Tafsir Al-Alusi — محمد 47:1 – الفتح 48:29
المحتويات
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
محمد 47:1
سُورَةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وهي مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ ولَمْ يَذْكُرُوا اسْتِثْناءً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلى آخِرِهِ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلَيْها وقالَ: (أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ وأنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلَيَّ ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ مِنكِ)».
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَيَكُونُ مَكِّيًّا بِناءً عَلى أنَّ ما نَزَلَ في طَرِيقِ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. أعْنِي ما نَزَلَ في سَفَرِ الهِجْرَةِ مِنَ المَكِّيِّ اصْطِلاحًا كَما يُؤْخَذُ مِن أثَرٍ أخْرَجَهُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ بِسَنَدِهِ إلى يَحْيى بْنِ سَلّامٍ، وعِدَّةُ آيِها أرْبَعُونَ في البَصْرِيِّ وثَمانٍ وثَلاثُونَ في الكُوفِيِّ وتِسْعٌ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وثَلاثُونَ فِيما عَداهُما، والخِلافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ولا يَخْفى قُوَّةُ ارْتِباطِ أوَّلِها بِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها واتِّصالُهُ وتَلاحُمُهُ بِحَيْثُ لَوْ سَقَطَتْ مِنَ البَيْنِ البَسْمَلَةُ لَكانا مُتَّصِلًا واحِدًا لا تَنافُرَ فِيهِ كالآيَةِ الواحِدَةِ آخِذًا بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، «وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقْرَؤُها في صَلاةِ المَغْرِبِ».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ آيَةً فِينا وآيَةً في بَنِي أُمَيَّةَ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ الخَبَرِ. نَعَمْ لِكُفّارِ بَنِي أُمَيَّةَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِن عُمُوماتِ الآياتِ الَّتِي في الكُفّارِ كَما أنَّ لِأهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ المُعَلّى والرَّقِيبُ مِن عُمُوماتِ الآياتِ الَّتِي في المُؤْمِنِينَ، وأكْثَرُ مِن هَذا لا يُقالُ سِوى أنِّي أقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن قَطَعَ الأرْحامَ وآذى الآلَ.
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ أوْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنْ ذَلِكَ عَلى أنَّ صَدَّ لازِمٌ أوْ مُتَعَدٍّ، قالَ في الكَشْفِ: والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هو الإعْراضُ عَمّا أتى بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ فَيُطابِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وكَثِيرٌ مِنَ الآثارِ تُؤَيِّدُ الثّانِي، وفَسَّرَ الضَّحّاكُ ( سَبِيلِ اللَّهِ ) بِبَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ: صَدُّهم عَنْهُ مَنعُهم قاصِدِيهِ ولَيْسَ بِذَلِكَ.
صفحة 37
والآيَةُ عامَّةٌ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في ( صَدُّوا ) المُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ الكُبْرى، وكَأنَّهُ عَنى مَن يَدْخُلُ في العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا صادِّينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَصَدُّهم أعْظَمُ مِن صَدِّ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَفَرَ وصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ، وأوَّلُ مَن أطْعَمَ مِنهم عَلى ما نُقِلَ عَنْ سِيرَةِ ابْنِ سَيِّدِ النّاسِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَحَرَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ حِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ عَشْرًا مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ نَحَرَ تِسْعًا بِعُسْفانَ، ثُمَّ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو نَحَرَ بِقَدِيدٍ عَشْرًا ثُمَّ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وقَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ نَحَرَ تِسْعًا ثُمَّ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحَرَ عَشْرًا، ثُمَّ مَقِيسٌ الجُمَحِيُّ بِالأبْواءِ نَحَرَ تِسْعًا، ثُمَّ العَبّاسُ نَحَرَ عَشْرًا، والحَرْثُ بْنُ عامِرٍ نَحَرَ تِسْعًا، وأبُو البُخْتَرِيِّ عَلى ماءِ بَدْرٍ نَحَرَ عَشْرًا، ومَقِيسٌ تِسْعًا ثُمَّ شَغَلَتْهُمُ الحَرْبُ فَأكَلُوا مِن أزْوادِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا سِتَّةَ نَفَرٍ نَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلٍ والحَرْثُ ابْنا هِشامٍ، وضَمَّ مُقاتِلٌ إلَيْهِمْ سِتَّةً أُخْرى وهم عامِرُ بْنُ نَوْفَلٍ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَوْمًا الأحابِيشَ والجُنُودَ يَسْتَظْهِرُونَ بِهِمْ عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يُنافِي عَدُّ أبِي سُفْيانَ إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ مِن أُولَئِكَ كَوْنَهُ مَعَ العِيرِ لِأنَّ المُرادَ بِيَوْمِ بَدْرٍ زَمَنُ وقْعَتِها فَيَشْمَلُ مَن أطْعَمَ في الطَّرِيقِ وفي مُدَّتِها حَتّى انْقَضَتْ، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإسْلامِ ويَأْمُرُونَهم بِالكُفْرِ، وقِيلَ: هم شَياطِينُ مِن أهْلِ الكِتابِ صَدُّوا مَن أرادَ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ.
والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وأحْبَطَها وجَعَلَها ضائِعَةً لا أثَرَ لَها ولا نَفْعَ أصْلًا لا بِمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ أبْطَلَها وأحْبَطَها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ حَكَمَ بِبُطْلانِها وضَياعِها وأُرِيدَ بِها ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ وقِرى الأضْيافِ وفَكِّ الأُسارى وغَيْرِها مِنَ المَكارِمِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَعَلَها ضَلالًا أيْ غَيْرَ هُدًى حَيْثُ لَمْ يُوَفِّقْهم سُبْحانَهُ لِأنْ يَقْصِدُوا بِها وجْهَهُ سُبْحانَهُ أوْ جَعَلَها ضالَّةً أيْ غَيْرَ مُهْتَدِيَةٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ومَن قالَ الآيَةُ في المُطْعِمِينَ وأضْرابِهِمْ قالَ: المَعْنى أبْطَلَ جَلَّ وعَلا ما عَمِلُوهُ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالإنْفاقِ الَّذِي أنْفَقُوهُ في سَفَرِهِمْ إلى مُحارَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ ﷺ وإظْهارِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ولَعَلَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدَهُ، وكَذا بِما قِيلَ إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِبَدْرٍ.
محمد 47:2
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ، وفَسَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأهْلِ مَكَّةَ قُرَيْشٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم ناسٌ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أعَمُّ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ فَإنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ ولا داعِيَ لِلتَّخْصِيصِ ﴿وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ مِنَ القُرْآنِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ الإيمانُ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وأنَّهُ الأصْلُ في الكُلِّ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو جُمْلَةٌ مُعْتَرَضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُفِيدَةٌ لِحَصْرِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ عَلى طَرِيقَةِ الحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ وقَوْلُكُ: حاتِمٌ الجَوادُ فَيُرادُ بِالحَقِّ ضِدُّ الباطِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحَصْرُ عَلى ظاهِرِهِ والحَقُّ الثّابِتُ، وحَقِّيَّةُ ما نَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ ناسِخًا لا يُنْسَخُ
صفحة 38
وهَذا يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِهِ ومِنهُ جاءَ التَّأْكِيدُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى ( مِن رَبِّهِمْ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( الحَقُّ ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُقْسِمٍ (نُزِلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والأعْمَشُ (أُنْزِلَ) مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ (أنَزَلَ) بِالهَمْزِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (ونَزَلَ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ سَتَرَها بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، والمُرادُ أزالَها ولَمْ يُؤاخِذْهم بِها ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ حالَهم في الدِّينِ والدُّنْيا بِالتَّوْفِيقِ والتَّأْيِيدِ، وتَفْسِيرُ البالِ بِالحالِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وعَنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالشَّأْنِ وهو الحالُ أيْضًا أوْ ما لَهُ خَطَرٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الرّاغِبِ: البالُ الحالُ الَّتِي يَكْتَرِثُ بِها، ولِذَلِكَ يُقالُ: ما بالَيْتُ بِكَذا بالَةً أيْ ما اكْتَرَثْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ)» الحَدِيثَ.
ويَكُونُ بِمَعْنى الخاطِرِ القَلْبِيِّ ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ القَلْبِ كَما قالَ الشِّهابُ. وفي البَحْرِ حَقِيقَةُ البالِ الفِكْرُ والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الإنْسانِ وهو القَلْبُ ومَن صَلَحَ قَلْبُهُ صَلُحَتْ حالُهُ، فَكَأنَّ اللَّفْظَ مُشِيرٌ إلى صَلاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحالِ تابِعٌ لَهُ، وحُكِيَ عَنِ السَّفاقْسِيِّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالفِكْرِ وكَأنَّهُ لِنَحْوِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وهو كَما في البَحْرِ أيْضًا مِمّا لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ وشَذَّ قَوْلُهم في جَمْعِهِ بالاتٌ
محمد 47:3
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ الإضْلالِ والتَّكْفِيرِ والإصْلاحِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ اتِّباعِ الأوَّلِينَ الباطِلَ واتِّباعِ الآخِرِينَ الحَقَّ والمُرادُ بِالحَقِّ والباطِلِ مَعْناهُما المَشْهُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَ ( الباطِلَ ) بِالشَّيْطانِ. وفي البَحْرِ قالَ مُجاهِدٌ: الباطِلُ الشَّيْطانُ وكُلُّ ما يَأْمُرُ بِهِ ﴿والحَقَّ﴾ هو الرَّسُولُ والشَّرْعُ، وقِيلَ: الباطِلُ ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ( وبِأنَّ ) إلَخْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ الأمْرُ ذَلِكَ أيْ كَما ذُكِرَ مُلْتَبِسًا بِهَذا السَّبَبِ.
والعامِلُ في الحالِ إمّا مَعْنى الإشارَةِ وإمّا نَحْوَ أثْبَتُهُ وأحَقُّهُ فَإنَّ الجُمْلَةَ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَضْمُونُ كُلِّ خَبَرٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابًا لِلْحَذْفِ مِن غَيْرِ داعٍ لَهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ أعْنِي ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَوْضِعِ الحالِ عَلى كُلِّ حالٍ، والكَلامُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ السَّبَبِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ البِناءِ عَلى المَوْصُولِ، ويُسَمِّيهِ عُلَماءُ البَيانِ التَّفْسِيرُ، ونَظِيرُهُ ما أنْشَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِنَفْسِهِ:
بِهِ فُجِعَ الفُرْسانُ فَوْقَ خُيُولِهِمْ كَما فَجُعِتْ تَحْتَ السُّتُورِ العَواتِقُ
تَساقَطَ مِن أيْدِيهِمُ البَيْضُ حَيْرَةً ∗∗∗ وزَعْزَعَ عَنْ أجْيادِهِنَّ المُخانِقُ
فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرًا عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في الآيَةِ وهو مِن مَحاسِنِ الكَلامِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيْ يُبَيِّنُ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ ﴿أمْثالَهُمْ﴾ أيْ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وأوْصافَهُما الجارِيَةَ في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ، وهي اتِّباعُ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ وفَوْزُهم وفَلاحُهُمْ، واتِّباعُ الكافِرِينَ الباطِلَ وخَيْبَتُهم وخُسْرانُهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِضَرْبِ الأمْثالِ التَّمْثِيلُ والتَّشْبِيهُ بِأنْ جَعَلَ سُبْحانَهُ اتِّباعَ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكُفّارِ والإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَتِهِمْ واتِّباعَ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِهِمْ والإشارَةُ بِذَلِكَ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ ( أمْثالَهم ) لِلنّاسِ
محمد 47:4
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخَيْبَتَهم
صفحة 39
وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهم مِمّا يُوجِبُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإذا لَقِيتُمُوهم في المَحارِبِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لَقِيتُمُ ) مِنَ اللِّقاءِ وهو الحَرْبُ و(ضَرْبَ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والأصْلُ اضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ بِما أُضِيفَ إلى مَعْمُولِهِ واجِبٌ، وهو أحَدُ مَواضِعَ يَجِبُ فِيها الحَذْفُ ذُكِرَتْ في مُطَوَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ولَيْسَ مِنها نَحْوَ ضَرْبًا زَيْدًا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ فِيما ذُكِرَ اخْتِصارًا وتَأْكِيدًا ولا كَلامَ في الِاخْتِصارِ، وأمّا التَّأْكِيدُ فَظاهِرُ القَوْلِ بِهِ أنَّ المَصْدَرَ بَعْدَ حَذْفِ عامَلِهِ مُؤَكِّدٌ، وقالَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ: إنَّ المَصْدَرَ في ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ في الأصْلِ وأمّا الآنُ فَلا لِأنَّهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الَّذِي سَدَّ هو مَسَدَّهُ فَلا يَكُونُ مُؤَكِّدًا بَلْ كُلُّ مَصْدَرٍ صارَ بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ لا يَكُونُ مُؤَكِّدًا ولا مُبَيِّنًا لِنَوْعٍ ولا عَدَدٍ، و(ضَرْبَ الرِّقابِ) مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ القَتْلِ، وعُبِّرَ بِهِ عَنْهُ إشْعارًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ حَيْثُ أمْكَنَ وتَصْوِيرًا لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ لِأنَّ ضَرْبَ الرَّقَبَةِ فِيهِ إطارَةُ الرَّأْسِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضاءِ البَدَنِ ومَجْمَعُ حَواسِّهِ وبَقاءُ البَدَنِ مُلْقًى عَلى هَيْئَةٍ مُنْكَرَةٍ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّ في التَّعْبِيرِ المَذْكُورِ تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم مِنهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ القَتْلِ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ في الحَرْبِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ القَتْلَ بِهِمْ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ مِن ثَخْنِ المائِعاتِ لِمَنعِهِ عَنِ الحَرَكَةِ، والمُرادُ حَتّى إذا أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وتَمَكَّنْتُمْ مِن أخْذِ مَن لَمْ يُقْتَلْ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ أيْ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهُمْ، فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ مَن أُسِرَ مِنهم بَعْدَ إثْخانِهِمْ لا لِلْمُثْخِنِ إذْ هو بِالمَعْنى السّابِقِ لا يُشَدُّ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِ ولا يُفْدى لِأنَّهُ قَدْ قُتِلَ أوِ المَعْنى حَتّى إذا أثْقَلْتُمُوهم بِالجِراحِ ونَحْوَهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ النُّهُوضَ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهم فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ المُثْخَنِ لِأنَّهُ بِهَذا المَعْنى هو الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ القَتْلِ لَكِنْ ثَقُلَ عَنِ الحَرَكَةِ فَصارَ كالشَّيْءِ الثَّخِينِ الَّذِي لَمْ يُسَلْ ولَمْ يَسْتَمِرَّ في ذَهابِهِ، والإثْخانُ عَلَيْهِ مَجازٌ أيْضًا، ( والوَثاقَ ) في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالخَلاصِ وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما يُوثَقُ بِهِ. وقُرِئَ (الوَثاقِ) بِالكَسْرِ وهو اسْمٌ لِذَلِكَ، ومَجِيءُ فَعالٍ اسْمَ آلَةٍ كالحِزامِ والرِّكابِ نادِرٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ كُلًّا مِنَ المَفْتُوحِ والمَكْسُورِ اسْمٌ لِما يُوثَقُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ المُرادِ هُنا.
﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا تُمَنُّونَ مِنّا وإمّا تُفْدَوْنَ فِداءً، والكَلامُ تَفْصِيلٌ لِعاقِبَةِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن شَدِّ الوَثاقِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ:
لَأجْهَدْنَ فَإمّا دَرْءُ واقِعَةٍ تُخْشى وإمّا بُلُوغُ السُّؤْلِ والأمَلِ
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ كُلٍّ مِن ( مَنًّا وفِداءً ) مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ أوْلُوهم ( مَنًّا ) أوِ اقْبَلُوا مِنهم فِداءً، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ إعْرابٌ نَحْوِيٌّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ ( وإمّا فَدى) بِالفَتْحِ والقَصْرِ كَعَصا. وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَصْرُهُ لِأنَّهُ مَصْدَرُ فادَيْتُهُ، قالَ الشِّهابُ: ولا عِبْرَةَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ أرْبَعَ لُغاتٍ: الفَتْحُ والكَسْرُ مَعَ المَدِّ والقَصْرِ ولُغَةٌ خامِسَةٌ البِناءُ مَعَ الكَسْرِ كَما حَكاهُ الثِّقاتُ انْتَهى، وفي الكَشْفِ نَقْلًا عَنِ الصِّحاحِ الفِداءُ إذا كُسِرَ أوَّلُهُ يُمَدُّ ويُقْصَرُ وإذا فُتِحَ فَهو مَقْصُورٌ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ الهَمْزَةَ أيْ يَبْنِيهِ عَلى الكَسْرِ إذا جاوَزَ لامَ الجَرِّ خاصَّةً لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى الدُّعاءِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ بَيْتَ النّابِغَةِ مَهْلًا فِداءً لَكِ. وهَذا الكَسْرُ مَعَ التَّنْوِينِ
صفحة 40
كَما صَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ امْتِناعُ القَتْلِ بَعْدَ الأسْرِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أتى الحَجّاجُ بِأُسارى فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ وفي حُكْمِ الأُسارى خِلافٌ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ الإمامَ بِالخِيارِ إنْ شاءَ قَتَلَهم إنْ لَمْ يُسْلِمُوا لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَتَلَ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ الَّتِي قالَتْ فِيهِ أُخْتُهُ أبْياتًا مِنها تُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ:
ما كانَ ضَرُّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما ∗∗∗ مَنَّ الفَتى وهو المُغِيظُ المُحْنِقُ
ولِأنَّ في قَتْلِهِمْ حَسْمَ مادَّةِ فَسادِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، ولَيْسَ لِواحِدٍ مِنَ الغُزاةِ أنْ يَقْتُلَ أسِيرًا بِنَفْسِهِ فَإنْ فَعَلَ بِلا مُلْجِئٍ كَخَوْفِ شَرِّ الأسِيرِ كانَ لِلْإمامِ أنْ يُعَزِّرَهُ إذا وقَعَ عَلى خِلافِ مَقْصُودِهِ ولَكِنْ لا يَضْمَنُ شَيْئًا، وإنْ شاءَ اسْتَرَقَّهم لِأنَّ فِيهِ دَفْعَ شَرِّهِمْ مَعَ وُفُورِ المَصْلَحَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، وإنْ شاءَ تَرَكَهم ذِمَّةً أحْرارًا لِلْمُسْلِمِينَ كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ في أهْلِ السَّوادِ إلّا أُسارى مُشْرِكِي العَرَبِ والمُرْتَدِّينَ فَإنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم بَلِ الحُكْمُ فِيهِمْ إمّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإنْ أسْلَمَ الأُسارى بَعْدَ الأسْرِ لا يَقْتُلُهم لِانْدِفاعِ شَرِّهِمْ بِالإسْلامِ، ولَكِنْ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم فَإنَّ الإسْلامَ لا يُنافِي الرِّقَّ جَزاءً عَلى الكُفْرِ الأصْلِيِّ وقَدْ وُجِدَ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى الحَرْبِيِّ غَيْرِ المُشْرِكِ مِنَ العَرَبِ، بِخِلافِ ما لَوْ أسْلَمُوا مِن قَبْلِ الأخْذِ فَإنَّهم يَكُونُونَ أحْرارًا لِأنَّهُ إسْلامٌ قَبْلَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ فِيهِمْ، ولا يُفادى بِالأُسارى في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما في ذَلِكَ مِن مَعُونَةِ الكُفْرِ لِأنَّهُ يَعُودُ الأسِيرُ الكافِرُ حَرْبًا عَلَيْنا، ودَفْعُ شَرِّ حَرابَتِهِ خَيْرٌ مِنِ اسْتِنْقاذِ المُسْلِمِ لِأنَّهُ إذا بَقِيَ في أيْدِيهِمْ كانَ ابْتِلاءً في حَقِّهِ فَقَطْ، والضَّرَرُ بِدَفْعِ أسِيرِهِمْ إلَيْهِمْ يَعُودُ عَلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ.
والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْهُ أنَّهُ يُفادى وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ والإمامِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ إلّا بِالنِّساءِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ المُفاداةُ بِهِنَّ عِنْدَهُمْ، ومَنَعَ أحْمَدُ المُفاداةَ بِصِبْيانِهِمْ، وهَذِهِ رِوايَةُ السِّيَرِ الكَبِيرِ، قِيلَ: وهو أظْهَرُ الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ المُفاداةُ بِالأُسارى قَبْلَ القِسْمَةِ لا بَعْدَها، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِكُلِّ حالٍ.
ووَجْهُ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ مِن جَوازِ المُفاداةِ أنَّ تَخْلِيصَ المُسْلِمِ أوْلى مِن قَتْلِ الكافِرِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ ولِأنَّ حُرْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وما ذُكِرَ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْنا بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ يَدْفَعُهُ ظاهِرًا المُسْلِمُ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنهم لِأنَّهُ ضَرَرُ شَخْصٍ واحِدٍ فَيَقُومُ بِدَفْعِهِ واحِدٌ مِثْلُهُ ظاهِرًا فَيَتَكافَئانِ وتَبْقى فَضِيلَةُ تَخْلِيصِ المُسْلِمِ وتَمْكِينِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ فِيها زِيادَةَ تَرْجِيحٍ.
ثُمَّ إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِمْرانَ ابْنِ حُصَيْنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، ويُحْتَجُّ لِمُحَمَّدٍ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ «عَنْ أبِيهِ سَلَمَةَ قالَ: خَرَجْنا مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَّرَهُ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أنْ قالَ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ يَعْنِي الَّتِي نَفَلَهُ أبُو بَكْرٍ إيّاها. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أعْجَبَتْنِي وما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: (يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ لِلَّهِ أبُوكَ) فَقُلْتُ: هي لَكَ يا رَسُولِ اللَّهِ فَواللَّهِ ما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَدى بِها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أُسِرُوا بِمَكَّةَ».
ولا يُفادى بِالأسِيرِ إذا أسْلَمَ وهو
صفحة 41
بِأيْدِينا لِأنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا إذا طابَتْ نَفْسُهُ وهو مَأْمُونٌ عَلى إسْلامِهِ فَيَجُوزُ لِأنَّهُ يُفِيدُ تَخْلِيصَ مُسْلِمٍ مِن غَيْرِ إضْرارٍ بِمُسْلِمٍ آخَرَ، وأمّا المُفاداةُ بِمالٍ فَلا تَجُوزُ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ لِما بَيَّنَ في المُفاداةِ بِالمُسْلِمِينَ مِن رَدِّهِمْ حَرْبًا عَلَيْنا. وفي السَّيْرِ الكَبِيرِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا كانَ بِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ. قِيلَ: اسْتِدْلالًا بِأُسارى بَدْرٍ فَإنَّهُ لا شَكَّ في احْتِياجِ المُسْلِمِينَ بَلْ في شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إذْ ذاكَ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ المُفاداةِ الكائِنَةِ في بَدْرٍ بِالمالِ. وأمّا المَنُّ عَلى الأُسارى وهو أنْ يُطَلِّقَهم إلى دارِ الحَرْبِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ وأحْمَدَ، وأجازَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنَّ عَلى جَماعَةٍ مِن أسْرى بَدْرٍ مِنهم أبُو العاصِ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ، وأبُو دُوادَ مِن طَرِيقِهِ إلى عائِشَةَ «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ في فِداءِ أسْراهم بَعَثَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في فِداءِ أبِي العاصِ بِمالٍ وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ كانَتْ خَدِيجَةُ أدْخَلَتْها بِها عَلى أبِي العاصِ حِينَ بِنائِهِ عَلَيْها فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ رَقَّ لَها رِقَّةً شَدِيدَةً وقالَ لِأصْحابِهِ: (إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها وتَرُدُّوا لَها الَّذِي لَها) فَفَعَلُوا ذَلِكَ مُغْتَبِطِينَ بِهِ،» ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وزادَ «(وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أخَذَ عَلَيْهِ أنْ يُخَلِّيَ زَيْنَبَ إلَيْهِ فَفَعَلَ) ومَنَّ ﷺ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أثالِ ابْنِ النُّعْمانِ الحَنَفِيِّ سَيِّدِ أهْلِ اليَمامَةِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ،» وحَدِيثُهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ويَكْفِي ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(لَوْ كانَ المُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَّتْنى- يَعْنِي أُسارى بَدْرٍ- لَتَرَكْتُهم لَهُ)» فَإنَّهُ ﷺ أخْبَرَ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ بِأنَّهُ يُطْلِقُهم لَوْ سَألَهُ المُطْعَمُ، والإطْلاقُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ إلّا وهو جائِزٌ شَرْعًا لِمَكانِ العِصْمَةِ، وكَوْنُهُ لَمْ يَقَعْ لِعَدَمِ وُقُوعِ ما عُلِّقَ عَلَيْهِ لا يَنْفِي جَوازَهُ شَرْعًا.
واسْتُدِلَّ أيْضًا بِالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ فِيها بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَنِّ الإطْلاقُ مَجّانًا وكَوْنُ المُرادِ المَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ القَتْلِ وإبْقاءَهم مُسْتَرِقِّينَ أوْ تَخْلِيَتِهِمْ لِقَبُولِ الجِزْيَةِ وكَوْنُهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وبَعْضُ النُّفُوسِ يَجِدُ طُعْمَ الآلاءِ أحْلى مِن هَذا المَنِّ. وأجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنَّ الآيَةَ مَنسُوحَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن سُورَةِ بَراءَةَ فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوازِ المَنِّ وكَذا عَدَمَ جَوازِ الفِداءِ وهي آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في هَذا الشَّأْنِ، وزَعَمَ أنَّ ما وقَعَ مِنَ المَنِّ والفِداءِ إنَّما كانَ في قَضِيَّةِ بَدْرٍ وهي سابِقَةٌ عَلَيْها وإنْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ فَهو أيْضًا قَبْلَ السُّورَةِ.
والقَوْلُ بِالنَّسْخِ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ في رِواياتٍ ذَكَرَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الهَمّامِ: قَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ- يَعْنِي ما في سُورَةِ بَراءَةَ- في حَقِّ غَيْرِ الأُسارى بِدَلِيلِ جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ فِيهِمْ فَيُعْلَمُ أنَّ القَتْلَ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وما ذَكَرَهُ في جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ إذْ لا يَجُوزُ كَما عَلِمْتَ اسْتِرْقاقَ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ آلاتِها وأثْقالَها مِنَ السِّلاحِ وغَيْرِهِ، قالَ الأعْشى:
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا
ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تُساقُ إلى الحَرْبِ عِيرًا فَعِيرًا
وهِيَ في الأصْلِ الأحْمالُ فاسْتُعِيرَتْ لِما ذُكِرَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ( الحَرْبُ ) اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ بِإنْسانٍ يَحْمِلُ حَمْلًا عَلى رَأْسِهِ أوْ ظَهْرِهِ ويَثْبُتُ لَها ما أُثْبِتَ تَخْيِيلًا، وكَلامُ الكَشّافِ أمِيلُ
صفحة 42
إلَيْهِ، وقِيلَ:
هِيَ أحْمالُ المُحارِبِ أُضِيفَتْ لِلْحَرْبِ تَجَوُّزًا في النِّسْبَةِ الإضافِيَّةِ وتَغْلِيبًا لَها عَلى الكُراعِ، وإسْنادُ الوَضْعِ لِلْحَرْبِ مَجازِيٌّ أيْضًا ولَيْسَ بِذاكَ. وعَدَّ بَعْضُ الأماثِلِ الكَلامَ تَمْثِيلًا، والمُرادُ حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إرادَةُ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى. فَإنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ انْقِضاءِ السَّفَرِ والإقامَةِ، قِيلَ: الأوْزارُ جَمْعُ وِزٍ بِمَعْنى إثْمٍ وهو هُنا الشِّرْكُ والمَعاصِي، و( تَضَعُ ) بِمَعْنى تَتْرُكُ مَجازًا، وإسْنادُهُ لِلْحَرْبِ مَجازٌ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمَعْنى حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ شِرْكَهم ومَعاصِيَهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُسْتَحْسَنُ إضافَةُ الأوْزارِ بِمَعْنى الآثامِ إلى الحَرْبِ، ( وحَتّى ) عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ومَن قالَ نَحْوَ قَوْلِهِ: غايَةٌ لِلضَّرْبِ، والمَعْنى اضْرِبُوا أعْناقَهم حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ، ولَيْسَ هَذا بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ ولا تَأْكِيدًا لَهُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوهُ مِن أنَّ حَتّى الدّاخِلَةَ عَلى إذا الشَّرْطِيَّةِ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ غايَةٌ لِلشَّدِّ أوْ لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعًا أوْ لِلْمَجْمُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلَخْ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ جارِيَةٌ فِيهِمْ حَتّى لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ شَوْكَتِهِمْ، وقِيلَ: بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والحَسَنِ، وفي الحَدِيثِ ما يُؤَيِّدُهُ. أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَيْلَ قَدْ سُيِّبَتْ ووُضِعَ السِّلاحُ وزَعَمَ أقْوامٌ أنْ لا قِتالَ وأنْ قَدْ وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (كَذَبُوا فالآنَ جاءَ القِتالُ ولا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم يُزِيغُ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَ قَوْمٍ لِيَرْزُقَهم مِنهم وتُقاتِلُونَ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَزالُ الخَيْلُ مَعْقُودًا في نَواصِيها الخَيْرُ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ)».
وهِيَ عِنْدَ مَن يَقُولُ: لا مَنَّ ولا فِداءَ اليَوْمَ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ إنْ حَمَلَ عَلى الحَرْبِ عَلى حَرْبِ بَدْرٍ بِجَعْلِ تَعْرِيفِهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى المَنُّ عَلَيْهِمْ ويُفادُونَ حَتّى تَضَعَ حَرْبُ بَدْرٍ أوْزارَها، وغايَةً لِلضَّرْبِ والشَّدِّ إنْ حُمِلَتْ عَلى الجِنْسِ، والمَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ ويُؤْسَرُونَ حَتّى تَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ أوْزارَها بِأنْ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ، ولا تُجْعَلُ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ.
وفِي زَعْمِ جَوازِهِ والتِزامِ النَّسْخِ كَلامٌ فَتَأمَّلْ ( ذَلِكَ ) أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوِ افْعَلُوا ذَلِكَ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلَخْ لا إلى ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا لِأنَّ افْعَلُوا لا يَقَعُ عَلى جَمِيعِ السّالِفِ وعَلى الرَّفْعِ يَنْفَكُّ النَّظْمُ الجَلِيلُ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ لِأنَّ ما بَعْدُ كَلامٌ فِيهِمْ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ لانْتَقَمَ مِنهم بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلاكِ مِن خَسْفٍ أوْ رَجْفَةٍ أوْ غَرَقٍ أوْ مَوْتٍ جارِفٍ ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ ولَكِنْ أمَرَكم سُبْحانَهُ بِالقِتالِ لِيَبْلُوَ المُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ بِأنْ يُجاهِدُوهم فَيَنالُوا الثَّوابَ ويُخَلَّدُ في صُحُفِ الدَّهْرِ ما لَهم مِنَ الفَضْلِ الجَسِيمِ والكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعاجِلَهم عَزَّ وجَلَّ بِبَعْضِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ فَيَتَّعِظُ بِهِ بَعْضٌ مِنهم ويَكُونُ سَبَبًا لِإسْلامِهِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ اسْتَشْهَدُوا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قاتَلُوا) أيْ جاهَدُوا، والجَحْدَرِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ (قَتَلُوا) بِفَتْحِ القافِ والتّاءِ بِلا ألِفٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا (قُتِّلُوا) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وشَدِّ التّاءِ.
صفحة 43
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ فَلَنْ يُضَيِّعَها سُبْحانَهُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( يُضَلَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (أعَمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقُرِئَ (يَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ (أعْمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. والآيَةُ قالَ قَتادَةُ: كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ ذُكِرَ لَنا «أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ أُحُدٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الشِّعْبِ وقَدْ فَشَتْ فِيهِمُ الجِراحاتُ والقَتْلُ وقَدْ نادى المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ اعْلُ هُبَلُ ونادى المُسْلِمُونَ اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ فَنادى المُشْرِكُونَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وإنَّ الحَرْبَ سِجالٌ لَنا عِزّى ولا عِزّى لَكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم إنَّ القَتْلى مُخْتَلِفَةٌ أمّا قَتْلانا فَأحْياءٌ مَرْزُوقُونَ وأمّا قَتْلاكم فَفي النّارِ يُعَذَّبُونَ)».
ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ قِراءَةِ (قُتِّلُوا) بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ
محمد 47:5
﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ سَيُوصِلُهم إلى ثَوابِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والفَضْلِ العَظِيمِ، وهَذا كالبَيانِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أوْ سَيُثْبِتُ جَلَّ شَأْنُهُ في الدُّنْيا هِدايَتَهُمْ، والمُرادُ الوَعْدُ بِأنْ يَحْفَظَهم سُبْحانَهُ ويَصُونَهم عَمّا يُورِثُ الضَّلالَ وحَبْطَ الأعْمالِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كالبَيانِ لَهُ أيْضًا.
﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ شَأْنَهُمْ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: المُرادُ إصْلاحُ ذَلِكَ في العُقْبى فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ إصْلاحُ شَأْنِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا فَلا تَغْفَلْ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والتَّعْرِيفُ في الآخِرَةِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَهْدِي أهْلَ الجَنَّةِ إلى بُيُوتِهِمْ ومَساكِنِهِمْ وحَيْثُ قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنها لا يُخْطِئُونَ كَأنَّهم ساكِنُوها مُنْذُ خُلِقُوا لا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها أحَدًا، وفي الحَدِيثِ «(لَأحَدُكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُّنْيا)» وذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المَلَكَ الَّذِي كانَ وُكِّلَ بِحِفْظِ عَمَلِ الشَّخْصِ في الدُّنْيا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ في الجَنَّةِ ويَتْبَعُهُ الشَّخْصُ حَتّى يَأْتِيَ أقْصى مَنزِلٍ هو لَهُ فَيُعَرِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ فَإذا انْتَهى إلى أقْصى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ دَخَلَ إلى مَنزِلِهِ وأزْواجِهِ وانْصَرَفَ المَلَكُ عَنْهُ.
ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ حَسَناتِهِ تَكُونُ دَلِيلًا إلى مَنزِلِهِ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى رَسَمَ عَلى كُلِّ مِنزِلٍ اسْمَ صاحِبِهِ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: تَعْرِيفُها تَحْدِيدُها يُقالُ: عَرَّفَ الدّارَ وأرَّفَها أيْ حَدَّدَها أيْ حَدَّدَها لَهم بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جَنَّةٍ مَفْرَزَةٌ، وقِيلَ: أيْ شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلّاها عَلى أنَّ عَرَّفَها مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. ورُوِيَ عَنْ مُؤَرِّجٍ أيْ طَيَّبَها لَهم عَلى أنَّهُ مِنَ العُرْفِ وهو الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ هاهُنا، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ أيْ مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القَدْرَ طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتّابِلِ، وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ التَّعْرِيفَ في الدُّنْيا وهو بِذِكْرِ أوْصافِها، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ يَمْدَحُها لَهم حَتّى عَشِقُوها فاجْتَهَدُوا فِيما يُوصِلُهم إلَيْها:
والأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أحْيانًا وعَلى هَذا المُرادِ قِيلَ:
اشْتاقَهُ مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ كَما تُهْوى الجِنانُ بِطِيبِ الأخْبارِ
محمد 47:6
﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ سَيُوصِلُهم إلى ثَوابِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والفَضْلِ العَظِيمِ، وهَذا كالبَيانِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أوْ سَيُثْبِتُ جَلَّ شَأْنُهُ في الدُّنْيا هِدايَتَهُمْ، والمُرادُ الوَعْدُ بِأنْ يَحْفَظَهم سُبْحانَهُ ويَصُونَهم عَمّا يُورِثُ الضَّلالَ وحَبْطَ الأعْمالِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كالبَيانِ لَهُ أيْضًا.
﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ شَأْنَهُمْ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: المُرادُ إصْلاحُ ذَلِكَ في العُقْبى فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ إصْلاحُ شَأْنِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا فَلا تَغْفَلْ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والتَّعْرِيفُ في الآخِرَةِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَهْدِي أهْلَ الجَنَّةِ إلى بُيُوتِهِمْ ومَساكِنِهِمْ وحَيْثُ قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنها لا يُخْطِئُونَ كَأنَّهم ساكِنُوها مُنْذُ خُلِقُوا لا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها أحَدًا، وفي الحَدِيثِ «(لَأحَدُكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُّنْيا)» وذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المَلَكَ الَّذِي كانَ وُكِّلَ بِحِفْظِ عَمَلِ الشَّخْصِ في الدُّنْيا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ في الجَنَّةِ ويَتْبَعُهُ الشَّخْصُ حَتّى يَأْتِيَ أقْصى مَنزِلٍ هو لَهُ فَيُعَرِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ فَإذا انْتَهى إلى أقْصى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ دَخَلَ إلى مَنزِلِهِ وأزْواجِهِ وانْصَرَفَ المَلَكُ عَنْهُ.
ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ حَسَناتِهِ تَكُونُ دَلِيلًا إلى مَنزِلِهِ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى رَسَمَ عَلى كُلِّ مِنزِلٍ اسْمَ صاحِبِهِ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: تَعْرِيفُها تَحْدِيدُها يُقالُ: عَرَّفَ الدّارَ وأرَّفَها أيْ حَدَّدَها أيْ حَدَّدَها لَهم بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جَنَّةٍ مَفْرَزَةٌ، وقِيلَ: أيْ شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلّاها عَلى أنَّ عَرَّفَها مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. ورُوِيَ عَنْ مُؤَرِّجٍ أيْ طَيَّبَها لَهم عَلى أنَّهُ مِنَ العُرْفِ وهو الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ هاهُنا، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ أيْ مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القَدْرَ طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتّابِلِ، وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ التَّعْرِيفَ في الدُّنْيا وهو بِذِكْرِ أوْصافِها، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ يَمْدَحُها لَهم حَتّى عَشِقُوها فاجْتَهَدُوا فِيما يُوصِلُهم إلَيْها:
والأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أحْيانًا وعَلى هَذا المُرادِ قِيلَ:
اشْتاقَهُ مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ كَما تُهْوى الجِنانُ بِطِيبِ الأخْبارِ
محمد 47:7
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ دِينَهُ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ بَلْ عَلى أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ فِيهِ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ فَنُصْرَتُهُ سُبْحانَهُ نُصْرَةُ رَسُولِهِ ودِينِهِ إذْ هو جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا المُعِينُ النّاصِرُ وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ المُعانَ المَنصُورُ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى أعْدائِكم ويَفْتَحْ لَكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ في مَواطِنِ الحَرْبِ ومَواقِفِها أوْ عَلى مَحَجَّةِ الإسْلامِ، والمُرادُ يُقَوِّيكم أوْ يُوَفِّقُكم لِلدَّوامِ عَلى الطّاعَةِ.
صفحة 44
وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (ويُثْبِتُ) مُخَفَّفًا
محمد 47:8
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ مِن تَعَسَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ العَيْنِ تَعْسًا أيْ سَقَطَ عَلى وجْهِهِ، وضِدُّهُ انْتَعَشَ أيْ قامَ مِن سُقُوطِهِ. وقالَ شِمْرٌ وابْنُ شُمَيْلٍ وأبُو الهَيْثَمِ وغَيْرُهُمْ: تَعِسَ بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُقالُ: تَعْسًا لَهُ ونُكْسًا عَلى أنَّ الأوَّلَ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ بِمَعْنى السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ والثّانِي بِمَعْنى السُّقُوطِ عَلى الرَّأْسِ، وقالَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ: تَعِسَ تَعْسًا أيْ لا انْتَعَشَ مِن عَثْرَتِهِ ونُكْسًا بِضَمِّ النُّونِ وقَدْ تُفْتَحُ إمّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ وإمّا اتِّباعًا لِتَعْسًا، والنُّكْسُ بِالضَّمِّ عَوْدُ المَرَضِ بَعْدَ النَّقَهِ، ويُرادُ بِذَلِكَ الدُّعاءُ، وكَثُرَ في الدُّعاءِ عَلى العاثِرِ تَعْسًا لَهُ، وفي الدُّعاءِ لَهُ لَعا لَهُ أيِ انْتِعاشًا وإقامَةً، وأنْشَدُوا قَوْلَ الأعْشى يَصِفُ ناقَةً:
كَلَفْتُ مَجْهُولَةَ نَفْسِي وشايَعَنِي هَمِّي عَلَيْها إذا ما آلَها لَمَعا
بِذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَثَرَتْ ∗∗∗ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا
وقالَ ثَعْلَبٌ وابْنُ السِّكِّيتِ أيْضًا: التَّعِسُ الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ مَجْمَعِ بْنِ هِلالٍ:
تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مَجْمَعُ
وفِي القامُوسِ التَّعْسُ الهَلاكُ والعِثارُ والسُّقُوطُ والشَّرُّ والبُعْدُ والِانْحِطاطُ والفِعْلُ كَمَنِعَ وسَمِعَ أوْ إذا خاطَبْتَ قُلْتَ:
تَعِسْتُ كَمَنِعَ وإذا حَكَيْتَ قُلْتَ: تَعِسَ كَسَمِعَ، ويُقالُ: تَعَسَهُ اللَّهُ تَعالى وأتْعَسَهُ ورَجُلٌ تاعِسٌ وتَعِسٌ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ يَجِبُ إضْمارُهُ لِأنَّهُ لِلدُّعاءِ كَسُقْيًا ورَعْيًا فَيَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ إذا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ لِلتَّبْيِينِ عِنْدَ كَثِيرٍ أيْ أعْنِي لَهُ مَثَلًا فَنَحْوَ تَعِسًا لَهُ جُمْلَتانِ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ كَلامٌ واحِدٌ، ولِابْنِ هِشامٍ كَلامٌ في هَذا الجارِّ مَذْكُورٌ في بَحْثِ لامِ التَّبْيِينِ فَلْيُنْظَرْ هُناكَ.
واخْتَلَفَتِ العِباراتُ في تَفْسِيرِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ بُعْدًا لَهم وابْنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ أيْ حُزْنًا لَهُمْ، والحَسَنُ أيْ شَتْمًا لَهُمْ، وابْنُ زَيْدٍ أيْ شَقاءٌ لَهُمْ، والضَّحّاكُ أيْ رَغْمًا لَهُمْ، وحَكى النِّقّاشُ تَفْسِيرَهُ بِقُبْحًا لَهُمْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ عُثُورًا وانْحِطاطًا لَهُمْ، وما ألْطَفَ ذِكْرَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ في الدُّنْيا القَتْلَ وفي الآخِرَةِ التَّرَدِّيَ في النّارِ، وأكْثَرُ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في إعْرابِهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَما تَقَدَّمَ. والثّانِي مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ فَقَضى تَعْسًا لَهُمْ، وقَدَّرَ عَلى الأوَّلِ القَوْلَ أيْ فَقالَ: تَعْسًا لَهُمْ، والَّذِي دَعاهُ لِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ جَعْلُ ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةِ المَقْرُونَةِ بِالفاءِ خَبَرًا لَهُ وهي لِإنْشاءِ الدُّعاءِ. والإنْشاءُ لا يَقَعُ خَبَرًا بِدُونِ تَأْوِيلٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَعَها قَوْلٌ أوْ تُجْعَلَ خَبَرًا بِتَقْدِيرِ قَضى، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ عَطْفًا عَلى ما قُدِّرَ.
وفِي الكَشْفِ المُرادُ مِن قالَ: تَعْسًا لَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لا أنَّ ثَمَّ دُعاءً وقَوْلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَدَّعِي عَلى شَخْصٍ إلّا وهو مُسْتَحِقٌّ لَهُ فَإذا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ دَلَّ عَلى تَحَقُّقِ الهَلاكِ لا سِيَّما وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الدُّعاءَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا مَجازٌ عَلى مَجازٍ أعْنِي أنَّ القَوْلَ مَجازٌ وكَذَلِكَ الدُّعاءُ بِالتَّعْسِ، ولَمْ يُجْعَلِ العَطْفُ عَلى تَعْسًا لِأنَّهُ دُعاءٌ، ( وأضَلَّ ) إخْبارٌ، ولَوْ جُعِلَ دُعاءً أيْضًا عَطْفًا عَلى تَعْسًا عَلى التَّجَوُّزِ المَذْكُورِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اعْتِبارَ ما اعْتَبَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ لِأجْلِ أمْرِ العَطْفِ فَقَطْ بَلْ لِأجْلِ أمْرِ الخَبَرِيَّةِ أيْضًا، فَإنْ قِيلَ بِصِحَّةِ الأخْبارِ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ اسْتَغْنى عَمّا قالَهُ بِالكُلِّيَّةِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة 45
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ النّاصِبُ- لِتَعْسًا- أيْ أتْعَسَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ تَعِسَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا تَعْسًا لِما سَمِعْتُ عَنِ القامُوسِ وقَدْ حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والفاءُ زائِدَةٌ في الكَلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ويَزِيدُها العَرَبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ الفِعْلُ مُضارِعًا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ﴾ أيْ ويُتْعِسُ الَّذِينَ إلَخْ. والفاءُ لِلْعَطْفِ فالمُرادُ إتْعاسٌ بَعْدَ إتْعاسٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أوْ لِأنَّ حَقَّ المُفَسِّرِ أنْ يَذْكُرَ عَقِبَ المُفَسَّرِ كالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ، وفِيهِ مَقالٌ.
محمد 47:9
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وسائِرِ الأحْكامِ المُخالِفَةِ لِما ألِفُوهُ واشْتَهَتْهُ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ، وهَذا تَخْصِيصٌ وتَصْرِيحٌ بِسَبَبِيَّةِ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ لِلتَّعْسِ والإضْلالِ إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ سَبَبِيَّةُ مُطْلَقِ الكُفْرِ الدّاخِلِ فِيهِ الكُفْرُ بِالقُرْآنِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِذَلِكَ ﴿فَأحْبَطَ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَأُثِيبُوا عَلَيْها، وذِكْرُ الإحْباطِ مَعَ ذِكْرِ الإضْلالِ المُرادُ هو مِنهُ إشْعارٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ الكُفْرُ بِالقُرْآنِ ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ
محمد 47:10
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ أُقْعِدُوا في أماكِنِهِمْ فَلَمْ يَسِيرُوا فِيها ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَإنَّ آثارَ دِيارِهِمْ تُنْبِئُ عَنْ أخْبارِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟ فَقِيلَ: أُهْلِكَ ما يُخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ يُقالُ: دَمَّرَهُ أهْلَكَهُ دَمَّرَ عَلَيْهِ أهْلَكَ ما يَخْتَصُّ بِهِ فَدَمَّرَ عَلَيْهِ أبْلَغُ مِن دَمَّرَهُ، وجاءَتِ المُبالَغَةُ مِن حَذْفِ المَفْعُولِ وجَعْلِهِ نَسْيًا مَنسِيًّا والإتْيانُ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ وهي لِتَضَمُّنِ التَّدْمِيرِ مَعْنى الإيقاعِ أوِ الهُجُومِ أوْ نَحْوِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ السّائِرِينَ سَيْرَتَهم ﴿أمْثالُها﴾ أمْثالُ عاقِبَتِهِمْ أوْ عُقُوبَتِهِمْ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْها لَكِنْ لا عَلى أنَّ لِهَؤُلاءِ أمْثالَ ما لِأُولَئِكَ وأضْعافَهُ بَلْ مِثْلَهُ، وإنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَتِهِ لِعَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٍ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابُهم أشَدَّ مِن عَذابِ الأوَّلِينَ وقَدْ قُتِلُوا وأُسِرُوا بِأيْدِي مَن كانُوا يَسْتَخِفُّونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهُمْ، والقَتْلُ بِيَدِ المِثْلِ أشَدُّ مِنَ الهَلاكِ بِسَبَبٍ عامٍّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِينَ المُتَقَدِّمُونَ بِطَرِيقِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَمَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ولَهُمُ في الآخِرَةُ أمْثالُها
محمد 47:11
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ثُبُوتِ أمْثالِ عاقِبَةِ أوْ عُقُوبَةِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِهَؤُلاءِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى النَّصْرِ وهو كَما تَرى ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، وقُرِئَ (ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ فَيَدْفَعُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ، ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ لِأنَّ المَوْلى هُناكَ بِمَعْنى المالِكِ فَلَمْ يَتَوارَدِ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
محمد 47:12
﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم وثَمَرَتِها الأُخْرَوِيَّةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ أيْ يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا أيّامًا قَلائِلَ ﴿ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما
صفحة 46
يَقُولُ سِيبَوَيْهِ أيْ يَأْكُلُونَهُ أيِ الأكْلَ مُشْبِهًا أكْلَ الأنْعامِ، وإمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَما يَقُولُ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ أيْ أكْلًا مِثْلَ أكْلِ الأنْعامِ، والمَعْنى أنَّ أكْلَهم مُجَرَّدٌ مِنَ الفِكْرِ والنَّظَرِ كَما تَقُولُ لِلْجاهِلِ تَعِيشُ كَما تَعِيشُ البَهِيمَةُ لا تُرِيدُ التَّشْبِيهَ في مُطْلَقِ العَيْشِ ولَكِنْ في خَواصِّهِ ولَوازِمِهِ، وحاصِلُهُ أنَّهم يَأْكُلُونَ غافِلِينَ عَنْ عَواقِبِهِمْ ومُنْتَهى أُمُورِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ إقامَةٍ لَهُمْ، حالٌ مُقَدَّرٌ مِن واوِ ( يَأْكُلُونَ) .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا خَيالٌ باطِلٌ وظِلٌّ زائِلٌ، فَتَرَكُوا الشَّهَواتِ وتَفَرَّغُوا لِلصّالِحاتِ، فَكانَ عاقِبَتَهُمُ النَّعِيمُ المُقِيمُ في مَقامٍ كَرِيمٍ وهَؤُلاءِ غَفَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَرَتَعُوا في دِمْنِهِمْ كالبَهائِمِ حَتّى ساقَهُمُ الخِذْلانُ إلى مَقَرِّهِمْ مِن دَرَكِ النِّيرانِ، وهَذا ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ في بَيانِ التَّقابُلِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: في الكَلامِ احْتِباكٌ وذَلِكَ أنَّهُ ذُكِرُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الأعْمالِ الفاسِدَةِ ودُخُولِ النّارِ ثانِيًا وذِكْرُ التَّمَتُّعِ والمَثْوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ التَّقَلُّلِ والمَأْوى أوَّلًا والأوَّلُ أحْسَنُ وأدَقُّ، وأسْنَدَ إدْخالَ الجَنَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَسْلُكْ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وخُولِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّةٍ واسْمِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ والإعْلامِ بِمَصِيرِ المُؤْمِنِينَ والوَعْدِ بِأنَّ عاقِبَتَهم أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُدْخِلُهم جَنّاتٍ وأنَّ الكافِرِينَ مَثْواهُمُ النّارُ وهُمُ الآنَ حاضِرُونَ فِيها ولا يَدْرُونَ وكالبَهائِمِ يَأْكُلُونَ.
محمد 47:13
﴿وكَأيِّنْ﴾ بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ وهي مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ تَمْيِيزٌ لَها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَتِكَ، وقَدْ حُذِفَ عَنْهُما المُضافُ وأُجْرِيَ أحْكامُهُ عَلَيْهِما كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّذِينَ أخْرَجُوكَ أهْلَكْناهم بِأنْواعِ العَذابِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ حَذْفٌ وإنَّما أُطْلِقُ المَحَلُّ وأُرِيدَ الحالُ مَجازًا، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ ﷺ وهي مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ مَجازٌ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ لِأنَّهم عامَلُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما عامَلُوهُ فَكانُوا بِذَلِكَ سَبَبًا لِإخْراجِهِ حِينَ أذِنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالهِجْرَةِ مِنها، ونَظِيرُ ذَلِكَ أقْدِمْنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى ما حَقَّقَهُ الأجِلَّةُ يَحْتَمِلُ أوْجُهًا ثَلاثَةً، مَجازًا في الإسْنادِ إذا كانَ الإقْدامُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وإنْ كانَ مَوْهُومًا. ومَجازًا في الطَّرَفِ إذا كانَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الحَمْلِ عَلى القُدُومِ. واسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ إنْ كانَ الحَقُّ مُسْتَعْمَلًا في المَقْدَمِ، والشَّيْخُ يَقُولُ في مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ مَوْهُومٌ لا فاعِلَ لَهُ لِيَصِيرَ الإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقَةً فَلا إقْدامَ مَثَلًا في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ وإنَّما هو تَصْوِيرُ القُدُومِ بِصُورَةِ الإقْدامِ، وإسْنادُهُ إلى الحَقِّ المُصَوَّرِ بِصُورَةِ المُقَدَّمِ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ داعِيًا لِلْقُدُومِ، وارْتَضاهُ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّلْخِيصِ وذَبَّ عَنْهُ القالَ والقِيلَ، وتَمامُ الكَلامِ هُناكَ، والكَلامُ في الآيَةِ عَلى طُرُزِ ذاكَ، ووَصْفُ القَرْيَةِ الأُولى بِشِدَّةِ القُوَّةِ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّةِ الثّانِيَةِ مِنها بِالإهْلاكِ لِضَعْفِ قُوَّتِها كَما أنَّ وصْفَ الثّانِيَةِ بِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّتِها بِهِ لِقُوَّةِ جِنايَتِها، وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كانَ أكْثَرَ ناصِرًا وأيْسَرَ جُرْمًا مِنكِ ضَرَجَ بِالدَّمِ
صفحة 47
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ خَلاصِهِمْ بِواسِطَةِ الأعْوانِ والأنْصارِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنهُ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ذِكْرِ ما بِالغَيْرِ عَلى ذِكْرِ ما بِالذّاتِ وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ولا نُسَلِّمُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا لَمْ يَعْمَلْ حَقِيقَةً في الماضِيَةِ، والآيَةُ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلى مَكَّةَ وقالَ: «(أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ وأنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلَيَّ ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ مِنكِ)»
فَأعْدى الأعْداءِ مَن عَدا عَلى اللَّهِ تَعالى في حَرَمِهِ أوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ أوْ قَتَلَ بِدُخُولِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ فَتَذَكَّرْ.
محمد 47:14
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِتَبايُنِ حالِ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وكَوْنِ الأوَّلِينَ في أعْلى عِلِّيِّينَ والآخَرِينَ في أسْفَلِ سافِلِينَ وبَيانٌ لِعِلَّةٍ ما لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الحالِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ اسْتِوائِهِما أوْ لِإنْكارِ كَوْنِ الأمْرِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وقَدْ قُرِئَ بِدُونِها، و(مَن) عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَمَسِّكِينَ بِأدِلَّةِ الدِّينِ كَما أنَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ أضْدّادِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ( مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ) هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ و( مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) هُمُ المُشْرِكُونَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ التَّخْصِيصَ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ ولا داعِيَ إلَيْهِ، قِيلَ: ومَثَلُهُ كَوْنُ (مَنِ) الأوَّلِ عِبارَةٌ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أيَسْتَوِي الفَرِيقانِ أوْ ألَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَمَن كانَ ثابِتًا عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ مِن مالِكِ أمْرِهِ ومُرَبِّيهِ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ وسائِرُ المُعْجِزاتِ والحُجَجِ العَقْلِيَّةِ كَمَن زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطانُ عَمَلَهُ السَّيِّئَ مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي كَإخْراجِكَ مِن قَرْيَتِكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ أقْبَحَ القَبائِحِ ﴿واتَّبَعُوا﴾ في ذَلِكَ العَمَلِ السَّيِّئِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّزْيِينِ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شُبْهَةٌ تُوِهِمُ صِحَّةَ ما هم عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ تَدُلُّكَ عَلَيْها. وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ إفْرادَ الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
محمد 47:15
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لَشَرَحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ آنِفًا لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيانُ كَيْفِيَّةِ أنْهارِها الَّتِي أُشِيرَ إلى جَرَيانِها مِن تَحْتِها وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ إيذانًا بِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مِن بابِ التَّقْوى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ، والمَثَلُ الوَصْفُ العَجِيبُ الشَّأْنِ وهو مُبْتَدَأٌ بِاتِّفاقِ المُعْرِبِينَ، واخْتُلِفَ في خَبَرِهِ فَقِيلَ مَحْذُوفٌ فَقالَ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ: تَقْدِيرُهُ ما تَسْمَعُونَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ إلى آخِرِهِ مُفَسِّرٌ لَهُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: تَقْدِيرُهُ فِيما يُتْلى عَلَيْكم أوْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا ( وفِيها أنْهارٌ ) إلَخْ بَيانٌ لِذَلِكَ المَثَلِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعِيَ هَذِهِ الأوْصافَ ولَيْسَ بِذاكَ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِصَدْرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ تَقْدِيرُ النَّضِرِ، وقِيلَ: هو مَذْكُورٌ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى: مَثَلُ الجَنَّةِ وصِفَتِها مَضْمُونُ هَذا الكَلامِ ولا يَحْتاجُ مِثْلُ هَذا الخَيْرِ إلى رابِطٍ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ إلّا أنَّ لَفْظَ ( مَثَلُ ) زائِدٌ زِيادَةِ اسْمٍ في قَوْلِ مَن قالَ:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما فالمُبْتَدَأُ في الحَقِيقَةِ هو المُضافُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الجَنَّةُ فِيها أنْهارٌ إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: الخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي:
صفحة 48
﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ الكَلامِ فِيهِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ (أمْثالُ الجَنَّةِ) أيْ صِفاتُها، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ بِالتَّوْحِيدِ مَعْناها الكَثْرَةُ لِما في ”مَثَلُ“ مِن مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ ولِذا جازَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلَ رَجُلَيْنِ وبِرَجُلَيْنِ مِثْلَ رِجالٍ وبِامْرَأةٍ مِثْلَ رَجُلٍ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ (مِثالُ الجَنَّةِ) ومِثالُ الشَّيْءِ في الأصْلِ نَظِيرُهُ الَّذِي يُقابَلُ بِهِ.
﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أيْ غَيْرِ مُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ والرِّيحِ لِطُولِ مُكْثٍ ونَحْوَهُ، وماضِيهِ أسَنَ بِالفَتْحِ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ وبِالكَسْرِ مِن بابِ عَلِمَ حَكى ذَلِكَ الخَفاجِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وفي البَحْرِ أسِنَ الماءُ تَغَيَّرَ رِيحُهُ يَأْسَنُ ويَأْسِنُ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ في الفَصِيحِ، والمَصْدَرُ أُسُونٌ، وأسِنَ بِكَسْرِ السِّينِ يَأْسَنُ بِفَتْحِها لُغَةَ أسِنا قالَهُ اليَزِيدِيُّ، وأسِنَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ إذا دَخَلَ البِئْرَ فَأصابَتْهُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ مِنها فَغُشِيَ عَلَيْهِ أوْ دارَ رَأْسُهُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ يَمِيدُ في الرِّيحِ مَيْدَ المائِحِ الأسِنِ
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ (أسِنَ) عَلى وزْنِ حَذِرَ فَهو صِفَةٌ مُشَبِّهَةٌ أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وقَرَأ (يَسِنُ) بِالياءِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ لَمْ يَحْمُضْ ولَمْ يَصِرْ قارِصًا ولا حاذِرًا كَألْبانِ الدُّنْيا وتَغَيَّرُ الرِّيحِ لا يُفارِقُ تَغَيُّرَ الطَّعْمِ ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ لَذِيذَةٍ لَهم لَيْسَ فِيها كَراهَةُ طَعْمٍ ورِيحٍ ولا غائِلَةُ سُكْرٍ وخِمارٍ كَخُمُورِ الدُّنْيا فَإنَّها لا لَذَّةَ في نَفْسِ شُرْبِها وفِيها مِنَ المَكارِهِ والغَوائِلِ ما فِيها وهي صِفَةٌ مُشَبِّهَةٌ مُؤَنَّثُ لَذٍّ وُصِفَتْ بِها الخَمْرُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ بِجَعْلِها عَيْنَ اللَّذَّةَ مُبالَغَةً عَلى ما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِ ذَلِكَ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةُ ﴿أنْهارٌ﴾ وبِالنَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ كائِنَةً لِأجْلِ اللَّذَّةِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ الصُّداعِ وسائِرِ آفاتِ خُمُورِ الدُّنْيا ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ مِمّا يُخالِفُهُ فَلا يُخالِطُهُ الشَّمْعُ وفَضَلاتُ النَّحْلِ وغَيْرُها، ووَصْفُهُ بِمُصَفّى لِأنَّهُ الغالِبُ عَلى العَسَلِ التَّذْكِيرُ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ تَمْثِيلٌ لِما يَجْرِي مَجْرى الأشْرِبَةِ في الجَنَّةِ بِأنْواعِ ما يُسْتَطابُ مِنها أوْ يُسْتَلَذُّ في الدُّنْيا بِالتَّخْلِيَةِ عَمّا يَنْقُصُها ويُنَغِّصُها والتَّحْلِيَةِ بِما يُوجِبُ غَزارَتَها ودَوامَها.
وبُدِئَ بِالماءِ لِأنَّهُ في الدُّنْيا مِمّا لا يُسْتَغْنى عَنْهُ ثُمَّ بِاللَّبَنِ إذْ كانَ يَجْرِي مَجْرى المَطْعَمِ لِكَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ في كَثِيرٍ مِن أوْقاتِهِمْ ثُمَّ بِالخَمْرِ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ الرِّيُّ والمَطْعُومُ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يُلْتَذُّ بِهِ ثُمَّ بِالعَسَلِ لِأنَّ فِيهِ الشِّفاءَ في الدُّنْيا مِمّا يُعْرَضُ مِنَ المَشْرُوبِ والمَطْعُومِ فَهو مُتَأخِّرٌ بِالرُّتْبَةِ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَبَنَ تِلْكَ الأنْهارِ لَمْ يُحْلَبْ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وإنَّ خَمْرَها لَمْ تَدُسْها الرِّجالُ بِأرْجُلِها وإنَّ عَسَلَها لَمْ يَخْرُجْ مِن بُطُونِ النَّحْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبا إسْحاقَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ فَقالَ: سَألْتُ عَنْهُ الحارِثَ فَحَدَّثَنِي أنَّ ذَلِكَ الماءَ تَسْنِيمٌ وقالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لا تَمَسُّهُ يَدٌ وأنَّهُ يَجِيءُ الماءُ هَكَذا حَتّى يَدْخُلَ الفَمَ.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ نَهْرَ دِجْلَةَ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ وأنَّ عَلَيْهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَهْرَ جَيْحُونَ نَهْرُ الماءِ فِيها ويُقالُ لَهُ نَهْرُ الرَّبِّ ونَهْرَ الفُراتِ نَهْرُ اللَّبَنِ وأنَّهُ لِذُرِّيَّةِ المُؤْمِنِينَ ونَهْرَ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ.
