Tafsir Al-Baydawi — البقرة 2:164 – آل عمران 3:141
المحتويات
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:172
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:201
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:206
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
البقرة 2:164
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إنَّما جَمَعَ السَّماواتِ وأفْرَدَ الأرْضَ، لِأنَّها طَبَقاتٌ مُتَفاصِلَةٌ بِالذّاتِ مُخْتَلِفَةٌ بِالحَقِيقَةِ بِخِلافِ الأرْضِينَ. واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَعاقُبُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ . ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أيْ بِنَفْعِهِمْ، أوْ بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ، والقَصْدِ بِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالبَحْرِ وأحْوالِهِ، وتَخْصِيصِ الفُلْكِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَبَبُ الخَوْضِ فِيهِ والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَهُ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ والسَّحابِ، لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ في غالِبِ الأمْرِ، وتَأْنِيثُ الفُلْكِ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّفِينَةِ.
وَقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ عَلى الأصْلِ أوِ الجَمْعِ وضَمَّةُ الجَمْعِ غَيْرُ ضَمَّةِ الواحِدِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ. ﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ مِنَ الأُولى لِلِابْتِداءِ، والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ. والسَّماءُ يَحْتَمِلُ الفَلَكَ والسَّحابَ وُجْهَةُ العُلُوِّ. (p-117)﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِالنَّباتِ ﴿وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْزَلَ، كَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِنُزُولِ المَطَرِ وتَكْوِينِ النَّباتِ بِهِ وبَثِّ الحَيَواناتِ في الأرْضِ، أوْ عَلى أحْيا فَإنَّ الدَّوابَّ يَنْمُونَ بِالخِصْبِ ويَعِيشُونَ بِالحَياةِ. والبَثُّ النَّشْرُ والتَّفْرِيقُ. وتَصْرِيفُ الرِّياحِ في مَهابِّها وأحْوالِها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى الإفْرادِ. ﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يَنْزِلُ ولا يَنْقَشِعُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي أحَدَهُما حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى.
وَقِيلَ: مُسَخَّرُ الرِّياحِ تَقَلُّبُهُ في الجَوِّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّحْبِ لِأنَّ بَعْضَهُ يَجُرُّ بَعْضًا. ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَنْظُرُونَ إلَيْها بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ، وعَنْهُ ﷺ «وَيْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَمَجَّ بِها» أيْ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها.
واعْلَمْ أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الآياتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ ووَحْدَتِهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ شَرْحُها مُفَصَّلًا، والكَلامُ المُجْمَلُ أنَّها: أُمُورٌ مُمْكِنَةٌ وُجِدَ كُلٌّ مِنها بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ مِن وُجُوهٍ مُحْتَمَلَةٍ، وأنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، إذْ كانَ مِنَ الجائِزِ مَثَلًا أنْ لا تَتَحَرَّكَ السَّماواتُ، أوْ بَعْضُها كالأرْضِ وأنْ تَتَحَرَّكَ بِعَكْسِ حَرَكاتِها، وبِحَيْثُ تَصِيرُ المِنطَقَةُ دائِرَةً مارَّةً بِالقُطْبَيْنِ، وأنْ لا يَكُونَ لَها أوْجٌ وحَضِيضٌ أصْلًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لِبَساطَتِها وتَساوِي أجْزائِها، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ قادِرٍ حَكِيمٍ، يُوجِدُها عَلى ما تَسْتَدْعِيهِ حِكْمَتُهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، مُتَعالِيًا عَنْ مُعارَضَةِ غَيْرِهِ. إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآخَرُ. فَإنْ تَوافَقَتْ إرادَتُهُما: فالفِعْلُ إنْ كانَ لَهُما، لَزِمَ اجْتِماعُ مُؤَثِّرَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ لِأحَدِهِما، لَزِمَ تَرْجِيحُ الفاعِلِ بِلا مُرَجِّحٍ وجَزُّ الآخَرِ المُنافِي لِآلِهِيَّتِهِ. وإنِ اخْتَلَفَتْ: لَزِمَ التَّمانُعُ والتَّطارُدُ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الكَلامِ وأهْلِهِ، وحَثَّ عَلى البَحْثِ والنَّظَرِ فِيهِ.
البقرة 2:165
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ مِنَ الأصْنامِ. وقِيلَ مِنَ الرُّؤَساءِ الَّذِينَ كانُوا يُطِيعُونَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ ولَعَلَّ المُرادَ أعَمُّ مِنهُما وهو ما يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يُعَظِّمُونَهم ويُطِيعُونَهم ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ كَتَعْظِيمِهِ والمَيْلِ إلى طاعَتِهِ، أيْ يُسَوُّونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في المَحَبَّةِ والطّاعَةِ، والمَحَبَّةُ: مَيْلُ القَلْبِ مِنَ الحُبِّ، اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ الحُبُّ لِأنَّهُ أصابَها ورَسَخَ فِيها، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى إرادَةُ طاعَتِهِ والِاعْتِناءُ بِتَحْصِيلِ مَراضِيهِ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ إرادَةُ إكْرامِهِ واسْتِعْمالِهِ في الطّاعَةِ، وصَوْنُهُ عَنِ المَعاصِي. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ مَحَبَّتُهم لِلَّهِ تَعالى، بِخِلافِ مَحَبَّةِ الأنْدادِ فَإنَّها لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ مَوْهُومَةٍ تَزُولُ بِأدْنى سَبَبٍ، ولِذَلِكَ كانُوا يَعْدِلُونَ عَنْ آلِهَتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ.
﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ إذْ عايَنُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وأجْرى المُسْتَقْبَلَ مَجْرى الماضِي لِتَحَقُّقِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ .
﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ﴿يَرى﴾، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ. أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا إذا عايَنُوا العَذابَ لَنَدِمُوا أشَدَّ النَّدَمِ. وقِيلَ هو مُتَعَلِّقُ الجَوابِ والمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْدادَهم لا تَنْفَعُ، لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ كُلِّها لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ غَيْرَهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ: و « لَوْ تَرى» عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أيْ ولَوْ تَرى ذَلِكَ لَرَأيْتُ أمْرًا عَظِيمًا، وابْنُ عامِرٍ: « إذْ يُرَوْنَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَعْقُوبُ إنَّ بِالكَسْرِ وكَذا ﴿وَأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ إضْمارِ القَوْلِ.(p-118)
البقرة 2:166
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾، أيْ إذْ تَبَرَّأ المُتَّبَعُونَ مِنَ الأتْباعِ. وقُرِئَ بِالعَكْسِ، أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ أيْ رائِينَ لَهُ، والواوُ لِلْحالِ، وقَدْ مُضْمَرَةٌ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى تَبَرَّأ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ يُحْتَمَلُ العَطْفُ عَلى تَبَرَّأ، أوْ رَأوْا والواوُ لِلْحالِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. والأسْبابُ: الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم مِنَ الأتْباعِ والِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ، والأغْراضِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ. وأصْلُ السَّبَبِ: الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ الشَّجَرُ. وقُرِئَ « وتُقُطِّعَتْ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ ﴿لَوْ﴾ لِلتَّمَنِّي ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ، أيْ لَيْتَ لَنا كَرَّةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَذَلِكَ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ الفَظِيعِ. ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ نَداماتٍ، وهي ثالِثُ مَفاعِيلِ يَرى أنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وإلّا فَحالٌ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ أصْلُهُ وما يَخْرُجُونَ، فَعَدَلَ بِهِ إلى هَذِهِ العِبارَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا.
البقرة 2:167
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾، أيْ إذْ تَبَرَّأ المُتَّبَعُونَ مِنَ الأتْباعِ. وقُرِئَ بِالعَكْسِ، أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ أيْ رائِينَ لَهُ، والواوُ لِلْحالِ، وقَدْ مُضْمَرَةٌ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى تَبَرَّأ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ يُحْتَمَلُ العَطْفُ عَلى تَبَرَّأ، أوْ رَأوْا والواوُ لِلْحالِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. والأسْبابُ: الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم مِنَ الأتْباعِ والِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ، والأغْراضِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ. وأصْلُ السَّبَبِ: الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ الشَّجَرُ. وقُرِئَ « وتُقُطِّعَتْ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ ﴿لَوْ﴾ لِلتَّمَنِّي ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ، أيْ لَيْتَ لَنا كَرَّةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَذَلِكَ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ الفَظِيعِ. ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ نَداماتٍ، وهي ثالِثُ مَفاعِيلِ يَرى أنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وإلّا فَحالٌ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ أصْلُهُ وما يَخْرُجُونَ، فَعَدَلَ بِهِ إلى هَذِهِ العِبارَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا.
البقرة 2:168
﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا﴾ نَزَلَتْ في قَوْمٍ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ رَفِيعَ الأطْعِمَةِ والمَلابِسِ، وحَلالًا مَفْعُولُ كُلُوا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِمّا في الأرْضِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ إذْ لا يُؤْكَلُ كُلُّ ما في الأرْضِ طَيِّبًا يَسْتَطِيبُهُ الشَّرْعُ، أوِ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ. إذِ الحَلالُ دَلَّ عَلى الأوَّلِ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لا تَقْتَدُوا بِهِ في اتِّباعِ الهَوى فَتُحَرِّمُوا الحَلالَ وتُحَلِّلُوا الحَرامَ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والبِزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ حَيْثُ وقَعَ بِتَسْكِينِ الطّاءِ وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي. وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ جُعِلَتْ ضَمَّةُ الطّاءِ كَأنَّها عَلَيْها، وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ خُطْوَةٍ وهي المَرَّةُ مِنَ الخَطْوِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ وإنْ كانَ يُظْهِرُ المُوالاةَ لِمَن يُغْوِيهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ ولِيًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ .
البقرة 2:169
﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ بَيانٌ لِعَداوَتِهِ، ووُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِ. واسْتُعِيرَ الأمْرُ لِتَزْيِينِهِ وبَعْثِهِ لَهم عَلى الشَّرِّ تَسْفِيهًا لِرَأْيِهِمْ وتَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ، والسُّوءُ والفَحْشاءُ ما أنْكَرَهُ العَقْلُ واسْتَقْبَحَهُ الشَّرْعُ، والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ فَإنَّهُ سُوءٌ لِاغْتِمامِ العاقِلِ بِهِ، وفَحْشاءٌ بِاسْتِقْباحِهِ إيّاهُ. وقِيلَ: السُّوءُ يَعُمُّ القَبائِحَ، والفَحْشاءُ ما يَتَجاوَزُ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ الكَبائِرِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والثّانِي ما شُرِعَ فِيهِ الحَدُّ ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كاتِّخاذِ الأنْدادِ وتَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ وتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا. وأمّا اتِّباعُ المُجْتَهِدِ لِما أدّى إلَيْهِ ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إلى مُدْرَكٍ شَرْعِيٍّ فَوُجُوبُهُ قَطْعِيٌّ، والظَّنُّ في طَرِيقِهِ كَما بَيَّنّاهُ في الكُتُبِ الأُصُولِيَّةِ.
البقرة 2:170
(p-119)﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ، وعَدَلَ بِالخِطابِ عَنْهم لِلنِّداءِ عَلى ضَلالِهِمْ، كَأنَّهُ التَفَتَ إلى العُقَلاءِ وقالَ لَهُمُ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الحَمْقى ماذا يُجِيبُونَ. ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ما وجَدْناهم عَلَيْهِ، نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ أُمِرُوا بِاتِّباعِ القُرْآنِ وسائِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ، فَجَنَحُوا إلى التَّقْلِيدِ. وقِيلَ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا لِأنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا وأعْلَمَ. وعَلى هَذا فَيَعُمُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ التَّوْراةَ لِأنَّها أيْضًا تَدْعُو إلى الإسْلامِ. ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أوِ العَطْفِ. والهَمْزَةُ لِلرَّدِّ والتَّعْجِيبِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ لَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً لا يَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ لاتَّبَعُوهم. وهو دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ لِمَن قَدَرَ عَلى النَّظَرِ والِاجْتِهادِ. وأمّا اتِّباعُ الغَيْرِ في الدِّينِ إذا عُلِمَ بِدَلِيلٍ ما أنَّهُ مُحِقٌّ كالأنْبِياءِ والمُجْتَهِدِينَ في الأحْكامِ، فَهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ بَلِ اتِّباعٌ لِما أنْزَلَ اللَّهُ.
البقرة 2:171
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ بِهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ. والمَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ لا يُلْقُونَ أذْهانَهم إلى ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولا يَتَأمَّلُونَ فِيما يُقَرَّرُ مَعَهُمْ، فَهم في ذَلِكَ كالبَهائِمِ الَّتِي يُنْعَقُ عَلَيْها فَتَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَعْرِفُ مَغْزاهُ، وتُحِسُّ بِالنِّداءِ ولا تَفْهَمُ مَعْناهُ. وقِيلَ هو تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها، بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ. أوْ تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ وهو التَّصْوِيتُ عَلى البَهائِمِ، وهَذا يُغْنِي الإضْمارَ ولَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ إلّا دُعاءً ونِداءً، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ إلّا أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ المُرَكَّبِ.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ. ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ بِالفِعْلِ لِلْإخْلالِ بِالنَّظَرِ.
البقرة 2:172
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لَمّا وسَّعَ الأمْرَ عَلى النّاسِ كافَّةً وأباحَ لَهم ما في الأرْضِ سِوى ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ مِنهم أنْ يَتَحَرَّوْا طَيِّباتِ ما رُزِقُوا ويَقُومُوا بِحُقُوقِها فَقالَ:
﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ عَلى ما رَزَقَكم وأحَلَّ لَكم. ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ، فَإنَّ عِبادَتَهُ تَعالى لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ. فالمُعَلَّقُ بِفِعْلِ العِبادَةِ هو الأمْرُ بِالشُّكْرِ لِإتْمامِهِ، وهو عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنِّي والإنْسَ والجِنَّ في نَبَأٍ عَظِيمٍ، أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي» .
البقرة 2:173
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ أكْلَها، أوِ الِانْتِفاعَ بِها. وهي الَّتِي ماتَتْ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ. والحَدِيثُ أُلْحِقَ بِها ما أبْيَنَ مِن حَيٍّ. والسَّمَكُ والجَرادُ أخْرَجَهُما العُرْفُ عَنْها، أوِ اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ. والحُرْمَةُ المُضافَةُ إلى العَيْنِ تُفِيدُ عُرْفًا حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ فِيها مُطْلَقًا إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، كالتَّصَرُّفِ في المَدْبُوغِ. ﴿والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ إنَّما خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ وسائِرِ أجْزائِهِ كالتّابِعِ لَهُ. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ رُفِعَ بِهِ (p-120)الصَّوْتُ عِنْدَ ذَبْحِهِ لِلصَّنَمِ. والإهْلالُ أصْلُهُ رُؤْيَةُ الهِلالِ، يُقالُ: أهَلَّ الهِلالُ وأهْلَلْتُهُ. لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ أنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِالتَّكْبِيرِ إذا رُئِيَ سُمِّيَ ذَلِكَ إهْلالًا، ثُمَّ قِيلَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ بِالِاسْتِيثارِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ. وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو حَمْزَةُ بِكَسْرِ النُّونِ. ﴿وَلا عادٍ﴾ سَدِّ الرَّمَقِ، أوِ الجَوْعَةِ. وقِيلَ غَيْرِ باغٍ عَلى الوالِي. ولا عادٍ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ. فَعَلى هَذا لا يُباحُ لِلْعاصِي بِالسَّفَرِ وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وقَوْلُ أحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تَناوُلِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما فَعَلَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالرُّخْصَةِ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما تُفِيدُ قَصْرَ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ وكَمْ مِن حَرامٍ لَمْ يُذْكَرْ. قُلْتُ: المُرادُ قَصْرُ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ لا مُطْلَقًا، أوْ قَصْرُ حُرْمَتِهِ عَلى حالِ الِاخْتِيارِ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْياءَ ما لَمْ تَضْطَرُّوا إلَيْها.
البقرة 2:174
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عِوَضًا حَقِيرًا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ إمّا في الحالِ، لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ لِكَوْنِها عُقُوبَةً عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ أكَلَ النّارَ كَقَوْلِهِ:
؎ أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضَرَّةٍ... بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
يَعْنِي الدِّيَةَ. أوْ في المَآلِ أيْ لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّارَ. ومَعْنى في بُطُونِهِمْ: مِلْءُ بُطُونِهِمْ. يُقالُ أكَلَ في بَطْنِهِ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ كَقَوْلِهِ:
كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تُعْفُوا
﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِبارَةُ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ حالَ مُقابَلِيهِمْ في الكَرامَةِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ في الدُّنْيا. ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ في الآخِرَةِ، بِكِتْمانِ الحَقِّ لِلْمَطامِعِ والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ تَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ في الِالتِباسِ بِمُوجِباتِ النّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ. وما تامَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وتَخْصِيصُها كَتَخْصِيصِ قَوْلِهِمْ:
شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ
أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ وما بَعْدَها الخَبَرُ، أوْ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
البقرة 2:175
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عِوَضًا حَقِيرًا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ إمّا في الحالِ، لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ لِكَوْنِها عُقُوبَةً عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ أكَلَ النّارَ كَقَوْلِهِ:
؎ أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضَرَّةٍ... بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
يَعْنِي الدِّيَةَ. أوْ في المَآلِ أيْ لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّارَ. ومَعْنى في بُطُونِهِمْ: مِلْءُ بُطُونِهِمْ. يُقالُ أكَلَ في بَطْنِهِ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ كَقَوْلِهِ:
كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تُعْفُوا
﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِبارَةُ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ حالَ مُقابَلِيهِمْ في الكَرامَةِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ في الدُّنْيا. ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ في الآخِرَةِ، بِكِتْمانِ الحَقِّ لِلْمَطامِعِ والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ تَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ في الِالتِباسِ بِمُوجِباتِ النّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ. وما تامَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وتَخْصِيصُها كَتَخْصِيصِ قَوْلِهِمْ:
شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ
أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ وما بَعْدَها الخَبَرُ، أوْ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
البقرة 2:176
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ فَرَفَضُوهُ بِالتَّكْذِيبِ أوِ الكِتْمانِ. ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ اللّامُ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ واخْتِلافُهم إيمانُهم بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وكُفْرُهم بِبَعْضٍ. أوْ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إمّا إلى التَّوْراةِ، واخْتَلَفُوا بِمَعْنى تَخَلَّفُوا عَنِ المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ في تَأْوِيلِها، أوْ خَلَّفُوا خِلالَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مَكانَهُ، أيْ حَرَّفُوا ما فِيها. وإمّا إلى القُرْآنِ واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُهم سِحْرٌ، وتَقَوَّلَ، وكَلامٌ عَلَّمَهُ بَشَرٌ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ. ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ لَفي خِلافٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ.
البقرة 2:177
(p-121)﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ البِرُّ كُلُّ فِعْلٍ مُرْضٍ، والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم أكْثَرُوا الخَوْضَ في أمْرِ القِبْلَةِ حِينَ حُوِّلَتْ، وادَّعى كُلُّ طائِفَةٍ أنَّ البِرَّ هو التَّوَجُّهُ إلى قِبْلَتِهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وقالَ لَيْسَ البِرَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ مَنسُوخٌ، ولَكِنَّ البِرَّ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ عامٌّ لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ، أيْ لَيْسَ البِرُّ مَقْصُورًا بِأمْرِ القِبْلَةِ، أوْ لَيْسَ البِرَّ العَظِيمَ الَّذِي يَحْسُنُ أنْ تُذْهِلُوا بِشَأْنِهِ عَنْ غَيْرِهِ أمْرَها، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ البِرَّ بِالنَّصْبِ ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ﴾ أيْ ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُهْتَمَّ بِهِ بِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، أوْ لَكِنَّ ذا البَرِّ مَن آمَنَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ولَكِنَّ « البارَّ» . والأوَّلُ أوْفَقُ وأحْسَنُ. والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، أوِ القُرْآنُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ولَكِنْ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ البِرِّ. ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ عَلى حُبِّ المالِ،
«قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سُئِلَ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ قالَ « أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ العَيْشَ، وتَخْشى الفَقْرَ» . وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ، أوْ لِلْمَصْدَرِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿ذَوِي القُرْبى واليَتامى﴾ يُرِيدُ المَحاوِيجَ مِنهُمْ، ولَمْ يُقَيِّدْ لِعَدَمِ الِالتِباسِ. وقَدَّمَ ذَوِي القُرْبى لِأنَّ إيتاءَهم أفْضَلً كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «صَدَقَتُكَ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ وعَلى ذَوِي رَحِمِكَ اثْنَتانِ، صَدَقَةٌ وصِلَةٌ» . ﴿والمَساكِينَ﴾ جَمْعُ المِسْكِينِ وهو الَّذِي أسْكَنَتْهُ الخَلَّةُ، وأصْلُهُ دائِمُ السُّكُونِ كالمِسْكِيرِ لِلدّائِمِ السُّكْرِ. ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ المُسافِرُ، سُمِّيَ بِهِ لِمُلازَمَتِهِ السَّبِيلَ كَما سُمِّيَ القاطِعُ ابْنَ الطَّرِيقِ. وقِيلَ الضَّيْفَ لِأنَّ السَّبِيلَ يُرْعَفُ بِهِ. ﴿والسّائِلِينَ﴾ الَّذِينَ ألْجَأتْهُمُ الحاجَةُ إلى السُّؤالِ،
وَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ «لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسِهِ» . ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ وفي تَخْلِيصِها بِمُعاوَنَةِ المُكاتَبِينَ، أوْ فَكِّ الأُسارى، أوِ ابْتِياعِ الرِّقابِ لِعِتْقِها. ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ. ﴿وَآتى الزَّكاةَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ ومِن قَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ﴾ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، ولَكِنَّ الغَرَضَ مِنَ الأوَّلِ بَيانُ مَصارِفِها، ومِنَ الثّانِي أداؤُها والحَثُّ عَلَيْها.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ نَوافِلَ الصَّدَقاتِ أوْ حُقُوقًا كانَتْ في المالِ سِوى الزَّكاةِ.
وَفِي الحَدِيثِ «نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ» . ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَن آمَنَ﴾ . ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ نَصَبَهُ عَلى المَدْحِ ولَمْ يَعْطِفْ لِفَضْلِ الصَّبْرِ عَلى سائِرِ الأعْمالِ. وعَنِ الأزْهَرِيِّ: البَأْساءُ في الأمْوالِ كالفَقْرِ، والضَّرّاءُ في الأنْفُسِ كالمَرَضِ. ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾ وقْتَ مُجاهَدَةِ العَدُوِّ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الدِّينِ واتِّباعِ الحَقِّ وطَلَبِ البِرِّ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ عَنِ الكُفْرِ وسائِرِ الرَّذائِلِ. والآيَةُ كَما تَرى جامِعَةٌ لِلْكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ بِأسْرِها دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا أوْ ضِمْنًا، فَإنَّها بِكَثْرَتِها وتَشَعُّبِها مُنْحَصِرَةٌ في ثَلاثَةِ أشْياءَ:
صِحَّةِ الِاعْتِقادِ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، وتَهْذِيبِ النَّفْسِ. وقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ . وإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ﴾ إلى ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ وإلى الثّالِثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ إلى آخِرِها ولِذَلِكَ وُصِفَ المُسْتَجْمِعُ لَها بِالصِّدْقِ نَظَرًا إلى إيمانِهِ واعْتِقادِهِ بِالتَّقْوى، اعْتِبارًا بِمُعاشَرَتِهِ لِلْخَلْقِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ الحَقِّ. وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ»
البقرة 2:178
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنكم بِالعَبْدِ (p-122)والذَّكَرَ بِالأُنْثى. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ، وأمَرَهم أنْ يَتَباوَءُوا. ولا تَدُلُّ عَلى أنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بِالعَبْدِ والذَّكَرُ بِالأُنْثى، كَما لا تَدُلُّ عَلى عَكْسِهِ، فَإنَّ المَفْهُومَ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّخْصِيصِ غَرَضٌ سِوى اخْتِصاصِ الحُكْمِ وقَدْ بَيَّنّا ما كانَ الغَرَضُ وإنَّما مَنَعَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قَتْلَ الحُرِّ بِالعَبْدِ سَواءٌ كانَ عَبْدَهُ أوْ عَبْدَ غَيْرِهِ، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ الرَّسُولُ ﷺ ونَفاهُ سَنَةً ولَمْ يُقِدْهُ بِهِ.»
وَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِذِي عَهْدٍ ولا حَرٌّ بِعَبْدٍ.»
وَلِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ بَيْنَ أظْهُرِ الصَّحابَةِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَلِلْقِياسِ عَلى الأطْرافِ، ومَن سَلِمَ دَلالَتُهُ فَلَيْسَ لَهُ دَعْوى نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لِأنَّهُ حِكايَةُ ما في التَّوْراةِ فَلا يَنْسَخُ ما في القُرْآنِ. واحْتَجَّتِ الحَنَفِيَّةُ بِهِ عَلى أنَّ مُقْتَضى العَمْدِ القَوَدُ وحْدَهُ، وهو ضَعِيفٌ إذِ الواجِبُ عَلى التَّخْيِيرِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ وُجِبَ وكُتِبَ، ولِذَلِكَ قِيلَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الواجِبِ وغَيْرِهِ لَيْسَ نَسْخًا لِوُجُوبِهِ. وقُرِئَ « كُتِبَ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و « القِصاصَ» بِالنَّصْبِ، وكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ جاءَ في القُرْآنِ. ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ، لِأنَّ عَفا لازِمٌ. وفائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّ بَعْضَ العَفْوِ كالعَفْوِ التّامِّ في إسْقاطِ القِصاصِ. وقِيلَ عَفا بِمَعْنى تَرَكَ، وشَيْءٌ مَفْعُولٌ بِهِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ عَفا الشَّيْءَ بِمَعْنى تَرَكَهُ بَلْ أعْفاهُ. وعَفا يُعَدّى بِعْنَ إلى الجانِي وإلى الذَّنْبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وقالَ ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ . فَإذا عُدِّيَ بِهِ إلى الذَّنْبِ عُدِّيَ إلى الجانِي بِاللّامِ وعَلَيْهِ ما في الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِن عُفِيَ لَهُ عَنْ جِنايَتِهِ مِن جِهَةِ أخِيهِ، يَعْنِي ولِيَّ الدَّمِ. وذَكَرَهُ بِلَفْظِ الإخْوَةِ الثّابِتَةَ بَيْنَهُما مِنَ الجِنْسِيَّةِ والإسْلامِ لِيَرِقَّ لَهُ ويَعْطِفَ عَلَيْهِ. ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَلْيَكُنِ اتِّباعٌ، أوْ فالأمْرُ اتِّباعٌ. والمُرادُ بِهِ وصِيَّةُ العافِي بِأنْ يَطْلُبَ الدِّيَةَ بِالمَعْرُوفِ فَلا يُعَنِّفُ، والمَعْفُوُّ عَنْهُ بِأنْ يُؤَدِّيَها بِالإحْسانِ: وهو أنْ لا يَمْطُلَ ولا يَبْخَسَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدِّيَةَ أحَدُ مُقْتَضى العَمْدِ، وإلّا لَما رَتَّبَ الأمْرَ بِأدائِها عَلى مُطْلَقِ العَفْوِ. ولِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المَسْألَةِ قَوْلانِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ المَذْكُورُ في العَفْوِ والدِّيَةِ. ﴿تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ لِما فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلِ والنَّفْعِ، قِيلَ كُتِبَ عَلى اليَهُودِ القِصاصُ وحْدَهُ، وعَلى النَّصارى العَفْوُ مُطْلَقًا. وخُيِّرَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الدِّيَةِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ وتَقْدِيرًا لِلْحُكْمِ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ أيْ قَتَلَ بَعْدَ العَفْوِ وأخْذِ الدِّيَةِ. فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ. وقِيلَ في الدُّنْيا بِأنْ يَقْتُلَ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «لا أُعافِي أحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةِ»
البقرة 2:179
﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِن حَيْثُ جَعْلُ الشَّيْءِ مَحَلَّ ضِدِّهِ، وعَرَّفَ القِصاصَ ونَكَّرَ الحَياةَ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ نَوْعًا مِنَ الحَياةِ عَظِيمًا، وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَرْدَعُ القاتِلَ عَنِ القَتْلِ، فَيَكُونُ سَبَبَ حَياةِ نَفْسَيْنِ. ولِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ، والجَماعَةَ بِالواحِدِ، فَتَثُورُ الفِتْنَةُ بَيْنَهم. فَإذا اقْتُصَّ مِنَ القاتِلِ سَلَّمَ الباقُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ. وعَلى الأوَّلِ فِيهِ إضْمارٌ وعَلى الثّانِي تَخْصِيصٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِها الحَياةُ الأُخْرَوِيَّةُ، فَإنَّ القاتِلَ إذا اقْتَصَّ مِنهُ في الدُّنْيا لَمْ يُؤاخَذْ بِهِ في الآخِرَةِ. ﴿وَلَكم في القِصاصِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِحَياةٍ وأنْ يَكُونَ أحَدُهُما خَبَرًا والآخِرِ صِلَةً لَهُ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. وقُرِئَ في « القَصَصِ» أيْ فِيما قُصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ حَياةٌ، أوْ في القُرْآنِ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ. ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ ذَوِي العُقُولِ الكامِلَةِ. ناداهم لِلتَّأمُّلِ في حِكْمَةِ القِصاصِ مِنِ اسْتِبْقاءِ الأرْواحِ وحِفْظِ النُّفُوسِ. ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى القِصاصِ والحُكْمِ بِهِ والإذْعانِ لَهُ، أوْ عَنِ القِصاصِ فَتَكُفُّوا عَنِ القَتْلِ.
البقرة 2:180
(p-123)﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ حَضَرَتْ أسْبابُهُ وظَهَرَتْ أماراتُهُ. ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ مالًا وقِيلَ مالًا كَثِيرًا، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ مَوْلًى لَهُ أرادَ أنْ يُوصِيَ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَنَعَهُ وقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ والخَيْرُ هو المالُ الكَثِيرُ.
وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يُوصِيَ فَسَألَتْهُ كَمْ مالُكَ؟ فَقالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ. فَقالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ. قالَتْ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ. ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ مَرْفُوعُ بِكُتِبَ، وتَذْكِيرُ فِعْلِها لِلْفَصْلِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ أنْ يُوصِيَ أوِ الإيصاءِ ولِذَلِكَ ذَكَرَ الرّاجِعَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ . والعامِلُ في إذا مَدْلُولُ كُتِبَ لا الوَصِيَّةُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْها. وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِإضْمارِ الفاءِ كَقَوْلِهِ:
؎ مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها... والشَّرُّ بِالشَّرِ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ
وَرُّدَّ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فَمِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ. وكانَ هَذا الحُكْمُ في بَدْءِ الإسْلامِ فَنُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» . وفِيهِ نَظَرٌ: لِأنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُهُ بَلْ تُؤَكِّدُهُ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، والحَدِيثُ مِنَ الآحادِ، وتَلَقِّي الأُمَّةِ لَهُ بِالقَبُولِ لا يُلْحِقُهُ بِالمُتَواتِرِ. ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنْهُ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ . أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضِرِ لَهم بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالعَدْلِ فَلا يُفَضِّلُ الغِنى، ولا يَتَجاوَزُ الثُّلُثَ. ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
البقرة 2:181
﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ غَيْرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ. ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ عِنْدِهِ، ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فَما إثْمُ الإيصاءِ المُغَيَّرِ أوِ التَّبْدِيلِ إلّا عَلى مُبْدِلِيهِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خافُوا وخالَفُوا الشَّرْعَ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ أيْ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، مِن قَوْلِهِمْ أخافُ أنْ تُرْسَلَ السَّماءُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ « مُوصٍّ» مُشَدَّدًا. ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ. ﴿أوْ إثْمًا﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ. ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ الأوَّلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ، وذَكَرَ المَغْفِرَةَ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.
البقرة 2:182
﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ غَيْرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ. ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ عِنْدِهِ، ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فَما إثْمُ الإيصاءِ المُغَيَّرِ أوِ التَّبْدِيلِ إلّا عَلى مُبْدِلِيهِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خافُوا وخالَفُوا الشَّرْعَ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ أيْ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، مِن قَوْلِهِمْ أخافُ أنْ تُرْسَلَ السَّماءُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ « مُوصٍّ» مُشَدَّدًا. ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ. ﴿أوْ إثْمًا﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ. ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ الأوَّلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ، وذَكَرَ المَغْفِرَةَ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.
البقرة 2:183
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ والأُمَمَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وتَرْغِيبٌ في الفِعْلِ وتَطْيِيبٌ عَلى النَّفْسِ. والصَّوْمُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ عَمّا تُنازِعُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وفي الشَّرْعِ: الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ بَياضَ النَّهارِ، فَإنَّها مُعْظَمُ ما تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ. ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ المَعاصِيَ فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ الَّتِي هي مَبْدَؤُها كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ» أوِ الإخْلالُ بِأدائِهِ لِأصالَتِهِ وقِدَمِهِ.(p-124)
البقرة 2:184
﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ مُؤَقَّتاتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، أوْ قَلائِلَ. فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المالِ يُعَدُّ عَدًّا والكَثِيرُ يُهالُ هَيْلًا، ونَصْبُها لَيْسَ بِالصِّيامِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بَلْ بِإضْمارِ صُومُوا لِدَلالَةِ الصِّيامِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِها رَمَضانُ أوْ ما وجَبَ صَوْمُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ ونُسِخَ بِهِ، وهو عاشُوراءُ أوْ ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، أوْ بِـ ﴿كَما كُتِبَ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ عَلى السِّعَةِ. وقِيلَ مَعْناهُ صَوْمُكم كَصَوْمِهِمْ في عَدَدِ الأيّامِ، لِما رُوِيَ: أنَّ رَمَضانَ كُتِبَ عَلى النَّصارى، فَوَقَعَ في بَرْدٍ أوْ حَرٍّ شَدِيدٍ فَحَوَّلُوهُ إلى الرَّبِيعِ وزادُوا عَلَيْهِ عِشْرِينَ كَفّارَةً لِتَحْوِيلِهِ. وقِيلَ زادُوا ذَلِكَ لَمُوتانٍ - أصابَهم. ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ مَرَضًا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ أوْ يَعْسُرُ مَعَهُ. أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ راكِبِ سَفَرٍ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مَن سافَرَ أثْناءَ اليَوْمِ لَمْ يُفْطِرْ. ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ صَوْمُ عَدَدِ أيّامِ المَرَضِ أوِ السَّفَرِ مِن أيّامٍ أُخَرَ إنْ أفْطَرَ، فَحُذِفَ الشَّرْطُ والمُضافُ والمُضافُ إلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِها.
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْ فَلْيَصُمْ عِدَّةً، وهَذا عَلى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ. وقِيلَ عَلى الوُجُوبِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الظّاهِرِيَّةُ وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعَلى المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ إنْ أفْطَرُوا. ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ عِنْدَ فُقَهاءِ العِراقِ، ومُدٌّ عِنْدَ فُقَهاءِ الحِجازِ. رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ لَمّا أُمِرُوا بِالصَّوْمِ فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَتَعَوَّدُوهُ، ثُمَّ نُسِخَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ بِإضافَةِ الفِدْيَةِ إلى الطَّعامِ وجَمْعِ « المَساكِينِ» . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ هِشامٍ « مَساكِينَ» بِغَيْرِ إضافَةِ الفِدْيَةِ إلى الطَّعامِ، والباقُونَ بِغَيْرِ إضافَةٍ وتَوْحِيدِ مِسْكِينٍ، وقُرِئَ « يُطَوِّقُونَهُ» أيْ يُكَلِّفُونَهُ ويُقَلِّدُونَهُ في الطَّوْقِ بِمَعْنى الطّاقَةِ أوِ القِلادَةِ ويَتَطَوَّقُونَهُ أيْ يَتَكَلَّفُونَهُ، أوْ يَتَقَلَّدُونَهُ ويُطَوِّقُونَهُ بِالإدْغامِ، و « يُطِيقُونَهُ» و « يَطِيقُونَهُ» عَلى أنَّ أصْلَهُما يُطَيُّوقُونَهُ ويَتَطَوَّقُونَهُ مِن فَيْعَلٍ وتَفْعِيلٍ بِمَعْنى يُطَوِّقُونَهُ ويَتَطَوَّقُونَهُ، وعَلى هَذِهِ القِراءاتِ يَحْتَمِلُ مَعْنًى ثانِيًا وهو الرُّخْصَةُ لِمَن يُتْعِبُهُ الصَّوْمُ ويُجْهِدُهُ. وهُمُ الشُّيُوخُ والعَجائِزُ. في الإفْطارِ والفِدْيَةِ، فَيَكُونُ ثابِتًا وقَدْ أوَّلَ بِهِ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ، أيْ يَصُومُونَهُ جُهْدَهم وطاقَتَهم. ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَزادَ في الفِدْيَةِ. ﴿فَهُوَ﴾ فالتَّطَوُّعُ أوِ الخَيْرُ. ﴿خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ، أوِ المُطَوِّقُونَ وجَهِدْتُمْ طاقَتَكم. أوِ المُرَخِّصُونَ في الإفْطارِ لِيَنْدَرِجَ تَحْتَهُ المَرِيضُ والمُسافِرُ. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ أوْ تَطَوُّعِ الخَيْرِ أوْ مِنهُما ومِنَ التَّأْخِيرِ لِلْقَضاءِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما في الصَّوْمِ مِنَ الفَضِيلَةِ وبَراءَةِ الذِّمَّةِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيِ اخْتَرْتُمُوهُ. وقِيلَ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّدَبُّرِ عَلِمْتُمْ أنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ لَكم مِن ذَلِكَ.
البقرة 2:185
﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكم شَهْرُ رَمَضانَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الصِّيامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ كُتُبٍ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ صُومُوا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، ﴿وَأنْ تَصُومُوا﴾ وفِيهِ ضَعْفٌ، أوْ بَدَلٌ مِن أيّامٍ مَعْدُوداتٍ. والشَّهْرُ: مِنَ الشُّهْرَةِ، ورَمَضانُ: مَصْدَرُ رَمَضَ إذا احْتَرَقَ فَأُضِيفَ إلَيْهِ الشَّهْرُ وجُعِلَ عَلَمًا ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والألِفِ والنُّونِ، كَما مُنِعَ دَأْيَةُ في ابْنِ دَأْيَةَ عَلَمًا لِلْغُرابِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ،
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن صامَ رَمَضانَ» فَعَلى حَذْفِ المُضافِ لِأمْنِ الِالتِباسِ، وإنَّما سَمَّوْهُ بِذَلِكَ إمّا لِارْتِماضِهِمْ فِيهِ مِن حَرِّ الجُوعِ والعَطَشِ، أوْ لِارْتِماضِ الذُّنُوبِ فِيهِ، أوْ لِوُقُوعِهِ أيّامَ رَمْضِ الحَرِّ حِينَ ما نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ. (p-125)﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أيِ ابْتَدِئْ فِيهِ إنْزالُهُ، وكانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، أوْ أنْزِلُ فِيهِ جُمْلَةً إلى سَماءِ الدُّنْيا ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا إلى الأرْضِ، أوْ أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ وهو قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ .
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ»
والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أوْ صِفَتُهُ والخَبَرُ فَمَن شَهِدَ، والفاءُ لِوَصْفِ المُبْتَدَأِ بِما تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الإنْزالَ فِيهِ سَبَبُ اخْتِصاصِهِ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ. ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ حالانِ مِنَ القُرْآنِ، أنْ أُنْزِلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ بِإعْجازِهِ وآياتُ واضِحاتُ مِمّا يَهْدِي إلى الحَقِّ، ويُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ بِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَمَن حَضَرَ في الشَّهْرِ ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا فَلْيَصُمْ فِيهِ، والأصْلُ فَمَن شَهِدَ فِيهِ فَلْيَصُمْ فِيهِ، لَكِنُ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ الأوَّلِ لِلتَّعْظِيمِ، ونُصِبَ عَلى الظَّرْفِ وحُذِفَ الجارُّ ونُصِبَ الضَّمِيرُ الثّانِي عَلى الِاتِّساعِ. وقِيلَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ﴾ هِلالَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَقَوْلِكَ: شَهِدْتُ الجُمُعَةَ أيْ صَلاتَها فَيَكُونُ ﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ مُخَصَّصًا لَهُ، لِأنَّ المُسافِرَ والمَرِيضَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّهْرَ ولَعَلَّ تَكْرِيرَهُ لِذَلِكَ، أوْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ نَسْخُهُ كَما نُسِخَ قَرِينُهُ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ أيْ يُرِيدُ أنْ يُيَسِّرَ عَلَيْكم ولا يُعَسِّرَ عَلَيْكُمْ، فَلِذَلِكَ أباحَ الفِطْرَ في السَّفَرِ والمَرَضِ. ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ، أيْ وشَرَعَ جُمْلَةَ ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ والمُرَخَّصِ بِالقَضاءِ ومُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَ فِيهِ، والتَّرْخِيصُ ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ إلى آخِرِها عَلى سَبِيلِ اللَّفِّ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِالقَضاءِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَّةُ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ. أوِ الأفْعالُ كُلٌّ لِفِعْلِهِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ لِيُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ، أوْ لِتَعْلَمُوا ما تَعْلَمُونَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى اليُسْرِ أيْ ويُرِيدُ بِكم لِتُكْمِلُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ . والمَعْنِيُّ بِالتَّكْبِيرِ تَعْظِيمُ اللَّهِ بِالحَمْدِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى. وقِيلَ تَكْبِيرُ يَوْمِ الفِطْرِ، وقِيلَ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإهْلالِ وما يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ، والخَبَرُ أيِ الَّذِي هَداكم إلَيْهِ وعَنْ عاصِمٍ بِرِوايَةِ أبِي بَكْرٍ « ولِتُكَمِّلُوا» بِالتَّشْدِيدِ.
البقرة 2:186
﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ فَقُلْ لَهم إنِّي قَرِيبٌ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بِأفْعالِ العِبادِ وأقْوالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِهِمْ بِحالِ مَن قَرُبَ مَكانُهُ مِنهُمْ،
رُوِيَ: «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أقَرِيبُ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْقُرْبِ. ووَعْدٌ لِلدّاعِي بِالإجابَةِ.»
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ والطّاعَةِ كَما أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِمُهِمّاتِهِمْ ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أمْرٌ بِالثَّباتِ والمُداوَمَةِ عَلَيْهِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ راجِينَ إصابَةَ الرُّشْدِ وهو إصابَةُ الحَقِّ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِصَوْمِ الشَّهْرِ ومُراعاةِ العِدَّةِ، وحَثِّهِمْ عَلى القِيامِ بِوَظائِفِ التَّكْبِيرِ والشُّكْرِ، عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ مُجِيبٌ لِدُعائِهِمْ، مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ تَأْكِيدًا لَهُ وحَثًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحْكامَ الصَّوْمِ فَقالَ:
البقرة 2:187
(p-126)﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا أمْسَوْا حَلَّ لَهُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ إلى أنْ يُصَلُّوا العِشاءَ الآخِرَةَ أوْ يَرْقُدُوا، ثُمَّ: إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ باشَرَ بَعْدَ العِشاءِ فَنَدِمَ وأتى النَّبِيَّ ﷺ واعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقامَ رِجالٌ واعْتَرَفُوا بِما صَنَعُوا بَعْدَ العِشاءِ فَنَزَلَتْ.
وَلَيْلَةُ الصِّيامِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي تُصْبِحُ مِنها صائِمًا، والرَّفَثُ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن رَفَثٍ وهو الإفْصاحُ بِما يَجِبُ أنْ يُكَنّى عَنْهُ، وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، وإيثارُهُ هاهُنا لِتَقْبِيحِ ما ارْتَكَبُوهُ ولِذَلِكَ سَمّاهُ خِيانَةً. وقُرِئَ « الرُّفُوثُ» ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ سَبَبَ الإحْلالِ وهو قِلَّةُ الصَّبْرِ عَنْهُنَّ، وصُعُوبَةُ اجْتِنابِهِنَّ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ وشِدَّةِ المُلابَسَةِ، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ يَعْتَنِقانِ ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ شُبِّهَ بِاللِّباسِ قالَ الجَعْدِيُّ:
؎ إذا ما الضَّجِيعُ ثَنّى عِطْفَها... تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا
أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتُرُ حالَ صاحِبِهِ ويَمْنَعُهُ مِنَ الفُجُورِ. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ تَظْلِمُونَها بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وتَنْقِيصِ حَظِّها مِنَ الثَّوابِ، والِاخْتِيانُ أبْلَغُ مِنَ الخِيانَةِ كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ.
﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ لَمّا تُبْتُمْ مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ. ﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾ ومَحا عَنْكم أثَرَهُ. ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ لَمّا نَسَخَ عَنْكُمُ التَّحْرِيمَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ، والمُباشَرَةُ: إلْزاقُ البَشَرَةِ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الجِماعِ. ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ واطْلُبُوا ما قَدَّرَهُ لَكم وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ الوَلَدِ، والمَعْنى أنَّ المُباشِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ الوَلَدَ فَإنَّهُ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ الشَّهْوَةِ. وشَرَعَ النِّكاحَ لا قَضاءَ الوَطَرِ، وقِيلَ النَّهْيُ عَنِ العَزْلِ، وقِيلَ عَنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ. والتَّقْدِيرُ وابْتَغُوا المَحِلَّ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم. ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ شَبَّهَ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ وما يَمْتَدُّ مَعَهُ مِن غَبَشِ اللَّيْلِ، بِخَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، واكْتَفى بِبَيانِ الخَيْطِ الأبْيَضِ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ، لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وبِذَلِكَ خَرَجا عَنِ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّمْثِيلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّ ما يَبْدُو بَعْضُ الفَجْرِ. وما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ، فَعَمَدَ رِجالٌ إلى خَيْطَيْنِ أسْوَدَ وأبْيَضَ ولا يَزالُونَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ حَتّى يَتَبَيَّنا لَهم فَنَزَلَتْ، إنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضانَ وتَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزَةً، أوِ اكْتَفى أوَّلًا بِاشْتِهارِهِما في ذَلِكَ ثُمَّ صَرَّحَ بِالبَيانِ لِما التَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ وفي تَجْوِيزِ المُباشَرَةِ إلى الصُّبْحِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلَيْهِ وصِحَّةِ صَوْمِ المُصْبِحِ جُنُبًا ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ بَيانٌ لِآخِرِ وقْتِهِ اللَّيْلِ عَنْهُ فَيَنْفِي صَوْمَ الوِصالِ ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ مُعْتَكِفُونَ فِيها والِاعْتِكافُ هو اللُّبْثُ في المَسْجِدِ بِقَصْدِ القُرْبَةِ. والمُرادُ بِالمُباشَرَةِ: الوَطْءُ. وعَنْ قَتادَةَ كانَ الرَّجُلُ يَعْتَكِفُ فَيَخْرُجُ إلى امْرَأتِهِ فَيُباشِرُها ثُمَّ يَرْجِعُ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِكافَ يَكُونُ في المَسْجِدِ ولا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ.
وَأنَّ الوَطْءَ يَحْرُمُ فِيهِ ويُفْسِدُهُ لِأنَّ النَّهْيَ في العِباداتِ يُوجِبُ الفَسادَ. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيِ الأحْكامُ الَّتِي ذُكِرَتْ. ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ نَهى أنْ يُقْرَبَ الحَدُّ الحاجِزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ لِئَلّا يُدانِيَ الباطِلَ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَخَطّى عَنْهُ. كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وإنَّ حِمى اللَّهِ مَحارِمُهُ فَمَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ» .
وَهُوَ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ مَحارِمَهُ ومَناهِيَهُ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ مُخالَفَةَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
البقرة 2:188
(p-127)﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ أيْ ولا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى.
وَبَيْنَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوِ الحالِ مِنَ الأمْوالِ. ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ عَطْفٌ عَلى المَنهِيِّ، أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنَّ والإدْلاءُ الإلْقاءُ، أيْ ولا تُلْقُوا حُكُومَتَها إلى الحُكّامِ. ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بِالتَّحاكُمِ. ﴿فَرِيقًا﴾ طائِفَةً. ﴿مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ بِما يُوجِبُ إثْمًا، كَشَهادَةِ الزُّورِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم مُبْطِلُونَ، فَإنَّ ارْتِكابَ المَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِها أقْبَحُ.
«رُوِيَ أنَّ عَبْدانَ الحَضْرَمِيَّ ادَّعى عَلى امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ قِطْعَةً مِن أرْضٍ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَحْلِفَ امْرُؤُ القَيْسِ، فَهَمَّ بِهِ فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآيَةَ. فارْتَدَعَ عَنِ اليَمِينِ، وسَلَّمَ الأرْضَ إلى عَبْدانَ، فَنَزَلَتْ.» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ القاضِي لا يَنْفُذُ باطِنًا، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّما أنا بَشَرٌ وأنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم يَكُونُ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْضِي لَهُ قِطْعَةً مِن نارِهِ» .
البقرة 2:189
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ سَألَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنْمٍ فَقالا: (ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا كالخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ) ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ فَإنَّهم سَألُوا عَنِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ حالِ القَمَرِ وتَبَدُّلِ أمْرِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الحِكْمَةَ الظّاهِرَةَ في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مَعالِمَ لِلنّاسِ يُؤَقِّتُونَ بِها أُمُورَهُمْ، ومَعالِمَ لِلْعِباداتِ المُؤَقَّتَةِ يُعْرَفُ بِها أوْقاتُها. وخُصُوصًا الحَجَّ فَإنَّ الوَقْتَ مُراعًى فِيهِ أداءً وقَضاءً. والمَواقِيتُ: جَمْعُ مِيقاتٍ، مِنَ الوَقْتِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُدَّةِ والزَّمانِ: أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها. والزَّمانُ: مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ، والوَقْتُ: الزَّمانُ المَفْرُوضُ لِأمْرٍ. ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ وحَفْصٌ بِضَمِّ الباءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ. ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِ ولَكِنْ، ورَفْعِ البِرِّ. كانَتِ الأنْصارُ إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا دارًا ولا فُسْطاطًا مِن بابِهِ، وإنَّما يَدْخُلُونَ مِن نَقْبٍ أوْ فُرْجَةٍ وراءَهُ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ بِرًّا، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ وإنَّما البِرُّ: بِرُّ مِنِ اتَّقى المَحارِمَ والشَّهَواتِ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهم سَألُوا عَنِ الأمْرَيْنِ. أوْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها مَواقِيتُ الحَجِّ وهَذا أيْضًا مِن أفْعالِهِمْ في الحَجِّ ذَكَرَهُ لِلِاسْتِطْرادِ، أوْ أنَّهم لَمّا سَألُوا عَمّا لا يَعْنِيهِمْ ولا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ وتَرَكُوا السُّؤالَ عَمّا يَعْنِيهِمْ ويَخْتَصُّ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ، عَقَّبَ بِذِكْرِهِ جَوابَ ما سَألُوهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا أمْثالَ ذَلِكَ ويَهْتَمُّوا بِالعِلْمِ بِها، أوْ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْكِيسِهِمْ في السُّؤالِ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ مَن تَرَكَ بابَ البَيْتِ ودَخَلَ مِن ورائِهِ. والمَعْنى: ولَيْسَ البَرَّ بِأنْ تَعْكِسُوا مَسائِلَكم ولَكِنَّ البَرَّ بِرَّ مَنِ اتَّقى ذَلِكَ ولَمْ يَجْسُرْ عَلى مِثْلِهِ. ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ إذْ لَيْسَ في العُدُولِ بِرٌّ فَباشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِها. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تَغْيِيرِ أحْكامِهِ والِاعْتِراضِ عَلى أفْعالِهِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تَظْفَرُوا بِالهُدى والبِرِّ.
