Tafsir Al-Alusi — الحديد 57:1 – المجادلة 58:22
المحتويات
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:5
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:5
- المجادلة 58:6
- المجادلة 58:7
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:14
- المجادلة 58:15
- المجادلة 58:16
- المجادلة 58:17
- المجادلة 58:18
- المجادلة 58:19
- المجادلة 58:20
- المجادلة 58:21
- المجادلة 58:22
الحديد 57:1
صفحة 164
سُورَةُ الحَدِيدِ
أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: هي مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّها مَكَّيَّةٌ، نَعَمِ الجُمْهُورُ - كَما قالَ ابْنُ الفَرَسِ - عَلى ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا لَكِنْ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ صَدْرُها مَكِّيًّا، ويَشْهَدُ لِهَذا ما أخْرَجَهُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أُخْتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَإذا صَحِيفَةٌ فِيها أوَّلُ سُورَةِ الحَدِيدِ فَقَرَأهُ حَتّى بَلَغَ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحَدِيدَ: 7] فَأسْلَمَ، ويَشْهَدُ لِمَكَّيَّةِ آياتٍ أُخَرَ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحَدِيدَ: 16] إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلامِهِمْ وبَيْنَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها إلّا أرْبَعُ سِنِينَ ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ [الحَدِيدَ: 16] الآيَةَ لَكِنْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آثارٌ تَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّةِ ما ذُكِرَ ولَعَلَّها لا تَصْلُحُ لِلْمُعارَضَةِ.
ونَزَلَتْ يَوْمَ الثُّلاثاءِ عَلى ما أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ «عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا لا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الثُّلاثاءِ فَإنَّ سُورَةَ الحَدِيدِ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ يَوْمَ الثُّلاثاءِ»، وفِيهِ أيْضًا خَبَرٌ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في العِراقِيِّ، وثَمانٍ وعِشْرُونَ في غَيْرِهِ، ووَجْهُ اتِّصالِها - بِالواقِعَةِ - أنَّها بُدِئَتْ بِذِكْرِ التَّسْبِيحِ وتِلْكَ خُتِمَتْ بِالأمْرِ بِهِ، وكانَ أوَّلُها واقِعًا مَوْقِعَ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ) [الواقِعَةَ: 74، 96، الحاقَّةَ: 52] لِأنَّهُ سَبَّحَ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وجاءَ في فَضْلِها مَعَ أخَواتِها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ المُسَبِّحاتِ قَبْلَ أنْ يَرْقُدَ، وقالَ: إنَّ فِيهِنَّ آيَةً أفْضَلَ مِن ألْفِ آيَةٍ»» وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ نَحْوَهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ
ثُمَّ قالَ: قالَ يَحْيى: نَراها الآيَةَ الَّتِي في آخِرِ الحَشْرِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ التَّسْبِيحُ عَلى المَشْهُورِ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى اعْتِقادًا وقَوْلًا وعَمَلًا عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا ذَهَبَ وأبْعَدَ فِيهِما، وحَيْثُ أسْنَدَها هُنا إلى غَيْرِ العُقَلاءِ أيْضًا فَإنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يَعُمُّ جَمِيعَ ما فِيهِما سَواءٌ كانَ مُسْتَقِرًّا فِيهِما أوْ جُزْءًا مِنهُما بَلِ المُرادُ بِما فِيهِما المَوْجُوداتُ فَيَكُونُ أظَهَرَ في تَناوُلِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَتَناوَلُ أيْضًا المَوْجُوداتِ المُجَرَّدَةَ عِنْدَ القائِلِ بِها، قالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ بِهِ مَعْنًى عامٌّ مَجازِيٌّ شامِلٌ لِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ المَقالِ كَتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، ولِسانُ الحالِ كَتَسْبِيحِ غَيْرِهِمْ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْجُوداتِ يَدُلُّ بِإمْكانِهِ وحُدُوثِهِ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ الوُجُودِ المُتَّصِفِ بِكُلِّ كَمالٍ المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ التَّسْبِيحَ عَلى حَقِيقَتِهِ المَعْرُوفَةِ في الجَمِيعِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ثُبُوتِ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ والإدْراكِ لِسائِرِ الحَيَواناتِ والجَماداتِ عَلى ما يَلِيقُ بِكُلٍّ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ فَتَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهم قالِيٌّ وإنْ تَفاوَتَ الأمْرُ، وقِيلَ: مَعْنى سَبَّحَ حَمَلَ رائِيَهُ العاقِلَ عَلى قَوْلِ سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى ونَبَّهَهُ عَلَيْهِ وهو كَما تَرى، ومَن يُجَوِّزُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا لا يَحْتاجُ إلى
صفحة 165
عُمُومِ المَجازِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَ ما لِلْعالَمِ فَقَطْ مِثْلَها في قَوْلِ أهْلِ الحِجازِ كَما حَكى أبُو زَيْدٍ عِنْدَ سَماعِ الرَّعْدِ - سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَها العالَمَ وغَيْرَهُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّها في الوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وإنَّ أصْلَ الكَلامِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثُمَّ حُذِفَتْ ما الثّانِيَةُ وأُقِيمَتْ صِفَتُها مَقامَها، ولا يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَقُومُ مَقامَ المَوْصُولِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وتَقُومُ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ عِنْدَ الجَمِيعِ، والحَمْلُ عَلى المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ وكَوْنُ المَذْكُورَةِ مَوْصُولَةً والمَحْذُوفَةِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً مِمّا لا وجْهَ لَهُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ الصَّرِيحِ في مِثْلِ ذَلِكَ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى وجِيءَ بِاللّامِ مَعَ أنَّ التَّسْبِيحَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفَتْحَ: 9] لِلتَّأْكِيدِ فَهي مَزِيدَةٌ لِذَلِكَ كَما في نَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَ التَّسْبِيحَ وأوْقَعَهُ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى وخالِصًا لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى، وعُبِّرَ بِالماضِي هُنا وفي بَعْضِ الأخَواتِ وبِالمُضارِعِ في البَعْضِ الآخَرِ إيذانًا بِتَحَقُّقِ التَّسْبِيحِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وفي كُلٍّ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِن شَأْنِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ التَّسْبِيحُ أنْ يُسَبِّحَهُ وذَلِكَ هَجِيراهُ ودَيْدَنُهُ، أمّا دَلالَةُ المُضارِعِ عَلَيْهِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ إلى زَمانِ الإخْبارِ وكَذَلِكَ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ لِعُمُومِ المَعْنى المُقْتَضِي لِلتَّسْبِيحِ وصُلُوحِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ حَيْثُ جُرِّدَ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ وأوْثِرَ عَلى الِاسْمِ دَلالَةً عَلى تَجَدُّدِ تَسْبِيحٍ غِبَّ تَسْبِيحٍ، وأمّا دَلالَةُ الماضِي فَلِلتَّجَرُّدِ عَنِ الزَّمانِ أيْضًا مَعَ التَّحْقِيقِ الَّذِي هو مُقْتَضاهُ فَيَشْمَلُ الماضِيَ مِنَ الزَّمانِ ومُسْتَقْبَلَهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الإيذانُ والدَّلالَةُ عَلى الِاسْتِمْرارِ مُسْتَفادانِ مِن مَجْمُوعَيِ الماضِي والمُضارِعِ حَيْثُ دَلَّ الماضِي عَلى الِاسْتِمْرارِ إلى زَمانِ الإخْبارِ والمُضارِعُ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ فَشَمِلا مَعًا جَمِيعَ الأزْمِنَةِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: افْتُتِحَتْ بَعْضُ السُّورِ بِلَفْظِ المَصْدَرِ وبَعْضٌ بِالماضِي وبَعْضٌ بِالمُضارِعِ وبَعْضٌ بِالأمْرِ فاسْتَوْعَبَ جَمِيعَ جِهاتِ هَذِهِ الكَلِمَةِ إعْلامًا بِأنَّ المُكَوِّناتِ مِن لَدُنْ إخْراجِها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إلى الأبَدِ مُسَبِّحَةٌ مُقَدِّسَةٌ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قَوْلًا وفِعْلًا طَوْعًا وكَرْهًا ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءَ: 44] ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُنازِعُهُ ولا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشْعِرٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ فِيهِما وفِيما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِن حَيْثُ الإيجادِ والإعْدامِ وسائِرِ التَّصَرُّفاتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المَلِكِ وإذا جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو يُحْيِي ويُمِيتُ كانَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ كَذَلِكَ وجَعْلُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ لَهُ يُوهِمُ تَقْيِيدَ اخْتِصاصِ المَلِكِ بِهَذِهِ الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ ﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ تَذْيِيلٌ وتَكْمِيلٌ لِما قَبْلَهُ.
الحديد 57:2
صفحة 164
سُورَةُ الحَدِيدِ
أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: هي مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّها مَكَّيَّةٌ، نَعَمِ الجُمْهُورُ - كَما قالَ ابْنُ الفَرَسِ - عَلى ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا لَكِنْ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ صَدْرُها مَكِّيًّا، ويَشْهَدُ لِهَذا ما أخْرَجَهُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أُخْتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَإذا صَحِيفَةٌ فِيها أوَّلُ سُورَةِ الحَدِيدِ فَقَرَأهُ حَتّى بَلَغَ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحَدِيدَ: 7] فَأسْلَمَ، ويَشْهَدُ لِمَكَّيَّةِ آياتٍ أُخَرَ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحَدِيدَ: 16] إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلامِهِمْ وبَيْنَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها إلّا أرْبَعُ سِنِينَ ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ [الحَدِيدَ: 16] الآيَةَ لَكِنْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آثارٌ تَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّةِ ما ذُكِرَ ولَعَلَّها لا تَصْلُحُ لِلْمُعارَضَةِ.
ونَزَلَتْ يَوْمَ الثُّلاثاءِ عَلى ما أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ «عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا لا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الثُّلاثاءِ فَإنَّ سُورَةَ الحَدِيدِ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ يَوْمَ الثُّلاثاءِ»، وفِيهِ أيْضًا خَبَرٌ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في العِراقِيِّ، وثَمانٍ وعِشْرُونَ في غَيْرِهِ، ووَجْهُ اتِّصالِها - بِالواقِعَةِ - أنَّها بُدِئَتْ بِذِكْرِ التَّسْبِيحِ وتِلْكَ خُتِمَتْ بِالأمْرِ بِهِ، وكانَ أوَّلُها واقِعًا مَوْقِعَ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ) [الواقِعَةَ: 74، 96، الحاقَّةَ: 52] لِأنَّهُ سَبَّحَ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وجاءَ في فَضْلِها مَعَ أخَواتِها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ المُسَبِّحاتِ قَبْلَ أنْ يَرْقُدَ، وقالَ: إنَّ فِيهِنَّ آيَةً أفْضَلَ مِن ألْفِ آيَةٍ»» وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ نَحْوَهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ
ثُمَّ قالَ: قالَ يَحْيى: نَراها الآيَةَ الَّتِي في آخِرِ الحَشْرِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ التَّسْبِيحُ عَلى المَشْهُورِ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى اعْتِقادًا وقَوْلًا وعَمَلًا عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا ذَهَبَ وأبْعَدَ فِيهِما، وحَيْثُ أسْنَدَها هُنا إلى غَيْرِ العُقَلاءِ أيْضًا فَإنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يَعُمُّ جَمِيعَ ما فِيهِما سَواءٌ كانَ مُسْتَقِرًّا فِيهِما أوْ جُزْءًا مِنهُما بَلِ المُرادُ بِما فِيهِما المَوْجُوداتُ فَيَكُونُ أظَهَرَ في تَناوُلِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَتَناوَلُ أيْضًا المَوْجُوداتِ المُجَرَّدَةَ عِنْدَ القائِلِ بِها، قالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ بِهِ مَعْنًى عامٌّ مَجازِيٌّ شامِلٌ لِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ المَقالِ كَتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، ولِسانُ الحالِ كَتَسْبِيحِ غَيْرِهِمْ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْجُوداتِ يَدُلُّ بِإمْكانِهِ وحُدُوثِهِ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ الوُجُودِ المُتَّصِفِ بِكُلِّ كَمالٍ المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ التَّسْبِيحَ عَلى حَقِيقَتِهِ المَعْرُوفَةِ في الجَمِيعِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ثُبُوتِ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ والإدْراكِ لِسائِرِ الحَيَواناتِ والجَماداتِ عَلى ما يَلِيقُ بِكُلٍّ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ فَتَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهم قالِيٌّ وإنْ تَفاوَتَ الأمْرُ، وقِيلَ: مَعْنى سَبَّحَ حَمَلَ رائِيَهُ العاقِلَ عَلى قَوْلِ سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى ونَبَّهَهُ عَلَيْهِ وهو كَما تَرى، ومَن يُجَوِّزُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا لا يَحْتاجُ إلى
صفحة 165
عُمُومِ المَجازِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَ ما لِلْعالَمِ فَقَطْ مِثْلَها في قَوْلِ أهْلِ الحِجازِ كَما حَكى أبُو زَيْدٍ عِنْدَ سَماعِ الرَّعْدِ - سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَها العالَمَ وغَيْرَهُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّها في الوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وإنَّ أصْلَ الكَلامِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثُمَّ حُذِفَتْ ما الثّانِيَةُ وأُقِيمَتْ صِفَتُها مَقامَها، ولا يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَقُومُ مَقامَ المَوْصُولِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وتَقُومُ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ عِنْدَ الجَمِيعِ، والحَمْلُ عَلى المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ وكَوْنُ المَذْكُورَةِ مَوْصُولَةً والمَحْذُوفَةِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً مِمّا لا وجْهَ لَهُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ الصَّرِيحِ في مِثْلِ ذَلِكَ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى وجِيءَ بِاللّامِ مَعَ أنَّ التَّسْبِيحَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفَتْحَ: 9] لِلتَّأْكِيدِ فَهي مَزِيدَةٌ لِذَلِكَ كَما في نَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَ التَّسْبِيحَ وأوْقَعَهُ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى وخالِصًا لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى، وعُبِّرَ بِالماضِي هُنا وفي بَعْضِ الأخَواتِ وبِالمُضارِعِ في البَعْضِ الآخَرِ إيذانًا بِتَحَقُّقِ التَّسْبِيحِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وفي كُلٍّ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِن شَأْنِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ التَّسْبِيحُ أنْ يُسَبِّحَهُ وذَلِكَ هَجِيراهُ ودَيْدَنُهُ، أمّا دَلالَةُ المُضارِعِ عَلَيْهِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ إلى زَمانِ الإخْبارِ وكَذَلِكَ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ لِعُمُومِ المَعْنى المُقْتَضِي لِلتَّسْبِيحِ وصُلُوحِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ حَيْثُ جُرِّدَ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ وأوْثِرَ عَلى الِاسْمِ دَلالَةً عَلى تَجَدُّدِ تَسْبِيحٍ غِبَّ تَسْبِيحٍ، وأمّا دَلالَةُ الماضِي فَلِلتَّجَرُّدِ عَنِ الزَّمانِ أيْضًا مَعَ التَّحْقِيقِ الَّذِي هو مُقْتَضاهُ فَيَشْمَلُ الماضِيَ مِنَ الزَّمانِ ومُسْتَقْبَلَهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الإيذانُ والدَّلالَةُ عَلى الِاسْتِمْرارِ مُسْتَفادانِ مِن مَجْمُوعَيِ الماضِي والمُضارِعِ حَيْثُ دَلَّ الماضِي عَلى الِاسْتِمْرارِ إلى زَمانِ الإخْبارِ والمُضارِعُ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ فَشَمِلا مَعًا جَمِيعَ الأزْمِنَةِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: افْتُتِحَتْ بَعْضُ السُّورِ بِلَفْظِ المَصْدَرِ وبَعْضٌ بِالماضِي وبَعْضٌ بِالمُضارِعِ وبَعْضٌ بِالأمْرِ فاسْتَوْعَبَ جَمِيعَ جِهاتِ هَذِهِ الكَلِمَةِ إعْلامًا بِأنَّ المُكَوِّناتِ مِن لَدُنْ إخْراجِها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إلى الأبَدِ مُسَبِّحَةٌ مُقَدِّسَةٌ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قَوْلًا وفِعْلًا طَوْعًا وكَرْهًا ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءَ: 44] ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُنازِعُهُ ولا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشْعِرٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ فِيهِما وفِيما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِن حَيْثُ الإيجادِ والإعْدامِ وسائِرِ التَّصَرُّفاتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المَلِكِ وإذا جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو يُحْيِي ويُمِيتُ كانَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ كَذَلِكَ وجَعْلُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ لَهُ يُوهِمُ تَقْيِيدَ اخْتِصاصِ المَلِكِ بِهَذِهِ الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ ﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ تَذْيِيلٌ وتَكْمِيلٌ لِما قَبْلَهُ.
الحديد 57:3
﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ السّابِقُ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ فَهو سُبْحانَهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى الزَّمانُ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا المُوجِدُ والمُحْدِثُ لِلْمَوْجُوداتِ ﴿والآخِرُ﴾ الباقِي بَعْدَ فَنائِها حَقِيقَةً أوْ نَظَرًا إلى ذاتِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُبْقِيها فَإنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ إذا قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ عِلَّتِها فَهي فانِيَةٌ.
ومِن هُنا قالَ ابْنُ سِينا: المُمْكِنُ في حَدِّ ذاتِهِ لَيْسَ وهو عَنْ عِلَّتِهِ أيْسَ فَلا يُنافِي هَذا كَوْنَ بَعْضِ
صفحة 166
المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ لا تَفْنى كالجَنَّةِ والنّارِ ومَن فِيهِما كَما هو مُقَرَّرٌ مُبَيَّنٌ بِالآياتِ والأحادِيثِ لِأنَّ فَناءَها في حَدِّ ذاتِها أمْرٌ لا يَنْفَكُّ عَنْها، وقَدْ يُقالُ: فَناءُ كُلِّ مُمْكِنٍ بِالفِعْلِ لَيْسَ بِمُشاهَدٍ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ إنَّما هو إمْكانُهُ فالبُعْدِيَّةُ في مِثْلِهِ بِحَسَبِ التَّصَوُّرِ والتَّقْدِيرِ، وقِيلَ: هو الأوَّلُ الَّذِي تَبْتَدِئُ مِنهُ الأسْبابُ إذْ هو سُبْحانَهُ مُسَبِّبُها والآخِرُ الَّذِي تَنْتَهِي إلَيْهِ المُسَبَّباتُ فالأوَّلِيَّةُ ذاتِيَّةٌ والآخِرِيَّةُ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى المَرْجِعُ والمَصِيرُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ البَقاءِ الثّابِتِ بِالأدِلَّةِ، وقِيلَ: الأوَّلُ خارِجًا لِأنَّهُ تَعالى أوْجَدَ الأشْياءَ فَهو سُبْحانَهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها في نَفْسِ الأمْرِ الخارِجِيِّ والآخِرُ ذِهْنًا وبِحَسَبِ التَّعَلُّقِ لِأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالمَوْجُوداتِ الدّالَّةِ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ كَما قِيلَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى بَعْدَهُ، وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: إنَّ الأوَّلَ يَكُونُ أوَّلًا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ، والآخِرُ يَكُونُ آخِرًا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ، وهُما مُتَناقِضانِ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ مِن وجْهٍ واحِدٍ بِالإضافَةِ إلَيْها أوَّلَ إذْ كُلُّها اسْتَفادَتِ الوُجُودَ مِنهُ سُبْحانَهُ وأمّا هو عَزَّ وجَلَّ فَمَوْجُودٌ بِذاتِهِ وما اسْتَفادَ الوُجُودَ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ، ومَهْما نَظَرْتَ إلى تَرْتِيبِ السُّلُوكِ ولاحَظْتَ مَنازِلَ السّالِكِينَ فَهو تَعالى آخِرٌ إذْ هو آخِرُ ما تَرْتَقِي إلَيْهِ دَرَجاتُ العارِفِينَ وكُلُّ مَعْرِفَةٍ تَحْصُلُ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى فَهي مُرَقّاةٌ إلى مَعْرِفَتِهِ جَلَّ وعَلا، والمَنزِلُ الأقْصى هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ فَهو سُبْحانَهُ بِالإضافَةِ إلى السُّلُوكِ آخِرٌ وبِالإضافَةِ إلى الوُجُودِ أوَّلُ فَمِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ المَبْدَأُ أوَّلًا وإلَيْهِ سُبْحانَهُ المَرْجِعُ والمَصِيرُ آخِرٌ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى أوَّلًا وآخِرًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَوْجُوداتِ أوْلى ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ أوْفَقُ بِمَشْرَبِ القَوْمِ. ( والظّاهِرُ ) أيْ بِوُجُودِهِ لِأنَّ كُلَّ المَوْجُوداتِ بِظُهُورِهِ تَعالى ظاهِرٌ ﴿والباطِنُ﴾ بِكُنْهِهِ سُبْحانَهُ فَلا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ، وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: هَذانِ الوَصْفانِ مِنَ المُضافاتِ فَلا يَكُونُ الشَّيْءُ ظاهِرًا لِشَيْءٍ وباطِنًا لَهُ مِن وجْهٍ واحِدٍ بَلْ يَكُونُ ظاهِرًا مِن وجْهٍ بِالإضافَةِ إلى إدْراكٍ وباطِنًا مِن وجْهٍ آخَرَ فَإنَّ الظُّهُورَ والبُطُونَ إنَّما يَكُونُ بِالإضافَةِ إلى الإدْراكاتِ واللَّهُ تَعالى باطِنٌ إنْ طُلِبَ مِن إدْراكِ الحَواسِّ وخِزانَةِ الخَيالِ ظاهِرٌ إنْ طُلِبَ مِن خِزانَةِ العَقْلِ بِالِاسْتِدْلالِ والرَّيْبِ مِن شِدَّةِ الظُّهُورِ وكُلُّ ما جاوَزَ الحَدَّ انْعَكَسَ إلى الضِّدِّ، وإلى تَفْسِيرِ الباطِنِ بِغَيْرِ المُدْرَكِ بِالحَواسِّ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ثُمَّ قالَ: إنَّ الواوَ الأُولى لِعَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ فَتُفِيدُ أنَّهُ تَعالى الجامِعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ والأخِيرَةُ أيْضًا كَذَلِكَ فَتُفِيدُ أنَّهُ تَعالى الجامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى فَلِعَطْفِ المُرَكَّبِ عَلى المُرَكَّبِ فَتُفِيدُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ فَهو تَعالى المُسْتَمِرُّ الوُجُودُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ وهو تَعالى في جَمِيعِها ظاهِرٌ وباطِنٌ جامِعٌ لِلظُّهُورِ بِالأدِلَّةِ والخَفاءِ فَلا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ، وفي هَذا حُجَّةٌ عَلى مَن جَوَّزَ إدْراكَهُ سُبْحانَهُ في الآخِرَةِ بِالحاسَّةِ أيْ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ما مِن وقْتٍ يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ إلّا ويَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالظّاهِرِيَّةِ والباطِنِيَّةِ مَعًا، فَإذا جَوَّزَ إدْراكَهُ سُبْحانَهُ بِالحاسَّةِ في الآخِرَةِ فَقَدْ نَفى كَوْنَهُ سُبْحانَهُ باطِنًا وهو خِلافُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ تَفْسِيرَ الباطِنِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُدْرَكٍ بِالحَواسِّ تَفْسِيرٌ بِحَسَبِ التَّشَهِّي فَإنَّ بُطُونَهُ تَعالى عَنْ إدْراكِ العُقُولِ كَبُطُونِهِ عَنْ إدْراكِ الحَواسِّ لِأنَّ حَقِيقَةَ الذّاتِ غَيْرُ مُدْرَكَةٍ لا عَقْلًا ولا حِسًّا بِاتِّفاقٍ بَيْنَ المُحَقِّقِينَ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، والزَّمَخْشَرِيُّ مِمَّنْ سَلَّمَ فَهو الظّاهِرُ بِوُجُودِهِ والباطِنُ بِكُنْهِهِ وهو سُبْحانَهُ الجامِعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ أزَلًا
صفحة 167
وأبَدًا، وهَذا لا يُنافِي الرُّؤْيَةَ لِأنَّها لا تُفِيدُ ذَلِكَ عِنْدَ مُثْبِتِها انْتَهى، وهو حَسَنٌ فَلا تَغْفُلْ.
وعَلَيْهِ فالتَّذْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ بُطُونَهُ تَعالى عَنِ الأشْياءِ يَسْتَلْزِمُ بُطُونَها عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ كَما في الشّاهِدِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ الظّاهِرُ والباطِنُ بِمَعْنى العِلْمِ لِما ظَهَرَ وبَطَنَ وذَلِكَ أنَّ مَن كانَ ظاهِرًا احْتَجَبَ عَنْهُ الباطِنُ ومَن كانَ باطِنًا احْتَجَبَ عَنْهُ الظّاهِرُ فَإنْ أرَدْتَ أنْ تَصِفَهُ بِالعِلْمِ قُلْتَ هو ظاهِرٌ باطِنٌ مِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النُّورَ: 35] أيْ لا شَرْقِيَّةً فَقَطْ ولا غَرْبِيَّةً فَقَطْ ولَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ، وفي التَّذْيِيلِ المَذْكُورِ حِينَئِذٍ خَفاءٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ مِن وجْهِ ما نُقِلَ أنَّ الظّاهِرَ بِمَعْنى العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ الغالِبِ لَهُ مِن قَوْلِهِ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ إذا عَلاهم وغَلَبَهم، والباطِنَ الَّذِي بَطَنَ كُلَّ شَيْءٍ أيْ عَلِمَ باطِنَهُ، وتُعُقِّبَ بِفَواتِ المُطابَقَةِ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ عَلَيْهِ وأنَّ بَطَنَهُ بِمَعْنى عَلِمَ باطِنَهُ غَيْرُ ثابِتٍ في اللُّغَةِ، لَكِنْ قِيلَ في الآثارِ: ما يَنْصُرُ تَفْسِيرَ الظّاهِرِ بِما فُسِّرَ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««جاءَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْألُهُ خادِمًا فَقالَ لَها: قُولِي اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبَّ العَرْشِ الكَرِيمِ العَظِيمِ رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ مُنَزِّلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والفُرْقانِ فالِقَ الحَبِّ والنَّوى أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنّا الدَّيْنَ وأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ»» وقالَ الطَّيِّبِيُّ: المَعْنى بِالظّاهِرِ في التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ الغالِبُ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ فَيَتَصَرَّفُ في المُكَوِّناتِ عَلى سَبِيلِ الغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ يَمْنَعُهُ، وبِالباطِنِ مَن لا مَلْجَأ ولا مَنجى دُونَهُ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ مُلْتَجِئٌ، وبُحِثَ فِيهِ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ في الظُّهُورِ أيْ أنْتَ أظْهَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ إذْ ظُهُورُ كُلِّ شَيْءٍ بِكَ وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ في البُطُونِ شَيْءٌ أيْ أنْتَ أبْطَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ إذْ كَلُّ شَيْءٍ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ غَيْرُهُ وهو أنْتَ وأنْتَ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَكَ غَيْرُكَ، أوْ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ وأنْتَ لا يُمْكِنُ أصْلًا مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِكَ، وأيْضًا في دَلالَةِ الباطِنِ عَلى ما قالَ: خَفاءٌ جِدًّا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ ما عَدَلَ عَنْهُ أجِلَّةُ العُلَماءِ فَإنَّ الخَبَرَ صَحِيحٌ، وقَدْ جاءَ نَحْوُهُ مِن رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ ويَبْعُدُ عَدَمُ وُقُوفِ أُولَئِكَ الأجِلَّةِ عَلَيْهِ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَهُ ﷺ مِن أسْمائِهِ تَعالى غَيْرَ ما في الآيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ««فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»» لَيْسَ أقْرَبَ مِنكَ شَيْءٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: بَلَغَنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ إلَخْ هو الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ والظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ والباطِنُ أقْرَبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّما يَعْنِي القُرْبَ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وهو فَوْقَ عَرْشِهِ والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي ما ذُكِرَ أوَّلًا، وعَنْ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أهِلِ وحْدَةِ الوُجُودِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ إلَخْ أنَّهُ لا مَوْجُودَ غَيْرُهُ تَعالى إذْ كَلُّ ما يُتَصَوَّرُ مَوْجُودًا فَهو إمّا أوَّلُ أوْ آخِرٌ هو سُبْحانَهُ لا غَيْرُهُ، وأيَّدُوهُ بِما في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّكم دُلِّيتُمْ بِحَبْلٍ إلى الأرْضِ السُّفْلى لَهَبَطَ عَلى اللَّهِ» قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾».
وحالُ القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ مَشْهُورٌ وأمّا الخَبَرُ فَمِنَ المُتَشابَهِ، وقَدْ قالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: فَسَّرَ أهْلُ العِلْمِ
صفحة 168
الحَدِيثَ فَقالُوا: أيْ لَهَبَطَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ذِكْرُ التَّذْيِيلِ وعَدَمُ اقْتِصارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما قَبْلَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي لِمَن وجَدَ في نَفْسِهِ وسْوَسَةً فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَقْرَأها، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي زُمَيْلٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ لَهُ وقَدْ أعْلَمَهُ أنَّ عِنْدَهُ وسْوَسَةً في ذَلِكَ: «إذا وجَدْتَ في نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ هو الأوَّلُ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا يَزالُ النّاسُ يَسْألُونَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى يَقُولُوا هَذا اللَّهُ كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَماذا كانَ قَبْلَ اللَّهِ فَإنْ قالُوا لَكم ذَلِكَ فَقالُوا هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»».
الحديد 57:4
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بَيانُ بَعْضِ أحْكامِ مِلْكِهِما وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِهِمْ وتَصْوِيرٌ لِعَدَمِ خُرُوجِهِمْ عَنْهُ أيْنَما كانُوا، وقِيلَ: المَعِيَّةُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ العِلْمِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والقَرِينَةُ السِّباقُ واللَّحاقُ مَعَ اسْتِحالَةِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ أوَّلَ السَّلَفُ هَذِهِ الآيَةَ بِذَلِكَ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ فِيها: عالِمٌ بِكم أيْنَما كُنْتُمْ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: عِلْمُهُ مَعَكم، وفي البَحْرِ أنَّهُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ فِيها وأنَّها لا تُحْمَلُ عَلى ظاهِرِها مِنَ المَعِيَّةِ بِالذّاتِ وهي حُجَّةٌ عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ في غَيْرِها مِمّا يَجْرِي مَجْراها في اسْتِحالَةِ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ، وقَدْ تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ وتَأوَّلَ الحَجَرَ الأسْوَدَ يَمِينَ اللَّهِ في الأرْضِ، ولَوِ اتَّسَعَ عَقْلُهُ لَتَأوَّلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو في مَعْناهُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأسْلَمَ تَرْكُ التَّأْوِيلِ فَإنَّهُ قَوْلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ عِلْمٍ ولا نُؤَوِّلُ إلّا ما أوَّلَهُ السَّلَفُ ونَتَّبِعُهم فِيما كانُوا عَلَيْهِ فَإنْ أوَّلُوا أوَّلْنا وإنْ فَوَّضُوا فَوَّضْنا ولا نَأْخُذُ تَأْوِيلَهم لِشَيْءٍ سَلَّما لِتَأْوِيلِ غَيْرِهِ، وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ الزَّنادِقَةِ الخارِجِينَ مِن رِبْقَةِ الإسْلامِ يَضْحَكُونَ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ويَسْخَرُونَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ لِذَلِكَ وهو جَهْلٌ فَظِيعٌ وكُفْرٌ شَنِيعٌ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العِصْمَةَ والتَّوْفِيقَ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمْ وتَأْخِيرُ صِفَةِ العِلْمِ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الذّاتِ عَنِ الخَلْقِ الَّذِي هو مِن صِفاتِ الأفْعالِ مَعَ أنَّ صِفاتِ الذّاتِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى صِفاتِ الأفْعالِ لِما أنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى ما يَدُورُ عَلَيْهِ الجَزاءُ مِنَ العِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ، وقِيلَ: إنَّ الخَلْقَ دَلِيلُ العِلْمِ إذْ يُسْتَدَلُّ بِخَلْقِهِ تَعالى وإيجادِهِ سُبْحانَهُ لِمَصْنُوعاتِهِ المُتْقَنَةِ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عالِمٌ ومِن شَأْنِ المَدْلُولِ التَّأخُّرُ عَنِ الدَّلِيلِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ،
الحديد 57:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ المُشْعِرِ بِالإعادَةِ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ إلَيْهِ تَعالى وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا تَرْجِعُ جَمِيعُ الأُمُورِ أعْراضُها وجَواهِرُها، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ «تَرْجِعُ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا، وعَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو مِن رَجَعَ رَجْعًا
الحديد 57:6
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلِيمٌ﴾ أيْ مَبالِغٌ في العِلْمِ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ بِمَكْنُوناتِها
صفحة 169
اللّازِمَةِ لَها بَيانٌ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِما يُضْمِرُونَهُ مِن نِيّاتِهِمْ بَعْدَ بَيانِ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يُظْهِرُونَها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ( بِذاتِ الصُّدُورِ ) نَفْسُها وحَقِيقَتُها عَلى أنَّ الإحاطَةَ بِما فِيها تُعْلَمُ بِالأوْلى.
الحديد 57:7
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أيْ جَعَلَكم سُبْحانَهُ خُلَفاءَ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ في التَّصَرُّفِ فِيهِ مِن غَيْرِ أنْ تَمْلِكُوهُ حَقِيقَةً، عَبَّرَ جَلَّ شَأْنُهُ عَمّا بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأمْوالِ بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَرْغِيبًا في الإنْفاقِ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّها لِلَّهِ تَعالى وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ يَصْرِفُها إلى ما عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَصارِيفِ هانَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ، أوْ جَعَلَكم خُلَفاءُ عَمَّنْ كانَ قَبْلَكم فِيما كانَ بِأيْدِيهِمْ فانْتَقَلَ لَكم، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ في الإنْفاقِ وتَسْهِيلٌ لَهُ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِمَن قَبْلَهُ وانْتَقَلَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ لا يَدُومُ لَهُ ويَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إخْراجُهُ ويَرْغَبُ في كَسْبِ الأجْرِ بِإنْفاقِهِ ويَكْفِيكَ قَوْلُ النّاسِ فِيما مَلَكْتَهُ لَقَدْ كانَ هَذا مَرَّةً لِفُلانٍ، وفي الحَدِيثِ ««يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي وهَلْ لَكَ مِن مالِكٍ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ»» والمَعْنى الأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وعَلَيْهِ ما حُكِيَ أنَّهُ قِيلَ لِأعْرابِيٍّ: لِمَن هَذِهِ الإبِلُ ؟ فَقالَ: هي لِلَّهِ تَعالى عِنْدِي، ويَمِيلُ إلَيْهِ قَوْلُ القائِلِ:
وما المالُ والأهْلُونَ إلّا ودائِعُ ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ نَزَلَتْ في تَبُوكَ فَلا تَغْفُلْ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا﴾ حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وعْدٌ فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ ما لا يَخْفى حَيْثُ جَعَلَ الجُمْلَةَ اسْمِيَّةً وكانَ الظّاهِرُ أنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً في جَوابِ الأمْرِ بِأنْ يُقالَ مَثَلًا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا تُعْطَوْا أجْرًا كَبِيرًا، وأُعِيدَ ذِكْرُ الإيمانِ والإنْفاقِ دُونَ أنْ يُقالَ فَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَهُ أجْرٌ كَبِيرٌ وعَدَلَ عَنْ فَلِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا أجْرٌ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ وفُخِّمَ الأجْرَ بِالتَّنْكِيرِ، ووُصِفَ بِالكَبِيرِ.
الحديد 57:8
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ قِيلَ: مَسُوقٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ ما في الجُمْلَةِ عَلى أنْ لا تُؤْمِنُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ لَكم والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم غَيْرَ مُؤْمِنِينَ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحْقِيقِ المُسَبَّبِ وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ أعْنِي عَدَمَ الإيمانِ فَأيْ لِإنْكارِ سَبَبِ الواقِعِ ونَفْيِهِ فَقَطْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نُوحَ: 13] وقَدْ يَتَوَجَّهُ الإنْكارُ والنَّفْيُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِسَبَبِ الوُقُوعِ فَيَسْرِيانِ إلى المُسَبَّبِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ [يس: 22] إلَخْ ولا يُمْكِنُ إجْراءُ ذَلِكَ هُنا لِتَحَقُّقِ عَدَمِ الإيمانِ وهَذا المَعْنى مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ مُفِيدَةٌ عَلى ما قِيلَ: لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ عَدَمُهُ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ما يُوجِبُهُ، ولامُ ( لِتُؤْمِنُوا ) صِلَةُ - يَدْعُو - وهو يَتَعَدّى بِها وبِإلى أيْ وأيُّ عُذْرٍ في تَرْكِ الإيمانِ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ إلَيْهِ ويُنَبِّهُكم عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ تَعْلِيلِيَّةً وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَدْعُوكم أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ وقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَكم بِالإيمانِ مِن قَبْلُ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَخالُفُ الفِعْلَيْنِ مُضارِعًا وماضِيًا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مَعْطُوفَةً عَلى الحالِ قَبْلَها فالجُمْلَةُ حالٌ بَعْدَ حالٍ مِن ضَمِيرِ ( تُؤْمِنُونَ ) والتَّخالُفُ بِالِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ يُبْعِدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، وأيًّا ما كانَ فَأخْذُ المِيثاقِ إشارَةٌ إلى ما كانَ مِنهُ تَعالى مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ
صفحة 170
والتَّمْكِينِ مِنَ النَّظَرِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وهَذا إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وفي التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ما يُؤَيَّدُ القَوْلَ بِشَرَفِ السَّمْعِيِّ عَلى العَقْلِيِّ.
وقالَ البَغْوِيُّ: هو ما كانَ حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّهم فَشَهِدُوا - وعَلَيْهِ لا مَجازَ - والأوَّلُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: لا عَلَيْهِ أنْ يُحْمَلَ العَهْدُ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو المَأْخُوذُ يَوْمَ الذَّرِّ وكُلُّ ما أجازَهُ العَقْلُ ووَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وجَبَ الإيمانُ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، وضَعَّفَهُ الإمامُ بِأنَّ المُرادَ إلْزامُ المُخاطَبِينَ الإيمانَ ونَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِهِ وهم لا يَعْلَمُونَ هَذا العَهْدَ إلّا مِن جِهَةِ الرَّسُولِ فَقَبْلَ التَّصْدِيقِ بِالرَّسُولِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِإلْزامِهِمُ الإيمانَ بِهِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ( أخَذَ ) إنْ كانَ لِلَّهِ تَعالى فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِالمِيثاقِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البَقَرَةَ: 38] إلَخْ لِأنَّ المَعْنى: فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدى بِرَسُولٍ أبْعَثُهُ إلَيْكم وكِتابٍ أُنْزِلُهُ عَلَيْكم، ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا﴾ وعَلى الثّانِي ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ﴾ إلَخْ، وإنْ كانَ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فالظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِهِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 81] عَلى أنْ يُضافَ المِيثاقُ إلى النَّبِيِّينَ إضافَتُهُ إلى المُوَثَّقِ لا المُوَثَّقِ عَلَيْهِ أيِ المِيثاقُ الَّذِي وثَّقَهُ الأنْبِياءُ عَلى أُمَمِهِمْ، وهو الوَجْهُ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، ولَعَلَّ المِيثاقَ نَحْوَ ما رَوَيْنا عَنِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «بايَعَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في النَّشاطِ والكَسَلِ وعَلى النَّفَقَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ وعَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وعَلى أنْ نَقُولَ في اللَّهِ تَعالى ولا نَخافَ لَوْمَةَ لائِمٍ انْتَهى».
ويُضَعَّفُ الأوَّلُ بِنَحْوِ ما ضَعَّفَ بِهِ الإمامُ حَمْلَ العَهْدِ عَلى ما كانَ يَوْمَ الذَّرِّ، وضَعْفُ الثّانِي أظْهَرُ مِن أنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ.
والخِطابُ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: عامٌّ يُوَبِّخُ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهم بِعَدَمِ الإيمانِ ثُمَّ مَن آمَنَ بِعَدَمِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ.
وكَلامُ أبِي حَيّانَ ظاهِرٌ في أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وجَعَلَ آمَنُوا أمْرًا بِالثَّباتِ عَلى الإيمانِ ودَوامِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى كَيْفَ لا تَثْبُتُونَ عَلى الإيمانِ ودَواعِي ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ.
وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كَوْنُهُ لِلْكَفَرَةِ وهو الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ مِن قَبْلُ، ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ أوْلى إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ آمَنُوا إذا كانَ خِطابًا لِلْمُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ ولِغَيْرِ المُتَّصِفِينَ بِهِ يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ الأمْرِ في طَلَبِ أصْلِ الفِعْلِ نَظَرًا لِغَيْرِ المُتَّصِفِينَ وفي طَلَبِ الثَّباتِ نَظَرًا لِلْمُتَّصِفِينَ وفِيهِ ما فِيهِ، ويَحْتاجُ في التَّفَصِّي عَنْ ذَلِكَ إلى إرادَةِ مَعْنًى عامٍّ لِلْأمْرَيْنِ، وقَدْ يُقالُ أرادَ أنَّهُ عَمَدَ إلى جَماعَةٍ مُخْتَلِفِينَ في الأحْوالِ فَأُمِرُوا بِأوامِرَ شَتّى وخُوطِبُوا بِخِطاباتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَتَوَجَّهَ كُلُّ أمْرٍ وكُلُّ خِطابٍ إلى مَن يَلِيقُ بِهِ وهَذا كَما يَقُولُ الوالِي لِأهْلِ بَلَدِهِ: أذِّنُوا وصَلُّوا ودَرِّسُوا وأنْفِقُوا عَلى الفُقَراءِ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ كُلَّ أمْرٍ يَنْصَرِفُ إلى مَن يَلِيقُ بِهِ مِنهم فَتَأمَّلْ، وقُرِئَ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرو ( وقَدْ أُخِذَ مِيثاقُكم ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفِعْ ( مِيثاقُكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ، والمَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لِمُوجِبٍ ما فَهَذا مُوجِبٌ لا مُوجِبَ وراءَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُؤْمِنُ فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ والحالَةُ هَذِهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أوْ نَقْلِيٍّ فَقَدْ بانَ وظَهَرَ لَكم عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَعْثَتِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ وقالَ الطَّبَرِيُّ
صفحة 171
فِي ذَلِكَ: المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَآمِنُوا الآنَ وقِيلَ: المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَآمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ شَرِيعَتَهُما تَقْتَضِي الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْكم في عالَمِ الذَّرِّ فَآمِنُوا الآنَ، وقِيلَ المُرادُ إنْ دُمْتُمْ عَلى الإيمانِ فَأنْتُمْ في رُتَبٍ شَرِيفَةٍ وأقْدارٍ رَفِيعَةٍ، والكُلُّ كَما تَرى.
وظاهِرُ الأخِيرِ أنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الطَّيِّبِيُّ، وقالَ في هَذا الشَّرْطِ: يُمْكِنُ أنْ يَجْرِيَ عَلى التَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةَ: 278] لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ
الحديد 57:9
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ﴾ حَسْبَما يَعِنُّ لَكم مِنَ المَصالِحِ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها آياتُ القُرْآنِ، وقِيلَ: المُعْجِزاتُ ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى إذْ هو سُبْحانَهُ المُخْبَرُ عَنْهُ، أوِ العَبْدُ لِقُرْبِ الذِّكْرِ والمُرادُ لِيُخْرِجَكم بِها ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ يُنَزِّلُ مُضارِعًا فَبَعْضٌ ثَقَّلَ وبَعْضٌ خَفَّفَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالوَجْهَيْنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ أنْزَلَ ماضِيًا ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ حَيْثُ أزالَ عَنْكم مَوانِعَ سَعادَةِ الدّارَيْنِ وهَداكم إلَيْها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ ( لَرَؤُوفٌ ) بِواوَيْنِ،
الحديد 57:10
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما لَكم ألا تُنْفِقُوا﴾ تَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِ الإنْفاقِ إمّا لِلْمُؤْمِنِينَ الغَيْرِ المُنْفِقِينَ أوْ لِأُولَئِكَ المُوَبَّخِينَ أوَّلًا عَلى تَرْكِ الإيمانِ، وبَّخَهم سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ أيْضًا عُذْرٌ مِنَ الأعْذارِ، و(أنْ ) مَصْدَرِيَّةٌ لا زائِدَةٌ كَما قِيلَ، واقْتَضاهُ كَلامُ الأخْفَشِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، فالمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ في مَحَلِّ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى القَوْلَيْنِ وحُذِفَ مَفْعُولُ الإنْفاقِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا تَقَدَّمَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ خَيْرٍ يُقَرِّبُهم إلَيْهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكم في أنْ لا تُنْفِقُوا فِيما هو قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى ما هو لَهُ في الحَقِيقَةِ وإنَّما أنْتُمْ خُلَفاؤُهُ سُبْحانَهُ في صَرْفِهِ إلى ما عَيَّنَهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصارِفِ، أوْ ما انْتَقَلَ إلَيْكم مِن غَيْرِكم وسَيَنْتَقِلُ مِنكم إلى الغَيْرِ.
﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ يَرِثُ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِما ولا يَبْقى لِأحَدٍ مالٌ عَلى أنَّ مِيراثَهُما مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ مِيراثِ ما فِيهِما لِأنَّ أخْذَ الظَّرْفِ يَلْزَمُهُ أخْذُ المَظْرُوفِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ يَرِثُهُما وما فِيهِما، واخْتِيرَ الأوَّلُ أنَّهُ يَكْفِي لِتَوْبِيخِهِمْ إذْ لا عَلاقَةَ لِأخْذِ السَّماواتِ والأرْضِ هُنا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ لا تُنْفِقُوا أوْ مَفْعُولِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ فَإنَّ تَرْكَ الإنْفاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ ومَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ الإنْفاقَ أشُدُّ في القُبْحِ وأدْخَلُ في الإنْكارِ فَإنَّ بَيانَ بَقاءِ جَمِيعِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الأمْوالِ بِالآخِرَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى لِأحَدٍ مِن أصْحابِها شَيْءٌ أقْوى في إيجابِ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن بَيانِ أنَّها لِلَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ، أوْ أنَّها انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: وما لَكم في تَرْكِ إنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، والحالُ أنَّهُ لا يَبْقى لَكم ولا لِغَيْرِكم مِنها شَيْءٌ بَلْ تَبْقى كُلُّها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ دَرَجاتِ المُنْفِقِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ أحْوالِهِمْ في الإنْفاقِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا عَلى الإطْلاقِ حَثًّا لَهم عَلى تَحَرِّي الأفْضَلِ،
صفحة 172
وعَطْفُ القِتالِ عَلى الإنْفاقِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن أهَمِّ مَوادِّ الإنْفاقِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِن أفْضَلِ العِباداتِ وأنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ الإنْفاقِ أصْلًا وقَسِيمُ ﴿مَن أنْفَقَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَسْتَوِي ذَلِكَ وغَيْرُهُ، وحُذِفَ لِظُهُورِهِ ودَلالَةِ ما بَعْدُ عَلَيْهِ، والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ - وهو المَشْهُورُ - فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ ادِّعاءً وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ مَرَّ وجْهُ تَسْمِيَتِهِ فَتْحًا في سُورَةِ الفَتْحِ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى إذا كانَ بِعَسْفانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يَحْتَقِرُونَ أعْمالَكم مَعَ أعْمالِهِمْ قُلْنا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ أقَرِيشٌ ؟ قالَ: لا ولَكِنْ هم أهْلُ اليَمَنِ هم أرَقُّ أفْئِدَةً وألْيَنُ قُلُوبًا، فَقُلْنا: أهم خَيْرٌ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ جَبَلٌ مِن ذَهَبٍ فَأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ ألا إنَّ هَذا فَصْلُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ» ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ الآيَةَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( قَبْلَ ) بِغَيْرِ ( مِن ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن أنْفَقَ، والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى ( مَن ) كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ البَعِيدِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ والإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ الحُكْمِ هو إنْفاقُهم قَبْلَ الفَتْحِ وقِتالُهم، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِذَيْنَكِ النَّعْتَيْنِ الجَلِيلَيْنِ أرْفَعُ مَنزِلَةً وأجَلُّ قَدْرًا.
﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنَ بَعْدُ﴾ بَعْدَ الفَتْحِ ﴿وقاتَلُوا﴾ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ فاعِلَ ( لا يَسْتَوِي ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الإنْفاقِ أيْ لا يَسْتَوِي هو أيِ الإنْفاقُ أيْ جِنْسُهُ إذْ مِنهُ ما هو قَبْلَ الفَتْحِ ومِنهُ ما هو بَعْدَهُ، ( ومَن أنْفَقَ ) مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ﴾ خَبَرُهُ وفِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فالوَجْهُ ما تَقَدَّمَ، ويُعْلَمُ مِنهُ التِزامًا التَّفاوُتُ بَيْنَ الإنْفاقِ قَبْلَ الفَتْحِ والإنْفاقِ بَعْدَهُ، وإنَّما كانَ أُولَئِكَ أعْظَمَ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا بَعْدُ لِأنَّهم إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا عِنْدَ كَمالِ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ وعَدَمِ ما تَرْغَبُ فِيهِ النُّفُوسُ طَبْعًا مِن كَثْرَةِ الغَنائِمِ فَكانَ ذَلِكَ أنْفَعَ وأشَدَّ عَلى النَّفْسِ وفاعِلُهُ أقْوى يَقِينًا بِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأعْظَمَ رَغْبَةً فِيهِ، ولا كَذَلِكَ الَّذِينَ أنْفَقُوا بَعْدُ ( وكُلّا ) أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لا الأوَّلَيْنِ فَقَطْ ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقِيلَ: أعَمُّ مِن ذَلِكَ والنَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعَبْدُ الوارِثِ - وكُلٌّ - بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ وعْدُهُ كَما في قَوْلِهِ:
وخالِدٌ يُحْمَدُ ساداتُنا بِالحَقِّ لا يُحْمَدُ بِالباطِلِ
يُرِيدُ يَحْمَدُهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً وبَيْنَهُما مِنَ التَّطابُقِ ما لَيْسَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ومَنَعَ البَصْرِيُّونَ حَذْفَ العائِدِ مِن خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ بِخِلافِ حَذْفِهِ مِن جُمْلَةِ الصِّفَةِ وهم مَحْجُوجُونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ فِيها: إنَّ كُلٌّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ، وأُولَئِكَ كُلٌّ، وجُمْلَةُ ( وعَدَ اللَّهُ ) صِفَةُ - كُلٌّ - تَأْوِيلٌ رَكِيكٌ، وفِيهِ زِيادَةُ حَذْفٍ، عَلى أنَّ بَعْضَ النُّحاةِ مَنَعَ وصْفَ - كُلٍّ - بِالجُمْلَةِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ بِتَقْدِيرِ وكُلُّهم، وقالَ الشِّهابُ: الصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن أنَّ عَدَمَ جَوازِ حَذْفِ العائِدِ مِن جُمْلَةِ الخَبَرِ
صفحة 173
فِي غَيْرِ - كُلٍّ - وما ضاهاها في الِافْتِقارِ والعُمُومِ فَإنَّهُ في ذَلِكَ مُطَّرِدٌ لَكِنِ ادَّعى فِيهِ الإجْماعَ وهو مَحَلُّ نِزاعٍ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ ويُجازِيكم عَلى حَسَبِهِ فالكَلامُ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وفي الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِ السّابِقِينَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المُنْفِقُونَ المُقاتِلُونَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أوْ قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ بِناءً عَلى الخِلافِ السّابِقِ، والآيَةُ عَلى ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْ بِسَبَبِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الحُكْمِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ( أُولَئِكَ ) لِيَشْمَلَ غَيْرَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، نَعَمْ هو أكْمَلُ الأفْرادِ فَإنَّهُ أنْفَقَ قَبْلَ الفَتْحِ وقَبْلَ الهِجْرَةِ جَمِيعَ مالِهِ وبَذَلَ نَفْسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَيْسَ أحَدٌ أمَنَّ عَلَيَّ بِصُحْبَتِهِ مِن أبِي بَكَرٍ»» وذَلِكَ يَكْفِي لِنُزُولِها فِيهِ، وفي الكَشّافِ إنَّ أُولَئِكَ هُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ: ««لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» قالَ الطَّيِّبِيُّ: الحَدِيثُ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَلَوْ أنَّ أحَدًا أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»»، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَخْتَصُّ بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ كَما أشارَ في الكَشّافِ إلَيْهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الخِطابَ في لا تَسُبُّوا لَيْسَ لِلْحاضِرِينَ ولا لِلْمَوْجُودِينَ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا ) [الأنْعامَ: 27، 30] الآيَةَ وإلّا فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الخِطابَ يَقْتَضِي الحُضُورَ والوُجُودَ ولا بُدَّ مِن مُغايَرَةِ المُخاطَبِينَ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبِّهِمْ فَهُمُ السّابِقُونَ الكامِلُونَ في الصُّحْبَةِ.
وأقُولُ شاعَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى فَضْلِ الصَّحابَةِ مُطْلَقًا بِناءً عَلى ما قالُوا: إنَّ إضافَةَ الجَمْعِ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ وعَلَيْهِ صاحِبُ الكَشْفِ، واسْتَشْكَلَ أمْرُ الخِطابِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِما سَمِعْتَ وبِأنَّهُ عَلى حَدِّ خِطابِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ لَكِنَّ مِن بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُ أنَّ المُخاطَبِينَ بَعْضٌ مِنَ الصَّحابَةِ والمَمْدُوحِينَ بَعْضٌ آخَرُ مِنهم فَتَكُونُ الإضافَةُ لِلْعَهْدِ أوْ بِحَمْلِ الأصْحابِ عَلى الكامِلِينَ في الصُّحْبَةِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««كانَ بَيْنَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلامٌ فَقالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنا بِأيّامٍ سَبَقْتُمُونا بِها فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: دَعُوا لِي أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ - أوْ مِثْلَ الجِبالِ - ذَهَبًا ما بَلَغْتُمْ أعْمالَهم»» ثُمَّ في هَذا الحَدِيثِ تَأْيِيدٌ ما لِكَوْنِ أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ أنْفَقُوا قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّ إسْلامَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وفَتْحِ مَكَّةَ كَما في التَّقْرِيبِ وغَيْرِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ الفَتْحَ بِفَتْحِ مَكَّةَ فَلا تَغْفُلْ، قالَ الجَلالُ المَحَلِّيُّ: كَوْنُ الخِطابِ في «لا تَسُبُّوا» لِلصَّحابَةِ السّابِّينَ، وقالَ: نَزَّلَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَبِّهِمُ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِمْ مَنزِلَةَ غَيْرِهِمْ حَيْثُ عُلِّلَ بِما ذَكَرَهُ وهو وجْهٌ حَسَنٌ فَتَدَبَّرْ
الحديد 57:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ نَدْبٌ بَلِيغٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ بِهِ ولِلتَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ فالِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ بَلْ لِلْحَثِّ، والقَرْضُ الحَسَنُ الإنْفاقُ بِالإخْلاصِ وتَحَرِّي أكْرَمِ المالِ وأفْضَلِ الجِهاتِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ القَرْضَ الحَسَنَ ما يَجْمَعُ عَشْرَ صِفاتٍ. أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا. وأنْ يَكُونَ مِن أكْرَمِ ما يَمْلِكُهُ المَرْءُ. وأنْ يَكُونَ والمَرْءُ صَحِيحٌ شَحِيحٌ يَأْمُلُ العَيْشَ ويَخْشى الفَقْرَ وأنْ يَضَعَهُ في الأحْوَجِ الأوْلى. وأنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ، وأنْ لا يُتْبِعَهُ بِالمَنِّ
صفحة 174
والأذى، وأنْ يَقْصُدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى وأنْ يَسْتَحْقِرَ ما يُعْطِي وإنْ كَثُرَ، وأنْ يَكُونَ مِن أحَبِّ أمْوالِهِ إلَيْهِ. وأنْ يَتَوَخّى في إيصالِهِ لِلْفَقِيرِ ما هو أسَرُّ لَدَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ كَحَمْلِهِ إلى بَيْتِهِ. ولا يَخْفى أنَّهُ يُمْكِنُ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ فِيما ذُكِرَ.
وأيَّما كانَ فالكَلامُ إمّا عَلى التَّجَوُّزِ في الفِعْلِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً تَصْرِيحِيَّةً أوِ التَّجَوُّزِ في مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً وهو الأبْلَغُ أيْ مَن ذا الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصًا مُتَحَرِّيًا أكْرَمَهُ وأفْضَلَ الجِهاتِ رَجاءَ أنْ يُعَوِّضَهُ سُبْحانَهُ بَدَلَهُ كَمَن يُقْرِضُهُ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ فَيُعْطِيَهُ أجْرَهُ عَلى إنْفاقِهِ مُضاعَفًا أضْعافًا كَثِيرَةً مِن فَضْلِهِ.
﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ وذَلِكَ الأجْرُ المَضْمُومُ إلَيْهِ الإضْعافُ كَرِيمٌ مَرْضِيٌّ في نَفْسِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأجْرَ كَما أنَّهُ زائِدٌ في الكَمِّ بالِغٌ في الكَيْفِ فالجُمْلَةُ حالَيَّةٌ لا عَطْفٌ عَلى ( فَيُضاعِفَهُ)، وجُوِّزَ العَطْفُ والمُغايَرَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الضِّعْفِ والأجْرِ نَفْسِهِ فَإنَّ الإضْعافَ مِن مَحْضِ الفَضْلِ والمِثْلُ فَضْلٌ هو أجْرٌ، ونُصِبَ يُضاعِفُهُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ بِحَسَبِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ تَعالى أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ لَهُ فَإنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وإنْ كانَ هو الفاعِلَ لَكِنَّهُ في المَعْنى هو الفِعْلُ إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الفِعْلَ قَدْ وقَعَ السُّؤالُ عَنْ تَعْيِينِ فاعِلِهِ كَقَوْلِكَ: مَن جاءَكَ اليَوْمَ ؟ إذا عَلِمْتَ أنَّهُ جاءَهُ جاءٍ لَمْ تَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ وإنَّما أُورِدَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ لِلْمُبالَغَةِ في الطَّلَبِ حَتّى كَأنَّ الفِعْلَ لِكَثْرَةِ دَواعِيهِ قَدْ وقَعَ وإنَّما يُسْألُ عَنْ فاعِلِهِ لِيُجازى ولَمْ يُعْتَبَرِ الظّاهِرُ لِأنَّهُ يُشْتَرَطُ بِلا خِلافٍ في النَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ أنْ لا يَتَضَمَّنَ ما قَبْلَ وُقُوعِ الفِعْلِ نَحْوَ لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا فَيُجازِيَكَ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَتَضَمَّنُ سَبْقَ مَصْدَرٍ مُسْتَقْبَلٍ وعَلى هَذا يُؤَوَّلُ كُلُّ ما فِيهِ نَصْبٌ وما قَبْلُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوُقُوعِ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ «فَيُضاعِفُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى القِياسِ نَظَرًا لِلظّاهِرِ المُتَضَمِّنِ لِلْوُقُوعِ وهو إمّا عَطْفٌ عَلى يُقْرِضُ أوْ عَلى فَهو (يُضاعِفُهُ ) وقُرِئَ فَيُضْعِفُهُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ
الحديد 57:12
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ ظَرْفٌ لِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهُ أوْ لَهُ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( فَيُضاعِفَهُ ) أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ تَفْخِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ تَرى والمُرادُ بِالنُّورِ حَقِيقَتُهُ عَلى ما ظَهَرَ مِن شُمُوسِ الأخْبارِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ - والمَعْنى يَسْعى نُورُهم إذا سَعَوْا.
﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ يُطْفَأُ مَرَّةً ويَقِدُ أُخْرى» وظاهِرُهُ أنَّ هَذا النُّورَ يَكُونُ عِنْدَ المُرُورِ عَلى الصِّراطِ، وقالَ بَعْضُهم: يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ ويَسْتَمِرُّ مَعَهم إذا مَرُّوا عَلى الصِّراطِ، وفي الأخْبارِ ما يَقْتَضِيهِ كَما سَتَسْمَعُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ أنَّهُ يَكُونُ لَهم في جِهَتَيْنِ جِهَةُ الأمامِ وجِهَةُ اليَمِينِ وخُصّا لِأنَّ السُّعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ ووَراءَ ظُهُورِهِمْ، وفي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ النُّورَ قِسْمانِ: نُورٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يُضِيءُ الجِهَةَ الَّتِي يَؤُمُّونَها. ونُورٌ بِأيْمانِهِمْ يُضِيءُ ما حَوالَيْهِمْ مِنَ الجِهاتِ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ النُّورَ أصْلُهُ بِأيْمانِهِمْ والَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ هو الضَّوْءُ المُنْبَسِطُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى عَنْ أيْ وعَنْ أيْمانِهِمْ والمَعْنى في جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، وذُكِرَ الأيْمانُ لِشَرَفِها انْتَهى، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى
صفحة 175
ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نَضِيرٍ أنَّهُ سَمِعَ أبا ذَرٍّ وأبا الدَّرْداءِ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا أوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ في السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ وأوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ فَأرْفَعُ رَأْسِي فَأنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي فَأعْرِفُ أُمَّتِي بَيْنَ الأُمَمِ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ تَعْرِفُهم مِن بَيْنِ الأُمَمِ ما بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمَّتِكَ ؟ قالَ: غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ ولا يَكُونُ لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وأعْرِفُهم بِسِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ وأعْرِفُهم بِنُورِهِمُ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ»» وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ اخْتِصاصُ النُّورِ بِمُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ وكَذا إيتاءُ الكُتُبِ بِالأيْمانِ وبَعْضُ الأخْبارِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ««تُبْعَثُ ظُلْمَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ فَما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ يَرى كَفَّهُ حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى بِالنُّورِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ»» الخَبَرَ، وأخْرَجَ عَنْهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ وابْنُ المُبارَكِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ خَبَرًا طَوِيلًا فِيهِ أيْضًا ما هو ظاهِرٌ في العُمُومِ، وكَذا ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُورًا فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ وكانَ النُّورُ دَلِيلًا لَهم مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى الجَنَّةِ، ولا يُنافِي هَذا الخَبَرُ كَوْنَهم يَمُرُّونَ بِنُورِهِمْ عَلى الصِّراطِ كَما لا يَخْفى، وكَذا إيتاءُ الكُتُبِ بِالأيْمانِ، فَفي هِدايَةِ المُرِيدِ لِجَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ عَدَمُ اخْتِصاصِهِ يَعْنِي أخْذَ الصُّحُفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ انْتَهى.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما يَكُونُ مِنَ النُّورِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أجْلى مِنَ النُّورِ الَّذِي يَكُونُ لِغَيْرِها أوْ هو مُمْتازٌ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الِامْتِيازِ، وأمّا إيتاءُ الكُتُبِ بِالأيْمانِ فَلَعَلَّهُ لِكَثْرَتِهِ فِيها بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الأُمَمِ تُعْرَفُ بِهِ، وفي هَذا المَطْلَبِ أبْحاثٌ أُخَرُ تُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحَلِّها، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالنُّورِ القُرْآنُ، وقالَ الضَّحّاكُ: النُّورُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الهُدى والرِّضْوانِ الَّذِي هم فِيهِ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ السَّهْمِيِّ وأبُو حَيْوَةَ «وبِإيمانِهِمْ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّ الظَّرْفَ يَعْنِي أيْدِيَهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والعَطْفُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أيْ كائِنًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وهو كَما تَرى، ولَعَلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ أيْ وبِسَبَبِ إيمانِهِمْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وجُمْلَةُ القَوْلِ، إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ ويَجُوزُ عَلى الحالِيَّةِ تَقْدِيرُ الوَصْفِ مِنهُ أيْ مَقُولًا لَهم، والقائِلُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَهم.
والمُرادُ بِالبُشْرى ما يُبَشَّرُ بِهِ دُونَ التَّبْشِيرِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ما تُبَشَّرُونَ بِهِ دُخُولُ جَنّاتٍ يَصِحُّ بِدُونِهِ أيْ ما تُبَشَّرُونَ بِهِ جَنّاتٌ، ويَصِحُّ بِدُونِهِ أيْ ما تُبَشَّرُونَ بِهِ جَنّاتٌ، وما قِيلَ: البِشارَةُ لا تَكُونُ بِالأعْيانِ فِيهِ نَظَرٌ، وتَقْدِيرُ المُضافِ لا يُغْنِي عَنْ تَأْوِيلِ البُشْرى لِأنَّ التَّبْشِيرَ لَيْسَ عَيْنَ الدُّخُولِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجَنّاتٍ: وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِن جَنّاتٍ، قالَ أبُو حَيّانَ: وفي الكَلامِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ﴿بُشْراكُمُ﴾ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ في ( خالِدِينَ ) ولَوْ أُجْرِيَ عَلى الخِطابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ خالِدًا أنْتُمْ فِيها: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ تَعالى فالإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ النُّورِ والبُشْرى بِالجَنّاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُتَلَقِّينَ لَهم، فالإشارَةُ إلى ما هم فِيهِ مِنَ النُّورِ وغَيْرِهِ أوْ إلى الجَنّاتِ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ أوْ لِكَوْنِها فَوْزًا عَلى ما قِيلَ، وقُرِئَ ذَلِكَ الفَوْزُ بِدُونِ ( هُوَ) .
الحديد 57:13
صفحة 176
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى﴾، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِاذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، ويَكُونُ مَعْنى الفَوْزِ عَلَيْهِ أعْظَمَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ كَذا وكَذا لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ مُضادُّهُ أبْدَعُ وأفْخَمُ.
وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ظاهِرَ تَقْرِيرِهِ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِالفَوْزِ وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ فَلا يَجُوزُ إعْمالُهُ ولَوْ أُعْمِلَ وصْفُهُ وهو العَظِيمُ لَجازَ - أيِ الفَوْزُ الَّذِي عَظُمَ - أيْ قَدْرُهُ يَوْمَ انْتَهى، وفي عَدَمِ جَوازِ إعْمالِ مِثْلِ هَذا المَصْدَرِ في مِثْلِ هَذا المَعْمُولِ خِلافٌ، ثُمَّ إنَّ تَعَلُّقَ هَذا الظَّرْفِ بِشَيْءٍ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا﴾ أيِ انْتَظِرُونا ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ نُصِبْ مِنهُ وذَلِكَ أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَيَسْتَنِيرُوا بِهِ.
وقِيلَ: فَيَأْخُذُوا شَيْئًا مِنهُ يَكُونُ مَعَهم تَخَيَّلُوا تَأتِّي ذَلِكَ فَقالُوهُ، وأصْلُ الِاقْتِباسِ طَلَبُ القَبَسِ أيِ الجَذْوَةِ مِنَ النّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى انْظُرُوا إلَيْنا نَقْتَبِسْ إلَخْ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ والنُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَسْتَضِيئُونَ بِهِ فانْظُرُونا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ لِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ يَتَعَدّى بِإلى فَإنْ أُرِيدَ التَّأمُّلُ تَعَدّى بِفي لَكِنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ وقَوْلُهم: لِلْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ لِأنَّهم في ظُلْمَةٍ لا يَدْرُونَ كَيْفَ يَمْشُونَ فِيها، ورُوِيَ أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى الصِّراطِ.
وفِي الآثارِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَكُونُ لَهم نُورٌ فَيُطْفَأُ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يَدْعُو النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ سَتْرًا مِنهُ عَلى عِبادِهِ وأمّا عِنْدُ الصِّراطِ قالَ اللَّهُ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وكُلَّ مُنافِقٍ نُورًا فَإذا اسْتَوَوْا عَلى الصِّراطِ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: أتْمِمْ لَنا نُورَنا فَلا يَذْكُرُ عِنْدَ ذَلِكَ أحَدٌ أحَدًا»».
وفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ عَنْهُ أيْضًا «إنَّ نُورَ المُنافِقِ يُطْفَأُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الصِّراطَ».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي فاخِتَةَ «يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ ويُرْسِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى النّاسِ ظُلْمَةً فَيَسْتَغِيثُونَ رَبَّهم فَيُؤْتِي اللَّهُ تَعالى كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنهم نُورًا ويُؤْتِي المُنافِقِينَ نُورًا فَيَنْطَلِقُونَ جَمِيعًا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجَنَّةِ مَعَهم نُورُهم فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ فَيَتَرَدَّدُونَ في الظُّلْمَةِ ويَسْبِقُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمُ الخَبَرَ»، والأخْبارُ في إيتاءِ المُنافِقِ نُورًا ثُمَّ إطْفائِهِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَأْباهُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ «أنْظِرُونا» بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها وكَسْرِ الظّاءِ مِنَ النَّظِرَةِ وهي الإمْهالُ يُقالُ: أنْظِرِ المَدْيُونُ أيْ أمْهِلْهُ، وضْعُ ( أنْظِرُونا ) بِمَعْنى المُهْلَةِ وإنْظارِ الدّائِنِ المَدْيُونِ مَوْضِعَ اتِّئادِ الرَّفِيقِ ومَشْيِهِ الهُوَيْنا لِيَلْحَقَهُ رَفِيقُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بَعْدَ سَبْقِ تَشْبِيهِ الحالَةِ بِالحالَةِ مُبالَغَةٌ في العَجْزِ وإظْهارِ الِافْتِقارِ، وقِيلَ: هو مِن أنْظَرَ أيْ أخَّرَ، والمُرادُ اجْعَلُونا في آخِرِكم ولا تَسْبِقُونا بِحَيْثُ تَفُوتُونا ولا نَلْحَقُ بِكم. وقالَ المَهْدَوِيُّ: «أنْظِرُونا» «وانْظُرُونا» بِمَعْنى وهُما مِنَ الِانْتِظارِ تَقُولُ العَرَبُ: أنْظَرْتُهُ بِكَذا وانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ والمَعْنى أمْهِلُونا ﴿قِيلَ﴾ القائِلُونَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُؤْمِنُونَ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ أوْ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ عَلى ما صَحَّ عَنْ أبِي أُمامَةَ ﴿فالتَمِسُوا نُورًا﴾ هُناكَ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ كَما اسْتَهْزَؤُوا بِالمُؤْمِنِينَ
صفحة 177
فِي الدُّنْيا حِينَ قالُوا آمَنّا ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةَ: 15] أيْ حِينَ يُقالُ لَهُمُ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا، وقالَ أبُو أُمامَةَ: يَرْجِعُونَ حِينَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ وقَدْ ضُرِبَ بَيْنَهم بِسُوَرٍ وهي خُدْعَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي خَدَعَ بِها المُنافِقِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءَ: 142]، وقِيلَ: المُرادُ ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا والتَمِسُوا نُورًا أيْ بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ وهو الإيمانُ أوْ تَنَحَّوْا عَنّا والتَمِسُوا نُورًا غَيْرَ هَذا فَلا سَبِيلَ لَكم إلى الِاقْتِباسِ مِنهُ، والغَرَضُ التَّهَكُّمُ والِاسْتِهْزاءُ أيْضًا.
وقِيلَ: أرادُوا بِالنُّورِ ما وراءَهم مِنَ الظُّلْمَةِ الكَثِيفَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ وراءَكم مَعْمُولٌ لِارْجِعُوا.
وقِيلَ: لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى ارْجِعُوا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعُوا ارْجِعُوا كَقَوْلِهِمْ وراءَكَ أوْسَعُ لَكَ أيِ ارْجِعْ تَجِدْ مَكانًا أوْسَعَ لَكَ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَضَرَبَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ فَضَرَبَ هو أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿بِسُورٍ﴾ أيْ بِحاجِزٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الأعْرافُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: حاجِزٌ غَيْرُهُ والباءُ مَزِيدَةٌ ﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ أيِ البابُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أوِ السُّورُ وهو الجانِبُ الَّذِي يَلِي مَكانَ المُؤْمِنِينَ أعْنِي الجَنَّةَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ الثَّوابُ والنَّعِيمُ الَّذِي لا يُكْتَنَهُ ﴿وظاهِرُهُ﴾ الجانِبُ الَّذِي يَلِي مَكانَ المُنافِقِينَ أعْنِي النّارَ ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ ﴿العَذابُ﴾ وهَذا السُّورُ قِيلَ: يَكُونُ في تِلْكَ النَّشْأةِ وتَبَدُّلِ هَذا العالَمِ واخْتِلافِ أوْضاعِهِ في مَوْضِعِ الجِدارِ الشَّرْقِيِّ مِن مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ يَعْنِي المَكانَ المَعْرُوفَ عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَحَدَّثَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ، وقَدْ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هَذا مَوْضِعُ السُّورِ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هو سُورُ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيُّ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ المَسْجِدُ ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي وادِيَ جَهَنَّمَ وما يَلِيَهُ.
وأخْرَجَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّهُ كانَ عَلى سُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكى فَقِيلَ: ما يُبْكِيكَ ؟ فَقالَ: ها هُنا أخْبَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا ونَظائِرَهُ أُمُورٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ العالَمَيْنِ وتَغايُرِ النَّشْأتَيْنِ عَلى وجْهٍ لا تَصِلُ العُقُولُ إلى إدْراكِ كَيْفِيَّتِهِ والوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِهِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ لَمْ يَسَعْنا إلّا الإيمانُ لِعَدَمِ خُرُوجِ الأمْرِ عَنْ دائِرَةِ الإمْكانِ، وأبُو حَيّانَ حَكى عَمَّنْ سَمِعْتُ وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ الجِدارُ الشَّرْقِيُّ مِن مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ واسْتَبْعَدَهُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُمْ
الحديد 57:14
﴿يُنادُونَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُونَ بَعْدَ ضَرْبِ السُّورِ ومُشاهَدَةِ العَذابِ ؟ فَقِيلَ: يُنادِي المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴿ألَمْ نَكُنْ﴾ في الدُّنْيا ﴿مَعَكُمْ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ مُوافَقَتَهم لَهم في الظّاهِرِ ﴿قالُوا بَلى﴾ كُنْتُمْ مَعَنا كَما تَقُولُونَ ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ مَحَنْتُمُوها بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمُوها ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ وشَكَكْتُمْ في أُمُورِ الدِّينِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ الفارِغَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطَّمَعُ في انْتِكاسِ الإسْلامِ
صفحة 178
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ قالَ مَحْبُوبٌ اللِّيثِيُّ: شَكَكْتُمْ في اللَّهِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ طُولُ الآمالِ، وقالَ أبُو سِنانٍ: قُلْتُمْ سَيُغْفَرُ لَنا ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ المَوْتُ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ الشَّيْطانُ قالَ لَكم: إنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ لا يُعَذِّبُكم.
وعَنْ قَتادَةَ كانُوا عَلى خُدْعَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ واللَّهِ ما زالُوا عَلَيْها حَتّى قَذَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ.
وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ الغُرُورِ بِالضَّمِّ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهو كَقَوْلِهِ: وغَرَّكم بِاللَّهِ تَعالى الِاغْتِرارُ، وتَقْدِيرُهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ وغَرَّكم بِاللَّهِ تَعالى سَلامَةُ الِاغْتِرارِ ومَعْناهُ سَلامَتُكم مِنهُ اغْتِرارُكم.
الحديد 57:15
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ ﴿فِدْيَةٌ﴾ فِداءٌ وهو ما يُبْذَلُ لِحِفْظِ النَّفْسِ عَنِ النّائِبَةِ والنّاصِبُ لِيَوْمِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِلا، وفِيهِ حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرو لا تُؤْخَذُ التّاءُ الفَوْقِيَّةُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا فَيُغايِرُ المُخاطَبِينَ المُنافِقِينَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالفِدْيَةِ ما هو مِن جِنْسِ المالِ ونَحْوِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها ما يَعُمُّ الإيمانَ والتَّوْبَةَ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُقْبَلُ إيمانُهم وتَوْبَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ بُعْدٌ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِلْكافِرِ: أرَأيْتُكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافُ الدُّنْيا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النّارِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي فَأبَيْتَ إلّا الشِّرْكَ» ﴿مَأْواكُمُ النّارُ﴾ مَحَلُّ أوْيِكم ( هي مَوْلاكم ) أيْ ناصِرُكم مِن بابِ - تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ - والمُرادُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى البَتاتِ بَعْدَ نَفْيِ أخْذِ الفِدْيَةِ وخَلاصِهِمْ بِها عَنِ العَذابِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم: أُصِيبَ بِكَذا فاسْتَنْصَرَ الجَزَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكَهْفَ: 29] وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أيْ أوْلى بِكم كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ يَصِفُ بَقَرَةً وحْشِيَّةً نَفَرَتْ مِن صَوْتِ الصّائِدِ:
فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأمامَها
أيْ فَغَدَتْ كِلا جانِبَيْها الخَلْفَ والأمامَ تَحْسِبُ أنَّهُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ فِيهِ الخَوْفُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَةُ مَوْلاكم هي عَلى هَذا مَحْراكم ومَقْمَنُكم أيِ المَكانُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ هو أوْلى بِكم كَما قِيلَ: هو مِئْنَةٌ لِلْكَرَمِ أيْ مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ لَكَرِيمٌ فَأوْلى نَوْعٌ مِنَ اسْمِ المَكانِ لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى أوْلى إلّا أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنهُ كَما أنَّ المِئْنَةَ لَيْسَتْ مُشْتَقَّةً مِن إنِ التَّحْقِيقِيَّةِ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَّفْظِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْلى وأوْلى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ لَصَحَّ اسْتِعْمالُ كُلٍّ مِنهُما في مَكانِ الآخَرِ وكانَ يَجِبُ أنْ يَصِحَّ هَذا أوْلى فُلانٍ كَما يُقالُ: هَذا مَوْلى فُلانٍ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ اسْتِدْلالِ الشَّرِيفِ المُرْتَضِي بِحَدِيثِ الغَدِيرِ مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَيْثُ قالَ: أحَدُ مَعانِي المَوْلى الأوْلى.
وحَمْلُهُ في الخَبَرِ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ لِأنَّ إرادَةَ غَيْرِهِ يَجْعَلُ الأخْبارَ عَبَثًا كَإرادَةِ النّاصِرِ والصّاحِبِ وابْنِ العَمِّ، أوْ يَجْعَلُهُ كَذِبًا كالمُعْتَقِ والمُعَتَّقِ ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِكَوْنِهِ مَعْنًى لا تَفْسِيرٌ ما أشارَ إلَيْهِالزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّحْقِيقِ
صفحة 179
فَهُوَ لا يَرُدُّ الِاسْتِدْلالَ إذْ يَكْفِي لِلْمُرْتَضِي أنْ يَقُولَ: المَوْلى في الخَبَرِ بِمَعْنى المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ أوْلى إذْ يَلْزَمُ عَلى غَيْرِهِ العَبَثُ أوِ الكَذِبُ وإنْ أرادَ أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لازِمٌ لِما هو تَفْسِيرٌ لَهُ كَأنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ القائِمُ بِمَصالِحِكم ونَحْوِهِ مِمّا يَكُونُ ذَلِكَ لازِمًا لَهُ فَفي رَدِّهِ الِاسْتِدْلالَ أيْضًا تَرَدُّدٌ، وإنْ أرادَ شَيْئًا آخَرَ فَنَحْنُ لا نَدْرِي ما هو - وهو لَمْ يُبَيِّنْهُ - والحَقُّ أنَّهُ ولَوْ جُعِلَ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى أوِ المَكانِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ الأوْلى لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ عَلى الإمامَةِ الَّتِي تَدَّعِيها الإمامِيَّةُ لِلْأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وفي التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِطالِبِ الحَقِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ مَصِيرُكم وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قالَ الإمامُ: إنَّ المَوْلى بِمَعْنى مَوْضِعِ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ والمَعْنى هي مَوْضِعُكُمُ الَّذِي تَقْرُبُونَ مِنهُ وتَصِلُونَ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإخْبارَ بِذَلِكَ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّها مَأْواهم لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى عَلى أنَّ وضْعَ اسْمِ المَكانِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَّصِفُ صاحِبُهُ بِالمَأْخَذِ حالَ كَوْنِهِ فِيهِ والقُرْبُ مِنَ النّارِ وصْفٌ لِأُولَئِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيها ولا يَحْسُنُ وصْفُهم بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ ولَوِ اعْتُبِرَ مَجازُ الكَوْنِ كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ اعْتِبارَ كَوْنِهِ اسْمَ مَكانٍ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ لَكِنْ عَلى أنَّ المَعْنى هي مَكانُ قُرْبِكم مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورِضْوانِهِ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وقِيلَ: أيْ مُتَوَلِّيكم أنَّ المُتَصَرِّفَةَ فِيكم كَتَصَرُّفِكم فِيما أوْجَبَها واقْتَضاها في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي والتَّصَرُّفُ اسْتِعارَةٌ لِلْإحْراقِ والتَّعْذِيبِ، وقِيلَ: مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ النّارُ وهي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ المَحْذُوفِ لِدَلالَةِ السِّياقِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِعِتابِ المُؤْمِنِينَ عَلى الفُتُورِ والتَّكاسُلِ فِيما نُدِبُوا إلَيْهِ والمُعاتَبُ عَلى ما قالَهُ الزَّجّاجُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإلّا فَمِنهم مَن لَمْ يَزَلْ خاشِعًا مُنْذُ أسْلَمَ إلى أنْ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ، وما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَهِمَ المُرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، وقَدْ سَمِعَتَ صَدْرَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ والأعْمَشُ قالَ: لَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأصابُوا مِن لِينِ العَيْشِ ما أصابُوا بَعْدَ ما كانَ لَهم مِنَ الجَهْدِ فَكَأنَّهم فَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعُوتِبُوا فَنَزَلَتْ
الحديد 57:16
﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ، وفي خَبَرِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ في المَسْجِدِ وهم يَضْحَكُونَ فَسَحَبَ رِداءَهُ مُحْمَرًّا وجْهُهُ فَقالَ: أتَضْحَكُونَ ولَمْ يَأْتِكم مِن رَبِّكم بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَكم وقَدْ نَزَلَ عَلَيَّ في ضَحِكِكم آيَةٌ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما كَفّارَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: تَبْكُونَ بِقَدْرِ ما ضَحِكْتُمْ،» وفي الخَبَرِ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ ظَهَرَ فِيهِمُ المِزاحُ والضَّحِكُ فَنَزَلَتْ، وحَدِيثُ مُسْلِمٍ ومَن مَعَهُ السّابِقُ مُقَدَّمٌ عَلى هَذِهِ الآثارِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ أهْلِ الحَدِيثِ، ( ويَأْنِ ) مُضارِعُ أنى الأمْرُ أنْيًا وأناءً وإناءً بِالكَسْرِ إذا جاءَ أناهُ أيْ وقْتُهُ، أيْ ألَمْ يَجِئْ وقْتُ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السَّمّالِ - ألَمّا - بِالهَمْزَةِ، ولَمّا النّافِيَةِ الجازِمَةِ كَلَمْ إلّا أنَّ فِيهِ أنَّ المَنفِيَّ مُتَوَقَّعٌ.
صفحة 180
وقَرَأ الحَسَنُ يَئِنْ مُضارِعُ آنَ أيْنًا بِمَعْنى أنِيَ السّابِقِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ يَئِينُ أيْنًا الهَمْزَةُ مَقْلُوبَةٌ فِيهِ عَنِ الحاءِ وأصْلُهُ حانَ يَحِينُ حِينًا وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحِينِ ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ القُرْآنِ وهو عَطْفٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ فَإنْ كانَ هو المُرادُ بِهِ أيْضًا فالعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ نَحْوَ: هو المَلِكُ القَرِمُ وابْنُ الهُمامِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ وإلّا بِأنْ كانَ المُرادُ بِهِ تَذْكِيرَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم فالعَطْفُ لِتَغايُرِ الذّاتَيْنِ عَلى ما هو الشّائِعُ في العَطْفِ وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ التَّذْكِيرُ وهو كَما تَرى، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الذِّكْرُ عَلى القُرْآنِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ عَلى نُزُولِ السَّكِينَةِ مَعَهُ أيِ الوارِداتُ الإلَهِيَّةُ ويُعَضِّدُهُ ما رَوَيْنا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ عَنِ البَراءِ «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَغَشِيَتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنْزِلُ لِلْقُرْآنِ».
وفِي رِوايَةٍ «اقْرَأْ فُلانُ فَإنَّها السَّكِينَةُ تَنْزِلُ عِنْدَ القُرْآنِ ولِلْقُرْآنِ» انْتَهى، ولا يَخْفى بُعْدُ ذَلِكَ جِدًّا ولَعَلَّكَ تَخْتارُ حَمْلَ الذِّكْرِ وما نَزَلَ عَلى القُرْآنِ لِما يُحِسُّ مِمّا بَعْدُ مِن نَوْعِ تَأْيِيدٍ لَهُ، وفَسَّرَ الخُشُوعَ لِلْقُرْآنِ بِالِانْقِيادِ التّامِّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ والعُكُوفِ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ مِن غَيْرِ تَوانٍ ولا فُتُورٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ كَوْنَ اللّامِ صِلَةَ الخُشُوعِ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ عَلى أوْجُهِ الذِّكْرِ فالمَعْنى ألَمْ يَأْنِ لَهم أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ الحَقِّ النّازِلِ فَيُسارِعُوا إلى الطّاعَةِ عَلى أكْمَلِ وُجُوهِها، وفي الآيَةِ حَضٌّ عَلى الخُشُوعِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ إذا تَلاها بَكى ثُمَّ قالَ: بَلى يا رَبِّ بَلى يا رَبِّ، وعَنِ الحَسَنِ أما واللَّهِ لَقَدِ اسْتَبْطَأهم وهم يَقْرَؤُونَ مِنَ القُرْآنِ أقَلَّ مِمّا تَقْرَءُونَ فانْظُرُوا في طُولِ ما قَرَأْتُمْ وما ظَهَرَ فِيكم مِنَ الفِسْقِ، ورَوى السُّلَمِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحِوارِيِّ قالَ بَيْنا أنا في بَعْضِ طُرُقاتِ البَصْرَةِ إذْ سَمِعْتُ صَعْقَةً فَأقْبَلْتُ نَحْوَها فَرَأيْتُ رَجُلًا قَدْ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هَذا ؟ فَقالُوا: كانَ رَجُلًا حاضِرَ القَلْبِ فَسَمِعَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هي ؟ فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَأفاقَ الرَّجُلُ عِنْدَ سَماعِ كَلامِنا فَأنْشَأ يَقُولُ:
أما آنَ لِلْهِجْرانِ أنْ يَتَصَرَّما ولِلْغُصْنِ غُصْنِ البانِ أنْ يَتَبَسَّما
ولِلْعاشِقِ الصَّبِّ الَّذِي ذابَ وانْحَنى ∗∗∗ ألَمْ يَأْنِ أنْ يُبْكى عَلَيْهِ ويُرْحَما
كَتَبْتُ بِماءِ الشَّوْقِ بَيْنَ جَوانِحِي ∗∗∗ كِتابًا حَكى نَقْشَ الوَشْيِ المُنَمْنَما
ثُمَّ قالَ: إشْكالٌ إشْكالٌ إشْكالٌ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَحَرَّكْناهُ فَإذا هو مَيِّتٌ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وعِنْدَهُ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا فَنَظَرَ إلَيْهِمْ فَقالَ: هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ، ولَعَلَّهُ أرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الطِّرازَ الأوَّلَ كانَ كَذَلِكَ حَتّى قَسَتْ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ولَمْ يَتَأسَّوْا بِالسّابِقِينَ وغَرَضُهُ مَدْحُ أُولَئِكَ القَوْمِ بِما كانَ هو ونُظَراؤُهُ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أرادَ ما هو الظّاهِرُ، والكَلامُ مِن بابِ هَضْمِ النَّفْسِ كَقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكم، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَعْناهُ تَصَلَّبَتْ وأدْمَنَتْ سَماعَ القُرْآنِ وألِفَتْ أنْوارَهُ فَما تَسْتَغْرِبُهُ حَتّى تَتَغَيَّرَ كَما تَغَيَّرَ هَؤُلاءِ السّامِعُونَ انْتَهى وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وفِيهِ نَوْعُ انْتِقاصٍ لِلْقَوْمِ ورَمْزٌ إلى أنَّ البُكاءَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ لا يَكُونُ مِن كامِلٍ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِضَعْفِ القَلْبِ عَنْ تَحَمُّلِ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ النُّورانِيَّةِ ويَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ كَلامُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ
صفحة 181
مِنَ السَّبْعَةِ «وما نَزَّلَ» بِالتَّشْدِيدِ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ يُونُسَ وعَبّاسٌ عَنْهُ «نُزِّلَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، وعَبْدُ اللَّهِ - أنْزَلَ - بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ لا نافِيَةٌ وما بَعْدَها مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى تَخْشَعَ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ناهِيَةً وما بَعْدَها مَجْزُومٌ بِها ويَكُونُ ذَلِكَ انْتِقالًا إلى نَهْيِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ أنْ عُوتِبُوا بِما سَمِعْتَ وعَلى النَّفْيِ هو في المَعْنى نَهْيٌ أيْضًا، وقَرَأ أبُو بَحْرِيَّةَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وعَنْ شَيْبَةَ ويَعْقُوبَ وحَمْزَةَ في رِوايَةٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْهُ «ولا تَكُونُوا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِلِاعْتِناءِ بِالتَّحْذِيرِ، وفي لا ما تَقَدَّمَ، والنَّهْيُ مَعَ الخِطابِ أظْهَرُ مِنهُ مَعَ الغَيْبَةِ.