وأخْرَجَ الحَرْثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مَسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ قالَ: نَهْرُ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ ونَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ اللَّبَنِ ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ الخَمْرِ ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لِكُلِّ أنْهارٍ بِالجَمْعِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّها إنْ صَحَّتْ لا يَبْعُدُ تَأْوِيلُها وإنْ كانَتِ القُدْرَةُ الإلَهِيَّةُ
صفحة 49
لا يَتَعاصاها شَيْءٌ ﴿ولَهم فِيها﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ الأنْهارِ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ أنْواعٍ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فالجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَوْجانِ وكَأنَّهُ انْتَزَعَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وقِيلَ: ( مِن ) زائِدَةٌ أيْ ولَهم فِيها كُلُّ الثَّمَراتِ ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ ولَهم مَغْفِرَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُبْتَدَأِ قَبْلُ بِدُونِ قَيْدٍ فِيها لِأنَّ المَغْفِرَةَ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ أوْ بِالقَيْدِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ونَعِيمُ مَغْفِرَةٍ أوْ جَعْلِ المَغْفِرَةِ عِبارَةً عَنْ أثَرِها وهو النَّعِيمُ أوْ مَجازًا عَنْ رِضْوانِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ هُنا سَتْرُ ذُنُوبِهِمْ وعَدَمُ ذِكْرِها لَهم لِئَلّا يَسْتَحْيُوا فَتَتَنَغَّصَ لَذَّتُهم والمَغْفِرَةُ السّابِقَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِها وحِينَئِذٍ العَطْفُ عَلى المُبْتَدَأِ مِن غَيْرِ ارْتِكابِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، وقَدْ رَأيْتُ نَحْوَ هَذا بَعْدَ كِتابَتِهِ لِلطَّبَرْسِيِّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قالُوهُ، وتَنْوِينُ ( مَغْفِرَةٌ ) لِلتَّعْظِيمِ أيْ مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُقادَرُ قَدْرُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لَها مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ كائِنَةً مِن رَبِّهِمْ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أمَّنَ هو خالِدٌ في هَذِهِ الجَنَّةِ حَسْبَما جَرى بِهِ الوَعْدُ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما يَمْتازُ بِهِ مَن عَلى بَيِّنَةٍ في الآخِرَةِ تَقْرِيرًا لِإنْكارِ المُساواةِ وفِيهِ بُعْدٌ. وذَهَبَ جارُ اللَّهِ إلى أنَّهُ خَبْرُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ وأنَّ ذاكَ مُرَتَّبٌ عَلى الإنْكارِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ﴾ إلَخْ، والمَعْنى أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ فالمُضافانِ مَحْذُوفانِ الجَزاءُ بِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ الجَنَّةِ ولَفْظُ المَثَلِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وفائِدَةُ التَّعْرِيَةِ عَنْ حَرْفِ الإنْكارِ أنَّ مَنِ اشْتُبِهَ عَلَيْهِ الأوَّلُ أعْنِي حالَ المُتَمَسِّكِ بِالبَيِّنَةِ وحالَ التّابِعِ لِهَواهُ فالثّانِي مِثْلُهُ عِنْدَهُ وإذْ ذاكَ لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ حَضْرَمِيِّ بْنِ عامِرٍ:
أفْرَحُ أنْ أرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ أُورِثَ ذَوْدًا شَصائِصًا نُبْلًا
فَإنَّهُ كَلامٌ مُنْكَرٌ لِلْفَرَحِ بِرَزِيَّةِ الكِرامِ ووِراثَةِ الذَّوْدِ مَعَ تَعَرِّيهِ مِن حَرْفِ الإنْكارِ لِانْطِوائِهِ تَحْتَ حُكْمِ مَن قالَ لَهُ: أتَفْرَحُ بِمَوْتِ أخِيكَ وبِوِراثَةِ إبِلِهِ وذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي يَقِلُّ تَحْتَهُ كُلُّ إنْكارٍ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِلصِّلَةِ أيْ صِلَةً بَعْدَ صِلَةٍ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَها لِأنَّهُ كالتَّفْصِيلِ لِلْمَوْعُودِ، ولِهَذا لَمْ يَتَخَلَّلِ العاطِفَةَ بَيْنَهُما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى أنَّ الظَّرْفَ في مَوْضِعِ ذَلِكَ ﴿وأنْهارٌ﴾ فاعِلُهُ لا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حالٌ لِعَدَمِ الواوِ فِيها، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الِاكْتِفاءَ فِيها بِالضَّمِيرِ غَيْرُ فَصِيحٍ، واعْتِبارُها فِعْلِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ اسْتَقَرَّ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: في الحالِ ضَعْفٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِمَجِيئِهِ مَجِيءَ الفَضَلاتِ وهي أُمُّ الإنْكارِ، وأيْضًا هو حالٌ مِنَ الجَنَّةِ لا مِن ضَمِيرِها في الصِّلَةِ وفي العامِلِ تَكَلُّفٌ، ثُمَّ الحالُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ وجَعْلُها مُؤَكِّدَةً وقَدْ عُلِمَ كَوْنُها كَذَلِكَ مِن إخْبارِهِ تَعالى فِيهِ أيْضًا تَكَلُّفٌ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، قالَ في الكَشْفِ: وهو الوَجْهُ، والتَّقْدِيرُ هي فِيها أنْهارٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: أنّى يَكُونُ صِفَةَ الجَنَّةِ وهي كَذا وكَذا كَصِفَةِ النّارِ الِاسْتِئْنافُ هاهُنا بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: وهي كَذا وكَذا اعْتِراضًا لِما في لَفْظِ المَثَلِ مِنَ الأشْعارِ بِالوَصْفِ العَجِيبِ، ولَيْسَ خَبَرُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾
صفحة 50
مَوْرِدَ السُّؤالِ لِيُعْتَرَضَ بِوُقُوعِ الِاسْتِئْنافِ قَبْلَ مُضِيِّهِ. وأوْرَدَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لِأنَّ ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ جُمْلَةٌ بِرَأْسِها، والجَوابُ أنَّ التَّقْدِيرَ مِثْلُها فِيها أنْهارٌ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا ثُمَّ حُذِفَ ولِهَذا قالَ في السُّؤالِ: كَأنَّ قائِلًا قالَ: وما مِثْلُها؟ ويَجْرِي ما قُرِّرَ في قِراءَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ أمْثالُ بِالجَمْعِ فَيُقالُ: التَّقْدِيرُ أمْثالُ الجَنَّةِ كَأمْثالِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ، ويُقَدَّرُ المُضافُ الأوَّلُ جَمْعًا لِلْمُطابَقَةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ أبْعَدَ جارُ اللَّهِ المَغْزى، وقَدِ اسْتَحْسَنَ ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ تَقْرِيرِ جَعْلِ ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ خَبَرًا لِمِثَلِ الجَنَّةِ: هَذا هو الوَجْهُ اللّائِحُ المُناسِبُ المَساقِ.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: في الِانْتِصافِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَمْ ذَكَرَ النّاسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ فَلَمْ أرَ أطَلى ولا أحْلى مِن هَذِهِ النُّكَتِ الَّتِي ذَكَرَها لا يَعُوزُها إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا لِيَتَعادَلَ. والتَّقْدِيرُ مَثَلُ ساكِنِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ، ومِن هَذا النَّمَطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلَخْ، وما قَدَّرْناهُ لِتَحْصِيلِ التَّعادُلِ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ كَثْرَةُ حَذْفٍ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ أعْنِي ( هو ) راجِعٌ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ لَفْظِها كَما أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ راجِعٌ إلَيْها بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمُرادُ وسُقُوا ماءً حارًّا مَكانَ تِلْكَ الأشْرِبَةِ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ.
رُوِيَ أنَّهُ إذا أُدْنِي مِنهم شَوى وُجُوهَهم وامْتازَتْ فَرْوَةُ رَؤُوسِهِمْ فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُمْ، وهي جَمْعُ مِعًى بِالفَتْحِ والكَسْرِ ما يَنْتَقِلُ الطَّعامُ إلَيْهِ بَعْدَ المَعِدَةِ ويُقالُ لَهُ عَفاجٌ وهو مُذَكَّرٌ وقَدْ يُؤَنَّثُ
محمد 47:16
﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كَما أنَّ جَمْعَهُ بَعْدُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ ولا يَعُونَهُ ولا يُراعُونَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ تَهاوُنًا مِنهم ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: الواعُونَ لِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّاعُونَ لَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيْ ما الَّذِي قالَ قُبَيْلَ هَذا الوَقْتِ ومَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءُ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِعْلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهم حَقِيقَةَ الِاسْتِعْلامِ إذا لَمْ يُلْقُوا لَهُ آذانَهم تَهاوُنًا بِهِ ولِذَلِكَ ذُمُّوا والأوَّلُ أوْلى، قِيلَ: ذَلِكَ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنا مِنهم وقَدْ سُمِّيتُ فِيمَن سُئِلَ وأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِنَصِّ القُرْآنِ. وما أحْسَنَ ما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ، ( وآنِفًا ) اسْمُ فاعِلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ أوْ بِتَجْرِيدِ فِعْلِهِ مِنَ الزَّوائِدِ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ بَلِ اسْتَأْنَفَ وأْتَنَفَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ إذا ابْتَدَأْتَهُ وكانَ أصْلُ مَعْنى هَذا أخَذْتُ أنْفَهُ أيْ مَبْدَأهُ، وأصْلُ الأنْفِ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ ثُمَّ يُسَمّى بِهِ طَرَفُ الشَّيْءِ ومُقَدَّمُهُ وأشْرَفُهُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ آنِفًا مِن ذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ اسْمٌ لِلسّاعَةِ الَّتِي قَبْلَ ساعَتِكَ الَّتِي أنْتَ فِيها مِنَ الأنْفِ بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ وقَدِ اسْتُعِيرَ مِنَ الجارِحَةِ لِتَقَدُّمِها عَلى الوَقْتِ الحاضِرِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى زَمانِ الحالِ، وهو عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يُنافِي كَوْنَهُ اسْمَ فاعِلٍ كَما في بادِئٍ فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ غَلَبَ عَلى مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ النُّحاةِ عَدَّهُ في الظُّرُوفِ وأوْجَبَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (قالَ) أيْ ماذا قالَ مُبْتَدِئًا أيْ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عَنْهُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الرّاغِبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (أنِفًا) عَلى وزْنِ فَعِلٍ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ
صفحة 51
﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَعَدَمُ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الخَيْرِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ كُلِّ ما لا خَيْرَ فِيهِ فَلِذَلِكَ كانَ مِنهم ما كانَ.
محمد 47:17
﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ إلى طَرِيقِ الحَقِّ ﴿زادَهُمْ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿هُدًى﴾ بِالتَّوْفِيقِ والإلْهامِ، والمَوْصُولُ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ والنَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ ( وهُدىً ) مَفْعُولٌ ثانِي لِأنَّ زادَ قَدْ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ هُدًى عَظِيمًا ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ أعْطاهم تَقْواهم إيّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِأنْ خَلَقَها فِيهِمْ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ الأشاعِرَةُ في أفْعالِ العِبادِ أوْ بِأنْ خَلَقَ فِيهِمْ قُدْرَةً عَلَيْها مُؤَثِّرَةً في فِعْلِها بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ عَلى ما نَسَبَهُ الكُورانِيُّ إلى الأشْعَرِيِّ وسائِرِ المُحَقِّقِينَ في أفْعالِ العِبادِ مِن أنَّها بِقُدْرَةٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ تَعالى، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: بِأنْ جَعَلَهم جَلَّ شَأْنُهُ مُتَّقِينَ لَهُ سُبْحانَهُ يُمْكِنُ تَطْبِيقُهُ عَلى كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: أيْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ أوْ أعانَهم عَلى تَقْواهم أوْ أعْطاهم جَزاءَها فالإيتاءُ عِنْدَهُ مَجازٌ عَنِ البَيانِ أوِ الإعانَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّقْوى مَجازٌ عَنْ جَزائِها لِأنَّها سَبَبُهُ أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما يَأْباهُ مَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِي والثّالِثَ مِن ذَلِكَ، واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ الأوَّلَ مِن هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ وقالَ: هو أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ أغْلَبَ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ رُوعِيَ فِيها التَّقابُلُ فَقُوبِلَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ لِأنَّ الطَّبْعَ يَحْصُلُ مِن تَزايُدِ الرَّيْنِ وتَرادُفِ ما يَزِيدُ في الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ فَيُحْمَلُ عَلى كَمالِ التَّقْوى وهو أنْ يَتَنَزَّهَ العارِفُ عَمّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ ويَتَبَتَّلَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَشَراشِرِهِ وهو التَّقْوى الحَقِيقِيَّةُ المَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَإنَّ المَزِيدَ عَلى مَزِيدِ الهُدى مَزِيدٌ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وفي التَّرَفُّعِ عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى النُّزُوعُ إلى المَوْلى والعُزُوبُ عَنْ شَهَواتِ الحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ في إسْنادِ إيتاءِ التَّقْوى إلَيْهِ تَعالى وإسْنادِ مُتابِعَةِ الهَوى إلَيْهِمْ إيماءٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وتَلْوِيحٌ إلى أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى مَرَضٌ رُوحانِيُّ ومُلازِمَةَ التَّقْوى دَواءٌ إلَهِيٌّ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّقابُلِ جارٍ فِيما ذَكَرْناهُ أيْضًا، وكَذا يَجْرِي التَّقابُلُ عَلى تَفْسِيرِ إيتاءِ التَّقْوى بِبَيانِ ما يَتَّقُونَ لِإشْعارِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِأنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ مِنِ ارْتِكابِ الهَوى والتَّشَهِّي بَلْ هو أمْرٌ حَقٌّ مَبْنِيٌّ عَلى أساسٍ قَوِيٍّ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِإعْطاءِ جَزاءِ التَّقْوى مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وذَهَبَ إلَيْهِ الجُبّائِيُّ، والكَلامُ عَلَيْهِ أفْيَدُ وأبْعَدُ عَنِ التَّأْكِيدِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَمْلِ التَّقْوى عَلى أعْلى مَراتِبِها، وأمْرُ التَّقابُلِ هَيِّنٌ فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( اهْتَدَوْا ) في مُقابَلَةِ ( اتَّبَعُوا أهْواءَهم ) وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿زادَهم هُدًى﴾ في مُقابَلَةِ ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَلْيُتَدَبَّرْ، وقِيلَ: فاعِلُ ( زادَهم ) ضَمِيرُ قَوْلِهِ ﷺ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ وكَذا فاعِلُ ( آتاهم ) أيْ أعانَهم أوْ بَيَّنَ لَهُمْ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا إذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زادَهم هُدًى﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فالأوْلى أنْ يَتَّحِدَ فاعِلُهُ مَعَ فاعِلِهِ ويَجْرِيَ نَحْوَ ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى قَوْلِ المُنافِقِينَ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْجَبُ مِنهُ المُؤْمِنُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى عَلى إيمانِهِ ويَزِيدُ بَصِيرَةً في دِينِهِ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
محمد 47:18
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ﴾ أيِ القِيامَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ أيْ تُباغِتُهم بَغْتَةً وهي المُفاجَأةُ بَدَلُ
صفحة 52
اشْتِمالٍ مِنَ السّاعَةِ أيْ لا يَتَذَكَّرُونَ بِأحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ ولا بِالأخْبارِ بِإتْيانِ السّاعَةِ وما فِيها مِن عَظائِمِ الأحْوالِ فَما يَنْتَظِرُونَ لِلتَّذَكُّرِ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ نَفْسِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ أيْ عَلاماتُها وأماراتُها كَما في قَوْلِهِ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ:
فَإنْ كُنْتَ قَدْ أزْمَعْتَ بِالصَّرْمِ بَيْنَنا فَقَدْ جَعَلْتَ أشْراطَ أوَّلِهِ تَبْدُو
وهِيَ جَمْعُ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ تَعْلِيلٌ لِمُفاجَأتِها عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّذَكُّرِ أمْرٌ مُتَرَقَّبٌ يَنْتَظِرُونَهُ سِوى إتْيانِ نَفْسِ السّاعَةِ إذْ قَدْ جاءَ أشْراطُها فَلَمْ يَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ولَمْ يَعُدُّوها مِن مَبادِئِ إتْيانِها فَيَكُونُ إتْيانُها بِطَرِيقِ المُفاجَأةِ لا مَحالَةَ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإتْيانِ مُطْلَقًا أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ لِأنَّهُ قَدْ جاءَ أشْراطُها وبَعْدَ مَجِيئِها لا بُدَّ مِن وُقُوعِ السّاعَةِ، وتَعْلِيلُ المُقَيَّدِ دُونَ قَيْدِهِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، قِيلَ: ويُقَرِّبُهُ هُنا أنَّ انْتِظارَهم لَيْسَ إلّا لِإتْيانِ السّاعَةِ وتَقْيِيدَهُ بِبَغْتَةٍ لَيْسَ إلّا لِبَيانِ الواقِعِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هو تَعْلِيلٌ لِانْتِظارِ السّاعَةِ لِأنَّ ظُهُورَ أماراتِ الشَّيْءِ سَبَبٌ لِانْتِظارِهِ، وفي جَعْلِهِ تَعْلِيلًا لِلْمُفاجَأةِ خَفاءٌ لِأنَّها لا تُناسِبُ مَجِيءَ الأشْراطِ إلّا بِتَأْوِيلٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البَدَلَ هو المَقْصُودُ فالِانْتِظارُ لِإتْيانِ السّاعَةِ بَغْتَةً فالتَّعْلِيلُ المَذْكُورُ تَعْلِيلٌ لِلْمُقَيَّدِ دُونَ قَيْدِهِ أيْضًا فَكانَ ما في الإرْشادِ مُتَعَيِّنٌ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ تَأْوِيلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ عَلى ما أفادَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ تَعْجِيبٌ مِن نَفْعِ الذِّكْرى عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ وإنْكارٌ لِعَدَمِ تَشْمِرِهِمْ لَها ولِانْتِظارِهِمْ إيّاها هُزُؤًا وجُحُودًا، وفي الإرْشادِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ حُكْمٌ بِخَطَئِهِمْ وفَسادُ رَأْيِهِمْ في تَأْخِيرِ التَّذَكُّرِ إلى إتْيانِها بِبَيانِ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أيْ فَكَيْفَ لَهم ذِكْراهم عَلى أنَّ (أنّى) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿ذِكْراهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿إذا جاءَتْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ وسَّطَ بَيْنَهُما رَمْزًا إلى غايَةِ سُرْعَةِ مَجِيئِها، وإطْلاقُ المَجِيءِ عَنْ قَيْدِ البَغْتَةِ لِما أنَّ مَدارَ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ كَوْنُهُ عِنْدَ مَجِيئِها مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِقَيْدِ البَغْتَةِ، وقِيلَ: (أنّى) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَأنّى لَهُمُ الخَلاصُ إذا جاءَتْهُمُ الذِّكْرى بِما يُخْبِرُونَ بِهِ فَيُنْكِرُونَهُ مَنُوطَةً بِالعَذابِ ولا يَخْفى حالُهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ (إنْ تَأْتِهِمْ) عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُسْتَأْنَفٌ جَزاؤُهُ ﴿فَأنّى لَهُمْ﴾ إلَخْ أيْ إنْ تَأْتِهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً إذْ قَدْ جاءَ أشْراطُها فَأنّى تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى وقْتَ مَجِيئِها، و(إنْ) هُنا بِمَعْنى إذا لِأنَّ إتْيانَ السّاعَةِ مُتَيَقَّنٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِها لِلتَّعْرِيضِ بِهِمْ وأنَّهم في رَيْبٍ مِنها أوْ لِأنَّها لِعَدَمِ تَعْيِينِ زَمانِها أشْبَهَتِ المَشْكُوكَ فِيهِ وإذا جاءَتْهم بِاعْتِبارِ الواقِعِ فَلا تَعارُضَ بَيْنِهِما كَما يُتَوَهَّمُ في النَّظْرَةِ الحَمْقاءِ.
وفِي الكَشْفِ ( إذا ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّمانُعُ بَيْنَ ( إذا جاءَتْهم ) و( إنْ تَأْتِهِمْ ) وفي الإتْيانِ بِأنَّ مَعَ الجَزْمِ بِالوُقُوعِ تَقْوِيَةَ أمْرِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ كَما لا يَخْفى انْتَهى، وعَلى ما ذَكَرْنا لا يَحْتاجُ إلى جَعْلِ إذا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ.
وقَرَأ الجُعْفِيُّ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (بَغَتَّةً) بِفَتْحِ الغَيْنِ وشَدِّ التّاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهي صِفَةٌ وانْتِصابُها عَلى الحالِ ولا نَظِيرَ لَها في المَصادِرِ ولا في الصِّفاتِ بَلْ في الأسْماءِ نَحْوَ الجِرْبَةِ وهي القَطِيعُ مِن حُمُرِ الوَحْشِ، وقَدْ يُسَمّى الأقْوِياءُ مِنَ النّاسِ إذا كانُوا جَماعَةً مُتَساوِينَ جِرْبَةً، والشَّرْبَةُ وهي اسْمُ مَوْضِعٍ وكَذا قالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ الحاجِّ مِن أصْحابِ أبِي عَلِيٍّ الشَّلُوبِينَ في كِتابِهِ المَصادِرِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أخْوَفَنِي أنْ تَكُونَ غَلْطَةً مِنَ الرّاوِي عَنْ أبِي عَمْرٍو وأنْ يَكُونَ الصَّوابُ (بَغَتَةً) بِفَتْحِ الغَيْنِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ كَقِراءَةِ الحَسَنِ فِيما تَقَدَّمَ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا عَلى عادَتِهِ في تَغْلِيطِ الرُّواةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأشْراطِ السّاعَةِ هُنا عَلاماتُها الَّتِي كانَتْ واقِعَةً
صفحة 53
إذْ ذاكَ وأخْبَرُوا أنَّها عَلاماتٌ لَها كَبَعْثَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى)» وأرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَزِيدَ القُرْبِ بَيْنَ مَبْعَثِهِ والسّاعَةِ فَإنَّ السَّبّابَةَ تَقْرَبُ مِنَ الوُسْطى طُولًا فِينا وهَكَذا فِيهِ ﷺ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أمْرَ الطُّولِ والقِصَرِ في وُسْطاهُ وسَبّابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عَكْسِ ما فِينا خَطَأٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ ذَلِكَ في أصابِعِ رِجْلَيْهِ الشَّرِيفَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ جَمِيعًا وإنْ كادَتْ لَتَسْبِقُنِي)».
وهَذا أبْلَغُ في إفادَةِ القُرْبِ وعَدُّوا مِنها انْشِقاقَ القَمَرِ الَّذِي وقَعَ لَهُ ﷺ والدُّخّانَ الَّذِي وقَعَ لِأهْلِ مَكَّةَ وأمّا أشْراطُها مُطْلَقًا فَكَثِيرَةٌ أُلِّفَتْ فِيها كُتُبٌ مُخْتَصَرَةٌ ومُطَوَّلَةٌ وهي تَنْقَسِمُ إلى مُضَيَّقَةٍ لا تَبْقى الدُّنْيا بَعْدَ وُقُوعِها إلّا أيْسَرَ يَسِيرٍ كَخُرُوجِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ دُونَ ما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ القائِلُونَ بِالرَّجْعَةِ فَإنَّ الدُّنْيا عِنْدَهم بَعْدَ ظُهُورِهِ تَبْقى مُدَّةً مُعْتَدًّا بِها وكَنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ الدَّجّالِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وخُرُوجِ الدّابَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وغَيْرِ مُضَيَّقَةٍ وهي أكْثَرُ الأشْراطِ كَكَوْنِ الحُفاةِ الرُّعاةِ رُؤُوسِ النّاسِ وتَطاوُلِهِمْ في البُنْيانِ وفُشُوِّ الغِيبَةِ وأكْلِ الرِّبا وشُرْبِ الخَمْرِ وتَعْظِيمِ رَبِّ المالِ وقِلَّةِ الكِرامِ وكَثْرَةِ اللِّئامِ وتَباهِي النّاسِ في المَساجِدِ واتِّخاذِها طُرُقًا وسُوءِ الجِوارِ وقَطِيعَةِ الأرْحامِ وقِلَّةِ العِلْمِ وأنْ يُوَسَّدَ الأمْرُ إلى غَيْرِ أهْلِهِ وأنْ يَكُونَ أسْعَدُ النّاسِ بِالدُّنْيا لُكَعَ بْنَ لُكَعٍ إلى ما يَطُولُ ذِكْرُهُ.
ومَن وقَفَ عَلى الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ في هَذا الشَّأْنِ واطَّلَعَ عَلى أحْوالِ الأزْمانِ رَأى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ العَلاماتِ قَدْ بَرَزَتْ لِلْعِيانِ وامْتَلَأتْ مِنها البُلْدانُ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ أمْرُ السّاعَةِ مَجْهُولٌ ورِداءُ الخَفاءِ عَلَيْهِ مَسْدُولٌ. وقُصارى ما يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَقِيَ مِن عُمُرِ الدُّنْيا أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى، وفي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَطَبَ أصْحابَهُ بَعْدَ العَصْرِ حِينَ كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا أسَفٌ أيْ شَيْءٌ فَقالَ: (والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما مِثْلُ ما مَضى مِنَ الدُّنْيا فِيما بَقِيَ مِنها إلّا مِثْلُ ما مَضى مِن يَوْمِكم هَذا فِيما بَقِيَ مِنهُ وما بَقِيَ مِنهُ إلّا اليَسِيرُ)».
ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الألْفَ الثّانِيَةَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وهي الألْفُ الَّتِي نَحْنُ فِيها هي ألْفٌ مُخَضْرَمَةٌ أيْ نِصْفُها مِنَ الدُّنْيا ونِصْفُها الآخَرُ مِنَ الآخِرَةِ، وقالَ الجَلالَ السُّيُوطِيُّ في رِسالَةٍ سَمّاها ”الكَشْفُ عَنْ مُجاوَزَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ الألْفَ“: الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ أنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الأُمَّةِ تَزِيدُ عَلى ألْفِ سَنَةٍ ولا تَبْلُغُ الزِّيادَةُ عَلَيْها ألْفَ سَنَةٍ وبَنى الأمْرَ عَلى ما ورَدَ مِن أنَّ مُدَّةَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ وأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بُعِثَ في آخِرِ الألْفِ السّادِسَةِ وأنَّ الدَّجّالَ يَخْرُجُ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ ويَنْزِلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يَمْكُثُ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً وأنَّ النّاسَ يَمْكُثُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً وأنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وذَكَرَ الأحادِيثَ والأخْبارَ في ذَلِكَ.
وفِي بَهْجَةِ النّاظِرِينَ وآياتِ المُسْتَدِلِّينَ قَدِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى تَعْيِينِ قُرْبِ زَمانِها بِأحادِيثَ لا تَخْلُو عَنْ نَظَرٍ فَمِنهم مَن قالَ: بَقِيَ مِنها كَذا، ومِنهم مَن قالَ: يَخْرُجُ الدَّجّالُ عَلى رَأْسِ كَذا وتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلى رَأْسِ كَذا، وأفْرَدَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ رِسالَةً لِذَلِكَ كُلِّهِ وقالَ: تَقُومُ السّاعَةُ في نَحْوِ الألْفِ والخَمْسِمِائَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ ولَيْسَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ في ذَلِكَ إلّا ظَنٌّ وحُسْبانٌ لا يَقُومُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ بُرْهانٌ انْتَهى، ونَقَلَهُ السَّفارِينِيُّ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ في عُلُومِ الآخِرَةِ، وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ عِدَّةَ أخْبارٍ في كَوْنِ مُدَّةِ الدُّنْيا سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ، أوَّلُها ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ
صفحة 54
فِي نَوادِرِ الأُصُولِ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّما الشَّفاعَةُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَن عَمِلَ الكَبائِرَ مِن أُمَّتِي ثُمَّ ماتُوا عَلَيْها فَهم في البابِ الأوَّلِ مِن جَهَنَّمَ).
وساقَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، وفِيهِ (وأطْوَلُهم مُكْثًا فِيهِ مَن يَمْكُثُ فِيها مِثْلَ الدُّنْيا مُنْذُ خُلِقَتْ إلى يَوْمِ أُفْنِيَتْ وذَلِكَ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ)» الحَدِيثَ.
وتَعَقَّبَهُ السَّفارِينِيُّ بِقَوْلِهِ: ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ في كِتابِهِ صِفَةِ النّارِ أنَّ هَذا الحَدِيثَ خَرَّجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وخَرَّجَهُ الإسْماعِيلِيُّ مُطَوَّلًا، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ في كِتابِ المُخْتَلَفِ:
هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وذَكَرَ عِلَلَهُ، ومِمّا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ ما نُقِلَ هو ضَعْفُ إسْنادِ رَفْعِهِ، وقَدْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَدْ مَضى مِن زَمَنِ البَعْثَةِ إلى يَوْمِنا هَذا ألْفُ ومِئَتانِ وثَمانِي وسِتُّونَ سَنَةً وإذا ضُمَّ إلَيْها ما ذَكَرَهُ مِن سِنِّي مُكْثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَقاءِ الدُّنْيا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهي مِائَتا سَنَةٍ تَصِيرُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وثَمانِيَ وسَبْعِينَ فَيَبْقى مِنَ المُدَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً وإلى الآنِ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها ولا خَرَجَ الدَّجّالُ الَّذِي خُرُوجُهُ قَبْلَ طُلُوعِها مِن مَغْرِبِها بِعِدَّةِ سِنِينَ ولا ظَهَرَ المَهْدِيُّ الَّذِي ظُهُورُهُ قَبْلَ الدَّجّالِ بِسَبْعِ سِنِينَ ولا وقَعَتِ الأشْراطُ الَّتِي قَبْلَ ظُهُورِ المَهْدِيِّ، ولا يَكادُ يُقالُ: إنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ويَظْهَرُ الدَّجّالُ بَعْدَها بِسَبْعِ سِنِينَ عَلى رَأْسِ المِائَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الألْفِ الثّانِيَةِ لِأنَّ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّماتٌ تَكُونُ في سِنِينَ كَثِيرَةٍ، فالحَقُّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما بَقِيَ مِن مُدَّةِ الدُّنْيا إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ وإنْ طالَ أقْصَرُ قَصِيرٍ وما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا إلّا قَلِيلٌ، وكَذا فِيما أرى مَبْدَأُ خَلْقِها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وما يَذْكُرُونَهُ في المَبْدَأِ لَوْ صَحَّ فَإنَّما هو في مَبْدَأِ خَلْقِ الخَلِيفَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا مَبْدَأِ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ ونَحْوِها.
وحَكى الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ عَنْ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ اجْتِماعًا رُوحانِيًّا وسَألَهُ عَنِ العالَمِ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ نَعْلَمُ أنَّ العالَمَ حادِثٌ ولا نَعْلَمُ مَتى حَدَثَ. والفَلاسِفَةُ عَلى المَشْهُورِ يَزْعُمُونَ أنَّ مِنَ العالَمِ ما هو قَدِيمٌ بِالشَّخْصِ وما هو قَدِيمٌ بِالنَّوْعِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالحُدُوثِ الذّاتِيِّ ولا يَدْثُرُ عِنْدَهم. وذَهَبَ المُلّا صَدْرٌ الشِّيرازِيُّ أنَّهم لا يَقُولُونَ إلّا بِقِدَمِ العُقُولِ المُجَرَّدَةِ دُونَ عالَمِ الأجْسامِ مُطْلَقًا بَلْ هم قائِلُونَ بِحُدُوثِها ودُثُورِها، وأطالَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأسْفارِ وأتى بِنُصُوصِ أجِلَّتِهِمْ كَأرِسْطُو وغَيْرِهِ. وحَكى البَعْضُ عَنْهم أنَّهُ خَلَقَ هَذا العالَمَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وهو عالَمُ الكَوْنِ والفَسادِ والطّالِعُ السُّنْبُلَةِ ويَدَّثِرُ عِنْدَ مُضِيِّ ثَمانِيَةٍ وسَبْعِينَ ألْفِ سَنَةٍ وذَلِكَ عِنْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ سُلْطانِ كُلٍّ مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ ووُصُولِ الأمْرِ إلى بُرْجِ المِيزانِ، وزَعَمُوا أنَّ مُدَّةَ سُلْطانِ الحَمَلِ اثْنا عَشَرَ ألْفِ سَنَةٍ ومُدَّةُ سُلْطانِ الثَّوْرِ أقَلُّ بِألْفٍ وهَكَذا إلى الحُوتِ.
ونَقَلَ البَكْرِيُّ عَنْ هِرْمِسَ أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في سُلْطانِ الحَمَلِ والثَّوْرِ والجَوْزاءِ عَلى الأرْضِ حَيَوانٌ فَلَمّا كانَ سُلْطانُ الأسَدِ تَكَوَّنَتْ دَوابُّ الماءِ وهَوامُّ الأرْضِ، فَلَمّا كانَ سُلْطانُ الأسَدِ تَكَوَّنَتِ الدَّوابُّ ذَواتُ الأرْبَعِ، فَلَمّا كانَ سُلْطانُ السُّنْبُلَةِ تَوَلَّدَ الإنْسانانِ الأوَّلانِ أدْمانُوسُ وحَوانُوسُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مُدَّةَ العالَمِ مِقْدارُ قِطْعِ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ لِدَرَجِ الفَلَكِ الَّتِي هي ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ دَرَجَةً، وقَطْعُها لِكُلِّ دَرَجَةٍ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنهم في مِائَةِ سَنَةٍ فَتَكُونُ مُدَّتُهُ سِتًّا وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ وكُلُّ ذَلِكَ خَبْطٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. ومِن أعْجَبِ ما رَأيْتُ ما زَعَمَهُ بَعْضُ الإسْلامِيِّينَ مِن أنَّ السّاعَةَ تَقُومُ بَعْدَ ألْفٍ وأرْبَعِمِائَةٍ وسَبْعِ سِنِينَ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ بِناءً عَلى أنَّ عِدَّةَ حُرُوفِ (بَغْتَةً) بِالجُمَلِ الكَبِيرِ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ وسَبْعٌ ويُوشِكُ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: هي ألْفٌ وثَمانُمِائَةٍ واثْنانِ وبِحَسَبِ تاءِ التَّأْنِيثِ أرْبَعُمِائَةٍ لا خَمْسَةٌ فَإنَّهُ رَأى بَعْضَ أهْلِ الحِسابِ كَما في فَتاوى خَيْرِ الدِّينِ الرَّمْلِيِّ ويَجِيءُ آخَرُ ويَقُولُ: هي أكْثَرُ مِن ذَلِكَ أيْضًا، ويَعْتَبِرُ بَسْطَ الحُرُوفِ عَلى
صفحة 55
نَحْوِ ما قالُوا في اسْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ إنَّهُ مُتَضَمِّنٌ عِدَّةَ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ أوْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ، والحَزْمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ
محمد 47:19
﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَجْمُوعِ القِصَّةِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ لا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: إذا عَلِمْتَ أنَّ الأمْرَ كَما ذُكِرَ مِن سَعادَةِ هَؤُلاءِ وشَقاوَةِ هَؤُلاءِ فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ فَهو مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ، وفُسِّرَ الأمْرُ بِالعِلْمِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ لِأنَّ عِلْمَهُ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأحْوالِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُوَحِّدٌ عَنْ عِلْمِ حالِ ما يُوحى إلَيْهِ ولِأنَّ المَعْنى فَتَمَسَّكْ بِما أنْتَ فِيهِ مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ لا بِطَلَبِ السَّعادَةِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ الثَّباتَ أيْضًا حاصِلٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأمْرُهُ بِذَلِكَ ﷺ تَذْكِيرٌ لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ تَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ المُرادَ بِالثَّباتِ الِاسْتِمْرارُ وهو بِالنَّظَرِ إلى الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ وذَلِكَ وإنْ كانَ مِمّا لا بُدَّ مِن حُصُولِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ العِصْمَةِ لَكِنَّ المَعْصُومَ يُؤْمَرُ ويُنْهى فَيَأْتِي بِالمَأْمُورِ ويَتْرُكُ المَنهِيِّ ولا بُدَّ لِلْعِصْمَةِ، والأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ قِيلَ عَلى مَعْنى الثَّباتِ أيْضًا، وجُعِلَ الِاسْتِغْفارُ كِنايَةً عَمّا يَلْزَمُهُ مِنَ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ والِاعْتِرافِ بِالتَّقْصِيرِ لِأنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ أوْ مَغْفُورٌ لا مُصِرٌّ ذاهِلٌ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: التَّحْقِيقُ أنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ولَعَلَّ الأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن دُونِ جَعْلِهِ تَوْطِئَةً، والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يُكْثِرُ الِاسْتِغْفارَ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنِ الأغَرِّ المُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ)».
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أصْبَحْتُ غَداةً قَطُّ إلّا اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ فِيها مِائَةَ مَرَّةٍ)».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: (إنّا كُنّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَجْلِسِ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ مِائَةَ مَرَّةٍ)» وفي لَفْظٍ (التَّوّابُ الغَفُورُ) إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ.
والذَّنْبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَرْكُ ما هو الأوْلى بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ ورُبَّ شَيْءٍ حَسَنَةٌ مِن شَخْصٍ سَيِّئَةٌ مِن آخَرَ كَما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ لِنَبِيِّنا ﷺ في كُلِّ لَحْظَةٍ عُرُوجًا إلى مَقامٍ أعْلى مِمّا كانَ فِيهِ فَيَكُونُ ما عَرَجَ مِنهُ في نَظَرِهِ الشَّرِيفِ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَرَجَ إلَيْهِ فَيَسْتَغْفِرُ مِنهُ، وحَمَلُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنَّهُ لَيَغانُ عَلى قَلْبِي)» الحَدِيثَ. وفِيهِ أقْوالٌ أُخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِقَرِينَةٍ ما قَبْلُ أيْ ولِذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ. وأُعِيدَ الجارُّ لِأنَّ ذُنُوبَهم جِنْسٌ آخَرُ غَيْرَ ذَنْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّها مَعاصٍ كَبائِرُ وصَغائِرُ وذَنْبُهُ ﷺ تَرْكُ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مِن أجْلِ حَسَناتِهِمْ، قِيلَ: وفي حَذْفِ المُضافِ وتَعْلِيقِ الِاسْتِغْفارِ بِذَواتِهِمْ إشْعارٌ بِفَرْطِ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِ فَكَأنَّ ذَواتَهم عَيْنُ الذُّنُوبِ وكَذا فِيهِ إشْعارٌ بِكَثْرَتِها، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لَهم وطَلَبِ سَبَبِها كَأمْرِهِمْ بِالتَّقْوى، وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعَ أنَّ في صِحَّتِهِ كَلامًا، فالظّاهِرُ إبْقاءُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وفِي تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إيذانٌ بِمَزِيدِ شَرَفِ التَّوْحِيدِ فَإنَّهُ أساسُ الطّاعاتِ ونِبْراسُ العِباداتِ، وفي الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أبْحاثٌ شَرِيفَةٌ ولَطائِفُ مُنِيفَةٌ لا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِها وإنْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنْ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ. والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ اسْمِ لا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ وخَبَرُ لا مَحْذُوفٌ، واسْتُشْكِلَ الإبْدالُ مِن جِهَتَيْنِ أُولاهُما أنَّهُ بَدَلُ بَعْضٍ ولَيْسَ مَعَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المُبَدَلِ مِنهُ وهو شَرْطٌ فِيهِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِهِ شَرْطًا مُطْلَقًا
صفحة 56
بَلْ هو شَرْطٌ حَيْثُ لا تُفْهَمُ البَعْضِيَّةُ بِقَرِينَةٍ وهاهُنا قَدْ فُهِمَتْ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ ثانِيَتُهُما أنَّ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ مُخالَفَةً فَإنَّ الأوَّلَ مَنفِيٌّ والثّانِيَ مُوجِبٌ.
وأجابَ السِّيرافِيُّ بِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الأوَّلِ في عَمَلِ العامِلِ والتَّخالُفُ نَفْيًا وإيجابًا لا يَمْنَعُ البَدَلِيَّةَ لِأنَّ مَذْهَبَ البَدَلِ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ كَأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ والثّانِي في مَوْضِعِهِ وقَدْ تَتَخالَفُ الصِّفَةُ والمَوْصُوفُ في ذَلِكَ نَحْوَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كِرِيمٍ ولا لَبِيبٍ عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ قِسْمٌ عَلى حِيالِهِ مُغايِرٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الإبْدالِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ.
واسْتُشْكِلَ أمْرُ الخَبَرِ بِأنَّهُ إنْ قُدِّرَ مُمْكِنٌ يَلْزَمُ عَدَمُ إثْباتِ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لِلْواحِدِ الحَقِيقِيِّ تَعالى شَأْنُهُ أوْ مَوْجُودٌ يَلْزَمُ عَدَمُ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ إمْكانِ الشِّرْكَةِ وتَقْدِيرُ خاصٍّ مُناسِبٍ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ قِيلَ: ولِصُعُوبَةِ هَذا الإشْكالِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ إلى أنَّ الكَلِمَةَ لا غَيْرَ مُحْتاجَةٌ إلى خَبَرٍ وجُعِلَ ( إلّا اللَّهُ ) مُبْتَدَأً و( لا إلَهَ ) خَبَرَهُ والأصْلُ اللَّهُ إلَهٌ أيْ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ لَكِنْ لَمّا أُرِيدَ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِإلّا إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي إلّا والمَقْصُودُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا اقْتَرَنَ بِإلّا وجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِهِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ يَلْزَمُ مِنهُ بِناءُ الخَبَرِ مَعَ لا وهي لا يَبْنِي مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وأيْضًا لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَها وجْهٌ وقَدْ جَوَّزَهُ جَماعَةٌ.
وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَلى هَذا المَذْهَبِ قَضِيَّةٌ مَعْدُولَةُ الطَّرَفَيْنِ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ الحَيِّ لا عالِمَ بِمَعْنى الحَيُّ عالِمٌ ولا يَدْفَعُ الِاعْتِراضَ كَما لا يَخْفى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الخَبَرَ هو ( إلّا اللَّهُ ) أعْنِي إلّا مَعَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الجِنْسَ مُغايِرٌ لِكُلٍّ مِن أفْرادِهِ فَكَيْفَ يُصَدَّقُ حِينَئِذٍ سَلْبُ مُغايَرَةِ فَرْدٍ عَنْهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى تَضْمِينِ مَعْنى مِن وإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ أنَّهُ انْتَفى مِن هَذا الجِنْسِ غَيْرُ هَذا الفَرْدِ، والوَجْهُ كَما قِيلَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُغايَرَةَ المَنفِيَّةَ هي المُغايَرَةُ في الوُجُودِ لا المُغايَرَةُ في المَفْهُومِ حَتّى لا يُصَدَّقَ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الجِنْسِ المَنفِيِّ بِلا هَذِهِ هو المَفْهُومُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ حُصُولِهِ في الأفْرادِ كُلِّها أوْ بَعْضِها فَيَكُونُ مَحْمُولًا لا بِمَعْنى اعْتِبارِ عَدَمِ حُصُولِهِ فِيها أصْلًا حَتّى لا يَصِحَّ حَمْلُهُ إذْ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ شَيْءٍ اعْتِبارُ عَدَمِهِ ومَتى تَحَقَّقَ الحَمْلُ تَحَقَّقَ عَدَمُ المُغايَرَةِ في الوُجُودِ فَتَدَبَّرْهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا خَبَرَ لِلا هَذِهِ أصْلًا عَلى ما قالَهُ بَنُو تَمِيمٍ فِيها، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ انْتِفاءُ الحُكْمِ والعَقْدِ وهو باطِلٌ قَطْعًا ضَرُورَةَ اقْتِضاءِ التَّوْحِيدِ ذَلِكَ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ احْتِياجِ لا إلى الخَبَرِ لا يُخْرِجُ المُرَكَّبَ مِنها ومِنِ اسْمِها عَنِ العَقْدِ وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى المُرَكَّبِ نَحْوَ لا رَجُلَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ انْتَفى هَذا الجِنْسُ فَإذا قُلْنا: لا رَجُلَ إلّا حاتِمٌ كانَ مَعْناهُ انْتَفى هَذا الجِنْسُ في غَيْرِ هَذا الفَرْدِ ويَخْدِشُهُ أنَّ تَرَكُّبَ الكَلامِ مِنَ الحَرْفِ والِاسْمِ مِمّا لَيْسَ إلَيْهِ سَبِيلٌ، ورُبَّما يُدْفَعُ بِما قِيلَ في النِّداءِ مِثْلَ يا زَيْدُ مِن أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ ادْعُوهُ، والشَّرِيفُ العَلّامَةُ قُدِّسَ سِرُّهُ صَرَّحَ في بَيانِ ما نُقِلَ عَنْ بَنِي تَمِيمٍ مِن عَدَمِ إثْباتِ خَبَرِ لا هَذِهِ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى أنَّ المَفْهُومَ مِنَ التَّرْكِيبِ كَما ذُكِرَ آنِفًا انْتِفاءُ هَذا الجِنْسِ ثُمَّ إنَّ كَلِمَةً إلّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ بِمَعْنى غَيْرَ ولا مَجالَ لِكَوْنِها لِلِاسْتِثْناءِ لا لِما يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّناقُضِ بِناءً عَلى أنَّ سَلْبَ الجِنْسِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ يُنافِي إثْباتَهُ لِواحِدٍ مِن أفْرادِهِ فَإنَّهُ مَدْفُوعٌ بِنَحْوِ ما اخْتارَهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ في دَفْعِ التَّناقُضِ المُتَوَهَّمِ في مِثْلِ ما قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا لِوُجُوبِ شُمُولِ القَوْمِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ الفِعْلُ لِزَيْدٍ المُثْبَتِ هو لَهُ فِيما يَتَبادَرُ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الجِنْسَ الخارِجَ عَنْهُ هَذا الفَرْدُ مُنْتَفٍ في ضِمْنِ كُلِّ ما عَداهُ ولا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن عَدَمِ تَناوُلِ الجِنْسِ المَنفِيِّ لِما هو بَعْدَ إلّا وهو شَرْطُ الِاسْتِثْناءِ لِما عَرَفْتَ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ
صفحة 57
الجِنْسِ بِدُونِ اعْتِبارِ حُصُولِهِ في الأفْرادِ وبَيْنَهُ مَعَ اعْتِبارِ عَدَمِ حُصُولِهِ فِيها بَلْ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلِاسْتِثْناءِ لَما أفادَ الكَلامُ التَّوْحِيدَ لِأنَّهُ يَكُونُ حاصِلُهُ حِينَئِذٍ أنَّ هَذا الجِنْسَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ هَذا الفَرْدِ فِيهِ مُنْتَفٍ فَيُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ انْتِفائِهِ في إفْرادٍ غَيْرِ خارِجٍ عَنْها ذَلِكَ الفَرْدُ فَأيْنَ التَّوْحِيدُ، فالواجِبُ حَمْلُها عَلى مَعْنى غَيْرَ وجَعْلُها تابِعَةً لِمَحَلِّ اسْمِ لا بَدَلًا عَنْهُ أوْ صِفَةً كَما في قَوْلِهِ:
وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
كَذا رَأيْتُهُ في بَعْضِ نُسَخٍ قَدِيمَةٍ وذَكَرَهُ بَعْضَ شُيُوخِ مَشايِخِنا العَلّامَةُ الطَّبْقَجَلِيُّ في رِسالَتِهِ شَرْحِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، وعِنْدِي أنَّ ما ذُكِرَ في نَفْيِ الكَوْنِ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ مَضْمُونُ المُرَكَّبِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّ هَذا الجِنْسَ مُنْتَفٍ فِيما عَدا هَذا الفَرْدِ كانَتِ القَضِيَّةُ شَخْصِيَّةً ولَها لازِمٌ هو قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ. أعْنِي قَوْلَنا كُلُّ ما يُعْتَبَرُ فَرَدًّا لَهُ سِوى هَذا الفَرْدِ فَهو مُنْتَفٍ. ولا اسْتِبْعادَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى تَقْدِيرِ الخَبَرِ ”مَوْجُودٌ“ وأجابَ عَنِ الإشْكالِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ نَفْيُ الإمْكانِ العامِّ مِن جانِبِ الوُجُودِ عَنِ الآلِهَةِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّمَةٍ قَطْعِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ لِلْعُقَلاءِ هي أنَّ المَعْبُودَ بِالحَقِّ لا يَكُونُ إلّا واجِبَ الوُجُودِ فَيَصِيرُ المَعْنى لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ مَوْجُودٌ إلّا اللَّهَ وإذا لَيْسَ مَوْجُودًا لَيْسَ مُمْكِنًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُمْكِنًا لَكانَ واجِبًا بِناءً عَلى المُقَدِّمَةِ القَطْعِيَّةِ فَيَكُونُ مَوْجُودًا، وقَدْ أفادَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَلْزُومِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ المُقَدِّمَةَ القَطْعِيَّةَ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةً في نَفْسِ الأمْرِ لَكِنَّها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ويَعْتَقِدُونَها آلِهَةً مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها مُمْكِنَةٌ مُحْتاجَةٌ إلى الصّانِعِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِفَ المُكَلَّفُ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ ويَعْتَقِدَ أنَّ نَفْيَ الوُجُودِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ فَيُمْكِنُ عِنْدَهُ وُجُودُ آلِهَةٍ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ التَّلَفُّظُ بِالكَلِمَةِ نَصًّا عَلى إيمانِهِ ولَوْ كانَتِ المُقَدِّمَةُ المَذْكُورَةُ مُسَلَّمَةً عِنْدَ الكُلِّ لَأمْكَنَ أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَوْجُودٌ بِالذّاتِ أيْ لا إلَهَ مَوْجُودٌ بِالذّاتِ إلّا اللَّهَ وإذا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ تَعالى مَوْجُودًا بِالذّاتِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لَها لا يَكُونُ إلّا واجِبًا لِذاتِهِ.
وقَدْ قُرِّرَ الجَوابُ بِوَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ لا إلَهَ مَوْجُودٌ قَضِيَّةٌ سالِبَةٌ حَمْلِيَّةٌ لا بُدَّ لَها مِن جِهَةٍ وهي الإمْكانُ العامُّ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ الجانِبَ المُخالِفَ لِلسَّلْبِ وهو إثْباتُ الوُجُودِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا لِلْآلِهَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ مَوْجُودٌ بِالإمْكانِ العامِّ أيْ جانِبُ السَّلْبِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا لَهُ تَعالى فَيَكُونُ الوُجُودُ ضَرُورِيًّا لَهُ سُبْحانَهُ تَحْقِيقًا لِلتَّناقُضِ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ.
الثّانِي أنَّ لا إلَهَ مَوْجُودٌ بِالإمْكانِ العامِّ سالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ مُمْكِنَةٌ عامَّةٌ فَيَكُونُ المُتَحَصَّلُ بِالِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو نَقِيضٌ مُوجِبَةً جُزْئِيَّةً ضَرُورِيَّةً أيِ اللَّهُ مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ. وأوْرَدَ عَلى التَّقْرِيرَيْنِ أنَّهُما إنَّما يَتِمّانِ إذا كانَ كُلٌّ مِن طَرَفَيِ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ قَضِيَّةً مُسْتَقِلَّةً وهو مَمْنُوعٌ، والصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُما كَلامٌ واحِدٌ مُقَيَّدٌ بِالِاسْتِثْناءِ فَلا يَجْرِي فِيهِما أحْكامُ النّاقِضِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، وأيْضًا جَعْلُ اللَّهِ مَوْجُودًا بِالضَّرُورَةِ قَضِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ فِيهِ تَساهُلٌ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الخَبَرُ المُقَدَّرُ هو المَوْجُودُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ بِالفِعْلِ أوْ بِالإمْكانِ عَلى اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في كِلا مَعْنَيَيْهِ أوْ عَلى تَأْوِيلِهِ بِما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَوْجُودِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: يَجُوزُ تَقْدِيرُهُ مُمْكِنٌ، ونَفْيُ الإمْكانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الوُجُودِ لِأنَّ الإلَهَ واجِبُ الوُجُودِ وإمْكانُ
صفحة 58
اتِّصافِ شَيْءٍ بِوُجُوبِ الوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ اتِّصافَهُ بِالفِعْلِ بِالضَّرُورَةِ، فَإذا اسْتُفِيدَ مِنَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إمْكانُهُ يُسْتَفادُ مِنهُ وجُودُهُ أيْضًا إذْ كُلُّ ما لَمْ يُوجَدْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، ويُعْلَمُ ما فِيهِ مِمّا مَرَّ فَلا تَغْفَلْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَبَرُ المُقَدَّرُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ، فالمَعْنى لا إلَهَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ إلّا اللَّهُ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا كَوْنٌ خاصٌّ ولا بُدَّ في حَذْفِهِ مِن قَرِينَةٍ ولا قَرِينَةَ فَلا يَصِحُّ الحَذْفُ. وأُجِيبُ بِأنَّها كَنارٍ عَلى عَلَمٍ لِأنَّ الإلَهُ بِمَعْنى المَعْبُودِ فَدَلَّ عَلى العِبادَةِ واسْتِحْقاقِها، يُؤَيِّدُهُ مُلاحَظَةُ المَقامِ واعْتِبارُ حالِ المُخاطَبِينَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ وارِدَةٌ لِرَدِّ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ الزّاعِمِينَ أنَّ الأصْنامَ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا أيْ لا بِالإمْكانِ ولا بِالفِعْلِ لِجَوازِ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إمّا نَفْيُ إلَهٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ غَيْرَهُ تَعالى بِالفِعْلِ أوْ بِالإمْكانِ فَعَلى الأوَّلِ لا يَنْفِي إمْكانُ إلَهٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ أيْضًا غَيْرَهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلى الثّانِي لا يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ قالَ لِلْعِبادَةِ بِالفِعْلِ. ورُدَّ بِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ مَبْدَأُ جَمِيعِ الكِمالاتِ ولِذا فَرَّعُوا عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنها فَلا رَيْبَ أنَّهُ يُوجِبُ اسْتِحْقاقُ التَّعْظِيمِ التَّبْجِيلَ، ولا مَعْنى لِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ إلّا ذَلِكَ فَإذا لَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ تَعالى العِبادَةَ لَمْ يُوجَدْ واجِبُ وُجُودِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وإلّا لاسْتَحَقَّ العِبادَةَ قَطْعًا، وإذا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أيْضًا فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ جَزْمًا.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ البِناءَ عَلى أنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ إلّا واجِبَ الوُجُودِ، وقَدْ سَمِعْتَ أنَّها وإنْ كانَتْ قَطْعِيَّةَ الصِّدْقِ في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلى عَدَمِ تَسْلِيمِهِمْ لِمُكابَرَتِهِمْ ما عَسى أنْ يَكُونَ بَدِيهِيًّا. نَعَمْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّما تَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَعْبُودِ بِالفِعْلِ بِناءً عَلى ما قُرِّرَ في المَنطِقِ أنَّ ذاتَ المَوْضُوعِ يَجِبُ اتِّصافُهُ بِالعُنْوانِ بِالفِعْلِ، ويُجابُ بِمَنعِ وُجُوبِ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي الِاتِّصافُ بِالإمْكانِ كَما صَرَّحَ بِهِ الفارابِيُّ، وأمّا ما نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ فَمَعْناهُ كَوْنُهُ بِالفِعْلِ بِحَسَبِ الفَرْضِ العَقْلِيِّ لا بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبارَتُهُ في الشِّفاءِ والإشاراتُ فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى الإمْكانِ.
والفَرْقُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ أنَّ في مَذْهَبِ الشَّيْخِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ لَيْسَتْ في مَذْهَبِ الفارابِيِّ وهي أنَّ الشَّيْخَ اعْتَبَرَ مَعَ الإمْكانِ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ فَرْضَ الِاتِّصافِ بِالفِعْلِ ولَمْ يَعْتَبِرْهُ الفارابِيُّ، وبِالجُمْلَةِ إنَّ الِاتِّصافَ بِالفِعْلِ غَيْرُ لازِمٍ فَكُلُّ ما يُمْكِنُ اتِّصافُهُ بِالمَعْبُودِيَّةِ داخِلٌ في الحُكْمِ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ولَمّا كانَتِ القَضِيَّةُ سالِبَةً صُدِّقَتْ وإنْ لَمْ يُوجَدِ المَوْضُوعُ، ولَعَلَّ التَّحْقِيقَ في هَذا المَقامِ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ جارِيَةٌ بَيْنَ النّاسِ عَلى مُتَفاهَمِ اللُّغَةِ والعُرْفِ لا عَلى الِاصْطِلاحاتِ المَنطِقِيَّةِ والتَّدْقِيقاتِ الفَلْسَفِيَّةِ، وهي كَلامٌ ورَدَ في رَدِّ اعْتِقادِ المُشْرِكِ الَّذِي اعْتَقَدَ أنَّ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، فَإذا اعْتَرَفَ المُشْرِكُ بِمَضْمُونِهِ مِن أنَّهُ لا مَعْبُودَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ إلّا اللَّهَ تَعالى عُلِمَ مِن ظاهِرِ حالِهِ الإيمانُ، ولِهَذا اكْتَفى بِهِ الشّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا الكافِرُ الَّذِي يَعْتَقِدُ إمْكانَ وُجُودِ ذاتٍ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بَعْدُ فَلا تَكْفِي هَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ في إيمانِهِ كَما لا تَكْفِي في إيمانِ مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ أوِ المَعادَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالحُكْمِ الَّذِي أنْكَرَهُ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَ الكَفَرَةُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ تَعالى تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ هُمُ المَشْهُورُونَ دُونَ مَن يَعْتَقِدُ إمْكانَ وجُودِها بَعْدُ اعْتُبِرَتِ الكَلِمَةُ عِلْمًا لِلتَّوْحِيدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ الخَبَرُ المَحْذُوفُ مِن أوَّلِ الأمْرِ ”مَوْجُودٌ“ أُمْكِنَ دَفْعُ الإشْكالِ بِهَذا الطَّرِيقِ أعْنِي مُتَفاهَمَ اللُّغَةِ وعُرْفَ النّاسِ مِنَ الأوْساطِ، وأمّا أنَّ نَفِيَ الوُجُودِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ فَلا يَلْزَمُ مِنَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ حِينَئِذٍ نَفْيُ إمْكانِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَمِمّا لا يَسْبِقُ إلى الأفْهامِ ولا يَكادُ يُوجَدُ كافِرٌ يَعْتَقِدُ نَفْيَ وُجُودِ إلَهٍ
صفحة 59
غَيْرِهِ تَعالى مَعَ اعْتِقادِهِ إمْكانَ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن أيَّدَ تَقْدِيرَ الخَبَرِ كَذَلِكَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ لا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، ونَفْيُ الماهِيَّةِ نَفْسِها بِدُونِ اعْتِبارِ الوُجُودِ واتِّصافُها بِهِ كَنَفْيِ السَّوادِ نَفْسِهِ لا نَفْيَ وجُودِهِ عَنْهُ بِعِيدٌ، فَكَما أنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ إذْ لا مَعْنى لِجَعْلِ الشَّيْءِ وتَصْيِيرِهِ نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ نَفْيُهُ ورَفْعُهُ أيْضًا بِاعْتِبارِ رَفْعِ الوُجُودِ عَنْهُ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الجَلِيلُ، وأمّا النَّظَرُ الدَّقِيقُ فَقَدْ يَحْكُمُ بِخِلافِهِ لِأنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ يَنْتَهِي بِالآخِرَةِ إلى نَفْيِ ماهِيَّةِ ما بِاعْتِبارِ نَفْسِها، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ اتِّصافِها بِالوُجُودِ لا يَكُونُ بِاعْتِبارِ اتِّصافِ ذَلِكَ الِاتِّصافِ بِهِ إلى ما لا يَتَناهى، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى اتِّصافٍ مُنْتَفٍ بِنَفْسِهِ لا بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِالوُجُودِ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ نَفْيَ الأعْيانِ كَما في الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، وأمّا غَيْرُها فَتارَةً وتارَةً فَتَدَبَّرْ، و(إلّا ) عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ لِلِاسْتِثْناءِ ورَفْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المَشْهُورِ، وقِيلَ: هي فِيهِ بِمَعْنى ”غَيْرَ“ صِفَةُ الِاسْمِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ أيْ لا إلَهَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى مَوْجُودٌ. واعْتُرِضَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أمْرانِ: نَفِيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وإثْباتُها لَهُ سُبْحانَهُ، وهو إنَّما يَتِمُّ إذا كانَتْ لا فِيهِ لِلِاسْتِثْناءِ إذْ يُسْتَفادُ النَّفْيُ والإثْباتُ حِينَئِذٍ بِالمَنطُوقِ أمّا إنْ كانَتْ بِمَعْنى ”غَيْرَ“ فَلا يُفِيدُ بِمَنطُوقِهِ إلّا نَفِيَ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى سُبْحانَهُ وفي كَوْنِ إثْباتِها لَهُ تَعالى بِالمَفْهُومِ ويُكْتَفى بِهِ بَحْثٌ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ مَفْهُومَ لَقَبٍ فَلا عِبْرَةَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِلدَّقّاقِ والصَّيْرَفِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وابْنِ خُوَيْزِ مِندادَ مِنَ المالِكِيَّةِ، ومَنصُورِ بْنِ أحْمَدَ مِنَ الحَنابِلَةِ، وإنْ كانَ مَفْهُومَ صِفَةٍ فَمِنَ البَيِّنِ أنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ بَلْ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَقُلْ بِشَيْءٍ مِن مَفاهِيمِ المُخالَفَةِ أصْلًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِن إفادَةِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إثْباتَ الإلَهِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى ونَفْيَها عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإثْباتٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وجَعْلُ الإثْباتِ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ بِعُرْفِ الشَّرْعَ، وفي المُفَرَّغِ نَحْوَ ما قامَ إلّا زَيْدٌ بِالعُرْفِ العامِّ، وما لَهُ وما عَلَيْهِ في كُتُبِ الأُصُولِ فَلا تَغْفَلْ، وتَمامُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإعْرابِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَعْلِيقاتِنا عَلى شَرْحِ السُّيُوطِيِّ لِلْألْفِيَّةِ، وهي عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم جامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَراتِبِ التَّوْحِيدِ ودالَّةٌ عَلَيْها إمّا مَنطُوقًا أوْ بِالِاسْتِلْزامِ، ومَراتِبُهُ أرْبَعٌ: الأُولى تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ. الثّانِيَةُ تَوْحِيدُ الأفْعالِ. الثّالِثَةُ تَوْحِيدُ الصِّفاتِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: تَوْحِيدُ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ سائِرَ الصِّفاتِ الكَمالِيَّةِ كَما فَرَّعَها عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. الرّابِعَةُ تَوْحِيدُ الذّاتِ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: تَوْحِيدُ الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ فَإنَّ المَآلَ واحِدٌ عِنْدَهُمْ، وبَيانُ ذَلِكَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مَنطُوقُهُ. عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الأذْهانِ وذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ. قَصْرُ الأُلُوهِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصْرًا حَقِيقِيًّا أيْ إثْباتُها لَهُ تَعالى بِالضَّرُورَةِ ونَفْيُها عَنْ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ وهو يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الأفْعالِ، وتَوْحِيدَ الصِّفاتِ، وتَوْحِيدَ الذّاتِ. أمّا الأوَّلُ الَّذِي هو قَصْرُ الخالِقِيَّةِ فِيهِ تَعالى فَلِأنَّ مُقْتَضى قَصْرِ الأُلُوهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرًا حَقِيقِيًّا هو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهو النّافِعُ الضّارُّ عَلى الإطْلاقِ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى الخالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّ كُلَّ مَن لا يَكُونُ خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ لا يَكُونُ نافِعًا ضارًّا عَلى الإطْلاقِ، وكُلُّ مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ لِأنَّ العِبادَةَ هي الطّاعَةُ والِانْقِيادُ والخُضُوعُ ومَن لا يَمْلِكُ نَفْعًا ولا ضُرًّا بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ المَخْلُوقِينَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ ذَلِكَ البَعْضُ ويُطِيعَهُ ويَنْقادَ لَهُ، فَإنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى إيصالِ نَفْعٍ إلى شَخْصٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ لا يَرْجُوهُ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى إيصالِ ضُرٍّ إلَيْهِ لا يَخافُهُ، وكُلُّ مَن لا يُخافُ ولا يُرْجى أصْلًا لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَ وهو ظاهِرٌ لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَصْرُ الأُلُوهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرًا حَقِيقِيًّا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهو النّافِعُ الضّارُّ
صفحة 60
عَلى الإطْلاقِ فَهو الخالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ وهو المَطْلُوبُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُلُوهِيَّةَ ثابِتَةٌ لَهُ تَعالى ثُبُوتًا مُسْتَمِرًّا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ ومُنْتَفِيَةً عَنْ غَيْرِهِ انْتِفاءً كَذَلِكَ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهي دالَّةٌ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ واجِبُ الوُجُودِ، وأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ سِواهُ تَعالى مُمْكِنُ الوُجُودِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ وُجُوبُ الوُجُودِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ تَعالى وهو مُسْتَلْزِمٌ لِسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ وهو المَطْلُوبُ، أمّا دَلالَتُها عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ واجِبُ الوُجُودِ فَلِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا تَكُونُ إلّا لِمَوْجُودٍ حَقِيقَةً اتِّفاقًا، وكُلُّ ما لا يَكُونُ صِفَةً إلّا لِمَوْجُودٍ إذا دَلَّ كَلامٌ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ لِشَيْءٍ ثُبُوتًا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ سَرْمَدًا فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ الوُجُودَ ثابِتٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ ثُبُوتًا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ سَرْمَدًا، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مَوْجُودًا لِذاتِهِ وهو المَعْنِيُّ بِواجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وحَيْثُ دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ الأُلُوهِيَّةِ ثُبُوتًا مُسْتَمِرًّا مُمْتَنِعَ الِانْفِكاكِ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ وجُودِهِ تَعالى وهو مُسْتَلْزِمٌ لِسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ وهو المَطْلُوبُ.