البقرة 2:190
﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاهِدُوا لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإعْزازِ دِينِهِ. ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ أُمِرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً المُقاتِلِينَ مِنهم والمُحاجِزِينَ. وقِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ ويُتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَشايِخِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ والنِّساءِ، أوِ الكَفَرَةُ كُلُّهم فَإنَّهم بِصَدَدِ قِتالِ المُسْلِمِينَ وعَلى قَصْدِهِ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما
رُوِيَ: أنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِن (p-128)قابِلٍ فَيُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ. شَرَّفَها اللَّهُ. ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَرَجَعَ لِعُمْرَةِ القَضاءِ وخافَ المُسْلِمُونَ أنْ لا يُوفُوا لَهم ويُقاتِلُوهم في الحَرَمِ. أوِ الشَّهْرِ الحَرامِ وكَرِهُوا ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ بِابْتِداءِ القِتالِ، أوْ بِقِتالِ المُعاهَدِ، أوِ المُفاجَأةِ بِهِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، أوِ المُثْلَةِ، أوْ قَتْلِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قَتْلِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ لا يُرِيدُ بِهِمُ الخَيْرَ.
البقرة 2:191
﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم في حِلٍّ أوْ حَرَمٍ. وأصْلُ الثَّقَفِ: الحِذْقُ في إدْراكِ الشَّيْءِ عِلْمًا كانَ أوْ عَمَلًا. فَهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى الغَلَبَةِ ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيها قالَ:
؎ فَأمّا تَثْقِفُونِي فاقْتُلُونِي... فَمَن أُثْقِفَ فَلَيْسَ إلى خُلُودِ
﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ، وقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِمَن لَمْ يُسْلِمْ يَوْمَ الفَتْحِ. ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ المِحْنَةُ الَّتِي يُفْتَتَنُ بِها الإنْسانُ كالإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ أصْعَبُ مِنَ القَتْلِ لِدَوامِ تَعَبِها وتَألُّمِ النَّفْسِ بِها. وقِيلَ: مَعْناهُ شِرْكُهم في الحَرَمِ وصَدُّهم إيّاكم عَنْهُ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم فِيهِ. ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ أيْ لا تُفاتِحُوهم بِالقِتالِ وهَتْكِ حُرْمَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ. ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ ثُمَّ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ هَتَكُوا حُرْمَتَهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فِيهِ فَإنْ قَتَلُوكم» . والمَعْنى حَتّى يَقْتُلُوا بَعْضَكم كَقَوْلِهِمْ قَتَلَنا بَنُو أسَدٍ. ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ جَزاؤُهم يُفْعَلُ بِهِمْ مِثْلُ ما فَعَلُوا.
البقرة 2:192
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ القِتالِ والكُفْرِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالِصًا لَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ. ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الشِّرْكِ. ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُظْلَمَ إلّا مِن ظَلَمَ، فَوَضَعَ العِلَّةَ مَوْضِعَ الحُكْمِ. وسُمِّيَ جَزاءُ الظُّلْمِ بِاسْمِهِ لِلْمُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ . أوْ أنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُنْتَهِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ ويَنْعَكِسُ الأمْرُ عَلَيْكُمْ، والفاءُ الأُولى لِلتَّعْقِيبِ والثّانِيَةُ لِلْجَزاءِ.
البقرة 2:193
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ القِتالِ والكُفْرِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالِصًا لَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ. ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الشِّرْكِ. ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُظْلَمَ إلّا مِن ظَلَمَ، فَوَضَعَ العِلَّةَ مَوْضِعَ الحُكْمِ. وسُمِّيَ جَزاءُ الظُّلْمِ بِاسْمِهِ لِلْمُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ . أوْ أنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُنْتَهِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ ويَنْعَكِسُ الأمْرُ عَلَيْكُمْ، والفاءُ الأُولى لِلتَّعْقِيبِ والثّانِيَةُ لِلْجَزاءِ.
البقرة 2:194
﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ واتَّفَقَ خُرُوجُهم لِعُمْرَةِ القَضاءِ فِيهِ، وكَرِهُوا أنْ يُقاتِلُوهم فِيهِ لِحُرْمَتِهِ فَقِيلَ لَهم هَذا الشَّهْرُ بِذاكَ وهَتْكُهُ بِهَتْكِهِ فَلا تُبالُوا بِهِ. ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ احْتِجاجٌ عَلَيْهِ، أيْ كُلُّ حُرْمَةٍ وهو ما يَجِبُ أنْ يُحافَظَ عَلَيْها يَجْرِي فِيها القِصاصُ. فَلَمّا هَتَكُوا حُرْمَةَ شَهْرِكم بِالصَّدِّ فافْعَلُوا بِهِمْ مِثْلَهُ، وادْخُلُوا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً واقْتُلُوهم إنْ قاتَلُوكم. كَما قالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ وهو فَذْلَكَةُ التَّقْرِيرِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الأنْصارِ ولا تَعْتَدُوا إلى ما لَمْ يُرَخَّصْ لَكم. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ فَيَحْرُسُهم ويُصْلِحُ شَأْنَهم.
البقرة 2:195
(p-129)﴿وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا تُمْسِكُوا كُلَّ الإمْساكِ. ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ بِالإسْرافِ وتَضْيِيعِ وجْهِ المَعاشِ، أوْ بِالكَفِّ عَنِ الغَزْوِ والإنْفاقِ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُقَوِّي العَدُوَّ ويُسَلِّطُهم عَلى إهْلاكِكم. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وكَثُرَ أهْلُهُ رَجَعْنا إلى أهالِينا وأمْوالِنا نُقِيمُ فِيها ونُصْلِحُها فَنَزَلَتْ، أوْ بِالإمْساكِ وحُبِّ المالِ فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ المُؤَبَّدِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُخْلُ هَلاكًا وهو في الأصْلِ انْتِهاءُ الشَّيْءِ في الفَسادِ، والإلْقاءُ: طَرْحُ الشَّيْءِ، وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، والباءُ مَزِيدَةٌ والمُرادُ بِالأيْدِي الأنْفُسُ، والتَّهْلُكَةُ والهَلاكُ والهَلَكُ واحِدٌ فَهي مَصْدَرٌ كالتَّضِرَّةِ والتَّسِرَّةِ، أيْ لا تُوقِعُوا أنْفُسَكم في الهَلاكِ وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَجْعَلُوها آخِذَةً بِأيْدِيكُمْ، أوْ لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم أنْفُسِكم إلَيْها فَحُذِفَ المَفْعُولُ. ﴿وَأحْسِنُوا﴾ أعْمالَكم وأخْلاقَكُمْ، أوْ تَفَضَّلُوا عَلى المَحاوِيجِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
البقرة 2:196
﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أيِ ائْتُوا بِهِما تامَّيْنِ مُسْتَجْمَعَيِ المَناسِكِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَلى هَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِما ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ « وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ»، وما رَوى جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ العُمْرَةُ واجِبَةٌ مِثْلُ الحَجِّ، فَقالَ: لا ولَكِنْ إنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ»
فَمَعارَضٌ بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، إنِّي وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ أهْلَلْتُ بِهِما جَمِيعًا، فَقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ» ولا يُقالُ إنَّهُ فَسَّرَ وجَدَ أنَّهُما مَكْتُوبَيْنِ بِقَوْلِهِ أهْلَلْتُ بِهِما فَجازَ أنْ يَكُونَ الوُجُوبُ بِسَبَبِ إهْلالِهِ بِهِما، لِأنَّهُ رَتَّبَ الإهْلالَ عَلى الوِجْدانِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَبَبُ الإهْلالِ دُونَ العَكْسِ. وقِيلَ إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، أوْ أنْ تُفْرِدَ لِكُلٍّ مِنهُما سَفَرًا، أوْ أنْ تُجَرِّدَهُ لَهُما لا تَشُوبُهُما بِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أوْ أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا. ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مُنِعْتُمْ، يُقالُ حَصَرُهُ العَدُوُّ وأحْصَرَهُ إذا حَبَسَهُ ومَنَعَهُ عَنِ المُضِيِّ، مِثْلَ صَدَّهُ وأصَدَّهُ، والمُرادُ حَصْرُ العَدُوِّ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَها اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ ولِنُزُولِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، ولِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ وكُلُّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ أوْ غَيْرِهِما عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، لِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مِن كَسْرٍ أوْ عَرَجٍ فَقَدْ حَلَّ فَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ»
وَهُوَ ضَعِيفٌ مُؤَوَّلٌ بِما إذا شُرِطَ الإحْلالُ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ «حُجِّي واشْتَرِطِي وقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»
﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ، أوْ فالواجِبُ ما اسْتَيْسَرَ. أوْ فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ. والمَعْنى إنْ أُحْصِرَ المُحْرِمُ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ الأكْثَرِ. لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَبَحَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ بِها وهي مِنَ الحِلِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَبْعَثُ بِهِ، ويَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ عَلى يَدِهِ يَوْمَ أمارٍ فَإذا جاءَ اليَوْمُ وظَنَّ أنَّهُ ذَبَحَ تَحَلَّلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أيْ لا تَحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ المَبْعُوثَ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَحِلَّهُ أيْ مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُنْحَرَ فِيهِ، وحَمَلَ الأوَّلُونَ بُلُوغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ عَلى ذَبْحِهِ حَيْثُ يَحِلُّ الذَّبْحُ فِيهِ حِلًّا كانَ أوْ حَرَمًا، واقْتِصارُهُ عَلى الهَدْيِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ القَضاءِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: يَجِبُ القَضاءُ، والمَحِلُّ. بِالكَسْرِ. يُطْلَقُ عَلى المَكانِ والزَّمانِ. والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَةٍ كَجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وقُرِئَ مِن « الهَدِيُّ» جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَمَطِيٍّ في مَطِيَّةٍ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ مَرَضًا يُحْوِجُهُ إلى الحَلْقِ.
﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ كَجِراحَةٍ وقَمْلٍ. ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ حَلَقَ. ﴿مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ بَيانٌ لِجِنْسِ الفِدْيَةِ، وأمّا قَدْرُها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ « لَعَلَّكَ آذاكَ هَوامُّكَ، قالَ: (p-130)نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: احْلِقْ وصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ أوِ انْسُكْ شاةً»
والفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ الإحْصارَ. أوْ كُنْتُمْ في حالِ سِعَةٍ وأمْنٍ. ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ فَمَنِ اسْتَمْتَعَ وانْتَفَعَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِالعُمْرَةِ قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِتَقَرُّبِهِ بِالحَجِّ في أشْهُرِهِ. وقِيلَ: فَمَنِ اسْتَمْتَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِن عُمْرَتِهِ بِاسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ. ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَعَلَيْهِ دَمٌ اسْتَيْسَرَهُ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ، فَهو دَمُ جَبْرٍ أنْ يَذْبَحَهُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ ولا يَأْكُلَ مِنهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، إنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَهو كالأُضْحِيَّةِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ الهَدْيَ. ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ في أيّامِ الِاشْتِغالِ بِهِ بَعْدَ الإحْرامِ وقَبْلَ التَّحَلُّلِ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أشْهُرِهِ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، والأحَبُّ أنْ يَصُومَ سابِعَ ذِي الحِجَّةِ وثامِنَهُ وتاسِعَهُ. ولا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ. ﴿وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهْلِيكم وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أوْ نَفَرْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن أعْمالِهِ وهو قَوْلُهُ الثّانِي ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقُرِئَ « سَبْعَةً» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ . ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فَذْلَكَةُ الحِسابِ، وفائِدَتُها أنْ لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ الواوَ بِمَعْنى أوْ، كَقَوْلِكَ جالَسَ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ. وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا فَإنَّ أكْثَرَ العَرَبِ لَمْ يُحْسِنُوا الحِسابَ، وأنَّ المُرادَ بِالسَّبْعَةِ هو العَدَدُ دُونَ الكَثْرَةِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ لَهُما ﴿كامِلَةٌ﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ تُفِيدُ المُبالِغَةَ في مُحافَظَةِ العَدَدِ، أوْ مُبِينَةٌ كَمالَ العَشْرَةِ فَإنَّهُ أوَّلُ عَدَدٍ كامِلٍ إذْ بِهِ تَنْتَهِي الآحادُ وتَتِمُّ مَراتِبُها، أوْ مُقَيِّدَةٌ تُقَيِّدُ كَمالِ بَدَلِيَّتِها مِنَ الهَدْيِ. ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ عِنْدَنا. والتَّمَتُّعُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ لا مُتْعَةَ ولا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ أيِ التَّمَتُّعَ مِنهم فَعَلَيْهِ دَمُ جِنايَةٍ. ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهو مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ عِنْدَنا، فَإنَّ مَن كانَ عَلى أقَلَّ فَهو مُقِيمٌ في الحَرَمِ، أوْ في حُكْمِهِ. ومَن مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ عِنْدَهُ وأهْلَ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ وغَيْرَ المَكِّيِّ عِنْدَ مالِكٍ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وخُصُوصًا في الحَجِّ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ كَيْ يَصُدَّكُمُ العِلْمُ بِهِ عَنِ العِصْيانِ.
البقرة 2:197
﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ أيْ وقْتُهُ. كَقَوْلِكَ البَرْدُ شَهْرانِ. ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ مَعْرُوفاتٌ وهِيَ: شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وتِسْعَةُ مِن ذِي الحِجَّةِ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ عِنْدَنا، والعَشْرُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وذِي الحِجَّةِ كُلُّهُ عِنْدَ مالِكٍ. وبِناءً عَلى الخِلافِ عَلى أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ إحْرامِهِ، أوْ وقْتُ أعْمالِهِ ومَناسِكِهِ، أوْ ما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا، فَإنَّ مالِكًا كَرِهَ العُمْرَةَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ. وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وإنْ صَحَّحَ الإحْرامَ بِهِ قَبْلَ شَوّالٍ فَقَدِ اسْتَكْرَهَهُ. وإنَّما سُمِّيَ شَهْرانِ وبَعْضُ شَهْرٍ أشْهُرًا إقامَةً لِلْبَعْضِ مَقامَ الكُلِّ، أوْ إطْلاقًا لِلْجَمْعِ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ. ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ فَمَن أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالإحْرامِ فِيهِنَّ عِنْدَنا، أوْ بِالتَّلْبِيَةِ أوْ سُوقِ الهَدْيِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وهو دَلِيلٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأنَّ مَن أحْرَمَ بِالحَجِّ لَزِمَهُ الإتْمامُ. ﴿فَلا رَفَثَ﴾ فَلا جِماعَ، أوْ فَلا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ. ﴿وَلا فُسُوقَ﴾ ولا خُرُوجَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ بِالسَّيِّئاتِ وارْتِكابِ المَحْظُوراتِ. ﴿وَلا جِدالَ﴾ ولا مِراءَ مَعَ الخَدَمِ والرُّفْقَةِ. ﴿فِي الحَجِّ﴾ في أيّامِهِ، نَفْيُ الثَّلاثَةِ عَلى قَصْدِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ لا تَكُونَ، وما كانَتْ مِنها مُسْتَقْبَحَةً في أنْفُسِها فَفي الحَجِّ أقْبَحَ كَلُبْسَةِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ. والتَّطْرِيبُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضى الطَّبْعِ والعادَةِ إلى مَحْضِ العِبادَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأوَّلُونَ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: لا يَكُونَنَّ رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ. والثّالِثُ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تُحالِفُ سائِرَ العَرَبِ فَتَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ، فارْتَفَعَ الخِلافُ بِأنْ أُمِرُوا أنْ يَقَعُوا أيْضًا بِعَرَفَةَ. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حَثٌّ عَلى الخَيْرِ (p-131)عَقَّبَ بِهِ النَّهْيَ عَنِ الشَّرِّ لِيُسْتَبْدَلَ بِهِ ويُسْتَعْمَلَ مَكانَهُ. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وتَزَوَّدُوا لِمَعادِكُمُ التَّقْوى فَإنَّهُ خَيْرُ زادٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ اليَمَنِ كانُوا يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ فَيَكُونُونَ كَلًّا عَلى النّاسِ، فَأُمِرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا ويَتَّقُوا الإبْرامَ في السُّؤالِ والتَّثْقِيلِ عَلى النّاسِ. ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ اللُّبِّ خَشْيَةُ اللَّهِ وتَقْواهُ، حَثَّهم عَلى التَّقْوى ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِها هو اللَّهُ تَعالى فَيَتَبَرَّأُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سِواهُ، وهو مُقْتَضى العَقْلِ المُعَرّى عَنْ شَوائِبِ الهَوى فَلِذَلِكَ خَصَّ أُولِي الألْبابِ بِهَذا الخِطابِ.
البقرة 2:198
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا﴾ أيْ في أنْ تَبْتَغُوا أيْ تَطْلُبُوا. فَضْلًا مِن رَبِّكم عَطاءً ورِزْقًا مِنهُ، يُرِيدُ الرِّبْحَ بِالتِّجارَةِ، وقِيلَ: كانَ عُكاظٌ ومِجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقَهم في الجاهِلِيَّةِ يُقِيمُونَها مَواسِمَ الحَجِّ، وكانَتْ مَعايِشُهم مِنها، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَأثَّمُوا مِنهُ فَنَزَلَتْ. ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ دَفَعْتُمْ مِنها بِكَثْرَةٍ، مَن أفْضْتُ الماءَ إذا صَبَبْتَهُ بِكَثْرَةٍ. وأصْلُهُ أفَضْتُمْ أنْفُسَكم فَحُذِفَ المَفْعُولُ كَما حُذِفَ في دَفَعْتُ مِنَ البَصْرَةِ. و ﴿عَرَفاتٍ﴾ جَمْعٌ سُمِّيَ بِهِ كَأذْرَعاتَ، وإنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ وفِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ لِأنَّ تَنْوِينَ الجَمْعِ تَنْوِينُ المُقابَلَةِ لا تَنْوِينُ التَّمْكِينِ ولِذَلِكَ يُجْمَعُ مَعَ اللّامِ، وذَهابُ الكَسْرَةِ تَبِعَ ذَهابَ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ لِعَدَمِ الصَّرْفِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ. أوْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ وهي لَيْسَتْ تاءَ تَأْنِيثٍ. وإنَّما هي مَعَ الألِفِ الَّتِي قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، أوْ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في سُعادَ ولا يَصِحُّ تَقْدِيرُها لِأنَّ المَذْكُورَةَ تَمْنَعُهُ مِن حَيْثُ إنَّها كالبَدَلِ لَها لِاخْتِصاصِها بِالمُؤَنَّثِ كَتاءِ بِنْتٍ، وإنَّما سُمِّيَ المَوْقِفُ عَرَفَةَ لِأنَّهُ نَعْتٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا أبْصَرَهُ عَرَفَهُ أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ فَلَمّا أراهُ إيّاهُ قالَ قَدْ عَرَفْتُ، أوْ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ التَقَيا فِيهِ فَتَعارَفا. أوْ لِأنَّ النّاسَ يَتَعارَفُونَ فِيهِ. وعَرَفاتٌ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ إلّا أنْ يُجْعَلَ جَمْعَ عارِفٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِها لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ وهي مَأْمُورٌ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ أوْ مُقَدِّمَةٌ لِلذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الذِّكْرُ غَيْرُ واجِبٍ بَلْ مُسْتَحَبٌّ. وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ واجِبٌ فَهو واجِبٌ مُقَيَّدٌ لا واجِبٌ مُطْلَقٌ حَتّى تَجِبَ مُقَدِّمَتُهُ والأمْرُ بِهِ غَيْرُ مُطْلَقٍ. فاذْكُرُوا اللَّهَ بِالتَّلْبِيَةِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ. ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ ويُسَمّى « قُزَحَ» . وقِيلَ: ما بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ ووادِي مُحَسِّرٍ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَوى جابِرٌ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا صَلّى الفَجْرَ - يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ بِغَلَسٍ - رَكِبَ ناقَتَهُ حَتّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ فَدَعا وكَبَّرَ وهَلَّلَ، ولَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتّى أسْفَرَ» وإنَّما سُمِّيَ مَشْعَرًا لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ بِالحَرامِ لِحُرْمَتِهِ: ومَعْنى عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ: مِمّا يَلِيهِ ويَقْرُبُ مِنهُ فَإنَّهُ أفْضَلُ، وإلّا فالمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلّا وادِي مُحَسِّرٍ. ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ كَما عَلَّمَكُمْ، أوِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ وغَيْرِها. وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الهُدى. ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ أيِ الجاهِلِينَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ .
البقرة 2:199
﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، والخِطابُ مَعَ قُرَيْشٍ كانُوا يَقِفُونَ بِجَمْعٍ وسائِرُ النّاسِ بِعَرَفَةَ ويَرَوْنَ ذَلِكَ تَرَفُّعًا عَلَيْهِمْ، فَأُمِرُوا بِأنْ يُساوُوهم. و ﴿ثُمَّ﴾ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى النّاسِ ثُمَّ لا تُحْسِنْ إلى غَيْرِ كَرِيمٍ. وقِيلَ: مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ إلَيْها والخِطابُ عامٌّ. وقُرِئَ « النّاسِ» بِالكَسْرِ أيِ النّاسِي يُرِيدُ آدَمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ والمَعْنى (p-132)أنَّ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ شَرْعٌ قَدِيمٌ فَلا تُغَيِّرُوهُ. ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ ونَحْوِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبَ المُسْتَغْفِرِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ.
البقرة 2:200
﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ فَإذا قَضَيْتُمُ العِباداتِ الحَجِّيَّةَ وفَرَغْتُمْ مِنها. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ فَأكْثِرُوا ذِكْرَهُ وبالِغُوا فِيهِ كَما تَفْعَلُونَ بِذِكْرِ آبائِكم في المُفاخَرَةِ. وكانَتِ العَرَبُ إذا قَضَوْا مَناسِكَهم وقَفُوا بِمِنًى بَيْنَ المَسْجِدِ والجَبَلِ فَيَذْكُرُونَ مُفاخِرَ آبائِهِمْ ومَحاسِنَ أيّامِهِمْ. ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ إمّا مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى الذِّكْرِ يَجْعَلُ الذِّكْرَ ذاكِرًا عَلى المَجازِ والمَعْنى: فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ كَذِكْرٍ أشَدَّ مِنهُ وأبْلَغَ. أوْ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ عَلى ضَعْفٍ بِمَعْنى أوْ كَذِكْرِ قَوْمٍ أشَدَّ مِنكم ذِكْرًا. وإمّا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ﴿آباءَكُمْ﴾ وذِكْرًا مِن فِعْلِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أوْ كَذِكْرِكم أشَدَّ مَذْكُورِيَّةً مِن آباءِكم. أمْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: أوْ كُونُوا أشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنكم لِآبائِكم. ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ تَفْصِيلٌ لِلذّاكِرِينَ إلى مُقِلٍّ لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا الدُّنْيا ومُكْثِرٍ يَطْلُبُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ، والمُرادُ الحَثُّ عَلى الإكْثارِ والإرْشادِ إلَيْهِ. ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ اجْعَلْ إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدُّنْيا ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ نَصِيبٍ وحَظٍّ لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ بِالدُّنْيا، أوْ مِن طَلَبِ خَلاقٍ.
البقرة 2:201
﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يَعْنِي الصِّحَّةَ والكَفافَ وتَوْفِيقَ الخَيْرِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ يَعْنِي الثَّوابَ والرَّحْمَةَ. ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ، وقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا المَرْأةُ الصّالِحَةُ، وفي الآخِرَةِ الحَوْراءُ. وعَذابُ النّارِ المَرْأةُ السُّوءُ وقَوْلُ الحَسَنِ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ. ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ مَعْناهُ احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ والذُّنُوبِ والمُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ أمْثِلَةً لِلْمُرادِ بِها.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي. وقِيلَ إلَيْهِما. ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ مِن جِنْسِهِ وهو جَزاؤُهُ، أوْ مِن أجْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ أوْ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ فَسُمِّيَ الدُّعاءُ كَسْبًا لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ. ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ، أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ النّاسَ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ واكْتَسِبُوا الحَسَناتِ.
البقرة 2:202
﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يَعْنِي الصِّحَّةَ والكَفافَ وتَوْفِيقَ الخَيْرِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ يَعْنِي الثَّوابَ والرَّحْمَةَ. ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ، وقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا المَرْأةُ الصّالِحَةُ، وفي الآخِرَةِ الحَوْراءُ. وعَذابُ النّارِ المَرْأةُ السُّوءُ وقَوْلُ الحَسَنِ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ. ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ مَعْناهُ احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ والذُّنُوبِ والمُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ أمْثِلَةً لِلْمُرادِ بِها.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي. وقِيلَ إلَيْهِما. ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ مِن جِنْسِهِ وهو جَزاؤُهُ، أوْ مِن أجْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ أوْ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ فَسُمِّيَ الدُّعاءُ كَسْبًا لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ. ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ، أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ النّاسَ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ واكْتَسِبُوا الحَسَناتِ.
البقرة 2:203
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ كَبِّرُوهُ في أدْبارِ الصَّلاةِ وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينِ ورَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِها في أيّامِ التَّشْرِيقِ. ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ فَمَنِ اسْتَعْجَلَ النَّفْرَ. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ يَوْمِ القَرِّ والَّذِي بَعْدَهُ، أيْ فَمَن نَفَرَ في ثانِي أيّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَنا، وقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِاسْتِعْجالِهِ. ﴿وَمَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ ومَن تَأخَّرَ في النَّفْرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ بَعْدَ الزَّوالِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ رَمْيِهِ عَلى الزَّوالِ. ومَعْنى نَفْيِ الإثْمِ بِالتَّعْجِيلِ والتَّأْخِيرِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُما والرَّدُّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ مِنهم مَن أثَّمَ المُتَعَجِّلَ ومِنهم مَن أثَّمَ المُتَأخِّرَ. ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ أيِ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ، أوْ مِنَ الأحْكامِ لِمَنِ اتَّقى لِأنَّهُ (p-133)الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ والمُنْتَفِعُ بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ حَتّى لا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يُهِمُّهُ مِنهُما. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مَجامِعِ أُمُورِكم لِيَعْبَأ بِكم. ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لِلْجَزاءِ بَعْدَ الإحْياءِ. وأصْلُ الحَشْرِ الجَمْعُ وضَمُّ المُتَفَرِّقِ.
البقرة 2:204
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ يَرُوقُكَ ويَعْظُمُ في نَفْسِكَ، والتَّعَجُّبُ: حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ لِجَهْلِهِ بِسَبَبِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ. ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ، أيْ ما يَقُولُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا وأسْبابِ المَعاشِ، أوْ في مَعْنى الدُّنْيا فَإنَّها مُرادٌ مِنِ ادِّعاءِ المَحَبَّةِ وإظْهارِ الإيمانِ، أوْ يُعْجِبُكَ أيْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الدُّنْيا حَلاوَةً وفَصاحَةً ولا يُعْجِبُكَ في الآخِرَةِ لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ الدَّهْشَةِ والحُبْسَةِ، أوْ لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ لَهُ في الكَلامِ. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ يَحْلِفُ ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى أنَّ ما في قَلْبِهِ مُوافِقٌ لِكَلامِهِ. ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ العَداوَةِ والجِدالِ لِلْمُسْلِمِينَ، والخِصامُ المُخاصَمَةُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ خَصْمٍ كَصَعْبٍ وصِعابٍ بِمَعْنى أشَدِّ الخُصُومِ خُصُومَةً.
قِيلَ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ وكانَ حَسَنَ المَنظَرِ حُلْوَ المَنطِقِ يُوالِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَدَّعِي الإسْلامَ.
وَقِيلَ في المُنافِقِينَ كُلِّهِمْ.
البقرة 2:205
﴿وَإذا تَوَلّى﴾ أدْبَرَ وانْصَرَفَ عَنْكَ. وقِيلَ: إذا غَلَبَ وصارَ والِيًا. ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفَ إذْ بَيَّتَهم وأحْرَقَ زُرُوعَهم وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ، أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ والإتْلافِ، أوْ بِالظُّلْمِ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ بِشُؤْمِهِ القَطْرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ لا يَرْتَضِيهِ فاحْذَرُوا غَضَبَهُ عَلَيْهِ.
﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِإتْقانِهِ لَجاجًا، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتَهُ إيّاهُ. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ كَفَتْهُ جَزاءً وعَذابًا، وجَهَنَّمُ عَلَمٌ لِدارِ العِقابِ وهو في الأصْلِ مُرادِفٌ لِلنّارِ. وقِيلَ مُعْرَبٌ. ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمِهادُ الفِراشُ. وقِيلَ ما يُوطَأُ لِلْجَنْبِ.
البقرة 2:206
﴿وَإذا تَوَلّى﴾ أدْبَرَ وانْصَرَفَ عَنْكَ. وقِيلَ: إذا غَلَبَ وصارَ والِيًا. ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفَ إذْ بَيَّتَهم وأحْرَقَ زُرُوعَهم وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ، أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ والإتْلافِ، أوْ بِالظُّلْمِ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ بِشُؤْمِهِ القَطْرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ لا يَرْتَضِيهِ فاحْذَرُوا غَضَبَهُ عَلَيْهِ.
﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِإتْقانِهِ لَجاجًا، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتَهُ إيّاهُ. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ كَفَتْهُ جَزاءً وعَذابًا، وجَهَنَّمُ عَلَمٌ لِدارِ العِقابِ وهو في الأصْلِ مُرادِفٌ لِلنّارِ. وقِيلَ مُعْرَبٌ. ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمِهادُ الفِراشُ. وقِيلَ ما يُوطَأُ لِلْجَنْبِ.
البقرة 2:207
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يَبِيعُها أيْ يَبْذُلُها في الجِهادِ، أوْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ حَتّى يُقْتَلَ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ. قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ الرُّومِيِّ، أخَذَهُ المُشْرِكُونَ وعَذَّبُوهُ لِيَرْتَدَّ فَقالَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَنْفَعُكم إنْ كُنْتُ مَعَكم ولا يَضُرُّكم إنْ كُنْتُ عَلَيْكم فَخَلُّونِي وما أنا عَلَيْهِ وخُذُوا مالِي فَقَبِلُوهُ مِنهُ وأتى المَدِينَةَ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ حَيْثُ أرْشَدَهم إلى مِثْلِ هَذا الشِّراءِ وكَلَّفَهم بِالجِهادِ فَعَرَّضَهم لِثَوابِ الغُزاةِ والشُّهَداءِ.
البقرة 2:208
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ السِّلْمُ بِالكَسْرِ والفَتْحِ الِاسْتِسْلامُ والطّاعَةُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ في الصُّلْحِ والإسْلامِ. فَتَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيٌّ وكَسَرَهُ الباقُونَ. وكافَّةٌ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ لِأنَّها تَكُفُّ الأجْزاءَ (p-134)مِنَ التَّفَرُّقِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ السِّلْمِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ كالحَرْبِ قالَ:
؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ... والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنَفاسِها جُرَعُ
والمَعْنى اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً ظاهِرًا وباطِنًا، والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، أوِ ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِكم ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ. والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ عَظَّمُوا السَّبْتَ وحَرَّمُوا الإبِلَ وألْبانَها، أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِالإيمانِ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ جَمِيعًا والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وأحْكامِهِ كُلِّها فَلا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ بِالتَّفَرُّقِ والتَّفْرِيقِ. إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ.
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ الآياتُ والحُجَجُ الشّاهِدَةُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ.
البقرة 2:209
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ السِّلْمُ بِالكَسْرِ والفَتْحِ الِاسْتِسْلامُ والطّاعَةُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ في الصُّلْحِ والإسْلامِ. فَتَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيٌّ وكَسَرَهُ الباقُونَ. وكافَّةٌ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ لِأنَّها تَكُفُّ الأجْزاءَ (p-134)مِنَ التَّفَرُّقِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ السِّلْمِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ كالحَرْبِ قالَ:
؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ... والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنَفاسِها جُرَعُ
والمَعْنى اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً ظاهِرًا وباطِنًا، والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، أوِ ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِكم ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ. والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ عَظَّمُوا السَّبْتَ وحَرَّمُوا الإبِلَ وألْبانَها، أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِالإيمانِ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ جَمِيعًا والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وأحْكامِهِ كُلِّها فَلا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ بِالتَّفَرُّقِ والتَّفْرِيقِ. إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ.
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ الآياتُ والحُجَجُ الشّاهِدَةُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ.
البقرة 2:210
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ. ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يَأْتِيَهم أمْرُهُ أوْ بَأْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ أوْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِبَأْسِهِ فَحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقُلَّةٍ وقُلَلٍ وهي ما أظَلَّكَ، وقُرِئَ « ظِلالٍ» كَقِلالٍ. ﴿مِنَ الغَمامِ﴾ السَّحابِ الأبْيَضِ وإنَّما يَأْتِيهِمُ العَذابُ فِيهِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، فَإذا جاءَ مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ لِأنَّ الشَّرَّ إذا جاءَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ كانَ أصْعَبَ فَكَيْفَ إذا جاءَ مِن حَيْثُ يَحْتَسِبُ الخَيْرَ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ فَإنَّهُمُ الواسِطَةُ في إتْيانِ أمْرِهِ، أوِ الآتُونَ عَلى الحَقِيقَةِ بِبَأْسِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ظُلَلٍ﴾ أوِ ﴿الغَمامِ﴾ . ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أتَمَّ أمَرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ، وضَعَ الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِدُنُوِّهِ وتَيَقُّنِ وُقُوعِهِ. وقُرِئَ و « قَضاءُ الأمْرِ» عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّهُ مِنَ الرّاجِعِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ غَيْرَ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ، وقُرِئَ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ وبِناءِ المَفْعُولِ.
البقرة 2:211
﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ والمُرادُ بِهَذا السُّؤالِ تَقْرِيعُهم. ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ مُعْجِزَةٍ ظاهِرَةٍ، أوْ آيَةٍ في الكُتُبِ شاهِدَةٍ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ، وكَمْ خَبَرِيَّةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ عَلى حَذْفِ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ إلى المُبْتَدَأِ. وآيَةٌ مُمَيِّزُها. ومِن لِلْفَصْلِ. ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ آياتِ اللَّهِ فَإنَّها سَبَبُ الهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ، يَجْعَلُها سَبَبَ الضَّلالَةِ وازْدِيادِ الرِّجْسِ، أوْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ الزّائِغِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ مِن بَعْدِ ما وصَلَتْ إلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم بَدَّلُوها بَعْدَ ما عَقَلُوها ولِذَلِكَ قِيلَ تَقْدِيرُها فَبَدَّلُوها ﴿وَمَن يُبَدِّلْ﴾ . ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَيُعاقِبُهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ لِأنَّهُ ارْتَكَبَ أشَدَّ جَرِيمَةٍ.
البقرة 2:212
(p-135)﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ حَسُنَتْ في أعْيُنِهِمْ وأُشْرِبَتْ مَحَبَّتُها في قُلُوبِهِمْ حَتّى تَهالَكُوا عَلَيْها وأعْرَضُوا عَنْ غَيْرِها، والمُزَيِّنُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو فاعِلُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ « زَيَّنَ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وكُلٌّ مِنَ الشَّيْطانِ والقُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ وما خَلَقَهُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ البَهِيَّةِ والأشْياءِ الشَّهِيَّةِ مُزَيَّنٌ بِالعَرْضِ.
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُرِيدُ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ كَبِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، أيْ يَسْتَرْذِلُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى، ومِن لِلِابْتِداءِ كَأنَّهم جَعَلُوا السُّخْرِيَةَ مُبْتَدَأةً مِنهم ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ وهم في أسْفَلِ السّافِلِينَ، أوْ لِأنَّهم في كَرامَةٍ وهم في مَذَلَّةٍ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، وإنَّما قالَ والَّذِينَ اتَّقَوْا بَعْدَ قَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم مُتَّقُونَ وأنَّ اسْتِعْلاءَهم لِلتَّقْوى. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ فَيُوَسِّعُ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا تارَةً وابْتِلاءً أُخْرى.
البقرة 2:213
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ فِيما بَيْنَ آدَمَ وإدْرِيسَ أوْ نُوحٍ أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ، أوْ مُتَّفِقِينَ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ في فَتْرَةِ إدْرِيسَ أوْ نُوحٍ. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ. وعَنْ كَعْبٍ (الَّذِي عَلِمْتُهُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا والمُرْسَلُ مِنهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ والمَذْكُورُ في القُرْآنِ بِاسْمِ العَلَمِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ) . ﴿وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ ولا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ أُنْزِلَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ كِتابًا يَخُصُّهُ، فَإنَّ أكْثَرَهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَخُصُّهُمْ، وإنَّما كانُوا يَأْخُذُونَ بِكُتُبِ مَن قَبْلَهم. ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أيْ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ شاهِدًا بِهِ. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ أيِ اللَّهُ، أوِ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ، أوْ كِتابُهُ. ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ فِيما التَبَسَ عَلَيْهِمْ. ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ في الحَقِّ، أوِ الكِتابِ. ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيِ الكِتابَ المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الخِلافِ أيْ عَكَسُوا الأمْرَ فَجَعَلُوا ما أُنْزِلَ مَزِيجًا لِلِاخْتِلافِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حَسَدًا بَيْنَهم وظُلْمًا لِحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا. ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ. ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ بَيانٌ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِأمْرِهِ أوْ بِإرادَتِهِ ولُطْفِهِ. ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ.
البقرة 2:214
﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ خاطَبَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ما ذَكَرَ اخْتِلافَ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ بَعْدَ مَجِيءِ الآياتِ، تَشْجِيعًا لَهم عَلى الثَّباتِ مَعَ مُخالَفَتِهِمْ. و ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ﴾ ولَمْ يَأْتِكُمْ، وأصْلُ « لَمّا» لَمْ زِيدَتْ عَلَيْها ما وفِيها تَوَقُّعٌ ولِذَلِكَ جُعِلَتْ مُقابِلَ قَدْ. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ حالُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الشِّدَّةِ. ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ بَيانٌ لَهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ وأُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا بِما أصابَهم مِنَ الشَّدائِدِ. ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ لِتَناهِي الشِّدَّةِ واسْتِطالَةِ المُدَّةِ بِحَيْثُ تَقَطَّعَتْ حِبالُ الصَّبْرِ. وقَرَأ نافِعٌ يَقُولُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ كَقَوْلِكَ مَرِضَ حَتّى لا يَرْجُونَهُ. ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ اسْتِبْطاءً لَهُ لِتَأخُّرِهِ. ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ (p-136)فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ إسْعافًا لَهم إلى طَلِبَتِهِمْ مِن عاجَلِ النَّصْرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى اللَّهِ تَعالى والفَوْزَ بِالكَرامَةِ عِنْدَهُ بِرَفْضِ الهَوى واللَّذّاتِ، ومُكابَدَةِ الشَّدائِدِ والرِّياضاتِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارِ بِالشَّهَواتِ» .
البقرة 2:215
﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أنَّ عَمْرَو بْنَ الجَمُوحِ الأنْصارِيَّ كانَ شَيْخًا هَرِمًا ذا مالٍ عَظِيمٍ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا وأيْنَ نَضَعُها) فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾» سُئِلَ عَنِ المُنْفِقِ فَأُجِيبَ بِبَيانِ المَصْرِفِ لِأنَّهُ أهَمُّ فَإنَّ اعْتِدادَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبارِهِ، ولِأنَّهُ كانَ في سُؤالِ عَمْرٍو وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا في الآيَةِ، واقْتَصَرَ في بَيانِ المُنْفِقِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ . ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ في مَعْنى الشَّرْطِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جَوابُهُ أيْ إنْ تَفْعَلُوا خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُنْهَهُ ويُوَفِّي ثَوابَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ فَرْضُ الزَّكاةِ لِيُنْسَخَ بِهِ.
البقرة 2:216
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ شاقٌّ عَلَيْكم مَكْرُوهٌ طَبْعًا، وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخَيْرِ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، أوْ بِمَعْنى الإكْراهِ عَلى المَجازِ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشَدَّتِهِ وعِظَمِ مَشَقَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ . ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوا بِهِ، فَإنَّ الطَّبْعَ يَكْرَهُهُ وهو مَناطُ صَلاحِهِمْ وسَبَبُ فَلاحِهِمْ. ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ، فَإنَّ النَّفْسَ تُحِبُّهُ وتَهْواهُ وهو يُفْضِي بِها إلى الرَّدى، وإنَّما ذَكَرَ (عَسى) لِأنَّ النَّفْسَ إذا ارْتاضَتْ يَنْعَكِسُ الأمْرُ عَلَيْها. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْكامَ تَتْبَعُ المَصالِحَ الرّاجِحَةَ وإنْ لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُها.
البقرة 2:217
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ابْنَ عَمَّتِهِ عَلى سَرِيَّةٍ في جُمادى الآخِرَةِ. قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ. لِيَتَرَصَّدَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيها عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ وثَلاثَةٌ مَعَهُ، فَقَتَلُوهُ وأسَرُوا اثْنَيْنِ واسْتاقُوا العِيرَ وفِيها مِن تِجارَةِ الطّائِفِ، وكانَ ذَلِكَ غُرَّةَ رَجَبٍ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى الآخِرَةِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ، ويَنْذَعِرُ فِيهِ النّاسُ إلى مَعايِشِهِمْ. وشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ السَّرِيَّةِ وقالُوا ما نَبْرَحُ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتُنا، ورَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ والأسارى) .»
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَنِيمَةَ وهي أوَّلُ غَنِيمَةٍ في الإسْلامِ» والسّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ كَتَبُوا إلَيْهِ في ذَلِكَ تَشْنِيعًا وتَعْيِيرًا وقِيلَ أصْحابُ السَّرِيَّةِ. ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ. وقُرِئَ « عَنْ قِتالٍ» بِتَكْرِيرِ العامِلِ. ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أيْ ذَنَبٌ كَبِيرٌ، والأكْثَرُ أنَّهُ (p-137)مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ خِلافًا لِعَطاءٍ وهو نَسْخُ الخاصِّ بِالعامِّ وفِيهِ خِلافٌ، والأوْلى مَنعُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى حُرْمَةِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ مُطْلَقًا فَإنَّ ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ نَكِرَةٌ في حَيِّزٍ مُثْبَتٍ فَلا يَعُمُّ. ﴿وَصَدٌّ﴾ صَرْفٌ ومَنعٌ. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامِ أوْ ما يُوصِلُ العَبْدَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الطّاعاتِ. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ بِاللَّهِ. ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَلى إرادَةِ المُضافِ أيْ وصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ كَقَوْلِ أبِي دُؤادٍ:
؎ أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً... ونارٌ تُوقِدُ بِاللَّيْلِ نارا
وَلا يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ عَلى ﴿وَصَدٌّ﴾ مانِعٌ مِنهُ إذْ لا يَتَقَدَّمُ العَطْفُ عَلى المَوْصُولِ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ ولا عَلى الهاءِ في ﴿بِهِ﴾، فَإنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إنَّما يَكُونُ بِإعادَةِ الجارِّ. ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ أهْلِ المَسْجِدِ الحَرامِ وهُمُ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِمّا فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً وبِناءً عَلى الظَّنِّ، وهو خَبَرٌ عَنِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ المَعْدُودَةِ مِن كَبائِرِ قُرَيْشٍ. وأفْعَلُ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ أيْ ما تَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الإخْراجِ والشِّرْكِ أفْظَعُ مِمّا ارْتَكَبُوهُ مِن قَتْلِ الحَضْرَمِيِّ. ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ دَوامِ عَداوَةِ الكُفّارِ لَهم وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِكَ أعْبُدُ اللَّهَ حَتّى أدْخُلَ الجَنَّةَ.
﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ وهو اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ كَقَوْلِ الواثِقِ بِقُوَّتِهِ عَلى قَرْنِهِ: إنْ ظَفِرْتَ بِي فَلا تُبْقِ عَلَيَّ، وإيذانٌ بِأنَّهم لا يَرُدُّونَهم. ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ قَيَّدَ الرِّدَّةَ بِالمَوْتِ عَلَيْها في إحْباطِ الأعْمالِ كَما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ بِها الأعْمالُ النّافِعَةُ. وقُرِئَ « حَبَطَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ فِيهِ. في الدُّنْيا لِبُطْلانِ ما تَخَيَّلُوهُ وفَواتِ ما لِلْإسْلامِ مِنَ الفَوائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والآخِرَةِ بِسُقُوطِ الثَّوابِ. ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ.
البقرة 2:218
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَزَلَتْ أيْضًا في أصْحابِ السَّرِيَّةِ لَمّا ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ المَوْصُولَ لِتَعْظِيمِ الهِجْرَةِ والجِهادِ كَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ ثَوابَهُ، أثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ إشْعارًا بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجَبٍ ولا قاطِعٍ في الدَّلالَةِ سِيَّما والعِبْرَةُ بِالخَواتِيمِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا خَطَأً وقِلَّةَ احْتِياطٍ. ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإجْزالِ الأجْرِ والثَّوابِ.
البقرة 2:219
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ «رُوِيَ (أنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ فَأخَذَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ ومُعاذًا ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: أفْتِنا يا رَسُولَ اللَّهِ في الخَمْرِ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ مُسْلِبَةٌ لِلْمالِ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَشَرِبَها قَوْمٌ وتَرَكَها آخَرُونَ. ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم فَشَرِبُوا وسَكِرُوا، فَأمَّ أحَدُهم فَقَرَأ: « قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» فَنَزَلَتْ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها، ثُمَّ دَعا عِتْبانُ بْنُ مالِكٍ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ في نَفَرٍ فَلَمّا سَكِرُوا افْتَخَرُوا وتَناشَدُوا، فَأنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ، فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ، فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ.» والخَمْرُ في الأصْلِ مَصْدَرُ خَمَرَهُ إذا (p-138)سَتَرَهُ، سُمِّيَ بِها عَصِيرُ العِنَبِ والتَّمْرِ إذا اشْتَدَّ وغَلا كَأنَّهُ يَخْمُرُ العَقْلَ، كَما سُمِّيَ سَكَرًا لِأنَّهُ يُسْكِرُهُ أيْ يَحْجِزُهُ، وهي حَرامٌ مُطْلَقًا وكَذا كُلُّ ما أسْكَرَ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: نَقِيعُ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ حَتّى ذَهَبَ ثُلُثاهُ ثُمَّ اشْتَدَّ حَلَّ شُرْبُهُ ما دُونَ السَّكَرِ. ﴿والمَيْسِرِ﴾ أيْضًا مَصْدَرٌ كالمَوْعِدِ، سُمِّيَ بِهِ القِمارُ لِأنَّهُ أخْذُ مالِ الغَيْرِ بِيُسْرٍ أوْ سَلْبُ يَسارِهِ، والمَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْ تَعاطِيهِما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما﴾ أيْ في تَعاطِيهِما. ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى الِانْتِكابِ عَنِ المَأْمُورِ، وارْتِكابِ المَحْظُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « كَثِيرٌ» بِالثّاءِ. ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ مِن كَسْبِ المالِ والطَّرَبِ والِالتِذاذِ ومُصادَقَةِ الفِتْيانِ، وفي الخَمْرِ خُصُوصًا تَشْجِيعُ الجَبانِ وتَوْفِيرُ المُرُوءَةِ وتَقْوِيَةُ الطَّبِيعَةِ. ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أيِ المَفاسِدُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنهُما أعْظَمُ مِنَ المَنافِعِ المُتَوَقَّعَةِ مِنهُما. ولِهَذا قِيلَ إنَّها المُحَرَّمَةُ لِلْخَمْرِ لِأنَّ المَفْسَدَةَ إذا تَرَجَّحَتْ عَلى المَصْلَحَةِ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الفِعْلِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِما مَرَّ مِن إبْطالِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ قِيلَ سائِلُهُ أيْضًا عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ سَألَ أوَّلًا عَنِ المُنْفَقِ والمَصْرِفِ، ثُمَّ سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ. ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ العَفْوُ نَقِيضُ الجُهْدِ ومِنهُ يُقالُ لِلْأرْضِ السَّهْلَةِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما تَيَسَّرَ لَهُ بَذْلُهُ ولا يَبْلُغُ مِنهُ الجَهْدَ.
قالَ:
؎ خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي... ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ
وَرُوِيَ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ أصابَها في بَعْضِ المَغانِمِ فَقالَ: خُذْها مِنِّي صَدَقَةً، فَأعْرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ حَتّى كَرَّرَ عَلَيْهِ مِرارًا فَقالَ: هاتِها مُغْضَبًا فَأخَذَها فَحَذَفَها حَذْفًا لَوْ أصابَهُ لَشَجَّهُ ثُمَّ قالَ: « يَأْتِي أحَدُكم بِمالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ، إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ « العَفْوُ» . ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلَ ما بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أصْلَحُ مِنَ الجَهْدِ، أوْ ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَبْيِينًا مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ، وإنَّما وحَّدَ العَلامَةَ والمُخاطَبُ بِهِ جَمْعٌ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلِ والجَمْعِ، ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدَّلائِلِ والأحْكامِ.
البقرة 2:220
﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ في أُمُورِ الدّارَيْنِ فَتَأْخُذُوا بِالأصْلَحِ والأنْفَعِ فِيهِما، وتَجْتَنِبُونَ عَمّا يَضُرُّكم ولا يَنْفَعُكُمْ، أوْ يَضُرُّكم أكْثَرَ مِمّا يَنْفَعُكم. ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ اعْتَزَلُوا اليَتامى ومُخالَطَتَهم والِاهْتِمامَ بِأمْرِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ أيْ مُداخَلَتُهم لِإصْلاحِهِمْ أوْ إصْلاحِ أمْوالِهِمْ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمْ. ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ حَثٌّ عَلى المُخالَطَةِ، أيْ أنَّهم إخْوانُكم في الدِّينِ ومِن حَقِّ الأخِ أنْ يُخالِطَ الأخَ. وقِيلَ المُرادُ بِالمُخالَطَةِ المُصاهَرَةُ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ وعِيدٌ ووَعْدٌ لِمَن خالَطَهم لِإفْسادٍ وإصْلاحٍ، أيْ يَعْلَمُ أمْرَهُ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ إعْناتَكم لَأعْنَتَكُمْ، أيْ كَلَّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم مِنَ العَنَتِ وهي المَشَقَّةُ ولَمْ يَجَوِّزْ لَكم مُداخَلَتَكم. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ يَقْدِرُ عَلى الإعْناتِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَحْكُمُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَتَّسِعُ لَهُ الطّاقَةُ.
