Lafzullah

Tafsir Al-Baydawi — المائدة 5:1 – الأنعام 6:165

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Baydawi

المحتويات
  1. المائدة 5:1
  2. المائدة 5:2
  3. المائدة 5:3
  4. المائدة 5:4
  5. المائدة 5:5
  6. المائدة 5:6
  7. المائدة 5:7
  8. المائدة 5:8
  9. المائدة 5:9
  10. المائدة 5:10
  11. المائدة 5:11
  12. المائدة 5:12
  13. المائدة 5:13
  14. المائدة 5:14
  15. المائدة 5:15
  16. المائدة 5:16
  17. المائدة 5:17
  18. المائدة 5:18
  19. المائدة 5:19
  20. المائدة 5:20
  21. المائدة 5:21
  22. المائدة 5:22
  23. المائدة 5:23
  24. المائدة 5:24
  25. المائدة 5:25
  26. المائدة 5:26
  27. المائدة 5:27
  28. المائدة 5:28
  29. المائدة 5:29
  30. المائدة 5:30
  31. المائدة 5:31
  32. المائدة 5:32
  33. المائدة 5:33
  34. المائدة 5:34
  35. المائدة 5:35
  36. المائدة 5:36
  37. المائدة 5:37
  38. المائدة 5:38
  39. المائدة 5:39
  40. المائدة 5:40
  41. المائدة 5:41
  42. المائدة 5:42
  43. المائدة 5:43
  44. المائدة 5:44
  45. المائدة 5:45
  46. المائدة 5:46
  47. المائدة 5:47
  48. المائدة 5:48
  49. المائدة 5:49
  50. المائدة 5:50
  51. المائدة 5:51
  52. المائدة 5:52
  53. المائدة 5:53
  54. المائدة 5:54
  55. المائدة 5:55
  56. المائدة 5:56
  57. المائدة 5:57
  58. المائدة 5:58
  59. المائدة 5:59
  60. المائدة 5:60
  61. المائدة 5:61
  62. المائدة 5:62
  63. المائدة 5:63
  64. المائدة 5:64
  65. المائدة 5:65
  66. المائدة 5:66
  67. المائدة 5:67
  68. المائدة 5:68
  69. المائدة 5:69
  70. المائدة 5:70
  71. المائدة 5:71
  72. المائدة 5:72
  73. المائدة 5:73
  74. المائدة 5:74
  75. المائدة 5:75
  76. المائدة 5:76
  77. المائدة 5:77
  78. المائدة 5:78
  79. المائدة 5:79
  80. المائدة 5:80
  81. المائدة 5:81
  82. المائدة 5:82
  83. المائدة 5:83
  84. المائدة 5:84
  85. المائدة 5:85
  86. المائدة 5:86
  87. المائدة 5:87
  88. المائدة 5:88
  89. المائدة 5:89
  90. المائدة 5:90
  91. المائدة 5:91
  92. المائدة 5:92
  93. المائدة 5:93
  94. المائدة 5:94
  95. المائدة 5:95
  96. المائدة 5:96
  97. المائدة 5:97
  98. المائدة 5:98
  99. المائدة 5:99
  100. المائدة 5:100
  101. المائدة 5:101
  102. المائدة 5:102
  103. المائدة 5:103
  104. المائدة 5:104
  105. المائدة 5:105
  106. المائدة 5:106
  107. المائدة 5:107
  108. المائدة 5:108
  109. المائدة 5:109
  110. المائدة 5:110
  111. المائدة 5:111
  112. المائدة 5:112
  113. المائدة 5:113
  114. المائدة 5:114
  115. المائدة 5:115
  116. المائدة 5:116
  117. المائدة 5:117
  118. المائدة 5:118
  119. المائدة 5:119
  120. المائدة 5:120
  121. الأنعام 6:1
  122. الأنعام 6:2
  123. الأنعام 6:3
  124. الأنعام 6:4
  125. الأنعام 6:5
  126. الأنعام 6:6
  127. الأنعام 6:7
  128. الأنعام 6:8
  129. الأنعام 6:9
  130. الأنعام 6:10
  131. الأنعام 6:11
  132. الأنعام 6:12
  133. الأنعام 6:13
  134. الأنعام 6:14
  135. الأنعام 6:15
  136. الأنعام 6:16
  137. الأنعام 6:17
  138. الأنعام 6:18
  139. الأنعام 6:19
  140. الأنعام 6:20
  141. الأنعام 6:21
  142. الأنعام 6:22
  143. الأنعام 6:23
  144. الأنعام 6:24
  145. الأنعام 6:25
  146. الأنعام 6:26
  147. الأنعام 6:27
  148. الأنعام 6:28
  149. الأنعام 6:29
  150. الأنعام 6:30
  151. الأنعام 6:31
  152. الأنعام 6:32
  153. الأنعام 6:33
  154. الأنعام 6:34
  155. الأنعام 6:35
  156. الأنعام 6:36
  157. الأنعام 6:37
  158. الأنعام 6:38
  159. الأنعام 6:39
  160. الأنعام 6:40
  161. الأنعام 6:41
  162. الأنعام 6:42
  163. الأنعام 6:43
  164. الأنعام 6:44
  165. الأنعام 6:45
  166. الأنعام 6:46
  167. الأنعام 6:47
  168. الأنعام 6:48
  169. الأنعام 6:49
  170. الأنعام 6:50
  171. الأنعام 6:51
  172. الأنعام 6:52
  173. الأنعام 6:53
  174. الأنعام 6:54
  175. الأنعام 6:55
  176. الأنعام 6:56
  177. الأنعام 6:57
  178. الأنعام 6:58
  179. الأنعام 6:59
  180. الأنعام 6:60
  181. الأنعام 6:61
  182. الأنعام 6:62
  183. الأنعام 6:63
  184. الأنعام 6:64
  185. الأنعام 6:65
  186. الأنعام 6:66
  187. الأنعام 6:67
  188. الأنعام 6:68
  189. الأنعام 6:69
  190. الأنعام 6:70
  191. الأنعام 6:71
  192. الأنعام 6:72
  193. الأنعام 6:73
  194. الأنعام 6:74
  195. الأنعام 6:75
  196. الأنعام 6:76
  197. الأنعام 6:77
  198. الأنعام 6:78
  199. الأنعام 6:79
  200. الأنعام 6:80
  201. الأنعام 6:81
  202. الأنعام 6:82
  203. الأنعام 6:83
  204. الأنعام 6:84
  205. الأنعام 6:85
  206. الأنعام 6:86
  207. الأنعام 6:87
  208. الأنعام 6:88
  209. الأنعام 6:89
  210. الأنعام 6:90
  211. الأنعام 6:91
  212. الأنعام 6:92
  213. الأنعام 6:93
  214. الأنعام 6:94
  215. الأنعام 6:95
  216. الأنعام 6:96
  217. الأنعام 6:97
  218. الأنعام 6:98
  219. الأنعام 6:99
  220. الأنعام 6:100
  221. الأنعام 6:101
  222. الأنعام 6:102
  223. الأنعام 6:103
  224. الأنعام 6:104
  225. الأنعام 6:105
  226. الأنعام 6:106
  227. الأنعام 6:107
  228. الأنعام 6:108
  229. الأنعام 6:109
  230. الأنعام 6:110
  231. الأنعام 6:111
  232. الأنعام 6:112
  233. الأنعام 6:113
  234. الأنعام 6:114
  235. الأنعام 6:115
  236. الأنعام 6:116
  237. الأنعام 6:117
  238. الأنعام 6:118
  239. الأنعام 6:119
  240. الأنعام 6:120
  241. الأنعام 6:121
  242. الأنعام 6:122
  243. الأنعام 6:123
  244. الأنعام 6:124
  245. الأنعام 6:125
  246. الأنعام 6:126
  247. الأنعام 6:127
  248. الأنعام 6:128
  249. الأنعام 6:129
  250. الأنعام 6:130
  251. الأنعام 6:131
  252. الأنعام 6:132
  253. الأنعام 6:133
  254. الأنعام 6:134
  255. الأنعام 6:135
  256. الأنعام 6:136
  257. الأنعام 6:137
  258. الأنعام 6:138
  259. الأنعام 6:139
  260. الأنعام 6:140
  261. الأنعام 6:141
  262. الأنعام 6:142
  263. الأنعام 6:143
  264. الأنعام 6:144
  265. الأنعام 6:145
  266. الأنعام 6:146
  267. الأنعام 6:147
  268. الأنعام 6:148
  269. الأنعام 6:149
  270. الأنعام 6:150
  271. الأنعام 6:151
  272. الأنعام 6:152
  273. الأنعام 6:153
  274. الأنعام 6:154
  275. الأنعام 6:155
  276. الأنعام 6:156
  277. الأنعام 6:157
  278. الأنعام 6:158
  279. الأنعام 6:159
  280. الأنعام 6:160
  281. الأنعام 6:161
  282. الأنعام 6:162
  283. الأنعام 6:163
  284. الأنعام 6:164
  285. الأنعام 6:165