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ الأجَلُ بِطُولِ أعْمارِهِمْ وآمالِهِمْ، أوْ طالَ أمَدُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبُعْدُ العَهْدِ بِهِمْ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ القِيامَةِ والجَزاءِ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ الفَتْحِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الأمَدِ والزَّمانِ بِأنَّ الأمَدَ يُقالُ الغايَةُ والزَّمانُ عامٌّ مِنَ المَبْدَأِ والغايَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ( الأمَدُّ ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ أيِ الوَقْتُ الأطْوَلُ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ صَلُبَتْ فَهي كالحِجارَةِ، أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ حُدُودِ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في كِتابِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، قِيلَ: مِن فَرْطِ القَسْوَةِ وذُكِرَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِ الجُمْلَةِ حالٌ، وفِيهِ خَفاءٌ والأظْهَرُ أنَّهُ مِنَ السِّياقِ، والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ فالمَوْصُولُ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى وكانُوا كُلُّهم في أوائِلِ أمْرِهِمْ يَحُولُ الحَقُّ بَيْنَهم وبَيْنَ كَثِيرٍ مِن شَهَواتِهِمْ وإذا سَمِعُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ تَعالى ورَقَّتْ قُلُوبُهم فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الزَّمانُ غَلَبَهُمُ الجَفاءُ والقَسْوَةُ وزالَتْ عَنْهُمُ الرَّوْعَةُ الَّتِي كانُوا يَجِدُونَها عِنْدَ سَماعِ الكِتابَيْنِ وأحْدَثُوا ما أحْدَثُوا واتَّبَعُوا الأهْواءَ وتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ، والقَسْوَةُ مَبْدَأُ الشُّرُورِ وتَنْشَأُ مِن طُولِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَتَقْسُو قُلُوبُكم فَإنَّ القَلْبَ القاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا تَنْظُرُوا إلى ذُنُوبِ العِبادِ كَأنَّكم أرْبابٌ وانْظُرُوا في ذُنُوبِكم كَأنَّكم عِبادٌ والنّاسُ رَجُلانِ مُبْتَلًى ومُعافى فارْحَمُوا أهْلَ البَلاءِ واحْمَدُوا عَلى العافِيَةِ ومَن أحَسَّ بِقَسْوَةٍ في قَلْبِهِ فَلْيَهْرَعْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وتِلاوَةِ كِتابِهِ يَرْجِعْ إلَيْهِ حالُهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فَهو تَمْثِيلٌ ذُكِرَ اسْتِطْرادًا لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِالغَيْثِ لِلتَّرْغِيبِ في الخُشُوعِ والتَّحْذِيرِ عَنِ القَساوَةِ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ كَيْ تَعْقِلُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتَفُوزُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
الحديد 57:17
﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ، وفي خَبَرِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ في المَسْجِدِ وهم يَضْحَكُونَ فَسَحَبَ رِداءَهُ مُحْمَرًّا وجْهُهُ فَقالَ: أتَضْحَكُونَ ولَمْ يَأْتِكم مِن رَبِّكم بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَكم وقَدْ نَزَلَ عَلَيَّ في ضَحِكِكم آيَةٌ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما كَفّارَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: تَبْكُونَ بِقَدْرِ ما ضَحِكْتُمْ،» وفي الخَبَرِ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ ظَهَرَ فِيهِمُ المِزاحُ والضَّحِكُ فَنَزَلَتْ، وحَدِيثُ مُسْلِمٍ ومَن مَعَهُ السّابِقُ مُقَدَّمٌ عَلى هَذِهِ الآثارِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ أهْلِ الحَدِيثِ، ( ويَأْنِ ) مُضارِعُ أنى الأمْرُ أنْيًا وأناءً وإناءً بِالكَسْرِ إذا جاءَ أناهُ أيْ وقْتُهُ، أيْ ألَمْ يَجِئْ وقْتُ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السَّمّالِ - ألَمّا - بِالهَمْزَةِ، ولَمّا النّافِيَةِ الجازِمَةِ كَلَمْ إلّا أنَّ فِيهِ أنَّ المَنفِيَّ مُتَوَقَّعٌ.
صفحة 180
وقَرَأ الحَسَنُ يَئِنْ مُضارِعُ آنَ أيْنًا بِمَعْنى أنِيَ السّابِقِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ يَئِينُ أيْنًا الهَمْزَةُ مَقْلُوبَةٌ فِيهِ عَنِ الحاءِ وأصْلُهُ حانَ يَحِينُ حِينًا وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحِينِ ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ القُرْآنِ وهو عَطْفٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ فَإنْ كانَ هو المُرادُ بِهِ أيْضًا فالعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ نَحْوَ: هو المَلِكُ القَرِمُ وابْنُ الهُمامِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ وإلّا بِأنْ كانَ المُرادُ بِهِ تَذْكِيرَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم فالعَطْفُ لِتَغايُرِ الذّاتَيْنِ عَلى ما هو الشّائِعُ في العَطْفِ وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ التَّذْكِيرُ وهو كَما تَرى، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الذِّكْرُ عَلى القُرْآنِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ عَلى نُزُولِ السَّكِينَةِ مَعَهُ أيِ الوارِداتُ الإلَهِيَّةُ ويُعَضِّدُهُ ما رَوَيْنا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ عَنِ البَراءِ «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَغَشِيَتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنْزِلُ لِلْقُرْآنِ».
وفِي رِوايَةٍ «اقْرَأْ فُلانُ فَإنَّها السَّكِينَةُ تَنْزِلُ عِنْدَ القُرْآنِ ولِلْقُرْآنِ» انْتَهى، ولا يَخْفى بُعْدُ ذَلِكَ جِدًّا ولَعَلَّكَ تَخْتارُ حَمْلَ الذِّكْرِ وما نَزَلَ عَلى القُرْآنِ لِما يُحِسُّ مِمّا بَعْدُ مِن نَوْعِ تَأْيِيدٍ لَهُ، وفَسَّرَ الخُشُوعَ لِلْقُرْآنِ بِالِانْقِيادِ التّامِّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ والعُكُوفِ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ مِن غَيْرِ تَوانٍ ولا فُتُورٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ كَوْنَ اللّامِ صِلَةَ الخُشُوعِ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ عَلى أوْجُهِ الذِّكْرِ فالمَعْنى ألَمْ يَأْنِ لَهم أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ الحَقِّ النّازِلِ فَيُسارِعُوا إلى الطّاعَةِ عَلى أكْمَلِ وُجُوهِها، وفي الآيَةِ حَضٌّ عَلى الخُشُوعِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ إذا تَلاها بَكى ثُمَّ قالَ: بَلى يا رَبِّ بَلى يا رَبِّ، وعَنِ الحَسَنِ أما واللَّهِ لَقَدِ اسْتَبْطَأهم وهم يَقْرَؤُونَ مِنَ القُرْآنِ أقَلَّ مِمّا تَقْرَءُونَ فانْظُرُوا في طُولِ ما قَرَأْتُمْ وما ظَهَرَ فِيكم مِنَ الفِسْقِ، ورَوى السُّلَمِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحِوارِيِّ قالَ بَيْنا أنا في بَعْضِ طُرُقاتِ البَصْرَةِ إذْ سَمِعْتُ صَعْقَةً فَأقْبَلْتُ نَحْوَها فَرَأيْتُ رَجُلًا قَدْ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هَذا ؟ فَقالُوا: كانَ رَجُلًا حاضِرَ القَلْبِ فَسَمِعَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هي ؟ فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَأفاقَ الرَّجُلُ عِنْدَ سَماعِ كَلامِنا فَأنْشَأ يَقُولُ:
أما آنَ لِلْهِجْرانِ أنْ يَتَصَرَّما ولِلْغُصْنِ غُصْنِ البانِ أنْ يَتَبَسَّما
ولِلْعاشِقِ الصَّبِّ الَّذِي ذابَ وانْحَنى ∗∗∗ ألَمْ يَأْنِ أنْ يُبْكى عَلَيْهِ ويُرْحَما
كَتَبْتُ بِماءِ الشَّوْقِ بَيْنَ جَوانِحِي ∗∗∗ كِتابًا حَكى نَقْشَ الوَشْيِ المُنَمْنَما
ثُمَّ قالَ: إشْكالٌ إشْكالٌ إشْكالٌ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَحَرَّكْناهُ فَإذا هو مَيِّتٌ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وعِنْدَهُ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا فَنَظَرَ إلَيْهِمْ فَقالَ: هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ، ولَعَلَّهُ أرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الطِّرازَ الأوَّلَ كانَ كَذَلِكَ حَتّى قَسَتْ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ولَمْ يَتَأسَّوْا بِالسّابِقِينَ وغَرَضُهُ مَدْحُ أُولَئِكَ القَوْمِ بِما كانَ هو ونُظَراؤُهُ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أرادَ ما هو الظّاهِرُ، والكَلامُ مِن بابِ هَضْمِ النَّفْسِ كَقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكم، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَعْناهُ تَصَلَّبَتْ وأدْمَنَتْ سَماعَ القُرْآنِ وألِفَتْ أنْوارَهُ فَما تَسْتَغْرِبُهُ حَتّى تَتَغَيَّرَ كَما تَغَيَّرَ هَؤُلاءِ السّامِعُونَ انْتَهى وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وفِيهِ نَوْعُ انْتِقاصٍ لِلْقَوْمِ ورَمْزٌ إلى أنَّ البُكاءَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ لا يَكُونُ مِن كامِلٍ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِضَعْفِ القَلْبِ عَنْ تَحَمُّلِ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ النُّورانِيَّةِ ويَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ كَلامُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ
صفحة 181
مِنَ السَّبْعَةِ «وما نَزَّلَ» بِالتَّشْدِيدِ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ يُونُسَ وعَبّاسٌ عَنْهُ «نُزِّلَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، وعَبْدُ اللَّهِ - أنْزَلَ - بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ لا نافِيَةٌ وما بَعْدَها مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى تَخْشَعَ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ناهِيَةً وما بَعْدَها مَجْزُومٌ بِها ويَكُونُ ذَلِكَ انْتِقالًا إلى نَهْيِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ أنْ عُوتِبُوا بِما سَمِعْتَ وعَلى النَّفْيِ هو في المَعْنى نَهْيٌ أيْضًا، وقَرَأ أبُو بَحْرِيَّةَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وعَنْ شَيْبَةَ ويَعْقُوبَ وحَمْزَةَ في رِوايَةٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْهُ «ولا تَكُونُوا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِلِاعْتِناءِ بِالتَّحْذِيرِ، وفي لا ما تَقَدَّمَ، والنَّهْيُ مَعَ الخِطابِ أظْهَرُ مِنهُ مَعَ الغَيْبَةِ.
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ الأجَلُ بِطُولِ أعْمارِهِمْ وآمالِهِمْ، أوْ طالَ أمَدُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبُعْدُ العَهْدِ بِهِمْ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ القِيامَةِ والجَزاءِ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ الفَتْحِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الأمَدِ والزَّمانِ بِأنَّ الأمَدَ يُقالُ الغايَةُ والزَّمانُ عامٌّ مِنَ المَبْدَأِ والغايَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ( الأمَدُّ ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ أيِ الوَقْتُ الأطْوَلُ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ صَلُبَتْ فَهي كالحِجارَةِ، أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ حُدُودِ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في كِتابِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، قِيلَ: مِن فَرْطِ القَسْوَةِ وذُكِرَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِ الجُمْلَةِ حالٌ، وفِيهِ خَفاءٌ والأظْهَرُ أنَّهُ مِنَ السِّياقِ، والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ فالمَوْصُولُ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى وكانُوا كُلُّهم في أوائِلِ أمْرِهِمْ يَحُولُ الحَقُّ بَيْنَهم وبَيْنَ كَثِيرٍ مِن شَهَواتِهِمْ وإذا سَمِعُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ تَعالى ورَقَّتْ قُلُوبُهم فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الزَّمانُ غَلَبَهُمُ الجَفاءُ والقَسْوَةُ وزالَتْ عَنْهُمُ الرَّوْعَةُ الَّتِي كانُوا يَجِدُونَها عِنْدَ سَماعِ الكِتابَيْنِ وأحْدَثُوا ما أحْدَثُوا واتَّبَعُوا الأهْواءَ وتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ، والقَسْوَةُ مَبْدَأُ الشُّرُورِ وتَنْشَأُ مِن طُولِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَتَقْسُو قُلُوبُكم فَإنَّ القَلْبَ القاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا تَنْظُرُوا إلى ذُنُوبِ العِبادِ كَأنَّكم أرْبابٌ وانْظُرُوا في ذُنُوبِكم كَأنَّكم عِبادٌ والنّاسُ رَجُلانِ مُبْتَلًى ومُعافى فارْحَمُوا أهْلَ البَلاءِ واحْمَدُوا عَلى العافِيَةِ ومَن أحَسَّ بِقَسْوَةٍ في قَلْبِهِ فَلْيَهْرَعْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وتِلاوَةِ كِتابِهِ يَرْجِعْ إلَيْهِ حالُهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فَهو تَمْثِيلٌ ذُكِرَ اسْتِطْرادًا لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِالغَيْثِ لِلتَّرْغِيبِ في الخُشُوعِ والتَّحْذِيرِ عَنِ القَساوَةِ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ كَيْ تَعْقِلُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتَفُوزُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
الحديد 57:18
﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيِ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ هارُونَ بِتَخْفِيفِ الصّادِ مِنَ التَّصْدِيقِ لا مِنَ الصَّدَقَةِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا واللّاتِي صَدَقْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقِراءَةُ الأُولى أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وقِيلَ: الثّانِيَةُ أرْجَحُ لِأنَّ الإقْراضَ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ، وأنْتَ سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَهُ، وعُطِفَ ( أقْرَضُوا ) عَلى مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُصَّدِّقِينَ عَلى ما اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الفِعْلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ أصْدَقُوا أوْ صَدَّقُوا عَلى القِراءَتَيْنِ ( وأقْرَضُوا )
صفحة 182
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ إذِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو المُصَّدِّقاتُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ النّاسَ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وتَصَدَّقْنَ أأقْرَضُوا فَهو عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى بِلا فَصْلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ ألِ الثّانِيَةَ زائِدَةٌ لِئَلّا يُعْطَفَ عَلى صُورَةِ جُزْءِ الكَلِمَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ اعْتِبارِ المَعْنى يَدْفَعُ ما ذُكِرَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَرِيبٌ ولا يَبْعُدُ تَنْزِيلُ ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى صِلَةِ ألْ في المُصَّدِّقاتِ واخْتِلافِ الضَّمائِرِ تَأْنِيثًا وتَذْكِيرًا لا يَضُرُّ لِأنَّ ألْ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ فَيُرادُ بِها مَعْنى اللّاتِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الإناثِ عَلَيْها ومَعْنى الَّذِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الذُّكُورِ عَلَيْها وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: هو مِن بابِ كَلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ أيْ إنَّ المُصَّدِّقِينَ مَقْرُونُونَ مَعَ المُصَّدِّقاتِ في الثَّوابِ والمَنزِلَةِ، أوْ يُقَدَّرُ خَبَرٌ أيْ - إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ يُفْلِحُونَ - ( وأقْرَضُوا ) في الوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ بَلْ مُسْتَأْنَفٌ ويُضافُ بَعْدَ صِفَةِ قَرْضًا أوِ اسْتِئْنافٍ ومَن أنْصَفَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ أدْنى الفُصَحاءِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَخْرِيجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المَوْصُولِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ
فَمَن يَهْجُرُ رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ
وهُوَ مَقْبُولٌ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ دُونَ رَأْيِ البَصْرِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ في مِثْلَهُ، وبَعْضُ أئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ بَعْدَ أنِ اسْتَقْرَبَ تَوْجِيهَ التَّقْرِيبِ ولَمْ يَسْتَبْعِدْ تَنْزِيلَ ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ قالَ: وأقْرَبُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( المُصَّدِّقاتِ ) مَنصُوبٌ عَلى التَّخْصِيصِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إنَّ المُصَّدِّقِينَ» عامًّا عَلى التَّغْلِيبِ وأخُصُّ المُتَصَدِّقاتِ مِنهم كَما تَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا سِيَّما العُلَماءَ مِنهم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم كَذا.
ووَجْهُ التَّخْصِيصِ ما ورَدَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ فَإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ»» يَحُضُّهُنَّ عَلى الصَّدَقَةِ بِأنَّهُنَّ إذا فَعَلْنَ ذَلِكَ كانَ لَهُ تَعالى أقْبَلَ وجَزاؤُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ أوْفَرَ وأفْضَلَ، ثُمَّ قالَ: ولَمّا لَمْ يَكُنِ الإقْراضُ غَيْرَ ذَلِكَ التَّصَدُّقِ قِيلَ: وأقْرَضُوا أيْ بِذَلِكَ التَّصَدُّقِ تَحْقِيقًا لِكَيْنُونَتِهِ وأنَّهم مِثْلُ ذَلِكَ مُمَثَّلُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِمَن يُعامَلُ مَعَ أجْوَدِ الأجْوَدَيْنِ مُعامَلَةً بِرِضاهُ، ولَوْ قِيلَ: والمُقْرِضِينَ لَفاتَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ نَصْبَ المُصَّدِّقاتِ عَلى التَّخْصِيصِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ المَفْرُوضَيْنِ فَحَسَنٌ وهو مُتَأتٍّ عَلى تَخْرِيجِ أبِي عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيِّ، وعَلى تَخْرِيجِ أبِي حَيّانَ، وقالَ الخَفاجِيُّ: القَوْلُ - أيْ قَوْلُ أبِي البَقاءِ - بِأنْ أقْرَضُوا إلَخْ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها أظْهَرُ وأسْهَلُ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ فِيهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ بِالمُضاعَفَةِ، وزَعَمَ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها مِن ضَمِيرَيِ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ لا يَخْفى مَعْنًى وعَرَبِيَّةً فَتَدَبَّرْ ( يُضاعَفُ لَهم ) الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ المُتَقَدِّمِينَ الذُّكُورِ والإناثِ عَلى التَّغْلِيبِ كَضَمِيرِ أقْرَضُوا، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ التَّصَدُّقِ أوْ ضَمِيرُ القَرْضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يُضاعَفُ ثَوابُ التَّصَدُّقِ أوْ ثَوابُ القَرْضِ لَهم، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ «( يُضَعَّفُ)» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقُرِئَ «يُضاعِفُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ يُضاعِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم ثَوابَ ذَلِكَ ﴿ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.
الحديد 57:19
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قَدْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إيمانِهِمْ في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وهو إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 183
﴿هُمُ﴾ مُبْتَدَأٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ﴾ خَبَرُ الثّالِثِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الثّانِي وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرُ الأوَّلِ أوْ هم ضَمِيرُ فَصْلٍ وما بَعْدَهُ خَبَرُ الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما قِيلَ: بِالثُّبُوتِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الجُمْلَةُ أيْ أُولَئِكَ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ وفي حُكْمِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ.
والمُرادُ أُولَئِكَ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ المَشْهُورِينَ بِعُلُوِّ الرُّتْبَةِ ورَفْعَةِ المَحَلِّ وهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى التَّصْدِيقِ ورَسَخُوا فِيهِ واسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ وسُمِّيَ مَن قُتِلَ مُجاهِدًا في سَبِيلِهِ شَهِيدًا لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ومَلائِكَتَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ شُهُودٌ لَهُ بِالجَنَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ كَأنَّهُ شاهِدٌ أيَّ حاضِرٌ، وقِيلَ: لِأنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَشْهَدُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ شَهِدَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الكَرامَةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ فَهو إمّا فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. أوْ ( لَهم ) الخَبَرُ وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وضَمِيرُ ( لَهم ) لِلْمَوْصُولِ، والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ، والغَرَضُ بَيانُ ثَمَراتِ ما وُصِفُوا بِهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ أيْ أُولَئِكَ لَهم مِثْلُ أجْرِ الصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ ونُورِهِمُ المَعْرُوفِينَ بِغايَةِ الكَمالِ وعِزَّةِ المَنالِ، وقَدْ حُذِفَ أداةُ التَّشْبِيهِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ المُماثَلَةِ وبُلُوغِها حَدَّ الِاتِّحادِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ أوَّلًا حَيْثُ قِيلَ: أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ ولَيْسَتِ المُماثَلَةُ بَيْنَ ما لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مِنَ الأجْرِ والنُّورِ. وبَيْنَ تَمامِ ما لِلْفَرِيقَيْنِ الأخِيرَيْنِ بَلْ بَيْنَ تَمامِ ما لِلْأوَّلِ مِنَ الأصْلِ والإضْعافِ وبَيْنَ ما لِلْأخِيرَيْنِ مِنَ الأصْلِ بِدُونِ الإضْعافِ، فالإضْعافُ هو الَّذِي امْتازَ بِهِ الفَرِيقانِ الأخِيرانِ عَلى الفَرِيقِ الأوَّلِ وقَدْ لا يُعْتَبَرُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ في الكَلامِ أصْلًا ويَبْقى عَلى ظاهِرِهِ والضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمَوْصُولِ أيْ أُولَئِكَ هُمُ المُبالِغُونَ في الصِّدْقِ حَيْثُ آمَنُوا وصَدَّقُوا جَمِيعَ أخْبارِ اللَّهِ تَعالى وأخْبارِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والقائِمُونَ بِالشَّهادَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ ولَهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ مِن ذَلِكَ لَهُمُ الأجْرُ والنُّورُ المَوْعُودانِ لَهم، وقالَ بَعْضُهم: وصَفَهم بِالشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البَقَرَةَ: 143] فَعِنْدَ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالشُّهَداءِ، والمُرادُ والشُّهَداءُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالشُّهَداءِ أيْضًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى مَعْنى الَّذِينَ شَهِدُوا مَزِيدَ الكَرامَةِ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَظِيرَةِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويَشْهَدُ لِكَوْنِ الشُّهَداءِ مَعْطُوفًا عَلى الصِّدِّيقِينَ آثارٌ كَثِيرَةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ مُؤْمِنِي أُمَّتِي شُهَداءُ، ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا لِقَوْمٍ عِنْدَهُ: كُلُّكم صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ قِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ يا أبا هُرَيْرَةَ ؟ قالَ: اقْرَؤُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجَهْنَيِّ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ شَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وصَلَّيْتُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ وأدَّيْتُ الزَّكاةَ وصُمْتُ رَمَضانَ وقُمْتُهُ فَمِمَّنْ أنا ؟ قالَ: مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ»» ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى مَن لَهم كَما في ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ ولا يَتَحَقَّقُ إلّا بِفِعْلِ طاعاتٍ يُعْتَدُّ بِها وإلّا فَيَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُنْهَمِكُ في الشَّهَواتِ الغافِلُ عَنِ الطّاعاتِ صَدِّيقًا شَهِيدًا،
صفحة 184
ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِما جاءَ مِن حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ما لَكم إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَخْتَرِقُ أعْراضَ النّاسِ أنْ لا تَعِيبُوا عَلَيْهِ ؟ قالُوا: نَخافُ لِسانَهُ قالَ: ذَلِكَ أحْرى أنْ لا تَكُونُوا شُهَداءَ»، قالَ ابْنُ الأثِيرِ: أيْ إذا لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ تَكُونُوا في جُمْلَةِ الشُّهَداءِ الَّذِينَ يُسْتَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ أنْبِياءَها، وكَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّعّانُونَ لا يَكُونُونَ شُهَداءَ» بِناءً عَلى أحَدِ قَوْلَيْنِ فِيهِ. وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ إرادَةُ طائِفَةٍ مِن خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ مَخافَةَ الفِتْنَةِ عَلى نَفْسِهِ ودِينِهِ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا فَإذا ماتَ قَبَضَهُ اللَّهُ شَهِيدًا وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ﴾ ثُمَّ قالَ هَذِهِ فِيهِمْ ثُمَّ قالَ: الفَرّارُونَ بِدِينِهِمْ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ»» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن قَوْلِهِ: «هَذِهِ فِيهِمْ» أنَّها صادِقَةٌ عَلَيْهِمْ وهم داخِلُونَ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُقالُ: في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَعَ عِيسى في دَرَجَتِهِ»» المُرادُ مَعَهُ في مِثْلِ دَرَجَتِهِ وتُوَجَّهُ المُماثَلَةُ بِما مَرَّ والخَبَرُ إذا صَحَّ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ في الآيَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في ثَمانِيَةِ نَفَرٍ سَبَقُوا أهْلَ الأرْضِ في زَمانِهِمْ إلى الإسْلامِ وهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وحَمْزَةُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ وزَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وهَذا لا يَضُرُّ في العُمُومِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: الشُّهَداءُ مُبْتَدَأٌ و﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خَبَرُهُ، وقِيلَ: الخَبَرُ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ والكَلامُ عَلَيْهِما قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ قالا: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ هَذِهِ مَفْصُولَةٌ سَمّاهم صِدِّيقِينَ، ثُمَّ قالَ: والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم.
ورَوى جَماعَةٌ عَنْ مَسْرُوقٍ ما يُوافِقُهُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالشُّهَداءِ عَلى هَذا فَقِيلَ: الشُّهَداءُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ عَلَيْهِمْ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ الشُّهَداءِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، ومَن أنْصَفَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ كَما قالَ، وأنَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ النُّورُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ عَلى حَقِيقَتِهِ وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والكَرامَةِ والبُشْرى.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ بِجَمِيعِها عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وهو إشارَةٌ إلى كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعِهِمْ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ بِحَيْثُ لا يُفارِقُونَها أبَدًا [الحَدِيدَ: 20 - 29]
الحديد 57:20
﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ شَرَحَ حالَ الحَياةِ الَّتِي اطْمَأنَّ بِها الفَرِيقُ الثّانِي، وأُشِيرَ إلى أنَّها مِن مُحَقِّراتِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَرْكَنُ إلَيْها العُقَلاءُ فَضْلًا عَنِ الِاطْمِئْنانِ بِها بِأنَّها لَعِبٌ لا ثَمَرَةَ فِيها سِوى التَّعَبِ ( ولَهْوٌ ) تَشْغَلُ الإنْسانَ عَمّا يَعْنِيهِ ويُهِمُّهُ ( وزِينَةٌ ) لا يَحْصُلُ مِنها شَرَفٌ ذاتِيٌّ كالمَلابِسِ الحَسَنَةِ والمَراكِبِ البَهِيَّةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ ( وتَفاخُرٌ ) بِالأنْسابِ والعِظامِ البالِيَةِ ( وتَكاثُرٌ ) بِالعَدَدِ والعُدَدِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ «وتَفاخَرُ بَيْنِكم» بِالإضافَةِ ثُمَّ أُشِيرَ إلى أنَّها مَعَ ذَلِكَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ مَطَرٍ ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيْ راقَهم ﴿نَباتُهُ﴾ أيِ النَّباتُ الحاصِلُ بِهِ، والمُرادُ بِالكُفّارِ إمّا الحُرّاثُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ أيْ يَسْتُرُونَ
صفحة 185
البَذْرَ في الأرْضِ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ ظاهِرٌ، وأمّا الكافِرُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم أشَدُّ إعْجابًا بِزِينَةِ الدُّنْيا فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا رَأى مُعْجِبًا انْتَقَلَ فِكْرُهُ إلى قُدْرَةِ مُوجِدِهِ عَزَّ وجَلَّ فَأُعْجِبَ بِها، ولِذا قالَ أبُو نُواسٍ في النَّرْجِسِ:
عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ عَلى أطْرافِها ذَهَبٌ سَبِيكُ
عَلى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
والكافِرُ لا يَتَخَطّى فِكْرُهُ عَمّا أحَسَّ بِهِ فَيَسْتَغْرِقُ إعْجابًا ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَتَحَرَّكُ إلى أقْصى ما يَتَأتّى لَهُ، وقِيلَ: أيْ يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ ﴿فَتَراهُ﴾ يا مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ ﴿مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ ما رَأيْتَهُ ناضِرًا مُونِقًا، وقُرِئَ مُصْفارًّا وإنَّما لَمْ يَقُلْ فَيَصْفَرُّ قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ اصْفِرارَهُ غَيْرُ مُقارِنٍ لِهَيَجانِهِ وإنَّما المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مِنَ اليُبْسِ، ومَحَلُّ الكافِ قِيلَ: النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( لَعِبٌ ) لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِتَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ مَثَلُ الحَياةِ كَمَثَلِ إلَخْ، ولِتَضَمُّنِ ذَلِكَ تَشْبِيهَ جَمِيعِ ما فِيها مِنَ السِّنِينَ الكَثِيرَةِ بِمُدَّةِ نَباتِ غَيْثٍ واحِدٍ يَفْنى ويَضْمَحِلُّ في أقَلَّ مِن سَنَةٍ جاءَتِ الإشارَةُ إلى سُرْعَةِ زَوالِها وقُرْبِ اضْمِحْلالِها، وبَعْدَ ما بَيَّنَ حَقارَةَ أمْرِ الدُّنْيا تَزْهِيدًا فِيها وتَنْفِيرًا عَنِ العُكُوفِ عَلَيْها أُشِيرَ إلى فَخامَةِ شَأْنِ الآخِرَةِ وعِظَمِ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ تَرْغِيبًا في تَحْصِيلِ نَعِيمِها المُقِيمِ وتَحْذِيرًا مِن عَذابِها الألِيمِ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ العَذابِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ الِانْهِماكِ فِيما فَصَّلَ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وفي مُقابَلَةِ العَذابِ الشَّدِيدِ بِشَيْئَيْنِ إشارَةٌ إلى غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ مِن بابِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ».
وفِي تَرْكِ وصْفِ العَذابِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ وصْفِ ما بَعْدَهُ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى غَلَبَتِها أيْضًا ورَمْزٌ إلى أنَّ الخَيْرَ هو المَقْصُودُ بِالقَصْدِ الأوْلى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ لِمَنِ اطْمَأنَّ بِها ولَمْ يَجْعَلْها ذَرِيعَةً لِلْآخِرَةِ ومَطِيَّةً لِنَعِيمِها، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ إنْ ألْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ. فَأمّا إذا دَعَتْكَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ الآخِرَةِ فَنِعْمَ المَتاعُ ونِعْمَ الوَسِيلَةُ
الحديد 57:21
﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ أيْ سارِعُوا مُسارَعَةَ السّابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ إلى أسْبابِ مَغْفِرَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في لازِمِ مَعْناهُ وإنَّما لَزِمَ ذَلِكَ لِأنَّ اللّازِمَ أنْ يُبادِرَ مَن يَعْمَلُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ لا أنْ يَعْمَلَهُ أوْ يَتَّصِفَ بِذَلِكَ سابِقًا عَلى آخَرَ وقِيلَ: المُرادُ سابِقُوا مَلَكَ المَوْتِ قَبْلَ أنْ يَقْطَعَكم بِالمَوْتِ عَنِ الأعْمالِ المُوَصِّلَةِ لِما ذُكِرَ وقِيلَ: سابِقُوا إبْلِيسَ قَبْلَ أنْ يَصُدَّكم بِغُرُورِهِ وخِداعِهِ عَنْ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.
والمُرادُ بِتِلْكَ الأسْبابِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كُنْ أوَّلَ داخِلٍ المَسْجِدَ وآخِرَ خارِجٍ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُونُوا في أوَّلِ صَفِّ القِتالِ، وقالَ أنَسٌ: اشْهَدُوا تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، واسْتُدِلَّ بِهَذا الأمْرِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ بِأوَّلِ وقْتِها أفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ كَعَرَضِهِما جَمِيعًا لَوْ أُلْصِقَ أحَدُهُما بِالآخَرِ
صفحة 186
وإذا كانَ العَرْضُ وهو أقْصَرُ الِامْتِدادَيْنِ مَوْصُوفًا بِالسِّعَةِ دَلَّ عَلى سِعَةِ الطُّولِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فالِاقْتِصارُ عَلَيْهِ أبْلَغُ مِن ذِكْرِ الطُّولِ مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَرْضِ البَسْطَةُ ولِذا وُصِفَ بِهِ الدُّعاءُ ونَحْوُهُ مِمّا لَيْسَ مِن ذَوِي الأبْعادِ وتَقَدَّمَ قَوْلٌ آخَرُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ الآيَةِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ هُيِّئَتْ لَهم، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَنْ أنَّ الجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الآنَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( أُعِدَّتْ ) بِصِيغَةِ الماضِي والتَّأْوِيلُ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ صُرِّحَ بِخِلافِهِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ وتَمامُ الكَلامِ في عِلْمِ الكَلامِ، وعَلى أنَّ الإيمانَ وحْدَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ لِذِكْرِهِ وحْدَهُ فِيما في حَيِّزِ ما يُشْعِرُ بِعِلَّةِ الإعْدادِ وإدْخالِ العَمَلِ في الإيمانِ المُعَدّى بِالباءِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ كَذا قالُوا، ومَتى أُرِيدَ بِالَّذِينِ آمَنُوا المَذْكُورِينَ مَن لَهم دَرَجَةٌ في الإيمانِ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: بِأنَّها لا تَحْصُلُ بِدُونِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى ما سَمِعْتَهُ مِنّا قَرِيبًا انْخَدَشَ الِاسْتِدْلالُ الثّانِي في الجُمْلَةِ كَما لا يَخْفى، وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ في وجْهِ التَّعْبِيرِ هُنا - بِسابِقُوا - وفي آيَةِ آلِ عِمْرانَ - بِسارِعُوا - وبِالسَّماءِ هُنا، والسَّماواتِ هُناكَ - وبِكَعَرْضِ - هُنا - وبِعَرْضِ - بِدُونِ أداةِ تَشْبِيهٍ ثَمَّ كَلامًا مَبْنِيًّا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُتَّقِينَ هُناكَ السّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ، وبِالَّذِينِ آمَنُوا هُنا مَن هم دُونَ أُولَئِكَ حالًا فَتَأمَّلْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي وُعِدَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ عَطاؤُهُ الغَيْرُ الواجِبِ عَلَيْهِ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ إيتاءَهُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فَلا يَبْعُدُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ التَّفَضُّلُ بِذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِإثْباتِ ما ذُيِّلَ بِها.
الحديد 57:22
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ نائِبَةٍ أيُّ نائِبَةٍ وأصْلُها في الرَّمْيَةِ وهي مِن أصابَ السَّهْمُ إذا وصَلَ إلى المَرْمى بِالصَّوابِ ثُمَّ خُصَّتْ بِها.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها لُغَةٌ عامَّةٌ في الشَّرِّ والخَيْرِ وعُرْفًا خاصَّةٌ بِالشَّرِّ، ومِن مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وأصابَ جاءَ في الشَّرِّ كَما هُنا، وفي الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النِّساءَ: 73] وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ اعْتِبارًا بِالصَّوْبِ أيْ بِالمَطَرِ وفي الشَّرِّ اعْتِبارًا بِإصابَةِ السَّهْمِ، وكِلاهُما يَرْجِعانِ إلى أصْلٍ وتَذْكِيرُ الفِعْلِ في مِثْلِ ذَلِكَ جائِزٌ كَتَأْنِيثِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ما ( تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها ) [الحِجْرَ: 5، المُؤْمِنُونَ: 43] والكَلامُ عَلى العُمُومِ لِجَمِيعِ الشُّرُورِ أيْ مُصِيبَةٌ أيُّ مُصِيبَةٍ ﴿فِي الأرْضِ﴾ كَجَدْبٍ وعاهَةٍ في الزَّرْعِ والثِّمارِ وزَلْزَلَةٍ وغَيْرِها ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ كَمَرَضٍ وآفَةٍ كالجُرْحِ والكَسْرِ ﴿إلا في كِتابٍ﴾ أيْ إلّا مَكْتُوبَةٌ مُثْبَتَةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ نَخْلُقَها، والضَّمِيرُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ وجَماعَةٍ: لِلْأنْفُسِ، وقِيلَ: لِلْأرْضِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ لِلْمُصِيبَةِ لِأنَّها هي المُحَدَّثُ عَنْها، وذِكْرُ الأرْضِ والأنْفَسِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ ذِكْرِ مَحَلِّها، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ جَوازَ عَوْدِهِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، وقالَ جَماعَةٌ: يَعُودُ عَلى المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُصِيبَةِ هُنا الحَوادِثُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ اسْتِعْمالِ المُصِيبَةِ إلّا أنَّ فِيما بَعْدُ نَوْعَ تَأْيِيدٍ لَهُ وأيًّا ما كانَ فَفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَرْفُوعٍ أوْ مَجْرُورٍ صِفَةٌ لِمُصِيبَةٍ عَلى المَوْضِعِ أوْ عَلى اللَّفْظِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَأصابَ أوْ لِلْمُصِيبَةِ، قِيلَ: وإنَّما قُيِّدَتِ المُصِيبَةُ بِكَوْنِها في الأرْضِ والأنْفُسِ لِأنَّ الحَوادِثَ المُطْلَقَةَ كُلَّها لَيْسَتْ مَكْتُوبَةً في اللَّوْحِ لِأنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، واللَّوْحُ مُتَناهٍ وهو لا يَكُونُ
صفحة 187
ظَرْفًا لِغَيْرِ المُتَناهِي ولِذا جاءَ «جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وفي الآيَةِ تَخْصِيصٌ آخَرُ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَذْكُرْ أحْوالَ أهْلِ السَّماواتِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ المَصائِبِ في أهْلِها لا يَكادُ يُصِيبُهم سِوى مُصِيبَةِ المَوْتِ، وما ذَكَرَهُ في وجْهِ التَّخْصِيصِ الأوَّلِ لا يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالكِتابِ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بِأنَّ كِتابَةَ الحَوادِثِ فِيهِ عَلى نَحْوِ كِتابَتِها في القُرْآنِ العَظِيمِ بِناءً عَلى ما يَقُولُونَ: إنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا ويُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنهُ حَتّى أسْماءَ المُلُوكِ ومَدَدِهِمْ وما يَقَعُ مِنهم ولَوْ قِيلَ في وجْهِهِ - إنَّ الأوْفَقَ بِما تَقَدَّمَ مِن شَرْحِ حالِ الحَياةِ الدُّنْيا إنَّما هو ذِكْرُ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلِذا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ - لَكانَ تامًّا مُطْلَقًا ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ إثْباتَها في كِتابٍ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ لا غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَسِيرٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ تَعالى فِيهِ عَنِ العُدَّةِ والمُدَّةِ، وإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ تَحَقُّقُها في عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَيُسْرُهُ لِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى هِشامِ بْنِ الحَكَمِ الزّاعِمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ الحَوادِثَ قَبْلَ وُقُوعِها، وفي الإكْلِيلِ إنَّ فِيها رَدّا عَلى القَدَرِيَّةِ، وجاءَ ذَلِكَ في خَبَرٍ مَرْفُوعٍ، أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ جابِرٍ الجُهَيْمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««سَيُفْتَحُ عَلى أُمَّتِي بابٌ مِنَ القَدَرِ في آخِرِ الزَّمانِ لا يَسُدُّهُ شَيْءٌ يَكْفِيكم مِنهُ أنْ تَلْقَوْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ»» الآيَةَ.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي حَسّانَ «أنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلا عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقالا: «إنَّ أبا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إنَّما الطِّيَرَةُ في المَرْأةِ والدّابَّةِ والدّارِ فَقالَتْ: والَّذِي أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى أبِي القاسِمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما هَكَذا كانَ يَقُولُ، ولَكِنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما الطِّيَرَةُ في المَرْأةِ والدّابَّةِ والدّارِ، ثُمَّ قَرَأتْ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ الآيَةَ»
الحديد 57:23
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ أيْ أخَّرْناكم بِذَلِكَ لِئَلّا تَحْزَنُوا ﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِن نِعَمِ الدُّنْيا ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أيْ أعْطاكُمُوهُ اللَّهُ تَعالى مِنها فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الكُلَّ مُقَدَّرٌ يَفُوتُ ما قُدِّرَ فَواتُهُ ويَأْتِي ما قُدِّرَ إتْيانُهُ لا مَحالَةَ لا يَعْظُمُ جَزَعُهُ عَلى ما فاتَ ولا فَرَحُهُ بِما هو آتٍ، وعَلِمَ كَوْنَ الكُلِّ مُقَدَّرًا مَعَ أنَّ المَذْكُورَ سابِقًا المَصائِبُ دُونَ النِّعَمِ وغَيْرِها لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ ولَيْسَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ اكْتِفاءٌ كَما تُوُهِّمَ، نَعَمْ إنْ حُمِلَتِ المُصِيبَةُ عَلى الحَوادِثِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ كانَ أمْرُ العِلْمِ أوْضَحَ كَما لا يَخْفى وتُرِكَ التَّعادُلُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ في الصِّلَتَيْنِ حَيْثُ لَمَّ يُسْنَدا إلى شَيْءٍ واحِدٍ بَلْ أُسْنِدَ الأوَّلُ إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ والثّانِي إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِأنَّ الفَواتَ والعَدَمَ ذاتِيٌّ لِلْأشْياءِ فَلَوْ خُلِّيَتْ ونَفْسُها لَمْ تَبْقَ بِخِلافِ حُصُولِها وبَقائِها فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اسْتِنادِهِما إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ. وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَلا تُتْبِعِ الماضِيَ سُؤالَكَ لِمَ مَضى وعَرِّجْ عَلى الباقِي وسائِلْهُ لِمَ بَقِيَ
ومِثْلُ هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ - أُوتِيتُمْ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ أُعْطِيتُمْ وقَرَأ أبُو عَمْرو - أتاكم - مِنَ الإتْيانِ أيْ جاءَكم وعَلَيْها بَيْنَ الفِعْلَيْنِ تَعادُلٌ، والمُرادُ نَفْيُ الحُزْنِ المُخْرِجِ إلى ما يُذْهِلُ صاحِبَهُ عَنِ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَجاءِ ثَوابِ الصّابِرِينَ ونَفْيُ الفَرَحِ المُطْغِي المُلْهِي عَنِ الشُّكْرِ، وأمّا الحُزْنُ الَّذِي لا يَكادُ الإنْسانُ يَخْلُو مِنهُ مَعَ الِاسْتِسْلامِ والسُّرُورُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِدادِ بِها مَعَ الشُّكْرِ فَلا بَأْسَ بِهِما.
أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا هو يَحْزَنُ ويَفْرَحُ ولَكِنْ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ جَعَلَها صَبْرًا ومَن أصابَهُ خَيْرٌ جَعَلَهُ شُكْرًا، وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 188
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَذْيِيلٌ يُفِيدُ أنَّ الفَرَحَ المَذْمُومَ هو المُوجِبُ لِلْبَطَرِ والِاخْتِيالِ والمُخْتالُ المُتَكَبِّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَراءَتْ لَهُ مِن نَفْسِهِ، والفَخُورُ المُباهِي في الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المَرْءِ كالمالِ والجاهِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الِاخْتِيالَ في الفِعْلِ والفَخْرَ فِيهِ وفي غَيْرِهِ، والمُرادُ مَن لا يُحِبُّ يَبْغُضُ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الحُبِّ والبُغْضِ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ وأوَّلًا بِالإثابَةِ والتَّعْذِيبِ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ تَرْكُ التَّأْوِيلِ مَعَ التَّنْزِيهِ، ومَن لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ لا يُحِبُّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِن ذَلِكَ لا أنَّهُ لا يُحِبُّ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ ويُرَدُّ بِذَلِكَ عَلى الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ في قَوْلِهِ: إذا تَأمَّلْنا وجَدْنا إدْخالَ كُلٍّ في حَيِّزِ النَّفْيِ لا يَصْلُحُ إلّا حَيْثُ يُرادُ أنَّ بَعْضًا كانَ وبَعْضًا لَمْ يَكُنْ، نَعَمْ إنَّ هَذا الحُكْمَ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ.
الحديد 57:24
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كُلَّ مُخْتالٍ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ فَإنَّ المُخْتالَ بِالمالِ يَضِنُّ بِهِ غالِبًا ويَأْمُرُ غَيْرَهُ بِذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّهم يَأْمُرُونَ حَقِيقَةً، وقِيلَ: كانُوا قُدْوَةً فَكَأنَّهم يَأْمُرُونَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ إلَخْ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُعْرِضُونَ عَنِ الإنْفاقِ الغَنِيِّ عَنْهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ ومَن يُعْرِضْ عَنِ الإنْفاقِ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ وعَنْ إنْفاقِهِ مَحْمُودٌ في ذاتِهِ لا يَضُرُّهُ الإعْراضُ عَنْ شُكْرِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِن نِعَمِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهم، أوْ مَوْعُودُونَ بِالعَذابِ أوْ مَذْمُومُونَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ أعْنِي أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ - لِكُلِّ مُخْتالٍ - فَإنَّهُ مُخَصَّصٌ نَوْعًا ما مِنَ التَّخْصِيصِ فَساغَ وصْفُهُ بِالمَعْرِفَةِ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَوازُ مِثْلِ ذَلِكَ مَذْهَبُ الأخْفَشِ ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِنَ الإشْعارِ بِالتَّهْدِيدِ لِمَن تَوَلّى، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ - فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ - بِإسْقاطِ - هو - وكَذا في مَصاحِفِ المَدِينَةِ والشّامِ وهو في القِراءَةِ الأُخْرى ضَمِيرُ فَصْلٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وإلّا لِمَ لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ في القِراءَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا فَلا يَكُونُ هُناكَ دَلِيلٌ عَلى الحَذْفِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى وُجُوبِ تَوافُقِ القِراءَتَيْنِ إعْرابًا ولَيْسَ بِلازِمٍ
الحديد 57:25
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ أيْ مِن بَنِي آدَمَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ الحُجَجِ والمُعْجِزاتِ ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ، والظَّرْفُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنهُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مُقارَنَةً بِتَنْزِيلِ الِاتِّصالِ مَنزِلَةَ المُقارَنَةِ ﴿والمِيزانَ﴾ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ بَيْنَ النّاسِ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، وإنْزالُهُ إنْزالُ أسْبابِهِ، ولَوْ بَعِيدَةٌ، وأمْرُ النّاسِ بِاتِّخاذِهِ مَعَ تَعْلِيمِ كَيْفِيَّتِهِ.
﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِ الكِتابِ والمِيزانِ والقِيامِ بِالقِسْطِ أيْ بِالعَدْلِ يَشْمَلُ التَّسْوِيَةَ في أُمُورِ التَّعامُلِ بِاسْتِعْمالِ المِيزانِ، وفي أُمُورِ المَعادِ بِاحْتِذاءِ الكِتابِ وهو لَفْظٌ جامِعٌ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ ما يَنْبَغِي الِاتِّصافُ بِهِ مَعاشًا ومَعادًا.
﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ قالَ الحَسَنُ: أيْ خَلَقْناهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزُّمُرَ: 6] وهو تَفْسِيرٌ يُلازِمُ الشَّيْءَ فَإنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُنَزَّلٌ بِاعْتِبارِ ثُبُوتِهِ في اللَّوْحِ وتَقْدِيرُهُ مَوْجُودًا حَيْثُ ما ثَبَتَ فِيهِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: هَيَّأْناهُ لَكم وأنْعَمْنا بِهِ عَلَيْكم مِن نَزَلَ الضَّيْفُ ﴿فِيهِ بَأْسٌ﴾ أيْ عَذابٌ ﴿شَدِيدٌ﴾ لِأنَّ آلاتِ الحَرْبِ تُتَّخَذُ مِنهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى احْتِياجِ الكِتابِ والمِيزانِ إلى القائِمِ بِالسَّيْفِ لِيَحْصُلَ القِيامُ بِالقِسْطِ فَإنَّ الظُّلْمَ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أيْ في مَعايِشِهِمْ ومَصالِحِهِمْ إذْ ما مِن صَنْعَةٍ إلّا
صفحة 189
والحَدِيدُ أوْ ما يُعْمَلُ بِهِ آلَتُها لِلْإيماءِ إلى أنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ كَما يَحْتاجُ إلى الوازِعِ وهو القائِمُ بِالسَّيْفِ يَحْتاجُ إلى ما بِهِ قِوامُ التَّعايُشِ، ومَن يَقُومُ بِذَلِكَ أيْضًا لِيَتِمَّ التَّمَدُّنُ المُحْتاجُ إلَيْهِ النَّوْعُ، ولِيَتِمَّ القِيامُ بِالقِسْطِ، كَيْفَ وهو شامِلٌ أيْضًا لِما يَخُصُّ المَرْءَ وحْدَهُ، والجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ أوِ الحالُ لِأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِيَنْفَعَهم ولِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِاسْتِعْمالِ آلاتِ الحَرْبِ مِنَ الحَدِيدِ في مُجاهَدَةِ أعْدائِهِ والحَذْفُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الثّانِيَ هو المَطْلُوبُ لِذاتِهِ وأنَّ الأوَّلَ مُقَدِّمَةٌ لَهُ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْ ولِيَعْلَمَ إلَخْ أنْزَلَهُ أوْ مُقَدَّمٌ والواوُ عاطِفَةٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وقَدْ حُذِفَ المَعْطُوفُ وأُقِيمَ مُتَعَلِّقُهُ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْصُرُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ غائِبًا مِنهم أوْ غائِبِينَ مِنهُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَهُمُ الجِهادَ وتَعْرِيضَهم لِلْقِتالِ لَيْسَ لِحاجَتِهِ سُبْحانَهُ في إعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ إلى نُصْرَتِهِمْ بَلْ إنَّما هو لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَصِلُوا بِامْتِثالِ الأمْرِ فِيهِ إلى الثَّوابِ وإلّا فَهو جَلَّ وعَلا غَنِيٌّ بِقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ عَنْهم في كُلِّ ما يُرِيدُ.
هَذا وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ رُسُلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْ أرْسَلْناهم إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفَسَّرَ - البَيِّناتِ - كَما فَسَّرْنا بِناءً عَلى المَلائِكَةِ تُرْسَلُ بِالمُعْجِزاتِ كَإرْسالِها بِالحُجَجِ لِتُخْبِرَ بِأنَّها مُعْجِزاتٌ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ الِاقْتِصارَ عَلى الحُجَجِ وإنْزالُ الكِتابِ أيِ الوَحْيِ مَعَ أُولَئِكَ الرُّسُلِ ظاهِرٌ، وإنْزالُ المِيزانِ بِمَعْنى الآلَةِ عِنْدَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ: «رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ» . وفَسَّرَهُ كَثِيرٌ بِالعَدْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في إنْزالِ الحَدِيدِ نَزَلَ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المِيقَعَةُ والسِّنْدانُ والكَلْبَتانِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ ومَعَهُ المُرُّ والمِسْحاةُ، وقِيلَ: نَزَلَ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِنَ الحَدِيدِ السِّنْدانُ والكَلْبَتانِ والإبْرَةُ والمِطْرَقَةُ والمِيقَعَةُ، وفُسِّرَتْ بِالمِسَنِّ، وتَجِيءُ بِمَعْنى المِطْرَقَةِ أوِ العَظِيمَةِ مِنها، وقِيلَ: ما تُحَدُّ بِهِ الرَّحى، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ بِالباسِنَةِ وهي آلاتُ الصُّنّاعِ، وقِيلَ: سِكَّةُ الحَرْثِ ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ - لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ - عِلَّةً لِإنْزالِ المِيزانِ فَقَطْ وجُوِّزَ ما ذَكَرْناهُ وهو الأوْلى فِيما أرى،
الحديد 57:26
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالأمْرِ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ.
﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ بِأنِ اسْتَنْبَأْناهم وأوْحَيْنا إلَيْهِمُ الكُتُبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكِتابُ الخَطُّ بِالقَلَمِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ - والنَّبِيَّةَ - مَكْتُوبَةٌ بِالياءِ عِوَضَ الواوِ ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وقِيلَ: أيْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ ﴿مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، ولَمْ يَقُلْ - ومِنهم - ضالٌّ مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ في المُقابَلَةِ لِأنَّ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ بَعْدَ الوُصُولِ بِالتَّمَكُّنِ مِنهُ، وعَرَفَتْهُ أبْلَغُ مِنَ الضَّلالِ عَنْهُ ولِإيذانِهِ بِغَلَبَةِ أهْلِ الضَّلالِ عَلى غَيْرِهِمْ
الحديد 57:27
﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أيْ أرْسَلْنا بَعْدَهم رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ وأصْلُ التَّقْفِيَةِ جَعْلُ
صفحة 190
الشَّيْءِ خَلْفَ القَفا، وضَمِيرُ آثارِهِمْ لِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِما. وقِيلَ: لِمَن عاصَرَهُما مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ عاصَرَ رَسُولٌ نُوحًا فَإمّا أنْ يُرْسَلَ إلى قَوْمِهِ كَهارُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ إلى غَيْرِهِمْ كَلُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا مَجالَ لِلْأوَّلِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْواقِعِ ولا إلى الثّانِي إذْ لَيْسَ عَلى الأرْضِ قَوْمٌ غَيْرُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ تَوْجِيهٌ لِجَمْعِ الضَّمِيرِ وكَوْنُ لُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ كافٍ فِيهِ، وقِيلَ: لِلذُّرِّيَّةِ، وفِيهِ أنَّ الرُّسُلَ المُقَفّى بِهِمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ فَلَوْ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ لَزِمَ أنَّهم غَيْرُهم أوِ اتِّحادُ المُقْفِي والمُقْفى بِهِ وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ بِالأوائِلِ مِنهم خِلافَ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ جَعَلْناهُ بَعْدُ.
وحاصِلُ المَعْنى أرْسَلْنا رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ حَتّى انْتَهى الإرْسالُ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ بِأنْ أوْحَيْنا إلَيْهِ ولَيْسَ هو الَّذِي بَيْنَ أيْدِي النَّصارى اليَوْمَ أعْنِي المُشْتَمِلَ عَلى قِصَّةِ وِلادَتِهِ وقِصَّةِ صَلْبِهِ المُفْتَراةِ: وقَرَأ الحَسَنُ «الأنْجِيلَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: وهو مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمْرُهُ أهْوَنُ مِن أمْرِ البَرْطِيلِ بِفَتْحِ الباءِ والكَسْرُ أشْهَرُ وهو حَجَرٌ مُسْتَطِيلٌ واسْتِعْمالُهُ في الرَّشْوَةِ مُوَلَّدٌ مَأْخُوذٌ مِنهُ بِنَوْعِ تَجَوُّزٍ لِأنَّهُ عَجَمِيٌّ وهَذا عَرَبِيٌّ وهم يَتَلاعَبُونَ بِالعَجَمِيِّ ولا يَلْتَزِمُونَ فِيهِ أوْزانَهم، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ لَفْظَ الإنْجِيلِ عَرَبِيٌّ مِن نَجَلْتُ بِمَعْنى اسْتَخْرَجْتُ لِاسْتِخْراجِ الأحْكامِ مِنهُ ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ أيْ خَلَقْنا أوْ صَيَّرْنا - فَفي قُلُوبِ - في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ جَعَلْنا ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ فَهم يَرْأفُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَرْحَمُ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَظِيرُهُ في شَأْنِ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحَ: 29] والرَّأْفَةُ في المَشْهُورِ الرَّحْمَةُ لَكِنْ قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّها إذا ذُكِرَتْ مَعَها يُرادُ بِالرَّأْفَةِ ما فِيهِ دَرْءُ الشَّرِّ ورَأْبُ الصَّدْعِ، وبِالرَّحْمَةِ ما فِيهِ جَلْبُ الخَيْرِ ولِذا تَرى في الأغْلَبِ تَقْدِيمَ الرَّأْفَةِ عَلى الرَّحْمَةِ وذَلِكَ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ وقُرِئَ رَآفَةً عَلى فَعالَةٍ كَشَجاعَةٍ ﴿ورَهْبانِيَّةً﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ أيْ وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً.
﴿ابْتَدَعُوها﴾ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ - كَما قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ وأبُو حَيّانَ - أنْ يَكُونَ الِاسْمُ السّابِقُ مُخْتَصًّا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً والمَذْكُورُ نَكِرَةٌ لا مُسَوِّغَ لَها مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ، ورُدَّ بِأنَّهُ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ هَذا الشَّرْطِ الِاسْمُ هُنا مَوْصُوفٌ مَعْنًى بِما يُؤْخَذُ مِن تَنْوِينِ التَّعْظِيمِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أهَرُّ ذا نابٍ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْبَةِ كَما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أوْ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ما قَبْلُ، وجُمْلَةُ ﴿ابْتَدَعُوها﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وجَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَأْفَةً ورَحْمَةً وحُبَّ رَهْبانِيَّةٍ مُبْتَدَعَةٍ لَهم، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما ذُكِرَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَذْفِ، وقالَ: الرَّهْبانِيَّةُ مِن أفْعالِ العِبادِ لِأنَّها المُبالَغَةُ في العِبادَةِ بِالرِّياضَةِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ، وأصْلُ مَعْناها الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرُّهْبانِ وهو الخائِفُ فَعْلانُ مِن رَهِبَ كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ، وأفْعالُ العِبادِ يَتَعَلَّقُ بِها جَعْلُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ وهي في عَيْنِ كَوْنِها مَخْلُوقَةً لَهُ تَعالى مُكْتَسَبَةً لِلْعَبْدِ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَوَّزَ العَطْفَ المَذْكُورَ وفَسَّرَ الجَعْلَ بِالتَّوْفِيقِ كَأنَّهُ قِيلَ: وفَّقْناهم لِلتَّراحُمِ بَيْنَهم ولِابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ واسْتِحْداثِها بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ فِعْلُ العَبْدِ المَخْلُوقُ لَهُ بِاخْتِيارِهِ، وفائِدَةُ ( في قُلُوبِ ) عَلى هَذا التَّصْوِيرِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لَكِنَّ الإنْصافَ أنَّهُ لا يَحْسُنُ العَطْفُ بِدُونِ هَذا
صفحة 191
التَّأْوِيلِ أوِ اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ تَفْسِيرُ الرَّهْبانِيَّةِ بِما هو مِن أفْعالِ القُلُوبِ كالخَوْفِ المُفْرِطِ المُقْتَضِي لِلْغُلُوِّ في التَّعَبُّدِ ويُرْتَكَبُ نَوْعُ تَجَوُّزٍ في ابْتَدَعُوها وما بَعْدَهُ كَأنْ يَكُونَ المُرادُ ابْتِداعَ أعْمالِها وآثارِها أوِ ارْتِكابَ اسْتِخْدامٍ في الكَلامِ بِأنْ يُعْتَبَرَ لِلرَّهْبانِيَّةِ مَعْنَيانِ الخَوْفُ المُفْرِطُ مَثَلًا، ويُرادُ في جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَهْبانِيَّةً والأعْمالَ التَّعَبُّدِيَّةَ الشّاقَّةَ كَرَفْضِ الدُّنْيا وشَهَواتِها مِنَ النِّساءِ وغَيْرِهِنَّ، ويُرادُ في ﴿ابْتَدَعُوها﴾ وما بَعْدَهُ ولَيْسَ الدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ الِاعْتِزالَ بَلْ كَوْنُ الرَّهْبانِيَّةِ بِمَعْنى الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ لَيْسَتْ مِمّا تُجْعَلُ في القَلْبِ كالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فَتَأمَّلْ.
وقُرِئَ «رَهْبانِيَّةٌ» بِضَمِّ الرّاءِ وهي مَنسُوبَةٌ إلى الرُّهْبانِ بِالضَّمِّ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا فالنِّسْبَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ واحِدًا ومَن ظَنَّ اخْتِصاصَ المَضْمُومِ بِالجَمْعِ قالَ: إنَّهُ لَمّا اخْتَصَّ بِطائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ أُعْطِيَ حُكْمَ العَلَمِ فَنِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَما قالُوا في أنْصارٍ وأنْصارِيٍّ أوْ أنَّ النِّسْبَةَ إلى رُهْبانٍ المَفْتُوحِ وضَمِّ الرّاءِ في المَنسُوبِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ كَما في دُهْرِيٍّ بِضَمِّ الدّالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ما فَرَضْناها نَحْنُ عَلَيْهِمْ رَأْسًا ولَكِنِ ابْتَدَعُوها وألْزَمُوا أنْفُسَهم بِها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أيْ ما حافَظُوا عَلَيْها حَقَّ المُحافَظَةِ ذَمٌّ لَهم مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ كالنَّذْرِ وهو عَهْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ رِعايَتُهُ لا سِيَّما إذا قُصِدَ بِهِ رِضاهُ عَزَّ وجَلَّ.
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَنِ اعْتادَ تَطَوُّعًا كُرِهَ لَهُ تَرْكُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿كَتَبْناها﴾ إلَخْ صِفَةً أُخْرى لِرَهْبانِيَّةٍ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى قَيْدِ الفِعْلِ لا نَفْسِهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا ابْتِغاءَ﴾ إلَخِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ ما قَضَيْناها عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلْناهم يَبْتَدِعُونَها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيَبْتَغُوا بِها رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى ويَسْتَحِقُّوا بِها الثَّوابَ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يُحافِظُوا عَلَيْها ويُراعُوها حَقَّ رِعايَتِها فَما رَعَوْها كَذَلِكَ والوَجْهُ الأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ ولا مُخالَفَةَ عَلَيْهِ بَيْنَ ﴿ابْتَدَعُوها﴾ و﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِها أصْلًا والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهم أُمِرُوا بِها لِابْتِغاءِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن مَعْنى ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ﴾ إلَخْ، ودَفَعَ بَعْضُهُمُ المُخالَفَةَ بِأنْ يُقالَ: الأمْرُ وقَعَ بَعْدَ ابْتِداعِها أوْ يُؤَوَّلُ ابْتَدَعُوها بِأنَّهم أوَّلُ مَن فَعَلَها بَعْدَ الأمْرِ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ في الدَّفْعِ أوَّلًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وأبُو يَعْلى والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لا تُشَدِّدُوا عَلى أنْفُسِكم فَيُشَدَّدَ عَلَيْكم فَإنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقاياهم في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ رَهْبانِيَّةُ ما ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ»» يَعْنِي الآيَةَ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ فَما رَعَوْها لِأُولَئِكَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، والمُرادُ نَفْيُ وُقُوعِ الرِّعايَةِ مِن كُلِّهِمْ عَلى أنَّ المَعْنى فَما رَعاها كُلُّهم بَلْ بَعْضُهم، ولَيْسَ المُرادُ بِالمَوْصُولِ فِيما سَبَقَ أشْخاصًا بِأعْيانِهِمْ بَلِ المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ النَّصارى إلى زَمانِ الإسْلامِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ أصْلَ الِابْتِداعِ كانَ مِن قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ لِأنَّ إسْنادَهُ عَلى نَحْوِ الإسْنادِ في - بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا زَيْدًا - والقاتِلُ بَعْضُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في ﴿فَما رَعَوْها﴾ لِلْخِلافِ الَّذِينَ جاؤُوا بَعْدَ المُبْتَدِعِينَ والأوَّلُ أوْفَقُ بِالصِّناعَةِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا صَحِيحًا وهو لِمَن أدْرَكَ وقْتَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم
صفحة 192
إيمانًا صَحِيحًا بَعْدَ رِعايَةِ رَهْبانِيَّتِهِمْ ﴿أجْرَهُمْ﴾ أيْ ما يُخْتَصُّ بِهِ مِنَ الأجْرِ وهو الأجْرُ عَلى ما سَلَفَ مِنهم والأجْرُ عَلى الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ بَقُوا عَلى رِعايَةِ الرَّهْبانِيَّةِ إلى زَمانِ البَعْثَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ رِعايَتَها لَغْوٌ مَحْضٌ وكُفْرٌ بَحْتٌ وإنَّما لَها اسْتِتْباعُ الأجْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوا الرَّهْبانِيَّةَ حَقَّ رِعايَتِها هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونُوا قَصَّرُوا فِيما ألْزَمُوهُ أنْفُسَهم، والآخَرُ وهو الأجْوَدُ أنْ يَكُونُوا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُؤْمِنُوا فَكانُوا تارِكِينَ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَما رَعَوْا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ إلَخِ انْتَهى، فَحُمِلَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى مَن أدْرَكَ وقْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم وآمَنَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والفاسِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُقْتَضى حَمْلِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا حَمْلُهُ عَلى الأعَمِّ الشّامِلِ لِمَن خَرَجَ عَنِ اتِّباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ وحَمْلُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مَن مَضى مِنَ المُراعِينَ لِحُقُوقِ الرَّهْبانِيَّةِ قَبْلَ النَّسْخِ والمُخِلِّينَ بِها إذْ ذاكَ بِالتَّثْلِيثِ والقَوْلِ بِالِاتِّحادِ وقَصْدِ السُّمْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكُفْرِهِمْ بِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ.
ومِنَ الآثارِ ما يَأْباهُ فَفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««اخْتَلَفَ مَن كانَ قَبْلَنا عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجا مِنها ثَلاثٌ وهَلَكَ سائِرُها فِرْقَةٌ وازَتِ المُلُوكَ وقاتَلَتْهم عَلى دِينِ اللَّهِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ فَأقامُوا بَيْنَ ظَهْرانِيِّ قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهم إلى دِينِ اللَّهِ ودِينِ عِيسى فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ ونَشْرَتْهم بِالمَناشِرِ، وفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ ولا بِالمُقامِ مَعَهم فَساحُوا في الجِبالِ وتَرَهَّبُوا فِيها وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا بِي وصَدَّقُونِي ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ الَّذِينَ جَحَدُوا بِي وكَفَرُوا بِي»» وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما اسْتَجْوَدَهُ الزَّجّاجُ، ويُعْلَمُ مِنهُ أيْضًا سَبَبُ ابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَمِّ البِدْعَةِ مُطْلَقًا، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرًا ذَمُّ عَدَمِ رِعايَةِ ما التَزَمُوهُ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في البِدْعَةِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قالَ العُلَماءُ: البِدْعَةُ خَمْسَةُ أقْسامٍ واجِبَةٌ ومَندُوبَةٌ ومُحَرَّمَةٌ ومَكْرُوهَةٌ ومُباحَةٌ فَمِنَ الواجِبَةِ تَعَلُّمُ أدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلى المَلاحِدَةِ والمُبْتَدِعِينَ وشِبْهُ ذَلِكَ، ومِنَ المَندُوبَةِ تَصْنِيفُ كُتُبِ العِلْمِ وبِناءُ المَدارِسِ والرُّبُطِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنَ المُباحَةِ التَّبَسُّطُ في ألْوانِ الأطْعِمَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ، والحَرامُ والمَكْرُوهُ ظاهِرانِ، فَعُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»» مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.
وقالَ صاحِبُ جامِعِ الأُصُولِ: الِابْتِداعُ مِنَ المَخْلُوقِينَ إنْ كانَ في خِلافِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو في حَيِّزِ الذَّمِّ والإنْكارِ وإنْ كانَ واقِعًا تَحْتَ عُمُومِ ما نَدَبَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وحَضَّ عَلَيْهِ أوْ رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو في حَيِّزِ المَدْحِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِثالُهُ مَوْجُودًا كَنَوْعٍ مِنَ الجُودِ والسَّخاءِ
صفحة 193
وفَعَلِ المَعْرُوفِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في صَلاةِ التَّراوِيحِ: نَعِمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ
الحديد 57:28
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الخِطابَ لِمَن آمَنَ مِن أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ أهْلِ الكِتابِ والآثارُ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالا: «إنَّ أرْبَعِينَ مِن أصْحابِ النَّجاشِيِّ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَشَهِدُوا مَعَهُ أُحُدًا فَكانَتْ فِيهِمْ جِراحاتٌ ولَمْ يُقْتَلْ مِنهم أحَدٌ فَلَمّا رَأوْا ما بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الحاجَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا أهْلُ مَيْسَرَةٍ فَأْذَنْ لَنا نَجِيءُ بِأمْوالِنا نُواسِي بِها المُسْلِمِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القَصَصَ: 52 - 54] فَجَعَلَ لَهم أجْرَيْنِ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أمّا مَن آمَنَ مِنّا بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرانِ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ أيْ أيْ رادًّا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكم».
وفِي الكَشّافِ إنَّ قائِلَ ذَلِكَ مَن لَمْ يَكُنْ آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ قالُوهُ حِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الآيَةَ يَفْخَرُونَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، والمَعْنى يا أيُّها الَّذِينَ اتَّصِفُوا بِالإيمانِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ اثْبُتُوا عَلى تَقْواهُ عَزَّ وجَلَّ فِيما نَهاكم عَنْهُ.
﴿وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ واثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِرَسُولِهِ الَّذِي أرْسَلَهُ إلَيْكم وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: ضِعْفَيْنِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: نَصِيبَيْنِ، والمُرادُ إيتاؤُهم أجْرَيْنِ كَمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُؤْتِكم ما وعَدَ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِنَ الأجْرَيْنِ لِأنَّكم مِثْلُهم في الإيمانِ بِالرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ وبِخاتَمِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ لا تُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ.
وقالَ الرّاغِبُ: الكِفْلُ الحَظُّ الَّذِي فِيهِ الكِفايَةُ كَأنَّهُ تَكَفَّلَ بِأمْرِهِ، والكِفْلانِ هُما المَرْغُوبُ فِيهِما بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةَ: 201] ولا دَلالَةَ عَلى التَّخْصِيصِ.
﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ وهو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحَدِيدَ: 12] ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سَلَفَ مِنكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ مَبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا بِدْعَ إذا فَعَلَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ.
الحديد 57:29
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى الشَّرْطِ إذِ التَّقْدِيرُ إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كَذا وكَذا لِئَلّا إلَخْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ قَبْلَهُ عَلى التَّنازُعِ، أوْ بِمُقَدَّرٍ كَفَعَلَ ذَلِكَ وأعْلَمَهم ونَحْوَهُ و(لا) مَزِيدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعْرافَ: 12] ويَجُوزُ زِيادَتُها مَعَ القَرِينَةِ كَثِيرًا و(أنْ ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها المَحْذُوفُ ضَمِيرُ أهْلِ الكِتابِ أيْ إنَّهم، وقِيلَ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ وما بَعْدُ خَبَرُها والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَعْلَمُ أيْ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ القائِلُونَ مَن آمَنَ بِكِتابِكم مِنّا فَلَهُ أجْرانِ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكم أنَّهم لا يَنالُونَ شَيْئًا مِن فَضْلِ اللَّهِ مِنَ الأجْرَيْنِ وغَيْرِهِما ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ ما لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وحاصِلُهُ الإعْلامُ بِأنَّ إيمانَهم بِنَبِيِّهِمْ لا يَنْفَعُهم شَيْئًا ما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَوْلُهم: مَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ باطِلٌ.
صفحة 194
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القَصَصَ: 54] فَخَرَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: لَنا أجْرانِ ولَكم أجْرٌ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾» إلَخْ فَجَعَلَ لَهم سُبْحانَهُ أجْرَيْنِ مِثْلَ ما لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآيَةَ فَجَعَلَ لَهم أجْرَيْنِ وزادَهُمُ النُّورَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ إلَخْ، وحاصِلُهُ عَلى هَذا لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَيْسُوا مُلّاكَ فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَزْوُوهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ ويَسْتَبِدُّوا بِهِ دُونَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ لا يَقْدِرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ العِلْمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ: حالٌ لازِمَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ الخِطابَ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْ لِمَن لَمْ يُؤْمَن مِنهم بَعْدُ: فالمَعْنى يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيِ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِهِ أوْ أحْدِثُوا الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُؤْتِكم نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ نَصِيبًا عَلى إيمانِكم بِمَن آمَنتُمْ بِهِ أوَّلًا ونَصِيبًا عَلى إيمانِكم بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ آخِرًا لِيَعْلَمَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم لا يَنالُونَ شَيْئًا مِمّا يَنالُهُ المُؤْمِنُونَ مِنهم ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِشَرْطِهِ الَّذِي هو الإيمانُ بِرَسُولِهِ ﷺ . وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما في صَحِيحِ البُخارِيِّ ««مَن كانَتْ لَهُ أمَةٌ عَلَّمَها فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها وأدَبَّها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها وأعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ، وأيُّما رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي فَلَهُ أجْرانِ، وأيُّما مَمْلُوكٍ أدّى حَقَّ اللَّهِ تَعالى وحَقَّ مَوالِيهِ فَلَهُ أجْرانِ»» ولا إشْكالَ في ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّصارى، ولِذا قِيلَ: الخِطابُ لَهم لِأنَّ مِلَّتَهم غَيْرُ مَنسُوخَةٍ قَبْلَ ظُهُورِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ ومَعْرِفَتِهِمْ بِها فَيُثابُونَ عَلى العَمَلِ بِها حَتّى يَجِبَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإذا آمَنُوا أُثِيبُوا أيْضًا فَكانَ لَهم ثَوابانِ، نَعَمْ قَدْ يُسْتَشْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ لِأنَّ مِلَلَهم مَنسُوخَةٌ بِمِلَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمَنسُوخُ لا ثَوابَ في العَمَلِ بِهِ، ويُجابُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُثابُوا عَلى العَمَلِ بِمِلَّتِهِمُ السّابِقَةِ وإنْ كانَتْ مَنسُوخَةً بِبَرَكَةِ الإسْلامِ.
وأجابَ بَعْضُهم أنَّ الإثابَةَ عَلى نَفْسِ إيمانِ ذَلِكَ الكِتابِيِّ بِنَبِيِّهِ وإنْ كانَ مَنسُوخَ الشَّرِيعَةِ فَإنَّ الإيمانَ بِكُلِّ نَبِيٍّ فَرْضٌ سَواءٌ كانَ مَنسُوخَ الشَّرِيعَةِ أمْ لا، وقِيلَ: إنَّ (لا) في ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ غَيْرُ مَزِيدَةٍ وضَمِيرُ لا يَقْدِرُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أيْ فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلُ الكِتابِ أنَّ الشَّأْنَ لا يَقْدِرُ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُوتُوهُ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ ولا يَنالُونَهُ، أوْ أنَّهم أيِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ لا يَقْدِرُونَ إلَخْ، عَلى أنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِهِمْ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ الفَضْلَ﴾ إلَخْ مَعْطُوفًا عَلى - أنْ لا يَعْلَمَ - داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ دُونَ أنْ لا يَقْدِرَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِئَلّا يَعْتَقِدُوا كَذا ولِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الغايَةِ عَلى الغايَةِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ ولِتَكَلُّفِ هَذا القِيلِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِبَعْضِ القِراءاتِ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ مُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ خَطّابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - لِأنْ لا يَعْلَمَ - بِالإظْهارِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ عَلى اخْتِلافٍ لِيَعْلَمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا - ولِيَيَّعْلَمَ - عَلى أنَّ أصْلَهُ لِئَنْ يَعْلَمَ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً
صفحة 195
لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها وأُدْغِمَتِ النُّونُ في الياءِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنِ الحَسَنِ - لَيْلا - مِثْلَ لَيْلى اسْمِ المَرْأةِ «يَعْلَمُ» بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّ أصْلَهُ - لِأنْ لا - بِفَتْحِ لامِ الجَرِّ وهي لُغَةٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما تَمَثَّلَ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ
فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ اعْتِباطًا وأُدْغِمَتِ النُّونُ في اللّامِ فَصارَ - لَلّا - فاجْتَمَعَتِ الأمْثالُ وثَقُلَ النُّطْقُ بِها فَأبْدَلُوا مِنَ اللّامِ المُدْغَمَةِ ياءً نَظِيرَ ما فَعَلُوا في قِيراطٍ ودِينارٍ حَيْثُ إنَّ الأصْلَ قِرّاطٌ ودِنّارٌ فَأبْدَلُوا أحَدَ المَثَلَيْنِ فِيهِما ياءً لِلتَّخْفِيفِ فَصارَ - لَيْلا - ورُفِعَ الفِعْلُ لِأنَّ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ لا النّاصِبَةُ لِلْمُضارِعِ، ورَوى قُطْرُبٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا - لِيلا - بِكَسْرِ اللّامِ ووَجْهُهُ كالَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّ كَسْرَ اللّامِ عَلى اللُّغَةِ الشَّهِيرَةِ في لامِ الجَرِّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَيْ يَعْلَمَ، وعَنْهُ أيْضًا لِكَيْلا يَعْلَمَ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ لِكَيْ يَعْلَمَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أنْ لا يَقْدِرُوا بِحَذْفِ النُّونِ عَلى أنَّ أنْ هي النّاصِبَةُ لِلْمُضارِعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِمّا ذَكَرَهُ المُتَصَوِّفَةُ قُدِّسَتْ أسْرارُهم في بَعْضِ آياتِها ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ قالُوا: هو إشارَةٌ إلى وحْدانِيَّةِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ المُحِيطَةِ بِالكُلِّ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا وُجُودَ لَهم في جَمِيعِ مَراتِبِهِمْ بِدُونِ وُجُودِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ تَجَلِّي الجَلالِ في تَجَلِّي الجَمالِ وبِالعَكْسِ ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ إشارَةٌ لِلْمَشايِخِ الكامِلِينَ إلى تَرْبِيَةِ المُرِيدِينَ بِإفاضَةِ ما يُقَوِّي اسْتِعْدادَهم مِمّا جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ والمَلَكاتِ.
وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ لِئَلّا يَقْنَطَ القاسِي مِن رَحْمَتِهِ تَعالى ويَتْرُكَ الِاشْتِغالَ بِمُداواةِ القَلْبِ المَيِّتِ ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أوْرَدَها الصُّوفِيَّةُ في بابِ الرِّعايَةِ وقَسَّمُوها إلى رِعايَةِ الأعْمالِ والأحْوالِ والأوْقاتِ - ويَرْجِعُ ما قالُوهُ فِيها - عَلى ما قِيلَ - إلى حِفْظِها عَنْ إيقاعِ خَلَلٍ فِيها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ نَصِيبًا مِن مَعارِفِ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ ونَصِيبًا مِن مَعارِفِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا﴾ مِن نُورِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو عَلى ما قِيلَ: إشارَةٌ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ: هَذا النُّورُ إشارَةٌ إلى نُورِ الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ رَتَّبَ سُبْحانَهُ جَعْلَهُ لِلْمُؤْمِنِ عَلى تَقْواهُ وإيمانِهِ بِرَسُولِهِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو نُورُ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ السَّيْرِ في الحَضَراتِ الإلَهِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ فَضْلُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ نَسْألُهُ سُبْحانَهُ أنْ لا يَحْرِمَنا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ ولُطْفِهِ العَمِيمِ وأنْ يُثَبِّتَنا عَلى مُتابَعَةِ حَبِيبِهِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ.
تَمَّ بِعَوْنِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ الجُزْءُ السّابِعُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّامِنُ والعِشْرُونَ أوَّلُهُ سُورَةُ المُجادَلَة.
المجادلة 58:1
صفحة 2
﷽
سُورَةُ المُجادَلَةِ - 58
بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها، والثّانِي هو المَعْرُوفُ، وتُسَمّى سُورَةَ - قَدْ سَمِعَ - وسُمِّيَتْ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الظِّهارَ، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَدَنِيَّةٌ وقالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ السّائِبِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المُجادَلَةَ: 7]، وعَنْ عَطاءٍ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنها مَدَنِيٌّ وباقِيها مَكِّيٌّ، وقَدِ انْعَكَسَ ذَلِكَ عَلى البَيْضاوِيِّ، وأنَّها إحْدى وعِشْرُونَ في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ، واثْنَتانِ وعِشْرُونَ في الباقِي، وفي التَّيْسِيرِ هي عِشْرُونَ وأرْبَعُ آياتٍ وهو خِلافُ المَعْرُوفِ في كِتابِ العَدَدِ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّ الأُولى خُتِمَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِما هو مِن ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في ذَلِكَ: لَمّا كانَ في مَطْلَعِ الأُولى ذِكْرُ صِفاتِهِ تَعالى الجَلِيلَةِ، ومِنها الظّاهِرُ والباطِنُ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحَدِيدَ: 4] افْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا سَمِعَ قَوْلَ المُجادِلَةِ الَّتِي شَكَتْ إلَيْهِ تَعالى، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبُخارِيُّ تَعْلِيقًا حِينَ نَزَلَتْ: ««الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ ما تَقُولُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ [المُجادَلَةَ: 1]»» إلَخْ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ الآيَةَ، وهي تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ وبِذَلِكَ تُعْرَفُ الحِكْمَةُ في الفَصْلِ بِها بَيْنَ الحَدِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَواخِيهِما في الِافْتِتاحِ - بِسَبِّحْ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ بِإظْهارِ الدّالِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِها في السِّينِ، قالَ خَلَفُ بْنُ هِشامٍ البَزّارُ: سَمِعْتُ الكِسائِيَّ يَقُولُ: مَن قَرَأ قَدْ سَمِعَ فَبَيَّنَ الدّالَ فَلِسانُهُ أعْجَمِيٌّ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، ولا يُلْتَفَتُ إلى هَذا فَكِلا الأمْرَيْنِ فَصِيحٌ مُتَواتِرٌ بَلِ الجُمْهُورُ عَلى البَيانِ ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ أيْ تَراجُعِكَ الكَلامَ في شَأْنِهِ وفِيما صَدَرَ عَنْهُ في حَقِّها مِنَ الظِّهارِ، وقُرِئَ - تُحاوِرُكَ - والمَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ وتُحاوِلُكَ أيْ تُسائِلُكَ ﴿وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى تُجادِلُكَ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا أيْ تُجادُلِكَ شاكِيَةً حالَها إلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ بُعْدُ مَعْنى، ومَعَ هَذا يُقَدَّرُ مَعَها مُبْتَدَأٌ أيْ وهي تَشْتَكِي لِأنَّ المُضارِعِيَّةَ لا تَقْتَرِنُ بِالواوِ في الفَصِيحِ فَيُقَدَّرُ مَعَها المُبْتَدَأُ لِتَكُونَ اسْمِيَّةً، واشْتِكاؤُها إلَيْهِ تَعالى إظْهارُ بَثِّها وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ والهَمِّ وتَضَرُّعُها إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مِنَ الشَّكْوِ، وأصْلُهُ فَتْحُ الشَّكْوَةِ وإظْهارُ ما فِيها، وهي سِقاءٌ صَغِيرٌ يُجْعَلُ فِيهِ الماءُ ثُمَّ شاعَ في ذَلِكَ، وهي امْرَأةٌ صَحابِيَّةٌ مِنَ الأنْصارِ اخْتُلِفَ في اسْمِها واسْمِ أبِيها،
صفحة 3
فَقِيلَ: خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وقِيلَ: بِنْتُ حَكِيمٍ وقِيلَ: بِنْتُ الصّامِتِ، وقِيلَ: خُوَيْلَةُ بِالتَّصْغِيرِ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وقِيلَ: بِنْتُ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ،وقِيلَ: جَمِيلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكٍ الخَزْرَجِيَّةُ، وأكْثَرُ الرُّواةِ عَلى أنَّ الزَّوْجَ في هَذِهِ النّازِلَةِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ أخُو عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وقِيلَ: هو سَلَمَةُ بْنُ صَخْرِ الأنْصارِيُّ، والحَقُّ أنَّ لِهَذا قِصَّةً أُخْرى، والآيَةُ نَزَلَتْ في خَوْلَةَ وزَوْجِها أوْسٍ، وذَلِكَ «أنَّ زَوْجَها أوْسًا كانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ فَدَخَلَ عَلَيْها يَوْمًا فَراجَعَتْهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قالَ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ - وكانَ هَذا أوَّلَ ظِهارٍ في الإسْلامِ - فَنَدِمَ مِن ساعَتِهِ فَدَعاها فَأبَتْ، وقالَتْ: والَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِينا، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ فَلمّا خَلا سِنِّي ونَثَرْتُ بَطْنِي - أيْ كَثُرَ ولَدِي - جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ وتَرَكَنِي إلى غَيْرِ أحَدٍ فَإنْ كُنْتَ تَجِدُ لِي رُخْصَةً يا رَسُولَ اللَّهِ تُنْعِشُنِي بِها وإيّاهُ فَحَدِّثْنِي بِها ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «واللَّهِ ما أُمِرْتُ في شَأْنِكِ بِشَيْءٍ حَتّى الآنَ»، وفي رِوايَةٍ «ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» قالَتْ: ما ذَكَرَ طَلاقًا، وجادَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِرارًا ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وحْدَتِي وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، وفي رِوايَةٍ قالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ تَعالى فاقَتِي وشِدَّةَ حالِي وإنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، وجَعَلَتْ تَرْفَعُ رَأْسَها إلى السَّماءِ وتَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ اللَّهُمَّ فَأنْزِلْ عَلى لِسانِ نَبِيِّكَ وما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ فِيها، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا خَوْلَةُ أبْشِرِي قالَتْ: خَيْرًا ؟ فَقَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآياتِ»» وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُكْرِمُها إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ويَقُولُ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لَها.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ أنَّها لَقِيَتْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَها ودَنا مِنها وأصْغى إلَيْها ووَضَعَ يَدَهُ عَلى مَنكِبَيْها حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَبَسْتَ رِجالَ قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ قالَ: ويْحَكَ أتَدْرِي مِن هَذِهِ ؟ قالَ: لا. قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ حَتّى أتى اللَّيْلُ ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها، وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في تارِيخِهِ أنَّها قالَتْ لَهُ: قِفْ يا عُمَرُ فَوَقَفَ فَأغْلَظَتْ لَهُ القَوْلَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وما يَمْنَعُنِي أنْ أسْتَمِعَ إلَيْها وهي الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَها فَأنْزَلَ فِيها ما أنْزَلَ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآياتِ، والسَّماعُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ والإجابَةِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، ( وقَدْ ) لِلتَّحْقِيقِ أوْ لِلتَّوَقُّعِ، وهو مَصْرُوفٌ إلى تَفْرِيجِ الكَرْبِ لا إلى السَّمْعِ لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ أوْ إلى السَّمْعِ لِأنَّهُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ القَبُولِ، والمُرادُ تَوَقُّعُ المُخاطَبِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ ﷺ يَتَوَقَّعُ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الحادِثَةِ ويُفْرِّجَ عَنِ المُجادِلَةِ كَرْبَها، وفي الأخْبارِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ والسَّمْعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ عَلى ما هو المَعْرُوفُ فِيهِ مِن كَوْنِهِ صِفَةً يُدْرَكُ بِها الأصْواتُ غَيْرَ صِفَةِ العِلْمِ، أوْ كَوْنُهُ راجِعًا إلى صِفَةِ العِلْمِ، والتَّحاوُرُ المُرادَّةُ في الكَلامِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الكَلامُ المُرَدَّدُ، ويُقالَ: كَلَّمْتُهُ فَما رَجَعَ إلَيَّ حِوارًا وحَوِيرًا ومَحُورَةً أيْ ما رَدَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ السَّمْعِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ التَّحاوُرِ وتَجَدُّدِهِ، وفي نَظْمِها في سِلْكِ الخِطابِ تَغْلِيبًا تَشْرِيفٌ لَها مِن جِهَتَيْنِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ
صفحة 4
جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ فَإنَّ إلْحافَها في المَسْألَةِ ومُبالَغَتَها في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُدافَعَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها وعِلْمَهُ عَزَّ وجَلَّ بِحالِهِما مِن دَواعِي الإجابَةِ، وقِيلَ: هي حالٌ كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وفِيهِ أيْضًا بُعْدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ أيْ إنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ كُلَّ المَسْمُوعاتِ ويُبْصِرُ كُلَّ المُبْصَراتِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ أنْ يَسْمَعَ سُبْحانَهُ تَحاوُرَهُما، ويَرى ما يُقارِنُهُ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها رَفْعُ رَأْسِها إلى السَّماءِ وسائِرُ آثارِ التَّضَرُّعِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن وصْفِ الأُلُوهِيَّةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَتَيْنِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
المجادلة 58:2
﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ شَأْنِ الظِّهارِ في نَفْسِهِ وحُكْمِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ شَرْعًا، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقُ قَبُولِ تَضَرُّعِ تِلْكَ المَرْأةِ وإشْكاؤُها بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ.
والظِّهارُ لُغَةً مَصْدَرُ ظاهَرَ وهو مُفاعَلَةٌ مِنَ الظَّهْرِ، ويُرادُ بِهِ مَعانٍ مُخْتَلِفَةٌ راجِعَةٌ إلى الظَّهْرِ مَعْنًى ولَفْظًا بِاخْتِلافِ الأغْراضِ، فَيُقالُ: ظاهَرَ زَيْدٌ عَمْرًا أيْ قابَلَ ظَهْرَهُ بِظَهْرِهِ حَقِيقَةً وكَذا إذا غايَظَهُ، وإنْ لَمْ يُقابِلْ حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ أنَّ المُغايَظَةَ تَقْتَضِي هَذِهِ المُقابَلَةَ، وظاهِرُهُ إذا نَصَرَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُقالُ: قَوّى ظَهْرُهُ إذا نَصَرَهُ، وظاهَرَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ إذا لُبِسَ أحَدَهُما فَوْقَ الآخَرِ بِاعْتِبارِ جَعْلِ ما يَلِي بِهِ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ ظَهْرًا لِلثَّوْبِ وظاهَرَمِنَ امْرَأتِهِ إذا قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وغايَةُ ما يَلْزَمُ كَوْنُ لَفْظِ الظَّهْرِ في بَعْضِ هَذِهِ التَّراكِيبِ مَجازًا، وهو لا يَمْنَعُ الِاشْتِقاقَ مِنهُ ويَكُونُ المُشْتَقُّ مَجازًا أيْضًا، وهَذا الأخِيرُ هو المَعْنى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآياتُ.
وعَرَّفَهُ الحَنَفِيَّةُ شَرْعًا بِأنَّهُ تَشْبِيهُ المَنكُوحَةِ أوْ عُضْوًا مِنها يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكُلِّ كالرَّأْسِ أوْ جُزْءٌ شائِعٌ مِنها كالثُّلُثِ بِقَرِيبٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ عَلى التَّأْيِيدِ أوْ بِعُضْوٍ مِنهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ.
وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ تَشْبِيهُها أوْ عُضْوٍ مِنها بِمُحَرَّمٍ مِن نَسَبٍ أوْ رَضاعٍ أوْ مُصاهَرَةٍ أوْ عُضْوٍ مِنهُ لا يُذْكَرُ لِلْكَرامَةِ كاليَدِ والصَّدْرِ، وكَذا العُضْوُ الَّذِي يُذْكَرُ لَها كالعَيْنِ والرَّأْسِ إنْ قَصَدَ مَعْنى الظِّهارِ، وهو التَّشْبِيهُ بِتَحْرِيمِ نَحْوِ الأُمِّ لا أنْ قَصَدَ الكَرامَةَ أوْ أطْلَقَ في الأصَحِّ، وتَخْصِيصُ المُحَرَّمِ بِالأُمِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وكانَ الظِّهارُبِالمَعْنى السّابِقِ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ قِيلَ: وأوَّلِ الإسْلامِ.
وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ كانَ طَلاقًا يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً لا رَجْعَةَ فِيهِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ طَلاقًا مِن كُلِّ وجْهٍ بَلْ لَتَبْقى مُعَلَّقَةً لا ذاتَ زَوْجٍ ولا خَلِيَّةً تَنْكِحُ غَيْرَهُ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَهُ طَلاقًا مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ عَلى الِاجْتِنابِ، ولِذا قالَ الشّافِعِيَّةُ: إنَّ فِيهِ الشّائِبَتَيْنِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإشارَةُ إلى حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وعُدِّيَ بِمِن مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّبْعِيدِ ولِما سَمِعْتَ أنَّهُ كانَ طَلاقًا وهو مُبْعِدٌ، والظَّهْرُ في قَوْلِهِمْ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي قِيلَ: مَجازٌ عَنِ البَطْنِ لِأنَّهُ إنَّما يَرْكَبُ البَطْنَ - فَكَظَهْرِ أُمِّي - أيْ كَبَطْنِها بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ، ولِأنَّهُ عَمُودُهُ لَكِنْ لا يَظْهَرُ ما هو الصّارِفُعَنِ الحَقِيقَةِ مِنَ النِّكاتِ، وقِيلَ: خُصَّ الظَّهْرُ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ والمَرْأةُ مَرْكُوبُ الزَّوْجِ، ومِن ثَمَّ سُمِّيَ المَرْكُوبُ ظَهْرًا، وقِيلَ: خُصَّ ذَلِكَ لِأنَّ إتْيانَ المَرْأةِ مِن ظَهْرِها في قُبُلِها كانَ حَرامًا فَإتْيانُهُ أمَّهُ مِن ظَهْرِها أحْرَمُ فَكَثُرَ التَّغْلِيظُ، وإقْحامُ ﴿مِنكُمْ﴾ في الآيَةِ لِلتَّصْوِيرِ والتَّهْجِينِ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ مَخْصُوصًا بِالعَرَبِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ظِهارِ الذِّمِّيِّ كَما حُكِيَ عَنِ المالِكِيَّةِ، ومِن هُنا قالَ الشّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ مِنَ الذِّمِّيِّ والحَرْبِيِّ لِعُمُومِ الآيَةِ، وكَذا الحَنابِلَةُ والحَنَفِيَّةُ
صفحة 5
يَقُولُونَ: لا يَصِحُّ مِنهُما، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ صِحَّتُهُ مِنَ الذِّمِّيِّ، والرِّوايَةُ المُعَوَّلُ عَلَيْها عَدَمُ الصِّحَّةِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الكَفّارَةِ، وشَنَّعَ عَلى الشّافِعِيَّةِ في قَوْلِهِمْ بِصِحَّتِهِ مِنهُ مَعَ اشْتِراطِهِمُ النِّيَّةَ في الكَفّارَةِ والأيْمانِ في الرَّقَبَةِ، وتَعَذُّرِ مِلْكِهِ لَها لِأنَّ الكافِرَ لا يَمْلِكُ المُؤْمِنَ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّتِهِمْ إنَّ في الكَفّارَةِ شائِبَةَ الغَراماتِ ونِيَّتُها في كافِرٍ كُفْرٌ بِالإعْتاقِ لِلتَّمْيِيزِ كَما في قَضاءِ الدُّيُونِ لا الصَّوْمُ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ لِأنَّهُ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لا يَنْتَقِلُ عَنْهُ لِلْإطْعامِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ فَإنْ عَجَزَ انْتَقَلَ ونَوى لِلتَّمْيِيزِ أيْضًا، ويُتَصَوَّرُ مِلْكُهُ لِلْمُسْلِمِ بِنَحْوِ إرْثٍ أوْ إسْلامِ قِنِّهِ، أوْ يَقُولُ لِمُسْلِمٍ: أعْتِقْ قِنَّكَ عَنْ كَفّارَتِي، فَيُجِيبُ فَإنْ لَمْ يُمْكِنْهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وهو مَظاهِرٌ مُوسِرٌ مُنِعَ مِنَ الوَطْءِ لِقُدْرَتِهِ عَلى مِلْكِهِ بِأنْ يُسْلِمَ فَيَشْتَرِيَهُ. انْتَهى.
وفِي كِتابِ بَعْضِ الأصْحابِ كالبَحْرِ وغَيْرِهِ كَلامٌ مَعَ الشّافِعِيَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ فِيهِ نَقْضٌ وإبْرامٌ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والسَّبَبُ في ذَلِكَ قِلَّةُ تَتَبُّعِ مُعْتَبَراتِ كُتُبِهِمْ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو - يَظَّهَّرُونَ - بِشَدِ الظّاءِ والهاءِ، والأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ «يَظّاهَرُونَ» مُضارِعَ اظّاهَرَ، وأُبَيٌّ «يَتَظاهَرُونَ» مُضارِعَ تَظاهَرَ، وعَنْهُ أيْضًا - يَتَظَهَّرُونَ - مُضارِعَ تَظَهَّرَ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مُخْطِئُونَ، وأُقِيمَ دَلِيلُهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ مَقامَهُ أوْ هو الخَبَرُ نَفْسُهُ أيْ ما نِساؤُهم أُمَّهاتُهم عَلى الحَقِيقَةِ فَهو كَذِبٌ بَحْتٌ.
وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «أُمَّهاتُهم» بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ - بِأُمَّهاتِهِمْ - بِزِيادَةِ الباءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في لُغَةِ مَن يَنْصِبُ أيْ بِما الخَبَرِ - وهُمُ الحِجازِيُّونَ - يَعْنِي أنَّهُمُ الَّذِينَ يَزِيدُونَ الباءَ دُونَ التَّمِيمِيِّينَ وقَدْ تَبِعَ في ذَلِكَ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ، ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ خِلافُهُ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ وهو تَمِيمِيٌّ:
لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بِتارِكِ حَقِّهِ ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ
﴿إنْ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ ما أُمَّهاتُهم عَلى الحَقِيقَةِ ﴿إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾ فَلا يُشَبَّهُ بِهِنَّ مِنَ الحُرْمَةِ إلّا مَن ألْحَقَها اللَّهُ تَعالى بِهِنَّ كالمُرْضِعاتِ ومَنكُوحاتِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَخَلْنَ في حِكَمِ الأُمَّهاتِ، وأمّا الزَّوْجاتُ فَأبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُومَةِ ”إنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ“ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والعَقْلُ والطَّبْعُ أيْضًا كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْكِيرُ، ومَناطُ التَّأْكِيدِ كَوْنُهُ مُنْكَرًا، وإلّا فَصُدُورُ القَوْلِ عَنْهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ ﴿وزُورًا﴾ أيْ وكَذِبًا باطِلًا مُنْحَرِفًا عَنِ الحَقِّ، ووَجْهُ كَوْنِ الظِّهارِ كَذَلِكَ عِنْدَ مَن جَعَلَهُ إخْبارًا كاذِبًا - عَلَّقَ عَلَيْهِ الشّارِعُ الحُرْمَةَ والكَفّارَةَ - ظاهِرٌ، وأمّا عِنْدَ مَن جَعَلَهُ إنْشاءً لِتَحْرِيمِ الِاسْتِمْتاعِ في الشَّرْعِ - كالطَّلاقٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ - فَوَجْهُهُ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن إلْحاقِ الزَّوْجَةِ بِالأُمِّ المُنافِي لِمُقْتَضى الزَّوْجِيَّةِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ مَبالِغٌ في العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ ما سَلَفَ مِنهُ ويَعْفُو عَمَّنِ ارْتَكَبَهُ مُطْلَقًا أوْ بِالتَّوْبَةِ، ويُعْلَمُ مِنَ الآياتِ أنَّ الظِّهارَ حَرامٌ بَلْ قالُوا: إنَّهُ كَبِيرٌ لِأنَّ فِيهِ إقْدامًا عَلى إحالَةِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وتَبْدِيلِهِ بِدُونِ إذْنِهِ، وهَذا أخْطَرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَبائِرِ إذْ قَضِيَّتُهُ الكُفْرُ لَوْلا خُلُوُّ الِاعْتِقادِ عَنْ ذَلِكَ، واحْتِمالُ التَّشْبِيهِ لِذَلِكَ وغَيْرِهِ، ومِن ثَمَّ سَمّاهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾، وإنَّما كُرِهَ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ - لِأنَّ الزَّوْجِيَّةَ ومُطْلَقَ الحُرْمَةِ يَجْتَمِعانِ بِخِلافِها مَعَ التَّحْرِيمِ المُشابِهِ لِتَحْرِيمِ نَحْوِ الأُمِّ، ومِن ثَمَّ وجَبَ هُنا الكَفّارَةُ العُظْمى.
وثَمَّ عَلى ما قالُوا: كَفّارَةُ يَمِينٍ،
المجادلة 58:3
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِحُكْمِ الظِّهارِ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِ أمْرًا مُنْكَرًا
صفحة 6
بِطَرِيقِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ المُنْتَظِمِ لِحُكْمِ الحادِثَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مُبْتَدَأٌ آخَرُ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أيْ فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أوْ فاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ فَيَلْزَمُهم تَحْرِيرٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ فالواجِبُ عَلَيْهِمْ «تَحْرِيرٌ»، وعَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ ودَخَلَتْهُ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، وما - مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿يَعُودُونَ﴾ وهو يَتَعَدّى بِها كَما يَتَعَدّى -بِإلى. وبِفِي - فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ بِأحَدِهِما كَما فَعَلَ البَعْضُ، والعَوْدُ لِما قالُوا عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ كَأنَّهُ حَمَلَ العَوْدَ عَلى التَّدارُكِ مَجازًا لِأنَّ التَّدارُكَ مِن أسْبابِ العَوْدِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ المَثَلُ عادَ غَيْثٌ عَلى ما أفْسَدَ أيْ تَدارَكَهُ بِالإصْلاحِ، فالمَعْنى والَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَتَدارَكُونَهُ يَنْقُضُهُ وهو العَزْمُ عَلى الوَطْءِ فالواجِبُ عَلَيْهِمْ إعْتاقُ رَقَبَةٍ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ المَظاهِرِ والمَظاهَرِ مِنها - والتَّماسُّ - قِيلَ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ فَيَحْرُمُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، وكَذا دَواعِيهِمِنَ التَّقْبِيلِ ونَحْوِهِ عِنْدَنا، قِيلَ: وهو قَوْلُ مالِكٍ والزُّهْرِيِّ والأوْزاعِيِّ والنَّخَعِيِّ، ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ فَإنَّ الأصْلَ أنَّهُ إذا حَرُمَ حَرُمَ بِدَواعِيهِ إذْ طَرِيقُ المُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، وعَدَمُ اطِّرادِ ذَلِكَ في الصَّوْمِ والحَيْضِ لِكَثْرَةِ وجُودِهِما فَتَحْرِيمُ الدَّواعِي يُفْضِي إلى مَزِيدِ الحَرَجِ، وقالَ العَلّامَةَ ابْنُ الهُمامِ: التَّحْقِيقُ أنَّ الدَّواعِيَ مَنصُوصٌ عَلى مَنعِها في الظِّهارِ فَإنَّهُ لا مُوجِبَ لِحَمْلِ التَّماسِّ في الآيَةِ عَلى المَجازِ لِإمْكانِ الحَقِيقَةِ، ويَحْرُمُ الجِماعُ لِأنَّهُ مِن أفْرادِ التَّماسِّ كالمَسِّ والقُبْلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: تَحْرُمُ أقْسامُ الِاسْتِمْتاعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِعُمُومِ لَفْظِالتَّماسِّ فَيَشْمَلُها بِدَلالَةِ النَّصِّ، ومُقْتَضى التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي فَإنَّ المُشَبَّهَ بِهِ لا يَحِلُّ الِاسْتِمْتاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَكَذا المُشَبَّهُ، ويَحْرُمُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا الجِماعُ قَبْلَهُ، وكَذا يَحْرُمُ لَمْسٌ ونَحْوُهُ مِن كُلِّ مُباشَرَةٍ لا نَظَرَ بِشَهْوَةٍ في الأظْهَرِ كَما في المُحَرَّرِ، وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: الأظْهَرُ الجَوازُ لِأنَّ الحُرْمَةَ لَيْسَتْ لِمَعْنى يُخِلُّ النِّكاحَ فَأشْبَهَ الحَيْضَ، ومِن ثَمَّ حَرُمَ الِاسْتِمْتاعُ فِيهِ فِيما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
وحَكى البَيْضاوِيُّ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ نَقْضَ القَوْلِ المُرادِ بِالعَوْدِ بِإباحَةِ التَّمَتُّعِ بِها ولَوْ بِنَظْرَةٍ بِشَهْوَةٍ، وحَمَلَ ذَلِكَ عَلى اسْتِباحَةِ التَّمَتُّعِ بِمُباشَرَتِهِ بِوَجْهٍ ما دُونَ عَدَّهُ مُباحًا مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ.
ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالمُباشِرَةِ بِوَجْهٍ ما مُباشَرَةٌ لَيْسَتْ مِنَ التَّماسِّ الَّذِي قالُوا بِحُرْمَتِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالمَوْصُولِ يَدُلُّ عَلى عِلِّيَةٍ ما في حَيِّزِالصِّلَةِ أعْنِي الظِّهارَ والعَوْدِ لَهُ فَهُما سَبَبانِ لِلْكَفّارَةِ وهَذا أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ.
قالَ العَلّامَةَ ابْنُ الهُمامِ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ وجُوبِها فَقالَ في النّافِعِ: تَجِبُ بِالظِّهارِ والعَوْدِ لِأنَّ الظِّهارَ كَبِيرَةٌ فَلا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفّارَةِ لِأنَّها عِبادَةٌ، أوِ المُغَلَّبِ فِيها مَعْنى العِبادَةِ ولا يَكُونُ المَحْظُورُ سَبَبًا لِلْعِبادَةِ فَعَلَّقَ وُجُوبَها بِهِما لِيَخِفَّ مَعْنى الحُرْمَةِ بِاعْتِبارِ العَوْدِ الَّذِي هو إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ فَيَكُونُ دائِرًا بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ، وعَلَيْهِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفّارَةِ الدّائِرَةِ بَيْنَ العِبادَةِ والعُقُوبَةِ، وقِيلَ: سَبَبُ وُجُوبِها العَوْدُ والظِّهارُ شَرْطُهُ، ولَفْظُ الآيَةِ أيِ المَذْكُورُ يَحْتَمِلُهُما فَيُمْكِنُ كَوْنُ تَرْتِيبِها عَلَيْهِما، أوْ عَلى الأخِيرِ لَكِنْ إذا أمْكَنَ البَساطَةُ صُيِّرَ إلَيْها لِأنَّها الأصْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّرْكِيبِ فَلِهَذا قالَ في المُحِيطِ:
سَبَبُ وُجُوبِها العَزْمُ عَلى الوَطْءِ والظِّهارُ شَرْطُهُ، وهو بِناءٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ العَوْدِ في الآيَةِ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ لا شَرْطِهِوالكَفّارَةُ مُتَكَرِّرَةٌ بِتَكَرُّرِ الظِّهارِ لا العَزْمُ، وكَثِيرٌ مِن مَشايِخِنا عَلى أنَّهُ العَزْمُ عَلى إباحَةِ الوَطْءِ بِناءً عَلى إرادَةِ المُضافِ في الآيَةِ أيْ يَعُودُونَ لِضِدِّ ما قالُوا أوْ لِتَدارُكِهِ، ويَرِدُ عَلَيْهِ ما يَرِدُ عَلى ما قَبْلَهُ، ونَصَّ صاحِبُ المَبْسُوطِ عَلى أنَّ بِمُجَرَّدِ
صفحة 7
العَزْمِ لا تَتَقَرَّرُ الكَفّارَةُ حَتّى لَوْ أبانَها أوْ ماتَتْ مِن بَعْدِ العَزْمِ فَلا كَفّارَةَ فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لا بِالظِّهارِ ولا بِالعَوْدِ إذْ لَوْ وجَبَتْ لَما سَقَطَتْ بَلْ مُوجِبُ الظِّهارِ ثُبُوتُ التَّحْرِيمِ، فَإذا أرادَ رَفْعَهُ وجَبَ عَلَيْهِ في رَفْعِهِ الكَفّارَةُ كَما تَقُولُ لِمَن أرادَ الصَّلاةَ النّافِلَةَ: يَجِبُ عَلَيْكَ إنْ صَلَّيْتَها أنْ تُقَدِّمَ الوُضُوءَ. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ المُضافِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ بِناءً عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكَثِيرِ مِنَ المَشايِخِ، وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ كَما ذَكَرْنا آنِفًا، ويَكُونُ المُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ الأمْرانِ، وبِهِ صَرَّحَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ وجَعَلَ ذَلِكَ قِياسَ كَفّارَةِ اليَمِينِ، ثُمَّ قال: ولا يُنافِي ذَلِكَ وُجُوبُها فَوْرًا مَعَ أنَّ أحَدَ سَبَبَيْها - وهو العَوْدُ - غَيْرُ مَعْصِيَةٍ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ حَلالٌ وحَرامٌ ولَمْ يُمْكِنْ تَمَيُّزُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ غُلِّبَ الحَرامُ، وظاهِرُ كَلامِ الإمامِ النَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ مُوجِبَها الظِّهارُ والعَوْدُ شَرْطٌ فِيهِ وهو بِعَكْسِ ما نُقِلَ عَنِ المُحِيطِ، ثُمَّ إنَّ مَن جَعَلَ السَّبَبَ العَزْمَ أرادَ بِهِ العَزْمَ المُؤَكَّدَ حَتّى لَوْ عَزَمَ ثُمَّ بَدا لَهُ أنْ لا يَطَأها لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ العَزْمِ المُؤَكَّدِ لا أنَّها وجَبَتْ بِنَفْسِ العَزْمِ. ثُمَّ سَقَطَتْ - كَما قالَ بَعْضُهم - لِأنَّها بَعْدَ سُقُوطِها لا تَعُودُ إلّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَذا في البَدائِعِ، وذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ في البَحْرِ عَنِ التَّنْقِيحِ أنَّ سَبَبَ الكَفّارَةِ ما نُسِبَتْ إلَيْهِ مِن أمْرٍ دائِرٍ بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ، ثُمَّ قالَ: إنَّ كَوْنَ كَفارَّةِ الظِّهارَةِ كَذَلِكَ عَلى قَوْلَ مَن جَعَلَ السَّبَبَ مُرَكَّبًا مِنَ الظِّهارِ والعَوْدِ ظاهِرٌ لِكَوْنِ الظِّهارِ مَحْظُورًا والعَوْدِ مُباحًا لِكَوْنِهِ إمْساكًا بِالمَعْرُوفِ ونَقْضًا لِلزُّورِ.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُضافَ - إلَيْهِ وهو الظِّهارُ سَبَبٌ - وهو قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ فَكَوْنُهُ دائِرًا بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ مَعَ أنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ بِاعْتِبارِ أنَّ التَّشْبِيهَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلْكَرامَةِ فَلَمْ يَتَمَحَّضْ كَوْنُهُ جِنايَةً، واسْتَظْهَرَ بَعْدُ أنَّهُ لا ثَمَرَةَ لِلِاخْتِلافِ في سَبَبِها مُعَلِّلًا بِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْ عَجَّلَها بَعْدَ الظِّهارِ قَبْلَ العَوْدِ جازَ ولَوْ كَرَّرَ الظِّهارَ تَكَرَّرَتِ الكَفّارَةُ وإنْ لَمْ يَتَكَرَّرِ العَزْمُ، ولَوْ عَزَمَ ثُمَّ تَرَكَ فَلا وُجُوبَ، ولَوْ عَزَمَ ثُمَّ أبانَها سَقَطَتْ ولَوْ عَجَّلَها قَبْلَ الظِّهارِ لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ إنَّهُ لا اسْتِحالَةَ في جَعْلِ المَعْصِيَةِ سَبَبًا لِلْعِبادَةِ الَّتِي حُكْمُها أنْ تُكَفِّرَ المَعْصِيَةَ وتُذْهِبَ السَّيِّئَةَ خُصُوصًا إذا صارَ مَعْنى الزَّجْرِ فِيها مَقْصُودًا وإنَّما المُحالُ أنْ تُجْعَلَ سَبَبًا لِلْعِبادَةِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ. انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنِ ما عَدا تَوْجِيهِ كَوْنِ الظِّهارِ دائِرًا بَيْنَ الحَظْرِ والإباحَةِ فَإنَّهُ كَما تَرى.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ العَوْدَ بِالرُّجُوعِ واللّامَ بِعْنَ كَما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أيْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمّا قالُوا: فَيُرِيدُونَ الوَطْءَ، قالَ الزَّيْلَعِيُّ: وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ لِأنَّ الظِّهارَ مُوجِبُهُ التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ فَإذا قَصَدَ وطْأها وعَزَمَ عَلَيْهِ فَقَدْ رَجَعَ عَمّا قالَ: ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَ اللّامِ بِمَعْنى عَنْ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: العَوْدُ الرُّجُوعُ، والمُرادُ بِما قالُوا ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِلَفْظِ الظِّهارِ وهو التَّماسُّ تَنْزِيلًا لِلْقَوْلِ مَنزِلَةَ المَقُولِ فِيهِ نَحْوَ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مَرْيَمَ: 80] والمَعْنى ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِلتَّماسِّ، وفِيهِ تَجُوزانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ ثُمَّ يَنْدَمُونَ ويَتُوبُونَ أيْ يَعْزِمُونَ عَلى التَّوْبَةِ، وكَأنَّهُ حَمَلَ العَوْدَ عَلى التَّدارُكِ والتّائِبُ مُتَدارِكٌ لِما صَدَرَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ إذا لَمْ يَنْدَمْ لا تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ وإذا جُعِلَتِ الكَفّارَةُ نَفْسَ التَّوْبَةِ فَأيْنَ مَعْنى العَوْدِ ؟ وأيْضًا لا مَعْنى لِقَوْلِ القائِلِ ثُمَّ يَعْزِمُونَ عَلى الكَفّارَةِ ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ إلَخْ، والعَوْدُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ يَتَحَقَّقُ في غَيْرِ مُؤَقَّتٍ ورَجْعِيَّةٍ بِأنْ يُمْسِكَها عَلى الزَّوْجِيَّةِ ولَوْ جَهْلًا ونَحْوَهُ بَعْدَ فَراغِ ظِهارِهِ ولَوْ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ وبَعْدَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الصِّفَةِ في المُعَلَّقِ وإنْ نَسِيَ أوْ جُنَّ عِنْدَ وُجُودِها زَمَنَ إمْكانِ فُرْقَةٍ شَرْعًا فَلا عَوْدَ في نَحْوِ حائِضٍ إلّا بِالإمْساكِ بَعْدَ انْقِطاعِ دَمِها لِأنَّ تَشْبِيهَها بِالمُحَرَّمِ يَقْتَضِي فِراقَها فَبِعَدَمِ فِعْلِهِ صارَ ناقِضًا لَهُ مُتَدارِكًا لِما قالَ، فَلَوِ اتَّصَلَ بِلَفْظِ الظِّهارِ فُرْقَةٌ بِمَوْتٍ أوْ فَسْخٍ بِنَحْوِ رِدَّةٍ قَبْلَ وطْءٍ أوْ طَلاقٍ بائِنٍ أوْ رَجْعِيٍّ، ولَمْ يُراجِعْ
صفحة 8
أوْ جُنَّ أوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ عَقِبَ اللَّفْظِ ولَمْ يُمْسِكْها بَعْدَ الإفاقَةِ فَلا عَوْدَ لِلْفُرْقَةِ أوْ تَعَذُّرِها أوَّلًا عَنْها في الأصَحِّ بِشَرْطِ سَبْقِ القَذْفِ، والرَّفْعِ لِلْقاضِي ظِهارَهُ في الأصَحِّ ولَوْ راجَعَ مَن ظاهَرَ مِنها رَجْعِيَّةً أوْ مَن طَلَّقَها رَجْعِيًّا عَقِبَ الظِّهارِ أوِ ارْتَدَّ مُتَّصِلًا وهي مَوْطُوءَةٌ ثُمَّ أسْلَمَ، فالمَذْهَبُ أنَّهُ عائِدٌ بِالرَّجْعَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها اسْتِباحَةُ الوَطْءِ لا بِالإسْلامِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ العَوْدُ لِلدِّينِ الحَقِّ والِاسْتِباحَةُ أمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا إذا أمْسَكَها بَعْدَهُ زَمَنًا يَسَعُ الفُرْقَةَ، وفي الظِّهارِ المُؤَقَّتِ الواقِعِ كَما التَزَمَ عَلى الصَّحِيحِ لِخَبَرٍ صَحِيحٍ فِيهِ الأصَحُّ أنَّ العَوْدَ لا يَحْصُلُ بِإمْساكٍ بَلْ بِوَطْءٍ مُشْتَمِلٍ عَلى تَغْيِيبِ الحَشَفَةِ أوْ قَدْرِها مِن مَقْطُوعِها في المُدَّةِ لِلْخَبَرِ أيْضًا ولِأنَّ الحِلَّ مُنْتَظَرٌ بَعْدَها، فالإمْساكُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ لِانْتِظارِهِ أوْ لِلْوَطْءِ فِيها فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الإمْساكُ لِأجْلِ الوَطْءِ إلّا بِالوَطْءِ فِيها فَكانَ المُحَصِّلُ لِلْعَوْدِ.
واعْتَرَضَ ما قالُوهُ بِأنَّ ”ثُمَّ“ تَدُلُّ عَلى التَّراخِي الزَّمانِيِّ والإمْساكُ المَذْكُورُ مُعَقَّبٌ لا مُتَراخٍ فَلا يُعْطَفُ - بِثُمَّ - بَلْ بِالفاءِ، ورُدَّ بِأنْ مُدَّةَ الإمْساكِ مُمْتَدَّةٌ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ فِيهِ العَطْفُ - بِثُمَّ - والعَطْفُ بِالفاءِ بِاعْتِبارِ ابْتِدائِهِ وانْتِهائِهِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَوْدَ أشَدُّ تَبِعَةً وأقْوى إثْمًا مِن نَفْسِ الظِّهارِ حَتّى يُقالَ عَلَيْهِ: إنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولا إلى قَوْلِ الإمامِ أنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ بَيْنَ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ القائِلِينَ: بِأنَّ العَوْدَ اسْتِباحَةُ الِاسْتِمْتاعِ فَيُمْنَعُ أيْضًا لِأنَّ الِاسْتِباحَةَ المَذْكُورَةَ عَقِبَ الظِّهارِ - قَوْلًا - نادِرَةٌ فَلا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى الحَنَفِيَّةِ.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الظِّهارَ لَمْ يُوجِبْ تَحْرِيمَ العَقْدِ حَتّى يَكُونَ العَوْدُ إمْساكَها، ومِن تَعْلِيلِ الشّافِعِيَّةِ السّابِقِ يُعْلَمُ ما فِيهِ، وفي التَّفْرِيعِ لِابْنِ الجَلّابِ المالِكِيِّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ في المُرادِ بِالعَوْدِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أنَّهُ العَزْمُ عَلى إمْساكِها بَعْدَ الظِّهارِ مِنها، والرِّوايَةُ الأُخْرى أنَّهُ العَزْمُ عَلى وطْئِها، ثُمَّ قالَ: ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: العَوْدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ هو الوَطْءُ نَفْسُهُ، والصَّحِيحُ عِنْدِي ما قَدَّمْتُهُ انْتَهى مِن مُدَوَّنِهِ.
وابْنُ حَجَرٍ نَسَبَ القَوْلَ: بِأنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ إلى الإمامِ مالِكٍ والإمامِ أحْمَدَ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ الوَطْءُ نَفْسُهُ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وذَكَرَ أنَّهُما قَوْلانِ لِلْإمامِ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، وما حَكاهُ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَحْكِهِ عَنْهُ فِيما نَعْلَمُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ، وحَكاهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنِ الإمامِ مالِكٍ، ولَمْ يَحْكِ عَنْهُ غَيْرُهُ، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةُ وطاوُسٌ والزُّهْرِيُّ وجَماعَةٌ، وأفادَ أنَّهُ إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ، ثانِيَتُهُما أنَّهُ العَزْمُ عَلى الإمْساكِ والوَطْءِ.
واعْتَرَضَ القَوْلَ بِهِ مِمَّنْ كانَ وكَذا القَوْلُ: بِأنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ بِأنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ، وأمَرَ ﷺ المُظاهِرَ بِالكَفّارَةِ لَمْ يَسْألْهُ هَلْ وطِئَ أوْ عَزَمَ عَلى الوَطْءِ ؟ والأصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ، والوَقائِعُ القَوْلِيَّةُ كَهَذِهِ يُعَمِّمُها الِاحْتِمالُ، وأنَّها ناصَّةٌ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ قَبْلَ الوَطْءِ فَيَكُونُ العَوْدُ سابِقًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هو الوَطْءَ ؟ ! وأجابَ القائِلُ: بِأنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ عَنْ تَرْكِ السُّؤالِ بِأنَّ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ مِن خَوْلَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: ”فِيَّ“ وفي أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَ سُورَةِ المُجادَلَةِ كُنْتُ عِنْدَهُ وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإذا هو يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي قُلْتُ: كَلّا والَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِينا، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ الخَبَرُ، فَإنَّ ظاهِرَ قَوْلِها: فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ أنَّها ذَكَرَتْ كُلَّ ما وقَعَ،
صفحة 9
ومِنهُ طَلَبُ أوْسٍ وطْأها المُكَنّى عَنْهُ بِيُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، وذِكْرُ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أهَمُّ لَها مِن ذِكْرِها إيّاهُ لِيُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
وأُجِيبَ مِن جِهَةِ القائِلِ: بِأنَّهُ الوَطْءُعَنِ الأخِيرِ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ عِنْدَ ذَلِكَ القائِلِ مِن قَبْلِ أنْ يُباحَ التَّماسُّ شَرْعًا، والوَطْءُ أوَّلًا حَرامٌ مُوجِبٌ لِلتَّفْكِيرِ - وهو كَما تَرى - ونُقِلَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ومُجاهِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ والَّذِينَ كانَتْ عادَتُهم أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ المُنْكَرَ فَقَطَعُوهُ بِالإسْلامِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمِثْلِهِ فَكَفّارَةُ مَن عادَ أنْ يُحَرِّرَ رَقَبَةً ثُمَّ يُماسُّ المُظاهَرُ مِنها فَحَمَلا العَوْدَ والقَوْلَ عَلى حَقِيقَتِهِما، ثُمَّ اعْتِبارُ العادَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ العُدُولَ إلى المُضارِعِ في الآيَةِ لِلِاسْتِمْرارِ فِيما مَضى وقْتًا فَوَقْتًا. وأخَذَ القَطْعَ مِن دَلالَةِ ”ثُمَّ“ عَلى التَّراخِي ولِيَصِحَّ عَلى وجْهٍ لا يَلْزِمُ تَعْلِيقُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِتَكْرارِ لَفْظِ الظِّهارِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حِكايَتُهُ.
وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ أنَّ الِاسْتِمْرارَ يُنافِي القَطْعَ، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا قَطَعُوهُ بِالإسْلامِ لِأنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَكُنْ ورَدَ بَعْدُبِتَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ أنَّهُ مُظاهَرَةٌ بَعْدَ الإسْلامِ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِ حُكْمِهِ فِيهِ وعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ سَبَبُ النُّزُولِ وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ الظِّهارِ مِن غَيْرِ عَوْدٍ مُوجِبًا لِلْكَفّارَةِ، وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ عُلَماءُ الأمْصارِ وأُجِيبَ عَنْ هَذا الأخِيرِ بِأنَّهُما إنْ نُقِلَ عَنْهُما ذَلِكَ اجْتِهادًا فَلا يَلْزِمُهُما مُوافَقَةُ غَيْرِهِما وهو المُصَرَّحُ بِهِ في كِتابِ الأحْكامِ وغَيْرِهِ، وإنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُما غَيْرُ تَفْسِيرِ العَوْدِ في الآيَةِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَشْتَرِطا لِوُجُوبِ الكَفّارَةِ شَيْئًا مِمّا مَرَّ لَكِنْ لا يَقُولانِ: إنَّهُ المُرادُ بِالعَوْدِ فِيها، وقالَ أهْلُ الظّاهِرِ: المَعْنى الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَعُودُونَ لَهُ فَيُكَرِّرُونَهُ بِأنْ يَقُولَ أحَدُهم:
أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ يَعُودُ لَهُ ويَقُولُهُ ثانِيًا فَكَفّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ إلَخْ فَحَمَلُوا العَوْدَ والقَوْلَ عَلى حَقِيقَتِهِما أيْضًا.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ وبُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ والفَرّاءِ أيْضًا، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ رِوايَةً عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أصْحابِهِ رَواهُ عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: يَعُودُونَ لَهُ فَإنَّهُ أخْصَرُ ولا يَبْقى لِكَلِمَةِ ”ثُمَّ“ حُسْنُ مُوقِعٍ، هَذا ولا فِقْهَ فِيهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، والمُنَزَّلُ فِيهِ - أعْنِي قِصَّةَ خَوْلَةَ - يَدْفَعُهُ إذْ لَمْ يُنْقَلِ التَّكْرارُ، ولا سَألَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذا الدَّفْعُ قَوِيٌّ، وأمّا ما قِيلَ: فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِقْهُ فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا في التَّحْرِيمِ فَلَعَلَّهُ يَسْبِقُ لَفْظُهُ بِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِمَعْناهُ. فَإذا كَرَّرَهُ تَعَيَّنَ أنَّهُ قَصَدَهُ وأنَّ العُدُولَ عَنَّ لَهُ إلى ﴿لِما قالُوا﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ بِالإظْهارِ، وأنَّ العَطْفَ - بِثُمَّ - لِتَراخِي رُتْبَةِ الثّانِي وبُعْدِهِ عَنِ الأوَّلِ لِأنَّهُ الَّذِي تَحَقَّقَ بِهِ الظِّهارُ، وقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ في الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ: إنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُهُ - لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: يُعِيدُونَ القَوْلَ الأوَّلَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِنَ الإعادَةِ لا مِنَ العَوْدِ - جَهْلٌ مِن قِلَّةِ العَوْدَ لِكَلامِ الفُصَحاءِ والرُّجُوعِ إلى مُحاوَراتِهِمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَعْنى العَوْدِ أنْ يَحْلِفَ أوَّلًا عَلى ما قالَ مِنَ الظِّهارِ بِأنْ يَقُولَ: واللَّهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وهو عَوْدٌ لِما قالَ وتَكْرارٌ لَهُ مَعْنى لِأنَّ القَسَمَ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ يُفِيدُ ذَلِكَ فَلا تَلْزَمُ الكَفّارَةُ في الظِّهارِ مِن غَيْرِ قَسَمٍ عِنْدَهُ، وهَذا القَوْلُ إلْغاءٌ لِلظِّهارِ مَعْنى لِأنَّ الكَفّارَةَ لِحَلِفِهِ عَلى أمْرٍ كُذِّبَ فِيهِ، وأيْضًا المُنَزَّلُ فِيهِ يَدْفَعُهُ إذْ لَمْ يُنْقَلِ الحَلِفُ ولا سَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والأصْلُ عَدَمُهُ، وقِيلَ: عَوْدُهُ تَكْرارُهُ الظِّهارَ مَعْنى بِأنْ يَقُولَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ فَعَلْتُ كَذا ثُمَّ يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ يَحْنَثُ وتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ، وتُعَدُّ مُباشَرَتُهُ ذَلِكَ تَكْرِيرًا لِلظِّهارِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وأمّا تَعْلِيقُ الظِّهارِ فَقَدْ ذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّهُ يَصِحُّ لِأنَّهُ لِاقْتِضاءِ التَّحْرِيمِ كالطَّلاقِ والكَفّارَةُ كاليَمِينِ وكِلاهُما يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، فَإذا قالَ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَدَخَلَتْ ولَوْ في حالِ جُنُونِهِ أوْ نِسْيانِهِ صَحَّ لَكِنْ لا عَوْدَ عِنْدَهم في الصُّورَةِ
صفحة 10
المَفْرُوضَةِ حَتّى يُمْسِكَها عَقِبَ الإفاقَةِ أوْ تَذَكُّرِهِ وعِلْمِهِ بِوُجُودِ الصِّفَةِ قَدْرَ إمْكانِ طَلاقِها ولَمْ يُطَلِّقْها، وقَدْ أطالُوا في تَفارِيعِ التَّعْلِيقِ الكَلامَ بِما لا يَسَعُهُ هَذا المَقامُ.
وعِنْدَنا أيْضًا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وكَذا تَقْيِيدُهُ بِيَوْمٍ أوْ شَهْرٍ، ولا يَبْقى بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، نَعَمْ لَوْ ظاهَرَ واسْتَثْنى يَوْمَ الجُمُعَةِ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ ولَوْ عَلَّقَ الظِّهارَ بِشَرْطٍ ثُمَّ أبانَها ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ في العِدَّةِ لا يَصِيرُ مُظاهِرًا بِخِلافِ الإبانَةِ المُعَلَّقَةِ كَما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، وقالَ الأخْفَشُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُها - والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا: ثُمَّ يَعُودُونَ إلى نِسائِهِمْ - ولا يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا أخْفَشُ أوْ أعْشى أوْ أعْمَشُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ دَلِيلٌ لَنا وكَذا لِلشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ عَلى أنَّهُ لَوْ ظاهَرَ مِن أمَتِهِ المَوْطُوءَةِ أوْ غَيْرِها لا يَصِحُّ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ يَتَناوَلُ نِساءَنا والأمَةَ، وإنْ صَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ نِسائِنا عَلَيْها لُغَةً لَكِنَّ صِحَّةَ الإطْلاقِ لا تَسْتَلْزِمُ الحَقِيقَةَ لِأنَّ حَقِيقَةَ إضافَةِ النِّساءِ إلى رَجُلٍ أوْ رِجالٍ إنَّما تَتَحَقَّقُ مَعَ الزَّوْجاتِ دُونَ الإماءِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ حَتّى يَصِحَّ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ جَوارِيهِ لا نِساؤُهُ، وحُرْمَةُ بِنْتِ الأمَةِ لَيْسَ لِأنَّ أُمَّها مِن نِسائِنا مُرادَةً بِالنَّصِّ بَلْ لِأنَّها مَوْطُوءَةٌ وطْأً حَلالًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، وبِلا هَذا القَيْدِ عِنْدَنا عَلى أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِالنِّساءِ هُناكَ ما تَصِحُّ بِهِ الإضافَةُ حَتّى يَشْتَمِلَ المَعْنى الحَقِيقِيَّ وهُنَّ الزَّوْجاتُ والمَجازِيَّ - أعْنِي الإماءَ بِعُمُومِ المَجازِ - لَأمْكَنَ لِلِاتِّفاقِ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ الحُكْمِ في الإماءِ كَثُبُوتِهِ في الزَّوْجاتِ أمّا هُنا فَلا اتِّفاقَ ولا لُزُومَ عِنْدَنا أيْضًا لِيَثْبُتَ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لِأنَّ الإماءَ لَسْنَ في مَعْنى الزَّوْجاتِ لِأنَّ الحِلَّ فِيهِنَّ تابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ العَقْدِ ولا مِنَ المِلْكِ حَتّى يَثْبُتا مَعَ عَدَمِهِ في الأمَةِ المَجُوسِيَّةِ والمُراضِعَةِ بِخِلافِ عَقْدِ النِّكاحِ لا يَصِحُّ في مَوْضِعٍ لا يَحْتَمِلُ الحِلَّ، واسْتُدِلَّ أيْضًا بِأنَّ القِياسَ شَأْنُهُ أنْ لا يُوجِبَ هَذا التَّشْبِيهَ الَّذِي في الظِّهارِ سِوى التَّوْبَةِ، ووَرَدَ الشَّرْعُ بِثُبُوتِ التَّحْرِيمِ فِيهِ في حَقِّ مَن لَها الِاسْتِمْتاعُ ولا حَقَّ لِلْأمَةِ فِيهِ فَيَبْقى في حَقِّها عَلى أصْلِ القِياسِ، وبِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا فَنُقِلَ عَنْهُ إلى تَحْرِيمٍ مُغَيّا بِالكَفّارَةِ ولا طَلاقَ في الأمَةِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِلْمُتَأمِّلِ.
ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ والثَّوْرِيِّ صِحَّةُ الظِّهارِ في الأمَةِ مُطْلَقًا، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وطاوُسٍ والزُّهْرِيِّ صِحَّتُهُ في المَوْطُوءَةِ، ثُمَّ إنِ الشَّرْطَ كَوْنُها زَوْجَةً في الِابْتِداءِ فَلَوْ ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ الأمَةِ ثُمَّ مَلَكَها بَقِيَ الظِّهارُ فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْؤُها حَتّى يُكَفِّرَ كَما صَرَّحُوا بِهِ، والمُرادُ بِالزَّوْجَةِ المَنكُوحَةِ الَّتِي يَصِحُّ إضافَةُ الطَّلاقِ إلَيْها فَلا فَرْقَ بَيْنَ مَدْخُولٍ بِها وغَيْرِها فَلا يَصِحُّ الظِّهارُ مِن مُبانَةٍ، ومِنهُ ما سَمِعْتَ آنِفًا ولا مِن أجْنَبِيَّةٍ إلّا إذا أضافَهُ إلى التَّزَوُّجِ كَأنْ قالَ لَها: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ تَزَوَّجَها فَإنَّهُ يَكُونُ مُظاهِرًا، نَعَمْ في التّاتارَخانِيَّةِ: لَوْ قالَ إذا تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ، ثُمَّ قالَ: إذا تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَها يَقَعُ الطَّلاقُ، ولا يَلْزَمُ الظِّهارُ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ صاحِباهُ: لَزِماهُ جَمِيعًا، وعَنْ مالِكٍ أنَّهُ إذا ظاهَرَ مِن أجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ نَكَحَها لَزِمَ الظِّهارُ أضافَهُ إلى التَّزْوِيجِ أمْ لا.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ لا يَصِحَّ ظِهارُ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وقالَ المُزْنِيُّ: لا يَصِحُّ ظِهارُ المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وظاهِرُ ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ يَشْمَلُ العَبْدَ فَيَصِحُّ ظِهارُهُ، وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا أنَّهُ يَصِحُّ ظِهارُ الزَّوْجِ البالِغِ العاقِلِ المُسْلِمِ ويُكَفِّرُ العَبْدُ بِالصَّوْمِ، ولا يُنْصِفُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِبادَةِ كَصَوْمِ رَمَضانَ، ومِثْلُهُ المَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ عَلى قَوْلِهِما المُفْتى بِهِ.
صفحة 11
وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَصِحُّ ظِهارُ العَبْدِ، ولا تَدَخُّلَ المَرْأةُ في هَذا الحُكْمِ فَلَوْ ظاهَرَتْ مِن زَوْجِها لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ كَما نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ التّاتارَخانِيَّةِ عَنْ أبِي يُوسُفَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: تَكُونُ مُظاهِرَةً، وقالَ الأوْزاعِيُّ وعَطاءٌ وإسْحاقُ وأبُو يُوسُفَ: إذا قالَتِ المَرْأةُ لِزَوْجِها: أنْتَ ”عَلَيَّ“ كَظَهْرِ فُلانَةٍ فَهي يَمِينٌ تُكَفِّرُها، وقالَ الزُّهْرِيُّ: أرى أنْ تُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ ولا يَحُولُ قَوْلُها هَذا بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها أنْ يُصِيبَها. انْتَهى، والرَّقَبَةُ مِنَ الحَيَوانِ مَعْرُوفَةٌ، وتُطْلَقُ عَلى المَمْلُوكِ، وذَلِكَ مِن تَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ الجُزْءِ كَما في المُغْرِبِ، وهو المُرادُ هُنا.
وفِي الهِدايَةِ هي عِبارَةٌ عَنِ الذّاتِ المَرْمُوقِ مِن كُلِّ وجْهٍ فَيَجْزِي في الكَفّارَةِ إعْتاقُ الرَّقَبَةِ الكافِرَةِ والمُؤْمِنَةِ والذَّكَرِ والأُنْثى والكَبِيرِ والصَّغِيرِ - ولَوْ رَضِيعًا - لِأنَّ الِاسْمَ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ، ومُقْتَضى ذَلِكَ إجْزاءُ إعْتاقِ المُرْتَدِّ والمُرْتَدَّةِ والمُسْتَأْمَنِ والحَرْبِيِّ، وفي التّاتارَخانِيَّةِ أنَّ المُرْتَدَّ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ المَشايِخِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ لا يَجُوزُ، والمُرْتَدَّةُ تَجُوزُ بِلا خِلافٍ أيْ لِأنَّها لا تُقْتَلُ، وفي الفَتْحِ إعْتاقُ الحَرْبِيِّ في دارِ الحَرْبِ لا يَجْزِيهِ في الكَفّارَةِ، وإعْتاقُ المُسْتَأْمَنِ يَجْزِيهِ، وفي التّاتارَخانِيَّةِ لَوْ أعْتَقَ عَبْدًا حَرْبِيًّا في دارِ الحَرْبِ إنْ لَمْ يُخْلَ سَبِيلُهُ لا يَجُوزُ وإنْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ فَفِيهِ اخْتِلافُ المَشايِخِ، فَبَعْضُهم قالُوا: لا يَجُوزُ - وشَمِلَ الرَّقَبَةُ الصَّحِيحَ والمَرِيضَ فَيَجْزِي كُلٌّ مِنهُما - واسْتَثْنى في الخانِيَةِ مَرِيضًا لا يُرْجى بُرْؤُهُ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ مَيِّتٌ حُكْمًا، وفي جَوازِ إعْتاقِ حَلالِ الدَّمِ كَلامٌ: فَحُكِيَ في البَحْرِ أنَّهُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا حَلالَ الدَّمِ قَدْ قُضِيَ بِدَمِهِ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ فَلَوْ كانَ أبْيَضَ العَيْنَيْنِ فَزالَ البَياضُ أوْ كانَ مُرْتَدًّا فَأسْلَمَ لا يَجُوزُ.