البقرة 2:221
(p-139)﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ أيْ ولا تَتَزَوَّجُوهُنَّ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ أيْ ولا تُزَوِّجُوهُنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكاتُ تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ولَكِنَّها خُصَّتْ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ «رُوِيَ (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ مَرْثَدًا الغَنَوِيَّ إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ مِنها أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأتَتْهُ عَناقُ وكانَ يَهْواها في الجاهِلِيَّةِ فَقالَتْ: ألا تَخْلُوا. فَقالَ: إنَّ الإسْلامَ حالَ بَيْنَنا فَقالَتْ: هَلْ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِي فَقالَ: نَعَمْ ولَكِنِ أسْتَأْمِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَأْمَرَهُ) فَنَزَلَتْ ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾» أيْ ولامْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ حُرَّةً كانَتْ أوْ مَمْلُوكَةً، فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإماؤُهُ. ﴿وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ بِحُسْنِها وشَمائِلِها، والواوُ لِلْحالِ ولَوْ بِمَعْنى إنْ وهو كَثِيرٌ. ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ ولا تُزَوِّجُوا مِنهُمُ المُؤْمِناتِ حَتّى يُؤْمِنُوا، وهو عَلى عُمُومِهِ. ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِمْ، وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِنِينَ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ. ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيِ الكُفْرِ المُؤَدِّي إلى النّارِ فَلا يَلِيقُ مُوالاتُهم ومُصاهَرَتُهم. ﴿واللَّهُ﴾ أيْ وأوْلِياؤُهُ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ. ﴿يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾ أيْ إلى الِاعْتِقادِ والعَمَلِ المُوَصِّلِينَ إلَيْهِما فَهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُواصَلَةِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، أوْ بِقَضائِهِ وإرادَتِهِ. ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا، أوْ لِيَكُونُوا بِحَيْثُ يُرْجى مِنهُمُ التَّذَكُّرُ لِما رَكَزَ في العُقُولِ مِن مَيْلِ الخَيْرِ ومُخالَفَةِ الهَوى.
البقرة 2:222
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ رُوِيَ (أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُساكِنُونَ الحَيِّضَ ولا يُؤاكِلُونَها، كَفِعْلِ اليَهُودِ والمَجُوسِ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى أنْ سَألَ أبُو الدَّحْداحِ في نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ عَنْ ذَلِكَ) فَنَزَلَتْ. والمَحِيضُ مَصْدَرٌ كالمَجِيءِ والمَبِيتِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما ذَكَرَ يَسْألُونَكَ بِغَيْرِ واوٍ ثَلاثًا ثُمَّ بِها ثَلاثًا، لِأنَّ السُّؤالاتِ الأُوَلَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ والثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ كانَتْ في وقْتٍ واحِدٍ فَلِذَلِكَ ذَكَرَها بِحِرَفِ الجَمْعِ. ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيِ الحَيْضُ شَيْءٌ مُسْتَقْذَرٌ مُؤْذٍ مَن يَقْرَبُهُ نَفْرَةً مِنهُ. ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ فاجْتَنِبُوا مُجامَعَتَهم لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تَعْتَزِلُوا مُجامَعَتَهُنَّ إذا حِضْنَ ولَمْ يَأْمُرْكم بِإخْراجِهِنَّ مِنَ البُيُوتِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ» . وهو الِاقْتِصادُ بَيْنَ إفْراطِ اليَهُودِ، وتَفْرِيطِ النَّصارى فَإنَّهم كانُوا يُجامِعُوهُنَّ ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ.
وَإنَّما وصْفُهُ بِأنَّهُ أذًى ورَتَّبَ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إشْعارًا بِأنَّهُ العِلَّةُ. ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وبَيانٌ لِغايَتِهِ، وهو أنْ يَغْتَسِلْنَ بَعْدَ الِانْقِطاعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وعاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ « يَطَّهَّرْنَ» أيْ يَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنى يَغْتَسِلْنَ والتِزامًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ جَوازِ الإتْيانِ عَنِ الغُسْلِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا طَهُرَتْ لِأكْثَرِ الحَيْضِ جازَ قُرْبانُها قَبْلَ الغُسْلِ.
﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَأْتى الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ وحَلَّلَهُ لَكم. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ أيِ المُتَنَزِّهِينَ عَنِ الفَواحِشِ والأقْذارِ، كَمُجامَعَةِ الحائِضِ والإتْيانِ في غَيْرِ المَأْتى.
البقرة 2:223
﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ مَواضِعُ حَرْثٍ لَكم. شَبَّهُّنَ بِها تَشْبِيهًا لِما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ مِنَ النُّطَفِ بِالبُذُورِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أيْ فَأْتُوهُنَّ كَما تَأْتُونَ المَحارِثَ، وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (p-140)﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، «رُوِيَ (أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: مَن جامَعَ امْرَأتَهُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها كانَ ولَدُها أحْوَلُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ) فَنَزَلَتْ.» ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ ما يُدَّخَرُ لَكم مِنَ الثَّوابِ. وقِيلَ هو طَلَبُ الوَلَدِ. وقِيلَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الوَطْءِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ فَتَزَوَّدُوا ما لا تَفْتَضِحُونَ بِهِ. ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ الكامِلِينَ في الإيمانِ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ الدّائِمِ. أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَنْصَحَهم ويُبَشِّرَ مَن صَدَّقَهُ وامْتَثَلَ أمْرَهُ مِنهم.
البقرة 2:224
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ نَزَلَتْ في الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ لِافْتِرائِهِ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، أوْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ خَتْنَهُ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُخْتِهِ. والعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالقَبْضَةِ تُطْلَقُ لِما يُعْرَضُ دُونَ الشَّيْءِ ولِلْمُعَرَّضِ لِلْأمْرِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلِ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالإيمانِ الأُمُورَ المَحْلُوفَ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِابْنِ سَمُرَةَ «إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها، فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» . وأنْ مَعَ صِلَتِها عَطْفُ بَيانٍ لَها، واللّامُ صِلَةُ ﴿عُرْضَةً﴾ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاعْتِراضِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ويَتَعَلَّقُ أنْ بِالفِعْلِ أوْ بِعُرْضَةٍ أيْ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأنْ تَبَرُّوا لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ، وعَلى الثّانِي ولا تَجْعَلُوهُ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم فَتَبْتَذِلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ، ولِذَلِكَ ذَمَّ الحَلّافَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ و ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ أنْهاكم عَنْهُ إرادَةَ بِرِّكم وتَقْواكم وإصْلاحِكم بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والمُجْتَرِئُ عَلَيْهِ لا يَكُونُ بَرًّا مُتَّقِيًا ولا مَوْثُوقًا بِهِ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأيْمانِكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِكم.
البقرة 2:225
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَّغْوُ السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن كَلامٍ وغَيْرِهِ، ولَغْوُ اليَمِينِ ما لا عَقْدَ مَعَهُ كَما سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ أوْ تَكَلَّمَ بِهِ جاهِلًا لِمَعْناهُ كَقَوْلِ العَرَبِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ والمَعْنى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِعُقُوبَةٍ ولا كَفّارَةٍ بِما لا قَصْدَ مَعَهُ، ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِهِما أوْ بِأحَدِهِما بِما قَصَدْتُمْ مِنَ الأيْمانِ وواطَأتْ فِيها قُلُوبُكم ألْسِنَتُكم. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: اللَّغْوُ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِناءً عَلى ظَنِّهِ الكاذِبِ، والمَعْنى لا يُعاقِبُكم بِما أخْطَأْتُمْ فِيهِ مِنَ الأيْمانِ، ولَكِنْ يُعاقِبُكم بِما تَعَمَّدْتُمُ الكَذِبَ فِيهِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْ بِاللَّغْوِ ﴿حَلِيمٌ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ بِالمُؤاخَذَةِ عَلى يَمِينِ الجِدِّ تَرَبُّصًا لِلتَّوْبَةِ.
البقرة 2:226
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ أيْ يَحْلِفُونَ عَلى أنْ لا يُجامِعُوهُنَّ. والإيلاءُ: الحَلِفُ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى ولَكِنْ لَمّا ضَمِنَ هَذا القَسَمُ مَعْنى البُعْدِ عُدِّيَ بِمِن. ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وما قَبْلَهُ خَبَرُهُ، أوْ فاعِلُ الظَّرْفِ عَلى خِلافِ سَبْقٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّوَقُّفُ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، أيْ لِلْمَوْلى حَقُّ التَّلَبُّثِ في هَذِهِ المُدَّةِ فَلا يُطالَبُ بِفَيْءٍ، ولا طَلاقٍ، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ: لا إيلاءَ إلّا في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ويُؤَيِّدُهُ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ رَجَعُوا في اليَمِينِ بِالحِنْثِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِلْمَوْلى إثْمَ حِنْثِهِ إذا كَفَرَ، أوْ ما تَوَخّى بِالإيلاءِ مِن (p-141)ضِرارِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ بِالفَيْئَةِ الَّتِي هي كالتَّوْبَةِ.
﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ وإنْ صَمَّمُوا قَصْدَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِطَلاقِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِغَرَضِهِمْ فِيهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الإيلاءُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما فَوْقَها، وحُكْمُهُ أنَّ المَوْلى إنْ فاءَ في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ قَدَرَ، وبِالوَعْدِ إنْ عَجَزَ، صَحَّ الفَيْءُ ولَزِمَ الواطِئَ أنْ يُكَفِّرَ وإلّا بانَتْ بَعْدَها بِطَلْقَةٍ. وعِنْدَنا يُطالَبُ بَعْدَ المُدَّةِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ فَإنْ أبى عَنْهُما طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ.
البقرة 2:227
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ أيْ يَحْلِفُونَ عَلى أنْ لا يُجامِعُوهُنَّ. والإيلاءُ: الحَلِفُ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى ولَكِنْ لَمّا ضَمِنَ هَذا القَسَمُ مَعْنى البُعْدِ عُدِّيَ بِمِن. ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وما قَبْلَهُ خَبَرُهُ، أوْ فاعِلُ الظَّرْفِ عَلى خِلافِ سَبْقٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّوَقُّفُ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، أيْ لِلْمَوْلى حَقُّ التَّلَبُّثِ في هَذِهِ المُدَّةِ فَلا يُطالَبُ بِفَيْءٍ، ولا طَلاقٍ، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ: لا إيلاءَ إلّا في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ويُؤَيِّدُهُ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ رَجَعُوا في اليَمِينِ بِالحِنْثِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِلْمَوْلى إثْمَ حِنْثِهِ إذا كَفَرَ، أوْ ما تَوَخّى بِالإيلاءِ مِن (p-141)ضِرارِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ بِالفَيْئَةِ الَّتِي هي كالتَّوْبَةِ.
﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ وإنْ صَمَّمُوا قَصْدَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِطَلاقِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِغَرَضِهِمْ فِيهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الإيلاءُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما فَوْقَها، وحُكْمُهُ أنَّ المَوْلى إنْ فاءَ في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ قَدَرَ، وبِالوَعْدِ إنْ عَجَزَ، صَحَّ الفَيْءُ ولَزِمَ الواطِئَ أنْ يُكَفِّرَ وإلّا بانَتْ بَعْدَها بِطَلْقَةٍ. وعِنْدَنا يُطالَبُ بَعْدَ المُدَّةِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ فَإنْ أبى عَنْهُما طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ.
البقرة 2:228
﴿والمُطَلَّقاتُ﴾ يُرِيدُ بِها المَدْخُولَ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الإقْراءِ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ والأخْبارُ أنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ خِلافُ ما ذُكِرَ. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلتَّأْكِيدِ والإشْعارِ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُسارَ إلى امْتِثالِهِ، وكَأنَّ المُخاطَبَ قَصَدَ أنْ يَمْتَثِلَ الأمْرَ فَيُخْبِرَ عَنْهُ كَقَوْلِكَ في الدُّعاءِ: رَحِمَكَ اللَّهُ، وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ يَزِيدُهُ فَضْلُ تَأْكِيدٍ. ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾ تَهْيِيجٌ وبَعْثٌ لَهُنَّ عَلى التَّرَبُّصِ، فَإنَّ نُفُوسَ النِّساءِ طَوامِحُ إلى الرِّجالِ، فَأُمِرْنَ بِأنْ يَقْمَعْنَها ويَحْمِلْنَها عَلى التَّرَبُّصِ. ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ. أيْ يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّها.
وَقُرُوءٌ جَمْعُ قُرْءٍ وهو يُطْلَقُ لِلْحَيْضِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ»
وَلِلطُّهْرِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ كَقَوْلِ الأعْشى:
؎ مُوَرِّثَةٌ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ... لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
وَأصْلُهُ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، وهو المُرادُ بِهِ في الآيَةِ لِأنَّهُ الدّالُّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ لا الحَيْضِ، كَما قالَهُ الحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ وقْتَ عِدَّتِهِنَّ. والطَّلاقُ المَشْرُوعُ لا يَكُونُ في الحَيْضِ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» . فَلا يُقاوِمُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ في قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدُ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ تُطْلَّقَ لَها النِّساءُ» . وكانَ القِياسُ أنْ يُذْكَرَ بِصِيغَةِ القِلَّةِ الَّتِي هي الأقْراءُ، ولَكِنَّهم يَتَّسِعُونَ في ذَلِكَ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البِناءَيْنِ مَكانَ الآخَرِ، ولَعَلَّ الحُكْمَ لَمّا عَمَّ المُطَلَّقاتِ ذَواتِ الأقْراءِ تَضَمَّنَ مَعْنى الكَثْرَةِ فَحَسُنَ بِناؤُها. ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ مِنَ الوَلَدِ، أوِ الحَيْضِ اسْتِعْجالًا في العِدَّةِ وإبْطالًا لِحَقِّ الرَّجْعَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَها مَقْبُولٌ في ذَلِكَ ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ تَقْيِيدَ نَفْيِ الحِلِّ بِإيمانِهِنَّ، بَلِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ يُنافِي الإيمانَ، وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَفْعَلَ. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أيْ أزْواجُ المُطَلَّقاتِ. ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ إلى النِّكاحِ والرَّجْعَةِ إلَيْهِنَّ، ولَكِنْ إذا كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا لِلْآيَةِ الَّتِي تَتْلُوها فالضَّمِيرُ أخَصُّ مِنَ المَرْجُوعِ إلَيْهِ ولا امْتِناعَ فِيهِ، كَما لَوْ كَرَّرَ الظّاهِرَ وخَصَّصَهُ. والبُعُولَةُ جَمْعُ بَعْلٍ والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ كالعُمُومَةِ والخُؤُلَةِ، أوْ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ بَعْلٌ حَسَنُ البُعُولَةِ نُعِتَ بِهِ، أوْ أُقِيمَ مَقامَ المُضافِ المَحْذُوفِ أيْ وأهْلُ بُعُولَتِهِنَّ، وأفْعَلُ هاهُنا بِمَعْنى الفاعِلِ. في ذَلِكَ أيْ في زَمانِ التَّرَبُّصِ. ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ بِالرَّجْعَةِ لا لِإضْرارِ المَرْأةِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ شَرْطِيَّةَ قَصْدِ الإصْلاحِ لِلرَّجْعَةِ بَلِ التَّحْرِيضَ عَلَيْهِ والمَنعَ مِن قَصْدِ الضِّرارِ.
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ ولَهُنَّ حُقُوقٌ عَلى الرِّجالِ مِثْلُ حُقُوقِهِمْ عَلَيْهِنَّ في الوُجُوبِ واسْتِحْقاقِ المُطالَبَةِ عَلَيْها، لا في الجِنْسِ. ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ زِيادَةٌ في الحَقِّ وفَضْلٌ فِيهِ، لِأنَّ حُقُوقَهم في أنْفُسِهِمْ وحُقُوقَهُنَّ المَهْرُ والكَفافُ وتَرْكُ الضِّرارِ ونَحْوُها، أوْ شَرَفٌ وفَضِيلَةٌ لِأنَّهم قِوامٌ عَلَيْهِنَّ وحُرّاسٌ لَهُنَّ يُشارِكُونَهُنَّ في غَرَضِ الزَّواجِ ويُخَصُّونَ بِفَضِيلَةِ الرِّعايَةِ والإنْفاقِ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِمَّنْ خالَفَ الأحْكامَ. (p-142)﴿حَكِيمٌ﴾ يُشَرِّعُها لِحِكَمٍ ومَصالِحَ.
البقرة 2:229
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ أيِ التَّطْلِيقُ الرَّجْعِيُّ اثْنانِ لِما رُوِيَ « (أنَّهُ ﷺ سُئِلَ أيْنَ الثّالِثَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ )» . وقِيلَ مَعْناهُ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ، ولِذَلِكَ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ: الجَمْعُ بَيْنَ الطَّلْقَتَيْنِ والثَّلاثِ بِدْعَةٌ. ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِالمُراجَعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، وهو يُؤَيِّدُ المَعْنى الأوَّلَ. ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ بِالطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، أوْ بِأنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ، وعَلى المَعْنى الأخِيرِ حُكْمُ مُبْتَدَأٍ وتَخْيِيرٌ مُطْلَقٌ عَقَّبَ بِهِ تَعْلِيمَهم كَيْفِيَّةَ التَّطْلِيقِ. ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ.
رُوِيَ « (أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، كانَتْ تُبْغِضُ زَوْجَها ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: لا أنا ولا ثابِتٌ لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ، واللَّهِ ما أعِيبُهُ في دِينٍ ولا خُلُقٍ ولَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ، وما أُطِيقُهُ بَعْضًا إنِّي رَفَعْتُ جانِبَ الخِباءِ فَرَأيْتُهُ أقْبَلَ في جَماعَةٍ مِنَ الرِّجالِ، فَإذا هو أشُدُّهم سَوادًا وأقْصَرُهم قامَةً وأقْبَحَهم وجْهًا) . فَنَزَلَتْ فاخْتَلَعَتْ مِنهُ بِحَدِيقَةٍ كانَ أصْدَقَها إيّاها.» والخِطابُ مَعَ الحُكّامِ وإسْنادُ الأخْذِ والإيتاءُ إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِهِما عِنْدَ التَّرافُعِ. وقِيلَ إنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِلْحُكّامِ وهو يُشَوِّشُ النَّظْمَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ. إلّا أنْ يَخافا أيِ الزَّوْجانِ. وقُرِئَ « يَظُنّا» وهو يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الخَوْفِ بِالظَّنِّ. ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ يَتْرُكُ إقامَةَ أحْكامِهِ مِن مَواجِبِ الزَّوْجِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ « يَخافا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإبْدالِ أنْ بِصِلَتِهِ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ. وقُرِئَ « تَخافا» و « تُقِيما» بِتاءِ الخِطابِ. فَإنْ خِفْتُمْ أيُّها الحُكّامُ. ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ عَلى الرَّجُلِ في أخْذِ ما افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها واخْتَلَعَتْ، وعَلى المَرْأةِ في إعْطائِهِ. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَدَّ مِنَ الأحْكامِ. فَلا تَعْتَدُوها فَلا تَتَعَدَّوْها بِالمُخالَفَةِ. ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْقِيبٌ لِلنَّهْيِ بِالوَعِيدِ مُبالَغَةً في التَّهْدِيدِ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْعَ لا يَجُوزُ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ وشِقاقٍ، ولا بِجَمِيعِ ما ساقَ الزَّوْجُ إلَيْها فَضْلًا عَنِ الزّائِدِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «أيُّما امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَها طَلاقًا مِن غَيْرِ بَأْسٍ، فَحَرامٌ عَلَيْها رائِحَةُ الجَنَّةِ» .
وَما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِجَمِيلَةَ: « أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟
فَقالَتْ: أرُدُّها وأزِيدُ عَلَيْها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمّا الزّائِدُ فَلا» . والجُمْهُورُ اسْتَكْرَهُوهُ ولَكِنْ نَفَّذُوهُ فَإنَّ المَنعَ عَنِ العَقْدِ لا يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ، وأنَّهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ المُفاداةِ، فَإنَّهُ تَعالى سَمّاهُ افْتِداءً. واخْتُلِفَ في أنَّهُ إذا جَرى بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلاقِ هَلْ هو فَسْخٌ أوْ طَلاقٌ، ومَن جَعَلَهُ فَسْخًا احْتَجَّ بِقَوْلِهِ:
البقرة 2:230
﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فَإنَّ تَعْقِيبَهُ لِلْخُلْعِ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلْقَتَيْنِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ طَلْقَةً رابِعَةً لَوْ كانَ الخُلْعُ طَلاقًا.
والأظْهَرُ أنَّهُ طَلاقٌ لِأنَّهُ فُرْقَةٌ بِاخْتِيارِ الزَّوْجِ فَهو كالطَّلاقِ بِالعِوَضِ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ اعْتَرَضَ بَيْنَهُما ذِكْرُ الخُلْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ مَجّانًا تارَةً وبِعِوَضٍ أُخْرى، والمَعْنى فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ الثِّنْتَيْنِ. ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ مِن بَعْدِ ذَلِكَ الطَّلاقِ. ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ حَتّى تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ، والنِّكاحُ يَسْتَنِدُ إلى كُلٍّ مِنهُما كالتَّزَوُّجِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى العَقْدِ كابْنِ المُسَيِّبِ واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإصابَةِ لِما رُوِيَ: «أنَّ امْرَأةَ رِفاعَةَ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ (p-143)رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، وإنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ تَزَوَّجَنِي وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» .» فالآيَةُ مُطْلَقَةٌ قَيَّدَتْها السُّنَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَسَّرَ النِّكاحُ بِالإصابَةِ، ويَكُونُ العَقْدُ مُسْتَفادًا مِن لَفْظِ الزَّوْجِ. والحِكْمَةُ في هَذا الحُكْمِ الرَّدْعُ عَنِ التَّسَرُّعِ إلى الطَّلاقِ والعَوْدُ إلى المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا والرَّغْبَةُ فِيها، والنِّكاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ فاسِدٌ عِنْدَ الأكْثَرِ. وجَوَّزَهُ أبُو حَنِيفَةَ مَعَ الكَراهَةِ، وقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ.» ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ الزَّوْجُ الثّانِي ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ أنْ يَرْجِعَ كُلٌّ مِنَ المَرْأةِ والزَّوْجِ الأوَّلِ إلى الآخَرِ بِالزَّواجِ، ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ إنْ كانَ في ظَنِّهِما أنَّهُما يُقِيمانِ ما حَدَّهُ اللَّهُ وشَرَعَهُ مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، وتَفْسِيرُ الظَّنِّ بِالعِلْمِ هاهُنا غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ عَواقِبَ الأُمُورِ غَيْبٌ تُظَنُّ ولا تُعْلَمُ، ولِأنَّهُ لا يُقالُ عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ لِأنَّ أنِ النّاصِبَةَ لِلتَّوَقُّعِ وهو يُنافِي العِلْمَ. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ. ﴿يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يَفْهَمُونَ ويَعْلَمُونَ بِمُقْتَضى العِلْمِ.
البقرة 2:231
﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ، والأجْلُ يُطْلَقُ لِلْمُدَّةِ ولِمُنْتَهاها فَيُقالُ لِعُمْرِ الإنْسانِ ولِلْمَوْتِ الَّذِي بِهِ يَنْتَهِي قالَ:
؎ كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ العُمُ... رِ ومُودٍ إذا انَتَهى أجَلُهُ
والبُلُوغُ هو الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ، وقَدْ يُقالُ لِلدُّنُوِّ مِنهُ عَلى الِاتِّساعِ، وهو المُرادُ في الآيَةِ لِيَصِحَّ أوْ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ. ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إذْ لا إمْساكَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، والمَعْنى فَراجَعُوهُنَّ مِن غَيْرِ ضِرارٍ، أوْ خَلُّوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ مِن غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وهو إعادَةٌ لِلْحُكْمِ في بَعْضِ صُوَرِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ ولا تُراجِعُوهُنَّ إرادَةَ الإضْرارِ بِهِنَّ، كَأنَّ المُطَلَّقَ يَتْرُكُ المُعْتَدَّةَ حَتّى تُشارِفَ الأجَلَ ثُمَّ يُراجِعُها لِتَطُولَ العِدَّةَ عَلَيْها، فَنُهِيَ عَنْهُ بَعْدَ الأمْرِ بِضِدِّهِ مُبالَغَةً. ونَصَبَ ضِرارًا عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ بِمَعْنى مُضارِّينَ. ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ لِتَظْلِمُوهُنَّ بِالتَّطْوِيلِ أوِ الإلْجاءِ إلى الِافْتِداءِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِضِرارًا إذِ المُرادُ تَقْيِيدُهُ.
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ بِالإعْراضِ عَنْها والتَّهاوُنِ في العَمَلِ بِما فِيها مِن قَوْلِهِمْ لِمَن لَمْ يَجِدَّ في الأمْرِ إنَّما أنْتَ هازِئٌ، كَأنَّهُ نُهِيَ عَنِ الهُزْءِ وأرادَ بِهِ الأمْرَ بِضِدِّهِ. وقِيلَ: (كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ ويُطَلِّقُ ويُعْتِقُ ويَقُولُ: كُنْتُ ألْعَبُ) فَنَزَلَتْ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ، الطَّلاقُ والنِّكاحُ والعَتاقُ» .
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الهِدايَةُ، وبَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالشُّكْرِ والقِيامِ بِحُقُوقِها. ﴿وَما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ القُرْآنِ والسُّنَّةِ أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ إظْهارًا لِشَرَفِهِما. ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَأْكِيدٌ وتَهْدِيدٌ.
البقرة 2:232
﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وعَنِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ. ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ المُخاطَبُ بِهِ الأوْلِياءُ لِما رُوِيَ (أنَّها (p-144)نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ حِينَ عَضَلَ أُخْتَهُ جُمَيْلاءَ أنْ تَرْجِعَ إلى زَوْجِها الأوَّلِ بِالِاسْتِئْنافِ) فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَرْأةَ لا تُزَوِّجُ نَفْسَها، إذْ لَوْ تَمَكَّنَتْ مِنهُ لَمْ يَكُنْ لِعَضْلِ الوَلِيِّ مَعْنًى، ولا يُعارَضُ بِإسْنادِ النِّكاحِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُ بِسَبَبِ تَوَقُّفِهِ عَلى إذْنِهِنَّ. وقِيلَ الأزْواجُ الَّذِينَ يَعْضُلُونَ نِساءَهم بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ ولا يَتْرُكُونَهُنَّ يَتَزَوَّجْنَ عُدْوانًا وقَسْرًا، لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِ ﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ . وقِيلَ الأوْلِياءُ والأزْواجُ. وقِيلَ النّاسُ كُلُّهُمْ، والمَعْنى: لا يُوجَدُ فِيما بَيْنَكم هَذا الأمْرُ فَإنَّهُ إذا وُجِدَ بَيْنَهم وهم راضُونَ بِهِ كانُوا الفاعِلِينَ لَهُ. والعَضْلُ الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ ومِنهُ عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ إذا نَشِبَ بَيْضُها فَلَمْ يُخْرِجْ. ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ﴾ أيِ الخُطّابُ والنِّساءُ وهو ظَرْفٌ لِأنَّهُ يَنْكِحْنَ أوْ لا تَعْضُلُوهُنَّ. ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِما يَعْرِفُهُ الشَّرْعُ وتَسْتَحْسِنُهُ المُرُوءَةُ، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَراضِيًا كائِنًا بِالمَعْرُوفِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَضْلَ عَنِ التَّزَوُّجِ مِن غَيْرِ كُفُؤٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَضى ذِكْرُهُ، والخِطابُ لِلْجَمِيعِ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلِ، أوْ كُلِّ واحِدٍ، أوْ أنَّ الكافَ لِمُجَرَّدِ الخِطابِ. والفَرْقُ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي دُونَ تَعْيِينِ المُخاطَبِينَ، أوْ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ المُشارِ إلَيْهِ أمْرٌ لا يَكادُ يَتَصَوَّرُهُ كُلُّ أحَدٍ.
﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لِأنَّهُ المُتَّعِظُ بِهِ والمُنْتَفِعُ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ العَمَلُ بِمُقْتَضى ما ذُكِرَ. ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ أنْفَعُ. ﴿وَأطْهَرُ﴾ مِن دَنَسِ الآثامِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ والصَّلاحِ. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لِقُصُورِ عِلْمِكم.
البقرة 2:233
﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ أمْرٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِالخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ ومَعْناهُ النَّدْبُ، أوِ الوُجُوبُ فَيُخَصُّ بِما إذا لَمْ يَرْتَضِعُ الصَّبِيُّ إلّا مِن أُمِّهِ أوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ ظِئْرٌ، أوْ عَجَزَ الوالِدُ عَنِ الِاسْتِئْجارِ. والوالِداتُ يَعُمُّ المُطَلَّقاتِ وغَيْرَهُنَّ. وقِيلَ يُخْتَصُّ بِهِنَّ إذِ الكَلامُ فِيهِنَّ. ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ أكَّدَهُ بِصِفَةِ الكَمالِ لِأنَّهُ مِمّا يَتَسامَحُ فِيهِ. ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ بَيانٌ لِلْمُتَوَجِّهِ إلَيْهِ الحُكْمُ أيْ ذَلِكَ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْضِعْنَ فَإنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإرْضاعُ كالنَّفَقَةِ، والأُمُّ تُرْضِعُ لَهُ. وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقْصى مُدَّةِ الإرْضاعِ حَوْلانِ ولا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَهُما وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقُصَ عَنْهُ. ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾ أيِ الَّذِي يُولَدُ لَهُ يَعْنِي الوالِدَ، فَإنَّ الوَلَدَ يُولَدُ لَهُ ويُنْسَبُ إلَيْهِ. وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلْإشارَةِ إلى المَعْنى المُقْتَضى لِوُجُوبِ الإرْضاعِ ومُؤَنِ المُرْضِعَةِ عَلَيْهِ. ﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ أُجْرَةً لَهُنَّ، واخْتُلِفَ في اسْتِئْجارِ الأُمِّ، فَجَوَّزَهُ الشّافِعِيُّ، ومَنَعَهُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ما دامَتْ زَوْجَةً أوْ مُعْتَدَّةِ نِكاحٍ. ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ حَسَبَ ما يَراهُ الحاكِمُ ويَفِي بِهِ وُسْعُهُ. ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾ تَعْلِيلٌ لِإيجابِ المُؤْمِنِ والتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُكَلِّفُ العَبْدَ بِما لا يُطِيقُهُ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ إمْكانَهُ. ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ تَفْصِيلٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ، أيْ لا يُكَلِّفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ، ولا يُضارُّهُ بِسَبَبِ الوَلَدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ﴿لا تُضارَّ﴾ بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿لا تُكَلَّفُ﴾، وأصْلُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ تُضارِرْ بِالكَسْرِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أوِ الفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَضُرُّ والباءُ مِن صِلَتِهِ أيْ لا يَضُرُّ الوالِدانِ بِالوَلَدِ فَيُفَرِّطُ في تَعَهُّدِهِ ويُقَصِّرُ فِيما يَنْبَغِي لَهُ. وقُرِئَ « لا تُضارّْ» بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ وبِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مِن ضارَّهِ يُضِيرُهُ، وإضافَةُ الوَلَدِ إلَيْها تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى اسْتِعْطافٌ لَهُما عَلَيْهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَّفِقا عَلى اسْتِصْلاحِهِ والإشْفاقِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَضُرّا بِهِ، أوْ أنْ يَتَضارّا بِسَبَبِهِ. ﴿وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى (p-145)قَوْلِهِ ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾، وما بَيْنَهُما تَعْلِيلٌ مُعْتَرِضٌ. والمُرادُ بِالوارِثِ وارِثُ الأبِ وهو الصَّبِيُّ أيْ مُؤَنُ المُرْضِعَةِ مِن مالِهِ إذا ماتَ الأبُ. وقِيلَ الباقِي مِنَ الأبَوَيْنِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا»، وكِلا القَوْلَيْنِ يُوافِقُ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إذْ لا نَفَقَةَ عِنْدَهُ فِيما عَدا الوِلادَةَ. وقِيلَ وارِثُ الطِّفْلِ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى. وقِيلَ وارِثُهُ المَحْرَمُ مِنهُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ عَصَباتُهُ وبِهِ قالَ أبُو زَيْدٍ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما وجَبَ عَلى الأبِ مِنَ الرِّزْقِ والكُسْوَةِ. ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ﴾ أيْ فِصالًا صادِرًا عَنِ التَّراضِي مِنهُما والتَّشاوُرِ بَيْنَهُما قَبْلَ الحَوْلَيْنِ، والتَّشاوُرُ والمُشاوَرَةُ والمَشُورَةُ والمَشْوَرَةِ اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ، مِن شُرْتُ العَسَلَ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ في ذَلِكَ وإنَّما اعْتَبَرَ تَراضِيَهُما مُراعاةً لِصَلاحِ الطِّفْلِ، وحَذَرًا أنْ يُقْدِمَ أحَدُهُما عَلى ما يَضُرُّ بِهِ لِغَرَضٍ أوْ غَيْرِهِ. ﴿وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ أيْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ لِأوْلادِكُمْ، يُقالُ أرْضَعْتُ المَرْأةَ الطِّفْلَ واسْتَرْضَعْتُها إيّاهُ، كَقَوْلِكَ أنْجَحَ اللَّهُ حاجَتِي واسْتَنْجَحْتُهُ إيّاها، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ فِيهِ وإطْلاقُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ الوَلَدَ ويَمْنَعَ الزَّوْجَةَ مِنَ الإرْضاعِ. ﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المَراضِعِ. ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ « ما أتَيْتُمْ»، مِن أتى إحْسانًا إذا فَعَلَهُ. وقُرِئَ « أُوتِيتُمْ» أيْ ما آتاكُمُ اللَّهُ وأقْدَرَكم عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ. ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ صِلَةُ سَلَّمْتُمْ، أيْ بِالوَجْهِ المُتَعارَفِ المُسْتَحْسَنِ شَرْعًا. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ اشْتِراطُ التَّسْلِيمِ لِجَوازِ الِاسْتِرْضاعِ بَلْ لِسُلُوكِ ما هو الأوْلى والأصْلَحُ لِلطِّفْلِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ مُبالَغَةٌ في المُحافَظَةِ عَلى ما شَرَعَ في أمْرِ الأطْفالِ والمَراضِعِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ حَثٌّ وتَهْدِيدٌ.
البقرة 2:234
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ أيْ أزْواجَ الَّذِينَ، أوْ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهُمْ، كَقَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ. وقُرِئَ « يَتَوَفَّوْنَ» بِفَتْحِ الياءِ أيْ يَسْتَوْفُونَ آجالَهُمْ، وتَأْنِيثُ العَشْرِ بِاعْتِبارِ اللَّيالِي لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ والأيّامِ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ في مِثْلِهِ قَطُّ ذَهابًا إلى الأيّامِ حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ صَمْتُ عَشْرًا ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾ ثُمَّ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ ولَعَلَّ المُقْتَضى لِهَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الجَنِينَ في غالِبِ الأمْرِ يَتَحَرَّكُ لِثَلاثَةِ أشْهُرٍ إنْ كانَ ذَكَرًا، ولِأرْبَعَةٍ إنْ كانَ أُنْثى فاعْتُبِرَ أقْصى الأجَلَيْنِ، وزِيدَ عَلَيْهِ العَشْرُ اسْتِظْهارًا إذْ رُبَّما تَضْعُفُ حَرَكَتُهُ في المَبادِي فَلا يُحَسُّ بِها، وعُمُومُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَساوِيَ المُسْلِمَةَ والكِتابِيَّةَ فِيهِ، كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ والحُرَّةُ والأمَةُ كَما قالَهُ الأصَمُّ، والحامِلُ وغَيْرُها، لَكِنَّ القِياسَ اقْتَضى تَنْصِيفَ المُدَّةِ لِلْأمَةِ، والإجْماعُ خَصَّ الحامِلَ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
وَعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّها تَعْتَدُّ بِأقْصى الأجَلَيْنِ احْتِياطًا. ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الأئِمَّةُ أوِ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا. ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ وسائِرِ ما حَرُمَ عَلَيْهِنَّ لِلْعِدَّةِ. ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، ومَفْهُومُهُ أنَّهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ ما يُنْكِرُهُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَكْفُوهُنَّ، فَإنْ قَصَّرُوا فَعَلَيْهِمُ الجُناحُ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
البقرة 2:235
(p-146)﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ التَّعْرِيضُ والتَّلْوِيحُ إيهامُ المَقْصُودِ بِما لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَقِيقَةً ولا مَجازًا، كَقَوْلِ السّائِلِ جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ، والكِنايَةُ هي الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ ورَوادِفِهِ، كَقَوْلِكَ الطَّوِيلُ النِّجادِ لِلطَّوِيلِ، وكَثِيرُ الرَّمادِ لِلْمِضْيافِ. والخُطْبَةُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ اسْمُ الحالَةِ، غَيْرَ أنَّ المَضْمُومَةَ خُصَّتْ بِالمَوْعِظَةِ والمَكْسُورَةَ بِطَلَبِ المَرْأةِ، والمُرادُ بِالنِّساءِ المُعْتَدّاتِ لِلْوَفاةِ، وتَعْرِيضُ خِطْبَتِها أنْ يَقُولَ لَها إنَّكِ جَمِيلَةٌ أوْ نافِقَةٌ ومِن غَرَضِي أنْ أتَزَوَّجَ ونَحْوَ ذَلِكَ. ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ أوْ أضْمَرْتُمْ في قُلُوبِكم فَلَمْ تَذْكُرُوهُ تَصْرِيحًا ولا تَعْرِيضًا. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ولا تَصْبِرُونَ عَلى السُّكُوتِ عَنْهُنَّ وعَنِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ وفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ. ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أيْ فاذْكُرُوهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ نِكاحًا أوْ جِماعًا، عَبَّرَ بِالسِّرِّ عَنِ الوَطْءِ لِأنَّهُ مِمّا يُسَرُّ ثُمَّ عَنِ العَقْدِ لِأنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ. وقِيلَ مَعْناهُ لا تُواعِدُوهُنَّ في السِّرِّ عَلى أنَّ المَعْنى بِالمُواعَدَةِ في السِّرِّ المُواعَدَةُ بِما يُسْتَهْجَنُ. ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو أنْ تُعَرِّضُوا ولا تُصَرِّحُوا والمُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفٌ أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعِدَةً إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً، أوْ إلّا مُواعَدَةً بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ. وقِيلَ إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ﴿سِرًّا﴾ وهو ضَعِيفٌ لِأدائِهِ إلى قَوْلِكَ ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ إلّا التَّعْرِيضَ، وهو غَيْرُ مَوْعُودٍ. وفِيهِ دَلِيلُ حُرْمَةِ تَصْرِيحِ خِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ وجَوازِ تَعْرِيضِها إنْ كانَتْ مُعْتَدَّةَ وفاةٍ. واخْتُلِفَ في مُعْتَدَّةِ الفِراقِ البائِنِ والأظْهَرُ جَوازُهُ. ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ ذَكَرَ العَزْمَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ العَقْدِ، أيْ ولا تَعْزِمُوا عَقْدَ عُقْدَةِ النِّكاحِ. وقِيلَ مَعْناهُ ولا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ فَإنَّ أصْلَ العَزْمِ القَطْعُ. ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ حَتّى يَنْتَهِيَ ما كُتِبَ مِنَ العِدَّةِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ. ﴿فاحْذَرُوهُ﴾ ولا تَعْزِمُوا. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِمَن عَزَمَ ولَمْ يَفْعَلْ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ.
البقرة 2:236
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ. وقِيلَ مِن وِزْرٍ لِأنَّهُ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ. وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ النَّهْيَ عَنِ الطُّرُقِ فَظَنَّ أنَّ فِيهِ حَرَجًا فَنَفى ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَماسُّوهُنَّ» بِضَمِّ التّاءِ ومَدِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلّا أنْ تَفْرِضُوا، أوْ حَتّى تَفْرِضُوا أوْ وتَفْرِضُوا. والفَرْضُ تَسْمِيَةُ المَهْرِ، وفَرِيضَةً نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ. والمَعْنى أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ مِن مُطالَبَةِ المَهْرِ إذا كانَتِ المُطَلَّقَةُ غَيْرَ مَمْسُوسَةٍ ولَكِنْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، إذْ لَوْ كانَتْ مَمْسُوسَةً فَعَلَيْهِ المُسَمّى، أوْ مَهْرُ المِثْلِ. ولَوْ كانَتْ غَيْرَ مَمْسُوسَةٍ ولَكِنَّ سُمِّيَ لَها فَلَها نِصْفُ المُسَمّى، فَمَنطُوقُ الآيَةِ يَنْفِي الوُجُوبَ في الصُّورَةِ الأُولى، ومَفْهُومُها يَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلى الجُمْلَةِ في الأخِيرَتَيْنِ. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ، والحِكْمَةُ في إيجابِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ، وتَقْدِيرُها مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الحاكِمِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ أيْ عَلى كُلٍّ مِنَ الَّذِي لَهُ سِعَةٌ، والمُقْتِرُ الضَّيِّقُ الحالِ ما يُطِيقُهُ ويَلِيقُ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنْصارِيٍّ طَلَّقَ امْرَأتَهُ المُفَوَّضَةَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّها «مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ» . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هي دِرْعٌ ومِلْحَفَةٌ وخِمارٌ حَسَبَ الحالِ إلّا أنْ يَقِلَّ مَهْرُ مِثْلِها عَنْ ذَلِكَ فَلَها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، ومَفْهُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ إيجابِ المُتْعَةِ لِلْمُفَوَّضَةِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الزَّوْجُ، وألْحَقَ بِها الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في أحَدِ قَوْلَيْهِ المَمْسُوسَةَ المُفَوَّضَةَ وغَيْرَها قِياسًا، وهو مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِفَتْحِ الدّالِ ﴿مَتاعًا﴾ تَمْتِيعًا. ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَحْسِنُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ. ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِي يُحْسِنُونَ إلى (p-147)أنْفُسِهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، أوْ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَّمْتِيعِ وسَمّاهم مُحْسِنِينَ قَبْلَ الفِعْلِ لِلْمُشارَفَةِ تَرْغِيبًا وتَحْرِيضًا.
البقرة 2:237
﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ لِما ذَكَرَ حُكْمَ المُفَوَّضَةِ أتْبَعَهُ حُكْمَ قَسِيمِها. ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ فَلَهُنَّ، أوْ فالواجِبُ نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ لَهُنَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجُناحَ المَنفِيَّ ثُمَّ تَبِعَهُ المَهْرُ وأنْ لا مُتْعَةَ مَعَ التَّشْطِيرِ لِأنَّهُ قَسِيمُها ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ فَلا يَأْخُذْنَ شَيْئًا، والصِّيغَةُ تَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ، والفَرْقُ أنَّ الواوَ في الأوَّلِ ضَمِيرٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ وفي الثّانِي لامُ الفِعْلِ والنُّونُ ضَمِيرٌ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ ولِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ هاهُنا ونُصِبَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ أيِ الزَّوْجُ المالِكُ لِعَقْدِهِ وحِلِّهِ عَمّا يَعُودُ إلَيْهِ بِالتَّشْطِيرِ فَيَسُوقُ المَهْرَ إلَيْها كامِلًا، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ المَسِيسِ مُخَيَّرٌ لِلزَّوْجِ غَيْرُ مُشَطَّرٍ بِنَفْسِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أصْحابِنا والحَنَفِيَّةِ. وقِيلَ الوَلِيُّ الَّذِي يَلِي عَقْدَ نِكاحِهِنَّ وذَلِكَ إذا كانَتِ المَرْأةُ صَغِيرَةً، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ وعَفْوُ الزَّوْجِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ ظاهِرٌ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِّ، وتَسْمِيَتُها عَفْوًا إمّا عَلى المُشاكَلَةِ وإمّا لِأنَّهم يَسُوقُونَ المَهْرَ إلى النِّساءِ عِنْدَ التَّزَوُّجِ، فَمِن طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ اسْتَحَقَّ اسْتِرْدادَ النِّصْفِ فَإذا لَمْ يَسْتَرِدَّهُ فَقَدْ عَفا عَنْهُ. وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً وطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ فَأكْمَلَ لَها الصَّداقَ وقالَ أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ. ﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ ولا تَنْسَوْا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يُضِيعُ تَفَضُّلَكم وإحْسانَكم.
البقرة 2:238
﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ بِالأداءِ لِوَقْتِها والمُداوَمَةِ عَلَيْها، ولَعَلَّ الأمْرَ بِها في تَضاعِيفِ أحْكامِ الأوْلادِ والأزْواجِ لِئَلّا يُلْهِيَهُمُ الِاشْتِغالُ بِشَأْنِهِمْ عَنْها. ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ أيِ الوُسْطى بَيْنَها، أوِ الفُضْلى مِنها خُصُوصًا وهي صَلاةُ العَصْرِ
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الأحْزابِ «شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ مَلَأ اللَّهُ بُيُوتَهم نارًا» . وفَضَّلَها لِكَثْرَةِ اشْتِغالِ النّاسِ في وقْتِها، واجْتِماعِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ صَلاةُ الظُّهْرِ لِأنَّها في وسَطِ النَّهارِ وكانَتْ أشَقُّ الصَّلَواتِ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أفْضَلُ العِباداتِ أحَمَزُها» . وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ واللَّيْلِ والواقِعَةُ في الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما ولِأنَّها مَشْهُودَةٌ. وقِيلَ المَغْرِبُ لِأنَّها المُتَوَسِّطَةُ بِالعَدَدِ ووِتْرِ النَّهارِ. وقِيلَ العِشاءُ لِأنَّها بَيْنَ جَهْرِيَّتَيْنِ واقِعَتَيْنِ طَرَفَيِ اللَّيْلِ.
وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقْرَأُ: « والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ»
، فَتَكُونُ صَلاةٌ مِنَ الأرْبَعِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ العَصْرِ لِانْفِرادِهِما بِالفَضْلِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصَّلاةِ. ﴿قانِتِينَ﴾ ذاكِرِينَ لَهُ في القِيامِ، والقُنُوتُ الذِّكْرُ فِيهِ. وقِيلَ خاشِعِينَ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ المُرادُ بِهِ القُنُوتُ في الصُّبْحِ.
البقرة 2:239
﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ. ﴿فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ فَصَلُّوا راجِلِينَ أوْ راكِبِينَ ورِجالًا جَمْعُ راجِلٍ أوْ (p-148)رَجُلٍ بِمَعْناهُ كَقائِمٍ وقِيامٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُسايَفَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لا يُصَلّى حالَ المَشْيِ والمُسايَفَةِ ما لَمْ يَكُنِ الوُقُوفُ. ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ وزالَ خَوْفُكم. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ صَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ أوِ اشْكُرُوهُ عَلى الأمْنِ ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ ذِكْرًا مِثْلَ ما عَلَّمَكم مِنَ الشَّرائِعِ وكَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ حالَتَيِ الخَوْفِ والأمْنِ. أوْ شُكْرًا يُوازِيهِ وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مَفْعُولُ عَلَّمَكم.
البقرة 2:240
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يُوصُونَ وصِيَّةً، أوْ لِيُوصُوا وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً، أوْ أُلْزِمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةً. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ لِأزْواجِكم مَتاعًا إلى الحَوْلِ مَكانَهُ.
وَقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ووَصِيَّةِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، أوْ وحُكْمُهم وصِيَّةً، أوْ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أهْلُ وصِيَّةٍ، أوْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، أوْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ وقُرِئَ « مَتاعٌ» بَدَلَها. ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ نُصِبَ بِيُوصُونَ إنْ أُضْمِرَتْ وإلّا فَبِالوَصِيَّةِ وبِمَتاعٍ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّمْتِيعِ. ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَقَوْلِكَ هَذا القَوْلُ غَيْرُ ما تَقُولُ، أوْ حالٌ مِن أزْواجِهِمْ أيْ غَيْرَ مُخْرَجاتِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ أنْ يَحْتَضِرُوا لِأزْواجِهِمْ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا بِالسُّكْنى والنَّفَقَةِ، وكانَ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَتِ المُدَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ وهو وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ فَهو مُتَأخِّرٌ في النُّزُولِ، وسَقَطَتِ النَّفَقَةُ بِتَوْرِيثِها الرُّبْعَ أوِ الثُّمْنَ، والسُّكْنى لَها بَعْدَ ثابِتَةٍ عِنْدَنا خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ عَنْ مَنزِلِ الأزْواجِ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الأئِمَّةُ. ﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ كالتَّطَيُّبِ وتَرْكِ الإحْدادِ. ﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ مِمّا لَمْ يُنْكِرْهُ الشَّرْعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ عَلَيْها مُلازَمَةُ مَسْكَنِ الزَّوْجِ والحِدادِ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُخَيَّرَةً بَيْنَ المُلازَمَةِ وأخْذِ النَّفَقَةِ وبَيْنَ الخُرُوجِ وتَرْكِها. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ خالَفَهُ مِنهم. ﴿حَكِيمٌ﴾ يُراعِي مَصالِحَهم.
البقرة 2:241
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أثْبَتَ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقاتِ جَمِيعًا بَعْدَ ما أوْجَبَها لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ، وإفْرادُ بَعْضِ العامِّ بِالحُكْمِ لا يُخَصِّصُهُ إلّا إذا جَوَّزْنا تَخْصِيصَ المَنطُوقِ بِالمَفْهُومِ ولِذَلِكَ أوْجَبَها ابْنُ جُبَيْرٍ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وأوَّلَ غَيْرُهُ بِما يَعُمُّ التَّمْتِيعَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ. وقالَ قَوْمٌ المُرادُ بِالمَتاعِ نَفَقَةُ العِدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِتَكَرُّرِ القَضِيَّةِ ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ والعِدَّةِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ وعْدٌ بِأنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِعِبادِهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مَعاشًا ومَعادًا.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لَعَلَّكم تَفْهَمُونَها فَتَسْتَعْمِلُونَ العَقْلَ فِيها.
البقرة 2:242
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أثْبَتَ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقاتِ جَمِيعًا بَعْدَ ما أوْجَبَها لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ، وإفْرادُ بَعْضِ العامِّ بِالحُكْمِ لا يُخَصِّصُهُ إلّا إذا جَوَّزْنا تَخْصِيصَ المَنطُوقِ بِالمَفْهُومِ ولِذَلِكَ أوْجَبَها ابْنُ جُبَيْرٍ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وأوَّلَ غَيْرُهُ بِما يَعُمُّ التَّمْتِيعَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ. وقالَ قَوْمٌ المُرادُ بِالمَتاعِ نَفَقَةُ العِدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِتَكَرُّرِ القَضِيَّةِ ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ والعِدَّةِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ وعْدٌ بِأنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِعِبادِهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مَعاشًا ومَعادًا.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لَعَلَّكم تَفْهَمُونَها فَتَسْتَعْمِلُونَ العَقْلَ فِيها.