المائدة 5:1

(p-113)(5 سُورَةُ المائِدَةِ) مَدَنِيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الوَفاءُ هو القِيامُ بِمُقْتَضى العَهْدِ وكَذَلِكَ الإيفاءُ والعَقْدُ العَهْدُ المُوَثَّقُ قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎ قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا وَأصْلُهُ الجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ الِانْفِصالُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالعُقُودِ ما يَعُمُّ العُقُودَ الَّتِي عَقَدَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى عِبادِهِ وألْزَمَها إيّاهم مِنَ التَّكالِيفِ، وما يَعْقِدُونَ بَيْنَهم مِن عُقُودِ الأماناتِ والمُعامَلاتِ ونَحْوَها مِمّا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، أوْ يَحْسُنُ إنْ حَمْلَنا الأمْرَ عَلى المُشْتَرَكِ بَيْنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ. ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْعُقُودِ، والبَهِيمَةُ كُلُّ حَيٍّ لا يُمَيِّزُ. وقِيلَ كُلُّ ذاتِ أرْبَعٍ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ كَقَوْلِكَ: ثَوْبُ خَزٍّ، ومَعْناهُ البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ. وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ وأُلْحِقَ بِها الظِّباءُ ويُقِرُّ الوَحْشَ. وقِيلَ هُما المُرادُ بِالبَهِيمَةِ ونَحْوُهُما مِمّا يُماثِلُ الأنْعامَ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِمُلابَسَةِ الشَّبَهِ. ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلّا مُحَرَّمُ ما يُتْلى عَلَيْكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ أوْ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم تَحْرِيمُهُ. ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم وقِيلَ مِن واوِ أوْفُوا وقِيلَ اسْتِثْناءٌ وفِيهِ تَعَسُّفٌ، والصَّيْدِ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولِ. ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ مِمّا اسْتَكَنَّ في مُحِلِّي، وال حُرُمٌ جَمْعُ حَرامٍ وهو المُحَرَّمُ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ مِن تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ.

المائدة 5:2

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي مَناسِكَ الحَجِّ، جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي اسْمُ ما أشْعَرَ أيْ جُعِلَ شِعارًا سَمّى بِهِ أعْمالَ الحَجِّ ومَواقِفَهُ لِأنَّها عَلاماتُ الحَجِّ وأعْلامُ النُّسُكِ. وقِيلَ دِينُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ دِينَهُ. وقِيلَ فَرائِضُهُ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ. ﴿وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ بِالقِتالِ فِيهِ أوْ بِالنَّسِيءِ. ﴿وَلا الهَدْيَ﴾ ما أُهْدِيَ إلى الكَعْبَةِ، جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَجَدْيٍ في جَمْعِ جَدِيَّةِ السَّرْحِ. ﴿وَلا القَلائِدَ﴾ أيْ ذَواتَ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، وعَطَفَها عَلى الهَدْيِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّها أشْرَفُ الهَدْيِ، أوِ القَلائِدُ أنْفَسُها والنَّهْيُ عَنْ إحْلالِها مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ والقَلائِدُ جَمْعُ قِلادَةٍ (p-114) وَهِيَ ما قُلِّدَ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ أوْ لِحاءِ شَجَرٍ أوْ غَيْرِهِما لِيُعْلَمَ بِهِ أنَّهُ هَدْيٌ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ. ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ قاصِدِينَ لِزِيارَتِهِ. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ أنْ يُثِيبَهم ويَرْضى عَنْهُمْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في آمِّينَ ولَيْسَتْ صِفَةً لَهُ، لِأنَّهُ عامِلٌ والمُخْتارُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ المَوْصُوفِ لا يَعْمَلُ، وفائِدَتُهُ اسْتِنْكارُ تَعَرُّضِ مَن هَذا شَأْنُهُ والتَّنْبِيهُ عَلى المانِعِ لَهُ. وقِيلَ مَعْناهُ يَبْتَغُونَ مِنَ اللَّهِ رِزْقًا بِالتِّجارَةِ ورِضْوانًا بِزَعْمِهِمْ إذْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَ القَضِيَّةِ في حُجّاجِ اليَمامَةِ لَمّا هَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ فِيهِمُ الحُطَيْمُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وكانَ قَدِ اسْتاقَ سَرْحَ المَدِينَةِ وعَلى هَذا فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وقُرِئَ «تَبْتَغُونَ» عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ إذْنٌ في الِاصْطِيادِ بَعْدَ زَوالِ الإحْرامِ ولا يَلْزَمُ مِن إرادَةِ الإباحَةِ هاهُنا مِنَ الأمْرِ دَلالَةُ الأمْرِ الآتِي بَعْدَ الحَظْرِ عَلى الإباحَةِ مُطْلَقًا. وقُرِئَ بِكَسْرِ الفاءِ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ عَلَيْها وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وقُرِئَ «أحْلَلْتُمْ» يُقالُ حَلَّ المُحْرِمُ وأحَلَّ، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يَحْمِلَنَّكم أوْ لا يَكْسِبَنَّكم. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ شِدَّةُ بُغْضِهِمْ وعَداوَتِهِمْ وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ النُّونِ وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كَلَيّانِ أوْ نَعْتٌ بِمَعْنى: بَغِيضُ قَوْمٍ وفِعْلانُ في النَّعْتِ أكْثَرُ كَعَطْشانَ وسَكْرانَ. ﴿أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِأنْ صَدُّوكم عَنْهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ أغْنى عَنْ جَوابِهِ لا يَجْرِمَنَّكم. أنْ تَعْتَدُوا بِالِانْتِقامِ، وهو ثانِي مَفْعُولَيْ يَجْرِمَنَّكم فَإنَّهُ يُعَدّى إلى واحِدٍ وإلى اثْنَيْنِ كَكَسِبَ. ومَن قَرَأ يُجْرِمَنَّكم بِضَمِّ الياءِ جَعَلَهُ مَنقُولًا مِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ. ﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ عَلى العَفْوِ والإغْضاءِ ومُتابَعَةِ الأمْرِ ومُجانَبَةِ الهَوى. ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ لِلتَّشَفِّي والِانْتِقامِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فانْتِقامُهُ أشَدُّ.