وفِي جامِعِ الفِقْهِ جازَ المَدْيُونُ والمَرْهُونُ ومُباحُ الدَّمِ، ويَجُوزُ إعْتاقُ الآبِقِ إذا عُلِمَ أنَّهُ حَيٌّ، ولا بُدَّ أنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ غَيْرَ المَرْأةِ المُظاهَرِ مِنها لِما في الظَّهِيرِيَّةِ والتّاتارَخانِيَّةِ أمَةٌ تَحْتَ رَجُلٍ ظاهَرَ مِنها ثُمَّ اشْتَراها وأعْتَقَها كَفّارَةُ ظِهارِها قِيلَ: تَجْزِي، وقِيلَ: لا تَجْزِي في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ، ويَجُوزُ الأصَمُّ اسْتِحْسانًا إذا كانَ بِحَيْثُ إذا صِيحَ عَلَيْهِ يَسْمَعُ، وفي رِوايَةِ النَّوادِرِ لا يَجُوزُ ولا تُجْزِي العَمْياءَ ولا المَقْطُوعَةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجْلَيْنِ، وكَذا مَقْطُوعُ إبْهامِ اليَدَيْنِ ومَقْطُوعُ إحْدى اليَدَيْنِ وإحْدى الرِّجْلَيْنِ مِن جانِبٍ واحِدٍ والمَجْنُونُ الَّذِي لا يَعْقِلُ، ولا يَجُوزُ إعْتاقُ المُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ، وكَذا المُكاتَبُ الَّذِي أدّى بَعْضَ المالِ وإنِ اشْتَرى أباهُ أوِ ابْنَهُ يَنْوِي بِالشِّراءِ الكَفّارَةَ جازَ عَنْها، وإنْ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ وهو مُوسِرٌ فَضَمِنَ قِيمَةَ باقِيهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الإمامِ، وجازَ عِنْدَ صاحِبَيْهِ، وإنْ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفّارَتِهِ ثُمَّ جامَعَ ثُمَّ أعْتَقَ باقِيَهُ لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَهُ لِأنَّ الإعْتاقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، وشَرْطُ الإعْتاقِ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَسِيسِ بِالنَّصِّ، وإعْتاقُ النِّصْفِ حَصَلَ بَعْدَهُ، وعِنْدَهُما إعْتاقُ النِّصْفِ إعْتاقُ الكُلِّ فَحَصَلَ الكُلُّ قَبْلَ المَسِيسِ، واشْتَرَطَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ الرَّقَبَةِ مُؤْمِنَةً ولَوْ تَبَعًا لِأصْلٍ أوْ دارٍ أوْ سابٍ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُقَيَّدِ في آيَةِ القَتْلِ بِجامِعِ عَدَمِ الإذْنِ في السَّبَبِ.
وقالَ الحَنَفِيَّةُ: لا يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ إلّا في حُكْمٍ واحِدٍ في حادِثَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ ذَلِكَ لُزُومًا عَقْلِيًّا إذِ الشَّيْءُ لا يَكُونُ نَفْسُهُ مَطْلُوبًا إدْخالُهُ في الوُجُودِ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا كالصَّوْمِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ. ورَدَ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا بِالتَّتابُعِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ الَّتِي تَجُوزُ القِراءَةُ بِمِثْلِها، والكَلامُ في تَحْقِيقِ هَذا الأصْلِ في الأُصُولِ.
وقالُوا عَلى تَقَدُّرِ التَّنَزُّلِ إلى أصْلِ الشّافِعِيَّةِ مِنَ الحَمْلِ مُطْلَقًا: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ التَّضْيِيقِ في كَفّارَةِ الأمْرِ الأعْظَمِ
صفحة 12
وهُوَ القَتْلُ ثُبُوتُ مِثْلِهِ فِيما هو أخَفُّ مِنهُ لِيَكُونَ التَّقْيِيدُ فِيهِ بَيانًا في المُطْلَقِ، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الجامِعِ لا يَكْفِي، ووافَقُوا في كَثِيرٍ مِمّا عَدا ذَلِكَ، وخالَفُوا أيْضًا في كَثِيرٍ فَقالُوا: يُشْتَرَطُ في الرَّقَبَةِ أنْ تَكُونَ بِلا عَيْبٍ يُخِلُّ بِالعَمَلِ والكَسْبِ فَيُجْزِئُ صَغِيرٌ ولَوْ عَقِبَ وِلادَتِهِ وأقْرَعُ وأعْرَجُ يُمْكِنُهُ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ لا تُحْتَمَلُ عادَةً تَتابُعُ المَشْيِ وأعْوَرُ لَمْ يَضْعُفْ نَظَرُ سَلِيمَتِهِ حَتّى أخَلَّ بِالعَمَلِ إخْلالًا ”بَيِّنًا“ وأصَمُّ وأخْرَسُ يَفْهَمُ إشارَةَ غَيْرِهِ ويَفْهَمُ غَيْرُهُ إشارَتَهُ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ وأخْشَمُ وفاقِدُ أنْفِهِ وأُذُنَيْهِ وأصابِعِ رِجْلَيْهِ وأسْنانِهِ وعِنِّينٌ ومَجْبُوبٌ ورَتْقاءُ وقَرْناءُ وأبْرَصُ ومَجْذُومٌ وضَعِيفُ بَطْشٍ ومَن لا يُحْسِنُ صَنْعَةً ووَلَدُ زِنًا وأحْمَقُ - وهو مَن يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ - وآبِقٌ ومَغْصُوبٌ وغائِبٌ عُلِمَتْ حَياتُهُ أوْ بانَتْ وإنْ جُهِلَتْ حالَةُ العِتْقِ لِأزْمُنٍ وجَنِينٌ وإنِ انْفَصَلَ لِدُونِسِتَّةِ أشْهُرٍ مِنَ الإعْتاقِ أوْ فاقِدُ يَدٍ أوْ رِجْلٍ أوْ أشَلُّ أحَدِهِما أوْ فاقِدُ خِنْصَرٍ وبِنْصَرٍ مَعًا مِن يَدٍ أوْ أنُمْلَتَيْنِ مِن غَيْرِهِما أوْ أُنْمُلَةِ إبْهامٍ - كَما قالَ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - ولا هَرِمٌ عاجِزٌ ولا مَن هو في أكْثَرِ وقْتِهِ مَجْنُونٌ ولا مَرِيضٌ لا يُرْجى عِنْدَ العِتْقِ بُرْءُ مَرَضِهِ - كَسُلالٍ - فَإنْ بَرَأ بَعْدَ إعْتاقِهِ بانَ الإجْزاءُ في الأصَحِّ ولا مَن قُدِّمَ لِقَتْلٍ بِخِلافِ مَن تَحَتَّمَ قَتْلُهُ في المُحارَبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ لِلْإمامِ، ولا يُجْزِي شِراءُ أوْ تَمَلُّكُ قَرِيبٍ أصْلٍ أوْ فَرْعٍ بِنِيَّةِ كَفّارَةٍ ولا عِتْقِ أُمِّ ولَدٍ ولا ذُو كِتابَةٍ صَحِيحَةٍ قَبْلَ تَعْجِيزِهِ، ويُجْزِي مُدَبَّرٌ ومُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ غَيْرِ التَّدْبِيرِ، وقالُوا: لَوْ أعْتَقَ مُعْسِرٌ نِصْفَيْنِ لَهُ مِن عَبْدَيْنِ عَنْ كَفّارَةٍ فالأصَحُّ الإجْزاءُ إنْ كانَ باقِيهِما أوْ باقِي أحَدِهِما ﴿حَرًّا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي الإتْيانِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ إلَخْ دَلالَةٌ عَلى ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: عَلى تَكَرُّرِ وُجُوبِ التَّحْرِيرِ بِتَكَرُّرِ الظِّهارِ، فَإذا كانَ لَهُ زَوْجَتانِ مَثَلًا فَظاهَرَ مِن كُلٍّ مِنهُما عَلى حِدَةٍ لَزِمَهُ كَفّارَتانِ.
وفِي التَّلْوِيحِ لَوْ ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ أوْ مَجالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ لَزِمَهُ بِكُلِّ ظِهارٍ كَفّارَةٌ، وفي إطْلاقِهِ بَحْثٌ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لَوْ قَصَدَ التَّأْكِيدَ في المَجْلِسِ الواحِدِ لَمْ تَتَعَدَّدْ، وفي شَرْحِ الوَجِيزِ لِلْغَزالِيِّ ما مُحَصِّلُهُ: لَوْ قالَ لِأرْبَعِ زَوْجاتٍ: أنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإنْ كانَ دُفْعَةً واحِدَةً فَفِيهِ قَوْلانِ، وإنْ كانَ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ فَأرْبَعُ كَفّاراتٍ، ولَوْ كَرَّرَها - والمَرْأةُ واحِدَةٌ - فَإمّا أنْ يَأْتِيَ بِها مُتَوالِيَةً أوَّلًا، فَعَلى الأوَّلِ إنْ قَصَدَ التَّأْكِيدَ فَواحِدَةٌ وإلّا فَفِيهِ قَوْلانِ: القَدِيمُ - وبِهِ قالَ أحْمَدُ - واحِدَةٌ كَما لَوْ كَرَّرَ اليَمِينَ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، والقَوْلُ الجَدِيدُ التَّعَدُّدُ - وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ - وإذا لَمْ تَتَوالَ أوْ قَصَدَ بِكُلِّ واحِدَةٍ ظِهارًا أوْ أطْلَقَ ولَمْ يَنْوِ التَّأْكِيدَ فَكُلُّ مَرَّةٍ ظِهارٌ بِرَأْسِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ: إنَّهُ لا يَكُونُ الثّانِي ظِهارًا إنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأوَّلِ، وإنْ قالَ: أرَدْتُ إعادَةَ الأوَّلِ فَفِيهِ اخْتِلافٌ بِناءً عَلى أنَّ الغالِبَ في الظِّهارِ أنَّ مَعْنى الطَّلاقِ أوِ اليَمِينِ لِما فِيهِ مِنَ الشَّبَهَيْنِ. انْتَهى.
وظاهِرُ بَعْضِ عِباراتِ أصْحابِنا أنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الظِّهارَ بِعَدَدٍ اعْتُبِرَ ذَلِكَ العَدَدُ، فَفي التَّتارَخانِيَّةُ لَوْ قالَ لِأجْنَبِيَّةٍ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مِائَةَ مَرَّةٍ فَعَلَيْهِ - أيْ إذا تَزَوَّجَها - لِكُلٍّ كَفّارَةٌ، وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكَفّارَةَ المَذْكُورَةَ قَبْلَ المَسِيسِ فَإنْ مَسَّ أثِمَ ولا يُعاوِدُ حَتّى يُكَفِّرَ، فَقَدْ رَوى أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا - وهو سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الأنْصارِيُّ كَما في حَدِيثِ أبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِما - «ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ ؟ ! فَقالَ: رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ - وفي لَفْظٍ بَياضَ ساقِها - قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فاعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ»» ولَفْظُ ابْنِ ماجَهْ ««فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَرَهُ أنْ لا يَقْرَبَها حَتّى يُكَفِّرَ»» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وفي كَوْنِهِ صَحِيحًا رَدَّهُ المُنْذِرِيُّ في مُخْتَصَرِهِ بِأنَّهُ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ورِجالُهُ ثِقاتٌ مَشْهُورٌ سَماعُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ.
صفحة 13
ورَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ بِالسَّنَدِ إلى سَلَمَةَ المَذْكُورِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ: «كَفارَّةٌ واحِدَةٌ تَلْزَمُهُ»، ويُرَدُّ بِهِ عَلى مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: يَلْزَمُهُ كَفّارَةٌ أُخْرى، ونُقِلَ هَذا عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وقَبِيصَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ، وعَلى مَن قالَ تَلْزَمُهُ ثَلاثُ كَفّاراتٍ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والنَّخَعِيِّ، وبِهِ، وبِما تَقَدَّمَ يُرَدُّ عَلى ما قِيلَ: مِن أنَّهُ تَسْقُطُ الكَفّارَةُ الواجِبَةُ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ولا تَرْتَفِعُ حُرْمَةُ المَسِيسِ إلّا بِها لا بِمِلْكٍ ولا بِزَوْجٍ ثانٍ حَتّى لَوْ طَلَّقَها مِن بَعْدِ الظِّهارِ ثَلاثًا فَعادَتْ إلَيْهِ مِن بَعْدِ زَوْجٍ آخَرَ أوْ كانَتْ أمَةً فَمَلَكَها بَعْدَ ما ظاهَرَ مِنها لا يَحِلُّ قُرْبانُها حَتّى يُكَفِّرَ، وهو واجِبٌ عَلى التَّراخِي - عَلى الصَّحِيحِ - لِكَوْنِ الأمْرِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ الآيَةُ مُطْلَقًا حَتّى لا يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أوَّلِ أوْقاتِ الإمْكانِ، ويَكُونُ مُؤَدِّيًا لا قاضِيًا، ويَتَعَيَّنُ في آخِرِ عُمُرِهِ، ويَأْثَمُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الأداءِ، ولا تُؤْخَذُ مِن تَرِكَتِهِ إنْ لَمْ يُوصِ ولَوْ تَبَرَّعَ الوَرَثَةُ في الإعْتاقِ، وكَذا في الصَّوْمِ لا يَجُوزُ - كَذا في البَدائِعِ - فَإنْ أوْصى كانَ مِنَ الثُّلُثِ، وفي التّاتارَخانِيَّةِ لَوْ كانَ مُرِيدُ التَّكْفِيرِ مَرِيضًا فَأعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ كَفّارَتِهِ وهو لا يَخْرُجُ مِن ثُلُثِ مالِهِ فَماتَ مِن ذَلِكَ المَرَضِ لا يَجُوزُ عَنْ كَفّارَتِهِ وإنْ أجازَتِ الوَرَثَةُ، ولَوْ أنَّهُ بَرِئَ مِن مَرَضِهِ جازَ، ولِلْمَرْأةِ مُطالَبَتُهُ بِالوَطْءِ والتَّكْفِيرِ وعَلَيْها أنْ تَمْنَعَهُ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها حَتّى يُكَفِّرَ، وعَلى القاضِي أنْ يُجْبِرَهُ عَلى التَّكْفِيرِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْها بِحَبْسٍ فَإنْ أبى ضَرَبَهُ ولَوْ قالَ: قَدْ كَفَرَ تُصُدِّقَ ما لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالكَذِبِ.
هَذا وبَقِيَتْ مَسائِلُ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ ذَلِكُمُ الإشارَةُ إلى الحُكْمِ بِالكَفّارَةِ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ عِنْدَ النُّزُولِ أوْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَّةِ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ تُزْجَرُونَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ المُنْكَرِ، فَإنَّ الغَراماتِ مَزاجِرُ عَنْ تَعاطِي الجِناياتِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِن شِرْعِ هَذا الحُكْمِ لَيْسَ تَعْرِيضُكم لِلثَّوابِ بِمُباشَرَتِكم لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ الَّذِي هو عَلَمٌ في اسْتِتْباعِ الثَّوابِ العَظِيمِ بَلْ هو رَدْعُكم وزَجْرُكم عَنْ مُباشَرَةِ ما يُوجِبُهُ كَذا في الإرْشادِ، وهُو َظاهِرٌ في كَوْنِ الكَفّارَةِ عُقُوبَةً مَحْضَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ بِأنَّها دائِرَةٌ بَيْنَ العِبادَةِ والعُقُوبَةِ، وكَلامُ الزَّيْلَعِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ جِهَةَ العِبادَةِ فِيها أغْلَبُ، وفي شَرْحِ مِنهاجِ النَّوَوِيِّ لِابْنِ حَجَرٍ في كِتابِ كَفّارَةِ الظِّهارِ الكَفّارَةُ مِنَ الكُفْرِ وهو السَّتْرُ لِسَتْرِها الذَّنْبَ بِمَحْوِهِ أوْ تَخْفِيفِ إثْمِهِ بِناءً عَلى أنَّ الكَفّاراتِ زَواجِرُ كالتَّعازِيرِ أوْ جَوابِرُ لِلْخَلَلِ، ورَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ الثّانِيَ لِأنَّها عِبادَةٌ لِافْتِقارِها لِلنِّيَّةِ أيْ فَهي كَسُجُودِ السَّهْوِ.
والفَرْقُ بَيْنَها - عَلى الثّانِي - وبَيْنَ الدَّفْنِ الكَفّارَةُ لِلْبَصْقِ عَلى ما هو المُقَرَّرُ فِيهِ أنَّهُ يَقْطَعُ دَوامَ الإثْمِ أنَّ الدَّفْنَ مُزِيلٌ لَعِينِ ما بِهِ المَعْصِيَةُ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شَيْءٌ يَدُومُ إثْمُهُ بِخِلافِها هُنا فَإنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وعَلى الأوَّلِ المَمْحُوُّ هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو حَقُّهُ، وأمّا بِالنَّظَرِ لِنَحْوِ الفِسْقِ بِمُوجِبِها فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ نَظِيرَ نَحْوِ الحَدِّ. انْتَهى.
ومَتى قِيلَ: بِأنَّ الإعْتاقَ المَذْكُورَ كَفّارَةٌ وأنَّ الكَفّارَةَ تَسَتُّرُ الذَّنْبَ بِمَحْوِهِ أوْ تَخْفِيفِ إثْمِهِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ اسْتِتْباعِهِ الثَّوابَ وكَوْنُ ذَلِكَ لا يُعَدُّ ثَوابًا لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن شَرْعِ هَذا الحُكْمَ الرَّدْعُ والزَّجْرُ عَنْ مُباشَرَةِ ما يُوجِبُهُ دُونَ التَّعْرِيضِ لِلثَّوابِ، وإنَّ تَضَمَّنَهُ في الجُمْلَةِ فَتَأمَّلْ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ كالتَّكْفِيرِ وما يُوجِبُهُ مِن جِنايَةِ الظِّهارِ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِظَواهِرِها وبَواطِنِها ومُجارِيكم بِها فَحافِظُوا عَلى حُدُودِ ما شَرَعَ لَكم ولا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها.
المجادلة 58:4
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾
صفحة 14
أيْ فَمَن لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ التَّماسِّ، والمُرادُ - بِمَن لَمْ يَجِدْ - مَن لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةً ولا ثَمَنَها فاضِلًا عَنْ قَدْرِ كِفايَتِهِ لِأنَّ قَدْرَها مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فَصارَ كالعَدَمِ، وقَدْرُ الكِفايَةِ مِنَ القُوتِ لِلْمُحْتَرِفِ قُوتُ يَوْمٍ. ولِلَّذِي يَعْمَلُ قُوتُ شَهْرٍ - عَلى ما في البَحْرِ - ومَن لَهُ عَبْدٌ يَحْتاجُ لِخِدْمَتِهِ واجِدٌ فَلا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وهَذا بِخِلافِ مَن لَهُ مَسْكَنٌ لِأنَّهُ كَلِباسِهِ ولِباسِ أهْلِهِ، وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ المُرادُ بِهِ مَن لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةً أوْ ثَمَنَها فاضِلًا كُلٌّ مِنهُما عَنْ كِفايَةِ نَفْسِهِ وعِيالِهِ العُمُرُ الغالِبِ نَفَقَةً وكُسْوَةً وسُكْنى وأثاثًا لا بُدَّ مِنهُ، وعَنْ دَيْنِهِ ولَوْ مُؤَجَّلًا.
وقالُوا: إذا لَمْ يَفْضُلُ القِنُّ أوْ ثَمَنُهُ عَمّا ذُكِرَ لِاحْتِياجِهِ لِخِدْمَتِهِ لِمَنصِبٍ يَأْبى خِدْمَتُهُ بِنَفْسِهِ أوْ ضَخامَةِ كَذَلِكَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ بِعِتْقِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عادَةً ولا أثَرَ لِفَواتِ رَفاهِيَةٍ أوْ مَرَضٍ بِهِ أوْ بِمَوْتِهِ فَلا عِتْقَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ فاقِدٌ شَرْعًا - كَمَن وجَدَ ماءً وهو يَحْتاجُهُ لِعَطَشٍ - وإلى اعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ فاقِدًا - كَواجِدِ الماءِ المَذْكُورِ - ذَهَبَ اللَّيْثُ أيْضًا.
والفَرْقُ عِنْدَنا عَلى ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ الماءَ مَأْمُورٌ بِإمْساكِهِ لِعَطَشِهِ واسْتِعْمالِهِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ بِخِلافِ الخادِمِ، واليَسارُ والإعْسارُ مُعْتَبَرانِ وقْتَ التَّكْفِيرِ والأداءِ، وبِهِ قال مالِكٌ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أقْوالٌ فِيوَقْتِها أظْهَرُها كَما هو عِنْدَنا، قالُوا: لِأنَّ الكَفّارَةَ أعْنِي الإعْتاقَ عِبادَةٌ لَها بَدَلٌ مِن غَيْرِ جِنْسِها كَوُضُوءٍ وتَيَمُّمٍ وقِيامِ صَلاةٍ وقُعُودِها فاعْتُبِرَ وقْتُ أدائِها، وغَلَبَ الثّانِي كَمَذْهَبِ أحْمَدَ والظّاهِرِيَّةِ شائِبَةَ العُقُوبَةِ فاعْتُبِرَ وقْتُ الوُجُوبِ - كَما لَوْ زَنى قَنٌّ ثُمَّ عُتِقَ فَإنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ القَنِّ- والثّالِثُ الأغْلَظُ مِنَ الوُجُوبِ إلى الأداءِ، والرّابِعُ الأغْلَظُ مِنهُما، وأعْرَضَ عَمّا بَيْنَهُما.
ومَن يَمْلِكُ ثَمَنَ رَقَبَةٍ إلّا أنَّهُ دَيْنٌ عَلى النّاسِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أخْذِهِ مِن مَدْيُونِهِ فَهو فاقِدٌ فَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وإنْ قَدَرَ فَواجِدٌ فَلا يُجْزِئُهُ وإنْ كانَ لَهُ مالٌ ووَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ فَهو فاقِدٌ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ، وأمّا قَبْلَهُ فَقِيلَ فاقِدٌ أيْضًا بِناءً عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ المُشِيرُ إلى أنَّ مالَهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا الصَّرْفَ إلى الدَّيْنِ مُلْحَقٌ بِالعَدَمِ حُكْمًا، وقِيلَ: واجِدٌ لِأنَّ مِلْكَ المَدْيُونِ في مالِهِ كامِلٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ التَّصَرُّفاتِ فِيهِ.
وفِي البَدائِعِ لَوْ كانَ في مِلْكِهِ رَقَبَةٌ صالِحَةٌ لِلتَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُها سَواءٌ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ واجِدٌ حَقِيقَةً، وحاصِلُهُ أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ تَحْرِيرالرَّقَبَةِ المَوْجُودَةِ، ويَمْنَعُ وُجُوبَ شِرائِها بِما عِنْدَهُ مِن مِثْلِالدَّيْنِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الشِّراءَ مَتى وجَبَ يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَمَنُ المِثْلِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ فَقالُوا: لا يَجِبُ شِراءُ الرَّقَبَةِ بِغَبْنٍ أيْ زِيادَةٍ عَلى ثَمَنِمِثْلِها نَظِيرَ ما يُذْكَرُ في شِراءِ الماءِ لِلطَّهارَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وعَلى الأوَّلِ - كَما قالَ الأذْرَعِيُّ وغَيْرُهُ نَقْلًا عَنِ الماوَرْدِيِّ واعْتَمَدُوهُ -لا يَجُوزُ العُدُولُ لِلصَّوْمِ بَلْ يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلى الوُجُودِ بِثَمَنِ المِثْلِ، وكَذا لَوْ غابَ مالُهُ فَيُكَلَّفُ الصَّبْرُ إلى وُصُولِهِ أيْضًا، ولا نَظَرَ إلى تَضَرُّرِهِما بِفَواتِ التَّمَتُّعِ مُدَّةَ الصَّبْرِ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ نَفْسَهُ فِيهِ. انْتَهى.
وما ذَكَرُوهُ فِيما لَوْ غابَ مالُهُ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا فِيهِ ولَوْ كانَ عَلَيْهِ كَفّارَتا ظِهارٍ لِامْرَأتَيْنِ وفي مِلْكِهِ رَقَبَةٌ فَقَطْ فَصامَ عَنْ ظِهارِ إحْداهُما، ثُمَّ أعْتَقَ عَنْ ظِهارِ الأُخْرى فَفي المُحِيطِ في نَظِيرِ المَسْألَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ إجْزاءِ الصَّوْمِ عَنِ الأُولى قالَ: عَلَيْهِ كَفّارَتا يَمِينٍ، وعِنْدَهُ طَعامٌ يَكْفِي لِإحْداهُما فَصامَ عَنْ إحْداهُما ثُمَّ أطْعَمَ عَنِ الأُخْرى لا يَجُوزُ صَوْمُهُ لِأنَّهُ صامَ وهو قادِرٌ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمالِ فَلا يُجْزِئُهُ، ويُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالهِلالِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ التّامِّ والنّاقِصِ
صفحة 15
فَمَن صامَ بِالأهِلَّةِ واتَّفَقَ أنَّ كُلَّ شَهْرٍ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ حَتّى صارَ مَجْمُوعُ الشَّهْرَيْنِ ثَمانِيَةً وخَمْسِينَ أجَزَأهُ ذَلِكَ وإنَّ غُمَّ الهِلالُ اعْتُبِرَ - كَما في المُحِيطِ - كُلُّ شَهْرٍ ثَلاثِينَ وإنْ صامَ بِغَيْرِ الأهِلَّةِ فَلا بُدَّ مِن سِتِّينَ يَوْمًا كَما في الفَتْحِ القَدِيرِ، ويُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالهِلالِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا، وقالُوا: إنْ بَدَأ في أثْناءِ شَهْرٍ حَسَبَ الشَّهْرِ بَعْدَهُ بِالهِلالِ لِتَمامِهِ وأتَمَّ الأوَّلَ مِنَ الثّالِثِ ثَلاثِينَ لِتَعَذُّرِ الهِلالِ فِيهِ بِتَلَفُّقِهِ مِن شَهْرَيْنِ، وعَلى هَذا يَتَّفِقُ كَوْنُ صِيامِهِ سِتِّينَ وكَوْنُهُ تِسْعَةً وخَمْسِينَ، ولا يَتَعَيَّنُ الأوَّلُ كَما لا يَخْفى فَلا تَغْفُلْ، وإنْ أفْطَرَ يَوْمًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ ولَوِ الأخِيرَ بِعُذْرٍ مِن مَرَضٍ أوْ سَفَرٍ لَزِمَ الِاسْتِئْنافُ لِزَوالِ التَّتابُعِ وهو قادِرٌ عَلَيْهِ عادَةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنْ أفْطَرَ بِعُذْرٍ كَسَفَرٍ فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والحَسَنُ وعَطاءٌ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَبْنِي. . اهَـ، وإنْ جامَعَ الَّتِي ظاهَرَ مِنها في خِلالِ الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا عامِدًا أوْ نَهارًا ناسِيًا اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا يَسْتَأْنِفُ لِأنَّهُ لا يَمْنَعُ التَّتابُعَ إذْ لا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وهو الشَّرْطُ، ولَهُما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لا مَسِيسَ فِيهِما فَإذا جامَعَها في خِلالِها لَمْ يَأْتِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، وإنْ جامَعَ زَوْجَةً أُخْرى غَيْرَ المُظاهَرِ مِنها ناسِيًا لا يَسْتَأْنِفُ عِنْدَ الإمامِ أيْضًا كَما لَوْ أكَلَ ناسِيًا لَأنَّ حُرْمَةَ الأكْلِ والجِماعِ إنَّما هو لِلصَّوْمِ لِئَلّا يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ ولا يَنْقَطِعُ بِالنِّسْيانِ فَلا اسْتِئْنافَ بِخِلافِ حُرْمَةِ جِماعِ المُظاهَرَةِ فَإنَّهُ لَيْسَ لِلصَّوْمِ بَلْ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ الكَفّارَةِ، وتَقَدُّمُها عَلى المَسِيسِ شَرْطُ حِلِّها، فَبِالجِماعِ ناسِيًا في أثْنائِهِ يَبْطُلُ حُكْمُ الصَّوْمِ المُتَقَدِّمِ في حَقِّ الكَفّارَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَلْزَمُ في الشَّهْرَيْنِ أنْ لا يَكُونَ فِيهِما صَوْمُ رَمَضانَ لِأنَّ التَّتابُعَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ وشَهْرُ رَمَضانَ لا يَقَعُ عَنِ الظِّهارِ لِما فِيهِ مِن إبْطالِ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى، وأنْ لا يَكُونَ فِيهِما الأيّامُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّوْمِ فِيها وهي يَوْما العِيدَيْنِ وأيّامُ التَّشْرِيقِ لِأنَّ الصَّوْمَ فِيها ناقِصٌ بِسَبَبِ النَّهْيِ عَنْهُ فَلا يَنُوبُ عَنِ الواجِبِ الكامِلِ.
وفِي البَحْرِ: المُسافِرُ في رَمَضانَ لَهُ أنْ يَصُومَهُ عَنْ واجِبٍ آخَرَ، وفي المَرِيضِ رِوايَتانِ، وصَوْمُ أيّامِ نَذْرٍ مُعَيَّنَةٍ في أثْناءِ الشَّهْرَيْنِ بِنْيَةِ الكَفّارَةِ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ، ومَن قَدَرَ عَلى الإعْتاقِ في اليَوْمِ الأخِيرِ مِنَ الشَّهْرَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وجَبَ عَلَيْهِ الإعْتاقُ لِأنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ عَدَمِ الوُجُودِ إلى فَراغِ صَوْمِهِما وكانَ صَوْمُهُ حِينَئِذٍ تَطَوُّعًا، والأفْضَلُ إتْمامُ ذَلِكَ اليَوْمِ وإنْ أفْطَرَ لا قَضاءَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُسْقَطًا لا مُلْتَزِمًا خِلافًا لِزُفَرَ.
وفِي تُحْفَةِ الشّافِعِيَّةِ لَوْ بانَ بَعْدَ صَوْمِهِما أنَّ لَهُ مالًا ورِثَهُ ولَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِصَوْمِهِ عَلى الأوْجَهِ اعْتِبارًا بِما في نَفْسِ الأمْرِ أيْ وهو واجِدٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، ولَيْسَ في بالِي حُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ أصْحابِنا، ومُقْتَضى ظاهِرِ ما ذَكَرُوهُ فِيمَن تَيَمَّمَ وفي رَحْلِهِ ماءٌ وضَعَهُ غَيْرُهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِن صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ الِاعْتِدادُ بِالصَّوْمِ ها هُنا، وقَدْ صَرَّحَ الشّافِعِيَّةُ فِيمَن أُدْرِجَ في رَحْلِهِ ماءٌ ولَمْ يُقَصِّرْ في طَلَبِهِ أوْ كانَ بِقُرْبِهِ بِئْرٌ خَفِيَّةُ الآثارِ بِعَدَمِ بُطْلانِ تَيَمُّمِهِ فَلْيُنْظَرِ الفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ، ولَعَلَّهُ التَّغْلِيظُ في أمْرِ الكَفّارَةِ دُونَ التَّيَمُّمِ فَلْيُراجَعْ ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيْ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وذَلِكَ بِأنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أصْلَ الصِّيامِ أوْ بِأنْ لَمْ يَسْتَطِعْ تَتابُعَهُ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَكِبَرٍ أوْ مَرَضٍ لا يُرْجى زَوالُهُ كَما قَيَّدَهُ بِذَلِكَ ابْنُ هَمّامٍ. وغَيْرُهُ- وعَلَيْهِ أكْثَرُ الشّافِعِيَّةِ - وقالَ الأقَلُّونَ مِنهم - كالإمامِ ومَن تَبِعَهُ - وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ: يُعْتَبَرُ دَوامُهُ في ظَنِّهِ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ بِالعادَةِ الغالِبَةِ في مِثْلِهِ أوْ بِقَوْلِ الأطِبّاءِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ويَظْهَرُ الِاكْتِفاءُ بِقَوْلِ عَدْلٍ مِنهم، وصَرَّحَ الشّافِعِيَّةُ بِأنَّ مَن تَلْحَقُهُ بِالصِّيامِ أوْ تَتابِعِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عادَةً وإنْ لَمْ تُبِحِ التَّيَمُّمَ فِيما يَظْهَرُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وكَذا مَن خافَ زِيادَةَ مَرِضَ، وفي حَدِيثِ أوْسٍ عَلى ما ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ؟ فَقالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ
صفحة 16
إنِّي إذا لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كَلَّ بَصَرِي وخَشِيتُ أنْ تَغْشُوَ عَيْنِي»» الخَبَرَ، وعَدُّوا مِن أسْبابِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ الشَّبَقَ وهو شِدَّةُ الغُلْمَةِ.
واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِماعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي فَلَمّا دَخَلَ رَمَضانُ ظاهَرْتُ مِنَ امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضانُ فَرَقًا مِن أنْ أُصِيبَ مِنها في لَيْلِي فَأتَتابَعُ في ذَلِكَ ولا أسْتَطِيعُ أنْ أنْزِعَ حَتّى يُدْرِكَنِي الصُّبْحُ فَبَيْنَما هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنها شَيْءٌ فَوَثَبْتُ عَلَيْها - إلى أنْ قالَ - فَخَرَجْتُ فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي فَقالَ: «أنْتَ بِذاكَ ؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ ؟ فَقالَ: أنْتَ بِذاكَ ؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ وها أنا ذا فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ قالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَقُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ، قالَ: فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»» الحَدِيثَ.
فَإنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: «وهَلْ أصابَنِي» إلَخْ إلى شِدَّةِ شَبَقِهِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ عُذْرًا في صَوْمِ رَمَضانَ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأنَّهُ لا بَدَلَ لَهُ، وذُكِرَ أنَّ غَلَبَةَ الجُوعِ لَيْسَتْ عُذْرًا ابْتِداءً لِفَقْدِهِ حِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُ الشُّرُوعُ في الصِّيامِ فَإذا عَجَزَ عَنْهُ أفْطَرَ وانْتَقَلَ عَنْهُ لِلْإطْعامِ بِخِلافِ الشَّبَقِ لِوُجُودِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَيَدْخُلُ صاحِبُهُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ .
﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ، ودَقِيقٍ كُلٌّ كَأصْلِهِ، وكَذا السَّوِيقُ، وذَلِكَ لِأخْبارٍ ذَكَرَها ابْنُ الهُمامِ في فَتْحِ القَدِيرِ، والصّاعُ أرْبَعَةُ أمْدادٍ.
وقالَ الشّافِعِيَّةُ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ لِأنَّهُ صَحَّ في رِوايَةٍ، وصَحَّ في الأُخْرى صاعٌ، وهي مَحْمُولَةٌ عَلى بَيانِ الجَوازِ الصّادِقِ بِالنَّدْبِ لِتَعَذُّرِ النَّسْخِ فَتَعَيَّنَ الجَمْعُ بِما ذُكِرَ مِمّا يَكُونُ فُطْرَةً بِأنْ يَكُونَ مِن غالِبِ قُوتِ مَحَلِّ المُكَفِّرِ في غالِبِ السَّنَةِ كالأقَطِّ - ولَوْ لِلْبَلَدِيِّ - فَلا يُجْزِئُ نَحْوَ دَقِيقٍ مِمّا لا يَجْزِي في الفُطْرَةِ عِنْدَهم، ومَذْهَبُ مالِكٍ كَما قالَ أبُو حَيّانَ مُدٌّ وثُلُثٌ بِالمَدِ النَّبَوِيِّ، ورَوى عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ مُدّانِ وقِيلَ: مُدٌّ وثُلُثا مُدٍّ، وقِيلَ: ما يُشْبِعُ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّمْلِيكِ والإباحَةِ عِنْدَنا فَإنْ غَدّى السِّتِّينَ وعَشّاهم أوْ غَدّاهم مَرَّتَيْنِ أوْ عَشّاهم كَذَلِكَ أوْ غَدّاهم وسَحَّرَهم أوْ سَحَّرَهم مَرَّتَيْنِ وأشْبَعَهم بِخُبْزٍ بُرٍّ أوْ شَعِيرٍ أوْ نَحْوِهِ كَذُرَةٍ بِإدامٍ أجْزَأهُ، وإنْ لَمْ يَبْلُغْ ما شَبِعُوا بِهِ المِقْدارُ المُعْتَبَرُ في التَّمْلِيكِ، ويُعْتَبَرُ اتِّحادُ السِّتِّينَ فَلَوْ غَدّى مَثَلًا سِتِّينَ مِسْكِينًا وعَشّى سِتِّينَ غَيْرَهم لَمْ يُجْزِ إلّا أنْ يُعِيدَ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ غَداءً أوْ عَشاءً، ولَوْ أطْعَمَ مِائَةً وعِشْرِينَ مِسْكِينًا في يَوْمٍ واحِدٍ أكْلَةً واحِدَةً مُشْبِعَةً لَمْ يُجْزِ إلّا عَنْ نِصْفِ الإطْعامِ فَإنْ أعادَهُ عَلى سِتِّينَ مِنهم أجْزَأهُ، واشْتَرَطَ الشّافِعِيَّةُ التَّمْلِيكَ اعْتِبارًا بِالزَّكاةِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ، وهَذا لِأنَّ التَّمْلِيكَ أدْفَعُ لِلْحاجَةِ فَلا يَنُوبُ مَنابَهُ الإباحَةُ، ونَحْنُ نَقُولُ: المَنصُوصُ عَلَيْهِ هُنا هو الإطْعامُ وهو حَقِيقَةٌ مِنَ التَّمْكِينِ مِنَ الطَّعْمِ، وفي الإباحَةِ ذَلِكَ كَما في التَّمْلِيكِ، وفي الزَّكاةِ الإيتاءُ، وفي صَدَقَةِ الفِطْرِ الأداءُ، وهُما لِلتَّمْلِيكِ حَقِيقَةً - كَذا في الهِدايَةِ - قالَ العَلّامَةُ ابْنُ الهُمامِ: لا يُقالُ: اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ التَّمْلِيكِ فَلَوْ كانَ حَقِيقَةُ الإطْعامِ ما ذُكِرَ كانَ مُشْتَرَكًا مُعَمَّمًا أوْ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ لِأنّا نَقُولُ: جَوازُ التَّمْلِيكِ عِنْدَنا بِدَلالَةِ النَّصِّ، والدَّلالَةُ لا تَمْنَعُ العَمَلَ بِالحَقِيقَةِ كَما في حُرْمَةِ الشَّتْمِ والضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ
صفحة 17
فَكَذا هَذا فَلَمّا نَصَّ عَلى دَفْعِ حاجَةِ الأكْلِ فالتَّمْلِيكُ الَّذِي هو سَبَبٌ لِدَفْعِ كُلِّ الحاجاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأكْلُ أجْوَزُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ دافِعٌ لِحاجَةِ الأكْلِ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ الوانِيُّ أنَّ الإطْعامَ جَعَلَ الغَيْرَ طاعِمًا أيْ آكِلًا لِأنَّ حَقِيقَةَ طَعِمْتُ الطَّعامَ أكَلْتُهُ، والهَمْزَةُ تَعْدِيَةٌ إلى المَفْعُولِ الثّانِي أيْ جَعَلْتُهُ آكِلًا، وأمّا نَحْوُ أطْعَمْتُكَ هَذا الطَّعامَ فَيَكُونُ هِبَةً وتَمْلِيكًا بِقَرِينَةِ الحالِ، قالُوا: والضّابِطُ أنَّهُ إذا ذُكِرَ المَفْعُولُ الثّانِي فَهو لِلتَّمْلِيكِ وإلّا فَلِلْإباحَةِ، هَذا والمَذْكُورُ في كُتُبِ اللُّغَةِ أنَّ الإطْعامَ إعْطاءُ الطَّعامِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ تَمْلِيكًا أوْ إباحَةً انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.
ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الإباحَةِ والتَّمْلِيكِ لِبَعْضِ المَساكِينِ دُونَ البَعْضِ كَما إذا مَلَّكَ ثَلاثِينَ وأطْعَمَ ثَلاثِينَ غَداءً وعَشاءً وكَذا لِرَجُلٍ واحِدٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ كَأنْ غَدّاهُ مَثَلًا وأعْطاهُ مُدًّا وإنْ أعْطى مِسْكِينًا واحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا أجْزَأهُ وإنْ أعْطاهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ إلّا عَنْ يَوْمِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المُحْتاجِ، والحاجَةُ تَتَجَدَّدُ في كُلِّ يَوْمٍ، فالدَّفْعُ إلَيْهِ في اليَوْمِ الثّانِي كالدَّفْعِ إلَيْهِ في غَيْرِهِ، وهَذا في الإباحَةِ مِن غَيْرِ خِلافٍ، وأمّا التَّمْلِيكُ مِن مِسْكِينٍ واحِدٍ بِدُفُعاتٍ فَقَدْ قِيلَ: لا يُجْزِئُهُ، وقِيلَ: يُجْزِئُهُ لِأنَّ الحاجَةَ إلى التَّمْلِيكِ قَدْ تَتَجَدَّدُ في يَوْمٍ واحِدٍ بِخِلافِ ما إذا دَفَعَ بِدُفْعَةٍ لِأنَّ التَّفْرِيقَ واجِبٌ بِالنَّصِّ، وخالَفَ الشّافِعِيَّةُ، فَقالُوا: لا بُدَّ مِنَ الدَّفْعِ إلى سِتِّينَ مِسْكِينًا حَقِيقَةً فَلا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لِواحِدٍ في سِتِّينَ يَوْمًا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ أحْمَدَ - وبِهِ أكْثَرُ العُلَماءِ - لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا، وبَتَكَرُّرِ الحاجَةِ في مِسْكِينٍ واحِدٍ لا يَصِيرُ هو سِتِّينَ فَكانَ التَّعْلِيلُ بِأنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المُحْتاجِ إلَخْ مُبْطِلًا لِمُقْتَضى النَّصِّ فَلا يَجُوزُ، وأصْحابُنا أشَدُّ مُوافَقَةً لِهَذا الأصْلِ، ولِذا قالُوا: لا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لِمِسْكِينٍ واحِدٍ وظِيفَةَ سِتِّينَ بِدُفْعَةٍ واحِدَةٍ مُعَلِّلِينَ لَهُ بِأنَّ التَّفْرِيقَ واجِبٌ بِالنَّصِّ مَعَ أنَّ تَفْرِيقَ الدَّفْعِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ، وإنَّما هو مَدْلُولٌ التِزامِيٌّ لِعَدَدِ المَساكِينِ فالنَّصُّ عَلى العَدَدِ أوْلى لِأنَّهُ المُسْتَلْزَمُ، وغايَةُ ما يُعْطِيهِ كَلامُهم أنَّهُ بِتَكَرُّرِ الحاجَةِ يَتَكَرَّرُ المِسْكِينُ حُكْمًا فَكانَ تَعَدُّدًا حُكْمًا، وتَمامُهُ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ سِتِّينَ مِسْكِينًا في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الأعَمُّ مِنَ السِّتِّينَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا.
