ إنَّما يُخْلَقُ مِنَ اَلْمَنِيِّ فَحَيْثُ لا مَنِيَّ في اَلْجَنَّةِ كَما جاءَ في اَلْأخْبارِ لا خَلْقَ فِيهِ تَعْجِيزٌ لِلْقُدْرَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما في حَدِيثِ لَقِيطٍ لِأنَّ اَلْمُرادَ هُناكَ نَفْيُ اَلتَّوالُدِ اَلْمَعْهُودِ في اَلدُّنْيا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وُقُوعُ غَيْرَ أنْ لا تَوالُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: مِثْلَ لَذّاتِكم في اَلدُّنْيا، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ جَمْعًا بَيْنَ اَلْأخْبارِ، ثُمَّ إنَّ اَلتَّوالُدَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِمْرارِ بَلْ هو تابِعٌ لِلِاشْتِهاءِ ولا يَلْزَمُ اِسْتِمْرارُهُ فالقَوْلُ بِأنَّهُ إنِ اِسْتَمَرَّ لَزِمَ وُجُودُ أشْخاصٍ لا نِهايَةَ لَها وإنِ اِنْقَطَعَ لَزِمَ اِنْقِطاعُ نَوْعٍ مِن لَذَّةِ أهْلِ اَلْجَنَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وما قِيلَ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في اَلصَّحِيحِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(يَبْقى في اَلْجَنَّةِ فَضْلٌ فَيُنْشِئُ اَللَّهُ تَعالى لَها خَلْقًا يُسْكِنُهم إيّاها)» ولَوْ كانَ في اَلْجَنَّةِ إيلادٌ لَكانَ اَلْفَضْلُ لِأوْلادِهِمُ اَلْمُلازِمَةِ فِيهِ مَمْنُوعَةً لِجَوازِ أنْ يُقالَ مَن يَشْتَهِي اَلْوَلَدَ يَشْتَهِي أنْ يَكُونَ مَعَهُ في مَنزِلِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ اَلتَّوالُدَ في اَلدُّنْيا لِحِكْمَةِ بَقاءِ اَلنَّوْعِ وهو باقٍ في اَلْجَنَّةِ بِدُونِ تَوالُدٍ فَيَكُونُ عَبَثًا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ما اَلْمانِعُ مِن أنْ يَكُونَ هُناكَ لِلَّذَّةِ ونَحْوِها كالأكْلِ والشُّرْبِ فَإنَّهُما في اَلدُّنْيا لِشَيْءٍ وفي اَلْجَنَّةِ لِشَيْءٍ آخَرَ، وبِالجُمْلَةِ ما ذُكِرَ لِتَرْجِيحِ عَدَمِ اَلْوِلادَةِ مِنَ اَلْوُجُوهِ مِمّا لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن لَهُ ذِهْنٌ وجِيهٌ. وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ (ما تَشْتَهِي اَلْأنْفُسُ وتَلَذُّ اَلْأعْيُنُ) بِحَذْفِ اَلضَّمِيرِ اَلْعائِدِ عَلى ما مِنَ اَلْجُمْلَتَيْنِ اَلْمُتَعاطِفَتَيْنِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اَللَّهِ (ما تَشْتَهِيهِ اَلْأنْفُسُ وتَلَذُّهُ اَلْأعْيُنُ) بِالضَّمِيرِ فِيهِما، والقِراءَةُ بِهِ في اَلْأوَّلِ دُونَ اَلثّانِيَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ. وشَيْبَةَ. ونافِعٍ. وابْنِ عامِرٍ. وحَفْصٍ ﴿وأنْتُمْ فِيها﴾ أيْ في اَلْجَنَّةِ، وقِيلَ: في اَلْمَلاذِّ صفحة 101 اَلْمَفْهُومَةِ مِمّا تَقَدَّمَ وهو كَما تَرى ﴿خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ أبَدَ اَلْآبِدِينَ، والجُمْلَةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ اَلنِّداءِ وهي كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ ونُودُوا بِذَلِكَ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ وإكْمالًا لِلسُّرُورِ فَإنَّ كُلَّ نَعِيمٍ زائِلٍ مُوجِبٌ لِكُلْفَةِ اَلْحِفْظِ وخَوْفِ اَلزَّوالِ ومُسْتَعْقِبٌ لِلتَّحَسُّرِ في ثانِي اَلْأحْوالِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ اَلْقائِلِ: وإذا نَظَرْتَ فَإنَّ بُؤْسًا زائِلًا ∗∗∗ لِلْمَرْءِ خَيْرٌ مِن نَعِيمٍ زائِلِ وعَنِ اَلنَّصْرِآباذِيِّ أنَّهُ إنْ كانَ خُلُودُهم لِشَهْوَةِ اَلْأنْفُسِ ولَذَّةِ اَلْأعْيُنِ فالفَناءُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ وإنْ كانَ لِفَناءِ اَلْأوْصافِ والِاتِّصافِ بِصِفاتِ اَلْحَقِّ والمَقامِ فِيها عَلى سُرُرِ اَلرِّضا والمُشاهَدَةِ فَأنْتُمْ إذًا أنْتُمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ يَدْخُلُ في عُمُومِ ما تَقَدَّمَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وذَكَرَ بَعْضُهم هُنا أنَّ اَلْخِطابَ هُنا مِن بابِ اَلِالتِفاتِ وأنَّهُ لِلتَّشْرِيفِ. وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: ذُقْ مَعَ طَبْعِكَ اَلْمُسْتَقِيمِ مَعْنى اَلْخِطابِ والِالتِفاتِ وتَقْدِيمِ اَلظَّرْفِ في ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لِتَقِفَ عَلى ما لا يَكْتَنِهُهُ اَلْوَصْفُ

الزخرف 43:72

﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ صِفَةُ اَلْجَنَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُورِثْتُمُوها، وقِيلَ: (تِلْكَ اَلْجَنَّةُ) مُبْتَدَأٌ وصِفَةٌ و(اَلَّتِي أُورِثْتُمُوها) اَلْخَبَرُ والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: تِلْكَ مُبْتَدَأٌ والجَنَّةُ صِفَتُها واَلَّتِي أُورِثْتُمُوها صِفَةُ اَلْجَنَّةِ وبِما كُنْتُمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اَلْخَبَرُ. والإشارَةُ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ إلى اَلْجَنَّةِ اَلْمَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وعَلى اَلْأخِيرَيْنِ إلى اَلْجَنَّةِ اَلْواقِعَةِ صِفَةً عَلى ما قِيلَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ، وقَدْ شَبَّهَ ما اِسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ اَلْحَسَنَةِ مِنَ اَلْجَنَّةِ ونَعِيمِها اَلْباقِي لَهم بِما يَخْلُفُهُ اَلْمَرْءُ لِوارِثِهِ مِنَ اَلْأمْلاكِ والأرْزاقِ ويَلْزَمُهُ تَشْبِيهُ اَلْعَمَلِ نَفْسِهِ بِالمُوَرِّثِ اِسْمِ فاعِلٍ فاسْتُعِيرَ اَلْمِيراثُ لِما اِسْتَحَقُّوهُ ثُمَّ اُشْتُقَّ أُورِثْتُمُوها فَيَكُونُ هُناكَ اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ بَعْضٌ: اَلِاسْتِعارَةُ تَمْثِيلِيَّةٌ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَكْنِيَّةً، وقِيلَ: اَلْإرْثُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلنَّيْلِ والأخْذِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَنزِلٌ في اَلْجَنَّةِ ومَنزِلٌ في اَلنّارِ فالكافِرُ يَرِثُ اَلْمُؤْمِنَ مَنزِلَهُ في اَلنّارِ والمُؤْمِنُ يَرِثُ اَلْكافِرَ مَنزِلَهُ في اَلْجَنَّةِ» وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولا يَخْلُو اَلْكَلامُ عَنْ مَجازٍ عَلَيْهِ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَسَبَبِيَّةُ اَلْعَمَلِ لِإيراثِ اَلْجَنَّةِ ونَيْلِها لَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اَللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ اَلْجَنَّةَ عَمَلُهُ)» فَفي إدْخالِ اَلْعَمَلِ اَلْجَنَّةَ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِقْلالِ والسَّبَبِيَّةِ اَلتّامَّةِ فَلا تَعارُضَ. وأخْرَجَ هَنّادٌ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في اَلزُّهْدِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: تَجُوزُونَ اَلصِّراطَ بِعَفْوِ اَللَّهِ تَعالى وتَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اَللَّهِ تَعالى وتَقْتَسِمُونَ اَلْمَنازِلَ بِأعْمالِكم فَتَأمَّلْ. وقُرِئَ (ورِثْتُمُوها)

الزخرف 43:73

﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ بِحَسْبِ اَلْأنْواعِ والأصْنافِ لا بِحَسْبِ اَلْأفْرادِ فَقَطْ ﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ لا تَأْكُلُونَ إلّا بَعْضَها وأعْقابُها باقِيَةٌ في أشْجارِها فَهي مُزَيَّنَةٌ بِالثِّمارِ أبَدًا مُوَقَّرَةٌ بِها لا تُرى شَجَرَةٌ عُرْيانَةً مِن ثَمَرِها كَما في اَلدُّنْيا، وفي اَلْحَدِيثِ «(لا يَنْزِعُ رَجُلٌ في اَلْجَنَّةِ مِن ثَمَرِها إلّا نَبَتَ مَكانَها مِثْلاها)» فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها اِبْتِدائِيَّةً، والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ اَلْإضافِيِّ وقِيلَ لِرِعايَةِ اَلْفاصِلَةِ. ولَعَلَّ تَكْرِيرَ ذِكْرِ اَلْمَطاعِمِ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ مَعَ أنَّها كَلا شَيْءَ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ أنْواعِ نَعِيمِ اَلْجَنَّةِ لَمّا كانَ بِأكْثَرِهِمْ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلشِّدَّةِ والفاقَةِ فَهو تَسْلِيَةٌ لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ أكْثَرِ اَلْمُخاطَبِينَ عَوامًّا نَظَرُهم مَقْصُورٌ عَلى اَلْأكْلِ والشُّرْبِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ تامٍّ ولِلصُّوفِيَّةِ كَلامٌ سَيَأْتِي في مَواضِعَ إنْ شاءَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ

الزخرف 43:74

﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ صفحة 102 أيِ اَلرّاسِخِينَ في اَلْإجْرامِ اَلْكامِلِينَ فِيهِ وهُمُ اَلْكُفّارُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اَلْكُفّارَ ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ وأيَّدَ إرادَةَ ذَلِكَ بِجَعْلِهِمْ قَسِيمَ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالآياتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا﴾ فَلا تَدُلُّ اَلْآيَةُ عَلى خُلُودِ عُصاةِ اَلْمُؤْمِنِينَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلْمُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ، ولا يَضُرُّ عَدَمُ اَلتَّعَرُّضِ لِبَيانِ حُكْمِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ اَلْمُرادَ بِاَلَّذِينِ آمَنُوا اَلْمُتَّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ والقَوْلُ بِأنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا شامِلٌ لَهم لِأنَّ اَلْعِلَّةَ إيمانُهم وإسْلامُهم لا يَخْفى ما فِيهِ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِخالِدُونَ وخالِدُونَ خَبَرُ إنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلظَّرْفُ هو اَلْخَبَرَ وخالِدُونَ فاعِلَهُ لِاعْتِمادِهِ

الزخرف 43:75

﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن فَتَرَتْ عَنْهُ اَلْحُمّى إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا، والمادَّةُ بِأيِّ صِيغَةٍ كانَتْ تَدُلُّ عَلى اَلضَّعْفِ مُطْلَقًا ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في اَلْعَذابِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ ﴿مُبْلِسُونَ﴾ حَزِينُونَ مِن شِدَّةِ اَلْبَأْسِ، قالَ اَلرّاغِبُ: اَلْإبْلاسُ اَلْحُزْنُ اَلْمُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اَلْبَأْسِ ومِنهُ اُشْتُقَّ إبْلِيسُ فِيما قِيلَ. ولَمّا كانَ اَلْمُبْلِسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ اَلسُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ أُبْلِسَ فُلانٌ إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ اِنْتَهى، وقَدْ فُسِّرَ اَلْإبْلاسُ هُنا بِالسُّكُوتِ وانْقِطاعِ اَلْحُجَّةِ

الزخرف 43:76

﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ لِسُوءِ اِخْتِيارِهِمْ، و(هُمُ) ضَمِيرُ فَصْلٍ فَيُفِيدُ اَلتَّخْصِيصَ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ. وأبُو زَيْدٍ (اَلظّالِمُونَ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هم مُبْتَدَأٌ وهو خَبَرُهُ، وذَكَرَ أبُو عُمَرَ اَلْجِرْمِيُّ أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى اَلْخَبَرِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَأُونَ (تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ) بِرَفْعِ خَيْرٌ وأعْظَمُ، وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ: تَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ وقالَ سِيبَوَيْهِ: بَلَغَنا أنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ يَعْنِي بِالرَّفْعِ

الزخرف 43:77

﴿ونادَوْا﴾ أيْ مِن شِدَّةِ اَلْعَذابِ. وفِي بَعْضِ اَلْآثارِ يُلْقى عَلى أهْلِ اَلنّارِ اَلْجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ اَلْعَذابِ فَيَقُولُونَ: اُدْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أيْ لِيُمِتْنا مِن قَضى عَلَيْهِ إذا أماتَهُ، ومُرادُهم سَلْ رَبَّكَ أنْ يَقْضِيَ عَلَيْنا حَتّى نَسْتَرِيحَ، وإضافَتُهُمُ اَلرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِ لِحَثِّهِ لا لِلْإنْكارِ، وهَذا لا يُنافِي اَلْإبْلاسَ عَلى اَلتَّفْسِيرِ اَلْأوَّلِ لِأنَّهُ صُراخٌ وتَمَنِّي لِلْمَوْتِ مِن فَرْطِ اَلشِّدَّةِ، وأمّا عَلى اَلتَّفْسِيرِ اَلثّانِي أنَّهُ وإنْ نَفاهُ لَكِنَّ زَمانَ كُلٍّ غَيْرُ زَمانِ اَلْآخَرِ فَإنَّ أزْمِنَةَ اَلْعَذابِ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابُهُ مُمْتَدَّةٌ فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ اَلْأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اَلْيَأْسِ عَلَيْهِمْ وعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم ولَوْ بِالمَوْتِ ويُغَوِّثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ دَوامَ اَلْجُمْلَةِ اَلِاسْمِيَّةِ أعْنِي وهم مُبْلِسُونَ وقِيلَ إنْ نادَوْا مَعْطُوفٌ بِالواوِ وهي لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، ولا يَخْفى أنَّ تِلْكَ اَلْجُمْلَةَ حالِيَّةٌ لا تَنْفَكُّ عَنِ اَلْخُلُودِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ. وابْنُ وثّابٍ. والأعْمَشُ (يا مالُ) بِالتَّرْخِيمِ عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ وقَرَأ أبُو اَلسُّوارِ (يا مالُ) بِالتَّرْخِيمِ أيْضًا لَكِنْ عَلى لُغَةِ مَن لَمْ يَنْتَظِرْ. قالَ اِبْنُ جِنِّي: ولِلتَّرْخِيمِ في هَذا اَلْمَوْضِعِ سِرٌّ وذَلِكَ أنَّهم لِعِظَمِ ما هم فِيهِ ضَعُفَتْ قُواهم وذَلَّتْ أنْفُسُهم فَكانَ هَذا مِن مَوْضِعِ اَلِاخْتِصارِ ضَرُورَةٌ وبِهَذا يُجابُ عَنْ قَوْلِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَدْ حُكِيَتْ لَهُ اَلْقِراءَةُ بِهِ عَلى اَللُّغَةِ اَلْأُولى: ما أشْغَلَ أهْلَ اَلنّارِ عَنِ اَلتَّرْخِيمِ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى إنْكارِها فَإنَّ ما لِلتَّعَجُّبِ وفِيها مَعْنى اَلصَّدِّ يَعْنِي أنَّهم في حالَةٍ تَشْغَلُهم عَنِ اَلِالتِفاتِ إلى اَلتَّرْخِيمِ وتَرْكِ اَلنِّداءِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْأكْثَرِ في اَلِاسْتِعْمالِ، وحاصِلُ اَلْجَوابِ أنَّ هَذا اَلتَّرْخِيمَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم لِقَصْدِ اَلتَّصَرُّفِ في اَلْكَلامِ والتَّفَنُّنِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ: صفحة 103 يُحْيِي رُفاتَ اَلْعِظامِ بالِيَةً والحُقِّ يا مالُ غَيْرُ ما تَصِفُ بَلْ لِلْعَجْزِ وضِيقِ اَلْمَجالِ عَنِ اَلْإتْمامِ كَما يُشاهَدُ في بَعْضِ اَلْمَكْرُوبِينَ ﴿قالَ﴾ أيْ مالِكٌ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ مُقِيمُونَ في اَلْعَذابِ أبَدًا لا خَلاصَ لَكم مِنهُ بِمَوْتٍ ولا غَيْرِهِ، وهَذا تَقْنِيطٌ ونِكايَةٌ لَهم فَوْقَ ما هم فِيهِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ عِلْمُهُ بِيَأْسِهِمْ إنْ قُلْنا بِهِ. وذَكَرَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ فِيهِ اِسْتِهْزاءً لِأنَّهُ أقامَ اَلْمُكْثَ مَقامَ اَلْخُلُودِ والمُكْثُ يُشْعِرُ بِالِانْقِطاعِ لِأنَّهُ كَما قالَ اَلرّاغِبُ ثَباتٌ مَعَ اِنْتِظارٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ وجْهُ اَلِاسْتِهْزاءِ اَلتَّعْبِيرَ بِماكِثُونَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِيارِ وإجابَتُهم بِذَلِكَ بَعْدَ مُدَّةٍ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألِفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ ثَمانِينَ، وقِيلَ أرْبَعِينَ.

الزخرف 43:78

﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ خِطابُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِجَوابِ مالِكٍ ومُبَيِّنٌ لِسَبَبِ مُكْثِهِمْ، ولا مانِعَ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ اَلْكَفَرَةَ تَقْرِيعًا لَهُمْ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ بَعْضِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وهو كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ اَلْمَلِكِ لِلرَّعِيَّةِ أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم قِيلَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مالِكٍ لا لِأنَّ ضَمِيرَ اَلْجَمْعِ يُنافِيهِ بَلْ لِأنَّ مالِكًا لا يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَهُ لِأنَّهُ لا خِدْمَةَ لَهُ غَيْرُ خَزْنِهِ لِلنّارِ. وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: في (قالَ) ضَمِيرُهُ تَعالى فالكُلُّ مَقُولُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ خاتِمَةُ حالِ اَلْفَرِيقَيْنِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ لَقَدْ إلَخْ كَلامٌ آخَرُ مَعَ قُرَيْشٍ والمُرادُ عَلَيْهِ جِئْناكم في هَذِهِ اَلسُّورَةِ أوِ اَلْقُرْآنِ بِالحَقِّ، وعَلى ما تَقَدَّمَ لَقَدْ جِئْناكم في اَلدُّنْيا بِالحَقِّ وهو اَلتَّوْحِيدُ وسائِرُ ما يَجِبُ اَلْإيمانُ بِهِ وذَلِكَ بِإرْسالِ اَلرُّسُلِ وإنْزالِ اَلْكُتُبِ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ أيِّ حَقٍّ كانَ كارِهُونَ لا يَقْبَلُونَهُ ويَنْفِرُونَ مِنهُ وفُسِّرَ اَلْحَقُّ بِذَلِكَ دُونَ اَلْحَقِّ اَلْمَعْهُودِ سَواءٌ كانَ اَلْخِطابُ لِأهْلِ اَلنّارِ أوْ لِقُرَيْشٍ لِمَكانِ ﴿أكْثَرَكُمْ﴾ فَإنَّ اَلْحَقَّ اَلْمَعْهُودَ كُلُّهم كارِهُونَ لَهُ مُشْمَئِزُّونَ مِنهُ، وقَدْ يُقالُ: اَلظّاهِرُ اَلْعَهْدُ وعُبِّرَ بِالأكْثَرِ لِأنَّ مِنَ اَلْأتْباعِ مَن يَكْفُرُ تَقْلِيدًا. وقُرِئَ (لَقَدْ جِئْتُكُمْ)

الزخرف 43:79

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ناعٍ عَلى اَلْمُشْرِكِينَ ما فَعَلُوا مِنَ اَلْكَيْدِ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ اَلنّارِ إلى حِكايَةِ جِنايَةِ هَؤُلاءِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ فَإنْ أُرِيدَ بِالإبْرامِ اَلْأحْكامُ حَقِيقَةً فَهي لِإنْكارِ اَلْوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ، وإنْ أُرِيدَ اَلْأحْكامُ صُورَةً فَهي لِإنْكارِ اَلْواقِعِ واسْتِقْباحِهِ أيْ بَلْ أبْرَمَ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا حَقِيقَةً لا هم أوْ فَإنًّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا بِهِمْ حَقِيقَةً كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم صُورَةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ والآيَةُ إشارَةٌ إلى ما كانَ مِنهم مَن تَدْبِيرِ قَتْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في دارِ اَلنَّدْوَةِ وإلى ما كانَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن تَدْمِيرِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن تَتِمَّةِ اَلْكَلامِ اَلسّابِقِ، والمَعْنى أمْ أبْرَمُوا في تَكْذِيبِ اَلْحَقِّ ورَدِّهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى كَراهَتِهِ فَإنّا مُبْرِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ، فَإنْ كانَ ذاكَ خِطابًا لِأهْلِ اَلنّارِ فَإبْرامُ اَلْأمْرِ في مُجازاتِهِمْ هو تَخْلِيدُهم في اَلنّارِ مُعَذَّبِينَ، وإنْ كانَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ فَهو خِذْلانُهم ونَصْرُ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنّا مُبْرِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ وإظْهارِ أمْرِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إبْرامَهم لا يُفِيدُهُمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا والعُدُولُ عَنِ اَلْخِطابِ في أكْثَرَكم إلى اَلْغَيْبَةِ في أبْرَمُوا عَلى هَذا صفحة 104 اَلْقِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ أسْوَأُ مِن كَراهَتِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ

الزخرف 43:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أبْرَمُوهُ كانَ أمْرًا قَدْ أخْفَوْهُ فَيُناسِبُ اَلْكَيْدَ دُونَ تَكْذِيبِ اَلْحَقِّ لِأنَّ اَلْكَفَرَةَ مُجاهِرُونَ فِيهِ والمُرادُ بِالسِّرِّ هُنا حَدِيثُ اَلنَّفْسِ أيْ بَلْ أيَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ حَدِيثَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ اَلْكَيْدِ ﴿ونَجْواهُمْ﴾ أيْ تَناجِيَهِمْ وتَحادُثَهم سِرًّا. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: اَلسِّرُّ ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم في مَكانٍ خالٍ والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ اَلتَّناجِي ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُهُما ونَطَّلِعُ عَلَيْهِما ﴿ورُسُلُنا﴾ اَلَّذِي يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ﴿لَدَيْهِمْ﴾ مُلازِمُونَ لَهم ﴿يَكْتُبُونَ﴾ أيْ يَكْتُبُونَهُما أوْ يَكْتُبُونَ كُلَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ اَلْأفْعالِ والأقْوالِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ. والمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ اَلتَّجَدُّدِيِّ، وهو مَعَ فاعِلِهِ خَبَرٌ و(لَدَيْهِمْ) حالٌ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ أوْ خَبَرٌ أيْضًا وجُمْلَةُ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ إمّا عَطْفٌ عَلى ما يُتَرْجِمُ عَنْهُ بَلىْ أوْ حالٌ أيْ نَسْمَعُ ذَلِكَ والحالُ أنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَهُ، وإذا كانَ اَلْمُرادُ بِالسِّرِّ حَدِيثَ اَلنَّفْسِ فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ اَلسِّرَّ والكَلامَ اَلْمُخَيَّلَ مَسْمُوعٌ لَهُ تَعالى، وكَذا هي ظاهِرَةٌ في أنَّ اَلْحَفَظَةَ تَكْتُبُهُ كَغَيْرِهِ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ اَلظّاهِرَةِ، ولا يَبْعُدُ ذَلِكَ بِأنْ يُطْلِعَهُمُ اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ اَلْإطْلاعِ فَيَكْتُبُوهُ. ومَن خُصَّ كُتّابُهم بِالأُمُورِ اَلْغَيْرِ اَلْقَلْبِيَّةِ خُصَّ اَلسِّرُّ بِما حَدَثَ بِهِ اَلْغَيْرُ في مَكانٍ خالٍ؛ والظّاهِرُ أنَّ حُسْبانَهم ذَلِكَ حَقِيقَةٌ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنَ اَلْكَفَرَةِ اَلْجَهَلَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ اَلْقُرَظِيِّ قالَ: بَيْنا ثَلاثَةٌ عِنْدَ اَلْكَعْبَةِ وأسْتارِها قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ أوْ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ واحِدٌ مِنهم تَرَوْنَ اَللَّهَ تَعالى يَسْمَعُ كَلامَنا فَقالَ واحِدٌ: إذا جَهَرْتُمْ وإذا أسْرَرْتُمْ لَمْ يَسْمَعْ فَنَزَلَتْ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ﴾ اَلْآيَةَ. وقِيلَ: إنَّهم نَزَلُوا في إقْدامِهِمْ عَلى اَلْباطِلِ وعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُ أنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَسْمَعُ سِرَّهُ ونَجْواهُ

الزخرف 43:81

﴿قُلْ﴾ أيْ لِلْكَفَرَةِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ مُخالَفَتَكَ لَهم بِعَدَمِ عِبادَتِكَ ما يَعْبُدُونَ مِنَ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لَيْسَ لِبُغْضِكَ وعَداوَتِكَ لَهم أوْ لِمَعْبُودِيهِمْ بَلْ إنَّما هو لِجَزْمِكَ بِاسْتِحالَةِ ما نَسَبُوا إلَيْهِمْ وبَنَوْا عَلَيْهِ عِبادَتَهم مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ لِذَلِكَ اَلْوَلَدِ وكانَ بِمَعْنى صَحَّ كَما يُقالُ ما كانَ لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وهو أحَدُ اِسْتِعْمالاتِها، و(أوَّلُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ اَلْمَقُولُ لَهُمْ، وجُوِّزَ اِعْتِبارُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، والمُرادُ إظْهارُ اَلرَّغْبَةِ والمُسارَعَةِ، والمُنْساقُ إلى اَلذِّهْنِ اَلْأوَّلُ. ووَجْهُ اَلْمُلازَمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أعْلَمُ اَلنّاسِ بِشُؤُونِهِ تَعالى وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وبِما لا يَجُوزُ وأحْرَصُهم عَلى مُراعاةِ حُقُوقِهِ وما تُوجِبُهُ مِن تَعْظِيمِ ولَدِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ حَقَّ اَلْوالِدِ عَلى شَخْصٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ تَعْظِيمَ ولَدِهِ لِما أنَّ تَعْظِيمَ اَلْوَلَدِ تَعْظِيمُ اَلْوالِدِ. فالمَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ تُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُدْلُونَ بِها فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ اَلْوَلَدَ وأسْبِقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ كَما يُعَظِّمُ اَلرَّجُلُ ولَدَ اَلْمَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ، وهَذا نَفْيٌ لِكَيْنُونَةِ ولَدٍ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وهو اَلطَّرِيقُ اَلْبُرْهانِيُّ والمَذْهَبُ اَلْكَلامِيُّ، فَإنَّهُ في اَلْحَقِيقَةِ قِياسٌ اِسْتِثْنائِيٌّ اِسْتُدِلَّ فِيهِ بِنَفْيِ اَللّازِمِ اَلْبَيِّنِ اِنْتِفاؤُهُ وهو عِبادَتُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْوَلَدِ عَلى نَفْيِ اَلْمَلْزُومِ وهو كَيْنُونَةُ اَلْوَلَدِ لَهُ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ لَكِنَّهُ جِيءَ بِإنْ دُونَ لَوْ لِجَعْلِ ما في حَيِّزِها بِمَنزِلَةِ ما لا قَطْعَ بِعَدَمِهِ عَلى طَرِيقِ اَلْمُساهَلَةِ وإرْخاءِ اَلْعِنانِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ. صفحة 105 وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ في اَلْآيَةِ مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ اَلْمُمْكِنَ في نَفْسِهِ أعْنِي عِبادَتَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِما يَدَّعُونَهُ ولَدًا مُحالًا فَهو نَفْيٌ لِعِبادَةِ اَلْوَلَدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ جُعِلَ مُسَبَّبًا عَنْ مُحالٍ ثُمَّ نَفى لِلْوَلَدِ كَذَلِكَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ وهو أنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْبُدْ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْوَلَدَ مَعَ كَوْنِهِ أوْلى بِعِبادَتِهِ لَوْ كانَ دَلَّ عَلى نَفْيِهِ، ونَحْوُها ذُكِرَ في اَلْآيَةِ مَرْوِيًّا عَنْ قَتادَةَ. والسُّدِّيِّ. والطَّبَرِيِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْمَعْنى قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اَللَّهَ تَعالى وحْدَهُ وكَذَّبَكم بِما تَقُولُونَ فالمُرادُ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ اَلْعابِدِينَ كَوْنُهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، والمُلازَمَةُ في اَلشُّرْطِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ نِسْبَتَهُمُ اَلْوَلَدَ لَهُ تَعالى تَقْتَضِي أنْ يُكَذِّبَهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ صاحِبُ اَلدَّعْوَةِ إلى اَلتَّوْحِيدِ، وقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلى اَلْإمامِ فَنَفى صِحَّةَ هَذا اَلْوَجْهِ، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم فَقالَ: إنْ تُسَبِّبُ اَلْجَزاءَ عَنِ اَلشَّرْطِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ اَلْأوَّلِيَّةِ في اَلْعِبادَةِ والتَّوْحِيدِ مِن بَيْنِهِمْ فَإنَّهم إذا أطْبَقُوا عَلى ذَلِكَ اَلزَّعْمِ يَكُونُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَهم في عِبادَةِ اَللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا مَحالَةَ، وقِيلَ: إنِ اَلسَّبَبِيَّةُ بِاعْتِبارِ اَلْإخْبارِ والذِّكْرِ نَحْوُ إنْ تَضْرِبْنِي فَأنا لا أضْرِبُكَ وهو أوْلى مِمّا قَبْلَهُ، والإنْصافُ أنَّ اَلِارْتِباطَ خَفِيٌّ لا يَظْهَرُ إلّا لِمُجاهِدٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ جَماعَةٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم أنَّ ﴿العابِدِينَ﴾ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ إذا أنِفَ مِنَ اَلشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأعْبَدُ إنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِ وقَوْلُ اَلْآخَرِ: مَتى ما يَشَأْ ذُو اَلْوِدِّ يَصْرُمْ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبَدْ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِما أيْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ اَلْآنِفِينَ مِنَ اَلْوَلَدِ أوْ مِن كَوْنِهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ونِسْبَتِهِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَ اَلطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّ نافِعَ بْنَ اَلْأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ فَقالَ: أنا أوَّلُ مَن يَنْفِرُ عَنْ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقِراءَةِ اَلسِّلْمِيِّ. واليَمانِيِّ (اَلْعَبِدِينَ) جَمْعُ عَبِدٍ كَحَذِرٍ وحَذِرِينَ وهو اَلْمَعْرُوفُ في مَعْنى أنِفَ وقَلَّما يُقالُ فِيهِ عابِدٍ، ومِن هُنا ضَعَّفَ اِبْنُ عَرَفَةَ هَذا اَلْوَجْهَ لِما فِيهِ مِنَ اِسْتِعْمالِ ما قَلَّ اِسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ، وذَكَرَ اَلْخَلِيلُ في كِتابِ اَلْعَيْنِ أنَّهُ قُرِئَ (اَلْعَبْدِينَ) بِسُكُونِ اَلْباءِ تَخْفِيفَ اَلْعَبِدِينَ بِكَسْرِها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: اَلْعَبِدُ بِكَسْرِ اَلْباءِ اَلشَّدِيدُ اَلْغَضَبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلْعَرَبُ تَقُولُ عَبَدَنِي حَقِّي أيْ جَحَدَنِي، ورُوِيَ عَنِ اَلْحَسَنِ. وابْنِ زَيْدٍ. وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وقَتادَةَ. والسُّدِّيِّ أيْضًا أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ مَن قالَ ذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ، و(كانَ) عَلَيْهِ لِلِاسْتِمْرارِ والمَقْصُودُ اِسْتِمْرارُ اَلنَّفْيِ لا نَفْيُ اَلِاسْتِمْرارِ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ اَلظّاهِرِ مَعَ خَفاءِ وجْهِ اَلسَّبَبِيَّةِ أوْ حُسْنِها، وزَعَمَ مَكِّيٌّ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِإيهامِهِ نَفْيَ اَلْوَلَدِ فِيما مَضى وهو كَما تَرى. وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ. وابْنُ وثّابٍ. وطَلْحَةُ. والأعْمَشُ. وحَمْزَةُ. والكِسائِيُّ كَما قالَ اَلْقاضِي (وُلْدٌ) بِضَمِّ اَلْواوِ وسُكُونِ اَللّامِ جَمْعُ ولَدٍ بِفَتْحِهِما.