المائدة 5:3

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ بَيانُ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، والمَيْتَةُ ما فارَقَهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ تَذْكِيَةٍ. ﴿والدَّمُ﴾ أيِ الدَّمُ المَسْفُوحُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَصُبُّونَهُ في الأمْعاءِ ويَشْوُونَها. ﴿وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ رُفِعَ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ كَقَوْلِهِمْ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى عِنْدَ ذَبْحِهِ. ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ أيِ الَّتِي ماتَتْ بِالخَنْقِ. ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ المَضْرُوبَةُ بِنَحْوِ خَشَبٍ، أوْ حَجَرٍ حَتّى تَمُوتَ مِن وقَذْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ. ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾ الَّتِي تَرَدَّتْ مِن عُلُوٍّ أوْ في بِئْرٍ فَماتَتْ. ﴿والنَّطِيحَةُ﴾ الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ بِالنَّطْحِ والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ. ﴿وَما أكَلَ السَّبُعُ﴾ وما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ فَماتَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوارِحَ الصَّيْدِ إذا أكَلَتْ مِمّا اصْطادَتْهُ لَمْ تَحِلَّ. ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ وفِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مَخْصُوصٌ بِما أكَلَ السَّبُعُ. والذَّكاةُ في الشَّرْعِ لِقَطْعِ الحُلْقُومِ والمِرِّيءِ بِمُحَدَّدٍ. ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ النُّصُبُ واحِدُ الأنْصابِ وهي أحْجارٌ كانَتْ مَنصُوبَةً حَوْلَ البَيْتِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها ويَعُدُّونَ ذَلِكَ قُرْبَةً. وقِيلَ هي الأصْنامُ وعَلى بِمَعْنى اللّامِ أوْ عَلى أصْلِها بِتَقْدِيرِ وما ذُبِحَ مُسَمًّى عَلى الأصْنامِ. وقِيلَ هو جَمْعٌ والواحِدُ نِصابٌ. ﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ أيْ وحَرُمَ عَلَيْكم الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قَصَدُوا فِعْلًا ضَرَبُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ. مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِها، أمَرَنِي رَبِّي. وعَلى الآخَرِ: نَهانِي رَبِّي. والثّالِثُ غُفْلٌ، فَإنْ خَرَجَ الأمْرُ مَضَوْا عَلى ذَلِكَ وإنْ خَرَجَ النّاهِي تَجَنَّبُوا عَنْهُ وإنْ خَرَجَ الغُفْلُ أجالُوها ثانِيًا، فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهم دُونَ ما لَمْ يُقْسَمْ لَهم بِالأزْلامِ. وقِيلَ: هو اسْتِقْسامُ الجَزُورِ بِالأقْداحِ عَلى الأنْصِباءِ المَعْلُومَةِ وواحِدُ الأزْلامِ زَلَمٌ كَجَمَلٍ وزُلَمٌ (p-115)كَصُرَدٍ. ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ، وكَوْنُهُ فِسْقًا لِأنَّهُ دُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ وضَلالٌ بِاعْتِقادِ أنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إنْ أُرِيدَ بِرَبِّي اللَّهُ، وجَهالَةٌ وشِرْكٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ الصَّنَمُ أوِ المَيْسِرُ المُحَرَّمُ أوْ إلى تَناوُلِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ. ﴿اليَوْمَ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ يَوْمًا بِعَيْنِهِ وإنَّما أرادَ الزَّمانَ الحاضِرَ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ. وقِيلَ أرادَ يَوْمَ نُزُولِها وقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ عَصْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ في عَرَفَةَ حِجَّةِ الوَداعِ. ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ أيْ مِن إبْطالِهِ ورُجُوعِكم عَنْهُ بِتَحْلِيلِ هَذِهِ الخَبائِثِ وغَيْرِها أوْ مِن أنْ يَغْلِبُوكم عَلَيْهِ. فَلا تَخْشَوْهم أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم. واخْشَوْنِ وأخْلِصُوا الخَشْيَةَ لِي. ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ بِالنَّصْرِ والإظْهارِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، أوْ بِالتَّنْصِيصِ عَلى قَواعِدِ العَقائِدِ والتَّوْقِيفِ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وقَوانِينِ الِاجْتِهادِ. ﴿وَأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ أوْ بِإكْمالِ الدِّينِ أوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ وهَدْمِ مَنارِ الجاهِلِيَّةِ. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ اخْتَرْتُهُ لَكم دِينًا مِن بَيْنِ الأدْيانِ وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ لا غَيْرَ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِما يُوجِبُ التَّجَنُّبَ عَنْها، وهو أنَّ تَناوُلَها فُسُوقٌ وحُرْمَتُها مِن جُمْلَةِ الدِّينِ الكامِلِ والنِّعْمَةِ التّامَّةِ والإسْلامِ المَرْضِيِّ. والمَعْنى: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مَجاعَةٍ ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ غَيْرَ مائِلٍ لَهُ ومُنْحَرِفٍ إلَيْهِ بِأنْ يَأْكُلَها تَلَذُّذًا أوْ مُجاوِزًا حَدَّ الرُّخْصَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ بِأكْلِهِ.