ولا يَخْفى أنَّهُ مَجازٌ فَلا مَصِيرَ إلَيْهِ بِمُوجِبِهِ، فَإنْ قُلْتَ: المَعْنى الَّذِي بِاعْتِبارِهِ يَصِيرُ اللَّفْظُ مَجازًا ويَنْدَرِجُ فِيهِ التَّعَدُّدُ الحُكْمِيُّ ما هو ؟ قُلْتُ: هو الحاجَةُ فَيَكُونُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مَجازًا عَنْ سِتِّينَ حاجَةً، وهو أعَمُّ مِن كَوْنِها حاجاتِ سِتِّينَ أوْ حاجاتِ واحِدٍ إذا تَحَقَّقَ تَكَرُّرُها إلّا أنَّ الظّاهِرَ إنَّما هو عَدَدُ مَعْدُودِهِ ذَواتُ المَساكِينِ مَعَ عَقْلِيَّةِ أنَّ العَدَدَ مِمّا يُقْصَدُ لِما في تَعْمِيمِ الجَمِيعِ مِن بَرَكَةِ الجَماعَةِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ واجْتِماعِ القُلُوبِ عَلى المَحَبَّةِ والدُّعاءِ - قالَهُ في فَتْحِ القَدِيرِ - وهو كَلامٌ مَتِينٌ يَظْهَرُ مِنهُ تَرْجِيحُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ الأصْحابُ إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ اتِّحادُ نَوْعِ المَدْفُوعِ لِكُلٍّ مِنَ المَساكِينِ فَلَوْ دَفَعَ لِواحِدٍ بَعْضًا مِنَ الحِنْطَةِ وبَعْضًا مِنَ الشَّعِيرِ مَثَلًا جازَ إذا كانَ المَجْمُوعُ قَدْرَ الواجِبِ كَأنْ دَفَعَ رُبُعَ صاعٍ مِن بُرٍّ ونِصْفَ صاعٍ مِن شَعِيرٍ، وجازَ نَحْوُ هَذا التَّكْمِيلِ لِاتِّحادِ المَقْصُودِ - وهو الإطْعامُ - ولا يَجُوزُ دَفْعُ قَيِّمَةِ القَدْرِ الواجِبِ مِن مَنصُوصٍ عَلَيْهِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ ودَقِيقُ كُلٍّ وسَوِيقُهُ والزَّبِيبُ والتَّمْرُ إذا كانَتْ مِن مَنصُوصٍ عَلَيْهِ آخَرَ إلّا أنْ يَبْلُغَ المَدْفُوعُ الكَمِّيَّةَ المُقَدَّرَةَ شَرْعًا فَلَوْ دَفَعَ نِصْفَ صاعٍ تَمْرٍ يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصْفَ صاعٍ بُرٍّ لا يَجُوزُ، فالواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُتِمَّ لِلَّذِينَ أعْطاهُمُ القَدْرَ المُقَدَّرَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِمْ فَإنْ لَمْ يَجِدْهم بِأعْيانِهِمُ اسْتَأْنَفَ في غَيْرِهِمْ، ومِن غَيْرِ المَنصُوصِ كالأُرْزِ والعَدَسِ يَجُوزُ كَما إذا دَفَعَ رُبُعَ صاعٍ مِن أُرْزٍ يُساوِي قِيمَةَ نِصْفِ صاعٍ مِن بُرٍّ مَثَلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا اعْتِبارَ لِمَعْنى النَّصِّ في المَنصُوصِ عَلَيْهِ وإنَّما الِاعْتِبارُ في غَيْرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ، ونُقِلَ في ذَلِكَ خِلافُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلا يَجُوزُ دَفْعُ القِيمَةِ عِنْدَهُ مُطْلَقًا،
صفحة 18
ولا يَجُوزُ في الكَفّارَةِ إعْطاءُ المِسْكِينِ أقَلَّ مِن نِصْفِ صاعٍ مِنَ البُرِّ مَثَلًا فَقَطْ، فَفي التّاتارَخانِيَّةِ لَوْ أعْطى سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنَ الحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ، وعَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ مُدًّا آخَرَ عَلى كُلٍّ فَإنْ لَمْ يَجِدِ الأوَّلِينَ فَأعْطى سِتِّينَ آخَرِينَ كُلًّا مُدًّا لَمْ يَجُزْ، ولَوْ أعْطى كُلًّا مِنَ المَساكِينِ مُدًّا ثُمَّ اسْتَغْنَوْا ثُمَّ افْتَقَرُوا فَأعادَ عَلى كُلٍّ مُدًّا لَمْ يَجُزْ، وكَذا لَوْ أعْطى المُكاتَبِينَ مُدًّا مُدًّا ثُمَّ رُدُّوا إلى الرِّقِّ ومَوالِيهِمْ أغْنِياءُ ثُمَّ كُوتِبُوا ثانِيًا ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ لِأنَّهم صارُوا بِحالٍ لا يَجُوزُ دَفْعُ الكَفّارَةِ إلَيْهِمْ فَصارُوا كَجِنْسٍ آخَرَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ - بِسِتِّينَ مِسْكِينًا - سِتُّونَ مِسْكِينًا لَمْ يَعْرِضْ لَهم في أثْناءِ الإطْعامِ ما يُنافِي ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ إطْعامٍ هو المُظاهِرُ الغَيْرُ المُسْتَطِيعِ لِلصِّيامِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُباشِرَ ذَلِكَ أوْ يَأْمُرَ بِهِ غَيْرَهُ، فَإنْ أمَرَ غَيْرَهُ فَأطْعَمَ أجْزَأهُ لِأنَّهُ اسْتِقْراضٌ مَعْنًى، فالفَقِيرُ قابِضٌ لَهُ أوَّلًا ثُمَّ يَتَحَقَّقُ تَمَلُّكُهُ ثُمَّ تَمْلِيكُهُ، والمُرادُ بِالمِسْكِينِ ما يَعُمُّ الفَقِيرَ، وقَدْ قالُوا: المِسْكِينُ والفَقِيرُ إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، ويُشْتَرَطُ أنْ لا يَكُونَ المُطْعَمُ أصْلَهُ أوْ فَرْعَهُ أوْ زَوْجَتَهُ أوْ مَمْلُوكَهُ أوْ هاشِمِيًّا لِمَزِيدِ شَرَفِهِ فَيَجِلُّ عَنْ هَذِهِ الغُسالَةِ، ولا حَرْبِيًّا ولَوْ مُسْتَأْمَنًا لِمَزِيدِ خِسَّتِهِ فَلَيْسَ أهْلًا لِأدْنى مَنفَعَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا ولَوْ دَفَعَ بِتَحَرٍّ فَبانَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ أجْزَأهُ عِنْدَهُما خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ كَما في البَدائِعِ.
واسْتَنْبَطَ الشّافِعِيَّةُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِعَدَمِ الوُجُودِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى الصَّوْمِ، وبِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى الإطْعامِ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مالٌ غائِبٌ يَنْتَظِرُهُ ولا يَصُومُ ولَوْ كانَ مَرِيضًا يُرْجى بُرْؤُهُ يُطْعِمُ ولا يَنْتَظِرُ الصِّحَّةَ لِيَصُومَ، وهو مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا في الصَّوْمِ لا في الإطْعامِ كَما سَمِعْتَ، ثُمَّ هَذا الحُكْمُ في الأحْرارِ أمّا العَبْدُ فَلا يَجُوزُ لَهُ إلّا الصَّوْمُ لِأنَّهُ لا يُمَلِّكُ وإنْ مَلَكَ والإعْتاقُ والإطْعامُ شَرْطُهُما المِلْكُ فَإنْ أعْتَقَ عَنْهُ المَوْلى أوْ أطْعَمَ لَمْ يَجُزْ ولَوْ بِأمْرِهِ، ويَجِبُ تَقْدِيمُ الإطْعامِ عَلى المَسِيسِ فَإنْ قَرُبَ المُظاهِرُ المُظاهَرَةَ في خِلالِهِ أثِمَ ولَمْ يَسْتَأْنِفْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما شَرَطَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَسِيسِ كَما شَرَطَ فِيما قَبْلُ، ونَحْنُ لا نَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ وإنْ كانا في حادِثَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ أنْ يَكُونا حُكْمَيْنِ، والوُجُوبُ قِيلَ: لَمْ يَثْبُتْ إلّا لِتَوَهُّمِ وُقُوعِ الكَفّارَةِ بَعْدَ التِماسِ بَيانِهِ أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى العِتْقِ أوِ الصِّيامِ في خِلالِ الإطْعامِ أوْ قَبْلَهُ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالمَقْدُورِ عَلَيْهِ فَلَوْ جُوِّزَ لِلْعاجِزِ عَنْهُما القُرْبانُ قَبْلَ الإطْعامِ، ثُمَّ اتَّفَقَ قُدْرَتُهُ فَلَزِمَ التَّكْفِيرُ بِهِ لَزِمَ أنْ يَقَعَ العِتْقُ بَعْدَ التَّماسِّ، والمُفْضِي إلى المُمْتَنِعِ مُمْتَنِعٌ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا فَإنَّ القُدْرَةَ حالَ قِيامِ العَجْزِ بِالفَقْرِ والكِبَرِ والمَرَضِ الَّذِي لا يُرْجى زَوالُهُ أمْرٌ مَوْهُومٌ، وبِاعْتِبارِ الأُمُورِ المَوْهُومَةِ لا تَثْبُتُ الأحْكامُ ابْتِداءً بَلْ يَثْبُتُ الِاسْتِحْبابُ ورَعًا فالأوْلى الِاسْتِدْلالُ عَلى حُرْمَةِ المَسِيسِ قَبْلَ الإطْعامِ لِمَن يَتَعَيَّنُ كَفّارَةٌ لَهُ بِما ورَدَ مِن حَدِيثِ ««اعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ»» ونَحْوِهِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى العِتْقِ مَثَلًا خِلالَ الإطْعامِ لَزِمَ التَّكْفِيرُ بِهِ خالَفَ فِيهِ الشّافِعِيَّةُ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لا أثَرَ لِقُدْرَتِهِ عَلى صَوْمٍ أوْ عِتْقٍ بَعْدَ الإطْعامِ ولَوْ لِمُدٍّ كَما لَوْ شَرَعَ في صَوْمِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرَيْنِ فَقَدَرَ عَلى العِتْقِ، وأجازَ بَعْضٌ المَسِيسَ في خِلالِ الإطْعامِ مِن غَيْرِ إثْمٍ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو تَوَهُّمٌ نَشَأ مِن عَدَمِ إيجابِهِ الِاسْتِئْنافَ، وقَدْ صَرَّحَ في الكَشّافِ بِأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الكَفّاراتِ الثَّلاثِ في وُجُوبِ تَقْدِيمِها عَلى المِساسِ وإنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ عِنْدَ الإطْعامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ إذا وجَدَ في خِلالِ الإطْعامِ لَمْ يَسْتَأْنِفْ كَما يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ.
وجَعَلَ بَعْضُهم ذِكْرَ القَيْدِ فِيما قَبْلُ وتَرْكَهُ في الإطْعامِ دَلِيلًا لِأبِي حَنِيفَةَ في قَوْلِهِ: بِعَدَمِ الِاسْتِئْنافِ أيْ مَعَ الإثْمِ.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ بِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لِأبِي حَنِيفَةَ: إذا جَعَلْتَ الفائِدَةَ في ذِكْرِ عَدَمِ التَّماسِّ
صفحة 19
فِي بَعْضِها وإسْقاطِهِ مِن بَعْضِها الفَرْقَ بَيْنَ أنْواعِها فَلِمَ جَعَلْتَهُ مُؤَثِّرًا في أحَدِ الحُكْمَيْنِ دُونَ الآخَرِ ؟ وهَلِ التَّخْصِيصُ إلّا نَوْعٌ مِنَ التَّحَكُّمِ ؟ ثُمَّ قالَ: ولَهُ أنْ يَقُولَ: اتَّفَقْنا عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الثَّلاثِ في هَذا الحُكْمِ أعْنِي حُرْمَةَ المِساسِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وقَدْ نَطَقَتِ الآيَةُ بِالتَّفْرِقَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ صَرْفُها إلى ما وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى التَّسْوِيَةِ فِيهِ فَتَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلى الآخَرِ، هَذا مُنْتَهى النَّظَرِ مَعَ أبِي حَنِيفَةَ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ عَلى أُصُولِ الإمامِ.
وإذا عَجَزَ المُظاهِرُ عَنِ الجَمِيعِ قالَ الشّافِعِيَّةُ: اسْتَقَرَّتْ في ذِمَّتِهِ فَإذا قَدَرَ عَلى خَصْلَةٍ فَعَلَها ولا أثَرَ لِقُدْرَتِهِ عَلى بَعْضِ عِتْقٍ أوْ صَوْمٍ بِخِلافِ بَعْضِ الطَّعامِ ولَوْ بَعَّضَ ما يَجِبُ لِواحِدٍ مِنَ المَساكِينِ فَيُخْرِجُهُ، ثُمَّ الباقِي إذا أيْسَرَ، والظّاهِرُ بَقاءُ حُرْمَةِ المَسِيسِ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الكَفّارَةَ تَمامًا ولَمْ يُبالَ بِإضْرارِ المَرْأةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الإيسارَ مُتَرَقَّبٌ كَزَوالِ المَرَضِ المانِعِ مِنَ الجِماعِ، ولَمْ أُراجِعْ حُكْمَ المَسْألَةِ في الظِّهارِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وأمّا في الجِماعِ في نَهارِ رَمَضانَ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ فَقَدْ قالَ ابْنُ الهُمامِ بَعْدَ نَقْلِ حَدِيثِ الأعْرابِيِّ الواقِعِ عَلى امْرَأتِهِ فِيهِ العاجِزِ عَنِ الخِصالِ الثَّلاثَةِ، وفِيهِ: ««فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقالَ: تَصَدَّقْ بِهِ، فَقالَ: أعَلى أفْقَرِ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَواللَّهِ ما بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرَ مِنِّي ولا أهْلَ بَيْتٍ أفْقَرَ مِن أهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ ثُمَّ قالَ: خُذْهُ فَأطْعِمْهُ أهْلَكَ»» في لَفْظٍ لِأبِي داوُدَ - زادَ الزُّهْرِيُّ - وإنَّما كانَ هَذا رُخْصَةً لَهُ خاصَّةً، ولَوْ أنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى قَوْلِهِ، وذَكَرَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ لِلشّافِعِيِّ في هَذا العاجِزِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما لا شَيْءَ عَلَيْهِ - واحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الأعْرابِيِّ المَذْكُورِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: إنَّ الكَفّارَةَ ثابِتَةٌ في ذِمَّتِهِ بَلْ أذِنَ لَهُ في إطْعامِ عِيالِهِ - والثّانِي - وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِنا وهو المُخْتارُ - أنَّ الكَفّارَةَ لا تَسْقُطُ بَلْ تَسْتَقِرُّ في ذِمَّتِهِ حَتّى يَتَمَكَّنَ قِياسًا عَلى سائِرِ الدُّيُونِ والحُقُوقِ والمُؤاخَذاتِ كَجَزاءِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ، وأمّا الحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ اسْتِقْرارِ الكَفّارَةِ بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرارِها لِأنَّهُ أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالعَجْزِ عَنِ الخِصالِ ثُمَّ أُتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعِرْقِ التَّمْرِ فَأمَرَهُ بِإخْراجِهِ في الكَفّارَةِ فَلَوْ كانَتْ تَسْقُطُ بِالعَجْزِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإخْراجِ فَدَلَّ عَلى ثُبُوتِها في ذِمَّتِهِ، وإنَّما أذِنَ لَهُ في إطْعامِ عِيالِهِ لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ في الحالِ والكَفّارَةُ واجِبَةٌ عَلى التَّراخِي، وإنَّما لَمْ يُبَيِّنْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقاءَها في ذِمَّتِهِ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ عِنْدَ جَماهِيرِ الأُصُولِيِّينَ فَهَذا هو الصَّوابُ في مَعْنى الحَدِيثِ، وحُكْمُ المَسْألَةِ وفِيها أقْوالٌ وتَأْوِيلاتٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ. انْتَهى.
ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَأْخِيرُ بَيانٍ وإنَّما اكْتَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِفَهْمِ الأعْرابِيِّ عَنِ التَّصْرِيحِ لَهُ بِالِاسْتِقْرارِ، والأخْبارُ في وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُظاهِرِ مُضْطَرِبَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الدُّرَ المَنثُورَ لِلسُّيُوطِيِّ.
ومَسائِلُ الظِّهارِ كَثِيرَةٌ والمَذاهِبُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، ومَن أرادَ كَمالَ الِاطِّلاعِ فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِ الفُرُوعِ، ولَوْلا التَّأسِّي بِبَعْضِ الأجِلَّةِ لَما ذَكَرْنا شَيْئًا مِنها، ومَعَ هَذا لا يَخْلُو أكْثَرُهُ عَنْ تَعَلُّقٍ بِتَفْسِيرِ الآيَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَيانِ والتَّعْلِيمِ، ومَحَلُّهُ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبُ بِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ أيْ ذَلِكَ واقِعٌ أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وتَعْمَلُوا بِشَرائِعِهِ الَّتِي شَرَعَها لَكم وتَرْفُضُوا
صفحة 20
ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم ﴿وتِلْكَ﴾ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها فالزَمُوها وقِفُوا عِنْدَها ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ وأطْلَقَ الكافِرَ عَلى مُتَعَدِّي الحُدُودِ تَغْلِيظًا لِزَجْرِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 97] .
المجادلة 58:5
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ يُعادُونَهُما ويُشاقُّونَهُما لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في حَدٍّ وجِهَةٍ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ وجِهَتِهِ كَما أنَّ كُلًّا مِنهُما في عُدْوَةٍ وشِقٍّ غَيْرِ عُدْوَةِ الآخَرِ وشِقِّهِ، وقِيلَ: إطْلاقُ ذَلِكَ عَلى المُتَعادِيَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ الحَدِيدِ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ بَيْنَهُما في المُحارَبَةِ بِالحَدِيدِ كالسُّيُوفِ والنِّصالِ وغَيْرِها والأوَّلُ أظْهَرُ وفي ذِكْرِ المُحادَّةِ في أثْناءِ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى دُونَ المُعاداةِ والمُشاقَّةِ حُسْنُ مُوقِعٍ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ: أوْ يَضَعُونَ أوْ يَخْتارُونَ حُدُودًا غَيْرَ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ في غايَةِ الظُّهُورِ.
قالَ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ سَعِدُ اللَّهِ جَبَلِيٌّ: وعَلى هَذا فَفِيهِ وعِيدٌ عَظِيمٌ لِلْمُلُوكِ وأُمَراءِ السُّوءِ الَّذِينَ وضَعُوا أُمُورًا خِلافَ ما حَدَّهُ الشَّرْعُ وسَمَّوْها اليَسا والقانُونَ، واللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ عَلى ما يَصِفُونَ. . اهَـ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ الخَفاجِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ: وقَدْ صَنَّفَ العارِفُ بِاللَّهِ الشَّيْخُ بَهاءُ الدِّينِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ رِسالَةً في كُفْرِ مَن يَقُولُ: يُعْمَلُ بِالقانُونِ والشَّرْعِ إذا قابَلَ بَيْنَهُما، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائِدَةَ: 3] وقَدْ وصَلَ الدِّينُ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ الكَمالِ لا يَقْبَلُ التَّكْمِيلَ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، ولَكِنْ أيْنَ مَن يَعْقِلُ ؟ ! . انْتَهى.
ولَيْتَنِي رَأيْتُ هَذِهِ الرِّسالَةَ ووَقَفْتُ عَلى ما فِيها فَإنَّ إطْلاقَ القَوْلِ بِالكُفْرِ مُشْكِلٌ عِنْدِي فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ لا بَأْسَ بِالقَوانِينِ السِّياسِيَّةِ وإذا وقَعَتْ بِاتِّفاقِ ذَوِي الآراءِ مِن أهْلِ الحِلِّ والعَقْدِ عَلى وجْهٍ يَحْسُنُ بِهِ
صفحة 21
صفحة 22
الِانْتِظامُ ويَصْلُحُ أمْرُ الخاصِّ والعامِّ، ومِنها تَعْيِينُ مَراتِبِ التَّأْدِيبِ والزَّجْرِ عَلى مَعاصٍ وجِناياتٍ لَمْ يَنُصَّ الشّارِعُ فِيها عَلى حَدٍّ مُعَيَّنٍ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ في ذَلِكَ لِرَأْيِ الإمامِ فَلَيْسَ ذَلِكَ في المُحادَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ في شَيْءٍ بَلْ فِيهِ اسْتِيفاءُ حَقِّهِ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي وهو أمْرٌ مُهِمٌّ لِلشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما في تُحْفَةِ المُحْتاجِ أنَّ لِلْإمامِ أنْ يَسْتَوْفِيَ التَّعْزِيرَ إذا عَفى صاحِبُ الحَقِّ لِأنَّ السّاقِطَ بِالعَفْوِ هو حَقُّ الآدَمِيِّ، والَّذِي يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى لِلْمَصْلَحَةِ، وفي كِتابِ الخَراجِ لِلْإمامِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ ونَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائِدَةَ: 3] لِأنَّ المُرادَ إكْمالُهُ مِن حَيْثُ تَضَمُّنُهُ ما يَدُلُّ عَلى حُكْمِهِ تَعالى خُصُوصًا أوْ عُمُومًا، ويُرْشِدُ إلى هَذا عَدَمُ النَّكِيرِ عَلى أحَدٍ مِنَ المُجْتَهِدِينَ إذا قالَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، ومِن ذَلِكَ ما ثَبَتَ بِالقِياسِ بِأقْسامِهِ، نَعَمِ القانُونُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ ذَلِكَ بِأنْ كانَ مُصادِمًا لِما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ زائِغًا عَنْ سَنَنِ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ فِيهِ ما فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ النَّبِيهِ، وقَدْ يُقالُ في الآيَةِ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الواضِعُونَ لِحُدُودِ الكُفْرِ وقَوانِينِهِ كَأئِمَّةِ الكُفْرِ أوِ المُخْتارُونَ لَها العامِلُونَ بِها كَأتْباعِهِمْ، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ - عَلى ما في البَحْرِ - نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ أُخْزُوا كَما قالَ قَتادَةُ، أوْ غِيظُوا كَما قالَ الفَرّاءُ أوْ رُدُّوا مَخْذُولِينَ - كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ - أوْ أُهْلِكُوا كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ.
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ تاءَهُ بَدَلٌ مِنَ الدّالِ، والأصْلُ - كُبِدُوا - أيْ أصابَهم داءٌ في أكْبادِهِمْ وقالَ السُّدِّيُّ: لُعِنُوا، وقِيلَ: الكَبْتُ الكَبُّ وهو الإلْقاءُ عَلى الوَجْهِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ هُنا بِالرَّدِّ بِعُنْفٍ وتَذْلِيلٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إلى ما كانَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: إلى ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿كُبِتُوا﴾ سَيُكْبَتُونَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلَ: 1] وهو بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى الكُفّارِ وتَحَقُّقُ كَبْتِهِمْ.
﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن كُفّارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُحادِّينَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ حالٌ مِن واوِ ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ كُبِتُوا لِمُحادَّتِهِمْ، والحالُ أنّا قَدْ أنْزَلْنا آياتٍ واضِحاتٍ فِيمَن حادّاللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وفِيما فَعَلْنا بِهِمْ، وقِيلَ: آياتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيْ بِتِلْكَ الآياتِ أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ فَتَدْخُلُ فِيهِ تِلْكَ الآياتُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ
المجادلة 58:6
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ،
صفحة 23
أوْ - بِمُهِينٍ - أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ أيِاذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ تَعْظِيمًا لَهُ وتَهْوِيلًا، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِيكُونَ مُضْمَرًا عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِمَن سَألَ مَتى يَكُونُ عَذابُ هَؤُلاءِ ؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ أيْ يَكُونُ يَوْمَ إلَخْ، وقِيلَ: بِالكافِرِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ غَيْرُ مَبْعُوثٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا غَيْرَ مُؤَكِّدَةٍ أيْ يَبْعَثُهم مُجْتَمَعِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ القَبائِحِ بِبَيانِ صُدُورِها عَنْهم أوْ بِتَصْوِيرِها في تِلْكَ النَّشْأةِ بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الصُّوَرِ الهائِلَةِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ تَخْجِيلًا لَهم وتَشْهِيرًا بِحالِهِمْ وزِيادَةً في خِزْيِهِمْ ونَكالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ السُّؤالِ إمّا عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّنْبِئَةِ أوْ عَنْ سَبَبِها كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنَبِّئُهم بِأعْمالِهِمْ وهي أعْراضٌ مُتَقَضِّيَةٌ مُتَلاشِيَةٌ ؟ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ تَعالى عَدَدًا ولَمْ يَفُتْهُ سُبْحانَهُ مِنهُ شَيْءٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوهُ﴾ حِينَئِذٍ حالٌ مِن مَفْعُولِ - أحْصى - بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، أوْ قِيلَ: لِمَ يُنَبِّئُهم بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ تَعالى ونَسُوهُ فَيُنَبِّئُهم بِهِ لِيَعْرِفُوا أنَّ ما عايَنُوهُ مِنَ العَذابِ إنَّما حاقَ بِهِمْ لِأجْلِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ لَهم غَيْرالتَّخْجِيلِ والتَّشْهِيرِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ أصْلًا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِإحْصائِهِ تَعالى أعْمالَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى شُمُولِ شَهادَتِهِ تَعالى أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوْ بِالجُزْئِيَّةِ مِنهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن سِعَةِ عِلْمِهِ تَعالى، ويَكُونُ مِن كانَ التّامَّةِ، ومِن مَزِيدَةٌ، ونَجْوى فاعِلٌ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّناجِي وهو المُسارَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ لِأنَّ المُتَسارَّيْنِ يَخْلُوانِ وحْدَهُما بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ لِأنَّ السِّرَّ يُصانُ فَكَأنَّهُ رُفِعَ مِن حَضِيضِ الظُّهُورِ إلى أوْجِ الخَفاءِ، وقِيلَ: أصْلُ ناجَيْتُهُ مِنَ النَّجاةِ وهو أنْ تَعاوُنَهُ عَلى ما فِيهِ خَلاصُهُ أوْ أنْ تَنْجُوَ بِسِرِّكَ مِن أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ وهي مُضافَةٌ إلى ثَلاثَةٍ أيْ ما يَقَعُ مِن تَناجِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ وقَدْ يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ مِن ذَوِي نَجْوى، أوْ يُؤَوَّلُ نَجْوى بِمُتَناجِينَ - فَثَلاثَةٌ - صِفَةٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ، أوْ لِنَجْوى المُؤَوَّلِبِما ذُكِرَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا أيْضًا والتَّأْوِيلُ والتَّقْدِيرُ المَذْكُورانِ لِيَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ الآتِي مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وفي القامُوسِ النَّجْوى السِّرُّ والمُسارُّونَ اسْمُ مَصْدَرِ، وظاهِرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَهُ في كُلٍّ حَقِيقَةٌ فَإذا أُرِيدَ المُسارُّونَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ أوْ تَأْوِيلٍ لَكِنْ قالَ الرّاغِبُ: إنِ النَّجْوى أصْلُهُ المَصْدَرُ كَما في الآياتِ بَعْدُ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: هو نَجْوى، وهم نَجْوى، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسْراءَ: 47] وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ زَيْدٌ عَدْلٌ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ - ما تَكُونُ -بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، والقِراءَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ النَّجْوى تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ومِن فاصِلَةٌ أوْ عَلى أنَّ المَعْنى ما يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ النَّجْوى، واخْتارَ في الكَشْفِ الثّانِيَ، فَقالَ: هو الوَجْهُ لِأنَّ المُؤَنَّثَ وحْدَهُ لَمْ يُجْعَلْ فاعِلًا لَفْظًا لِوُجُودِ مِن ولا مَعْنى لِأنَّ المَعْنى شَيْءٌ مِنها، فالتَّذْكِيرُ هو الوَجْهُ لَفْظًا ومَعْنى، وهو قِراءَةُ العامَّةِ. انْتَهى، وإلى نَحْوِهِ يُشِيرُ كَلامُ صاحِب ِاللَّوامِحِ، وصَرَّحَ بِأنَّ الأكْثَرَ في هَذا البابِ التَّذْكِيرُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِالمَنعِ وأنَّ الأكْثَرَ التَّأْنِيثُ وأنَّهُ القِياسُ
صفحة 24
قالَ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنْعامَ: 4] ”﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾“ [الحِجْرَ: 5، المُؤْمِنُونَ: 43] فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا هو رابِعُهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والرّابِعُ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُماثِلِهِ هُنا بِمَعْنى الجاعِلِالمَصِيرَ لَهم أرْبَعَةً أيْ ما يَكُونُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَصْيِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهم أرْبَعَةً حَيْثُ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَطَّلِعُ أيْضًا عَلى نَجْواهم، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا خَمْسَةٍ﴾ أيْ ولا نَجْوى خَمْسَةٍ ﴿إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى﴾ أيْ ولا نَجْوى أدْنى ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِمّا ذُكِرَ كالِاثْنَيْنِ والأرْبَعَةِ ﴿ولا أكْثَرَ﴾ كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها.
﴿إلا هو مَعَهُمْ﴾ يَعْلَمُ ما يَجْرِي بَيْنَهم ﴿أيْنَ ما كانُوا﴾ مِنَ الأماكِنِ، ولَوْ كانُوا في بَطْنِ الأرْضِ فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ قُرْبًا وبُعْدًا، وفي الدّاعِي إلى تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ، وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا لِلتَّناجِي مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ ثَلاثَةً وخَمْسَةً، فَقِيلَ: ما يَتَناجى مِنهم ثَلاثَةٌ ولا خَمْسَةٌ كَما تَرَوْنَهم يَتَناجَوْنَ كَذَلِكَ ولا أدْنى مِن عَدَدِهِمْ ولا أكْثَرَ إلّا واللَّهُ تَعالى مَعَهم يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ. فالآيَةُ تَعْرِيضٌ بِالواقِعِ عَلى هَذا، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَبِيعَةَ وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرٍو وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ كانُوا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ أحَدُهم: أتَرى أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما نَقُولُ ؟ فَقالَ الآخَرُ: يَعْلَمُ بَعْضًا ولا يَعْلَمُ بَعْضًا، وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ بَعْضًا فَهو يَعْلَمُهُ كُلَّهُ أيْ لِأنَّ مَن عَلِمَ بَعْضَ الأشْياءِ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَقَدْ عَلِمَها كُلَّها لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا بِغَيْرِ سَبَبٍ ثابِتٍ لَهُ مَعَ كُلِّ مَعْلُومٍ، والثّانِي أنَّهُ قَصَدَ أنْ يَذْكُرَ ما جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ مِن أعْدادِ أهْلِ النَّجْوى والجالِسِينَ في خَلْوَةٍ لِلشُّورى والمُنْتَدَبُونَ لِذَلِكَ إنَّما هم طائِفَةٌ مُجْتَباةٌ مِن أُولِي الأحْلامِ والنُّهى، وأوَّلُ عَدَدِهِمُ الِاثْنانِ فَصاعِدًا إلى خَمْسَةٍ إلى سِتَّةٍ إلى ما اقْتَضَتْهُ الحالُ، وحَكَمَ بِهِ الِاسْتِصْوابُ، فَذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ فَدَلَّ عَلى الِاثْنَيْنِ والأرْبَعَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا أكْثَرَ﴾ فَدَلَّ عَلى ما يَلِي هَذا العَدَدَ ويُقارِبُهُ كَذا في الكَشّافِ.
وفِي الكَشْفِ في خُلاصَةِ الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ خُصَّ العَدَدانِ عَلى المُعْتادِ مِن عَدَدِ أهْلِ النَّجْوى فَإنَّهم قَلِيلُو العَدَدِ غالِبًا فَلَزِمَ أنْ يُخَصَّ بِالذِّكْرِ نَحْوُ الثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ إلى الثَّمانِيَةِ والتِّسْعَةِ فَأُوثِرالثَّلاثَةُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ دالًّا عَلى ما تَحْتَها إذْ لَوْ أُوثِرَ الأرْبَعَةُ والسِّتَّةُ مَثَلًا كانَ الأدْنى الثَّلاثَةُ دُونَ الِاثْنَيْنِ إلّا عَلى التَّوَسُّعِ ولَمّا أُوثِرَتْ جِيءَ بِالخَمْسَةِ لِتُناسِبَ الوَتْرَيْنِ وكانَ الأمْرُ دائِرًا بَيْنَ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والأرْبَعَةِ والسِّتَّةِ فَأُوثِرا بِالتَّصْرِيحِ لِذَلِكَ، ولِأنَّهُ تَعالى وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ. انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّناجِيَ يَكُونُ في الغالِبِ لِلشُّورى وهي لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ عَدَدٍ وأهْلُها قَلِيلُو العَدَدِ غالِبًا، والألْيَقُأنْ يَكُونَ وتْرًا مِنَ الأعْدادِ كالثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والسَّبْعَةِ والتِّسْعَةِ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَ الِاخْتِلافِ طَرَفٌ يَتَرَجَّحُ بِالزِّيادَةِ عَلى الطَّرَفِ الآخَرِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِ دُونَهُ كَما هو العادَةُ اليَوْمَ عِنْدَ اخْتِلافِ أهْلِ الشُّورى.
وجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشُّورى في سِتَّةٍ لِانْحِصارِ الأمْرِ فِيهِمْ كَما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ لَهم: نَظَرْتُ فَوَجَدْتُكم رُؤَساءَ النّاسِ وقادَتَهم، ولا يَكُونُ هَذا الأمْرُ إلّا فِيكم، وقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَنْكم راضٍ، ومَعَ هَذا أمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَحْضُرَ مَعَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن أمْرِ الخِلافَةِ شَيْءٌ، فَدارَ الأمْرُ بَعْدَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن وتَرِيَّةِ العَدَدِ وقِلَّتِهِ بَيْنَ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والسَّبْعَةِ والتِّسْعَةِ فاخْتِيرَتِ الثَّلاثَةُ لِأنَّها أوَّلُ الأوْتارِ العَدَدِيَّةِ وإذا ضُرِبَتْ في نَفْسِها حَصَلَ مُنْتَهاها مِنَ الآحادِ ولا يَخْلُو مِنها اعْتِبارُ كُلِّ مُمْكِنٍ حَتّى
صفحة 25
أنَّ المَطالِبَ الفِكْرِيَّةَ لِلْمُتَناجِينَ مَثَلًا لا تَتِمُّ بِدُونِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: المَوْضُوعُ والمَحْمُولُ والحَدُّ الأوْسَطُبَلِ القَضِيَّةُ الَّتِي يُتَناجى لَها لا بُدَّ فِيها مِن ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، والخَمْسَةُ لِأنَّها عَدَدٌ دائِرٌ لا تَنْعَدِمُ بِالضَّرْبِ في نَفْسِها، وكَذا بِضَرْبِالحاصِلِ في نَفْسِهِ إلى ما لا يَتَناهى فَلَها شَبَهٌ بِالثَّلاثَةِ مِن حَيْثُ إنَّها دائِرَةٌ مَعَ مَراتِبِ الضَّرْبِ لا تَنْعَدِمُ أصْلًا كَما أنَّ الثَّلاثَةَ دائِرَةٌ مَعَ اعْتِباراتِ المُمْكِنِ لا تَنْعَدِمُ أصْلًا، ومَعَ ذَلِكَ هي عَدَدُ المَشاعِرِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها التَّناجِي، وكَذا عَدَدُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ويَدْخُلُ ما عَداهُما في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ ولا يَدْخُلُ في العُمُومِ الواحِدُ لِأنَّ التَّناجِيَ لِلْمُشاوَرَةِ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اثْنَيْنِ فَأكْثَرَ، ومَن أدْخَلَهُ لَمْ يَعْتَبِرِ التَّناجِيَ لَها ولا يَضُرُّ دُخُولُ الأشْفاعِ فِيهِ لِأنَّ ألْيَقِيَّةَ كَوْنِ المُتَناجِينَ وتْرًا إنَّما كانَتْ نُكْتَةً لِلتَّصْرِيحِ بِالعَدَدَيْنِ السّابِقَيْنِ ولا تَأْبى تَحَقُّقَ النَّجْوى في الأشْفاعِ كَما لا يَخْفى. وادَّعى ابْنُ سُراقَةَ أنَّ النَّجْوى مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ بَيْنَ أكْثَرَمِنَ اثْنَيْنِ وأنَّ ما يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُسَمّى سِرارًا، وقالَ ابْنُ عِيسى: كُلُّ سِرارٍ نَجْوى، وفي الآيَةِ لَطائِفُ وأسْرارٌ لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ فَلْيُتَأمَّلْ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ثَلاثَةً» و«خَمْسَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ بِإضْمارِ يَتَناجَوْنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَجْوى، أوْ عَلى تَأْوِيلِ نَجْوى بِمُتَناجِينَ ونَصْبُهُما مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ - إلّا اللَّهُ رابِعُهم ولا أرْبَعَةٌ إلّا اللَّهُ خامِسُهم ولا خَمْسَةٌ إلّا اللَّهُ سادِسُهم ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا اللَّهُ مَعَهم إذا انْتَجَوْا - وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ «ولا أكْثَرُ» بِالرَّفْعِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ -لا أدْنى - كَقَوْلِكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةُ إلّا بِاللَّهِ بِفَتْحِ الحَوْلِ ورَفْعِ القُوَّةِ، ويَجُوزُ أنَّ يُعْتَبَرَ «أدْنى» مَرْفُوعًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ورَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ إلّا هي الخَبَرُ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ مِن نَجْوى كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ أدْنى ولا أكْثَرُ إلّا هو مَعَهم، وأكْثَرَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالفَتْحِ مَعْطُوفًا عَلى لَفْظِ نَجْوى كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِن أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم، وأنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِأنَّ لا لِنَفْي ِالجِنْسِ، وقَرَأ كُلٌّ مِنَ الحَسَنِ ويَعْقُوبَ أيْضًا ومُجاهِدٍ والخَلِيلِ ابْنِ أحْمَدَ - ولا أكْبَرُ -بِالباءِ المُوَحَّدَةِ والرَّفْعِ وهو عَلى ما سَمِعْتَ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَفْضِيحًا لَهم وإظْهارًا لِما يُوجِبُ عَذابَهم.
وقُرِئَ «يُنْبِئُهم» بِالتَّخْفِيفِ والهَمْزِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالتَّخْفِيفِ وتَرْكِ الهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ إلى الكُلِّ عَلى السَّواءِ،
المجادلة 58:7
وقَدْ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ بِالعِلْمِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ إلَخْ، وخَتَمَ جَلَّ وعَلا بِالعِلْمِ أيْضًا حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ، ومِن هُنا قالَ مُعْظَمُ السَّلَفِ فِيما ذُكِرَ في البَيْنِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ”رابِعُهم وسادِسُهم ومَعَهم“ أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْنُهُ تَعالى كَذَلِكَ بِحَسَبِالعِلْمِ مَعَ أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤَوَّلُونَ، وكَأنَّهم لَمْ يَعُدُّواذَلِكَ تَأْوِيلًا لِغايَةِ ظُهُورِهِ واحْتِفافِهِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً لا خَفاءَ فِيها، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ ما شاعَ مِن أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ.
المجادلة 58:8
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ دُونَ المُؤْمِنِينَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ عَلَيْهِمْ يُوهِمُونَهم عَنْ أقارِبِهِمْ أنَّهم أصابَهم شَرٌّ فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تَقَدَّمَ أقارِبُهم فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم شَكا المُؤْمِنُونَإلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَهاهم أنْ يَتَناجَوْا دُونَ المُؤْمِنِينَ فَعادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
صفحة 26
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: في المُنافِقِينَ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ عَوْدِهِمْ وتَجَدُّدِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ العَجِيبَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ ويَتَناجَوْنَ بِما هو إثْمٌ في نَفْسِهِ ووَبالٌ عَلَيْهِمْ وتَعَدٍّ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَواصٍ بِمُخالَفَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ - وإلَيْهِ ﷺ - لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ودُوَيْسٌ - ويَنْتَجُونَ - بِنُونٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ وضَمِّ الجِيمِ مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ -العِدْوانِ - بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقُرِئَ - مَعْصِيّاتِ - بِالجَمْعِ ونُسِبَتْ فِيما بَعْدُ إلى الضَّحّاكِ ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ ««أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وعَلَيْكم، قالَتْ عائِشَةُ: وقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السّامُ ولَعَنَكُمُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْكم»» وفي رِوايَةٍ ««عَلَيْكُمُ السّامُ والذّامُ واللَّعْنَةُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحِشَ ولا المُتَفَحِّشَ، فَقُلْتُ: ألا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: السّامُ ؟ ! فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أوَما سَمِعْتِ أقُولُ: وعَلَيْكم ؟ !» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا جاءُوكَ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامٌ عَلَيْكَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ شَتْمَهُ ثُمَّ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا جاءُوكَ﴾ إلَخْ»، والسّامُ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: المَشْهُورُ فِيهِ تَرْكُ الهَمْزِ ويَعْنُونَ بِهِ المَوْتَ، وجاءَ في رِوايَةٍ مَهْمُوزًا ومَعْناهُ أنَّكم تَسْأمُونَ دِينَكم، وصَرَّحَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ بِمَعْنى المَوْتِ عِبْرانِيٌّ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الهَمْزَ وتَرْكَهُ.
وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: مَن قالَ: السّامُ المَوْتُ فَهو مِن سَأمَ الحَياةَ بِذَهابِها وهَذا إرْجاعٌ لَهُ إلى المَهْمُوزِ، وجَعَلَ البَيْضاوِيُّ مِنَ التَّحِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُحَيِّهِ بِها اللَّهُ تَعالى تَحِيَّتَهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْعِمْ صَباحًا وهي تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَعِمْ صَباحًا ولَمْ نَقِفْ عَلى أثَرٍ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم، وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا - أيْ لَوْ كانَ نَبِيًّا عَذَّبَنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ما نَقُولُ مِنَ التَّحِيَّةِ - أوْفَقُ بِالأوَّلِ لِأنَّ أنْعِمْ صَباحًا دُعاءٌ بِخَيْرٍ والعُدُولُ إلَيْهِ عَنْ تَحِيَّةِ الإسْلامِ الَّتِي حَيّا اللَّهُ تَعالى بِها رَسُولَهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصّافّاتِ: 181] ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النَّمْلَ: 59] وما جاءَ في التَّشَهُّدِ ««السَّلامَ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ»» لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إثْمٍ يُتَوَقَّعُ مَعَهُ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا لَمْ يُعَذَّبُوا اللَّهُمَّ إلّا إذا انْضَمَّ إلَيْهِ أنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ تَحْقِيرًا وإعْلانًا بِعَدَمِ الِاكْتِراثِ، ولَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ المُنافِقُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ وهو أظْهَرُ مِن كَوْنِ قائِلِهِ اليَهُودُ، وحُكْمُ التَّحِيَّةِ بِهِ اليَوْمَ أنَّها خِلافُ السُّنَّةِ، والقَوْلُ بِالكَراهَةِ غَيْرُ بَعِيدٍ.
وفِي تُحْفَةِ المُحْتاجِ لا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدى بِنَحْوِ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ أوْ قَوّاكَ اللَّهُ جَوابًا ودُعاؤُهُ لَهُ في نَظِيرِهِ حَسَنٌ إلّا أنْ يَقْصِدَ بِإهْمالِهِ لَهُ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلامِ. انْتَهى، وأنْعِمْ صَباحًا نَحْوَ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ
صفحة 27
دُعاءٌ كانَ يُسْتَعْمَلُ تَحِيَّةً في الجاهِلِيَّةِ، نَعَمْ تَحِيَّتُهم بِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَصَدُوهُ حَرامٌ بِلا خِلافٍ ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ عَذابًا ﴿يَصْلَوْنَها﴾ يَدْخُلُونَها أوْ يُقاسُونَ حَرَّها أوْ يَصْطَلُونَ بِها.
﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ جَهَنَّمُ
المجادلة 58:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ﴾ في أنْدِيَتِكم وفي خَلَواتِكم.
﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ، فالخِطابُ لِلْخُلَّصِ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لَهم وسُمُّوا مُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ ظاهِرِ أحْوالِهِمْ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ ورُوَيْسٌ - فَلا تَنْتَجُوا - مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - فَلا تَناجَوْا - بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ إحْداهُما ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ بِما يَتَضَمَّنُ خَبَرَ المُؤْمِنِينَ والِاتِّقاءِ عَنْ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿واتَّقُوا﴾ فِيما تَأْتُونَ وما تَذْرُونَ ﴿اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ﴾ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ
المجادلة 58:10
﴿إنَّما النَّجْوى﴾ المَعْهُودَةُ الَّتِي هي التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ والمَعْصِيَةِ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ لا مِن غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ هو المُزَيِّنُ لَها والحامِلُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ إنَّما هي لِيُحْزِنَ المُؤْمِنِينَ بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّها في نَكْبَةٍ أصابَتْهم، وقُرِئَ «لِيَحْزَنَ» بِفَتْحِ الياءِ والزّايِ - فالَّذِينَ - فاعِلٌ ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ أيْ لَيْسَ الشَّيْطانُ أوِ التَّناجِي بِضارِّ المُؤْمِنِينَ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَلِكَ بِأنْ يَقْضِيَ سُبْحانَهُ المَوْتَ أوِ الغَلَبَةَ عَلى أقارِبِهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ولا يُبالُوا بِنَجْواهم.
وحاصِلُهُ أنَّ ما يَتَناجى المُنافِقُونَ بِهِ مِمّا يُحْزِنُ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ فَبِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ لا دَخْلَ لَهم فِيهِ فَلا يَكْتَرِثُ المُؤْمِنُونَ بِتَناجِيهِمْ ولِيَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَحْزَنُوا مِنهُ، فَهَذا الكَلامُ لِإزالَةِ حُزْنِهِمْ، ومِنهُ ضَعُفَ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَوازِ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ - لَيْسَ بِضارِّهِمْ - لِلْحُزْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قِيلَ: إنَّ هَذا الحُزْنَ لا يَضُرُّهم إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى انْدَفَعَ حُزْنُهم، هَذا ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في المَناماتِ الَّتِي يَراها المُؤْمِنُ في النَّوْمِ تَسُوؤُهُ ويَحْزَنُ مِنها فَكَأنَّها نَجْوى يُناجى بِها، وهَذا عَلى ما فِيهِ لا يُناسِبُ السِّباقُ والسِّياقَ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ التَّناجِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الآخَرِ حَتّى تَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ مِن أجْلِ أنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»» ومِثْلُ التَّناجِي في ذَلِكَ أنْ يَتَكَلَّمَ اثْنانِ بِحُضُورِ ثالِثٍ بِلُغَةٍ لا يَفْهَمُها الثّالِثُ إنْ كانَ يُحْزِنُهُ ذَلِكَ،
المجادلة 58:11
ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ التَّناجِي والسِّرارِ عَلِمَ مِنهُ الجُلُوسُ مَعَ المَلَأِ فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا آدابَهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ إلَخْ ولَمّا نَهى عَزَّ وجَلَّ عَمّا هو سَبَبٌ لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ أمَرَ سُبْحانَهُ بِما هو سَبَبٌ لِلتَّوادِّ والتَّوافُقِ أيْ إذا قالَ لَكم قائِلٌ كائِنًا مَن كانَ: تَوَسَّعُوا فَلْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ في المَجالِسِ ولا تَتَضامُّوا فِيها، مِن قَوْلِهِمُ: افْسَحْ عَنِّي أيْ تَنَحَّ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿فِي المَجالِسِ﴾ بِتَفَسَّحُوا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ - بِقِيلَ. .
وقَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وقَتادَةُ وعِيسى - تَفاسَحُوا - وقَرَأ الأخِيرانِ وعاصِمٌ في المَجالِسِ، والجُمْهُورُ في -المَجْلِسِ - بِالإفْرادِ، فَقِيلَ: عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِقِراءَةِ الجَمْعِ، وقِيلَ: عَلى إرادَةِ العَهْدِ، والمُرادُ بِهِ
صفحة 28
مَجْلِسُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَمْعُ لِتَعَدُّدِهِ بِاعْتِبارِ مَن يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ لِكُلٍّ أجِدُ مِنهم مَجْلِسًا، وفي أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ما يُؤَيِّدُ كُلًّا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ««كانَ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ في الصُّفَّةِ وفي المَكانِ ضِيقٌ وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ مِنهم ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وقَدْ سَبَقُوا إلى المَجالِسِ فَقامُوا حِيالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمُوا عَلى القَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم فَلَمْ يُفْسِحُوا لَهم فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِبَعْضِ مَن حَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَأقامَ نَفَرًا مِقْدارَ مَن قَدِمَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعُرِفَتْ كَراهِيَتُهُ في وُجُوهِهِمْ، وقالَ المُنافِقُونَ: ما عَدَلَ بِإقامَةِ مَن أخَذَ مَجْلِسَهُ وأحَبَّ قُرْبَهُ لِمَن تَأخَّرَ عَنِ الحُضُورِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾»» إلَخْ، وكانَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يُفْسِحْ تَنافُسًا في القُرْبِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَغْبَةً فِيهِ ولا تَكادُ نَفْسٌ تُؤْثِرُ غَيْرَها بِذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: كانَ الصَّحابَةُ يَتَشاحُّونَ في مَجالِسِ القِتالِ إذا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ فَلا يُوَسِّعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ رَغْبَةً في الشَّهادَةِ فَنَزَلَتْ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ لِما كانَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّضامِّ في مَجْلِسِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والضِّنَةِ بِالقُرْبِ مِنهُ وتَرْكِ التَّفَسُّحِ لِمُقْبِلٍ وأيًّا ما كانَ فالحُكْمُ مُطَّرِدٌ في مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصافِّ القِتالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقُرِئَ في -المَجْلَسِ - بِفَتْحِ اللّامِ، فَإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالمَكْسُورِ والفَتْحُ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِتَفَسَّحُوا - أيْ إذا قِيلَ لَكم تَوَسَّعُوا في جُلُوسِكم ولا تَضايَقُوا فِيهِ ﴿فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ في رَحْمَتِهِ أوْ في مَنازِلِكم في الجَنَّةِ أوْ في قُبُورِكم أوْ في صُدُورِكم أوْ في رِزْقِكم أقْوالٌ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ يُفْسِحُ سُبْحانَهُ لَكم في كُلِّ ما تُرِيدُونَ الفَسْحَ فِيهِ أيْ مِمّا ذُكِرَ وغَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الفَسْحَ يَخْتَلِفُ المُرادُ مِنهُ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقاتِهِ كالمَنازِلِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ فَلا تَغْفُلْ ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أيِ انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ ﴿فانْشُزُوا﴾ فانْهَضُوا ولا تَتَثَبَّطُوا، وأصْلُهُ مِنَ النَّشْزِ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ فَإنَّ مُرِيدَ التَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ فَيَتَّسِعُ المَوْضِعُ، أوْ لِأنَّ النُّهُوضَ نَفْسَهُ ارْتِفاعٌ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: المَعْنى إذا دُعِيتُمْ إلى قِتالٍ أوْ صَلاةٍ أوْ طاعَةٍ فَأجِيبُوا، وقِيلَ: إذا دُعِيتُمْ إلى القِيامِ عَنْ مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُومُوا، وهَذا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُؤْثِرُ أحْيانًا الِانْفِرادَ في أمْرِ الإسْلامِ أوْ لِأداءِ وظائِفَ تَخُصُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا تَتَأتّى أوْ لا تَكْمُلُ بِدُونِ الِانْفِرادِ، وعَمَّمَ الحُكْمَ فَقِيلَ: إذا قالَ صاحِبُ مَجْلِسٍ لِمَن في مَجْلِسِهِ: قُومُوا يَنْبَغِي أنْ يُجابَ، وفَعَلَ ذَلِكَ لِحاجَةٍ إذا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أعْظَمُ مِنها مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، نَعَمْ لا يَنْبَغِي لِقادِمٍ أنْ يُقِيمَ أحَدًا لِيَجْلِسَ في مَجْلِسِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا»» .
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وجَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ -انْشِزُوا فانْشِزُوا - بِكَسْرِ الشِّينِ مِنهُما.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تَنْشُزُوا يَرْفَعُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ مِنكم في الآخِرَةِ
صفحة 29
جَزاءً لِلِامْتِثالِ ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ الشَّرْعِيَّ ﴿دَرَجاتٍ﴾ أيْ كَثِيرَةً جَلِيلَةً كَما يُشْعِرُ بِهِ المَقامُ، وعَطْفُ -الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ - عَلى ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ تَعْظِيمًا لَهم ”بِعَدِّهِمْ“ كَأنَّهم جِنْسٌ آخَرُ، ولِذا أُعِيدَ المَوْصُولُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والدّارِمِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا ««فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ»» .
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن جاءَهُ المَوْتُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإسْلامَ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ»» وعَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««بَيْنَ العالِمِ والعابِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضَرَ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً»» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنْبِياءُ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُّهَداءُ»»، فَأعْظِمْ بِمَرْتَبَةٍ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ بِشَهادَةِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «خُيِّرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ العِلْمِ والمُلْكِ والمالِ فاخْتارَ العِلْمَ فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى المُلْكَ والمالَ تَبَعًا لَهُ» .
وعَنِ الأحْنَفِ «كادَ العُلَماءُ يَكُونُونَ أرْبابًا» وكُلُّ عِزٍّ لَمْ يُوَطَّدْ بِعِلْمٍ فَإلى ذُلٍّ ما يَصِيرُ، وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ: لَيْتَ شِعْرِي أيُّ شَيْءٍ أدْرَكَ مَن فاتَهُ العِلْمُ ؟ وأيُّ شَيْءٍ فاتَهُ مَن أدْرَكَ العِلْمَ ؟ والدّالُّ عَلى فَضْلِ العِلْمِ والعُلَماءِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأرْجى حَدِيثٍ عِنْدِي في فَضْلِهِمْ ما رَواهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ في مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ العُلَماءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: إنِّي لَمْ أجْعَلْ حِكْمَتِي في قُلُوبِكم إلّا وأنا أُرِيدُ بِكُمُ الخَيْرَ اذْهَبُوا إلى الجَنَّةِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم»» .
وذَكَرَ العارِفُ إلْياسُ الكُورانِيُّ أنَّهُ أحَدُ الأحادِيثِ المُسَلْسَلَةِ بِالأوَّلِيَّةِ، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى فَضْلِهِمْ ظاهِرَةٌ بَلْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما خَصَّ اللَّهُ تَعالى العُلَماءَ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ما خَصَّهم في هَذِهِ الآيَةِ - فَضَّلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ بِدَرَجاتٍ - وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلَيْهِ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بِحَمْلِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْهَمُوا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ولْتُرَغِّبْكم في العِلْمِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ المُؤْمِنَ العالِمَ فَوْقَ الَّذِي لا يَعْلَمُ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ في كَلامِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ -الَّذِينَ أُوتُوا - مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والعَطْفَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ أيْ ويَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ خاصَّةً دَرَجاتٍ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ العامِلِ، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ التَّقْدِيرَ وجَعَلَ الدَّرَجاتِ مَعْمُولًا لِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وقالَ: يُضْمَرُ لِلْمَذْكُورِ أحَطُّ مِنهُ مِمّا يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ أنْ يُقالَ: يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ أوْ يَرْفَعُهم في الآخِرَةِ بِالإيواءِ إلى ما يَلِيقُ بِهِمْ مِن غُرَفِ الجَنّاتِ، ويَرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ تَعْظِيمًا لَهم، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِالمَوْصُولَيْنِ واحِدًا والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِ، فالمَعْنى يَرْفَعُ اللَّهَ المُؤْمِنِينَ العالِمِينَ دَرَجاتٍ، وكَوْنُ العَطْفِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ هو الأظْهَرُ، وفي الِانْتِصافِ في الجَزاءِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ مُناسِبَةٌ لِلْعَمَلِ المَأْمُورِ بِهِ وهو التَّفْسِيحُ في المَجالِسِ وتَرْكُ ما تَنافَسُوا فِيهِ مِنَ الجُلُوسِ في أرْفَعِها وأقْرَبِها مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا كانَ المُمْتَثِلُ لِذَلِكَ
صفحة 30
يَخْفِضُ نَفْسَهُ عَمّا يُتَنافَسُ فِيهِ مِنَ الرِّفْعَةِ امْتِثالًا وتَواضُعًا جُوزِيَ عَلى تَواضُعِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ كَقَوْلِهِ: مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعِنْدَ النّاسِ ارْتِفاعَ مَجالِسِهِمْ خَصَّهم بِالذِّكْرِ عِنْدَ الجَزاءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما لَهم مِنَ الرَّفْعَةِ في المَجْلِسِ تَواضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى خَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما عُرِفُوا بِالحِرْصِ عَلَيْهِ مِن رِفْعَةِ المَجالِسِ وحُبِّهِمْ لِلتَّصْدِيرِ، وهَذا مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ لِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ في سائِرِ الأعْصارِ مِنَ التَّنافُسِ في ذَلِكَ.
والخَفاجِيُّ أدْرَجَ هَذا في نَقْلِ كَلامِ صاحِبِ الِانْتِصافِ وكَلامُهُ عَلى ما سَمِعْتَهُ أوْفَقُ بِالأدَبِ مَعَ أهْلِ العِلْمِ، ولا أظُنُّ - بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ -المَذْكُورِينَ في الآيَةِ أنَّهم كالعُلَماءِ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمُ الخَفاجِيُّ، نَعَمْ إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ صادِقٌ فِيما قالَ بِالنِّسْبَةِ إلى كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ آخِرِ الزَّمانِ كَعُلَماءِ زَمانِهِ وكَعُلَماءِ زَمانِنا - لَكِنْ كَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ - إطْلاقُ اسْمِ العالِمِ عَلى أحَدِهِمْ مَجازٌ لا تُعْرَفُ عَلاقَتُهُ، ومَعَ ذَلِكَ قَدِ امْتَلَأ قَلْبُهُ مِن حُبِّ الصَّدْرِ وجَعَلَ يُزاحِمُ العُلَماءُ حَقِيقَةً عَلَيْهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ مَحَلَّهُ لَوْ أنْصَفَ العَجْزُ، هَذا واسْتَدَلَّ غَيْرُ واحِدٍ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيمِ العِلْمِ ولَوْ باهِلِيًّا شابًّا عَلى الجاهِلِ ولَوْ هاشِمِيًّا شَيْخًا، وهو بِناءٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَعْناها لِدَلالَتِها عَلى فَضْلِ العالِمِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ، ويَجْعَلُ مَنزِلَتَهُ فَوْقَ مَنزِلَتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ في مَجالِسِ الدُّنْيا فَوْقَ مَحَلِّ الجاهِلِ.
وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في كِتابِ الأحْكامِ قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ مِنكم دَرَجاتٍ عَلى غَيْرِهِمْ فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَفْعِ العُلَماءِ في المَجالِسِ والتَّفَسُّحِ لَهم عَنِ المَجالِسِ الرَّفِيعَةِ. انْتَهى.
وهَذا المَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُتَعاطِفَيْنِ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ والعَطْفُ لِجَعْلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِوَهُوَ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، ويَظْهَرُ مِنهُ أيْضًا أنَّهُ ظَنَّ رَفَعَ يَرْفَعُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنْ عِلَّةِ الأمْرِ السّابِقِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ لَكِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ الرَّفْعِ دَرَجاتٍ جَزاءَهُ الِامْتِثالُ عَلى نَحْوِ كَوْنِ الفَسْحِ قَبْلَهُ جَزاءَهُ فَتَأمَّلْهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَمْتَثِلْ بِالأمْرِ واسْتَكْرَهَ، وقُرِئَ بِما - يَعْمَلُونَ -بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ
المجادلة 58:12
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أيْ إذا أرَدْتُمُ المُناجاةَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأمْرٍ ما مِنَ الأُمُورِ ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ فَتَصَدَّقُوا قَبْلَها، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن لَهُ يَدانِ أوْ مُكَنِّيَةٌ بِتَشْبِيهِ النَّجْوى بِالإنْسانِ، وإثْباتُ اليَدَيْنِ تَخْيِيلٌ، وفي ”بَيْنَ“ تَرْشِيحٌ عَلى ما قِيلَ، ومَعْناهُقَبْلُ، وفي هَذا الأمْرِ تَعْظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ ونَفْعٌ لِلْفُقَراءِ وتَمْيِيزٌ بَيْنَ المُخْلِصِ والمُنافِقِ ومُحِبِّالآخِرَةِ ومُحِبِّ الدُّنْيا ودَفْعٌ لِلتَّكاثُرِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ مُهِمَّةٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَثُرَتْ مُناجاتُهم لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ حاجَةٍ إلّا لِتَظْهَرَ مَنزِلَتُهم وكانَ ﷺ سَمْحًا لا يَرُدُّ أحَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الأغْنِياءَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُكْثِرُونَ مُناجاتَهُ ويَغْلِبُونَ الفُقَراءَ عَلى المَجالِسِ حَتّى كَرِهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طُولَ جُلُوسِهِمْ ومُناجاتِهِمْ فَنَزَلَتْ، واخْتُلِفَ في أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ أوْ لِلْجَوابِ لَكِنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ إلَخْ، وهو وإنْ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ تِلاوَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ نُزُولًا، وقِيلَ: نُسِخَ بِآيَةِ
صفحة 31
الزَّكاةِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، ولَمْ يُعَيَّنْ مِقْدارُ الصَّدَقَةِ لِيَجْزِيَ الكَثِيرُ والقَلِيلُ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وجَماعَةٌ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ﴾ إلَخْ قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «ما تَرى في دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: نِصْفِ دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: فَكَمْ ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ، قالَ: فَإنَّكَ لَزَهِيدٌ» فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ»» ولَمْ يَعْمَلْ بِها عَلى المَشْهُورِ غَيْرُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهم عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي آيَةُ النَّجْوى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ إلَخْ كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ فَكُنْتُ كُلَّما ناجَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، فَنَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ، قِيلَ: وهَذا عَلى القَوْلِ بِالوُجُوبِ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِلْأغْنِياءِ مُناجاةٌ في مُدَّةِ بَقاءِ الحُكْمِ، واخْتُلِفَ في مُدَّةِ بَقائِهِ، فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها عَشَرَةُ لَيالٍ، وقالَ قَتادَةُ: ساعَةٌ مِن نَهارٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نُسِخَ قَبْلَ العَمَلِ بِهِ ولا يَصِحُّ لِما صَحَّ آنِفًا.
وقُرِئَ - صَدَقاتٍ - بِالجَمْعِ لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ تَقْدِيمُ الصَّدَقاتِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ ﴿وأطْهَرُ﴾ وأزْكى لِأنْفُسِكم لِما فِيهِ مِن تَعْوِيدِها عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالمالِ وإضْعافِ عَلاقَةِ حُبِّهِ المُدَنِّسِ لَها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في ذَلِكَ إعْدادالنَّفْسِ لِمَزِيدِ الِاسْتِفاضَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُناجاةِ.
وفِي الكَلامِ إشْعارٌ بِنَدْبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لِمَن لَمْ يَجِدْ حَيْثُ رَخَّصَ سُبْحانَهُ لَهُ في المُناجاةِ بِلا تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ أظْهَرُ إشْعارًا بِالوُجُوبِ.
المجادلة 58:13
﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ أيْ أخِفْتُمُ الفَقْرَ لِأجْلِ تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ فَمَفْعُولُ أشْفَقْتُمْ مَحْذُوفٌ، و”أنْ“ عَلى إضْمارِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ ﴿أنْ تُقَدِّمُوا﴾ فَلا حَذْفَ أيْ أخِفْتُمْ تَقْدِيمَ الصَّدَقاتِ لِتَوَهُّمِ تَرْتِيبِ الفَقْرِ عَلَيْهِ، وجُمِعَ الصَّدَقاتُ لِما أنَّ الخَوْفَ لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مِن تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةَ الفَقْرِ بَلْ مِنَ اسْتِمْرارِ الأمْرِ، وتَقْدِيمُ ﴿صَدَقاتٍ﴾ وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ الجَمْعَ لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ إذْ يُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ إفْرادِ الصَّدَقَةِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أُمِرْتُمْ بِهِ وشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ رُخِّصَ لَكُمُ المُناجاةُ مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إشْعارٌ بِأنَّ إشْفاقَهم ذَنْبٌ تَجاوَزَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما رُئِيَ مِنهم مَنِ الِانْقِيادِ وعَدَمِ خَوْفِ الفَقْرِ بَعْدَ ما قامَ مَقامَ تَوْبَتِهِمْ و(إذْ) عَلى بابِها أعْنِي أنَّها ظَرْفٌ لِما مَضى، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى - إذِ -الظَّرْفِيَّةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [غافِرَ: 71] .
وقِيلَ: بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ إنَّكم تَرَكْتُمْ ذَلِكَ فِيما مَضى فَتَدارَكُوهُ بِالمُثابَرَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، واعْتُبِرَتِ المُثابَرَةُ لِأنَّ المَأْمُورِينَ مُقِيمُونَ لِلصَّلاةِ ومُؤْتُونَ لِلزَّكاةِ، وعَدَلَ عَنْ فَصَلُّوا إلى ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لِيَكُونَ المُرادُ المُثابَرَةَ عَلى تَوْفِيَةِ حُقُوقِالصَّلاةِ ورِعايَةِ ما فِيهِ كَما لَها لا عَلى أصْلِ فِعْلِها فَقَطْ، ولَمّا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ جِيءَ بِما بَعْدَهُ عَلى وزانَهُ ولَمْ يَقُلْ وزَكُّوا لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ في سائِرِ الأوامِرِ، ومِنها ما تَقَدَّمَ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا﴾ الآياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
صفحة 32
﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا.
وعَنْ أبِي عَمْرٍو و«يَعْمَلُونَ» بِالتَّحْتِيَّةِ
المجادلة 58:14
﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَّخِذُونَ اليَهُودَ أوْلِياءَ ويُناصِحُونَهم ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِصَرْفِهِ عَنِ المُؤْمِنِينَ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ ألَمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ أيْ والَوْا ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وهُمُ اليَهُودُ ﴿ما هُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا ﴿مِنكُمْ﴾ مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ ﴿ولا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أعْنِي اليَهُودَ لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُذَبْذَبُونَ بَيْنَ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ «مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ غَنَمَيْنِ -أيِ المُتَرَدِّدَةُ بَيْنَ قَطِيعَيْنِ - لا تَدْرِي أيُّهُما تَتْبَعُ» .
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ”هم“ لِلْقَوْمِ، وضَمِيرُ ”مِنهم“ لِلَّذِينَ تَوَلَّوْا، ثُمَّ قالَ: فَيَكُونُ فِعْلُ المُنافِقِينَ عَلى هَذا أخَسَّلِأنَّهم تَوَلَّوْا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ لَيْسُوا مِن أنْفُسِهِمْ فَيَلْزَمُهم ذِمامُهم ولا مِنَ القَوْمِ المُحِقِّينَ فَتَكُونُ المُوالاةُ صَوابًا:
والأوَّلُ هو الظّاهِرُ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا مِن فاعِلِ ﴿تَوَلَّوْا﴾ ورَدَ بِعَدَمِ الواوِ، وأُجِيبَ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ المُثْبَتَةَ أوِ المَنفِيَّةَ إذا وقَعَتْ حالًا تَأْتِي بِالواوِ فَقَطْ وبِالضَّمِيرِ فَقَطْ وبِهِما مَعًا، وما ها هُنا أتَتْ بِالضَّمِيرِ أعْنِي هم، وعَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ.
وذَكَرَ المَوْلى سَعْدُ اللَّهِ أنَّ في ﴿مِنكُمْ﴾ التِفاتًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ غُلِّبَ فِيهِ خِطابُ الرَّسُولِ ﷺ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا التِفاتَ فِيهِ وإنْ لَمْ يُغَلَّبْ فَكَذَلِكَ لا التِفاتَ فِيهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِسَبْقِ خِطابِهِمْ قَبْلَهُ، وفي جَعْلِهِ التِفاتًا عَلى رَأْيِالسَّكّاكِيِّ نَظَرٌ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَوَلَّوْا﴾ داخِلٌ في حَيِّزِا لتَّعْجِيبِ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما هم مِنكُمْ﴾ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الحَلِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ - يَحْلِفُونَ - مُفِيدَةٌ لِكَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا فَإنَّ الحَلِفَ عَلى ما يُعْلَمُ أنَّهُ كَذِبٌ في غايَةِ القُبْحِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الكَذِبَ يَعُمُّ ما يَعْلَمُ المُخْبِرُ مُطابَقَتَهُ لِلْواقِعِ وما لا يَعْلَمُ مُطابَقَتَهُ لَهُ فَيُرَدُّ بِهِ عَلى مَذْهَبَيِالنَّظّامِ والجاحِظِ إذْ عَلَيْهِما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وبُحِثَ فِيهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَذِبِ ما خالَفَ اعْتِقادَهم ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ بِمَعْنى يَعْلَمُونَ خِلافَهُ فَيَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً مُؤَكِّدَةً لا مُقَيَّدَةً، نَعَمِ التَّأْسِيسُ هو الأصْلُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، والِاحْتِمالُ يُبْطِلُ الِاسْتِدْلالَ والكَذِبُ الَّذِي حَلَفُوا عَلَيْهِ دَعْواهُمُ الإسْلامَ حَقِيقَةً، وقِيلَ: إنَّهم ما شَتَمُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ ««أنَّهُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا في ظِلِّ حُجْرَةٍ مِن حُجَرِهِ وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: إنَّكم سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ فَإذا جاءَكم فَلا تُكَلِّمُوهُ فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ أزْرَقُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ رَآهُ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ فَقالَ: ذَرْنِي آتِكَ بِهِمْ فانْطَلَقَ فَدَعاهم فَحَلَفُوا»» فَنَزَلَتْ، وهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّ آخِرَهُ «فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المُجادَلَةَ: 18]» الآيَةَ. والَّتِي بَعْدَها، ولَعَلَّهُ يُؤَيِّدُ أيْضًا اعْتِبارَ كَوْنِ الكَذِبِ دَعْواهم أنَّهم ما شَتَمُوا.
وفِي البَحْرِ رِوايَةٌ نَحْوَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ، وهو - «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِأصْحابِهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبّارٍ ويَنْظُرُ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ وكانَ أزْرَقَ أسْمَرَ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ فَقالَ ﷺ:
صفحة 33
عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ فَقالَ لَهُ: فَعَلْتَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ -» فَنَزَلَتْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وعَبْدُ اللَّهِ هَذا هو الرَّجُلُ المُبْهَمُ في الخَبَرِ الأوَّلِ، وهو ابْنُ نَبْتَلٍ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وبَعْدَها تاءٌ مُثَنّاةٌ مِن فَوْقُ ولامٌ ابْنُ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ الأوْسِيُّ ذَكَرَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ والبَلاذِرِيُّ في المُنافِقِينَ، وذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ في الصَّحابَةِ فَيُحْتَمَلُ كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ اطَّلَعَ عَلى أنَّهُ تابَ، وأمّا قَوْلُهُ في القامُوسِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبِيلٍ - كَأمِيرٍ -مِنَ المُنافِقِينَ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ هو هَذا، واخْتُلِفَ في ضَبْطِ اسْمِ أبِيهِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ غَيْرُهُ
المجادلة 58:15
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ نَوْعًا مِنَ العَذابِ مُتَفاقِمًا ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ما اعْتادُوا عَمَلَهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ
المجادلة 58:16
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ الفاجِرَةَ الَّتِي يَحْلِفُونَ بِها عِنْدَ الحاجَةِ ﴿جُنَّةً﴾ وِقايَةً وسُتْرَةً عَنِ المُؤاخَذَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ - إيمانَهم - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ إيمانَهُمُ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، قالَ في الإرْشادِ: والِاتِّخاذُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنِ التَّسَتُّرِ بِالفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَتَّرُوا بِما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ عَنْ أنْ تُسْتَباحَ دِماؤُهم وأمْوالُهم، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ إعْدادِهِمْ لِأيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ وتَهْيِئَتِهِمْ لَها إلى وقْتِ الحاجَةِ لِيَحْلِفُوا بِها ويَخْلُصُوا عَنِ المُؤاخَذَةِ لا عَنِ اسْتِعْمالِها بِالفِعْلِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ المَسْبُوقَةِ بِوُقُوعِ الجِنايَةِ، وعَنْ سَبَبِها أيْضًا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا﴾ أيِ النّاسَ.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في خِلالِ أمْنِهِمْ بِتَثْبِيطِ مَن لَقُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وتَضْعِيفِ أمْرِ المُسْلِمِينَ عِنْدَهم، وقِيلَ: فَصَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِهِمْ فَإنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، وقِيلَ: (صَدُّوا) لازِمٌ، والمُرادُ فَأعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ حَقِيقَةً وهو كَما تَرى ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وعِيدٌ ثانٍ بِوَصْفٍ آخَرَ لِعَذابِهِمْ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَذابُ القَبْرِ وهَذا عَذابُ الآخِرَةِ، ويُشْعِرُ بِهِ وصْفُهُ بِالإهانَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلظُّهُورِ فَلا تَكْرارَ.
المجادلة 58:17
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وسَبَقَ الكَلامُ فِيهِ فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ
المجادلة 58:18
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أيْ لِلَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ قائِلِينَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامَ: 23] ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدُّنْيا أنَّهم مُسْلِمُونَ مِثْلُكم، والتَّشْبِيهُ بِمُجَرَّدِ الحَلِفِ لَهم في الدُّنْيا وإنِ اخْتَلَفَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِناءً عَلى ما قَدَّمْنا مِن سَبَبِ النُّزُولِ ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ في الآخِرَةِ ﴿أنَّهُمْ﴾ بِتِلْكَ الأيْمانِ الفاجِرَةِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ مِن جَلْبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ كَما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا يَدْفَعُونَ بِها عَنْ أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويَسْتَجِرُّونَ بِها فَوائِدَ دُنْيَوِيَّةً ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ البالِغُونَ في الكَذِبِ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ حَيْثُ تَجاسَرُوا عَلى الكَذِبِ بَيْنَ يَدَيْ عَلّامِ الغُيُوبِ، وزَعَمُوا أنَّ أيْمانَهُمُ الفاجِرَةَ تُرَوِّجُ الكَذِبَلَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما تُرَوِّجُهُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ
المجادلة 58:19
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ غَلَبَ عَلى عُقُولِهِمْ بِوَسْوَسَتِهِ وتَزْيِينِهِ حَتّى اتَّبَعُوهُ فَكانَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَوْذُ أنْ يَتْبَعَ السّائِقُ حاذِيالبَعِيرِ أيْ أدْبارَ فَخِذَيْهِ فَيُعَنَّفُ في سَوْقِهِ يُقالُ: حاذَ الإبِلَ يَحُوذُها أيْ ساقَها
صفحة 34
سَوْقًا عَنِيفًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أيِ اسْتاقَهم مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، أوْ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَحْوَذَ العِيرُ عَلى الأتانِ أيِ اسْتَوْلى عَلى حاذِيها أيْ جانِبَيْ ظَهْرِها. اهَـ.
وصَرَّحَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الحَوْذَ في الأصْلِ السَّوْقُ والجَمْعُ، وفي القامُوسِ تَقْيِيدُ السَّوْقِ بِالسَّرِيعِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الِاسْتِيلاءِ، ومِثْلُهُ الأحْواذُ والأحْوَذِيُّ، وهو كَما قالَ الأصْمَعِيُّ: المُشَمِّرُ في الأُمُورِ القاهِرُ لَها الَّذِي لا يَشِذُّ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ أحْوَذِيًّا نَسِيجٌ وحْدَهُ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ، واسْتَحْوَذَ مِمّا جاءَ عَلى الأصْلِ في عَدَمِ إعْلالِهِ عَلى القِياسِ إذْ قِياسُهُ اسْتَحاذَ بِقَلْبِ الواوِ ألِفًا كَما سُمِعَ فِيهِ قَلِيلًا، وقَرَأ بِهِ هَنا أبُو عَمْرٍو فَجاءَ مُخالِفًا لِلْقِياسِ -كاسْتَنْوَقَ واسْتَصْوَبَ - وإنْ وافَقَ الِاسْتِعْمالُ المَشْهُورَ فِيهِ، ولِذا لَمْيُخِلّاسْتِعْمالُهُ بِالفَصاحَةِ، وفي اسْتَفْعَلَ هُنا مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في فِعْلِ ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ في مَعْنى لَمْ يُمَكِّنْهم مِن ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما زَيَّنَ لَهم مِنَ الشَّهَواتِ فَهم لا يَذْكُرُونَهُ أصْلًا لا بِقُلُوبِهِمْ ولا بِألْسِنَتِهِمْ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ أيْ جُنُودُهُ وأتْباعُهُ.
﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالخُسْرانِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ حَيْثُ فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ وأخَذُوا بَدَلَهُ العَذابَ الألِيمَ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ وإظْهارِ المُتَضايِفَيْنِ مَعًا في مَوْقِعِ الإضْمارِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مِن فُنُونِ التَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى.
المجادلة 58:20
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ مِن خُسْرانِ حِزْبِ الشَّيْطانِ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِالصِّلَةِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿فِي الأذَلِّينَ﴾ أيْ في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مَعْدُودُونَ في عِدادِهِمْ لِأنَّ ذِلَّةَ أحَدِ المُتَخاصِمَيْنِ عَلى مِقْدارِ عِزَّةِ الآخَرِ وحَيْثُ كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ كانَتْ ذِلَّةُ مَنحادَّهُ كَذَلِكَ
المجادلة 58:21
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ في الأذَلِّينَ أيْ أثْبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ قَضى وحَكَمَ، وعَنْ قَتادَةَ قالَ: وأيًّا ما كانَ فَهو جارٍ مَجْرى القَسَمِ فَلِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ أيْ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وما يَجْرِي مَجْراهُ أوْ بِأحَدِهِما، ويَكْفِي في الغَلَبَةِ بِما عَدا الحُجَّةِ تَحَقُّقُها لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أزْمِنَتِهِمْ غالِبًا فَقَدْ أهْلَكَ سُبْحانَهُ الكَثِيرَ مِن أعْدائِهِمْ بِأنْواعِ العَذابِ كَقَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ، والحَرْبُ بَيْنَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَ سِجالًا إلّا أنَّ العاقِبَةَ كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذا لِأتْباعِهِمْ بَعْدَهم لَكِنْ إذا كانَ جِهادُهم لِأعْداءِ الدِّينِ عَلى نَحْوِ جِهادِ الرُّسُلِ لَهم بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِطَلَبِ مُلْكٍ وسَلْطَنَةٍ وأغْراضٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَلا تَكادُ تَجِدُ مُجاهِدًا كَذَلِكَ إلّا مَنصُورًا غالِبًا، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الغَلَبَةَ بِالحُجَّةِ لا طِرادُها وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَعَنْ مُقاتِلٍ لَمّا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى مَكَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ وما حَوْلَها قالُوا: نَرْجُو أنْ يُظْهِرَنا اللَّهُ تَعالى عَلى فارِسَ والرُّومِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أتَظُنُّونَ الرُّومَ وفارِسَ كَبَعْضِ القُرى الَّتِي غَلَبْتُمْ عَلَيْها، واللَّهِ إنَّهم لَأكْثَرُ عَدَدًا وأشَدُّ بَطْشًا مِن أنْ تَظُنُّوا فِيهِمْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهُ قَوِيٌّ﴾ عَلى نَصْرِ رُسُلِهِ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُغْلَبُ عَلى مُرادِهِ عَزَّ وجَلَّ.
صفحة 35
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «ورُسُلِيَ» بِفَتْحِ الياءِ
المجادلة 58:22
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ، وتَجِدُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوادُّونَ﴾ إلَخْ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وإمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أيْ قَوْمًا جامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِالآخِرِ وبَيْنَمُوادَّةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ بِذاكَ، والكَلامُ عَلى ما في الكَشّافِ مِن بابِ التَّخْيِيلِ خُيِّلَ أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ المُحالِ أنْ تَجِدَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ ﴿يُوادُّونَ﴾ المُشْرِكِينَ. والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وحَقُّهُ أنْ يَمْتَنِعَ ولا يُوجَدَ بِحالٍ مُبالَغَةٌ في النَّهْيِ عَنْهُ والزَّجْرِ عَنْ مُلابَسَتِهِ والتَّصَلُّبِ في مُجانَبَةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، وحاصِلُ هَذا عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ مِن فَرْضِ غَيْرِ الواقِعِ واقِعًا مَحْسُوسًا حَيْثُ نَفى الوِجْدانَ عَلى الصِّفَةِ وأُرِيدَ نَفْيُ انْبِغاءِ الوِجْدانِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ فَجَعَلَ الواقِعَ نَفْيَ الوِجْدانِ، وإنَّما الواقِعُ نَفْيُ الِانْبِغاءِ فَخُيِّلَ أنَّهُ هو فالتَّصْوِيرُفِي جَعْلِ ما لا يَمْتَنِعُ مُمْتَنِعًا، وقِيلَ: المُرادُ لا تَجِدُ قَوْمًا كامِلِي الإيمانِ عَلى هَذِهِ الحالِ، فالنَّفْيُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُرادُ بِمُوادَّةِ المُحادِّينَ مُوالاتُهم ومُظاهَرَتُهم، والمُضارِعُ قِيلَ: لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، و﴿مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ظاهِرٌ في الكافِرِ وبَعْضُ الآثارِ ظاهِرٌ في شُمُولِهِ لِلْفاسِقِ، والأخْبارُ مُصَرِّحَةٌ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الفاسِقِينَ كالمُشْرِكِينَ بَلْ قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِيمَن يُخالِطُ السُّلْطانَ، وفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ مَرْفُوعًا ««يَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: وعِزَّتِي لا يَنالُ رَحْمَتِي مَن لَمْ يُوالِ أوْلِيائِي ويُعادِ أعْدائِي»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مَرْفُوعًا، «أوْثَقُ الإيمانِ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ مُعاذٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ - وفي رِوايَةٍ - ولا لِفاسِقِ عَلَيَّ يَدًا ولا نِعْمَةً فَيَوَدُّهُ قَلْبِي فَإنِّي وجَدْتُ فِيما أوْحَيْتَ إلَيَّ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾»» وحَكى الكَواشِيُّ عَنْ سَهْلٍ أنَّهُ قالَ: مَن صَحَّحَ إيمانَهُ وأخْلَصَ تَوْحِيدَهُ فَإنَّهُ لا يَأْنَسُ إلى مُبْتَدِعٍ ولا يُجالِسُهُ ولا يُؤاكِلُهُ ولا يُشارِبُهُ ولا يُصاحِبُهُ ويُظْهِرُ لَهُ مِن نَفْسِهِ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، ومَن داهَنَ مُبْتَدِعًا سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى حَلاوَةَ السُّنَنِ، ومَن تَحَبَّبَ إلى مُبْتَدِعٍ يَطْلُبُ عِزَّ الدُّنْيا أوْ عَرَضًا مِنها أذَلَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ العِزِّ وأفْقَرَهُ بِذَلِكَ الغِنى ومَن ضَحِكَ إلى مُبْتَدِعٍ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى نُورَ الإيمانِ مِن قَلْبِهِ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيُجَرِّبْ. انْتَهى.
ومِنَ العَجِيبِ أنَّ بَعْضَ المُنْتَسِبِينَ إلى المُتَصَوِّفَةِ - ولَيْسَ مِنهم ولا قُلامَةَ ظُفْرٍ - يُوالِي الظَّلَمَةَ بَلْ مَن لا عَلاقَةَ لَهُ بِالدِّينِ مِنهم ويَنْصُرُهم بِالباطِلِ ويُظْهِرُ مِن مَحَبَّتَهم ما يَضِيقُ عَنْ شَرْحِهِ صَدْرُ القِرْطاسِ، وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آياتُ اللَّهِ تَعالى وأحادِيثُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الزّاجِرَةُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ يَقُولُ: سَأُعالِجُ قَلْبِي بِقِراءَةِ نَحْوِ ورَقَتَيْنِ مِن كِتابِ المَثْنَوِيِّ الشَّرِيفِ لِمَوْلانا جَلال ِالدِّينِ القَوْنَوِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ وأذْهَبَ ظُلْمَتَهُ - إنْ كانَتْ- بِما يَحْصُلُ لِي مِنَ الأنْوارِ حالَ قِراءَتِهِ، وهَذا لَعَمْرِي هو الضَّلالُ البَعِيدُ، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ اجْتِنابُ مِثْلِ هَؤُلاءِ ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ مَن حادَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها ﴿آباءَهُمْ﴾ أيِ المُوادِّينَ ﴿أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى
صفحة 36
واليَوْمِالآخِرِ الَّذِي يُحْشَرُ المَرْءُ فِيهِ مَعَ مَن أحَبَّ أنْ يَهْجُرُوا الجَمِيعَ بِالمَرَّةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِمَن ذُكِرَ خُصُوصُهم وإنَّما المُرادُ الأقارِبُ مُطْلَقًا، وقَدَّمَ الآباءَ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى أبْنائِهِمْ طاعَتُهم ومُصاحَبَتُهم في الدُّنْيا بِالمَعْرُوفِ، وثَنّى بِالأبْناءِ لِأنَّهم أعْلَقُ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أكْبادَهم، وثَلَّثَ بِالإخْوانِ لِأنَّهُمُ النّاصِرُونَ لَهم:
أخاكَ أخاكَ إنَّ مَن لا أخا لَهُ كَساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرِ سِلاحٍ
وخَتَمَ بِالعَشِيرَةِ لِأنَّ الِاعْتِمادَ عَلَيْهِمْ والتَّناصُرَ بِهِمْ بَعْدَ الإخْوانِ غالِبًا:
لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا
إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرُ خُشْنٍ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا
لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «وعَشائِرَهم» بِالجَمْعِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لايُوادُّونَهُمْوَإنْ كانُوا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمْ وأمَسَّهم رَحِمًا بِهِمْ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِرِفْعَةِ دَرَجَتِهِمْفِي الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها ولَمّا كانَ الشَّيْءُ يُرادُ أوَّلًا ثُمَّ يُقالُ ثُمَّ يُكْتَبُ عَبَّرَعَنِ المَبْدَأِ بِالمُنْتَهى لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى خُرُوجِ العَمَلِ مِن مَفْهُومِ -الإيمانِ - فَإنَّ جُزْءَ الثّابِتِ في القَلْبِ ثابِتٌ فِيهِ قَطْعًا، ولا شَيْءَ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ يَثْبُتُ فِيهِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «كُتِبَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «الإيمانُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.
﴿وأيَّدَهُمْ﴾ أيْ قَوّاهم ﴿بِرُوحٍ مِنهُ﴾ أيْ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ مِنَ ابْتِدائِيَّةٌ، والمُرادُ بِالرُّوحِ نُورُ القَلْبِ وهو نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ تَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ والعُرُوجُ عَلى مَعارِجِ التَّحْقِيقِ، وتَسْمِيَتُهُ رُوحًا مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ الأبَدِيَّةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِعارَةً، وقَوْلُ بَعْضِ الأجِلَّةِ: إنَّ نُورَ القَلْبِ ما سَمّاهُ الأطِبّاءُ رُوحًا وهو الشُّعاعُ اللَّطِيفُ المُتَكَوِّنُ مِنَ القَلْبِ - وبِهِ الإدْراكُ - فالرُّوحُ عَلى حَقِيقَتِهِلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، أوِ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ، واخْتِيرَتِ الِاسْتِعارَةُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلَيْهِ شائِعُ أقْوالٍ.
وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿مِنهُ﴾ لِلْإيمانِ، والمُرادُ بِالرُّوحِ الإيمانُ أيْضًا، والكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ البَدِيعِيِّ - فَمِن - بَيانِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى الخِلافِ فِيها، وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلى الإيمانِ عَلى ما مَرَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْخِلُهُمْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِآثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى الأُخْرَوِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ألْطافِهِ سُبْحانَهُ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْ ويُدْخِلُهم في الآخِرَةِ.
﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أبَدَ الآبِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بَيانٌ لِابْتِهاجِهِمْ بِما أُوتُوهُ عاجِلًا وآجِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ تَشْرِيفٌ لَهم بِبَيانِاخْتِصاصِهِمْ بِهِ تَعالى وقَوْلُهُسُبْحانَهُ: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ والكَلامُ في تَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ - بِألا. وإنَّ - عَلى ما مَرَّ في أمْثالِها، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: حُدِّثْتُ «أنَّ أبا قُحافَةَ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَصَكَّهُ
صفحة 37
أبُو بَكْرٍ صَكَّةً فَسَقَطَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أفَعَلْتَ يا أبا بَكْرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: لا تَعُدْ، قالَ: واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَضَرَبْتُهُ - وفي رِوايَةٍ - لَقَتَلْتُهُ فَنَزَلَتْ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآياتِ».
وقِيلَ: في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الجَرّاحِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَعَلَ والِدُ أبِي عُبَيْدَةَ يَتَصَدّى لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وجَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ فَلَمّا أكْثَرَ قَصَدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ فَنَزَلَتْ ”لاتَجِدُ“ إلَخْ، وفي الكَشّافِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَ أباهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الجَرّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَ الواقِدِيُّ في قِصَّةِ قَتْلِهِ إيّاهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ أهْلُ الشّامِ، وقَدْ سَألْتُ رِجالًا مِن بَنِي فِهْرٍ فَقالُوا: تُوُفِّيَ أبُوهُ قَبْلَ الإسْلامِ أيْ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ. انْتَهى.
والحَقُّ أنَّهُ قَتَلَهُ في بَدْرٍ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ - أيْ أبُو عُبَيْدَةَ - قَتَلَ أباهُ وهو مِن جُمْلَةِ أسارى بَدْرٍ بِيَدِهِ لَمّا سَمِعَ مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يَكْرَهُ ونَهاهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيهِ حَيْثُ قَتَلَ أباهُ.
«وفِي أبِي بَكْرٍ دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، وقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: دَعْنِي أكُونُ في الرَّعْلَةِ الأُولى - وهي القِطْعَةُ مِنَ الخَيْلِ - قالَ: «مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ يا أبا بَكْرٍ ما تَعْلَمُ أنَّكَ عِنْدِي بِمَنزِلَةِ سَمْعِي وبَصَرِي»» وفي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ وفي عُمَرَ قَتَلَ خالَهُ العاصِ بْنَ هِشامٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وفي عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةَ وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ قَتَلُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وتَفْصِيلُ ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَقَدَّمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ومَعَهُ ابْنُهُ وأخُوهُ فَنادى مَن يُبارِزُ - إلى قَوْلِهِ - فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُمْ يا حَمْزَةُ قُمْ يا عَلِيُّ قُمْ يا عُبَيْدَةُ بْنَ الحارِثِ» فَأقْبَلَ حَمْزَةُ إلى عُتْبَةَ وأقْبَلْتُ إلى شَيْبَةَ واخْتَلَفَتْ بَيْنَ عُبَيْدَةَ والوَلِيدِ ضَرْبَتانِ فَأثْخَنَ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ ثُمَّ مِلْنا عَلى الوَلِيدِ فَقَتَلْناهُ واحْتَمَلْنا عُبَيْدَةَ.
هَذا ورَتَّبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ﴿ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ عَلى قِصَّةِ أبِي عُبَيْدَةَ وأبِي بَكْرٍ ومُصْعَبٍ وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ إلَخْ نَزَلَ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، والظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالآيِالَّتِي في المُنافِقِينَ المُوالِينَ لِلْيَهُودِ، وأيًّا ما كانَ فَحُكْمُ الآياتِ عامٌّ وإنْ نَزَلَتْ في أُناسٍ مَخْصُوصِينَ كَما لا يَخْفى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.