الزخرف 43:82

﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ عَنْ وصْفِهِمْ أوِ اَلَّذِي يَصِفُونَهُ صفحة 106 بِهِ مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ لَهُ ولَدٌ، وفي إضافَةِ اِسْمِ اَلرَّبِّ إلى أعْظَمِ اَلْأجْرامِ وأقْواها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وما فِيها مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ حَيْثُ كانَتْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى ورُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها جُزْءًا مِنهُ سُبْحانَهُ وهو يُنافِي وُجُوبَ اَلْوُجُودِ، وفي تَكْرِيرِ ذَلِكَ اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ اَلْعَرْشِ

الزخرف 43:83

﴿فَذَرْهُمْ﴾ فَدَعْهم غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يُذْعِنُوا لِلْحَقِّ بَعْدَ ما سَمِعُوا هَذا اَلْبُرْهانَ اَلْجَلِيَّ ﴿يَخُوضُوا﴾ في أباطِيلِهِمْ ﴿ويَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم فَإنَّ ما هم فِيهِ مِنَ اَلْأقْوالِ والأفْعالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ اَلْجَهْلِ، والجَزْمُ لِجَوابِ اَلْأمْرِ ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ عِنْدَ اَلْأكْثَرِينَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ. وجَماعَةٍ أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ وقَدْ وُعِدُوا اَلْهَلاكَ فِيهِ، وقَرِيبٌ مِنهُ تَفْسِيرُهُ بِيَوْمِ اَلْمَوْتِ، وقِيلَ: يَنْبَغِي تَفْسِيرُهُ بِهِ دُونَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ لِأنَّ اَلْغايَةَ لِلْخَوْضِ واللَّعِبِ إنَّما هو يَوْمُ اَلْمَوْتِ لِانْقِطاعِهِما بِالمَوْتِ، وانْتُصِرَ لِلْأكْثَرِينَ بِأنَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ هو اَلْيَوْمُ اَلْمَوْعُودُ وبِهِ سُمِّيَ في لِسانِ اَلشَّرْعِ وتَفْسِيرُهُ بِذاكَ مُخالِفٌ لِلْمَعْرُوفِ ولِما بَعْدُ مِن ذِكْرِ اَلسّاعَةِ، وما ذُكِرَ مِن أمْرِ اَلِانْقِطاعِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ اَلْمَوْتَ وما بَعْدَهُ في حُكْمِ اَلْقِيامَةِ ولِذا ورَدَ مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ ومِثْلُهُ قَدْ يُرادُ بِهِ اَلدَّلالَةُ عَلى طُولِ اَلْمُدَّةِ مَعَ قَطْعِ اَلنَّظَرِ عَنِ اَلِانْتِهاءِ فَيُقالُ: لا يَزالُ في ضَلالَةٍ إلى أنْ تَقُومَ اَلْقِيامَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ. عَنْ أبِي عَمْرٍو (يَلْقَوْا) مُضارِعَ لَقِيَ، والآيَةُ قِيلَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ اَلسَّيْفِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ اَلظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِإلَهٍ لِأنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى مَعْبُودٍ مِن ألَهَ بِمَعْنى عَبَدَ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو إلَهٌ وذَلِكَ عائِدُ اَلْمَوْصُولِ وحُذِفَ لِطُولِ اَلصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقِ اَلْخَبَرِ والعَطْفِ عَلَيْهِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: اَلْجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِإلَهٍ بِاعْتِبارِ ما يُنْبِئُ عَنْهُ مِن مَعْنى اَلْمَعْبُودِيَّةِ بِالحَقِّ بِناءً عَلى اِخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ وهَذا كَتَعَلُّقِ اَلْجارِّ بِالعَلَمِ اَلْمُشْتَهِرِ بِصِفَةٍ نَحْوَ قَوْلِكَ: هو حاتِمٌ في طَيْءٍ حاتِمٌ في تَغْلِبَ، وعَلى هَذا تُخَرَّجُ قِراءَةُ عُمَرَ. وعَلِيٍّ. وعَبْدِ اَللَّهِ. وأُبَيٍّ. والحَكَمِ بْنِ أبِي اَلْعالِي. وبِلالِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ. وابْنِ يَعْمُرَ. وجابِرٍ. وابْنِ زَيْدٍ. وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ. وأبُو شَيْخٍ اَلْهَنّائِيِّ. وحُمَيْدٍ. وابْنِ مِقْسَمٍ. وابْنِ اَلسَّمَيْقَعِ (وهُوَ اَلَّذِي في اَلسَّماءِ اَللَّهُ وفي اَلْأرْضِ اَللَّهُ) فَيُعَلَّقُ اَلْجارُّ بِالِاسْمِ اَلْجَلِيلِ بِاعْتِبارِ اَلْوَصْفِ اَلْمُشْتَهِرِ بِهِ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم مَعْنى اَلِاسْتِحْقاقِ لِلْعِبادَةِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اَلْعِبادَةَ بِالفِعْلِ لا تَلْزَمُ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ صِلَةَ اَلْمَوْصُولِ، و(إلَهٌ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا عَلى أنَّ اَلْجُمْلَةَ بَيانٌ لِلصِّلَةِ وأنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ في اَلسَّماءِ عَلى سَبِيلِ اَلْإلَهِيَّةِ لا عَلى مَعْنى اَلِاسْتِقْرارِ. واخْتِيرَ كَوْنُ (إلَهٌ) في هَذا اَلْوَجْهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى كَوْنِهِ خَبَرًا آخَرَ لِلْمُبْتَدَأِ اَلْمَذْكُورِ أوْ بَدَلًا مِنَ اَلْمَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ بِناءً عَلى تَجْوِيزِهِ لِأنَّ إبْدالَ اَلنَّكِرَةِ اَلْغَيْرِ اَلْمَوْصُوفَةِ مِنَ اَلْمَعْرِفَةِ إذا أفادَتْ ما لَمْ يُسْتَفَدْ أوَّلًا كَما هُنا جائِزٌ حَسَنٌ عَلى ما قالَ أبُو عَلِيٍّ في اَلْحُجَّةِ لِأنَّ اَلْبَيانَ هَهُنا أتَمُّ وأهَمُّ فَلِذا رُجِّحَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ اَلتَّقْدِيرِ وحِينَئِذٍ فَلا فاصِلَ أجْنَبِيًّا بَيْنَ اَلْمُتَعاطِفَيْنِ، ولا يَجُوزُ كَوْنُ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ خَبَرًا مُقَدَّمًا وإلَهٍ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا لِلُزُومِ خُلُوِّ اَلْجُمْلَةِ عَنِ اَلْعائِدِ مَعَ فَسادِ اَلْمَعْنى، وفي اَلْآيَةِ نَفْيُ اَلْآلِهَةِ اَلسَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ واخْتِصاصُ اَلْإلَهِيَّةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لِما فِيها مِن تَعْرِيفِ طَرَفَيِ اَلْإسْنادِ. والمَوْصُولُ في مِثْلِ ذَلِكَ كالمُعَرِّفِ بِالأداةِ ولِلِاعْتِناءِ بِكُلٍّ مِن إلَهِيَّتِهِ تَعالى في اَلسَّماءِ وإلَهِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ في اَلْأرْضِ قِيلَ

الزخرف 43:84

﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وهو اَلَّذِي في اَلسَّماءِ وفي اَلْأرْضِ إلَهٌ أوْ هو اَلَّذِي في اَلسَّماءِ والأرْضِ إلَهٌ، وحَدِيثُ اَلْإعادَةِ قِيلَ مِمّا لا يَجْرِي هَهُنا لِأنَّ اَلْقاعِدَةَ أغْلَبِيَّةٌ كَأكْثَرِ قَواعِدِ اَلْعَرَبِيَّةِ. وقالَ بَعْضُ اَلْأفاضِلِ: يَجُوزُ إجْراءُ اَلْقاعِدَةِ فِيهِ والمُغايِرَةُ بَيْنَ اَلشَّيْئَيْنِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالوَصْفِ صفحة 107 والِاعْتِبارِ والمُرادُ هُنا اَلثّانِي ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ عِبادَةِ أهْلِ اَلسَّماءِ لَهُ تَعالى غَيْرُ طَرِيقِ عِبادَةِ أهْلِ اَلْأرْضِ عَلى ما يَشْهَدُ بِهِ تَتَبُّعُ اَلْآثارِ فَإذا كانَ إلَهٌ بِمَعْنى مَعْبُودٍ كانَ مَعْنى اَلْآيَةِ أنَّهُ تَعالى مَعْبُودٌ في اَلسَّماءِ عَلى وجْهٍ ومَعْبُودٌ في اَلْأرْضِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى اَلتَّحَيُّرِ فِيهِ فالتَّحَيُّرُ في أهْلِ اَلسَّماءِ غَيْرُ اَلتَّحَيُّرِ في أهْلِ اَلْأرْضِ فَلا جَرَمَ تَكُونُ أطْوارُهم مُخالِفَةً لِأطْوارِ أهْلِ اَلْأرْضِ، ومِن ذَلِكَ اِخْتِلافُ عُلُومِهِمْ فَإنَّ عُلُومَ أهْلِ اَلْأرْضِ إنْ كانَتْ ضَرُورِيَّةً فَأكْثَرُها مُسْتَنِدَةٌ إلى اَلْحِسِّ وإنْ كانَتْ نَظَرِيَّةً كانَتْ مُكْتَسَبَةً مِنَ اَلنَّظَرِ فَإذا اِنْسَدَّ طَرِيقُ اَلنَّظَرِ والحِسِّ عَجَزُوا وتَحَيَّرُوا ولا كَذَلِكَ أهْلُ اَلسَّماءِ لِتَنَزُّهِهِمْ عَنِ اَلْكَسْبِ والحِسِّ فَتَحَيُّرُهم عَلى نَحْوٍ آخَرَ، أوْ نَقُولُ اَلتَّحَيُّرُ في إدْراكِ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ إنَّما يَنْشَأُ مِن مُشاهَدَةِ آثارِ عَظَمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اَلْآثارَ في اَلسَّماءِ أعْظَمُ مِنَ اَلْآثارِ في اَلْأرْضِ وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْإلَهُ بِمَعْنى اَلْمُتَحَيَّرِ فِيهِ ويَكُونُ مَجازًا عَنْ عَظِيمِ اَلشَّأْنِ مِن بابِ ذِكْرِ اَللّازِمِ وإرادَةِ اَلْمَلْزُومِ فَيَكُونُ اَلْمَعْنى أنَّهُ تَعالى عَظِيمُ اَلشَّأْنِ في اَلسَّماءِ عَلى نَحْوٍ وعَظِيمُ اَلشَّأْنِ في اَلْأرْضِ عَلى نَحْوٍ آخَرَ اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ كَما لا يَخْفى ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى اَلنَّفْيِ والِاخْتِصاصِ اَلْمُشارِ إلَيْهِما فَإنَّ مَن لا يَتَّصِفُ بِكَمالِ اَلْحِكْمَةِ والعِلْمِ لا يَسْتَحِقُّ اَلْإلَهِيَّةَ.

الزخرف 43:85

﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ كالهَواءِ ومَخْلُوقاتِ اَلْجَوِّ اَلْمُشاهَدَةِ وغَيْرِها ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيِ اَلْعِلْمُ بِالسّاعَةِ أيِ اَلزَّمانِ اَلَّذِي تَقُومُ اَلْقِيامَةُ فِيهِ فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، والسّاعَةُ بِمَعْناها اَللُّغَوِيِّ وهو مِقْدارٌ قَلِيلٌ مِنَ اَلزَّمانِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها مَعْناها اَلشَّرْعِيُّ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ، والمَحْذُورُ مُنْدَفِعٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وفي تَقْدِيمِ اَلْخَبَرِ إشارَةٌ إلى اِسْتِئْثارِهِ تَعالى بِعِلْمِ ذَلِكَ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، والِالتِفاتُ إلى اَلْخِطابِ لِلتَّهْدِيدِ، وقَرَأ اَلْأكْثَرُ بِياءِ اَلْغَيْبَةِ والفِعْلُ في اَلْقِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ تاءِ اَلْخِطابِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ (تُحْشَرُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ أيْضًا والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ

الزخرف 43:86

﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَهم ﴿مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ (تَدْعُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ والتَّخْفِيفِ؛ والسِّلْمِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِها وشَدِّ اَلدّالِ ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ، وقُيِّدَ بِها لِأنَّ اَلشَّهادَةَ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَشْهُودِ بِهِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وجَمَعَ اَلضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ اَلْإفْرادَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، والمُرادُ بِهِ اَلْمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ وأضْرابُهم صَلاةُ اَللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، والِاسْتِثْناءُ قِيلَ: مُتَّصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِاَلَّذِينِ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ كُلُّ ما يُعْبَدُ مَن دُونِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُنْفَصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ اَلْأصْنامُ فَقَطْ، وقِيلَ: هو مُنْفَصِلٌ مُطْلَقًا وعُلِّلَ بِأنَّ اَلْمُرادَ نَفْيُ مُلْكِ اَلْآلِهَةِ اَلْباطِلَةِ اَلشَّفاعَةَ لِلْكَفَرَةِ ومَن شَهِدَ بِالحَقِّ مِنها لا يَمْلِكُ اَلشَّفاعَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ اَلتَّعْمِيمِ: ولا يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَهم مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى كائِنِينَ ما كانُوا اَلشَّفاعَةَ لَهم لَكِنْ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَمْلِكُ اَلشَّفاعَةَ لِمَن شاءَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فالكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: ما جاءَ اَلْقَوْمُ إلَيَّ إلّا زَيْدًا جاءَ إلى عَمْرٍو فَتَأمَّلْ. وقالَ مُجاهِدٌ. وغَيْرُهُ: اَلْمُرادُ بِمَن شَهِدَ بِالحَقِّ اَلْمَشْفُوعُ فِيهِمْ، وجَعَلَ اَلِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ مُتَّصِلًا والمُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَمْلِكُ هَؤُلاءِ اَلْمَلائِكَةُ وأضْرابُهُمُ اَلشَّفاعَةَ في أحَدٍ إلّا فِيمَن وحَّدَ عَنْ إيقانٍ وإخْلاصٍ صفحة 108 ومِثْلُهُ في حَذْفِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ: نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشَرْقَةٍ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنُ سَيْفٍ ومِئْزَرا أيْ ولَمْ يَنْجُ شَيْءٌ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اَلْعِلْمَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في اَلشَّهادَةِ دُونَ اَلْمُشاهَدَةِ.

الزخرف 43:87

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ أيْ سَألْتَ اَلْعابِدِينَ أوِ اَلْمَعْبُودِينَ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِتَعَذُّرِ اَلْمُكابَرَةِ في ذَلِكَ مِن فَرْطِ ظُهُورِهِ ووَجْهُ قَوْلِ اَلْمَعْبُودِينَ ذَلِكَ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ويُشْرِكُونَهُ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُهم أوْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِإقْرارِ آلِهَتِهِمْ بِذَلِكَ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ أيْ إذا كانَ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ فَأنّى إلَخْ، والمُرادُ اَلتَّعَجُّبُ مِن إشْراكِهِمْ مَعَ ذَلِكَ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى فَكَيْفَ يُكَذِّبُونَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَهو تَعَجُّبٌ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى وإنْكارِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ مَعَ أنَّهُ مَرْكُوزٌ في فِطْرَتِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ والإقْرارِ بِأنَّهُ تَعالى هو اَلْخالِقُ، وأمّا كَوْنُ اَلْمَعْنى فَكَيْفَ أوْ أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ اَلتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ مَعَ أنَّ اَلْإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ اَلْإبْداءِ وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا بِأمْرِ اَلسّاعَةِ كَما قِيلَ فَيَأْباهُ اَلسِّياقُ. وقَرَأ عَبْدُ اَلْوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (تُؤْفَكُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ

الزخرف 43:88

﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِجَرِّ (قِيلِهِ) وهي قِراءَةُ عاصِمٍ. وحَمْزَةَ. والسِّلْمِيِّ. وابْنِ وثّابٍ. والأعْمَشِ. وقَرَأ اَلْأعْرَجُ. وأبُو قِلابَةَ. ومُجاهِدٌ. والحَسَنُ. وقَتادَةُ. ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ بِرَفْعِهِ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ. وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ بِنَصْبِهِ، واخْتُلِفَ في اَلتَّخْرِيجِ فَقِيلَ اَلْجَرُّ عَلى عَطْفِهِ عَلى لَفْظِ اَلسّاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ عِنْدَهُ عِلْمُ قِيلِهِ، والنَّصْبُ عَلى عَطْفِهِ عَلى مَحَلِّها لِأنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعِلْمٍ اَلْمُضافِ إلَيْها فَإنَّهُ كَما قَدَّمْنا مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَعْلَمُ اَلسّاعَةَ ويَعْلَمُ قِيلَهُ، والرَّفْعُ عَلى عَطْفِهِ عَلى ﴿عِلْمُ السّاعَةِ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والأصْلُ وعِلْمُ قِيلِهِ فَحُذِفَ اَلْمُضافُ وأُقِيمَ اَلْمُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ونُسِبَ اَلْوَجْهُ اَلْأوَّلُ لِأبِي عَلِيٍّ والثّالِثُ لِابْنِ جِنِّي وجَمِيعُ اَلْأوْجُهِ لِلزَّجّاجِ وضَمِيرُ ”قِيلِهِ“ عَلَيْها لِلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْمَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ والقِيلُ والقالُ والقَوْلُ مَصادِرُ جاءَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ، والمُنادى وما في حَيِّزِهِ مَقُولُ اَلْقَوْلِ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ اَلتَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ والتَّشَكِّي مِن عَدَمِ إيمانِ أُولَئِكَ اَلْقَوْمِ، وفي اَلْإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ دُونَ قَوْلِهِ قَوْمِي ونَحْوِهِ تَحْقِيرٌ لَهم وتَبَرٍّ مِنهم لِسُوءِ حالِهِمْ، والمُرادُ مِن إخْبارِهِ تَعالى بِعِلْمِهِ ذَلِكَ وعِيدُهُ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، وقِيلَ: اَلْجَرُّ عَلى إضْمارِ حَرْفِ اَلْقَسَمِ والنَّصْبُ عَلى حَذْفِهِ وإيصالِ فِعْلِهِ إلَيْهِ مَحْذُوفًا والرَّفْعُ عَلى نَحْوِ لَعَمْرُكَ لَأفْعَلَنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وجَعَلَ اَلْمَقُولَ يا رَبِّ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ إلَخْ جَوابُ اَلْقَسَمِ عَلى اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ وضَمِيرُ ”قِيلِهِ“ كَما سَبَقَ، والكَلامُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا رَبِّ» لِرَفْعِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْظِيمِ دُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ تَعالى، والواوُ عِنْدَهُ لِلْعَطْفِ أعْنِي عَطْفَ اَلْجُمْلَةِ اَلْقَسَمِيَّةِ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلشَّرْطِيَّةِ لَكِنْ لَمّا كانَ اَلْقَسَمُ بِمَنزِلَةِ اَلْجُمْلَةِ اَلِاعْتِراضِيَّةِ صارَتِ اَلْواوُ كالمُضْمَحِلِّ عَنْها مَعْنى اَلْعَطْفِ، وفِيهِ أنَّ اَلْحَذْفَ اَلَّذِي تَضَمَّنَهُ تَخْرِيجُهُ مِن ألِفاظٍ شاعَ اِسْتِعْمالُها في اَلْقَسَمِ كَعُمْرُكَ واَيْمُنُ اَللَّهِ واضِحُ اَلْوَجْهِ عَلى اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ، وأمّا في غَيْرِها كالقِيلِ هُنا فَلا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، وقِيلَ: اَلْجَرُّ عَلى أنَّ اَلْواوَ واوُ اَلْقَسَمِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لَنَنْصُرَنَّهُ أوْ لَنَفْعَلَنَّ بِهِمْ ما نَشاءُ حَكاهُ في اَلْبَحْرِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: اَلنُّصْبُ عَلى اَلْعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ اَلْمَحْذُوفِ أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم صفحة 109 وأفْعالَهم وقِيلَهُ يا رَبِّ إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: هو عَلى اَلْعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ أعْنِي اَلْحَقَّ أيْ يَعْلَمُونَ اَلْحَقَّ وقِيلَ إلَخْ، وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وعَنِ اَلْأخْفَشِ أنَّهُ عَلى اَلْعَطْفِ عَلى ﴿سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في اَلْمَعْنى مَعَ وُقُوعِ اَلْفَصْلِ بِما لا يَحْسُنُ اِعْتِراضًا ومَعَ تَنافُرِ اَلنُّظُمِ. وتُعُقِّبَ أنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اَلْفَصْلِ ظاهِرٌ وأمّا ضَعْفُ اَلْمَعْنى وتَنافُرُ اَلنَّظْمِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ أمْ يَحْسُبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنّا لا نَسْمَعُ قِيلَهُ إلَخْ وهو مُنْتَظِمٌ أتَمَّ اِنْتِظامٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِنَ اَلْقِيلِ ناصِبٍ لَهُ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ والتَّقْدِيرُ قالَ قِيلَهُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ اِبْنُ مَسْعُودٍ (وقالَ اَلرَّسُولُ) والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها. ورُدَّ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ فِيهِ ما يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى اَلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ ولَيْسَ اَلتَّأْكِيدُ بِالمُصَدِّرِ في مَوْقِعِهِ ولا اِرْتِباطَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْفَحْ﴾ بِهِ، وقالَ اَلْعَلّامَةَ اَلطَّيِّبِيُّ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ وقُلْنا لَكَ: ولَئِنْ سَألْتَهم إلَخْ وقُلْتَ: يا رَبِّ يَأْسًا مِن إيمانِهِمْ وإنَّما جُعِلَ غائِبًا عَلى طَرِيقِ اَلِالتِفاتِ لِأنَّهُ كَأنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاقِدٌ نَفْسَهُ لِلتَّحَزُّنِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُ فِيهِمْ سَعْيُهُ واحْتِشادُهُ، وقِيلَ: اَلْواوُ عَلى هَذا اَلْوَجْهِ لِلْحالِ وقالَ بِتَقْدِيرِ قَدْ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ فَأنّى يُؤْفَكُونَ وقَدْ قالَ اَلرَّسُولُ يا رَبِّ إلَخْ، وحاصِلُهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ وقَدْ شَكا اَلرَّسُولُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والإسْلامُ إصْرارَهم عَلى اَلْكُفْرِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، وقِيلَ: اَلرَّفْعُ عَلى اَلِابْتِداءِ والخَبَرُ يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ أوْ هو مَحْذُوفٌ أيْ مَسْمُوعٌ أوْ مُتَقَبِّلُ فَجُمْلَةُ اَلنِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقِيلِهِ والجُمْلَةُ حالٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، والأوْجَهُ عِنْدِي ما نُسِبَ إلى اَلزَّجّاجِ، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ هَيِّنٌ، وبِضَعْفِ اَلْمَعْنى والتَّنافُرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَفي اَلْكَشْفِ بَعْدَ ذِكْرِ تَخْرِيجِ اَلزَّجّاجِ اَلْجَرَّ أنَّ اَلْفاصِلَ أعْنِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ - إلى- ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يَصْلُحُ اِعْتِراضًا لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ عَلى ما لا يَخْفى، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ اَلْبالِغِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ اِتِّصالَ اَلْعَصا بِلِحاها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن يَتَأتّى مِنهُ اَلسُّؤالُ تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ اَلْكَلامِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ ما أُوعِدُوهُ لِعِنادِهِمُ اَلْبالِغِ، ومِنهُ يَظْهَرُ وُقُوعُ اَلتَّعَجُّبِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وعَلى هَذا ظَهَرَ اِرْتِباطُ وعِلْمُ قِيلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وأنَّ اَلْفاصِلَ مُتَّصِلٌ بِهِما اِتِّصالًا يُجَلُّ مَوْقِعُهُ، ومِن هَذا اَلتَّقْرِيرِ يَلُوحُ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلزَّجّاجُ في اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ حَسَنٌ، ولَكَ أنْ تُرَجِّحَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلْأخْفَشُ بِتَوافُقِ اَلْقِراءَتَيْنِ، وأنَّ حَمْلَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ عَلى اَلْخِطابِ اَلْمَتْرُوكِ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أوْفَقُ بِالمَقامِ مِن حَمْلِهِ عَلى خِطابِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وسَلامَتُهُ مِن إضْمارِ اَلْقَوْلِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ مَعَ أنَّ اَلسِّياقَ غَيْرُ ظاهِرِ اَلدَّلالَةِ عَلَيْهِ اهـ، وهو أحْسَنُ ما رَأيْتُهُ لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا اَلْمَقامِ. وقَرَأ أبُو قِلابَةَ (يا رَبَّ) بِفَتْحِ اَلْباءِ ووَجْهٌ ظاهِرٌ

الزخرف 43:89

﴿فاصْفَحْ﴾ فَأعْرِضْ ﴿عَنْهُمْ﴾ ولا تَطْمَعْ في إيمانِهِمْ، وأصْلُ اَلصَّفْحِ لَيُّ صَفْحَةِ اَلْعُنُقِ فَكُنِّيَ بِهِ عَنِ اَلْإعْراضِ. ﴿وقُلْ﴾ لَهم ﴿سَلامٌ﴾ أيْ أمْرِي سَلامٌ تَسَلُّمٌ مِنكم ومُتارَكَةٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ والتَّحِيَّةِ وإنَّما هو أمْرٌ بِالمُتارَكَةِ، وحاصِلُهُ إذا أبَيْتُمُ اَلْقَبُولَ فَأمْرِي اَلتَّسَلُّمُ مِنكُمْ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِذَلِكَ عَلى جَوازِ اَلسَّلامِ عَلى اَلْكُفّارِ وابْتِدائِهِمْ بِالتَّحِيَّةِ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ. عَنْ شُعَيْبِ بْنِ اَلْحَبْحابِ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْبارِقِيِّ فَمَرَّ عَلَيْنا يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ قالَ شُعَيْبٌ: فَقُلْتُ: إنَّهُ يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ فَقَرَأ عَلَيَّ آخِرَ سُورَةِ اَلزُّخْرُفِ ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ﴾ إلى اَلْآخِرِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ كَيْفَ صفحة 110 تَقُولُ أنْتَ في اِبْتِداءِ أهْلِ اَلذِّمَّةِ بِالسَّلامِ؟ فَقالَ: ما أرى بَأْسًا أنْ نَبْتَدِئَهم. قُلْتُ لِمَ؟ قالَ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ضَعْفُهُ، وقالَ اَلسُّدِّيُّ: اَلْمَعْنى قُلْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: اُرْدُدْ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا، وحَكى اَلْماوَرْدِيُّ أيْ قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ والكُلُّ كَما تَرى والحَقُّ ما قَدَّمْنا ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ حالَهُمُ اَلسَّيِّئَةَ وإنْ تَأخَّرَ ذَلِكَ وهو وعِيدٌ مِنَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ. والحَسَنُ. والأعْرَجُ. ونافِعٌ. وهِشامٌ (تَعْلَمُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ عَلى أنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ ”(قُلْ)“ وإنْ أُرِيدَ مِنَ اَلْآيَةِ اَلْكَفُّ عَنِ اَلْقِتالِ فَهي مَنسُوخَةٌ وإنْ أُرِيدَ اَلْكَفُّ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ بِالكَلامِ فَلَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الدخان 44:1

سُورَةُ اَلدُّخانِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ اَلزُّبَيْرِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم واسْتَثْنى بَعْضَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ وآيُها كَما قالَ اَلدّانِي تِسْعٌ وخَمْسُونَ في اَلْكُوفِيِّ وسَبْعٌ في اَلْبَصَرِيِّ وسِتٌّ في عَدَدِ اَلْباقِينَ. واخْتِلافُها عَلى ما في مَجْمَعِ اَلْبَيانِ أرْبَعُ آياتٍ (حم وإنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ) كُوفِيٌّ (شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ) عِراقِيٌّ شامِيٌّ والمَدَنِيُّ اَلْأوَّلُ في (اَلْبُطُونِ) عِراقِيٌّ مَكِّيٌّ والمَدَنِيُّ اَلْأخِيرُ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَتَمَ ما قَبْلُ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ وافْتَتَحَ هَذِهِ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْإنْذارِ اَلشَّدِيدِ وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ قَوْلَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهُنا نَظِيرَهُ فِيما حُكِيَ عَنْ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ وأيْضًا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ وحَكى سُبْحانَهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ وهو قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهي إحْدى اَلنَّظائِرِ اَلَّتِي كانَ يُصَلِّي بِهِنَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ اَلطَّبَرانِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ اَلذّارِياتِ والطَّوْرِ والنَّجْمِ واقْتَرَبَتْ والرَّحْمَنِ والواقِعَةِ ونُونٍ والحاقَّةِ والمُزَّمِّلِ ولا أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيامَةِ وهَلْ أتى عَلى اَلْإنْسانِ والمُرْسَلاتِ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ والنّازِعاتِ وعَبَسَ ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وإذا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ والدُّخانِ، ووَرَدَ بِفَضْلِها أخْبارٌ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ. ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةٍ أصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ ألِفَ مَلَكٍ)» وأخْرَجَ اَلْمَذْكُورُونَ عَنْهُ أيْضًا يَرْفَعُهُ «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ)» وفي رِوايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ وابْنِ اَلضُّرَيْسِ عَنْهُ مَرْفُوعًا (مَن قَرَأ لَيْلَةَ اَلْجُمُعَةِ حم اَلدُّخانِ ويس أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ) وأخْرَجَ اِبْنُ اَلضُّرَيْسِ عَنِ اَلْحَسَنِ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ «(مَن قَرَأ سُورَةَ اَلدُّخانِ في لَيْلَةٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)» وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أوْ يَوْمِ جُمُعَةٍ بَنى اَللَّهُ تَعالى لَهُ بَيْتًا في اَلْجَنَّةِ)» . (بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ) ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ اَلْكَلامُ فِيهِ كاَلَّذِي سَلَفَ في اَلسُّورَةِ اَلسّابِقَةِ.

الدخان 44:2

سُورَةُ اَلدُّخانِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ اَلزُّبَيْرِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم واسْتَثْنى بَعْضَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ وآيُها كَما قالَ اَلدّانِي تِسْعٌ وخَمْسُونَ في اَلْكُوفِيِّ وسَبْعٌ في اَلْبَصَرِيِّ وسِتٌّ في عَدَدِ اَلْباقِينَ. واخْتِلافُها عَلى ما في مَجْمَعِ اَلْبَيانِ أرْبَعُ آياتٍ (حم وإنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ) كُوفِيٌّ (شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ) عِراقِيٌّ شامِيٌّ والمَدَنِيُّ اَلْأوَّلُ في (اَلْبُطُونِ) عِراقِيٌّ مَكِّيٌّ والمَدَنِيُّ اَلْأخِيرُ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَتَمَ ما قَبْلُ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ وافْتَتَحَ هَذِهِ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْإنْذارِ اَلشَّدِيدِ وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ قَوْلَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهُنا نَظِيرَهُ فِيما حُكِيَ عَنْ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ وأيْضًا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ وحَكى سُبْحانَهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ وهو قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهي إحْدى اَلنَّظائِرِ اَلَّتِي كانَ يُصَلِّي بِهِنَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ اَلطَّبَرانِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ اَلذّارِياتِ والطَّوْرِ والنَّجْمِ واقْتَرَبَتْ والرَّحْمَنِ والواقِعَةِ ونُونٍ والحاقَّةِ والمُزَّمِّلِ ولا أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيامَةِ وهَلْ أتى عَلى اَلْإنْسانِ والمُرْسَلاتِ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ والنّازِعاتِ وعَبَسَ ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وإذا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ والدُّخانِ، ووَرَدَ بِفَضْلِها أخْبارٌ. أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ. ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةٍ أصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ ألِفَ مَلَكٍ)» وأخْرَجَ اَلْمَذْكُورُونَ عَنْهُ أيْضًا يَرْفَعُهُ «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ)» وفي رِوايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ وابْنِ اَلضُّرَيْسِ عَنْهُ مَرْفُوعًا (مَن قَرَأ لَيْلَةَ اَلْجُمُعَةِ حم اَلدُّخانِ ويس أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ) وأخْرَجَ اِبْنُ اَلضُّرَيْسِ عَنِ اَلْحَسَنِ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ «(مَن قَرَأ سُورَةَ اَلدُّخانِ في لَيْلَةٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)» وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أوْ يَوْمِ جُمُعَةٍ بَنى اَللَّهُ تَعالى لَهُ بَيْتًا في اَلْجَنَّةِ)» . (بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ) ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ اَلْكَلامُ فِيهِ كاَلَّذِي سَلَفَ في اَلسُّورَةِ اَلسّابِقَةِ.