البقرة 2:243
﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ لِمَن سَمِعَ بِقِصَّتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وأرْبابِ التَّوارِيخِ، وقَدْ يُخاطَبُ بِهِ مَن لَمْ يَرَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ فَإنَّهُ صارَ مَثَلًا في التَّعْجِيبِ. ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ داوَرْدانَ قَرْيَةٍ قَبْلَ (p-149)واسِطَ وقَعَ فِيها طاعُونٌ فَخَرَجُوا هارِبِينَ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَتَيَقَّنُوا أنْ لا مَفَرَّ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ. أوْ قَوْمًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ دَعاهم مَلِكُهم إلى الجِهادِ فَفَرُّوا حَذَرَ المَوْتِ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ ثُمَّ أحْياهم. ﴿وَهم أُلُوفٌ﴾ أيْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ عَشَرَةٌ. وقِيلَ ثَلاثُونَ. وقِيلَ سَبْعُونَ وقِيلَ مُتَألِّفُونَ جَمْعُ إلْفٍ أوْ آلِفٌ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ والواوُ لِلْحالِ. ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ أيْ قالَ لَهم مُوتُوا فَماتُوا كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ والمَعْنى أنَّهم ماتُوا مَيْتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ. وقِيلَ ناداهم بِهِ مَلَكٌ وإنَّما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى تَخْوِيفًا وتَهْوِيلًا. ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ قِيلَ «مَرَّ حِزْقِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أهْلِ داوَرْدانَ وقَدْ عَرِيَتْ عِظامُهم وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهُمْ، فَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ نادِ فِيهِمْ أنْ قُومُوا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَنادى فَقامُوا يَقُولُونَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ.» وفائِدَةُ القِصَّةِ تَشْجِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ والتَّعَرُّضِ لِلشَّهادَةِ، وحَثُّهم عَلى التَّوَكُّلِ والِاسْتِسْلامِ لِلْقَضاءِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ حَيْثُ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَفُوزُوا وقَصَّ عَلَيْهِمْ حالَهم لِيَسْتَبْصِرُوا ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ لا يَشْكُرُونَهُ كَما يَنْبَغِي، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالشُّكْرِ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ.
البقرة 2:244
﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ غَيْرُ مُخَلِّصٍ مِنهُ وأنَّ المُقَدَّرَ لا مَحالَةَ واقِعٌ، أمَرَهم بِالقِتالِ إذْ لَوْ جاءَ أجْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ وإلّا فالنَّصْرُ والثَّوابُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ والسّابِقُ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرانِهِ وهو مِن وراءِ الجَزاءِ.
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَوْضِعِ بِالِابْتِداءِ، وذا خَبَرُهُ، والَّذِي صِفَةُ ذا أوْ بَدَلُهُ، وإقْراضُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الَّذِي بِهِ يُطْلَبُ ثَوابُهُ. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ إقْراضًا حَسَنًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيبِ النَّفْسِ أوْ مُقْرِضًا حَلالًا طَيِّبًا. وقِيلَ: القَرْضُ الحَسَنُ بِالمُجاهَدَةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، أخْرَجَهُ عَلى صُورَةِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَإنَّ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ في مَعْنى أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « فَيُضَعِّفُهُ» بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ. ﴿أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ كَثْرَةٌ لا يُقَدِّرُها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقِيلَ الواحِدُ بِسَبْعِمِائَةٍ، و « أضْعافًا» جَمْعُ ضِعْفٍ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي لِتَضَمُّنِ المُضاعَفَةِ مَعْنى التَّصْيِيرِ أوِ المَصْدَرُ عَلى أنَّ الضِّعْفَ اسْمُ مَصْدَرٍ وجَمَعَهُ لِلتَّنْوِيعِ. ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ يَقْتُرُ عَلى بَعْضٍ ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ حَسَبِ ما اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكم كَيْلا يُبَدِّلَ حالَكم. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والبَزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالصّادِ ومِثْلُهُ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.
البقرة 2:245
﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ غَيْرُ مُخَلِّصٍ مِنهُ وأنَّ المُقَدَّرَ لا مَحالَةَ واقِعٌ، أمَرَهم بِالقِتالِ إذْ لَوْ جاءَ أجْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ وإلّا فالنَّصْرُ والثَّوابُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ والسّابِقُ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرانِهِ وهو مِن وراءِ الجَزاءِ.
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَوْضِعِ بِالِابْتِداءِ، وذا خَبَرُهُ، والَّذِي صِفَةُ ذا أوْ بَدَلُهُ، وإقْراضُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الَّذِي بِهِ يُطْلَبُ ثَوابُهُ. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ إقْراضًا حَسَنًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيبِ النَّفْسِ أوْ مُقْرِضًا حَلالًا طَيِّبًا. وقِيلَ: القَرْضُ الحَسَنُ بِالمُجاهَدَةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، أخْرَجَهُ عَلى صُورَةِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَإنَّ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ في مَعْنى أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « فَيُضَعِّفُهُ» بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ. ﴿أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ كَثْرَةٌ لا يُقَدِّرُها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقِيلَ الواحِدُ بِسَبْعِمِائَةٍ، و « أضْعافًا» جَمْعُ ضِعْفٍ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي لِتَضَمُّنِ المُضاعَفَةِ مَعْنى التَّصْيِيرِ أوِ المَصْدَرُ عَلى أنَّ الضِّعْفَ اسْمُ مَصْدَرٍ وجَمَعَهُ لِلتَّنْوِيعِ. ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ يَقْتُرُ عَلى بَعْضٍ ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ حَسَبِ ما اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكم كَيْلا يُبَدِّلَ حالَكم. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والبَزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالصّادِ ومِثْلُهُ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.
البقرة 2:246
﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المَلَأُ جَماعَةٌ يَجْتَمِعُونَ لِلتَّشاوُرِ، ولا واحِدَ لَهُ كالقَوْمِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ. ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ وفاتِهِ ومِن لِلِابْتِداءِ. ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو يُوشَعُ، أوْ شَمْعُونُ، أوْ (p-150)شَمْوِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أقِمْ لَنا أمِيرًا نَنْهَضُ مَعَهُ لِلْقِتالِ يُدَبِّرُ أمْرَهُ ونُصْدُرُ فِيهِ عَنْ رَأْيِهِ، وجَزَمَ ﴿نُقاتِلْ﴾ عَلى الجَوابِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أيِ ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، ويُقاتِلُ بِالياءِ مَجْزُومًا ومَرْفُوعًا عَلى الجَوابِ والوَصْفِ لَمَلِكًا. ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾ فَصَلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِهِ بِالشَّرْطِ، والمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، فَأدْخَلَ هَلْ عَلى فِعْلِ التَّوَقُّعِ مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو المُتَوَقَّعُ عِنْدَهُ تَقْرِيرًا وتَثْبِيتًا. وقَرَأ نافِعٌ عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ. ﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ أيْ أيُّ غَرَضٍ لَنا في تَرْكِ القِتالِ وقَدْ عَرَضَ لَنا ما يُوجِبُهُ ويَحُثُّ عَلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ عَنِ الأوْطانِ والإفْرادِ عَنِ الأوْلادِ، وذَلِكَ أنَّ جالُوتَ ومَن مَعَهُ مِنَ العَمالِقَةِ كانُوا يَسْكُنُونَ ساحِلَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، فَظَهَرُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَأخَذُوا دِيارَهم وسَبَوْا أوْلادَهم وأسَرُوا مِن أبْناءِ المُلُوكِ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ. ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ بِعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ في تَرْكِ الجِهادِ.
البقرة 2:247
﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ طالُوتُ عَلَمٌ عِبْرِيٌّ كَداوُدَ وجَعَلَهُ فَعَلُوتًا مِنَ الطَّوْلِ تَعَسَّفَ يَدْفَعُهُ مَنعُ صَرْفِهِ، رُوِيَ أنَّ نَبِيَّهم ﷺ لَمّا دَعا اللَّهَ أنْ يُمَلِّكَهم أتى بَعْضًا يُقاسُ بِها مَن يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ ويَسْتَأْهِلُ. ﴿وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ والحالُ أنّا أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ وِراثَةً ومُكْنَةً وإنَّهُ فَقِيرٌ لا مالَ لَهُ يَعْتَضِدُ بِهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ طالُوتَ كانَ فَقِيرًا راعِيًا أوْ سَقّاءً أوْ دَبّاغًا مِن أوْلادٍ بِنْيامِينَ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ والمُلْكُ، وإنَّما كانَتِ النُّبُوَّةُ في أوْلادِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ والمُلْكُ في أوْلادِ يَهُوذا وكانَ فِيهِمْ مِنَ السِّبْطَيْنِ خَلْقٌ. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا اسْتَبْعَدُوا تَمَلُّكَهُ لِفَقْرِهِ وسُقُوطِ نَسَبِهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. أوَّلًا بِأنَّ العُمْدَةَ فِيهِ اصْطَفاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وقَدِ اخْتارَهُ عَلَيْكم وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ، وثانِيًا بِأنَّ الشَّرْطَ فِيهِ وُفُورُ العِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ الأُمُورِ السِّياسِيَّةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ لِيَكُونَ أعْظَمَ خَطَرًا في القُلُوبِ، وأقْوى عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، لا ما ذَكَرْتُمْ. وقَدْ زادَهُ اللَّهُ فِيهِما وكانَ الرَّجُلُ القائِمُ يَمُدُّ يَدَهُ فَيَنالُ رَأْسَهُ، وثالِثًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مالِكُ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ فَلَهُ أنْ يُؤْتِيَهُ مَن يَشاءُ، ورابِعًا أنَّهُ واسِعُ الفَضْلِ يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ ويُغْنِيهِ عَلِيمٌ بِمَن يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ.
البقرة 2:248
﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى اصْطَفى طالُوتَ ومَلَّكَهُ عَلَيْهِمْ. ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ الصُّنْدُوقُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلى ما يَخْرُجُ مِنهُ، ولَيْسَ بِفاعُولٍ لِقِلَّةِ نَحْوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ومَن قَرَأهُ بِالهاءِ فَلَعَلَّهُ أبْدَلَهُ مِنهُ كَما أبْدَلَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ والزِّيادَةِ، ويُرِيدُ بِهِ صُنْدُوقَ التَّوْراةِ وكانَ مِن خَشَبِ الشِّمْشادِ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِلْإتْيانِ أيْ في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكم وطُمَأْنِينَةٌ، أوْ لِلتّابُوتِ أيْ مُودَعٌ فِيهِ (p-151)ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ وهو التَّوْراةُ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ فَتَسْكُنُ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ ولا يَفِرُّونَ. وقِيلَ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ وذَنَبِها وجَناحانِ فَتَئِنُّ فَيُزِفُّ التّابُوتَ نَحْوَ العَدُوِّ وهم يَتْبَعُونَهُ فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا وسَكَنُوا ونَزَلَ النَّصْرُ. وقِيلَ صُورَةُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ التّابُوتُ هو القَلْبُ والسَّكِينَةُ ما فِيهِ مِنَ العِلْمِ والإخْلاصِ، وإتْيانُهُ مَصِيرُ قَلْبِهِ مَقَرًّا لِلْعِلْمِ والوَقارِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ رُضاضُ الألْواحِ وعَصا مُوسى وثِيابِهِ وعِمامَةُ هارُونَ، وآلُهُما أبْناؤُهُما أوْ أنْفُسُهُما. والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، أوْ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهم أبْناءُ عَمِّهِما.﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ رَفَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ مُوسى فَنَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ كانَ بَعْدَهُ مَعَ أنْبِيائِهِمْ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ حَتّى أفْسَدُوا فَغَلَبَهُمُ الكُفّارُ عَلَيْهِ، وكانَ في أرْضِ جالُوتَ إلى أنْ مَلَّكَ اللَّهُ طالُوتَ فَأصابَهم بَلاءٌ حَتّى هَلَكَتْ خَمْسُ مَدائِنَ فَتَشاءَمُوا بِالتّابُوتِ فَوَضَعُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَساقَتْهُما المَلائِكَةُ إلى طالُوتَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْ يَكُونَ ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
البقرة 2:249
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ انْفَصَلَ بِهِمْ عَنْ بَلَدِهِ لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وأصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ عَنْهُ ولَكِنْ لَمّا كَثُرَ حُذِفَ مَفْعُولُهُ صارَ كاللّازِمِ.
رُوِيَ: أنَّهُ قالَ لَهم لا يَخْرُجُ مَعِي إلّا الشّابُّ النَّشِيطُ الفارِغُ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا فَسَلَكُوا مَفازَهُ وسَألُوهُ أنْ يُجْرِيَ اللَّهُ لَهم نَهْرًا. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ مَعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ. ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فَلَيْسَ مِن أشْياعِي، أوْ لَيْسَ بِمُتَّحِدٍ مَعِي. ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ مِن لَمْ يَذُقْهُ مِن طَعِمَ الشَّيْءَ إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا أوْ مَشْرُوبًا قالَ الشّاعِرُ:
؎ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعِمْ نُقاخًا ولا بَرَدا
وَإنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إنْ كانَ نَبِيًّا كَما قِيلَ، أوْ بِإخْبارِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ فَمَن شَرِبَ مِنهُ، وإنَّما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ لِلْعِنايَةِ بِها كَما قُدِّمَ والصّائِبُونَ عَلى الخَبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ والمَعْنى الرُّخْصَةُ في القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ ﴿غُرْفَةً﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ. ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ أيْ فَكَرَعُوا فِيهِ إذِ الأصْلُ في الشُّرْبِ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ بِوَسَطٍ، وتَعْمِيمُ الأوَّلِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ، أوْ أفْرَطُوا في الشُّرْبِ مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ فَشَرِبُوا مِنهُ في مَعْنى فَلَمْ يُطِيعُوهُ والقَلِيلُ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وقِيلَ ثَلاثَةُ آلافٍ. وقِيلَ: ألْفًا. رُوِيَ أنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى الغُرْفَةِ كَفَتْهُ لِشُرْبِهِ وإداوَتِهِ، ومَن لَمْ يَقْتَصِرْ غَلَبَ عَلَيْهِ واسْوَدَّتْ شَفَتُهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَمْضِيَ وهَكَذا الدُّنْيا لِقاصِدِ الآخِرَةِ. ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيِ القَلِيلُ الَّذِينَ لَمْ يُخالِفُوهُ. ﴿قالُوا﴾ أيْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ أيْ قالَ الخُلَّصُ مِنهُمُ الَّذِينَ تَيَقَّنُوا لِقاءَ اللَّهِ وتَوَقَّعُوا ثَوابَهُ، أوْ عَلِمُوا أنَّهم يَسْتَشْهِدُونَ عَمّا قَرِيبٌ فَيَلْقَوْنَ اللَّهَ تَعالى. وقِيلَ: هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ، والضَّمِيرُ في ﴿قالُوا﴾ لِلْكَثِيرِ المُنْخَذِلِينَ عَنْهُ اعْتِذارًا في التَّخَلُّفِ وتَخْذِيلًا لِلْقَلِيلِ، وكَأنَّهم تَقاوَلُوا بِهِ والنَّهْرُ بَيْنَهُما. ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ (p-152)بِحُكْمِهِ وتَيْسِيرِهِ، وكَمْ تَحْتَمِلُ الخَبَرَ والِاسْتِفْهامَ، ومِن مُبَيِّنَةٌ أوْ مَزِيدَةٌ. والفِئَةُ الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ إذا شَقَقْتَهُ، أوْ مِن فاءَ رَجَعَ فَوَزْنُها فِعَةٌ أوْ فِلَةٌ. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ . بِالنَّصْرِ والإثابَةِ.
البقرة 2:250
﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أيْ ظَهَرُوا لَهم ودَنَوْا مِنهم. ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ التَجَأُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدُّعاءِ، وفِيهِ تَرْتِيبٌ بَلِيغٌ إذْ سَألُوا أوَّلًا إفْراغَ الصَّبْرِ في قُلُوبِهِمُ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ، ثُمَّ ثَباتَ القَدَمِ في مَداحِضِ الحَرْبِ المُسَبَّبَ عَنْهُ، ثُمَّ النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِما غالِبًا.
﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَكَسَرُوهم بِنَصْرِهِ، أوْ مُصاحِبِينَ لِنَصْرِهِ إيّاهم إجابَةً لِدُعائِهِمْ. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ قِيلَ: كانَ إيشا في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وكانَ صَغِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ فَجاءَ وقَدْ كَلَّمَهُ في الطَّرِيقِ ثَلاثَةُ أحْجارٍ وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ ورَماهُ بِها فَقَتَلَهُ ثُمَّ زَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ. ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَجْتَمِعُوا قَبْلَ داوُدَ عَلى مُلْكٍ. والحِكْمَةُ أيِ النُّبُوَّةِ. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ كالسَّرْدِ وكَلامِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ولَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْفَعُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ ويَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكَفّارِ ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهُمْ، لَغَلَبُوا وأفْسَدُوا في الأرْضِ، أوْ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِشُؤْمِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ « دِفاعُ اللَّهِ» .
البقرة 2:251
﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أيْ ظَهَرُوا لَهم ودَنَوْا مِنهم. ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ التَجَأُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدُّعاءِ، وفِيهِ تَرْتِيبٌ بَلِيغٌ إذْ سَألُوا أوَّلًا إفْراغَ الصَّبْرِ في قُلُوبِهِمُ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ، ثُمَّ ثَباتَ القَدَمِ في مَداحِضِ الحَرْبِ المُسَبَّبَ عَنْهُ، ثُمَّ النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِما غالِبًا.
﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَكَسَرُوهم بِنَصْرِهِ، أوْ مُصاحِبِينَ لِنَصْرِهِ إيّاهم إجابَةً لِدُعائِهِمْ. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ قِيلَ: كانَ إيشا في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وكانَ صَغِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ فَجاءَ وقَدْ كَلَّمَهُ في الطَّرِيقِ ثَلاثَةُ أحْجارٍ وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ ورَماهُ بِها فَقَتَلَهُ ثُمَّ زَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ. ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَجْتَمِعُوا قَبْلَ داوُدَ عَلى مُلْكٍ. والحِكْمَةُ أيِ النُّبُوَّةِ. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ كالسَّرْدِ وكَلامِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ولَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْفَعُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ ويَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكَفّارِ ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهُمْ، لَغَلَبُوا وأفْسَدُوا في الأرْضِ، أوْ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِشُؤْمِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ « دِفاعُ اللَّهِ» .
البقرة 2:252
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَصَّ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ وتَمْلِيكِ طالُوتَ وإتْيانِ التّابُوتِ وانْهِزامِ الجَبابِرَةِ وقَتْلِ داوُدَ جالُوتَ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ بِالوَجْهِ المُطابِقِ الَّذِي لا يَشُكُّ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ وأرْبابُ التَّوارِيخِ.
﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لِما أخْبَرَتْ بِها مِن غَيْرِ تَعَرُّفٍ واسْتِماعٍ.
البقرة 2:253
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ إشارَةٌ إلى الجَماعَةِ المَذْكُورَةِ قِصَصُها في السُّورَةِ، أوِ المَعْلُومَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ جَماعَةِ الرُّسُلِ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ. ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِأنْ خَصَصْناهُ بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ. ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ تَفْضِيلٌ لَهُ، وهو مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: مُوسى ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى لَيْلَةَ الحَيْرَةِ وفي الطُّورِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ حِينَ كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى وبَيْنَهُما بَوْنٌ بَعِيدٌ، وقُرِئَ « كَلَّمَ اللَّهَ» و « كالَمَ اللَّهَ» بِالنَّصْبِ، فَإنَّهُ كَلَّمَ اللَّهَ كَما أنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ ولِذَلِكَ قِيلَ كَلِيمُ اللَّهِ بِمَعْنى مُكالِمِهِ. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ بِأنْ فَضَّلَهُ عَلى غَيْرِهِ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أوْ بِمَراتِبَ مُتَباعِدَةٍ. وهو مُحَمَّدٌ (p-153)ﷺ فَإنَّهُ خَصَّهُ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ والحُجَجِ المُتَكاثِرَةِ والمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ، والآياتِ المُتَعاقِبَةِ بِتَعاقُبِ الدَّهْرِ، والفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ. والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ كَأنَّهُ العِلْمُ المُتَعَيَّنُ لِهَذا الوَصْفِ المُسْتَغْنِي عَنِ التَّعْيِينِ. وقِيلَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَصَّصَهُ بِالخُلَّةِ الَّتِي هي أعْلى المَراتِبِ. وقِيلَ: إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ . وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ خَصَّهُ بِالتَّعْيِينِ لِإفْراطِ اليَهُودِ والنَّصارى في تَحْقِيرِهِ وتَعْظِيمِهِ، وجَعَلَ مُعْجِزاتِهِ سَبَبَ تَفْضِيلِهِ لِأنَّها آياتٌ واضِحَةٌ ومُعْجِزاتٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَسْتَجْمِعْها غَيْرُهُ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ هَدى النّاسَ جَمِيعًا. ﴿ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ الرُّسُلِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الواضِحَةُ لِاخْتِلافِهِمْ في الدِّينِ، وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ﴾ بِتَوْفِيقِهِ التِزامَ دِينِ الأنْبِياءِ تَفَضُّلًا. ﴿وَمِنهم مَن كَفَرَ﴾ لِإعْراضِهِ عَنْهُ بِخِذْلانِهِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فَيُوَفِّقُ مَن يَشاءُ فَضْلًا، ويَخْذِلُ مَن يَشاءُ عَدْلًا. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَفاوِتَةُ الأقْدامِ، وأنَّهُ يَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَكِنْ بِقاطِعٍ لِأنَّ اعْتِبارَ الظَّنِّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالعَمَلِ وأنَّ الحَوادِثَ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا إيمانًا أوْ كُفْرًا.
البقرة 2:254
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ ما أوْجَبْتُ عَلَيْكم إنْفاقَهُ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فَرَّطْتُمْ، والخَلاصِ مِن عَذابِهِ إذْ لا بَيْعَ فِيهِ فَتَحْصِّلُونَ ما تُنْفِقُونَهُ، أوْ تَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ ولا خُلَّةَ حَتّى يُعِينَكم عَلَيْهِ أخِلّاؤُكم أوْ يُسامِحُوكم بِهِ ولا شَفاعَةَ ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ حَتّى تَتَّكِلُوا عَلى شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَكم في حَطِّ ما في ذِمَمِكُمْ، وإنَّما رُفِعَتْ ثَلاثَتُها مَعَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ لِأنَّها في التَّقْدِيرِ جَوابُ: هَلْ فِيهِ بَيْعٌ؟ أوْ خُلَّةٌ؟ أوْ شَفاعَةٌ؟ وقَدْ فَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الأصْلِ. ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يُرِيدُ والتّارِكُونَ لِلزَّكاةِ هم ظالِمُونَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أوْ وضَعُوا المالَ في غَيْرِ مَوْضِعَهُ وصَرَفُوهُ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، فَوُضِعَ الكافِرُونَ مَوْضِعَهُ تَغْلِيظًا لَهم وتَهْدِيدًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ وإيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ .
البقرة 2:255
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والمَعْنى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَهُ. ولِلنُّحاةِ خِلافٌ في أنَّهُ هَلْ يُضْمَرُ لِلْأخِيرِ لا مِثْلَ في الوُجُودِ أوْ يَصِحُّ أنْ يُوجَدَ. ﴿الحَيُّ﴾ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويُقَدِّرَ وكُلُّ ما يَصِحُّ لَهُ فَهو واجِبٌ لا يَزُولُ لِامْتِناعِهِ عَنِ القُوَّةِ والإمْكانِ. ﴿القَيُّومُ﴾ الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ فَيْعُولٌ مِن قامَ بِالأمْرِ إذا حَفِظَهُ، وقُرِئَ « القَيّامُ» و « القَيِّمُ» . ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ السِّنَةُ فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النُّوَّمَ قالَ ابْنُ الرَّقّاعِ:
؎ وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ
والنَّوْمُ حالٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ مِنِ اسْتِرْخاءِ أعْصابِ الدِّماغِ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ، بِحَيْثُ تَقِفُ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ عَنِ الإحْساسِ رَأْسًا، وتَقْدِيمُ السِّنَةِ عَلَيْهِ وقِياسُ المُبالَغَةِ عَكْسُهُ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، والجُمْلَةُ (p-154)نَفْيٌ لِلتَّشْبِيهِ وتَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ حَيًّا قَيُّومًا، فَإنَّ مَن أخَذَهُ نُعاسٌ أوْ نَوْمٌ كانَ مَؤُوفَ الحَياةِ قاصِرًا في الحِفْظِ والتَّدْبِيرِ، ولِذَلِكَ تُرِكَ العاطِفُ فِيهِ وفي الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَهُ. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ واحْتِجاجٌ بِهِ عَلى تَفَرُّدِهِ في الأُلُوهِيَّةِ، والمُرادُ بِما فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما أوْ خارِجًا عَنْهُما مُتَمَكِّنًا فِيهِما فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾، ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ بَيانٌ لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّهُ لا أحَدَ يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ يَسْتَقِلُّ بِأنْ يَدْفَعَ ما يُرِيدُهُ شَفاعَةً واسْتِكانَةً فَضْلًا عَنْ أنْ يُعاوِقَهُ عِنادًا أوْ مُناصَبَةً أيْ مُخاصَمَةً. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ ما قَبْلَهم وما بَعْدَهُمْ، أوْ بِالعَكْسِ لِأنَّكَ مُسْتَقْبِلٌ المُسْتَقْبَلَ ومُسْتَدْبِرٌ الماضِيَ، أوْ أُمُورُ الدُّنْيا وأُمُورُ الآخِرَةِ، أوْ عَكْسُهُ، أوْ ما يُحِسُّونَهُ وما يَعْقِلُونَهُ، أوْ ما يُدْرِكُونَهُ وما لا يُدْرِكُونَهُ، والضَّمِيرُ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ فِيهِما العُقَلاءَ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿مَن ذا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ مِن مَعْلُوماتِهِ. ﴿إلا بِما شاءَ﴾ أنْ يَعْلَمُوهُ، وعَطَفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ مَجْمُوعَهُما يَدُلُّ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالعِلْمِ الذّاتِيِّ التّامِّ الدّالِّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ تَصْوِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وتَمْثِيلٌ مُجَرَّدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ولا كُرْسِيَّ في الحَقِيقَةِ، ولا قاعِدَ. وقِيلَ كُرْسِيُّهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ أوْ مُلْكِهِ، مَأْخُوذٌ مِن كُرْسِيِّ العالِمِ والمَلِكِ. وقِيلَ جِسْمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ كُرْسِيًّا مُحِيطٌ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرْضُونَ السَّبْعُ مِنَ الكُرْسِيِّ، إلّا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وفَضْلُ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ»
وَلَعَلَّهُ الفَلَكُ المَشْهُورُ بِفَلَكِ البُرُوجِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِما يُقْعَدُ عَلَيْهِ ولا يَفْضُلُ عَنْ مَقْعَدِ القاعِدِ، وكَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الكُرْسِيِّ وهو المُلَبَّدُ. ﴿وَلا يَئُودُهُ﴾ أيْ ولا يُثْقِلُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الأوْدِ وهو الِاعْوِجاجُ. ﴿حِفْظُهُما﴾ أيْ حِفْظُهُ السَّماواتِ والأرْضَ، فَحَذَفَ الفاعِلَ وأضافَ المَصْدَرَ إلى المَفْعُولِ. وهو العَلِيُّ المُتَعالِي عَنِ الأنْدادِ والأشْباهِ.
﴿العَظِيمُ﴾ المُسْتَحْقَرُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ كُلُّ ما سِواهُ.
وَهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمَّهاتِ المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى مَوْجُودٌ واحِدٌ في الأُلُوهِيَّةِ، مُتَّصِفٌ بِالحَياةِ، واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُوجِدٌ لِغَيْرِهِ، إذِ القَيُّومُ هو القائِمُ بِنَفْسِهِ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ، مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ والحُلُولِ، مُبَرَّأٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفُتُورِ، لا يُناسِبُ الأشْباحَ ولا يَعْتَرِيهِ ما يَعْتَرِي الأرْواحَ، مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، ومُبْدِعُ الأُصُولِ والفُرُوعِ، ذُو البَطْشِ الشَّدِيدِ، الَّذِي لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ عالِمُ الأشْياءِ كُلِّها، جَلِيِّها وخَفِيِّها، كُلِيِّها وجُزْئِيِّها، واسِعُ المُلْكِ والقُدْرَةِ، كُلٌّ ما يَصِحُّ أنْ يُمْلَكَ ويُقْدَرَ عَلَيْهِ، لا يَئُودُهُ شاقٌّ، ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، مُتَعالٍ عَمّا يُدْرِكُهُ، وهو عَظِيمٌ لا يُحِيطُ بِهِ فَهْمٌ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ أعْظَمَ آيَةٍ في القُرْآنِ آيَةُ الكُرْسِيِّ، مَن قَرَأها بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَكْتُبُ مِن حَسَناتِهِ، ويَمْحُو مِن سَيِّئاتِهِ إلى الغَدِ مِن تِلْكَ السّاعَةِ» .
وَقالَ «مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ، ولا يُواظِبُ عَلَيْها إلّا صِدِّيقٌ أوْ عابِدٌ، ومَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ آمَنَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ وجارَهُ وجارَ جارِهِ والأبْياتَ حَوْلَهُ» .
البقرة 2:256
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ إذِ الإكْراهُ في الحَقِيقَةِ إلْزامُ الغَيْرِ فِعْلًا لا يَرى فِيهِ خَيْرًا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، ولَكِنْ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ تَمَيَّزَ الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ بِالآياتِ الواضِحَةِ، ودَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الإيمانَ رُشْدٌ يُوصِلُ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ والكُفْرَ غَيٌّ يُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، والعاقِلُ مَتى تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ بادَرَتْ نَفْسُهُ إلى الإيمانِ طَلَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ والنَّجاةِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الإكْراهِ والإلْجاءِ. وقِيلَ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ، أيْ لا تُكْرَهُوا في الدِّينِ، وهو إمّا عامٌّ مَنسُوخٌ بُقُولِهِ ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، أوْ خاصٌّ بِأهْلِ (p-155)الكِتابِ لِما رُوِيَ « (أنَّ أنْصارِيًّا كانَ لَهُ ابْنانِ تَنَصَّرا قَبْلَ المَبْعَثِ، ثُمَّ قَدِما المَدِينَةَ فَلَزِمَهُما أبُوهُما وقالَ: واللَّهِ لا أدَعُكُما حَتّى تُسْلِما فَأبَيا، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيَدْخُلُ بِعَقْبَيَّ النّارَ وأنا أنْظُرُ إلَيْهِ) فَنَزَلَتْ فَخَلّاهُما.» ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ بِالشَّيْطانِ، أوِ الأصْنامِ، أوْ كُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ صَدَّ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. فَعْلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ قُلِبَتْ عَيْنُهُ ولامُهُ. ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ بِالتَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ.
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ طَلَبَ الإمْساكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى مِنَ الحَبْلِ الوَثِيقِ، وهي مُسْتَعارَةٌ لِمُتَمَسِّكِ الحَقِّ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ والرَّأْيِ القَوِيمِ. ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انْقِطاعَ لَها يُقالُ فَصَمْتُهُ فانْفَصَمَ إذا كَسَرْتَهُ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بِالأقْوالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالنِّيّاتِ، ولَعَلَّهُ تَهْدِيدٌ عَلى النِّفاقِ.
البقرة 2:257
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُحِبُّهُمْ، أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ مَن أرادَ إيمانَهُ وثَبَتَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُؤْمِنُ. ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ ظُلُماتِ الجَهْلِ واتِّباعِ الهَوى وقَبُولِ الوَساوِسِ والشُّبَهِ المُؤَدِّيَةِ إلى الكُفْرِ. ﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الهُدى المُوصِلِ إلى الإيمانِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِنهُما، أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ، أوْ مُقَرِّرٌ لِلْوِلايَةِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ، أوِ المُضِلّاتُ مِنَ الهَوى والشَّيْطانِ وغَيْرِهِما. ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ مِنَ النُّورِ الَّذِي مُنِحُوهُ بِالفِطْرَةِ، إلى الكُفْرِ وفَسادِ الِاسْتِعْدادِ والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ، أوْ مِن نُورِ البَيِّناتِ إلى ظُلُماتِ الشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى الطّاغُوتِ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ لا يَأْبى تَعَلُّقَ قُدْرَتِهِ تَعالى وإرادَتِهِ بِهِ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُقابَلَتِهِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِمْ.
البقرة 2:258
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن مُحاجَّةِ نُمْرُوذَ وحَماقَتِهِ. ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ لِأنَّ آتاهُ أيْ أبْطَرَهُ إيتاءَ المُلْكِ وحَمَلَهُ عَلى المُحاجَّةِ، أوْ حاجَّ لِأجْلِهِ شُكْرًا لَهُ عَلى طَرِيقَةِ العَكْسِ كَقَوْلِكَ عادَيْتَنِي لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، أوْ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ وهو حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ إيتاءَ اللَّهِ المُلْكَ الكافِرَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ.
﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ ظَرْفٌ لِ « حاجَّ»، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بِخَلْقِ الحَياةِ والمَوْتِ في الأجْسادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ « رَبِّ» بِحَذْفِ الياءِ. ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ بِالعَفْوِ عَنِ القَتْلِ والقَتْلِ. وقَرَأ نافِعٌ « أنا» بِلا ألِفٍ. ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ أعْرَضَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الِاعْتِراضِ عَلى مُعارَضَتِهِ الفاسِدَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِما لا يَقْدِرُ فِيهِ عَلى نَحْوِ هَذا التَّمْوِيهِ دَفْعًا لِلْمُشاغَبَةِ، وهو في الحَقِيقَةِ عُدُولٌ عَنْ مِثالٍ خَفِيٍّ إلى مِثالٍ جَلِيٍّ مِن مَقْدُوراتِهِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنِ الإتْيانِ بِها غَيْرُهُ، لا عَنْ حُجَّةٍ إلى أُخْرى. ولَعَلَّ نُمْرُوذَ زَعَمَ أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ جِنْسٍ يَفْعَلُهُ اللَّهُ فَنَقَضَهُ إبْراهِيمُ بِذَلِكَ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلَيْهِ بَطَرُ المَلِكِ وحَماقَتُهُ، أوِ اعْتِقادُ الحُلُولِ. وقِيلَ لَمّا كَسَرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الأصْنامَ سَجَنَهُ أيّامًا ثُمَّ أخْرَجَهُ لِيَحْرُقَهُ، فَقالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ وحاجَّهُ فِيهِ.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ فَصارَ مَبْهُوتًا. وقُرِئَ « فَبُهِتَ» أيْ فَغَلَبَ إبْراهِيمُ الكافِرَ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (p-156)الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ. وقِيلَ لا يَهْدِيهِمْ مَحَجَّةَ الِاحْتِجاجِ أوْ سَبِيلَ النَّجاةِ، أوْ طَرِيقَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ.
البقرة 2:259
﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ تَقْدِيرُهُ أوْ أرَأيْتَ مَثَلَ الَّذِي فَحُذِفَ لِدَلالَةِ (ألَمْ تَرَ) عَلَيْهِ، وتَخْصِيصُهُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ لِأنَّ المُنْكِرَ لِلْإحْياءِ كَثِيرٌ والجاهِلَ بِكَيْفِيَّتِهِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، بِخِلافِ مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ الكافُ مَزِيدَةٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ أوِ الَّذِي مَرَّ. وقِيلَ إنَّهُ عَطْفٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ كالَّذِي حاجَّ أوْ كالَّذِي مَرَّ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ ذَكَرَهُ جَوابًا لِمُعارَضَتِهِ وتَقْدِيرِهِ أوْ إنْ كُنْتَ تُحْيِي فَأحْيِي كَإحْياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ. وهو عُزَيْرُ بْنُ شَرْحِيا. أوِ الخِضْرُ، أوْ كافِرٌ بِالبَعْثِ. ويُؤَيِّدُهُ نَظْمُهُ مَعَ نُمْرُوذَ. والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ حِينَ خَرَّبَهُ بُخْتُنَصَّرُ. وقِيلَ القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ. وقِيلَ غَيْرُهُما واشْتِقاقُها مِنَ القُرى وهو الجَمْعُ. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالِيَةٌ ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها. ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ اعْتِرافًا بِالقُصُورِ عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الإحْياءِ، واسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ المُحْيِي إنْ كانَ القائِلُ مُؤْمِنًا، واسْتِبْعادًا إنْ كانَ كافِرًا. و ﴿أنّى﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِ بِمَعْنى مَتى أوْ عَلى الحالِ بِمَعْنى كَيْفَ. ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ فَألْبَثَهُ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ، أوْ أماتَهُ اللَّهُ فَلَبِثَ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ بِالإحْياءِ. ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ وساغَ أنْ يُكَلِّمَهُ وإنْ كانَ كافِرًا لِأنَّهُ آمَنَ بَعْدَ البَعْثِ أوْ شارَفَ الإيمانَ. وقِيلَ مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ. ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كَقَوْلِ الظّانِّ. وقِيلَ: إنَّهُ ماتَ ضُحًى وبُعِثَ بَعْدَ المِائَةِ قُبَيْلِ الغُرُوبِ فَقالَ قَبْلَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ يَوْمًا ثُمَّ التَفَتَ فَرَأى بَقِيَّةً مِنها فَقالَ ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى الإضْرابِ. ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِمُرُورِ الزَّمانِ، واشْتِقاقِهِ مِنَ السَّنَةِ. والهاءُ أصْلِيَّةٌ إنْ قُدِّرَتْ لامُ السَّنَةَ هاءً وهاءَ سَكْتٍ إنْ قُدِّرَتْ واوًا. وقِيلَ أصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ مِنَ الحَمَأِ المَسْنُونِ فَأبْدِلَتِ النُّونُ الثّالِثَةُ حَرْفَ عِلَّةٍ كَتَقَضِّي البازِي، وإنَّما أفْرَدَ الضَّمِيرَ لِأنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ كالجِنْسِ الواحِدِ. وقِيلَ كانَ طَعامُهُ تِينًا وعِنَبًا وشَرابُهُ عَصِيرًا أوْ لَبَنًا وكانَ الكُلُّ عَلى حالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « لَمْ يَتَسَنَّ» بِغَيْرِ الهاءِ في الوَصْلِ. ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كَيْفَ تَفَرَّقَتْ عِظامُهُ، أوِ انْظُرْ إلَيْهِ سالِمًا في مَكانِهِ كَما رَبَطْتَهُ حَفِظْناهُ بِلا ماءٍ وعَلَفٍ كَما حَفِظْنا الطَّعامَ والشَّرابَ مِنَ التَّغَيُّرِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى الحالِ وأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ. ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ أيْ وفِعْلُنا ذَلِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً.
رُوِيَ أنَّهُ أتى قَوْمَهُ عَلى حِمارِهِ وقالَ أنا عُزَيْرٌ فَكَذَّبُوهُ، فَقَرَأ التَّوْراةَ مِنَ الحِفْظِ ولَمْ يَحْفَظْها أحَدٌ قَبْلَهُ فَعَرَفُوهُ بِذَلِكَ، وقالُوا هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ لَمّا رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ كانَ شابًّا وأوْلادُهُ شُيُوخًا فَإذا حَدَّثَهم بِحَدِيثٍ قالُوا حَدِيثُ مِائَةِ سَنَةٍ. ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ يَعْنِي عِظامَ الحِمارِ، أوِ الأمْواتِ الَّذِينَ تَعْجَبُ مِن إحْيائِهِمْ.
﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ كَيْفَ نُحْيِيها، أوْ نَرْفَعُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ ونَرْكَبُهُ عَلَيْهِ، وكَيْفَ مَنصُوبٌ بِنَشْزِها والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ العِظامِ أيِ: انْظُرْ إلَيْها مُحْيّاةً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرِ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ « نُنْشِرُها» مِن أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، وقُرِئَ « نَنْشُرُها» مِن نَشَرَ بِمَعْنى أنْشَرَ. ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ فاعِلُ تَبَيَّنَ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، أوْ يُفَسِّرُهُ ما قَبْلَهُ أيْ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ما أشْكَلَ عَلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « قالَ اعْلَمْ» عَلى الأمْرِ والأمْرُ مُخاطَبَةٌ، أوْ هو نَفْسُهُ خاطَبَها بِهِ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ.(p-157)
البقرة 2:260
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ إنَّما سَألَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ عِلْمُهُ عِيانًا، وقِيلَ لَمّا قالَ نُمْرُوذُ ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ قالَ لَهُ: إنْ إحْياءَ اللَّهِ تَعالى بِرَدِّ الرُّوحِ إلى بَدَنِها، فَقالَ نُمْرُوذُ: هَلْ عايَنْتَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يَقُولَ نَعَمْ. وانْتَقَلَ إلى تَقْرِيرٍ آخَرَ، ثُمَّ سَألَ رَبُّهُ أنْ يُرِيَهُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ عَلى الجَوابِ إنْ سُئِلَ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرى. ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ بِإعادَةِ التَّرْكِيبِ والحَياةِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ أغْرَقَ النّاسَ في الإيمانِ لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ فَيَعْلَمُ السّامِعُونَ غَرَضَهُ. ﴿قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أيْ بَلى آمَنتُ ولَكِنْ سَألْتُ ذَلِكَ لِأزِيدَ بَصِيرَةً وسُكُونَ قَلْبٍ بِمُضامَّةِ العِيانِ إلى الوَحْيِ أوِ الِاسْتِدْلالِ. ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قِيلَ طاوُسًا ودِيكًا وغُرابًا وحَمامَةً، ومِنهم مَن ذَكَرَ النَّسْرَ بَدَلَ الحَمامَةِ وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إحْياءَ النَّفْسِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ إنَّما يَتَأتّى بِإماتَةِ حُبِّ الشَّهَواتِ والزَّخارِفِ الَّذِي هو صِفَةُ الطّاوُوسِ، والصَّوْلَةِ المَشْهُورِ بِها الدِّيكُ وخِسَّةِ النَّفْسِ وبُعْدِ الأمَلِ المُتَّصِفِ بِهِما الغُرابُ، والتَّرَفُّعِ والمُسارَعَةِ إلى الهَوى المَوْسُومِ بِهِما الحَمامُ. وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ لِأنَّهُ أقْرُبُ إلى الإنْسانِ وأجْمَعُ لِخَواصِّ الحَيَوانِ، والطَّيْرُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ أوْ جَمْعٌ كَصَحْبٍ. ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ فَأمِلْهُنَّ واضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ لِتَتَأمَّلَها وتَعْرِفَ شِياتِها لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلَيْكَ بَعْدَ الإحْياءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بِالكَسْرِ وهُما لُغَتانِ قالَ:
؎ وما صَيَدُ الأعْناقِ فِيهِمْ جِبِلَّةٌ... ولَكِنَّ أطْرافَ الرِّماحِ تَصُورُها
وَقالَ:
؎ وفَرْعٌ يَصِيرُ الجِيدَ وحْفٌ كَأنَّهُ... ∗∗∗ عَلى اللَّيْثِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوالِحِ
وَقُرِئَ « فَصُرْهُنَّ» بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ، مُشَدَّدَةُ الرّاءِ مِن صَرَّهُ يَصُرُّهُ ويَصِرُّهُ إذا جَمَعَهُ وفَصُرْهُنَّ مِنَ التَّصْرِيَةِ وهي الجُمَعُ أيْضًا. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ أيْ ثُمَّ جَزِّئْهُنَّ وفَرِّقْ أجَزاءَهُنَّ عَلى الجِبالِ الَّتِي بِحَضْرَتِكَ. قِيلَ كانَتْ أرْبَعَةً. وقِيلَ سَبْعَةً. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « جَزُؤًا» و « جُزُؤٌ» بِضَمِّ الزّايِ حَيْثُ وقَعَ. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قُلْ لَهُنَّ تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى. ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ساعِياتٍ مُسْرِعاتٍ طَيَرانًا أوْ مَشْيًا.
رُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها ويَنْتِفَ رِيشَها ويُقَطِّعَها فَيُمْسِكَ رُؤُوسَها، ويَخْلِطَ سائِرَ أجْزائِها ويُوَزِّعَها عَلى الجِبالِ، ثُمَّ يُنادِيهِنَّ. فَفَعَلَ ذَلِكَ فَجَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ يَطِيرُ إلى آخَرَ حَتّى صارَتْ جُثَثًا ثُمَّ أقْبَلْنَ فانْضَمَمْنَ إلى رُؤُوسِهِنَّ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أرادَ إحْياءَ نَفْسِهِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُقْبِلَ عَلى القُوى البَدَنِيَّةِ فَيَقْتُلَها ويَمْزُجَ بَعْضَها بِبَعْضٍ حَتّى تَنْكَسِرَ سَوْرَتُها، فَيُطاوِعْنَهُ مُسْرِعاتٍ مَتى دَعاهُنَّ بِدَعايَةِ العَقْلِ أوِ الشَّرْعِ. وكَفى لَكَ شاهِدًا عَلى فَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُمْنُ الضَّراعَةِ في الدُّعاءِ وحُسْنُ الأدَبِ في السُّؤالِ، إنَّهُ تَعالى أراهُ ما أرادَ أنْ يُرِيَهُ في الحالِ عَلى أيْسَرِ الوُجُوهِ، وأُراهُ عُزَيْرًا بَعْدَ أنْ أماتَهُ مِائَةَ عامٍ. ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يَعْجِزُ عَمّا يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ ويَذَرُهُ.
البقرة 2:261
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أيْ مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ أسْنَدَ الإنْباتَ إلى الحَبَّةِ لِما كانَتْ مِنَ الأسْبابِ، كَما يُسْنِدُ إلى الأرْضِ والماءِ والمَنبَتِ عَلى الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى والمَعْنى: أنَّهُ يَخْرُجُ مِنها ساقٌ (p-158)يَتَشَعَّبُ لِكُلٍّ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ، لِكُلٍّ مِنها سُنْبُلَةٌ فِيها مِائَةُ حَبَّةٍ. وهو تَمْثِيلٌ لا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ وقَدْ يَكُونُ في الذَّرَّةِ والدَّخَنِ في البَرِّ في الأراضِي المَغِلَّةَ. ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾ تِلْكَ المُضاعَفَةَ. لِمَن يَشاءُ بِفَضْلِهِ وعَلى حَسَبِ حالِ المُنْفِقِ مِن إخْلاصِهِ وتَعَبِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ تَفاوَتَتِ الأعْمالُ في مَقادِيرِ الثَّوابِ. ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّةِ المُنْفِقِ وقَدْرِ إنْفاقِهِ.
البقرة 2:262
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ نَزَلَتْ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها. وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَإنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً. والمَنُّ أنْ يَعْتَدَّ بِإحْسانِهِ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ. والأذى أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ، وثُمَّ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لَعَلَّهُ لَمْ يُدْخِلِ الفاءَ فِيهِ وقَدْ تَضَمَّنَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَعْنى الشَّرْطِ إيهامًا بِأنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَكَيْفَ بِهِمْ إذا فَعَلُوا. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ رَدٌّ جَمِيلٌ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ وتَجاوُزٌ عَنِ السّائِلِ والحاجَةِ، أوْ نَيْلُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ، أوْ عَفْوٌ مِنَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ ويُغْتَفَرُ رَدُّهُ. ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ خَبَرٌ عَنْهُما، وإنَّما صَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِاخْتِصاصِها بِالصِّفَةِ. ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ إنْفاقٍ بِمَنٍّ وإيذاءٍ. حَلِيمٌ عَنْ مُعاجَلَةِ مَن يَمُنِّ ويُؤْذِي بِالعُقُوبَةِ.
البقرة 2:263
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ نَزَلَتْ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها. وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَإنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً. والمَنُّ أنْ يَعْتَدَّ بِإحْسانِهِ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ. والأذى أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ، وثُمَّ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لَعَلَّهُ لَمْ يُدْخِلِ الفاءَ فِيهِ وقَدْ تَضَمَّنَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَعْنى الشَّرْطِ إيهامًا بِأنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَكَيْفَ بِهِمْ إذا فَعَلُوا. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ رَدٌّ جَمِيلٌ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ وتَجاوُزٌ عَنِ السّائِلِ والحاجَةِ، أوْ نَيْلُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ، أوْ عَفْوٌ مِنَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ ويُغْتَفَرُ رَدُّهُ. ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ خَبَرٌ عَنْهُما، وإنَّما صَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِاخْتِصاصِها بِالصِّفَةِ. ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ إنْفاقٍ بِمَنٍّ وإيذاءٍ. حَلِيمٌ عَنْ مُعاجَلَةِ مَن يَمُنِّ ويُؤْذِي بِالعُقُوبَةِ.
البقرة 2:264
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ لا تُحْبِطُوا أجْرَها بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما. ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ كَإبْطالِ المُنافِقِ الَّذِي يُرائِي بِإنْفاقِهِ ولا يُرِيدُ بِهِ رِضا اللَّهِ تَعالى ولا ثَوابَ الآخِرَةِ، أوْ مُماثِلِينَ الَّذِي يُنْفِقُ رِئاءَ النّاسِ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ أوِ الحالِ، و ﴿رِئاءَ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أوِ الحالِ بِمَعْنى مُرائِيًا أوِ المَصْدَرِ أيْ إنْفاقٌ ﴿رِئاءَ﴾ . ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيْ فَمَثَلُ المُرائِي في إنْفاقِهِ. ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ كَمَثَلِ حَجَرٍ أمْلَسَ. ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أمْلَسَ نَقْيًا مِنَ التُّرابِ. ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ لا يَنْتَفِعُونَ بِما فَعَلُوا رِئاءً ولا يَجِدُونَ لَهُ ثَوابًا، والضَّمِيرُ لِلَّذِي يُنْفِقُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، أوِ الجَمْعُ كَما في قَوْلِهِ:
؎ إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم... هُمُ القَوْمُ كُلَّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إلى الخَيْرِ والرَّشادِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الرِّئاءَ والمَنَّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْها.
البقرة 2:265
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ وتَثْبِيتًا بَعْضَ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ، فَإنَّ (p-159)المالَ شَقِيقُ الرُّوحِ، فَمِن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ثَبَتَ بَعْضُ نَفْسِهِ ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ ثَبَّتَها كُلَّها، أوْ تَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مُبْتَدَأٌ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ وحُبِّ المالِ. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ ومَثَلَ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في الزَّكاةِ، كَمَثَلِ بُسْتانٍ بِمَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، فَإنَّ شَجَرَهُ يَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ (بِرَبْوَةٍ) بِالفَتْحِ وقُرِئَ بِالكَسْرِ وثَلاثَتُها لُغاتٌ فِيها. ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ عَظِيمُ القُطْرِ. ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَتَها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالسُّكُونِ لِلتَّخْفِيفِ. ضِعْفَيْنِ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ. والمُرادُ بِالضِّعْفِ المِثْلِ كَما أُرِيدَ بِالزَّوْجِ الواحِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالِهِ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ أيْ مُضاعَفًا. ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها، أوْ فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ، أوْ فَطَلٌّ يَكْفِيها لِكَرَمِ مَنبَتِها وبُرُودَةِ هَوائِها لِارْتِفاعِ مَكانِها. وهو المَطَرُ الصَّغِيرُ القَطْرِ، والمَعْنى أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِاعْتِبارِ ما يَنْضَمُّ إلَيْها مِن أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ لِحالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ ونَفَقاتِهِمُ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ الزّائِدَتَيْنِ في زُلْفاهم بِالوابِلِ والطَّلِّ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ الرِّئاءِ وتَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ.