وأمّا دَلالَتُها عَلى أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ سِواهُ فَهو مُمْكِنُ الوُجُودِ فَلِأنَّ مَوْجُودًا ما سِواهُ لَوْ كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ لَكانَ مُسْتَحِقًّا أنْ يَعْبُدَ لَكِنَّها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَعْبُدَ إلّا اللَّهُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا واجِبًا وُجُودُهُ لِذاتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَكُلُّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ وهو المَطْلُوبُ، أوْ يُقالُ: إنَّها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى هو النّافِعُ الضّارُّ عَلى الإطْلاقِ فَهو الجامِعُ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ فَهو سُبْحانَهُ المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الكَمالِ كُلِّها وهو المَطْلُوبُ.
وأمّا الثّالِثُ فَقَدْ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في بابِ الصِّدْقِ مِنَ الإحْياءِ: كُلُّ ما تَقَيَّدَ العَبْدُ بِهِ فَهو عَبْدٌ لَهُ كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا عُبَيْدَ الدُّنْيا. وقالَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ وعَبْدُ الحُلَّةِ وعَبْدُ الخَمِيصَةِ)» سُمِّي كُلُّ مَن تَقَيَّدَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ عَبْدًا لَهُ، وقالَ في بابِ الزُّهْدِ مِنهُ: مَن طَلَبَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ عَبَدَهُ وكُلُّ مَطْلُوبٍ مَعْبُودٌ، وكُلُّ طالِبٍ عَبْدٌ بِالإضافَةِ إلى مَطْلَبِهِ، وقالَ في البابِ الثّالِثِ مِن كِتابِ العِلْمِ مِنهُ. كُلُّ مُتَّبِعِ هَواهُ فَقَدِ اتَّخَذَ هَواهُ مَعْبُودًا قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾
وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أبْغَضُ إلَهٍ عُبِدَ في الأرْضِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الهَوى)» انْتَهى.
ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ ما في الوُجُودِ شَيْءٌ إلّا وهو مَطْلُوبٌ لِطالِبٍ ما وقَدْ صَحَّ بِما مَرَّ إطْلاقُ الإلَهِ عَلَيْهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَما في الوُجُودِ حَقِيقَةٌ إلّا اللَّهُ ومِنهم مَن قَرَّرَ دَلالَةَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عَلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ونَفْيِ وُجُودِ أحَدٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ( إلّا ) بِمَعْنى ”غَيْرَ“ بَدَلٌ مِنَ الإلَهِ المَنفِيِّ فَيَكُونُ النَّفْيُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهًا إلى الغَيْرِ ونَفْيُ الغَيْرِ تَوْحِيدٌ حَقِيقِيٌّ عِنْدَهم. وإذا تَبَيَّنَ لَكَ دَلالَتُها عَلى جَمِيعِ مَراتِلِ التَّوْحِيدِ لاحَ لَكَ أنَّ الشّارِعَ لِأمْرٍ ما جَعَلَها مِفْتاحَ الإسْلامِ وأساسَ الدِّينِ ومُهْداةَ الأنامِ:
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو نَعِيمٍ عَنْ عِياضٍ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةٌ كَرِيمَةٌ ولَها عِنْدَ اللَّهِ مَكانٌ جَمَعَتْ وسَوَّلَتْ، مَن قالَها صادِقًا مِن قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ)».
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ النَّجّارِ عَنْ دِينارٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ كَرِيمَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى مَن قالَها مُخْلِصًا اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ)».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هاتَيْنِ فَمَن لَقِيتَ مِن وراءِ هَذا الحائِطِ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِها قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ)».
وحَدِيثُ البِطاقَةِ أشْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وكَذا الحَدِيثُ القُدْسِيُّ المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيَّ الرِّضا عَنْ آبائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وجاءَ «(مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ
صفحة 61
دَخَلَ الجَنَّةَ)».
أيْ بِلا حِسابٍ وإلّا فَما الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ ومَن قالَها ولَمْ تَكُنْ آخِرَ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيا، وبِالجُمْلَةِ إنَّ فَضْلَها لا يُحْصى وإنَّها لَتُوَصِّلُ قائِلَها إلى المَقامِ الأقْصى، وقَدْ أُلِّفَتْ كُتُبٌ في فَضْلِها وكَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها وآدابِ اسْتِعْمالِها فَلا نُطِيلُ الكَلامَ في ذَلِكَ.
بَقِيَ هاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وإنِ اخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ شَرْعِيًّا أوْ عَقْلِيًّا، وأمّا النَّظَرُ في مَعْرِفَتِهِ تَعالى لِأجْلِ حُصُولِها بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ فَقَدْ قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ المَقاصِدِ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ في وُجُوبِهِ لِأنَّهُ أمْرٌ مَقْدُورٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الواجِبُ المُطْلَقُ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ، وكُلُّ مَقْدُورٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الواجِبُ المُطْلَقُ فَهو واجِبٌ شَرْعًا إنْ كانَ وُجُوبُ الواجِبِ المُطْلَقِ شَرْعِيًّا كَما هو رَأْيُ الأصْحابِ وعَقْلًا إنْ كانَ عَقْلِيًّا كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ تَكْلِيفُ المُحالِ، أمّا كَوْنُ النَّظَرِ مَقْدُورًا فَظاهِرٌ، وأمّا تَوَقُّفُ المَعْرِفَةِ عَلَيْهِ فَلِأنَّها لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ بَلْ نَظَرِيَّةً، ولا مَعْنى لِلنَّظَرِيِّ إلّا ما يَتَوَقَّفُ عَلى النَّظَرِ ويَتَحَصَّلُ بِهِ، وظاهِرُ كَلامِ السَّنَدِ في شَرْحِ المَواقِفِ إجْماعُ المُسْلِمِينَ كافَّةً عَلى ذَلِكَ أيْضًا. والحَقُّ وُقُوعُ الخِلافِ في وُجُوبِ النَّظَرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ الحاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ، والعَضُدِ في شَرْحِهِ، وكَلامُ التّاجِ السُّبْكِيِّ في جَمْعِ الجَوامِعِ، والجَلالِ المَحَلِّيِّ في شَرْحِهِ، وقَوْلُ شَيْخِ الإسْلامِ في حاشِيَتِهِ عَلَيْهِ: مَحَلُّ الخِلافِ في وُجُوبِ النَّظَرِ في أُصُولِ الدِّينِ وعَدَمِ وُجُوبِهِ في غَيْرِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى مِنها أمّا النَّظَرُ فِيها فَواجِبٌ إجْماعًا كَما ذَكَرَهُ السَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ كَغَيْرِهِ اعْتَرَضَهُ المُحَقِّقُ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيِّ في حاشِيَتِهِ الآياتِ البَيِّناتِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما نَقَلَهُ السَّعْدُ مِنَ الإجْماعِ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ الشّارِحِ وغَيْرِهِ، ألا تَرى إلى تَمْثِيلِ الشّارِحِ لِمَحَلِّ الخِلافِ بِقَوْلِهِ: كَحُدُوثِ العالَمِ ووُجُودِ البارِيِّ تَعالى وما يَجِبُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ وما يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنَ الصِّفاتِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ووُجُودُ البارِيِّ تَعالى إلَخْ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلى آخِرِ ما قالَ. نَعَمْ قالَ كَثِيرٌ ورَجَّحَهُ الإمامُ الرّازِيُّ والآمِدِيُّ: إنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ في مَسائِلِ الِاعْتِقادِ ومَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أُسُّها فَيَجِبُ فِيها بِالأوْلى، وقالُوا في ذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ اليَقِينُ لِقَوْلِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، وقالَ تَعالى لِلنّاسِ: ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ويُقاسُ غَيْرُ الوَحْدانِيَّةِ عَلَيْها، ولا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ إلّا بِضَمِّ تَوَقَّفِ حُصُولِ اليَقِينِ عَلى النَّظَرِ. وهَؤُلاءِ لَمْ يُجَوِّزُوا التَّقْلِيدَ في الأُصُولِ وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ. ثانِيها قَوْلُ العَنْبَرِيِّ: إنَّهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيها بِالعَقْدِ الجازِمِ ولا يَجِبُ النَّظَرُ لَها لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَكْتَفِي في الإيمانِ بِالعَقْدِ الجازِمِ ويُقاسُ غَيْرُ الإيمانِ عَلَيْهِ.
والمُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَكْتَفِي بِذَلِكَ نَظَرًا إلى ظاهِرِ الحالِ فَإنَّ الخَبَرَ كَما صَرَّحَ بِهِ المُحَقِّقُ عِيسى الصَّفْوِيُّ في شَرْحِهِ لِلْفَوائِدِ الغِياثِيَّةِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيُّ في الآياتِ البَيِّناتِ دالٌّ وضْعًا عَلى صُورَةٍ ذِهْنِيَّةٍ عَلى وجْهِ الإذْعانِ تَحْكِي الحالَ الواقِعِيَّةَ، ولا شَكَّ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِن قِسْمِ الخَبَرِ فَهُما دالّانِ وضْعًا عَلى أنَّ قائِلَهُما ولَوْ تَحْتَ ظِلالِ السَّيْفِ مُعْتَقِدٌ لِمَضْمُونِهِما عَلى وجْهِ الإذْعانِ، وعَدَمُ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا في نَفْسِ الأمْرِ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ، والمُطَّلِعُ عَلى ما في القُلُوبِ عَلّامُ الغُيُوبِ. وثالِثُ الأقْوالِ: إنَّهُ يَجِبُ التَّقْلِيدُ بِالعَقْدِ الجازِمِ ويُحَرَّكُ النَّظَرُ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الوُقُوعِ في الشُّبَهِ والضَّلالِ لِاخْتِلافِ الأذْهانِ بِخِلافِ التَّقْلِيدِ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا. والَّذِي أوْجَبَ النَّظَرَ مِنَ المُحَقِّقِينَ لَمْ يُرِدْ بِهِ النَّظَرَ عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ بَلْ صَرَّحَ كَما في الجَوابِ العَتِيدِ لِلْكُورانِي بِأنَّ المُعْتَبَرَ هو النَّظَرُ عَلى طَرِيقِ العامَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةَ الوُقُوعِ فِيما ذُكِرَ، وهَلِ القائِلُ بِوُجُوبِهِ مِن أُولَئِكَ جاعِلٌ لَهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الإيمانِ أمْ لا فَفِيهِ خِلافٌ. فَيُفْهَمُ مِن بَعْضِ
صفحة 62
عِباراتِ شَرْحِ الأرْبَعِينَ لِابْنِ حَجَرٍ أنَّهُ جاعِلٌ لَهُ كَذَلِكَ فَلا يَصِحُّ إيمانُ المُقَلِّدِ عِنْدَهُ، بَلْ يُفْهَمُ مِنها أنَّ النَّظَرَ المُعْتَبَرَ عِنْدَ ذَلِكَ هو النَّظَرُ عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ، وكَلامُ الجَلالِ المَحَلِّيِّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ غَيْرَ أبِي هاشِمٍ لَيْسُوا جاعِلِينَ النَّظَرَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الإيمانِ ولا زاعِمِينَ بُطْلانَ إيمانِ المُقَلِّدِ بَلْ هو صَحِيحٌ عِنْدَهم مَعَ الإثْمِ بِتَرْكِ النَّظَرِ الواجِبِ. نَعَمَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَقْلُ الإمامِ حُجَّةِ الإسْلامِ في كِتابِهِ فَيْصَلِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإسْلامِ والزَّنْدَقَةِ نَقْلُ الِاشْتِراطِ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَعَ رَدِّهِ.
وأمّا ما نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ الأشْعَرِيِّ مِنَ الِاشْتِراطِ وأنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُ المُقَلِّدِ فَكَذِبٌ عَلَيْهِ كَما قالَهُ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ، وقالَ التّاجُ السُّبْكِيُّ: التَّحْقِيقُ أنَّهُ إنْ كانَ التَّقْلِيدُ أخْذًا بِقَوْلِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمالِ شَكٍّ أوْ وهْمٍ فَلا يَكْفِي، وإنْ كانَ جَزْمًا فَيَكْفِي خِلافًا لِأبِي هاشِمٍ. والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ بِكِفايَةِ التَّقْلِيدِ مَعَ الجَزْمِ يَمْنَعُ القَوْلَ بِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالنَّظَرِ ويَقُولُ: إنَّها قَدْ تَحْصُلُ بِالإلْهامِ أوِ التَّعْلِيمِ أوِ التَّصْفِيَةِ، فَمَن حَصَلَ لَهُ العَقْدُ الجازِمُ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقادُهُ فَقَدْ صَحَّ إيمانُهُ مِن غَيْرِ إثْمٍ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، ومَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ ابْتِداءً أوْ تَقْلِيدًا أوْ ضَرُورَةً فالنَّظَرُ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ .
ويَكْفِي دَلِيلًا لِلصِّحَّةِ اكْتِفاءُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن عَوامِّ العَجَمِ كَأجْلافِ العَرَبِ وإنْ أسْلَمَ أحَدُهم تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ بِمُجَرَّدِ الإقْرارِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ الدّالِّ بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِمْ عَلى أنَّهم يَعْتَقِدُونَ مَضْمُونَ ذَلِكَ ويُذْعِنُونَ لَهُ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ فَرْضًا لَأُمِرُوا بِهِ بَعْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَتَيْنِ أوْ عَلِمُوا الدَّلِيلَ ولَقَّنُوهُ كَما لَقَّنُوهُما وكَما عَلِمُوا سائِرَ الواجِباتِ، ولَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ إلَيْنا فَإنَّهُ مِن أهَمِّ مُهِمّاتِ الدِّينِ، ولَمْ يُنْقُلْ أنَّهم أمَرُوا أحَدًا مِنهم أسْلَمَ بِتَرْدِيدِ نَظَرٍ ولا سَألُوهُ عَنْ دَلِيلِ تَصْدِيقِهِ ولا أرْجَؤُوا أمْرَهُ حَتّى يَنْظُرَ فَلَوْ كانَ النَّظَرُ واجِبًا عَلى الأعْيانِ ولَوْ إجْمالِيًّا عَلى طَرِيقِ العامَّةِ لِما اكْتَفى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُولَئِكَ العَوامِّ والأجْلافِ بِمُجَرَّدِ الإقْرارِ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ لا يُقِرُّونَ أحَدًا عَلى تَرْكِ فَرْضِ العَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، فَلا يَكُونُ تارِكُهُ آثِمًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ بِتَرْكِهِ غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ اعْتِذارِهِ عَنْ قَتْلِ مِرْداسِ بْنِ نَهْيِكٍ مِن أهْلِ فَدُكَ وغَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ الكَثِيرَةِ. وما في المَواقِفِ والمَقاصِدِ وشَرْحِ المُخْتَصَرِ العَضُدِيِّ وغَيْرِها مِن كُتُبِ الكَلامِ والأُصُولِ مِن أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُمْ- أيِ العَوامَّ- وأجْلافَ العَرَبِ يَعْلَمُونَ الأدِلَّةَ إجْمالًا كَما قالَ الأعْرابِيُّ: البَعْرَةُ تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ وأثَرُ الأقْدامِ عَلى المَسِيرِ أفَسْماءٌ ذاتَ أبْراجٍ وأرْضٌ ذاتَ فِجاجٍ لا تَدُلُّ عَلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ أيْ فَلِذَلِكَ لَمْ يُلْزِمُوهُمُ النَّظَرَ ولا سَألُوهم عَنْهُ ولا أرْجَؤُوا أمْرَهم وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اكْتِفاؤُهم بِمُجَرَّدِ الإقْرارِ دَلِيلًا عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ واجِبًا عَلى الأعْيانِ ولا عَلى أنَّ تارِكَهُ غَيْرُ آثِمٍ دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها، وحِكايَةُ الأعْرابِيِّ إنْ كانَتْ مَسُوَقَةً لِلِاسْتِدْلالِ لا تَدُلُّ غايَةُ ما في البابِ أنَّ ذَلِكَ الأعْرابِيَّ كانَ عالِمًا بِدَلِيلٍ إجْمالِيٍّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ جَمِيعَ الأجْلافِ والعَوامِّ كانُوا عالِمِينَ بِالأدِلَّةِ الإجْمالِيَّةِ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ وغَيْرِهِ وإلّا لَكانَتْ حُجَّةً عَلى أنَّهُ لا مُقَلِّدَ في الوُجُودِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم أسْنَدَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى قَسِّ بْنِ ساعِدَةَ وكانَ في الفَتْرَةِ. والجَلالُ المَحَلِّيُّ ذَكَرَهُ لِأعْرابِيٍّ قالَهُ في جَوابِ الأصْمَعِيِّ وكانَ في زَمَنِ الرَّشِيدِ بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُشْرِكِينَ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ مُطْلَقًا، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ:
صفحة 63
﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ .
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ في بَعْضِ الحُرُوبِ: اعْلُ هُبْلُ اعْلُ هُبْلُ وما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُ العَضُدُ في شَرْحِ المُخْتَصَرِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ جَوازِ التَّقْلِيدِ حَيْثُ قالَ: إنَّ الأُمَّةَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّها لا تَحْصُلُ بِالتَّقْلِيدِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها أنَّهُ يَجُوزُ الكَذِبُ عَلى المُخْبِرِ فَلا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ العِلْمُ. ثانِيها أنَّهُ لَوْ أفادَ العِلْمَ لَأفادَهُ بِنَحْوِ حُدُوثِ العالَمِ مِنَ المَسائِلِ المُخْتَلِفِ فِيها فَإذا قُلِّدَ واحِدٌ في الحُدُوثِ والآخَرُ في القِدَمِ كانا عالِمَيْنِ بِهِما فَيَلْزَمُ حَقِيقَتُهُما وأنَّهُ مُحالٌ. ثالِثُها أنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ فالعِلْمُ بِأنَّهُ صَدَقَ فِيما أخْبَرَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا لا سَبِيلَ إلّا الأوَّلُ بِالضَّرُورَةِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ والمَفْرُوضُ أنَّهُ لا دَلِيلَ إذْ لَوْ عُلِمَ صِدْقُهُ بِدَلِيلِهِ لَمْ يَبْقَ تَقْلِيدًا. تَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الكُورانِيُّ فَقالَ: فِيهِ بَحْثٌ، أمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ فَلِأنَّ مَن جَوَّزَ التَّقْلِيدَ مِثْلَ المُقَلِّدِ بِمَن نَشَأ عَلى شاهِقِ جَبَلٍ ولَمْ يَنْظُرْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وأخْبَرَهُ غَيْرُهُ بِما يَلْزَمُهُ اعْتِقادُهُ وصِدْقُهُ بِمُجَرَّدِ إخْبارِهِ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ وتَدَبُّرٍ وهو صَرِيحٌ في أنَّ الكَلامَ في مُقَلِّدٍ أخْبَرَهُ غَيْرُهُ بِما يَلْزَمُهُ اعْتِقادُهُ وما يَلْزَمُهُ اعْتِقادُهُ لا يَكُونُ إلّا صِدْقًا فَإنَّ الكَذِبَ لا يَلْزَمُ أحَدًا اعْتِقادُهُ، وأمّا مَن أخْبَرَ بِالأكاذِيبِ فاعْتَقَدَها فَهو لَمْ يَعْتَقِدْ إلّا أكاذِيبَ والأكاذِيبُ لَيْسَ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْكَمُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى عارِفٌ بِهِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ إلّا الأكاذِيبَ وهو ظاهِرٌ، وأمّا في الوَجْهِ الثّانِي فَلِمِثْلِ ما مَرَّ لِأنّا لا نَقُولُ: إنَّ كُلَّ تَقْلِيدٍ مُفِيدٍ لِلْعَلَمِ ولا أنَّ كُلَّ مُقَلِّدٍ عالِمٌ كَيْفَ ولَيْسَ كُلُّ نَظَرٍ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ ولا كُلُّ ناظِرٍ مُصِيبًا، فَإذا لَمْ يَكُنِ النَّظَرُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ مُطْلَقًا وإنَّما المُوجَبُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ تَقْلِيدٍ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ وإنَّما المُفِيدُ التَّقْلِيدُ الصَّحِيحُ، وهو أنْ يُقَلِّدَ عالِمًا بِمَسائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى صادِقًا فِيما يُخْبِرُهُ بِهِ فَإنَّ الكَلامَ إنَّما هو في صِحَّةِ إيمانٍ مِثْلَ هَذا المُقَلِّدِ لا مُطْلَقًا، وأمّا في الثّالِثِ فَلِأنّا نَخْتارُ أنَّ عِلْمَهُ بِأنَّهُ صَدَقَ فِيما أخْبَرَ بِهِ ضَرُورِيٌّ قَوْلُكم لا سَبِيلَ إلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ قُلْنا: مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ شَرْحِ الصَّدْرِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ فَيَنْفَسِحُ)» فَصَرَّحَ ﷺ بِأنَّهُ نُورٌ لا يَحْصُلُ مِن دَلِيلٍ وإنَّما يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ فَلا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ ولا نَظَرٍ ولا اسْتِدْلالٍ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أكابِرِ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ تَوْحِيدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ وجَدُوهُ في نُفُوسِهِمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ وبِأنَّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ مَن وجَدَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ الإيمانَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ يَجِدُهُ المُؤْمِنُ في قَلْبِهِ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ فَكَمْ مَن آمَنَ بِلا دَلِيلٍ ومَن لَمْ يُؤْمِن مَعَ الدَّلِيلِ، وقَلَّما يُوثَقُ بِإيمانِ مَن آمَنَ عَنْ دَلِيلٍ فَإنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلشُّبَهِ القادِحَةِ فِيهِ.
وفِي البابِ المِائَةِ والِاثْنَيْنِ والسَّبْعِينَ والمِائَةِ والسّابِعِ والسَّبْعِينَ والمِائَتَيْنِ والسّابِعِ والسَّبْعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وقالَ الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ في فَيْصَلِ التَّفْرِقَةِ: مِن أشَدِّ النّاسِ غُلُوًّا وانْحِرافًا طائِفَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ كَفَّرُوا عَوامَّ المُسْلِمِينَ وزَعَمُوا أنَّ مَن لا يَعْرِفُ الكَلامَ مَعْرِفَتِنا ولَمْ يَعْرِفِ الأدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ بِأدِلَّتِنا الَّتِي حَرَّرْناها فَهو كافِرٌ فَهَؤُلاءِ ضَيَّقُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى الواسِعَةِ عَلى عِبادِهِ أوَّلًا، وجَعَلُوا الجَنَّةَ وقْفًا عَلى شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، ثُمَّ جَهِلُوا ما تَواتَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ ثانِيًا إذْ ظَهَرَ مِن عَصْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَصْرِ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ حُكْمُهم بِإسْلامِ طَوائِفَ مِن أجْلافِ العَرَبِ كانُوا مَشْغُولِينَ بِعِبادَةِ الوَثَنِ ولَمْ يَشْتَغِلُوا بِتَعْلِيمِ الدَّلائِلِ ولَوِ اشْتَغَلُوا بِها لَمْ يَفْهَمُوها، ومَن ظَنَّ أنَّ مَدْرَكَ الإيمانِ الكَلامُ والأدِلَّةُ المُحَرَّرَةُ والتَّقْسِيماتُ المُرَتَّبَةُ فَقَدْ أبْعَدَ، لا بَلِ الإيمانُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ عَبْدِهِ عَطِيَّةً وهِدايَةً مِن عِنْدِهِ، تارَةً بِتَنَبُّهٍ في الباطِنِ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ
صفحة 64
عَنْهُ، وتارَةً بِسَبَبِ رُؤْيا في المَنامِ، وتارَةً بِمُشاهَدَةِ حالِ رَجُلٍ مُتَدَيِّنٍ وسَرايَةِ نُورِهِ إلَيْهِ عِنْدَ صُحْبَتِهِ ومُجالَسَتِهِ، وتارَةً بِقَرِينَةِ حالٍ، «فَقَدْ جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جاحِدًا لَهُ مُنْكِرًا، فَلَمّا وقَعَ بَصَرُهُ عَلى طَلْعَتِهِ البَهِيَّةِ وغَرَّتْهُ الغَرِيرَةُ السِّنِّيَّةُ فَرَآها يَتَلَأْلَأُ مِنها نُورُ النُّبُوَّةِ قالَ: واللَّهِ ما هَذا وجْهُ كَذّابٍ، وسَألَهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ فَأسْلَمَ، وجاءَ آخَرُ فَقالَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ بَعَثَكَ اللَّهُ نَبِيًّا؟ فَقالَ ﷺ: بَلى إنِّي واللَّهِ اللَّهُ بَعَثَنِي نَبِيًّا فَصَدَّقَهُ بِيَمِينِهِ وأسْلَمَ،» فَهَذا وأمْثالُهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى ولَمْ يَشْتَغِلْ واحِدٌ مِنهم قَطُّ بِالكَلامِ وتَعَلُّمِ الأدِلَّةِ بَلْ كانَ تَبْدُو أنْوارُ الإيمانِ أوَّلًا بِمِثْلِ هَذِهِ القَرائِنِ في قُلُوبِهِمْ لَمْعَةً بَيْضاءَ ثُمَّ لا تَزالُ تَزْدادُ وُضُوحًا وإشْراقًا بِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الأحْوالِ العَظِيمَةِ وبِتِلاوَةِ القُرْآنِ وتَصْفِيَةِ القُلُوبِ، ولَيْتَ شِعْرِي مَن نَقَلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ الصَّحابَةِ إحْضارَهُ أعْرابِيًّا أسْلَمَ وقَوَّلَهُ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ العالَمَ حادِثٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنِ الأعْراضِ وما لا يَخْلُو عَنِ الحَوادِثِ فَهو حادِثٌ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِعَلَمٍ وقادِرٌ بِقُدْرَةٍ كِلاهُما زائِدٌ عَلى الذّاتِ لا هو ولا غَيْرُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن رُسُومِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَسْتُ أقُولُ: لَمْ تَجْرِ هَذِهِ الألْفاظُ بَلْ لَمْ يَجْرِ أيْضًا ما مَعْناهُ مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ بَلْ كانَ لا تَنْكَشِفُ مَلْحَمَةٌ إلّا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الأجْلافِ يُسْلِمُونَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ وجَماعَةٍ مِنَ الأُسارى يُسْلِمُونَ واحِدًا واحِدًا بَعْدَ طُولِ الزَّمانِ أوْ عَلى القُرْبِ وكانُوا إذا نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ عُلِّمُوا الصَّلاةَ والزَّكاةَ ورُدُّوا إلى صِناعَتِهِمْ مِن رِعايَةِ الغَنَمِ أوْ غَيْرِها. نَعَمْ لَسْتُ أُنْكِرُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ أدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ أحَدَ أسْبابِ الإيمانِ في حَقِّ بَعْضِ النّاسِ ولَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلَيْهِ وهو نادِرٌ أيْضًا وساقَ الكَلامَ إلى أنْ قالَ: والحَقُّ الصَّرِيحُ أنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ حَقٌّ اعْتِقادًا جَزْمًا فَهو مُؤْمِنٌ وإنْ لَمْ يَعْرِفْ أدِلَّتَهُ، فالإيمانُ المُسْتَعارُ مِنَ الدَّلائِلِ الكَلامِيَّةِ ضَعِيفٌ جِدًّا مُشْرِفٌ عَلى التَّزَلْزُلِ بِكُلِّ شُبْهَةٍ بَلِ الإيمانُ الرّاسِخِ إيمانُ العَوامِّ الحاصِلُ في قُلُوبِهِمْ في الصِّبا بِتَواتُرِ السَّماعِ والحاصِلُ بَعْدَ البُلُوغِ بِقَرائِنَ لا يُمْكِنُ العِبارَةُ عَنْها اهـ.
وفِيهِ فَوائِدُ شَتّى ولِذا نَقَلْناهُ بِطُولِهِ، ومَتى جازَ أنْ يَقْذِفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِ العَبْدِ نُورَ الإيمانِ فَيُؤْمِنُ بِلا نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ جازَ أنْ يَقْذِفَ سُبْحانَهُ في قَلْبِهِ صِدْقَ المُخْبِرِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ ولا يَدْرِي أنَّهُ مِن أيْنَ جاءَ لا سِيَّما إذا كانَ المُخْبِرُ هو النَّبِيَّ ﷺ، فَإنَّ مِن لازِمِ قَذْفِ نُورِ الإيمانِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقْذِفَ في قَلْبِهِ صِدْقَهُ ﷺ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ دَعْوى الضَّرُورَةِ في أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِصِدْقِ المُخْبِرِ فِيما أخْبَرَ بِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا إنْ لَمْ تَكُنْ مُكابَرَةً فَمَنعُها لَيْسَ مُكابَرَةً أيْضًا، فَإنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قامَ عَلى جَوازِ حُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِصِدْقِهِ بَلْ عَلى وُقُوعِهِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ الدَّعْوى مِنَ المُقَدِّماتِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ مَنعُها مُكابَرَةً غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ، وقَدِ اتَّضَحَ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ أنَّ ما قالَهُ السَّعْدُ في شَرْحِ المَقاصِدِ مِن أنَّ الحَقَّ أنَّ المَعْرِفَةَ بِدَلِيلٍ إجْمالِيٍّ يَرْفَعُ النّاظِرَ مِن حَضِيضِ التَّقْلِيدِ فَرْضَ عَيْنٍ لا مَخْرَجَ عَنْهُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ وبِدَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن إزاحَةِ الشُّبَهِ وإلْزامِ المُنْكِرِينَ وإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ فَرْضَ كِفايَةٍ لا بُدَّ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ البَعْضُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ عَلى ما قِيلَ، لَكِنَّ الظّاهِرَ عِنْدِي أنَّ الحَقَّ مَعَ السَّعْدِ مِن جِهَةِ أنَّ الإيمانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ مُكَلَّفٌ بِهِ وشَرْطُ المُكَلَّفِ بِهِ كَوْنُهُ اخْتِيارِيًّا، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ التَّكْلِيفَ بِما لَيْسَ بِاخْتِيارِيٍّ تَكْلِيفٌ في الحَقِيقَةِ بِما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الِاخْتِيارِيَّةِ وإنَّ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ اخْتِيارِيٍّ كانَ التَّكْلِيفُ بِهِ في الحَقِيقَةِ تَكْلِيفًا بِما يَتَوَقَّفُ هو عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الِاخْتِيارِيِّ، فالإيمانُ الَّذِي يَحْصُلُ بِقَذْفِهِ تَعالى النُّورُ في القَلْبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا رَوِيَّةَ ولا نَظَرَ ولا اسْتِدْلالَ لَيْسَ اخْتِيارِيًّا بِنَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ هو مِنهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ، وما مُرادُ السَّعْدِ ومَن
صفحة 65
وافَقَهُ بِالمَعْرِفَةِ إلّا المَعْرِفَةُ مِن حَيْثُ إنَّها مُكَلَّفٌ بِها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: لا مَخْرَجَ عَنْهُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وكَوْنُ ذَلِكَ مُكَلَّفًا بِهِ بِاعْتِبارِ أمْرٍ اخْتِيارِيٍّ غَيْرِ النَّظَرِ كَتَحْصِيلِ الِاسْتِعْدادِ لِإفاضَةِ النُّورِ، وخَلْقُ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ في قَلْبِ العَبْدِ غَيْرُ ظاهِرٍ. نَعَمْ لَسْتُ أُنْكِرُ أنَّ مِنَ المَعْرِفَةِ ما لا يَتَوَقَّفُ عَلى نَظَرٍ في دَلِيلٍ إجْمالِيٍّ أوْ غَيْرِهِ كَمَعْرِفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وكَمَعْرِفَةِ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ سُبْحانَهُ غَيْرِهِمْ ولا أُسَمِّي نَحْوَ هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَقْلِيدِيَّةً، وكَذا لا أُنْكِرُ أنَّ المَعْرِفَةَ الحاصِلَةَ مِن قَذْفِ النُّورِ فَوْقَ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ مِنَ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ فَإنَّها يُخْشى عَلَيْها مِن عَواصِفِ الشُّبَهِ، وأذْهَبُ إلى أنَّ النَّظَرَ في الدَّلِيلِ مُطْلَقًا واجِبٌ عَلى مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ العَقْدُ الجازِمُ إلّا بِهِ، وأمّا مَن حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ دُونَهُ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ وكَذا لا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وحِكايَةُ الإجْماعِ عَلى إثْمِهِ بِهِ لا يَخْفى ما فِيها، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ بِأنَّ جَزْمَ المُؤْمِنِ حِينَئِذٍ لا ثِقَةَ بِهِ إذْ لَوْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فاتَ وبَقِيَ مُتَرَدِّدًا بِخِلافِ الجَزْمِ النّاشِئِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ لا يَفُوتُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّهُ إذا سُلِّمَ أنَّ مَن تَمَّ جَزْمُهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ فَقَدْ أتى بِواجِبِ الإيمانِ فَلا وجْهَ لِتَأْثِيمِهِ بِتَرْكِ النَّظَرِ بِناءً عَلى مُجَرَّدِ احْتِمالِ عُرُوضِ شُبْهَةٍ مُشَوِّشَةٍ لِجَزْمِهِ لِأنَّهُ إذا سُلِّمَ أنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا أنْ يَجْزِمَ وقَدْ جَزَمَ فَقَدْ أدّى واجِبَ الوَقْتِ وما تَرَكَ مِنهُ شَيْئًا، وكُلُّ مَن لَمْ يَتْرُكْ واجِبًا مُعَيَّنًا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ لا مَعْنى لِتَأْثِيمِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جِهَةِ ذَلِكَ الواجِبِ، وكَما يَحْتَمِلُ عَقْلًا أنْ تَعْرِضَ لَهُ شُبْهَةٌ تُشَوِّشُ عَلَيْهِ الجَزْمَ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ عَقْلًا أنْ يَحْصُلَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلى ما جَزَمَ قَبْلَ عُرُوضِ شُبْهَةٍ ولَعَلَّ هَذا الِاحْتِمالَ أقْوى وأقْرَبُ إلى الوُقُوعِ.
وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِجَمِيعِ ما ذَكَرْنا عَلِمْتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ فِيهِ نَظَرٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: إنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالنَّظَرِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ. ويُقَوِّي ذَلِكَ إذا قُلْنا: إنَّ عِلْمَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالوَحْدانِيَّةِ ضَرُورِيٌّ إذْ يَكُونُ المُرادُ الأمْرَ بِالثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى ما هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِ مِنِ اجْتِنابِ ما يُخِلُّ بِالعِلْمِ، وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِدْلالُ نَظَرًا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ بِالعِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا بِنَفْسِهِ أوْ بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ هو مِنهُ، وحَيْثُ انْتَفى كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِنَفْسِهِ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ هو مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ النَّظَرُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إنْ كانَ التَّقْلِيدُ سَبَبًا مِن أسْبابِ العِلْمِ أيْضًا لَمْ يَتِمَّ هَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا تَمَّ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ الَّذِي قالُوا بِهِ في الأُصُولِ الِاعْتِقادِيَّةِ أعَمُّ مِنَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والنَّظَرِ في الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَإنَّ مِنها ما ثَبَتَ بِالسَّمْعِ كالأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ ومَدْخَلُ العَقْلِ فِيها لَيْسَ إلّا بِأنَّها أُمُورٌ مُمْكِنَةٌ أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِها وكُلُّ مُمْكِنٍ أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ واقِعٌ فَتِلْكَ الأُمُورُ واقِعَةٌ، وأمّا النَّظَرُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أعْنِي التَّصْدِيقَ بِوُجُودِهِ تَعالى وصِفاتِهِ العُلا. فَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَقَطْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ في الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ طَرِيقَها إلَيْهِ لِاسْتِلْزامِهِ الدَّوْرِ. وفي الجَوابِ العَتِيدِ الدَّوْرُ لازِمٌ لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ مَطْلُوبٍ يَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى العِلْمِ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ إنَّما يَكُونُ طَرِيقًا إلى المَعْرِفَةِ إذا كانَتْ صادِقَةً عِنْدَ النّاظِرِ فِيها، وصِدْقُها في عِلْمِ النّاظِرِ مَوْقُوفٌ عَلى عِلْمِهِ بِأنَّ هَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِها صادِقًا في دَعْواهُ الرِّسالَةَ. وعِلْمُهُ بِذَلِكَ
صفحة 66
مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِهِ تَصْدِيقًا لَهُ في دَعْواهُ، وعِلْمُهُ بِذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنْ ثَمَّتْ إلَهًا عَلى صِفَةٍ يُمْكِنُ بِها أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا كَكَوْنِهِ حَيًّا عالِمًا مُرِيدًا قادِرًا وهو مِن مَعْرِفَةِ الإلَهِ سُبْحانَهُ، فَلَوِ اسْتَفَدْنا العِلْمَ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى وبِتِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ المَوْقُوفَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَزِمَ الدَّوْرُ كَما تَرى. نَعَمْ إذا قِيلَ: إنَّ المُكَلَّفَ بَعْدَ ما آمَنَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واعْتَقَدَ اعْتِقادًا جازِمًا بِصِدْقِهِ في جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأيِّ وجْهٍ كانَ ذَلِكَ الجَزْمُ بِالضَّرُورَةِ أوْ بِالنَّظَرِ أوْ بِالتَّقْلِيدِ فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ عَقِيدَتَهُ مِنَ القُرْآنِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ ولا مَيْلٍ مِن غَيْرِ أنْ يَنْظُرَ في دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ كانَ ذَلِكَ كَلامًا صَحِيحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما حَصَّلَهُ أوَّلًا مِنَ المَسائِلِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها صِدْقُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ التَّحْصِيلَ الثّانِيَ مِن حَيْثُ إنَّ الجائِيَ بِدَلائِلِها صادِقٌ فِيها والتَّحْصِيلَ الأوَّلَ كانَ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاخْتَلَفَتِ الحَيْثِيَّةُ فَلْيُفْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿ومَثْواكُمْ﴾ في الآخِرَةِ، وخُصَّ المُتَقَلَّبُ بِالدُّنْيا والمَثْوى بِالآخِرَةِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُتَحَرِّكٌ في الدُّنْيا دائِمًا نَحْوَ مَعادِهِ غَيْرُ قادٍ وفي الآخِرَةِ مُقِيمٌ لا حَرَكَةَ لَهُ نَحْوَ دارٍ وراءَها، والمُرادُ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِذَلِكَ تَحْذِيرُهم مِن جَزائِهِ وعِقابِهِ سُبْحانَهُ أوِ التَّرْغِيبُ في امْتِثالِ ما يَأْمُرُهم جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ والتَّرْهِيبُ عَمّا يَنْهاهم عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ تَصَرُّفَكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا ومَثْواكم في قُبُورِكم وآخِرَتِكُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في أصْلابِ الآباءِ إلى أرْحامِ الأُمَّهاتِ ﴿ومَثْواكُمْ﴾ إقامَتَكم في الأرْضِ وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ تَصَرُّفَكم في يَقَظَتِكم ﴿ومَثْواكُمْ﴾ مَنامَكُمْ، وقِيلَ: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في مَعايِشِكم ومَتاجِرِكم ﴿ومَثْواكُمْ﴾ حَيْثُ تَسْتَقِرُّونَ مِن مَنازِلِكُمْ، وقِيلَ: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في أعْمالِكم ﴿ومَثْواكُمْ﴾ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ.
واخْتارَ أبُو حَيّانَ عُمُومَهُما في كُلِّ مُتَقَلَّبٍ وفي كُلِّ إقامَةٍ، ونَحْوُهُ ما قِيلَ: المُرادُ يَعْلَمُ جَمِيعَ أحْوالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (مُنْقَلَبَكُمْ) بِالنُّونِ.
محمد 47:20
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حِرْصًا عَلى الجِهادِ لِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ فالمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يُؤْمَرُ فِيها بِالجِهادِ. فَلَوْلا: تَحْضِيضِيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّ لا زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ أيْ بِطَرِيقِ الأمْرِ بِهِ، والمُرادُ بِ”مَحْكَمَةٌ“ مُبَيِّنَةٌ لا تَشابُهَ ولا احْتِمالَ فِيها لِوَجْهٍ آخَرَ سِوى وُجُوبِ القِتالِ، وفَسَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ بِغَيْرِ مَنسُوخَةِ الأحْكامِ. وعَنْ قَتادَةَ كُلُّ سُورَةٍ فِيها القِتالُ فَهي مُحْكَمَةٌ وهو أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ وهَذا أمْرٌ اسْتَقْرَأهُ قَتادَةُ مِنَ القُرْآنِ لا بِخُصُوصِيَّةِ هَذِهِ الآيَةِ والمُتَحَقِّقُ أنَّ آياتِ القِتالِ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ وحُكْمُها باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ بِالحَلالِ والحَرامِ.
وقُرِئَ (نُزِّلَتْ) سُورَةٌ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن نَزَلَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ ورَفْعِ (سُورَةٌ) عَلى الفاعِلِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (نَزَلَتْ) كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَصَبَ ( سُورَةً مُحْكَمَةً )، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الفاعِلِ ضَمِيرَ السُّورَةِ، و(سُورَةً مُحْكَمَةً) نَصْبٌ عَلى الحالِ. وقَرَأ هو وابْنُ عُمَيْرٍ (وذَكَرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى
صفحة 67
(القِتالَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ، وقِيلَ: ضَعْفٌ في الدِّينِ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ نَظَرَ المُحْتَضَرِ الَّذِي لا يَطْرِفُ بَصَرُهُ، والمُرادُ تَشْخَصُ أبْصارُهم جُبْنًا وهَلَعًا، وقِيلَ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ العَداوَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: مِن خَشْيَةِ الفَضِيحَةِ فَإنَّهم إنْ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ افْتُضِحُوا وبانَ نِفاقُهُمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَدَّعُونَ الحِرْصَ عَلى الجِهادِ ويَتَمَنَّوْنَهُ بِألْسِنَتِهِمْ ويَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ في مَعْنى الجِهادِ فَإذا أُنْزِلَتْ وأُمِرُوا فِيها بِما تَمَنَّوْا وحَرَصُوا عَلَيْهِ كاعُوا وشَقَّ عَلَيْهِمْ وسَقَطَ في أيْدِيهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن أنَّ القائِلِينَ هُمُ الَّذِينَ أخْلَصُوا في إيمانِهِمْ وإنَّما عَرا المُنافِقِينَ ما عَرا عِنْدَ نُزُولِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالجِهادِ لِدُخُولِهِمْ فِيهِمْ بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِمْ، وقَدْ جَوَّزَ هو أيْضًا إرادَةَ الخاصِّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لَكِنَّ كَلامَهُ ظاهِرٌ في تُرَجِّحُ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا عِنْدَهُ والظّاهِرُ أنَّ في الكَلامِ عَلَيْهِ إقامَةَ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ إنْزالَ سُورَةٍ مُطْلَقًا حَيْثُ كانُوا يَسْتَأْنِسُونَ بِالوَحْيِ ويَسْتَوْحِشُونَ إذا أبْطَأ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَشْتاقُونَ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى وإلى بَيانِ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَإذا نَزَلَتِ السُّورَةُ يُذْكَرُ فِيها القِتالُ رَأيْتَ يا مُحَمَّدُ المُنافِقِينَ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ إلَخْ.
﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ عَلى ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ (أوْلى) فِيهِ عِلْمٌ لِعَيْنِ الوَيْلِ مَبْنِيٌّ عَلى زِنَةِ أفْعَلَ مِن لَفْظِ الوَيْلِ عَلى القَلْبِ وأصْلُهُ أوَيْلُ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والوَزْنِ. فالكَلامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرَّفٍ فِيهِ، ومِثْلُ يَوْمٍ أيُومٍ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْقاسٍ لا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ البَتَّةَ، وإنَّ القَلْبَ خِلافُ الأصْلِ لا يُرْتَكَبُ إلّا بِدَلِيلٍ، وإنَّ عِلْمَ الجِنْسِ شَيْءٌ خارِجٌ عَنِ القِياسِ مُشْكِلٌ التَّعَقُّلِ خاصَّةً فِيما نَحْنُ فِيهِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الِاشْتِقاقَ الواضِحَ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ كَما في قَوْلِهِ:
تُكَلِّفُنِي لَيْلى وقَدْ شَطَّ ولِيُّها وعادَتْ عَوادٌ بَيْنَنا وخُطُوبُ
يُرْشِدُ إلى أنَّهُ لِلتَّفْضِيلِ في الأصْلِ غَلَبَ في قُرْبِ الهَلاكِ ودُعاءِ السُّوءِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلاكًا أوْلى لَهم بِمَعْنى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَلاكًا أقْرَبَ لَهم مِن كُلِّ شَرٍّ وهَلاكٍ، وهَذا كَما غَلَبَ بُعْدًا وسَحْقًا في الهَلاكِ، وهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ في الأصْلِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وقَدْ أُقِيمُ مَقامَهُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وفي الصِّحاحِ عَنِ الأصْمَعِيِّ أوْلى لَهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أيْ نَزَلَ بِهِ وأنْشَدَ:
فَعادى بَيْنَ هادِيَتَيْنِ مِنها ∗∗∗ وأوْلى أنْ يَزِيدَ عَلى الثَّلاثِ
أيْ قارَبَ أنْ يَزِيدَ، قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في (أوْلى) أحْسَنَ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وعَلى هَذا هو فِعْلٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ ضَمِيرُ الهَلاكِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وفاعِلُهُ ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ واللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أوْلاهُمُ اللَّهُ تَعالى ما يَكْرَهُونَ أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ أيْ أدْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الهَلاكَ لَهُمْ، والظّاهِرُ زِيادَةُ اللّامِ عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، ومَن فَسَّرَهُ بِقُرْبٍ جَوَّزَ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ والمَعْنى ولِيُّهم شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ. وقِيلَ: هو فَعْلى مِن آلَ بِمَعْنى رَجَعَ لا أفْعَلُ مِنَ الوَلِيِّ فَهو في الأصْلِ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرْجِعَ أمْرُهم إلى الهَلاكِ، والمُرادُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقالَ الرَّضِيُّ: هو عَلَمٌ لِلْوَعِيدِ مِن ولِيَهُ الشَّرُّ أيْ قَرُبَهُ، والتَّرْكِيبُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْضًا. واسْتَدَلَّ بِما حُكِيَ أبُو زَيْدٍ مِن قَوْلِهِمْ: أوْلاةٌ بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأفْعَلَ تَفْضِيلٍ ولا أفْعَلَ
صفحة 68
فَعْلى وأنَّهُ عَلَمٌ ولَيْسَ بِفِعْلٍ ثُمَّ قالَ: بَلْ هو مِثْلَ أرْمَلٍ وأرْمَلَةٍ إذا سُمِّيَ بِهِما ولِذا لَمْ يَنْصَرِفْ، ولَيْسَ اسْمَ فِعْلٍ أيْضًا بِدَلِيلِ أوْلاةٍ في تَأْنِيثِهِ بِالرَّفْعِ يَعْنِي أنَّهُ مُعْرَبٌ ولَوْ كانَ اسْمَ فِعْلٍ كانَ مَبْنِيًّا مِثْلَهُ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن كَوْنِ أوْلاةٍ لَفْظًا آخَرَ بِمَعْناهُ يَرُدُّ مِن ذَلِكَ عَلى قائِلِي ما تَقَدَّمَ أصْلًا، وجاءَ أوَّلَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ وظَرْفًا كَقَبْلُ وسُمِعَ فِيهِ أوْلَةٌ كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: الأحْسَنُ كَوْنُهُ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ بِمَعْنى أحَقَّ وأحْرى وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ في كُلِّ مَقامٍ بِما يَلِيقُ بِهِ والتَّقْدِيرُ هاهُنا العِقابُ أوْلى لَهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومالَ إلى هَذا القَوْلِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ
محمد 47:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ مَحْذُوفٌ مِنهُ أحَدُ الجُزْأيْنِ أمّا الخَبَرُ وتَقْدِيرُهُ خَيْرٌ لَهم أوْ أمْثَلُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا المُبْتَدَأُ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ أوْ أمْرُنا طاعَةٌ أيِ الأمْرُ المَرَضِيُّ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ، وقِيلَ: أيْ أمْرُهم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أيْ مَعْلُومٌ حالُهُ أنَّهُ خَدِيعَةٌ، وقِيلَ: هو حِكايَةُ قَوْلِهِمْ قَبْلَ الأمْرِ بِالجِهادِ أيْ قالُوا أمْرُنا طاعَةٌ ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (يَقُولُونَ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ (أوْلى) أفْعَلَ تَفْضِيلٍ مُبْتَدَأٌ ( ولَهم ) صِلَتُهُ واللّامُ بِمَعْنى الباءِ ( وطاعَةٌ ) خَبَرٌ كَأنَّهُ قِيلَ فَأوْلى بِهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ كَلامًا مُسْتَقِلًّا ولا يُوقَفُ عَلى ( لَهم ) ومِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ما قِيلَ: إنَّ ( طاعَةٌ ) صِفَةٌ لِـ ”سُورَةٌ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ والمُرادُ ذاتَ طاعَةٍ أوْ مُطاعَةٌ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِحَيْلُولَةِ الفَصْلِ الكَثِيرِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أيْ جَدَّ والجَدُّ أيِ الِاجْتِهادُ لِأصْحابِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
قَدْ جَدَتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا
والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ ( إذا ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ وهو العامِلُ فِيها ولا يَضُرُّ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ ولا تَمْنَعُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها في مِثْلِهِ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وهَذا نَحْوَ إذا جاءَ الشِّتاءُ فَلَوْ جِئْتَنِي لَكَسَوْتُكَ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ كَرِهُوا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ قالَهُ قَتادَةُ. وفي البَحْرِ مَن حَمَلَ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ خَدِيعَةً قَدَّرَ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ناقَضُوا وتَعاصَوْا، ولَعَلَّ مَن يَجْعَلُ القَوْلَ السّابِقَ لِلْمُؤْمِنِينَ في ظاهِرِ الحالِ وهُمُ المُنافِقُونَ جَوَّزَ هَذا التَّقْدِيرَ أيْضًا، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الجَوابَ فاصْدُقْ وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ فِيما زَعَمُوا مِنَ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ ولَعَلَّهم أظْهَرُوا الحِرْصَ عَلَيْهِ كالمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، وقِيلَ: في إيمانِهِمْ ﴿لَكانَ﴾ أيِ الصِّدْقُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا ارْتَكَبُوهُ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما في زَعْمِهِمْ مِن أنَّ فِيهِ خَيْرًا وإلّا فَهو في نَفْسِ الأمْرِ لا خَيْرَ فِيهِ.
محمد 47:22
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ خِطابٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، وهَلْ لِلِاسْتِفْهامِ والأصْلُ فِيهِ أنْ يَدْخُلَ الخَبَرُ لِلسُّؤالِ عَنْ مَضْمُونِهِ والإنْشاءِ المَوْضُوعِ لَهُ عَسى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ أيْ فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم ويُنْتَظَرُ ﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ فَهو مِنَ الوِلايَةِ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والكَلْبِيِّ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ تَناحُرًا عَلى الوِلايَةِ وتَكالُبًا عَلى جِيفَةِ الدُّنْيا والمُتَوَقَّعُ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى حالِهِمْ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا يَصِحُّ مِنهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ والِاسْتِفْهامُ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا فالمَعْنى إنَّكم لِما عُهِدَ مِنكم مِنَ الأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى الحِرْصِ عَلى
صفحة 69
الدُّنْيا حَيْثُ أُمِرْتُمْ بِالجِهادِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ فَكَرِهْتُمُوهُ وظَهَرَ عَلَيْكم ما ظَهَرَ أحِقّاءٌ بِأنْ يَقُولَ لَكم كُلُّ مَن ذاقَكم وعَرَفَ حالَكم يا هَؤُلاءِ ما تَرَوْنَ هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ إلَخْ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَلِّيَ بِالإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ فالفِعْلُ لازِمٌ أيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ بِالتَّغاوُرِ والتَّناهُبِ وقَطْعِ الأرْحامِ بِمُقاتَلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا ووَأْدِ البَناتِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ الواقِعَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَحْذُورِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَفاسِدِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ ولا رَيْبَ في أنَّ الإعْراضَ عَنِ الإسْلامِ رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٌ فَحَقُّهُ أنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً في التَّوْبِيخِ لا وسِيلَةً لِلتَّوْبِيخِ بِما دُوَنَهُ مِنَ المَفاسِدِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ بَعْضٍ ( وُلِّيتُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذا قِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما ذُكِرَ في البَحْرِ ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. ورُوَيْسٌ ويَعْقُوبُ ( تُولِّيتُمْ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى تَوَلّاكُمُ النّاسُ واجْتَمَعُوا عَلى مُوالاتِكُمْ، والمُرادُ كُنْتُمْ فِيهِمْ حُكّامًا، وقِيلَ: المَعْنى تَوَلّاكم وُلاةٌ غَشْمَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهم ومَشَيْتُمْ تَحْتَ لِوائِهِمْ وأفْسَدْتُمْ بِإفْسادِهِمْ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرَهُ بِالإعْراضِ إلّا أنَّهُ قالَ: المَعْنى إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِعَدَمِ مَعُونَةِ أهْلِ الإسْلامِ عَلى أعْدائِهِمْ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم لِأنَّ مِن أرْحامِكم كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَإذا لَمْ تُعِينُوهم قَطَّعْتُمْ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الرَّحِمِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ حَمْلَ الإفْسادِ عَلى الإفْسادِ بِعَدَمِ المَعُونَةِ فِيهِ خَفاءٌ، وكَذا الإتْيانُ بِأنَّ عَلَيْهِ دُونَ إذا مِن حَيْثُ إنَّ الإعْراضَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ كالمُحَقَّقِ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ فَتَأمَّلْ، ( وأنْ تُفْسِدُوا ) خَبَرُ عَسى.
﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ اعْتِراضٌ، وجَوابُ أنَّ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ جَعْلُ ﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ حالًا مُقَدَّرَةً، وفِيهِ أنَّ الشُّرَطَ بِدُونِ الجَوابِ لَمْ يُعْهَدْ وُقُوعُهُ حالًا في غَيْرِ أنَّ الوَصْلِيَّةَ وهي لا تُفارِقُ الواوَ، وإلْحاقُ الضَّمائِرِ بِعَسى كَما في سائِرِ الأفْعالِ المُتَصَرِّفَةِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبَنُو تَمِيمٍ لا يُلْحِقُونَها بِهِ ويَلْتَزِمُونَ دُخُولَهُ عَلى أنْ والفِعْلِ فَيَقُولُونَ الزَّيْدانَ عَسى أنْ يَقُوما والزَّيْدُونَ عَسى أنْ يَقُومُوا، وذَكَرَ الإمامُ هاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: عَسى أنْتَ تَقُومُ وعَسى أنا أقُومُ فَدُونَ ما ذَكَرْنا لِلتَّطْوِيلِ الَّذِي فِيهِ فَإنْ كانَ مَقْصُودُهُ حِكايَةَ لُغَةٍ ثالِثَةٍ هي انْفِصالُ الضَّمِيرِ فَنَحْنُ لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن نَقَلَةِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ ذَكَرَها وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى.
وقَرَأ نافِعٌ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ، وهو غَرِيبٌ. وقَرَأ عَمْرٌو في رِوايَةٍ. وسَلامٌ ويَعْقُوبُ وأبانُ وعِصْمَةُ (تَقْطَعُوا) بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ قَطَعَ، والحَسَنُ ( تَقَطَّعُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ وشَدِّ الطّاءِ وأصْلُهُ تَتَقَطَّعُوا بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ أحَدُهُما ونَصَبُوا ( أرْحامَكم ) عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ أيْ في أرْحامِكم لِأنَّ تَقَطَّعَ لازِمٌ
محمد 47:23
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانٌ بِأنَّ ذِكْرَ هَناتِهِمْ أوْجَبَ إسْقاطَهم عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ ولَوْ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ وحِكايَةِ أقْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ لِغَيْرِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَأصَمَّهم عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ لِتَصامِّهِمْ عَنْهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآياتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ وجاءَ التَّرْكِيبُ ﴿فَأصَمَّهُمْ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَأصَمَّ آذانَهم كَما جاءَ ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ أوْ وأعْماهم كَما جاءَ فَأصَمَّهُمْ، قِيلَ: لِأنَّ الأُذُنَ لَوْ أُصِيبَتْ بِقَطْعٍ أوْ قَلْعٍ لَسُمِعَ الكَلامُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ الأُذُنِ والبَصَرُ وهو العَيْنُ لَوْ أُصِيبَ لامْتَنَعَ الإبْصارُ فالعَيْنُ لَها مَدْخَلٌ في الرُّؤْيَةِ والأُذُنُ لا مَدْخَلَ لَها في السَّمْعِ انْتَهى وهو كَما تَرى.
وقالَ الخَفاجِيُّ: لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ الصَّمَمُ لَمْ يَبْقَ حاجَةٌ إلى ذِكْرِ الآذانِ، وأمّا العَمى فَلِشُيُوعِهِ في البَصَرِ
صفحة 70
والبَصِيرَةِ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِما وهو ظاهِرٌ ما في القامُوسِ فَإذا كانَ المُرادُ أحَدَهُما حَسَنُ تَقْيِيدُهُ.