المائدة 5:4

﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ لِما تَضَمَّنَ السُّؤالُ مَعْنى القَوْلِ أُوقِعَ عَلى الجُمْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في ماذا وإنَّما قالَ لَهم ولَمْ يَقُلْ لَنا عَلى الحِكايَةِ، لِأنَّ يَسْئَلُونَكَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ وكِلا الوَجْهَيْنِ سائِغٌ في أمْثالِهِ، والمَسْؤُولُ ما أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ كَأنَّهم لَمّا تُلِيَ عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ سَألُوا عَمّا أُحِلَّ لَهم. ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ما لَمْ تَسْتَخْبِثْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تَنْفِرْ عَنْهُ ومِن مَفْهُومِهِ حَرُمَ مُسْتَخْبَثاتُ العَرَبِ، أوْ ما لَمْ يَدُلَّ نَصٌّ ولا قِياسٌ عَلى حُرْمَتِهِ. ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ عُطِفَ عَلى الطَّيِّباتِ إنْ جُعِلَتْ ما مَوْصُولَةً عَلى تَقْدِيرِ وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ، وجُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ إنْ جُعِلَتْ شَرْطًا وجَوابُها فَكُلُوا والجَوارِحُ كَواسِبُ الصَّيْدِ عَلى أهْلِها مِن سِباعٍ ذَواتِ الأرْبَعِ والطَّيْرِ ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مُعَلِّمِينَ إيّاهُ الصَّيْدَ، والمُكَلَّبُ مُؤَدَّبُ الجَوارِحِ ومُضِرٌّ بِها بِالصَّيْدِ. مُشْتَقٌّ مِنَ الكَلْبِ، لِأنَّ التَّأْدِيبَ يَكُونُ أكْثَرَ فِيهِ وآثَرَ، أوْ لِأنَّ كُلَّ سَبُعٍ يُسَمّى كَلْبًا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ».» وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن عَلَّمْتُمْ وفائِدَتُها المُبالَغَةُ في التَّعْلِيمِ. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ. ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّأْدِيبِ، فَإنَّ العِلْمَ بِها إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مُكْتَسَبٌ بِالعَقْلِ الَّذِي هو مِنحَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تُعَلِّمُوهُ مِنِ اتِّباعِ الصَّيْدِ بِإرْسالِ صاحِبِهِ، وأنْ يَنْزَجِرَ بِزَجْرِهِ ويَنْصَرِفَ بِدُعائِهِ ويُمْسِكَ عَلَيْهِ الصَّيْدَ ولا يَأْكُلُ مِنهُ. ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهو ما لَمْ تَأْكُلْ مِنهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «وَإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ إنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ».» وَإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ في سِباعِ الطَّيْرِ لِأنَّ تَأْدِيبَها إلى هَذا الحَدِّ مُتَعَذِّرٌ، وقالَ آخَرُونَ لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا. واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ لِما عَلَّمْتُمْ والمَعْنى: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ أوْ لِما أمْسَكْنَ بِمَعْنى سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُحَرَّماتِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُؤاخِذَكم بِما جَلَّ ودَقَّ.

المائدة 5:5

﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يَتَناوَلُ الذَّبائِحَ وغَيْرَها، ويَعُمُّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اليَهُودَ والنَّصارى، واسْتَثْنى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ. ولا يَلْحَقُ بِهِمُ المَجُوسُ في ذَلِكَ وإنْ أُلْحِقُوا بِهِمْ في التَّقْرِيرِ عَلى الجِزْيَةِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ، غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ».» ﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم وتَبِيعُوهُ مِنهم ولَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ أيِ الحَرائِرُ أوِ العَفائِفُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بَعْثٌ عَلى ما هو الأوْلى. ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لا تَحِلُّ الحَرْبِيّاتُ. ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها والحَثُّ عَلى ما هو الأوْلى. وقِيلَ المُرادُ بِإيتائِها التِزامُها مُحْصِنِينَ أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ. ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا. ﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ الصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ يُرِيدُ بِالإيمانِ شَرائِعَ الإسْلامِ وبِالكُفْرِ إنْكارَهُ والِامْتِناعَ عَنْهُ.