البقرة 2:266
﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ. ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ جَعَلَ الجَنَّةَ مِنهُما مَعَ ما فِيها مِن سائِرِ الأشْجارِ تَغْلِيبًا لَهُما لِشَرَفِهِما وكَثْرَةِ مَنافِعِهِما، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ لِيَدُلَّ عَلى احْتِوائِها عَلى سائِرِ أنْواعِ الأشْجارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ المَنافِعَ. ﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾ أيْ كِبَرُ السِّنِّ، فَإنَّ الفاقَةَ والعالَةَ في الشَّيْخُوخَةِ أصْعَبُ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَوَدُّ أحَدُكم لَوْ كانَتْ لَهُ جَنَّةٌ وأصابَهُ الكِبَرُ. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ صِغارٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الكَسْبِ. ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى أصابَهُ، أوْ تَكُونُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
والإعْصارُ رِيحٌ عاصِفَةٌ تَنْعَكِسُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ مُسْتَدِيرَةٌ كَعَمُودٍ، والمَعْنى تَمْثِيلُ حالِ مَن يَفْعَلُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها كَرِياءٍ وإيذاءٍ في الحَسْرَةِ والأسَفِ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلَيْها وجَدَها مُحْبَطَةً بِحالِ مَن هَذا شَأْنُهُ، وأشْبَهَهم بِهِ مَن جالَ بِسِرِّهِ في عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَرَقّى بِفِكْرِهِ إلى جَنابِ الجَبَرُوتِ، ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ إلى عالَمِ الزُّورِ والتَفَتَ إلى ما سِوى الحَقِّ وجَعَلَ سَعْيَهُ هَباءَ مَنثُورًا. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ فِيها فَتَعْتَبِرُونَ بِها.
البقرة 2:267
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ مِن حَلالِهِ أوْ جِيادِهِ. ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الحُبُوبِ والثَّمَراتِ والمَعادِنِ، فَحُذِفَ المُضافُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ. ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ أيْ ولا تَقْصِدُوا الرَّدِيءَ مِنهُ أيْ مِنَ المالِ، أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكم. وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيهِ أكْثَرُ، وقُرِئَ « ولا تُؤَمَّمُوا» « ولا تُيَمِّمُوا» بِضَمِّ التّاءِ. ﴿تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ تَيَمَّمُوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنهُ ويَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْخَبِيثِ والجُمْلَةُ حالًا مِنهُ. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ وحالُكم أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في حُقُوقِكم لِرَداءَتِهِ. ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ إلّا أنْ تَتَسامَحُوا فِيهِ، مَجازٌ مِن أغْمَضَ بَصَرَهُ إذا غَضَّهُ. وقُرِئَ (p-160)« ﴿تُغْمِضُوا﴾» أيْ تَحْمِلُوا عَلى الإغْماضِ، أوْ تُوجِدُوا مُغْمِضِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَّمْرِ وشِرارِهِ فَنُهُوا عَنْهُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ إنْفاقِكُمْ، وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِانْتِفاعِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ بِقَبُولِهِ وإثابَتِهِ.
البقرة 2:268
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ في الإنْفاقِ، والوَعْدُ في الأصْلِ شائِعٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ. وقُرِئَ الفَقْرُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وبِضَمَّتَيْنِ وفَتْحَتَيْنِ. ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ فاحِشًا.
وَقِيلَ المَعاصِي ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ أيْ يَعِدُكم في الإنْفاقِ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِكم. ﴿وَفَضْلا﴾ خَلَفًا أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ. ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ أيْ واسِعُ الفَضْلِ لِمَن أنْفَقَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِإنْفاقِهِ.
البقرة 2:269
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ تَحْقِيقَ العِلْمِ وإتْقانَ العِلْمِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ أُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَفْعُولِ الثّانِي ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالكَسْرِ أيْ ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ الحِكْمَةَ. ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ: أيُّ خَيْرٍ كَثِيرٍ؟ إذْ حِيزَ لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ. ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ وما يَتَّعِظُ بِما قُصَّ مِنَ الآياتِ، أوْ ما يَتَفَكَّرُ، فَإنَّ المُتَفَكِّرَ كالمُتَذَكِّرِ لِما أوْدَعَ اللَّهُ في قَلْبِهِ مِنَ العُلُومِ بِالقُوَّةِ. ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ ذَوُو العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبَ الوَهْمِ والرُّكُونِ إلى مُتابَعَةِ الهَوى.
البقرة 2:270
﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، في حَقٍّ أوْ باطِلٍ. ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في المَعاصِي ويُنْذِرُونَ فِيها، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ ولا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ. ﴿مِن أنْصارٍ﴾ مَن يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وقالُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهم بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وهو أقِيسُ. ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ أيْ تُعْطُوها مَعَ الإخْفاءِ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، وهَذا في التَّطَوُّعِ ولِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ فَإنَّ إبْداءَ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « (صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا) .» ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ أيْ واللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ: ونَحْنُ نَكَفِّرُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ مَجْزُومًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ. وقُرِئَ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ. (p-161)﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ مَهْدِيِّينَ، وإنَّما عَلَيْكَ الإرْشادُ والحَثُّ عَلى المَحاسِنِ، والنَّهْيُ عَنِ المَقابِحِ كالمَنِّ والأذى وإنْفاقِ الخَبِيثِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ بِأنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ، وإنَّها تُخَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ مِن نَفَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ. ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكم فَلا تُمَنُّوا عَلَيْهِ ولا تُنْفِقُوا الخَبِيثَ. ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ، وكَأنَّهُ قالَ وما تُنْفِقُونَ مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم غَيْرَ مُنْفِقِينَ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ ثَوابِهِ. أوْ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِهِ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ. وقِيلَ: نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَهو تَأْكِيدٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، أوْ ما يُخْلَفُ لِلْمُنْفِقِ اسْتِجابَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا»
رُوِيَ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ ورِضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهُوا لَمّا أسْلَمُوا أنْ يَنْفَعُوهم فَنَزَلَتْ. وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ أمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ ثَوابَ نَفَقاتِكم.
البقرة 2:271
﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، في حَقٍّ أوْ باطِلٍ. ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في المَعاصِي ويُنْذِرُونَ فِيها، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ ولا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ. ﴿مِن أنْصارٍ﴾ مَن يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وقالُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهم بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وهو أقِيسُ. ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ أيْ تُعْطُوها مَعَ الإخْفاءِ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، وهَذا في التَّطَوُّعِ ولِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ فَإنَّ إبْداءَ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « (صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا) .» ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ أيْ واللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ: ونَحْنُ نَكَفِّرُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ مَجْزُومًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ. وقُرِئَ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ. (p-161)﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ مَهْدِيِّينَ، وإنَّما عَلَيْكَ الإرْشادُ والحَثُّ عَلى المَحاسِنِ، والنَّهْيُ عَنِ المَقابِحِ كالمَنِّ والأذى وإنْفاقِ الخَبِيثِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ بِأنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ، وإنَّها تُخَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ مِن نَفَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ. ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكم فَلا تُمَنُّوا عَلَيْهِ ولا تُنْفِقُوا الخَبِيثَ. ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ، وكَأنَّهُ قالَ وما تُنْفِقُونَ مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم غَيْرَ مُنْفِقِينَ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ ثَوابِهِ. أوْ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِهِ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ. وقِيلَ: نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَهو تَأْكِيدٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، أوْ ما يُخْلَفُ لِلْمُنْفِقِ اسْتِجابَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا»
رُوِيَ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ ورِضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهُوا لَمّا أسْلَمُوا أنْ يَنْفَعُوهم فَنَزَلَتْ. وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ أمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ ثَوابَ نَفَقاتِكم.
البقرة 2:272
﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، في حَقٍّ أوْ باطِلٍ. ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في المَعاصِي ويُنْذِرُونَ فِيها، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ ولا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ. ﴿مِن أنْصارٍ﴾ مَن يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.
﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وقالُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهم بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وهو أقِيسُ. ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ أيْ تُعْطُوها مَعَ الإخْفاءِ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، وهَذا في التَّطَوُّعِ ولِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ فَإنَّ إبْداءَ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « (صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا) .» ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ أيْ واللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ: ونَحْنُ نَكَفِّرُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ مَجْزُومًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ. وقُرِئَ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ. (p-161)﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ مَهْدِيِّينَ، وإنَّما عَلَيْكَ الإرْشادُ والحَثُّ عَلى المَحاسِنِ، والنَّهْيُ عَنِ المَقابِحِ كالمَنِّ والأذى وإنْفاقِ الخَبِيثِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ بِأنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ، وإنَّها تُخَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ مِن نَفَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ. ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكم فَلا تُمَنُّوا عَلَيْهِ ولا تُنْفِقُوا الخَبِيثَ. ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ، وكَأنَّهُ قالَ وما تُنْفِقُونَ مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم غَيْرَ مُنْفِقِينَ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ ثَوابِهِ. أوْ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِهِ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ. وقِيلَ: نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَهو تَأْكِيدٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، أوْ ما يُخْلَفُ لِلْمُنْفِقِ اسْتِجابَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا»
رُوِيَ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ ورِضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهُوا لَمّا أسْلَمُوا أنْ يَنْفَعُوهم فَنَزَلَتْ. وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ أمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ ثَوابَ نَفَقاتِكم.
البقرة 2:273
﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ، أوِ اجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ، أوْ صَدَقاتُكم لِلْفُقَراءِ.
﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أحْصَرَهُمُ الجِهادُ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ. ﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ ذَهابًا فِيها لِلْكَسْبِ. وقِيلَ هم أهْلُ الصُّفَّةِ كانُوا نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةٍ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ يَسْكُنُونَ صُفَّةِ المَسْجِدِ يَسْتَغْرِقُونَ أوْقاتَهم بِالتَّعَلُّمِ والعِبادَةِ، وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سَرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ بِحالِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ السِّينِ. ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ السُّؤالِ، ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ مِنَ الضَّعْفِ ورَثاثَةِ الحالِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ إلْحاحًا، وهو أنْ يُلازِمَ المَسْؤُولَ حَتّى يُعْطِيَهُ، مِن قَوْلِهِمْ لَحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ، أيْ أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ، والمَعْنى أنَّهم لا يَسْألُونَ وإنْ سَألُوا عَنْ ضَرُورَةٍ لَمْ يُلِحُّوا. وقِيلَ: هو نَفْيٌ لِلْأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ:
؎ عَلى لاحِبٍ يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
وَنَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ فَإنَّهُ كَنَوْعٍ مِنَ السُّؤالِ، أوْ عَلى الحالِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَرْغِيبٌ في الإنْفاقِ وخُصُوصًا عَلى هَؤُلاءِ.
البقرة 2:274
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ أيْ يَعُمُّونَ الأوْقاتَ والأحْوالَ بِالخَيْرِ. نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ عَشَرَةٍ بِاللَّيْلِ وعَشَرَةٍ بِالنَّهارِ، وعَشَرَةٍ بِالسِّرِّ وعَشَرَةٍ بِالعَلانِيَةِ.
وَقِيلَ في أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَمْ يَمْلِكْ إلّا أرْبَعَةَ دَراهِمَ فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا ودِرْهَمٍ نَهارًا، ودِرْهَمٍ سِرًّا ودِرْهَمٍ عَلانِيَةً.
وَقِيلَ: في رَبْطِ الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ والإنْفاقِ عَلَيْها. ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ خَبَرُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ ولِذَلِكَ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ﴿وَعَلانِيَةً﴾ .
البقرة 2:275
(p-162)﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أيِ الآخِذُونَ لَهُ، وإنَّما ذَكَرَ الأكْلَ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنافِعِ المالِ، ولِأنَّ الرِّبا شائِعٌ في المَطْعُوماتِ وهو زِيادَةٌ في الأجَلِ، بِأنْ يُباعَ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومٍ، أوْ نَقْدٌ بِنَقْدٍ إلى أجَلٍ، أوْ في العِوَضِ بِأنْ يُباعَ أحَدُهُما بِأكْثَرَ مِنهُ مِن جِنْسِهِ، وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ كالصَّلاةِ لِلتَّفْخِيمِ عَلى لُغَةٍ وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ. ﴿لا يَقُومُونَ﴾ إذا بُعِثُوا مِن قُبُورِهِمْ. ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ إلّا قِيامًا كَقِيامِ المَصْرُوعِ، وهو وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ، والخَبْطُ ضَرْبٌ عَلى غَيْرِ اتِّساقٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ.
﴿مِنَ المَسِّ﴾ أيِ الجُنُونِ، وهَذا أيْضًا مِن زَعَماتِهِمْ أنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ: جُنَّ الرَّجُلُ.
وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ بِسَبَبِ أكْلِ الرِّبا، أوْ بِيَقُومُ أوْ بِيَتَخَبَّطُ فَيَكُونُ نُهُوضُهم وسُقُوطُهم كالمَصْرُوعِينَ لا لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ ولَكِنْ لِأنَّ اللَّهَ أرْبى في بُطُونِهِمْ ما أكَلُوهُ مِنَ الرِّبا فَأثْقَلَهم. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ أنَّهم نَظَّمُوا الرِّبا والبَيْعَ في سِلْكٍ واحِدٍ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ فاسْتَحَلُّوهُ اسْتِحْلالَهُ. وكانَ الأصْلُ إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ ولَكِنْ عُكِسَ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا وقاسُوا بِهِ البَيْعَ، والفَرْقُ بَيْنَ فَإنَّ مَن أعْطى دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ ضَيَّعَ دِرْهَمًا، ومَنِ اشْتَرى سِلْعَةً تُساوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَلَعَلَّ مِساسَ الحاجَةِ إلَيْها، أوْ تَوَقُّعَ رَواجِها يُجْبِرُ هَذا الغَبْنَ. ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ إنْكارٌ لِتَسْوِيَتِهِمْ، وإبْطالُ القِياسِ بِمُعارَضَةِ النَّصِّ. ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وزَجْرٌ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا. ﴿فانْتَهى﴾ فاتَّعَظَ وتَبِعَ النَّهْيَ. ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ تَقَدَّمَ أخْذُهُ التَّحْرِيمَ ولا يُسْتَرَدُّ مِنهُ، وما في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالظَّرْفِ إنْ جُعِلَتْ مَن مَوْصُولَةً، وبِالِابْتِداءِ إنْ جُعِلَتْ شُرْطِيَّةً عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ إذِ الظَّرْفُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلى ما قَبْلَهُ. وأمْرُهُ إلى اللَّهِ يُجازِيهِ عَلى انْتِهائِهِ إنْ كانَ مِن قَبُولِ المَوْعِظَةِ وصِدْقِ النِّيَّةِ.
وَقِيلَ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ ولا اعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ. ﴿وَمَن عادَ﴾ إلى تَحْلِيلِ الرِّبا، إذِ الكَلامُ فِيهِ. ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ.
البقرة 2:276
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ يُضاعِفُ ثَوابَها ويُبارِكُ فِيما أُخْرِجَتْ مِنهُ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ويُرَبِّيها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما نَقَصَتْ زَكاةٌ مِن مالٍ قَطُّ» . ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ لا يَرْضى ولا يُحِبُّ مَحَبَّتَهُ لِلتَّوّابِينَ. ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾ مُصِرٍّ عَلى تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ. ﴿أثِيمٍ﴾ مُنْهَمِكٍ في ارْتِكابِهِ.
البقرة 2:277
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبِما جاءَهم مِنهُ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ عَطْفَهُما عَلى ما يَعُمُّهُما لِإنافَتِهِما عَلى سائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن آتٍ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى فائِتٍ.
البقرة 2:278
(p-163)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ واتْرُكُوا بَقايا ما شَرَطْتُمْ عَلى النّاسِ مِنَ الرِّبا. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِقُلُوبِكم فَإنَّ دَلِيلَهُ امْتِثالُ ما أمَرْتُمْ بِهِ.
رُوِيَ: أنَّهُ كانَ لِثَقِيفٍ مالٌ عَلى بَعْضِ قُرَيْشٍ، فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحَلِّ بِالمالِ والرِّبا. فَنَزَلَتْ.
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ « فَآذِنُوا» أيْ فاعْلِمُوا بِها غَيْرَكُمْ، مِنَ الأذَنِ وهو الِاسْتِماعُ فَإنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ، وتَنْكِيرُ حَرْبٍ لِلتَّعْظِيمِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقاتِلَ المُرَبِّي بَعْدَ الِاسْتِتابَةِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، كالباغِي ولا يَقْتَضِي كُفْرَهُ. رُوِيَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ لا يَدِي لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ مِنَ الِارْتِباءِ واعْتِقادِ حِلِّهِ. ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ﴾ بِأخْذِ الزِّيادَةِ. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِالمَطْلِ والنُّقْصانِ، ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَيْسَ لَهم رَأْسُ مالِهِمْ وهو سَدِيدٌ عَلى ما قُلْناهُ، إذِ المُصِرُّ عَلى التَّحْلِيلِ مُرْتَدٌّ ومالُهٌ فَيْءٌ:
البقرة 2:279
(p-163)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ واتْرُكُوا بَقايا ما شَرَطْتُمْ عَلى النّاسِ مِنَ الرِّبا. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِقُلُوبِكم فَإنَّ دَلِيلَهُ امْتِثالُ ما أمَرْتُمْ بِهِ.
رُوِيَ: أنَّهُ كانَ لِثَقِيفٍ مالٌ عَلى بَعْضِ قُرَيْشٍ، فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحَلِّ بِالمالِ والرِّبا. فَنَزَلَتْ.
﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ « فَآذِنُوا» أيْ فاعْلِمُوا بِها غَيْرَكُمْ، مِنَ الأذَنِ وهو الِاسْتِماعُ فَإنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ، وتَنْكِيرُ حَرْبٍ لِلتَّعْظِيمِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقاتِلَ المُرَبِّي بَعْدَ الِاسْتِتابَةِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، كالباغِي ولا يَقْتَضِي كُفْرَهُ. رُوِيَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ لا يَدِي لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ مِنَ الِارْتِباءِ واعْتِقادِ حِلِّهِ. ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ﴾ بِأخْذِ الزِّيادَةِ. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِالمَطْلِ والنُّقْصانِ، ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَيْسَ لَهم رَأْسُ مالِهِمْ وهو سَدِيدٌ عَلى ما قُلْناهُ، إذِ المُصِرُّ عَلى التَّحْلِيلِ مُرْتَدٌّ ومالُهٌ فَيْءٌ:
البقرة 2:280
﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ ذُو عُسْرَةٍ. وقُرِئَ « ذا عُسْرَةٍ» أيْ وإنْ كانَ الغَرِيمُ ذا عُسْرَةٍ.
﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحُكْمُ نَظِرَةٌ، أوْ فَعَلَيْكم نَظِرَةٌ، أوْ فَلْيَكُنْ نَظِرَةٌ وهي الإنْظارُ. وقُرِئَ « فَناظِرُهُ» عَلى الخَبَرِ أيْ فالمُسْتَحَقُّ ناظِرُهُ بِمَعْنى مُنْتَظِرِهِ، أوْ صاحِبِ نَظْرَتِهِ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ وفَناظِرْهُ عَلى الأمْرِ أيْ فَسامِحْهُ بِالنَّظْرَةِ.
﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ يَسارٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ السِّينِ، وهُما لُغَتانِ كَمَشْرَقَةٍ ومَشْرُقَةٍ. وقُرِئَ بِهِما مُضافَيْنِ بِحَذْفِ التّاءِ عِنْدَ الإضافَةِ كَقَوْلِهِ: وأخْلَفُوكَ وعْدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِالإبْراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِ الصّادِ. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الإنْظارِ، أوْ خَيْرٌ مِمّا تَأْخُذُونَ لِمُضاعَفَةِ ثَوابِهِ ودَوامِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ الإنْظارُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، «لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ الجَزِيلِ.
البقرة 2:281
﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَوْمَ المَوْتِ فَتَأهَّبُوا لِمَصِيرِكم إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وتَضْعِيفِ عِقابٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَّمانِينَ مِنَ البَقَرَةِ وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا وقِيلَ أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا. وقِيلَ سَبْعَةَ أيّامٍ وقِيلَ ثَلاثَةَ ساعاتٍ) .
البقرة 2:282
(p-164)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ أيْ إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا، تَقُولُ: دايَنْتُهُ إذا عامَلْتَهُ نَسِيئَةً مُعْطِيًا أوْ آخِذًا. وفائِدَةُ ذِكْرِ الدَّيْنِ أنْ لا يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّدايُنِ المُجازاةُ ويُعْلَمُ تَنَوُّعُهُ إلى المُؤَجَّلِ والحالِ، وأنَّهُ الباعِثُ عَلى الكَتَبَةِ ويَكُونُ مَرْجِعُ ضَمِيرِ فاكْتُبُوهُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ بِالأيّامِ والأشْهُرِ لا بِالحَصادِ وقُدُومِ الحاجِّ.
فاكْتُبُوهُ لِأنَّهُ أوْثَقُ وأدْفَعُ لِلنِّزاعِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ اسْتِحْبابٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (أنَّ المُرادَ بِهِ السَّلَمَ وقالَ لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا أباحَ السَّلَمَ) . ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ مَن يَكْتُبُ السَّوِيَّةَ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو في الحَقِيقَةِ أمْرٌ لِلْمُتَدايِنِينَ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ فَقِيهٍ دَيِّنٍ حَتّى يَجِيءَ مَكْتُوبُهُ مَوْثُوقًا بِهِ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ.
﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ ولا يَمْتَنِعْ أحَدٌ مِنَ الكِتابِ. ﴿أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كَتَبَةِ الوَثائِقِ، أوْ لا يَأْبَ أنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِكِتابَتِهِ كَما نَفَعَهُ اللَّهُ بِتَعْلِيمِها كَقَوْلِهِ: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ . ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تِلْكَ الكِتابَةَ المُعَلَّمَةَ. أمَرَ بِها بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الإباءِ عَنْها تَأْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الكافُ بِالأمْرِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ مِنها مُطْلَقَةً ثُمَّ الأمْرُ بِها مُقَيَّدَةً. ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ ولْيَكُنِ المُمْلِي مَن عَلَيْهِ الحَقُّ لِأنَّهُ المُقِرُّ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، والإمْلالُ والإمْلاءُ واحِدٌ. ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أيِ المُمْلِي. أوِ الكاتِبُ. ﴿وَلا يَبْخَسْ﴾ ولا يُنْقِصْ. ﴿مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ مِنَ الحَقِّ، أوْ مِمّا أُمْلِيَ عَلَيْهِ. ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ ناقِصَ العَقْلِ مُبَذِّرًا. ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ صَبِيًّا أوْ شَيْخًا مُخْتَلًّا. ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ أوْ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلْإمْلالِ بِنَفْسِهِ لِخَرَسٍ أوْ جَهْلٍ بِاللُّغَةِ. ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ أيِ الَّذِي يَلِي أمْرَهُ ويَقُومُ مَقامَهُ مِن قَيِّمٍ إنْ كانَ صَبِيًّا أوْ مُخْتَلِّ العَقْلِ، أوْ وكِيلٍ أوْ مُتَرْجِمٍ إنْ كانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ. وهو دَلِيلُ جَرَيانِ النِّيابَةِ في الإقْرارِ ولَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِما تَعاطاهُ القَيِّمُ أوِ الوَكِيلُ. ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ واطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ عَلى الدِّينِ شاهِدانِ. ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ، وهو دَلِيلُ اشْتِراطِ إسْلامِ الشُّهُودِ وإلَيْهِ ذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشّاهِدانِ رَجُلَيْنِ. ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ فَلْيَشْهَدْ أوْ فَلْيَسْتَشْهِدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، وهَذا مَخْصُوصٌ بِالأمْوالِ عِنْدَنا وبِما عَدا الحُدُودَ والقِصاصَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ لِعِلْمِكم بِعَدالَتِهِمْ. ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ عِلَّةُ اعْتِبارِ العَدَدِ أيْ لِأجْلِ أنَّ إحْداهُما إنْ ضَلَّتِ الشَّهادَةَ بِأنْ نَسِيَتْها ذَكَّرَتْها الأُخْرى، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ التَّذْكِيرُ ولَكِنْ لَمّا كانَ الضَّلالُ سَبَبًا لَهُ نَزَلَ مَنزِلَتَهُ كَقَوْلِهِمْ: أعْدَدْتُ السِّلاحَ أنْ يَجِيءَ عَدُوٌّ فَأدْفَعُهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: إرادَةَ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِنُقْصانِ عَقْلِهِنَّ وقِلَّةِ ضَبْطِهِنَّ. وقَرَأ حَمْزَةُ أنْ تَضِلَّ عَلى الشَّرْطِ « فَتُذَكِّرُ» بِالرَّفْعِ. وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ فَتُذْكِرَ مِنَ الإذْكارِ. ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ لِأداءِ الشَّهادَةِ أوِ التَّحَمُّلِ. وسُمُّوا شُهَداءَ قَبْلَ التَّحَمُّلِ تَنْزِيلًا لِما يُشارِفُ مَنزِلَةَ الواقِعِ وما مَزِيدَةٌ. ﴿وَلا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ ولا تَمَلُّوا مِن كَثْرَةِ مُدايَناتِكم أنْ تَكْتُبُوا الدَّيْنَ أوِ الحَقَّ أوِ الكِتابَ. وقِيلَ كَنّى بِالسَّأمِ عَنِ الكَسَلِ لِأنَّهُ صِفَةُ المُنافِقِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا يَقُولُ المُؤْمِنُ كَسِلْتُ» ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ صَغِيرًا كانَ الحَقُّ أوْ كَبِيرًا، أوْ مُخْتَصَرًا كانَ الكِتابُ أوْ مُشَبَّعًا. إلى أجَلِهِ إلى وقْتِ حُلُولِهِ الَّذِي أقَرَّ بِهِ المَدْيُونُ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ تَكْتُبُوهُ. ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أكْثَرُ قِسْطًا. ﴿وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ وأثْبُتُ لَها وأعُونُ عَلى إقامَتِها، وهُما مَبْنِيّانِ مِن أقْسَطَ وأقامَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ مِن قاسِطٍ بِمَعْنى ذِي قِسْطٍ وقَوِيمٍ، وإنَّما صَحَّتِ الواوُ في أقْوَمُ كَما صَحَّتْ في التَّعَجُّبِ لِجُمُودِهِ. ﴿وَأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ وأقْرَبُ في أنْ لا تَشُكُّوا في جِنْسِ الدِّينِ وقَدْرِهِ وأجَلِهِ والشُّهُودِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ والتِّجارَةِ الحاضِرَةِ تَعُمُّ المُبايَعَةَ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ، وإدارَتُها بَيْنَهم تَعاطِيهم إيّاها يَدًا بِيَدٍ أيْ: إلّا أنْ تَتَبايَعُوا يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ أنْ لا تَكْتُبُوا، لِبُعْدِهِ عَنِ التَّنازُعِ والنِّسْيانِ. ونَصَبَ عاصِمٌ تِجارَةً عَلى أنَّهُ الخَبَرُ والِاسْمُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً كَقَوْلِهِ:
؎ بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا... إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا
(p-165)وَرَفَعَها الباقُونَ عَلى أنَّها الِاسْمُ والخَبَرُ ﴿تُدِيرُونَها﴾ أوْ عَلى كانَ التّامَّةِ. ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ هَذا التَّبايُعَ، أوْ مُطْلَقًا لِأنَّهُ أحْوَطُ. والأوامِرُ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِحْبابِ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ. وقِيلَ: إنَّها لِلْوُجُوبِ ثُمَّ اخْتَلَفَ في إحْكامِها ونَسْخِها. ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ البِناءَيْنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ « ولا يُضارَّ» بِالكَسْرِ والفَتْحِ. وهو نَهْيُهُما عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ والتَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ في الكُتُبِ والشَّهادَةِ، أوِ النَّهْيُ عَنِ الضِّرارِ بِهِما مِثْلَ أنْ يُعَجِّلا عَنْ مُهِمٍّ ويُكَلَّفا الخُرُوجَ عَمّا حُدَّ لَهُما، ولا يُعْطى الكاتِبُ جُعْلَهُ، والشَّهِيدُ مُؤْنَةَ مَجِيئِهِ حَيْثُ كانَ. ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا﴾ الضِّرارَ أوْ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ. ﴿فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ لاحِقٌ بِكم.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أحْكامَهُ المُتَضَمَّنَةَ لِمَصالِحِكم. ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كَرَّرَ لَفْظَةَ اللَّهِ في الجُمَلِ الثَّلاثِ لِاسْتِقْلالِها، فَإنَّ الأُولى حَثٌّ عَلى التَّقْوى، والثّانِيَةَ وعْدٌ بِإنْعامِهِ، والثّالِثَةَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ. ولِأنَّهُ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِنَ الكِنايَةِ.
البقرة 2:283
﴿وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ مُسافِرِينَ. ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رِهانٌ، أوْ فَعَلَيْكم رِهانٌ، أوْ فَلْيُؤْخَذْ رِهانٌ. ولَيْسَ هَذا التَّعْلِيقُ لِاشْتِراطِ السَّفَرِ في الِارْتِهانِ كَما ظَنَّهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَهَنَ دِرْعَهُ في المَدِينَةِ مِن يَهُودِيٍّ عَلى عِشْرِينَ صاعًا مِن شَعِيرٍ أخَذَهُ لِأهْلِهِ، بَلْ لِإقامَةِ التَّوَثُّقِ لِلِارْتِهانِ مَقامَ التَّوَثُّقِ بِالكِتابَةِ في السَّفَرِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ إعْوازِها. والجُمْهُورُ عَلى اعْتِبارِ القَبْضِ فِيهِ غَيْرَ مالِكٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « فَرَهْنٌ» كَسَقْفٍ وكِلاهُما جَمْعُ رَهْنٍ بِمَعْنى مَرْهُونٍ: وقُرِئَ بِإسْكانِ الهاءِ عَلى التَّخْفِيفِ. ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضُ الدّائِنِينَ بَعْضَ المَدْيُونِينَ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنِ الِارْتِهانِ. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ أيْ دَيْنَهُ سَمّاهُ أمانَةً لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ. وقُرِئَ « الَّذِي ايْتُمِنَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، و « الَّذِي أْتُمِنَ» بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ وهو خَطَأٌ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الهَمْزَةِ في حُكْمِها فَلا تُدْغَمُ. ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في الخِيانَةِ وإنْكارِ الحَقِّ وفِيهِ مُبالَغاتٌ. ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أيُّها الشُّهُودُ، أوِ المَدِينُونَ والشَّهادَةُ شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ. ﴿وَمَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أيْ يَأْثَمُ قَلْبُهُ أوْ قَلْبُهُ يَأْثَمُ. والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ وإسْنادُ الإثْمِ إلى القَلْبِ لِأنَّ الكِتْمانَ مُقْتَرَفُهُ ونَظِيرُهُ: العَيْنُ زانِيَةٌ والأُذُنُ زانِيَةٌ. أوْ لِلْمُبالَغَةِ فَإنَّهُ رَئِيسُ الأعْضاءِ وأفْعالَهُ أعْظَمُ الأفْعالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: تَمَكَّنَ الإثْمُ في نَفْسِهِ وأخَذَ أشْرَفَ أجْزائِهِ، وفاقَ سائِرَ ذُنُوبِهِ.
وَقُرِئَ « قَلْبَهُ» بِالنَّصْبِ كَحُسْنِ وجْهِهِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَهْدِيدٌ.
البقرة 2:284
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا. ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ يَعْنِي ما فِيها مِنَ السُّوءِ والعَزْمِ عَلَيْهِ لِتَرَتُّبِ المَغْفِرَةِ والعَذابِ عَلَيْهِ. ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وهو حُجَّةٌ عَلى مَن أنْكَرَ الحِسابَ كالمُعْتَزِلَةِ والرَّوافِضِ. ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ مَغْفِرَتَهُ. ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ تَعْذِيبَهُ، وهو صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ. وقَدْ رَفَعَهُما ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وجَزَمَهُما الباقُونَ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن جَزَمَ بِغَيْرِ فاءٍ جَعَلَهُما بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ أوِ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِهِ:
؎ مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
(p-166)وَإدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ لَحْنٌ إذِ الرّاءُ لا تُدْغَمُ إلّا في مِثْلِها. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والمُحاسَبَةِ.
البقرة 2:285
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ شَهادَةٌ وتَنْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى صِحَّةِ إيمانِهِ والِاعْتِدادِ بِهِ، وإنَّهُ جازِمٌ في أمْرِهِ غَيْرُ شاكٍّ فِيهِ. ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يُعْطَفَ المُؤْمِنُونَ عَلى الرَّسُولِ، فَيَكُونَ الضَّمِيرُ الَّذِي يَنُوبُ عَنْهُ التَّنْوِينُ راجِعًا إلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأُ فَيَكُونُ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وبِاعْتِبارِهِ يَصِحُّ وُقُوعُ كُلٌّ بِخَبَرِهِ خَبَرَ المُبْتَدَأِ، ويَكُونُ إفْرادُ الرَّسُولِ بِالحُكْمِ إمّا لِتَعْظِيمِهِ أوْ لِأنَّ إيمانَهُ عَنْ مُشاهَدَةٍ وعِيانٍ، وإيمانَهم عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ:
« وكِتابِهِ» يَعْنِي القُرْآنَ أوِ الجِنْسَ. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمْعِ أنَّهُ شائِعٌ في وُحْدانِ الجِنْسِ والجَمْعِ في جُمُوعِهِ ولِذَلِكَ قِيلَ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ أيْ يَقُولُونَ لا نُفَرِّقُ. وقَرَأ يَعْقُوبُ لا يُفَرَّقُ بِالياءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِ ﴿كُلٌّ﴾ . وقُرِئَ « لا يُفَرِّقُونَ» حَمْلًا عَلى مَعْناهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ واحِدٌ في مَعْنى الجَمْعِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ .
وَلِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْنَ، والمُرادُ نَفْيُ الفَرْقِ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ وقالُوا ﴿سَمِعْنا﴾ أجَبْنا. ﴿وَأطَعْنا﴾ أمْرَكَ.
﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ، أوْ نَطْلُبُ غُفْرانَكَ. ﴿وَإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ بَعْدَ المَوْتِ وهو إقْرارٌ مِنهم بِالبَعْثِ.
البقرة 2:286
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما تَسَعُهُ قُدْرَتُها فَضْلًا ورَحْمَةً، أوْ ما دُونَ مَدى طاقَتِها بِحَيْثُ يَتَّسِعُ فِيهِ طَوْقُها ويَتَيَسَّرُ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ ولا يَدُلُّ عَلى امْتِناعِهِ. ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ مِن خَيْرٍ. ﴿وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ مِن شَرٍّ لا يَنْتَفِعُ بِطاعَتِها ولا يَتَضَرَّرُ بِمَعاصِيها غَيْرُها، وتَخْصِيصُ الكَسْبِ بِالخَيْرِ والِاكْتِسابِ بِالشَّرِّ لِأنَّ الِاكْتِسابَ فِيهِ احْتِمالٌ والشَّرَّ تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وتَنْجَذِبُ إلَيْهِ فَكانَتْ أجَدَّ في تَحْصِيلِهِ وأعْمَلَ بِخِلافِ الخَيْرِ. ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ أيْ لا تُؤاخِذْنا بِما أدّى بِنا إلى نِسْيانٍ أوْ خَطَأٍ مِن تَفْرِيطٍ وقِلَّةِ مُبالاةٍ، أوْ بِأنْفُسِهِما إذْ لا تَمْتَنِعُ المُؤاخَذَةُ بِهِما عَقْلًا فَإنَّ الذُّنُوبَ كالسُّمُومِ فَكَما أنَّ تَناوُلَها يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ. وإنْ كانَ خَطَأً. فَتَعاطِي الذُّنُوبِ لا يَبْعُدُ أنْ يُفْضِيَ إلى العِقابِ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَزِيمَةً، لَكِنَّهُ تَعالى وعَدَ التَّجاوُزَ عَنْهُ رَحْمَةً وفَضْلًا فَيَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ بِهِ اسْتِدامَةً واعْتِدادًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ» . ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ عِبْأً ثَقِيلًا يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ في مَكانِهِ. يُرِيدُ بِهِ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ. وقُرِئَ « ولا تُحِمِّلْ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا، أوْ مِثْلَ الَّذِي حَمَلَتْهُ إيّاهم فَيَكُونُ صِفَةً لِإصْرًا، والمُرادُ بِهِ ما كُلِّفَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ، وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، وخَمْسِينَ صَلاةً في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، وصَرْفِ رُبْعِ المالِ لِلزَّكاةِ. أوْ ما أصابَهم مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ مِنَ البَلاءِ والعُقُوبَةِ، أوْ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي لا تَفِي بِها الطّاقَةُ البَشَرِيَّةُ وهو يَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ وإلّا لَما سُئِلَ التَّخَلُّصَ مِنهُ، والتَّشْدِيدُ هاهُنا لِتَعْدِيَةِ (p-167)الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي. ﴿واعْفُ عَنّا﴾ وامْحُ ذُنُوبَنا. ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ واسْتُرْ عُيُوبَنا ولا تَفْضَحْنا بِالمُؤاخَذَةِ.
﴿وارْحَمْنا﴾ وتَعَطَّفْ بِنا وتَفَضَّلْ عَلَيْنا. ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ سَيِّدُنا. ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ مَوالِيَهُ عَلى الأعْداءِ، أوِ المُرادُ بِهِ عامَّةُ الكَفَرَةِ.
«رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا دَعا بِهَذِهِ الدَّعَواتِ قِيلَ لَهُ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ: فَعَلْتُ.»
وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ. كَتَبَها الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ سَنَةٍ، مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الأخِيرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ» . وهو يَرُدُّ قَوْلَ مَنِ اسْتَكْرَهَ أنْ يُقالَ سُورَةُ البَقَرَةِ، وقالَ: يَنْبَغِي أنْ يُقالَ السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ فُسْطاطُ القُرْآنِ فَتَعَلَّمُوها، فَإنَّ تَعَلُّمَها بَرَكَةٌ وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولَنْ يَسْتَطِيعَها البَطَلَةُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما البَطَلَةُ؟ قالَ: السَّحَرَةُ» .
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ طَبْعُ المُجَلَّدِ الأوَّلِ مِن تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في مَطابِعِ دارِ إحْياءِ التُّراثِ العَرَبِيِّ - بَيْرُوتَ الزّاهِرَةِ أدامَها اللَّهُ لِطَبْعِ المَزِيدِ مِنَ الكُتُبِ النّافِعَةِ.
وَآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
آل عمران 3:1
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها مِائَتانِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إنَّما فَتْحُ المِيمِ في المَشْهُورِ وكانَ حَقُّها أنْ يُوقَفَ عَلَيْها لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ، لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ، فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ كَقَوْلِهِمْ واحِدٌ اثْنانِ بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكِ المِيمُ في لامٍ. وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَوَهُّمِ التَّحْرِيكِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها والِابْتِداءُ بِما بَعْدَها عَلى الأصْلِ. ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «إنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ في ثَلاثِ سُوَرٍ في البَقَرَةِ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، وفي آلِ عِمْرانَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، وفي طَهَ وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحىِّ القَيُّومِ».»
آل عمران 3:2
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها مِائَتانِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إنَّما فَتْحُ المِيمِ في المَشْهُورِ وكانَ حَقُّها أنْ يُوقَفَ عَلَيْها لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ، لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ، فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ كَقَوْلِهِمْ واحِدٌ اثْنانِ بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكِ المِيمُ في لامٍ. وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَوَهُّمِ التَّحْرِيكِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها والِابْتِداءُ بِما بَعْدَها عَلى الأصْلِ. ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «إنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ في ثَلاثِ سُوَرٍ في البَقَرَةِ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، وفي آلِ عِمْرانَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ، وفي طَهَ وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحىِّ القَيُّومِ».»
آل عمران 3:3
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ نُجُومًا. بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، أوْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ، أوْ بِالحُجَجِ المُحَقَّقَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ. ﴿وَأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ جُمْلَةً عَلى مُوسى وعِيسى. واشْتِقاقُهُما مِنَ الوَرى والنَّجْلِ، ووَزْنُهُما بِتَفْعِلَةٍ وافْعِيلٍ تَعَسُّفٌ لِأنَّهُما أعْجَمِيّانِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ «الأنْجِيلُ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِيَّةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ ذَكْوانَ والكِسائِيُّ التَّوْراةَ بِالإمالَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ونافِعٌ وحَمْزَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إلّا قالُونَ فَإنَّهُ قَرَأ بِالفَتْحِ كَقِراءَةِ الباقِينَ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ. ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ عَلى العُمُومِ إنْ قُلْنا إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا، وإلّا فالمُرادُ بِهِ قَوْمُهُما. ﴿وَأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جِنْسَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّها فارِقَةٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ لِيَعُمَّ ما عَداها، كَأنَّهُ قالَ: وأنْزَلَ سائِرَ ما يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوِ الزَّبُورِ أوِ القُرْآنِ. وكَرَّرَ ذِكْرَهُ بِما هو نَعْتٌ لَهُ مَدْحًا وتَعْظِيمًا، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشارِكُهُما في كَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا ويَتَمَيَّزُ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوِ المُعْجِزاتُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مِن كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها. ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يَمْنَعُ مِنَ التَّعْذِيبِ. ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ مُنْتَقِمٌ، والنِّقْمَةُ عُقُوبَةُ المُجْرِمِ والفِعْلُ مِنهُ نَقَمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وهو وعِيدٌ جِيءَ بِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والإشارَةِ إلى ما هو العُمْدَةُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ، وزَجْرًا عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ.
آل عمران 3:4
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ نُجُومًا. بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، أوْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ، أوْ بِالحُجَجِ المُحَقَّقَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ. ﴿وَأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ جُمْلَةً عَلى مُوسى وعِيسى. واشْتِقاقُهُما مِنَ الوَرى والنَّجْلِ، ووَزْنُهُما بِتَفْعِلَةٍ وافْعِيلٍ تَعَسُّفٌ لِأنَّهُما أعْجَمِيّانِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ «الأنْجِيلُ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِيَّةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ ذَكْوانَ والكِسائِيُّ التَّوْراةَ بِالإمالَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ونافِعٌ وحَمْزَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إلّا قالُونَ فَإنَّهُ قَرَأ بِالفَتْحِ كَقِراءَةِ الباقِينَ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ. ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ عَلى العُمُومِ إنْ قُلْنا إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا، وإلّا فالمُرادُ بِهِ قَوْمُهُما. ﴿وَأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ يُرِيدُ بِهِ جِنْسَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّها فارِقَةٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ لِيَعُمَّ ما عَداها، كَأنَّهُ قالَ: وأنْزَلَ سائِرَ ما يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوِ الزَّبُورِ أوِ القُرْآنِ. وكَرَّرَ ذِكْرَهُ بِما هو نَعْتٌ لَهُ مَدْحًا وتَعْظِيمًا، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشارِكُهُما في كَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا ويَتَمَيَّزُ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوِ المُعْجِزاتُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مِن كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها. ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يَمْنَعُ مِنَ التَّعْذِيبِ. ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ مُنْتَقِمٌ، والنِّقْمَةُ عُقُوبَةُ المُجْرِمِ والفِعْلُ مِنهُ نَقَمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وهو وعِيدٌ جِيءَ بِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والإشارَةِ إلى ما هو العُمْدَةُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ، وزَجْرًا عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ.
آل عمران 3:5
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ في العالِمِ كُلِّيًّا كانَ أوْ جُزْئِيًّا، إيمانًا أوْ كُفْرًا. فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ والأرْضِ إذِ الحِسُّ لا يَتَجاوَزُهُما، وإنَّما قَدَّمَ الأرْضَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ ما اقْتُرِفَ فِيها. وهو كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، كالدَّلِيلِ عَلى القَيُّومِيَّةِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِإتْقانِ فِعْلِهِ في خَلْقِ الجَنِينِ وتَصْوِيرِهِ. وقُرِئَ «تَصَوَّرَكُمْ» أيْ صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا يَعْلَمُ غَيْرُهُ جُمْلَةَ ما يَعْلَمُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ. ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ. قِيلَ: هَذا حِجاجٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى كانَ رَبًّا، فَإنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتِ السُّورَةُ، مِن أوَّلِها إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً تَقْرِيرًا لِما احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ وأجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ.
آل عمران 3:6
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ في العالِمِ كُلِّيًّا كانَ أوْ جُزْئِيًّا، إيمانًا أوْ كُفْرًا. فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ والأرْضِ إذِ الحِسُّ لا يَتَجاوَزُهُما، وإنَّما قَدَّمَ الأرْضَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ ما اقْتُرِفَ فِيها. وهو كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، كالدَّلِيلِ عَلى القَيُّومِيَّةِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِإتْقانِ فِعْلِهِ في خَلْقِ الجَنِينِ وتَصْوِيرِهِ. وقُرِئَ «تَصَوَّرَكُمْ» أيْ صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا يَعْلَمُ غَيْرُهُ جُمْلَةَ ما يَعْلَمُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ. ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ. قِيلَ: هَذا حِجاجٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى كانَ رَبًّا، فَإنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتِ السُّورَةُ، مِن أوَّلِها إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً تَقْرِيرًا لِما احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ وأجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ.
آل عمران 3:7
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ أُحْكِمَتْ عِبارَتُها بِأنْ حُفِظَتْ مِنَ الإجْمالِ والِاحْتِمالِ. ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ أصْلُهُ يُرَدُّ إلَيْها غَيْرُها والقِياسُ أُمَّهاتٌ فَأُفْرِدَ عَلى تَأْوِيلِ كُلِّ واحِدَةٍ، أوْ عَلى أنَّ الكُلَّ بِمَنزِلَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ. ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ مُحْتَمِلاتٌ لا يَتَّضِحُ مَقْصُودُها. لِإجْمالٍ أوْ مُخالَفَةِ ظاهِرٍ. إلّا بِالفَحْصِ والنَّظَرِ لِيَظْهَرَ فِيها فَضْلُ العُلَماءِ، ويَزْدادُ حِرْصُهم عَلى أنْ يَجْتَهِدُوا في تَدَبُّرِها وتَحْصِيلِ العُلُومِ المُتَوَقِّفِ عَلَيْها اسْتِنْباطُ المُرادِ بِها، فَيَنالُوا بِها. وبِإتْعابِ القَرائِحِ في اسْتِخْراجِ مَعانِيها، والتَّوْفِيقِ بَيْنَها وبَيْنَ المُحْكَماتِ. مَعالِي الدَّرَجاتِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ فَمَعْناهُ أنَّها حُفِظَتْ مِن فَسادِ المَعْنى ورَكاكَةِ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ: كِتابًا مُتَشابِهًا فَمَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في صِحَّةِ المَعْنى وجَزالَةِ اللَّفْظِ، وأُخَرُ جَمْعُ أُخْرى وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ وصْفٌ مَعْدُولٌ عَنِ الآخَرِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ مَعْرِفَتُهُ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ القِياسَ أنْ يُعَرَّفَ ولَمْ يُعَرَّفْ لا أنَّهُ في مَعْنى المُعَرَّفِ أوْ عَنْ أُخَرَ مِن ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ عُدُولٌ عَنِ الحَقِّ كالمُبْتَدِعَةِ. ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ فَيَتَعَلَّقُونَ بِظاهِرِهِ أوْ بِتَأْوِيلٍ باطِلٍ ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ والتَّلْبِيسِ ومُناقَضَةِ المُحْكَمِ بِالمُتَشابِهِ. ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وطَلَبُ أنْ يُؤَوِّلُوهُ عَلى ما يَشْتَهُونَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي إلى الِاتِّباعِ مَجْمُوعُ الطِّلْبَتَيْنِ، أوْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى التَّعاقُبِ. والأوَّلُ يُناسِبُ المُعانِدَ والثّانِي يُلائِمُ الجاهِلَ. ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ. ﴿إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَمَكَّنُوا فِيهِ، ومَن وقَفَ عَلى إلّا اللَّهُ فَسَّرَ المُتَشابِهَ بِما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ: كَمُدَّةِ بَقاءِ الدُّنْيا، ووَقْتِ قِيامِ السّاعَةِ، وخَواصُّ الأعْدادِ كَعَدَدِ الزَّبانِيَةِ، أوْ بِما دَلَّ القاطِعُ عَلى أنَّ ظاهِرَهُ غَيْرُ مُرادٍ ولَمْ يَدُلَّ عَلى ما هو المُرادُ. ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الرّاسِخِينَ، أوْ حالٍ مِنهم أوْ خَبَرٍ إنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً. ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ المُتَشابِهِ والمُحْكَمِ مِن عِنْدِهِ، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ مَدْحٌ لِلرّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ وحُسْنِ النَّظَرِ، وإشارَةٌ إلى ما اسْتَعَدُّوا بِهِ لِلِاهْتِداءِ إلى تَأْوِيلِهِ، وهو تَجَرُّدُ العَقْلِ عَنْ غَواشِي الحِسِّ، واتِّصالُ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها في تَصْوِيرِ الرُّوحِ بِالعِلْمِ وتَرْبِيَتِهِ، وما قَبْلَها في تَصْوِيرِ الجَسَدِ وتَسْوِيَتِهِ، أوْ أنَّها جَوابٌ عَنْ تَشَبُّثِ النَّصارى بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾
كَما أنَّهُ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ لا أبَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو أباهُ بِأنَّهُ تَعالى مُصَوِّرُ الأجِنَّةِ كَيْفَ يَشاءُ فَيُصَوِّرُ مِن نُطْفَةِ أبٍ ومِن غَيْرِها، وبِأنَّهُ صَوَّرَهُ في الرَّحِمِ والمُصَوِّرُ لا يَكُونُ أبَ المُصَوَّرِ.(p-7)
آل عمران 3:8
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ مِن مَقالِ الرّاسِخِينَ. وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ والمَعْنى لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ، إنْ شاءَ أقامَهُ عَلى الحَقِّ وإنْ شاءَ أزاغَهُ عَنْهُ» . وقِيلَ: لا تَبْلُنا بِبَلايا تُزِيغُ فِيها قُلُوبَنا. بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى الحَقِّ والإيمانِ بِالقِسْمَيْنِ. مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، وبَعْدَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وإذْ في مَوْضِعِ الجَرِّ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى إنَّ. ﴿وَهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تُزْلِفُنا إلَيْكَ ونَفُوزُ بِها عِنْدَكَ، أوْ تَوْفِيقًا لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ أوْ مَغْفِرَةً لِلذُّنُوبِ. ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ لِكُلِّ سُؤْلٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُنْعِمُ عَلى عِبادِهِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ لِحِسابِ يَوْمٍ أوْ لِجَزائِهِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في وُقُوعِ اليَوْمِ وما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والجَزاءِ، نَبَّهُوا بِهِ عَلى أنَّ مُعْظَمَ غَرَضِهِمْ مِنَ الطِّلْبَتَيْنِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَإنَّها المَقْصِدُ والمالُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِيهِ ولِلْإشْعارِ بِهِ وتَعْظِيمِ المَوْعُودِ لَوَّنَ الخِطابَ، واسْتَدَلَّ بِهِ الوَعِيدِيَّةَ. وأُجِيبُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ لِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًا.
آل عمران 3:9
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ مِن مَقالِ الرّاسِخِينَ. وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ والمَعْنى لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ، إنْ شاءَ أقامَهُ عَلى الحَقِّ وإنْ شاءَ أزاغَهُ عَنْهُ» . وقِيلَ: لا تَبْلُنا بِبَلايا تُزِيغُ فِيها قُلُوبَنا. بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى الحَقِّ والإيمانِ بِالقِسْمَيْنِ. مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، وبَعْدَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وإذْ في مَوْضِعِ الجَرِّ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى إنَّ. ﴿وَهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تُزْلِفُنا إلَيْكَ ونَفُوزُ بِها عِنْدَكَ، أوْ تَوْفِيقًا لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ أوْ مَغْفِرَةً لِلذُّنُوبِ. ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ لِكُلِّ سُؤْلٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُنْعِمُ عَلى عِبادِهِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ لِحِسابِ يَوْمٍ أوْ لِجَزائِهِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في وُقُوعِ اليَوْمِ وما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والجَزاءِ، نَبَّهُوا بِهِ عَلى أنَّ مُعْظَمَ غَرَضِهِمْ مِنَ الطِّلْبَتَيْنِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَإنَّها المَقْصِدُ والمالُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِيهِ ولِلْإشْعارِ بِهِ وتَعْظِيمِ المَوْعُودِ لَوَّنَ الخِطابَ، واسْتَدَلَّ بِهِ الوَعِيدِيَّةَ. وأُجِيبُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ لِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًا.