وقِيلَ في وجْهِ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَوْنِ العَمى حَقِيقَةً فِيما كانَ في البَصَرِ إنَّ نَحْوَ أعْمى اللَّهُ أبْصارَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن بابِ أبْصَرْتُهُ بِعَيْنِي وهو يُقالُ في مَقامٍ يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، ولَمّا كانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَكى حالَهم في أمْرِ الجِهادِ غَيْرَ ظاهِرٍ إعْماؤُهم ظُهُورَ إصْمامِهِمْ كَيْفَ وفي الآياتِ السّابِقَةِ ما يُؤْذِنُ بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالمَسْمُوعِ مِنَ القُرْآنِ وهو مِن آثارِ إصْمامِهِمْ ولَيْسَ فِيها ما يُؤْذِنُ بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ الَّذِي هو مِن آثارِ إعْمائِهِمْ ناسَبَ أنْ يَسَلَكَ في كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ما سَلَكَ مَعَ ما في سُلُوكِهِ في الأخِيرِ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ وهو أدَقُّ مِمّا قَبْلُ، هَذا والأرْحامُ جَمْعُ رَحِمٍ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وهي عَلى ما في القامُوسِ القَرابَةُ أوْ أصْلُها وأسْبابُها، وقالَ الرّاغِبُ: الرَّحِمُ رَحِمُ المَرْأةِ أيْ بَيْتُ مَنبَتِ ولَدِها ووِعاؤُهُ ومِنهُ اسْتُعِيرَ الرَّحِمُ لِلْقَرابَةِ لِكَوْنِهِمْ خارِجِينَ مِن رَحِمٍ واحِدَةٍ، ويُقالُ لِلْأقارِبِ ذَوُو رَحِمٍ كَما يُقالُ لَهم أرْحامٌ، وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الأثِيرِ بِأنَّ ذا الرَّحِمِ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَن يَجْمَعُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ نَسَبٌ ويُطْلَقُ في الفَرائِضِ عَلى الأقارِبِ مِن جِهَةِ النِّساءِ، والمَذْكُورُ في كُتُبِها تَفْسِيرُهُ بِكُلِّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي سَهْمٍ ولا عَصَبَةٍ وعَدُّوا مِن ذَلِكَ أوْلادَ الأخَواتِ لِأبَوَيْنِ أوْ لِأبٍ وعَمّاتِ الآباءِ، وظاهِرُ كَلامِ الأئِمَّةِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ فَهو حُرٌّ». دُخُولُ الأبَوَيْنِ والوَلَدِ في ذِي الرَّحِمِ لُغَةٌ حَيْثُ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم يُعْتِقُونَ عَلى مَن مَلَكَهم لِهَذا الخَبَرِ وإنِ اخْتَلَفُوا في عِتْقِ غَيْرِهِمْ، وصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ في الزَّواجِرِ بِأنَّ الأوْلادَ مِنَ الأرْحامِ. وظاهِرُ عَطْفِ الأقْرَبِينَ عَلى الوالِدَيْنِ في الآيَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِهِما في الأقارِبِ فَلا يَدْخُلُونَ في الأرْحامِ لِأنَّهم كَما قالُوا الأقارِبُ، وكَلامُ فُقَهائِنا نَصٌّ في عَدَمِ دُخُولِ الوالِدَيْنِ والوَلَدِ في ذَلِكَ حَيْثُ قالُوا: إذا أوْصى لِأقارِبِهِ أوْ لِذَوِي قَرابَتِهِ أوْ لِأرْحامِهِ فَهي لِلْأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِن كُلِّ ذِي رَحِمِ مُحَرَّمٍ ولا يُدْخَلُ الوالِدانِ والوَلَدُ، وأمّا الجَدُّ ووَلَدُ الوَلَدِ فَنَقَلَ أبُو السُّعُودِ عَنِ العَلّامَةِ قاسِمٍ عَنِ البَدائِعِ أنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ دُخُولِهِما، واخْتارَهُ في الِاخْتِيارِ وعَلَّلَهُ بِأنَّ القَرِيبَ مَن يَتَقَرَّبُ إلى غَيْرِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ وتَكُونُ الجُزْئِيَّةُ بَيْنَهُما مُنْعَدِمَةً، وفي شَرْحِ الحَمَوِيِّ أنَّ دُخُولَهُما هو الأصَحُّ. وفي مَتْنِ المَواهِبِ وأدْخَلَ أيْ مُحَمَّدٌ الجَدَّ والحَفَدَةَ وهو الظّاهِرُ عَنْهُما، وذَكَرَ أنَّ مِثْلَ الجَدِّ والجَدَّةِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ عَدَمَ دُخُولِ الوالِدَيْنِ والوَلَدِ في ذَلِكَ وكَذا الجَدُّ والحَفَدَةُ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ لَيْسَ لِأنَّ اللَّفْظَ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ لُغَةً بَلْ لِأنَّهُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ عُرْفًا وهُمُ اعْتَبَرُوا العُرْفَ كَما قالَ الطَّحْطاوِيُّ في أكْثَرِ مَسائِلِ الوَصِيَّةِ. وفي جامِعِ الفُصُولِينَ أنَّ مُطْلَقَ الكَلامِ فِيما بَيْنَ النّاسِ يَنْصَرِفُ إلى المُتَعارَفِ، وما ذَكَرَهُ في المِعْراجِ مِن خَبَرِ مَن سَمّى والِدَهُ قَرِيبًا عَقَّهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ قَرِيبًا لُغَةً بَلْ هو بَيانُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مَبْناهُ أنَّ في ذَلِكَ إيذاءً لِلْوالِدِ وحَطًّا مِن قَدْرِهِ عُرْفًا، وهَذا كَما لَوْ ناداهُ بِاسْمِهِ وكانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وأمْرُ العَطْفِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ سَهْلٌ لِجَوازِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ كَعَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، فالَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الأرْحامَ كَما صَرَّحُوا بِهِ الأقارِبُ بِالقَرابَةِ الغَيْرِ السَّبَبِيَّةِ والمُرادُ ما يُقابِلُ الأجانِبَ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الأُصُولُ والفُرُوعُ والحَواشِي مِن قِبَلِ الأبِ أوْ مِن قِبَلِ الأُمِّ، وحُرْمَةُ قَطْعِ كُلٍّ لا شَكَّ فِيها لِأنَّهُ عَلى ما قُلْنا رَحِمٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في حُرْمَةِ قَطْعِ الرَّحِمِ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ اتِّفاقُ الأُمَّةِ عَلى حُرْمَةِ قَطْعِها ووُجُوبِ صِلَتِها، ولا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في كَوْنِ القَطْعِ كَبِيرَةً، والعَجَبُ مِنَ الرّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَيْفَ تَوَقَّفَ في قَوْلِ صاحِبِ الشّامِلِ: إنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وكَذا تَقْرِيرُ النَّوَوِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ لَهُ عَلى تَوَقُّفِهِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالقَطِيعَةِ فَقالَ أبُو زَرْعَةَ: يَنْبَغِي أنْ تَخْتَصَّ بِالإساءَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هي تَرْكُ
صفحة 71
الإحْسانِ ولَوْ بِدُونِ إساءَةٍ لِأنَّ الأحادِيثَ آمِرَةٌ بِالصِّلَةِ ناهِيَةٌ عَنِ القَطِيعَةِ ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما، والصِّلَةُ إيصالُ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الإحْسانِ كَما فَسَّرَها بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ فالقَطِيعَةُ ضِدُّها فَهي تَرْكُ الإحْسانِ. ونَظَرَ فِيهِ الهَيْثَمِيُّ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ العُقُوقِ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَ أحَدِ أبَوَيْهِ ما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ أجْنَبِيٍّ كانَ مُحَرَّمًا صَغِيرَةً فَيَنْتَقِلُ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما كَبِيرَةً وإنَّ الأبَوَيْنِ أعْظَمُ مِن بَقِيَّةِ الأقارِبِ ثُمَّ قالَ: فالَّذِي يَتَّجِهُ لِيُوافِقَ كَلامَهم وفَرَقَهم بَيْنَ العُقُوقِ وقَطْعِ الرَّحِمِ أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ أنْ يَفْعَلَ مَعَ أحَدِ الأبَوَيْنِ ما يَتَأذّى بِهِ فَإنْ كانَ التَّأذِّي لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا كانَ كَبِيرَةً وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ الغَيْرِ وبِالثّانِي قَطْعُ ما ألِفَ القَرِيبُ مِنهُ مِن سابِقِ الوَصْلَةِ والإحْسانِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ لِأنَّ قَطْعَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى إيحاشِ القُلُوبِ وتَأذِّيها، فَلَوْ فُرِضَ أنَّ قَرِيبَهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إحْسانٌ ولا إساءَةٌ قَطُّ لَمْ يَفْسُقْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأبَوَيْنِ إذا فُرِضَ ذَلِكَ في حَقِّهِما مِن غَيْرِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهُما ما يَقْتَضِي التَّأذِّي العَظِيمَ لِغِناهُما مَثَلًا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً فَأوْلى بَقِيَّةُ الأقارِبِ ولَوْ فُرِضَ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يَقْطَعْ عَنْ قَرِيبِهِ ما ألِفَهُ مِنهُ مِنَ الإحْسانِ لَكِنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مُحَرَّمًا صَغِيرَةً أوْ قَطَّبَ في وجْهِهِ أوْ لَمْ يَقُمْ لَهُ في مَلَأٍ ولا عَبَأ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِسْقًا بِخِلافِهِ مَعَ أحَدِ الأبَوَيْنِ لِأنَّ تَأكُّدَ حَقِّهِما اقْتَضى أنْ يَتَمَيَّزا عَلى بَقِيَّةِ الأقارِبِ بِما لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِيهِمْ وعَلى ضَبْطِ الثّانِي بِما ذَكَرْتُهُ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الإحْسانُ الَّذِي ألِفَهُ مِنهُ قَرِيبُهُ مالًا أوْ مُكاتَبَةً أوْ مُراسَلَةً أوْ زِيارَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَطْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ فِعْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرِ كَبِيرَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِالعُذْرِ في المالِ فَقْدُ ما كانَ يَصِلُهُ بِهِ أوْ تَجَدُّدُ احْتِياجِهِ إلَيْهِ أوْ أنْ يَنْدُبَهُ الشّارِعُ إلى تَقْدِيمِ غَيْرِ القَرِيبِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أحْوَجَ أوْ أصْلَحَ، فَعَدَمُ الإحْسانِ إلى القَرِيبِ أوْ تَقْدِيمُ الأجْنَبِيِّ عَلَيْهِ لِهَذا العُذْرِ يَرْفَعُ عَنْهُ وإنِ انْقَطَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما ألِفَهُ مِنهُ القَرِيبُ لِأنَّهُ إنَّما راعى أمْرَ الشّارِعِ بِتَقْدِيمِ الأجْنَبِيِّ عَلَيْهِ، وواضِحٌ أنَّ القَرِيبَ لَوْ ألِفَ مِنهُ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنَ المالِ يُعْطِيهِ إيّاهُ كُلَّ سَنَةٍ مَثَلًا فَنَقَصَهُ لا يَفْسُقُ بِذَلِكَ بِخِلافِ ما لَوْ قَطَعَهُ مِن أصْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وأمّا عُذْرُ الزِّيارَةِ فَيَنْبَغِي ضَبْطُهُ بِعُذْرِ الجُمُعَةِ لَجامِعِ أنَّ كُلًّا فَرْضُ عَيْنٍ وتَرْكَهُ كَبِيرَةً وأمّا عُذْرُ تَرْكِ المُكاتَبَةِ والمُراسَلَةِ فَهو أنْ لا يَجِدَ مَن يَثِقُ بِهِ في أداءِ ما يُرْسِلُهُ مَعَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا تَرَكَ الزِّيارَةَ الَّتِي أُلِفَتْ مِنهُ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ لِعُذْرٍ لا يَلْزَمُهُ قَضاؤُها في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوْلادُ والأعْمامُ مِنَ الأرْحامِ وكَذا الخالَةُ فَيَأْتِي فِيهِمْ وفِيها ما تَقَرَّرَ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ قَطْعِهِمْ وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ، وأمّا قَوْلُ الزَّرْكَشِيِّ: صَحَّ في الحَدِيثِ أنَّ الخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ وأنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ، وقَضِيَّتَهُما أنَّهُما مِثْلُ الأبِ والأُمِّ حَتّى في العُقُوقِ فَبَعِيدٌ جِدًّا ويَكْفِي مُشابَهَتُهُما في أمْرٍ ما كالحَضانَةِ تَثْبُتُ لِلْخالَةِ كَما تَثْبُتُ لِلْأُمِّ وكَذا المَحْرَمِيَّةُ وكالإكْرامِ في العَمِّ والمَحْرَمِيَّةِ وغَيْرِهِما مِمّا ذُكِرَ انْتَهى المُرادُ مِنهُ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الصَّغِيرَةَ تَعُدُّ كَبِيرَةً لَوْ فُعِلَتْ مَعَ القَرِيبِ لَكِنَّها دُونَ ما لَوْ فُعِلَتْ مَعَ أحَدِ الأبَوَيْنِ لَمْ يَبْعُدْ عِنْدِي لِتَفاوُتِ قُبْحِ السَّيِّئاتِ بِحَسَبِ الإضافاتِ بَلْ لا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قُبْحُ قَطْعِ الرَّحِمِ مُتَفاوِتًا بِاعْتِبارِ الشَّخْصِ القاطِعِ وبِاعْتِبارِ الشَّخْصِ المَقْطُوعِ ومَتى سُلِّمَ التَّفاوُتُ فَلْيَقُلْ بِهِ في العُقُوقِ ويَكُونُ عُقُوقُ الأُمِّ أقْبَحَ مِن عُقُوقِ الأبِ وكَذا عُقُوقُ الوَلَدِ الَّذِي يَعْبَأُ بِهِ أقْبَحُ مِن عُقُوقِ الوَلَدِ الَّذِي لا يَعْبَأُ بِهِ ويَتَفَرَّعُ مِن ذَلِكَ ما يَتَفَرَّعُ مِمّا لا يَخْفى عَلى فَقِيهٍ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى مَنعِ بَيْعِ أُمِّ الوَلَدِ. رَوى الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ. وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ عُمَرَ إذْ سَمِعَ صائِحًا فَسَألَ فَقِيلَ: جارِيَةٌ مِن قُرَيْشٍ تُباعُ أُمُّها فَأرْسَلَ يَدْعُو المُهاجِرِينَ والأنْصارَ فَلَمْ تَمْضِ ساعَةٌ حَتّى امْتَلَأتِ الدّارُ والحُجْرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ فَهَلْ تَعْلَمُونَهُ كانَ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَطِيعَةُ قالُوا: لا قالَ: فَإنَّها قَدْ أصْبَحَتْ فِيكم فاشِيَّةً ثُمَّ قَرَأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
صفحة 72
ثُمَّ قالَ: وأيُّ قَطِيعَةٍ أقْطَعُ مِن أنْ تُباعَ أُمُّ امْرِئٍ فِيكم قالُوا: فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ فَكَتَبَ في الآفاقِ أنْ لا تُباعَ أُمُّ حُرٍّ فَإنَّها قَطِيعَةُ رَحِمٍ وأنَّهُ لا يَحِلُّ، واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى جَوازِ لَعْنِ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ، نَقَلَ البَرْزَنْجِيُّ في الإشاعَةِ والهَيْثَمِيُّ في الصَّواعِقِ أنَّ الإمامَ أحْمَدَ لَمّا سَألَهُ ولَدُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ لَعْنِ يَزِيدَ قالَ: كَيْفَ لا يُلْعَنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؟ ! فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ لَعْنَ يَزِيدَ فَقالَ الإمامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ وأيُّ فَسادٍ وقَطِيعَةٍ أشَدُّ مِمّا فَعَلَهُ يَزِيدُ انْتَهى.
وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ لَعْنِ العاصِي المُعَيَّنِ مِن جَماعَةٍ لُعِنُوا بِالوَصْفِ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ المُعَيَّنِ فاسِقًا كانَ أوْ ذِمِّيًّا حَيًّا كانَ أوْ مَيِّتًا ولَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ لِاحْتِمالِ أنْ يُخْتَمَ لَهُ أوْ خُتِمَ لَهُ بِالإسْلامِ بِخِلافِ مَن عُلِمَ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ كَأبِي جَهْلٍ.
وذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ السَّرّاجُ البُلْقِينِيُّ إلى جَوازِ لَعْنِ العاصِي المُعَيَّنِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «(إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَأبَتْ أنْ تَجِيءَ فَباتَ غَضْبانَ لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ) وفي رِوايَةٍ (إذا باتَتِ المَرْأةُ مُهاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ)» واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ لَعْنُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاها لَيْسَ بِالخُصُوصِ بَلْ بِالعُمُومِ بِأنْ يَقُولُوا: لَعْنُ اللَّهِ مَن باتَتْ مُهاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها بِعِيدٌ وإنْ بَحَثَ بِهِ مَعَهُ ولَدُهُ الجَلالُ البُلْقِينِيُّ.
وفِي الزَّواجِرِ لَوِ اسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ «(أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ في وجْهِهِ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَن فَعَلَ هَذا)» لَكانَ أظْهَرَ إذِ الإشارَةُ بِهَذا صَرِيحَةٌ في لَعْنِ مُعَيَّنٍ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ وفِيهِ ما فِيهِ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ لا تَوَقُّفَ في لَعْنِ يَزِيدَ لِكَثْرَةِ أوْصافِهِ الخَبِيثَةِ وارْتِكابِهِ الكَبائِرَ في جَمِيعِ أيّامِ تَكْلِيفِهِ ويَكْفِي ما فَعَلَهُ أيّامَ اسْتِيلائِهِ بِأهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «(اللَّهُمَّ مَن ظَلَمَ أهْلَ المَدِينَةِ وأخافَهم فَأخِفْهُ وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ)».
والطّامَّةُ الكُبْرى ما فَعَلَهُ بِأهْلِ البَيْتِ ورِضاهُ بِقَتْلِ الحُسَيْنِ عَلى جَدِّهِ وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِبْشارُهُ بِذَلِكَ وإهانَتُهُ لِأهْلِ بَيْتِهِ مِمّا تَواتَرَ مَعْناهُ وإنْ كانَتْ تَفاصِيلُهُ آحادًا.
وفِي الحَدِيثِ «(سِتَّةٌ لَعَنْتُهم وفي رِوايَةٍ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وكُلُّ نَبِيٍّ مُجابِ الدَّعْوَةِ: المُحَرِّفُ لِكِتابِ اللَّهِ- وفي رِوايَةٍ-: الزّائِدُ في كِتابِ اللَّهِ والمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ والمُتَسَلِّطُ بِالجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَن أذَلَّ اللَّهُ ويُذِلَّ مَن أعَزَّ اللَّهُ والمُسْتَحِلُّ مِن عِتْرَتِي والتّارِكُ لِسُنَّتِي)».
وقَدْ جَزَمَ بِكَفْرِهِ وصَرَّحَ بِلَعْنِهِ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهُمُ الحافِظُ ناصِرُ السُّنَّةِ ابْنُ الجَوْزِيِّ وسَبَقَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، وقالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: لا نَتَوَقَّفُ في شَأْنِهِ بَلْ في إيمانِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى أنْصارِهِ وأعْوانِهِ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِلَعْنِهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وفي تارِيخِ ابْنِ الوَرْدِيِّ وكِتابِ الوافِي بِالوَفِيّاتِ أنَّ السَّبْيَ لَمّا ورَدَ مِنَ العِراقِ عَلى يَزِيدَ خَرَجَ فَلَقِيَ الأطْفالَ والنِّساءَ مِن ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والرُّؤُوسُ عَلى أطْرافِ الرِّماحِ وقَدْ أشْرَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ جِيرُونَ فَلَمّا رَآهم نَعَبَ غُرابٌ فَأنْشَأ يَقُولُ:
لَمّا بَدَتْ تِلْكَ الحَمُولُ وأشْرَفَتْ تِلْكَ الرُّؤُوسُ عَلى شَفا جِيرُونَ
نَعَبَ الغُرابُ فَقُلْتُ قُلْ أوْ لا تَقُلْ ∗∗∗ فَقَدِ اقْتَضَيْتُ مِنَ الرَّسُولِ دُيُونِي
صفحة 73
يَعْنِي أنَّهُ قَتَلَ بِمَن قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ كَجَدِّهِ عُتْبَةَ وخالِهِ ولَدِ عُتْبَةَ وغَيْرِهِما وهَذا كُفْرٌ صَرِيحٌ فَإذا صَحَّ عَنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ ومِثْلُهُ تَمَثُّلُهُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى قَبْلَ إسْلامِهِ:
لَيْتَ أشْياخِي. الأبْياتِ، وأفْتى الغَزالِيُّ عَفا اللَّهُ عَنْهُ بِحُرْمَةِ لَعْنِهِ. وتَعَقَّبَ السَّفارِينِيُّ مِنَ الحَنابِلَةِ نَقْلَ البَرْزَنْجِيِّ والهَيْثَمِيِّ السّابِقَ عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: المَحْفُوظُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ خِلافُ ما نَقَلا، فَفي الفُرُوعِ ما نَصَّهُ ومِن أصْحابِنا مَن أخْرَجَ الحَجّاجَ عَنِ الإسْلامِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ يَزِيدُ ونَحْوُهُ، ونَصُّ أحْمَدَ خِلافُ ذَلِكَ وعَلَيْهِ الأصْحابُ، ولا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِاللَّعْنَةِ خِلافًا لِأبِي الحُسَيْنِ وابْنِ الجَوْزِيِّ وغَيْرِهِما، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: يَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ الكَراهَةُ، قُلْتُ: والمُخْتارُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الجَوْزِيِّ وأبُو حُسَيْنٍ القاضِي. ومَن وافَقَهُما انْتَهى كَلامُ السَّفارِينِيِّ.
وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ أعْظَمَ الفِرْيَةَ فَزَعَمَ أنَّ الحُسَيْنَ قُتِلَ بِسَيْفِ جَدِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَهُ مِنَ الجَهَلَةِ مُوافِقُونَ عَلى ذَلِكَ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ .
قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في كِتابِهِ السِّرِّ المَصُونِ: مِنَ الِاعْتِقاداتِ العامَّةِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلى جَماعَةٍ مُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّ يَزِيدَ كانَ عَلى الصَّوابِ وإنَّ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخْطَأ في الخُرُوجِ عَلَيْهِ ولَوْ نَظَرُوا في السِّيَرِ لَعَلِمُوا كَيْفَ عُقِدَتْ لَهُ البَيْعَةُ وألْزَمَ النّاسَ بِها ولَقَدْ فَعَلَ في ذَلِكَ كُلَّ قَبِيحٍ ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنا صِحَّةَ عَقْدِ البَيْعَةِ فَقَدْ بَدَتْ مِنهُ بِوادٍ كُلُّها تُوجِبُ فَسْخَ العَقْدِ ولا يَمِيلُ إلى ذَلِكَ إلّا كُلُّ جاهِلٍ عامِّيِّ المَذْهَبِ يَظُنُّ أنَّهُ يَغِيظُ بِذَلِكَ الرّافِضَةَ. هَذا ويُعْلَمُ مِن جَمِيعِ ما ذَكَرَهُ اخْتِلافُ النّاسِ في أمْرِهِ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هو مُسْلِمٌ عاصٍ بِما صَدَرَ مِنهُ مَعَ العِتْرَةِ الطّاهِرَةِ لَكِنْ لا يَجُوزُ لَعْنُهُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: هو كَذَلِكَ ويَجُوزُ لَعْنُهُ مَعَ الكَراهَةِ أوْ بِدُونِها ومِنهم مَن يَقُولُ: هو كافِرٌ مَلْعُونٌ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَعْصِ بِذَلِكَ ولا يَجُوزُ لَعْنُهُ وقائِلُ هَذا يَنْبَغِي أنْ يُنَظَّمَ في سِلْسِلَةِ أنْصارِ يَزِيدَ وأنا أقُولُ: الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ الخَبِيثَ لَمْ يَكُنْ مُصَدِّقًا بِرِسالَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّ مَجْمُوعَ ما فَعَلَ مَعَ أهْلِ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى وأهْلِ حَرَمِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِتْرَتِهِ الطَّيِّبِينَ الطّاهِرِينِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَماتِ وما صَدَرَ مِنهُ مِنَ المَخازِي لَيْسَ بِأضْعَفِ دَلالَةٍ عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ مِن إلْقاءِ ورَقَةٍ مِنَ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ في قَذِرٍ، ولا أظُنُّ أنَّ أمْرَهُ كانَ خافِيًا عَلى أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ ولَكِنْ كانُوا مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ لَمْ يَسَعْهم إلّا الصَّبْرُ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ الخَبِيثَ كانَ مُسْلِمًا فَهو مُسْلِمٌ جَمَعَ مِنَ الكَبائِرِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ، وأنا أذْهَبُ إلى جَوازِ لَعْنِ مِثْلِهِ عَلى التَّعْيِينِ ولَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ مِنَ الفاسِقِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَتُبْ، واحْتِمالُ تَوْبَتِهِ أضْعَفُ مِن إيمانِهِ، ويَلْحَقُ بِهِ ابْنُ زِيادٍ وابْنُ سَعْدٍ وجَماعَةٌ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وعَلى أنْصارِهِمْ وأعْوانِهِمْ وشِيعَتِهِمْ ومَن مالَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الدِّينِ ما دَمَعَتْ عَيْنٌ عَلى أبِي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنِ، ويُعْجِبُنِي قَوْلُ شاعِرِ العَصْرِ ذُو الفَضْلِ الجَلِيِّ عَبْدِ الباقِي أفَنْدِي العُمَرِيِّ المُوصِلِ وقَدْ سُئِلَ عَنْ لَعْنِ يَزِيدَ اللَّعِينِ:
يَزِيدُ عَلى لَعْنِي عَرِيضٌ جَنابُهُ ∗∗∗ فَأغْدُو بِهِ طُولَ المَدى ألْعَنُ اللَّعْنا
ومَن كانَ يَخْشى القالَ والقِيلَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِلَعْنِ ذَلِكَ الضِّلِّيلِ فَلْيَقُلْ: لَعَنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَن رَضِيَ بِقَتْلِ
صفحة 74
الحُسَيْنِ ومَن آذى عِتْرَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِغَيْرِ حَقٍّ ومَن غَصَبَهم حَقَّهم فَإنَّهُ يَكُونُ لاعِنًا لَهُ لِدُخُولِهِ تَحْتَ العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا في نَفْسِ الأمْرِ، ولا يُخالِفُ أحَدٌ في جَوازِ اللَّعْنِ بِهَذِهِ الألْفاظِ ونَحْوِها سِوى ابْنِ العَرَبِيِّ المارِّ ذِكْرُهُ ومُوافَقِيهِ فَإنَّهم عَلى ظاهِرِ ما نُقِلَ عَنْهم لا يُجَوِّزُونَ لَعْنَ مَن رَضِيَ بِقَتْلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَلِكَ لَعَمْرِي هو الضَّلالُ البَعِيدُ الَّذِي يَكادُ يَزِيدُ عَلى ضَلالِ يَزِيدَ
محمد 47:24
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ أيْ لا يُلاحِظُونَهُ ولا يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المُوبِقاتِ ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ وُصُولِ الذِّكْرِ إلَيْها وانْكِشافِ الأمْرِ لَها فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ إذْ وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ أمْ لَمْ يَصِلْ إلَيْها فَتَكُونُ أمْ مُتَّصِلَةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضٍ اخْتِيارُهُ.
وذَهَبَ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ إلى أنَّها مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ بِتَرْكِ التَّدَبُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِكَوْنِ قُلُوبِهِمْ مُقْفَلَةً لا تَقْبَلُ التَّدَبُّرَ والتَّفَكُّرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، وتَنْكِيرُ القُلُوبِ لِتَهْوِيلِ حالِها وتَفْظِيعِ شَأْنِها وأمْرِها في القَساوَةِ والجَهالَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى قُلُوبٍ مُنْكِرَةٍ لا يُعْرَفُ حالُها ولا يُقادَرُ قَدْرُها في القَساوَةِ وقِيلَ: لِأنَّ المُرادَ قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم وهُمُ المُنافِقُونَ فَتَنْكِيرُها لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّنْوِيعِ كَما قِيلَ، وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أقْفالٌ مَخْصُوصَةٌ بِها مُناسِبَةٌ لَها غَيْرُ مُجانِسَةٍ لِسائِرِ الأقْفالِ المَعْهُودَةِ، وقُرِئَ (إقْفالُها) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِنَ الأفْعالِ و(أقْفَلُها) بِالجَمْعِ عَلى أفْعَلُ.
محمد 47:25
﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقَتْ قُلُوبُهُمْ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما سَلَفَ بِمَرَضِ القُلُوبِ وغَيْرِهِ مِن قَبائِحِ الأحْوالِ فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ بَعْثَ النَّبِيِّ ﷺ ويَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ:
﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ إلَخْ اليَهُودُ ارْتَدَوْا عَنِ الهُدى بَعْدَ أنْ عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيٌّ، والمُخْتارُ ما تَقَدَّمَ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ اسْمُ إنَّ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ خَبَرُها كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا عَمْرٌو مَرَّ بِهِ أيْ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الِاسْتِرْخاءُ اسْتُعِيرَ لِلتَّسْهِيلِ أيْ لِعَدِّهِ سَهْلًا هَيِّنًا حَتّى لا يُبالى بِهِ كَأنَّهُ شُبِّهَ بِإرْخاءِ ما كانَ مَشْدُودًا، وقِيلَ: أيْ حَمْلُهم عَلى الشَّهَواتِ مِنَ السَّوَلِ وهو التَّمَنِّي، وأصْلُهُ حَمْلُهم عَلى سُؤْلِهِمْ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ ويَتَمَنَّوْنَهُ فالتَّفْعِيلُ لِلْحَمْلِ عَلى المَصْدَرِ كَغَرَبَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى الغُرْبَةِ إلّا أنَّهم جَعَلُوا المَصْدَرَ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ السَّوَلَ بِمَعْنى التَّمَنِّي مِنَ السُّؤالِ فَهو مَهْمُوزٌ والتَّسْوِيلَ واوِيٌّ ومَعْناهُ التَّزْيِينُ فَلا مُناسَبَةَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى فالقَوْلُ بِاشْتِقاقِ سَوَّلَ مِنهُ خَطَأٌ، ورُدَّ بِأنَّ السَّوَلَ مِنَ السُّؤالِ ولَهُ اسْتِعْمالانِ فَيَكُونُ مَهْمُوزًا وهو المَعْرُوفُ ومُعْتَلًّا يُقالُ سَألَ يَسْألُ كَخافَ يَخافُ وقالُوا مِنهُ: يَتَساوَلانِ بِالواوِ فَيَجُوزُ كَوْنُ التَّسْوِيلِ مِنَ السَّوَلِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ أوْ هو عَلى المَشْهُورَةِ خُفِّفَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ثُمَّ التَزَمَ، ونَظِيرُهُ تَدَيَّرَ مِنَ الدّارِ لِاسْتِمْرارِ
صفحة 75
القَلْبِ في دِيارٍ وكَذَلِكَ تَحَيَّزَ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ في حَيِّزٍ ويَكُونُ مَآلُ المَعْنى عَلى هَذا حَمْلَهم عَلى الشَّهَواتِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( سُوِّلَ لَهُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَيْدُ الشَّيْطانِ سَوَّلَ لَهُمْ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ سَوَّلَ كَيْدُهُ لَهم فَحُذِفَ وقامَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مَقامَهُ فارْتَفَعَ واسْتَتَرَ، قِيلَ: وهو أوْلى لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ في وقْتِ الحاجَةِ ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أقَلُّ تَكَلُّفًا.
﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ أيْ ومَدَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ في الأمانِي والآمالِ، ومَعْنى المَدِّ فِيها تَوْسِيعُها وجَعْلُها مَمْدُودَةً بِنَفْسِها أوْ بِزَمانِها بِأنْ يُوَسْوِسَ لَهم بِأنَّكم تَنالُونَ في الدُّنْيا كَذا وكَذا مِمّا لا أصْلَ لَهُ حَتّى يَعُوقَهم عَنِ العَمَلِ، وأصْلُ الإمْلاءِ الإبْقاءُ مِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ بُرْهَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: المَعْنى وعَدَهم بِالبَقاءِ الطَّوِيلِ، وجَعَلَ بَعْضُهم فاعِلَ ( أمْلى ) ضَمِيرَهُ تَعالى، والمَعْنى أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ وفِيهِ تَفْكِيكٌ لَكِنْ أُيِّدَ بِقِراءَةِ مُجاهِدٍ وابْنِ هُرْمُزَ والأعْمَشِ وسَلّامٍ ويَعْقُوبَ (وأُمْلِي) بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ مُضارِعُ أمْلى فَإنَّ الفاعِلَ حِينَئِذٍ ضَمِيرُهُ تَعالى عَلى الظّاهِرِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا مَجْهُولًا مِنَ المَزِيدِ سُكِّنَ آخِرُهُ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في بَقِيَ بَقِي بِسُكُونِ الياءِ.
وعَلى الظّاهِرِ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ وأنْ تَكُونَ لِلْحالِ ويُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ بَعْدَها أيْ وأنا أُمْلِي لِئَلّا يَكُونَ شاذًّا كَقُمْتُ وأصَكَّ وجْهَهُ، وجُوِّزَتِ الحالِيَّةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا عَلى جَعْلِ الفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى فَحِينَئِذٍ تُقَدَّرُ قَدْ عَلى المَشْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ والجَحْدَرِيُّ وشَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى (وأُمْلِي) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَلَهُمْ: نائِبُ الفاعِلِ أيْ أُمْهِلُوا ومُدَّ في أعْمارِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّيْطانِ والمَعْنى أمْهَلَ الشَّيْطانُ لَهم أيْ جُعِلَ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأجْلِهِمْ فَفِيهِ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ
محمد 47:26
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنِ ارْتِدادِهِمْ لا إلى الإمْلاءِ كَما نُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ ولا إلى التَّسْوِيلِ كَما قِيلَ لِأنَّ شَيْئًا مِنهُما لَيْسَ مُسَبَّبًا مِنَ القَوْلِ الآتِي، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ هم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ الكارِهِينَ لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى حَسَدًا وطَمَعًا في نُزُولِهِ عَلى أحَدٍ مِنهم ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ أيْ في بَعْضِ أُمُورِكم وأحْوالِكم وهو ما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: في بَعْضِ ما تَأْمُرُونَ بِهِ كالتَّناصُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: القائِلُونَ اليَهُودُ الكافِرُونَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما وجَدُوا نَعْتَهُ الشَّرِيفَ في كِتابِهِمْ، والمَقُولُ لَهُمُ المُنافِقُونَ كانَ اليَهُودُ يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ إذا أعْلَنُوا بِعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُونَ أُولَئِكَ اليَهُودُ والمَقُولُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ كانُوا يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ أيْضًا إذا حارَبُوا. وتُعِقِّبَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ كُفْرَ اليَهُودِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ ولَوْ فُرِضَ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى رَأْيِ القائِلِ بَلْ مِن حَيْثُ إنْكارُهم بَعْثَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ عَرَفُوهُ كَما عَرَفُوا أبْناءَهم وآباءَهُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ القائِلِينَ هُمُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ والمَقُولُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ أيْ إخْفاءَهم ما يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ أوْ كُلَّ قَبِيحٍ ويَدْخُلُ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أسْرارَهُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ يَعْلَمُ الأشْياءَ الَّتِي يُسِرُّونَها ومِنها قَوْلُهُمْ:
صفحة 76
هَذا الَّذِي أظْهَرَهُ سُبْحانَهُ لِتَفْضِيحِهِمْ، وقالَ الإمامُ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: المُرادُ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العِلْمِ بِصِدْقِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ،
محمد 47:27
والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، (وكَيْفَ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو العامِلُ في الظَّرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفْعَلُونَ في حَياتِهِمْ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الحِيَلِ فَكَيْفَ يَفْعَلُونَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَكَيْفَ حالُهم أوْ حِيلَتُهم إذا تَوَفَّتْهم إلَخْ، وزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أنَّ التَّقْدِيرَ فَكَيْفَ عِلْمُهُ تَعالى بِأسْرارِهِمْ إذا تَوَفَّتْهم إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ووَقْتُ التَّوَفِّي هو وقْتُ المَوْتِ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ (تَوَفّاهُمْ) بِالألِفِ بَدَلَ التّاءِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا وأنْ يَكُونَ مُضارِعًا حُذِفَ مِنهُ أحَدُ تاءَيْهِ والأصْلُ تَتَوَفّاهُمْ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿تَوَفَّتْهُمُ﴾ وضَعَّفَهُ أبُو حَيّانَ، وهو عَلى ما قِيلَ تَصْوِيرٌ لِتَوَفِّيهِمْ عَلى أهْوَلِ الوُجُوهِ وأفْظَعِها وإبْرازٌ لِما يَخافُونَ مِنهُ ويَجْبُنُونَ عَنِ القِتالِ لِأجْلِهِ فَإنَّ ضَرْبَ الوُجُوهِ والأدْبارِ في القِتالِ والجِهادِ مِمّا يُتَّقى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُتَوَفّى أحَدٌ عَلى مَعْصِيَةٍ إلّا تَضْرِبُ المَلائِكَةُ في وجْهِهِ وفي دُبُرِهِ، والكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَهُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُحِسَّ بِالضَّرْبِ مَن حَضَرَ وما ذَلِكَ إلّا كَسُؤالِ المَلَكَيْنِ وسائِرِ أحْوالِ البَرْزَخِ.
والمُرادُ بِالوَجْهِ والدُّبُرِ قِيلَ: العُضْوانِ المَعْرُوفانِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأسْتاهِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَرِيمٌ يُكَنِّي، وقالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ: المُرادُ القُدّامُ والخَلْفُ، وقِيلَ: وقْتُ التَّوَفِّي وقْتُ سَوْقِهِمْ في القِيامَةِ إلى النّارِ والمَلائِكَةُ مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: هو وقْتُ القِتالِ والمَلائِكَةُ مَلائِكَةُ النَّصْرِ تَضْرِبُ وُجُوهَهم إنْ ثَبَتُوا وأدْبارَهم إنْ هَرَبُوا نُصْرَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى
محمد 47:28
﴿ذَلِكَ﴾ التَّوَفِّي الهائِلُ ﴿بِأنَّهُمُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ ما يَرْضاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الإيمانِ والطّاعاتِ حَيْثُ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ وخَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ بِما صَنَعُوا مِنَ المُعامَلَةِ مَعَ إخْوانِهِمُ اليَهُودِ، وقِيلَ: ﴿”ما أسْخَطَ اللَّهَ“﴾ كِتْمانُ نَعْتِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورِضْوانُهُ ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ، ولَمّا كانَ اتِّباعُ ما أسْخَطَ اللَّهَ تَعالى مُقْتَضِيًا لِلتَّوَجُّهِ ناسَبَ ضَرْبَ الوَجْهِ، وكَراهَةُ رِضْوانِهِ سُبْحانَهُ مُقْتَضِيًا لِلْإعْراضِ ناسَبَ ضَرْبَ الدُّبُرِ فَفي الكَلامِ مُقابَلَةٌ بِما يُشْبِهُ اللَّفَّ والنَّشْرَ ﴿فَأحْبَطَ﴾ لِذَلِكَ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي عَمِلُوها حالَ إيمانِهِمْ مِنَ الطّاعاتِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما كانَ بَعْدُ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي لَوْ عَمِلُوها حالَ الإيمانِ لانْتَفَعُوا بِها.
محمد 47:29
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ فُصِّلَتْ أحْوالُهُمُ الشَّنِيعَةُ وُصِفُوا بِوَصْفِهِمُ السّابِقِ لِكَوْنِهِ مَدارًا لِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها، والأضْغانُ جَمْعُ ضِغْنٍ وهو الحِقْدُ وقَيَّدَهُ الرّاغِبُ بِالشَّدِيدِ وقَدْ ضَغِنَ بِالكَسْرِ وتَضاغَنَ القَوْمُ واضْطَغَنُوا أبْطَنُوا الأحْقادَ، ويُقالُ: اضْطَغَنْتُ الصَّبِيَّ إذا أخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ وأنْشَدَ الأحْمَرُ:
كَأنَّهُ مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا
وفَرَسٌ ضاغِنٌ لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مِنَ الجَرْيِ إلّا الضَّرْبُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الضَّغَنِ وهو الِالتِواءُ والِاعْوِجاجُ في قَوائِمِ الدّابَّةِ والقَناةِ وكُلِّ شَيْءٍ، قالَ بِشْرٌ: كَذاتِ الضَّغَنِ تَمْشِي في الرُّقاقِ. وأنْشَدَ اللَّيْثُ:
صفحة 77
إنَّ قَناتِي مِن صَلِيباتِ القَنا ∗∗∗ ما زادَها التَّثْقِيفُ إلّا ضَغَنا
والحِقْدُ في القَلْبِ يُشَبَّهُ بِهِ: وقالَ اللَّيْثُ، وقُطْرُبُ: الضَّغَنُ العَداوَةُ قالَ الشّاعِرُ:
قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ ما أرَدْتَ بِمَنطِقٍ ∗∗∗ ساءَ الصَّدِيقَ وشَيَّدَ الأضْغانا
وهَذا لا يُنافِي الأوَّلَ لِأنَّ الحِقْدَ العَداوَةُ لِأمْرٍ يُخْفِيهِ المَرْءُ في قَلْبِهِ، والإخْراجُ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإبْرازُ أيْ بَلْ أحْسَبُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ حِقْدٌ وعَداوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهُ لَنْ يُبْرِزَ اللَّهُ تَعالى أحْقادَهم ويُظْهِرَها لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ فَتَبْقى مَسْتُورَةً، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاحْتِمالِ.
محمد 47:30
﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إراءَتَكَ إيّاهم ﴿لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ لَعَرَّفْناكَهم عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةٌ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ لِمَعْرِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَعْرِيفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً عَلى أنَّ المَعْنى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِفُهم مَعْرِفَةً مُتَفَرِّعَةً عَلى إراءَتِهِ إيّاهُمْ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإيماءِ إلى العِنايَةِ بِالإراءَةِ، والسِّيما العَلامَةُ، والمَعْنى هُنا عَلى الجَمْعِ لِعُمُومِها بِالإضافَةِ لَكِنَّها أُفْرِدَتْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عَلاماتِهِمْ مُتَّحِدَةُ الجِنْسِ فَكَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ أيْ فَلَعَرَفْتَهم بِعَلاماتٍ نَسِمُهم بِها ولامُ ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ كَلامٌ لَأرَيْناكَهُمُ الواقِعَةِ في جَوابِ لَوْ لَأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ، وكُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ فَواقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ ( ولَحْنِ القَوْلِ ) أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِهِ مُطْلَقًا، أوِ المائِلَةُ عَنِ الطَّرِيقِ المَعْرُوفَةِ كانَ يَعْدِلُ عَنْ ظاهِرِهِ مِنَ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْرِيضِ والإبْهامِ، ولِذا سُمِّيَ خَطَأً الإعْرابِ بِهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الصَّوابِ، وقالَ الرّاغِبُ: اللَّحْنُ صَرْفُ الكَلامِ عَنْ سُنَنِهِ الجارِي عَلَيْهِ إمّا بِإزالَةِ الإعْرابِ أوِ التَّصْحِيفِ وهو المَذْمُومُ وذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وإمّا بِإزالَتِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ وصَرْفِهِ بِمَعْناهُ إلى تَعْرِيضٍ وفَحْوى وهو مَحْمُودٌ مِن حَيْثُ البَلاغَةُ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ الشّاعِرِ عِنْدَ أكْثَرِ الأُدَباءِ:
مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نًا وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنا
وإيّاهُ قُصِدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ وفي البَحْرِ يُقالُ: لَحَّنْتُ لَهُ بِفَتْحِ الحاءِ ألْحَنُ لَحْنًا قُلْتُ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ ويَخْفى عَلى غَيْرِهِ، ولَحِنَهُ هو بِالكَسْرِ فَهِمَهُ وألْحَنْتُهُ أنا إيّاهُ ولاحَنْتُ النّاسَ فاطَنْتُهُمْ، وقِيلَ: لَحْنُ القَوْلِ الذَّهابُ عَنِ الصَّوابِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَحْنِ القَوْلِ﴾ هُنا قَوْلُهم ما لَنا إنْ أطَعْنا مِنَ الثَّوابِ ولا يَقُولُونَ ما عَلَيْنا إنْ عَصَيْنا مِنَ العِقابِ وكانَ هَذا الَّذِي يَنْبَغِي مِنهُمْ، وقالَ بَعْضُ مَن فَسَّرَهُ بِالأُسْلُوبِ المائِلِ عَنِ الطَّرِيقِ المَعْرُوفَةِ: إنَّهم كانُوا يَصْطَلِحُونَ فِيما بَيْنَهم عَلى ألْفاظٍ يُخاطِبُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ مِمّا ظاهِرُهُ حَسَنٌ ويَعْنُونَ بِهِ القَبِيحَ وكانُوا أيْضًا يَتَكَلَّمُونَ بِما يُشْعِرُ بِالِاتِّباعِ وهم بِخِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ إذا دَعاهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى نَصْرِهِمْ: إنّا مَعَكُمْ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ ذِي دَسائِسَ وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِفُهم بِذَلِكَ، وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما خَفِيَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْرِفُهم بِسِيماهم ولَقَدْ كُنّا في بَعْضِ الغَزَواتِ وفِيها تِسْعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَشْكُوهُمُ النّاسُ فَنامُوا ذاتَ لَيْلَةٍ وأصْبَحُوا وعَلى جَبْهَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَكْتُوبٌ هَذا مُنافِقٌ. وفي دَعْواهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهم أشْكالٌ فَإنَّ ( لَوْ ) ظاهِرُها عَدَمُ الوُقُوعِ بَلِ المُناسِبُ مَعْرِفَتُهم مِن لَحْنِ القَوْلِ، وكَأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أنَّهُ وعْدٌ بِالوُقُوعِ دالٌّ عَلى الِامْتِناعِ فِيما سَلَفَ، ولَقَدْ صَدَقَ وعْدُهُ واسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِما اتَّفَقَ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ولا تَنْحَصِرُ السِّيما بِالكِتابَةِ
صفحة 78
بَلْ تَكُونُ بِغَيْرِها أيْضًا مِمّا يَعْرِفُهم بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يَعْرِفُ القائِفُ حالَ الشَّخْصِ بِعَلاماتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَثِيرًا ما يَعْرِفُ الإنْسانُ مُحِبَّهُ ومُبْغِضَهُ مِنَ النَّظَرِ ويَكادُ النَّظَرُ يَنْطِقُ بِما في القَلْبِ، وقَدْ شاهَدْنا غَيْرَ واحِدٍ يَعْرِفُ السُّنِّيَّ والشِّيعِيَّ بِسِماتٍ في الوَجْهِ، وإنْ صَحَّ أنَّ بَعْضَ الأوْلِياءِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم كانَ يَعْرِفُ البَرَّ والفاجِرَ والمُؤْمِنَ والكافِرَ ويَقُولُ: أشُمُّ مِن فُلانٍ رائِحَةَ الطّاعَةِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ المَعْصِيَةِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ الإيمانِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ الكُفْرِ ويَظْهَرُ الأمْرُ حَسْبَما أشارَ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتِلْكَ المَعْرِفَةِ أوْلى وأوْلى ولَعَلَّها بِعَلاماتٍ وراءَ طَوْرِ عُقُولِنا، والنُّورُ المَذْكُورُ في خَبَرِ «(اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى)» مُتَفاوِتُ الظُّهُورِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ ولِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّهُ، وذَكَرُوا مِن عَلاماتِ النِّفاقِ بُغْضَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كُنّا نَعْرِفُ المُنافِقِينَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ ابْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ هو وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ما يُؤَيِّدُهُ، وعِنْدِي أنَّ بُغْضَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أقْوى عَلاماتِ النِّفاقِ فَإنْ آمَنتَ بِذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي ماذا تَقُولُ في يَزِيدَ الطَّرِيدِ أكانَ يُحِبُّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أمْ كانَ يُبْغِضُهُ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَ يُبْغِضُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أشَدَّ البُغْضِ وكَذا يُبْغِضُ ولَدَيْهِ الحَسَنَ والحُسَيْنَ عَلى جَدِّهِما وأبَوَيْهِما وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الآثارُ المُتَواتِرَةُ مَعْنًى، وحِينَئِذٍ لا مَجالَ لَكَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ اللَّعِينَ كانَ مُنافِقًا، وقَدْ جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلاماتُ النِّفاقِ غَيْرُ ما ذُكِرَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(عَلاماتُ المُنافِقِ ثَلاثٌ)» الحَدِيثَ
لَكِنْ قالَ العُلَماءُ: هي عَلاماتٌ لِلنِّفاقِ العَمَلِيِّ لا الإيمانِيِّ، وقِيلَ: الحَدِيثُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّنْفِيرِ عَنِ اتِّصافِ المُؤْمِنِ المُخْلِصٍ بِشَيْءٍ مِنها لِما أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ مِن عَلاماتِ المُنافِقِينَ.
واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ مِن جَعْلِ التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ مُوجِبًا الحَدَّ، ولا يَخْفى حالُهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْها بِحَسَبِ قَصْدِكم وهَذا عَلى ما قِيلَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإيذانٌ بِأنَّ حالَهم بِخِلافِ حالِ المُنافِقِينَ وقِيلَ: وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ وإيذانٌ لَهم بِأنَّ المُجْزى عَلَيْهِ ما يَقْصِدُونَهُ لا ما يُعَرِّضُونَ أوْ يُوَرُّونَ بِهِ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ خِطابٌ عامٌّ فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ، وحُمِلَ عَلى العُمُومِ
محمد 47:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ بِالأمْرِ بِالجِهادِ ونَحْوِهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ عِلْمًا فِعْلِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ أيْ حَتّى يَظْهَرَ عِلْمُنا، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في ذَلِكَ: العِلْمُ يُطْلَقُ بِاعْتِبارِ الرُّؤْيَةِ والشَّيْءُ لا يُرى حَتّى يَقَعَ يَعْنِي عَلى المَشْهُورِ وهو هُنا بِمَعْنى ذَلِكَ أوْ بِمَعْنى المُجازاةِ، والمَعْنى حَتّى نُجازِيَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ فَيَظْهَرُ حَسَنُها وقَبِيحُها، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ بَلاءِ أعْمالِهِمْ فَإنَّ الخَبَرَ حَسَنُهُ وقَبِيحُهُ عَلى حَسَبِ المُخْبَرِ عَنْهُ فَإذا تَمَيَّزَ الحَسَنُ عَنِ الخَبَرِ القَبِيحِ فَقَدْ تَمَيَّزَ المُخْبَرُ عَنْهُ وهو العَمَلُ كَذَلِكَ، وهَذا أبْلَغُ مِن نَبْلُو أعْمالَكُمْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأخْبارِ، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِها أخْبارَهم عَنْ إيمانِهِمْ ومُوالاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّ إضافَتَها لِلْعَهْدِ أيْ ونَبْلُو أخْبارَ إيمانِكم ومُوالاتِكم فَيَظْهَرُ صِدْقُها وكَذِبُها. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ المُسْنَدَةَ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ بِالياءِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ (ونَبْلُو) بِالنُّونِ وسُكُونِ الواوِ، والأعْمَشُ بِسُكُونِها وبِالياءِ فالفِعْلُ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَبْلُو والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ سُكِّنَ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قَوْلِهِ:
أبى اللَّهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ
محمد 47:32
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا﴾ النّاسَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ، والمُرادُ
صفحة 79
عادُوهُ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ لِما شاهَدُوا مِن نَعْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في التَّوْراةِ أوْ بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ ﷺ مِنَ المُعْجِزاتِ ونَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الآياتِ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ أوِ المُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقِيلَ: أُناسٌ نافَقُوا بَعْدَ أنْ آمَنُوا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ بِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ أوْ لَنْ يَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَشاقَّتِهِ شَيْئًا، وقَدْ حُذِفَ المُضافُ لِتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِجَعْلِ مَضَرَّتِهِ وما يَلْحَقُهُ كالمَنسُوبِ إلى اللَّهِ تَعالى وفِيهِ تَفْظِيعُ مَشاقَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
﴿وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ في مَكايِدِهِمُ الَّتِي نَصَبُوها في إبْطالِ دِينِهِ تَعالى ومَشاقَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَصِلُونَ بِها إلى ما كانُوا يَبْغُونَ مِنَ الغَوائِلِ ولا تُثْمِرُ لَهم إلّا القَتْلَ والجَلاءَ عَنْ أوْطانِهِمْ ونَحْوَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في دِينِهِمْ يَرْجُونَ بِها الثَّوابَ.
محمد 47:33
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ قِيلَ: إنَّ بَنِي أسَدٍ أسْلَمُوا وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قَدْ آثَرْناكَ وجِئْناكَ بِنُفُوسِنا وأهْلِنا كَأنَّهم مَنَّوْا بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى لا تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِالمَنِّ بِالإسْلامِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ وعَنْهُ أيْضًا بِالشَّكِّ والنِّفاقِ، وقِيلَ: بِالعُجْبِ فَإنَّهُ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْمالِ الصَّدَقاتُ أيْ تُبْطِلُوها بِالمَنِّ والأذى، وقِيلَ: لا تُبْطِلُوا طاعاتِكم بِمَعاصِيكُمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ لا يُبْطِلَ عَمَلًا صالِحًا بِعَمَلِ سُوءٍ فَلْيَفْعَلْ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ذَنْبٌ كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ حَتّى نَزَلَتْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ فَخافُوا أنْ يُبْطِلَ الذَّنْبُ العَمَلَ، ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ فَخافُوا الكَبائِرَ أنْ تُحْبِطَ أعْمالَهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كُنّا مُعاشِرَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَرى أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحَسَناتِ إلّا مَقْبُولًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: ما هَذا الَّذِي يُبْطِلُ أعْمالَنا؟ فَقُلْنا: الكَبائِرُ المُوجِباتُ والفَواحِشُ فَكُنّا إذا رَأيْنا مَن أصابَ شَيْئًا مِنها قُلْنا: قَدْ هَلَكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ كَفَفْنا عَنِ القَوْلِ في ذَلِكَ وكُنّا إذا رَأيْنا أحَدًا أصابَ مِنها شَيْئًا خِفْنا عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يُصِبْ مِنها شَيْئًا رَجَوْنا لَهُ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكَبائِرَ تُحْبِطُ الطّاعاتِ، بَلِ الكَبِيرَةُ الواحِدَةُ تُبْطِلُ مَعَ الإصْرارِ الأعْمالَ ولَوْ كانَتْ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّماءِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ ما ذَكَرُوا. وفي الكَشْفِ لا بُدَّ في هَذا المَقامِ مِن تَحْرِيرِ البَحْثِ بِأنْ يُقالَ: إنْ أرادَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ نَحْوَ الزِّنا إذا عَقِبَ الصَّلاةَ يُبْطِلُ ثَوابَها مَثَلًا فَهَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ نَقْلًا وعَقْلًا بَلْ هُما مُتَعادِلانِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ صِحاحُ الأحادِيثِ، وكَفى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ حُجَّةً بالِغَةً، وإنْ أرادُوا أنَّ عِقابَهُ قَدْ يَكْبُرُ حَتّى لا يُعادِلَهُ صِغارُ الحَسَناتِ فَهَذا صَحِيحٌ والكَلامُ حِينَئِذٍ في تَسْمِيَتِهِ إحْباطًا، ولا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ عِنْدَنا أنَّ هَذا الإحْباطَ غَيْرُ لازِمٍ وعِنْدَهم لازِمٌ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ العَفْوِ وهي مَسْألَةٌ
صفحة 80
أُخْرى، وأمّا الكَبِيرَةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِذَلِكَ العَمَلِ كالعُجْبِ ونَحْوِ المَنِّ والأذى بَعْدَ التَّصَدُّقِ فَهي مُحْبِطَةٌ لا مَحالَةَ اتِّفاقًا، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما نُقِلَ مِنَ الآثارِ، ومَن لا يُسَمِّيهِ إحْباطًا لِأنَّهُ يَجْعَلُهُ شَرْطًا لِلْقَبُولِ والإحْباطُ أنْ يَصِيرَ الثَّوابُ زائِلًا وهَذا لا يَتَأتّى إذا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ثَوابٌ فَلَهُ ذَلِكَ، وهو أمْرٌ يَرْجِعُ إلى الِاصْطِلاحِ انْتَهى وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ وإعادَةُ الفِعْلِ في (وأطِيعُوا الرَّسُولَ) لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ إطاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
محمد 47:34
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ امْتَنَعُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ أوْ صَدُّوا النّاسَ عَنْهُ ﴿ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ القَلِيبِ كَما قِيلَ، وحُكْمُها عامٌّ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في كُلِّ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وهو ظاهِرٌ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لَهُ فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ العُمُومَ مَعَ تَخْصِيصِ الكُفْرِ بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ مَحَلُّ نَظَرٍ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ العُمُومَ لِأنَّ مَدارَ عَدَمِ المَغْفِرَةِ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ حَسْبَما يُشْعِرُ اعْتِبارُهُ قَيْدًا في الكَلامِ فَتَدَبَّرْ. واسْتَدَلَّ بِمَفْهُومِ الآيَةِ بَعْضُ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَمُتْ عَلى كُفْرِهِ سائِرَ ذُنُوبِهِ
محمد 47:35
﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُبْطِلُ أعْمالِهِمْ ومُعاقِبُهم فَهو خاذِلُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلا تُبالُوا بِهِمْ ولا تُظْهِرُوا ضَعْفًا، فالهاءُ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: هي لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( تَهِنُوا ) داخِلٌ في حَيِّزِ النَّهْيِ أيْ ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ خَوْرًا وإظْهارًا لِلْعَجْزِ فَإنَّ ذَلِكَ إعْطاءُ الدَّنِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ فَيُعْطَفُ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِمّا قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ: لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ. واسْتَدَلَّ الكِيا بِهَذا النَّهْيِ عَلى مَنعِ مُهادِنَةِ الكُفّارِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وعَلى تَحْرِيمِ تَرْكِ الجِهادِ إلّا عِنْدَ العَجْزِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ (وتَدَّعُوا) بِتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنِ ادَّعى بِمَعْنى دَعا، وفي الكَشّافِ ذِكْرُ لا في هَذِهِ القِراءَةِ، ولَعَلى ذَلِكَ رِوايَةٌ أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وعِيسى وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (السِّلْمِ) بِكَسْرِ السِّينِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيِ الأغْلَبُونَ، والعُلُوُّ بِمَعْنى الغَلَبَةِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أيْ ناصِرُكم فَإنَّ كَوْنَهُمُ الأغْلَبِينَ وكَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ ناصِرَهم مِن أقْوى مُوجِباتِ الِاجْتِنابِ عَمّا يُوهِمُ الذُّلَّ والضَّراعَةَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا جُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنِفَتَيْنِ أخْبَرُوا أوَّلًا أنَّهُمُ الأعْلَوْنَ وهو إخْبارٌ بِمَغِيبٍ أبْرَزَهُ الوُجُودُ ثُمَّ ارْتَقى إلى رُتْبَةٍ أعْلى مِنَ الَّتِي قَبْلَها وهي كَوْنُ اللَّهِ تَعالى مَعَهم ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ قالَ: ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، وقِيلَ: ولَنْ يَنْقُصَكُمْ، وقِيلَ: ولَنْ يُضَيِّعَها، وهو كَما قالَ أبُو عُبَيْدٍ. والمُبَرِّدُ مِن وتَرْتُ الرَّجُلَ إذا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا مِن ولَدٍ أوْ أخٍ أوْ حَمِيمٍ أوْ سَلَبْتَهُ مالَهُ وذَهَبْتَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ أفْرَدْتُهُ مِن قَرِيبِهِ أوْ مالِهِ مِنَ الوِتْرِ وهو الفَرْدُ، فَشَبَّهَ إضاعَةَ عَمَلِ العامِلِ وتَعْطِيلَ ثَوابِهِ بِوِتْرِ الواتِرِ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ، وفِيهِ هُنا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ لُطْفِ اللَّهِ تَعالى ما فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «(مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ)».
والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْمِينِ وتِرْتُهُ مَعْنى السَّلْبِ ونَحْوِهِ لِيَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ، وفي الصِّحاحِ أنَّهُ مِنَ التِّرَّةِ وحَمْلُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ جَعَلْتُهُ مُوتُورًا لَمْ يُدْرِكْ ثارَهُ في ذَلِكَ كَأنَّهُ نَقَصَهُ فِيهِ وجَعَلَهُ نَظِيرَ دَخَلْتُ البَيْتَ أيْ فِيهِ وهو سَدِيدٌ أيْضًا.
وجَوَّزَ بَعْضُهم (يَتِرُ) هاهُنا مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ ( وأعْمالَكم ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ أيْ لَنْ يَتِرَ أعْمالَكم مِن ثَوابِها
صفحة 81
والجُمْلَةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مَعَكم ) وهي وإنْ لَمْ تَقَعْ حالًا اسْتِقْلالًا لِتَصْدِيرِها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ المُنافِي لِلْحالِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: المانِعُ مِن وُقُوعِ المُصَدَّرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ حالًا مُخالَفَتُهُ لِلسَّماعِ وإلّا فَلا مانِعَ مِن كَوْنِها حالًا مُقَدَّرَةً مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (لَنْ) لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ المانِعِينَ بَنَوُا المَنعَ عَلى المُنافاةِ وإنَّها إذا زالَتْ بِاعْتِبارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ فَلا مَنعَ لَكِنْ قِيلَ:
إنَّ الحالَ المَقْصُودَ مِنها بَيانُ الهَيْئَةِ غَيْرُ الحالِ الَّذِي هو أحَدُ الأزْمِنَةِ، والمُنافاةُ إنَّما هي بَيْنَ هَذا الحالِ والِاسْتِقْبالِ. وهَذا نَظِيرُ ما قالَ مُجَوِّزُو مَجِيءَ الجُمْلَةِ الماضِيَةِ حالًا بِدُونٍ قَدْ، وما لِذَلِكَ وما عَلَيْهِ في كُتُبِ النَّحْوِ، وإذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ قَبْلُ مُسْتَأْنَفَةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في العَطْفِ أصْلًا.