المائدة 5:6

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ أيْ إذا أرَدْتُمُ القِيامَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ عَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ المُسَبِّبِ عَنْها لِلْإيجازِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أرادَ العِبادَةَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ الفِعْلُ عَنِ الإرادَةِ، أوْ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ لِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى الشَّيْءِ والقِيامَ إلَيْهِ قَصْدٌ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، والإجْماعُ عَلى خِلافِهِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ يَوْمَ الفَتْحِ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ فَقالَ عَمْدًا فَعَلْتُهُ».» فَقِيلَ مُطْلَقٌ أُرِيدَ بِهِ التَّقْيِيدُ، والمَعْنى إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مُحْدِثِينَ. وقِيلَ الأمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ كانَ ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ وهو ضَعِيفٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» . ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمِرُّوا الماءَ عَلَيْها ولا حاجَةَ إلى الدَّلْكِ خِلافًا لِمالِكٍ. ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى دُخُولِ المِرْفَقَيْنِ في المَغْسُولِ ولِذَلِكَ قِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأيْدِيَكم مُضافَةً إلى المَرافِقِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِمَعْنى التَّحْدِيدِ ولا لِذِكْرِهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، لِأنَّ مُطْلَقَ اليَدِ يَشْتَمِلُ عَلَيْها. وَقِيلَ: إلى تُفِيدُ الغايَةَ مُطْلَقًا وأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ أوْ خُرُوجُها مِنهُ فَلا دَلالَةَ لَها عَلَيْهِ وإنَّما يُعْلَمُ مِن خارِجٍ ولَمْ يَكُنْ في الآيَةِ، وكانَتِ الأيْدِي مُتَناوِلَةً لَها فَحُكِمَ بِدُخُولِها احْتِياطًا. وقِيلَ إلى مِن حَيْثُ إنَّها تُفِيدُ الغايَةَ تَقْتَضِي خُرُوجَها وإلّا لَمْ تَكُنْ غايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَمَيَّزِ الغايَةُ ها هُنا عَنْ ذِي الغايَةِ وجَبَ إدْخالُها احْتِياطًا. ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباءُ مَزِيدَةٌ. وقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِكَ مَسَحَتُ المِندِيلَ وبِالمِندِيلِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الإلْصاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وألْصِقُوا المَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاسْتِيعابَ بِخِلافِ ما (p-117) لَوْ قِيلَ: وامْسَحُوا رُؤُوسَكم فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَدْرِ الواجِبِ فَأوْجَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقَلُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أخْذًا بِاليَقِينِ. وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَسَحَ رُبُعَ الرَّأْسِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الرُّبُعِ. ومالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَسْحُ كُلِّهِ أخْذًا بِالِاحْتِياطِ. ﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ نَصَبَهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى وُجُوهِكم ويُؤَيِّدُهُ: السُّنَّةُ الشّائِعَةُ، وعَمَلُ الصَّحابَةِ، وقَوْلُ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، والتَّحْدِيدُ، إذِ المَسْحُ لَمْ يُحَدَّ. وَجَرَّهُ الباقُونَ عَلى الجِوارِ ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بِالجَرِّ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وقَوْلِهِمْ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ. ولِلنُّحاةِ بابٌ في ذَلِكَ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِدَ في صَبِّ الماءِ عَلَيْها ويُغْسَلُ غَسْلًا يَقْرُبُ مِنَ المَسْحِ، وفي الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخَوَيْهِ إيماءً عَلى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى «وَأرْجُلُكُمْ» مَغْسُولَةٌ. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ فاغْتَسِلُوا. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَهُ لِيَتَّصِلَ الكَلامُ في بَيانِ أنْواعِ الطَّهارَةِ. ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ أيْ ما يُرِيدُ الأمْرَ بِالطِّهارَةِ لِلصَّلاةِ أوِ الأمْرَ بِالتَّيَمُّمِ تَضْيِيقًا عَلَيْكم. ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ لِيُنَظِّفَكُمْ، أوْ لِيُطَهِّرَكم عَنِ الذُّنُوبِ فَإنَّ الوُضُوءَ تَكْفِيرٌ لِلذُّنُوبِ، أوْ لِيُطَهِّرَكم بِالتُّرابِ إذا أعْوَزَكم التَّطْهِيرُ بِالماءِ. فَمَفْعُولٌ يُرِيدُ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ واللّامُ لِلْعِلَّةِ. وقِيلَ مَزِيدَةٌ والمَعْنى: ما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ حَتّى لا يُرَخِّصَ لَكم في التَّيَمُّمِ، ولَكِنْ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكم وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ أنْ لا تُقَدَّرُ بَعْدَ المَزِيدَةِ. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ لِيُتِمَّ بِشَرْعِهِ ما هو مَطْهَرَةٌ لِأبْدانِكم ومَكْفَرَةٌ لِذُنُوبِكم نِعْمَتَهُ عَلَيْكم في الدِّينِ، أوْ لِيُتِمَّ بِرُخَصِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِعَزائِمِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ. والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى سَبْعَةِ أُمُورٍ كُلُّها مُثَنّى: طَهارَتانِ أصْلٌ وبَدَلٌ، والأصْلُ اثْنانِ مُسْتَوْعِبٍ وغَيْرُ مُسْتَوْعِبٍ، وغَيْرُ المُسْتَوْعِبِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ غَسَلَ ومَسَحَ وبِاعْتِبارِ المَحَلِّ مَحْدُودٌ وغَيْرُ مَحْدُودٍ، وأنَّ آلَتَهُما مائِعٌ وجامِدٌ، ومُوجِبُهُما حَدَثٌ أصْغَرُ وأكْبَرُ، وأنَّ المُبِيحَ لِلْعُدُولِ إلى البَدَلِ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ، وأنَّ المَوْعُودَ عَلَيْهِما تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وإتْمامُ النِّعْمَةِ.

المائدة 5:7

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالإسْلامِ لِتُذَكِّرَكُمُ المُنْعِمَ وتُرَغِّبَكم في شُكْرِهِ. ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، أوْ مِيثاقَهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أوْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في إنْساءِ نِعْمَتِهِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ بِخَفَياتِها فَيُجازِيكم عَلَيْها فَضْلًا عَنْ جَلِيّاتِ أعْمالِكم.

المائدة 5:8

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ عَدّاهُ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحَمْلِ، والمَعْنى لا يَحْمِلَنَّكم شِدَّةُ بُغْضِكم لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَرْكِ العَدْلِ فِيهِمْ فَتَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ، كَمُثَلَةٍ وقَذْفٍ وقَتْلِ نِساءٍ وصِبْيَةٍ ونَقْضِ عَهْدٍ تَشَفِّيًا مِمّا في قُلُوبِكم. ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيِ العَدْلُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، صَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ التَّقْوى بَعْدَ ما نَهاهم عَنِ الجَوْرِ وبَيَّنَ أنَّهُ مُقْتَضى الهَوى، وإذا كانَ هَذا لِلْعَدْلِ مَعَ الكُفّارِ فَما ظَنُّكَ بِالعَدْلِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ، وتَكْرِيرُ هَذا الحُكْمِ إمّا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ كَما قِيلَ إنَّ الأُولى نَزَلَتْ في (p-118) المُشْرِكِينَ وهَذِهِ في اليَهُودِ، أوْ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ ثائِرَةِ الغَيْظِ.

المائدة 5:9

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ إنَّما حُذِفَ ثانِي مَفْعُولَيْ وعَدَ اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ لَهم مَغْفِرَةٌ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُهُ. وقِيلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ فَإنَّ الوَعْدَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ وكَأنَّهُ قالَ: وعَدَهم هَذا القَوْلَ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذا مِن عادَتِهِ تَعالى، أنْ يُتْبِعَ حالَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ حالَ الآخَرِ وفاءً بِحَقِّ الدَّعْوَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَطْيِيبٌ لِقُلُوبِهِمْ.

المائدة 5:10

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ إنَّما حُذِفَ ثانِي مَفْعُولَيْ وعَدَ اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ لَهم مَغْفِرَةٌ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُهُ. وقِيلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ فَإنَّ الوَعْدَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ وكَأنَّهُ قالَ: وعَدَهم هَذا القَوْلَ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذا مِن عادَتِهِ تَعالى، أنْ يُتْبِعَ حالَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ حالَ الآخَرِ وفاءً بِحَقِّ الدَّعْوَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَطْيِيبٌ لِقُلُوبِهِمْ.

المائدة 5:11

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ رُوِيَ « (أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ بِعَسْفانَ، قامُوا إلى الظُّهْرِ مَعًا فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمُوا ألّا كانُوا أكَبُّوا عَلَيْهِمْ وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلى العَصْرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَيْدَهم بِأنْ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ صَلاةَ الخَوْفِ» . والآيَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وقِيلَ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى قُرَيْظَةَ ومَعَهُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ يَسْتَقْرِضُهم لِدِيَةِ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ يَحْسَبُهُما مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُقْرِضَكَ فَأجْلَسُوهُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، فَعَمَدَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ إلى رَحًى عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ يَدَهُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ فَخَرَجَ» . وَقِيلَ « (نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنزِلًا وعَلَّقَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ وتَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَسَلَّ سَيْفَهُ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ: اللَّهُ! فَأسْقَطَهُ جِبْرِيلُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ: لا أحَدَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَنَزَلَتْ.» ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالقَتْلِ والإهْلاكِ، يُقالُ بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ وبَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ إذا شَتَمَهُ. ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ مَنَعَها أنْ تُمَدَّ إلَيْكم ورَدَّ مَضَرَّتَها عَنْكم. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ الكافِي لِإيصالِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ.