الدخان 44:3

﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ أيِ اَلْكِتابَ اَلْمُبِينَ اَلَّذِي هو اَلْقُرْآنُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وقَتادَةَ. وابْنِ جُبَيْرٍ. ومُجاهِدٍ. وابْنِ زَيْدٍ. والحَسَنِ. وعَلَيْهِ أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ والظَّواهِرُ مَعَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ. وجَماعَةٌ: هي لَيْلَةُ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ. وتُسَمّى لَيْلَةَ اَلرَّحْمَةِ واللَّيْلَةَ اَلْمُبارَكَةَ ولَيْلَةَ اَلصَّكِّ ولَيْلَةَ اَلْبَراءَةِ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِالأخِيرَيْنِ أنَّ اَلْبُنْدارَ إذا اِسْتَوْفى اَلْخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ اَلْبَراءَةَ صفحة 111 والصَّكِّ كَذَلِكَ أنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْبَراءَةَ والصَّكَّ في هَذِهِ اَللَّيْلَةِ. وظاهِرُ كَلامِهِمْ هُنا أنَّ اَلْبَراءَةَ وهي مَصْدَرُ بَرِئَ بَراءَةً إذا تَخَلَّصَ تُطْلَقُ عَلى صَكِّ اَلْأعْمالِ والدُّيُونِ وما ضاهاها وأنَّهُ ورَدَ في اَلْآثارِ ذَلِكَ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ وصارَ بِذَلِكَ كالمُشْتَرِكِ، وفي اَلْمَغْرِبِ بَرِئَ مِنَ اَلدَّيْنِ والعَيْبِ بَراءَةً، ومِنهُ اَلْبَراءَةُ لِخَطِّ اَلْإبْراءِ والجَمْعُ بَراءاتٌ وبَرَواتٌ عامِّيَّةٌ اهـ. وأكْثَرُ أهْلِ اَللُّغَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ اَلْعَرَبِ وأنَّهُ عامِيٌّ صِرْفٌ وإنْ كانَ مِن بابِ اَلْمَجازِ اَلْواسِعِ. قالَ اِبْنُ اَلسَّيِّدِ في اَلْمُقْتَضَبِ اَلْبَراءَةُ في اَلْأصْلِ مَصْدَرُ بَرِئَ بَراءَةً، وأمّا اَلْبَراءَةُ اَلْمُسْتَعْمَلَةُ في صِناعَةِ اَلْكِتابِ فَتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ إمّا عَلى أنَّها مِن بَرِئَ مِن دَيْنِهِ إذا أدّاهُ وبَرِئْتُ مِنَ اَلْأمْرِ إذا تَخَلَّيْتَ مِنهُ فَكَأنَّ اَلْمَطْلُوبَ مِنهُ أمْرٌ تَبَرَّأ إلى اَلطّالِبِ أوْ تَخَلّى، وقِيلَ: أصْلُهُ أنَّ اَلْجانِيَ كانَ إذا جَنى وعَفا عَنْهُ اَلْمَلِكُ كَتَبَ لَهُ كِتابَ أمانٍ مِمّا خافَهُ فَكانَ يُقالُ: كَتَبَ اَلسُّلْطانُ لِفُلانٍ بَراءَةً ثُمَّ عُمِّمَ ذَلِكَ فِيما كُتِبَ مِن أُولِي اَلْأمْرِ وأمْثالِهِمْ اهـ. وذَكَرُوا في فَضْلِ هَذِهِ اَللَّيْلَةِ أخْبارًا كَثِيرَةً، مِنها ما أخْرَجَهُ اِبْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ وجْهَهُ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إذا كانَتْ لَيْلَةُ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ فَقُومُوا لَيْلَها وصُومُوا نَهارَها فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى يَنْزِلُ فِيها لِغُرُوبِ اَلشَّمْسِ إلى اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا فَيَقُولُ: ألا مُسْتَغْفِرٌ فَأغْفِرُ لَهُ ألا مُسْتَرْزِقٌ فَأرْزُقُهُ ألا مُبْتَلًى فَأُعافِيهِ ألا كَذا ألا كَذا حَتّى يَطْلُعَ اَلْفَجْرُ)» وما أخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ. وابْنُ أبِي شَيْبَةَ. والبَيْهَقِيُّ. وابْنُ ماجَهْ. «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (فَقَدْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ فَخَرَجْتُ أطْلُبُهُ فَإذا هو بِالبَقِيعِ رافِعًا رَأْسَهُ إلى اَلسَّماءِ فَقالَ يا عائِشَةُ: أكُنْتِ تَخافِينَ أنْ يَحِيفَ اَللَّهُ تَعالى عَلَيْكِ ورَسُولُهُ؟ قُلْتُ: ما بِي مِن ذَلِكَ ولَكِنِّي ظَنَنْتُ أنَّكَ أتَيْتَ بَعْضَ نِسائِكَ، فَقالَ: إنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ إلى اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا فَيَغْفِرُ لِأكْثَرِ مِن عَدَدِ شَعْرِ غَنَمٍ كَلْبٍ)» وما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اَلْعاصِ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(يَطَّلِعُ اَللَّهُ تَعالى إلى خَلْقِهِ لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ فَيَغْفِرُ لِعِبادِهِ إلّا اِثْنَيْنِ مُشاحِنٍ وقاتِلِ نَفْسٍ)» وذَكَرَ بَعْضُهم فِيها صَلاةً مَخْصُوصَةً وأنَّها تَعْدِلُ عِشْرِينَ حَجَّةً مَبْرُورَةً وصِيامَ عِشْرِينَ سَنَةً مَقْبُولًا، ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهُهُ، وقَدْ أخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ ثُمَّ قالَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا اَلْحَدِيثُ مَوْضُوعًا وهو مُنْكَرٌ وفي رُواتِهِ مَجْهُولُونَ وأطالَ اَلْوُعّاظُ اَلْكَلامَ في هَذِهِ اَللَّيْلَةِ وذِكْرِ فَضائِلِها وخَواصِّها، وذَكَرُوا عِدَّةَ أخْبارٍ في أنَّ اَلْآجالَ تُنْسَخُ فِيها. وفي اَلدَّرِّ اَلْمَنثُورِ طَرَفٌ غَيْرُ يَسِيرٍ مِن ذَلِكَ وسَنَذْكُرُ بَعْضًا مِنهُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى. وفي اَلْبَحْرِ قالَ اَلْحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ اَلْعَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ ولا نَسْخُ اَلْآجالِ فِيها ولا يَخْلُو مِن مُجازَفَةٍ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والمُرادُ بِإنْزالِهِ في تِلْكَ اَللَّيْلَةِ إنْزالُهُ فِيها جُمْلَةً إلى اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا مِنَ اَللَّوْحِ فالإنْزالُ اَلْمُنَجَّمُ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً أوْ أقَلَّ كانَ مِنَ اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ أنَّ اَلْمَحَلَّ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ مِن تِلْكَ اَلسَّماءِ اَلْبَيْتُ اَلْمَعْمُورُ وهو مُسامِتٌ لِلْكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ نَزَلَ لَنَزَلَ عَلَيْها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ «عَنْ إبْراهِيمَ اَلنَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَجِيءُ بِهِ بَعْدُ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ». وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: اَلْمُرادُ اِبْتِداءُ إنْزالِهِ في تِلْكَ اَللَّيْلَةِ عَلى اَلتَّجَوُّزِ في اَلطَّرَفِ أوِ اَلنِّسْبَةِ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ صفحة 112 اِبْتِداءَ اَلسَّنَةِ اَلْمُحَرَّمُ أوْ شَهْرُ رَبِيعٍ اَلْأوَّلِ لِأنَّهُ وُلِدَ فِيهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنهُ اِعْتُبِرَ اَلتّارِيخُ في حَيّاتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إلى خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو اَلْأصَحُّ، وقَدْ كانَ اَلْوَحْيُ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى رَأْسِ اَلْأرْبَعِينَ سَنَةً مِن مُدَّةِ عُمُرِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اَلْمَشْهُورِ مِن عِدَّةِ أقْوالٍ فَكَيْفَ يَكُونُ اِبْتِداءُ اَلْإنْزالِ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ أوْ في لَيْلَةِ اَلْبَراءَةِ مِن شَعْبانَ. وأُجِيبَ بِأنَّ اِبْتِداءَ اَلْوَحْيِ كانَ مَنامًا في شَهْرِ رَبِيعٍ اَلْأوَّلِ ولَمْ يَكُنْ بِإنْزالِ شَيْءٍ مِنَ اَلْقُرْآنِ والوَحْيِ يَقَظَةً مَعَ اَلْإنْزالِ كانَ في يَوْمِ اَلْإثْنَيْنِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقِيلَ لِسَبْعٍ مِنهُ، وقِيلَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ كَثْرَةَ اِخْتِلافِ اَلْأقْوالِ في هَذا اَلْمَقامِ فَمَن يَقُولُ بِابْتِداءِ إنْزالِهِ في شَهْرٍ يَلْتَزِمُ مِنها ما لا يَأْباهُ. واخْتُلِفَ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِنهُ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ وتَعَقَّبَهُ اَلنَّوَوِيُّ في شَرْحِهِ فَقالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ باطِلٌ والصَّوابُ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ عَلى اَلْإطْلاقِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ كَما صُرِّحَ بِهِ في حَدِيثِ عائِشَةَ، وأمّا ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَكانَ نُزُولُها بَعْدَ فَتْرَةِ اَلْوَحْيِ كَما صُرِّحَ بِهِ في رِوايَةِ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ. عَنْ جابِرٍ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ أوَّلُ ما نَزَلَ اَلْفاتِحَةُ فَبُطْلانُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ اهـ والكَلامُ في ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في اَلْإتْقانِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَن أرادَهُ. ووَصْفُ اَللَّيْلَةِ بِالبَرَكَةِ لِما أنَّ إنْزالَ اَلْقُرْآنِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْمَنافِعِ اَلدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ بِأجْمَعِها أوْ لِما فِيها مَن تَنَزُّلِ اَلْمَلائِكَةِ والرَّحْمَةِ وإجابَةِ اَلدَّعْوَةِ وفَضِيلَةِ اَلْعِبادَةِ أوْ لِما فِيها مِن ذَلِكَ وتَقْدِيرِ اَلْأرْزاقِ وفَصْلِ اَلْأقْضِيَةِ كالآجالِ وغَيْرِها وإعْطاءِ تَمامِ اَلشَّفاعَةِ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّها لَيْلَةُ اَلْبَراءَةِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ لَيْلَةَ اَلثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ اَلثُّلُثَ مِنها ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ اَلرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ اَلثُّلُثَيْنِ ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ اَلْخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ اَلْجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اَللَّهِ تَعالى شِرادَ اَلْبَعِيرِ،» وأيًّا ما كانَ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ اَلتَّعْلِيلَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بِناءً عَلى اَلْقَوْلِ بِما اِخْتارَهُ اَلْعِزُّ بْنُ عَبْدِ اَلسَّلامِ مِن أنَّ اَلْأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ كُلَّها مُتَساوِيَةٌ في حَدِّ ذاتِها لا يَفْضُلُ بَعْضُها بَعْضًا إلّا بِما يَقَعُ فِيها مِنَ اَلْأعْمالِ ونَحْوِها، وزادَ بَعْضُهم أوْ يَحِلُّ لِتَدْخُلَ اَلْبُقْعَةُ اَلَّتِي ضَمَّتْهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها أفْضَلُ اَلْبِقاعِ اَلْأرْضِيَّةِ والسَّماوِيَّةِ حَتّى قِيلَ وبِهِ أقُولُ إنَّها أفْضَلُ مِنَ اَلْعَرْشِ. والحُقُّ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اَللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَها بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا إلى إقْدامِ اَلْمُكَلَّفِ عَلى اَلْأعْمالِ فِيها أوْ لِحِكْمَةٍ أُخْرى، وجُمْلَةُ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ جَوابُ اَلْقِسْمِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ نَحْوُ ما في قَوْلِهِ: وثناياكَ إنَّها إغْرِيضُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ اِسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ اَلْمُقْتَضِي لِلْإنْزالِ،

الدخان 44:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ اِسْتِئْنافٌ أيْضًا لِبَيانِ اَلتَّخْصِيصِ بِاللَّيْلَةِ اَلْمُبارَكَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِأنَّ مِن شَأْنِنا اَلْإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ اَلْعِقابِ وكانَ إنْزالُهُ في تِلْكَ اَللَّيْلَةِ اَلْمُبارَكَةِ لِأنَّهُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلدّالَّةِ عَلى اَلْحِكَمِ اَلْبالِغَةِ وهي لَيْلَةٌ يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ فَفي اَلْكَلامِ لَفٌّ ونَشْرٌ، واشْتِراطُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما بِجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ إلَخْ صِفَةٌ أُخْرى لِلَّيْلَةِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ لا يَضُرُّ اَلْفَصْلُ بِهِ بَلْ لا يُعَدُّ اَلْفَصْلُ بِهِ فَصْلًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ هو جَوابُ اَلْقَسَمِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ عَطِيَّةَ زاعِمًا أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ جَوابًا لَهُ لِما فِيهِ مِنَ اَلْقَسَمِ بِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِن تَتِمَّةِ اَلِاعْتِراضِ فَلا يَحْسُنُ تَأخُّرُهُ عَنِ صفحة 113 اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ ولا يَدْفَعُهُ أنَّ هَذِهِ اَلْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لا صِفَةٌ أُخْرى لِأنَّهُ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا فَلا يَلِيقُ اَلْفَصْلُ أيْضًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ اَلْقَسَمِ بِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ فَقَدْ أشَرْنا إلى جَوابِهِ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ جَوابٌ آخَرٌ لِلْقَسَمِ وفِيهِ تَعَدُّدُ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ ولَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضُ لَهُ، ومَعْنى يُفْرَقُ يُفَصَّلُ ويُلَخَّصُ، والحَكِيمُ بِمَعْنى اَلْمُحْكَمِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ بَعْدَ إبْرازِهِ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِخِلافِهِ قَبْلَهُ وهو في اَللَّوْحِ فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اَلْمَحْكُومِ بِهِ ونِسْبَتُهُ إلى اَلْأمْرِ عَلَيْها حَقِيقَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى كُلُّ أمْرٍ مُلْتَبِسٍ بِالحِكْمَةِ والأصْلُ حَكِيمٌ صاحِبُهُ فَتَجَوَّزَ في اَلنِّسْبَةِ، وقِيلَ: إنَّ حَكِيمٍ لِلنِّسْبَةِ كَتامِرٍ ولابِنٍ وقَدْ أبْهَمَ سُبْحانَهُ هَذا اَلْأمْرَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: يُكْتَبُ مِن أُمِّ اَلْكِتابِ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ ما يَكُونُ في اَلسَّنَةِ مَن رِزْقٍ أوْ مَوْتٍ أوْ حَياةٍ أوْ مَطَرٍ حَتّى يُكْتَبَ اَلْحاجُّ يَحُجُّ فُلانُ ويَحُجُّ فُلانٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اَلْحَسَنِ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أبا سَعِيدٍ لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ في كُلِّ رَمَضانَ هِيَ؟ قالَ: إي واَللَّهِ إنَّها لَفي كُلِّ رَمَضانَ وإنَّها لَلَيْلَةٌ يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها يَقْضِي اَللَّهُ تَعالى كُلَّ أجَلٍ وعَمَلٍ ورِزْقٍ إلى مِثْلِها، ورُوِيَ هَذا اَلتَّعْمِيمُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ اَلسَّلَفِ. وأخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي اَلْجَوْزاءِ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ يُجاءُ بِالدِّيوانِ اَلْأعْظَمِ اَلسَّنَةَ إلى اَلسَّنَةِ فَيَغْفِرُ اَللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِمَن يَشاءُ ألا تَرى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ، وإلى مِثْلِ ذَلِكَ اَلتَّعْمِيمِ ذَهَبَ بَعْضُ مَن قالَ: إنَّ اَللَّيْلَةَ اَلْمُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ اَلْبَراءَةِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في اَلْآيَةِ: في لَيْلَةِ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ يُبْرَمُ أمْرُ اَلسَّنَةِ ويُنْسَخُ اَلْأحْياءُ مِنَ اَلْأمْواتِ ويُكْتَبُ اَلْحاجُّ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أحَدٌ، وفي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأخْبارِ اَلِاقْتِصارُ عَلى قَطْعِ اَلْآجالِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنِ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ اَلْأخْفَشِ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تُقْطَعُ اَلْآجالُ مِن شَعْبانَ إلى شَعْبانَ حَتّى أنَّ اَلرَّجُلَ لَيَنْكِحُ ويُولَدُ لَهُ وقَدْ خَرَجَ اِسْمُهُ في اَلْمَوْتى)» وأخْرَجَ اَلدِّينَوَرِيُّ في اَلْمُجالَسَةِ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(فِي لَيْلَةِ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ يُوحِي اَللَّهُ تَعالى إلى مَلَكِ اَلْمَوْتِ بِقَبْضِ كُلِّ نَفْسٍ يُرِيدُ قَبْضَها في تِلْكَ اَلسَّنَةِ)» ونَحْوُهُ كَثِيرٌ، وقِيلَ: يَبْدَأْنَ في اِسْتِنْساخِ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ مِنَ اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ في لَيْلَةِ اَلْبَراءَةِ ويَقَعُ اَلْفَراغُ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ اَلْأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ونُسْخَةُ اَلْحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وكَذَلِكَ اَلزَّلازِلُ والصَّواعِقُ والخَسْفُ ونُسْخَةُ اَلْأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ صاحِبِ سَماءِ اَلدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ ونُسْخَةُ اَلْمَصائِبِ إلى مَلَكِ اَلْمَوْتِ. ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما تُقْضى اَلْأقْضِيَةُ كُلُّها لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ وتُسَلَّمُ إلى أرْبابِها لَيْلَةَ اَلسّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ. واعْتُرِضَ بِما ذُكِرَ عَلى اَلِاسْتِدْلالِ بِالظَّواهِرِ عَلى أنَّ اَللَّيْلَةَ اَلْمَذْكُورَةَ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ لا لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ ومَن تَدَبَّرَ عَلِمَ أنَّهُ لا يَخْدِشُ اَلظَّواهِرَ، نَعَمْ حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ ويَلْزَمُهُ تَأْوِيلُ ما يَأْبى ظاهِرُهُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اَلْكَلامُ في هَذا اَلْمَقامِ مُسْتَوْفًى عَلى أتَمِّ وجْهٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْقَدْرِ وهو سُبْحانَهُ اَلْمُوَفِّقُ. وقَرَأ اَلْحَسَنُ. والأعْرَجُ. والأعْمَشُ (يَفْرُقُ) بِفَتْحِ اَلْياءِ وضَمِّ اَلرّاءِ (كُلَّ) بِالنَّصْبِ أيْ يَفْرُقُ اَللَّهُ تَعالى، وقَرَأ صفحة 114 زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ فِيما ذَكَرَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ (نَفْرُقُ) بِالنُّونِ (كُلَّ) بِالنَّصْبِ وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ اَلْأهْوازِيُّ عَنْهُ بِفَتْحِ اَلْياءِ وكَسْرِ اَلرّاءِ ونَصْبِ (كَلَّ) ورَفْعِ (حَكِيمٌ) عَلى أنَّهُ اَلْفاعِلُ بِيَفْرِقُ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ. وزائِدَةُ عَنِ اَلْأعْمَشِ (يُفَرَّقُ) بِالتَّشْدِيدِ وصِيغَةِ اَلْمَفْعُولِ وهو لِلتَّكْثِيرِ وفِيهِ رَدٌّ عَلى قَوْلِ بَعْضِ اَللُّغَوِيِّينَ كالحَرِيرِيِّ أنَّ اَلْفَرْقَ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي والتَّفْرِيقَ بِالأجْسامِ. ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ نُصِبَ عَلى اَلِاخْتِصاصِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلصِّفَةِ لَهُ وتَعَلُّقُهُ بِيُفْرَقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ أنَّهُ عَلى وفْقِ اَلْحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ أيْ أعْنِي بِهَذا اَلْأمْرِ أمْرًا فَخِيمًا حاصِلًا عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِنا وتَدْبِيرِنا وهو بَيانٌ لِزِيادَةِ فَخامَتِهِ ومَدْحِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ أمْرٍ اَلسّابِقِ اَلْمُسْتَتِرِ في حَكِيمٍ اَلْواقِعِ صِفَةً لَهُ أوْ مِن (أمْرٍ) نَفْسِهِ، وصَحَّ مَجِيءُ اَلْحالِ مِنهُ مَعَ أنَّهُ نَكِرَةٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالوَصْفِ عَلى أنَّ عُمُومَ اَلنَّكِرَةِ اَلْمُضافِ إلَيْها كُلُّ مُسَوِّغٍ لِلْحالِيَّةِ مِن غَيْرِ اِحْتِياجِ اَلْوَصْفِ، وقَوْلُ اَلسَّمِينِ: إنَّ فِيهِ اَلْقَوْلَ بِالحالِ مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ اَلْمَواضِعِ اَلْمَذْكُورَةِ في اَلنَّحْوِ صادِرٌ عَنْ نَظَرٍ ضَعِيفٍ لِأنَّهُ كالجُزْءِ في جَوازِ اَلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِأنْ يُقالَ: يُفْرَقُ أمْرٌ حَكِيمٌ عَلى إرادَةِ عُمُومِ اَلنَّكِرَةِ في اَلْإثْباتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ وقِيلَ: حالٌ مِن (كُلُّ) وأيًّا ما كانَ فَهو مُغايِرٌ لِذِي اَلْحالِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِنا﴾ فَيَصِحُّ وُقُوعُهُ حالًا مِن غَيْرِ لُغَوِيَّةٍ فِيهِ. وكَوْنُها مُؤَكِّدَةً غَيْرُ مُتَأتٍّ مَعَ اَلْوَصْفِيَّةِ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي اَلذِّهْنِ اَلسَّلِيمِ، وهو عَلى هَذِهِ اَلْأوْجُهِ واحِدُ اَلْأُمُورِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ اَلْأمْرُ اَلَّذِي هو ضِدُّ اَلنَّهْيِ عَلى أنَّهُ واحِدُ اَلْأوامِرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَنصُوبًا عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ أيْ أمَرْنا أمْرًا مِن عِنْدِنا، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُفْرَقُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إمّا أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ لِيُفْرَقُ لِأنَّ كَتْبَ اَللَّهِ تَعالى لِلشَّيْءِ إيجابُهُ وكَذَلِكَ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُؤْمَرُ بِكُلِّ شَأْنٍ مَطْلُوبٍ عَلى وجْهِ اَلْحِكْمَةِ أمْرًا فالأمْرُ وُضِعَ مَوْضِعَ اَلْفُرْقانِ اَلْمُسْتَعْمَلِ بِمَعْنى اَلْأمْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى اَلْحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (أنْزَلْنا) أوْ مَفْعُولِهِ أيْ إنّا أنْزَلْناهُ آمِرِينَ أمْرًا أوْ حالَ كَوْنِ اَلْكِتابِ أمْرًا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ؛ وفي جَعْلِ اَلْكِتابِ نَفْسَ اَلْأمْرِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ أيْضًا تَجَوُّزٌ فِيهِ فَخامَةٌ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في اَلْكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ ضَعْفٌ لِلْفَصْلِ بِالجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ اَلْحالِ وصاحِبِها عَلى اَلثّانِي ولِعَدَمِ اِخْتِصاصِ اَلْأوامِرِ اَلصّادِرَةِ مِنهُ تَعالى بِتِلْكَ اَللَّيْلَةِ عَلى اَلْأوَّلِ. ووَجْهُهُ أنْ تُخَصَّ بِالقُرْآنِ ولا يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ عِلَّةً لِلْإنْزالِ في اَللَّيْلَةِ بَلْ هو تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ عَلى مَعْنى فِيها أُنْزِلَ اَلْكِتابُ اَلْمُبِينُ اَلَّذِي هو اَلْمُشْتَمِلُ عَلى كُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ حَكِيمٍ كَأنَّهُ جَعَلَ اَلْكِتابَ كُلَّهُ أمْرًا أوْ ما أمَرَ بِهِ كُلَّ اَلْمَأْمُوراتِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ حَسَنَةٌ، ولا يَخْفى أنَّ في فَهْمِهِ مِنَ اَلْآيَةِ تَكَلُّفًا. وقالَ اَلْخَفاجِيُّ في أمْرِ اَلْفَصْلِ: إنَّهُ لا يَضُرُّ ذَلِكَ اَلْفاصِلُ عَلى اَلِاعْتِراضِ وكَذا عَلى اَلتَّعْلِيلِ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ. وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ ضِدَّ اَلنَّهْيِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لَهُ والعامِلُ فِيهِ ﴿يُفْرَقُ﴾ أوْ ”أنْزَلْنا“ أوْ ﴿مُنْذِرِينَ).﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أمْرٌ) بِالرَّفْعِ وهي تَنْصُرُ كَوْنَ اِنْتِصابِهِ في قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ عَلى اَلِاخْتِصاصِ لِأنَّ اَلرَّفْعَ عَلَيْهِ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾

الدخان 44:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ اِسْتِئْنافٌ أيْضًا لِبَيانِ اَلتَّخْصِيصِ بِاللَّيْلَةِ اَلْمُبارَكَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِأنَّ مِن شَأْنِنا اَلْإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ اَلْعِقابِ وكانَ إنْزالُهُ في تِلْكَ اَللَّيْلَةِ اَلْمُبارَكَةِ لِأنَّهُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلدّالَّةِ عَلى اَلْحِكَمِ اَلْبالِغَةِ وهي لَيْلَةٌ يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ فَفي اَلْكَلامِ لَفٌّ ونَشْرٌ، واشْتِراطُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما بِجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ إلَخْ صِفَةٌ أُخْرى لِلَّيْلَةِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ لا يَضُرُّ اَلْفَصْلُ بِهِ بَلْ لا يُعَدُّ اَلْفَصْلُ بِهِ فَصْلًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ هو جَوابُ اَلْقَسَمِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ عَطِيَّةَ زاعِمًا أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ جَوابًا لَهُ لِما فِيهِ مِنَ اَلْقَسَمِ بِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِن تَتِمَّةِ اَلِاعْتِراضِ فَلا يَحْسُنُ تَأخُّرُهُ عَنِ صفحة 113 اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ ولا يَدْفَعُهُ أنَّ هَذِهِ اَلْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لا صِفَةٌ أُخْرى لِأنَّهُ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا فَلا يَلِيقُ اَلْفَصْلُ أيْضًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ اَلْقَسَمِ بِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ فَقَدْ أشَرْنا إلى جَوابِهِ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ جَوابٌ آخَرٌ لِلْقَسَمِ وفِيهِ تَعَدُّدُ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ ولَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضُ لَهُ، ومَعْنى يُفْرَقُ يُفَصَّلُ ويُلَخَّصُ، والحَكِيمُ بِمَعْنى اَلْمُحْكَمِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ بَعْدَ إبْرازِهِ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِخِلافِهِ قَبْلَهُ وهو في اَللَّوْحِ فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اَلْمَحْكُومِ بِهِ ونِسْبَتُهُ إلى اَلْأمْرِ عَلَيْها حَقِيقَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى كُلُّ أمْرٍ مُلْتَبِسٍ بِالحِكْمَةِ والأصْلُ حَكِيمٌ صاحِبُهُ فَتَجَوَّزَ في اَلنِّسْبَةِ، وقِيلَ: إنَّ حَكِيمٍ لِلنِّسْبَةِ كَتامِرٍ ولابِنٍ وقَدْ أبْهَمَ سُبْحانَهُ هَذا اَلْأمْرَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: يُكْتَبُ مِن أُمِّ اَلْكِتابِ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ ما يَكُونُ في اَلسَّنَةِ مَن رِزْقٍ أوْ مَوْتٍ أوْ حَياةٍ أوْ مَطَرٍ حَتّى يُكْتَبَ اَلْحاجُّ يَحُجُّ فُلانُ ويَحُجُّ فُلانٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اَلْحَسَنِ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أبا سَعِيدٍ لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ في كُلِّ رَمَضانَ هِيَ؟ قالَ: إي واَللَّهِ إنَّها لَفي كُلِّ رَمَضانَ وإنَّها لَلَيْلَةٌ يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها يَقْضِي اَللَّهُ تَعالى كُلَّ أجَلٍ وعَمَلٍ ورِزْقٍ إلى مِثْلِها، ورُوِيَ هَذا اَلتَّعْمِيمُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ اَلسَّلَفِ. وأخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي اَلْجَوْزاءِ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ يُجاءُ بِالدِّيوانِ اَلْأعْظَمِ اَلسَّنَةَ إلى اَلسَّنَةِ فَيَغْفِرُ اَللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِمَن يَشاءُ ألا تَرى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ، وإلى مِثْلِ ذَلِكَ اَلتَّعْمِيمِ ذَهَبَ بَعْضُ مَن قالَ: إنَّ اَللَّيْلَةَ اَلْمُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ اَلْبَراءَةِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في اَلْآيَةِ: في لَيْلَةِ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ يُبْرَمُ أمْرُ اَلسَّنَةِ ويُنْسَخُ اَلْأحْياءُ مِنَ اَلْأمْواتِ ويُكْتَبُ اَلْحاجُّ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أحَدٌ، وفي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأخْبارِ اَلِاقْتِصارُ عَلى قَطْعِ اَلْآجالِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنِ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ اَلْأخْفَشِ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تُقْطَعُ اَلْآجالُ مِن شَعْبانَ إلى شَعْبانَ حَتّى أنَّ اَلرَّجُلَ لَيَنْكِحُ ويُولَدُ لَهُ وقَدْ خَرَجَ اِسْمُهُ في اَلْمَوْتى)» وأخْرَجَ اَلدِّينَوَرِيُّ في اَلْمُجالَسَةِ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(فِي لَيْلَةِ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ يُوحِي اَللَّهُ تَعالى إلى مَلَكِ اَلْمَوْتِ بِقَبْضِ كُلِّ نَفْسٍ يُرِيدُ قَبْضَها في تِلْكَ اَلسَّنَةِ)» ونَحْوُهُ كَثِيرٌ، وقِيلَ: يَبْدَأْنَ في اِسْتِنْساخِ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ مِنَ اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ في لَيْلَةِ اَلْبَراءَةِ ويَقَعُ اَلْفَراغُ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ اَلْأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ونُسْخَةُ اَلْحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وكَذَلِكَ اَلزَّلازِلُ والصَّواعِقُ والخَسْفُ ونُسْخَةُ اَلْأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ صاحِبِ سَماءِ اَلدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ ونُسْخَةُ اَلْمَصائِبِ إلى مَلَكِ اَلْمَوْتِ. ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما تُقْضى اَلْأقْضِيَةُ كُلُّها لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ وتُسَلَّمُ إلى أرْبابِها لَيْلَةَ اَلسّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ. واعْتُرِضَ بِما ذُكِرَ عَلى اَلِاسْتِدْلالِ بِالظَّواهِرِ عَلى أنَّ اَللَّيْلَةَ اَلْمَذْكُورَةَ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ لا لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ ومَن تَدَبَّرَ عَلِمَ أنَّهُ لا يَخْدِشُ اَلظَّواهِرَ، نَعَمْ حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ ويَلْزَمُهُ تَأْوِيلُ ما يَأْبى ظاهِرُهُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اَلْكَلامُ في هَذا اَلْمَقامِ مُسْتَوْفًى عَلى أتَمِّ وجْهٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْقَدْرِ وهو سُبْحانَهُ اَلْمُوَفِّقُ. وقَرَأ اَلْحَسَنُ. والأعْرَجُ. والأعْمَشُ (يَفْرُقُ) بِفَتْحِ اَلْياءِ وضَمِّ اَلرّاءِ (كُلَّ) بِالنَّصْبِ أيْ يَفْرُقُ اَللَّهُ تَعالى، وقَرَأ صفحة 114 زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ فِيما ذَكَرَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ (نَفْرُقُ) بِالنُّونِ (كُلَّ) بِالنَّصْبِ وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ اَلْأهْوازِيُّ عَنْهُ بِفَتْحِ اَلْياءِ وكَسْرِ اَلرّاءِ ونَصْبِ (كَلَّ) ورَفْعِ (حَكِيمٌ) عَلى أنَّهُ اَلْفاعِلُ بِيَفْرِقُ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ. وزائِدَةُ عَنِ اَلْأعْمَشِ (يُفَرَّقُ) بِالتَّشْدِيدِ وصِيغَةِ اَلْمَفْعُولِ وهو لِلتَّكْثِيرِ وفِيهِ رَدٌّ عَلى قَوْلِ بَعْضِ اَللُّغَوِيِّينَ كالحَرِيرِيِّ أنَّ اَلْفَرْقَ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي والتَّفْرِيقَ بِالأجْسامِ. ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ نُصِبَ عَلى اَلِاخْتِصاصِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلصِّفَةِ لَهُ وتَعَلُّقُهُ بِيُفْرَقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ أنَّهُ عَلى وفْقِ اَلْحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ أيْ أعْنِي بِهَذا اَلْأمْرِ أمْرًا فَخِيمًا حاصِلًا عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِنا وتَدْبِيرِنا وهو بَيانٌ لِزِيادَةِ فَخامَتِهِ ومَدْحِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ أمْرٍ اَلسّابِقِ اَلْمُسْتَتِرِ في حَكِيمٍ اَلْواقِعِ صِفَةً لَهُ أوْ مِن (أمْرٍ) نَفْسِهِ، وصَحَّ مَجِيءُ اَلْحالِ مِنهُ مَعَ أنَّهُ نَكِرَةٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالوَصْفِ عَلى أنَّ عُمُومَ اَلنَّكِرَةِ اَلْمُضافِ إلَيْها كُلُّ مُسَوِّغٍ لِلْحالِيَّةِ مِن غَيْرِ اِحْتِياجِ اَلْوَصْفِ، وقَوْلُ اَلسَّمِينِ: إنَّ فِيهِ اَلْقَوْلَ بِالحالِ مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ اَلْمَواضِعِ اَلْمَذْكُورَةِ في اَلنَّحْوِ صادِرٌ عَنْ نَظَرٍ ضَعِيفٍ لِأنَّهُ كالجُزْءِ في جَوازِ اَلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِأنْ يُقالَ: يُفْرَقُ أمْرٌ حَكِيمٌ عَلى إرادَةِ عُمُومِ اَلنَّكِرَةِ في اَلْإثْباتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ وقِيلَ: حالٌ مِن (كُلُّ) وأيًّا ما كانَ فَهو مُغايِرٌ لِذِي اَلْحالِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِنا﴾ فَيَصِحُّ وُقُوعُهُ حالًا مِن غَيْرِ لُغَوِيَّةٍ فِيهِ. وكَوْنُها مُؤَكِّدَةً غَيْرُ مُتَأتٍّ مَعَ اَلْوَصْفِيَّةِ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي اَلذِّهْنِ اَلسَّلِيمِ، وهو عَلى هَذِهِ اَلْأوْجُهِ واحِدُ اَلْأُمُورِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ اَلْأمْرُ اَلَّذِي هو ضِدُّ اَلنَّهْيِ عَلى أنَّهُ واحِدُ اَلْأوامِرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَنصُوبًا عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ أيْ أمَرْنا أمْرًا مِن عِنْدِنا، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُفْرَقُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إمّا أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ لِيُفْرَقُ لِأنَّ كَتْبَ اَللَّهِ تَعالى لِلشَّيْءِ إيجابُهُ وكَذَلِكَ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُؤْمَرُ بِكُلِّ شَأْنٍ مَطْلُوبٍ عَلى وجْهِ اَلْحِكْمَةِ أمْرًا فالأمْرُ وُضِعَ مَوْضِعَ اَلْفُرْقانِ اَلْمُسْتَعْمَلِ بِمَعْنى اَلْأمْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى اَلْحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (أنْزَلْنا) أوْ مَفْعُولِهِ أيْ إنّا أنْزَلْناهُ آمِرِينَ أمْرًا أوْ حالَ كَوْنِ اَلْكِتابِ أمْرًا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ؛ وفي جَعْلِ اَلْكِتابِ نَفْسَ اَلْأمْرِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ أيْضًا تَجَوُّزٌ فِيهِ فَخامَةٌ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في اَلْكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ ضَعْفٌ لِلْفَصْلِ بِالجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ اَلْحالِ وصاحِبِها عَلى اَلثّانِي ولِعَدَمِ اِخْتِصاصِ اَلْأوامِرِ اَلصّادِرَةِ مِنهُ تَعالى بِتِلْكَ اَللَّيْلَةِ عَلى اَلْأوَّلِ. ووَجْهُهُ أنْ تُخَصَّ بِالقُرْآنِ ولا يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ﴾ عِلَّةً لِلْإنْزالِ في اَللَّيْلَةِ بَلْ هو تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ عَلى مَعْنى فِيها أُنْزِلَ اَلْكِتابُ اَلْمُبِينُ اَلَّذِي هو اَلْمُشْتَمِلُ عَلى كُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ حَكِيمٍ كَأنَّهُ جَعَلَ اَلْكِتابَ كُلَّهُ أمْرًا أوْ ما أمَرَ بِهِ كُلَّ اَلْمَأْمُوراتِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ حَسَنَةٌ، ولا يَخْفى أنَّ في فَهْمِهِ مِنَ اَلْآيَةِ تَكَلُّفًا. وقالَ اَلْخَفاجِيُّ في أمْرِ اَلْفَصْلِ: إنَّهُ لا يَضُرُّ ذَلِكَ اَلْفاصِلُ عَلى اَلِاعْتِراضِ وكَذا عَلى اَلتَّعْلِيلِ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ. وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ ضِدَّ اَلنَّهْيِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لَهُ والعامِلُ فِيهِ ﴿يُفْرَقُ﴾ أوْ ”أنْزَلْنا“ أوْ ﴿مُنْذِرِينَ).﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أمْرٌ) بِالرَّفْعِ وهي تَنْصُرُ كَوْنَ اِنْتِصابِهِ في قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ عَلى اَلِاخْتِصاصِ لِأنَّ اَلرَّفْعَ عَلَيْهِ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾

الدخان 44:6

﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِيُفْرَقُ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ ورَحْمَةً مَفْعُولٌ بِهِ لِمُرْسَلِينَ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلصِّفَةِ لَها، وإيقاعُ اَلْإرْسالِ عَلَيْها هُنا كَإيقاعِهِ عَلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ والمَعْنى عَلى ما في اَلْكَشّافِ يُفْصَلُ في هَذِهِ اَللَّيْلَةِ كُلُّ أمْرٍ لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا وفَصْلُ كُلِّ أمْرٍ مِن قِسْمَةِ اَلْأرْزاقِ وغَيْرِها مِن بابِ اَلرَّحْمَةِ أيْ أنَّ اَلْمَقْصُودَ اَلْأصْلِيَّ بِالذّاتِ مِن ذَلِكَ اَلرَّحْمَةُ صفحة 115 أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ مِن عِنْدِنا لِأنَّ مِن عادَتِنا ذَلِكَ والأوامِرُ اَلصّادِرَةُ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن بابِ اَلرَّحْمَةِ أيْضًا لِأنَّ اَلْغايَةَ لِتَكْلِيفِ اَلْعِبادِ تَعْرِيضُهم لِلْمَنافِعِ، وفِيهِ كَما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّ جَعْلَهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ مُقابِلُ اَلنَّهْيِ وهو يَجْرِي عَلى تَقْدِيرَيِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ والحالِيَّةِ. وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ: يَفْصِلُ إلَخْ أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ إلَخْ تَبْيِينٌ لِمَعْنى اَلتَّعْلِيلِ عَلى اَلتَّفْسِيرَيْنِ في (يُفْرَقُ) لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى اَلْفَصْلِ عَلى اَلْحَقِيقَةِ مِن قِسْمَةِ اَلْأرْزاقِ وغَيْرِها أوْ بِمَعْنى يُؤْمَرُ والشَّأْنُ اَلْمَطْلُوبُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ لا مَحالَةَ فَحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ مِن عِنْدِنا لا لِوَجْهَيِ اَلتَّعْلِيلِ مِن تَعَلُّقِهِ بِيُفْرَقُ أوْ بِأمْرًا فَإنَّ تَعَلُّقَهُ بِأمْرًا إنَّما يَصِحُّ إذا نُصِبَ عَلى اَلِاخْتِصاصِ وإذْ ذاكَ لَيْسَ اَلْأمْرُ ما يُقابِلُ اَلنَّهْيَ لِأنَّ اَلْأمْرَ إذا كانَ اَلْمُقابِلَ فَهو إمّا مَصْدَرٌ وإنَّما يُعَلِّلُ فِعْلَهُ وإمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ فَيَكُونُ راجِعًا إلى تَعْلِيلِ اَلْإنْزالِ اَلْمَخْصُوصِ ولَيْسَ اَلْمَقْصُودَ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اَلْمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِأمْرًا لِأنَّ اَلْمَعْنى اَلْأوَّلَ يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لَهُ أيْضًا اِنْتَهى. والظّاهِرُ كَوْنُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِوَجْهَيِ اَلتَّعْلِيلِ، وما ذُكِرَ في نَفْيِهِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ كَما يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ، واعْتِبارُ اَلْعادَةِ في بَيانِ اَلْمَعْنى جاءَ مِن كُنّا فَإنَّهُ يُقالُ: كانَ يَفْعَلُ كَذا لِما تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ وصارَ عادَةً كَما صَرَّحُوا بِهِ في اَلْكُتُبِ اَلْحَدِيثِيَّةِ وغَيْرِها ولِإفادَةِ ذَلِكَ عَدَلَ عَنْ إنّا مُرْسَلُونَ اَلْأخْصَرِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وُضِعَ فِيهِ اَلظّاهِرُ مَوْضِعَ اَلضَّمِيرِ والأصْلُ مِنّا فَجِيءَ بِلَفْظِ اَلرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى وجْهِ تَخْصِيصِ اَلْخِطابِ بِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ودَلالَةً عَلى أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ رَبَّكَ وأنْتَ مَبْعُوثٌ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ مِمّا يَقْتَضِي أنْ يُرْسِلَ اَلرَّحْمَةَ. وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: خَصَّ اَلْخِطابَ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ اَلْعُمُومُ، والأصْلُ مِن رَبِّكم وجِيءَ بِلَفْظِ اَلرَّبِّ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ اَلْمَرْبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي اَلرَّحْمَةَ عَلى اَلْمَرْبُوبِينَ ولِيَكُونَ تَمْهِيدَهُ يَبْتَنِي عَلَيْهِ اَلتَّعْلِيلَ اَلْآتِي اَلْمُتَضَمِّنَ لِلتَّعْرِيضِ بِواسِطَةِ اَلْحَصْرِ بِأنَّ آلِهَتَهم لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تُغْنِي شَيْئًا وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ اَلْعُمُومُ لَفاتَتِ اَلنُّكْتَةُ اَلْمَذْكُورَةُ ولَزِمَ أنْ يَدْخُلَ اَلْمُؤْمِنُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ وما بَعْدَهُ ولَيْسَ اَلْمَعْنى عَلَيْهِ وفي اَلْقَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ اَلرَّحْمَةَ اَلْمُرْسَلَةَ بِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَخْفى أنَّ صِحَّةَ اَلتَّعْلِيلِ تَأْبى ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ اَلْواقِعِ تَعْلِيلًا لِإنْزالِ اَلْكِتابِ بَدَلَ كُلٍّ أوِ اِشْتِمالٍ بِاعْتِبارِ اَلْإرْسالِ والإنْذارِ، ويَكُونُ (رَحْمَةً) حِينَئِذٍ مَفْعُولًا لَهُ أيْ أنْزَلْنا اَلْقُرْآنَ لِأنَّ عادَتَنا إرْسالُ اَلرُّسُلِ والكُتُبِ إلى اَلْعِبادِ لِأجْلِ اَلرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ واخْتِيارُ كَوْنِ اَلرَّحْمَةِ مَفْعُولًا لَهُ لِيَتَطابَقَ اَلْبَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ إذْ مَعْنى اَلْمُبْدَلِ مِنهُ فاعِلِينَ اَلْإنْذارَ ويُطابِقُهُ فاعِلِينَ اَلْإرْسالَ ولَمْ يُجَوِّزْ كَوْنَها كَذَلِكَ عَلى وجْهِ اَلتَّعْلِيلِ بَلْ أوْجَبَ كَوْنَها مَفْعُولًا بِهِ لِيَصِحَّ إذْ لَوْ قِيلَ: فِيها تَفْصِيلُ كُلِّ شَأْنٍ حَكِيمٍ لِأنّا فاعِلُونَ اَلْإرْسالَ لِأجْلِ اَلرَّحْمَةِ لَمْ يُفِدْ أنَّ اَلْفَصْلَ رَحْمَةٌ ولا أنَّهُ سُبْحانَهُ مُرْسِلٌ فَلا يَسْتَقِيمُ اَلتَّعْلِيلُ قِيلَ ويَنْصُرُ نَصْبَ رَحْمَةٍ عَلى اَلْمَفْعُولِ قِراءَةُ اَلْحَسَنِ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ بِرَفْعِها لِأنَّ اَلْكَلامَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ هي (رَحْمَةٌ) تَعْلِيلًا لِلْإرْسالِ فَيُلائِمُ اَلْقَوْلَ بِأنَّها في قِراءَةِ اَلنَّصْبِ مَفْعُولٌ لَهُ ولِيُطابِقَ قِراءَتَهُما في كَوْنِ مَعْنى ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إنّا كُنّا فاعِلِينَ اَلْإرْسالَ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ اَلْمُحَقِّقِينَ: إنَّ اَلْقَوْلَ بِأنَّهُ تَعْلِيلٌ أظْهَرُ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّهُ بَدَلٌ لِيَكُونَ اَلْكَلامُ عَلى نَسَقِ في اَلتَّعْلِيلِ غَبُّ اَلتَّعْلِيلِ، ولِما ذُكِرَ في اَلْحالَةِ اَلْمُقْتَضِيَةِ لِلْإبْدالِ ولِوُقُوعِ اَلْفَصْلِ، وأشارَ عَلى ما قِيلَ بِما ذُكِرَ في اَلْحالَةِ اَلْمُقْتَضِيَةِ لِلْإبْدالِ بِأنَّ اَلْمُبْدَلَ مِنهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وأنَّهُ في حُكْمِ اَلسُّقُوطُ وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ أغْلَبِيٌّ لا مُطَّرِدٌ وقَوْلُهُ: لِوُقُوعِ اَلْفَصْلِ أيْ بَيْنَ اَلْبَدَلِ والمُبْدَلِ صفحة 116 مِنهُ بِأنَّ اَلْفاصِلَ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ فَلا يَضُرُّ اَلْفَصْلُ بِهِ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُ رَحْمَةً مَصْدَرًا لِرَحِمْنا مُقَدَّرٍ وكَوْنُها حالًا مِن ضَمِيرِ (مُرْسِلِينَ) وكَوْنُها بَدَلًا مِن (أمْرًا) فَلا تَغْفُلْ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ فَيَسْمَعُ أقْوالَ اَلْعِبادِ ﴿العَلِيمُ﴾ لِكُلِّ مَعْلُومٍ فَيَعْلَمُ أحْوالَهُمْ، وتَوْسِيطُ اَلضَّمِيرِ مَعَ تَعْرِيفِ اَلطَّرَفَيْنِ لِإفادَةِ اَلْحَصْرِ، والجُمْلَةُ تَحْقِيقٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن هَذِهِ نُعُوتُهُ، وفي تَخْصِيصِ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ عَلى ما قالَ اَلطَّيِّبِيُّ إدْماجٌ لِوَعِيدِ اَلْكُفّارِ ووَعْدِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ تَلَقَّوُا اَلرَّحْمَةَ بِأنْواعِ اَلشُّكْرِ

الدخان 44:7

﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن ﴿رَبِّكَ﴾ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ. وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ والأعْرَجُ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لَإنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو رَبُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإثْباتِ ما قَبْلَها وتَعْلِيلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ اَلْإيقانِ وطَرَفٌ مِنَ اَلْعُلُومِ اَلْيَقِينِيَّةِ عَلى أنَّ اَلْوَصْفَ اَلْمُتَعَدِّيَ مَنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اَللّازِمِ لِعَدَمِ اَلْقَصْدِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ اَلْإيقانِ عَلِمْتُمْ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ رَبَّ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ لِأنَّهُ مِن أظْهَرِ اَلْيَقِينِيّاتِ دَلِيلًا وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكُمُ اَلْقَوْلُ بِما يَقْتَضِيهِ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم إذا سُئِلْتُمْ عَمَّنْ خَلَقَ اَلسَّمَواتِ والأرْضَ فَقُلْتُمُ اَللَّهُ تَعالى خَلَقَهُنَّ، والجَوابُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم بِذَلِكَ عَلِمْتُمْ ما يَقْتَضِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ لِظُهُورِ اِقْتِضائِهِ إيّاهُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ اَلْجَوابَ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ تَحَقَّقَ عِنْدِكم ما قُلْناهُ، ولَمْ يُجَوِّزُوا جَعْلَهُ مَضْمُونَ ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ أيْقَنُوا أمْ لَمْ يُوقِنُوا فَلا مَعْنى لِجَعْلِهِ دالًّا عَلَيْهِ، وكَذا جَعْلُهُ مَضْمُونُ ما بَعْدُ بَلْ هَذا مِمّا لا يَحْسُنُ بِاعْتِبارِ اَلْعِلْمِ أيْضًا. وفِي هَذا اَلشَّرْطِ تَنْزِيلُ إيقانِهِمْ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ لِظُهُورِ خِلافِهِ عَلَيْهِمْ، وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ مِن بابِ تَنْزِيلِ اَلْعالِمِ مَنزِلَةَ اَلْجاهِلِ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجَبِ اَلْعِلْمِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ اَلشّاكِّينَ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ ولا أرى بَأْسًا في أنْ يُقالَ: إنَّهم نُزِّلُوا أوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ سُجِّلَ عَلَيْهِمْ بِالشَّكِّ لِأنَّهم وإنْ أقَرُّوا بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَبُّ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ لَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ اَلشَّكِّ لِإلْحادِهِمْ في صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مُوقِنِينَ﴾ مَجازًا عَنْ مُرِيدِينَ اَلْإيقانَ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُرِيدِينَ اَلْإيقانَ فاعْلَمُوا ذَلِكَ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأمّا جَعْلُ ﴿إنْ﴾ نافِيَةً كَما حَكاهُ اَلنَّيْسابُورِيُّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى

الدخان 44:8

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو وجُمْلَةُ اَلْمُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِذَلِكَ، وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ لَإنَّ عَلى قِراءَةِ (رَبُّ اَلسَّمَواتِ) بِالرَّفْعِ وجَعْلِهِ خَبَرًا، وقِيلَ: خَبَرٌ لَهُ عَلى تِلْكَ اَلْقِراءَةِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ ”يُحْيِي ويُمِيتُ“مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَبْلَها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ أوْ بَدَلٍ مِن ”رَبِ اَلسَّماواتِ“ عَلى تِلْكَ اَلْقِراءَةِ أوْ بَيانٍ أوْ نَعْتٍ لَهُ، وقِيلَ: فاعِلٌ لِيُمِيتُ، وفي ﴿يُحْيِي﴾ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ والكَلامُ مِن بابِ اَلتَّنازُعِ أوْ إلى ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾، وقِيلَ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِرَبُّ اَلسَّمَواتِ وكَذا ﴿رَبُّكُمْ﴾ وقِيلَ: هُما خَبِرانِ آخَرانِ لَإنَّ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحَقَ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وأبُو حَيْوَةَ. والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ. والحَسَنُ. وأبُو مُوسى. وعِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وصالِحٌ كِلاهُما عَنِ اَلْكِسائِيِّ بِالجَرِّ بَدَلًا مِن ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ عَلى قِراءَةِ اَلْجَرِّ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ اَلْأنْطاكِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى اَلْمَدْحِ.

الدخان 44:9

﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إضْرابٌ إبْطالِيٌّ أُبْطِلَ بِهِ إيقانُهم لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِهِ، وتَنْوِينُ (شَكٍّ) لِلتَّعْظِيمِ أيْ صفحة 117 فِي شَكٍّ عَظِيمٍ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ لا يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِمّا هو مُطابِقٌ لِنَفْيِ اَلْأمْرِ عَنْ جَدٍّ وإذْعانٍ بَلْ يَقُولُونَهُ مَخْلُوطًا بِهُزُءٍ ولَعِبِ وهَذِهِ اَلْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي اَلْخَبَرُ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، والِالتِفاتُ عَنْ خِطابِهِمْ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وعَدَمِ اِلْتِفاتِهِمْ،

الدخان 44:10

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ﴾ لِتَرْتِيبِ اَلِارْتِقابِ أوِ اَلْأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَهم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ حَتْمًا أيْ فانْتَظِرْ لَهم ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ يَوْمَ تَأْتِي بِجَدْبٍ ومَجاعَةٍ فَإنَّ اَلْجائِعَ جِدًّا يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلسَّماءِ كَهَيْئَةِ اَلدُّخانَ وهي ظُلْمَةٌ تَعْرِضُ لِلْبَصَرِ لِضَعْفِهِ فَيَتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَإطْلاقُ اَلدُّخانِ عَلى ذَلِكَ اَلْمَرْئِيِّ بِاعْتِبارِ أنَّ اَلرّائِيَ يَتَوَهَّمُهُ دُخانًا، ولا يَأْباهُ وصْفُهُ بِمُبِينٍ وإرادَةُ اَلْجَدْبِ والمَجاعَةِ مِنهُ مَجازٌ مِن بابِ ذِكْرِ اَلْمُسَبَّبِ وإرادَةِ اَلسَّبَبِ أوْ لِأنَّ اَلْهَواءَ يَتَكَدَّرُ سَنَةَ اَلْجَدْبِ بِكَثْرَةِ اَلْغُبارِ لِقِلَّةِ اَلْأمْطارِ اَلْمُسَكِّنَةِ لَهُ فَهو كِنايَةٌ عَنِ اَلْجَدْبِ وقَدْ فَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ اَلدُّخانَ بِهِ، وقالَ اَلْقَتْبِيُّ: يُسَمّى دُخانًا لِيَبَسِ اَلْأرْضِ حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها ما هو كالدُّخانِ، وقالَ بَعْضُ اَلْعَرَبِ: نُسَمِّي اَلشَّرَّ اَلْغالِبَ دُخانًا، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ اَلدُّخانَ مِمّا يُتَأذّى بِهِ فَأُطْلِقُ عَلى كُلِّ مُؤْذٍ يُشْبِهُهُ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا اَلْجَدْبُ ومَعْناهُ اَلْحَقِيقِيُّ مَعْرُوفٌ، وقِياسُ جَمْعِهِ في اَلْقِلَّةِ أدْخِنَةٌ وفي اَلْكَثْرَةِ دِخْنانٌ نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ، وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةٍ تَقْدِيرًا، وقَرِينَةُ اَلتَّجَوُّزِ فِيهِ هُنا حالِيَّةٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى مِنَ اَلْخَبَرِ، والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ اَلزَّمانِ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِارْتَقِبْ أوْ ظَرْفٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ اِرْتَقِبْ وعْدَ اَللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ وبِالسَّماءِ جِهَةُ اَلْعُلُوِّ، وإسْنادُ اَلْإتْيانِ بِذَلِكَ إلَيْهِما مِن قَبِيلِ اَلْإسْنادِ إلى اَلسَّبَبِ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِعَدَمِ إمْطارِها ولَمْ يُسْنَدْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ اَلْفاعِلُ حَقِيقَةً لِيَكُونَ اَلْكَلامُ مَعَ سابِقِهِ اَلْمُتَضَمِّنِ إسْنادَ ما هو رَحْمَةٌ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وتَفْسِيرُ اَلدُّخانِ بِما فَسَّرْناهُ بِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وأبِي اَلْعالِيَةِ. والنَّخْعِيِّ. والضَّحّاكِ. ومُجاهِدٍ. ومُقاتِلٍ وهو اِخْتِيارُ اَلْفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وقَدْ رُوِيَ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أخْرَجَ أحْمَدُ. والبُخارِيُّ. وجَماعَةٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اَللَّهِ فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ رَجُلًا في اَلْمَسْجِدِ يَقُولُ في هَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ إلَخْ: يَغْشى اَلنّاسَ قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ دُخانٌ، فَيَأْخُذُ بِأسْماعِ اَلْمُنافِقِينَ وأبْصارِهِمْ ويَأْخُذُ اَلْمُؤْمِنَ مِنهُ كَهَيْئَةِ اَلزُّكامِ فَغَضِبَ وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَلْيَقُلِ اَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. فَإنَّ مِنَ اَلْعِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ اَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وسَأُحَدِّثُكم عَنِ اَلدُّخانِ إنَّ قُرَيْشًا لَمّا اِسْتَصْعَبَتْ عَلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبْطَؤُوا عَنِ اَلْإسْلامِ قالَ: اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأصابَهم قَحْطٌ وجَهْدٌ حَتّى أكَلُوا اَلْعِظامَ، فَجَعَلَ اَلرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى اَلسَّماءِ فَيَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ كَهَيْئَةِ اَلدُّخانِ مِنَ اَلْجُوعِ، فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ”(فارْتَقِبْ إلى ألِيمٌ)“ فَأتى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اَللَّهِ اِسْتَسْقِ اَللَّهَ تَعالى لِمُضَرَ فاسْتَسْقى لَهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسُقُوا فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ اَلْخَبَرَ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى صَحِيحَةٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا رَأى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلنّاسِ إدْبارًا قالَ: اَللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأخَذَتْهم سَنَةٌ حَتّى أكَلُوا اَلْمَيْتَةَ والجُلُودَ والعِظامَ، فَجاءَهُ أبُو سُفْيانَ وناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ قَدْ بُعِثْتَ رَحْمَةً وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فادْعُ اَللَّهَ تَعالى فَدَعا رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صفحة 118 فَسُقُوا اَلْغَيْثَ فَأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا فَشَكا اَلنّاسُ كَثْرَةَ اَلْمَطَرِ فَقالَ: اَللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا فانْحَدَرَتِ اَلسَّحابَةُ عَنْ رَأْسِهِ فَسُقِيَ اَلنّاسُ حَوْلَهم قالَ: فَقَدْ مَضَتْ آيَةُ اَلدُّخانِ وهو اَلْجُوعُ اَلَّذِي أصابَهُمُ اَلْحَدِيثَ،» وظاهِرُهُ يَدُلُّ كَما في تارِيخِ اِبْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ اَلْقِصَّةَ كانَتْ بِمَكَّةَ فالآيَةُ مَكِّيَّةٌ. وفِي بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ أبِي سُفْيانَ كانَتْ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ فَلَعَلَّها وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ في سُورَةِ اَلْمُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلْأعْرَجِ أنَّهُ قالَ في هَذا اَلدُّخانِ: كانَ في يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ وفي اَلْبَحْرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ وهو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حَجَبَتِ اَلسَّماءَ اَلْغَبَرَةُ، وفي رِوايَةِ اِبْنِ سَعِيدٍ أنَّ اَلْأعْرَجَ يَرْوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ دُخانٌ، وهو قَوْلُ اَللَّهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ويَحْسُنُ عَلى هَذا اَلْقَوْلِ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَمّا حَلَّ بِأهْلِ مَكَّةَ في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ مِنَ اَلْخَوْفِ والذُّلِّ ونَحْوِهِما، وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنُ عُمَرَ. وابْنُ عَبّاسٍ. وأبُو سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيُّ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. والحَسَنُ: إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي مِنَ اَلسَّماءِ قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ يَدْخُلُ في أسْماعِ اَلْكَفَرَةِ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ اَلْواحِدِ كالرَّأْسِ اَلْحَنِيذِ ويَعْتَرِي اَلْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ اَلزُّكامِ وتَكُونُ اَلْأرْضُ كُلُّها كَبَيْتٍ أُوقِدَ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ خَصاصٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اَلْيَمانِ مَرْفُوعًا «أوَّلُ اَلْآياتِ اَلدَّجّالُ ونُزُولُ عِيسى ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ أبِينُ تَسُوقُ اَلنّاسَ إلى اَلْمَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهم إذا قالُوا والدُّخانُ، قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ وما اَلدُّخانُ؟ فَتَلا رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وقالَ: يَمْلَأُ ما بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، أمّا اَلْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنهُ كَهَيْئَةِ اَلزُّكْمَةِ، وأمّا اَلْكافِرُ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ اَلسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ، فالدُّخانُ عَلى ظاهِرِهِ والمَعْنى فارْتَقِبْ يَوْمَ ظُهُورِ اَلدُّخانِ». وحَكى اَلسَّفارِينِيُّ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هُما دُخانانِ مَضى واحِدٌ واَلَّذِي بَقِيَ يَمْلَأُ ما بَيْنَ اَلسَّماءِ والأرْضِ ولا يُصِيبُ اَلْمُؤْمِنُ إلّا بِالزُّكْمَةِ وأمّا اَلْكافِرُ فَيَشُقُّ مَسامِعَهُ فَيَبْعَثُ اَللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ اَلرِّيحَ اَلْجَنُوبَ مِنَ اَلْيَمَنِ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَبْقى شِرارُ اَلنّاسِ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ هَذِهِ اَلرِّوايَةِ عَنْهُ. وحَمْلُ ما في اَلْآيَةِ عَلى ما يَعُمُّ اَلدُّخانَيْنِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِيَوْمَ تَأْتِي اَلسَّماءُ إلَخْ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ فالدُّخانُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ اَلشِّدَّةُ والشَّرُّ مَجازًا وأنْ يُرادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ. وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: اَلظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَأْتِي السَّماءُ﴾ إلى آخِرِهِ اِسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً إذْ لا سَماءَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَشَقَّقُ فِيهِ اَلسَّماءُ فَمُفْرَداتُهُ عَلى حَقِيقَتِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّ اَلسَّماءَ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا بِمَعْنى جِهَةِ اَلْعُلُوِّ سَلَّمْنا أنَّها بِمَعْنى اَلْجِرْمِ اَلْمَعْرُوفِ لَكِنْ لا مانِعَ مِن كَوْنِ اَلدُّخانِ قَبْلَ تَشَقُّقِها بِأنْ يَكُونَ حِينَ يَخْرُجُ اَلنّاسُ مِنَ اَلْقُبُورِ مَثَلًا بَلْ لا مانِعَ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّ اَلْمُرادَ مِن إتْيانِ اَلسَّماءِ بِدُخانٍ اِسْتِحالَتُها إلَيْهِ بَعْدَ تَشَقُّقِها وعَوْدُها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ أوَّلًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ ويَكُونُ فَناؤُها بَعْدَ صَيْرُورَتِها دُخانًا. هَذا والأظْهَرُ حَمْلُ اَلدُّخانِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أوَّلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِما أنَّهُ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وبَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ أنَّ في اَلْآياتِ بَعْدُ ما هو أوْفَقُ بِهِ، فَوَجْهُ اَلرَّبْطِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن حالِهِمْ مُقابَلَتَهُمُ اَلرَّحْمَةَ بِالكُفْرانِ وأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالمُنَزَّلِ والمُنَزَّلِ عَلَيْهِ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ﴾ إلَخْ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم صفحة 119 أهْلُ اَلْعَذابِ والخِذْلانِ لا أهْلَ اَلْإكْرامِ والغُفْرانِ

الدخان 44:11

﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أيْ يُحِيطُ بِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن جَعَلَ اَلدُّخانَ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى مَن أدْرَكَهُ ذَلِكَ اَلْوَقْتُ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى اَلْعُمُومِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلدُّخانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا أيْ قائِلِينَ أوْ يَقُولُونَ هَذا إلَخْ. والإشارَةُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ إخْبارًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في قِصَّةِ اَلذَّبِيحِ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ فَهو اِسْتِئْنافٌ أوِ اِعْتِراضُ والإشارَةُ بِهَذا لِلدَّلالَةِ عَلى قُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ وعْدٌ مِنهم بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ جَلَّ وعَلا عَنْهُمُ اَلْعَذابَ، فَكَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا إنْ كَشَفْتَ عَنّا اَلْعَذابَ آمَنّا لَكِنْ عَدَلُوا عَنْهُ إلى ما في اَلْمُنَزَّلِ إظْهارًا لِمَزِيدِ اَلرَّغْبَةِ وحَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ لِما في بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا اِشْتَدَّ اَلْقَحْطُ بِقُرَيْشٍ مَشى أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وناشَدَهُ اَلرَّحِمَ وواعَدَهُ إنْ دَعا لَهم وزالَ ما بِهِمْ آمَنُوا والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:

الدخان 44:12

﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أيْ يُحِيطُ بِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن جَعَلَ اَلدُّخانَ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى مَن أدْرَكَهُ ذَلِكَ اَلْوَقْتُ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى اَلْعُمُومِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلدُّخانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا أيْ قائِلِينَ أوْ يَقُولُونَ هَذا إلَخْ. والإشارَةُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ إخْبارًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في قِصَّةِ اَلذَّبِيحِ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ فَهو اِسْتِئْنافٌ أوِ اِعْتِراضُ والإشارَةُ بِهَذا لِلدَّلالَةِ عَلى قُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ وعْدٌ مِنهم بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ جَلَّ وعَلا عَنْهُمُ اَلْعَذابَ، فَكَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا إنْ كَشَفْتَ عَنّا اَلْعَذابَ آمَنّا لَكِنْ عَدَلُوا عَنْهُ إلى ما في اَلْمُنَزَّلِ إظْهارًا لِمَزِيدِ اَلرَّغْبَةِ وحَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ لِما في بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا اِشْتَدَّ اَلْقَحْطُ بِقُرَيْشٍ مَشى أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وناشَدَهُ اَلرَّحِمَ وواعَدَهُ إنْ دَعا لَهم وزالَ ما بِهِمْ آمَنُوا والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:

الدخان 44:13

﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ نَفْيُ صِدْقِهِمْ في اَلْوَعْدِ وأنَّ غَرَضَهم إنَّما هو كَشْفُ اَلْعَذابِ والخَلاصُ أيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ أوْ مِن أيْنَ يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ اَلْإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ اَلْعَذابِ عَنْهم. ﴿وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم شاهَدُوا مِن دَواعِي اَلتَّذَكُّرِ ومُوجِباتِ اَلِاتِّعاظِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في إيجابِهِما حَيْثُ جاءَهم رَسُولٌ عَظِيمُ اَلشَّأْنِ ظاهِرٌ أمْرُ رِسالَتِهِ بِالآياتِ والمُعْجِزاتِ اَلَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ اَلْجِبالِ أوْ مُظْهِرٌ لَهم مَناهِجَ اَلْحَقِّ بِذَلِكَ