محمد 47:36
﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لا ثَباتَ لَها ولا اعْتِدادَ بِها ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ أيْ ثَوابَ إيمانِكم وتَقْواكم مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَزاءِ والإضافَةُ لِلِاسْتِغْراقِ، والمَعْنى إنْ تُؤْمِنُوا لا يَسْألُكم جَمِيعَ أمْوالِكم كَما يَأْخُذُ مِنَ الكافِرِ جَمِيعَ مالِهِ، وفِيهِ مُقابَلَةٌ حَسَنَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُعْطِكم كُلَّ الأُجُورِ ويَسْألْكم بَعْضَ المالِ وهو ما شَرَعَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الزَّكاةِ، وقَوْلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أيْ لا يَسْألُكم كَثِيرًا مِن أمْوالِكم إنَّما يَسْألُكم رُبُعَ العُشْرِ فَطَيِّبُوا أنْفُسَكم بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وقِيلَ: أيْ لا يَسْألُكم ما هو ما لَكم حَقِيقَةً وإنَّما يَسْألُكم ما لَهُ عَزَّ وجَلَّ وهو المالِكُ لَها حَقِيقَةً وهو جَلَّ شَأْنُهُ المُنْعِمُ عَلَيْكم بِالِانْتِفاعِ بِها، وقِيلَ: أيْ لا يَسْألُكم أمْوالَكم لِحاجَتِهِ سُبْحانَهُ إلَيْها بَلْ لِيَرْجِعَ إنْفاقُكم إلَيْكُمْ، وقِيلَ: أيْ لا يَسْألُكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا مِن أمْوالِكم أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ﴾ ووَجْهُ التَّعْلِيقِ عَلَيْها غَيْرُ ظاهِرٍ وفي بَعْضِها أيْضًا ما لا يَخْفى
محمد 47:37
﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ أيْ أمْوالَكم ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ فَيُجْهِدْكم بِطَلَبِ الكُلِّ فَإنَّ الإحْفاءَ والإلْحافَ المُبالَغَةُ وبُلُوغُ الغايَةِ في كُلِّ شَيْءٍ يُقالُ: أحْفاهُ في المَسْألَةِ إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الإلْحاحِ وأحْفى شارِبَهُ اسْتَأْصَلَهُ وأخَذَهُ أخْذًا مُتَناهِيًا، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ مِن أحْفَيْتُ الدّابَّةَ جَعَلْتُهُ حافِيًا أيْ مُنْسَحِجَ الحافِرِ والبَعِيرَ جَعَلْتَهُ مُنْسَحِجَ الفِرْسِنِ مِنَ المَشْيِ حَتّى يَرِقَّ ﴿تَبْخَلُوا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والمُرادُ بِالبُخْلِ هَنا تَرْكُ الإعْطاءِ إذْ هو عَلى المَعْنى المَشْهُورِ أمْرٌ طَبِيعِيٌّ لا يَتَرَتَّبُ عَلى السُّؤالِ ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ أيْ أحْقادَكم لِمَزِيدِ حُبِّكم لِلْمالِ وضَمِيرُ ( يُخْرِجْ ) لِلَّهِ تَعالى ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ ورُوِيَتْ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (ونُخْرِجُ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلسُّؤالِ أوْ لِلْبُخْلِ فَإنَّهُ سَبَبُ إخْراجِ الأضْغانِ والإسْنادُ عَلى ذَلِكَ مَجازِيٌّ. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ويُخْرِجُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وجُوِّزَ جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا بِتَقْدِيرٍ وهو يُخْرِجُ وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنْ عِيسى، وفي اللَّوامِحِ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( ويَخْرُجُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِها وضَمِّ الرّاءِ والجِيمِ ﴿أضْغانَكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ سِيرِينَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ واليَمانِيُّ ﴿وتُخْرِجُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ ورَفْعِ ﴿أضْغانَكُمْ﴾، وقُرِئَ (ويُخْرَجُ) بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الرّاءِ (أضْغانُكُمْ) رَفْعًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وهي
صفحة 82
مَرْوِيَّةٌ عَنْ عِيسى إلّا أنَّهُ فَتَحَ الجِيمَ بِإضْمارِ أنْ فالواوُ عاطِفَةٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ أيْ يَكُنْ بُخْلُكم وإخْراجُ أضْغانِكم.
محمد 47:38
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ أنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ إلَخْ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وكُرِّرَتْ ها التَّنْبِيهِيَّةُ لِلتَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ ومُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ لِاتِّحادِ مُحَصِّلِ مَعْناهُما فَإنَّ دَعْوَتَهم لِلْإنْفاقِ هو سُؤْلُ الأمْوالِ مِنهم وبُخْلُ ناسٍ مِنهم هو مَعْنى عَدَمِ الإعْطاءِ المَذْكُورِ مُجْمَلًا أوَّلًا أوْ صِلَةً لِهَؤُلاءِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِينَ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ مَوْصُولًا مُطْلَقًا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وأمّا البَصْرِيُّونَ فَلَمْ يُثْبِتُوا اسْمَ الإشارَةِ مَوْصُولًا إلّا إذا تَقَدَّمَهُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاتِّفاقٍ أوْ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاخْتِلافٍ، والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى هو الإنْفاقُ المُرْضِي لَهُ تَعالى شَأْنُهُ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ النَّفَقَةَ لِلْعِيالِ والأقارِبِ والغَزْوَ وإطْعامَ الضُّيُوفِ والزَّكاةَ وغَيْرَ ذَلِكَ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالإنْفاقِ لِلْغَزْوِ أوْ بِالزَّكاةِ كَما قِيلَ.
﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ أيْ ناسٌ يَبْخَلُونَ ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فَلا يَتَعَدّى ضَرَرُ بُخْلِهِ إلى غَيْرِها يُقالُ: بَخِلْتُ عَلَيْهِ وبَخِلْتُ عَنْهُ لِأنَّ البُخْلَ فِيهِ مَعْنى المَنعِ ومَعْنى التَّضْيِيقِ عَلى مَن مَنَعَ عَنْهُ المَعْرُوفَ والإضْرارَ فَناسَبَ أنْ يُعَدّى بِعَنْ لِلْأوَّلِ وبِعَلى لِلثّانِي، وظاهِرٌ أنَّ مَن مَنَعَ المَعْرُوفَ عَنْ نَفْسِهِ فَإضْرارُهُ عَلَيْها فَلا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ في الحاصِلِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ عَلى مَعْنى يَصْدُرُ البُخْلُ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّها مَكانُ البُخْلِ ومَنبَعُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وهو كَما تَرى ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ الكامِلُونَ في الفَقْرِ فَما يَأْمُرُكم بِهِ سُبْحانَهُ فَهو لِاحْتِياجِكم إلى ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ إيصالَها بِدُونِ ذَلِكَ فَإنِ امْتَثَلْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنْ تُؤْمِنُوا ) أيْ وإنْ تُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَخْلُقْ مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ( يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في التَّوَلِّي عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى بَلْ يَكُونُونَ راغِبِينَ فِيهِما.
وثُمَّ لِلتَّراخِي حَقِيقَةً أوْ لِبُعْدِ المَرْتَبَةِ عَمّا قَبْلُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ أهْلُ فارِسَ،
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ. والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والتِّرْمِذِيُّ وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «(تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ إلَخْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إنْ تَوَلَّيْنا اسْتَبْدَلُوا بِنا ثُمَّ لا يَكُونُونَ أمْثالَنا؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ ثُمَّ قالَ: هَذا وقَوْمُهُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ)».
وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ الدِّينُ بَدَلَ الإيمانِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْصارُ، وقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: كِنْدَةُ والنَّخْعُ، وقِيلَ: العَجَمُ، وقِيلَ: الرُّومُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وحَمْلُ القَوْمِ عَلَيْهِمْ بَعِيدٌ في الِاسْتِعْمالِ، وحَيْثُ صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي.
والخِطابُ لِقُرَيْشٍ أوْ لِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْلانِ والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْمُخاطَبِينَ قَبْلُ والشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ واقِعَةٍ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ شَرْطٌ في الِاسْتِبْدالِ تَوَلِّيهم لَكِنَّهم لَمْ يَتَوَلَّوْا فَلَمْ يَسْتَبْدِلْ سُبْحانَهُ قَوْمًا غَيْرَهم واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومِمّا قالَهُ بَعْضُ أرْبابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ عَلى وجْهَيْنِ صُورَةً ومَعْنى، أمّا نُصْرَتُهُ تَعالى في الصُّورَةِ فَنُصْرَةُ دِينِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِإيضاحِ الدَّلِيلِ وتَبْيِينِهِ وشَرْحِ فَرائِضِهِ وسُنَنِهِ وإظْهارِ مَعانِيهِ وأسْرارِهِ وحَقائِقِهِ ثُمَّ بِالجِهادِ عَلَيْهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وقَمْعِ أعْدائِهِ وأمّا نُصْرَتُهُ في المَعْنى فَبِإفْناءِ النّاسُوتِ
صفحة 83
فِي اللّاهُوتِ، ونُصْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ عَلى وجْهَيْنِ أيْضًا صُورَةً ومَعْنًى، أمّا نُصْرَتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ في الصُّورَةِ فَبِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ والآياتِ وتَبْيِينِ السُّبُلِ إلى النَّعِيمِ والجَحِيمِ، ثُمَّ بِالأمْرِ بِالجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ وتَوْفِيقِ السَّعْيِ فِيهِما طَلَبًا لِرِضاهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا نُصْرَتُهُ تَعالى لَهُ في المَعْنى فَبِإفْناءِ وجُودِهِ في وُجُودِهِ سُبْحانَهُ بِتَجَلِّي صِفاتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ يُشِيرُ إلى جَنَّةِ قُلُوبِ أرْبابِ الحَقائِقِ الَّذِينَ اتَّقُوا عَمّا سِواهُ جَلَّ وعَلا ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ هو ماءُ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِطُولِ المُكْثِ ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ﴾ وهو العَلَمُ الحَقّانِيُّ الَّذِي هو غِذاءُ الأرْواحِ أوْ لَبَنُ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴿لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بِحُمُوضَةِ الشُّكُوكِ والأوْهامِ أوِ الأهْواءِ والبِدَعِ ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وهي خَمْرُ الشَّوْقِ والمَحَبَّةِ:
يَقُولُونَ لِي صِفْها فَأنْتَ بِوَصْفِها خَبِيرُ أجَلْ عِنْدِي بِأوْصافِها عِلْمُ
صَفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَوى ∗∗∗ ونُورٌ ولا نارٌ ورُوحٌ ولا جِسْمُ
﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ﴾ وهو عَسَلُ الوِصالِ ﴿مُصَفًّى﴾ عَنْ كَدَرِ المَلالِ وخَوْفِ الزَّوالِ ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ اللَّذائِذِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ سَتْرٌ لِذَنْبِ وجُودِهِمْ كَما قِيلَ:
وجُودُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسُ بِهِ ذَنْبٌ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ نارِ الجَفاءِ ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ وهو ماءُ الخِذْلانِ ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ مِنَ الحِرْمانِ ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ وهي ظُلْمَةٌ في وُجُوهِهِمْ تُدْرَكُ بِالنَّظَرِ الإلَهِيِّ قِيلَ: المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ الفِراسَةِ والعارِفُ بِنُورِ التَّحْقِيقِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْظُرُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: كُلٌّ مِن رِزْقِ قُرْبِ النَّوافِلِ يَنْظُرُ بِهِ تَعالى لِحَدِيثِ «(لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)» الحَدِيثَ.
وحِينَئِذٍ يُبْصِرُ كُلَّ شَيْءٍ، ومِن هُنا كانَ بَعْضُ الأوْلِياءِ الكامِلِينَ يَرى عَلى ما حُكِيَ عَنْهُ أعْمالَ العِبادِ حِينَ يُعْرَجُ بِها وسُبْحانَ السَّمِيعِ البَصِيرِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.
الفتح 48:1
سُورَةُ الفَتْحِ
نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والأخْبارُ تَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في السَّفَرِ لا في المَدِينَةِ نَفْسِها وهو الصَّحِيحُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: (أقْبَلْنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ عامَ سِتٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ وكانَ قَدْ خَرَجَ إلَيْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ هِلالَ ذِي القَعْدَةِ فَأقامَ بِها بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقِيلَ: عِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَفَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَبَيْنَما نَحْنُ نَسِيرُ إذْ أتاهُ الوَحْيُ وكانَ إذا أتاهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ فَسُرِّيَ عَنْهُ وبِهِ مِنَ السُّرُورِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى فَأخْبَرَنا أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: (كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ فَسَألْتُهُ عَنْ شَيْءٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أمامَ النّاسِ وخَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ القُرْآنُ فَما نَشِبْتُ إذْ سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُخُ بِي فَوَجَفْتُ وأنا أظُنُّ أنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾» وفي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما عَنْ مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ أيْضًا وأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ كُراعِ الغَمِيمِ فَقَرَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى النّاسِ وهو عَلى راحِلَتِهِ، وفي رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ
صفحة 84
ما يَدُلُّ عَلى أنَّها بِضَجْنانَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ البُقاعِيِّ، وضَجْنانُ بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وجِيمٍ ونُونَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ بِزِنَةِ سَكْرانَ كَما في القامُوسِ جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ، وهَذا ونَحْوُهُ قَوْلٌ بِنُزُولِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُعَدُّ مَدَنِيًّا عَلى المَشْهُورِ وهو أنَّ المَدَنِيَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ سَواءٌ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ أمْ بِمَكَّةَ أمْ بِسَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ، والمَكِّيُّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلَ ولَوْ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِمَكَّةَ ويَدْخُلُ فِيها كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ نَواحِيها كَمِنى وعَرَفاتٍ والحُدَيْبِيَةِ بَلْ بَعْضُها عَلى ما في الهِدايَةِ وأكْثَرُها عَلى ما قالَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مِن حَرَمِ مَكَّةَ والمَدَنِيُّ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ ويَدْخُلُ فِيها كَما قالَ أيْضًا نَواحِيَها كَأُحُدٍ وبَدْرٍ وسَلْعٍ فَلا بَلْ يُعَدُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ نَزَلَ قُرْبَ مَكَّةَ مَكِّيًّا، فالقَوْلُ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ بِلا خِلافٍ فِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى حُسْنُ وضْعِها هُنا لِأنَّ الفَتْحَ بِمَعْنى النَّصْرِ مُرَتَّبٌ عَلى القِتالِ، وفي كُلٍّ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ ما فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ أيْضًا في الأوَّلِ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ وذُكِرَ هُنا وُقُوعُ المَغْفِرَةِ، وذُكِرَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هُناكَ بِلَفْظِها الشَّرِيفِ وكُنِّيَ عَنْها بِكَلِمَةِ التَّقْوى بِناءً عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ فِيها، وسَتَعْرِفُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وفي البَحْرِ وجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ الآيَةَ وهو خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أخْبَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالفَتْحِ العَظِيمِ وأنَّهُ بِهَذا الفَتْحِ حَصَلَ الِاسْتِبْدالُ وأمِنَ كُلُّ مَن كانَ بِمَكَّةَ وصارَتْ دارَ إيمانٍ وفِيهِ ما لا يَخْفى. وفي الأخْبارِ السّابِقَةِ ما يَدُلُّ عَلى جَلالَةِ قَدْرِها.
وفِي حَدِيثِ مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ سَعْدٍ «لَمّا نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: نُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمّا هَنّاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَنّاهُ المُسْلِمُونَ،» ويُحْكى أنَّهُ مَن قَرَأها أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ حُفِظَ ذَلِكَ العامِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في خَبَرٍ صَحِيحٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ إخْبارٌ عَنْ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو الصَّحِيحُ، وأصْلُ الفَتْحِ إزالَةُ الإغْلاقِ، وفَتْحُ البَلَدِ كَما في الكَشّافِ الظَّفَرُ بِهِ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا بِحَرْبٍ أوْ بِغَيْرِهِ لِأنَّهُ مُنْغَلِقٌ ما لَمْ يَظْفَرْ بِهِ فَإذا ظَفِرَ بِهِ وحَصَلَ في اليَدِ فَقَدْ فُتِحَ، وسُمِّيَ ذَلِكَ الصُّلْحُ فَتْحًا لِاشْتِراكِهِما في الظُّهُورِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ فَإنَّهم كَما قالَ الكَلْبِيُّ ما سَألُوا الصُّلْحَ إلّا بَعْدَ أنْ ظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْلِمِينَ رَمَوْهم أيْ بِسِهامٍ وحِجارَةٍ كَما قِيلَ حَتّى أدْخَلُوهم دِيارَهم أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ صارَ سَبَبًا لِفَتْحِ مَكَّةَ، قالَ الزَّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ اخْتَلَطَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ وسَمِعُوا كَلامَهم وتَمَكَّنَ الإسْلامُ مِن قُلُوبِهِمْ وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: فَما مَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ إلّا والمُسْلِمُونَ قَدْ جاؤُوا إلى مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافٍ فَفَتَحُوها، والتَّسْمِيَةُ عَلى الأوَّلِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ كَيْفَما قَرَّرْتُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ في مِثْلِ ما ذُكِرَ تَبَعِيٌّ أمْ لا حَيْثُ سُمِّيَ السَّبَبُ باسِمِ المُسَبِّبِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ نَوْعانِ مِنَ العَلاقَةِ فَيَكُونُ اسْتِعْمالُ أحَدِهِما في الآخَرِ بِاعْتِبارِ كُلٍّ نَوْعًا مِنَ المَجازِ كَما في المِشْفَرِ والشَّفَةِ الغَلِيظَةِ لِإنْسانٍ، وإسْنادُ الفَتْحِ المُرادُ بِهِ الصُّلْحُ الَّذِي هو فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَجازٌ مِن إسْنادِ ما لِلْقابِلِ لِلْفاعِلِ المُوجِدِ، وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ الصُّلْحِ والرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ لا يُقالُ: قَدْ تُقَرِّرُ في الكَلامِ أنَّ الأفْعالَ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى فَنِسْبَةُ الصُّلْحِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إسْنادٌ إلى ما هو لَهُ فَلا مَجازَ لِأنّا نَقُولُ: ما هو لَهُ عِبارَةٌ عَمّا كانَ الفِعْلُ حَقَّهُ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ في العُرْفِ سَواءٌ كانَ مَخْلُوقًا لَهُ تَعالى أوْ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما صَرَّحَ بِهِ السَّعْدُ في المُطَوَّلِ وكَيْفَ لا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إسْنادُ جَمِيعِ الأفْعالِ إلى غَيْرِهِ تَعالى مَجازًا وإلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما.
صفحة 85
وقالَ المُحَقِّقُ مِيرْزاجانَ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ عَلى أنْ يُرادَ خَلْقُ الصُّلْحِ وإيجادُهُ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ المَجازُ في الهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ المَوْضُوعَةِ لِلْإسْنادِ إلى ما هو لَهُ فاسْتُعْمِلَتْ في الإسْنادِ إلى غَيْرِهِ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والأوْجُهُ الأرْبَعَةُ جارِيَةٌ في كُلِّ ما كانَ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ كَأنْبَتَ الرَّبِيعُ البَقْلَ، وقَدْ صَرَّحَ القَوْمُ بِالثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنها، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الصُّلْحَ مِمّا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً فَلا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ جَعْلِ المُشْرِكِينَ في الحُدَيْبِيَةِ مَغْلُوبِينَ خائِفِينَ طالِبِينَ لِلصُّلْحِ ويَكُونُ الفَتْحُ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وقَدْ خَفِيَ كَوْنُ ما كانَ في الحُدَيْبِيَةِ فَتْحًا عَلى بَعْضِ الصَّحابَةِ حَتّى بَيَّنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «(أقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ ما هَذا بِفَتْحٍ لَقَدْ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا وعَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ ورُدَّ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ خَرَجا فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُونَكُمُ القَضِيَّةَ ويَرْغَبُونَ إلَيْكم في الأمانِ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا، وقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ مَأْجُورِينَ فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ، أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُنَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكُمْ؟ أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ إذْ جاؤُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ؟ قالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ هو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا».
وفائِدَةُ الخَبَرِ بِالفَتْحِ عَلى الوَجْهَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وكَذا يَعْلَمُ لازِمَ الفائِدَةِ كَذا قِيلَ.
وحَمْلُ الغَيْرِ عَلى مَن لَمْ يَحْضُرِ الفَتْحَ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ لِأنَّ الحاضِرِينَ عَلِمُوا ذَلِكَ قَبْلَ النُّزُولِ، وقِيلَ: الحاضِرُ إنَّما عَلِمَ وُقُوعَ الصُّلْحِ أوْ كَوْنَ المُشْرِكِينَ بِحَيْثُ طَلَبُوهُ ولَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ فَتْحًا كَما يُشْعِرُ بِهِ الخَبَرُ، وإنْ سُلِّمَ أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عِظَمَ شَأْنِهِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ إسْنادُهُ إلى نُونِ العَظَمَةِ والإخْبارُ بِهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَعَلَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ كَوْنُ ذَلِكَ لِلْمَغْفِرَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وأقُولُ: قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ كَثِيرًا ما تُورَدُ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ لِأغْراضٍ أُخَرَ سِوى إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ نَحْوَ ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن إيرادِها هاهُنا الِامْتِنانَ دُونَ إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ ولا مَجازَ في ذَلِكَ ونَحْوِهِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ.
وصَرَّحَ في الرِّسالَةِ الجُنْدِيَّةِ بِأنَّ الهَيْئَةَ التَّرْكِيبِيَّةَ الخَبَرِيَّةَ في نَحْوِ ذَلِكَ مَنقُولَةٌ إلى الإنْشائِيَّةِ وأنَّ المَجازَ في الهَيْئَةِ فَقَطْ لا في الأطْرافِ ولا في المَجْمُوعِ وهو مَجازٌ مُفْرَدٌ عِنْدَ صاحِبِ الرِّسالَةِ، والكَلِمَةُ أعْظَمُ مِنَ اللَّفْظِ الحَقِيقِيِّ والحُكْمِيِّ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَجازٌ مُرَكَّبٌ ولا يَنْحَصِرُ في التَّمْثِيلِيَّةِ، وتَحْقِيقُهُ في مَوْضِعِهِ.
والتَّأْكِيدُ بِأنَّ لِلِاعْتِناءِ لا لِرَدِّ الإنْكارِ وقِيلَ لِأنَّ الحُكْمَ لِعَظَمِ شَأْنِهِ مَظِنَّةٌ لِلْإنْكارِ. وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَ السّامِعِينَ مُنْكِرٌ كَوْنَ ما وقَعَ فَتْحًا، ويُقالُ في تَكْرِيرِ الحُكْمِ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ خَيْبَرَ وهي مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذاتَ حُصُونِ ومَزارِعَ عَلى ثَمانِيَةِ بَرْدٍ مِنَ المَدِينَةِ إلى جِهَةِ الشّامِ، وكانَ خُرُوجُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ ورَجَّحَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في بَقِيَّةِ المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وأقامَ يُحاصِرُها بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إلى أنْ فَتَحَها.
صفحة 86
ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ وجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ أنَّهُ كانَ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ، وجَمَعَ بِأنَّ مَن أطْلَقَ سَنَةَ سِتٍّ بَناهُ عَلى أنَّ ابْتِداءَ السَّنَةِ مِن شَهْرِ الهِجْرَةِ الحَقِيقِيِّ وهو شَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وقَوْلُ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ في التَّعْلِيقَةِ: إنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وهْمٌ، وقَوْلُ ابْنِ سَعْدٍ وابْنِ أبِي شَيْبَةَ رِوايَةً عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّها كانَتْ لِثَمانِ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ خَطَأٌ، ولَعَلَّ الأصْلَ كانَتْ حُنَيْنٌ فَحُرِّفَ ومَعَ هَذا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ. وقَدْ فُتِحَتْ عَلى أيْدِي أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ لَمْ يُشْرِكْهم أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ عَنْها فالفَتْحُ عَلى حَقِيقَةٍ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى عَلى حَدِّ ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ، والتَّأْكِيدُ بِأنَّ وتَكْرِيرِ الحُكْمِ لِلِاعْتِناءِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا يَوْمَ النُّزُولِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِن أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ مِن بابِ مَجازِ المُشارَفَةِ نَحْوَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا عَلى المَشْهُورِ أوِ الأوَّلِ نَحْوَ ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهُما في الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ وهو كَما في زادِ المَعادِ الفَتْحُ الأعْظَمُ الَّذِي أعَزَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ دِينَهُ واسْتَنْقَذَ بِهِ بَلَدَهُ وطَهَّرَ حَرَمَهُ واسْتَبْشَرَ بِهِ أهْلُ السَّماءِ وضُرِبَتْ أطْنابُ عِزِّهِ عَلى مَناكِبِ الجَوْزاءِ ودَخَلَ النّاسُ بَعْدَهُ في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أفْواجًا وأشْرَقَ وجْهُ الدَّهْرِ ضِياءً وابْتِهاجًا، وكانَ سَنَةَ ثَمانٍ وفي رِوايَةٍ ونِصْفٍ، وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وفَتْحُ مَكَّةَ لِثَلاثِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهُ كانَ الفَتْحُ في عَشْرٍ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَشَرَةُ آلافٍ وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، والجَمْعُ مُمْكِنٌ، وكانَ الفَتْحُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ صُلْحًا وهي رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ لِلتَّأْمِينِ في مَمَرِّ الظَّهْرانِ بِمَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، ولِعَدَمِ قِسْمَةِ الدُّورِ بَيْنَ الغانِمِينَ، وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّهُ عَنْوَةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ووُقُوعِهِ مِن خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(أُحِلَّتْ لِي ساعَةٌ مِن نَهارٍ)».
ولا يُسَمّى ذَلِكَ التَّأْمِينُ صُلْحًا إلّا إذا التَزَمَ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ بِهِ الكَفَّ عَنِ القِتالِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَلْتَزِمُوا، وتَرْكُ القِسْمَةِ لا يَسْتَلْزِمُ عِدَّةَ العَنْوَةِ فَقَدْ تُفْتَحُ البَلْدَةُ عَنْوَةً ويُمَنُّ عَلى أهْلِها وتُتْرَكُ لَهم دُورُهم.
وأقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً في رِوايَةِ البُخارِيِّ وسَبْعَ عَشْرَةَ في رِوايَةِ أبِي داوُدَ وثَمانِ عَشْرَةَ في رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وتِسْعَ عَشْرَةَ في رِوايَةِ بَعْضٍ، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ السِّيَرِ، واسْتَظْهَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حَيّانَ وذَكَرَ أنَّهُ المُناسِبُ لِآخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ﴾ الآيَةَ فَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ فَتَحَ لَهم مَكَّةَ وغَنِمُوا وحَصَلَ لَهم أضْعافُ ما أنْفَقُوا ولَوْ بَخِلُوا لَضاعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ بُخْلُهم إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ، وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بَيَّنَ تَعالى بُرْهانَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ فَإنَّهم كانُوا هُمُ الأعْلَيْنَ، وأيْضًا لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ كانَ ذَلِكَ في فَتْحِ مَكَّةَ ظاهِرًا حَيْثُ لَمْ يَلْحَقْهم وهَنٌ ولا دَعَوْا إلى الصُّلْحِ بَلْ أتى صَنادِيدُ قُرَيْشٍ مُسْتَأْمِنِينَ مُسْتَسْلِمِينَ وهَذا ظاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ خَيْبَرَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّهُ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ بِأنَّ وعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ يَجِيءُ صَرِيحًا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآيَةَ فَلَوْ حُمِلَ هَذا الفَتْحُ عَلَيْهِ لَكانَ تَأْكِيدًا بِخِلافِ ما إذا حُمِلَ عَلى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ تَأْسِيسًا والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ورَجَّحَهُ بَعْضٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ بِمِثْلِ هَذا لِأنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ مَذْكُورٌ فِيما بَعْدُ أيْضًا، ولِلْبَحْثِ في ذَلِكَ مَجالٌ، وإنَّ التَّكْرِيرَ لِما تَقَدَّمَ، وكَذا الإسْنادُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ بَلْ هَذا الفَتْحُ أوْلى
صفحة 87
بِالِاعْتِناءِ وتَعْظِيمِ الشَّأْنِ حَتّى قِيلَ: إنَّ إسْنادَهُ إلَيْهِ تَعالى لِكَوْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الغَرِيبَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كالرَّمْيِ بِالحَصى المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ وهَذا خِلافٌ ظاهِرٌ، والمَشْهُورُ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا عَقْلِيًّا وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ الإرادَةَ هاهُنا مُعْتَبَرَةٌ إمّا عَلى سَبِيلِ الحَذْفِ أوْ عَلى المَجازِ المُرْسَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ قِيلَ: مُطَّرِدٌ في الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفَتْحَ مَجازٌ عَنْ تَيْسِيرِهِ، وذَكَرَ بَعْضُ الصُّدُورِ في تَوْجِيهِ التَّأْكِيدِ بِأنَّ هاهُنا أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ غَيْرُ السّائِلِ بِمَنزِلَةِ السّائِلِ إذا قُدِّمَ إلَيْهِ ما يُلَوِّحُ لَهُ بِالخَبَرِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ المُلَوَّحَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كَلامًا، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ أنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ فَصارَ المَقامُ مَقامَ أنْ يَتَرَدَّدَ في الفَتْحِ فَأُلْقِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكَلامُ مُؤَكَّدًا كَما يُلْقى إلى السّائِلِ كَذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِرَدِّ الإنْكارِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ لا يَسْتَوْلِي عَلى مَكَّةَ كَما لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْها مَن أرادَ الِاسْتِيلاءَ عَلَيْها قَبْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى، وذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ أنَّ الكَلامَ وعْدٌ بِفَتْحِها فَقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ إخْبارٌ، وقِيلَ: إنَّها إنْشاءٌ، واسْتُشْكِلَ بِما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ مِن أنَّ الجُمَلَ الإنْشائِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ بِالِاسْتِقْراءِ في الطَّلَبِيَّةِ والإيقاعِيَّةِ والوَعْدُ لَيْسَ شَيْئًا مِنهُما، أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِكَ لَأُكْرِمَنَّكَ مَثَلًا لا يَقَعُ بِهِ الإكْرامُ، وقالَ بَعْضُ الصُّدُورِ: إنَّ كَلامَهم مُضْطَرِبٌ في كَوْنِ الوَعْدِ إنْشاءً أوْ إخْبارًا، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأنْ يُقالَ: أصْلُ الوَعْدِ إنْشاءٌ لِأنَّهُ إظْهارُ أمْرٍ في النَّفْسِ يُوجِبُ سُرُورَ المُخاطَبِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ الوَعْدُ وهو المَوْعُودُ إخْبارُ نَظِيرُهُ قَوْلُ النُّحاةِ كَأنَّ لِإنْشاءِ التَّشْبِيهِ مَعَ أنَّ مَدْخُولَها جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: هَذا ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ. فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن لَأُكْرِمَنَّكَ مَثَلًا إكْرامٌ في المُسْتَقْبَلِ فَهو خَبَرٌ بِلا مِرْيَةٍ، وإنْ قِيلَ: مَعْناهُ العَزْمُ عَلى إكْرامِهِ وتَعْجِيلُ المَسَرَّةِ لَهُ بِإعْلامِهِ فَهو إنْشاءٌ، وأقُولُ لا يَخْفى أنَّ الإخْبارَ أصْلٌ لِلْإنْشاءِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيُّ في المُطَوَّلِ ولَيْسَتْ هَيْئَةُ المُرَكَّبِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ إنْشاءٌ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ بِمادَّتِهِ عَلى ذَلِكَ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إخْبارٌ قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ وإنَّ ذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عَنِ الإخْبارِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ ونَحْوَهُ فَتَدَبَّرْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَةِ قُلُوبِ الأصْحابِ وتَسْلِيَتِهِمْ حَيْثُ صارُوا مَحْزُونِينَ غايَةَ الحُزْنِ مِن تَأْخِيرِ الفَتْحِ ما فِيهِ، وهَذا التَّعْبِيرُ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ عَلى ما حَقَّقَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ في حَواشِي المُطَوَّلِ حَيْثُ قالَ: اعْلَمْ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ المُضارِعِ بِالماضِي وعَكْسَهُ يُعَدُّ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ بِأنْ يُشَبَّهَ غَيْرُ الحاصِلِ بِالحاصِلِ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ ويُشَبَّهُ الماضِي بِالحاضِرِ في كَوْنِهِ نُصْبَ العَيْنِ واجِبَ المُشاهِدَةِ ثُمَّ يُسْتَعارُ لَفْظُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ فَعَلى هَذا تَكُونُ اسْتِعارَةُ الفِعْلِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ مَثَلًا بِالقَتْلِ ويُسْتَعارَ لَهُ اسْمُهُ ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنهُ قُتِلَ بِمَعْنى ضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا. والثّانِي أنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ المُسْتَقْبَلُ بِالضَّرْبِ في الماضِي مَثَلًا في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ ضُرِبَ فَيَكُونُ المَعْنى المَصْدَرِيِّ أعْنِي الضَّرْبَ مَوْجُودًا في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ لَكِنَّهُ قُيِّدَ في كُلٍّ مِنهُما بِقَيْدٍ يُغايِرُ الآخَرَ فَصَحَّ التَّشْبِيهُ لِذَلِكَ. وقالَ المُحَقِّقُ مِيرْزاجانَ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الِاسْتِعارَةِ هاهُنا بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنْ يُشَبَّهَ الزَّمانُ المُسْتَقْبَلُ بِالزَّمانِ الماضِي ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّهُ كَما أنَّ الثّانِي ظَرْفُ أمْرٍ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ كَذَلِكَ الزَّمانُ الأوَّلُ واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الزَّمانِ الثّانِي وهو لَفْظُ
صفحة 88
الفِعْلِ الماضِي مِن جِهَةِ الصِّيغَةِ جُعِلَ دالًّا عَلى الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ المَصْدَرَ عَلى حالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعْناهُ فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الصِّيغَةِ والهَيْئَةِ أوْلى لِأنَّها الدّالَّةُ عَلى الزَّمانِ الماضِي وبِواسِطَتِها كانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ كَما كانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ بِواسِطَةِ المَصْدَرِ، والفَرْقُ أنَّ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ في الفِعْلِ بِواسِطَةِ جَوْهَرِهِ ومادَّتِهِ وفِيما نَحْنُ فِيهِ بِواسِطَةِ صُورَتِهِ، لا يُقالُ: الدّالُّ عَلى الزَّمانِ هو نَفْسُ اللَّفْظِ المُشْتَقِّ لا جُزْؤُهُ لِأنّا نَقُولُ: يَجْرِي هَذا الِاحْتِمالُ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَشْهُورَةِ بِأنْ يُقالَ: الدّالُّ عَلى المَعْنى الحَدَثِيِّ هو نَفْسُ اللَّفْظِ المُشْتَقِّ لا جُزْؤُهُ لِأنَّ المَصْدَرَ بِصِيغَتِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في المُشْتَقِّ فَإنَّ الضَّرْبَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في ضارَبَ وضَرَبَ. فَإنْ قُلْتَ: المَصْدَرُ لَفْظٌ مُسْتَقِلٌّ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ مَعْناهُ بِخِلافِ الهَيْئَةِ قُلْتُ: لَفْظُ الزَّمانِ الماضِي أيْضًا، كَذَلِكَ فَلا فَرْقَ في كُلٍّ مِنهُما: نَسْتَعِيرُ المَعْنى المُطابَقِيِّ لِلَّفْظِ الفِعْلِ بِواسِطَةِ المَعْنى التَّضَمُّنِيِّ لَهُ، ولا يَبْعُدُ أنَّ يُسَمّى مِثْلُ هَذا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، والأمْرُ في التَّسْمِيَةِ هَيِّنٌ لا اعْتِدادَ بِشَأْنِهِ، ولَعَلَّهم إنَّما جَعَلُوا الِاسْتِعارَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَصْدَرِ واعْتَبَرُوا التَّغايُرَ الِاعْتِبارِيَّ ولَمْ يَعْتَبِرُوا ما اعْتَبَرْنا مِن تَشْبِيهِ نَفْسِ الزَّمانِ بِالزَّمانِ حَتّى تَصِيرَ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ تَبَعِيَّةً بِلا تَكَلُّفٍ رِعايَةً لِطَيِّ النَّشْرِ بِقَدْرِ الإمْكانِ وأيْضًا في كَوْنِ الصِّيغَةِ والهَيْئَةِ جُزْءًا لِلَفْظٍ تَأمَّلْ، وأيْضًا الهَيْئَةُ لَيْسَتْ جُزْءًا مُسْتَقِلًّا كالمَصْدَرِ، وأيْضًا الهَيْئَةُ لَيْسَتْ لَفْظًا والِاسْتِعارَةٌ قِسْمٌ لِلَّفْظِ، ولَعَلَّ القَوْمَ لِهَذِهِ كُلِّها أوْ بَعْضِها لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ، ولِلْفاضِلِ مِيرِ صَدْرِ الدِّينِ رِسالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَعَرَّضَ فِيها لِلْمُحَقَّقِ في هَذا المَقامِ، وتَعَقَّبَها الفاضِلُ يُوسُفُ القَرْباغِيُّ بِرِسالَةٍ أطالَ الكَلامَ فِيها وجَرَّحَ وعَدَّلَ وذَكَرَ عِدَّةَ احْتِمالاتٍ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ومالَ إلى أنَّ الهَيْئَةَ لَفْظٌ مُحْتَجًّا بِما نَقَلَهُ مِن شَرْحِ المُخْتَصَرِ العَضُدِيِّ ومِن شَرْحِ الشَّرْحِ لِلْعَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ وأيَّدَهُ بِنُقُولٍ أُخَرَ فَلْيُراجَعْ ذَلِكَ فَإنَّهُ وإنْ كانَ في بَعْضِهِ نَظَرٌ لا يَخْلُو عَنْ فائِدَةٍ.
والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الهَيْئَةَ لَيْسَتْ بِلَفْظٍ ولَكِنَّها في حُكْمِهِ وأنَّهُ قَدْ يُتَصَرَّفُ فِيها بِالتَّجَوُّزِ كَما في الخَبَرِ إذا اسْتُعْمِلَ في الإنْشاءِ وإنَّ المَجازَ المُرْسَلَ يَكُونُ تَبَعِيًّا بِناءً عَلى ما ذَكَرُوهُ في وجْهِ التَّبَعِيَّةِ في الِاسْتِعارَةِ، وقَوْلُ الصَّدْرِ في الفَرْقِ: إنَّ العَلاقَةَ في الِاسْتِعارَةِ مَلْحُوظَةٌ حِينَ الإطْلاقِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ اسْمَ المُشَبَّهُ بِهِ لا يُطْلَقُ عَلى المُشَبَّهِ إلّا بَعْدَ دُخُولِهِ في جِنْسِ المُشَبَّهِ بِهِ بِخِلافِ المُرْسَلِ فَإنَّ العَلاقَةَ باعِثَةٌ لِلِانْتِقالِ ولَيْسَتْ مَلْحُوظَةً حِينَ الِاسْتِعْمالِ فَلا ضَرُورَةَ في القَوْلِ بِالتَّبَعِيَّةِ فِيهِ إنْ تَمَّ لا يُجْدِي نَفْعًا فافْهَمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي هاهُنا عَلى حَقِيقَتِهِ بِناءً عَلى أنَّ الفَتْحَ مَجازٌ عَنْ تَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ وهو مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الفَتْحِ ووُقُوعِهِ لِيَكُونَ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ النُّزُولِ مِثْلِهِ ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ رَبَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ أنْ يُسَهِّلَ أمْرَهُ وهو خِلافَتُهُ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها، وأُجِيبَ إلَيْهِ في مَوْقِفِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ولَمْ يُباشِرْ بَعْدُ شَيْئًا، وحَمْلُهُ عَلى الوَعْدِ بِإيتاءِ السُّؤالِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أظْهَرُ وأبْلَغُ، وفي مَجِيءِ المُسْتَقْبَلِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُحَقِّقِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبَرِ ما لا يَخْفى كَما في الكَشّافِ، وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأزْمِنَةَ كُلَّها عِنْدَهُ تَعالى عَلى السَّواءِ وأنَّ مُنْتَظِرَهُ كَمُحَقِّقِ غَيْرِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ أمْرًا تَحَقَّقَ لا مَحالَةَ وأنَّهُ لِجَلالَةِ شَأْنِهِ إذا أخْبَرَ عَنْ حادِثٍ فَهو كالكائِنِ لِما عِنْدَهُ مِن أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. واسْتُشْكِلَ أمْرُ المُضِيِّ في كَلامِهِ تَعالى بِناءً عَلى ثُبُوتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ الأزَلِيِّ لِلُزُومِ الكَذِبِ لِأنَّ صِدْقَ الكَلامِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ وُقُوعِ النِّسْبَةِ ولا يُتَصَوَّرُ السَّبْقُ عَلى الأزَلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَلامَهُ تَعالى النَّفْسِيَّ الأزَلِيَّ لا يَتَّصِفُ بِالماضِي وغَيْرِهِ لِعَدَمِ الزَّمانِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ تَحَقُّقَ
صفحة 89
هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ الأزَلِيَّ مَدْلُولُ اللَّفْظِيِّ عَسِيرٌ جِدًّا، وكَذا القَوْلُ بِأنَّ المُتَّصِفَ بِالمُضِيِّ وغَيْرِهِ إنَّما هو اللَّفْظُ الحادِثُ دُونَ المَعْنى القَدِيمِ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ العُسْرَ لَوْ كانَ دَلالَةُ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِ دَلالَةَ المَوْضُوعِ عَلى المَوْضُوعِ لَهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَهم بَلْ هي دَلالَةُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، ولا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِبارِ شَيْءٍ في الأثَرِ اعْتِبارُهُ في المُؤَثِّرِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ دَلالَةَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ ابْنُ الصَّدْرِ في ذَلِكَ: إنَّ اشْتِمالَ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ عَلى المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ المُخاطَبِ لا إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ كَما إذا أرْسَلْتَ زَيْدًا إلى عَمْرٍو تَكْتُبُ في مَكْتُوبِكَ إلَيْهِ إنِّي أرْسَلْتُ إلَيْكَ زَيْدًا مَعَ أنَّهُ حِينَ ما تَكْتُبُهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الإرْسالُ فَتُلاحِظُ حالَ المُخاطَبِ، وكَما تُقَدِّرُ في نَفْسِكَ مُخاطِبًا وتَقُولُ: لَمْ تَفْعَلِ الآنَ كَذا وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَذا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المُضِيَّ والحُضُورَ والِاسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الوُجُودِ المُقَدَّرِ لِهَذا المُخاطَبِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ لِكَوْنِهِ مُتَوَجِّهًا لِمُخاطَبٍ مُقَدَّرٍ لا يُلاحَظُ فِيهِ إلّا أزْمِنَةُ المُخاطَبِينَ المُقَدَّرِينَ، وما اعْتَبَرَهُ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ واعْتِبارِ المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالقِياسِ إلى زَمانِ الفِعْلِ لا زَمانِ التَّكَلُّمِ قَرِيبٌ مِنهُ جِدًّا انْتَهى، ولِلْمُحَقِّقِ مِيرْزاجانَ كَلامٌ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن حَواشِيهِ عَلى الشَّرْحِ العَضُدِيِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ الرُّومِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ فَإنَّهم غُلِبُوا عَلى الفُرْسِ في عامِ النُّزُولِ، وكَوْنُهُ فَتْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ فَتَحَقَّقَ ما أخْبَرَ بِهِ في ذَلِكَ العامِ ولِأنَّهُ تَفاءَلَ بِهِ لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ مِن ظُهُورِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما هو بِمَنزِلَةِ الفَتْحِ، قِيلَ: فَفي الفَتْحِ اسْتِعارَةٌ لِتَشْبِيهِ ظُهُورِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ فِيهِ وإنَّما التَّجَوُّزُ في تَعَلُّقِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ أصْلًا والمَعْنى فَتَحْنا عَلى الرُّومِ لِأجْلِكَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ الفَتْحِ عَلى ما ذَكَرَهُ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ فَتْحَ الرُّومِ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَلى الجِهادِ ونَحْوِهِ فَلا يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ في تَوْجِيهِ التَّعْلِيلِ الآتِي، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ ( فَتَحْنا ) مِنَ الفُتاحَةِ بِالضَّمِّ وهي الحُكُومَةُ أيْ إنّا قَضَيْنا لَكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ تَدْخُلَها أنْتَ وأصْحابُكَ مِن قابِلٍ لِتَطُوفُوا بِالبَيْتِ وهو بَعِيدٌ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإسْلامِ والنُّبُوَّةِ والدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّهُ فَتَحَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعُلُومِ والهِداياتِ الَّتِي هي ذَرِيعَةٌ إلى الثَّوابِ والمَقاماتِ المَحْمُودَةِ، وأمْرُهُ في البُعْدِ كَما سَبَقَ، وأيًّا ما كانَ فَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ والإيذانِ بِأنَّ مَناطَ التَّبْشِيرِ نَفْسُ الفَتْحِ الصّادِرِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا خُصُوصِيَّةُ المَفْتُوحِ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ مَعَ أنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُهُ عَلى سائِرِ المَفاعِيلِ كَما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِلِاهْتِمامِ بِكَوْنِ ذَلِكَ لِنَفْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَدارُ الفائِدَةِ، و(مُبِينٌ) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ اللّازِمِ أيْ فَتْحًا بَيِّنًا ظاهِرَ الأمْرِ مَكْشُوفَ الحالِ أوْ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
الفتح 48:2
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ اللّامِ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِتَشْبِيهِ مَدْخُولِها بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ في تَرَتُّبِهِ عَلى مُتَعَلِّقِها وتَرَتُّبِ المَغْفَرَةِ عَلى الفَتْحِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ سَعْيًا مِنهُ ﷺ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِمُكابَدَةِ مَشاقِّ الحُرُوبِ واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، والسَّلَفُ كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ وغَيْرُهُ يَقُولُونَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي شَرْحِ المَقاصِدِ لِلْعَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ أنَّ مِن بَعْضِ أدِلَّتِهِمْ- أيِ الأشاعِرَةِ- ومَن وافَقَهم عَلى هَذا المَطْلَبِ يُفْهِمُ أنَّهم أرادُوا عُمُومَ السَّلْبِ ومِن بَعْضِها أنَّهم أرادُوا سَلْبَ العُمُومِ، ثُمَّ قالَ: الحَقُّ أنَّ بَعْضَ
صفحة 90
أفْعالِهِ تَعالى مُعَلَّلٌ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ وذَلِكَ ظاهِرٌ والنُّصُوصُ شاهِدَةٌ بِهِ، وأمّا تَعْمِيمُ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو فِعْلٌ مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ مِن غَرَضٍ فَمَحَلُّ بَحْثٍ، وذَكَرَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ الطَّوالِعِ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وأكْثَرِ الفُقَهاءِ، وأنا أقُولُ: بِما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ لِوُجُودِ التَّعْلِيلِ فِيما يَزِيدُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ آيَةٍ وحَدِيثٍ، والتِزامُ تَأْوِيلِ جَمِيعِها خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ، وما يَذْكُرُهُ الحاضِرُونَ مِنَ الأدِلَّةِ يَدْفَعُ بِأدْنى تَأمُّلٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن طالَعَ كُتُبَ السَّلَفِيِّينَ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ. وفي الكَشّافِ لَمْ يَجْعَلِ الفَتْحَ عِلَّةً لِلْمَغْفِرَةِ لَكِنْ لِاجْتِماعِ ما عَدَّدَ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ وهي المَغْفِرَةُ وإتْمامُ النِّعْمَةِ وهِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ والنَّصْرُ العَزِيزُ كَأنَّهُ قِيلَ: يَسَّرْنا لَكَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَصَرْناكَ عَلى عَدُوِّكَ لِنَجْمَعَ لَكَ بَيْنَ عِزِّ الدّارَيْنِ وأغْراضَ العاجِلِ والآجِلِ، وحاصِلُهُ كَما قالَ العَلّامَةُ أنَّ الفَتْحَ لَمْ يُجْعَلْ عِلَّةً لِكُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفاتِ بَعْدَ اللّامِ أعْنِي المَغْفِرَةَ وإتْمامَ النِّعْمَةِ والهِدايَةَ والنَّصْرَ بَلْ لِاجْتِماعِها، ويَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في حُصُولِ البَعْضِ كَإتْمامِ النِّعْمَةِ والنَّصْرِ العَزِيزِ، وتَحْقِيقُهُ كَما قالَ إنَّ العَطْفَ عَلى المَجْرُورِ بِاللّامِ قَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مُتَعَلِّقِ اللّامِ مِثْلَ جِئْتُكَ لِأفُوزَ بِلُقْياكَ وأحُوزَ عَطاياكَ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ اللّامِ وعَطْفِ جارٍّ ومَجْرُورٍ عَلى جارٍّ ومَجْرُورٍ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مَعْنى اللّامِ كَجِئْتُكَ لِتَسْتَقِرَّ في مَقامِكَ وتَفِيضَ عَلَيَّ مِن إنْعامِكَ أيْ لِاجْتِماعِ الأمْرَيْنِ، ويَكُونُ مِن قَبِيلِ جاءَنِي غُلامُ زَيْدٍ وعَمْرٍو أيِ الغُلامُ الَّذِي لَهُما. واسْتُظْهِرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ البَعْضَ فَذِكْرُ الباقِي لَغْوٌ أنْ يُقالَ: لا يَخْلُو كُلٌّ مِنهُما أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ وهو ظاهِرٌ أوِ المَقْصُودُ البَعْضُ وحِينَئِذٍ فَذِكْرُ غَيْرِهِ إمّا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ أوْ لِشَدَّةِ ارْتِباطِهِ بِهِ أوْ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ فَيُذْكَرُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ وقَوْلُكَ: أعْدَدْتُ الخَشَبَ لِيَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ ولازَمْتُ غَرِيمِي لِأسْتَوْفِيَ حَقِّي وأُخَلِّيَهُ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المَقْصُودَ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعْلِيلُ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ فَحَسْبُ فَتَأمَّلْ لِتَعْرِفَ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ هو. واعْلَمْ أنَّ المَشْهُورَ كَوْنُ العِلَّةِ ما دَخَلَتْهُ اللّامُ لا ما تَعَلَّقَتْ بِهِ كَما هو ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ لَكِنْ حُقِّقَ أنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى الغايَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَعْدَها عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ التَّعَقُّلِ وأنْ يُقالَ: ما تَعَلَّقَتْ بِهِ عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ الوُجُودِ فَلا تَغْفَلْ. وزَعَمَ صاحِبُ الغَنِيّانِ أنَّ اللّامَ هاهُنا هي لامُ القَسَمِ وكُسِرَتْ وحُذِفَ النُّونُ مِنَ الفِعْلِ تَشْبِيهًا بِلامِ كَيْ. ورُدَّ بِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تُكْسَرُ ولا يُنْصَبُ بِها فَإنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ واللَّهِ لَيَقُومُ زَيْدٌ عَلى مَعْنى لَيَقُومَنَّ زَيْدٌ، وانْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ الكَسْرَ قَدْ عُلِّلَ بِتَشْبِيهِها بِلامِ كَيْ.
وأمّا النِّصْفُ فَلَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ: بِأنَّهُ لَيْسَ نَصْبًا وإنَّما هو الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ وُجُودِ النُّونِ بَقِيَتْ بَعْدَ حَذْفِها دَلالَةً عَلى الحَذْفِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُجْدِي نَفْعًا مَعَ عَدَمِ السَّماعِ، هَذا والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَتْبَعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنْ كُلَّ واحِدٍ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الغايَةِ مِن أفْعالِهِ تَعالى صادِرٌ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثِيَّةٍ غَيْرِ حَيْثِيَّةِ الآخَرِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
وقالَ الصَّدْرُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ تَعالى في مَقامِ المَغْفِرَةِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ المُشْعِرِ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ يُشْعِرُ بِسَبْقِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى عَلى عَذابِهِ. وفي البَحْرِ لَمّا كانَ الغُفْرانُ وما بَعْدَهُ يَشْتَرِكُ في إطْلاقِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( يَهْدِي مَن يَشاءُ ) وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ وكانَ الفَتْحُ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسْنَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وأسْنَدَ تِلْكَ الأشْياءَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وضَمِيرِهِ
صفحة 91
وهُوَ كَما تَرى وإنْ قالَهُ الإمامُ أيْضًا، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في إسْنادِ المَغْفِرَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالِاسْمِ الأعْظَمِ بَعْدَ إسْنادِ الفَتْحِ إلَيْهِ تَعالى بِنُونِ العَظَمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مِمّا يَتَوَلّاها سُبْحانَهُ بِذاتِهِ وأنَّ الفَتْحَ مِمّا يَتَوَلّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِالوَسائِطِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ عادَةَ العُظَماءِ أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِأنَّ ما يَصْدُرُ عَنْهم في الأكْثَرِ بِاسْتِخْدامِ تَوابِعِهِمْ، ولا يُعْتَرَضُ بِأنَّ النَّصْرَ كالفَتْحِ وقَدْ أُسْنِدَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وما لِلْعُمُومِ والمُتَقَدِّمُ والمُتَأخِّرُ لِلْإحاطَةِ كِنايَةً عَنِ الكُلِّ، والمُرادُ بِالذَّنْبِ ما فَرَّطَ مِن خِلافِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو مِن قَبِيلِ حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ ما هو ذَنْبٌ في نَظَرِهِ العالِي صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا ولا خِلافَ الأوْلى عِنْدَهُ تَعالى كَما يَرْمُزُ إلى ذَلِكَ الإضافَةُ.
وقالَ الصَّدْرُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ( لِيَغْفِرَ ) إلَخْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مِن غَيْرِ تَحَقُّقِ مَعانِي المُفْرَداتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ أنَّهُما قالا: ما تَقَدَّمَ في الجاهِلِيَّةِ وما تَأخَّرَ في الإسْلامِ، وقِيلَ: ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ مارِيَةَ وما تَأخَّرَ مِنِ امْرَأةِ زَيْدٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ مَعَ أنَّ العَكْسَ أوْلى لِأنَّ حَدِيثَ امْرَأةِ زَيْدٍ مُتَقَدِّمٌ. وفي الآيَةِ مَعَ ما عُهِدَ مِن حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كَثْرَةِ العِبادَةِ ما يَدُلُّ عَلى شَرَفِ مَقامِهِ إلى حَيْثُ لا تُحِيطُ بِهِ عِبارَةٌ، وقَدٌّ صَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ صامَ وصَلّى حَتّى انْتَفَخَتْ قَدَماهُ وتَعَبَّدَ حَتّى صارَ كالشَّنِّ البالِي فَقِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا بِنَفْسِكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ أوْ ما تَأخَّرَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِإعْلاءِ الدِّينِ وانْتِشارِهِ في البِلادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أفاضَهُ تَعالى عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وإقامَةِ الحُدُودِ، قِيلَ: إنَّ أصْلَ الِاسْتِقامَةِ وإنْ كانَ حاصِلًا قَبْلَ الفَتْحِ لَكِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ اتِّضاحِ سُبُلِ الحَقِّ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا قَبْلُ
الفتح 48:3
﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ النَّصْرِ قِيلَ: لِكَوْنِهِ خاتِمَةَ العِلَلِ أوِ الغاياتِ ولِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ إرْدافُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وقالَ الصَّدْرُ: أظْهَرَ الِاسْمَ في الصَّدْرِ وهُنا لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ والنَّصْرَ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَكَأنَّهُ أُشِيرَ بِإسْنادِ المَغْفِرَةِ والنَّصْرِ إلى صَرِيحِ اسْمِهِ تَعالى إلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ:
أظُهِرَتِ الجَلالَةُ هَنا إشارَةً إلى أنَّ النَّصْرَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ والصَّبْرُ بِاللَّهِ قالَ تَعالى: ﴿وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ لِأنَّهُ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ والعَزِيزُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو المَنصُورُ، وحَيْثُ وصَفَ بِهِ النَّصْرَ فَهو إمّا لِلنِّسْبَةِ وإنْ كانَ المَعْرُوفُ فِيها فاعِلًا كَلابِنٍ وفَعّالًا كَبَزّازٍ أيْ نَصْرًا فِيهِ عِزٌّ ومَنَعَةٌ، أوْ فِيهِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ مِن بابِ وصْفِ المَصْدَرِ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ وهو المَنصُورُ هُنا نَحْوَ ( عَذابٌ ألِيمٌ ) في قَوْلٍ لا الفاعِلُ وهو النّاصِرُ لِما قِيلَ مِن عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ وقِلَّةِ فائِدَتِهِ إذِ الكَلامُ في شَأْنِ المُخاطَبِ المَنصُورِ، لا المُتَكَلِّمِ النّاصِرِ وفِيهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَزِيزٌ صاحِبُهُ وهو المَنصُورُ وفِيهِ تَكَلُّفُ الحَذْفِ والإيصالِ.
وقَدْ يُقالُ: يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إذْ لا مانِعَ مِن وصْفِ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ عَلى ما هو الظّاهِرُ بِناءً عَلى أحَدِ مَعانِي العِزَّةِ
صفحة 92
وهُوَ قِلَّةُ الوُجُودِ وصُعُوبَةُ المَنالِ، والمَعْنى يَنْصُرُكَ اللَّهُ نَصْرًا يَقِلُّ وُجُودُ مِثْلِهِ ويَصْعُبُ مَنالُهُ، وقَدْ قالَ الرّاغِبُ بِهَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ورَأيْتُ ذَلِكَ لِلصَّدْرِ بَعْدَ أنْ كَتَبْتُهُ مِنَ الصَّدْرِ فَتَأمَّلْ ولا تَكُنْ ذا عَجْزٍ.
الفتح 48:4
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ بَيانٌ لِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ مِن مَبادِئِ الفَتْحِ، والمُرادُ بِالسَّكِينَةِ الطُّمَأْنِينَةُ والثَّباتُ مِنَ السُّكُونِ أيْ أنْزَلَها في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ الصُّلْحِ والأمْنِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَيْسِيرِ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، والمُرادُ بِإنْزالِها خَلْقُها وإيجادُها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالإنْزالِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِها.
وقالَ الرّاغِبُ: إنْزالُ اللَّهِ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدٍ إعْطاؤُهُ تَعالى إيّاها وذَلِكَ إمّا بِإنْزالِ الشَّيْءِ نَفْسَهُ كَإنْزالِ القُرْآنِ أوْ بِإنْزالِ أسْبابِهِ والهِدايَةِ إلَيْهِ كَإنْزالِ الحَدِيدِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: ( أنْزَلَ ) مِن نَزَلَ في مَكانِ كَذا حَطَّ رَحْلَهُ فِيهِ وأنْزَلَهُ غَيْرُهُ، فالمَعْنى حَطَّ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ قُلُوبُهم مَنزِلًا لَها ومَأْوًى، وقِيلَ: السَّكِينَةُ مَلَكٌ يَسْكُنُ قَلْبَ المُؤْمِنِ ويُؤَمِّنُهُ كَما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ لَتَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ، وأمْرُ الإنْزالِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: السَّكِينَةُ هي الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هي العَقْلُ ويُقالُ لَهُ سَكِينَةٌ إذا سَكَنَ عَنِ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ وعَنِ الرُّعْبِ، وقِيلَ: هي الوَقارُ والعَظَمَةُ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هي مِن سَكَنَ إلى كَذا مالَ إلَيْهِ أيْ أنْزَلَ في قُلُوبِهِمُ السُّكُونَ والمَيْلَ إلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الشَّرائِعِ، وأرْجَحُ التَّفاسِيرِ هُنا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ السَّكِينَةَ شَيْءٌ لَهُ رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ فَما أراهُ قَوْلًا يَصِحُّ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ أيْ يَقِينًا مَعَ يَقِينِهِمْ بِرُسُوخِ العَقِيدَةِ واطْمِئْنانِ النُّفُوسِ عَلَيْها عَلى أنَّ الإيمانَ لَمّا ثَبَتَ في الأزْمِنَةِ نَزَلَ تَجَدُّدُ أزْمانِهِ مَنزِلَةَ تَجَدُّدِهِ وازْدِيادِهِ فاسْتُعِيرَ لَهُ ذَلِكَ ورُشِّحَ بِكَلِمَةِ مَعَ، وقِيلَ: ازْدِيادُ الإيمانِ بِازْدِيادِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أوَّلَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ التَّوْحِيدُ ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ثُمَّ الحَجُّ والجِهادُ فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ، ومَن قالَ: الأعْمالُ مِنَ الإيمانِ قالَ بِأنَّهُ نَفْسُهُ أيِ الإيمانُ المُرَكَّبُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ولَمْ يَحْتَجْ في الآيَةِ إلى تَأْوِيلٍ بَلْ جَعَلَها دَلِيلًا لَهُ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ ذَهَبَ جُمْهُورُ الأشاعِرَةِ والقَلانِسِيُّ والفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ والمُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ، وقالَ البُخارِيُّ: لَقِيتُ أكْثَرَ مِن ألْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَماءِ بِالأمْصارِ فَما رَأيْتُ أحَدًا مِنهم يَخْتَلِفُ في أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ ويَزِيدُ ويَنْقُصُ، واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَفاوَتْ حَقِيقَةُ الإيمانِ لَكانَ إيمانُ آحادِ الأُمَّةِ المُنْهَمِكِينَ في الفِسْقِ والمَعاصِي مُساوِيًا لِإيمانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَثَلًا واللّازِمُ باطِلٌ فَكَذا المَلْزُومُ، وأمّا الثّانِي فَلِكَثْرَةِ النُّصُوصِ في هَذا المَعْنى، مِنها الآيَةُ المَذْكُورَةُ، ومِنها ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ قالَ: نَعَمْ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ ويَنْقُصَ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ».
ومِنها ما رَوِيَ عَنْ عُمَرَ وجابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا «(لَوْ وُزِنَ إيمانُ أبِي بَكْرٍ بِإيمانِ هَذِهِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ بِهِ)».
واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الطّاعاتِ داخِلَةً في مُسَمّاهُ أوْلى وأحَقُّ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ ذَلِكَ إذا كانَ مُسَمّاهُ التَّصْدِيقَ وحْدَهُ.
أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ لا مَرْتَبَةَ فَوْقَ كُلِّ الأعْمالِ لِتَكُونَ زِيادَةً ولا إيمانَ دُونَهُ لِيَكُونَ نَقْصًا، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَكْمِلُ
صفحة 93
الإيمانَ حِينَئِذٍ والزِّيادَةُ عَلى ما لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ مُحالٌ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ القائِلِينَ بِانْتِفاءِ الإيمانِ بِانْتِفاءِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، والجَماعَةُ إنَّما يَقُولُونَ: إنَّها شَرْطُ كَمالٍ في الإيمانِ فَلا يَلْزَمُ عِنْدَ الِانْتِفاءِ إلّا انْتِفاءُ الكَمالِ وهو غَيْرُ قادِحٍ في أصْلِ الإيمانِ.
وقالَ النَّوَوِيُّ وجَماعَةٌ مُحَقِّقُونَ مِن عُلَماءِ الكَلامِ: إنَّ الإيمانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ يَزِيدُ ويَنْقُصُ أيْضًا بِكَثْرَةِ النَّظَرِ ووُضُوحِ الأدِلَّةِ وعَدَمِ ذَلِكَ، ولِهَذا كانَ إيمانُ الصِّدِّيقِينَ أقْوى مِن إيمانِ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لا تَعْتَرِيهِ الشُّبَهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِهِ يَتَفاضَلُ حَتّى يَكُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ أعْظَمَ يَقِينًا وإخْلاصًا مِنهُ في بَعْضِها فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ والمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ ظُهُورِ البَراهِينِ وكَثْرَتِها. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَتى قَبِلَ ذَلِكَ كانَ شَكًّا.
ودُفِعَ بِأنَّ مَراتِبَ اليَقِينِ مُتَفاوِتَةٌ إلى عِلْمِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ مَعَ أنَّها لا شَكَّ مَعَها ومِمَّنْ وافَقَ النَّوَوِيَّ عَلى ما جَزَمَ بِهِ السَّعْدُ في القِسْمِ الثّانِي مِن تَهْذِيبِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أعْظَمُهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ وتَبِعَهُ أصْحابُهُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: الإيمانُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ البالِغِ حَدَّ الجَزْمِ والإذْعانِ وهَذا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانُ، فالمُصَدِّقُ إذا ضَمَّ إلَيْهِ الطّاعاتِ أوِ ارْتَكَبَ المَعاصِيَ فَتَصْدِيقُهُ بِحالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أصْلًا وإنَّما يَتَفاوَتُ إذا كانَ اسْمًا لِلطّاعاتِ المُتَفاوِتَةِ قِلَّةً وكَثْرَةً. وأجابُوا عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ، مِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا مِن أنَّ الزِّيادَةَ بِحَسَبِ الدَّوامِ والثَّباتِ وكَثْرَةِ الزَّمانِ والأوْقاتِ. وإيضاحُهُ ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ:
النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْضُلُ مَن عَداهُ بِاسْتِمْرارِ تَصْدِيقِهِ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن مُخامَرَةِ الشُّكُوكِ، والتَّصْدِيقُ عَرَضٌ لا يَبْقى بِشَخْصِهِ بَلْ بِتَجَدُّدِ أمْثالِهِ فَتَقَعُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَوالِيَةً ولِغَيْرِهِ عَلى الفَتَراتِ فَثَبَتَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْدادٌ مِنَ الإيمانِ لا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إلّا بَعْضُها فَيَكُونُ إيمانُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرَ، والزِّيادَةُ بِهَذا المَعْنى قِيلَ مِمّا لا نِزاعَ فِيها.
واعْتُرِضَ بِأنَّ حُصُولَ المِثْلِ بَعْدَ انْعِدامِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ زِيادَةً فِيهِ كَسَوادِ الجِسْمِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ أعْدادٍ حَصَلَتْ وعَدَمُ البَقاءِ لا يُنافِي ذَلِكَ، ومِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ ثانِيًا مِن أنَّ المُرادَ الزِّيادَةُ بِحَسَبِ زِيادَةِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، والصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ آمَنُوا أوَّلًا بِما آمَنُوا بِهِ وكانَتِ الشَّرِيعَةُ لَمْ تَتِمَّ وكانَتِ الأحْكامُ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَتَجَدَّدُ مِنها ولا شَكَّ في تَفاوُتِ إيمانِ النّاسِ بِمُلاحَظَةِ التَّفاصِيلِ كَثْرَةً وقِلَّةً ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإمْكانِ الِاطِّلاعِ عَلى التَّفاصِيلِ في غَيْرِهِ مِنَ العُصُورِ أيْضًا، ومِنها أنَّ المُرادَ زِيادَةُ ثَمَرَتِهِ وإشْراقُ نُورِهِ في القَلْبِ فَإنَّ نُورَ الإيمانِ يَزِيدُ بِالطّاعاتِ ويَنْقُصُ بِالمَعاصِي، قِيلَ: وهَذا إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ قاطِعٍ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ التَّصْدِيقِ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ ومَتى لَمْ يَقُمْ قاطِعٌ عَلى ذَلِكَ كانَ الأوْلى إبْقاءَ الظَّواهِرِ عَلى حالِها، وقالَ الخَطّابِيُّ: الإيمانُ قَوْلٌ وهو لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ وعَمَلٌ وهو يَزِيدُ ويَنْقُصُ واعْتِقادٌ وهو يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ فَإذا نَقَصَ ذَهَبَ، واعْتُرِضَ أنَّهُ إذا زادَ ثُمَّ عادَ إلى ما كانَ فَقَدْ نَقَصَ ولَمْ يَذْهَبْ.
ودُفِعَ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّ الِاعْتِقادَ بِاعْتِبارِ أوَّلِ مَراتِبِهِ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لا أنَّ الِاعْتِقادَ مُطْلَقًا كَذَلِكَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الإمامُ الرّازِيُّ. وإمامُ الحَرَمَيْنِ إلى أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ وذَلِكَ بِحَمْلِ قَوْلِ النَّفْيِ عَلى أصْلِ الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ فَلا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وحَمْلُ قَوْلِ الأثْباتِ عَلى ما بِهِ كَمالُهُ وهو الأعْمالُ فَيَكُونُ الخِلافُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَرْعَ الخِلافِ في تَفْسِيرِ الإيمانِ، والحَقُّ أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِما سَمِعْتُ عَنِ الإمامِ النَّوَوِيِّ ومَن مَعَهُ مِن أنَّ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ مِن خَواصِّ الحُكْمِ، والتَّصْدِيقُ قِسْمٌ مِنَ العِلْمِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّهُ
صفحة 94
مِن مَقُولَةِ الكَمِّ وإنَّما قِيلَ هو كَيْفٌ أوِ انْفِعالٌ أوْ إضافَةٌ وتَعَلُّقٌ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ أوْ صِفَةٌ ذاتَ إضافَةٍ والأشْهُرُ أنَّهُ كَيْفٌ فَمَتى صَحَّ ذَلِكَ وقُلْنا بِمُغايَرَةِ الشِّدَّةِ والضَّعْفِ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ فَلا بَأْسَ بِحَمْلِهِما في النُّصُوصِ وغَيْرِها عَلى الشِّدَّةِ والضَّعْفِ وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وإنْكارُ اتِّصافِ الإيمانِ بِهِما يَكادُ يَلْحَقُ بِالمُكابَرَةِ فَتَأمَّلْ، وذَكَرَ بَعْضُهم هُنا أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو مَدْخُولٌ مَعَ هو الإيمانُ الفِطْرِيُّ والإيمانُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ الإيمانُ الِاسْتِدْلالِيُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَزْدادُوا إيمانًا اسْتِدْلالِيًّا مَعَ إيمانِهِمُ الفِطْرِيِّ، وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها كَيْفَما يُرِيدُ فَيُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضِ تارَةً ويُوقِعُ سُبْحانَهُ بَيْنَها السِّلْمَ أُخْرى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ ما وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ ﴿حَكِيمًا﴾ في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ.
الفتح 48:5
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ جُنُودِ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ مِن مَعْنى التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ أيْ دَبَّرَ سُبْحانَهُ ما دَبَّرَ مِن تَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ لِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ ويَشْكُرُوها فَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ فالعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ وشُكْرُها لَكِنَّها لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ أُقِيمَ المُسَبِّبُ مَقامَ السَّبَبِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفَتَحْنا، وقِيلَ: بِأنْزَلَ، وتَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ مَعَ تَعَلُّقِ اللّامِ الأُخْرى بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ مُطْلَقًا والثّانِي مُقَيَّدًا، وتَنْزِيلُ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتَيْنِ وإلّا فَلا يَتَعَلَّقُ بِعامِلٍ واحِدٍ حَرْفا جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ مِن غَيْرِ اتِّباعٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَنْصُرْكَ“، وقِيلَ: بِـ ”يَزْدادَ“، وقِيلَ: بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ إمّا عَلى التَّنازُعِ والتَّقْدِيرِ أوْ بِتَقْدِيرِ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ كَفَعَلَ سُبْحانَهُ ما ذُكِرَ لِيُدْخِلَ إلَخْ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن لِيَزْدادَ بَدَلَ اشْتِمالٍ فَإنَّ إدْخالَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ الجَنَّةِ وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَلْزِمٌ لِزِيادَةِ الإيمانِ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ يَعْتَمِدُ عَلى مُلابَسَةِ ما بَيْنَ المُبْدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِحَيْثُ يُشْعِرُ أحَدُهُما بِالآخَرِ غَيْرَ الكُلِّيَّةِ والبَعْضِيَّةِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ الوَجْهُ الأوَّلُ، وضَمُّ المُؤْمِناتِ هاهُنا إلى المُؤْمِنِينَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِالذُّكُورِ لِأجْلِ الجِهادِ والفَتْحِ عَلى أيْدِيهِمْ، وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ يُصَرَّحُ بِذِكْرِ النِّساءِ، ويُقالُ نَحْوَ ذَلِكَ فِيما بَعْدُ كَذا قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «(أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ في مَرْجِعِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فَقالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَلى الأرْضِ ثُمَّ قَرَأها عَلَيْهِمْ فَقالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ماذا يَفْعَلُ بِكَ فَماذا يَفْعَلُ بِنا فَنَزَلَتْ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حَتّى بَلَغَ فَوْزًا عَظِيمًا)».
﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ يُغَطِّيها ولا يُظْهِرُها، والمُرادُ يَمْحُوها سُبْحانَهُ ولا يُؤاخِذُهم بِها، وتَقْدِيمُ الإدْخالِ في الذِّكْرِ عَلى التَّكْفِيرِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ عَلى العَكْسِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما هو المَطْلُوبُ إلّا عَلى كَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ التَّكْفِيرُ في الجَنَّةِ عَلى أنَّ المَعْنى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ويُغَطِّي سَيِّئاتِهِمْ ويَسْتُرُها عَنْهم فَلا تَمُرُّ لَهم بِبالٍ ولا يَذْكُرُونَها أصْلًا لِئَلّا يَخْجَلُوا فَيَتَكَدَّرَ صَفْوُ عَيْشِهِمْ، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ ذَلِكَ.
﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الإدْخالِ والتَّكْفِيرِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ مِن جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضُرٍّ، و( عِنْدَ اللَّهِ ) حالٌ مِن ( فَوْزًا ) لِأنَّ صِفَةَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ عَلَيْها
صفحة 95
أُعْرِبَتْ حالًا، وكَوْنُهُ يَجُوزُ فِيهِ الحالِيَّةُ إذا تَأخَّرَ عَنْ ( عَظِيمًا ) لا ضَيْرَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ أيْ كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أيْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقَضائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ،
الفتح 48:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ عُطِفَ عَلى يُدْخِلَ أيْ ولِيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إلَخْ لِيَغِيظَهم مِن ذَلِكَ، وهو ظاهِرٌ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ في ﴿لِيُدْخِلَ﴾ حَتّى وجْهِ البَدَلِيَّةِ فَإنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ تُصَحِّحُهُ المُلابَسَةُ كَما مَرَّ، وازْدِيادُ الإيمانِ عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِهِ مِمّا يَغِيظُهم بِلا رَيْبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ عَطْفًا عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم أكْثَرُ ضَرَرًا عَلى المُسْلِمِينَ فَكانَ في تَقْدِيمِ تَعْذِيبِهِمْ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ.
﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أيْ ظَنَّ الأمْرِ الفاسِدِ المَذْمُومِ وهو أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرَ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ مِنَ الشِّرْكِ أوْ غَيْرِهِ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَهو حائِقٌ بِهِمْ ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دائِرَةُ السُّوءِ) بِالضَّمِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ( السَّوْءِ ) بِالفَتْحِ عَلى ما في الصِّحاحِ أنَّ المَفْتُوحَ مَصْدَرٌ والمَضْمُومَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى المَساءَةِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى كالكُرْهِ والكَرْهِ عِنْدَ الكِسائِيِّ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ غَيْرَ أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ والمَضْمُومَ جَرى مَجْرى الشَّرِّ، ولَمّا كانَتِ الدّائِرَةُ هُنا مَحْمُودَةً وأُضِيفَتْ إلى المَفْتُوحِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ تَعَيَّنَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاكَ عَلى تَأْوِيلِ أنَّها مَذْمُومَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن دارَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، واسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ أكْثَرُ وهي مَصْدَرٌ بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ أوِ اسْمِ فاعِلٍ، وإضافَتُها عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْبَيانِ عَلى المُبالَغَةِ، وفي الكَشْفِ الإضافَةُ بِمَعْنى مِن عَلى نَحْوِ دائِرَةِ ذَهَبَ فَتَدَبَّرْ.
والكَلامُ إمّا إخْبارٌ عَنْ وُقُوعِ السُّوءِ بِهِمْ أوْ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وكانَ الظّاهِرُ فَلَعَنَهم فَأُعِدَّ بِالفاءِ في المَوْضِعَيْنِ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقِلٌّ في الوَعِيدِ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِلسَّبَبِيَّةِ فِيهِ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ جَهَنَّمُ
الفتح 48:7
﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ذُكِرَ سابِقًا عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُدَبِّرُ لِأمْرِ المَخْلُوقاتِ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وهاهُنا أُرِيدَ بِهِ التَّهْدِيدُ بِأنَّهم في قَبْضَةِ قُدْرَةِ المُنْتَقِمِ ولِذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فَلا تَكْرارَ كَما قالَ الشِّهابُ، وقِيلَ: إنَّ الجُنُودَ جُنُودُ رَحْمَةٍ وجُنُودُ عَذابٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِزَّةِ.
الفتح 48:8
﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ أيْ عَلى أُمَّتِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ وشاهِدًا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا ﴿ومُبَشِّرًا﴾ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ﴿ونَذِيرًا﴾ بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ
الفتح 48:9
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ وهو مِن بابِ التَّغْلِيبِ غُلِّبَ فِيهِ المُخاطَبُ عَلى الغَيْبِ فَيُفِيدُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِرِسالَتِهِ كالأُمَّةِ وهو كَذَلِكَ، وقالَ الواحِدِيُّ: الخِطابُ في ( أرْسَلْناكَ ) لِلنَّبِيِّ ﷺ وفي ( لِتُؤْمِنُوا ) لِأُمَّتِهِ فَعَلى هَذا إنْ كانَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ يَكُونُ المُعَلَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وكَيْتَ وكَيْتَ فَعَلَ ذَلِكَ الإرْسالُ أوْ لِلْأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) عَلى قِراءَةِ التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ فَقِيلَ هو عَلى مَعْنى قُلْ لَهُمْ: لِتُؤْمِنُوا إلَخْ، وقِيلَ: هو لِلْأُمَّةِ عَلى أنَّ خِطابَهُ ﷺ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ خِطابِهِمْ فَهو عَيْنُهُ ادِّعاءٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا، ولا يُعْتَرَضُ
صفحة 96
عَلَيْهِ بِما قَرَّرَهُ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يُخاطَبَ في كَلامٍ واحِدٍ اثْنانِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ أوْ تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّنْزِيلِ لا تَعَدُّدَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ غَيْرُ مُخاطَبِينَ في الحَقِيقَةِ فَخِطابُهم في حُكْمِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: الِامْتِناعُ المَذْكُورُ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُخاطَبِينَ مُسْتَقِلًّا، أمّا إذا كانَ أحَدُهُما داخِلًا في خِطابِ الآخَرِ بِرِسالَتِهِ فَلا امْتِناعَ كَما يُعْلَمُ مِن تَتَبُّعِ كَلامِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ خِطابُ الأُمَّةِ أيْضًا مِن غَيْرِ تَغْلِيبٍ، والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ وما ذُكِرَ سابِقًا سالِمٌ عَنِ القالِ والقِيلِ.
﴿وتُعَزِّرُوهُ﴾ أيْ تَنْصُرُوهُ كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ونُصْرَتُهُ سُبْحانَهُ بِنُصْرَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﷺ ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ أيْ تُعَظِّمُوهُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، والضَّمِيرُ لَهُ تَعالى أيْضًا، وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ ﷺ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ في ( تُعَزِّرُوهُ ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّعْزِيرَ لا يَكُونُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يَتَعَيَّنُ عِنْدَ الكُلِّ كَوْنُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُسَبِّحُوهُ﴾ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا لِئَلّا يَلْزَمَ فَكُّ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ أيْ وتُنَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى أوْ تُصَلُّوا لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ السُّبْحَةِ ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا، والمُرادُ ظاهِرُهُما أوْ جَمِيعُ النَّهارِ ويُكَنّى عَنْ جَمِيعِ الشَّيْءِ بِطَرَفَيْهِ كَما يُقالُ شَرْقًا وغَرْبًا لِجَمِيعِ الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ الظُّهْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الأرْبَعَةَ. أعْنِي لِتُؤْمِنُوا وما بَعْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما قَرَءا (ويُسَبِّحُوا اللَّهَ) بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مَكانَ الضَّمِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تَعْزُرُوهُ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وضَمِّ الزّايِ مُخَفَّفًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ فَتْحُ التّاءِ وكَسْرُ الزّايِ مُخَفَّفًا ورُوِيَ هَذا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُخَفَّفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ اليَمانِيِّ ( تُعَزِّزُوهُ) بِزاءَيْنِ مِنَ العِزَّةِ أيْ تَجْعَلُوهُ عَزِيزًا وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﷺ كَذَلِكَ. وقُرِئَ (وتُوَقِّرُوهُ) مِن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ
الفتح 48:10
﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى المَوْتِ في نُصْرَتِكَ كَما رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ وغَيْرِهِ أوْ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا مِن قُرَيْشٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في تَفْصِيلِ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُبايَعَةُ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ البَيْعِ يُقالُ: بايَعَ السُّلْطانَ مُبايَعَةً إذا ضَمِنَ بِذَلِكَ الطّاعَةَ لَهُ بِما رَضَخَ لَهُ، وكَثِيرًا ما تُقالُ عَلى البَيْعَةِ المَعْرُوفَةِ لِلسَّلاطِينِ ونَحْوِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ رَضَخَ، وما وقَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ قِيلَ يُشِيرُ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن بَيْعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإطاعَتِهِ إطاعَةُ اللَّهِ تَعالى وامْتِثالُ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فَمُبايَعَةُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ مُشاكَلَةٌ أوْ هو صِرْفُ مَجازٍ، وقُرِئَ (إنَّما يُبايِعُونَ لِلَّهِ) أيْ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى ولِوَجْهِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما يُبايِعُونَكَ لِلَّهِ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المُبايَعَةِ. قالَ في الكَشّافِ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ أكَّدَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ فَقالَ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ وأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوارِحِ وصِفاتِ الأجْسامِ وإنَّما المَعْنى تَقْرِيرُ أنَّ عَقْدَ المِيثاقِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ كَعَقْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنِهِما. وفي المِفْتاحِ أمّا حُسْنُ الِاسْتِعارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ فَبِحَسَبِ حُسْنِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ مَتّى كانَتْ
صفحة 97
تابِعَةً لَها كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ بَيْنَ أنْيابِ المَنِيَّةِ ومَخالِبِها ثُمَّ إذا انْضَمَّ إلَيْها المُشاكَلَةُ كَما في ( يَدُ اللَّهِ ) إلَخْ كانَتْ أحْسَنَ وأحْسَنَ، يَعْنِي أنَّ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ تَشْبِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمُبايِعِ، واليَدُ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ مَعَ أنَّ فِيها أيْضًا مُشاكَلَةً لِذِكْرِها مَعَ أيْدِي النّاسِ، وامْتِناعُ الِاسْتِعارَةِ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو في الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ دُونَ المَكْنِيَّةِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ إطْلاقُ اسْمِهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ اليَدُ القُوَّةُ أيْ قُوَّةُ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ أيْ ثِقْ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَكَ لا بِنُصْرَتِهِمْ وإنْ بايَعُوكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ أوْ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الطّاعَةِ أوْ يَدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في المِنَّةِ عَلَيْهِمْ في الهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الطّاعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِمْ لِمُبايَعَتِكَ فَوْقَ نِعْمَتِهِمْ وهي مُبايَعَتُهم إيّاكَ وأعْظَمُ مِنها، وفِيهِ شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ تَأْوِيلاتٌ ارْتَكَبَها الخَلَفُ وأحْسَنُها ما ذُكِرَ أوَّلًا، والسَّلَفُ يَمُرُّونَ الآيَةَ كَما جاءَتْ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الجَوارِحِ وصِفاتِ الأجْسامِ وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في جَمِيعِ المُتَشابِهاتِ ويَقُولُونَ: إنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الذّاتِ وأنّى ذَلِكَ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ لِإنَّ، وكَذا جُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( يُبايِعُونَكَ ) وفي جَوازِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها اسْمِيَّةً غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِالواوِ كَلامٌ ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ نَقَضَ العَهْدَ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ فَلا يَعُودُ ضَرَرُ نَكْثِهِ إلّا عَلَيْهِ، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ما نَكَثَ أحَدٌ البَيْعَةَ إلّا جَدَّ بْنَ قَيْسٍ وكانَ مُنافِقًا، والَّذِي نَقَلَهُ الطَّيِّبِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُبايِعْ لا أنَّهُ بايَعَ ونَكَثَ قالَ: سُئِلَ جابِرٌ كَمْ كانُوا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؟ قالَ: كُنّا أرْبَعَ عَشْرَ مِائَةٍ فَبايَعْناهُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وهي سَمُرَةٌ فَبايَعْناهُ غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الأنْصارِيِّ اخْتَفى تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ ولَمْ يَسِرْ مَعَ القَوْمِ، ولَعَلَّ هَذا هو الأوْفَقُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ﴾ .
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يَنْكِثُ) بِكَسْرِ الكافِ ﴿ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجَنَّةُ وما يَكُونُ فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويُقالُ: وفى بِالعَهْدِ وأوْفى بِهِ إذا تَمَّمَهُ وأوْفى لُغَةُ تِهامَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .
﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ وقُرِئَ (بِما عَهِدَ) ثُلاثِيًّا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلَيْهِ) بِكَسْرِ الهاءِ كَما هو الشّائِعُ وضَمَّها حَفْصٌ هُنا، قِيلَ: وجْهُ الضَّمِّ أنَّها هاءُ هو وهي مَضْمُومَةٌ فاسْتَصْحَبَ ذَلِكَ كَما في لَهُ وضَرَبَهُ، ووَجْهُ الكَسْرِ رِعايَةُ الياءِ وكَذا في إلَيْهِ وفِيهِ وكَذا فِيما إذا كانَ قَبْلَها كَسْرَةٌ نَحْوَ بِهِ ومَرَرْتُ بِغُلامِهِ لِثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَّمِّ، وحَسَّنَ الضَّمَّ في الآيَةِ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى تَفْخِيمِ لَفْظِ الجَلالَةِ المُلائِمِ لِتَفْخِيمِ أمْرِ العَهْدِ المُشْعِرِ بِهِ الكَلامُ، وأيْضًا إبْقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ مُلائِمٌ لِلْوَفاءِ بِالعَهْدِ وإبْقائِهِ وعَدَمِ نَقْضِهِ، وقَدْ سَألْتُ كَثِيرًا مِنَ الأجِلَّةِ وأنا قَرِيبُ عَهْدٍ بِفَتْحِ فَمِي لِلتَّكَلُّمِ عَنْ وجْهِ هَذا الضَّمِّ هُنا فَلَمْ أُجَبْ بِما يَسْكُنُ إلَيْهِ قَلْبِي ثُمَّ ظَفِرْتُ بِما سَمِعْتَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ورَوْحٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (فَسَنُؤْتِيهِ) بِالنُّونِ.
الفتح 48:11
﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ ودَخَلَ كَلامُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعَرابِ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وغِفارٌ وأشْجَعُ والدِّيلُ وأسْلَمُ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 98
حِينَ أرادَ المَسِيرَ إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذِرًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ وأحْرَمَ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُرِيدُ حَرْبًا ورَأى أُولَئِكَ الأعْرابُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَقْبِلُ عَدَدًا عَظِيمًا مِن قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وكِنانَةَ والقَبائِلِ المُجاوِرِينَ مَكَّةَ وهُمُ الأحابِيشُ ولَمْ يَكُنِ الإيمانُ تَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ فَقَعَدُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخَلَّفُوا وقالُوا: نَذْهَبُ إلى قَوْمٍ قَدْ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَنُقاتِلُهم وقالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أصْحابُهُ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ واعْتِذارِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ فَكانَ كَذَلِكَ ( والمُخَلَّفُونَ ) جَمْعُ مُخَلَّفٍ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو المَتْرُوكُ في المَكانِ خَلْفَ الخارِجِينَ مِنَ البَلَدِ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ وضِدُّهُ المُقَدَّمُ، ( والأعْرابِ ) في المَشْهُورِ سُكّانُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ لا واحِدَ لَهُ أيْ سَيَقُولُ لَكَ المَتْرُوكُونَ الغَيْرُ الخارِجِينَ مَعَكَ مُعْتَذِرِينَ إلَيْكَ ﴿شَغَلَتْنا﴾ عَنِ الذَّهابِ مَعَكَ ﴿أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنا مَن يَقُومُ بِحِفْظِ ذَلِكَ ويَحْمِيهِ عَنِ الضَّياعِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأهْلِ بَعْدَ الأمْوالِ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ حِفْظَ الأهْلِ عِنْدَ ذَوِي الغَيْرَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ نُوحِ بْنِ بازانَ (شَغَّلَتْنا) بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ اللَّهَ تَعالى لِيَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَكاسُلٍ في طاعَتِكَ بَلْ لِذَلِكَ الدّاعِي ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ كَلامَهم مِن طَرَفِ اللِّسانِ غَيْرُ مُطابِقٍ لِما في الجِنانِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وكَوْنُها بَدَلًا مِن ( سَيَقُولُ ) غَيْرُ ظاهِرٍ، والكَذِبُ راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الخَبَرِ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِأنَّهُ لِضَرُورَةٍ داعِيَةٍ لَهُ وهو القِيامُ بِمَصالِحِهِمُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها وعَدَمُ مَن يَقُومُ بِها لَوْ ذَهَبُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ (اسْتَغْفِرْ) الإنْشاءَ مِنِ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم مُذْنِبُونَ وأنَّ دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم يُفِيدُهم فائِدَةً لازِمَةً لَهُمْ، أوْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَذِبًا لَيْسَ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ نِسْبَةِ الِاعْتِقادِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ النِّظامُ بَلْ لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ الواقِعَ بِحَسَبِ الِاعْتِقادِ وفُرِّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ بِتِلْكَ الأباطِيلِ، والمِلْكُ إمْساكٌ بِقُوَّةٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الضَّبْطِ وهو حِفْظٌ عَنْ حَزْمٍ، ومِنهُ لا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ ومَلَكْتُ العَجِينَ إذا شَدَدْتَ عَجْنَتَهُ، ومَلَكْتُ الشَّيْءَ إذا دَخَلَ تَحْتَ ضَبْطِكَ دُخُولًا تامًّا، وإذا قُلْتَ: لا أمْلِكُ كانَ نَفْيًا لِلِاسْتِطاعَةِ والطّاقَةِ إمْساكًا ومَنعًا، فَأصْلُ المَعْنى هُنا فَمَن يَسْتَطِيعُ لَكم إمْساكَ شَيْءٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ أرادَ بِكم إلَخْ، واللّامُ مِن ( لَكم ) إمّا لِلْبَيانِ أوْ مِن صِلَةِ الفِعْلِ لِأنَّ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، و( مِنَ اللَّهِ ) حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ أعْنِي شَيْئًا مُقَدَّمَةٌ، وتَفْسِيرُ المِلْكِ بِالمَنعِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ الإمْساكَ والدَّفْعَ فَلا يُمْكِنُهُ المَنعُ ولَيْسَ ذَلِكَ لِجَعْلِهِ مَجازًا عَنْهُ أوْ مُضَمَّنًا إيّاهُ واللّامُ زائِدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ و( مِنَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِيَمْلِكُ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِالضُّرِّ والنَّفْعِ ما يَضُرُّ وما يَنْفَعُ فَهُما مَصْدَرانِ مُرادٌ بِهِما الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ أوْ مُؤَوَّلانِ بِالوَصْفِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ضُرًّا) بِضَمِّ الضّادِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ قُلْ لَهم إذْ لا أحَدٌ يَدْفَعُ ضُرَّهُ ولا نَفْعَهُ تَعالى فَلَيْسَ الشُّغْلُ بِالأهْلِ والمالِ عُذْرًا فَلا ذاكَ يَدْفَعُ الضُّرَّ إنْ أرادَهُ عَزَّ وجَلَّ ولا مُغافَصَةُ العَدُوِّ تَمْنَعُ
صفحة 99
النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا، وهَذا كَلامٌ جامِعٌ في الجَوابِ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْطِلِينَ وبِجَلالَةِ مَحَلِّ المُحِقِّينَ ثُمَّ تَرَقّى سُبْحانَهُ مِنهُ إلى ما يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ ﴿خَبِيرًا﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ تَخَلُّفَكم وقَصْدَكم فِيهِ ويُجازِيكم عَلى ذَلِكَ،
الفتح 48:12
ثُمَّ خَتَمَ جَلَّ وعَلا بِمَكْنُونِ ضَمائِرِهِمْ ومَخْزُونِ ما أُعِدَّ لَهم عِنْدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُورًا﴾ وفي الِانْتِصافِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ﴾ إلَخْ لَفًّا ونَشْرًا والأصْلُ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضُرًّا أوْ مَن يَحْرِمُكُمُ النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا لِأنَّ مَن يَمْلِكُ يُسْتَعْمَلُ في الضُّرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ﴾ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهُ شَيْئًا﴾ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الحَدِيثِ: «(إنِّي لا أمْلِكُ لَكم شَيْئًا)». يُخاطِبُ عَشِيرَتَهُ وأمْثالُهُ كَثِيرٌ، وسِرُّ اخْتِصاصِهِ بِدَفْعِ المَضَرَّةِ أنَّ المِلْكَ مُضافٌ في هَذِهِ المَواضِعِ بِاللّامِ، ودَفْعُ المَضَرَّةِ نَفْعٌ يُضافُ لِلْمَدْفُوعِ عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ حِرْمانُ المَنفَعَةِ فَإنَّهُ ضَرَرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ لا لَهُ فَإذا ظَهَرَ ذَلِكَ فَإنَّما انْتَظَمَتِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَذَلِكَ لِأنَّ القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما نَفْيٌ لِدَفْعِ المَقْدُورِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَلَمّا تَقارَبا أُدْرِجا في عِبارَةٍ واحِدَةٍ، وخُصَّ عِبارَةُ دَفْعِ الضُّرِّ لِأنَّهُ هو المُتَوَقَّعُ لِهَؤُلاءِ إذِ الآيَةُ في سِياقِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ وهي نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ فَإنَّ العِصْمَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ السُّوءِ لا مِنَ الرَّحْمَةِ، فَهاتانِ الآيَتانِ تَوْأمَتانِ في التَّقْرِيرِ المَذْكُورِ انْتَهى، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في الآيَةِ، وفي تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذا لَفًّا ونَشْرًا نَظَرٌ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عُمُومُ الضُّرِّ والنَّفْعِ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِالضُّرِّ ما يَضُرُّ مِن هَلاكِ الأهْلِ والمالِ وضَياعِهِما وبِالنَّفْعِ ما يَنْفَعُ مِن حِفْظِ المالِ والأهْلِ وتَعْمِيمِهِما يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَإنَّهُ إضْرابٌ عَمّا قالُوهُ وبَيانٌ لِكَذِبِهِ بَعْدَ بَيانِ فَسادِهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ انْتَهى، وهو كَلامٌ أوْهى مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ لِأنَّ في التَّعْمِيمِ إفادَةً لِما ذُكِرَ وزِيادَةً تُفِيدُ قُوَّةً وبَلاغَةً، والظّاهِرُ أنَّ كُلًّا مِنَ الإضْراباتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ إلَخْ بَدَلٌ مِن ( كانَ اللَّهُ ) إلَخْ مُفَسِّرٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. وفي البَحْرِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْعِلَّةِ في تَخَلُّفِهِمْ أيْ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴿أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ أيْ لَنْ يَرْجِعَ مِن ذَلِكَ السَّفَرِ ﴿الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ﴾ أيْ عَشائِرِهِمْ وذَوِي قُرْباهم ﴿أبَدًا﴾ بِأنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالمَرَّةِ فَحَسِبْتُمْ إنْ كُنْتُمْ مَعَهم أنْ يُصِيبَكم ما يُصِيبُهم فَلِأجْلِ ذَلِكَ تَخَلَّفْتُمْ لا لِما ذَكَرْتُمْ مِنَ المَعاذِيرِ الباطِلَةِ. والأهْلُونَ جَمْعُ أهْلٍ وجَمْعُهُ جَمْعُ السَّلامَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِعَلَمٍ ولا صِفَةٍ مِن صِفاتِ مَن يَعْقِلُ ويُجْمَعُ عَلى إهَلاتٍ بِمُلاحَظَةِ تاءِ التَّأْنِيثِ في مُفْرَدِهِ تَقْدِيرًا فَيُجْمَعُ كَتَمْرَةٍ وتَمَراتٍ ونَحْوَهُ أرْضٌ وأرْضاتٌ، وقَدْ جاءَ عَلى ما في الكَشّافِ أهِلَّةٌ بِالتّاءِ ويَجُوزُ تَحْرِيكُ عَيْنِهِ أيْضًا فَيُقالُ: إهَلاتٌ بِفَتْحِ الهاءِ، وكَذا يُجْمَعُ عَلى أهالٍ كَلَيالٍ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ الجَمْعِ وقِيلَ: وهو إطْلاقٌ مِنهُ في الجَمْعِ الوارِدِ عَلى خِلافِ القِياسِ وإلّا فاسْمُ الجَمْعِ شَرْطُهُ عِنْدَ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ المُفْرَداتِ سَواءٌ كانَ لَهُ مُفْرَدٌ أمْ لا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلى أهْلِهِمْ) بِغَيْرِ ياءِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ ( لَنْ ) لَيْسَتْ لِلتَّأْبِيدِ ومَن زَعَمَ إفادَتَها إيّاهُ جَعَلَ ﴿أبَدًا﴾ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وزُيِّنَ﴾ أيْ حَسَّنَ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الظَّنُّ المَفْهُومُ مِن ظَنَنْتُمْ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فَلَمْ تَسْعَوْا في إزالَتِهِ فَتَمَكَّنَ فِيكم فاشْتَغَلْتُمْ بِشَأْنِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُبالِينَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى
صفحة 100
عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المَظْنُونِ وهو عَدَمُ انْقِلابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا أيْ حُسِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم فَأحْبَبْتُمُوهُ والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَقْرِيعُهم بِبُغْضِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، والمُناسِبُ لِلسِّياقِ ما تَقَدَّمَ. وقُرِئَ: ( زَيَّنَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى الشَّيْطانِ ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وهو ظَنُّهُمُ السّابِقُ فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرى وأُعِيدَ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِ بِالسَّوْءِ أوْ هو عامٌّ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ الظَّنَّ وسائِرَ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الظَّنُّ بِعَدَمِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ الجازِمَ بِصِحَّتِها لا يَحُومُ فِكْرُهُ حَوْلَ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ.
﴿وكُنْتُمْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ هالِكِينَ لِفَسادِ عَقِيدَتِكم وسُوءِ نِيَّتِكم مُسْتَوْجِبِينَ سَخَطَهُ تَعالى وعِقابَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: أيْ فاسِدِينَ في أنْفُسِكم وقُلُوبِكم ونِيّاتِكم لا خَيْرَ فِيكُمْ، والظّاهِرُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّ بُورًا في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالهَلَكِ ولِذا وُصِفَ بِهِ المُفْرَدُ المُذَكَّرُ في قَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى:
يا رَسُولَ اللَّهِ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ
والمُؤَنَّثُ حَكى أبُو عُبَيْدَةَ امْرَأةٌ بُورٌ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ كَحائِلٍ وحُولٍ وعائِذٍ وعُوذٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ هو مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كانَ بِمَعْنى صارَ أيْ وصِرْتُمْ بِذَلِكَ الظَّنِّ قَوْمًا هالِكِينَ مُسْتَوْجِبِينَ السَّخَطَ والعِقابَ والظّاهِرُ إبْقاؤُها عَلى بابِها والمُضِيُّ بِاعْتِبارِ العِلْمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: أيْ كُنْتُمْ قَبْلَ الظَّنِّ فاسِدِينَ،
الفتح 48:13
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلَخْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ مُقَرِّرٌ لِبَوارِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ أيْ ومَن لَمْ يُصَدِّقْ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ ﴿فَإنّا أعْتَدْنا﴾ هَيَّأْنا ﴿لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ نارًا مَسْعُورَةً مُوقَدَةً مُلْتَهِبَةً وكانَ الظّاهِرُ - لَهم - فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذَكَرَ إيذانًا مَن لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو كافِرٌ وأنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلسَّعِيرِ بِكُفْرِهِ لِمَكانِ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ.
وتَنْكِيرُ سَعِيرٍ لِلتَّهْوِيلِ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّها لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها واكْتِناهُ كُنْهِها، وقِيلَ: لِأنَّها نارٌ مَخْصُوصَةٌ فالتَّنْكِيرُ لِلتَّنْوِيعِ ( ومَن ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والعائِدُ مِنَ الخَبَرِ أوْ مِن جَوابِ الشَّرْطِ هو الظّاهِرُ القائِمُ مَقامَ المُضْمَرِ
الفتح 48:14
﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو عَزَّ وجَلَّ المُتَصَرِّفُ في الكُلِّ كَما يَشاءُ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾
أنْ يَغْفِرَ لَهُ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن غُفْرانِهِ تَعالى وتَعْذِيبِهِ جَلَّ وعَلا وُجُودًا وعَدَمًا ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ لِمَن يَشاءُ ولا يَشاءُ سُبْحانَهُ إلّا لِمَن تَقْتَضِي الحِكْمَةُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ سُبْحانَهُ ورَسُولِهِ ﷺ وأمّا مَن عَداهُ مِنَ الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ والمُنافِقِينَ فَهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ قَطْعًا وفي تَقْدِيمِ المَغْفِرَةِ والتَّذْيِيلِ بِكَوْنِهِ تَعالى غَفُورًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ وضَمِّ رَحِيمًا إلَيْهِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ أيْضًا دُونَ التَّذْيِيلِ بِما يُفِيدُ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُعَذِّبًا مِمّا يَدُلُّ عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ ما فِيهِ.
وفِي الحَدِيثِ: «كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»
وهَذا السَّبْقُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ في أنْوارِ التَّنْزِيلِ ذاتِيٌّ وذَلِكَ لِأنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ بِحَسَبِ الذّاتِ والتَّعْذِيبَ بِالعَرَضِ وتَبَعِيَّتِهِ لِلْقَضاءِ والعِصْيانِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الخَيْرَ هو المَقْضِيُّ بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ إذْ لا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ إلّا وهو
صفحة 101
مُتَضَمِّنٌ لِخَيْرٍ كُلِّيٍّ، وفُصِّلَ ذَلِكَ في شَرْحِ الهَياكِلِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِالسَّبْقِ في الحَدِيثِ كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وشُمُولُها وكَذا المُرادُ بِالغَلَبَةِ الواقِعَةِ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وذَلِكَ نَظِيرُ ما يُقالُ: غَلَبَ عَلى فُلانٍ الكَرَمُ، ومَن جَعَلَ الرَّحْمَةَ والغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِ أمْرُ السَّبْقِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى جَعْلِهِ ذاتِيًّا كَما لا يَخْفى، والآيَةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِتَرْجِيَةِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ بَعْضَ التَّرْجِيَةِ إذا آمَنُوا حَقِيقَةً، وقِيلَ: لِحَسْمِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ( مَن يَشاءُ ) الأوَّلَ بِالتّائِبِ والثّانِيَ بِالمُصِرِّ، ثُمَّ قالَ: يُكَفِّرُ سُبْحانَهُ السَّيِّئاتِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويَغْفِرُ الكَبائِرَ بِالتَّوْبَةِ وهو اعْتِزالٌ مِنهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، وقالَ الطِّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ إلَخْ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ عَلى أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ ومَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعَتَدْنا لِلْمُؤْمِنِينَ الجِنانَ مَثَلًا فَلا يُقَيَّدُ شَيْءٌ مِمّا قَيَّدَهُ لِيُؤْذِنَ بِالتَّصَرُّفِ التّامِّ والمَشِيئَةِ النّافِذَةِ والغُفْرانِ الكامِلِ والرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
الفتح 48:15
﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ المَذْكُورُونَ مِنَ الأعْرابِ فاللّامُ لِلْعَهْدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ لا شَرْطَ لِما بَعْدَهُ، والمُرادُ بِالمَغانِمِ مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ نَقِفْ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأُيِّدَ بِأنَّ السِّينَ تَدُلُّ عَلى القُرْبِ وخَيْبَرُ أقْرَبُ المَغانِمِ الَّتِي انْطَلَقُوا إلَيْها مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، فَإرادَتُها كالمُتَعَيَّنَةِ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يُعَوِّضَهم مِن مَغانِمِ مَكَّةَ خَيْبَرَ إذا قَفَلُوا مُوادِعِينَ لا يُصِيبُونَ شَيْئًا، وخَصَّ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِهِمْ أيْ سَيَقُولُونَ عِنْدَ إطْلاقِكم إلى مَغانِمِ خَيْبَرَ لِتَأْخُذُوها حَسْبَما وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاها وخَصَّكم بِها طَمَعًا في عَرَضِ الدُّنْيا لِما أنَّهم يَرَوْنَ ضَعْفَ العَدُوِّ ويَتَحَقَّقُونَ النُّصْرَةَ ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خَيْبَرَ ونَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ بِأنْ يُشارِكُوا في الغَنائِمِ الَّتِي خَصَّها سُبْحانَهُ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وحاصِلُهُ يُرِيدُونَ الشَّرِكَةَ الَّتِي لا تَحْصُلُ لَهم دُونَ نُصْرَةِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مُرادِهِمْ بِذَلِكَ القَوْلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُخَلَّفِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا يُنافِي خَبَرَ التَّخْصِيصِ إعْطاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْضَ مُهاجِرِي الحَبَشَةِ القادِمِينَ مَعَ جَعْفَرٍ وبَعْضَ الدَّوْسِيِّينَ والأشْعَرِيِّينَ مِن ذَلِكَ وهم أصْحابُ السَّفِينَةِ كَما في البُخارِيِّ، فَإنَّهُ كانَ اسْتِنْزالًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِهِمْ لَهم أوْ أنَّ بَعْضَها فُتِحَ صُلْحًا وما أعْطاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو بَعْضٌ مِمّا صالَحَ عَلَيْهِ، وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في السِّيَرِ لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ المُحَدِّثُونَ أنَّهُ لا صُلْحَ فِيها.
وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّما أعْطاهم ﷺ بِرِضا أصْحابِ الوَقْعَةِ أوْ أعْطاهم مِنَ الخُمُسِ الَّذِي هو حَقُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَيْلُ البُخارِيِّ إلى الثّانِي وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى وعْدِهِ بِتِلْكَ الغَنائِمِ لَهم خاصَّةً هو الَّذِي عَلَيْهِ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَلامُ اللَّهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ) ووافَقَهُ الجِبائِيُّ عَلى ذَلِكَ وشَنَّعَ عَلَيْهِما غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ ذَلِكَ نازِلٌ في المُخَلَّفِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ وكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ يَوْمَ الخَمِيسِ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ بِلا خِلافٍ كَما قالَ القَسْطَلانِيُّ والحُدَيْبِيَةُ في سَنَةِ سِتٍّ كَما قالَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ إنَّما نَزَلَتْ بُعَيْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، وأيْضًا قالَ في البَحْرِ: قَدْ غَزَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَضَّلَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَمِيمٍ وغَطَفانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، وفي الكَشْفِ لَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ أرادَ أنَّ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ لَمّا كانُوا مُنافِقِينَ مِثْلَ المُخَلَّفِينَ عَنْ تَبُوكَ كانَ
صفحة 102
حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ واحِدًا، ألا تَرى أنَّ المَعْنى المُوجِبَ مُشْتَرِكٌ وهو رِضاهم بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَكَلامُ اللَّهِ تَعالى أُرِيدَ بِهِ حُكْمُهُ السّابِقُ وهو أنَّ المُنافِقَ لا يُسْتَصْحَبُ في الغَزْوِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ هَذا الحُكْمَ مُنْقاسٌ عَلى ذَلِكَ الأصْلِ أوِ الآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ أيْضًا فَهَذا ما يُمْكِنُ في تَصْحِيحِهِ انْتَهى، ويُقالُ عَمّا في البَحْرِ: إنَّ الَّذِينَ غَزَوْا بَعْدُ لَمْ يَغْزُوا حَتّى أخْلَصُوا ولَمْ يَبْقُوا مُنافِقِينَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَلَمَ اللَّهِ) وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ كَلِمَةٌ ﴿قُلْ﴾ إقْناطًا لَهم ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ أيْ لا تَتْبَعُونا فَإنَّهُ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاتِّباعِ فِيما أرادُوا الِاتِّباعَ فِيهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ وهو الِانْطِلاقُ إلى خَيْبَرَ كَما نُقِلَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: المُرادُ ولا تَتَّبِعُونا ما دُمْتُمْ مَرْضى القُلُوبِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ المَوْعِدُ أيِ المَوْعِدُ الَّذِي تَغْيِيرُهُ تَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهو مَوْعِدُهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلّا مُتَطَوِّعِينَ لا نَصِيبَ لَهم في المَغْنَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ تَتَّبِعُونا إلّا مُتَطَوِّعِينَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّأْبِيدُ، وظاهِرُ السِّياقِ الأوَّلُ ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ تَهَيَّأْتُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَنا وذَلِكَ عِنْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ هَذا النَّهْيِ ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أنْ نُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ بَلْ إنَّما ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم حَسَدًا. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (تَحْسِدُونَنا) بِكَسْرِ السِّينِ ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يَفْهَمُونَ ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فَهْمُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا، وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ في المُؤْمِنِينَ ووَصْفٌ لَهم بِما هو أعْظَمُ مِنَ الحَسَدِ وأطَمُّ وهو الجَهْلُ المُفْرِطُ وسُوءُ الفَهْمِ في أُمُورِ الدِّينِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَدِّهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى وإثْباتِهِمُ الحَسَدَ لِأُولَئِكَ السّادَةِ مِنَ الجَهْلِ وقِلَّةِ التَّفَكُّرِ
الفتح 48:16
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ مُبالَغَةً في الذَّمِّ وإشْعارًا بِشَناعَةِ التَّخَلُّفِ ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي نَجْدَةٍ وشِدَّةٍ قَوِيَّةٍ في الحَرْبِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الزَّهْرِيِّ بَنُو حَنِيفَةَ مُسَيْلِمَةُ وقَوْمُهُ أهْلُ اليَمامَةِ، وعَلَيْهِ جَماعَةٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ زِيادَةُ أهْلِ الرِّدَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ إنّا كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيما مَضى ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دَعا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ فَعَلِمْنا أنَّهم أُرِيدُوا بِها، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ومُجاهِدٍ في رِوايَةٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى: هُمُ الفُرْسُ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: دَعا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِقِتالِ فارِسِ أعْرابِ المَدِينَةِ جُهَيْنَةَ ومُزَيَّنَةَ الَّذِينَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ دَعاهم لِلْخُرُوجِ إلى مَكَّةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ: هم هَوازِنُ ومَن حارَبَ الرَّسُولَ ﷺ في حُنَيْنٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ التَّصْرِيحُ بِثَقِيفٍ مَعَ هَوازِنَ، وفي رِوايَةِ الفِرْيابِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هم هَوازِنُ وبَنُو حَنِيفَةَ، وقالَ كَعْبٌ: هُمُ الرُّومُ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ تَبُوكَ والَّذِينَ بَعَثَ إلَيْهِمْ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحُسْنِ قالَ: هم فارِسُ والرُّومُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: البارِزُ يَعْنِي الأكْرادَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أعْرابُ فارِسَ وأكْرادُ العَجَمِ، وظاهِرُ العَطْفِ أنَّ أكْرادَ العَجَمِ لَيْسُوا مِن أعْرابِ فارِسَ، وظاهِرُ إضافَةِ أكْرادٍ إلى العَجَمِ يُشْعِرُ بِأنَّ مِنَ الأكْرادِ ما يُقالُ لَهم أكْرادُ العَرَبِ، ولا نَعْرِفُ هَذا التَّقْسِيمَ وإنَّما نَعْرِفُ جِيلًا مِنَ النّاسِ يُقالُ لَهُمْ:
صفحة 103
أكْرادٌ مِن غَيْرِ إضافَةٍ إلى عَرَبٍ أوْ عَجَمٍ، ولِلْعُلَماءِ اخْتِلافٌ في كَوْنِهِمْ في الأصْلِ عَرَبًا أوْ غَيْرَهم فَقِيلَ: لَيْسُوا مِنالعَرَبِ، وقِيلَ مِنهُمْ، قالَ القاضِي شَمْسُ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خِلِّكانَ في تَرْجَمَةِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ ما نَصَّهُ: حَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ صاحِبُ كِتابِ (الِاسْتِيعابُ) في كِتابِهِ (القَصْدُ والأُمَمُ في أنْسابِ العَرَبِ والعَجَمِ) أنَّ الأكْرادَ مِن نَسْلِ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ بْنِ ماءِ السَّماءِ وأنَّهم وقَعُوا إلى أرْضِ العَجَمِ فَتَناسَلُوا بِها وكَثُرَ ولَدُهم فَسُمُوُّا الأكْرادَ، وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في ذَلِكَ وهو يُعَضِّدُ ما قالَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ:
لَعُمْرُكَ ما الأكْرادُ أبْناءُ فارِسَ ولَكِنَّهُ كُرْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عامِرِ
انْتَهى، وفي القامُوسِ: الكُرْدُ بِالضَّمِّ جِيلٌ مِنَ النّاسِ مَعْرُوفٌ والجَمْعُ أكْرادٌ وجَدُّهم كُرْدُ بْنُ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ ماءِ السَّماءِ انْتَهى، وعامِرٌ هَذا مِنَ العَرَبِ بِلا شُبْهَةٍ فَإنَّهُ ابْنُ حارِثَةَ الغِطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ البِطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مازِنِ بْنِ الأزْدِ ويُقالُ لَهُ: الأسَدُ بْنُ الغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبا بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ ويُسَمّى عامِرًا وهو عِنْدَ الأكْثَرِ ابْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: مِن ولَدِ هُودٍ، وقِيلَ: هو هُودٌ نَفْسُهُ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، وذَهَبَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ إلى أنَّ قَحْطانَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قَحْطانُ بْنُ الهَمَيْسَعِ بْنِ تَيْمِ بْنِ نَبْتِ بْنِ إسْماعِيلَ، والَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ قَبائِلَ اليَمَنِ كُلَّها ومِنها قَبِيلَةُ عَمْرِو مَزِيقِيا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ لَهُ تَبْوِيبُ البُخارِيِّ بابَ نِسْبَةِ اليَمَنِ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ عَلِيِّ السَّمْهُودِيِّ في تارِيخِ المَدِينَةِ، وفِيهِ أنَّ الأنْصارَ الأوْسُ والخَزْرَجَ مِنَ أوْلادِ ثَعْلَبَةِ العَنْقاءِ بْنِ عَمْرِو مَزِيقِيا المَذْكُورِ وكانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا ذُكُورًا مِنهم ثَعْلَبَةُ المَذْكُورُ، وحارِثَةُ والِدُ خُزاعَةَ، وجَفْنَةُ والِدُ غَسّانَ، ووَداعَةُ وأبُو حارِثَةَ وعَوْفٌ وكَعْبٌ ومالِكٌ وعِمْرانُ وكُرْدٌ كَما في القامُوسِ انْتَهى.
وفائِدَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في أُمُورٍ مِنها الكَفاءَةُ في النِّكاحِ، والعامَّةُ لا يَعُدُّونَهم مِنَ العَرَبِ فَلا تَغْفُلْ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ هَؤُلاءِ الجِيلَ الَّذِينَ يُقالُ لَهُمِ اليَوْمَ: أكْرادٌ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِن أوْلادِ عَمْرِو مَزِيقِيا وكَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِنَ العَرَبِ ولَيْسَ مِن أوْلادِ عَمْرٍو المَذْكُورِ إلّا أنَّ الكَثِيرَ مِنهم لَيْسُوا مِنَ العَرَبِ أصْلًا، وقَدِ انْتَظَمَ في سِلْكِ هَذا الجِيلِ أُناسٌ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن بَنِي أُمَيَّةَ ولا يَصِحُّ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ بَيْدَ أنَّهُ سَكَنَ مَعَ الأكْرادِ طائِفَةٌ مِنَ السّادَةِ أبْناءِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُقالُ لَهُمُ: البَرَزْنَجِيَّةُ لا شَكَّ في صِحَّةِ نَسَبِهِمْ وكَذا في جَلالَةِ حَسَبِهِمْ، وبِالجُمْلَةِ الأكْرادُ مَشْهُورُونَ بِاليَأْسِ وقَدْ كانَ مِنهم كَثِيرٌ مِن أهْلِ الفَضْلِ بَلْ ثَبَتَ لِبَعْضِهِمُ الصُّحْبَةُ، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ في تَمْيِيزِ الصَّحابَةِ في حَرْفِ الجِيمِ: جابانُ والِدُ مَيْمُونٍ رَوى ابْنُ مَندَهْ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ أبِي خَلَدَةَ سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ جابانَ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ حَتّى بَلَغَ عَشْرًا وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ في المُعْجَمِ الصَّغِيرِ عَنْ مَيْمُونٍ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أيْضًا وهو أتَمُّ مِنهُ ولَفْظُهُ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أيُّما رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى ما قَلَّ مِنَ المَهْرِ أوْ كَثُرَ لَيْسَ في نَفْسِهِ أنْ يُؤَدِّيَ إلَيْها حَقَّها خَدَعَها فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْها حَقَّها لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ وهو زانٍ، وأيُّما رَجُلٍ اسْتَدانَ
صفحة 104
دَيْنًا لا يُرِيدُ أنْ يُؤَدِّيَ إلى صاحِبِهِ حَقَّهُ خَدَعَهُ حَتّى أخَذَ مالَهُ فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ دَيْنَهُ لَقِيَ اللَّهَ وهو سارِقٌ)».
ويُكَنّى مَيْمُونٌ هَذا بِأبِي بَصِيرٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ، وقِيلَ: بِالنُّونِ، وهو كَما في التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ، هَذا وأشْهَرُ الأقْوالِ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أقُولُهُ إنَّ هَذِهِ الأقْوالَ تَمْثِيلاتٌ مِن قائِلِها لا تَعْيِينُ القَوْمِ، وهَذا وإنْ حَصَلَ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الأقْوالِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ عَلى مَعْنى يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةَ أوِ الإسْلامَ لا ثالِثَ لَهُما، فَأوْ لِلتَّنْوِيعِ والحَصْرِ لا لِلشَّكِّ وهو كَثِيرٌ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (أوْ يُسْلِمُوا) بِحَذْفِ النُّونِ لِأنَّ ذَلِكَ لِلنّاصِبِ وهو يَقْتَضِي أنَّ أوْ بِمَعْنى إلّا أيْ إلّا أنْ يُسْلِمُوا فَيُفِيدُ الحَصْرَ أوْ بِمَعْنى إلى أيْ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والغايَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ القِتالُ بِغَيْرِ الإسْلامِ فَيُفِيدُهُ أيْضًا كَما قِيلَ: والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِكَ: سَيَدْعُوكَ الأمِيرُ يُكْرِمُكَ أوْ يَكْبِتُ عَدُوَّكَ، قالَ في الكَشْفِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ لِأنَّهم دُعُوا إلى قِتالِ القَوْمِ لا أنَّهم دُعُوا إلى قَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِالمُقاتَلَةِ أوِ الإسْلامِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها حالِيَّةً وحالُهُ كَحالِ الوَصْفِيَّةِ، وأصْلُ الكَلامِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ لِتُقاتِلُوهم أوْ يُسْلِمُوا فَعَدَلَ إلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الوَصْلَيْنِ، ثُمَّ فِيهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ وحَصَّلُوا الغَرَضَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ واقِعًا.
والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَنْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما لِصِدْقِ إخْبارِهِ تَعالى ونَحْنُ نَرى الِانْفِكاكَ بِأنْ يُتْرَكُوا سُدًى أوْ بِالهُدْنَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ عَلى ما في أمالِيِّ ابْنِ الحاجِبِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ القَوْمَ مَخْصُوصُونَ لا عُمُومَ فِيهِمْ، وكانَ الواقِعُ أنَّهم قُوتِلُوا إلى أنْ أسْلَمُوا سَواءٌ فُسِّرَ القَوْمُ بِبَنِي حَنِيفَةَ أوْ بِثَقِيفٍ وهَوازِنَ أوْ فارِسَ والرُّومِ عَلى أنَّ الإسْلامَ الِانْقِيادُ فَما انْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما وقَعا، وأمّا امْتِناعُ الِانْفِكاكِ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى الوَضْعِ ولا الِاسْتِعْمالِ بَلْ ذَلِكَ في الكَلامِ الِاسْتِدْلالِيِّ قَدْ يَتَّفِقُ.
وأطالَ الطَّيِّبِيُّ الكَلامَ في هَذا المَقامِ ثُمَّ قالَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّحْبِيرِ مِن أنَّ ﴿يُسْلِمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تُقاتِلُونَهُمْ﴾ إمّا عَلى الظّاهِرِ أوْ بِتَقْدِيرِهِمْ يُسْلِمُونَ لِيَكُونَ مِن عَطْفِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ المُناسَبَةُ أكْثَرَ إذْ تَخْرُجُ الجُمْلَةُ إلى بابِ الكِنايَةِ، والمَعْنى تُقاتِلُونَهم أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهم يُسْلِمُونَ، وقَدْ وُضِعَ فِيهِ ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾
مَوْضِعَ أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهُمِ اذا أسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهم قِتالُهم ضَرُورَةً، والِاسْتِدْعاءُ عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا لِلِاخْتِبارِ، و( أوْ ) لِلتَّرْدِيدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وفِيهِ ما فِيهِ، وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ووَجَّهَ ذَلِكَ الإمامُ فَقالَ: الدّاعِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوِ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ أوْ مَن بَعْدَهم لا يَجُوزُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ إلَخْ ولا أنْ يَكُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ لِأنَّهُ إنَّما قاتَلَ البُغاةَ والخَوارِجَ وتِلْكَ المُقاتَلَةُ لِلْإسْلامِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ ولا مِن مَلَكَ بَعْدَهم لِأنَّهم عِنْدَنا عَلى الخَطَأِ وعِنْدَ الشِّيعَةِ عَلى الكُفْرِ ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدّاعِي أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ طاعَتَهُ وأوْعَدَ عَلى مُخالَفَتِهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إمامَتَهُ وأيَّ الثَّلاثَةِ كانَ ثَبْتَ المَطْلُوبِ، أمّا إذا كانَ أبا بَكْرٍ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَ عُمَرَ أوْ عُثْمانَ فَلِأنَّ إمامَتَهُ فَرْعُ إمامَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الدّاعِيَ كانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويُشْعِرُ بِذَلِكَ السِّينِ قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ إلَخْ فِيهِ أنَّ ( لَنْ ) لا تُفِيدُ التَّأْبِيدَ عَلى الصَّحِيحِ وظاهِرُ السِّياقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ
صفحة 105
المُرادَ بِهِ لَنْ تَتْبَعُونا في الِانْطِلاقِ إلى خَيْبَرَ كَما سَمِعْتَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ أوْ هو مُقَيَّدٌ بِما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: القَوْلُ بِأنَّهم لَمْ يَدْعُوا إلى حَرْبٍ في أيّامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ حَضَرَ كَثِيرٌ مِنهم مَعَ جَعْفَرٍ في مُؤْتَةَ وحَضَرُوا حَرْبَ هَوازِنَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَضَرُوا مَعَهُ ﷺ أيْضًا في سَفْرَةِ تَبُوكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إذا صَحَّ يَنْفِي حَمْلَ النَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ.