المائدة 5:12

﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ شاهِدًا مِن كُلِّ سِبْطٍ يُنَقِّبُ عَنْ أحْوالِ قَوْمِهِ ويُفَتِّشُ عَنْها، أوْ كَفِيلًا يَكْفُلُ عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ. رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا فَرَغُوا مِن فِرْعَوْنَ واسْتَقَرُّوا بِمِصْرَ، أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمَسِيرِ إلى أُرَيْحاءَ مِن أرْضِ الشّامِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبابِرَةُ الكَنْعانِيُّونَ وقالَ: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا وقَرارًا فاخْرُجُوا إلَيْها وجاهِدُوا مَن فِيها فَإنِّي ناصِرُكُمْ، وأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ كَفِيلًا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ واخْتارَ مِنهُمُ النُّقَباءَ وسارَ بِهِمْ، فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُّقَباءَ يَتَجَسَّسُونَ الأخْبارَ، ونَهاهم أنْ يُحَدِّثُوا قَوْمَهُمْ، فَرَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وبَأْسًا شَدِيدًا فَهابُوا ورَجَعُوا وحَدَّثُوا قَوْمَهم ونَكَثُوا المِيثاقَ إلّا كالِبَ بْنَ يُوفِنا مِن سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشِعَ بْنَ نُونٍ (p-119)مِن سِبْطِ أفْرائِيمَ بْنَ يُوسُفَ. ﴿وَقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالنُّصْرَةِ ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أيْ نَصَرْتُمُوهم وقَوَّيْتُمُوهم وأصْلُهُ الذَّبُّ ومِنهُ التَّعْزِيزُ. ﴿وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ وقَرْضًا يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللّامِ في لَئِنْ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. ﴿وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرْطِ المُؤَكَّدِ المُعَلَّقِ بِهِ الوَعْدُ العَظِيمُ. ﴿مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ضَلالًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا عُذْرَ مَعَهُ بِخِلافِ مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، إذْ قَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ ويَتَوَهَّمُ لَهُ مَعْذِرَةً.

المائدة 5:13

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ طَرَدْناهم مِن رَحْمَتِنا، أوْ مَسَخْناهم أوْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ. ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ لا تَنْفَعِلُ عَنِ الآياتِ والنُّذُرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «قَسِيَّةً» وهي إمّا مُبالَغَةُ قاسِيَةً أوْ بِمَعْنى رَدِيئَةً مِن قَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ قَسِيٌّ إذا كانَ مَغْشُوشًا، وهو أيْضًا مِنَ القَسْوَةِ فَإنَّ المَغْشُوشَ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ وقُرِئَ «قِسِيَّةً» بِإتْباعِ القافِ لِلسِّينِ. ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّهُ لا قَسْوَةَ أشَدَّ مِن تَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِ لَعَنّاهم لا مِنَ القُلُوبِ إذْ لا ضَمِيرَ لَهُ فِيهِ. ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾ وتَرَكُوا نَصِيبًا وافِيًا. ﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، أوْ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى أنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ وتَرَكُوا حَظَّهم مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَنالُوهُ، وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهم حَرَّفُوها فَزَلَّتْ بِشُؤْمِهِ أشْياءُ مِنها عَنْ حِفْظِهِمْ، لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ خِيانَةً مِنهُمْ، أوْ فِرْقَةٍ خائِنَةٍ أوْ خائِنٍ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والمَعْنى أنَّ الخِيانَةَ والغَدْرَ مِن عادَتِهِمْ وعادَةِ أسْلافِهِمْ لا تَزالُ تَرى ذَلِكَ مِنهم. ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ لَمْ يَخُونُوا وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ، وقِيلَ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ إنْ تابُوا وآمَنُوا أوْ عاهَدُوا والتَزَمُوا الجِزْيَةَ. وقِيلَ: مُطْلَقٌ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّفْحِ وحَثٌّ عَلَيْهِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنِ الكافِرِ الخائِنِ إحْسانٌ فَضْلًا عَنِ العَفْوِ عَنْ غَيْرِهِ.

المائدة 5:14

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ وأخَذْنا مِنَ النَّصارى مِيثاقَهم كَما أخَذْنا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى قَوْمٌ أخَذْنا، وإنَّما قالَ قالُوا إنّا نَصارى لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم سَمَّوْا أنْفُسَهم بِذَلِكَ ادِّعاءً لِنُصْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا﴾ فَألْزَمْنا مِن غَرِيَ بِالشَّيْءِ إذا لَصِقَ بِهِ. ﴿بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بَيْنَ فِرَقِ النَّصارى، وهم نُسْطُورِيَّةٌ ويَعْقُوبِيَّةٌ ومَلْكانِيَّةٌ، أوْ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ. ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ بِالجَزاءِ والعِقابِ.

المائدة 5:15

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى، ووَحَّدَ الكِتابَ لِأنَّهُ لِلْجِنْسِ. ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم (p-120)كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ كُنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وآيَةُ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ وبِشارَةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأحْمَدَ ﷺ في الإنْجِيلِ. ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِمّا تُخْفُونَهُ لا يُخْبِرُ بِهِ إذا لَمْ يَضْطَرَّ إلَيْهِ أمْرٌ دِينِيٌّ، أوْ عَنْ كَثِيرٍ مِنكم فَلا يُؤَخِذاهُ بِجُرْمِهِ. ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ الكاشِفُ لِظُلُماتِ الشَّكِّ والضَّلالِ والكِتابُ الواضِحُ الإعْجازَ. وقِيلَ يُرِيدُ بِالنُّورِ مُحَمَّدًا ﷺ.

المائدة 5:16

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ وحَّدَ الضَّمِيرَ لِأنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ، أوْ لِأنَّهُما كَواحِدٍ في الحُكْمِ. ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ مَنِ اتَّبَعَ رِضاهُ بِالإيمانِ مِنهم. ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ طُرُقَ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، أوْ سُبُلَ اللَّهِ. ﴿وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِن أنْواعِ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِإرادَتِهِ أوْ تَوْفِيقِهِ. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طَرِيقٍ هو أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ومُؤَدٍّ إلَيْهِ لا مَحالَةَ.