الدخان 44:14

﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ عَنْ ذَلِكَ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وهو هو والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدْ جاءَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، وعَطْفُها عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا﴾ إلَخْ لِأنَّهُ عَلى مَعْنى قالُوا: ﴿رَبَّنا﴾ إلَخْ لَيْسَ بِذاكَ، وثُمَّ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّراخِي اَلرُّتْبِيِّ وإلّا فَهم قَدْ تَوَلَّوْا رَيْثَما جاءَهم وشاهَدُوا مِنهُ ما شاهَدُوا مِمّا يُوجِبُ اَلْإقْبالَ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وقالُوا﴾ مَعَ ذَلِكَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أيْ قالُوا تارَةً: يُعَلِّمُهُ عَدّاسٌ غُلامٌ رُومِيٌّ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ وأُخْرى مَجْنُونٌ أوْ يَقُولُ بَعْضُهم كَذا وآخَرُونَ كَذا ولَمْ يَقُلْ ومَجْنُونٌ بِالعَطْفِ لِأنَّ اَلْمَقْصُودَ تَعْدِيدُ قَبائِحِهِمْ وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ مُعَلِّمٌ بِكَسْرِ اَللّامِ فَمَجْنُونٌ صِفَةٌ لَهُ وكَأنَّهم أرادُوا رَسُولٌ مَجْنُونٌ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

الدخان 44:15

﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وإخْبارٌ بِالعَوْدِ عَلى تَقْدِيرِ اَلْكَشْفِ أيْ إنْ كَشَفْنا عَنْكُمُ اَلْعَذابَ كَشْفًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا عُدْتُمْ، والمُرادُ عَلى ما قِيلَ عائِدُونَ إلى اَلْكُفْرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَوْدَهم إلَيْهِ يَقْتَضِي إيمانَهم وقَدْ مَرَّ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا وإنَّما وعَدُوا اَلْإيمانَ فَإمّا أنْ يَكُونَ وعْدُهم مَنَزَّلًا مَنزِلَةَ إيمانِهِمْ أوِ اَلْمُرادُ عائِدُونَ إلى اَلثَّباتِ عَلى اَلْكُفْرِ أوْ عَلى اَلْإقْرارِ والتَّصْرِيحِ بِهِ وقالَ قَتادَةُ: هَذا تَوَعُّدٌ بِمَعادِ اَلْآخِرَةِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا ومَن قالَ: إنَّ اَلدُّخانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ قالَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا كاشِفُو﴾ إلى آخِرِهِ وعْدٌ بِالكَشْفِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ومَن قالَ اَلْمُرادُ بِهِ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ قالَ بِإمْكانِ اَلْكَشْفِ وعَدَمِ اِنْقِطاعِ اَلتَّكْلِيفِ عِنْدَ ظُهُورِهِ وإنْ كانَ مِنَ اَلْأشْراطِ بَلْ جاءَ في صفحة 120 بَعْضِ اَلْآثارِ أنَّهُ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً فَيُكْشَفُ عَنْهم فَيَعُودُونَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اَلضَّلالِ، وحَمْلُهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ظاهِرُ اَلِاسْتِقامَةِ لا قِيلَ فِيهِ ولا قالَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ جاءَهُمْ﴾ إلَخْ قَوِيُّ اَلْمُلاءَمَةِ لَهُ وهو بَعِيدُ اَلْمُلاءَمَةِ لِلْقَوْلِ اَلْمَرْوِيِّ عَنِ اَلْأمِيرِ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ فَقَدِ اُحْتِيجَ في تَحْصِيلِها إلى جَعْلِ اَلْإسْنادِ مِن بابِ إسْنادِ حالِ اَلْبَعْضِ إلى اَلْكُلِّ أوْ حَمْلِ اَلنّاسِ عَلى اَلْكُفّارِ اَلْمَوْجُودِينَ في ذَلِكَ اَلْوَقْتِ والأمْرُ عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّهُ ما كانَ في فَتْحِ مَكَّةَ أهْوَنُ إلّا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَقَوْلِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَتَأمَّلْ

الدخان 44:16

﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ هو يَوْمُ بَدْرٍ عِنْدَ اِبْنِ مَسْعُودٍ وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ومُجاهِدٍ. والحَسَنِ. وأبِي اَلْعالِيَةِ. وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وقَتادَةَ. وعَطِيَّةَ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وأخْرُجُ اِبْنُ جَرِيرٍ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قالَ: قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: اَلْبَطْشَةُ اَلْكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ، وأنا أقُولُ: هي يَوْمُ اَلْقِيامَةِ ونَقَلَ في اَلْبَحْرِ حِكايَةً أنَّهُ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ عَنِ اَلْحَسَنِ. وقَتادَةَ أيْضًا. والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ إنّا نَنْتَقِمُ يَوْمَ إذْ إنّا مُنْتَقِمُونَ، وقِيلَ لَمُنْتَقِمُونَ ورَدَّهُ اَلزَّجّاجُ وغَيْرُهُ بِأنَّ ما بَعْدَ أنْ لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيما قَبْلَها، وقِيلَ لَعائِدُونَ عَلى مَعْنى إنَّكم لَعائِدُونَ إلى اَلْعَذابِ يَوْمَ نَبْطِشُ. وقِيلَ بِكاشِفُو اَلْعَذابِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقِيلَ لِذِكْرِهِمْ أوِ اُذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ إلَخْ. وقُرِئَ (نَبْطُشُ) بِضَمِّ اَلطّاءِ وقَرَأ اَلْحَسَنُ. وأبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ بِخِلافٍ عَنْهُ (نُبْطِشُ) بِضَمِّ اَلنُّونِ مِن بابِ اَلْإفْعالِ عَلى مَعْنى نُحْمِلُ اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلى أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ أوْ نُمَكِّنُهم مِن ذَلِكَ فالمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ وزِيادَةِ اَلتَّهْوِيلِ، وجَعْلُ اَلْبَطْشَةِ عَلى هَذا مَفْعُولًا مُطْلَقًا عَلى طَرِيقَةِ أنْبَتَكم نَباتًا، وقالَ اِبْنُ جِنِّي، وأبُو حَيّانَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ اَلظّاهِرُ أيْ يَوْمَ نَبْطِشُ مَن نَبْطِشُهُ فَيُبْطَشُ اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى، وقالَ اِبْنُ جِنِّي: ولَكَ أنْ تَنْصِبَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ كَأنَّهُ بِهِ قِيلَ: يَوْمَ نُقَوِّي اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى عَلَيْهِمْ ونُمَكِّنُها مِنهم كَقَوْلِكَ: يَوْمَ نُسَلِّطُ اَلْقَتْلَ عَلَيْهِمْ ونُوَسِّعُ اَلْأخْذَ مِنهُمْ، وفي اَلْقامُوسِ بَطَشَ بِهِ ويَبْطِشُ ويَبْطُشُ أخَذَهُ بِالعُنْفِ والسَّطْوَةِ كَأبْطُشُهُ والبَطْشُ اَلْأخْذُ اَلشَّدِيدُ في كُلِّ شَيْءٍ والبَأْسُ اهـ فَلا تَغْفُلْ

الدخان 44:17

﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ اِمْتَحَنّاهم بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ مِن فَتَنَ اَلْفِضَّةَ عَرَضَها عَلى اَلنّارِ فَيَكُونُ بِمَعْنى اَلِامْتِحانِ وهو اِسْتِعارَةٌ والمُرادُ عامَلْناهم مُعامَلَةَ اَلْمُمْتَحَنِ لِيَظْهَرَ حالُهم لِغَيْرِهِمْ أوْ أوْقَعْناهم في اَلْفِتْنَةِ عَلى أنَّهُ بِمَعْناهُ اَلْمَعْرُوفِ والمُرادُ بِالفِتْنَةِ حِينَئِذٍ ما يُفْتَنُ بِهِ اَلشَّخْصُ أيْ يَغْتَرُّ ويَغْفُلُ عَمّا فِيهِ صَلاحُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ وفُسِّرَتْ هُنا بِالإمْهالِ وتَوْسِيعِ اَلرِّزْقِ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ اَلْفِتْنَةَ بِالعَذابِ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهِ عَنِ اَلْمَعاصِي اَلَّتِي هي سَبَبٌ وهو تَكَلُّفُ ما لا داعِيَ لَهُ. وقُرِئَ (فَتَّنّا) بِتَشْدِيدِ اَلتّاءِ إمّا لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ اَلْمَصْدَرِيِّ أوْ لِتَكْثِيرِ اَلْمَفْعُولِ أوِ اَلْفِعْلِ. ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ عِنْدِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ عِنْدَ اَلْمُؤْمِنِينَ أوْ عِنْدَهُ تَعالى وعِنْدَهم أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ مُتَّصِفٌ بِالخِصالِ اَلْحَمِيدَةِ والصِّفاتِ اَلْجَلِيلَةِ حَسَبًا ونَسَبًا، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلْكَرَمُ إذا وُصِفَ بِهِ اَلْإنْسانُ فَهو اِسْمٌ لِلْأخْلاقِ والأفْعالِ اَلْمَحْمُودَةِ اَلَّتِي تَظْهَرُ مِنهُ ولا يُقالُ هو كَرِيمٌ حَتّى يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنهُ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ اَلْعُلَماءِ أنَّ اَلْكَرَمَ كالحَرِيَّةِ إلّا أنَّ اَلْحُرِّيَّةَ قَدْ تُقالُ في اَلْمَحاسِنِ اَلصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ والكَرَمُ لا يُقالُ إلّا في اَلْمَحاسِنِ اَلْكَبِيرَةِ. وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: أصْلُ مَعْنى اَلْكَرِيمِ جامِعُ اَلْمَحامِدِ والمَنافِعِ وادَّعى لِذَلِكَ أنَّ تَفْسِيرَهُ بِهِ أحْسَنُ مِن تَفْسِيرِهِ بِالتَّفْسِيرَيْنِ اَلسّابِقَيْنِ

الدخان 44:18

صفحة 121 ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أطْلِقُوهم وسَلِّمُوهم إلَيَّ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ اَلَّذِينَ كانَ فِرْعَوْنُ مُسْتَعْبِدَهُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعِبادِ اَللَّهِ تَعالى لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اِسْتِعْبادَهُ إيّاهم ظُلْمٌ مِنهُ، والأداءُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ ومُجاهِدٍ. وقَتادَةَ أوْ أدُّوا إلَيَّ حَقَّ اَللَّهِ تَعالى مِنَ اَلْإيمانِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى يا عِبادَ اَللَّهِ عَلى أنَّ مَفْعُولَ (أدُّوا) مَحْذُوفٌ وعِبادَ مُنادى وهو عامٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ، والأداءُ بِمَعْنى اَلْفِعْلِ لِلطّاعَةِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأنْ عَلَيْهِما قِيلَ مَصْدَرِيَّةٌ قَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَهم أيْ بِأنْ أدُّوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: جاءَهم بِالتَّأْدِيَةِ إلَيَّ، وحَمْلُهُ عَلى طَلَبِ اَلتَّأْدِيَةِ إلَيَّ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ ورُدَّ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ وهو شائِعٌ مُطَّرِدٌ فَتَقْدِيرُهُ بِأنْ قالَ أدُّوا إلَيَّ ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ما ومَعَ هَذا اَلْأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ وصْلِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وهو غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، نَعَمِ اَلْأصَحُّ اَلْجَوازُ. وقِيلَ: هي مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها حِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مَعَها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ ومُفَسِّرُهُ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وأيْضًا لا بُدَّ أنْ يَقَعَ بَعْدَها اَلنَّفْيُ أوْ قَدْ أوِ اَلسِّينُ أوْ سَوْفَ أوْ لَوْ وأنْ يَتَقَدَّمَها فِعْلٌ قَلْبِيٌّ ونَحْوُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى فِعْلِ اَلتَّحْقِيقِ كالإعْلامِ والفَصْلُ اَلْمَذْكُورُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَهَبَ اَلْمُبَرِّدُ تَبَعًا لِلْبَغادِدَةِ إلى عَدَمِ اِشْتِراطِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ شاذٌّ يُصانُ اَلْقُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ واشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً فِيهِ خِلافٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ، ولَمْ يُذْكَرْ في اَلْمُغْنِي في اَلْبابِ اَلرّابِعِ في اَلْكَلامِ عَلى ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ إلّا اِشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِهِ جُمْلَةً ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيها اَلْخَبَرِيَّةَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِخِلافٍ، نَعَمْ قالَ في اَلْبابِ اَلْخامِسِ: اَلنَّوْعُ اَلثّامِنُ اِشْتِراطُهم في بَعْضِ اَلْجُمْلَةِ اَلْخَبَرِيَّةَ وفي بَعْضِها اَلْإنْشائِيَّةَ وعُدَّ مِنَ اَلْأوَّلِ خَبَرانِ وضَمِيرُ اَلشَّأْنِ لَكِنَّهُ قالَ بَعْدُ: ويَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ في خَبَرَيْ أنْ وضَمِيرِ اَلشَّأْنِ خَبَرُ أنَّ اَلْمَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً دُعائِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أنْ وغَضِبَ بِالفِعْلِ والِاسْمُ اَلْجَلِيلُ فاعِلٌ. وحَقَّقَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلْإخْبارَ عَنْ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ بِجُمْلَةٍ إنْشائِيَّةٍ جائِزٌ عِنْدَ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أوْ هي مُفَسِّرَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى اَلْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ لِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَكُونُ بِرِسالَةٍ ودَعْوَةٍ وكَأنَّ اَلتَّفْسِيرَ لِمُتَعَلِّقِهِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ جاءَهم بِالدَّعْوَةِ وهي أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اَللَّهِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَسْتَكْبِرُوا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالِاسْتِهانَةِ بِوَحْيِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ و﴿أنْ﴾ كاَلَّتِي قَبْلَها، والمَعْنى عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِكَفِّكم عَنِ اَلْعُلُوِّ عَلى اَللَّهِ تَعالى ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ آتِيكم بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها أوْ مُوَضَّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ و(آتِيكُمْ) عَلى صِيغَةِ اَلْفاعِلِ أوِ اَلْمُضارِعِ، ولا يَخْفى حُسْنُ ذِكْرِ اَلْأمِينِ مَعَ اَلْأداءِ والسُّلْطانِ مَعَ اَلْعَلاءِ، وذُكِرَ أنَّ في اَلْأوَّلِ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ اَلْمُصَرِّحَةِ أوِ اَلْمَكْنِيَّةِ بِجَعْلِهِمْ كَأنَّهم مالٌ لِلْغَيْرِ في يَدِهِ أمَرَهُ بِدَفْعِهِ لِمَن يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ وفي اَلثّانِي تَوْرِيَةٌ عَنْ مَعْنى اَلْمَلِكَ مُرَشَّحَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَعْلُوا﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ”(أنِّي)“ بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ فَقِيلَ هو أيْضًا عَلى تَعْلِيلِ اَلنَّهْيِ بِتَقْدِيرِ اَللّامِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما دَخَلَهُ اَلنَّهْيُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن غَضِبَ مِن قَوْلِ اَلْحَقِّ لَهُ لا تَغْضَبْ لِأنْ قِيلَ لَكَ اَلْحَقُّ

الدخان 44:19

صفحة 121 ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أطْلِقُوهم وسَلِّمُوهم إلَيَّ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ اَلَّذِينَ كانَ فِرْعَوْنُ مُسْتَعْبِدَهُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعِبادِ اَللَّهِ تَعالى لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اِسْتِعْبادَهُ إيّاهم ظُلْمٌ مِنهُ، والأداءُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ ومُجاهِدٍ. وقَتادَةَ أوْ أدُّوا إلَيَّ حَقَّ اَللَّهِ تَعالى مِنَ اَلْإيمانِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى يا عِبادَ اَللَّهِ عَلى أنَّ مَفْعُولَ (أدُّوا) مَحْذُوفٌ وعِبادَ مُنادى وهو عامٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ، والأداءُ بِمَعْنى اَلْفِعْلِ لِلطّاعَةِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأنْ عَلَيْهِما قِيلَ مَصْدَرِيَّةٌ قَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَهم أيْ بِأنْ أدُّوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: جاءَهم بِالتَّأْدِيَةِ إلَيَّ، وحَمْلُهُ عَلى طَلَبِ اَلتَّأْدِيَةِ إلَيَّ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ ورُدَّ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ وهو شائِعٌ مُطَّرِدٌ فَتَقْدِيرُهُ بِأنْ قالَ أدُّوا إلَيَّ ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ما ومَعَ هَذا اَلْأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ وصْلِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وهو غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، نَعَمِ اَلْأصَحُّ اَلْجَوازُ. وقِيلَ: هي مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها حِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مَعَها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ ومُفَسِّرُهُ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وأيْضًا لا بُدَّ أنْ يَقَعَ بَعْدَها اَلنَّفْيُ أوْ قَدْ أوِ اَلسِّينُ أوْ سَوْفَ أوْ لَوْ وأنْ يَتَقَدَّمَها فِعْلٌ قَلْبِيٌّ ونَحْوُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى فِعْلِ اَلتَّحْقِيقِ كالإعْلامِ والفَصْلُ اَلْمَذْكُورُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَهَبَ اَلْمُبَرِّدُ تَبَعًا لِلْبَغادِدَةِ إلى عَدَمِ اِشْتِراطِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ شاذٌّ يُصانُ اَلْقُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ واشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً فِيهِ خِلافٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ، ولَمْ يُذْكَرْ في اَلْمُغْنِي في اَلْبابِ اَلرّابِعِ في اَلْكَلامِ عَلى ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ إلّا اِشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِهِ جُمْلَةً ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيها اَلْخَبَرِيَّةَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِخِلافٍ، نَعَمْ قالَ في اَلْبابِ اَلْخامِسِ: اَلنَّوْعُ اَلثّامِنُ اِشْتِراطُهم في بَعْضِ اَلْجُمْلَةِ اَلْخَبَرِيَّةَ وفي بَعْضِها اَلْإنْشائِيَّةَ وعُدَّ مِنَ اَلْأوَّلِ خَبَرانِ وضَمِيرُ اَلشَّأْنِ لَكِنَّهُ قالَ بَعْدُ: ويَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ في خَبَرَيْ أنْ وضَمِيرِ اَلشَّأْنِ خَبَرُ أنَّ اَلْمَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً دُعائِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أنْ وغَضِبَ بِالفِعْلِ والِاسْمُ اَلْجَلِيلُ فاعِلٌ. وحَقَّقَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلْإخْبارَ عَنْ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ بِجُمْلَةٍ إنْشائِيَّةٍ جائِزٌ عِنْدَ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أوْ هي مُفَسِّرَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى اَلْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ لِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَكُونُ بِرِسالَةٍ ودَعْوَةٍ وكَأنَّ اَلتَّفْسِيرَ لِمُتَعَلِّقِهِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ جاءَهم بِالدَّعْوَةِ وهي أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اَللَّهِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَسْتَكْبِرُوا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالِاسْتِهانَةِ بِوَحْيِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ و﴿أنْ﴾ كاَلَّتِي قَبْلَها، والمَعْنى عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِكَفِّكم عَنِ اَلْعُلُوِّ عَلى اَللَّهِ تَعالى ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ آتِيكم بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها أوْ مُوَضَّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ و(آتِيكُمْ) عَلى صِيغَةِ اَلْفاعِلِ أوِ اَلْمُضارِعِ، ولا يَخْفى حُسْنُ ذِكْرِ اَلْأمِينِ مَعَ اَلْأداءِ والسُّلْطانِ مَعَ اَلْعَلاءِ، وذُكِرَ أنَّ في اَلْأوَّلِ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ اَلْمُصَرِّحَةِ أوِ اَلْمَكْنِيَّةِ بِجَعْلِهِمْ كَأنَّهم مالٌ لِلْغَيْرِ في يَدِهِ أمَرَهُ بِدَفْعِهِ لِمَن يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ وفي اَلثّانِي تَوْرِيَةٌ عَنْ مَعْنى اَلْمَلِكَ مُرَشَّحَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَعْلُوا﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ”(أنِّي)“ بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ فَقِيلَ هو أيْضًا عَلى تَعْلِيلِ اَلنَّهْيِ بِتَقْدِيرِ اَللّامِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما دَخَلَهُ اَلنَّهْيُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن غَضِبَ مِن قَوْلِ اَلْحَقِّ لَهُ لا تَغْضَبْ لِأنْ قِيلَ لَكَ اَلْحَقُّ

الدخان 44:20

﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ اِلْتَجَأْتُ إلَيْهِ تَعالى وتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ مِن أنْ تَرْجُمُونِي أيْ تُؤْذُونِي ضَرْبًا أوْ شَتْمًا أوْ أنْ تَقْتُلُونِي، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ فَقالَ ذَلِكَ، وفي اَلْبَحْرِ أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ عَزَّ وجَلَّ بِعَجْزِهِمْ عَنْ رَجْمِهِ بِقَوْلِهِ صفحة 122 سُبْحانَهُ: فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلْمُسْتَأْنَفَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو. والأخَوانِ عُتُّ بِإدْغامِ اَلذّالِ في اَلتّاءِ

الدخان 44:21

﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ فَكُونُوا بِمَعْزِلِ مِنِّي لا عَلَيَّ ولا لِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِسُوءٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ جَزاءَ مَن يَدْعُوكم إلى ما فِيهِ فَلاحُكُمْ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَلا مُوالاةَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن لا يُؤْمِنُ فَتَنَحَّوْا واقْطَعُوا أسْبابَ اَلْوَصْلَةِ عَنِّي، فَفي اَلْكَلامِ حَذْفُ اَلْجَوابِ وإقامَةُ اَلْمُسَبَّبِ عَنْهُ مَقامَهُ والأوَّلُ أوْفَقُ بِالمَقامِ، والِاعْتِزالُ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنِ اَلتَّرْكِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُفارَقَةً بِالأبْدانِ

الدخان 44:22

﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ بَعْدَ أنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ إلَخْ فَهو بِتَقْدِيرِ اَلْباءِ صِلَةَ اَلدُّعاءِ كَما يُقالُ دَعا بِهَذا اَلدُّعاءِ، وفِيهِ اِخْتِصارٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ تَناهى أمْرُهم في اَلْكُفْرِ وأنْتَ أعْلَمُ بِهِمْ فافْعَلْ بِهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ قِيلَ كانَ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اَللَّهُمَّ عَجِّلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِإجْرامِهِمْ، وقِيلَ: قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَلسَّبَبَ اَلَّذِي اِسْتَوْجَبُوا بِهِ اَلْهَلاكَ لِيُعْلَمَ مِنهُ دُعاؤُهُ والإجابَةُ مَعًا وأنَّ دُعاءَهُ كانَ عَلى يَأْسٍ مِن إيمانِهِمْ وهَذا مِن بَلِيغِ اِخْتِصاراتِ اَلْكِتابِ اَلْمُعْجِزِ. وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحاقَ. وعِيسى. والحَسَنُ في رِوايَةٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ أنَّ وخُرِّجَ عَلى إضْمارِ اَلْقَوْلِ أيْ قائِلًا إنَّ هَؤُلاءِ إلَخْ

الدخان 44:23

﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ اَلْقِبْطِ ﴿لَيْلا﴾ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ، والكَلامُ بِإضْمارِ اَلْقَوْلِ إمّا بَعْدَ اَلْفاءِ أيْ فَقالَ أسْرِ إلَخْ فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ والتَّرْتِيبِ والقَوْلُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أوْ قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ قالَ: أوْ فَقالَ إنْ كانَ اَلْأمْرُ كَما تَقُولُ: فَأسْرِ إلَخْ، فالفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وهو وجَوابُهُ مَقُولُ اَلْقَوْلِ اَلْمُقَدَّرِ مَعَ اَلْفاءِ أوْ بِدُونِها عَلى أنَّهُ اِسْتِئْنافٌ والإضْمارُ اَلْأوَّلُ أوْلى لِقِلَّةِ اَلتَّقْدِيرِ مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ أنْ لا يُناسِبُ إذْ لا شَكَّ فِيهِ تَحْقِيقًا ولا تَنْزِيلًا وجَعْلُها بِمَعْنى إذا تَكَلُّفٌ عَلى تَكَلُّفٍ وأبُو حَيّانَ لا يُجِيزُ حَذْفَ اَلشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ في مِثْلِ هَذا اَلْمَوْضِعِ وقَدْ شَنَّعَ عَلى اَلزَّمَخْشَرِيِّ في تَجْوِيزِهِ، وقَرَأ نافِعٌ. وابْنُ كَثِيرٍ (فاسْرِ) بِوَصْلِ اَلْهَمْزَةِ مِن سَرى. ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ إذا عَلِمُوا بِخُرُوجِكم فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ اَلْأمْرِ بِالسَّرى لَيْلًا لِيَتَأخَّرَ اَلْعِلْمُ بِهِ فَلا يُدْرِكُونَ والتَّأْكِيدُ لِتَقَدُّمِ ما يَلُوحُ بِالخَبَرِ

الدخان 44:24

﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ ساكِنًا كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ يُقالُ رَها اَلْبَحْرُ يَرْهُو رَهْوًا سَكَنَ ويُقالُ: جاءَتِ اَلْخَيْلُ رَهْوًا أيْ ساكِنَةً، قالَ اَلشّاعِرُ: والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ اَلشُّؤْبُوبِ ذِي اَلْبَرَدِ ويُقالُ اِفْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَةٍ وأنْشَدَ غَيْرُ واحِدٍ لِلْقُطامِيِّ في نَعْتِ اَلرِّكابِ: يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا اَلْأعْجازُ خاذِلَةً ∗∗∗ ولا اَلصُّدُورُ عَلى اَلْأعْجازِ تَتَّكِلُ والظّاهِرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ في اَلْأصْلِ يُؤَوَّلُ بِاسْمِ اَلْفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اَلسّاكِنِ حَقِيقَةً وعَنْ مُجاهِدٍ رَهْوًا أيْ مُنْفَرِجًا مَفْتُوحًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ رَها اَلرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وعَنْ بَعْضِ اَلْعَرَبِ أنَّهُ رَأى جَمَلًا فالِجًا أيْ ذا سَنامَيْنِ فَقالَ: سُبْحانَ اَللَّهِ تَعالى رَهْوٌ بَيْنَ سَنامَيْنِ قالُوا: أرادَ فُرْجَةً واسِعَةً، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ ذا فُرْجَةٍ قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بَعْدَ أنْ جاوَزَ اَلْبَحْرَ هو ومَن مَعَهُ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ حَتّى يَلْتَئِمَ كَما ضَرَبَهُ أوَّلًا فانْفَلَقَ لِئَلّا يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ فَأُمِرَ بِأنْ يَتْرُكَهُ رَهْوًا أيْ مَفْتُوحًا مُنْفَرِجًا أوْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِهِ قارًّا عَلى حالِهِ مِنَ اِنْتِصابِ اَلْماءِ وكَوْنِ اَلطَّرِيقِ يَبَسًا ولا صفحة 123 يَضْرِبْهُ بِعَصاهُ ولا يُغَيِّرْ مِنهُ شَيْئًا لِيَدْخُلَهُ اَلْقِبْطُ فَإذا حَصَلُوا فِيهِ أطْبَقَهُ اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِهِ رَهْوًا، وقِيلَ: رَهْوًا سَهْلًا، وقِيلَ: يابِسًا، وقِيلَ: جُدُدًا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ والكُلُّ بَيانٌ لِحاصِلِ اَلْمَعْنى، وزَعَمَ اَلرّاغِبُ أنَّ اَلصَّحِيحَ أنَّ اَلرَّهْوَ اَلسَّعَةُ مِنَ اَلطَّرِيقِ ثُمَّ قالَ: ومِنهُ اَلرَّهاءُ اَلْمَفازَةُ اَلْمُسْتَوِيَةُ ويُقالُ لِكُلِّ جَوْبَةٍ مُسْتَوِيَةٍ يَجْتَمِعُ فِيها اَلْماءُ رَهْوٌ ومِنهُ قِيلَ: لا شُفْعَةَ في رَهْوٍ. والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِن جُمْلَةِ إطْلاقاتِهِ وأمّا أنَّهُ اَلصَّحِيحُ فَلا وقُرِئَ (أنَّهُمْ) بِالفَتْحِ أيْ لِأنَّهُمْ

الدخان 44:25

﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا بِمِصْرَ ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ حَسَنٍ شَرِيفٍ في بابِهِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ اَلْمَواضِعُ اَلْحِسانُ مِنَ اَلْمَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اَلْمَنابِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقِيلَ: اَلسُّرُرُ في اَلْحِجالِ والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ اِبْنُ هُرْمُزٍ. وقَتادَةُ. وابْنُ اَلسَّمَيْقَعِ. ونافِعٌ في رِوايَةِ خارِجَةَ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ

الدخان 44:26

﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا بِمِصْرَ ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ حَسَنٍ شَرِيفٍ في بابِهِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ اَلْمَواضِعُ اَلْحِسانُ مِنَ اَلْمَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اَلْمَنابِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقِيلَ: اَلسُّرُرُ في اَلْحِجالِ والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ اِبْنُ هُرْمُزٍ. وقَتادَةُ. وابْنُ اَلسَّمَيْقَعِ. ونافِعٌ في رِوايَةِ خارِجَةَ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ

الدخان 44:27

﴿ونَعْمَةٍ﴾ أيْ تَنَعُّمٍ، قالَ اَلرّاغِبُ: اَلنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ اَلتَّنَعُّمُ وبِناؤُها بِناءُ اَلْمَرَّةِ مِنَ اَلْفِعْلِ كالضَّرْبَةِ والشَّتْمَةِ والنِّعْمَةُ بِالكَسْرِ اَلْحالَةُ اَلْحَسَنَةُ وبِناؤُها بِناءُ اَلَّتِي يَكُونُ عَلَيْها اَلْإنْسانُ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ وتُقالُ لِلْجِنْسِ اَلصّادِقِ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ واخْتِيرَ هَهُنا تَفْسِيرُ اَلنَّعْمَةِ بِالشَّيْءِ اَلْمُنْعَمِ بِهِ لِأنَّهُ أنْسَبُ لِلتَّرْكِ وهي كَثِيرًا ما تَكُونُ بِهَذا اَلْمَعْنى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ (ونَعْمَةً) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿كَمْ﴾، وقِيلَ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحَلٍّ ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: كَمْ تَرَكُوا جَنّاتٍ وعُيُونًا وزُرُوعًا ومَقامًا كَرِيمًا ونَعْمَةً ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ طَيِّبِي اَلْأنْفُسِ وأصْحابَ فاكِهَةٍ فَفاكِهُ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وقالَ اَلْقُشَيْرِيُّ: لاهِينَ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ. وأبُو رَجاءٍ (فَكِهِينَ) بِغَيْرِ ألِفٍ والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في اَلْمُسْتَخِفِّ اَلْمُسْتَهْزِئِ فالمَعْنى مُسْتَخِفِّينَ بِشُكْرِ اَلنِّعْمَةِ اَلَّتِي كانُوا فِيها. وقالَ اَلْجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ اَلرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا والفَكِهُ أيْضًا اَلْأشِرُ

الدخان 44:28

﴿كَذَلِكَ﴾ قالَ اَلزَّجّاجُ: اَلْمَعْنى اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، والمُرادُ اَلتَّأْكِيدُ والتَّقْرِيرُ فَيُوقَفُ عَلى ذَلِكَ فالكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوِ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ نَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ لِمَن نُرِيدُ إهْلاكَهُ، وقَوْلُ اَلْكَلْبِيِّ: أيْ كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي ظاهِرٌ فِيما ذُكِرَ، وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى مِثْلَ ذَلِكَ اَلْإخْراجِ أيِ اَلْمَفْهُومُ مِمّا تَقَدَّمَ أخْرَجْناهم مِنها ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى تَرَكُوا والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ فِيما عَدا اَلْقَوْلَ اَلْأخِيرَ وعَلى أخْرَجْناهم فِيهِ، وقِيلَ: اَلْكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى تَرَكُوا تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ فالعَطْفُ عَلى ﴿تَرَكُوا﴾ بِدُونِ اِعْتِراضٍ وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالقَوْمِ اَلْآخَرِينَ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُغايِرُونَ لِلْقِبْطِ جِنْسًا ودِينًا. ويُفَسِّرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ اَلشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وهو ظاهِرٌ في أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَكُوها وبِهِ قالَ اَلْحَسَنُ. وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهِمْ غَيْرُ بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ اَلْقِبْطِ وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ قالَ: لَمْ يَرِدْ في مَشْهُورِ اَلتَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ ولا أنَّهم مَلَكُوها قَطُّ وأوَّلَ ما في سُورَةِ اَلشُّعَراءِ بِأنَّهُ مِن بابِ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ وقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ فَلَيْسَ اَلْمُرادُ خُصُوصَ ما تَرَكُوهُ صفحة 124 بَلْ نَوْعُهُ وما يُشْبِهُهُ، والإيراثُ اَلْإعْطاءُ. وقِيلَ: اَلْمُرادُ مِن إيراثِها إيّاهم تَمْكِينُهم مِنَ اَلتَّصَرُّفِ فِيها ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى رُجُوعِهِمْ إلى مِصْرَ كَما كانُوا فِيها أوَّلًا، وأخَذَ جَمْعٌ بِقَوْلِ اَلْحَسَنِ وقالُوا لا اِعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ وكَذا اَلْكُتُبِ اَلَّتِي بِيَدِ اَلْيَهُودِ اَلْيَوْمَ لِما أنَّ اَلْكَذِبَ فِيها كَثِيرٌ وحَسْبُنا كِتابُ اَللَّهِ تَعالى وهو سُبْحانَهُ أصْدَقُ اَلْقائِلِينَ وكِتابُهُ جَلَّ وعَلا مَأْمُونٌ مِن تَحْرِيفِ اَلْمُحَرِّفِينَ