ومِنَ الشِّيعَةِ مَنِ اقْتَصَرَ في رَدِّ الِاسْتِدْلالِ عَلى الدَّعْوَةِ في تَبُوكَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيها ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الدّاعِيَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَعَمَ كُفْرَ البُغاةِ والخَوارِجِ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ إسْلامُهم يُرادُ بِالإسْلامِ في الآيَةِ الِانْقِيادُ إلى الطّاعَةِ ومُوالاةُ الأمِيرِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، والإنْصافُ أنَّ الآيَةَ لا تَكادُ تَصِحُّ دَلِيلًا عَلى إمامَةِ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا إنْ صَحَّ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ في كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ بَنِي حَنِيفَةَ ونَحْوَهم ودُونَ ذَلِكَ خَرْطَ القَتادِ، ونَفى بَعْضُهم صِحَّةَ كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ فارِسًا والرُّومَ لِأنَّ المُرادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ وفارِسُ مَجُوسٌ والرُّومُ نَصارى فَلا يَتَعَيَّنُ فِيهِمْ أحَدُ الأمْرَيْنِ مِنَ المُقاتَلَةِ والإسْلامِ إذْ يَقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، وكَذا اليَهُودُ ومُشْرِكُوالعَجَمِ والصّابِئَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهم مُرْتَدِّينَ أوْ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، ومِثْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ مُشْرِكُو العَجَمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَعِنْدَهُ لا تُقْبَلُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن فَسَّرَ القَوْمُ بِذَلِكَ يُفَسِّرُ الإسْلامَ بِالِانْقِيادِ وهو يَكُونُ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ فَلا يَتِمُّ لَهُ أمْرُ النَّفْيِ فَلا تُغْفَلْ ﴿فَإنْ تُطِيعُوا﴾ الدَّعِيَّ فِيما دَعاكم إلَيْهِ ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ هو عَلى ما قِيلَ الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الأُخْرى ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنِ الدَّعْوَةِ ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم، وهَذا التَّعْذِيبُ قالَ في البَحْرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي وهو الأوْفَقُ بِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ كَوْنُهُ فِيهِما ولا بَأْسَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الإيتاءِ والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ بَلْ لَعَلَّهُ المُتَبادَرُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما في ذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ كَوْنُ الأمْرَيْنِ في الدُّنْيا ولا كَوْنُ الأوَّلِ في الآخِرَةِ أوْ فِيها وفي الدُّنْيا والثّانِي في الدُّنْيا فَقَطْ
الفتح 48:17
﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ أيْ إثْمٌ ﴿ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أيْ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما بِهِمْ مِنَ العُذْرِ والعاهَةِ، وفي نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ مَزِيدُ اعْتِناءٍ بِأمْرِهِمْ وتَوْسِيعٌ لِدائِرَةِ الرُّخْصَةِ، ولَيْسَ في نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهم نَهْيٌ لَهم عَنِ الغَزْوِ بَلْ قالُوا: إنَّ أجْرَهم مُضاعَفٌ في الغَزْوِ، وقَدْ غَزا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ أعْمى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَضَرَ في بَعْضِ حُرُوبِ القادِسِيَّةِ وكانَ يَمْسِكُ الرّايَةَ. وفي البَحْرِ لَوْ حُصِرَ المُسْلِمُونَ فالفَرْضُ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ الوُسْعِ في الجِهادِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ﴾ عَنِ الطّاعَةِ ﴿يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ والمَعْنى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ هُنا أعَمُّ مِنَ المَعْنى بِهِما فِيما سَبَقَ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِمَن هُنا وبِضَمِيرِ الخِطابِ هُناكَ، وقِيلَ في الوَعِيدِ ﴿يُعَذِّبْهُ﴾ إلَخْ دُونَ يُدْخِلْهُ نارًا ونَحْوِهِ مِمّا هو أظْهَرُ في المُقابَلَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ إلَخِ اعْتِناءً بِأمْرِهِ مِن حَيْثُ إنَّ التَّعْذِيبَ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابًا ألِيمًا يَسْتَلْزِمُ إدْخالَ النّارِ وإدْخالُها لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، واعْتَنى
صفحة 106
بِهِ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ ولِذا جِيءَ بِهِ كالمُكَرَّرِ مَعَ الوَعِيدِ السّابِقِ، ويَكْفِي في الإشارَةِ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ إخْراجُ الوَعْدِ هاهُنا كالتَّفْصِيلِ لِما تَقَدَّمَ والتَّعْبِيرِ هُناكَ بِإيتاءِ الأجْرِ الحَسَنِ الظّاهِرِ في الِاسْتِحْقاقِ مَعَ إسْنادِ الإيتاءِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ نَفْسِهِ فَتَأمَّلْ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ (نُدْخِلْهُ) و(نُعَذِّبْهُ) بِالنُّونِ فِيهِما،
الفتح 48:18
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ السَّفَرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ الَّذِينَ سافَرُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ إلّا جَدَّ بْنَ قَيْسٍ فَإنَّهُ كانَ مُنافِقًا ولَمْ يُبايِعْ.
وأصْلُ هَذِهِ البَيْعَةِ وتُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى فِيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ﴾ إلَخْ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعَثَ خِراشًا بِكَسْرِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وألِفٍ بَعْدَها شِينٌ مُعْجَمَةٌ ابْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وحَمَلَهُ عَلى جَمَلٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: الثَّعْلَبُ يُعْلِمُهم أنَّهُ جاءَ مُعْتَمِرًا لا يُرِيدُ قِتالًا فَلَمّا أتاهم وكَلَّمَهم عَقَرُوا جَمَلَهُ وأرادُوا قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ حَتّى أتى الرَّسُولَ ﷺ فَدَعا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَبْعَثَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ القَوْمَ قَدْ عَرَفُوا عَداوَتِي لَهم وغِلَظِي عَلَيْهِمْ وإنِّي لا آمَنُ ولَيْسَ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِن بَنِي عَدِيٍّ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيتُ فَأرْسِلْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَإنَّ عَشِيرَتَهُ بِها وهم يُحِبُّونَهُ وأنَّهُ يَبْلُغُ ما أرَدْتَ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُثْمانَ فَأرْسَلَهُ إلى قُرَيْشٍ وقالَ: أخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ بِقِتالٍ وإنَّما جِئْنا عُمّارًا وادْعُهم إلى الإسْلامِ
وأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْتِيَ رِجالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ فَيُبَشِّرُهم بِالفَتْحِ ويُخْبِرُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرِيبًا يُظْهِرُ دِينَهُ بِمَكَّةَ فَذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قُرَيْشٍ وكانَ قَدْ لَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ فَنَزَلَ عَنْ دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها وأجارَهُ فَأتى قُرَيْشًا فَأخْبَرَهم فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ فَطُفْ بِالبَيْتِ وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاحْتَبَسُوهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَ القَوْمَ. ونادى مُنادِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ رُوحَ القُدُسِ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَهُ بِالبَيْعَةِ فاخْرُجُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَبايَعُوهُ فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبايَعُوهُ»، قالَ جابِرٌ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: بايَعْناهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنْ لا نَفِرَّ ولَمْ نُبايِعْهُ عَلى المَوْتِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: بايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ تُبايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: عَلى المَوْتِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ كانَ آخِذًا بِأغْصانِ الشَّجَرَةِ عَنْ وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يُبايِعُ النّاسَ وكانَ أوَّلُ مَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ أبا سِنانٍ وهو وهْبُ بْنُ مِحْصَنٍ أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وقِيلَ: سِنانُ بْنُ أبِي سِنانٍ، ورَوى الأوَّلَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وأنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبايِعْكَ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلامَ تُبايِعُنِي؟ قالَ: عَلى ما في نَفْسِكَ». وفي حَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ قالَ: بايَعْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَبْدَأِ البَيْعَةِ وإلّا فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ نافِعٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إلى
صفحة 107
فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَأْتِيَ بِهِ لِيُقاتِلَ عَلَيْهِ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وعُمَرُ لا يَدْرِي بِذَلِكَ فَبايَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلى الفَرَسِ فَجاءَ بِهِ إلى عُمَرُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتالِ فَأخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتّى بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وصَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَرَبَ بِيَدِهِ اليُمْنى عَلى يَدِهِ الأُخْرى وقالَ: هَذِهِ بَيْعَةُ عُثْمانَ ولَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ بِالبَيْعَةِ خافُوا وبَعَثُوا عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ وكانَتْ عِدَّةُ المُؤْمِنِينَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ أكْثَرِ المُحَدِّثِينَ» ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ جابِرٍ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَتادَةَ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ بَلَغَنِي أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ يَقُولُ: كانُوا أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَقالَ لِي سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي جابِرٌ كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتابَعَهُ أبُو داوُدَ. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أوْفى قالَ: كانَ أصْحابُ الشَّجَرَةِ ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ، وعِنْدَ أبِي شَيْبَةَ مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ أنَّهم كانُوا ألْفًا وسَبْعَمِائَةٍ، وجَزَمَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ بِأنَّهم كانُوا ألْفًا وسِتَّمِائَةٍ، وحَكى ابْنُ سَعْدٍ أنَّهم ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وجَمَعَ بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّها بِناءً عَلى عَدِّ الجَمِيعِ أوْ تَرْكِ الأصاغِرِ والأتْباعِ والأوْساطِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: إنَّهم كانُوا سَبْعَمِائَةٍ فَلَمْ يُوافِقْهُ أحَدٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قالَهُ اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ جابِرٍ: تُنْحَرُ البَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ وكانُوا نَحَرُوا سَبْعِينَ بَدَنَةً، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا نَحَرُوا غَيْرَ البُدْنِ مَعَ أنَّ بَعْضَهم كَأبِي قَتادَةَ لَمْ يَكُنْ أحْرَمَ أصْلًا، والشَّجَرَةُ كانَتْ سَمُرَةً، والمَشْهُورُ أنَّ النّاسَ كانُوا يَأْتُونَها فَيُصَلُّونَ عِنْدَها فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأمَرَ بِقَطْعِها خَشْيَةَ الفِتْنَةِ بِها لِقُرْبِ الجاهِلِيَّةِ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ طارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: ما هَذا المَسْجِدُ؟ قالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ فَأتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبَ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ كانَ مِمَّنْ بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: فَلَمّا كانَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ نَسِيناها فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْها ثُمَّ قالَ سَعِيدٌ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوها وعَلِمْتُمُوها أنْتُمْ فَأيُّكم أعْلَمُ، والرِّضا يُقابِلُ السَّخَطَ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ والباءِ ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وهو مَعَ عَنْ إنَّما يَدْخُلُ عَلى العَيْنِ لا المَعْنى ولَكِنْ بِاعْتِبارِ صُدُورِ مَعْنًى مِنهُ يُوجِبُ الرِّضا وما في الآيَةِ مِن هَذا القِسْمِ، والمَعْنى المُوجِبُ لِلرِّضا فِيها هو المُبايَعَةُ، وإذا ذُكِرَ مَعَ العَيْنِ مَعْنًى بِالباءِ فَقِيلَ رَضِيتُ عَنْ زَيْدٍ بِإحْسانِهِ كانَتِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وجازَ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَتَعَيَّنُ لِلسَّبَبِيَّةِ مَعَ مُقابَلَةِ نَحْوِ سَخِطْتُ عَلَيْهِ بِإساءَتِهِ وهو مَعَ الباءِ نَحْوَ رَضِيتُ بِهِ يَجِبُ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى إلّا إذا دَخَلَ عَلى الذّاتِ تَمْهِيدًا لِلْمَعْنى لِيَكُونَ أبْلَغَ فَتَقُولُ: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَضِيتُ بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا وقاضِيًا، وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ جازَ دُخُولُهُ عَلى الذّاتِ نَحْوَ رَضِيتُ زَيْدًا وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّهُ مَرْضِيٌّ بِتِلْكَ الخَصْلَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجازَ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى كَرَضِيتُ إمارَةَ فُلانٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وإذا اسْتُعْمِلَ مَعَ اللّامِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ لَكَ التِّجارَةَ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ إمّا لِجَعْلِ الرِّضا مَجازًا عَنِ الِاسْتِحْمادِ وإمّا لِأنَّكَ جَعَلْتَ كَوْنَهُ مُرْضِيًا لَهُ بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ مُرْضِيًا لَكَ مُبالَغَةً في أنَّهُ في نَفْسِهِ مَرْضِيٌّ مَحْمُودٌ وأنَّكَ تَخْتارُ لَهُ ما تَخْتارُ لِنَفْسِكَ وهَذا أبْلَغُ، ثُمَّ هو في حَقِّ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ مُحالٌ عِنْدَ الخُلْفِ قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا تَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ عَقِيبَ أمْرٍ البَتَّةَ، فَهو عِنْدَهم مَجازٌ إمّا مِن أسْماءِ الصِّفاتِ إذا فُسِّرَ بِإرادَةِ أنْ يُثِيبَهم إثابَةَ مَن رَضِيَ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ، وإمّا مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذا فُسِّرَ بِالإثابَةِ وكَذا إذا أُرِيدَ الِاسْتِحْمادُ وفي البَحْرِ أنَّ العامِلَ بِإذْ في الآيَةِ هو رَضِيَ وهو
صفحة 108
هُنا بِمَعْنى إظْهارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ لا صِفَةُ ذاتٍ لِيَتَقَيَّدَ بِالزَّمانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ويُثْبِتُونَهُ لَهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ سُبْحانَهُ ويَصْرِفُونَ الحُدُوثَ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ إلى التَّعَلُّقِ، ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَ الرِّضا بِزَمانِ المُبايَعَةِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِها لَهُ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ إذْ لِلتَّعْلِيلِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ المُبايَعَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِيُبايِعُونَكَ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، وفي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ وقْعِ تِلْكَ المُبايَعَةِ وأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ خَوْفٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذا اسْتَوْجَبَتْ رِضا اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُعادِلُهُ شَيْءٌ ويَسْتَتْبِعُ ما لا يَكادُ يَخْطِرُ عَلى بالٍ ويَكْفِي فِيما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ. ومُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ بَشَرٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)».
وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ عِنْدَ حَفْصَةَ فَقالَتْ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فانْتَهَرَها فَقالَتْ: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾».
وصَحَّ بِرِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما في أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم: أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ حُبُّهم وتَعْظِيمُهم والرِّضا عَنْهم وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَضُرُّهم بَعْدَ رِضا اللَّهِ تَعالى عَنْهم، وعُثْمانُ مِنهم بَلْ كانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما قالَ أنَسٌ - خَيْرًا مِن أيْدِيهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ في مُبايَعَتِهِمْ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ وعَنِ الفَرّاءِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ وحُبِّ الدِّينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مِنَ الهَمِّ والأنَفَةِ مِن لِينِ الجانِبِ لِلْمُشْرِكِينَ وصُلْحِهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ والأوَّلُ عِنْدِي أحْسَنُ.
وهُوَ عَطْفٌ عَلى ( يُبايِعُونَكَ ) لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ بِمَعْنى بايَعُوكَ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ( رَضِيَ ) بِتَأْوِيلِهِ بِظَهْرِ عِلْمِهِ فَيَصِيرُ مُسَبَّبًا عَنِ الرِّضا مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ وسُكُونَ النَّفْسِ والرَّبْطَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالتَّشْجِيعِ، وقِيلَ: بِالصُّلْحِ ولَيْسَ بِذاكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( فَعَلِمَ) .
وفِي الإرْشادِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( رَضِيَ ) وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ الأوَّلُ وحَيْثُ اسْتَحْسَنَ تَفْسِيرَ ما في القُلُوبِ بِما سَمِعْتَ آنِفًا قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ مُقاتِلٌ: فَعَلِمَ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَوْتِ فَأنْزَلَ السِّكِّينَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى بايَعُوا وتُفَسَّرُ ( السَّكِينَةَ ) بِتَذْلِيلِ قُلُوبِهِمْ ورَفْعِ كَراهَةِ البَيْعَةِ عَنْها، ولَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَعْرِفْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَقَّهم وحَمَلَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وغَيْرُهم: هو فَتْحُ خَيْبَرَ وكانَ غَبَّ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وقالَ الحَسَنُ: فَتْحُ هَجَرَ، والمُرادُ هَجَرُ البَحْرَيْنِ وكانَ فُتِحَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ كِتابِهِ إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ في الصَّدَقاتِ والدِّياتِ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صالَحَ أهْلَ البَحْرَيْنِ وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ والفَتْحُ لا يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الغَزْوِ كَما عَلِمْتَ مِمّا سَبَقَ في تَفْسِيرِهِ فَسَقَطَ قَوْلُ الطَّيِّبِيِّ مُعْتَرِضًا عَلى الحَسَنِ: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزا هَجَرًا. نَعَمْ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ قَلِيلٌ غَيْرُ شائِعٍ بَلْ قِيلَ هو مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ، وقِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ والقُرْبُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَرَأ الحَسَنُ. ونُوحٌ القارِّيُّ (وآتاهُمْ) أيْ أعْطاهم.
الفتح 48:19
﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ هي مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَسَّمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما
صفحة 109
فِي حَدِيثِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ فَأعْطى لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ وكانَ مِنهم ثَلاثُمِائَةِ فارِسٍ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ودُلْبَةُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ورْشٍ وأبُو دِحْيَةَ وسِقْلابٌ عَنْ نافِعٍ والأنْطاكِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ (تَأْخُذُونَها) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْرِيفِهِمْ في الِامْتِنانِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالِبًا ﴿حَكِيمًا﴾ مُراعِيًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في أحْكامِهِ تَعالى وقَضاياهُ جَلَّ شَأْنُهُ
الفتح 48:20
﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِنَ المَغانِمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿تَأْخُذُونَها﴾ في أوْقاتِها المُقَدَّرَةِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ أيْ مَغانِمَ خَيْبَرَ ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ مَن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ حِينَ جاءُوا لِنُصْرَتِهِمْ فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَنَكَصُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَفَّ أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ بِالصُّلْحِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: كَفَّ اليَهُودَ عَنِ المَدِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الحُدَيْبِيَةِ وإلى خَيْبَرَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ: المَغانِمُ الكَثِيرَةُ المَوْعُودَةُ مَغانِمُ خَيْبَرَ والمُعَجَّلَةُ البَيْعَةُ والتَّخَلُّصُ مِن أمْرِ قُرَيْشٍ بِالصُّلْحِ، والجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُناسَبَةُ لِما مَرَّ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَرِيقِ الخِطابِ وغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ﴾ تَقْتَضِي عَلى ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّ هَذا جارٍ عَلى نَهْجِ التَّغْلِيبِ وإنِ احْتَمَلَ تَلْوِينَ الخِطابِ فِيهِ، وذَكَرَ الجَلْبِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ إلَخْ أنَّهُ إنْ كانَ نُزُولُها بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ كَما هو الظّاهِرُ لا تَكُونُ السُّورَةُ بِتَمامِها نازِلَةً في مَرْجِعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وإنْ كانَ قَبْلَهُ عَلى أنَّها مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ فالإشارَةُ بِهَذِهِ لِتَنْزِيلِ المَغانِمِ مَنزِلَةَ الحاضِرَةِ المُشاهَدَةِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضِيِّ لِلتَّحَقُّقِ انْتَهى، واخْتِيرَ الشِّقُّ الأوَّلُ، وقَوْلُهم: نَزَلَتْ في مَرْجِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ أوْ عَلى ظاهِرِهِ لَكِنْ يُجْعَلُ المَرْجِعُ اسْمَ زَمانٍ مُمْتَدٍّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ظاهِرَ الأخْبارِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِامْتِدادِ وأنَّها نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَلَعَلَّ الأوْلى اخْتِيارُ الشِّقِّ الثّانِي، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى المَغانِمِ الَّتِي أثابَهم إيّاها المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ وهي مَغانِمُ خَيْبَرَ، وإذا جُعِلَتِ الإشارَةُ إلى البَيْعَةِ كَما سُمِعَتْ عَنْ زَيْدٍ وابْنِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَأْوِيلِ نُزُولِها في مَرْجِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ، قِيلَ: لِلْكَفِّ المَفْهُومِ مِن ﴿كَفَّ﴾ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، وقِيلَ: لِلْكِفَّةِ فَأمْرُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِمَغانِمِ خَيْبَرَ المُشارِ إلَيْها بِهَذِهِ والآيَةُ الأمارَةُ أيْ ولِتَكُونَ أمارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ أوْ يَعْرِفُونَ بِها صِدْقَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في وعْدِهِ إيّاهم فَتْحَ خَيْبَرَ وما ذَكَرَ مِنَ المَغانِمِ وفَتْحَ مَكَّةَ ودُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ ولِتَكُونَ آيَةٌ لَهم فَعَلَ ما فَعَلَ أوْ بِما تُعَلِّقُ بِهِ عِلَّةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ مِن أحَدِ الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ أيْ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ أوْ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ ولِتَكُونَ آيَةً، فالواوُ كَما في الإرْشادِ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضِيَّةٌ وعَلى الثّانِي عاطِفَةٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ الواوُ زائِدَةٌ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَفَّ أوْ بِعَجَّلَ ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾ بِتِلْكَ الآيَةِ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ هو الثِّقَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ.
الفتح 48:21
صفحة 110
﴿وأُخْرى﴾ عَطْفٌ عَلى ( هَذِهِ ) في ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ المَغانِمَ وعَجَّلَ لَكم مَغانِمَ أُخْرى وهي مَغانِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، والتَّعْجِيلُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدُ فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ المُعَجَّلِ كالِابْتِداءِ بِشَيْئَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ ووَصَفَها بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها لِما كانَ فِيها مِنَ الجَوْلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِهِمْ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ في مَوْضِعِ صِفَةٍ أُخْرى - لِأُخْرى - مُفِيدَةٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّيها بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ بَيانِ صُعُوبَةِ مَنالِها بِالنَّظَرِ إلى قُدْرَتِهِمْ، والإحاطَةُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِيلاءِ التّامِّ أيْ قَدْ قَدَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها واسْتَوْلى فَهي في قَبْضِ قُدْرَتِهِ تَعالى يُظْهِرُ عَلَيْها مَن أرادَ، وقَدْ أظْهَرَكم جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْها وأظْفَرَكم بِها، وقِيلَ:
مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ أيْ قَدْ حَفِظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم، والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أوْفَقُ بِالأوَّلِ، وعُمُومُ قُدْرَتِهِ تَعالى لِكَوْنِها مُقْتَضى الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَغَيَّرَ ولا أنْ تَتَخَلَّفَ وتَزُولَ عَنِ الذّاتِ بِسَبَبٍ ما كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، فَتَكُونُ نِسْبَتُها إلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عَلى سَواءٍ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِبَعْضٍ مِنها دُونَ بَعْضٍ وإلّا كانَتْ مُتَغايِرَةً بَلْ مُخْتَلِفَةً، وجُوِّزَ كَوْنُ ( أُخْرى ) مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها مِثْلَ قَضى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْبارَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ انْدِراجِها في جُمْلَةِ الغَنائِمِ المَوْعُودِ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ وإنَّما الفائِدَةُ في بَيانِ تَعْجِيلِها، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَغانِمَ الكَثِيرَةَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً لِيَدْخُلَ فِيها الأُخْرى، ولَوْ سَلِمَ فَلَيْسَ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ كَوْنَها مَقْضِيَّةً بَلْ ما بَعْدَهُ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِفَةٌ وجُمْلَةُ قَدْ أحاطَ إلَخْ خَبَرُها، واسْتَظْهَرَ هَذا الوَجْهَ أبُو حَيّانَ، وقالَ بَعْضٌ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ثَمَّتْ أوْ نَحْوُهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها مَجْرُورَةً بِإضْمارِ رُبَّ كَما في قَوْلِهِ: ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخى سُدُولَهُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ غَرابَةً لِأنَّ رُبَّ لَمْ تَأْتِ في القُرْآنِ العَظِيمِ جارَّةً مَعَ كَثْرَةِ وُرُودِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ فَكَيْفَ تُضْمَرُ هُنا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الغَرابَةِ لا تَضُرُّ، هَذا وتَفْسِيرُ الأُخْرى بِمَغانِمِ هَوازِنَ قَدْ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هي مَكَّةُ وقَدْ حاوَلُوها عامَ الحُدَيْبِيَةَ ولَمْ يُدْرِكُوها فَأُخْبِرُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُظْفِرُهم بِها ويُظْهِرُهم عَلَيْها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، ورُوِيَتْ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها بِلادُ فارِسَ والرُّومِ وما فَتَحَهُ المُسْلِمُونَ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى تَفْسِيرِ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ المَوْعُودَةِ فِيما سَبَقَ بِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المُسْلِمِينَ مِنَ المَغانِمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا تَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنْ ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ مُحاوَلَةٍ لِتِلْكَ البِلادِ وفَواتِ دَرْكِها المَطْلُوبِ مَعَ أنَّهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ مُحاوَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي خَيْبَرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وإسْحَقَ وابْنِ زَيْدٍ أيْضًا، وفِيهِ خَفاءٌ فَلا تَغْفُلْ
الفتح 48:22
﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ يُصالِحُوكم كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم حَلِيفا أهْلِ خَيْبَرَ أسَدٌ: وغَطَفانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ لانْهَزَمُوا فَتَوْلِيَةُ الدُّبُرِ كِنايَةٌ عَنِ الهَزِيمَةِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يَحْرُسُهم، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ الحارِسَ أحَدُ مَعانِي الوَلِيِّ، وتَفْسِيرُهُ هُنا بِذَلِكَ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمُنْهَزِمِ، وقالَ الرّاغِبُ: كُلُّ مِن ولِيَ أمْرَ آخَرَ فَهو ولِيُّهُ، وعَلَيْهِ فالحارِسُ ولِيٌّ لِأنَّهُ يَلِي أمْرَ المَحْرُوسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ لا يَجِدُونَ فَرْدًا ما مِنَ الأوْلِياءِ ﴿ولا نَصِيرًا﴾ ولا فَرْدًا ما مِنَ النّاصِرِينَ يَنْصُرُهم، وقالَ الإمامُ: أُرِيدَ بِالوَلِيِّ: مَن يَنْفَعُ بِاللُّطْفِ وبِالنَّصِيرِ
صفحة 111
مَن يَنْفَعُ بِالعُنْفِ
الفتح 48:23
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ سَنَّ سُبْحانَهُ غَلَبَةَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ سُنَّةً قَدِيمَةً فِيمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ عَلى ما هو المُتَبادَرُ مِن مَعْناهُ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ سُنَّتَهُ تَعالى أنْ تَكُونَ العاقِبَةُ لِأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ لا أنَّهم كُلَّما قاتَلُوا الكُفّارَ غَلَبُوهم وهَزَمُوهم ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ تَغْيِيرًا
الفتح 48:24
﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ أيْ أيْدِيَ كُفّارِ مَكَّةَ، وفي التَّعْبِيرِ- بِكَفَّ- دُونَ مَنَعَ ونَحْوِهِ لُطْفٌ لا يَخْفى ﴿وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ يَعْنِي الحُدَيْبِيَةَ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَها مِن حَرَمِ مَكَّةَ، وإنْ لَمْ يَسْلَمْ فالقُرْبُ التّامُّ كافٍ ويَكُونُ إطْلاقُ (بَطْنِ مَكَّةَ) عَلَيْها مُبالَغَةً ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ﴾ مُظْهِرًا لَكم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فَتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ ما يَتَعَدّى بِهِ وهو الإظْهارُ والإعْلاءُ أيْ جَعَلَكم ذَوِي غَلَبَةٍ تامَّةٍ. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في آخَرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ هَبَطَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن أهْلِمَكَّةَ في السِّلاحِ مِن قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ يُرِيدُونَ غِرَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَأُخِذُوا فَعَفا عَنْهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ﴾ إلَخْ،
وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ إلى أنْ قالَ: فَبَيْنا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا عَلَيْهِمِ السِّلاحُ فَثارُوا إلى وُجُوهِنا فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخَذَ اللَّهُ تَعالى بِأسْماعِهِمْ - ولَفْظُ الحاكِمِ بِأبْصارِهِمْ - فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهم فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدِ أحَدٍ أوْ هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟ فَقالُوا: لا فَخَلّى سَبِيلَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ إلَخْ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «قَدِمْنا الحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَحْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ راسَلُونا إلى الصُّلْحِ فَلَمّا اصْطَلَحْنا واخْتَلَطَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أتَيْتُ شَجَرَةً فاضْطَجَعْتُ في ظِلِّها فَأتانِي أرْبَعَةٌ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأبْغَضْتُهم وتَحَوَّلْتُ الى شَجَرَةٍ أُخْرى فَعَلَّقُوا سِلاحَهم واضْطَجَعُوا فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ نادى مُنادٍ مِن أسْفَلِ ما لِلْمُهاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زَنِيمٍ فاخْتَرَطْتُ سَيْفِي فاشْتَدَّتْ عَلى أُولَئِكَ الأرْبَعَةِ وهم رُقُودٌ فَأخَذْتُ سِلاحَهم وجَعَلْتُهُ في يَدِي ثُمَّ قُلْتُ: والَّذِي كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ لا يَرْفَعُ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ إلّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْناهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أسُوقُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجاءَ عَمِّي عامِرٌ بِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ مُكَرَّزٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُودُهُ حَتّى وقَفْنا بِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: دَعُوهم يَكُونُ لَهم بَدْءُ الفُجُورِ وثَناهُ فَعَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ﴾ إلَخْ،» وهَذا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالهَدْيِ وانْتَهى إلى ذِي الحُلَيْفَةِ قالَ لَهُ عَمِّي: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَدْخُلُ عَلى قَوْمٍ لَكَ حَرْبٌ بِغَيْرِ سِلاحٍ ولا كُراعٍ فَبَعَثَ إلى المَدِينَةِ فَلَمْ يَدَعْ فِيها كُراعًا ولا سِلاحًا إلّا حَمَلَهُ فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ مَنَعُوهُ أنْ يَدْخُلَ فَسارَ حَتّى أتى مِنًى فَنَزَلَ بِها فَأتاهُ عَيْنُهُ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ قَدْ جَمَعَ عَلَيْكَ في
صفحة 112
خَمْسِمِائَةٍ فَقالَ لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: يا خالِدُ هَذا ابْنُ عَمِّكَ قَدْ أتاكَ في الخَيْلِ فَقالَ خالِدٌ: أنا سَيْفُ اللَّهِ وسَيْفُ رَسُولِهِ فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ سَيْفَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ارْمِ بِي إنْ شِئْتَ فَبَعَثَهُ عَلى خَيْلٍ فَلَقِيَهُ عِكْرِمَةُ في الشِّعْبِ فَهَزَمَهُ حَتّى أدْخَلَهُ حِيطانَ مَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي﴾ الآيَةَ». وفي البَحْرِ أنَّ خالِدًا هَزَمَهم حَتّى دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ وأسَرَ مِنهم جُمْلَةً فَسِيقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ وأطْلَقَهم، والخَبَرُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إسْلامَ خالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وقِيلَ بَعْدَها وهي في السَّنَةِ السّابِعَةِ.
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ خالِدًا كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى خَيْلِ قُرَيْشٍ في مِائَتَيْ فارِسٍ قَدِمَ بِهِمْ إلى كُراعٍ الغَمِيمِ فَدَنا حَتّى نَظَرَ إلى أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَتَقَدَّمَ بِخَيْلِهِ فَقامَ بِإزائِهِ وصَفَّ أصْحابَهُ وحانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أرْسَلُوا جُمْلَةً مِنَ الفَوارِسِ في الحُدَيْبِيَةَ يُرِيدُونَ الوَقِيعَةَ بِالمُسْلِمِينَ فَأظْهَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالحِجارَةِ حَتّى أدْخَلُوهُمُ البُيُوتَ، وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ.
وقِيلَ: كانَ هَذا الكَفُّ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، واسْتَشْهَدَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ بِما في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ﴾ بِناءً عَلى هَذا القَوْلِ لِفَتْحِ مَكَّةَ عَنْوَةً. واعْتَرَضَ القَوْلُ المَذْكُورُ والِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ بِناءً عَلَيْهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّها نَزَلَتْ بِتَمامِها قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِثابِتٍ بَلْ بَعْضُ الآثارِ يُشْعِرُ بِخِلافِهِ وإلّا فَلا يُفِيدُ مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في غَيْرِهِ مِن بَعْضِ آياتِ السُّورَةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ دَلالَتَها عَلى العَنْوَةِ مَمْنُوعَةٌ، فَقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَتْحُ هو الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ سَواءٌ كانَ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا، والفَرْقُ بَيْنَ الظَّفَرِ عَلى الشَّيْءِ والظَّفَرِ بِهِ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْلاءُ وهو كائِنٌ لِأنَّهُمُ اصْطَلَحُوا وهم مُضْطَرُّونَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ مُخْتارُونَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى وكَذا فِيما تُعُقِّبَ بِهِ الأوَّلُ. وبِالجُمْلَةِ هَذا القَوْلُ وكَذا الِاسْتِشْهادُ بِما في الآيَةِ بِناءٌ غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ أكْثَرَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ وكَذا ما بَعْدُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ أوَّلًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ بِعَمَلِكم أوْ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَهُ ومِنهُ العَفْوُ بَعْدَ الظَّفَرِ ﴿بَصِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ فالكَلامُ عَلَيْهِ تَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.
الفتح 48:25
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أنْ تَصِلُوا إلَيْهِ وتَطُوفُوا بِهِ ﴿والهَدْيَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ أيْ وصَدُّوا الهَدْيَ وهو ما يُهْدى إلى البَيْتِ، قالَ الأخْفَشُ: الواحِدَةُ هَدْيَةٌ ويُقالُ لِلْأُنْثى هَدْيٌ كَأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. وفي البَحْرِ إسْكانُ دالِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ والحَسَنُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ واللُّؤْلُؤِيُّ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ وذَلِكَ لُغَةٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكانَ هَذا الهَدْيُ سَبْعِينَ بَدَنَةً عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ مِائَةَ بَدَنَةٍ. وقَرَأ الجُعْفِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (الهَدْيِ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ ونَحْرَ الهَدْيِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ وصَدِّ الهَدْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَعْكُوفًا﴾ حالٌ مِنَ ( الهَدْيَ ) عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الهَدْيُ ) مُبْتَدَأٌ والكَلامُ نَحْوَ حُكْمُكَ مَسْمَطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ونَحْنُ عُصْبَةٌ ) عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ وهو كَما تَرى، والمَعْكُوفُ المَحْبُوسُ يُقالُ: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ حَبَسْتُهُ عَنْها، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ تَعْدِيَةَ عَكَفَ وحَكاها ابْنُ سِيدَهْ والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، وظاهِرُ ما في الآيَةِ
صفحة 113
مَعَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ ( الهَدْيَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدُّوا بُلُوغَ الهَدْيِ مَحَلَّهُ أوْ صَدُّوا عَنْ بُلُوغِ الهَدْيِ أوْ وصَدَّ بُلُوغَ الهَدْيِ حَسَبَ اخْتِلافِ القِراءاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ لِلصَّدِّ أيْ كَراهَةَ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ مَجْرُورًا بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ. لِمَعْكُوفًا. أيْ مَحْبُوسًا لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ويَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ وهو مِن أوْ عَنْ أيْ مَحْبُوسًا مِن أوْ عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَيَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، ومَحِلُّ الهَدْيِ مَكانٌ يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ أيْ يَسُوغُ أوْ مَكانُ حُلُولِهِ أيْ وُجُوبِهِ ووُقُوعِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمُرادُ مَكانُهُ المَعْهُودُ وهو مِنًى، أمّا عَلى رَأْيِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ لِمَن مَنَعَ حَيْثُ مَنَعَ فَيَكُونُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ ولِذا نَحَرُوا هُناكَ أعْنِي في الحُدَيْبِيَةِ، وأمّا عَلى رَأْيِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ الحَرَمُ مُطْلَقًا وبَعْضُ الحُدَيْبِيَةِ حَرَمٌ عِنْدِهِ وقَدْ رَوَوْا أنَّ مَضارِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ في الحِلِّ مِنها ومُصَلّاهُ في الحَرَمِ والنَّحْرُ قَدْ وقَعَ فِيما هو حَرَمٌ فَيَكُونُ الهَدْيُ بالِغًا مَحِلَّهُ غَيْرَ مَعْكُوفٍ عَنْ بُلُوغِهِ فَلا بُدَّ مِن إرادَةِ المَعْهُودِ لِيَتَسَنّى ذَلِكَ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ عَلى أنَّ المَمْنُوعَ مَحِلُّ هَدْيِهِ الحَرَمُ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن راجَعَهُ. ومِنَ النّاسِ مَن قَرَّرَ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ يَكُونُ بِمَعْنى الحَرَمِ وهَمَّ لَمّا صَدُّوهم عَنْهُ ومَنَعُوا هَدْيَهم أنْ يَدْخُلَهُ فَيَصِلَ إلى مَحِلِّهِ دَلَّ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ مَحِلُّهُ، ثُمَّ قالَ: ولا يُنافِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَحَرَ في طَرَفٍ مِنهُ كَما لا يُنافى الصَّدُّ عَنْهُ كَوْنَ مُصَلّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ لِأنَّهم مَنَعُوهم فَلَمْ يَمْتَنِعُوا بِالكُلِّيَّةِ وهو كَما تَرى.
والإنْصافُ أنَّهُ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ أصْلًا. وطَعَنَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ في كَوْنِ شَيْءٍ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ مِنَ الحَرَمِ فَقالَ: إنَّهُ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وحُدُودُ الحَرَمِ مَشْهُورَةٌ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُعْتَدُّ بِرِوايَةٍ شَذَّبَها الواقِدِيُّ كَيْفَ وقَدْ صَرَّحَ بِخِلافِها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ الثِّقاتِ، والرِّوايَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَيْسَتْ بِثَبْتٍ انْتَهى، ولَعَلَّ مَن قالَ: بِأنَّ بَعْضَها مِنَ الحَرَمِ اسْتَنَدَ في ذَلِكَ إلى خَبَرٍ صَحِيحٍ. ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صِفَةُ ( رِجالٌ ونِساءٌ ) عَلى تَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ. وكانُوا عَلى ما أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. وغَيْرُهُ عَنْ أبِي جُمُعَةَ جُنْبُذِ بْنِ سَبُعٍ تِسْعَةَ نَفَرٍ سَبْعَةَ رِجالٍ وهو مِنهم وامْرَأتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهم وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ، والوَطْءُ الدَّوْسُ واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإهْلاكِ وهي اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِهِمْ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيُّ:
ووَطِئَتْنا وطْأً عَلى حَنَقٍ وطْءَ المُقَيَّدِ نابِتِ الهَرَمِ
وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَدِيثِ: «(وإنَّ آخِرَ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ تَعالى بِوَجٍّ)».
وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ)»
﴿فَتُصِيبَكم مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِمْ ﴿مَعَرَّةٌ﴾ أيْ مَكْرُوهٌ ومَشَقَّةٌ مَأْخُوذٌ مِنَ العَرِّ والعَرَّةِ وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللّازِمُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي مَفْعَلَةٌ مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ودَهاهُ ما يَكْرَهُ، والمُرادُ بِها هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ تَعْيِيرُ الكُفّارِ وقَوْلُهم في المُؤْمِنِينَ: إنَّهم قَتَلُوا أهْلَ دِينِهِمْ، وقِيلَ: التَّأسُّفُ عَلَيْهِمْ وتَألُّمُ النَّفْسِ مِمّا أصابَهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَأْثَمُ بِقَتْلِهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: الدِّيَةُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا إثْمَ ولا دِيَةَ
صفحة 114
فِي قَتْلِ مُؤْمِنٍ مَسْتُورِ الإيمانِ بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ: وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي الكَفّارَةُ. وتَعَقَّبَ بَعْضُهم هَذا أيْضًا بِأنَّ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ خِلافًا بَيْنَ الأئِمَّةِ. وفي الفُصُولِ العِمادِيَّةِ ذِكْرٌ في تَأْسِيسِ النَّظائِرِ في الفِقْهِ قالَ أصْحابُنا: دارُ الحَرْبِ تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ لِأنَّ أحْكامَنا لا تَجْرِي في دارِهِمْ وحُكْمَ دارِهِمْ لا يَجْرِي في دارِنا. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ دارُ الحَرْبِ لا تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ، بَيانُ ذَلِكَ حَرْبِيٌّ أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ وقَتَلَ مُسْلِمًا دَخَلَ دارَهم بِأمانٍ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا ولا دِيَةَ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ القِصاصُ وعَلى هَذا لَوْ أنَّ مُسْلِمَيْنِ مُتَسامِنَيْنِ دَخَلا دارَ الحَرْبِ وقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْألَةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ فَقالَ: إذا قَتَلَ أحَدُ الأسِيرَيْنِ صاحِبَهُ في دارِ الحَرْبِ لا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ إلّا الكَفّارَةَ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَهم فَصارَ كَواحِدٍ مِن أهْلِ الحَرْبِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأنَّ لَهُ حُكْمَ نَفْسِهِ فاعْتُبِرَ حُكْمُ نَفْسِهِ عَلى حِدَةٍ انْتَهى.
ونُقِلَ عَنِ الكافِي أنَّ مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يُهاجِرْ إلَيْنا وقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أوْ خَطَأً ولَهُ ورَثَةٌ مُسْلِمُونَ ثُمَّ لا يَضْمَنُ شَيْئًا إنْ كانَ عَمْدًا وإنْ كانَ خَطَأً ضَمِنَ الكَفّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ انْتَهى وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ في مَحَلِّهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ المَعَرَّةَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ وسُوءِ قالَةِ المُشْرِكِينَ والمَأْثَمِ إذا جَرى مِنهم بَعْضُ التَّقْصِيرِ وهو كَما نَرى.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ قِيلَ ولا تَكْرارَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ سَواءٌ كانَ ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ( رِجالٌ ونِساءٌ ) أوْ بَدَلًا مِنَ المَنصُوبِ في ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ حاصِلَ المَعْنى ولَوْلا مُؤْمِنُونَ لَمْ تَعْلَمُوا وطْأتَهم وإهْلاكَهم وأنْتُمْ غَيْرُ عالِمِينَ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ احْتِمالَ أنَّهم يَهْلَكُونَ مِن غَيْرِ شُعُورٍ مَعَ إيمانِهِمْ سَبَبُ الكَفِّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ العِلْمانِ فَمُتَعَلِّقُ العِلْمِ في الأوَّلِ الوَطْأةُ وفي الثّانِي أنْفُسُهم بِاعْتِبارِ الإيمانِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) لِما كانَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ كانَ العِلْمُ بِهِمْ راجِعًا إلى العِلْمِ بِاعْتِبارِ الإهْلاكِ كَما تَقُولُ أهْلَكْتُهُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ فَلا الإهْلاكُ مِن غَيْرِ شُعُورٍ ولا العِلْمُ بِإيمانِهِمْ حاصِلٌ والأمْرانِ لِكَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالذّاتِ صَرَّحَ بِهِما وإنْ تَقارَبا أوْ تَلازَما في الجُمْلَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَجْعَلَ ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِلاطِ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ، وفِيهِ ما يَدْفَعُ التَّكْرارَ أيْضًا، وفي ذَلِكَ بَحْثٌ يُدْفَعُ بِالتَّأمُّلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( مِنهم ) وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تُصِيبَكم )، أوْ صِفَةً لِمَعَرَّةٍ قِيلَ: وهو عَلى مَعْنى فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ الَّذِي يُعَيِّرُكم ويَعِيبُ عَلَيْكم، يَعْنِي إنْ وطِئْتُمُوهم غَيْرَ عالِمِينَ لَزِمَكم سُبَّةٌ مِنَ الكُفّارِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أيْ لا يَعْلَمُونَ أنَّكم مَعْزُورُونَ فِيهِ أوْ عَلى مَعْنى لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تطئوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أيْ فَتَقْتُلُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أوْ تُؤْذُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ. وجَوابُ ( لَوْلا ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لَوْلا كَراهَةُ أنْ تُهْلِكُوا أُناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهَرانَيِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِهِمْ فَيُصِيبَكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ لَمّا كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى ولَوْ لَمْ يَكُفَّ أيْدِيَكم عَنْهم لانْجَرَّ الأمْرُ إلى إهْلاكِ مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَيُصِيبَكم مِن ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وهو عَزَّ وجَلَّ يَكْرَهُ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِأُناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وظاهِرُ الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ أنَّ عِلَّةَ الكَفِّ صَوْنُ المُخاطَبِينَ عَنْ إصابَةِ المَعَرَّةِ، وظاهِرُ هَذا أنَّ عِلَّتَهُ صَوْنُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَطْءِ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ عِلَّةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ المَحْذُوفُ عَلى ما اخْتارَهُ في الإرْشادِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ كَفَّها عَنْهم لِيُدْخِلَ بِذَلِكَ الكَفِّ المُؤَدِّي إلى الفَتْحِ بِلا مَحْذُورٍ في رَحْمَتِهِ
صفحة 115
الواسِعَةِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ وهم أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ وذَلِكَ بِأمْنِهِمْ وإزالَةِ اسْتِضْعافِهِمْ تَحْتَ أيْدِي المُشْرِكِينَ وبِتَوْفِيقِهِمْ لِإقامَةِ مَراسِمِ العِبادَةِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن يَشاءُ دُونَ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: لِيُدْخِلَهُمُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإدْخالِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ الجَمَّةِ والمَصالِحِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً لِما يُفْهَمُ مِن صَوْنِ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والرَّحْمَةُ تَوْفِيقُهم لِزِيادَةِ الخَيْرِ والطّاعَةِ بِإبْقائِهِمْ عَلى عَمَلِهِمْ وطاعَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، بَعْضُ المُشْرِكِينَ ويُرادُ بِالرَّحْمَةِ الإسْلامُ فَإنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إذا صانَهُمُ الكَفُّ المَذْكُورُ أظْهَرُوا إيمانَهم لِمُعايَنَةِ قُوَّةِ الدِّينِ فَيَقْتَدِي بِهِمُ الصّائِرُونَ لِلْإسْلامِ، واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم كَوْنَهُ عِلَّةً لِلْكَفِّ المُعَلَّلِ بِالصَّوْنِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، المُؤْمِنُونَ فَيُرادُ بِالرَّحْمَةِ التَّوْفِيقُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، والمُشْرِكُونَ فَيُرادُ بِها الإسْلامُ، وبَيَّنَ وجْهَ التَّعْلِيلِ بِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَنعَ تَعْذِيبِهِمْ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِ المُؤْمِنِينَ بِهِمِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ رَغِبُوا في الإسْلامِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المَرْحُومَيْنِ وأنَّ المُؤْمِنَيْنِ إذا عَلِمُوا مَنعَ تَعْذِيبِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِهِمْ بِهِمْ أظْهَرُوا إيمانَهم فَيُقْتَدى بِهِمْ، وقالَ: لا وجْهَ لِجَعْلِ اللّامِ مُسْتَعارَةً مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّيْءِ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ المُتَبادَرَةِ مِن غَيْرِ داعٍ، وما يُظَنُّ مِن أنَّ تَعْلِيلَ الكَفِّ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالصَّوْنِ فاسِدٌ لِما فِيهِ مِنِ اجْتِماعِ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ شَخْصِيٍّ فاسِدٍ لِأنَّ العِلَلَ إذا لَمْ تَكُنْ تامَّةً حَقِيقَةً لا يَضُرُّ تَعَدُّدُها وما هُنا كَذَلِكَ.
هَذا وجَعْلُ ذَلِكَ عِلَّةً لِما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أوْلى عِنْدِي لِما فِيهِ مِن شِدَّةِ التِحامِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وحَمْلُ ( مَن يَشاءُ ) عَلى المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ دُونَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ والتَّزَيُّلُ التَّفَرُّقُ والتَّمَيُّزُ، وجُوِّزَ في ضَمِيرِ ﴿تَزَيَّلُوا﴾ كَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ فِيما سَبَقَ أيْ لَوْ تَفَرَّقَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ وتَمَيَّزُوا عَنِ الكُفّارِ وخَرَجُوا مِن مَكَّةَ ولَمْ يَبْقَوْا بَيْنَهم لَعَذَّبْنا إلَخْ، وكَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ أيْ لَوِ افْتَرَقَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ولَمْ يَبْقَوْا مُخْتَلِطِينَ لَعَذَّبْنا إلَخْ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ الأوَّلَ فَمِنهم لِلْبَيانِ، والمُرادُ تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ وإلّا لَمْ يَكُنْ- لِـ لَوْ- مَوْقِعٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَوْلا رِجالٌ ) لِأنَّ مَرْجِعَهُما في المَعْنى شَيْءٌ واحِدٌ ويَكُونُ لَعَذَّبْنا هو الجَوا - لِـ لَوْلا - السّابِقَةِ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّغايُرَ ظاهِرٌ فَلا يَكُونُ تَكْرارًا ولا مُشابِهًا. وأُجِيبُ بِأنَّ كَراهَةَ وطْئِهِمْ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِمْ عَنِ الكَفّارِ الَّذِي هو مَدْلُولُ الثّانِي فَيَكُونُ كَبَدَلِ الِاشْتِمالِ ويَكْفِي ذَلِكَ في كَوْنِهِ كالتَّكْرارِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّما كانَ مَرْجِعُهُما واحِدًا وإنْ كانَتْ ( لَوْلا ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِوُجُودٍ ( ولَوْ ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ وبَيْنَ هَذَيْنِ تَنافٍ ظاهِرٌ لِأنَّ (لَوْلا) هاهُنا دَخَلَتْ عَلى وُجُودٍ ولَوْ دَخَلَتْ عَلى ﴿تَزَيَّلُوا﴾ وهو راجِعٌ إلى عَدَمِ وُجُودِهِمْ وامْتِناعُ عَدَمِ الوُجُودِ ثُبُوتٌ فَآلا إلى أمْرٍ واحِدٍ مِن هَذا الوَجْهِ قالَ: وكانَ جَدِّي يَخْتارُ هَذا الوَجْهَ ويُسَمِّيهِ تَطْرِيَةً وأكْثَرُ ما يَكُونُ إذا تَطاوَلَ الكَلامُ وبَعُدَ عَهْدُ أوَّلِهِ واحْتِيجَ إلى بِناءِ الآخِرِ عَلى الأوَّلِ فَمَرَّةً يَطْرى بِلَفْظِهِ ومَرَّةً بِلَفْظٍ آخَرَ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في حَذْفِ الجَوابِ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَوْلا حَقُّ المُؤْمِنِينَ لَفَعَلَ بِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ولا يُقاسُ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الوَجْهَ أرْجَحُ مِن جَعْلِ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ بِمَنزِلَةِ التَّكْرارِ لِلتَّطْرِيَةِ فَتَطْرِيَةُ الجَوابِ وتَقْوِيَتُهُ أوْلى وأوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، واخْتارَ الطِّيبِيُّ الأوَّلَ أيْضًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَرِّبُ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسُ لِأنَّ التَّقْدِيرَ لَوْلا وُجُودُ مُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالمُشْرِكِينَ غَيْرَ مُتَمَيِّزِينَ مِنهم لَوَقَعَ ما كانَ جَزاءً لِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ ولَوْ حَصَلَ
صفحة 116
التَّمْيِيزُ وارْتَفَعَ الِاخْتِلاطُ لَحَصَلَ التَّعْذِيبُ، ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالحَذْفِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ لَعَجَّلَ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ:
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَحَقُّوا التَّعْجِيلَ في إهْلاكِهِمْ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلَخْ لَعَجَّلَ لَهم ذَلِكَ وهو أيْضًا أوْلى مِن حَدِيثِ التَّكْرارِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ عَوْنٍ (لَوْ تَزايَلُوا) عَلى وزْنِ تَفاعَلُوا.
وفِي الآيَةِ عَلى ما قالَ الكِيا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ خَرْقُ سَفِينَةِ الكُفّارِ إذا كانَ فِيها أسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ وكَذَلِكَ رَمْيُ الحُصُونِ إذا كانُوا بِها والكُفّارُ إذا تَتَرَّسُوا بِهِمْ، وفِيهِ كَلامٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ
الفتح 48:26
﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوْ- بِـ عَذَّبْنا- عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ- بِـ صَدُّوكُمْ- كَذَلِكَ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكم. وأيًّا ما كانَ. فالَّذِينَ. فاعِلُ ( جَعَلَ ) ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَعْلِيلُ الحُكْمِ بِهِ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى الإلْقاءِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ جَعَلُوا الحَمِيَّةَ راسِخَةً في قُلُوبِهِمْ ولِكَوْنِها مُكْتَسَبَةً لَهم مِن وجْهٍ نُسِبَ جَعْلُها إلَيْهِمْ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ:
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ ( جَعَلَ ) ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى ( وفي قُلُوبِهِمُ ) بَيانٌ لِمَكانِ الجَعْلِ ومَآلُ المَعْنى إذْ جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الحَمِيَّةَ وهو كَما تَرى، والحَمِيَّةُ الأنَفَةُ يُقالُ: حَمَيْتُ عَنْ كَذا حَمِيَّةً إذا أنِفْتَ مِنهُ وداخَلَكَ عارٌ مِنهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: عَبَّرَ عَنِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ إذا ثارَتْ وكَثُرَتْ بِالحَمِيَّةِ فَقِيلَ: حَمَيْتُ عَلى فُلانٍ أيْ غَضِبْتُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الحَمِيَّةِ أيْ حَمِيَّةِ المِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ أوِ الحَمِيَّةِ النّاشِئَةِ مِنَ الجاهِلِيَّةِ لِأنَّها بِغَيْرِ حُجَّةٍ وفي غَيْرِ مَوْضِعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( جَعَلَ ) عَلى تَقْدِيرِ جَعَلَ ( إذْ ) مَعْمُولًا لِـ ﴿اذْكُرْ﴾، والمُرادُ تَذْكِيرُ حُسْنِ صَنِيعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وسُوءِ صَنِيعِ المُشْرِكِينَ وعَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها ظَرْفًا لِـ ( عَذَّبْنا ) . كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَتَزَيَّلُوا فَلَمْ نُعَذِّبْ فَأنْزَلَ إلَخْ، وعَلى مُضْمَرٍ عامِلٍ فِيها عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ المَحْكِيِّ ويَكُونُ هَذا كالتَّفْسِيرِ لِذاكَ، وأمّا عَلى جَعْلِها ظَرْفًا – لِـ ﴿صَدُّوكُمْ﴾ - فَقِيلَ: العَطْفُ عَلى ( جَعَلَ ) وقِيلَ: عَلى ﴿صَدُّوكُمْ﴾ وهو نَظِيرُ الطّائِرِ فَيَغْضَبُ زَيْدُ الذُّبابِ والأوْلى مِن هَذِهِ الأوْجُهِ لا يَخْفى، والسَّكِينَةُ الِاطْمِئْنانُ والوَقارُ،
رَوى غَيْرُ واحِدٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ بِمَن مَعَهُ إلى الحُدَيْبِيَةِ حَتّى إذا كانَ بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأحْرَمُ بِالعُمْرَةِ وبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا مِن خُزاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ وسارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى كانَ بِغَدِيرِ الأشْطاطِ قَرِيبًا مِن عُسْفانَ أتاهُ عَيْنُهُ فَقالَ: إنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا وقَدْ جَمَعُوا لَكَ الأحابِيشَ وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ فاسْتَشارَ النّاسَ في الإغارَةِ عَلى ذَرارِيِّ مَن أعانَهم فَقالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ ولَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ مَن حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ قاتَلْناهُ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
امْضُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ فَسارَ حَتّى نَزَلَ بِأقْصى الحُدَيْبِيَةِ فَجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ الخُزاعِيُّ في نَفَرٍ مِن قَوْمِهِ فَقالَ لَهُ: إنِّي قَدْ تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وعامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا قَرِيبًا مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ مُعْتَمِرِينَ وإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ فَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ سائِرِ العَرَبِ فَإنْ هم أصابُونِي كانَ ذَلِكَ الَّذِي أرادُوا وإنْ أظْهَرْنِي اللَّهُ تَعالى
صفحة 117
عَلَيْهِمْ دَخَلُوا في الإسْلامِ وافِرِينَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا قاتَلْتُهم وبِهِمْ قُوَّةٌ فَما تَظُنُّ قُرَيْشٌ فَوَ اللَّهِ لا أزالُ أُجاهِدُهم عَلى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ فَقالَ بَدِيلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تَقُولُ فَبَلَّغَهم فَقالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَهم: دَعُونِي آتِهِ فَأتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لَهُ نَحْوَ ما قالَ لِبَدِيلٍ وجَرى مِنَ الكَلامِ ما جَرى ورَأى مِنِ احْتِرامِ الصَّحابَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ ما رَأى فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ وقالَ لَهم: إنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ: دَعُونِي آتِهِ فَلَمّا أشْرَفَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذا فُلانٌ وهو مِن قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فابْعَثُوها لَهُ فَبُعِثَتْ واسْتَقْبَلَهُ القَوْمُ يُلَبُّونَ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ما يَنْبَغِي لِهَؤُلاءِ أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ فَرَجَعَ وأخْبَرَ أصْحابَهُ فَقالَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: مُكَرَّزُ بْنُ حَفْصٍ: دَعُونِي آتِهِ فَلَمّا أشْرَفَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذا مُكَرَّزٌ وهو رَجُلٌ فاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَبَيْنَما هو يُكَلِّمُهُ إذْ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أخُو بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قَدْ سَهَّلَ لَكم مِن أمْرِكم وكانَ قَدْ بَعَثَهُ قُرَيْشٌ وقالُوا لَهُ: ائْتِ مُحَمَّدًا فَصالِحْهُ ولا يَكُنْ في صُلْحِهِ إلّا أنْ يَرْجِعَ عَنّا عامَهُ هَذا فَو اللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّهُ دَخَلَها عَلَيْنا عَنْوَةً أبَدًا فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكَلَّمَ فَأطالَ وانْتَهى الأمْرُ إلى الصُّلْحِ وكِتابَةِ كِتابٍ في ذَلِكَ فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقالَ سُهَيْلٌ: لا أعْرِفُ هَذا ولَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَكَتَبَها ثُمَّ قالَ: اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَقالَ سُهَيْلٌ: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ ولا قاتَلْناكَ ولَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ واسْمَ أبِيكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: واللَّهِ إنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وإنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو صُلْحًا عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَنِ النّاسِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النّاسُ ويَكُفُّ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ عَلى أنَّهُ مَن أتى مُحَمَّدًا مِن قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ومَن جاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ وإنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ وأنَّهُ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ ومَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ وأنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ عَنْ مَكَّةَ عامَهُ هَذا فَلا يَدْخُلُها وأنَّهُ إذا كانَ عامَ قابِلٍ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ فَدَخَلَها بِأصْحابِهِ فَأقامَ بِها ثَلاثًا مَعَهُ سِلاحُ الرّاكِبِ السُّيُوفُ في القِرَبِ لا يَدْخُلُها بِغَيْرِها».
وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ «أنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَرْضَ أنْ يَكْتُبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يَكْتُبَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ كَتَبَ فَلَمْ يَرْضَ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: امْحُهُ فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أمَحاهُ،» وجاءَ هَذا في رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ، ولِمُسْلِمٍ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في المَغازِي «فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكِتابَ ولَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، وكَذا
أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وأحْمَدُ ولَفْظُهُ فَأخَذَ الكِتابَ ولَيْسَ يَحْسُنُ أنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ مَكانَ رَسُولِ اللَّهِ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وتَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ كَما في فَتْحِ البارِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَبَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ أنْ يَكْتُبَ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ شَيْخُهُ أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ. وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ وآخَرُونَ مِن عُلَماءِ إفْرِيقِيَّةَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكْتُبْ، وأنَّ قَوْلَهُ: وأخَذَ الكِتابَ ولَيْسَ يُحْسِنُ أنْ يَكْتُبَ لِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ احْتاجَ لِأنَّ يُرِيَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَوْضِعَ الكَلِمَةِ الَّتِي امْتَنَعَ مِن مَحْوِها لِكَوْنِهِ كانَ لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ، وقَوْلُهُ: فَكَتَبَ بِتَقْدِيرٍ فَمَحاها فَأعادَ الكِتابَ لِعَلِيٍّ فَكَتَبَ أوْ أطْلَقَ فِيهِ كَتَبَ عَلى أمْرٍ بِالكِتابَةِ، وتَمامُ الكَلامِ
صفحة 118
فِي مَحَلِّهِ فَكانَتْ حَمِيَّتُهم عَلى ما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهم لَمْ يُقِرُّوا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولٌ ولَمْ يُقِرُّوا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وحالُوا بَيْنَ المُسْلِمِينَ والبَيْتِ وقَدْ هَمَّ المُؤْمِنُونَ لِذَلِكَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سَكِينَتَهُ عَلَيْهِمْ فَتَوَقَّرُوا وحَلَمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ: حَمِتْ قُرَيْشٌ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالُوا: لا يَدْخُلُها عَلَيْنا أبَدًا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ - كَما في البَحْرِ- حَمِيَّتُهم عَصَبِيَّتُهم لِآلِهَتِهِمْ والأنَفَةُ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَها، وفي تَوْسِيطِ عَلى بَيْنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إيماءٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْزَلَ عَلى كُلٍّ سَكِينَةً لائِقَةً بِهِ.