آل عمران 3:10
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامٌّ في الكَفَرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ وفْدُ نَجْرانَ، أوِ اليَهُودُ، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ مِن رَحْمَتِهِ، أوْ طاعَتِهِ عَلى مَعْنى البَدَلِيَّةِ، أوْ مِن عَذابِهِ ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ حَطَبُها. وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِمَعْنى أهْلُ وقُودِها.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ أيْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْ أُولَئِكَ، أوْ تُوقَدَ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِأُولَئِكَ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَرْفُوعُ المَحَلِّ تَقْدِيرُهُ دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِهِمْ في الكُفْرِ والعَذابِ، وهو مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ فَنَقَلَ إلى مَعْنى الشَّأْنِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ اسْتِئْنافٌ. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِتَفْسِيرِ حالِهِمْ، أوْ خَبَرٌ إنِ ابْتَدَأْتَ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَهْوِيلٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وزِيادَةُ تَخْوِيفِ الكَفَرَةِ.
آل عمران 3:11
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامٌّ في الكَفَرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ وفْدُ نَجْرانَ، أوِ اليَهُودُ، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ مِن رَحْمَتِهِ، أوْ طاعَتِهِ عَلى مَعْنى البَدَلِيَّةِ، أوْ مِن عَذابِهِ ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ حَطَبُها. وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِمَعْنى أهْلُ وقُودِها.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ أيْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْ أُولَئِكَ، أوْ تُوقَدَ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِأُولَئِكَ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَرْفُوعُ المَحَلِّ تَقْدِيرُهُ دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِهِمْ في الكُفْرِ والعَذابِ، وهو مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ فَنَقَلَ إلى مَعْنى الشَّأْنِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ اسْتِئْنافٌ. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِتَفْسِيرِ حالِهِمْ، أوْ خَبَرٌ إنِ ابْتَدَأْتَ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَهْوِيلٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وزِيادَةُ تَخْوِيفِ الكَفَرَةِ.
آل عمران 3:12
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ قُلْ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ سَتَغْلِبُونَ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ لِلْيَهُودِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمَعَهم بَعْدَ بَدْرٍ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَحَذَّرَهم أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ، فَقالُوا لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ أصَبْتَ أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ لَئِنْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، فَنَزَلَتْ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ لَهم بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن عَداهم وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ فِيهِما عَلى أنَّ الأمْرَ بِأنْ يَحْكِيَ لَهم ما أخْبَرَهُ بِهِ مِن وعِيدِهِمْ بِلَفْظِهِ.
﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ تَمامُ ما يُقالُ لَهُمْ، أوِ اسْتِئْنافٌ وتَقْدِيرُ بِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ أوْ ما مَهَّدُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
آل عمران 3:13
﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ أوْ لِلْيَهُودِ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿فِي فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ يَرى المُشْرِكُونَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ، وكانَ قَرِيبًا مِن ألْفٍ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشْرَ، وذَلِكَ كانَ بَعْدَ ما قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ وتَوَجَّهُوا إلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غَلَبُوا مَدَدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ يَرى المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ وكانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ لِيُثْبِتُوا لَهم ويَتَيَقَّنُوا بِالنَّصْرِ الَّذِي وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ وقُرِئَ بِهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ يُرِيهِمُ اللَّهُ، أوْ يُرِيكم ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ، وفِئَةٍ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن فِئَتَيْنِ والنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الحالِ مِن فاعِلِ التَقَتا. ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ رُؤْيَةً ظاهِرَةً مُعايَنَةً. ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ نَصَرَهُ كَما أيَّدَ أهْلَ بَدْرٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، أوْ غَلَبَةِ القَلِيلِ عَدِيمِ العُدَّةِ في الكَثِيرِ شاكِي السِّلاحِ، وكَوْنِ الواقِعَةِ آيَةً أيْضًا يَحْتَمِلُها ويَحْتَمِلُ وُقُوعَ الأمْرِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ. ﴿لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ أيْ لَعِظَةً لِذَوِي البَصائِرِ. وقِيلَ لِمَن أبْصَرَهم.
آل عمران 3:14
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أيِ المُشْتَهَياتِ سَمّاها شَهَواتٍ مُبالَغَةً وإيماءً عَلى أنَّهُمُ انْهَمَكُوا في مَحَبَّتِها حَتّى أحَبُّوا شَهْوَتَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ الخالِقُ لِلْأفْعالِ والدَّواعِي، ولَعَلَّهُ زَيَّنَهُ ابْتِلاءً، أوْ لِأنَّهُ يَكُونُ وسِيلَةً إلى السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ إذا كانَ عَلى وجْهٍ يَرْتَضِيهِ اللَّهُ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ مِن أسْبابِ التَّعَيُّشِ وبَقاءِ النَّوْعِ. وقِيلَ الشَّيْطانُ فَإنَّ الآيَةَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. وفَرَّقَ الجِبائِيُّ بَيْنَ المُباحِ والمُحَرَّمِ.
﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ بَيانٌ لِلشَّهَواتِ، والقِنْطارُ المالُ الكَثِيرُ. وقِيلَ مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ. وقِيلَ مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ. واخْتُلِفَ في أنَّهُ فِعْلالٌ أوْ فِنْعالٌ، والمُقَنْطَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ بَدْرَةٌ مُبْدَرَةٌ. والمُسَوَّمَةُ المُعَلَّمَةُ مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ، أوِ المَرْعِيَّةُ مِن أسامَ الدّابَّةَ وسَوَّمَها، أوِ المُطَهَّمَةُ. والأنْعامُ الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ.
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيِ المَرْجِعِ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِبْدالِ ما عِنْدَهُ مِنَ اللَّذّاتِ الحَقِيقِيَّةِ الأبَدِيَّةِ بِالشَّهَواتِ المُخْدَجَةِ الفانِيَةِ.
آل عمران 3:15
﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيرَ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن مُسْتَلَذّاتِ الدُّنْيا. ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو خَيْرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ اللّامَ بِخَيْرٍ ويَرْتَفِعُ جَنّاتٍ عَلى هو جَنّاتٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن جَرَّها بَدَلًا مِن بِخَيْرٍ. ﴿وَأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ مِمّا يَسْتَقْذِرُ مِنَ النِّساءِ. ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ بِضَمِّ الرّاءِ ما خَلا الحَرْفَ الثّانِي في المائِدَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ بِأعْمالِهِمْ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ ويُعاقِبُ المُسِيءَ، أوْ بِأحْوالِ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَلِذَلِكَ أعَدَّ لَهم جَنّاتٍ، وقَدْ نَبَّهَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نِعَمِهِ فَأدْناها مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وأعْلاها رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وأوْسَطُها الجَنَّةُ ونَعِيمُها.
(p-9)﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ لِلْعِبادِ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ. وفي تَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ أوِ الِاسْتِعْدادِ لَها.
آل عمران 3:16
﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيرَ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن مُسْتَلَذّاتِ الدُّنْيا. ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو خَيْرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ اللّامَ بِخَيْرٍ ويَرْتَفِعُ جَنّاتٍ عَلى هو جَنّاتٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن جَرَّها بَدَلًا مِن بِخَيْرٍ. ﴿وَأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ مِمّا يَسْتَقْذِرُ مِنَ النِّساءِ. ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ بِضَمِّ الرّاءِ ما خَلا الحَرْفَ الثّانِي في المائِدَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ بِأعْمالِهِمْ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ ويُعاقِبُ المُسِيءَ، أوْ بِأحْوالِ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَلِذَلِكَ أعَدَّ لَهم جَنّاتٍ، وقَدْ نَبَّهَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نِعَمِهِ فَأدْناها مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وأعْلاها رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وأوْسَطُها الجَنَّةُ ونَعِيمُها.
(p-9)﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ لِلْعِبادِ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ. وفي تَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ أوِ الِاسْتِعْدادِ لَها.
آل عمران 3:17
﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ حَصْرٌ لِمَقاماتِ السّالِكِ عَلى أحْسَنِ تَرْتِيبٍ، فَإنَّ مُعامَلَتَهُ مَعَ اللَّهِ تَعالى إمّا تَوَسُّلٌ وإمّا طَلَبٌ، والتَّوَسُّلُ إمّا بِالنَّفْسِ وهو مَنعُها عَنِ الرَّذائِلِ وحَبْسُها عَلى الفَضائِلِ والصَّبْرُ يَشْمَلُهُما، وإمّا بِالبَدَنِ، وهو إمّا قَوْلِيٌّ وهو الصِّدْقُ وإمّا فِعْلِيٌّ وهو القُنُوتُ الَّذِي هو مُلازَمَةُ الطّاعَةِ، وإمّا بِالمالِ وهو الإنْفاقُ في سُبُلِ الخَيْرِ، وأمّا الطَّلَبُ فَبِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ أعْظَمُ المَطالِبِ بَلِ الجامِعُ لَها وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنها وكَمالِهِمْ فِيها أوْ لِتَغايُرِ المَوْصُوفِينَ بِها، وتَخْصِيصُ الأسْحارِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، لِأنَّ العِبادَةَ حِينَئِذٍ أشَقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوعُ أجْمَعُ لِلْمُجْتَهِدِينَ. قِيلَ إنَّهم كانُوا يَصِلُونَ إلى السِّحْرِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ ويَدْعُونَ.
آل عمران 3:18
﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ بَيْنَ وحْدانِيَّتِهِ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلَيْها وإنْزالِ الآياتِ النّاطِقَةِ بِها.
﴿والمَلائِكَةُ﴾ بِالإقْرارِ. ﴿وَأُولُو العِلْمِ﴾ بِالإيمانِ بِها والِاحْتِجاجِ عَلَيْها، شَبَّهَ ذَلِكَ في البَيانِ والكَشْفِ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ. ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ مُقِيمًا لِلْعَدْلِ في قَسْمِهِ وحُكْمِهِ وانْتِصابِهِ عَلى الحالِ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما جازَ إفْرادُهُ بِها ولَمْ يَجُزْ جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو راكِبًا لِعَدَمِ اللَّبْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أوْ مَن هو والعامِلُ فِيها مَعْنى الجُمْلَةِ أيْ تَفَرَّدَ قائِمًا، أوْ أحَقَّهُ لِأنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، أوْ عَلى المَدْحِ، أوِ الصِّفَةِ لِلْمَنفِيِّ وفِيهِ ضَعْفٌ لِلْفَصْلِ وهو مُنْدَرِجٌ في المَشْهُودِ بِهِ إذا جَعَلْتَهُ صِفَةً، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ. وقُرِئَ «القائِمُ بِالقِسْطِ» عَلى البَدَلِ عَنْ هو أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ ومَزِيدُ الِاعْتِناءِ بِمَعْرِفَةِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والحُكْمِ بِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَيَعْلَمُ أنَّهُ المَوْصُوفُ بِهِما، وقَدَّمَ العَزِيزُ لِتَقْدِيمِ العِلْمِ بِقُدْرَتِهِ عَلى العِلْمِ بِحِكْمَتِهِ، ورَفْعُهُما عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ الصِّفَةِ لِفاعِلِ شَهِدَ.
وَقَدْ رُوِيَ في فَضْلِها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «إنَّ لِعَبْدِي هَذا عِنْدِي عَهْدًا وأنا أحَقُّ مَن وفّى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ».»
وَهِيَ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ وشَرَفِ أهْلِهِ.
آل عمران 3:19
﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى أيْ لا دِينَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ سِوى الإسْلامِ، وهو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِالشَّرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أنَّهُ بَدَلُ الكُلِّ إنْ فُسِّرَ الإسْلامُ بِالإيمانِ، أوْ بِما يَتَضَمَّنُهُ وبَدَلُ اشْتِمالٍ إنْ فُسِّرَ بِالشَّرِيعَةِ. وقُرِئَ أنَّهُ بِالكَسْرِ وأنَّ بِالفَتْحِ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى الثّانِي، واعْتِراضُ ما بَيْنَهُما أوْ إجْراءُ شَهِدَ مَجْرى قالَ تارَةً وعَلِمَ أُخْرى لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُما.
﴿وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مِن أرْبابِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ في دِينِ الإسْلامِ فَقالَ قَوْمٌ إنَّهُ حَقٌّ وقالَ قَوْمٌ إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعَرَبِ ونَفاهُ آخَرُونَ مُطْلَقًا، أوْ في التَّوْحِيدِ فَثَلَّثَتِ النَّصارى وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ هم قَوْمُ مُوسى اخْتَلَفُوا بَعْدَهُ. وقِيلَ هُمُ النَّصارى اخْتَلَفُوا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ (p-10)السَّلامُ. ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ بَعْدَ ما عَلِمُوا حَقِيقَةَ الأمْرِ وتَمَكَّنُوا مِنَ العِلْمِ بِها بِالآياتِ والحُجَجِ.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حَسَدًا بَيْنَهم وطَلَبًا لِلرِّئاسَةِ، لا لِشُبْهَةٍ وخَفاءٍ في الأمْرِ. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ مِنهم.
آل عمران 3:20
﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ في الدِّينِ، أوْ جادَلُوكَ فِيهِ بَعْدَ ما أقَمْتَ الحُجَجَ. ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أخْلَصْتُ نَفْسِي وجُمْلَتِي لَهُ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحُجَجُ ودَعَتْ إلَيْهِ الآياتُ والرُّسُلُ، وإنَّما عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ النَّفْسِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والحَواسِّ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عُطِفَ عَلى التّاءِ في أسْلَمْتُ وحُسْنٌ لِلْفَصْلِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم كَمُشْرِكِي العَرَبِ. ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ كَما أسْلَمْتُ لَمّا وضَحَتْ لَكُمُ الحُجَّةُ، أمْ أنْتُمْ بَعْدُ عَلى كُفْرِكم ونَظِيرُهُ وقَوْلُهُ:
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وفِيهِ تَعْيِيرٌ لَهم بِالبَلادَةِ أوِ المُعانَدَةِ. ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فَقَدْ نَفَعُوا أنْفُسَهم بِأنْ أخْرَجُوها مِنَ الضَّلالِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ فَلَمْ يَضُرُّوكَ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وقَدْ بَلَّغْتَ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
آل عمران 3:21
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. قَتَلَ أوَّلُهُمُ الأنْبِياءَ ومُتابِعِيهِمْ وهم رَضُوا بِهِ وقَصَدُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَهُمْ، وقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ «وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ» . وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ إدْخالَ الفاءِ في خَبَرِ إنَّ كَلَيْتَ ولَعَلَّ ولِذَلِكَ قِيلَ الخَبَرُ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، والفَرْقُ أنَّهُ لا يُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بِخِلافِهِما. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.
آل عمران 3:22
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. قَتَلَ أوَّلُهُمُ الأنْبِياءَ ومُتابِعِيهِمْ وهم رَضُوا بِهِ وقَصَدُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَهُمْ، وقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ «وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ» . وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ إدْخالَ الفاءِ في خَبَرِ إنَّ كَلَيْتَ ولَعَلَّ ولِذَلِكَ قِيلَ الخَبَرُ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، والفَرْقُ أنَّهُ لا يُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بِخِلافِهِما. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.
آل عمران 3:23
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ أوْ جِنْسِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلْبَيانِ. وتَنْكِيرُ النَّصِيبِ يَحْتَمِلُ التَّعْظِيمَ والتَّحْقِيرَ.﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الدّاعِي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكِتابُ اللَّهِ القُرْآنُ، أوِ التَّوْراةُ لِما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ مَدَرِاسَهم فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ. فَقالَ: عَلى دِينِ إبْراهِيمَ. فَقالا إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا فَقالَ: هَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ فَإنَّها بَيْنَنا وبَيْنَكم. فَأبَيا فَنَزَلَتْ).» وقِيلَ نَزَلَتْ في الرَّجْمِ. وقُرِئَ لِيُحْكَمَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَيَكُونُ الِاخْتِلافُ فِيما بَيْنَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ حُجَّةٌ في الأُصُولِ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ واجِبٌ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فَرِيقٍ وإنَّما ساغَ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ.(p-11)
آل عمران 3:24
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَلِّي والإعْراضِ. ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ أمْرَ العِقابِ عَلى أنْفُسِهِمْ لِهَذا الِاعْتِقادِ الزّائِغِ والطَّمَعِ الفارِغِ. ﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا قَلائِلَ، أوْ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، أوْ أنَّهُ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُعَذِّبَ أوْلادَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ.
﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اسْتِعْظامٌ لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ.
رُوِيَ: «أنَّ أوَّلَ رايَةٍ تُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.» ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما كَسَبَتْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبادَةَ لا تُحْبَطُ وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُدُ في النّارِ، لِأنَّ تَوْفِيَةَ إيمانِهِ وعَمَلِهِ لا تَكُونُ في النّارِ ولا قَبْلَ دُخُولِها، فَإذَنْ هي بَعْدَ الخَلاصِ مِنها ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ.
آل عمران 3:25
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَلِّي والإعْراضِ. ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ أمْرَ العِقابِ عَلى أنْفُسِهِمْ لِهَذا الِاعْتِقادِ الزّائِغِ والطَّمَعِ الفارِغِ. ﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا قَلائِلَ، أوْ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، أوْ أنَّهُ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُعَذِّبَ أوْلادَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ.
﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اسْتِعْظامٌ لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ.
رُوِيَ: «أنَّ أوَّلَ رايَةٍ تُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.» ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما كَسَبَتْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبادَةَ لا تُحْبَطُ وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُدُ في النّارِ، لِأنَّ تَوْفِيَةَ إيمانِهِ وعَمَلِهِ لا تَكُونُ في النّارِ ولا قَبْلَ دُخُولِها، فَإذَنْ هي بَعْدَ الخَلاصِ مِنها ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ.
آل عمران 3:26
﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ المِيمُ عِوَضٌ عَنْ يا ولِذَلِكَ لا يَجْتَمِعانِ، وهو مِن خَصائِصِ هَذا الِاسْمِ كَدُخُولِ يا عَلَيْهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ وتاءِ القَسَمِ. وقِيلَ: أصْلُهُ يا أللَّهُ أمِّنّا بِخَيْرٍ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ. ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ يَتَصَرَّفُ فِيما يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ، وهو نِداءٌ ثانٍ عِنْدِ سِيبَوَيْهِ فَإنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ. ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ تُعْطِي مِنهُ ما تَشاءُ مَن تَشاءُ وتَسْتَرِدُّ، فالمُلْكُ الأوَّلُ عامٌّ والآخَرانِ بَعْضانِ مِنهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُلْكِ النُّبُوَّةُ ونَزْعُها نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والإدْبارِ والتَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ذِكْرُ الخَيْرِ وحْدَهُ لِأنَّهُ المَقْضِيُّ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، إذْ لا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ ما لَمْ يَتَضَمَّنْ خَيْرًا كُلِّيًّا، أوْ لِمُراعاةِ الأدَبِ في الخِطابِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ وقَعَ فِيهِ إذْ رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ وقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وأخَذُوا يَحْفِرُونَ، فَظَهَرَ فِيهِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَعْمَلْ فِيها المَعاوِلُ، فَوَجَّهُوا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَجاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخَذَ المِعْوَلَ مِنهُ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَّعَتْها. وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ مِنهُ ما بَيْنَ لابَّتَيْها لَكَأنَّ بِها مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وقالَ: «أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحَيْرَةِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ صَنْعاءَ» وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّها فابْشُرُوا» . فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ يُمَنِّيكم ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ) فَنَزَلَتْ» . فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الشَّرَّ أيْضًا بِيَدِهِ بِقَوْلِ: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
آل عمران 3:27
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ قُدْرَتِهِ عَلى مُعاقَبَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمَوْتِ والحَياةِ وسَعَةِ فَضْلِهِ، دَلالَةً عَلى (p-12)أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى مُعاقَبَةِ الذُّلِّ والعِزِّ وإيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ. والوُلُوجُ: الدُّخُولُ في مَضِيقٍ. وإيلاجُ اللَّيْلِ والنَّهارِ: إدْخالُ أحَدِهِما في الآخَرِ بِالتَّعْقِيبِ أوِ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وبِالعَكْسِ.
إنْشاءُ الحَيَواناتِ مِن مَوادِّها وإماتَتِها، أوْ إنْشاءُ الحَيَوانِ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةِ مِنهُ. وقِيلَ: إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ والكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ "المَيْتِ" بِالتَّخْفِيفِ.
آل عمران 3:28
﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ نُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ لِقَرابَةٍ وصَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ ونَحْوِهِما، حَتّى لا يَكُونَ حُبُّهم وبُغْضُهم إلّا في اللَّهِ، أوْ عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِهِمْ في الغَزْوِ وسائِرِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُوالاةِ، وأنَّ في مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةً عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ اتِّخاذُهم أوْلِياءَ. فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، أيْ مِن وِلايَتِهِ في شَيْءٍ يَصِحُّ أنْ يُسَمّى وِلايَةً، فَإنَّ مُوالاتَيِ المُتَعادِيَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ قالَ:
؎ تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوَكُ عَنْكَ بِعازِبِ
﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ إلّا أنْ تَخافُوا مِن جِهَتِهِمْ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، أوِ اتِّقاءً. والفِعْلُ مُعَدًّى بِمَن لِأنَّهُ في مَعْنى تَحْذَرُوا وتَخافُوا. وقَرَأيَعْقُوبُ «تَقِيَّةً» . مُنِعَ عَنْ مُوالاتِهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا في الأوْقاتِ كُلِّها إلّا وقْتَ المَخافَةِ، فَإنَّ إظْهارَ المُوالاةِ حِينَئِذٍ جائِزٌ كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: كُنْ وسَطًا وامْشِ جانِبًا. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَلا تَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ بِمُخالَفَةِ أحْكامِهِ ومُوالاةِ أعْدائِهِ، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي النَّهْيِ في القُبْحِ وذِكْرِ النَّفْسِ، لِيَعْلَمَ أنَّ المُحَذَّرَ مِنهُ عِقابٌ يَصْدُرُ مِنهُ تَعالى فَلا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يَحْذَرُ مِنَ الكَفَرَةِ.
آل عمران 3:29
﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أيْ أنَّهُ يَعْلَمُ ضَمائِرَكم مِن وِلايَةِ الكُفّارِ وغَيْرِها إنْ تُخْفُوها أوْ تُبْدُوها. ﴿وَيَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَيَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكم. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى عُقُوبَتِكم إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ. والآيَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وكَأنَّهُ قالَ ويُحَذِّرُكم نَفْسَهُ لِأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ مُحِيطٍ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، وقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ تَعُمُّ المَقْدُوراتِ بِأسْرِها، فَلا تَجْسُرُوا عَلى عِصْيانِهِ إذْ ما مِن مَعْصِيَةٍ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْها قادِرٌ عَلى العِقابِ بِها.
آل عمران 3:30
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ يَوْمٌ مَنصُوبٌ بِتَوَدُّ أيْ تَتَمَنّى كُلُّ نَفْسٍ يَوْمَ تَجِدُ صَحائِفَ أعْمالِها، أوْ جَزاءَ أعْمالِها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ حاضِرَةً لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا، أوْ بِمُضْمَرٍ نَحْوَ اذْكُرْ، وتَوَدُّ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَمِلَتْ أوْ خَبَرٌ لِما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ وتَجِدُ مَقْصُورٌ عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، ولا تَكُونُ ما شَرْطِيَّةً لِارْتِفاعِ تَوَدُّ. وقُرِئَ «وَدَّتْ» وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً ولَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الخَبَرِ أوْقَعُ مَعْنًى لِأنَّهُ حِكايَةُ (p-13)
كائِنٍ وأوْفَقُ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إنَّما نَهاهم وحَذَّرَهم رَأْفَةً بِهِمْ ومُراعاةً لِصَلاحِهِمْ، أوْ أنَّهُ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ فَتُرْجى رَحْمَتُهُ ويُخْشى عَذابُهُ.
آل عمران 3:31
﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ المَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ لِكَمالٍ أدْرَكَتْهُ فِيهِ، بِحَيْثُ يَحْمِلُها عَلى ما يُقَرِّبُها إلَيْهِ، والعَبْدُ إذا عَلِمَ أنَّ الكَمالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَراهُ كَمالًا مِن نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَهو مِنَ اللَّهِ وبِاللَّهِ وإلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّهُ إلّا لِلَّهِ وفي اللَّهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إرادَةَ طاعَتِهِ والرَّغْبَةَ فِيما يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ بِإرادَةِ الطّاعَةِ وجُعِلَتْ مُسْتَلْزَمَةً لِاتِّباعِ الرَّسُولِ في عِبادَتِهِ والحِرْصِ عَلى مُطاوَعَتِهِ. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ أيْ يَرْضَ عَنْكم ويَكْشِفِ الحُجُبَ عَنْ قُلُوبِكم بِالتَّجاوُزِ عَمّا فَرَطَ مِنكم فَيُقَرِّبُكم مِن جَنابِ عِزِّهِ ويُبَوِّئُكم في جِوارِ قُدْسِهِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالمَحَبَّةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُقابَلَةِ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تَحَبَّبَ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ واتِّباعِ نَبِيِّهِ ﷺ.
رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَتِ اليَهُودُ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا قالُوا: إنَّما نَعْبُدُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ. وقِيلَ: في أقْوامٍ زَعَمُوا عَلى عَهْدِهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنَ العَمَلِ.
﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَحْتَمِلُ المُضِيَّ والمُضارَعَةَ بِمَعْنى فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ لا يَرْضى عَنْهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ لا يُحِبُّهم لِقَصْدِ العُمُومِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ، وإنَّهُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَنْفِي مَحَبَّةَ اللَّهِ وأنَّ مَحَبَّتَهُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
آل عمران 3:32
﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ المَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ لِكَمالٍ أدْرَكَتْهُ فِيهِ، بِحَيْثُ يَحْمِلُها عَلى ما يُقَرِّبُها إلَيْهِ، والعَبْدُ إذا عَلِمَ أنَّ الكَمالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَراهُ كَمالًا مِن نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَهو مِنَ اللَّهِ وبِاللَّهِ وإلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّهُ إلّا لِلَّهِ وفي اللَّهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إرادَةَ طاعَتِهِ والرَّغْبَةَ فِيما يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ بِإرادَةِ الطّاعَةِ وجُعِلَتْ مُسْتَلْزَمَةً لِاتِّباعِ الرَّسُولِ في عِبادَتِهِ والحِرْصِ عَلى مُطاوَعَتِهِ. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ أيْ يَرْضَ عَنْكم ويَكْشِفِ الحُجُبَ عَنْ قُلُوبِكم بِالتَّجاوُزِ عَمّا فَرَطَ مِنكم فَيُقَرِّبُكم مِن جَنابِ عِزِّهِ ويُبَوِّئُكم في جِوارِ قُدْسِهِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالمَحَبَّةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُقابَلَةِ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تَحَبَّبَ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ واتِّباعِ نَبِيِّهِ ﷺ.
رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَتِ اليَهُودُ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا قالُوا: إنَّما نَعْبُدُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ. وقِيلَ: في أقْوامٍ زَعَمُوا عَلى عَهْدِهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنَ العَمَلِ.
﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَحْتَمِلُ المُضِيَّ والمُضارَعَةَ بِمَعْنى فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ لا يَرْضى عَنْهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ لا يُحِبُّهم لِقَصْدِ العُمُومِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ، وإنَّهُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَنْفِي مَحَبَّةَ اللَّهِ وأنَّ مَحَبَّتَهُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
آل عمران 3:33
﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ بِالرِّسالَةِ والخَصائِصِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ، ولِذَلِكَ قَوُوا عَلى ما لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ غَيْرُهم. لِما أوْجَبَ طاعَةَ الرَّسُولِ وبَيَّنَ أنَّها الجالِبَةُ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ مَناقِبِهِمْ تَحْرِيضًا عَلَيْها، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، وآلُ إبْراهِيمَ، إسْماعِيلُ وإسْحاقُ وأوْلادُهُما. وقَدْ دَخَلَ فِيهِمُ الرَّسُولُ ﷺ، وآلُ عِمْرانَ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ، أوْ عِيسى وأُمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ بْنِ العازارِ بْنِ أبِي يُوذَ بْنِ يُوزَنَ بْنِ زُرْبابِلَ بْنِ سالِيانَ بْنِ يُوحَنّا بْنِ أُوشِيا بْنِ أمُونَ بْنِ مُنْشَكَنَ بْنِ حازِقا بْنِ أخازَ بْنِ يُوثامَ بْنِ عُوزَيا بْنِ يُورامَ بْنِ ساقِطَ بْنِ أيْشا بْنِ راجِعِيمَ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ أيْشِي بْنِ عُوبَدَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ ياعِزَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَمَيادَ بْنِ رامَ بْنِ حَصْرُومَ بْنِ فارِصَ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ وثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الآلَيْنِ أوْ مِنهُما ومِن نُوحٍ أيْ إنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقِيلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ. والذَّرِّيَّةُ الوَلَدُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعُ فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ أوْ فُعُولَةٌ مِنَ الذَّرْءِ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُها ياءً ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بِأقْوالِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ فَيَصْطَفِي مَن كانَ مُسْتَقِيمَ القَوْلِ والعَمَلِ، أوْ سَمِيعٌ بِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ عَلِيمٌ بِنِيَّتِها.
آل عمران 3:34
﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ بِالرِّسالَةِ والخَصائِصِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ، ولِذَلِكَ قَوُوا عَلى ما لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ غَيْرُهم. لِما أوْجَبَ طاعَةَ الرَّسُولِ وبَيَّنَ أنَّها الجالِبَةُ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ مَناقِبِهِمْ تَحْرِيضًا عَلَيْها، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، وآلُ إبْراهِيمَ، إسْماعِيلُ وإسْحاقُ وأوْلادُهُما. وقَدْ دَخَلَ فِيهِمُ الرَّسُولُ ﷺ، وآلُ عِمْرانَ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ، أوْ عِيسى وأُمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ بْنِ العازارِ بْنِ أبِي يُوذَ بْنِ يُوزَنَ بْنِ زُرْبابِلَ بْنِ سالِيانَ بْنِ يُوحَنّا بْنِ أُوشِيا بْنِ أمُونَ بْنِ مُنْشَكَنَ بْنِ حازِقا بْنِ أخازَ بْنِ يُوثامَ بْنِ عُوزَيا بْنِ يُورامَ بْنِ ساقِطَ بْنِ أيْشا بْنِ راجِعِيمَ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ أيْشِي بْنِ عُوبَدَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ ياعِزَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَمَيادَ بْنِ رامَ بْنِ حَصْرُومَ بْنِ فارِصَ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ وثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الآلَيْنِ أوْ مِنهُما ومِن نُوحٍ أيْ إنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقِيلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ. والذَّرِّيَّةُ الوَلَدُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعُ فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ أوْ فُعُولَةٌ مِنَ الذَّرْءِ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُها ياءً ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بِأقْوالِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ فَيَصْطَفِي مَن كانَ مُسْتَقِيمَ القَوْلِ والعَمَلِ، أوْ سَمِيعٌ بِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ عَلِيمٌ بِنِيَّتِها.
آل عمران 3:35
﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ فَيَنْتَصِبُ بِهِ إذْ عَلى التَّنازُعِ. وقِيلَ نَصْبُهُ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وهَذِهِ حِنَةُ بِنْتُ فاقُوذَ جَدَّةُ عِيسى، وكانَتْ لِعِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بِنْتٌ اسْمُها مَرْيَمَ أكْبَرَ مِن مُوسى وهارُونَ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ زَوْجَتُهُ ويَرُدُّهُ كَفالَةُ زَكَرِيّا فَإنَّهُ كانَ مُعاصِرًا لِابْنِ ماثانِ وتَزَوَّجَ بِنْتَهُ إيشاعَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ابْنَيْ خالَةٍ مِنَ الأبِ
رُوِيَ أنَّها كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ إذْ رَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخَهُ فَحَنَّتْ إلى الوَلَدِ وتَمَنَّتْهُ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَكُونُ مِن خَدَمِهِ، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ وهَلَكَ عِمْرانُ، وكانَ هَذا النَّذْرُ مَشْرُوعًا في عَهْدِهِمْ لِلْغِلْمانِ فَلَعَلَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ أوْ طَلَبَتْ ذَكَرًا ﴿مُحَرَّرًا﴾ مُعْتَقًا لِخِدْمَتِهِ لا أُشْغِلُهُ بِشَيْءٍ، أوْ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ما نَذَرْتُهُ. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ لِقَوْلِي ونِيَّتِي.
آل عمران 3:36
﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ الضَّمِيرُ لِما في بَطْنِها وتَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ كانَ أُنْثى، وجازَ انْتِصابُ أُنْثى حالًا عَنْهُ لِأنَّ تَأْنِيثَها عَلَمٌ مِنهُ فَإنَّ الحالَ وصاحِبَها بِالذّاتِ واحِدٌ. أوْ عَلى تَأْوِيلِ مُؤَنَّثٍ كالنَّفْسِ والحَبْلَةِ.
وَإنَّما قالَتْهُ تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا إلى رَبِّها لِأنَّها كانَتْ تَرْجُو أنْ تَلِدَ ذَكَرًا ولِذَلِكَ نَذَرَتْ تَحْرِيرَهُ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ. هو اسْتِئْنافٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لِمَوْضُوعِها وتَجْهِيلًا لَها بِشَأْنِها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ "وَضَعْتُ" عَلى أنَّهُ مِن كَلامِها تَسْلِيَةٌ لِنَفْسِها أيْ ولَعَلَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِ سِرًّا، أوِ الأُنْثى كانَتْ خَيْرًا. وقُرِئَ «وَضَعْتِ» عَلى أنَّهُ خِطابُ اللَّهِ تَعالى لَها. ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ أيْ ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ، واللّامُ فِيهِما لِلْعَهْدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِها بِمَعْنى ولَيْسَ الذَّكَرُ والأُنْثى سِيّانَ فِيما نَذَرَتْ فَتَكُونُ اللّامُ لِلْجِنْسِ. ﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَها مِن مَقالِها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنَّما ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَبِّها تَقَرُّبًا إلَيْهِ وطَلَبًا لِأنْ يَعْصِمَها ويُصْلِحَها حَتّى يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى: العابِدَةُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ مُتَغايِرَةٌ. ﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ أُجِيرُها بِحِفْظِكَ. ﴿وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ مِن مَسِّهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها»
. ومَعْناهُ أنَّ الشَّيْطانَ يَطْمَعُ في إغْواءِ كُلِّ مَوْلُودٍ يَتَأثَّرُ مِنهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُما بِبَرَكَةِ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ.
آل عمران 3:37
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ فَرَضِيَ بِها في النَّذْرِ مَكانَ الذَّكَرِ. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ بِوَجْهٍ حَسَنٍ يَقْبَلُ بِهِ النَّذائِرَ، وهو إقامَتُها مَقامَ الذَّكَرِ، أوْ تَسَلُّمُها عَقِيبِ وِلادَتِها قَبْلَ أنْ تَكْبُرَ وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ.
رُوِيَ أنَّ حِنَّةَ لَمّا ولَدَتْها لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمْلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ وقالَتْ: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، فَإنَّ بَنِي ماثانَ كانَتْ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم فَقالَ زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها فَأبَوْا إلّا القُرْعَةَ، وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ فانْطَلَقُوا إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهم فَطَفا قَلَمُ زَكَرِيّا ورَسَبَتْ أقْلامُهم فَتَكَفَّلَها زَكَرِيّا.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وأنْ يَكُونَ تَقَبَّلْ بِمَعْنى اسْتَقْبِلْ كَتَقَضّى وتَعَجَّلَ أيْ فَأخَذَها في أوَّلِ أمْرِها حِينَ وُلِدَتْ بِقَبُولٍ حَسَنٍ. ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ مَجازٌ عَنْ تَرْبِيَتِها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ شَدَّدَ الفاءَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وقَصَرُوا زَكَرِيّا (p-15)
غَيْرَ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى وزَكَرِيّا مَفْعُولٌ أيْ جَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها، وخَفَّفَ الباقُونَ. ومَدُّوا «زَكَرِيّاءَ» مَرْفُوعًا. ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ أيِ الغُرْفَةَ الَّتِي بُنِيَتْ لَها، أوِ المَسْجِدَ، أوْ أشْرَفَ مَواضِعِهِ ومُقَدَّمَها، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مَحِلُّ مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ كَأنَّها وُضِعَتْ في أشْرَفِ مَوْضِعٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ جَوابُ كُلَّما وناصِبُهُ.
رُوِيَ: أنَّهُ كانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها غَيْرُهُ وإذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ، وكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وبِالعَكْسِ. ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِّزْقُ الآتِي في غَيْرِ أوانِهِ والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ عَلَيْكِ، وهو دَلِيلُ جَوازِ الكَرامَةِ لِلْأوْلِياءِ. جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةَ زَكَرِيّا يَدْفَعُهُ اشْتِباهُ الأمْرِ عَلَيْهِ. ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَلا تَسْتَبْعِدُهُ. قِيلَ: تَكَلَّمَتْ صَغِيرَةً كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ وكانَ رِزْقُها يُنَزَّلُ عَلَيْها مِنَ الجَنَّةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ تَفَضُّلًا بِهِ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِما وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى.
رُوِيَ « (أنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَغِيفَيْنِ وبِضْعَةَ لَحْمٍ فَرَجَعَ بِها إلَيْها وقالَ: هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ، فَكَشَفَتْ عَنِ الطَّبَقِ فَإذا هو مَمْلُوءٌ خُبْزًا ولَحْمًا فَقالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا! فَقالَتْ: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ جَمَعَ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ وجَمَعَ أهْلَ بَيْتِهِ عَلَيْهِ حَتّى شَبِعُوا وبَقِيَ الطَّعامُ كَما هو فَأوْسَعَتْ عَلى جِيرانِها.»
آل عمران 3:38
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ، أوِ الوَقْتِ إذْ يُسْتَعارُ هُنا وثَمَّ وحَيْثُ لِلزَّمانِ، لِما رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ ومَنزِلَتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كَما وهَبْتَها لِحِنَّةَ العَجُوزِ العاقِرِ. وقِيلَ لَمّا رَأى الفَواكِهَ في غَيْرِ أوانِها انْتَبَهَ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ، فَسَألَ وقالَ: ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوُجُوهِ المُعْتادَةِ وبِالأسْبابِ المَعْهُودَةِ. ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ مُجِيبُهُ.
﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ. فَإنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلُ وحْدَهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فَناداهُ» بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ. ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ أيْ قائِمًا في الصَّلاةِ، و (يُصَلِّي صِفَةُ قائِمٍ أوْ خَبَرٌ أوْ حالٌ آخَرَ أوْ حالٌ عَنِ الضَّمِيرِ في "قائِمٌ". ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبَشِّرُكَ)، و (يَحْيى) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وإنْ جُعِلَ عَرَبِيًّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ ووَزْنِ الفِعْلِ. ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِأمْرِهِ تَعالى دُونَ أبٍ فَشابَهَ البِدْعِيّاتِ الَّتِي هي عالِمُ الأمْرِ، أوْ بِكِتابِ اللَّهِ، سُمِّيَ كَلِمَةً كَما قِيلَ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِقَصِيدَتِهِ. ﴿وَسَيِّدًا﴾ يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم وكانَ فائِقًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ في أنَّهُ ما هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ. ﴿وَحَصُورًا﴾ مُبالِغًا في حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ والمَلاهِي.
رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ.
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ناشِئًا مِنهم أوْ كائِنًا مِن عِدادِ مَن لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ولا صَغِيرَةً.
آل عمران 3:39
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ، أوِ الوَقْتِ إذْ يُسْتَعارُ هُنا وثَمَّ وحَيْثُ لِلزَّمانِ، لِما رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ ومَنزِلَتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كَما وهَبْتَها لِحِنَّةَ العَجُوزِ العاقِرِ. وقِيلَ لَمّا رَأى الفَواكِهَ في غَيْرِ أوانِها انْتَبَهَ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ، فَسَألَ وقالَ: ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوُجُوهِ المُعْتادَةِ وبِالأسْبابِ المَعْهُودَةِ. ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ مُجِيبُهُ.
﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ. فَإنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلُ وحْدَهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فَناداهُ» بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ. ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ أيْ قائِمًا في الصَّلاةِ، و (يُصَلِّي صِفَةُ قائِمٍ أوْ خَبَرٌ أوْ حالٌ آخَرَ أوْ حالٌ عَنِ الضَّمِيرِ في "قائِمٌ". ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبَشِّرُكَ)، و (يَحْيى) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وإنْ جُعِلَ عَرَبِيًّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ ووَزْنِ الفِعْلِ. ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِأمْرِهِ تَعالى دُونَ أبٍ فَشابَهَ البِدْعِيّاتِ الَّتِي هي عالِمُ الأمْرِ، أوْ بِكِتابِ اللَّهِ، سُمِّيَ كَلِمَةً كَما قِيلَ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِقَصِيدَتِهِ. ﴿وَسَيِّدًا﴾ يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم وكانَ فائِقًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ في أنَّهُ ما هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ. ﴿وَحَصُورًا﴾ مُبالِغًا في حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ والمَلاهِي.
رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ.
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ناشِئًا مِنهم أوْ كائِنًا مِن عِدادِ مَن لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ولا صَغِيرَةً.
آل عمران 3:40
﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةِ، أوِ اسْتِعْظامًا أوْ تَعَجُّبًا أوِ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-16)
حُدُوثِهِ. ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أدْرَكَنِي كِبَرُ السِّنِّ وأثَّرَ فِيَّ. وكانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ سَنَةً.
﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ لا تَلِدُ، مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ. ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ العَجائِبِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إنْشاءُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، أوْ كَما أنْتَ عَلَيْهِ وزَوْجُكَ مِنَ الكِبَرِ والعُقْرِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِ الوَلَدِ أوْ كَذَلِكَ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيِ اللَّهُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ أوْ كَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ.
آل عمران 3:41
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ عَلامَةً أعْرِفُ بِها الحَبَلَ لِأسْتَقْبِلَهُ بِالبَشاشَةِ والشُّكْرِ وتُزِيحُ مَشَقَّةَ الِانْتِظارِ. ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ لا تَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثًا، وإنَّما حَبْسُ لِسانِهِ عَنْ مُكالَمَتِهِمْ خاصَّةً لِيُخْلِصَ المُدَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ، قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ وكَأنَّهُ قالَ آيَتُكَ أنْ يُحْبَسَ لِسانُكَ إلّا عَنِ الشُّكْرِ وأحْسَنُ الجَوابِ ما اشْتُقَّ مِنَ السُّؤالِ. ﴿إلا رَمْزًا﴾ إشارَةٌ بِنَحْوِ يَدٍ أوْ رَأْسٍ، وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ ومِنهُ الرّامُوزُ لِلْبَحْرِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وقِيلَ مُتَّصِلٌ والمُرادُ بِالكَلامِ ما دَلَّ عَلى الضَّمِيرِ. وقُرِئَ «رَمَزًا» بِفَتْحَتَيْنِ كَخَدَمِ جَمْعُ رامِزٍ ورُمُزًا كَرُسُلٍ جَمْعُ رَمُوزٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ ومِنَ النّاسِ بِمَعْنى مُتَرامِزِينَ كَقَوْلِهِ:
؎ مَتى ما تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجِفُ ∗∗∗ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ في أيّامِ الحَبْسَةِ، وهو مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مُبَيِّنٌ لِلْغَرَضِ مِنهُ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِالكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ. ﴿وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ﴾ مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. وقِيلَ مِنَ العَصْرِ أوِ الغُرُوبِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ. ﴿والإبْكارِ﴾ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى الضُّحى. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ وأسْحارٍ.
آل عمران 3:42
﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ كَلَّمُوها شَفاهًا كَرامَةً لَها، ومَن أنْكَرَ الكَرامَةَ زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا أوْ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ الإجْماعَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَسْتَنْبِئِ امْرَأةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ وقِيلَ أُلْهِمُوها، والِاصْطِفاءُ الأوَّلُ تَقَبُّلُها مِن أُمِّها ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى وتَفْرِيغُها لِلْعِبادَةِ وإغْناؤُها بِرِزْقِ الجَنَّةِ عَنِ الكَسْبِ وتَطْهِيرُها عَمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ. والثّانِي هِدايَتُها وإرْسالُ المَلائِكَةِ إلَيْها، وتَخْصِيصُها بِالكَراماتِ السِّنِّيَّةِ كالوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ وتَبْرِئَتُها مِمّا قَذَفَتْها بِهِ اليَهُودُ بِإنْطاقِ الطِّفْلِ وجَعْلِها وابْنِها آيَةً لِلْعالَمِينَ.
﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في المُحافَظَةِ عَلَيْها، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ إمّا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في شَرِيعَتِهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، أوْ لِيَقْتَرِنِ ارْكَعِي بِالرّاكِعِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ. وقِيلَ المُرادُ بِالقُنُوتِ إدامَةُ الطّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ وبِالسُّجُودِ الصَّلاةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾ وبِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والإخْباتُ.
آل عمران 3:43
﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ كَلَّمُوها شَفاهًا كَرامَةً لَها، ومَن أنْكَرَ الكَرامَةَ زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا أوْ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ الإجْماعَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَسْتَنْبِئِ امْرَأةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ وقِيلَ أُلْهِمُوها، والِاصْطِفاءُ الأوَّلُ تَقَبُّلُها مِن أُمِّها ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى وتَفْرِيغُها لِلْعِبادَةِ وإغْناؤُها بِرِزْقِ الجَنَّةِ عَنِ الكَسْبِ وتَطْهِيرُها عَمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ. والثّانِي هِدايَتُها وإرْسالُ المَلائِكَةِ إلَيْها، وتَخْصِيصُها بِالكَراماتِ السِّنِّيَّةِ كالوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ وتَبْرِئَتُها مِمّا قَذَفَتْها بِهِ اليَهُودُ بِإنْطاقِ الطِّفْلِ وجَعْلِها وابْنِها آيَةً لِلْعالَمِينَ.
﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في المُحافَظَةِ عَلَيْها، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ إمّا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في شَرِيعَتِهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، أوْ لِيَقْتَرِنِ ارْكَعِي بِالرّاكِعِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ. وقِيلَ المُرادُ بِالقُنُوتِ إدامَةُ الطّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ وبِالسُّجُودِ الصَّلاةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾ وبِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والإخْباتُ.
آل عمران 3:44
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ أيْ ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَصِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْها إلّا بِالوَحْيِ.
﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ أقْداحَهم لِلِاقْتِراعِ. وقِيلَ اقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ تَبَرُّكًا، والمُرادُ تَقْرِيرُ كَوْنِهِ وحْيًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ، فَإنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الوَقائِعِ المُشاهَدَةُ والسَّماعُ، وعَدَمُ السَّماعِ مَعْلُومٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَهم فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ الِاتِّهامُ بِاحْتِمالِ العَيانِ ولا يَظُنُّ بِهِ عاقِلٌ. ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ "يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ" أيْ يُلْقُونَها لِيَعْلَمُوا، أوْ يَقُولُوا أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ تَنافُسًا في كَفالَتِها.
آل عمران 3:45
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ قالَتِ الأُولى وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ عَلى أنَّ وُقُوعَ الِاخْتِصامِ والبِشارَةِ في زَمانٍ مُتَّسِعٍ كَقَوْلِكَ لَقِيتُهُ سَنَةَ كَذا. ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المَسِيحُ لَقَبُهُ وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالصِّدِّيقِ وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًا مَعْناهُ: المُبارَكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ واشْتِقاقُهُما مِنَ المَسْحِ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما طَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ مَسَحَ الأرْضَ ولَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ، أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ، ومِنَ العِيسِ وهو بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، تَكَلُّفٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، وابْنُ مَرْيَمَ لِما كانَ صِفَةً تُمَيِّزُ تَمْيِيزَ الأسْماءِ نُظِّمَتْ في سِلْكِها، ولا يُنافِي تَعَدُّدَ الخَبَرِ وإفْرادَ المُبْتَدَأِ فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضافٌ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ، فَإنَّ الِاسْمَ عَلامَةُ المُسَمّى والمُمَيِّزُ لَهُ مِمَّنْ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وابْنُ مَرْيَمَ صِفَتُهُ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ والخِطابُ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ إذِ الأوْلادُ تُنْسَبُ إلى الآباءِ ولا تُنْسَبُ إلى الأُمِّ إلّا إذا فُقِدَ الأبُ. ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن كَلِمَةٍ وهي وإنْ كانَتْ نَكِرَةٌ لَكِنَّها مَوْصُوفَةٌ وتَذْكِيرُهُ لِلْمَعْنى، والوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ أوْ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ.
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ.
والمَهْدُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمَهِّدُ لِلصَّبِيِّ في مَضْجَعِهِ. وقِيلَ إنَّهُ رُفِعَ شابًّا والمُرادُ وكَهْلًا بَعْدَ نُزُولِهِ، وذَكَرَ أحْوالَهُ المُخْتَلِفَةَ المُتَنافِيَةَ إرْشادًا إلى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حالٌ ثالِثٌ مِن كَلِمَةٍ أوْ ضَمِيرِها الَّذِي في يُكَلِّمُ.
آل عمران 3:46
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ قالَتِ الأُولى وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ عَلى أنَّ وُقُوعَ الِاخْتِصامِ والبِشارَةِ في زَمانٍ مُتَّسِعٍ كَقَوْلِكَ لَقِيتُهُ سَنَةَ كَذا. ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المَسِيحُ لَقَبُهُ وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالصِّدِّيقِ وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًا مَعْناهُ: المُبارَكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ واشْتِقاقُهُما مِنَ المَسْحِ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما طَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ مَسَحَ الأرْضَ ولَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ، أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ، ومِنَ العِيسِ وهو بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، تَكَلُّفٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، وابْنُ مَرْيَمَ لِما كانَ صِفَةً تُمَيِّزُ تَمْيِيزَ الأسْماءِ نُظِّمَتْ في سِلْكِها، ولا يُنافِي تَعَدُّدَ الخَبَرِ وإفْرادَ المُبْتَدَأِ فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضافٌ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ، فَإنَّ الِاسْمَ عَلامَةُ المُسَمّى والمُمَيِّزُ لَهُ مِمَّنْ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وابْنُ مَرْيَمَ صِفَتُهُ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ والخِطابُ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ إذِ الأوْلادُ تُنْسَبُ إلى الآباءِ ولا تُنْسَبُ إلى الأُمِّ إلّا إذا فُقِدَ الأبُ. ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن كَلِمَةٍ وهي وإنْ كانَتْ نَكِرَةٌ لَكِنَّها مَوْصُوفَةٌ وتَذْكِيرُهُ لِلْمَعْنى، والوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ أوْ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ.
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ.
والمَهْدُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمَهِّدُ لِلصَّبِيِّ في مَضْجَعِهِ. وقِيلَ إنَّهُ رُفِعَ شابًّا والمُرادُ وكَهْلًا بَعْدَ نُزُولِهِ، وذَكَرَ أحْوالَهُ المُخْتَلِفَةَ المُتَنافِيَةَ إرْشادًا إلى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حالٌ ثالِثٌ مِن كَلِمَةٍ أوْ ضَمِيرِها الَّذِي في يُكَلِّمُ.
آل عمران 3:47
﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ تَعَجُّبٌ، أوِ اسْتِبْعادٌ عادِيٌّ، أوِ اسْتِفْهامٌ عَنْ أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ. قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ القائِلُ جِبْرِيلُ، أوِ اللَّهُ تَعالى وجِبْرِيلُ حَكى لَها قَوْلَ اللَّهِ تَعالى. ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى كَما يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ مُدْرَجًا بِأسْبابٍ ومَوادَّ يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَها دُفْعَةً مِن غَيْرِ ذَلِكَ.
آل عمران 3:48
﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ذُكِرَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها وإزاحَةً لِما هَمَّها مِن خَوْفِ اللَّوْمِ لَمّا عَلِمَتْ أنَّها تَلِدُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى يُبَشِّرُكَ، أوْ وجِيهًا والكِتابُ الكَتَبَةُ أوْ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ. وخُصَّ الكِتابانِ لِفَضْلِهِما. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويُعَلِّمُهُ بِالياءِ.
﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ:
وَيَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى النُّطْقِ فَكَأنَّهُ قالَ:
وَناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، وتَخْصِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ لِخُصُوصِ بِعْثَتِهِ إلَيْهِمْ أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ. ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ نُصِبَ بَدَلٌ مِن أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ جُرَّ بَدَلٌ مِن آيَةٍ، أوْ رُفِعَ عَلى هي أنِّي أخْلُقُ لَكم والمَعْنى: أُقَدِّرُ لَكم وأُصَوِّرُ شَيْئًا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ، وقَرَأ نافِعٌ إنّى بِالكَسْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ الضَّمِيرُ لِلْكافِ أيْ في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ. ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَيَصِيرُ حَيًّا طَيّارًا بِأمْرِ اللَّهِ، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي المائِدَةِ «طائِرًا» بِالألِفِ والهَمْزَةِ. ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾ الأكْمَهُ الَّذِي وُلِدَ أعْمى أوِ المَمْسُوحُ العَيْنِ.
رُوِيَ: أنَّ رُبَّما كانَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يُداوِي إلّا بِالدُّعاءِ. ﴿وَأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ بِإذْنِ اللَّهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ الإحْياءَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأفْعالِ البَشَرِيَّةِ. ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ بِالمُغَيَّباتِ مِن أحْوالِكُمُ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُوَفَّقِينَ لِلْإيمانِ فَإنَّ غَيْرَهم لا يَنْتَفِعُ بِالمُعْجِزاتِ، أوْ مُصَدِّقِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُعانِدِينَ.
آل عمران 3:49
﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ذُكِرَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها وإزاحَةً لِما هَمَّها مِن خَوْفِ اللَّوْمِ لَمّا عَلِمَتْ أنَّها تَلِدُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى يُبَشِّرُكَ، أوْ وجِيهًا والكِتابُ الكَتَبَةُ أوْ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ. وخُصَّ الكِتابانِ لِفَضْلِهِما. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويُعَلِّمُهُ بِالياءِ.
﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ:
وَيَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى النُّطْقِ فَكَأنَّهُ قالَ:
وَناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، وتَخْصِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ لِخُصُوصِ بِعْثَتِهِ إلَيْهِمْ أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ. ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ نُصِبَ بَدَلٌ مِن أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ جُرَّ بَدَلٌ مِن آيَةٍ، أوْ رُفِعَ عَلى هي أنِّي أخْلُقُ لَكم والمَعْنى: أُقَدِّرُ لَكم وأُصَوِّرُ شَيْئًا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ، وقَرَأ نافِعٌ إنّى بِالكَسْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ الضَّمِيرُ لِلْكافِ أيْ في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ. ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَيَصِيرُ حَيًّا طَيّارًا بِأمْرِ اللَّهِ، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي المائِدَةِ «طائِرًا» بِالألِفِ والهَمْزَةِ. ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾ الأكْمَهُ الَّذِي وُلِدَ أعْمى أوِ المَمْسُوحُ العَيْنِ.
رُوِيَ: أنَّ رُبَّما كانَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يُداوِي إلّا بِالدُّعاءِ. ﴿وَأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ بِإذْنِ اللَّهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ الإحْياءَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأفْعالِ البَشَرِيَّةِ. ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ بِالمُغَيَّباتِ مِن أحْوالِكُمُ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُوَفَّقِينَ لِلْإيمانِ فَإنَّ غَيْرَهم لا يَنْتَفِعُ بِالمُعْجِزاتِ، أوْ مُصَدِّقِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُعانِدِينَ.
آل عمران 3:50
﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عُطِفَ عَلى رَسُولًا عَلى الوَجْهَيْنِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَدْ جِئْتُكم أيْ وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ﴾ مُقَدَّرٌ بِإضْمارِهِ، أوْ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى مُصَدِّقًا كَقَوْلِهِمْ جِئْتُكَ مُعْتَذِرًا ولِأُطَيِّبَ قَلْبَكَ. ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالشُّحُومِ والثُّرُوبِ والسَّمَكِ ولُحُومِ الإبِلِ والعَمَلِ في السَّبْتِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَهُ كانَ ناسِخًا لِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ، كَما لا يَعُودُ نَسْخُ القُرْآنِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ عَلَيْهِ بِتَناقُضٍ وتَكاذُبٍ، فَإنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بَيانٌ وتَخْصِيصٌ في الأزْمانِ ﴿وَجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾
آل عمران 3:51
﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ جِئْتُكم بِآيَةٍ أُخْرى ألْهَمَنِيها رَبُّكم وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ فَإنَّهُ دَعْوَةُ الحَقِّ المُجْمَعُ عَلَيْها فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ الفارِقَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ والسّاحِرِ، أوْ جِئْتُكم بِآيَةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ اعْتِراضٌ والظّاهِرُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى مِمّا ذَكَرْتُ لَكُمْ، والأوَّلُ لِتَمْهِيدِ الحُجَّةِ والثّانِي لِتَقْرِيبِها إلى الحُكْمِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ لِما جِئْتُكم بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ والآياتِ الباهِرَةِ فاتَّقُوا اللَّهَ في المُخالَفَةِ وأطِيعُونِ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ، ثُمَّ شَرَعَ في الدَّعْوَةِ وأشارَ إلَيْها بِالقَوْلِ المُجْمَلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي (p-19)وَرَبُّكُمْ، إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي غايَتُهُ التَّوْحِيدُ، وقالَ: فاعْبُدُوهُ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ فَإنَّهُ بِمُلازَمَةِ الطّاعَةِ الَّتِي هي الإتْيانُ بِالأوامِرِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَناهِي، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الطَّرِيقُ المَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»
آل عمران 3:52
﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ تَحَقَّقَ كُفْرُهم عِنْدَهُ تَحَقُّقَ ما يُدْرَكُ بِالحَواسِّ. ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ مُلْتَجِئًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ ذاهِبًا أوْ ضامًّا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُ بِ أنْصارِي مُضَمَّنًا مَعْنى الإضافَةِ، أيْ مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ تَعالى في نَصْرِي. وقِيلَ "إلى" هاهُنا بِمَعْنى (مَعَ) أوْ (فِي) أوِ (اللّامِ) .
﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ حَوارِيُّ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ الخالِصُ، ومِنهُ الحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ لِخُلُوصِ ألْوانِهِنَّ. سُمِّيَ بِهِ أصْحابُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِمْ ونَقاءِ سَرِيرَتِهِمْ. وقِيلَ كانُوا مُلُوكًا يَلْبَسُونَ البِيضَ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِّيابَ أيْ يُبَيِّضُونَها. ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ. ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ لِتَشْهَدَ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَشْهَدُ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ.
آل عمران 3:53
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِوَحْدانِيَّتِكَ، أوْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأتْباعِهِمْ، أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم شُهَداءُ عَلى النّاسِ.
﴿وَمَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ مِنَ اليَهُودِ بِأنْ وكَّلُوا عَلَيْهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً. ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ حِينَ رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْقى شُبَهَهُ عَلى مَن قَصَدَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. والمَكْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الأصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِها غَيْرُهُ إلى مُضِرَّةٍ لا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ والِازْدِواجِ. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أقْواهم مَكْرًا وأقْدَرُهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ.
آل عمران 3:54
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِوَحْدانِيَّتِكَ، أوْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأتْباعِهِمْ، أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم شُهَداءُ عَلى النّاسِ.
﴿وَمَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ مِنَ اليَهُودِ بِأنْ وكَّلُوا عَلَيْهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً. ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ حِينَ رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْقى شُبَهَهُ عَلى مَن قَصَدَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. والمَكْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الأصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِها غَيْرُهُ إلى مُضِرَّةٍ لا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ والِازْدِواجِ. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أقْواهم مَكْرًا وأقْدَرُهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ.
آل عمران 3:55
﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِ"مَكَرَ اللَّهُ" أوْ خَيْرُ الماكِرِينَ، أوْ لِمُضْمَرٍ مِثْلَ وقَعَ ذَلِكَ. ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أيْ مُسْتَوْفِي أجَلَكَ ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلِكَ المُسَمّى، عاصِمًا إيّاكَ مِن قَتْلِهِمْ، أوْ قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ مِن تَوَفَّيْتُ مالِي، أوْ مُتَوَفِّيكَ نائِمًا إذْ رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ نائِمًا، أوْ مُمِيتُكَ عَنِ الشَّهَواتِ العائِقَةِ عَنِ العُرُوجِ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ. وقِيلَ أماتَهُ اللَّهُ سَبْعَ ساعاتٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وإلَيْهِ ذَهَبَتِ النَّصارى. ﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ إلى مَحَلِّ كَرامَتِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ أوْ قَصْدِهِمْ ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ يُعاوِنُهم بِالحُجَّةِ أوِ السَّيْفِ في غالِبِ الأمْرِ، ومُتَّبِعُوهُ مَن آمَنَ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ والنَّصارى وإلى الآنِ لَمْ تُسْمَعْ غَلَبَةٌ لِلْيَهُودِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَتَّفِقْ لَهم مُلْكٌ ودَوْلَةٌ. ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن تَبِعَهُ ومَن كَفَرَ بِهِ، وغَلَّبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.(p-20)
آل عمران 3:56
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ " وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ وتَفْصِيلٌ لَهُ. وقَرَأ حَفْصٌ فَيُوَفِّيهِمْ بِالياءِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ.
آل عمران 3:57
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ " وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ وتَفْصِيلٌ لَهُ. وقَرَأ حَفْصٌ فَيُوَفِّيهِمْ بِالياءِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ.
آل عمران 3:58
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ونَتْلُوهُ حالًا عَلى أنَّ العامِلَ مَعْنى الإشارَةِ وأنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ وأنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ نَتْلُوهُ. ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ المُشْتَمِلِ عَلى الحُكْمِ، أوِ المُحْكَمِ المَمْنُوعِ عَنْ تَطَرُّقِ الخَلَلِ إلَيْهِ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ. وقِيلَ: اللَّوْحُ.
آل عمران 3:59
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إنَّ شَأْنَهُ الغَرِيبَ كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّمْثِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِما بِهِ الشَّبَهُ، وهو أنَّهُ خُلِقَ بِلا أبٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ بِلا أبٍ وأُمٍّ، شَبَّهَ حالَهُ بِما هو أغْرَبُ مِنهُ إفْحامًا لِلْخَصْمِ وقَطْعًا لِمَوادِّ الشُّبْهَةِ والمَعْنى خَلَقَ قالَبَهُ مِنَ التُّرابِ. ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أوْ قَدَّرَ تَكْوِينَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ كَوَّنَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَراخِي الخَبَرِ لا المُخْبَرِ. ﴿فَيَكُونُ﴾ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وقِيلَ الحَقُّ مُبْتَدَأٌ ومِن رَبِّكَ خَبَرُهُ أيِ الحَقُّ المَذْكُورُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ أوْ لِكُلِّ سامِعٍ.
آل عمران 3:60
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إنَّ شَأْنَهُ الغَرِيبَ كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّمْثِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِما بِهِ الشَّبَهُ، وهو أنَّهُ خُلِقَ بِلا أبٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ بِلا أبٍ وأُمٍّ، شَبَّهَ حالَهُ بِما هو أغْرَبُ مِنهُ إفْحامًا لِلْخَصْمِ وقَطْعًا لِمَوادِّ الشُّبْهَةِ والمَعْنى خَلَقَ قالَبَهُ مِنَ التُّرابِ. ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أوْ قَدَّرَ تَكْوِينَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ كَوَّنَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَراخِي الخَبَرِ لا المُخْبَرِ. ﴿فَيَكُونُ﴾ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وقِيلَ الحَقُّ مُبْتَدَأٌ ومِن رَبِّكَ خَبَرُهُ أيِ الحَقُّ المَذْكُورُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ أوْ لِكُلِّ سامِعٍ.
آل عمران 3:61
﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ مِنَ النَّصارى. ﴿فِيهِ﴾ في عِيسى. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ مِنَ البَيِّناتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ. ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ هَلُمُّوا بِالرَّأْيِ والعَزْمِ. ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم نَفْسَهُ وأعِزَّةَ أهْلِهِ وألْصَقَهم بِقَلْبِهِ إلى المُباهَلَةِ ويَحْمِلُ عَلَيْها، وإنَّما قَدَّمَهم عَلى الأنْفُسِ لِأنَّ الرَّجُلَ يُخاطِرُ بِنَفْسِهِ لَهم ويُحارِبُ دُونَهم. ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَباهَلْ بِأنْ نَلْعَنَ الكاذِبَ مِنّا. والبَهْلَةُ بِالضَّمِّ والفَتْحِ اللَّعْنَةُ وأصْلُهُ التَّرْكُ مِن قَوْلِهِمْ بَهَلْتُ النّاقَةَ إذا تَرَكْتَها بِلا صِرارٍ. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ عَطْفٌ فِيهِ بَيانٌ.
رُوِيَ «أنَّهم لَمّا دُعُوا إلى المُباهَلَةِ قالُوا حَتّى نَنْظُرَ فَلَمّا تَخالَوْا قالُوا لِلْعاقِبِ وكانَ ذا رَأْيِهِمْ: ما تَرى؟ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ نُبُوَّتَهُ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ في أمْرِ صاحِبِكم واللَّهِ ما باهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا إلّا هَلَكُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوا الرَّجُلَ وانْصَرِفُوا، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ غَدا مُحْتَضِنًا الحُسَيْنَ آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَلْفَها وهو يَقُولُ: إذا أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا، فَقالَ أُسْقُفُهم يا مَعْشَرَ النَّصارى إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا فَتَهْلِكُوا، فَأذْعَنُوا (p-21)لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَذَلُوا لَهُ الجِزْيَةَ ألْفَيْ حُلَّةٍ حَمْراءَ وثَلاثِينَ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَباهَلُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا، ولاسْتَأْصَلَ اللَّهُ نَجْرانَ وأهْلَهُ حَتّى الطَّيْرَ عَلى الشَّجَرِ.» وهو دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ وفَضْلِ مَن أتى بِهِمْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.
آل عمران 3:62
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ ما قُصَّ مِن نَبَأِ عِيسى ومَرْيَمَ. ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ بِجُمْلَتِها خَبَرُ إنَّ، أوْ هو فَصْلٌ يُفِيدُ أنَّ ما ذَكَرَهُ في شَأْنِ عِيسى ومَرْيَمَ حَقٌّ دُونَ ما ذَكَرُوهُ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ واللّامُ دَخَلَتْ فِيهِ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ، وأصْلُها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ صَرَّحَ فِيهِ بِ مِنِ المَزِيدَةِ لِلِاسْتِغْراقِ تَأْكِيدًا لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا أحَدَ سِواهُ يُساوِيهِ في القُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ لِيُشارِكَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الحُجَجِ والإعْراضَ عَنِ التَّوْحِيدِ، إفْسادٌ لِلدِّينِ والِاعْتِقادِ المُؤَدِّي إلى فَسادِ النَّفْسِ بَلْ وإلى فَسادِ العالَمِ.
آل عمران 3:63
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ ما قُصَّ مِن نَبَأِ عِيسى ومَرْيَمَ. ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ بِجُمْلَتِها خَبَرُ إنَّ، أوْ هو فَصْلٌ يُفِيدُ أنَّ ما ذَكَرَهُ في شَأْنِ عِيسى ومَرْيَمَ حَقٌّ دُونَ ما ذَكَرُوهُ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ واللّامُ دَخَلَتْ فِيهِ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ، وأصْلُها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ صَرَّحَ فِيهِ بِ مِنِ المَزِيدَةِ لِلِاسْتِغْراقِ تَأْكِيدًا لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا أحَدَ سِواهُ يُساوِيهِ في القُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ لِيُشارِكَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الحُجَجِ والإعْراضَ عَنِ التَّوْحِيدِ، إفْسادٌ لِلدِّينِ والِاعْتِقادِ المُؤَدِّي إلى فَسادِ النَّفْسِ بَلْ وإلى فَسادِ العالَمِ.
آل عمران 3:64
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ يَعُمُّ أهْلَ الكِتابَيْنِ. وقِيلَ يُرِيدُ بِهِ وفْدَ نَجْرانَ، أوْ يَهُودَ المَدِينَةِ. ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ لا يَخْتَلِفُ فِيها الرُّسُلُ والكُتُبُ ويُفَسِّرُها ما بَعْدَها. ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ أنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها. ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ ولا نَجْعَلَ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ.
﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ولا نَقُولُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا نُطِيعُ الأحْبارَ فِيما أحْدَثُوا مِنَ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ لِأنَّ كُلًّا مِنهم بَعْضُنا بَشَرٌ مِثْلُنا.
رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «ألَيْسَ يُحِلُّونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: هو ذاكَ».»
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ. ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ فاعْتَرِفُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، أوِ اعْتَرِفُوا بِأنَّكم كافِرُونَ بِما نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ وتَطابَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ.
(تَنْبِيهٌ: انْظُرْ إلى ما راعى في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ في الإرْشادِ وحُسْنِ التَّدَرُّجِ في الحِجاجِ بَيْنَ: أوَّلًا، أحْوالِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما تَعاوَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأطْوارِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، ثُمَّ ذِكْرُ ما يَحُلُّ عُقْدَتَهم ويُزِيحُ شُبْهَتَهُمْ، فَلَمّا رَأى عِنادَهم ولُجاجَهم دَعاهم إلى المُباهَلَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، ثُمَّ لَمّا أعْرَضُوا عَنْها وانْقادُوا بَعْضَ الِانْقِيادِ عادَ عَلَيْهِمْ بِالإرْشادِ وسَلَكَ طَرِيقًا أسْهَلَ وألْزَمَ بِأنْ دَعاهم إلى ما وافَقَ عَلَيْهِ عِيسى والإنْجِيلُ وسائِرُ الأنْبِياءِ والكُتُبِ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ أيْضًا عَلَيْهِمْ وعَلِمَ أنَّ الآياتِ والنُّذُرَ لا تُغْنِي عَنْهم أعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ.
آل عمران 3:65
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ تَنازَعَتِ اليَهُودُ (p-22)
والنَّصارى في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ مِنهم وتَرافَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ.
والمَعْنى أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ حَدَّثَتا بِنُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ إبْراهِيمُ قَبْلَ مُوسى بِألْفِ سَنَةٍ وعِيسى بِألْفَيْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِما. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَدْعُونَ المُحالَ.
آل عمران 3:66
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ ها حَرْفُ تَنْبِيهٍ نُبِّهُوا بِها عَلى حالِهِمُ الَّتِي غَفَلُوا عَنْها، وأنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ وحاجَجْتُمْ جُمْلَةٌ أُخْرى مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى. أيْ أنْتُمْ هَؤُلاءِ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم أنَّكم جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ مِمّا وجَدْتُمُوهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عِنادًا، أوْ تَدَّعُونَ وُرُودَهُ فِيهِ فَلِمَ تُجادِلُونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ ولا ذِكْرَ لَهُ في كِتابِكم مِن دِينِ إبْراهِيمَ. وقِيلَ هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ وحاجَجْتُمْ صِلَتُهُ. وقِيلَ ها أنْتُمْ أصْلُهُ أأنْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّعَجُّبِ مِن حَماقَتِهِمْ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ها أنْتُمْ حَيْثُ وقَعَ بِالمَدِّ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ووَرْشٌ أقَلُّ مَدًّا، وقُنْبُلٌ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الهاءِ والباقُونَ بِالمَدِّ والهَمْزِ، والبَزِّيُّ بِقَصْرِ المَدِّ عَلى أصْلِهِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما حاجَجْتُمْ فِيهِ.
﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وأنْتُمْ جاهِلُونَ بِهِ.
آل عمران 3:67
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضى ما قَرَّرَهُ مِنَ البُرْهانِ. ﴿وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ. ﴿مُسْلِمًا﴾ مُنْقادًا لِلَّهِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وإلّا لاشْتَرَكَ الإلْزامُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ ورَدٌّ لِادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ إنَّ أخَصَّهم بِهِ وأقْرَبَهم مِنهُ، مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ مِن أُمَّتِهِ. وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا لِمُوافَقَتِهِمْ لَهُ في أكْثَرِ ما شُرِعَ لَهم عَلى الأصالَةِ. وقُرِئَ والنَّبِيَّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الهاءِ في اتَّبَعُوهُ، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ. ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمُ الحُسْنى لِإيمانِهِمْ.
آل عمران 3:68
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضى ما قَرَّرَهُ مِنَ البُرْهانِ. ﴿وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ. ﴿مُسْلِمًا﴾ مُنْقادًا لِلَّهِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وإلّا لاشْتَرَكَ الإلْزامُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ ورَدٌّ لِادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ إنَّ أخَصَّهم بِهِ وأقْرَبَهم مِنهُ، مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ مِن أُمَّتِهِ. وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا لِمُوافَقَتِهِمْ لَهُ في أكْثَرِ ما شُرِعَ لَهم عَلى الأصالَةِ. وقُرِئَ والنَّبِيَّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الهاءِ في اتَّبَعُوهُ، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ. ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمُ الحُسْنى لِإيمانِهِمْ.
آل عمران 3:69
﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ و"لَوْ" بِمَعْنى أنْ. ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ وما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا عَلَيْهِمْ إذْ يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوْ ما يَضِلُّونَ إلّا أمْثالَهم. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ وِزْرَهُ واخْتِصاصَ ضَرَرِهِ بِهِمْ.
آل عمران 3:70
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بِما نَطَقَتْ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ودَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّها آياتُ اللَّهِ أوْ بِالقُرْآنِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ نَعْتَهُ في الكِتابَيْنِ أوْ تَعْلَمُونَ بِالمُعْجِزاتِ أنَّهُ حَقٌّ.
(p-23)﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ بِالتَّحْرِيفِ وإبْرازِ الباطِلِ في صُورَتِهِ، أوْ بِالتَّقْصِيرِ في التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما. وقُرِئَ «تُلَبِّسُونَ» بِالتَّشْدِيدِ و «تَلْبَسُونَ» بِفَتْحِ الباءِ أيْ تَلْبَسُونَ الحَقَّ مَعَ الباطِلِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».»
وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَعْتَهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ عالِمِينَ بِما تَكْتُمُونَهُ.
آل عمران 3:71
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بِما نَطَقَتْ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ودَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّها آياتُ اللَّهِ أوْ بِالقُرْآنِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ نَعْتَهُ في الكِتابَيْنِ أوْ تَعْلَمُونَ بِالمُعْجِزاتِ أنَّهُ حَقٌّ.
(p-23)﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ بِالتَّحْرِيفِ وإبْرازِ الباطِلِ في صُورَتِهِ، أوْ بِالتَّقْصِيرِ في التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما. وقُرِئَ «تُلَبِّسُونَ» بِالتَّشْدِيدِ و «تَلْبَسُونَ» بِفَتْحِ الباءِ أيْ تَلْبَسُونَ الحَقَّ مَعَ الباطِلِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».»
وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَعْتَهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ عالِمِينَ بِما تَكْتُمُونَهُ.
آل عمران 3:72
﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ أوَّلَ النَّهارِ. ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ واكْفُرُوا بِهِ آخِرَهُ لَعَلَّهم يَشُكُّونَ في دِينِهِمْ ظَنًّا بِأنَّكم رَجَعْتُمْ لِخَلَلٍ ظَهَرَ لَكُمْ، والمُرادُ بِالطّائِفَةِ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ قالا لِأصْحابِهِما لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ: آمِنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ ثُمَّ وصَلُّوا إلى الصَّخْرَةِ آخِرَهُ لَعَلَّهم يَقُولُونَ هم أعْلَمُ مِنّا وقَدْ رَجَعُوا فَيَرْجِعُونَ. وقِيلَ اثْنا عَشَرَ مِن أحْبارِ خَيْبَرَ تَقاوَلُوا بِأنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ أوَّلَ النَّهارِ ويَقُولُوا آخِرَهُ نَظَرْنا في كِتابِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا فَلَمْ نَجِدْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّعْتِ الَّذِي ورَدَ في التَّوْراةِ لَعَلَّ أصْحابَهُ يَشُكُّونَ فِيهِ.
آل عمران 3:73
﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ولا تُقِرُّوا عَنْ تَصْدِيقِ قَلْبٍ إلّا لِأهْلِ دِينِكُمْ، أوْ لا تُظْهِرُوا إيمانَكم وجْهَ النَّهارِ لِمَن كانَ عَلى دِينِكم فَإنَّ رُجُوعَهم أرْجى وأهَمُّ. ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ هو يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الإيمانِ ويُثْبِتُهُ عَلَيْهِ. ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ دَبَّرْتُمْ ذَلِكَ وقُلْتُمْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ، والمَعْنى أنَّ الحَسَدَ حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ أوْ بِلا تُؤْمِنُوا أيْ ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأشْياعِكُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلى المُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزِيدَ ثَباتُهم ولا إلى المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وقَوْلُهُ:
﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَيْدَهم لا يُجْدِي بِطائِلٍ، أوْ خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ هُدى اللَّهِ بَدَلٌ مِنَ الهُدى. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيعِ، تُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْ إلّا أنْ يُؤْتى أحَدٌ دَبَّرْتُمْ. وقُرِئَ «إنْ» عَلى أنَّها نافِيَةٌ فَيَكُونُ مِن كَلامِ الطّائِفَةِ أيْ ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وقُولُوا لَهم ما يُؤْتى ﴿أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ يُؤْتى عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ وعَلى الثّالِثِ مَعْناهُ: حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيَدْحَضُوا حُجَّتَكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، والواوُ ضَمِيرُ أحَدٍ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ. ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ.
آل عمران 3:74
﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ولا تُقِرُّوا عَنْ تَصْدِيقِ قَلْبٍ إلّا لِأهْلِ دِينِكُمْ، أوْ لا تُظْهِرُوا إيمانَكم وجْهَ النَّهارِ لِمَن كانَ عَلى دِينِكم فَإنَّ رُجُوعَهم أرْجى وأهَمُّ. ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ هو يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الإيمانِ ويُثْبِتُهُ عَلَيْهِ. ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ دَبَّرْتُمْ ذَلِكَ وقُلْتُمْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ، والمَعْنى أنَّ الحَسَدَ حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ أوْ بِلا تُؤْمِنُوا أيْ ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأشْياعِكُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلى المُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزِيدَ ثَباتُهم ولا إلى المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وقَوْلُهُ:
﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَيْدَهم لا يُجْدِي بِطائِلٍ، أوْ خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ هُدى اللَّهِ بَدَلٌ مِنَ الهُدى. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيعِ، تُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْ إلّا أنْ يُؤْتى أحَدٌ دَبَّرْتُمْ. وقُرِئَ «إنْ» عَلى أنَّها نافِيَةٌ فَيَكُونُ مِن كَلامِ الطّائِفَةِ أيْ ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وقُولُوا لَهم ما يُؤْتى ﴿أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ يُؤْتى عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ وعَلى الثّالِثِ مَعْناهُ: حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيَدْحَضُوا حُجَّتَكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، والواوُ ضَمِيرُ أحَدٍ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ. ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ.
آل عمران 3:75
﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا فَأدّاهُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ كَفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًا (p-24)
فَجَحَدَهُ. وقِيلَ المَأْمُونُونَ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمُ الأمانَةُ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الخِيانَةُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ولا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ بِإسْكانِ الهاءِ وقالُونَ بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الهاءِ وكَذا رُوِيَ عَنْ حَفْصٍ والباقُونَ بِإشْباعِ الكَسْرَةِ. ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ إلّا مُدَّةَ دَوامِكَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ مُبالِغًا في مُطالَبَتِهِ بِالتَّقاضِي والتَّرافُعِ وإقامَةِ البَيِّنَةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لا يُؤَدِّهِ. ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ. ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْنا في شَأْنِ مَن لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِنا، عِتابٌ وذَمٌّ. ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ ذَلِكَ ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا ظُلْمَ مَن خالَفَهم وقالُوا: لَمْ يُجْعَلْ لَهم في التَّوْراةِ حُرْمَةٌ. وقِيلَ عامَلَ اليَهُودُ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضُوهم فَقالُوا سَقَطَ حَقُّكم حَيْثُ تَرَكْتُمْ دِينَكم وزَعَمُوا أنَّهُ كَذَلِكَ في كِتابِهِمْ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ عِنْدَ نُزُولِها «كَذِبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمِي إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ».»
آل عمران 3:76
﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ أيْ بَلى عَلَيْهِمْ فِيهِمْ سَبِيلٌ. ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ بَلى مَسَدَّها، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِمَن أوْ لِلَّهِ وعُمُومُ المُتَّقِينَ نابَ عَنِ الرّاجِعِ مِنَ الجَزاءِ إلى مَن، وأشْعُرُ بِأنَّ التَّقْوى مَلاكُ الأمْرِ وهو يَعُمُّ الوَفاءَ وغَيْرَهُ مِن أداءِ الواجِباتِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي.
آل عمران 3:77
﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ يَسْتَبْدِلُونَ. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ والوَفاءِ بِالأماناتِ. ﴿وَأيْمانِهِمْ﴾ وبِما حَلَفُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ واللَّهِ لِنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنَنْصُرَنَّهُ، ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مَتاعَ الدُّنْيا. ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ بِما يَسُرُّهم أوْ بِشَيْءٍ أصْلًا، وأنَّ المَلائِكَةَ يَسْألُونَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ وآياتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَإنَّ مَن سَخِطَ عَلى غَيْرِهِ واسْتَهانَ بِهِ أعْرَضَ عَنْهُ وعَنِ التَّكَلُّمِ مَعَهُ والِالتِفاتِ نَحْوَهُ، كَما أنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِغَيْرِهِ يُقاوِلُهُ ويُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَلى ما فَعَلُوهُ. قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أحْبارٍ حَرَّفُوا التَّوْراةَ وبَدَّلُوا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وحُكْمَ الأماناتِ وغَيْرَهُما وأخَذُوا عَلى ذَلِكَ رَشْوَةً. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدِ اشْتَراها بِما لَمْ يَشْتَرِها بِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في تَرافُعٍ كانَ بَيْنَ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ويَهُودِيٍّ في بِئْرٍ أوْ أرْضٍ وتَوَجَّهَ الحَلِفُ عَلى اليَهُودِيِّ.
آل عمران 3:78
﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ كَكَعْبٍ ومالِكٍ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ. ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ يَفْتِلُونَها بِقِراءَتِهِ فَيُمِيلُونَها عَنِ المَنزِلِ إلى المُحَرَّفِ، أوْ يَعْطِفُونَها بِشِبْهِ الكِتابِ. وقُرِئَ «يَلْوُنَ» عَلى قَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفُها بِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُحَرَّفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَلْوُونَ. وقُرِئَ «لِيَحْسَبُوهُ» بِالياءِ والضَّمِيرُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ.
﴿وَيَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وما هو مِنَ الكِتابِ وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ وبَيانٌ لِأنَّهم (p-25)يَزْعُمُونَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا لا تَعْرِيضًا، أيْ لَيْسَ هو نازِلًا مِن عِنْدِهِ. وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَأْكِيدٌ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ والتَّعَمُّدِ فِيهِ.
آل عمران 3:79
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَكْذِيبٌ ورَدٌّ عَلى عَبْدِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقِيلَ « (أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ والسَّيِّدَ النَّجْرانِيَّ قالا: يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ وأنْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي فَنَزَلَتْ).»
وَقِيلَ: « (قالَ رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ. قالَ: لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ).» ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، والرَّبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ بِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كاللِّحْيانِي والرُّقْبانِيِّ وهو الكامِلُ في العِلْمِ والعَمَلِ. ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُعَلِّمِينَ الكِتابَ وبِسَبَبِ كَوْنِكم دارِسِينَ لَهُ، فَإنَّ فائِدَةَ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ والخَيْرِ لِلِاعْتِقادِ والعَمَلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ تَعْلَمُونَ بِمَعْنى عالِمِينَ. وقُرِئَ «تَدْرُسُونَ» مِنَ التَّدْرِيسِ وتَدْرُسُونَ مِن أدْرُسُ بِمَعْنى دَرَسَ كَأكْرَمَ وكَرَمَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ أيْضًا بِهَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَهُ عَلى النّاسِ.
آل عمران 3:80
﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ نَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى ثُمَّ يَقُولَ، وتَكُونُ لا مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ في قَوْلِهِ ما كانَ، أيْ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ ثُمَّ يَأْمُرُ النّاسَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ ويَأْمُرُ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، أوْ غَيْرَ مَزِيدَةٍ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْمُرَ بِعِبادَتِهِ ولا يَأْمُرَ بِاتِّخاذِ أكْفائِهِ أرْبابًا، بَلْ يَنْهى عَنْهُ وهو أدْنى مِنَ العِبادَةِ. ورَفَعَهُ الباقُونَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَحْتَمِلُ الحالَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَلى أصْلِهِ بِرِوايَةِ الدُّورِيِّ بِاخْتِلاسِ الضَّمِّ. ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ إنْكارٌ، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْبَشَرِ وقِيلَ لِلَّهِ.
﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ وهُمُ المُسْتَأْذِنُونَ لِأنْ يَسْجُدُوا لَهُ.
آل عمران 3:81
﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وإذا كانَ هَذا حُكْمَ الأنْبِياءِ كانَ الأُمَمُ بِهِ أوْلى. وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ واسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الأُمَمِ. وقِيلَ إضافَةُ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ الأنْبِياءُ عَلى أُمَمِهِمْ. وقِيلَ المُرادُ أوْلادُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، أوْ سَمّاهم نَبِيِّينَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلُ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، واللّامُ في لَما مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ، وما تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ ولَتُؤْمِنُنَّ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ وتَحْتَمِلُ الخَبَرِيَّةَ. وقَرَأ حَمْزَةُ «لِما» بِالكَسْرِ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ، ثُمَّ مَجِيءُ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ والمَعْنى أخَذَهُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ وجاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ. وقُرِئَ «لَمّا» بِمَعْنى حِينَ (p-26)آتَيْتُكُمْ، أوْ لَمِن أجْلِ ما آتَيْتُكم عَلى أنَّ أصْلَهُ لَمِن ما بِالإدْغامِ فَحَذَفَ إحْدى المِيماتِ الثَّلاثِ اسْتِثْقالًا. وقَرَأ نافِعٌ «آتَيْناكُمْ» بِالنُّونِ والألِفِ جَمِيعًا. ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُؤْصَرُ أيْ يُشَدُّ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَعِبَرٍ وعَبْرٍ أوْ جَمْعُ إصارٍ وهو ما يُشَدُّ بِهِ. ﴿قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ. وقِيلَ الخِطابُ فِيهِ لِلْمَلائِكَةِ. ﴿وَأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ وأنا أيْضًا عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم شاهِدٌ، وهو تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ.
آل عمران 3:82
﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ المِيثاقِ والتَّوْكِيدِ بِالإقْرارِ والشَّهادَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ.
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ والهَمْزَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُما لِلْإنْكارِ، أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والفِعْلُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ، وبِالتّاءِ عِنْدَ الباقِينَ عَلى تَقْدِيرِ وقُلْ لَهُ. ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أيْ طائِعِينَ بِالنَّظَرِ واتِّباعِ الحُجَّةِ، وكارِهِينَ بِالسَّيْفِ ومُعايِنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ كَنَتْقِ الجَبَلِ وإدْراكِ الغَرَقِ، والإشْرافِ عَلى المَوْتِ. أوْ مُخْتارِينَ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَمّا قَضى عَلَيْهِمْ ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.
آل عمران 3:83
﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ المِيثاقِ والتَّوْكِيدِ بِالإقْرارِ والشَّهادَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ.
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ والهَمْزَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُما لِلْإنْكارِ، أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والفِعْلُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ، وبِالتّاءِ عِنْدَ الباقِينَ عَلى تَقْدِيرِ وقُلْ لَهُ. ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أيْ طائِعِينَ بِالنَّظَرِ واتِّباعِ الحُجَّةِ، وكارِهِينَ بِالسَّيْفِ ومُعايِنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ كَنَتْقِ الجَبَلِ وإدْراكِ الغَرَقِ، والإشْرافِ عَلى المَوْتِ. أوْ مُخْتارِينَ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَمّا قَضى عَلَيْهِمْ ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.
آل عمران 3:84
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ ومُتابِعِيهِ بِالإيمانِ، والقُرْآنُ كَما هو مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ وأيْضًا المَنسُوبُ إلى واحِدٍ مِنَ الجَمْعِ قَدْ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، أوْ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُلُوكِ إجْلالًا لَهُ، والنُّزُولُ كَما يُعَدّى بِإلى لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ يُعَدّى بِعَلى لِأنَّهُ مِن فَوْقُ، وإنَّما قَدَّمَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المُنْزَلِ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ والعِيارُ عَلَيْهِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ أوْ مُخْلِصُونَ في عِبادَتِهِ.
آل عمران 3:85
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ أيْ غَيْرَ التَّوْحِيدِ والِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ. ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ، والمَعْنى أنَّ المُعْرِضَ عَنِ الإسْلامِ والطّالِبَ لِغَيْرِهِ فاقِدٌ لِلنَّفْعِ واقِعٌ في الخُسْرانِ بِإبْطالِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ غَيْرَهُ لَمْ يُقْبَلْ. والجَوابُ إنَّهُ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُغايِرُهُ لا قَبُولَ كُلِّ ما يُغايِرُهُ، ولَعَلَّ الدِّينَ أيْضًا لِلْأعْمالِ.
آل عمران 3:86
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ اسْتِبْعادٌ لِأنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ فَإنَّ الحائِدَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ ما وضُحَ لَهُ مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ بَعِيدٌ عَنِ الرَّشادِ. وقِيلَ نَفْيٌ وإنْكارٌ لَهُ وذَلِكَ (p-27)يَقْتَضِي أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَةُ المُرْتَدِّ، وشَهِدُوا عُطِفَ عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ ونَظِيرُهُ فَأصَّدَّقُ وأكُنْ، أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ مَن كَفَرُوا وهو عَلى الوَجْهَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإيمانِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإخْلالِ بِالنَّظَرِ ووَضَعَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ فَكَيْفَ مَن جاءَهُ الحَقُّ وعَرَفَهُ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ.
آل عمران 3:87
﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى نَفْيِ جَوازِ لَعْنِ غَيْرِهِمْ. ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الكُفْرِ مَمْنُوعُونَ عَنِ الهُدى مُؤَيَّسُونَ عَنِ الرَّحْمَةِ رَأْسًا بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالنّاسِ المُؤْمِنُونَ أوِ العُمُومُ فَإنَّ الكافِرَ أيْضًا يَلْعَنُ مُنْكِرَ الحَقِّ والمُرْتَدَّ عَنْهُ ولَكِنْ لا يَعْرِفُ الحَقَّ بِعَيْنِهِ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في اللَّعْنَةِ، أوِ العُقُوبَةِ، أوِ النّارِ وإنْ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُما لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما. ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
آل عمران 3:88
﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى نَفْيِ جَوازِ لَعْنِ غَيْرِهِمْ. ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الكُفْرِ مَمْنُوعُونَ عَنِ الهُدى مُؤَيَّسُونَ عَنِ الرَّحْمَةِ رَأْسًا بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالنّاسِ المُؤْمِنُونَ أوِ العُمُومُ فَإنَّ الكافِرَ أيْضًا يَلْعَنُ مُنْكِرَ الحَقِّ والمُرْتَدَّ عَنْهُ ولَكِنْ لا يَعْرِفُ الحَقَّ بِعَيْنِهِ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في اللَّعْنَةِ، أوِ العُقُوبَةِ، أوِ النّارِ وإنْ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُما لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما. ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
آل عمران 3:89
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ الِارْتِدادِ. ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ بِمَعْنى ودَخَلُوا في الصَّلاحِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ. ﴿رَحِيمٌ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوِيدٍ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ سَلُوا هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ الجُلاسُ بِالآيَةِ فَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ فَتابَ.
آل عمران 3:90
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ كاليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، أوْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ ما آمَنُوا بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالإصْرارِ والعِنادِ والطَّعْنِ فِيهِ والصَّدِّ عَنِ الإيمانِ ونَقْضِ المِيثاقِ، أوْ كَقَوْمٍ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِقَوْلِهِمْ نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ المَنُونِ أوْ نَرْجِعُ إلَيْهِ ونُنافِقُهُ بِإظْهارِهِ. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، أوْ لا يَتُوبُونَ إلّا إذا أشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ فَكُنِّيَ عَنْ عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ بِعَدَمِ قَبُولِها تَغْلِيظًا في شَأْنِهِمْ وإبْرازًا لِحالِهِمْ في صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ لِأنَّ تَوْبَتَهم لا تَكُونُ إلّا نِفاقًا لِارْتِدادِهِمْ وزِيادَةِ كُفْرِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ فِيهِ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ الثّابِتُونَ عَلى الضَّلالِ.
آل عمران 3:91
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ لِما كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ سَبَبًا لِامْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ أدْخَلَ الفاءَ ها هُنا لِلْإشْعارِ بِهِ، ومِلْءُ الشَّيْءِ ما يَمْلَؤُهُ. وذَهَبًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مِلْءٍ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ. ﴿وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوْ تَقَرَّبَ بِهِ في الدُّنْيا ولَوِ افْتَدى بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، أوِ المُرادُ ولَوِ افْتَدى (p-28)بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ والمِثْلُ يُحْذَفُ ويُرادُ كَثِيرًا لِأنَّ المِثْلَيْنِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ وإقْناطٌ لِأنَّ مَن لا يُقْبَلُ مِنهُ الفِداءُ رُبَّما يُعْفى عَنْهُ تَكَرُّمًا ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ في دَفْعِ العَذابِ ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.
آل عمران 3:92
﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ أيْ لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ الَّذِي هو كَمالُ الخَيْرِ، أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَةُ والرِّضى والجَنَّةُ. ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أيْ مِنَ المالِ، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ كَبَذْلِ الجاهِ في مُعاوَنَةِ النّاسِ، والبَدَنِ في طاعَةِ اللَّهِ والمُهْجَةِ في سَبِيلِهِ.
رُوِيَ « (أنَّها لَمّا نَزَلَتْ جاءَ أبُو طَلْحَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءُ فَضَعْها حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ: بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رابِحٌ أوْ رائِحٌ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ).» «وَجاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها فَقالَ: هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقالَ: زَيْدٌ إنَّما أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِها فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَها مِنكَ.»
أوْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إنْفاقَ أحَبِّ الأمْوالِ عَلى أقْرَبِ الأقارِبِ أفْضَلُ، وأنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الإنْفاقَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ. وقُرِئَ «بَعْضَ ما تُحِبُّونَ» وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ ويَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ مَحْبُوبٍ أوْ غَيْرِهِ ومِن لِبَيانِ ما. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ.
آل عمران 3:93
﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أيِ المَطْعُوماتِ والمُرادُ أكْلُها. ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ حَلالًا لَهُمْ، وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾ يَعْقُوبُ. ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ كَلُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها. وقِيلَ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّداوِي بِإشارَةِ الأطِبّاءِ. واحْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولِلْمانِعِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ فِيهِ فَهو كَتَحْرِيمِهِ ابْتِداءً. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِها مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا، وذَلِكَ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في دَعْوى البَراءَةِ مِمّا نَعى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَتَيْنِ، بِأنْ قالُوا لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومِن بَعْدِهِ حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَحَرُمَتْ عَلَيْنا كَما حَرُمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، وفي مَنعِ النَّسْخِ والطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوافَقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْلِيلِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أمْرٌ بِمُحاجَّتِهِمْ بِكِتابِهِمْ وتَبْكِيَتِهِمْ بِما فِيهِ مِن أنَّهُ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَهُ لَهم بُهِتُوا ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ يُخْرِجُوا التَّوْراةَ.» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ.
آل عمران 3:94
﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ابْتَدَعَهُ عَلى اللَّهِ بِزَعْمِهِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومَن قَبْلَهم. ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ لا يُنْصِفُونَ مِن أنْفُسِهِمْ ويُكابِرُونَ الحَقَّ بَعْدَ ما وضُحَ لَهم.
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمُ الكاذِبُونَ. ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ (p-29)حَنِيفًا﴾ أيْ مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، أوْ مِثْلُ مِلَّتِهِ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى التَّحْرِيفِ والمُكابَرَةِ لِتَسْوِيَةِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وألْزَمَتْكم تَحْرِيمَ طَيِّباتٍ أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ومَن تَبِعَهُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اتِّباعَهُ واجِبٌ في التَّوْحِيدِ الصَّرْفِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والتَّجَنُّبِ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وتَعْرِيضٌ بِشِرْكِ اليَهُودِ.
آل عمران 3:95
﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ابْتَدَعَهُ عَلى اللَّهِ بِزَعْمِهِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومَن قَبْلَهم. ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ لا يُنْصِفُونَ مِن أنْفُسِهِمْ ويُكابِرُونَ الحَقَّ بَعْدَ ما وضُحَ لَهم.
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمُ الكاذِبُونَ. ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ (p-29)حَنِيفًا﴾ أيْ مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، أوْ مِثْلُ مِلَّتِهِ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى التَّحْرِيفِ والمُكابَرَةِ لِتَسْوِيَةِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وألْزَمَتْكم تَحْرِيمَ طَيِّباتٍ أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ومَن تَبِعَهُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اتِّباعَهُ واجِبٌ في التَّوْحِيدِ الصَّرْفِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والتَّجَنُّبِ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وتَعْرِيضٌ بِشِرْكِ اليَهُودِ.
آل عمران 3:96
﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أيْ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًا لَهُمْ، والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، وهي لُغَةٌ في مَكَّةَ كالنَّبِيطِ والنَّمِيطِ، وأمْرٌ راتِبٌ وراتِمٌ ولازِبٌ ولازِمٌ، وقِيلَ هي مَوْضِعُ المَسْجِدِ. ومَكَّةُ البَلَدُ مِن بَكَّةَ إذا زَحَمَهُ، أوْ مِن بَكَّهُ إذا دَقَّهُ فَإنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ.
رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ. وسُئِلَ كَمْ بَيْنَهُما فَقالَ أرْبَعُونَ سَنَةً» . وقِيلَ أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ ثُمَّ هُدِمَ فَبَناهُ قَوْمٌ مِن جُرْهُمَ، ثُمَّ العَمالِقَةُ، ثُمَّ قُرَيْشٌ. وقِيلَ هو أوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ آدَمُ فانْطَمَسَ في الطُّوفانِ، ثُمَّ بَناهُ إبْراهِيمُ. وقِيلَ: كانَ في مَوْضِعِهِ قَبْلَ آدَمَ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ الضِّراحُ يَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، فَلَمّا أُهْبِطَ آدَمُ أُمِرَ بِأنْ يَحُجَّهُ ويَطُوفَ حَوْلَهُ ورُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ تَطُوفُ بِهِ مَلائِكَةُ السَّمَواتِ وهو لا يُلائِمُ ظاهِرَ الآيَةِ. وقِيلَ المُرادُ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ بِالشَّرَفِ لا بِالزَّمانِ. ﴿مُبارَكًا﴾ كَثِيرَ الخَيْرِ والنَّفْعِ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ واعْتَكَفَ دُونَهُ وطافَ حَوْلَهُ، حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ ﴿وَهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهُمْ، ولِأنَّ فِيهِ آياتٍ عَجِيبَةً كَما قالَ:
آل عمران 3:97
﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ كانْحِرافِ الطُّيُورِ عَنْ مُوازاةِ البَيْتِ عَلى مَدى الأعْصارِ، وأنَّ ضَوارِيَ السِّباعِ تُخالِطُ الصُّيُودَ في الحَرَمِ ولا تَتَعَرَّضُ لَها، وإنَّ كُلَّ جَبّارٍ قَصَدَهُ بِسُوءٍ قَهَرَهُ اللَّهُ كَأصْحابِ الفِيلِ. والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْهُدى، أوْ حالٌ أُخْرى. ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ خَبَرُهُ أيْ مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، أوْ بَدَلٌ مِن آياتٍ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقِيلَ عَطْفُ بَيانٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ أثَرُ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ وغَوْصُها فِيها إلى الكَعْبَيْنِ، وتَخْصِيصُها بِهَذِهِ الإلانَةِ مِن بَيْنَ الصِّخارِ وإبْقاؤُهُ دُونَ سائِرِ آثارِ الأنْبِياءِ وحِفْظِهِ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ أُلُوفُ سَنَةٍ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «آيَةٌ» بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ. وسَبَبُ هَذا الأثَرِ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ لِيَتَمَكَّنَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ. ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ شَرْطِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى مَقامٍ لِأنَّهُ في مَعْنى أمِنَ مَن دَخَلَهُ أيْ ومِنها أمْنُ مَن دَخَلَهُ، أوْ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ. اقْتَصَرَ بِذِكْرِهِما مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ وطَوى ذِكْرَ غَيْرِهِما كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِّيبُ والنِّساءُ وقُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ».»
لِأنَّ فِيها غِنْيَةً عَنْ غَيْرِها في الدّارَيْنِ بَقاءَ الأثَرِ مَدى الدَّهْرِ والأمْنَ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ، بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًا».» وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مَن لَزِمَهُ القَتْلُ بِرِدَّةٍ أوْ قَصاصٍ أوْ غَيْرِهِما والتَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ ولَكِنْ أُلْجِئَ إلى الخُرُوجِ. ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ قَصْدُهُ لِلزِّيارَةِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ حِجُّ بِالكَسْرِ وهو لُغَةُ نَجْدٍ. ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ مُخَصَّصٌ لَهُ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِطاعَةَ «بِالزّادِ والرّاحِلَةِ» وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّها بِالمالِ، ولِذَلِكَ أوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمَنِ إذا وجَدَ أُجْرَةَ مَن يَنُوبُ عَنْهُ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إنَّها بِالبَدَنِ فَيَجِبُ عَلى مَن قَدِرَ عَلى المَشْيِ والكَسْبِ في الطَّرِيقِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إنَّها (p-30)بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ لِلْبَيْتِ، أوِ الحَجِّ وكُلُّ ما أتى إلى الشَّيْءِ فَهو سَبِيلُهُ. ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وضَعَ كَفَرَ مَوْضِعَ مَن لَمْ يَحُجَّ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِهِ وتَغْلِيظًا عَلى تارِكِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا».»