الدخان 44:29

﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ اَلِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ والِاعْتِدادِ بِوُجُودِهِمْ، وهو اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حالَ مَوْتِهِمْ لِشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ بِحالِ مَن تَبْكِي عَلَيْهِ اَلسَّماءُ والأجْرامُ اَلْعِظامُ وأثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ والنَّفْيُ تابِعٌ لِلْإثْباتِ في اَلتَّجَوُّزِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: هي اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ اَلسَّماءَ والأرْضَ بِالإنْسانِ وأسْنَدَ إلَيْهِما اَلْبُكاءَ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ حالَهُما في عَدَمِ تَغَيُّرِ حالِهِما وبَقائِهِما عَلى ما كانا عَلَيْهِ بِحالِ مَن لَمْ يَبْكِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُمْ، وقَدْ كَثُرَ في اَلتَّعْظِيمِ لِمَهْلِكِ اَلشَّخْصِ بَكَتْ عَلَيْهِ اَلسَّماءُ والأرْضُ وبَكَتْهُ اَلرِّيحُ ونَحْوُ ذَلِكَ، قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّغٍ: اَلرِّيحُ يَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهْ وقالَ اَلنّابِغَةُ: بَكى حارِثُ اَلْجُولانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحُورانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ أرادَ بِهِما مَكانَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، وقالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ اَلزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ اَلْمَدِينَةِ والجِبالُ اَلْخُشَّعُ وقالَ اَلْفَرَزْدَقُ يَرْثِي أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ: اَلشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اَللَّيْلِ والقَمَرا يَتَعَجَّبُ مِن طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وكانَ مِن حَقِّها أنْ لا تَطْلُعَ أوْ تَطْلُعَ كاسِفَةً، والنُّجُومُ تُرْوى مَنصُوبَةً ومَرْفُوعَةً فالنَّصْبُ عَلى اَلْمُغالَبَةِ أيْ تَغْلِبُ اَلشَّمْسُ اَلنُّجُومَ في اَلْبُكاءِ نَحْوَ باكَيْتُهُ فَبَكَيْتُهُ، قالَ جارُ اَللَّهِ: كانَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ فَتَبْكِيهِ اَلنُّجُومُ ويَعْدِلُ بِالنَّهارِ فَتَبْكِيهِ اَلشَّمْسُ والشَّمْسُ غالِبَةٌ في اَلْبُكاءِ لِأنَّ اَلْعَدْلَ أفْضَلُ مِن صَلاةِ اَللَّيْلِ، والجَوْهَرِيُّ جَعَلَها مَنصُوبَةً بِكاسِفَةٍ أيْ لا تَكْسِفُ ضَوْءَ اَلنُّجُومِ لِكَثْرَةِ بُكائِها وكَأنَّهُ جَعَلَ خَفاءَ اَلنُّجُومِ تَحْتَ ضَوْءِ اَلشَّمْسِ كَسْفًا لَها مَجازًا، وفِيهِ أنَّ اَلْكَسْفَ بِالمَعْنى اَلْمَذْكُورِ غَيْرُ واضِحٍ وتَخَلُّلُ تَبْكِي غَيْرُ مُسْتَفْصَحٍ وفي حَواشِي اَلصِّحاحِ اَلشَّمْسُ كاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطالِعَةٍ. وفِيها أنَّ نُجُومَ اَللَّيْلِ ظَرْفٌ أيْ طُولَ اَلدَّهْرِ كَأنَّهُ مِن بابِ آتِيكَ اَلشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ وقْتَهُما كَأنَّهُ قِيلَ: تَبْكِي ما يَطْلُعُ اَلنُّجُومُ والقَمَرُ، وفِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا اَلظَّرْفِ مَسْمُوعٌ لا يَثْبُتُ إلّا بِثَبْتٍ فَكَيْفَ يُعْدَلُ إلَيْهِ مَعَ اَلْمَعْنى اَلْواضِحِ، وقِيلَ: اَلتَّقْدِيرُ تَبْكِي بُكاءَ اَلنُّجُومِ فَحُذِفَ اَلْمُضافُ، وفِيهِ أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يُفْهَمُ، والرَّفْعُ واضِحٌ والقَمَرُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ وهَذا اِسْتِطْرادٌ دَعانا إلَيْهِ شُهْرَةُ اَلْبَيْتِ مَعَ كَثْرَةِ اَلْخَبْطِ فِيهِ. وأخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ. وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في اَلسَّماءِ بابانِ بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ فالمُؤْمِنُ إذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ وتَلا هَذِهِ اَلْآيَةَ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى وجْهِ اَلْأرْضِ عَمَلًا صالِحًا فَتَفْقِدُهم فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى اَلسَّماءِ مِن كَلامِهِمْ ولا مِن عَمَلِهِمْ كَلامٌ طَيِّبٌ ولا عَمَلٌ صالِحٌ فَتَفْقِدُهم فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ». صفحة 125 وأخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: (إنَّ اَلْأرْضَ لَتَبْكِي عَلى اَلْمُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا ثُمَّ قَرَأ اَلْآيَةَ) وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اَلْمُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ اَلْأرْضِ ومَصْعِدَ عَمَلِهِ مِنَ اَلسَّماءِ ثُمَّ تَلا ﴿فَما بَكَتْ﴾ إلَخْ وجَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ اَلتَّمْثِيلِ. ومَن أثْبَتَ كالصُّوفِيَّةِ لِلْأجْرامِ اَلسَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وسائِرِ اَلْجَماداتِ شُعُورًا لائِقًا بِحالِها لَمْ يَحْتَجْ إلى اِعْتِبارِ اَلتَّمْثِيلِ وأثْبَتَ بُكاءً حَقِيقِيًّا لَها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ذاتُها ويَلِيقُ بِها أوْ أوَّلَهُ بِالحُزْنِ أوْ نَحْوِهِ وأثْبَتَهُ لَها حَسْبَ ذَلِكَ أيْضًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ بُكاءُ اَلسَّماءِ حُمْرَةُ أطْرافِها. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي اَلدُّنْيا عَنِ اَلْحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ اَلثَّوْرِيِّ قالَ: كانَ يُقالُ هَذِهِ اَلْحُمْرَةُ اَلَّتِي تَكُونُ في اَلسَّماءِ بُكاءُ اَلسَّماءِ عَلى اَلْمُؤْمِنِ ولَعَمْرِي يَنْبَغِي لِمَن لَمْ يَضْحَكْ مِن ذَلِكَ أنْ يَبْكِيَ عَلى عَقْلِهِ، وأنا لا أعْتَقِدُ أنَّ مَن ذُكِرَ مِنَ اَلْأجِلَةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وقِيلَ: إنَّ اَلْآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمْ سُكّانُ اَلسَّماءِ وهُمُ اَلْمَلائِكَةُ وسُكّانُ اَلْأرْضِ وهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. ورُوِيَ هَذا عَنِ اَلْحَسَنِ والأحْسَنُ ما تَقَدَّمَ ﴿وما كانُوا﴾ لَمّا جاءَ وقْتُ هَلاكِهِمْ ﴿مُنْظَرِينَ﴾ مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ أوْ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ بَلْ عُجِّلَ لَهم في اَلدُّنْيا

الدخان 44:30

﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِما فَعَلْنا بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما فَعَلْنا ﴿مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ مِنَ اِسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ وقَتْلِهِ أبْناءَهم واسْتِحْيائِهِ نِساءَهم عَلى اَلْخَسْفِ والضَّيْمِ ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى حَذْفِ اَلْمُضافِ والتَّقْدِيرُ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ أوْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ اَللَّعْنَةُ عَيْنَ اَلْعَذابِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَقَعُ حالًا أيْ كائِنًا مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ واقِعٍ صِفَةً أيْ كائِنًا أوِ اَلْكائِنَ مِن فِرْعَوْنَ ولا بَأْسَ بِهَذا إذا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مِن حَذْفِ اَلْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (مِن عَذابِ اَلْمُهِينِ) عَلى إضافَةِ اَلْمَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ كَبَقْلَةِ اَلْحَمْقاءِ. وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ مَن (فِرْعَوْنُ) عَلى اَلِاسْتِفْهامِ لِتَهْوِيلِ اَلْعَذابِ أيْ هَلْ تَعْرِفُونَ مَن فِرْعَوْنُ في عُتُوِّهِ وشَيْطَنَتِهِ فَما ظَنُّكم بِعَذابِهِ، وقِيلَ: لِتَحْقِيرِ فِرْعَوْنَ بِجَعْلِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ كالنَّكِرَةِ لِما فِيهِ في اَلْقَبائِحِ اَلَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها وما بَعْدُ يُناسِبُ ما قَبْلُ كَما لا يَخْفى. وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ اِسْتِئْنافٌ، وقِيلَ: إنَّها مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِلْعَذابِ، وقُدِّرَ اَلْمَقُولُ عِنْدَهُ إنْ كانَ تَعْرِيفُ اَلْعَذابِ لِلْعَهْدِ ومَقُولٌ إنْ كانَ لِلْجِنْسِ فَلا تَغْفُلْ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ مُتَكَبِّرًا ﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في اَلشَّرِّ والفَسادِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لَكانَ أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا مُغْرِقًا في اَلْإسْرافِ، وإمّا حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في عالِيًا أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا في حالِ إغْراقِهِ في اَلْإسْرافِ

الدخان 44:31

﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِما فَعَلْنا بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما فَعَلْنا ﴿مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ مِنَ اِسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ وقَتْلِهِ أبْناءَهم واسْتِحْيائِهِ نِساءَهم عَلى اَلْخَسْفِ والضَّيْمِ ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى حَذْفِ اَلْمُضافِ والتَّقْدِيرُ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ أوْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ اَللَّعْنَةُ عَيْنَ اَلْعَذابِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَقَعُ حالًا أيْ كائِنًا مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ واقِعٍ صِفَةً أيْ كائِنًا أوِ اَلْكائِنَ مِن فِرْعَوْنَ ولا بَأْسَ بِهَذا إذا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مِن حَذْفِ اَلْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (مِن عَذابِ اَلْمُهِينِ) عَلى إضافَةِ اَلْمَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ كَبَقْلَةِ اَلْحَمْقاءِ. وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ مَن (فِرْعَوْنُ) عَلى اَلِاسْتِفْهامِ لِتَهْوِيلِ اَلْعَذابِ أيْ هَلْ تَعْرِفُونَ مَن فِرْعَوْنُ في عُتُوِّهِ وشَيْطَنَتِهِ فَما ظَنُّكم بِعَذابِهِ، وقِيلَ: لِتَحْقِيرِ فِرْعَوْنَ بِجَعْلِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ كالنَّكِرَةِ لِما فِيهِ في اَلْقَبائِحِ اَلَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها وما بَعْدُ يُناسِبُ ما قَبْلُ كَما لا يَخْفى. وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ اِسْتِئْنافٌ، وقِيلَ: إنَّها مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِلْعَذابِ، وقُدِّرَ اَلْمَقُولُ عِنْدَهُ إنْ كانَ تَعْرِيفُ اَلْعَذابِ لِلْعَهْدِ ومَقُولٌ إنْ كانَ لِلْجِنْسِ فَلا تَغْفُلْ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ مُتَكَبِّرًا ﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في اَلشَّرِّ والفَسادِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لَكانَ أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا مُغْرِقًا في اَلْإسْرافِ، وإمّا حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في عالِيًا أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا في حالِ إغْراقِهِ في اَلْإسْرافِ

الدخان 44:32

﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ أيِ اِصْطَفَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ وشَرَّفْناهم ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ عالِمِينَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ أوْ مَعَ عِلْمٍ مِنّا بِما يَفْرُطُ مِنهم في بَعْضِ اَلْأحْوالِ، وقِيلَ: عالِمِينَ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ اَلْعَدْلِ والإحْسانِ والعِلْمِ والإيمانِ، ويَرْجِعُ هَذا إلى ما قِيلَ أوَّلًا فَإنَّ اَلْعَدْلَ وما مَعَهُ مِن أسْبابِ اَلِاسْتِحْقاقِ، وقِيلَ: لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكٌ لِأنَّ تَنْكِيرَ اَلْعِلْمِ لا يُصادَقُ مِحَزُّهُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ ويَحْسُنُ اِعْتِبارُهُ عِلَّةً لِلِاخْتِيارِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ كَما قالَ مُجاهِدٌ. وقَتادَةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أوِ اَلِاسْتِغْراقِ اَلْعُرْفِيِّ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهم عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّذِينَ هم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ صفحة 126 عَلى اَلْإطْلاقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ اَلْحَقِيقِيِّ والتَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ فِيهِمْ لا مِن كُلِّ اَلْوُجُوهِ حَتّى يَلْزَمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ اَلْأُمَّةِ اَلْمُحَمَّدِيَّةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اِخْتَرْناهم لِلْإيحاءِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي وقَعَ وخَصَصْناهم بِهِ دُونَ اَلْعالَمِينَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في اَلْآيَةِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ لِأنَّ اَلْأوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا والثّانِيَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمًا عَلى ظَهْرِ اَلْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةٌ لَمْ تُحَلَّلِ وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ حَرْفٍ بِمَعْنًى

الدخان 44:33

﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ كَفَلْقِ اَلْبَحْرِ وتَظْلِيلِ اَلْغَمامِ وإنْزالِ اَلْمَنِّ والسَّلْوى وغَيْرِها مِن عَظائِمِ اَلْآياتِ اَلَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها في غَيْرِهِمْ، وبَعْضُها وإنْ أُوتِيَها مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم أُوتُوهُ لِأنَّ ما لِلنَّبِيِّ لِأُمَّتِهِ ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيْ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ أوِ اِخْتِبارٌ ظاهِرٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ، وفي (فِيهِ) إشارَةٌ إلى أنَّ هُناكَ أُمُورًا أُخْرى كَكَوْنِهِ مُعْجِزَةً

الدخان 44:34

﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِأنَّ اَلْكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اِسْتِطْرادِيٌّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مِثْلُهم في اَلْإصْرارِ عَلى اَلضَّلالَةِ والإنْذارِ عَنْ مَثَلِ ما حَلَّ بِهِمْ، وفي اِسْمِ اَلْإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ أيْ ما اَلْعاقِبَةُ ونِهايَةُ اَلْأمْرِ إلّا اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى اَلْمُزِيلَةُ لِلْحَياةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَها، وتَوْصِيفُها بِالأُولى لَيْسَ لِقَصْدِ مُقابَلَةِ اَلثّانِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: حَجَّ زَيْدٌ اَلْحُجَّةَ اَلْأُولى، وماتَ. قالَ اَلْإسْنَوِيُّ في اَلتَّمْهِيدِ: اَلْأوَّلُ في اَللُّغَةِ اِبْتِداءُ اَلشَّيْءِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ وقَدْ لا يَكُونُ، كَما تَقُولُ: هَذا أوَّلُ ما اِكْتَسَبْتُهُ فَقَدْ تَكْتَسِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا وقَدْ لا تَكْتَسِبُ كَذا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ اَلْواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ والزَّجّاجُ. ومِن فُرُوعِ اَلْمَسْألَةِ ما لَوْ قالَ: إنْ كانَ أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأنْتِ طالِقٌ تُطَلَّقُ إذا ولَدَتْهُ، وإنْ لَمْ تَلِدْ غَيْرَهُ بِالِاتِّفاقِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اِتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ أوَّلًا أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ آخَرُ، وإنَّما اَلشَّرْطُ أنْ لا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ اَلْأوَّلَ يُضايِفُ اَلْآخَرَ والثّانِي ويَقْتَضِي وُجُودَهُ بِلا شُبْهَةٍ، والمِثالُ إنْ صَحَّ فَإنَّما هو فِيمَن نَوى تَعَدُّدَ اَلْحَجِّ فاخْتَرَمَتْهُ اَلْمَنِيَّةُ فَلِحَجِّهِ ثانٍ بِاعْتِبارِ اَلْعَزْمِ مِن قُصُورِ اَلِاطِّلاعِ وأنَّهُ لا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّها أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَها مِن حَياةِ اَلْآخِرَةِ بَلْ هو في حَدِّ ذاتِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ مِن أنَّ اَلْأُولى إنَّما يُقابِلُها أُخْرى تُشارِكُها في أخَصِّ مَعانِيها، فَكَما لا يَصِحُّ أوْ لا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: جاءَنِي رَجُلٌ واِمْرَأةٌ أُخْرى لا يُقالُ اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى بِالنِّسْبَةِ لِحَياةِ اَلْآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهم إنَّكم تَمُوتُونَ مَوْتَةً تَتَعَقَّبُها حَياةٌ كَما تَقَدَّمَتْكم مَوْتَةٌ قَدْ تَعَقَّبَتْها حَياةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فَقالُوا ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ يُرِيدُونَ ما اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَتَعَقَّبَها حَياةٌ، إلّا اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى دُونَ اَلثّانِيَةِ وما هَذِهِ اَلصِّفَةُ اَلَّتِي تَصِفُونَ بِها اَلْمَوْتَةَ مِن تَعَقُّبِ اَلْحَياةِ لَها إلّا لِلْمَوْتَةِ اَلْأُولى خاصَّةً، وهَذا ما اِرْتَضاهُ جارُ اَللَّهِ وأرادَ أنَّ اَلنَّفْيَ والإثْباتَ لَمّا كانَ لِرَدِّ اَلْمُنْكِرِ اَلْمُصِرِّ إلى اَلصَّوابِ كانَ مُنَزَّلًا عَلى إنْكارِهِمْ، لا سِيَّما والتَّعْرِيفُ في اَلْأُولى تَعْرِيفُ عَهْدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المَوْتَةَ الأُولى﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ وهي عَلى نَحْوِ هي اَلْعَرَبُ تَقُولُ كَذا فَيَتَطابَقانِ والمَعْهُودُ اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي تَعَقَّبَتْها اَلْحَياةُ اَلدُّنْيَوِيَّةُ، ولِذَلِكَ اِسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلَخْ فَلَيْسَ اِعْتِبارُ اَلْوَصْفِ عُدُولًا عَنِ اَلظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ كَما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ. وقَوْلُهُ في اَلِاعْتِراضِ أيْضًا: إنَّ اَلْمَوْتَ اَلسّابِقَ عَلى اَلْحَياةِ صفحة 127 اَلدُّنْيَوِيَّةِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَوْتَةِ لِأنَّ (فِيها) لِمَكانِ بِناءِ اَلْمَرَّةِ إشْعارًا بِالتَّجَدُّدِ والمَوْتُ اَلسّابِقُ مُسْتَصْحِبٌ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ حَياةٌ مَدْفُوعٌ كَما قالَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَفْسِيرِ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى بِما بَعْدَ اَلْحَياةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ تَفْسِيرُها بِذَلِكَ هُنا لِأنَّ إيقاعَ اَلذَّوْقِ عَلَيْها هُناكَ قَرِينَةٌ أنَّها اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا لِأنَّ ما قَبْلَ اَلْحَياةِ غَيْرُ مَذُوقٍ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ اَلْإنْصافُ أنَّ حَمْلَ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى هُنا أيْضًا عَلى اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أظْهَرُ مِن حَمْلِها عَلى ما قَبْلَ اَلْحَياةِ مِنَ اَلْعَدَمِ بَلْ هي اَلْمُتَبادِرَةُ إلى اَلْفَهْمِ عِنْدَ اَلْإطْلاقِ اَلْمَعْرُوفَةُ بَيْنَهُمْ، وأمْرُ اَلْوَصْفِ بِالأُولى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا. وقِيلَ: إنَّهم وُعِدُوا بَعْدَ هَذِهِ اَلْمَوْتَةِ مَوْتَةَ اَلْقَبْرِ وحَياةَ اَلْبَعْثِ فَقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ رَدٌّ لِلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ نَفْيٌ لِحَياةِ اَلْقَبْرِ ضِمْنًا إذْ لَوْ كانَتْ بِدُونِ اَلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ لَثَبَتَ اَلنَّشْرُ ضَرُورَةً

الدخان 44:35

﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِأنَّ اَلْكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اِسْتِطْرادِيٌّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مِثْلُهم في اَلْإصْرارِ عَلى اَلضَّلالَةِ والإنْذارِ عَنْ مَثَلِ ما حَلَّ بِهِمْ، وفي اِسْمِ اَلْإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ أيْ ما اَلْعاقِبَةُ ونِهايَةُ اَلْأمْرِ إلّا اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى اَلْمُزِيلَةُ لِلْحَياةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَها، وتَوْصِيفُها بِالأُولى لَيْسَ لِقَصْدِ مُقابَلَةِ اَلثّانِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: حَجَّ زَيْدٌ اَلْحُجَّةَ اَلْأُولى، وماتَ. قالَ اَلْإسْنَوِيُّ في اَلتَّمْهِيدِ: اَلْأوَّلُ في اَللُّغَةِ اِبْتِداءُ اَلشَّيْءِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ وقَدْ لا يَكُونُ، كَما تَقُولُ: هَذا أوَّلُ ما اِكْتَسَبْتُهُ فَقَدْ تَكْتَسِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا وقَدْ لا تَكْتَسِبُ كَذا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ اَلْواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ والزَّجّاجُ. ومِن فُرُوعِ اَلْمَسْألَةِ ما لَوْ قالَ: إنْ كانَ أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأنْتِ طالِقٌ تُطَلَّقُ إذا ولَدَتْهُ، وإنْ لَمْ تَلِدْ غَيْرَهُ بِالِاتِّفاقِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اِتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ أوَّلًا أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ آخَرُ، وإنَّما اَلشَّرْطُ أنْ لا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ اَلْأوَّلَ يُضايِفُ اَلْآخَرَ والثّانِي ويَقْتَضِي وُجُودَهُ بِلا شُبْهَةٍ، والمِثالُ إنْ صَحَّ فَإنَّما هو فِيمَن نَوى تَعَدُّدَ اَلْحَجِّ فاخْتَرَمَتْهُ اَلْمَنِيَّةُ فَلِحَجِّهِ ثانٍ بِاعْتِبارِ اَلْعَزْمِ مِن قُصُورِ اَلِاطِّلاعِ وأنَّهُ لا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّها أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَها مِن حَياةِ اَلْآخِرَةِ بَلْ هو في حَدِّ ذاتِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ مِن أنَّ اَلْأُولى إنَّما يُقابِلُها أُخْرى تُشارِكُها في أخَصِّ مَعانِيها، فَكَما لا يَصِحُّ أوْ لا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: جاءَنِي رَجُلٌ واِمْرَأةٌ أُخْرى لا يُقالُ اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى بِالنِّسْبَةِ لِحَياةِ اَلْآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهم إنَّكم تَمُوتُونَ مَوْتَةً تَتَعَقَّبُها حَياةٌ كَما تَقَدَّمَتْكم مَوْتَةٌ قَدْ تَعَقَّبَتْها حَياةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فَقالُوا ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ يُرِيدُونَ ما اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَتَعَقَّبَها حَياةٌ، إلّا اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى دُونَ اَلثّانِيَةِ وما هَذِهِ اَلصِّفَةُ اَلَّتِي تَصِفُونَ بِها اَلْمَوْتَةَ مِن تَعَقُّبِ اَلْحَياةِ لَها إلّا لِلْمَوْتَةِ اَلْأُولى خاصَّةً، وهَذا ما اِرْتَضاهُ جارُ اَللَّهِ وأرادَ أنَّ اَلنَّفْيَ والإثْباتَ لَمّا كانَ لِرَدِّ اَلْمُنْكِرِ اَلْمُصِرِّ إلى اَلصَّوابِ كانَ مُنَزَّلًا عَلى إنْكارِهِمْ، لا سِيَّما والتَّعْرِيفُ في اَلْأُولى تَعْرِيفُ عَهْدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المَوْتَةَ الأُولى﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ وهي عَلى نَحْوِ هي اَلْعَرَبُ تَقُولُ كَذا فَيَتَطابَقانِ والمَعْهُودُ اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي تَعَقَّبَتْها اَلْحَياةُ اَلدُّنْيَوِيَّةُ، ولِذَلِكَ اِسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلَخْ فَلَيْسَ اِعْتِبارُ اَلْوَصْفِ عُدُولًا عَنِ اَلظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ كَما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ. وقَوْلُهُ في اَلِاعْتِراضِ أيْضًا: إنَّ اَلْمَوْتَ اَلسّابِقَ عَلى اَلْحَياةِ صفحة 127 اَلدُّنْيَوِيَّةِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَوْتَةِ لِأنَّ (فِيها) لِمَكانِ بِناءِ اَلْمَرَّةِ إشْعارًا بِالتَّجَدُّدِ والمَوْتُ اَلسّابِقُ مُسْتَصْحِبٌ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ حَياةٌ مَدْفُوعٌ كَما قالَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَفْسِيرِ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى بِما بَعْدَ اَلْحَياةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ تَفْسِيرُها بِذَلِكَ هُنا لِأنَّ إيقاعَ اَلذَّوْقِ عَلَيْها هُناكَ قَرِينَةٌ أنَّها اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا لِأنَّ ما قَبْلَ اَلْحَياةِ غَيْرُ مَذُوقٍ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ اَلْإنْصافُ أنَّ حَمْلَ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى هُنا أيْضًا عَلى اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أظْهَرُ مِن حَمْلِها عَلى ما قَبْلَ اَلْحَياةِ مِنَ اَلْعَدَمِ بَلْ هي اَلْمُتَبادِرَةُ إلى اَلْفَهْمِ عِنْدَ اَلْإطْلاقِ اَلْمَعْرُوفَةُ بَيْنَهُمْ، وأمْرُ اَلْوَصْفِ بِالأُولى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا. وقِيلَ: إنَّهم وُعِدُوا بَعْدَ هَذِهِ اَلْمَوْتَةِ مَوْتَةَ اَلْقَبْرِ وحَياةَ اَلْبَعْثِ فَقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ رَدٌّ لِلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ نَفْيٌ لِحَياةِ اَلْقَبْرِ ضِمْنًا إذْ لَوْ كانَتْ بِدُونِ اَلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ لَثَبَتَ اَلنَّشْرُ ضَرُورَةً

الدخان 44:36

﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ خِطابٌ لِمَن وعَدَهم بِالنُّشُورِ مِنَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أيْ فَأتَوْا لَنا بِمَن ماتَ مِن آبائِنا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في وعْدِكم لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى صِدْقِكم ودَلالَةُ اَلْإيقانِ إمّا لِمُجَرَّدِ اَلْإحْياءِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ وإمّا بِأنْ يَسْألُوا عَنْهُ، قِيلَ: طَلَبُوا مِنَ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْعُوَ اَللَّهَ تَعالى فَيُحْيِيَ لَهم قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ لِيُشاوِرُوهُ في صِحَّةِ اَلنُّبُوَّةِ والبَعْثِ إذْ كانَ كَبِيرَهم ومُسْتَشارَهم في اَلنَّوازِلِ