المائدة 5:17

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هُمُ الَّذِينَ قالُوا بِالِاتِّحادِ مِنهُمْ، وقِيلَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أحَدٌ مِنهم ولَكِنْ لَمّا زَعَمُوا أنَّ فِيهِ لاهُوتًا وقالُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واحِدٌ لَزِمَهم أنْ يَكُونَ هو المَسِيحَ فَنَسَبَ إلَيْهِمْ لازِمَ قَوْلِهِمْ تَوْضِيحًا لِجَهْلِهِمْ وتَفْضِيحًا لِمُعْتَقَدِهِمْ. ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَمَن يَمْنَعُ مِن قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ شَيْئًا. ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ﴾ عِيسى ﴿ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ احْتُجَّ بِذَلِكَ عَلى فَسادِ عُقُولِهِمْ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ المَسِيحَ مَقْدُورٌ مَقْهُورٌ قابِلٌ لِلْفَناءِ كَسائِرِ المُمْكَناتِ ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إزاحَةً لِما عُرِضَ لَهم مِنَ الشُّبْهَةِ في أمْرِهِ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى الإطْلاقِ يَخْلُقُ مِن غَيْرِ أصْلٍ كَما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ومِن أصْلٍ كَخَلْقِ ما بَيْنَهُما فَيُنْشِئُ مِن أصْلٍ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ كَآدَمَ وكَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ، ومِن أصْلٍ يُجانِسُهُ إمّا مِن ذَكَرٍ وحْدَهُ كَما خَلَقَ حَوّاءَ أوْ مِن أُنْثى وحْدَها كَعِيسى، أوْ مِنهُما كَسائِرِ النّاسِ.

المائدة 5:18

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ أشْياعُ ابْنَيْهِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ كَما قِيلَ لِأشْياعِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الخَبِيبُونَ أوِ المُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ قُرْبَ الأوْلادِ مِن والِدِهِمْ وقَدْ سَبَقَ لِنَحْوِ ذَلِكَ مَزِيدُ بَيانٍ في سُورَةِ «آلِ عِمْرانَ» . ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ فَإنْ صَحَّ ما زَعَمْتُمْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم فَإنَّ مَن كانَ بِهَذا المَنصِبِ لا يَفْعَلُ ما يُوجِبُ تَعْذِيبَهُ، وقَدْ عَذَّبَكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والمَسْخِ واعْتَرَفْتُمْ بِأنَّهُ سَيُعَذِّبُكم بِالنّارِ أيّامًا مَعْدُوداتٍ. ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ مِمَّنْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ وهم مَن آمَنَ بِهِ وبِرُسُلِهِ. ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ وهم مَن كَفَرَ، والمَعْنى أنَّهُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ سائِرِ النّاسِ لا مَزِيَّةَ لَكم عِنْدَهُ. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ كُلُّها سَواءٌ في كَوْنِها خَلْقًا ومُلْكًا لَهُ. ﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.

المائدة 5:19

(p-121)﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أيِ الدِّينَ، وحُذِفَ لِظُهُورِهِ، أوْ ما كَتَمْتُمْ وحُذِفَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ عَلى مَعْنى يَبْذُلُ لَكُمُ البَيانَ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ جاءَكم رَسُولُنا مُبَيِّنًا لَكم. ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَكم أيْ جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورٍ مِنَ الإرْسالِ وانْقِطاعٍ مِنَ الوَحْيِ، أوْ يُبَيِّنُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ. ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا ذَلِكَ وتَعْتَذِرُوا بِهِ. ﴿فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ لا تَعْتَذِرُوا بِ ما جاءَنا فَقَدْ جاءَكم. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإرْسالِ تَتْرى كَما فَعَلَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذْ كانَ بَيْنَهُما ألْفٌ وسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وألْفُ نَبِيٍّ، وعَلى الإرْسالِ عَلى فَتْرَةٍ كَما فَعَلَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةٍ أوْ خَمْسُمِائَةٍ وتِسْعٌ وسِتُّونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ خالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ، وفي الآيَةِ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ حِينَ انْطَمَسَتْ آثارُ الوَحْيِ وكانُوا أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ.

المائدة 5:20

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ فَأرْشَدَكم وشَرَّفَكم بِهِمْ ولَمْ يَبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بَعَثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ أيْ وجَعَلَ مِنكم أوْ فِيكُمْ، وقَدْ تَكاثَرَ فِيهِمُ المُلُوكُ تَكاثَرَ الأنْبِياءُ بَعْدَ فِرْعَوْنَ حَتّى قَتَلُوا يَحْيى وهَمُّوا بِقَتْلِ عِيسى، وقِيلَ: لِما كانُوا مَمْلُوكِينَ في أيْدِي القِبْطِ فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَهم مالِكِينَ لِأنْفُسِهِمْ وأُمُورِهِمْ سَمّاهم مُلُوكًا. ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى ونَحْوَها مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعالَمِينَ عالَمِي زَمانِهِمْ.

المائدة 5:21

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أرْضَ بَيْتِ المَقْدِسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ قَرارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الطَّوْرُ وما حَوْلَهُ. وقِيلَ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ. وقِيلَ الشّامُ. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَسَمَها لَكم أوْ كُتِبَ في اللَّوْحِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكُمْ، ولَكِنْ إنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ لِقَوْلِهِ لَهم بَعْدَ ما عَصَوْا فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ ولا تَرْجِعُوا مُدْبِرِينَ خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ قِيلَ لَمّا سَمِعُوا حالَهم مِنَ النُّقَباءِ بَكَوْا وقالُوا: لَيْتَنا مُتْنا بِمِصْرَ تَعالَوْا نَجْعَلْ عَلَيْنا رَأْسًا يَنْصَرِفُ بِنا إلى مِصْرَ، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ثَوابَ الدّارَيْنِ، ويَجُوزُ في فَتَنْقَلِبُوا الجَزْمُ عَلى العَطْفِ والنَّصْبُ عَلى الجَوابِ. ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ مُتَغَلِّبِينَ لا تَتَأتّى مُقاوَمَتُهُمْ، والجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ وهو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُهُ. ﴿وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ إذْ لا طاقَةَ لَنا بِهِمْ.(p-122)

المائدة 5:22

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أرْضَ بَيْتِ المَقْدِسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ قَرارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الطَّوْرُ وما حَوْلَهُ. وقِيلَ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ. وقِيلَ الشّامُ. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَسَمَها لَكم أوْ كُتِبَ في اللَّوْحِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكُمْ، ولَكِنْ إنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ لِقَوْلِهِ لَهم بَعْدَ ما عَصَوْا فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ ولا تَرْجِعُوا مُدْبِرِينَ خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ قِيلَ لَمّا سَمِعُوا حالَهم مِنَ النُّقَباءِ بَكَوْا وقالُوا: لَيْتَنا مُتْنا بِمِصْرَ تَعالَوْا نَجْعَلْ عَلَيْنا رَأْسًا يَنْصَرِفُ بِنا إلى مِصْرَ، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ثَوابَ الدّارَيْنِ، ويَجُوزُ في فَتَنْقَلِبُوا الجَزْمُ عَلى العَطْفِ والنَّصْبُ عَلى الجَوابِ. ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ مُتَغَلِّبِينَ لا تَتَأتّى مُقاوَمَتُهُمْ، والجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ وهو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُهُ. ﴿وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ إذْ لا طاقَةَ لَنا بِهِمْ.(p-122)