وَقَدْ أُكِّدَ أمْرُ الحَجِّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوهٍ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وإبْرازِهِ في الصُّورَةِ الِاسْمِيَّةِ وإيرادِهِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ تَعالى في رِقابِ النّاسِ، وتَعْمِيمُ الحُكْمِ أوَّلًا ثُمَّ تَخْصِيصُهُ ثانِيًا فَإنَّهُ كَإيضاحٍ بَعْدَ إيهامٍ وتَثْنِيَةٍ وتَكْرِيرٍ لِلْمُرادِ، وتَسْمِيَةُ تَرْكِ الحَجِّ كُفْرًا مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الكَفَرَةِ، وذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ فَإنَّهُ في هَذا المَوْضِعِ مِمّا يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والخِذْلانِ وقَوْلُهُ: عَنِ العالَمِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِن مُبالَغَةِ التَّعْمِيمِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالبُرْهانِ والإشْعارِ بِعِظَمِ السُّخْطِ، لِأنَّهُ تَكْلِيفٌ شاقٌّ جامِعٌ بَيْنَ كَسْرِ النَّفْسِ وإتْعابِ البَدَنِ وصَرْفِ المالِ والتَّجَرُّدِ عَنِ الشَّهَواتِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ.
رُوِيَ « (أنَّهُ لَمّا نَزَلَ صَدْرُ الآيَةِ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرْبابَ المِلَلِ فَخَطَبَهم وقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا فَآمَنَتْ بِهِ مِلَّةٌ واحِدَةٌ وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ فَنَزَلَ ﴿وَمَن كَفَرَ﴾»
آل عمران 3:98
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِآياتِهِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيما يَدَّعِيهِ مِن وُجُوبِ الحَجِّ وغَيْرِهِ، وتَخْصِيصُ أهْلِ الكِتابِ بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ، لِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِالآياتِ أقْوى وأنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَهم كافِرُونَ بِهِما. ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ والحالُ أنَّهُ شَهِيدٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها لا يَنْفَعُكُمُ التَّحْرِيفُ والِاسْتِسْرارُ.
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ كَرَّرَ الخِطابَ والِاسْتِفْهامَ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ ونَفْيِ العُذْرِ لَهُمْ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقْبَحٌ في نَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِجْلابِ العَذابِ، وسَبِيلُ اللَّهِ في دِينِهِ الحَقُّ المَأْمُورُ بِسُلُوكِهِ وهو الإسْلامُ. قِيلَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ ويَحْرِشُونَ بَيْنَهم حَتّى أتَوُا الأوْسَ والخَزْرَجَ فَذَكَّرُوهم ما بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّعادِي والتَّحارُبِ لِيَعُودُوا لِمِثْلِهِ ويَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ. ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيْ باغِينَ طالِبِينَ لَها اعْوِجاجًا بِأنْ تَلْبِسُوا عَلى النّاسِ وتُوهِمُوا أنَّ فِيهِ عِوَجًا عَنِ الحَقِّ، بِمَنعِ النَّسْخِ وتَغْيِيرِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِهِما، أوْ بِأنْ تُحَرِّشُوا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ. ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ إنَّها سَبِيلُ اللَّهِ والصَّدُّ عَنْها ضَلالٌ وإضْلالٌ، أوْ أنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمّا كانَ المُنْكَرُ في الآيَةِ الأُولى كُفْرَهم وهم يَجْهَرُونَ بِهِ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ. ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآيَةِ صَدُّهم لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الإسْلامِ وكانُوا يُخْفُونَهُ ويَحْتالُونَ فِيهِ قالَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ.
آل عمران 3:99
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِآياتِهِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيما يَدَّعِيهِ مِن وُجُوبِ الحَجِّ وغَيْرِهِ، وتَخْصِيصُ أهْلِ الكِتابِ بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ، لِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِالآياتِ أقْوى وأنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَهم كافِرُونَ بِهِما. ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ والحالُ أنَّهُ شَهِيدٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها لا يَنْفَعُكُمُ التَّحْرِيفُ والِاسْتِسْرارُ.
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ كَرَّرَ الخِطابَ والِاسْتِفْهامَ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ ونَفْيِ العُذْرِ لَهُمْ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقْبَحٌ في نَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِجْلابِ العَذابِ، وسَبِيلُ اللَّهِ في دِينِهِ الحَقُّ المَأْمُورُ بِسُلُوكِهِ وهو الإسْلامُ. قِيلَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ ويَحْرِشُونَ بَيْنَهم حَتّى أتَوُا الأوْسَ والخَزْرَجَ فَذَكَّرُوهم ما بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّعادِي والتَّحارُبِ لِيَعُودُوا لِمِثْلِهِ ويَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ. ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيْ باغِينَ طالِبِينَ لَها اعْوِجاجًا بِأنْ تَلْبِسُوا عَلى النّاسِ وتُوهِمُوا أنَّ فِيهِ عِوَجًا عَنِ الحَقِّ، بِمَنعِ النَّسْخِ وتَغْيِيرِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِهِما، أوْ بِأنْ تُحَرِّشُوا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ. ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ إنَّها سَبِيلُ اللَّهِ والصَّدُّ عَنْها ضَلالٌ وإضْلالٌ، أوْ أنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمّا كانَ المُنْكَرُ في الآيَةِ الأُولى كُفْرَهم وهم يَجْهَرُونَ بِهِ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ. ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآيَةِ صَدُّهم لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الإسْلامِ وكانُوا يُخْفُونَهُ ويَحْتالُونَ فِيهِ قالَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ.
آل عمران 3:100
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ كانُوا جُلُوسًا يَتَحَدَّثُونَ، فَمَرَّ بِهِمْ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ فَغاظَهُ تَألُّفُهم واجْتِماعُهم فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ ويُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثَ ويَنْشُدَهم بَعْضَ ما قِيلَ فِيهِ، وكانَ الظُّفْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلْأوْسِ، فَفَعَلَ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَفاخَرُوا وتَغاضَبُوا وقالُوا السِّلاحَ السِّلاحَ، واجْتَمَعَ مَعَ القَبِيلَتَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ: وقالَ «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ أنْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» فَعَلِمُوا أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ مِن عَدُوِّهِمْ، فَألْقَوُا السِّلاحَ (p-31)واسْتَغْفَرُوا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وإنَّما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُخاطِبَ أهْلَ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ، وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ ويُكَلِّمَهم.
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ لِكُفْرِهِمْ في حالٍ اجْتَمَعَ لَهُمُ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلى الإيمانِ الصّارِفَةِ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ ومَن يَتَمَسَّكُ بِدِينِهِ أوْ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ في مَجامِعِ أُمُورِهِ. ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقَدِ اهْتَدى لا مَحالَةَ.
آل عمران 3:101
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ كانُوا جُلُوسًا يَتَحَدَّثُونَ، فَمَرَّ بِهِمْ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ فَغاظَهُ تَألُّفُهم واجْتِماعُهم فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ ويُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثَ ويَنْشُدَهم بَعْضَ ما قِيلَ فِيهِ، وكانَ الظُّفْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلْأوْسِ، فَفَعَلَ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَفاخَرُوا وتَغاضَبُوا وقالُوا السِّلاحَ السِّلاحَ، واجْتَمَعَ مَعَ القَبِيلَتَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ: وقالَ «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ أنْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» فَعَلِمُوا أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ مِن عَدُوِّهِمْ، فَألْقَوُا السِّلاحَ (p-31)واسْتَغْفَرُوا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وإنَّما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُخاطِبَ أهْلَ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ، وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ ويُكَلِّمَهم.
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ لِكُفْرِهِمْ في حالٍ اجْتَمَعَ لَهُمُ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلى الإيمانِ الصّارِفَةِ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ ومَن يَتَمَسَّكُ بِدِينِهِ أوْ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ في مَجامِعِ أُمُورِهِ. ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقَدِ اهْتَدى لا مَحالَةَ.
آل عمران 3:102
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ حَقَّ تَقْواهُ وما يَجِبُ مِنها، وهو اسْتِفْراغُ الوُسْعِ في القِيامِ بِالواجِبِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَحارِمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى. وقِيلَ هُوَ: أنْ تُنَزَّهُ الطّاعَةُ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْها وعَنْ تَوَقُّعِ المُجازاةِ عَلَيْها. وفي هَذا الأمْرِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ أهْلِ الكِتابِ، وأصْلُ تُقاةٍ وُقِيَةٌ فَقُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُؤَدَةٍ وتُخَمَةٍ والياءُ ألِفًا. ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ ولا تَكُونَنَّ عَلى حالٍ سِوى حالِ الإسْلامِ إذا أدْرَكَكُمُ المَوْتُ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ المُقَيَّدِ بِحالٍ أوْ غَيْرِها قَدْ يَتَوَجَّهُ بِالذّاتِ نَحْوَ الفِعْلِ تارَةً والقَيْدِ أُخْرى وقَدْ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ المَجْمُوعِ دُونَهُما وكَذَلِكَ النَّفْيُ.
آل عمران 3:103
﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ بِدِينِ الإسْلامِ، أوْ بِكِتابِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ».» اسْتَعارَ لَهُ الحَبْلَ مِن حَيْثُ إنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ مِنَ الرَّدى، كَما أنَّ التَّمَسُّكَ بِالحَبْلِ سَبَبٌ لِلسَّلامَةِ مِنَ التَّرَدِّي والوُثُوقُ بِهِ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ الِاعْتِصامُ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ. جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أيْ ولا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ بَيْنَكم كَأهْلِ الكِتابِ، أوْ لا تَتَفَرَّقُوا تَفَرُّقَكم في الجاهِلِيَّةِ يُحارِبُ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ التَّفَرُّقَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ. ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الهِدايَةُ والتَّوْفِيقُ لِلْإسْلامِ المُؤَدِّي إلى التَّآلُفِ وزَوالِ الغِلِّ. ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ في الجاهِلِيَّةِ مُتَقابِلِينَ. ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بِالإسْلامِ. ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ مُتَحابِّينَ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُخُوَّةِ في اللَّهِ. وقِيلَ كانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبَوَيْنِ فَوَقَعَ بَيْنَ أوْلادِهِما العَداوَةُ وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً حَتّى أطْفَأها اللَّهُ بِالإسْلامِ وألَّفَ بَيْنَهم بِرَسُولِهِ ﷺ. ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ مُشْفِينَ عَلى الوُقُوعِ في نارِ جَهَنَّمَ لِكُفْرِكُمْ، إذْ لَوْ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَوَقَعْتُمْ في النّارِ. ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ بِالإسْلامِ، والضَّمِيرُ لِلْحُفْرَةِ، أوْ لِلنّارِ، أوْ لِلشَّفا. وتَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّفَةِ فَإنَّ شَفا البِئْرِ وشَفَتَها طَرَفُها كالجانِبِ والجانِبَةِ، وأصْلُهُ شَفْوٌ فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا في المُذَكَّرِ وحُذِفَتْ في المُؤَنَّثِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ دَلائِلَهُ. ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ إرادَةُ ثَباتِكم عَلى الهُدى وازْدِيادُكم فِيهِ.
آل عمران 3:104
﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، ولِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ كُلُّ أحَدٍ إذْ لِلْمُتَصَدِّي لَهُ شُرُوطٌ لا يُشْتَرَطُ (p-32)
فِيها جَمِيعُ الأُمَّةِ كالعِلْمِ بِالأحْكامِ ومَراتِبِ الِاحْتِسابِ وكَيْفِيَّةِ إقامَتِها والتَّمَكُّنِ مِنَ القِيامِ بِها. خاطَبَ الجَمِيعَ وطَلَبَ فِعْلَ بَعْضِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى الكُلِّ حَتّى لَوْ تَرَكُوهُ رَأْسًا أثِمُوا جَمِيعًا ولَكِنْ يَسْقُطُ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ، وهَكَذا كُلُّ ما هو فَرْضُ كِفايَةٍ. أوْ لِلتَّبْيِينِ بِمَعْنى وكُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ والدُّعاءُ إلى الخَيْرِ يَعُمُّ الدُّعاءَ إلى ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ أوْ دُنْيَوِيٌّ، وعَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ المَخْصُوصُونَ بِكَمالِ الفَلاحِ.
وَرُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ مَن خَيْرُ النّاسِ فَقالَ: «آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ وأنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ وأتْقاهم لِلَّهِ وأوْصَلُهم لِلرَّحِمِ».» والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ يَكُونُ واجِبًا ومَندُوبًا عَلى حَسَبِ ما يُؤْمَرُ بِهِ. والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ واجِبٌ كُلُّهُ لِأنَّ جَمِيعَ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ حَرامٌ. والأظْهَرُ أنَّ العاصِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَنْهى عَمّا يَرْتَكِبُهُ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وإنْكارُهُ فَلا يَسْقُطُ بِتَرْكِ أحَدِهِما وُجُوبُ الآخَرِ.
آل عمران 3:105
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ كاليَهُودِ والنَّصارى اخْتَلَفُوا في التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وأحْوالِ الآخِرَةِ عَلى ما عُرِفَتْ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ الآياتُ والحُجَجُ المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ المُوجِبَةُ لِلِاتِّفاقِ عَلَيْهِ. والأظْهَرُ أنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِالتَّفَرُّقِ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» .
وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنِ اجْتَهَدَ فَأصابَ فَلَهُ أجْرانِ ومَن أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ»
. ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلَّذِينِ تَفَرَّقُوا وتَهْدِيدٌ عَلى التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
آل عمران 3:106
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ نُصِبَ بِما في لَهم مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. وبَياضُ الوَجْهِ وسَوادُهُ كِنايَتانِ عَنْ ظُهُورِ بَهْجَةِ السُّرُورِ وكَآبَةِ الخَوْفِ فِيهِ. وقِيلَ يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ والصَّحِيفَةِ وإشْراقِ البَشَرَةِ وسَعْيِ النُّورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ، وأهْلُ الباطِلِ بِأضْدادِ ذَلِكَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ فَيُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وهُمُ المُرْتَدُّونَ أوْ أهْلُ الكِتابِ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، أوْ جَمِيعُ الكُفّارِ كَفَرُوا بَعْدَ ما أقَرُّوا بِهِ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ تَمَكَّنُوا مِنَ الإيمانِ بِالنَّظَرِ في الدَّلائِلِ والآياتِ. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أمْرُ إهانَةٍ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم أوْ جَزاءً لِكُفْرِكم.
﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ والثَّوابَ المُخَلَّدَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمْرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، وكانَ حَقُّ التَّرْتِيبِ أنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُهم لَكِنْ قَصَدَ أنْ يَكُونَ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ حِلْيَةَ المُؤْمِنِينَ وثَوابَهم. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها؟ فَقالَ هم فِيها خالِدُونَ.
آل عمران 3:107
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ نُصِبَ بِما في لَهم مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. وبَياضُ الوَجْهِ وسَوادُهُ كِنايَتانِ عَنْ ظُهُورِ بَهْجَةِ السُّرُورِ وكَآبَةِ الخَوْفِ فِيهِ. وقِيلَ يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ والصَّحِيفَةِ وإشْراقِ البَشَرَةِ وسَعْيِ النُّورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ، وأهْلُ الباطِلِ بِأضْدادِ ذَلِكَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ فَيُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وهُمُ المُرْتَدُّونَ أوْ أهْلُ الكِتابِ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، أوْ جَمِيعُ الكُفّارِ كَفَرُوا بَعْدَ ما أقَرُّوا بِهِ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ تَمَكَّنُوا مِنَ الإيمانِ بِالنَّظَرِ في الدَّلائِلِ والآياتِ. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أمْرُ إهانَةٍ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم أوْ جَزاءً لِكُفْرِكم.
﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ والثَّوابَ المُخَلَّدَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمْرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، وكانَ حَقُّ التَّرْتِيبِ أنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُهم لَكِنْ قَصَدَ أنْ يَكُونَ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ حِلْيَةَ المُؤْمِنِينَ وثَوابَهم. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها؟ فَقالَ هم فِيها خالِدُونَ.
آل عمران 3:108
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ الوارِدَةُ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ لا شُبْهَةَ فِيها. ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ إذْ يَسْتَحِيلُ الظُّلْمُ مِنهُ لِأنَّهُ لا يَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيَظْلِمُ بِنَقْصِهِ، ولا يَمْنَعُ عَنْ شَيْءٍ فَيَظْلِمُ بِفِعْلِهِ، لِأنَّهُ المالِكُ عَلى الإطْلاقِ كَما قالَ. (p-33)
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِما وعَدَ لَهُ وأوْعَدَ.
آل عمران 3:109
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ الوارِدَةُ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ لا شُبْهَةَ فِيها. ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ إذْ يَسْتَحِيلُ الظُّلْمُ مِنهُ لِأنَّهُ لا يَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيَظْلِمُ بِنَقْصِهِ، ولا يَمْنَعُ عَنْ شَيْءٍ فَيَظْلِمُ بِفِعْلِهِ، لِأنَّهُ المالِكُ عَلى الإطْلاقِ كَما قالَ. (p-33)
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِما وعَدَ لَهُ وأوْعَدَ.
آل عمران 3:110
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ دَلَّ عَلى خَيْرِيَّتِهِمْ فِيما مَضى ولَمْ يَدُلُّ عَلى انْقِطاعٍ طَرَأ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقِيلَ كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمِينَ. ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أيْ أُظْهِرَتْ لَهم. ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهم خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِكُنْتُمْ. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، لِأنَّ الإيمانَ بِهِ إنَّما يَحِقُّ ويُعْتَدُّ بِهِ إذا حَصَلَ الإيمانُ بِكُلِّ ما أمَرَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، وإنَّما أخَّرَهُ وحَقُّهُ أنْ يُقَدَّمَ لِأنَّهُ قَصَدَ بِذِكْرِهِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهم أمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ إيمانًا بِاللَّهِ وتَصْدِيقًا بِهِ وإظْهارًا لِدِينِهِ، واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ لِأنَّها تَقْتَضِي كَوْنَهم آمِرِينَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وناهِينَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، إذِ اللّامُ فِيهِما لِلِاسْتِغْراقِ فَلَوْ أجْمَعُوا عَلى باطِلٍ كانَ أمْرُهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ. ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ إيمانًا كَما يَنْبَغِي ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لَكانَ الإيمانُ خَيْرًا لَهم مِمّا هم عَلَيْهِ. ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. ﴿وَأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها وارِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ.
آل عمران 3:111
﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ ضَرَرًا يَسِيرًا كَطَعْنٍ وتَهْدِيدٍ. ﴿وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ يَنْهَزِمُوا ولا يَضُرُّوكم بِقَتْلٍ وأسْرٍ. ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ثُمَّ لا يَكُونُ أحَدٌ يَنْصُرُهم عَلَيْكم أوْ يَدْفَعُ بَأْسَكم عَنْهُمْ، نُفِيَ إضْرارُهم سِوى ما يَكُونُ بِقَوْلٍ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم لَوْ قامُوا إلى القِتالِ كانَتِ الدَّبْرَةُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ تَكُونُ عاقِبَتُهُمُ العَجْزُ والخِذْلانُ. وقُرِئَ «لا يُنْصَرُوا» عَطْفًا عَلى يُوَلُّوا عَلى أنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ فَيَكُونُ عَدَمُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِقِتالِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُغَيَّباتِ الَّتِي وافَقَها الواقِعُ إذْ كانَ ذَلِكَ حالَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ ويَهُودِ خَيْبَرَ.
آل عمران 3:112
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ هَدْرُ النَّفْسِ والمالِ والأهْلِ، أوْ ذُلُّ التَّمَسُّكِ بِالباطِلِ والجِزْيَةِ. ﴿أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ وُجِدُوا ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ اسْتِثْناءً مِن أعَمِّ عامَ الأحْوالِ أيْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا مُعْتَصِمِينَ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ أوْ كِتابِهِ الَّذِي آتاهم وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ، أوْ بِدِينِ الإسْلامِ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ. ﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ رَجَعُوا بِهِ مُسْتَوْجِبِينَ لَهُ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ إحاطَةَ البَيْتِ المَضْرُوبِ عَلى أهْلِهِ، واليَهُودُ في غالِبِ الأمْرِ فُقَراءُ ومَساكِينُ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والبَوْءِ بِالغَضَبِ. ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ. والتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ أنَّهُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَقًّا بِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ أيْضًا. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الكُفْرُ والقَتْلُ. ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ، فَإنَّ الإصْرارَ عَلى الصَّغائِرِ يُفْضِي إلى الكَبائِرِ، والِاسْتِمْرارَ عَلَيْها يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ. وقِيلَ مَعْناهُ أنَّ ضَرْبَ الذِّلَّةِ في الدُّنْيا واسْتِيجابَ الغَضَبِ في الآخِرَةِ كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ عِصْيانِهِمْ (p-34)واعْتِدائِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ أيْضًا.
آل عمران 3:113
﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ في المَساوِي والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَفْيِ الِاسْتِواءِ، والقائِمَةُ المُسْتَقِيمَةُ العادِلَةُ مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ يَتْلُونَ القُرْآنَ في تَهَجُّدِهِمْ. عَبَّرَ عَنْهُ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ مَعَ السُّجُودِ لِيَكُونَ أبْيَنَ وأبْلَغَ في المَدْحِ. وقِيلَ المُرادُ صَلاةُ العِشاءِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يُصَلُّونَها لِما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَّرَها ثُمَّ خَرَجَ فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ فَقالَ: أمّا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الأدْيانِ أحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ هَذِهِ السّاعَةَ غَيْرُكم.»
آل عمران 3:114
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ صِفاتٌ أُخَرُ لِأُمَّةٍ وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ، فَإنَّهم مُنْحَرِفُونَ عَنِ الحَقِّ غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ في اللَّيْلِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مُلْحِدُونَ في صِفاتِهِ، واصِفُونَ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ صِفَتِهِ، مُداهِنُونَ في الِاحْتِسابِ مُتَباطِئُونَ عَنِ الخَيْراتِ.
﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ مِمَّنْ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ واسْتَحَقُّوا رِضاهُ وثَناءَهُ.
" وما تَفْعَلُواْ مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ " فَلَنْ يَضِيعَ ولا يَنْقُصَ ثَوابُهُ ألْبَتَّةَ، سُمِّيَ ذَلِكَ كُفْرانًا كَما سُمِّيَ تَوْفِيَةُ الثَّوابِ شُكْرًا، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولَيْنِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحِرْمانِ، وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ بِشارَةٌ لَهم وإشْعارٌ بِأنَّ التَّقْوى مَبْدَأُ الخَيْرِ وحُسْنُ العَمَلِ، وأنَّ الفائِزَ عِنْدَ اللَّهِ هو أهْلُ التَّقْوى.
آل عمران 3:115
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ صِفاتٌ أُخَرُ لِأُمَّةٍ وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ، فَإنَّهم مُنْحَرِفُونَ عَنِ الحَقِّ غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ في اللَّيْلِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مُلْحِدُونَ في صِفاتِهِ، واصِفُونَ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ صِفَتِهِ، مُداهِنُونَ في الِاحْتِسابِ مُتَباطِئُونَ عَنِ الخَيْراتِ.
﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ مِمَّنْ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ واسْتَحَقُّوا رِضاهُ وثَناءَهُ.
" وما تَفْعَلُواْ مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ " فَلَنْ يَضِيعَ ولا يَنْقُصَ ثَوابُهُ ألْبَتَّةَ، سُمِّيَ ذَلِكَ كُفْرانًا كَما سُمِّيَ تَوْفِيَةُ الثَّوابِ شُكْرًا، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولَيْنِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحِرْمانِ، وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ بِشارَةٌ لَهم وإشْعارٌ بِأنَّ التَّقْوى مَبْدَأُ الخَيْرِ وحُسْنُ العَمَلِ، وأنَّ الفائِزَ عِنْدَ اللَّهِ هو أهْلُ التَّقْوى.
آل عمران 3:116
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مِنَ العَذابِ، أوْ مِنَ الغِناءِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا. ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ مُلازِمُوها. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾
﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ ما يُنْفِقُ الكَفَرَةُ قُرْبَةً، أوْ مُفاخَرَةً وسُمْعَةً، أوِ المُنافِقُونَ رِياءً أوْ خَوْفًا. ﴿فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ بَرْدٌ شَدِيدٌ والشّائِعُ إطْلاقُهُ لِلرِّيحِ البارِدَةِ كالصَّرْصَرِ، فَهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ أوْ نَعْتٌ وُصِفَ بِهِ البَرْدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ بَرْدٌ بارِدٌ. ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾، عُقُوبَةً لَهم لِأنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ بِحَرْثِ كَفّارٍ ضَرَبَتْهُ صِرٌّ فاسْتَأْصَلَتْهُ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ مَنفَعَةٌ ما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِإيلاءِ كَلِمَةِ التَّشْبِيهِ لِلرِّيحِ دُونَ الحَرْثِ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ كَمِثْلِ مَهْلِكِ رِيحٍ وهو الحَرْثُ. ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ ما ظَلَمَ المُنْفِقِينَ بِضَياعِ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم لِما لَمْ يُنْفِقُوها بِحَيْثُ يُعْتَدُّ بِها، أوْ ما ظَلَمَ أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العُقُوبَةَ. وقُرِئَ «وَلَكِنَّ» أيْ ولَكِنَّ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَها، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: (p-35)
؎ وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ مَن يُبْصِرُ جُفُونَكَ يَعْشَقُ
آل عمران 3:117
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مِنَ العَذابِ، أوْ مِنَ الغِناءِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا. ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ مُلازِمُوها. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾
﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ ما يُنْفِقُ الكَفَرَةُ قُرْبَةً، أوْ مُفاخَرَةً وسُمْعَةً، أوِ المُنافِقُونَ رِياءً أوْ خَوْفًا. ﴿فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ بَرْدٌ شَدِيدٌ والشّائِعُ إطْلاقُهُ لِلرِّيحِ البارِدَةِ كالصَّرْصَرِ، فَهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ أوْ نَعْتٌ وُصِفَ بِهِ البَرْدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ بَرْدٌ بارِدٌ. ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾، عُقُوبَةً لَهم لِأنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ بِحَرْثِ كَفّارٍ ضَرَبَتْهُ صِرٌّ فاسْتَأْصَلَتْهُ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ مَنفَعَةٌ ما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِإيلاءِ كَلِمَةِ التَّشْبِيهِ لِلرِّيحِ دُونَ الحَرْثِ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ كَمِثْلِ مَهْلِكِ رِيحٍ وهو الحَرْثُ. ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ ما ظَلَمَ المُنْفِقِينَ بِضَياعِ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم لِما لَمْ يُنْفِقُوها بِحَيْثُ يُعْتَدُّ بِها، أوْ ما ظَلَمَ أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العُقُوبَةَ. وقُرِئَ «وَلَكِنَّ» أيْ ولَكِنَّ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَها، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: (p-35)
؎ وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ مَن يُبْصِرُ جُفُونَكَ يَعْشَقُ
آل عمران 3:118
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ ولِيجَةً، وهو الَّذِي يُعَرِّفُهُ الرَّجُلُ أسْرارَهُ ثِقَةً بِهِ، شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ كَما شُبِّهَ بِالشِّعارِ.
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ».»
﴿مِن دُونِكُمْ﴾ مِن دُونِ المُسْلِمِينَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِلا تَتَّخِذُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ بِطانَةٍ أيْ بِطانَةً كائِنَةً مِن دُونِكم. ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ، والألْوُ التَّقْصِيرُ وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى بِالحَرْفِ وعُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ أوِ النَّقْصِ. ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ تَمَنَّوْا عَنَتَكُمْ، وهو شِدَّةُ الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أيْ في كَلامِهِمْ لِأنَّهم لا يَتَمالَكُونَ أنْفُسَهم لِفَرْطِ بُغْضِهِمْ. ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ مِمّا بَدا لِأنَّ بُدُوَّهُ لَيْسَ عَنْ رَوِيَّةٍ واخْتِيارٍ. ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُعاداةِ الكافِرِينَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما بُيِّنَ لَكُمْ، والجُمَلُ الأرْبَعُ جاءَتْ مُسْتَأْنِفاتٌ عَلى التَّعْلِيلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثَّلاثُ الأُوَلُ صِفاتٍ لِبِطانَةٍ.
آل عمران 3:119
﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ الكُفّارِ وتُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ، بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرٌ لِأُولاءِ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأنْتَمِ كَقَوْلِكَ: أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ، أوْ صِلَتُهُ أوْ حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ أُولاءِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ بِجِنْسِ الكِتابِ كُلِّهِ، وهو حالٌ مِن لا يُحِبُّونَكم والمَعْنى: إنَّهم لا يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ أيْضًا فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكُمْ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم. ﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًا وتَغْرِيرًا ﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ مِن أجْلِهِ تَأسُّفًا وتَحَسُّرًا حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًا. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِدَوامِ الغَيْظِ وزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ البَغْضاءِ والحَنَقِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَقُولِ أيْ وقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًا، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ بِمَعْنى قُلْ لَهم ذَلِكَ ولا تَتَعَجَّبْ مِنِ اطِّلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ.
آل عمران 3:120
﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ بَيانٌ لِتَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدٍّ حَسَدُوا ما نالَهم مِن خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، وشَمِتُوا بِما أصابَهم مِن ضُرٍّ وشِدَّةٍ، والمَسُّ مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى عَداوَتِهِمْ، أوْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُوالاتِهِمْ، أوْ ما حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ عَلَيْكم. ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحِفْظِهِ المَوْعُودِ لِلصّابِرِينَ والمُتَّقِينَ ولِأنَّ المُحِدَّ في الأمْرِ، المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ قَلِيلَ الِانْفِعالِ جَرِيئًا عَلى الخَصْمِ، وضَمُّهُ الرّاءَ لِلِاتِّباعِ كَضَمَّةِ مَدٍّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ لا يَضُرُّكم مِن ضارَّهُ يَضِيرُهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى وغَيْرِهِما. ﴿مُحِيطٌ﴾ أيْ مُحِيطٌ (p-36)
عِلْمُهُ فَيُجازِيكم مِمّا أنْتُمْ أهْلُهُ. وقُرِئَ بِالياءِ أيْ بِما يَعْمَلُونَ، في عَداوَتِكم عَلِيمٌ فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ.
آل عمران 3:121
﴿وَإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. ﴿مِن أهْلِكَ﴾ أيْ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ تُنْزِلُهم. أوْ تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِاللّامِ. ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ مَواقِفَ وأماكِنَ لَهُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ المَقْعَدُ والمَقامُ بِمَعْنى المَكانِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِكم.
رُوِيَ « (أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ ثانِيَ عَشَرَ شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ. فاسْتَشارَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصْحابَهُ، وقَدْ دَعا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ ولَمْ يَدْعُهُ قَبْلُ فَقالَ هو وأكْثَرُ الأنْصارِ: أقِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ ولا تَخْرُجُ إلَيْهِمْ، فَواللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا أصابَ مِنّا، ولا دَخَلَها عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَكَيْفَ وأنْتَ فِينا؟ فَدَعْهم فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ ورَماهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ بِالحِجارَةِ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ. وأشارَ بَعْضُهم إلى الخُرُوجِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرَةً مَذْبُوحَةً حَوْلِي فَأوَّلْتُها خَيْرًا، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا فَأوَّلْتُهُ هَزِيمَةً، ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدَعُوهُمْ، فَقالَ رِجالٌ فاتَتْهم بَدْرٌ وأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ اخْرُجْ بِنا إلى أعْدائِنا. وبالَغُوا حَتّى دَخَلَ ولَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ نَدِمُوا عَلى مُبالَغَتِهِمْ وقالُوا: اصْنَعْ يا رَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْتَ فَقالَ: «لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ» . فَخَرَجَ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وأصْبَحَ بِشِعْبِ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ، ونَزَلَ في عُدْوَةِ الوادِي وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وسَوّى صَفَّهُمْ، وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ وقالَ: انْضَحُوا عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مِن ورائِنا.»
آل عمران 3:122
﴿إذْ هَمَّتْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَمِيعٌ عَلِيمٌ أوْ بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ. ﴿طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ، وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ وكانا جَناحَيِ العَسْكَرِ. ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أنْ تَجْبُنا وتَضْعُفا.
رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ في زُهاءِ ألْفِ رَجُلٍ ووَعَدَ لَهُمُ النَّصْرَ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا بَلَغُوا الشَّوْطَ انْخَذَلَ ابْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ وقالَ: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا، فَتَبِعَهم عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الأنْصارِيُّ وقالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ والإسْلامَ في نَبِيِّكم وأنْفُسِكم. فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ، فَهُمُ الحَيّانِ بِاتِّباعِهِ فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ فَمَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
والظّاهِرُ أنَّها ما كانَتْ عَزِيمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ عاصِمُهُما مِنِ اتِّباعِ تِلْكَ الخَطِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ واللَّهُ ناصِرُهُما فَما لَهُما يَفْشَلانِ ولا يَتَوَكَّلانِ عَلى اللَّهِ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ ولا يَتَوَكَّلُوا عَلى غَيْرِهِ لِيَنْصُرَهم كَما نَصَرَهم بِبَدْرٍ.
آل عمران 3:123
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ تَذْكِيرٌ بِبَعْضِ ما أفادَهُمُ التَّوَكُّلُ. وبَدْرٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ يُسَمّى بَدْرًا فَسُمِّيَ بِهِ. وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وإنَّما قالَ أذِلَّةٌ ولَمْ يَقُلْ ذَلائِلَ تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ لِضَعْفِ الحالِ وقِلَّةِ المَراكِبِ والسِّلاحِ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الثِّيابِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن نَصْرِهِ، أوْ لَعَلَّكم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكم فَتَشْكُرُونَ، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبُهُ.
﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم. وقِيلَ بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ غَدَوْتَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لَهم يَوْمَ أُحُدٍ وكانَ مَعَ (p-37)
اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ وخالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ.
﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إنْكارٌ أنْ لا يَكْفِيَهُمْ، ذَلِكَ وإنَّما جِيءَ بِلَنْ إشْعارًا بِأنَّهم كانُوا كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِضَعْفِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِمْ. قِيلَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ أوَّلًا بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مُنَزَّلِينَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ.
آل عمران 3:124
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ تَذْكِيرٌ بِبَعْضِ ما أفادَهُمُ التَّوَكُّلُ. وبَدْرٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ يُسَمّى بَدْرًا فَسُمِّيَ بِهِ. وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وإنَّما قالَ أذِلَّةٌ ولَمْ يَقُلْ ذَلائِلَ تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ لِضَعْفِ الحالِ وقِلَّةِ المَراكِبِ والسِّلاحِ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الثِّيابِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن نَصْرِهِ، أوْ لَعَلَّكم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكم فَتَشْكُرُونَ، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبُهُ.
﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم. وقِيلَ بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ غَدَوْتَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لَهم يَوْمَ أُحُدٍ وكانَ مَعَ (p-37)
اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ وخالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ.
﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إنْكارٌ أنْ لا يَكْفِيَهُمْ، ذَلِكَ وإنَّما جِيءَ بِلَنْ إشْعارًا بِأنَّهم كانُوا كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِضَعْفِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِمْ. قِيلَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ أوَّلًا بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مُنَزَّلِينَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ.
آل عمران 3:125
﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ لَنْ، أيْ بَلى يَكْفِيكم. ثُمَّ وعَدَ لَهُمُ الزِّيادَةَ عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى حَثًّا عَلَيْهِما وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ. ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِن فارَتِ القِدْرُ إذْ غَلَتْ، فاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ أُطْلِقَ لِلْحالِ الَّتِي لا رَيْثَ فِيها ولا تَراخِيَ، والمَعْنى إنَّ يَأْتُوكم في الحالِ. يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ في حالِ إتْيانِهِمْ بِلا تَراخٍ ولا تَأْخِيرٍ. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ مُعَلَّمِينَ مِنَ التَّسْوِيمِ الَّذِي هو إظْهارُ سِيما الشَّيْءِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ.
«تَسُومُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ».» أوْ مُرْسَلِينَ مِنَ التَّسْوِيمِ بِمَعْنى الأُسامَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الواوِ.
آل عمران 3:126
﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِالمَلائِكَةِ. ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ ولِتَسْكُنَ إلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ. ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا مِنَ العُدَّةِ والعَدَدِ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حاجَةَ في نَصْرِهِمْ إلى مَدَدٍ وإنَّما أمَدَّهم ووَعَدَ لَهم بِهِ بِشارَةً لَهم ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العامَّةِ إلى الأسْبابِ أكْثَرُ، وحَثًّا عَلى أنْ لا يُبالُوا بِمَن تَأخَّرَ عَنْهم.﴿العَزِيزِ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ في أقْضِيَتِهِ. ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يَنْصُرُ ويَخْذُلُ بِوَسَطٍ وبِغَيْرِ وسَطٍ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَصْرِكُمْ، أوْ وما النَّصْرُ إنْ كانَ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى لِيَنْقُصَ مِنهم بِقَتْلِ بَعْضٍ وأسْرِ آخَرِينَ، وهو ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِن صَنادِيدِهِمْ. ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أوْ يُخْزِيَهُمْ، والكَبْتُ شِدَّةُ الغَيْظِ، أوْ وهَنٌ يَقَعُ في القَلْبِ، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ.
آل عمران 3:127
﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِالمَلائِكَةِ. ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ ولِتَسْكُنَ إلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ. ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا مِنَ العُدَّةِ والعَدَدِ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حاجَةَ في نَصْرِهِمْ إلى مَدَدٍ وإنَّما أمَدَّهم ووَعَدَ لَهم بِهِ بِشارَةً لَهم ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العامَّةِ إلى الأسْبابِ أكْثَرُ، وحَثًّا عَلى أنْ لا يُبالُوا بِمَن تَأخَّرَ عَنْهم.﴿العَزِيزِ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ في أقْضِيَتِهِ. ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يَنْصُرُ ويَخْذُلُ بِوَسَطٍ وبِغَيْرِ وسَطٍ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَصْرِكُمْ، أوْ وما النَّصْرُ إنْ كانَ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى لِيَنْقُصَ مِنهم بِقَتْلِ بَعْضٍ وأسْرِ آخَرِينَ، وهو ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِن صَنادِيدِهِمْ. ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أوْ يُخْزِيَهُمْ، والكَبْتُ شِدَّةُ الغَيْظِ، أوْ وهَنٌ يَقَعُ في القَلْبِ، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ.
آل عمران 3:128
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضٌ. ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ أوْ يَكْبِتَهُمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكُ أمْرِهِمْ فَإمّا أنْ يُهْلِكَهم أوْ يَكْبِتَهم أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، وإنَّما أنْتَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ لِإنْذارِهِمْ وجِهادِهِمْ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الأمْرِ أوْ شَيْءٍ بِإضْمارِ أنْ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ. أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، أوِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ. وأنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى إلّا أنْ. أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتُسَرُّ بِهِ أوْ يُعَذِّبَهم فَتَتَشَفّى مِنهم.
رُوِيَ « (أنَّ عُتْبَةَ بْنَ أبِي وقّاصٍ شَجَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ وكَسَرَ رُباعِيَّتَهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ ويَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ فَنَزَلَتْ.» وقِيلَ هَمَّ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَهاهُ (p-38)
اللَّهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ. ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ قَدِ اسْتَحَقُّوا التَّعْذِيبَ بِظُلْمِهِمْ.
آل عمران 3:129
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومِلْكًا فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا لَكَ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ وعَدَمِها كالمُنافِي لَهُ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِعِبادِهِ فَلا تُبادِرُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ لا تَزِيدُوا زِياداتٍ مُكَرَّرَةً، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِحَسَبِ الواقِعِ. إذْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم يُرْبِي إلى أجَلٍ ثُمَّ يَزِيدُ فِيهِ زِيادَةً أُخْرى حَتّى يَسْتَغْرِقَ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مالَ المَدْيُونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «مُضَعَّفَةً» . ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ الفَلاحَ.
آل عمران 3:130
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومِلْكًا فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا لَكَ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ وعَدَمِها كالمُنافِي لَهُ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِعِبادِهِ فَلا تُبادِرُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ لا تَزِيدُوا زِياداتٍ مُكَرَّرَةً، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِحَسَبِ الواقِعِ. إذْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم يُرْبِي إلى أجَلٍ ثُمَّ يَزِيدُ فِيهِ زِيادَةً أُخْرى حَتّى يَسْتَغْرِقَ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مالَ المَدْيُونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «مُضَعَّفَةً» . ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ الفَلاحَ.
آل عمران 3:131
﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ وتَعاطِي أفْعالِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النّارَ بِالذّاتِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ وبِالعَرْضِ لِلْعُصاةِ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، ولَعَلَّ وعَسى في أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلُ عِزَّةٍ التَّوَصُّلِ إلى ما جُعِلَ خَبَرًا لَهُ.
آل عمران 3:132
﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ وتَعاطِي أفْعالِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النّارَ بِالذّاتِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ وبِالعَرْضِ لِلْعُصاةِ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، ولَعَلَّ وعَسى في أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلُ عِزَّةٍ التَّوَصُّلِ إلى ما جُعِلَ خَبَرًا لَهُ.
آل عمران 3:133
﴿وَسارِعُوا﴾ بادِرُوا وأقْبِلُوا. ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ إلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ المَغْفِرَةَ، كالإسْلامِ والتَّوْبَةِ والإخْلاصِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ سارِعُوا بِلا واوٍ. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ عَرْضُها كَعَرْضِهِما، وذِكْرُ العَرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِها بِالسِّعَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، لِأنَّهُ دُونَ الطُّولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَسَبْعِ سَماواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هُيِّئَتْ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وإنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ. ﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أوِ الأحْوالِ كُلِّها إذِ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ مَسَرَّةٍ أوْ مُضِرَّةٍ، أيْ لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ، مِن كَظَمْتُ القِرْبَةَ إذا مَلَأْتَها وشَدَدْتَ رَأْسَها.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا.»
﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ التّارِكِينَ عُقُوبَةَ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ».» وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الجِنْسَ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ، والعَهْدَ فَتَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِمْ.
آل عمران 3:134
﴿وَسارِعُوا﴾ بادِرُوا وأقْبِلُوا. ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ إلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ المَغْفِرَةَ، كالإسْلامِ والتَّوْبَةِ والإخْلاصِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ سارِعُوا بِلا واوٍ. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ عَرْضُها كَعَرْضِهِما، وذِكْرُ العَرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِها بِالسِّعَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، لِأنَّهُ دُونَ الطُّولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَسَبْعِ سَماواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هُيِّئَتْ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وإنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ. ﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أوِ الأحْوالِ كُلِّها إذِ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ مَسَرَّةٍ أوْ مُضِرَّةٍ، أيْ لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ، مِن كَظَمْتُ القِرْبَةَ إذا مَلَأْتَها وشَدَدْتَ رَأْسَها.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا.»
﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ التّارِكِينَ عُقُوبَةَ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ».» وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الجِنْسَ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ، والعَهْدَ فَتَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِمْ.
آل عمران 3:135
والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً فِعْلَةً بالِغَةً في القُبْحِ كالزِّنى. أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ أذْنَبُوا أيَّ ذَنْبٍ كانَ وقِيلِ الفاحِشَةُ الكَبِيرَةُ وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغِيرَةُ، ولَعَلَّ الفاحِشَةَ ما يَتَعَدّى وظُلْمَ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ. ذَكَرُوا (p-39)
اللَّهَ تَذَكَّرُوا وعِيدَهُ أوْ حُكْمَهُ أوْ حَقَّهُ العَظِيمَ. فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ بِالنَّدَمِ والتَّوْبَةِ. ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، والمُرادُ بِهِ وصْفُهُ تَعالى بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ والحَثُّ عَلى الِاسْتِغْفارِ والوَعْدُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ولَمْ يُقِيمُوا عَلى ذُنُوبِهِمْ غَيْرَ مُسْتَغْفِرِينَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً».»
وَهم يَعْلَمُونَ، حالٌ مِن يُصِرُّوا أيْ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ عالِمِينَ بِهِ.
آل عمران 3:136
﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ خَبَرٌ لِلَّذِينِ إنِ ابْتَدَأْتَ بِهِ، وجُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها إنْ عَطَفْتَهُ عَلى المُتَّقِينَ، أوْ عَلى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ. ولا يَلْزَمُ مِن إعْدادِ الجَنَّةِ لِلْمُتَّقِينَ والتّائِبِينَ جَزاءً لَهم أنْ لا يَدْخُلَها المُصِرُّونَ، كَما لا يَلْزَمُ مِن إعْدادِ النّارِ لِلْكافِرِينَ جَزاءً لَهم أنْ لا يَدْخُلَها غَيْرُهُمْ، وتَنْكِيرُ جَنّاتٍ عَلى الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما هم أدْوَنُ مِمّا لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وكَفاكَ فارِقًا بَيْنَ القَبِيلَيْنِ أنَّهُ فَصَلَ آيَتَهم بِأنْ بَيَّنَ أنَّهم مُحْسِنُونَ مُسْتَوْجِبُونَ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم حافَظُوا عَلى حُدُودِ الشَّرْعِ وتَخَطَّوْا إلى التَّخَصُّصِ بِمَكارِمِهِ، وفَصَلَ آيَةَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ لِأنَّ المُتَدارِكَ لِتَقْصِيرِهِ كالعامِلِ لِتَحْصِيلِ بَعْضِ ما فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ، وكَمْ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُتَدارِكِ والمَحْبُوبِ والأجِيرِ، ولَعَلَّ تَبْدِيلَ لَفْظِ الجَزاءِ بِالأجْرِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ يَعْنِي المَغْفِرَةَ والجَنّاتِ.
آل عمران 3:137
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وقائِعُ سَنَّها اللَّهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ وقِيلَ أُمَمٌ قالَ:
؎ ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو ∗∗∗ ولا رَأوْا مِثْلَهُ في سالِفِ السُّنَنِ
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِن آثارِ هَلاكِهِمْ.
﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ، أوْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فانْظُرُوا أيْ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بَيانًا لِلْمُكَذِّبِينَ فَهو زِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ إلى ما لَخَّصَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، وقَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ وقِيلَ إلى القُرْآنِ.
آل عمران 3:138
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وقائِعُ سَنَّها اللَّهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ وقِيلَ أُمَمٌ قالَ:
؎ ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو ∗∗∗ ولا رَأوْا مِثْلَهُ في سالِفِ السُّنَنِ
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِن آثارِ هَلاكِهِمْ.
﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ، أوْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فانْظُرُوا أيْ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بَيانًا لِلْمُكَذِّبِينَ فَهو زِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ إلى ما لَخَّصَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، وقَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ وقِيلَ إلى القُرْآنِ.
آل عمران 3:139
﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، والمَعْنى لا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ بِما أصابَكم ولا تَحْزَنُوا عَلى مَن قُتِلَ مِنكم. ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ وحالُكم إنَّكم أعْلى مِنهم شَأْنًا، فَإنَّكم عَلى الحَقِّ وقِتالُكم لِلَّهِ وقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وإنَّهم عَلى الباطِلِ وقِتالُهم لِلشَّيْطانِ وقَتْلاهم في النّارِ، أوْ لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكُمُ اليَوْمَ، أوْ ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ في العاقِبَةِ فَيَكُونُ بِشارَةً لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ أيْ لا تَهِنُوا إنْ صَحَّ إيمانُكُمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي قُوَّةَ القَلْبِ بِالوُثُوقِ عَلى اللَّهِ أوْ بِالأعْلَوْنَ.
آل عمران 3:140
﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ كالضَّعْفِ والضَّعْفِ. وقِيلَ هو بِالفَتْحِ الجِراحُ وبِالضَّمِّ ألَمُها، والمَعْنى إنْ أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَجْبُنُوا فَأنْتُمْ أوْلى بِأنْ لا تَضْعُفُوا، فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وقِيلَ كَلا المِسِينَّ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ. ﴿وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ نَصْرِفُها بَيْنَهم نُدِيلُ لِهَؤُلاءِ تارَةً ولِهَؤُلاءِ أُخْرى كَقَوْلِهِ:
؎ فَيَوْمًا عَلَيْنا ويَوْمًا لَنا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ
والمُداوَلَةُ كالمُعاوَدَةِ يُقالُ داوَلْتُ الشَّيْءَ بَيْنَهم فَتَداوَلُوهُ، والأيّامَ تَحْتَمِلُ الوَصْفَ والخَبَرَ ونُداوِلُها يَحْتَمِلُ الخَبَرَ والحالَ والمُرادُ بِها: أوْقاتُ النَّصْرِ والغَلَبَةِ. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عُطِفَ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نُداوِلُها لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ إيذانًا بِأنَّ العِلَّةَ فِيهِ غَيْرُ واحِدَةٍ، وإنَّ ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ فِيهِ مِنَ المَصالِحِ ما لا يُعْلَمُ، أوِ الفِعْلُ المُعَلَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ولِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُونَ عَلى الإيمانِ مِنَ الَّذِينَ عَلى حَرْفٍ فَعَلْنا ذَلِكَ، والقَصْدُ في أمْثالِهِ ونَقائِضِهِ لَيْسَ إلى إثْباتِ عِلْمِهِ تَعالى ونَفْيِهِ بَلْ إلى إثْباتِ المَعْلُومِ ونَفْيِهِ عَلى طَرِيقِ البُرْهانِ. وقِيلَ مَعْناهُ لِيُعْلِمَهم عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ وهو العِلْمُ بِالشَّيْءِ مَوْجُودًا. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ ويُكْرِمَ ناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ يُرِيدُ شُهَداءَ أُحُدٍ، أوْ يَتَّخِذَ مِنكم شُهُودًا مُعَدَّلِينَ بِما صُودِفَ مِنهم مِنَ الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يُضْمِرُونَ خِلافَ ما يُظْهِرُونَ، أوِ الكافِرِينَ وهو اعْتِراضٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْصُرُ الكافِرِينَ عَلى الحَقِيقَةِ وإنَّما يَغْلِبُهم أحْيانًا اسْتِدْراجًا لَهم وابْتِلاءً لِلْمُؤْمِنِينَ.
آل عمران 3:141
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِيُطَهِّرَهم ويُصَفِّيهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ إنْ كانَتِ الدُّولَةُ عَلَيْهِمْ. ﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ ويُهْلِكَهم إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ، والمَحْقُ نَقْصُ الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا.
﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بَلْ أحَسِبْتُمْ ومَعْناهُ الإنْكارُ. ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ ولَمّا تُجاهِدُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ والفَرْقُ بَيْنَ لَمّا ولَمْ أنَّ فِيهِ تَوَقُّعَ الفِعْلِ فِيما يُسْتَقْبَلُ.
وَقُرِئَ «يَعْلَمَ» بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَعْلَمْنَ فَحُذِفَتِ النُّونُ، ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ أنَّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.