الدخان 44:37

﴿أهم خَيْرٌ﴾ في اَلْقُوَّةِ والمَنَعَةِ ﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تُبَّعُ اَلْأكْبَرُ اَلْحِمْيَرِيُّ واسْمُهُ أسْعَدُ بِهَمْزَةٍ، وفي بَعْضِ اَلْكُتُبِ سَعْدٌ بِدُونِها وكُنْيَتُهُ أبُو كَرْبٍ وكانَ رَجُلًا صالِحًا. أخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ تُبَّعُ رَجُلًا صالِحًا ألا تَرى أنَّ اَللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لا يَشْتَبِهَنَّ عَلَيْكم أمْرُ تُبَّعٍ فَإنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، وأخْرَجَ أحْمَدُ. والطَّبَرانِيُّ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ اَلسّاعِدِيِّ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ كَعْبًا عَنْ تُبَّعٍ فَإنِّي أسْمَعُ اَللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ في اَلْقُرْآنِ قَوْمَ تُبَّعٍ ولا يَذْكُرُ تُبَّعًا فَقالَ: إنَّ تُبَّعًا كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ اَلْيَمَنِ مَلِكًا مَنصُورًا فَسارَ بِالجُيُوشِ حَتّى اِنْتَهى إلى سَمَرْقَنْدَ فَرَجَعَ فَأخَذَ طَرِيقَ اَلشّامِ فَأسَرَ بِها أحْبارًا فانْطَلَقَ بِهِمْ نَحْوَ اَلْيَمَنِ حَتّى إذا دَنا مِن مُلْكِهِ طارَ في اَلنّاسِ أنَّهُ هادِمُ اَلْكَعْبَةِ فَقالَ لَهُ: اَلْأحْبارُ: ما هَذا اَلَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ فَإنَّ هَذا اَلْبَيْتَ لِلَّهِ تَعالى وإنَّكَ لَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ فَقالَ: إنَّ هَذا لِلَّهِ تَعالى وأنا أحَقُّ مَن حَرَّمَهُ فَأسْلَمُ مِن مَكانِهِ وأحْرَمَ فَدَخَلَها مُحْرِمًا فَقَضى نُسُكَهُ ثُمَّ اِنْصَرَفَ نَحْوَ اَلْيَمَنِ راجِعًا حَتّى قَدِمَ عَلى قَوْمِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أشْرافُهم فَقالُوا: يا تُبَّعُ أنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا خَرَجْتَ مِن عِنْدِنا عَلى دِينٍ وجِئْتَ عَلى غَيْرِهِ فاخْتَرْ مِنّا أحَدَ أمْرَيْنِ إمّا أنْ تُخَلِّيَنا ومُلْكَنا وتَعْبُدَ ما شِئْتَ وإمّا أنْ تَذَرَ دِينَكَ اَلَّذِي أحْدَثْتَ وبَيْنَهم يَوْمَئِذٍ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ اَلسَّماءِ فَقالَ اَلْأحْبارُ عِنْدَ ذَلِكَ: اِجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ اَلنّارَ فَتَواعَدَ اَلْقَوْمُ جَمِيعًا عَلى أنْ يَجْعَلُوها بَيْنَهم فَجِيءَ بِالأحْبارِ وكُتُبِهِمْ وجِيءَ بِالأصْنامِ وعُمّارِها وقُدِّمُوا جَمِيعًا إلى اَلنّارِ وقامَتِ اَلرِّجالُ خَلْفَهم بِالسُّيُوفِ فَهَدَرَتِ اَلنّارُ هَدِيرَ اَلرَّعْدِ ورَمَتْ شُعاعًا لَها فَنَكَصَ أصْحابُ اَلْأصْنامِ وأقْبَلَتِ اَلنّارُ وأحْرَقَتِ اَلْأصْنامَ وعُمّارَها وسَلِمَ اَلْآخَرُونَ فَأسْلَمَ قَوْمٌ واسْتَسْلَمَ قَوْمٌ فَلَبِثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَ تُبَّعٍ حَتّى إذا نَزَلَ بِتُبَّعٍ اَلْمَوْتُ اِسْتَخْلَفَ أخاهُ وهَلَكَ فَقَتَلُوا أخاهُ وكَفَرُوا صَفْقَةً واحِدَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ تُبَّعًا لَمّا أقْبَلَ مِنَ اَلشَّرْقِ بَعْدَ أنْ حَبَرَ اَلْحِيرَةَ أيْ بَناها ونَظَمَ أمْرَها. وهي بِكَسْرِ اَلْحاءِ اَلْمُهْمَلَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ اَلْكُوفَةِ. صفحة 128 وبَنى سَمَرْقَنْدَ وهي مَدِينَةٌ بِالعَجَمِ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ هَدَمَها وقَصَدَ اَلْمَدِينَةَ وكانَ قَدْ خَلَّفَ بِها حِينَ سافَرَ اِبْنًا لَهُ فَقُتِلَ غِيلَةً فَأجْمَعَ عَلى خَرابِها واسْتِئْصالِ أهْلِها فَجَمَعَ لَهُ اَلْأنْصارُ وخَرَجُوا لِقِتالِهِ وكانُوا يُقاتِلُونَهُ بِالنَّهارِ ويُقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَكِرامٌ فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ جاءَهُ كَعْبٌ. وأسَدٌ اِبْنا عَمٍّ مِن قُرَيْظَةَ حَبْرانِ وأخْبَراهُ أنَّهُ يُحالُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ فَإنَّها مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن قُرَيْشٍ اِسْمُهُ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ فَثَناهُ قَوْلُهُما عَمّا يُرِيدُ ثُمَّ دَعَواهُ إلى دِينِهِما فاتَّبَعَهُما وأكْرَمَهُما فانْصَرَفُوا عَنِ اَلْمَدِينَةِ ومَعَهم نَفَرٌ مِنَ اَلْيَهُودِ فَقالَ لَهُ في اَلطَّرِيقِ نَفَرٌ مِن هُذَيْلٍ: نَدُلُّكَ عَلى بَيْتٍ فِيهِ كَنْزٌ مِن لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ بِمَكَّةَ وأرادَتْ هُذَيْلٌ هَلاكَهُ لِأنَّهم عَرَفُوا أنَّهُ ما أرادَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ إلّا هَلَكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحِبْرَيْنِ فَقالا: ما نَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْتًا في اَلْأرْضِ اِتَّخَذَهُ لِنَفْسِهِ غَيْرَ هَذا فاِتَّخِذْهُ مَسْجِدًا وانْسُكْ عِنْدَهُ واحْلِقْ رَأْسَكَ وما أرادَ اَلْقَوْمُ إلّا هَلاكَكَ فَأكْرَمَهُ وكَساهُ وهو أوَّلُ مَن كَسى اَلْبَيْتَ وقَطَعَ أيْدِيَ أُولَئِكَ اَلنَّفَرِ مِن هُذَيْلٍ وأرْجُلَهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وصَلَبَهم. وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ لِلْحِبْرَيْنِ حِينَ قالا لَهُ ما قالا: وأنْتُما ما يَمْنَعُكُما مِن ذَلِكَ؟ فَقالا: أما واَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أبِينا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وإنَّهُ لَكَما أخْبَرْناكَ ولَكِنَّ أهْلَهُ حالُوا بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالأوْثانِ اَلَّتِي نَصَبُوها حَوْلَهُ وبِالدِّماءِ اَلَّتِي يُرِيقُونَها عِنْدَهُ وهم نَجَسٌ أهْلُ شِرْكٍ فَعَرَفَ صِدْقَهُما ونَصَحَهُما فَطافَ بِالبَيْتِ ونَحَرَ وحَلَقَ رَأسَهُ وأقامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أيّامٍ فِيما يَذْكُرُونَ يَنْحَرُ لِلنّاسِ ويُطْعِمُ أهْلَها ويَسْقِيهِمُ اَلْعَسَلَ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ تَخْرِيبَ اَلْبَيْتِ فَرُمِيَ بِداءٍ عَظِيمٍ فَكَفَّ عَنْهُ وكَساهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّ تُبَّعًا أُرِيَ في مَنامِهِ أنْ يَكْسُوَ اَلْبَيْتَ فَكَساهُ اَلْخَصْفَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْمَعافِرَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْوَصائِلَ وصائِلَ اَلْيَمَنِ فَكانَ فِيما ذُكِرَ لِي أوَّلَ مَن كَساهُ وأوْصى بِها وُلاتَهُ مِن جُرْهُمٍ وأمَرَ بِتَطْهِيرِهِ وجَعَلَ لَهُ بابًا ومِفْتاحًا. وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ أيْضًا: «ولا تُقَرِّبُوهُ دَمًا ولا مَيِّتًا ولا تَقْرَبُهُ حائِضٌ،» وفي نِهايَةِ اِبْنِ اَلْأثِيرِ في اَلْحَدِيثِ أنَّ تُبَّعًا كَسى اَلْبَيْتَ اَلْمُسُوحَ فانْتَفَضَ اَلْبَيْتُ مِنهُ ومَزَّقَهُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ كَساهُ اَلْخَصْفَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ثُمَّ كَساهُ اَلْأنْطاعَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها أنَّ أوَّلَ مَن كَسى اَلْكَعْبَةَ كُسْوَةً كامِلَةً تُبَّعٌ كَساها اَلْأنْطاعَ ثُمَّ كَساها اَلْوَصائِلَ والخَصْفَ فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ اَلْخَصْفِ وهو ضَمُّ اَلشَّيْءِ إلى اَلشَّيْءِ والمُرادُ شَيْءٌ مَنسُوجٌ مِنَ اَلْخُوصِ عَلى ما هو اَلظّاهِرُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ هَهُنا اَلثِّيابُ اَلْغِلاظُ جِدًّا تَشْبِيهًا بِالخَصْفِ اَلْمَذْكُورِ، والمُعافِرُ بُرُودٌ مِنَ اَلْيَمَنِ مَنسُوبَةٌ إلى مُعافِرَ قَبِيلَةٍ بِها، والمِيمُ زائِدَةٌ، والوَصائِلُ ثِيابٌ حُمْرٌ مُخَطَّطَةٌ يَمانِيَةٌ، والمُسُوحُ جَمْعُ مِسْحٍ بِكَسْرِ اَلْمِيمِ وسُكُونِ اَلْمُهْمَلَةِ أثْوابٌ مِن شَعَرٍ غَلِيظَةٌ، والأنْطاعُ جَمْعُ نِطَعٍ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ وبِالتَّحْرِيكِ بُسُطٌ مِن أدِيمٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ. وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ تُبَّعُ اَلْمَدِينَةَ ونَزَلَ بِفِنائِها بَعَثَ إلى أحْبارِ يَهُودَ فَقالَ: إنِّي مُخَرِّبٌ هَذا اَلْبَلَدَ حَتّى لا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ ويَرْجِعَ اَلْأمْرُ إلى دِينِ اَلْعَرَبِ فَقالَ لَهُ شامُولُ اَلْيَهُودِيُّ وهو يَوْمَئِذٍ أعْلَمُهُمْ: أيُّها اَلْمَلِكُ إنَّ هَذا بَلَدٌ يَكُونُ إلَيْهِ مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْماعِيلَ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وهَذِهِ دارُ هِجْرَتِهِ إلى أنْ قالَ: قالَ وما صِفَتُهُ؟ قالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالقَصِيرِ ولا بِالطَّوِيلِ في عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ يَرْكَبُ اَلْبَعِيرَ ويَلْبَسُ اَلشَّمْلَةَ سَيْفُهُ عَلى عاتِقِهِ لا يُبالِي مَن لاقى حَتّى يَظْهَرَ أمْرُهُ فَقالَ تُبَّعٌ: ما إلى هَذا اَلْبَلَدِ مِن سَبِيلٍ وما كانَ لِيَكُونَ خَرابُها عَلى يَدَيَّ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ اَلرِّياشِيُّ أنَّهُ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ألْفُ سَنَةٍ، والقَوْلانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا في تُبَّعٍ إلّا خَيْرًا فَإنَّهُ قَدْ حَجَّ اَلْبَيْتَ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، والأوَّلُ أشْهَرُ. صفحة 129 ومِن حَدِيثِ عَبّادِ بْنِ زِيادٍ اَلْمُرِّيِّ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ اَلْيَهُودُ أنَّهُ سَيَخْرُجُ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ يَكُونُ قَرارُهُ بِهَذا اَلْبَلَدِ. يَعْنِي اَلْمَدِينَةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وأخْبَرُوهُ أنَّهُ لا يُدْرِكُهُ قالَ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ: أقِيمُوا بِهَذا اَلْبَلَدِ فَإنْ خَرَجَ فِيكم فَوازِرُوهُ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ فَأوْصُوا بِذَلِكَ أوْلادَكُمْ، وقالَ في شِعْرِهِ: حُدِّثْتُ أنَّ رَسُولَ اَلْمَلِي كِ يَخْرُجُ حَقًّا بِأرْضِ اَلْحَرَمْ ولَوْ مُدَّ دَهْرِي إلى دَهْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنَ عَمْ وفِي اَلْبَحْرِ بَدَلَ اَلْبَيْتِ اَلْأوَّلِ: شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ ∗∗∗ رَسُولٌ مِنَ اَللَّهِ بارِي اَلنِّسَمْ وفِيهِ أيْضًا رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّهُ كَتَبَ أيْضًا كِتابًا وكانَ فِيهِ: أمّا بَعْدُ فَإنِّي آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ اَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ وأنا عَلى دِينِكَ وسُنَّتِكَ وآمَنتُ بِرَبِّكَ ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وآمَنتُ بِكُلِّ ما جاءَ مِن رَبِّكَ مِن شَرائِعِ اَلْإسْلامِ فَإنْ أدْرَكْتُكَ فَبِها ونِعْمَتْ وإنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فاشْفَعْ لِي ولا تَنْسَنِي يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَإنِّي مِن أُمَّتِكَ اَلْأوَّلِينَ وتابِعِيكَ قَبْلَ مَجِيئِكَ وأنا عَلى مِلَّتِكَ ومِلَّةِ أبِيكَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، ثُمَّ خَتَمَ اَلْكِتابَ ونَقَشَ عَلَيْهِ لِلَّهِ اَلْأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وكَتَبَ عُنْوانَهُ إلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ نَبِيِّ اَللَّهِ ورَسُولِهِ خاتَمِ اَلنَّبِيِّينَ ورَسُولِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تُبَّعٍ اَلْأوَّلِ ودَفَعَهُ إلى عَظِيمٍ مِنَ اَلْأوْسِ والخَزْرَجِ وأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ أدْرَكَهُ. ويُقالُ: إنَّهُ بَنى لَهُ دارًا في اَلْمَدِينَةِ يَسْكُنُها إذا أدْرَكَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدِمَ إلَيْها وأنَّ تِلْكَ اَلدّارَ دارُ أبِي أيُّوبَ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ وأنَّ اَلشِّعْرَ والكِتابَ وصَلا إلَيْهِ وأنَّهُ مِن ولَدِ ذَلِكَ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي دُفِعا إلَيْهِ أوَّلًا، ولَمّا ظَهَرَ اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعُوا اَلْكِتابَ إلَيْهِ فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ قالَ: «مَرْحَبًا بِتُبَّعٍ اَلْأخِ اَلصّالِحِ ثَلاثَ مَرّاتٍ». وجاءَ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى عَلَيْهِ صَلاةَ اَلْجِنازَةِ وكَذا عَلى اَلْبَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ بَعْدَ وفاتِهِ بِشَهْرٍ يَوْمَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلْمَدِينَةَ كَما قالَ اَلنَّجْمُ اَلْغَيْطِيُّ وكانَتْ صَلاةُ اَلْجِنازَةِ قَدْ فُرِضَتْ تِلْكَ اَلسَّنَةَ، وكَوْنُ هَذا هو تُبَّعًا اَلْأوَّلَ ويُقالُ لَهُ اَلْأكْبَرُ هو اَلْمَذْكُورُ في غَيْرِ ما كِتابٍ، وذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بَدْرُونَ في شَرْحِهِ لِقَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ أسْعَدَ هَذا هو تُبَّعٌ اَلْأوْسَطُ وذَكَرَ أيْضًا أنَّ مُلْكَهُ ثَلاثُمِائَةٍ وعِشْرُونَ سَنَةً ومَلَكَ بَعْدَهُ عَمْرٌو أرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وقالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ حَسّانُ وهو اَلَّذِي قَتَلَ زَرْقاءَ اَلْيَمامَةِ وأبادَ جُدَيْسًا وكانَ مُلْكُهُ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً والتَّوارِيخُ ناطِقَةٌ بِتَقَدُّمُ تَبابِعَةٍ عَلَيْهِ فَإنَّ تُبَّعًا يُقالُ لِمَن مَلَكَ اَلْيَمَنَ مُطْلَقًا كَما يُقالُ لِمَلِكِ اَلتُّرْكِ خاقانُ، والرُّومِ قَيْصَرُ، والفُرْسِ كِسْرى أوْ لا يُسَمّى بِهِ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وحَضْرَمَوْتُ كَما في اَلْقامُوسِ أوْ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وسَبَأٌ وحَضْرَمَوْتُ كَما ذَكَرَهُ اَلطَّيِّبِيُّ، والمُتَّصِفُ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِالتَّوارِيخِ. وما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ أنَّهُ هَدَمَ سَمَرْقَنْدَ ذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ خِلافَهُ ونَسَبَ هَدْمَها إلى شَمَرَ بْنِ إفْرِيقِيسَ بْنِ أبَرْهَةَ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ أيْضًا كانَ قَبْلَ تُبَّعٍ اَلْمَذْكُورِ بِكَثِيرٍ قالَ: إنَّ شَمَرَ خَرَجَ نَحْوَ اَلْعِراقِ ثُمَّ تَوَجَّهَ يُرِيدُ اَلصِّينَ ودَخَلَ مَدِينَةَ اَلصَّغْدِ فَهَدَمَها وسُمِّيَتْ شَمَرَ كَنْدَ أيْ شَمَرَ خَرَّبَها وعُرِّبَتْ بَعْدُ فَقِيلَ سَمَرْقَنْدُ اهـ. وحِكايَةُ اَلْبِناءِ يُمْكِنُ نِسْبَتُها إلى شَمَرَ هَذا فَإنَّ كَنْدَ في لُغَةِ أهْلِ أذَرَبِيجانَ ونَواحِيها عَلى ما قِيلَ بِمَعْنى اَلْقَرْيَةِ فَسَمَرْقَنْدُ بِمَعْنى قَرْيَةِ شَمَرَ وهو أوْفَقُ بِالبِناءِ، وذَكَرَ عَلّامَةُ عَصْرِهِ اَلْمُلّا أمِينُ أفَنْدِي اَلْعُمَرِيُّ اَلْمَوْصِلِيُّ تَغَمَّدَهُ اَللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ في كِتابِهِ شَرْحِ ذاتِ اَلشِّفاءِ أنَّ تُبَّعًا اَلَّذِي ذُكِرَ سابِقًا هو اِبْنُ حَسّانَ وأنَّهُ مَلَكَ اَلدُّنْيا كُلَّها وأنَّهُ يُقالُ لَهُ اَلرّائِشُ لِأنَّهُ راشَ اَلنّاسَ بِالعَطاءِ، ولَعَلَّ ما قالَهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وإلّا فَقَدَ قالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ اِبْنُ كَلِيكَرْبَ. صفحة 130 وفِي شَرْحِ قَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ اَلرّائِشَ لَقَبُ اَلْحارِثِ بْنِ بَدْرٍ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ، وهو قَبْلَ أسْعَدَ اَلْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ جِدًّا، وهو أيْضًا مِمَّنْ ذَكَرَ نَبِيَّنا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شِعْرِهِ فَقالَ: ويَمْلُكُ بَعْدَهم رَجُلٌ عَظِيمٌ ∗∗∗ نَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ في اَلْحَرامِ يُسَمّى أحَمَدًا يا لَيْتَ أنِّي ∗∗∗ أعَمَّرُ بَعْدَ مَخْرَجِهِ بِعامِ ثُمَّ إنَّ مُلْكَهُ اَلدُّنْيا كُلِّها غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وبِالجُمْلَةِ اَلْأخْبارُ مُضْطَرِبَةٌ في أمْرِ اَلتَّبابِعَةِ وأحْوالِهِمْ وتَرْتِيبِ مُلُوكِهِمْ بَلْ قالَ صاحِبُ تَوارِيخِ اَلْأُمَمِ: لَيْسَ في اَلتَّوارِيخِ أسْقَمُ مِن تارِيخِ مُلُوكِ حِمْيَرَ لِما يُذْكَرُ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ سِنِينِهِمْ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ مُلُوكِهِمْ فَإنَّ مُلُوكَهم سِتَّةٌ وعِشْرُونَ ومُدَّتَهم ألِفانِ وعِشْرُونَ سَنَةً. وقالَ بَعْضٌ: إنَّ مُدَّتَهم ثَلاثَةُ آلافٍ واثْنانِ وثَمانُونَ سَنَةً ثُمَّ مَلَكَ مِن بَعْدِهِمُ اَلْيَمَنَ اَلْحَبَشَةُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ اَلْحالِ، والقَدْرُ اَلْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هَهُنا أنَّ تُبَّعًا اَلْمَذْكُورَ هو أسْعَدُ أبُو كَرْبٍ وأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وحِكايَةُ نُبُوَّتِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تَصِحُّ، وإخْبارُهُ بِمَبْعَثِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقْتَضِيها لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ مِن أحْبارِ اَلْيَهُودِ وهم عَرَفُوهُ مِنَ اَلْكُتُبِ اَلسَّماوِيَّةِ. وما رُوِيَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ما أدْرِي أكانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ لَمْ يَثْبُتْ، نَعَمْ رَوى أبُو داوُدَ. والحاكِمُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(ما أدْرِي أذُو اَلْقَرْنَيْنِ هو أمْ لا)» ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى اَلتَّرَدُّدِ في نَبُّوتِهِ وعَدَمِها فَإنَّ ذا اَلْقَرْنَيْنِ لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى اَلصَّحِيحِ، ثُمَّ إنَّ اَلظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَرى بَعْدُ أنَّهُ لَيْسَ ذا اَلْقَرْنَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ اَلْمُرادُ بِتُبَّعٍ هَهُنا رَجُلًا واحِدًا إنَّما اَلْمُرادُ مُلُوكُ اَلْيَمَنِ، وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهُ، ومَعْنى تُبَّعٍ مَتْبُوعٌ فَهو فُعَّلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَدْ يَجِيءُ هَذا اَللَّفْظُ بِمَعْنى فاعِلٍ كَما قِيلَ لِلظِّلِّ تُبَّعٌ لِأنَّهُ يَتْبَعُ اَلشَّمْسَ، ويُقالُ لِمُلُوكِ اَلْيَمَنِ أقْيالُ مِن يَقِيلُ فُلانٌ أباهُ إذا اِقْتَدى بِهِ لِأنَّهم يُقْتَدى بِهِمْ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَلِكُهم قِيلًا لِنُفُوذِ أقْوالِهِ وهو مُخَفَّفُ قَيِّلٍ كَمَيِّتٍ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ قَبْلَ قَوْمِ تُبَّعٍ كَعادٍ وثَمُودَ أوْ قَبْلَ قُرَيْشٍ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ هَدَّدَ بِهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلصِّلَةِ أوْ خَبَرٌ عَنِ اَلْمَوْصُولِ إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً ولَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ أيْ أهْلَكْناهم بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ فَلْيَحْذَرْ كُفّارُ قُرَيْشٍ اَلْإهْلاكَ لِإجْرامِهِمْ.

الدخان 44:38

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ ما بَيْنَ اَلْجِنْسَيْنِ وهو شامِلٌ لِما بَيْنَ اَلطَّبَقاتِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (وما بَيْنَهُنَّ) فالضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ ﴿لاعِبِينَ﴾ أيْ عابِثِينَ وهو دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ اَلْحَشْرِ كَما مَرَّ في اَلْأنْبِياءِ وغَيْرِها

الدخان 44:39

﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ وما بَيْنَهُما ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما خَلَقْناهُما مُلْتَبِسِينَ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْمَفْعُولِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ فِيهِما، وجُوِّزَ أنْ صفحة 131 تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأسْبابِ أيْ ما خَلَقْناهُما بِسَبَبٍ مِنَ اَلْأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي هو اَلْإيمانُ والطّاعَةُ والبَعْثُ والجَزاءُ والمُلابَسَةُ أظْهَرُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ وتَجْهِيلٌ فَخِيمٌ لِمُنْكِرِي اَلْحَشْرِ وتَوْكِيدٌ لِأنَّ إنْكارَهم يُؤَدِّي إلى إبْطالِ اَلْكائِناتِ بِأسْرِها ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ولِهَذا قالَ اَلْمُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾

الدخان 44:40

﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أيْ فَصْلِ اَلْحَقِّ عَنِ اَلْباطِلِ والمُحِقِّ عَنِ اَلْمُبْطِلِ بِالجَزاءِ أوْ فَصْلِ اَلشَّخْصِ عَنْ أحْبابِهِ وذَوِي قَرابَتِهِ ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ وقْتُ وعْدِهِمْ ﴿أجْمَعِينَ﴾ وقُرِئَ (مِيقاتَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ اِسْمُ إنَّ والخَبَرُ (يَوْمُ اَلْفَصْلِ) أيْ إنَّ مِيعادَ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ في يَوْمِ اَلْفَصْلِ ولَيْسَ مِثْلَ إنَّ حُرّاسُنا أسَدًا

الدخان 44:41

﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَ اَلْفَصْلِ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ اَلْمُطابَقَةَ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأعْنِي مُقَدَّرًا وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ اَلْفَصْلُ لا لَهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِأجْنَبِيٍّ، وهو مَصْدَرٌ لا يَعْمَلُ إذا فُصِلَ لِضَعْفِهِ أوْ لَهُ عَلى قَوْلِ مَنِ اِغْتَفَرَ اَلْفَصْلَ إذا كانَ اَلْمَعْمُولُ ظَرْفًا كابْنِ اَلْحاجِبِ، والرَّضِيِّ، وجَوَّزَ أبُو اَلْبَقاءِ كَوْنَهُ صِفَةً لِمِيقاتِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ جامِدٌ نَكِرَةٌ لِإضافَتِهِ لِلْجُمْلَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ بِناؤُهُ عِنْدَ اَلْبَصْرِيِّينَ إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ صَدْرُها مُعْرَبٌ وهو اَلْمُضارِعُ أيْ يَوْمَ لا يَجْزِي ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ مِنَ اَلْأغْنِياءِ أيَّ اَلْإجْزاءِ، فَشَيْئًا مَنصُوبٌ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ، ويُغْنِي بِمَعْنى يَدْفَعُ ويَنْفَعُ. وتَنْكِيرُ (شَيْئًا) لِلتَّقْلِيلِ، والمَوْلى اَلصّاحِبُ اَلَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَوَلّى مَعُونَةَ صاحِبِهِ عَلى أُمُورِهِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ اِبْنُ اَلْعَمِّ والحِلْفُ والعَتِيقُ والمُعْتِقُ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ اَلْخَفاجِيُّ أنَّهُ مِنَ اَلْوِلايَةِ وهي اَلتَّصَرُّفُ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَتَصَرَّفُ في آخَرَ لِأمْرٍ ما كَقَرابَةٍ وصَداقَةٍ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا. وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ اِسْتِعْمالِ اَلْمُشْتَرِكِ في أكْثَرَ مِن مَعْنًى واحِدٍ، ولَوْ سُلِّمَ أنْ هُناكَ مُشْتَرِكًا اِسْتُعْمِلَ في أكْثَرَ مِن مَعْنًى كانَتِ اَلْآيَةُ دَلِيلًا لِابْنِ اَلْهُمامِ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ في جَوازِ ذَلِكَ في اَلنَّفْيِ فَيُقالُ عِنْدَهُ: ما رَأيْتُ عَيْنًا ويُرادُ اَلْعَيْنُ اَلْباصِرَةُ وعَيْنُ اَلذَّهَبِ وغَيْرُها ويُعْلَمُ مِن نَفْيِ إغْناءِ اَلْمَوْلى نَفْيُ إغْناءِ غَيْرِهِ مِن بابٍ أوْلى. ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ اَلضَّمِيرُ عِنْدَ جَمْعٍ لِلْمَوْلى اَلْأوَّلِ؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ اَلنَّفْيِ وهي تَعُمُّ دُونَ اَلثّانِي لِأنَّهُ أفْيَدُ وأبْلَغُ لِأنَّ حالَ اَلْمَوْلى اَلثّانِي نُصْرَتُهُ مَعْلُومٌ مِن نَفْيِ اَلْإغْناءِ اَلسّابِقِ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَنْصُرُ مَنِ اِسْتَنَدَ إلَيْهِ فَكَيْفَ هُوَ، وأيْضًا وجْهُ جَمْعِ اَلضَّمِيرِ فِيهِ أظْهَرُ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ عَلى اَلثّانِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْصُرُهُ غَيْرُ مَوْلاهُ وهو في سِياقِ اَلنَّفْيِ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ بِمَرْتَبَةِ اَلْأوَّلِ. نَعَمْ قِيلَ في وجْهِ اَلْجَمْعِ عَلَيْهِما: إنَّ اَلنَّكِرَةَ في سِياقِ اَلنَّفْيِ تَدُلُّ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَلا يَرْجِعُ اَلضَّمِيرُ لَها جَمْعًا. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَطَّرِدُ لِأنَّها قَدْ تُحْمَلُ عَلى اَلْمَجْمُوعِ بِقَرِينَةِ عَوْدِ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ عَلَيْها، ولَعَلَّ اَلْأوْلى عَوْدُ اَلضَّمِيرِ عَلى اَلْمَوْلى اَلْمَفْهُومِ مِنَ اَلنَّكِرَةِ اَلْمَنفِيَّةِ، وقالَ بَعْضٌ: لَوْ جُعِلَ اَلضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ كَضَمِيرِ (مِيقاتُهُمْ) كَثُرَتِ اَلْفائِدَةُ وقَلَّتِ اَلْمَئُونَةُ فَتَأمَّلْ

الدخان 44:42

﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (يُنْصَرُونَ) أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى اَلِاسْتِثْناءِ مِنهُ أيْ لا يُمْنَعُ مِنَ اَلْعَذابِ إلّا مَن رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعالى وذَلِكَ بِالعَفْوِ عَنْهُ وقَبُولِ اَلشَّفاعَةِ فِيهِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا أوِ اِسْتِثْناءً مِن (مَوْلًى) وفِيهِ كَما في اَلْأوَّلِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ اَلشَّفاعَةِ لَكِنَّ اَلرُّجْحانَ لِلْأوَّلِ لَفْظًا ومَعْنًى؛ والِاسْتِثْناءُ مِن أيٍّ كانَ مُتَّصِلٌ، وقالَ اَلْكِسائِيُّ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعالى صفحة 132 فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى قَرِيبٍ يَنْفَعُهُ ولا إلى ناصِرٍ يَنْصُرُهُ، ولا وجْهَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ اَلِاتِّصالِ، نَعَمْ إنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى كَوْنِ اَلِاسْتِثْناءِ مِنَ اَلضَّمِيرِ وكَوْنِهِ راجِعًا لِلْكُفّارِ فَلا تَغْفُلْ. ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ اَلْغالِبُ اَلَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ سُبْحانَهُ تَعْذِيبَهُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ لِمَن أرادَ أنْ يَرْحَمَهُ عَزَّ وجَلَّ.

الدخان 44:43

﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ مَرَّ مَعْنى اَلزَّقُّومِ في اَلصّافّاتِ وقُرِئَ (شِجَرَةَ) بِكَسْرِ اَلشِّينِ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ أيِ اَلْكَثِيرِ اَلْآثامِ والمُرادُ بِهِ اَلْكافِرُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ دُونَ ما يَعُمُّهُ والعاصِي اَلْمُكْثِرِ مِنَ اَلْمَعاصِي ثُمَّ إنَّ اَلْمُرادَ بِهِ جِنْسُ اَلْكافِرِ لا واحِدَ بِعَيْنِهِ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ. وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ هَنا أبُو جَهْلٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي مالِكٍ مِن أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَأْتِي بِالتَّمْرِ والزُّبْدِ فَيَقُولُ: تَزَقَّمُوا فَهَذا اَلزَّقُّومُ اَلَّذِي يَعِدُكم بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ لِما لا يَخْفى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ اَلْوَلِيدُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ اَلْأنْبارِيِّ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ أنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ أقْرَأ رَجُلًا ﴿إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ فَقالَ اَلرَّجُلُ طَعامُ اَلْيَثِيمِ فَرَدَّدَها عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ بِها لِسانُهُ فَقالَ أتَسْتَطِيعُ أنْ تَقُولَ طَعامُ اَلْفاجِرِ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فافْعَلْ، وأخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي اَلدَّرْداءِ أنَّهُ وقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمّا رَأى اَلرَّجُلَ أنَّهُ لا يَفْهَمُ قالَ: إنَّ شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ طَعامُ اَلْفاجِرِ. واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ إبْدالَ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ جائِزٌ إذا كانَتْ مُؤَدِّيَةً مَعْناها. وتَعَقَّبَهُ اَلْقاضِي أبُو بَكْرٍ في اَلِانْتِصارِ بِأنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهُ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ اَلْيَتِيمَ بَلِ اَلْفاجِرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ (اَلْأثِيمِ) وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا اَلتَّأْوِيلَ لا يَكادُ يَتَأتّى فِيما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كالنَّصِّ في تَجْوِيزِ اَلْإبْدالِ لِذَلِكَ اَلرَّجُلِ وأبْعَدُ مِنهُ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ ما أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ كانَ يُقْرِئُ رَجُلًا فارِسِيًّا فَكانَ إذا قَرَأ عَلَيْهِ ﴿إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: طَعامُ اَلْيَتِيمِ فَمَرَّ بِهِ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «(قُلْ لَهُ طَعامُ اَلظَّلّامِ)» فَقالَها فَفَصَحَ بِها لِسانُهُ، وفي اَلْبابِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ جِيادُ اَلْأسانِيدِ كَخَبَرِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «(أُنْزِلَ اَلْقُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا)» . وكَخَبَرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ كُلُّهُ أيِ اَلْقُرْآنُ شافٍ كافٍ ما لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذابٍ بِرَحْمَةٍ أوْ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ نَحْوُ قَوْلِكَ تَعالَ وأقْبِلْ وأسْرِعْ وعَجِّلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ قالَ اَلطَّحاوِيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لَمّا كانَ يَتَعَسَّرُ عَلى كَثِيرٍ مِنهُمُ اَلتِّلاوَةُ بِلَفْظٍ واحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالكِتابَةِ والضَّبْطِ وإتْقانِ اَلْحِفْظِ ثُمَّ نُسِخَ بِزَوالِ اَلْعُذْرِ وتَيَسُّرِ اَلْكِتابَةِ والحِفْظِ، وكَذا قالَ اِبْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ والباقِلّانِيُّ وآخَرُونَ، ولَعَلَّهُ إنْ تَحَقَّقَ إبْدالٌ مِن أحَدٍ مِنَ اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنهُ قَبْلَ اَلِاطِّلاعِ عَلى اَلنَّسْخِ ومَتى لَمْ يَجُزْ إبْدالُ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ مَعْناها مَعَ اَلِاتِّحادِ عَرَبِيَّةً فَعَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ مَعَ اَلِاخْتِلافِ عَرَبِيَّةً وفارِسِيَّةً مَثَلًا أظْهَرُ، وما رُوِيَ عَنِ اَلْإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّهُ يَرى جَوازَ قِراءَةِ اَلْقُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ بِشَرْطِ أداءِ اَلْمَعانِي عَلى كَمالِها فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلافُهُ، وقَدْ حَقَّقَ اَلشَّرْنَبْلالِيُّ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ هَذِهِ اَلْمَسْألَةَ في رِسالَةٍ مُفْرَدَةٍ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا اَلْكِتابِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، والطَّعامُ ما يُتَناوَلُ مِنهُ مِنَ اَلْغِذاءِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ فَلِذا وقَعَ خَبَرًا عَنِ اَلْمُؤَنَّثِ ولَمْ يُطابِقْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ قَوْلِهِ: إنارَةُ اَلْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعِ هَوى وعَقْلُ عاصِي اَلْهَوى يَزْدادُ تَنْوِيرًا صفحة 133 فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اَلزَّقُّومَ طَعامُ اَلْأثِيمِ

الدخان 44:44

﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ مَرَّ مَعْنى اَلزَّقُّومِ في اَلصّافّاتِ وقُرِئَ (شِجَرَةَ) بِكَسْرِ اَلشِّينِ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ أيِ اَلْكَثِيرِ اَلْآثامِ والمُرادُ بِهِ اَلْكافِرُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ دُونَ ما يَعُمُّهُ والعاصِي اَلْمُكْثِرِ مِنَ اَلْمَعاصِي ثُمَّ إنَّ اَلْمُرادَ بِهِ جِنْسُ اَلْكافِرِ لا واحِدَ بِعَيْنِهِ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ. وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ هَنا أبُو جَهْلٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي مالِكٍ مِن أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَأْتِي بِالتَّمْرِ والزُّبْدِ فَيَقُولُ: تَزَقَّمُوا فَهَذا اَلزَّقُّومُ اَلَّذِي يَعِدُكم بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ لِما لا يَخْفى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ اَلْوَلِيدُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ اَلْأنْبارِيِّ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ أنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ أقْرَأ رَجُلًا ﴿إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ فَقالَ اَلرَّجُلُ طَعامُ اَلْيَثِيمِ فَرَدَّدَها عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ بِها لِسانُهُ فَقالَ أتَسْتَطِيعُ أنْ تَقُولَ طَعامُ اَلْفاجِرِ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فافْعَلْ، وأخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي اَلدَّرْداءِ أنَّهُ وقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمّا رَأى اَلرَّجُلَ أنَّهُ لا يَفْهَمُ قالَ: إنَّ شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ طَعامُ اَلْفاجِرِ. واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ إبْدالَ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ جائِزٌ إذا كانَتْ مُؤَدِّيَةً مَعْناها. وتَعَقَّبَهُ اَلْقاضِي أبُو بَكْرٍ في اَلِانْتِصارِ بِأنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهُ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ اَلْيَتِيمَ بَلِ اَلْفاجِرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ (اَلْأثِيمِ) وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا اَلتَّأْوِيلَ لا يَكادُ يَتَأتّى فِيما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كالنَّصِّ في تَجْوِيزِ اَلْإبْدالِ لِذَلِكَ اَلرَّجُلِ وأبْعَدُ مِنهُ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ ما أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ كانَ يُقْرِئُ رَجُلًا فارِسِيًّا فَكانَ إذا قَرَأ عَلَيْهِ ﴿إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: طَعامُ اَلْيَتِيمِ فَمَرَّ بِهِ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «(قُلْ لَهُ طَعامُ اَلظَّلّامِ)» فَقالَها فَفَصَحَ بِها لِسانُهُ، وفي اَلْبابِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ جِيادُ اَلْأسانِيدِ كَخَبَرِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «(أُنْزِلَ اَلْقُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا)» . وكَخَبَرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ كُلُّهُ أيِ اَلْقُرْآنُ شافٍ كافٍ ما لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذابٍ بِرَحْمَةٍ أوْ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ نَحْوُ قَوْلِكَ تَعالَ وأقْبِلْ وأسْرِعْ وعَجِّلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ قالَ اَلطَّحاوِيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لَمّا كانَ يَتَعَسَّرُ عَلى كَثِيرٍ مِنهُمُ اَلتِّلاوَةُ بِلَفْظٍ واحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالكِتابَةِ والضَّبْطِ وإتْقانِ اَلْحِفْظِ ثُمَّ نُسِخَ بِزَوالِ اَلْعُذْرِ وتَيَسُّرِ اَلْكِتابَةِ والحِفْظِ، وكَذا قالَ اِبْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ والباقِلّانِيُّ وآخَرُونَ، ولَعَلَّهُ إنْ تَحَقَّقَ إبْدالٌ مِن أحَدٍ مِنَ اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنهُ قَبْلَ اَلِاطِّلاعِ عَلى اَلنَّسْخِ ومَتى لَمْ يَجُزْ إبْدالُ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ مَعْناها مَعَ اَلِاتِّحادِ عَرَبِيَّةً فَعَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ مَعَ اَلِاخْتِلافِ عَرَبِيَّةً وفارِسِيَّةً مَثَلًا أظْهَرُ، وما رُوِيَ عَنِ اَلْإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّهُ يَرى جَوازَ قِراءَةِ اَلْقُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ بِشَرْطِ أداءِ اَلْمَعانِي عَلى كَمالِها فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلافُهُ، وقَدْ حَقَّقَ اَلشَّرْنَبْلالِيُّ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ هَذِهِ اَلْمَسْألَةَ في رِسالَةٍ مُفْرَدَةٍ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا اَلْكِتابِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، والطَّعامُ ما يُتَناوَلُ مِنهُ مِنَ اَلْغِذاءِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ فَلِذا وقَعَ خَبَرًا عَنِ اَلْمُؤَنَّثِ ولَمْ يُطابِقْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ قَوْلِهِ: إنارَةُ اَلْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعِ هَوى وعَقْلُ عاصِي اَلْهَوى يَزْدادُ تَنْوِيرًا صفحة 133 فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اَلزَّقُّومَ طَعامُ اَلْأثِيمِ