ووَجْهُ تَقْدِيمِ الإنْزالِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَخْفى وقالَ الإمامُ: في هَذِهِ الآيَةِ لِطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ وهو أنَّهُ تَعالى أبانَ غايَةَ البَوْنِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ حَيْثُ بايَنَ بَيْنَ الفاعِلَيْنِ إذْ فاعِلُ ( جَعَلَ ) هو الكَفّارُ وفاعِلُ (أنْزَلَ) هو اللَّهُ تَعالى، وبَيْنَ المَفْعُولَيْنِ إذْ تِلْكَ حَمِيَّةٌ وهَذِهِ سَكِينَةٌ. وبَيْنَ الإضافَتَيْنِ إضافَةُ الحَمِيَّةِ إلى الجاهِلِيَّةِ وإضافَةُ السَّكِينَةِ إلَيْهِ تَعالى، وبَيْنَ الفِعْلَيْنِ ( جَعَلَ ) و(أنْزَلَ) فالحَمِيَّةُ مَجْعُولَةٌ في الحالِ كالعَرَضِ الَّذِي لا يَبْقى والسَّكِينَةُ كالمَحْفُوظَةِ في خِزانَةِ الرَّحْمَةِ فَأنْزَلَها والحَمِيَّةُ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ في نَفْسِها وازْدادَتْ قُبْحًا بِالإضافَةِ إلى الجاهِلِيَّةِ، والسَّكِينَةُ حَسَنَةٌ في نَفْسِها وازْدادَتْ حُسْنًا بِإضافَتِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعَطْفُ في فَأنْزَلَ بِالفاءِ لا بِالواوِ يَدُلُّ عَلى المُقابَلَةِ والمُجازاةِ تَقُولُ: أكْرَمَنِي زَيْدٌ فَأكْرَمْتُهُ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ إنْزالَ السَّكِينَةِ لِجَعْلِهِمُ الحَمِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ حَتّى أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَغْضَبُوا ولَمْ يَنْهَزِمُوا بَلْ صَبَرُوا، وهو بَعِيدٌ في العادَةِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى انْتَهى وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ
﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا وكَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ كَذَلِكَ
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنْ حُمْرانَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها عَبْدٌ حَقًّا مِن قَلْبِهِ إلّا حُرِّمَ عَلى النّارِ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنا أُحَدِّثُكم ما هي كَلِمَةُ الإخْلاصِ الَّتِي ألْزَمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ وهي كَلِمَةُ التَّقْوى الَّتِي ألاصَ عَلَيْها نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عِنْدَ المَوْتِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)» ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى ما نَقَلَ أبُو حَيّانَ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في آخَرِينَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ بِزِيادَةِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وأُضِيفَتْ إلى التَّقْوى لِأنَّها بِها يُتَّقى الشِّرْكُ ومِن هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ: هي رَأْسُ كُلِّ تَقْوى، وظاهِرُ كَلامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ ضَمِيرَ- هُمْ- في ( ألْزَمَهم ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ وإلْزامُهم إيّاها بِالحُكْمِ والأمْرِ بِها،
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ. والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا نَحْوُهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ أيْضًا أنَّها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وضَمَّ بَعْضُهم إلى هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، والمُرادُ بِإلْزامِهِمْ إيّاها اخْتِيارُها لَهم دُونَ مَن عَدَلَ عَنْها إلى بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: هي الثَّباتُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، ونَسَبَهُ الخَفاجِيُّ إلى الحَسَنِ، وإلْزامُهم إيّاهُ أمْرُهم بِهِ، وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى الثَّباتِ عَلى العَهْدِ والوَفاءِ بِهِ قِيلَ: لِما أنَّ كُلًّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى
صفحة 119
الغَرَضِ وهو نَظِيرُ ما قِيلَ في إطْلاقِ الكَلِمَةِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُهْتَدى بِهِ، وجُعِلَتِ الإضافَةُ عَلى كَوْنِها بِمَعْنى الثَّباتِ مِن بابِ إضافَةِ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ فَهي إضافَةٌ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اخْتِصاصِيَّةً حَقِيقِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَلِمَةَ أهْلِ التَّقْوى، وأُرِيدَ بِالعَهْدِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ سَبَبِ النُّزُولِ عَهْدُ الصُّلْحِ الَّذِي وقَعَ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرُ عُهُودِهِمْ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ في نَفْسِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: المُرادُ بِالكَلِمَةِ قَوْلُهم في الأصْلابِ: بَلى مُقِرِّينَ بِوَحْدانِيَّتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبِالإلْزامِ الأمْرُ بِالثَّباتِ والوَفاءِ بِها، وقِيلَ: هي قَوْلُ المُؤْمِنِينَ سَمْعًا وطاعَةً حِينَ يُؤْمَرُونَ أوْ يُنْهَوْنَ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا وذَهَبَ إلَيْهِ الجَمُّ الغَفِيرُ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ في الأخْبارِ السّابِقَةِ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، والمُرادُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
( وكانُوا ) عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ حالٌ مِنَ المَنصُوبِ في ( ألْزَمَهم ) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ والظّاهِرُ في الضَّمِيرِ عَوْدُهُ كَسابِقِهِ كَما اقْتَضاهُ كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم عَوْدَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ الأوَّلَ عائِدًا عَلَيْهِمْ أيْضًا وهو مِمّا لا بَأْسَ فِيهِ، ولَعَلَّهُ اعْتَبَرَ الأقْرَبِيَّةَ. فالمَعْنى وكانَ المُؤْمِنُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿أحَقَّ بِها﴾ أيْ بِكَلِمَةِ التَّقْوى، وأفْعَلُ لِزِيادَةِ الحَقِّيَّةِ في نَفْسِها أيْ مُتَّصِفِينَ بِمَزِيدِ اسْتِحْقاقٍ لَها أوْ عَلى ما هو المَشْهُورُ فِيهِ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أحَقُّ بِها مِن كُفّارِ مَكَّةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَهم لِدِينِهِ وصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ لِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ.
وحَكى المُبَرِّدُ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَنا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقُولَها أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وكانَ قائِلُها يَمُدُّ بِها صَوْتَهُ إلى أنْ يَنْقَطِعَ نَفَسُهُ تَبَرُّكًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ يَقُولُوها مَتّى شاءُوا وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ أيْ نَدَبَهم إلى ذِكْرِها ما اسْتَطاعُوا وكانُوا أحَقَّ بِها، وهَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ كَلِمَةِ التَّقْوى أيْ أحَقُّ بِها مِن كَلِمَةٍ غَيْرِ كَلِمَةِ تَقْوى وقالَ: وهَذا كَما تَقُولُ زَيْدٌ أحَقُّ بِالإكْرامِ مِنهُ بِالإهانَةِ، وقَوْلُكَ إذا سُئِلَ شَخْصٌ عَنْ زَيْدٍ بِالطِّبِّ أعْلَمُ أوْ بِالفِقْهِ: زَيْدٌ أعْلَمُ بِالفِقْهِ أيْ مِنَ الطِّبِّ، وفِيهِ غَفْلَةٌ لا تَخْفى ( وأهْلَها ) أيِ المُسْتَأْهِلَ لَها وهو أبْلَغُ مِنَ الأحَقِّ حَتّى قِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأحَقِّ كَما بَيْنَ الأحَقِّ والحَقِّ، وقِيلَ: إنَّ أحَقِّيَّتَهم بِها مِنَ الكُفّارِ تُفْهِمُ رُجْحانَهم رُجْحانًا ما عَلَيْهِمْ ولا تُثْبِتُ الأهْلِيَّةَ كَما إذا اخْتارَ المَلِكُ اثْنَيْنِ لِشُغْلٍ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ صالِحٍ لَهُ لَكِنَّ أحَدَهُما أبْعَدُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ فَيُقالُ لِلْأقْرَبِ إلَيْهِ إذا كانَ ولا بُدَّ فَهَذا أحَقُّ كَما يُقالُ: الحَبْسُ أهْوَنُ مِنَ القَتْلِ، ولِدَفْعِ تَوَهُّمِ مِثْلِ هَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ قالَ سُبْحانَهُ: ( وأهْلَها ) وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّهم أحَقُّ بِها في الدُّنْيا وأهْلُها بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ والأصْلُ وكانُوا أهْلَها وأحَقَّ بِها، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ صاحِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ وهو الَّذِي دُفِنَ مُصْحَفُهُ لِمُخالَفَتِهِ الإمامَ أيّامَ الحَجّاجِ وكانَ مِن كِبارِ تابِعِي الكُوفَةِ وثِقاتِهِمْ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كانُوا ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ أيْ وكانَ أُولَئِكَ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى ومِنهم رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ تَقَدَّمَ إنْذارُهم لَوْلا ما سُلِبُوا مِنَ التَّوْفِيقِ، وفِيهِ ما فِيهِ سَواءٌ رُجِّحَ ضَمِيرُ ( ألْزَمَهم ) إلى كُفّارِ مَكَّةَ أيْضًا أمْ لا، وأظُنُّ في قائِلِهِ نَزْغَةٌ رافِضِيَّةٌ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يَتِمُّ بِهِ غَرَضُهُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كانُوا ) لِلْمُؤْمِنِينَ إلّا أنَّ ضَمِيرَيْ
صفحة 120
﴿بِها وأهْلَها﴾ لِلسَّكِينَةِ، وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ، وقِيلَ: هُما لِمَكَّةَ أيْ وكانُوا أحَقَّ بِمَكَّةَ أنْ يَدْخُلُوها وأهْلُها، وأشْعَرَ بِذِكْرِ مَكَّةَ ذِكْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وكَذا مَحِلُّ الهَدْيِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ حَقَّ كُلِّ شَيْءٍ واسْتِئْهالَهُ لِما يَسْتَأْهِلُهُ فَيَسُوقُ عَزَّ وجَلَّ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّهِ والمُسْتَأْهِلَ إلى مُسْتَأْهِلِهِ أوْ فَيَعْلَمُ هَذا ويَعْلَمُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ مِن إنْزالِ السَّكِينَةِ والرِّضا بِالصُّلْحِ فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِلْجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ.
الفتح 48:27
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾ رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى وهو في الحُدَيْبِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، أنَّهُ هو وأصْحابُهُ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا فَقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وحَسِبُوا أنَّهم داخِلُوها في عامِهِمْ وقالُوا: إنَّ رُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ فَلَمّا تَأخَّرَ ذَلِكَ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُفَيْلٍ ورِفاعَةُ بْنُ الحَرْثِ: واللَّهُ ما حَلَقْنا ولا قَصَّرْنا ولا رَأيْنا المَسْجِدَ الحَرامَ فَنَزَلَتْ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ نَحْوَهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِكْشافِ لِيَزْدادَ يَقِينُهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّ رُؤْياهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما كانَتْ أنَّ مَلِكًا جاءَهُ فَقالَ لَهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ إلَخْ، والمَعْنى لَقَدْ صَدَقَهُ سُبْحانَهُ في رُؤْياهُ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنُّ بَكْرِهِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ تَعالى أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ.
وقالَ الرّاغِبُ: الصِّدْقُ يَكُونُ بِالقَوْلِ ويَكُونُ بِالفِعْلِ وما في الآيَةِ صِدْقٌ بِالفِعْلِ وهو التَّحْقِيقُ أيْ حَقَّقَ سُبْحانَهُ رُؤْيَتَهُ. وفي شَرْحِالكِرْمانِيِّ كَذِبٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: كَذَبَنِي الحَدِيثَ وكَذا صَدَقَ كَما في الآيَةِ، وهو غَرِيبٌ لِتَعَدِّي المُثْقَلِ لِواحِدٍ والمُخَفَّفِ لِمَفْعُولَيْنِ انْتَهى. وفي البَحْرِ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ الثّانِي مِنهُما بِنَفْسِهِ وبِحَرْفِ الجَرِّ تَقُولُ صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ وصَدَقْتُهُ في الحَدِيثِ، وقَدْ عَدَّها بَعْضُهم في أخَواتِ اسْتَغْفَرْ وأمَرَ والمَشْهُورُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا ( بِالحَقِّ ) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أيْ بِالفَرْضِ الصَّحِيحِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ وهو ظُهُورُ حالِ المُتَزَلْزِلِ في الإيمانِ والرّاسِخِ فِيهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ أُخِّرَ وُقُوعُ الرُّؤْيا إلى العامِ القابِلِ أوْ حالٌ مِنَ الرُّؤْيا أيْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ أضْغاثِ الأحْلامِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وكَوْنُهُ حالًا مِن ( رَسُولَهُ ) وكَوْنُهُ ظَرْفًا لَغْوًا لِصَدَقَ وكَوْنُهُ قَسَمًا بِالحَقِّ الَّذِي هو مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ بِنَقِيضِ الباطِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ والوَقْفُ عَلى ( الرُّؤْيا ) وهو عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ والوَقْفُ عَلى ( بِالحَقِّ ) أيْ واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَّةِ بِالمَشِيئَةِ لِتَعْلِيمِ العِبادِ، وبِهِ يَنْحَلُّ ما يُقالُ:
إنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها وعالِمٌ بِها قَبْلَ وُقُوعِها فَكَيْفَ وقَعَ التَّعْلِيقُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالمَشِيئَةِ، وفي مَعْنى ما ذُكِرَ قَوْلُ ثَعْلَبٍ: اسْتَثْنى سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما يَعْلَمُ لِيُسْتَثْنى الخَلْقُ فِيما لا يَعْلَمُونَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ وُقُوعَ الدُّخُولِ مِن مَشِيئَتِهِ تَعالى لا مِن جَلادَتِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ قَدْ وضَعَ فِيهِ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وأصْلُهُ لَتَدْخُلُنَّهُ لا مَحالَةَ إلّا إنْ شاءَ عَدَمَ الدُّخُولِ فَهو وعْدٌ لَهم عَدَلَ بِهِ عَنْ ظاهِرِهِ لِأجْلِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ والإنْكارِ عَلى المُعْتَرِضِينَ عَلى الرُّؤْيا فَيَكُونُ مِن بابِ الكِنايَةِ انْتَهى. وقَدْ أُجِيبَ عَنِ السُّؤالِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقِيلَ: الشَّكُّ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ، وفِيهِ شَيْءٌ سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ:
صفحة 121
إنَّ التَّعْلِيقَ راجِعٌ إلى دُخُولِهِمْ جَمِيعًا وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجِبائِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ ناظِرٌ إلى الأمْنِ فَهو مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ أيْ لَتَدْخُلُنَّهُ حالَ كَوْنِكم ﴿آمِنِينَ﴾ مِنَ العَدُوِّ إنْ شاءَ اللَّهُ. ورَدَّهُما في الكَشْفِ فَقالَ: أمّا جَعْلُهُ قَيْدَ دُخُولِهِمْ بِالأسْرِ أوِ الأمْنِ فَفِيهِ أنَّ السُّؤالَ بَعْدُ باقٍ لِأنَّ الدُّخُولَ المَخْصُوصَ أيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو يُنافِي الشَّكَّ، ولَيْسَ نَظِيرَ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ إذْ لا يَبْعُدُ أنْ لا يَعْرِفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَقَرَّ الأمْرِ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ فَإمّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ الشَّكَّ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ أوْ بِأنَّهُ تَعْلِيمٌ، والثّانِي أوْلى لِأنَّ تَغْلِيبَ الشّاكِّينَ لا يُناسَبُ هَذا المَساقَ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ. ودَفْعُ وُرُودِهِ عَلى الحُسَيْنِ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ في مَعْنى لَيَدْخُلُنَّهُ مَن شاءَ اللَّهُ دُخُولَهُ مِنكم فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ أنَّ مِنهم مَن لا يَدْخُلُهُ لِأنَّ أجَلَهُ يَمْنَعُهُ مِنهُ فَلا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِما ذُكِرَ.
وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما قالَهُ مَلَكُ الرُّؤْيا لَهُ ﷺ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ أوْ لِما قالَهُ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ. ورَدَّهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ كَيْفَ يَدْخُلُ في كَلامِهِ تَعالى ما لَيْسَ مِنهُ بِدُونِ حِكايَةٍ. ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ بَيانٌ لِلرُّؤْيا وقائِلُها في المَنامِ المَلَكُ وفي اليَقَظَةِ الرَّسُولُ ﷺ فَهي في حُكْمِ المَحْكِيِّ في دَقِيقِ النَّظَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: وهي قَوْلُ المَلَكِ أوِ الرَّسُولِ لَتَدْخُلُنَّ إلَخْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وإنْ صَحَّحَ النَّظْمُ الكَرِيمُ لا يَدْفَعُ البُعْدَ، وقَدِ اعْتَرَضَ بِهِ عَلى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ لَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ كَوْنَهُ حِكايَةً ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَلُّ بُعْدًا مِن جَعْلِهِ مِن قَوْلِ المَلَكِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: ( إنْ ) بِمَعْنى إذْ وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
وقَوْلُهُ ﷺ في زِيارَةِ القُبُورِ: «(أنْتُمُ السّابِقُونَ وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ)».
والبَصْرِيُّونَ لا يَرْتَضُونَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ﴾ حالٌ كَآمِنِينَ مِنَ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ إلّا أنَّ آمِنِينَ حالٌ مُقارَنَةٌ وهَذا حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ الدُّخُولَ في حالِ الإحْرامِ لا في حالِ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( آمِنِينَ ) والمُرادُ مُحَلِّقًا بَعْضُكم رَأْسَ بَعْضٍ ومُقَصِّرًا آخَرُونَ فَفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ أوْ فِيهِ نِسْبَةُ ما لِلْجُزْءِ إلى الكُلِّ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الحَلْقُ وهو مَعْرُوفٌ والتَّقْصِيرُ وهو أخْذُ بَعْضِ الشَّعْرِ فَلا بُدَّ مِن نِسْبَةِ كُلٍّ مِنهُما لِبَعْضٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أيْضًا لِبَيانِ الأمْنِ بَعْدَ تَمامِ الحَجِّ ( وآمِنِينَ ) فِيما تَقَدَّمَ لِبَيانِ الأمْنِ وقْتَ الدُّخُولِ فَلا تَكْرارَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( آمِنِينَ ) فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنى آمِنِينَ كانَ حالًا مُؤَكَّدَةً، وإنْ أُرِيدَ لا تَخافُونَ تَبِعَةً في الحَلْقِ أوِ التَّقْصِيرِ ولا نَقْصَ ثَوابٍ فَهو حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، ولا يَخْفى الحالُ إذا جُعِلَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ أوْ ( مُقَصِّرِينَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ الحالُ بَعْدَ الدُّخُولِ؟ فَقِيلَ: لا تَخافُونَ أيْ بَعْدَ الدُّخُولِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَلْقَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ في النُّسُكِ بَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ التَّقْصِيرُ، وظاهِرُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ وهو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ في غَيْرِ النِّساءِ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ والمُقَصِّرِينَ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ والمُقَصِّرِينَ قالَ: والمُقَصِّرِينَ)».
وأمّا في النِّساءِ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَيْسَ عَلى النِّساءِ حَلْقٌ وإنَّما عَلى النِّساءِ التَّقْصِيرُ)».
والسُّنَّةُ في الحَلْقِ أنْ
صفحة 122
يُبْدَأ بِالجانِبِ الأيْمَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِلْحَلّاقِ هَكَذا وأشارَ بِيَدِهِ إلى جانِبِ الأيْمَنِ وإنْ يَبْلُغْ بِهِ إلى العَظْمَيْنِ» كَما قالَ عَطاءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُما كانا يَقُولانِ لِلْحَلّاقِ ابْدَأْ بِالأيْمَنِ وابْلُغْ بِالحَلْقِ العَظْمَيْنِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ التَّقْصِيرَ بِالرَّأْسِ دُونَ اللِّحْيَةِ وسائِرِ شَعْرِ البَدَنِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ومُقَصِّرِينَ رُؤُوسَكم أيْ شَعْرَها لِظُهُورِ أنَّ الرُّؤُوسَ أنْفُسَها لا تُقَصَّرُ ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ الظّاهِرُ عَطْفُهُ عَلى ﴿لَقَدْ صَدَقَ﴾ فالتَّرْتِيبُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ الفِعْلِيِّ بِالمَعْلُومِ أيْ فَعَلِمَ عَقِيبَ ما أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ ما لَمْ تَعْلَمُوا مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِتَقْدِيمِ ما يَشْهَدُ لِلصِّدْقِ عِلْمًا فِعْلِيًّا، وقِيلَ: الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ﴿فَجَعَلَ﴾ لِأجْلِ هَذا العِلْمِ ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن دُونِ تَحَقُّقِ مِصْداقِ ما أراهُ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ آمِنِينَ إلَخْ، وقِيلَ: أيْ مِن دُونِ فَتْحِ مَكَّةَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وهَذا أنْسَبُ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فَتْحُ خَيْبَرَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، والمُرادُ بِجَعْلِهِ وعْدَهُ تَعالى وإنْجازَهُ مِن غَيْرِ تَسْوِيفٍ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى صِدْقِ الرُّؤْيا وتَسْتَرْوِحَ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ إلى تَيَسُّرِ وُقُوعِها.
وقالَ في الكَشّافِ: ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ مِنَ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ فَتْحِ مَكَّةَ إلى العامِ القابِلِ، وفِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لَمْ يَقَعْ في العامِ الَّذِي قالَهُ بَلْ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ، والتَّجَوُّزُ في العامِ القابِلِ أوْ تَأْوِيلُ الفَتْحِ بِدُخُولِ المُؤْمِنِينَ مَكَّةَ مُعْتَمِرِينَ لا يَخْفى حالُهُ. الثّانِي إباءُ الفاءِ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلى إراءَةِ الرُّؤْيا قَطْعًا.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِالتِزامِ كَوْنِ الفاءِ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ أوْ كَوْنُ المُرادِ فَأظْهَرَ مَعْلُومَهُ لَكم وهو الحِكْمَةُ فَتَدَبَّرْ.
ونُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ الفَتْحَ القَرِيبَ في الآيَةِ هو بَيْعَةُ الرِّضْوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ دُخُولُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ دُونَ مَكَّةَ عَلى أنَّهُ مُنافٍ لِلسِّياقِ كَما لا يَخْفى.
الفتح 48:28
﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِهِ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، والتِباسُهُ بِالهُدى بِمَعْنى أنَّهُ هادٍ، وقِيلَ: أيْ مُصاحِبًا لِلْهُدى، والمُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ الواضِحُ والحُجَّةُ السّاطِعَةُ أوِ القُرْآنُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ وهُما مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلَ أيْ أرْسَلَهُ بِسَبَبِ الهُدى أوْ لِأجْلِهِ ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالهُدى الأُصُولُ وبِدِينِ الحَقِّ الفُرُوعُ فَإنَّ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن لَمْ يُرْسَلْ بِالفُرُوعِ وإنَّما أُرْسِلَ بِالأُصُولِ وتِبْيانِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ نَقِيضُ الباطِلِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى أيْ ودِينُ اللَّهِ الحَقُّ، وجَوَّزَ الإمامُ غَيْرَ ذَلِكَ أيْضًا ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ لِيُعْلِيَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ بِجَمِيعِ أفْرادِهِ أيْ ما يُدانُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمِلَلِ فَيَشْمَلُ الحَقَّ والباطِلَ، وأصْلُ الإظْهارِ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ فَلِذا كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْلاءِ وعَنْ جَعْلِهِ بادِيًا لِلرّائِي ثُمَّ شاعَ في ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وإظْهارُهُ عَلى الحَقِّ بِنَسْخِ بَعْضِ أحْكامِهِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ، وعَلى الباطِلِ بِبَيانِ بُطْلانِهِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ بِحَسَبِ المَقامِ، أنْ يَكُونَ إظْهارُهُ عَلى الدِّينِ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ
صفحة 123
وقالُوا: ما مِن أهْلِ دِينٍ حارَبُوا المُسْلِمِينَ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، ويَكْفِي في ذَلِكَ اسْتِمْرارُ ما ذُكِرَ زَمانًا مُعْتَدًّا بِهِ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِينَ عَلى كُتُبِ التَّوارِيخِ والوَقائِعِ، وقِيلَ: إنَّ تَمامَ هَذا الإعْلاءِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ لا يَبْقى حِينَئِذٍ دِينٌ سِوى الإسْلامِ، ووُقُوعُ خِلافِ ذَلِكَ بَعْدُ لا يَضُرُّ إمّا لِنَحْوِ ما سَمِعْتَ وإمّا لِأنَّ الباقِيَ مِنَ الدُّنْيا إذْ ذاكَ كُلًّا شَيْءٌ، وفي الجُمْلَةِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الفَتْحِ وتَوْطِينٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ تَعالى سَيَفْتَحُ لَهم مِنَ البِلادِ ويُتِيحُ لَهم مِنَ الغَلَبَةِ عَلى الأقالِيمِ ما يَسْتَقِلُّونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَتْحَ مَكَّةَ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى أنَّ ما عَدَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن إظْهارِ دِينِهِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ أوِ الفَتْحِ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلى رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ادَّعاها وأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ عَلى يَدِهِ وذَلِكَ شَهادَةٌ مِنهُ تَعالى عَلَيْها، واقْتَصَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّازِّيُّ وجَعَلَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً عَمّا وقَعَ مِن سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إذْ لَمْ يَرْضَ بِكِتابَةِ ﴿”مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ“﴾ وقالَ ما قالَ.
وجَعَلَ بَعْضُ الأفاضِلِ إظْهارَ المُعْجِزَةِ شَهادَةً مِنهُ تَعالى عَلى تَحَقُّقِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا ولا يَظْهَرُ إلّا بِضَمِّ إخْبارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ.
الفتح 48:29
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ هو أوْ ذَلِكَ الرَّسُولُ المُرْسَلُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ مُحَمَّدٌ عَلى أنَّ الِاسْمَ الشَّرِيفَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( رَسُولُ اللَّهِ ) عَطْفُ بَيانٍ أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ وهَذا هو الوَجْهُ الأرْجَحُ الأنْسَبُ بِالمَساقِ كَما في الكَشْفِ ويُؤَيِّدُهُ نَظَرًا إلى بَعْضِ ما يَأْتِي مِنَ الأوْجُهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ ( رَسُولَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، أمّا عَلى كَوْنِهِ الرِّسالَةَ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى كَوْنِهِ مُحَقَّقَ الوَعْدِ فَقِيلَ: لِأنَّ كَيْنُونَةَ ما وعَدَهُ لازِمَةٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ إذْ هو لا يُوعِدُ إلّا بِما هو مُحَقَّقٌ ولا يُخْبِرُ إلّا عَنْ كُلِّ صِدْقٍ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ( مُحَمَّدٌ ) مُبْتَدَأً ﴿ورَسُولٌ﴾ تابِعًا لَهُ ( والَّذِينَ مَعَهُ ) عَطْفًا عَلَيْهِ والخَبَرُ عَنْهُ وعَنْهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أشِدّاءُ﴾ إلَخْ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( أشِدّاءَ) (رُحَماءَ) بِنَصْبِهِما فَقِيلَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِما العامِلُ في ( مَعَهُ ) فَيَكُونُ الخَبَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ جُمْلَةَ ﴿تَراهُمْ﴾ الآتِي وكَذا خَبَرُ ( الَّذِينَ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ مَعَهُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، وقالَ الجُمْهُورُ: جَمِيعُ أصْحابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، و﴿أشِدّاءُ﴾ جَمْعُ شَدِيدٍ و﴿رُحَماءُ﴾ جَمْعُ رَحِيمٍ، والمَعْنى أنَّ فِيهِمْ غِلْظَةً وشِدَّةً عَلى أعْداءِ الدِّينِ ورَحْمَةً ورِقَّةً عَلى إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وفي وصْفِهِمْ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالشِّدَّةِ تَكْمِيلٌ واحْتِراسٌ فَإنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِالوَصْفِ الأوَّلِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَفْهُومَ القَيْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَيُتَوَهَّمُ الفَظاظَةُ والغِلْظَةُ مُطْلَقًا فَدُفِعَ بِإرْدافِ الوَصْفِ الثّانِي، ومَآلُ ذَلِكَ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أشِدّاءَ عَلى الأعْداءِ رُحَماءَ عَلى الإخْوانِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ وعَلى هَذا قَوْلُهُ:
حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ عَلى أنَّهُ عِنْدَ العَدُوِّ مَهِيبُ
وقَدْ بَلَغَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن تَشَدُّدِهِمْ عَلى الكَفّارِ أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّزُونَ مِن ثِيابِهِمْ أنْ تَلْزَقَ بِثِيابِهِمْ ومِن أبْدانِهِمْ أنْ تَمَسَّ أبْدانَهم وبَلَغَ مِن تَرَحُّمِهِمْ فِيما بَيْنَهم أنَّهُ كانَ لا يَرى مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا إلّا صافَحَهُ وعانَقَهُ. والمُصافَحَةُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها الفُقَهاءُ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ البَراءِ قالَ (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ
صفحة 124
فَتَصافَحا وحَمِدا اللَّهَ واسْتَغْفَراهُ غَفَرَ لَهُما)
وفِي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ (ما مِن مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ فَيَتَصافَحانِ إلّا غُفِرَ لَهُما قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقا)».
وفِي الأذْكارِ النَّوَوِيَّةِ أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ كُلِّ لِقاءٍ وأمّا ما اعْتادَهُ النّاسُ بَعْدَ صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ فَلا أصْلَ لَهُ ولَكِنْ لا بَأْسَ بِهِ، فَإنَّ أصْلَ المُصافَحَةِ سُنَّةٌ وكَوْنُهم مُحافِظِينَ عَلَيْها في بَعْضِ الأحْوالِ ومُفَرِّطِينَ في كَثِيرٍ مِنها لا يُخْرِجُ ذَلِكَ البَعْضَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُصافَحَةِ الَّتِي ورَدَ الشَّرْعُ بِأصْلِها، وجَعَلَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في قَواعِدِهِ مِنَ البِدَعِ المُباحَةِ، وأطالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ الكَلامَ في ذَلِكَ، وأمّا المُعانَقَةُ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرِهَها أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَذَلِكَ التَّقْبِيلُ قالَ: لا أُحِبُّ أنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ وجْهَهُ ولا يَدَهُ ولا شَيْئًا مِن جَسَدِهِ، ورَخَّصَ أبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ المُعانَقَةَ ويُؤَيِّدُ ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ «عَنْ أنَسٍ قالَ: (سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنّا يَلْقى أخاهُ أيَنْحَنِي لَهُ؟ قالَ: لا قالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ ويُقَبِّلُهُ؟ قالَ: لا قالَ: أيَأْخُذُ بِيَدِهِ ويُصافِحُهُ؟ قالَ: نَعَمْ)».
وفِي الأذْكارِ التَّقْبِيلُ وكَذا المُعانَقَةُ لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ القُدُومِ مِن سَفَرٍ ونَحْوِهِ، ومَكْرُوهٌ كَراهَةَ تَنْزِيهٍ في غَيْرِهِ، ولِلْأمْرَدِ الحَسَنِ حَرامٌ بِكُلِّ حالٍ.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ خالِدِ بْنِ حارِثَةَ المَدِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ في بَيْتِي فَقَرَعَ البابَ فَقامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ،» وزادَ رَزِينٌ في حَدِيثِ أنَسٍ السّابِقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ويُقَبِّلُهُ قالَ: «(لا إلّا أنْ يَأْتِيَ مِن سَفَرِهِ)».
ورَوى أبُو داوُدَ «سُئِلَ أبُو ذَرٍّ هَلْ كانَ ﷺ يُصافِحُكم إذا لَقِيتُمُوهُ؟ قالَ: ما لَقِيتُهُ قَطُّ إلّا صافَحَنِي وبَعَثَ إلَيَّ ذاتَ يَوْمٍ ولَمْ أكُنْ في أهْلِي فَجِئْتُ فَأُخْبِرْتُ أنَّهُ ﷺ أرْسَلَ إلَيَّ فَأتَيْتُهُ وهو عَلى سَرِيرِهِ فالتَزَمَنِي فَكانَتْ أجْوَدَ أجْوَدَ».
وهَذا يُؤَيِّدُ الإطْلاقَ المَحْكِيَّ عَنْ أبِي يُوسُفَ ويَنْبَغِي التَّأسِّي بِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في التَّشَدُّدِ عَلى أعْداءِ الدِّينِ والرَّحْمَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «(مَن لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا ويَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنا فَلَيْسَ مِنّا)» وأخْرَجاهُما وأحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلّا مِن شَقِيٍّ)».
ولا بَأْسَ بِالبِرِّ والإحْسانِ عَلى عَدُوِّ الدِّينِ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً كَما أفادَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتاوِيهِ الحَدِيثِيَّةِ فَلْيُراجَعْ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (أشِدّا) بِالقَصْرِ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ لِأنَّ قَصْرَ المَمْدُودِ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
لا بُدَّ مِن صُنْعا وإنْ طالَ السَّفَرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ خَبَرٌ آخَرُ- لِلَّذِينِ- أوِ اسْتِئْنافٌ ويَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ، و( رُكَّعًا سُجَّدًا ) حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والمُرادُ تَراهم مُصَلِّينَ، والتَّعْبِيرُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو اسْتِمْرارٌ عُرْفِيٌّ، ومِن هُنا قالَ في البَحْرِ: هَذا دَلِيلٌ عَلى كَثْرَةِ الصَّلاةِ مِنهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ أيْ ثَوابًا ورِضًا، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿تَراهُمْ﴾ أوْ مِنَ المُسْتَتِرِ في ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن بَيانِ مُواظَبَتِهِمْ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا إلَخْ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (ورُضْوانًا) بِضَمِّ الرّاءِ ﴿سِيماهُمْ﴾ أيْ عَلامَتُهم وقُرِئَ (سِيمْياؤُهُمْ) بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ المِيمِ والمَدِّ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ كَثِيرَةٌ في الشِّعْرِ قالَ الشّاعِرُ:
غُلامٍ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعا ∗∗∗ لَهُ سِيمْياءُ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرِ
صفحة 125
وجاءَ سِيماءُ بِالمَدِّ واشْتِقاقُها مِنَ السُّومَةِ بِالضَّمِّ العَلامَةُ تُجْعَلُ عَلى الشّاةِ والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ أيْ في جِباهِهِمْ أوْ هي عَلى ظاهِرِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعُ خَبَرًا لِسِيماهم أوْ بَيانٌ لَها أيْ سِيماهُمُ الَّتِي هي أثَرُ السُّجُودِ، ووَجْهُ إضافَةِ الأثَرِ إلى السُّجُودِ أنَّهُ حادِثٌ مِنَ التَّأْثِيرِ الَّذِي يُؤَثِّرُهُ السُّجُودُ، وشاعَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِما يَحْدُثُ في جَبْهَةِ السُّجّادِ مِمّا يُشْبِهُ أثَرَ الكَيِّ وثَفِنَةَ البَعِيرِ وكانَ كُلٌّ مِنَ العَلِيَّيْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ زَيْنِ العابِدِينَ وعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أبِي الأمْلاكِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يُقالُ لَهُ ذُو الثَّفِناتِ لِأنَّ كَثْرَةَ سُجُودِهِما أحْدَثَ في مَواقِعِهِ مِنهُما أشْباهَ ثَفِناتِ البَعِيرِ وهي ما يَقَعُ عَلى الأرْضِ مِن أعْضائِهِ إذا غَلُظَ، وما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا تُعَلِّبُوا صُوَرَكُمْ)».
أيْ لا تَسِمُوها مِنَ العَلْبِ بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ اللّامِ الأثَرِ، وقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وقَدْ رَأى رَجُلًا بِأنْفِهِ أثَرُ السُّجُودِ: إنَّ صُورَةَ وجْهِكَ أنْفُكَ فَلا تَعْلَبْ وجْهَكَ ولا تَشِنْ صُورَتَكَ فَذَلِكَ إنَّما هو إذا اعْتَمَدَ بِجَبْهَتِهِ وأنْفِهِ عَلى الأرْضِ لِتَحْدُثَ تِلْكَ السِّمَةُ وذاكَ مَحْضُ رِياءٍ ونِفاقٍ يُسْتَعاذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ، والكَلامُ فِيما حَدَثَ في وجْهِ السَّجّادِ الَّذِي لا يَسْجُدُ إلّا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِالسِّيما ذَلِكَ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ إذْ جاءَ رَجُلٌ وفي وجْهِهِ أثَرُ السُّجُودِ فَقالَ: لَقَدْ أفْسَدَ هَذا وجْهَهُ أما واللَّهِ ما هي السِّيما الَّتِي سَمّى اللَّهَ تَعالى ولَقَدْ صَلَّيْتُ عَلى وجْهِي مُنْذُ ثَمانِينَ سَنَةً ما أثَّرَ السُّجُودُ بَيْنَ عَيْنَيَّ، ورُبَّما يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنَ الرَّجُلِ تَعَمُّدًا لِذَلِكَ فَنَفى أنْ يَكُونَ ما حَصَلَ بِهِ هو السِّيما الَّتِي سَمّى اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: كُنّا نُصَلِّي فَلا يُرى بَيْنَ أعْيُنِنا شَيْءٌ ونَرى أحَدَنا الآنَ يُصَلِّي فَتَرى بَيْنَ عَيْنَيْهِ رُكْبَةَ البَعِيرِ فَما نَدْرِي أثَقُلَتِ الأرْؤُسُ أمْ خَشُنَتِ الأرْضُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ السِّيما نَدى الطَّهُورِ وتُرابُ الأرْضِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهُ أثَرٌ في الوَجْهِ ولَكِنَّهُ الخُشُوعُ، وفي رِوايَةٍ هي الخُشُوعُ والتَّواضُعُ، وقالَ مَنصُورٌ: سَألْتُ مُجاهِدًا أهَذِهِ السِّيما هي الأثَرُ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّجُلِ قالَ: لا وقَدْ يَكُونُ مِثْلَ رُكْبَةِ البَعِيرِ وهو أقْسى قَلْبًا مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ: هي صُفْرَةُ الوَجْهِ مِن سَهَرِ اللَّيْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ، ورَوى السُّلَمِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ لَيْسَ ذاكَ هو النُّحُولُ والصُّفْرَةُ ولَكِنَّهُ نُورٌ يَظْهَرُ عَلى وُجُوهِ العابِدِينَ يَبْدُو مِن باطِنِهِمْ عَلى ظاهِرِهِمْ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ولَوْ كانَ في زِنْجِيٍّ أوْ حَبَشِيٍّ، وقالَ عَطاءٌ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو حُسْنٌ يَعْتَرِي وُجُوهَ المُصَلِّينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّمْتُ الحَسَنُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَرى عَلى وُجُوهِهِمْ هَيْبَةً لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمُناجاةِ سَيِّدِهِمْ، والذّاهِبُونَ إلى هَذِهِ الأقْوالِ قائِلُونَ: إنَّ المُرادَ عَلامَتُهم في وُجُوهِهِمْ وهم في الدُّنْيا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هَذِهِ السِّيما في الآخِرَةِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ. وابْنُ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَياضٌ يَغْشى وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ، وأخْرَجُوا عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: مَوْضِعُ السُّجُودِ أشَدُّ وُجُوهِهِمْ بَياضًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «(قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ النُّورُ يَوْمَ القِيامَةِ النُّورُ يَوْمَ القِيامَةِ».
ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ النُّورُ عَلامَةً في وُجُوهِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ
صفحة 126
لَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الآخِرَةِ أظْهَرَ وأتَمَّ خَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالذِّكْرِ، وإذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ (إثْرِ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وهو لُغَةٌ في أثَرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ مِن (آثارِ) بِالجَمْعِ ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، وقِيلَ: البُعْدُ بِاعْتِبارِ المُبْتَدَأِ أعْنِي ﴿أشِدّاءُ﴾ ولَوْ قِيلَ هَذا لَتُوُهِّمَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو النَّعْتُ الأخِيرُ. أعْنِي ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ . وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( مَثَلُهم ) أيْ وصْفُهُمُ العَجِيبُ الشَّأْنِ الجارِي في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( في التَّوْراةِ ) حالٌ مِن ( مَثَلُهم ) والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَثَلُهم ) الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتَكْرِيرُ ( مَثَلُهم ) لِتَأْكِيدِ غَرابَتِهِ وزِيادَةِ تَقْرِيرِها، وقُرِئَ (الأنْجِيلِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ إلَخْ تَمْثِيلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ هم أوْ مَثَلُهم كَزَرْعٍ إلَخْ فالوَقْفُ عَلى ( الإنْجِيلِ ) وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: ( مَثَلُهم ) الثّانِي مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ فالوَقْفُ عَلى ( التَّوْراةِ ) وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ وأبِي حاتِمٍ وقَتادَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً مُبْهَمَةً أُوضِحَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ﴾ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ فَعَلى الأوَّلِ والثّالِثِ ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ شَيْءٌ واحِدٌ إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّالِثِ ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ إلَخْ وعَلى الثّانِي ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ شَيْءٌ وهو ﴿أشِدّاءُ﴾ إلَخْ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ شَيْءٌ آخَرُ وهو ﴿كَزَرْعٍ﴾ إلَخْ.
واعْتُرِضَ الوَجْهُ الثّالِثُ بِأنَّ الأصْلَ في الإشارَةِ أنْ تَكُونَ لِمُتَقَدِّمٍ وإنَّما يُشارُ إلى المُتَأخِّرِ إذا كانَ نَعْتًا لِاسْمِ الإشارَةِ نَحْوَ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾، وفِيهِ أنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ، والشَّطْءُ فُرُوخُ الزَّرْعِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وهو ما خَرَجَ مِنهُ وتَفَرَّعَ في شاطِئَيْهِ أيْ في جانِبَيْهِ، وجَمْعُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ أشْطاءُ، وقالَ قُطْرُبُ: شَوْكُ السُّنْبُلِ يَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ عَشْرُ سُنْبُلاتٍ وتِسْعٌ وثَمانٍ، وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: طَرَفُهُ، وأنْشَدُوا:
اخْرُجِ الشَّطْءَ عَلى وجْهِ الثَّرى ∗∗∗ ومِنَ الأشْجارِ أفْنانُ الثَّمَرِ
وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ أنَّ الشَّطْءَ لا يَكُونُ إلّا في البُرِّ والشَّعِيرِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شَطَأ الزَّرْعُ وأشْطَأ إذا أخْرَجَ فِراخَهُ وهو في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وفي البَحْرِ أشْطَأ الزَّرْعُ أفْرَخَ والشَّجَرَةُ أخْرَجَتْ غُصُونَها.
وفِي القامُوسِ الشَّطْءُ فَراخُ النَّخْلِ والزَّرْعِ أوْ ورَقِهِ جَمْعُهُ شُطُوءٌ، وشَطَأ كَمَنَعَ شَطَأً وشَطْوًا أخْرَجَها، ومِنَ الشَّجَرِ ما خَرَجَ حَوْلَ أصْلِهِ وجَمْعُهُ أشْطاءُ، وأشْطَأ أخْرَجَها اهـ، وفِيهِ ما يَرُدُّ بِهِ عَلى أبِي الفَتْحِ مَعَ زِيادَةٍ لا تَخْفى فائِدَتُها فَلا تَغْفَلْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ (شَطَأهُ) بِفَتْحِ الطّاءِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ وبِالمَدِّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ أيْضًا وبِألِفٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا وأنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ فَنَقَلَ الحَرَكَةَ وأبْدَلَ الهَمْزَةَ ألِفًا كَما قالُوا في المَرْأةِ والكَمْأةِ المَراةُ والكُماةُ، وهو تَخْفِيفٌ مَقِيسٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (شَطَهُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الطّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ شَيْبَةَ ونافِعٍ والجَحْدَرِيِّ، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ أيْضًا (شَطْوَهُ) بِإسْكانِ الطّاءِ وواوٍ بَعْدَها، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ ﴿فَآزَرَهُ﴾ أيْ أعانَهُ وقَوّاهُ قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، قالَ الرّاغِبُ: وأصْلُهُ مِن شَدِّ الإزارِ
صفحة 127
يُقالُ: أزَرْتُهُ أيْ شَدَدْتُ إزارَهُ ويُقالُ: آزَرْتُ البِناءَ وأزَرْتُهُ قَوَّيْتُ أسافِلَهُ، وتَأزَّرَ النَّباتُ طالَ وقَوِيَ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ إمّا مِنَ المُؤازَرَةِ بِمَعْنى المُعاوَنَةِ أوْ مِنَ الإيزارِ وهي الإعانَةُ. وفي البَحْرِ (آزَرَ) أفْعَلُ كَما حُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ فاعَلَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ في مُضارِعِهِ إلّا يُؤْزِرَ عَلى وزْنِ يُكْرِمُ دُونَ يُوازِرُ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ نَفْيٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَدَ مِن بابَيْنِ واسْتَغْنى بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، مَعَ أنَّ السَّرَقُسْطِيَّ نَقَلَهُ عَنِ المازِنِيِّ لَكِنَّهُ قالَ: يُقالُ آزَرَ الشَّيْءُ غَيْرَهُ أيْ ساواهُ وحاذاهُ، وأنْشَدَ لِامْرِئِ القَيْسِ:
بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضّالُّ نَبْتَها ∗∗∗ بِجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخَيَّبَ
وجُعِلَ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: آزَرَهُ صارَ مِثْلَ الأصْلِ في الطُّولِ، والجُمْهُورُ عَلى ما نُقِلَ أوَّلًا، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في (آزَرَهُ لِلشَّطْءِ والمَنصُوبُ لِلزَّرْعِ أيْ فَقَوّى ذَلِكَ الشَّطْءُ الزَّرْعَ، والظّاهِرُ أنَّ الإسْنادَ في ( أخْرَجَ ) و(آزَرَ) مَجازِيٌّ وكَوْنُ ذَلِكَ مِنَ الإسْنادِ إلى المُوجَبِ، وهو حَقِيقَةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ حَيْثُ قالَ في قَوْلِهِمْ: سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ. هَذا القَوْلُ مَجازٌ إذا أُرِيدَ مِنهُ حُصُولُ السُّرُورِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ أمّا إذا أُرِيدَ مِنهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ مُوجِبَةٌ لِلسُّرُورِ فَهو حَقِيقَةٌ لا يَخْفى حالُهُ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ (فَآزَرَهُ) ثُلاثِيًّا. وقُرِئَ (( فَأزَّرَهُ)) بِشَدِّ الزّايِ أيْ فَشَدَّ أزْرَهُ وقَوّاهُ ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ فَصارَ مِنَ الدِّقَّةِ إلى الغِلَظِ وهو مِن بابِ اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في الغِلَظِ كَما في اسْتَعْصَمَ ونَحْوَهُ، وأُوثِرُ الأوَّلَ لِأنَّ المَساقَ يُنْبِئُ عَنِ التَّدَرُّجِ ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ فاسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ وأُصُولِهِ جَمْعُ ساقٍ نَحْوَ لابَةٍ ولُوبٍ وقارَّةٍ وقُورٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (سُوقِهِ) بِإبْدالِ الواوِ المَضْمُومِ ما قَبْلَها هَمْزَةً، قِيلَ: وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أحَبُّ المُؤَقِّدِينَ إلَيَّ مُوسى ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ بِقُوَّتِهِ وكَثافَتِهِ وغِلَظِهِ وحُسْنِ مَنظَرِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُعْجَبًا لَهُمْ، وخَصَّهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ إذا أعْجَبَ الزُّرّاعَ وهم يَعْرِفُونَ عُيُوبَ الزَّرْعِ فَهو أحْرى أنْ يُعْجِبَ غَيْرَهُمْ، وهُنا تَمَّ المَثَلُ وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَلُّوا في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ كَثُرُوا واسْتَحْكَمُوا فَتَرَقّى أمْرُهم يَوْمًا فَيَوْمًا بِحَيْثُ أعْجَبَ النّاسَ، وهَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُهم وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، وذَكَرا عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْضًا: مَكْتُوبٌ في الإنْجِيلِ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرْعِ يَخْرُجُ مِنهم قَوْمٌ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ. وفي الكَشّافِ هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَدْءِ مِلَّةِ الإسْلامِ وتَرَقِّيهِ في الزِّيادَةِ إلى أنْ قَوِيَ واسْتَحْكَمَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ وحْدَهُ ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ تَعالى بِمَن مَعَهُ كَما يُقَوِّي الطّاقَةَ الأُولى ما يَحْتَفُّ بِها مِمّا يَتَوَلَّدُ مِنها، وظاهِرُهُ أنَّ الزَّرْعَ هو النَّبِيُّ ﷺ والشَّطْءَ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَيَكُونُ مَثَلًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِ لا لِأصْحابِهِ فَقَطْ كَما في الأوَّلِ ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ، ورُوِيَ الثّانِي عَنِ الواقِدِيِّ، وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ عِلَّةٌ لِما يُعْرِبُ عَنْهُ الكَلامُ مِن إيجادِهِ تَعالى لَهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ التَّمْثِيلُ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عِلَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: عِلَّةٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ فَإنَّ الكَفّارَ إذا سَمِعُوا بِما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ العِزَّةِ غاظَهم ذَلِكَ، وهو مَعَ تَوَقُّفِ تَمامِيَّتِهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ
صفحة 128
عَلى كَوْنِ الكَفّارِ مُسْتَيْقِنِينَ بِالآخِرَةِ ومُتَحَقِّقِينَ كَوْنَ الوَعْدِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بَعِيدٌ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِمَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ، و(مِن) لِلْبَيانِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ ولَيْسَ مَجِيئُها كَذَلِكَ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَتْ داخِلَةً عَلى ظاهِرٍ كَما تَوَهَّمَ صاحِبُ التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ فَقالَ: حَمْلُ (مِن) لِلْبَيانِ إذا كانَ داخِلًا عَلى الضَّمِيرِ مُخالِفٌ لِاسْتِعْمالِ العَرَبِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ صاحِبُ التَّرْجَمَةِ لَكِنْ قالَ: لَوِ ادَّعى هَذا الخِلافَ في ضَمِيرَيِ الخِطابِ والتَّكَلُّمَ لَمْ يَبْعُدْ.
ومِن مَجِيئِها لِلْبَيانِ داخِلَةً عَلى ضَمِيرِ الغائِبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿تَزَيَّلُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلتَّبْعِيضِ كَما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ الزّاعِمُونَ ارْتِدادَ أكْثَرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ مَدْحَهُمُ السّابِقَ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ووَصْفُهم بِما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ يَأْبى التَّبْعِيضَ والِارْتِدادَ الَّذِينَ زَعَمُوهُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى إنْصافٍ وشِمَّةٍ مِن دِينٍ، ويَزِيدُ زَعْمَهم هَذا سُقُوطًا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ أنَّ مَدْحَهم ذاكَ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ولا يَكادُ عاقِلٌ يَقْبَلُ أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ المَدْحَ وكَتَبَهُ لِأُناسٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ، وإذا قُلْنا: إنَّ هَؤُلاءِ المَمْدُوحِينَ هم أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ الَّذِينَ بايَعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحُدَيْبِيَةَ كَما يُشْعِرُ بِهِ ( والَّذِينَ مَعَهُ ) لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةِ بِتَمامِها نَزَلَتْ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ سُقُوطُ ذَلِكَ الزَّعْمِ أبْيَنَ وأبْيَنَ لِأنَّ الِارْتِدادَ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ كانَ لِتَرْكِ مُبايَعَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ العِلْمِ بِالنَّصِّ عَلى خِلافَتِهِ بِزَعْمِهِمْ ومُبايَعَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكَيْفَ يَكُونُ ذاكَ ارْتِدادًا واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ حِينَ رَضِيَ عَنْهم عَلى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما رَضِيَ عَنْ مُبايَعَتِهِمْ أوْ عَنْهم مِن حَيْثُ المُبايَعَةُ ولَمْ يَرْضَ سُبْحانَهُ عَنْهم مُطْلَقًا لِأجْلِها خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، والظّاهِرُ ما نُفِيَ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ صُدُورُ بَعْضِ المَعاصِي مِن بَعْضِهِمْ بَعْدُ وإنَّما يُعَكِّرُ صُدُورُ ما لا يُجامِعُ الرِّضا أصْلًا كالِارْتِدادِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وبِالجُمْلَةِ جَعْلُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِيُتِمَّ لِلشِّيعَةِ ما زَعَمُوهُ مِمّا يَأْباهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ وكَلامُ العِتْرَةِ. وفي التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ مِن ذَلِكَ ما تَنْشَرِحُ لَهُ الصُّدُورُ وتَزْدادُ بِهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ نُورًا عَلى نُورٍ، ويا سُبْحانَ اللَّهِ أيْنَ جَعْلُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ مِن دَعْوى الِارْتِدادِ، ولَكِنْ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ، وتَأْخِيرُ ( مِنهم ) هُنا عَنْ ( عَمِلُوا الصّالِحاتِ ) وتَقْدِيمُ ( مِنكم ) عَلَيْهِ في آيَةِ النُّورِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا لِأنَّ عَمَلَ الصّالِحاتِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُمْ، وذَلِكَ ثَمَّتْ لِبَيانِ الخُلَفاءِ، والعَمَلُ الصّالِحُ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لِاسْتِمْرارِ صِحَّةِ خِلافَتِهِمْ حَتّى لا يَنْعَزِلُوا بِالفِسْقِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ( مِنهم ) يَعْنِي مِنَ الشَّطْءِ الَّذِي أخْرَجَهُ الزَّرْعُ وهُمُ الدّاخِلُونَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى الشَّطْءِ وكَذَلِكَ فَعَلَ البَغَوِيُّ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وهَذا وفي المَواهِبِ أنَّ الإمامَ مالِكًا قَدِ اسْتَنْبَطَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْفِيرَ الرَّوافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَإنَّهم يَغِيظُونَهم ومَن غاظَهُ الصَّحابَةُ فَهو كافِرٌ، ووافَقَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ انْتَهى. وفي البَحْرِ ذُكِرَ عِنْدَ مالِكٍ رَجُلٌ يَنْتَقِصُ الصَّحابَةَ فَقَرَأ مالِكٌ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أصْبَحَ مِنَ النّاسِ في قَلْبِهِ غَيْظٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَدْ أصابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، ويُعْلَمُ تَكْفِيرُ الرّافِضَةِ بِخُصُوصِهِمْ، وفي كَلامِ عائِشَةَ
صفحة 129
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ما يُشِيرُ إلَيْهِ أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ قالَتْ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم فَسَبُّوهُمْ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ جَعْلُ جُمَلِ الآيَةِ كُلَّ جُمْلَةٍ مُشِيرَةً إلى مُعَيَّنٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ﴿أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿فَآزَرَهُ﴾ بِعُمَرَ ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ بِعُثْمانَ ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والقاضِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ في فَضائِلِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ. والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبُو بَكْرٍ ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ عُمَرُ ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ عُثْمانُ ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ بِعُمَرَ ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ بِعُثْمانَ ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ جَمِيعَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ﴾ قالَ: أصْلُ الزَّرْعِ عَبْدُ المُطَّلِبِ ﴿أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَآزَرَهُ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ بِعُمَرَ ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ بِعُثْمانَ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكُلُّ هَذِهِ الأخْبارِ لَمْ تَصِحَّ فِيما أرى ولا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ما في الآيَةِ عَلَيْها، وأعْتَقِدُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الحَظَّ الأوْفى مِمّا تَضَمَّنَتْهُ، ومَتى أُرِيدَ بِالزَّرْعِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ حَظُّ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن ”شَطْأهُ“ أوْفى مِن حَظِّ سائِرِ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّ مُؤازَرَتَهُ ومُعاوَنَتَهُ البَدَنِيَّةَ بِقَتْلِ كَثِيرٍ مِنَ الكَفَرَةِ أعْدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْثَرُ مِن مُؤازَرَةِ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ أيْضًا، ومَعَ هَذا لا يَنْخَدِشُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَقِّقُو أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ في مَسْألَةِ التَّفْضِيلِ كَما لا يَخْفى عَلى النَّبِيهِ النَّبِيلِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ يُشِيرُ عِنْدَهم إلى فَتْحِ مَكَّةَ العَماءُ بِإدْخالِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ ظاهِرَةٌ بِنُورِ الوُجُودِ فِيها أيْ إظْهارُها لِلْعِيانِ لِأجْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ لامَ ( لَكَ ) لِلتَّعْلِيلِ، وحاصِلُهُ أظْهَرْنا العالَمَ لِأجْلِكَ وهو في مَعْنى ما يَرْوُونَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (لَوْلاكَ لَوْلاكَ ما خُلِقَتِ الأفْلاكُ).
وقِيلَ: يُشِيرُ إلى فَتْحِ بابِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى حَضْرَةِ رُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَجَلِّي صِفاتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ وفَتْحِ ما انْغَلَقَ عَلى جَمِيعِ القُلُوبِ مِنَ الأسْرارِ وتَفْصِيلِ شَرائِعِ الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُتُوحاتِ قَلْبِهِ ﷺ.
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ لِيَسْتُرَ وُجُودَكَ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِوُجُودِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِإثْباتِ جَمِيعِ حَسَناتِ العالَمِ في صَحِيفَتِكَ إذْ كُنْتَ العِلَّةَ في إظْهارِهِ ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ والفَرْقِ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ عَلى النُّفُوسِ الأمّارَةِ مِمَّنْ تَدْعُوهم إلى الحَقِّ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ قَلَّما يُشْبِهُهُ نَصْرٌ، ومِن هُنا كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَبَعًا، وكانَ عُلَماءُ أُمَّتِهِ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَصَلَ لِأُمَّتِهِ بِواسِطَةِ تَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم وإفاضَةِ الأنْوارِ والأسْرارِ عَلى نُفُوسِهِمْ وأرْواحِهِمْ، والمُرادُ لِيَجْمَعَ لَكَ هَذِهِ الأُمُورَ فَلا تَغْفَلْ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسَّرُوها بِشَيْءٍ يَجْمَعُ نُورًا وقُوَّةً ورُوحًا بِحَيْثُ يَسْكُنُ إلَيْهِ ويَتَسَلّى بِهِ الحَزِينُ والضَّجِرُ ويَحْدُثُ عِنْدَهُ القِيامُ بِالخِدْمَةِ
صفحة 130
ومُحاسَبَةِ النَّفْسِ ومُلاطَفَةِ الخَلْقِ ومُراقَبَةِ الحَقِّ والرِّضا بِالقَسْمِ والمَنعِ مِنَ الشَّطْحِ الفاحِشِ، وقالُوا: لا تَنْزِلُ السَّكِينَةُ إلّا في قَلْبِ نَبِيٍّ أوْ ولِيٍّ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ فَيَحْصُلُ لَهُمُ الإيمانُ العَيانِيُّ والإيمانُ الِاسْتِدْلالِيُّ البُرْهانِيُّ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إذْ كُنْتَ أوَّلَ مَخْلُوقٍ، ومِن هُنا أحاطَ ﷺ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاهَدَ خَلْقَ جَمِيعِها، ومِن هَذا المَقامِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ)».
﴿ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ إذْ كُنْتُ أعْلَمُ الخَلْقِ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ يُشِيرُ عِنْدَهم إلى كَمالِ فَناءِ وجُودِهِ ﷺ وبَقائِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ﴾ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ السَّيْرِ إلى قِتالِ الأنْفُسِ الأمارَةِ ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ مِن سُكّانِ بِوادِي الطَّبِيعَةِ ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ العَوائِقُ والعَلائِقُ ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ سَتْرَ ذَلِكَ عَنّا لِيَتَأتّى لَنا السَّيْرُ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ لِتَمَكُّنِ حُبِّ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ وعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِدُخُولِ غَيْرِهِ فِيها:
رَضُوا بِالأمانِي وابْتَلَوْا بِحُظُوظِهِمْ وخاضُوا بِحارَ الحُبِّ دَعْوى فَما ابْتُلُوا
﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ أيْ إنَّ هاتَيْكَ العَوائِقَ والعَلائِقَ لا تُجْدِيكم شَيْئًا ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِي الحِكْمَةُ ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ﴾ بَلْ حَسِبْتُمْ أنْ لا يَرْجِعَ العَقْلُ والقُوى الرُّوحانِيَّةُ مِنَ السّالِكِينَ السّائِرِينَ إلى جِهادِ النَّفْسِ وطَلَبِ مَغانِمِ التَّجَلِّياتِ والأُنْسِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن إدْراكِ المَصالِحِ وتَدْبِيرِ حالِ المَعاشِ وما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ النَّشْأةُ ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكُنْتُمْ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ هالِكِينَ في مَهالِكِ الطَّبِيعَةِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ وهي مَغانِمُ التَّجَلِّياتِ ومَواهِبُ الحَقِّ لِأرْبابِ الحَضْراتِ ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ دَعُونا نَسْلُكْ مَسْلَكَكم لِنَنالَ مَنالَكم ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ في حَقِّهِمْ مِن حِرْمانِهِمُ المَغانِمَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ﴾ حَكَمَ وقَضى ﴿مِن قَبْلُ﴾ إذْ كُنْتُمْ في عالَمِ الأعْيانَ الثّابِتَةِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ ولِهَذا تَمْنَعُونَنا عَنِ الِاتِّباعِ ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلا﴾ ولِذَلِكَ نَسَبُوا الحَسَدَ وهو مِن أقْبَحِ الصِّفاتِ إلى ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ المُطَهَّرَةِ عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ الرَّدِيَّةِ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ﴾ ولا تُتْرَكُونَ سُدًى ﴿إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وهُمُ النَّفْسُ وقُواها ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ يَنْقادُونَ لِحُكْمِ رَسُولِ العَقْلِ المُنَزَّهِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ ﴿فَإنْ تُطِيعُوا﴾ الدّاعِيَ ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ مِن أنْواعِ المَعارِفِ والتَّجَلِّياتِ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ والحِجابِ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى﴾ وهو مَن لَمْ يَرَ في الدّارِ غَيْرَهُ دِيارًا ﴿حَرَجٌ﴾ في تَرْكِ السُّلُوكِ والجِهادِ المَطْلُوبِ مِنكم لِأنَّهُ وراءَ ذَلِكَ ﴿ولا عَلى الأعْرَجِ﴾ وهو مَن فَقَدَ شَيْخًا كامِلًا سالِمًا عَنْ عَيْبٍ في كَيْفِيَّةِ التَّسْلِيكِ والإيصالِ ﴿حَرَجٌ﴾ في تَرْكِ السُّلُوكِ أيْضًا، وهو إشارَةٌ إلى ما قالُوا مِن أنَّ تَرْكَ السُّلُوكِ خَيْرٌ مِنَ السُّلُوكِ عَلى يَدِ ناقِصٍ ﴿ولا عَلى المَرِيضِ﴾ بِمَرَضِ العِشْقِ والهَيامِ ﴿حَرَجٌ﴾ في ذاكَ أيْضًا لِأنَّهُ مَجْذُوبٌ والجَذْبَةُ خَيْرٌ مِنَ السُّلُوكِ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يُشِيرُ إلى المُعاهِدِينَ عَلى القَتْلِ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ تَحْتَ سَمُرَةِ الِانْفِرادِ عَنِ الأهْلِ والمالِ، ويُقالُ في أكْثَرِ الآياتِ الآتِيَةِ نَحْوُ هَذا ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ أعْداءُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مَقامِ الفَرْقِ ( رُحَماءُ فِيما بَيْنَهم ) لِقُوَّةٍ مُناسِبَةِ بَعْضِهِمْ
صفحة 131
بَعْضًا فَهم جامِعُونَ لِصِفَتَيِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ لَهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَمِ السُّجُودِ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا والأُخْرى وتِلْكَ السِّيما خَلْعُ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، قالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: كادَ وجْهُ المُؤْمِنِ يُخْبِرُ عَنْ مَكْنُونِ عَمَلِهِ وكَذَلِكَ وجْهُ الكافِرِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً﴾ سَتْرًا لِصِفاتِهِمْ بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو أنْ يَتَجَلّى سُبْحانَهُ لَهم بِأعْظَمِ تَجَلِّياتِهِ وإلّا فَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ جَلَّ جَلالُهُ لَيْسَ بِعَظِيمٍ، وسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ رَحِيمٍ ومَلِكٍ كَرِيمٍ.