الدخان 44:45

﴿كالمُهْلِ﴾ عَكَرُ اَلزَّيْتِ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ اَلْحاكِمُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وفِيهِ «(فَإذا قُرِّبَ إلى وجْهِهِ- يَعْنِي اَلْجَهَنَّمِيَّ- سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ)» ورُبَّما يُؤَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ وقالَ بَعْضٌ: عَكَرُ اَلْقَطِرانِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما اَلصَّدِيدُ، ومِنهُ ما في حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ «اِدْفِنُونِي في ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ فَإنَّما هُما لِلْمُهْلِ والتُّرابِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ رَصاصٍ،» ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، قِيلَ: وسُمِّيَ ذَلِكَ مُهْلًا لِأنَّهُ يُمْهَلُ في اَلنّارِ حَتّى يَذُوبَ فَهو مِنَ اَلْمَهَلِ بِمَعْنى اَلسُّكُونِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ اَلِاشْتِراكَ وقَدْ جاءَ اِسْتِعْمالُهُ في كُلِّ ما سَمِعْتَ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ (كالمَهْلِ) بِفَتْحِ اَلْمِيمِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ أوِ اَلْكافُ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ اَلطَّعامِ أيْ هو كالمُهْلِ أوْ مِثْلُ اَلْمُهْلِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ اَلْمُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ فَيَكُونُ وصْفًا لِلطَّعامِ أيْضًا؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو حالٌ مِنَ اَلْمُهْلِ، وقِيلَ: صِفَةٌ لَهُ لِأنَّ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ نَحْوُ: أمُرُّ عَلى اَللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ويُعْتَبَرُ داخِلًا في اَلتَّشْبِيهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ غَلَيانَ اَلطَّعامِ في اَلْبَطْنِ فِيهِ مُبالَغَةٌ أمّا اَلتَّشْبِيهُ بِمُهْلٍ يَغْلِي في اَلْبَطْنِ فَلا، وقِيلَ كالمُهْلِ أوِ اَلْكافُ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ وجُمْلَةُ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾ حالٌ مِنَ اَلزَّقُّومِ أوِ اَلطَّعامِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُنِعَ مَجِيءُ اَلْحالِ مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ لَيْسَ هَذا مِنها ومُنِعَ مَجِيئُهُ مِنَ اَلْخَبَرِ ومِنَ اَلْمُبْتَدَأِ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا بِناءً عَلى جَوازِ مَجِيءِ اَلْحالِ مِنَ اَلْخَبَرِ ومِنَ اَلْمُبْتَدَأِ والمُضافُ إلَيْهِ اَلْمُبْتَدَأُ في حُكْمِهِ وأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اَلصُّوَرِ اَلَّتِي يَجِيءُ اَلْحالُ فِيها مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ لِأنَّ اَلْمُضافَ كالجُزْءِ في جَوازِ إسْقاطِهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِناءٌ عَلى ضَعِيفٍ، وقِيلَ: كالمُهْلِ خَبَرٌ ثانٍ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ اَلشَّجَرَةِ اَلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها طَعامَ اَلْأثِيمِ أوْ لِاكْتِسابِها إيّاهُ مِمّا أُضِيفَتْ إلَيْهِ نَظِيرُ ما سَمِعْتَ في اَلْبَيْتِ آنِفًا وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقِيلَ: اَلْجُمْلَةُ عَلى ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ اَلطَّعامِ أوِ اَلزَّقُّومِ فَإنْ كانَتِ اَلْجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةً فالبَحْثُ هَيِّنٌ وإنْ كانَتْ حالِيَّةً عادَ ما مَرَّ آنِفًا ولا أراكَ تَظُنُّهُ هَيِّنًا، وقِيلَ: كالمُهْلِ حالٌ مِن طَعامٍ وحالُهُ مَعْلُومٌ، وبِالجُمْلَةِ اَلْوُجُوهُ في إعْرابِ اَلْآيَةِ كَثِيرَةٌ وأنا أخْتارُ مِنها ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ. وأبُو رَزِينٍ. والأعْرَجُ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وطَلْحَةُ. والحَسَنُ في رِوايَةٍ. وأكْثَرُ اَلسَّبْعَةِ (تَغْلِي) بِالتّاءِ اَلْفَوْقِيَّةِ فَكالمُهْلِ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ وجُمْلَةُ (تَغْلِي) خَبَرٌ ثالِثٌ واتِّحادُ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُتَكَفِّلٌ بِاتِّحادِ اَلْقِراءَتَيْنِ مَعْنًى فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

الدخان 44:46

﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ غَلْيًا كَغَلْيِ اَلْحَمِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا، والحَمِيمُ ما هو في غايَةِ اَلْحَرارَةِ

الدخان 44:47

﴿خُذُوهُ﴾ عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ والمَقُولُ لَهُ اَلزَّبانِيَةُ أيْ ويُقالُ لَهم خُذُوهُ ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ فَجُرُّوهُ بِقَهْرٍ. قالَ اَلرّاغِبُ: اَلْعَتْلُ اَلْأخْذُ بِمَجامِعِ اَلشَّيْءِ وجَرُّهُ بِقَهْرٍ، وبَعْضُهم يُعَبِّرُ بِالثَّوْبِ بَدَلَ اَلشَّيْءِ ولَيْسَ ذاكَ بِلازِمٍ والمَدارُ عَلى اَلْجَرِّ مَعَ اَلْإمْساكِ بِعُنْفٍ. وقالَ اَلْأعْمَشُ. ومُجاهِدٌ: مَعْنى (اِعْتَلَوْهُ) اِقْصِفُوهُ كَما يُقْصَفُ اَلْحَطَبُ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ اَلتَّضْمِينُ أوْ تَعَلُّقُ اَلْجارِّ بِخَذْوِهِ، والمَعْنى اَلْأوَّلُ هو اَلْمَشْهُورُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. والحِجازِيّانِ. وابْنُ عامِرٍ. ويَعْقُوبُ (فاعْتُلُوهُ) صفحة 134 بِضَمِّ اَلتّاءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْحَسَنِ. وقَتادَةَ. والأعْرَجِ. عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَعَدَ، وعَلى قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ مِن بابِ نَصَرَ وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ وسَطِهِ، وسُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ بُعْدِ جَمِيعِ أطْرافِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.

الدخان 44:48

﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ كَأنَّ أصْلَهُ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ اَلْحَمِيمَ، ثُمَّ قِيلَ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ عَذابًا هو اَلْحَمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ اَلْعَذابِ عَيْنَ اَلْحَمِيمِ، وهو مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ ولِجَعْلِهِ مَصْبُوبًا كالمَحْسُوسِ ثُمَّ أُضِيفَ اَلْعَذابُ إلى اَلْحَمِيمِ لِلتَّخْفِيفِ، وزِيدَ (مِن) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اَلْمَصْبُوبَ بَعْضُ هَذا اَلنَّوْعِ فَهُناكَ إمّا تَمْثِيلٌ أوِ اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ

الدخان 44:49

﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ ويُقالُ: أوْ قُولُوا لَهُ ذَلِكَ اِسْتِهْزاءً وتَقْرِيعًا عَلى ما كانَ يَزْعُمُهُ. أخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: ما بَيْنَ جَبَلَيْها رَجُلٌ أعَزُّ ولا أكْرَمُ مِنِّي، فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: (ذُقْ) إلَخْ. وأخْرَجَ اَلْأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّنِي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ وأنا اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ» فَقَتَلَهُ اَللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ورُوِيَ أنَّ اَللَّعِينَ قالَ يَوْمًا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أخْبِرُونِي ما اِسْمِي فَذُكِرَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أسْماءَ عَمْرٌو. والجَلّاسُ. وأبُو اَلْحَكَمِ فَقالَ: ما أصَبْتُمُ اِسْمِي ألا أُخْبِرُكم بِهِ؟ قالُوا: بَلى قالَ: اِسْمِي اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ اَلْآياتِ، وهَذا ونَحْوُهُ لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى تَخْصِيصِ حُكْمِ اَلْآيَةِ بِهِ فَكُلُّ أثِيمٍ يُدْعى دَعْواهُ كَذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى ذُقْ إنَّكَ أنْتَ اَلْعَزِيزُ في قَوْمِكَ اَلْكَرِيمُ عَلَيْهِمْ فَما أغْنى ذَلِكَ عَنْكَ ولَمْ يُفِدْكَ شَيْئًا، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإدْراكِ. وقَرَأ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى اَلْمِنبَرِ، والكِسائِيُّ (أنَّكَ) بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّكَ.

الدخان 44:50

﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ اَلْعَذابَ أوِ اَلْأمْرَ اَلَّذِي أنْتُمْ فِيهِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ تَشُكُّونَ وتُمارُونَ فِيهِ، وهَذا اِبْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِن مَقُولِ اَلْقَوْلِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِما سَمِعْتَ أنَّ اَلْمُرادَ جِنْسُ اَلْأثِيمِ.

الدخان 44:51

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ﴾ في مَوْضِعِ قِيامٍ، والمُرادُ بِالقِيامِ اَلثَّباتُ والمُلازَمَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ ويُكَنّى بِهِ عَنِ اَلْإقامَةِ لِأنَّ اَلْمُقِيمَ مُلازِمٌ لِمَكانِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: في مَقامٍ أيْ مَوْضِعِ إقامَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. والأعْرَجُ. والحَسَنُ. وقَتادَةُ. ونافِعٌ. وابْنُ عامِرٍ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ ومَعْناهُ مَوْضِعُ إقامَةٍ، وعَلى ما قَرَّرْنا تَرْجِعُ اَلْقِراءَتانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ. ﴿أمِينٍ﴾ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِمّا يَكْرَهُ فَهو صِفَةٌ مِنَ اَلْأمْنِ وهو عَدَمُ اَلْخَوْفِ عَمّا هو مِن شَأْنِهِ، ووَصْفُ اَلْمَقامِ بِهِ بِاعْتِبارِ أمْنِ مَن آمَنَ بِهِ فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ كَما في نَهْرٍ جارٍ، وظاهِرُ كَلامِ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مِنَ اَلْأمانَةِ كَأنَّ اَلْمَكانَ مُؤْتَمَنٌ وُضِعَ عِنْدَهُ ما يَحْفَظُهُ مِنَ اَلْمَكارِهِ فَفِيهِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَأْمُونٍ فِيهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ أيْ ذِي أمْنٍ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن (مَقامٍ) بِإعادَةِ اَلْجارِّ أوِ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، وظَرْفِيَّةُ اَلْعُيُونِ لِلْمُجاوَرَةِ، والظّاهِرُ صفحة 135 أنَّهُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ لا كُلٍّ وبَعْضٍ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَزاهَةِ مَكانِهِمْ واشْتِمالِهِ عَلى ما يُسْتَلَذُّ مِنَ اَلْمَآكِلِ والمَشارِبِ.

الدخان 44:52

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ﴾ في مَوْضِعِ قِيامٍ، والمُرادُ بِالقِيامِ اَلثَّباتُ والمُلازَمَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ ويُكَنّى بِهِ عَنِ اَلْإقامَةِ لِأنَّ اَلْمُقِيمَ مُلازِمٌ لِمَكانِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: في مَقامٍ أيْ مَوْضِعِ إقامَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. والأعْرَجُ. والحَسَنُ. وقَتادَةُ. ونافِعٌ. وابْنُ عامِرٍ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ ومَعْناهُ مَوْضِعُ إقامَةٍ، وعَلى ما قَرَّرْنا تَرْجِعُ اَلْقِراءَتانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ. ﴿أمِينٍ﴾ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِمّا يَكْرَهُ فَهو صِفَةٌ مِنَ اَلْأمْنِ وهو عَدَمُ اَلْخَوْفِ عَمّا هو مِن شَأْنِهِ، ووَصْفُ اَلْمَقامِ بِهِ بِاعْتِبارِ أمْنِ مَن آمَنَ بِهِ فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ كَما في نَهْرٍ جارٍ، وظاهِرُ كَلامِ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مِنَ اَلْأمانَةِ كَأنَّ اَلْمَكانَ مُؤْتَمَنٌ وُضِعَ عِنْدَهُ ما يَحْفَظُهُ مِنَ اَلْمَكارِهِ فَفِيهِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَأْمُونٍ فِيهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ أيْ ذِي أمْنٍ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن (مَقامٍ) بِإعادَةِ اَلْجارِّ أوِ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، وظَرْفِيَّةُ اَلْعُيُونِ لِلْمُجاوَرَةِ، والظّاهِرُ صفحة 135 أنَّهُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ لا كُلٍّ وبَعْضٍ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَزاهَةِ مَكانِهِمْ واشْتِمالِهِ عَلى ما يُسْتَلَذُّ مِنَ اَلْمَآكِلِ والمَشارِبِ.

الدخان 44:53

﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ أوِ اِسْتِئْنافٌ، والسُّنْدُسُ قالَ ثَعْلَبٌ: اَلرَّقِيقُ مِنَ اَلدِّيباجِ والواحِدَةُ سُنْدُسَةٌ، والإسْتَبْرَقُ غَلِيظُهُ، وقالَ اَللَّيْثُ: هو ضَرْبٌ مِن اَلْبُزْيُونِ يُتَّخَذُ مِنَ اَلْمَرْعَزِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ اَللُّغَةِ في أنَّهُما مُعَرَّبانِ كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُهم. وفِي اَلْكَشّافِ اَلْإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنَ اَلدِّيباجِ وهو تَعْرِيبُ اِسْتَبَرَ، قالَ اَلْخَفاجِيُّ: ومَعْنى اِسْتَبَرَ في لُغَةِ اَلْفُرْسِ اَلْغَلِيظُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ اَلدِّيباجُ وعُرِّبَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ اَلْبَراقَةِ، وأُيِّدَ بِقِراءَتِهِ بِوَصْلِ اَلْهَمْزَةِ وهو كَما تَرى. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ اَلسُّنْدُسَ أصْلُهُ سِنْدِيٌّ ومَعْناهُ مَنسُوبٌ إلى اَلسِّنْدِ اَلْمَكانِ اَلْمَعْرُوفِ لِأنَّ اَلسُّنْدُسَ كانَ يُجْلَبُ مِنهُ فَأُبْدِلَتْ ياءُ اَلنِّسْبَةِ سِينًا، وقَدْ مَرَّ اَلْكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، ثُمَّ إنَّ وُقُوعَ اَلْمُعَرَّبِ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ لا يُنافِي كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مُبِينًا. ونَقَلَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ عَنْ جارِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ: اَلْكَلامُ اَلْمَنظُومُ مُرَكَّبٌ مِنَ اَلْحُرُوفِ اَلْمَبْسُوطَةِ في أيِّ لِسانٍ كانَ تُرْكِيٍّ أوْ فارِسِيٍّ أوْ عَرَبِيٍّ ثُمَّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْعَرَبِيَّ أعْجَمِيٌّ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ قالَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ: يُرِيدُ أنَّ كَوْنَ اِسْتَبَرَ أعْجَمِيًّا لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ إسْتَبْرَقُ كَذَلِكَ. وقَرَأ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ (واسْتَبْرَقَ) فِعْلًا ماضِيًا كَما في اَلْبَحْرِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ قِيلَ مُعْتَرِضَةٌ، وقِيلَ: حالٌ مِن (سُنْدُسٍ) والمَعْنى يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وقَدْ بَرَقَ لِصِقالَتِهِ ومَزِيدِ حُسْنِهِ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ في مَجالِسِهِمْ لِيَسْتَأْنِسَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ

الدخان 44:54

﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ فالكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى اَلْخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمُرادُ تَقْرِيرُ ما مَرَّ وتَحْقِيقُهُ. ونُقِلَ عَنْ جارِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ: والمَعْنى فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ اَلْوَصْفَ وأنَّهُ بِمَثابَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ اَلْوَصْفُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اَلْأمْرُ نَحْوَ ذَلِكَ وما أشْبَهَهُ. وأرادَ عَلى ما قالَ اَلْمُدَقِّقُ أنَّ اَلْكافَ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ مُطَّرِدٌ في عُرْفَيِ اَلْعَرَبِ والعَجَمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى مَعْنى أثَبْناهم مِثْلَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَوَّجْناهُمْ﴾ عَلى هَذا عَطْفٌ عَلى اَلْفِعْلِ اَلْمُقَدَّرِ وعَلى ما قَبْلُ عَلى (يَلْبَسُونَ) والمُرادُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَرَنّاهم ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ وفُسِّرَ بِذَلِكَ قِيلَ لِأنَّ اَلْجَنَّةَ لَيْسَ فِيها تَكْلِيفٌ فَلا عَقْدَ ولا تَزْوِيجَ بِالمَعْنى اَلْمَشْهُورِ، وقِيلَ: لِمَكانِ اَلْباءِ، وزَوَّجَهُ اَلْمَرْأةَ بِمَعْنى أنْكَحَهُ إيّاها مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ اَلْأخْفَشَ جَوَّزَ اَلْباءَ فِيهِ فَيُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِاِمْرَأةٍ فَتَزَوَّجَ بِها، وأزْدُ شَنُوءَةَ يَعُدُّونَهُ بِالباءِ أيْضًا، وفي اَلْقامُوسِ زَوَّجْتُهُ اِمْرَأةً وتَزَوَّجْتُ اِمْرَأةً وبِها أوْ هي قَلِيلَةٌ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ اَلْفُقَهاءِ زَوَّجْتُهُ بِها خَطَأٌ لا وجْهَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنْ ذَلِكَ اَلتَّفْسِيرُ لِأنَّ اَلْحُورَ اَلْعَيْنَ في اَلْجَنَّةِ مِلْكُ يَمِينٍ كالسِّرارِيِّ في اَلدُّنْيا فَلا يَحْتاجُ اَلْأمْرُ إلى اَلْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في اَلْجَنَّةِ عَقْدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَكْلِيفٌ. وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: زَوَّجْناهم أنَكَحْناهم. ومِنَ اَلنّاسِ مَن قالَ بِالتَّكْلِيفِ فِيها بِمَعْنى اَلْأمْرِ والنَّهْيِ لَكِنْ لا يَجِدُونَ في اَلْفِعْلِ والتَّرْكِ كُلْفَةً، نَعَمِ اَلْمَشْهُورُ أنْ لا تَكْلِيفَ فِيها، وبَعْضُ ما حُرِّمَ في اَلدُّنْيا كَنِكاحِ اِمْرَأةِ اَلْغَيْرِ ونِكاحِ اَلْمَحارِمِ لا يَفْعَلُونَهُ لِعَدَمِ خُطُورِهِ لَهم بِبالٍ أصْلًا، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ وهي اَلْبَيْضاءُ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: اَلشَّدِيدَةُ سَوادِ اَلْعَيْنِ وبَياضِها، وقِيلَ: اَلْحَوْراءُ ذاتُ اَلْحَوَرِ وهو سَوادُ اَلْمُقْلَةِ كُلِّها كَما في اَلظِّباءِ فَلا يَكُونُ في اَلْإنْسانِ إلّا مَجازًا. وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ. وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْحَوْراءَ اَلَّتِي يَحارُ فِيها اَلطَّرْفُ. والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ وهي عَظِيمَةُ اَلْعَيْنَيْنِ وأكْثَرُ اَلْأخْبارِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ صفحة 136 لَسْنَ نِساءَ اَلدُّنْيا، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ. والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «خُلِقَ اَلْحُورُ اَلْعِينُ مِن زَعْفَرانَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ. والخَطِيبُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُبارَكِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «إنَّ اَللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ اَلْحُورَ اَلْعِينَ مِن تُرابٍ إنَّما خَلَقَهُنَّ مِن مِسْكٍ وكافُورٍ وزَعْفَرانَ». وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ. والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «حُورُ اَلْعِينِ خَلَقَهُنَّ مِن تَسْبِيحِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ)» وهَذا إنْ صَحَّ لا يُعارِضُ ما قَبْلَهُ إذْ لا بُدَّ عَلَيْهِ مِن أنْ يُقالَ بِتَجَسُّدِ اَلْمَعانِي فَيَجُوزُ تَجَسُّدُ اَلتَّسْبِيحِ وجَعْلُهُ جُزْءًا مِمّا خُلِقْنَ مِنهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهِنَّ هُنا نِساءُ اَلدُّنْيا وهُنَّ في اَلْجَنَّةِ حُورٌ عِينٌ بِالمَعْنى اَلَّذِي سَمِعْتَ بَلْ هُنَّ أجْمَلُ مِنَ اَلْحُورِ اَلْعِينِ أعْنِي اَلنِّساءَ اَلْمَخْلُوقاتِ في اَلْجَنَّةِ مِن زَعْفَرانَ أوْ غَيْرِهِ ويُعْطى اَلرَّجُلُ هُناكَ ما كانَ لَهُ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلزَّوْجاتِ، وقَدْ يَضُمُّ إلى ذَلِكَ ما شاءَ اَللَّهُ تَعالى مِن نِساءٍ مُتْنَ ولَمْ يَتَزَوَّجْنَ، ومَن تَزَوَّجَتْ بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ فَهي لِآخِرِ أزْواجِها أوْ لِأوَّلِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَها في اَلدُّنْيا أوْ تُخَيَّرَ فَتَخْتارُ مَن كانَ أحْسَنَهم خُلُقًا مَعَها، أقْوالٌ صَحَّحَ جَمْعٌ مِنها اَلْأوَّلَ، وتُعْطى زَوْجَةُ كافِرٍ دَخَلَتِ اَلْجَنَّةَ لِمَن شاءَ اَللَّهُ تَعالى. وقَدْ ورَدَ أنَّ آسِيَةَ اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ تَكُونُ زَوْجَةَ نَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ (بِحُورِ عِينٍ) بِالإضافَةِ وهي عَلى مَعْنى مِن أيْ بِالحُورِ مِنَ اَلْعِينِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اَللَّهِ (بِعِيسٍ عِينٍ) والعَيْساءُ اَلْبَيْضاءُ تَعْلُوها حُمْرَةٌ

الدخان 44:55

﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ يَطْلُبُونَ ويَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ اَلْفَواكِهِ ولا يَتَخَصَّصُ شَيْءٌ مِنها بِمَكانٍ ولا زَمانٍ ﴿آمِنِينَ﴾ مِنَ اَلضَّرَرِ أيِّ ضَرَرٍ كانَ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْعُونَ﴾ وكَوْنُهُ حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ (يَدْعُونَ) حِينَئِذٍ صِفَةَ اَلْحُورِ والنُّونُ فِيهِ ضَمِيرُ اَلنِّسْوَةِ وزْنُهُ يَفْعَلْنَ لِما فِيهِ مِنَ اِرْتِكابِ خِلافِ اَلظّاهِرِ مَعَ عَدَمِ اَلْمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ.

الدخان 44:56

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ وكَأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُقالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها اَلْمَوْتَ اَلْبَتَّةَ فَوَضَعَ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى مَوْضِعَ ذَلِكَ لِأنَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْماضِيَةَ مُحالٌ ذَوْقُها في اَلْمُسْتَقْبَلِ فَهو مِن بابِ اَلتَّعْلِيقِ بِالمُحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَتِ اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى يَسْتَقِيمُ ذَوْقُها في اَلْمُسْتَقْبَلِ فَإنَّهم يَذُوقُونَها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ اَلْقائِلِ لِمَن يَسْتَسْقِيهِ: لا أسْقِيكَ إلّا اَلْجَمْرَ وقَدْ عُلِمَ أنَّ اَلْجَمْرَ لا يُسْقى، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ والدُّخُولُ فَرْضِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ، وضَمِيرُ (فِيها) لِلْجَنّاتِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ والمُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ لِمُعايَنَةِ ما يُعْطاهُ في اَلْجَنَّةِ كَأنَّهُ فِيها فَكَأنَّهُ ذاقَ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى في اَلْجَنَّةِ، وقِيلَ مُتَّصِلٌ وضَمِيرُ (فِيها) لِلْآخِرَةِ والمَوْتُ أوَّلُ أحْوالِها، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ اَلتَّفْكِيكِ مَعَ اِرْتِكابِ اَلتَّجَوُّزِ، وقِيلَ: اَلِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ والضَّمِيرُ لِلْجَنّاتِ أيْ لَكِنَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى قَدْ ذاقُوها في اَلدُّنْيا، والأصْلُ اِتِّصالُ اَلِاسْتِثْناءِ، وقالَ اَلطَّبَرِيُّ: إلّا بِمَعْنى بَعْدَ، والجُمْهُورُ لَمْ يُثْبِتُوا هَذا اَلْمَعْنى لَها، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إلّا بِمَعْنى سِوى وضَعَّفَهُ اَلطَّبَرِيُّ. وقالَ أبُو حَيّانَ: لَيْسَ تَضْعِيفُهُ بِصَحِيحٍ بَلْ يَصِحُّ اَلْمَعْنى بِسِوى ويَتَّسِقُ. وفائِدَةُ اَلْوَصْفِ تَذْكِيرُ حالِ اَلدُّنْيا. والدّاعِي لِما سَمِعْتَ مِنَ اَلْأوْجُهِ دَفْعُ سُؤالٍ يُورِدُ هَهُنا مِن أنَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى مِمّا مَضى لَهم في اَلدُّنْيا وما هو كَذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَذُوقُوهُ في اَلْجَنَّةِ فَكَيْفَ اِسْتُثْنِيَتْ؟ وقِيلَ: إنَّ اَلسُّؤالَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ اَلِاسْتِثْناءَ مِنَ اَلنَّفْيِ إثْباتٌ فَيَثْبُتُ لِلْمُسْتَثْنى اَلْحُكْمُ اَلْمَنفِيُّ عَنِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ ومُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِلْمَوْتَةِ اَلْأُولى اَلْماضِيَةِ اَلذَّوْقَ في اَلْجَنَّةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن صفحة 137 جَعَلَهُ تَكَلُّمًا بِالباقِي بَعْدَ اَلثُّنْيا، والمَعْنى لا يَذُوقُونَ سِوى اَلْمَوْتَةِ اَلْأوَّلِ مِنَ اَلْمَوْتِ فَلا إشْكالَ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (لا يُذاقُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (لا يَذُوقُونَ فِيها طَعْمَ اَلْمَوْتِ) وجاءَ في اَلْحَدِيثِ اَلنَّوْمُ لِأنَّهُ أخُو اَلْمَوْتِ، أخْرَجَ اَلْبَزّارُ. والطَّبَرانِيُّ في اَلْأوْسَطِ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. والبَيْهَقِيُّ في اَلْبَعْثِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ قالَ: «(قِيلَ يا رَسُولَ اَللَّهِ أيَنامُ أهْلُ اَلْجَنَّةِ؟ قالَ: لا اَلنَّوْمُ أخُو اَلْمَوْتِ وأهْلُ اَلْجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ ولا يَنامُونَ)» .

الدخان 44:57

﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (ووَقّاهُمْ) مُشَدَّدَ اَلْقافِ عَلى اَلْمُبالَغَةِ في اَلتَّكْثِيرِ في اَلْوِقايَةِ لِأنَّ اَلتَّفْعِيلَ لِزِيادَةِ اَلْمَعْنى لا لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ اَلْفِعْلَ مُتَعَدٍّ قَبْلَهُ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ أُعْطُوا كُلَّ ذَلِكَ عَطاءً وتَفَضُّلًا مِنهُ تَعالى فَهو نُصِبَ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ حالًا ومَفْعُولًا لَهُ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ إيجابِ أعْمالِهِمُ اَلْإثابَةَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقُرِئَ (فَضْلٌ) بِالرَّفْعِ أيْ ذَلِكَ فَضْلٌ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِأنَّهُ فَوْزٌ بِالمَطالَبِ وخَلاصٌ مِنَ اَلْمَكارِهِ

الدخان 44:58

﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أيْ فَإنَّما سَهَّلْنا اَلْقُرْآنَ ﴿بِلِسانِكَ﴾ أيْ بِلُغَتِكَ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى أنْزَلْناهُ عَلى لِسانِكَ بِلا كِتابَةٍ لِكَوْنِهِ أُمِّيًّا، وهَذا فَذْلَكَةٌ وإجْمالٌ لِما في اَلسُّورَةِ بَعْدَ تَفْصِيلٍ تَذْكِيرًا لِما سَلَفَ مَشْرُوحًا فِيها، فالمَعْنى ذَكِّرْهم بِالكِتابِ اَلْمُبِينِ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ كَيْ يَفْهَمُوهُ ويَتَذَكَّرُوا بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ

الدخان 44:59

﴿فارْتَقِبْ﴾ أيْ وإنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوا فانْتَظِرْ ما يَحِلُّ بِهِمْ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ إلَخْ ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ مُنْتَظِرُونَ ما يَحِلُّ بِكَ كَما قالُوا: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ مُرْتَقَبُونَ ما يَحِلُّ بِهِمْ تَهَكُّمًا، وقِيلَ: هو مُشاكَلَةٌ، والمَعْنى أنَّهم صائِرُونَ لِلْعَذابِ، وفي اَلْآيَةِ مِنَ اَلْوَعْدِ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: فِيها اَلْأمْرُ بِالمُتارَكَةِ وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ اَلسَّيْفِ فَلا تَغْفُلْ. * * * ومِن بابِ اَلْإشارَةِ في اَلْآياتِ: ما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى آخِرِ اَلْقِصَّةِ مِن تَطْبِيقِ ذَلِكَ عَلى ما في اَلْأنْفُسِ، وهو مِمّا يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْناهُ في بابِ اَلْإشارَةِ مِن هَذا اَلْكِتابِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلا نُطِيلُ بِهِ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى اَلْوَحْدَةِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ وأفْصَحَ بَعْضُهم فَقالَ: اَلْحَقُّ هو عَزَّ وجَلَّ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ما خَلَقْناهُما إلّا بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ مَرايا لِظُهُورِ اَلْحَقِّ جَلَّ وعَلا، ومَن جَعَلَ مِنهُمُ اَلْباءَ لِلْمُلابَسَةِ أنْشَدَ: رَقَّ اَلزُّجاجُ وراقَتِ اَلْخَمْرُ فَتَشاكَلا وتَشابَهَ اَلْأمْرُ فَكَأنَّما خَمْرٌ ولا قَدَحٌ ∗∗∗ وكَأنَّما قَدَحٌ ولا خَمْرُ والعِبارَةُ ضَيِّقَةٌ والأمْرُ طَوْرَ ما وراءَ اَلْعَقْلِ والسُّكُوتُ أسْلَمُ، وقالُوا في شَجَرَةِ اَلزَّقُّومِ: هي شَجَرَةُ اَلْحِرْصِ وحَبِّ اَلدُّنْيا تَظْهَرُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ عَلى أسْوَأِ حالٍ وأخْبَثِ طَعْمٍ، وقالُوا ﴿المَوْتَةَ الأُولى﴾ ما كانَ في اَلدُّنْيا بِقَتْلِ اَلنَّفْسِ بِسَيْفِ اَلصِّدْقِ في اَلْجِهادِ اَلْأكْبَرِ وهو اَلْمُشارُ إلَيْهِ بِمُوتُوا قَبْلَ أنْ تَمُوتُوا فَمَن ماتَ ذَلِكَ اَلْمَوْتَ حَيِيَ أبَدًا اَلْحَياةَ اَلطَّيِّبَةَ اَلَّتِي لا يُمازِجُها شَيْءٌ مِن ماءِ اَلْألَمِ اَلْجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ وذَلِكَ هو اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ، واَللَّهُ تَعالى يَقُولُ اَلْحَقَّ وهو سُبْحانَهُ يَهْدِي اَلسَّبِيلَ.