المائدة 5:23

﴿قالَ رَجُلانِ﴾ كالِبُ ويُوشِعُ ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَتَّقُونَهُ. وقِيلَ كانَ رَجُلانِ مِنَ الجَبابِرَةِ أسْلَما وسارا إلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَلى هَذا الواوُ لِبَنِي إسْرائِيلَ والرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، ويَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ قُرِئَ «الَّذِينَ يُخافُونَ» بِالضَّمِّ أيِ المُخَوِّفِينَ، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا مِنَ الإخافَةِ أيِ مِنَ الَّذِينَ يُخَوِّفُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّذْكِيرِ أوْ يُخَوِّفُهُمُ الوَعِيدُ. ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ بِالإيمانِ والتَّثْبِيتِ وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِرَجُلانِ أوِ اعْتِراضٌ. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ بابَ قَرْيَتِهِمْ أيْ باغِتُوهم وضاغِطُوهم في المَضِيقِ وامْنَعُوهم مِنَ الأصْحارِ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ لِتَعَسُّرِ الكَرِّ عَلَيْهِمْ في المَضايِقِ مِن عِظَمِ أجْسامِهِمْ، ولِأنَّهم أجْسامٌ لا قُلُوبَ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُما بِذَلِكَ مِن إخْبارِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْلُهُ: كَتَبَ اللَّهُ لَكم أوْ مِمّا عَلِما مِن عادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في نُصْرَةِ رُسُلِهِ، وما عَهِدا مِن صُنْعِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَهْرِ أعْدائِهِ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُؤْمِنِينَ بِهِ ومُصَدِّقِينَ بِوَعْدِهِ.

المائدة 5:24

﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا﴾ نَفَوْا دُخُولَهم عَلى التَّأْكِيدِ والتَّأْبِيدِ. ما ﴿دامُوا فِيها﴾ بَدَلٌ مِن أبَدًا بَدَلُ البَعْضِ. ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وعَدَمَ مُبالاةٍ بِهِما، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ يُعِينُكَ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ قالَهُ شَكْوى بَثِّهِ وحُزْنِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما خالَفَهُ قَوْمُهُ وأيِسَ مِنهُمْ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ مُوافِقٌ يَثِقُ بِهِ غَيْرُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والرَّجُلانِ المَذْكُورانِ وإنْ كانا يُوافِقانِهِ لَمْ يَثِقْ عَلَيْهِما لِما كابَدَ مِن تَلَوُّنِ قَوْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأخِي مَن يُواخِينِي في الدِّينِ فَيَدْخُلانِ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلى نَفْسِي، أوْ عَلى اسْمِ أنَّ ورَفْعُهُ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لا أمْلِكُ، أوْ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وجَرُّهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في نَفْسِي. ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، أوْ بِالتَّبْعِيدِ بَيْنَنا وبَيْنَهم وتَخْلِيصِنا مِن صُحْبَتِهِمْ.

المائدة 5:25

﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا﴾ نَفَوْا دُخُولَهم عَلى التَّأْكِيدِ والتَّأْبِيدِ. ما ﴿دامُوا فِيها﴾ بَدَلٌ مِن أبَدًا بَدَلُ البَعْضِ. ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وعَدَمَ مُبالاةٍ بِهِما، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ يُعِينُكَ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ قالَهُ شَكْوى بَثِّهِ وحُزْنِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما خالَفَهُ قَوْمُهُ وأيِسَ مِنهُمْ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ مُوافِقٌ يَثِقُ بِهِ غَيْرُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والرَّجُلانِ المَذْكُورانِ وإنْ كانا يُوافِقانِهِ لَمْ يَثِقْ عَلَيْهِما لِما كابَدَ مِن تَلَوُّنِ قَوْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأخِي مَن يُواخِينِي في الدِّينِ فَيَدْخُلانِ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلى نَفْسِي، أوْ عَلى اسْمِ أنَّ ورَفْعُهُ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لا أمْلِكُ، أوْ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وجَرُّهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في نَفْسِي. ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، أوْ بِالتَّبْعِيدِ بَيْنَنا وبَيْنَهم وتَخْلِيصِنا مِن صُحْبَتِهِمْ.

المائدة 5:26

﴿قالَ فَإنَّها﴾ فَإنَّ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ. ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ. ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ عامِلُ الظَّرْفِ إمّا مُحَرَّمَةٌ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُوَقَّتًا غَيْرَ مُؤَبَّدٍ فَلا يُخالِفُ ظاهِرَ قَوْلِهِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سارَ بَعْدَهُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَفَتَحَ أُرَيْحاءَ، وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ قُبِضَ. وَقِيلَ: إنَّهُ قُبِضَ في التِّيهِ ولَمّا احْتُضِرَ أخْبَرَهم بِأنَّ يُوشِعَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِقِتالِ الجَبابِرَةِ، فَسارَ بِهِمْ يُوشِعُ وقَتَلَ الجَبابِرَةَ وصارَ الشّامُ كُلُّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإمّا يَتِيهُونَ أيْ يَسِيرُونَ فِيها مُتَحَيِّرِينَ لا يَرَوْنَ طَرِيقًا فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا، وقَدْ قِيلَ لَمْ يَدْخُلِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ أحَدٌ مِمَّنْ قالَ إنّا لَنْ نَدْخُلَها بَلْ هَلَكُوا في التِّيهِ، وإنَّما قاتَلَ الجَبابِرَةَ أوْلادُهم. رُوِيَ: أنَّهم لَبِثُوا أرْبَعِينَ سَنَةً في سِتَّةِ فَراسِخَ يَسِيرُونَ مِنَ الصَّباحِ إلى المَساءِ، فَإذا هم بِحَيْثُ ارْتَحَلُوا عَنْهُ، وكانَ الغَمامُ (p-123) يُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ وعَمُودٍ مِن نُورٍ يَطْلُعُ بِاللَّيْلِ فَيُضِيءُ لَهُمْ، وكانَ طَعامُهُمُ المَنَّ والسَّلْوى وماؤُهم مِنَ الحَجْرِ الَّذِي يَحْمِلُونَهُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ مُوسى وهارُونَ كانا مَعَهم في التِّيهِ إلّا أنَّهُ كانَ ذَلِكَ رَوْحًا لَهُما وزِيادَةً في دَرَجَتِهِما، وعُقُوبَةً لَهُمْ، وأنَّهُما ماتا فِيهِ ماتَ هارُونُ، ومُوسى بَعْدَهُ بِسَنَةٍ. ثُمَّ دَخَلَ يُوشِعُ أُرَيْحاءَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ وماتَ النُّقَباءُ فِيهِ بَغْتَةً غَيْرَ كالِبٍ ويُوشِعَ. ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ خاطَبَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما نَدِمَ عَلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وبَيَّنَ أنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ لِفِسْقِهِمْ.

المائدة 5:27

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ قابِيلَ وهابِيلَ، أوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما تَوْأمَةَ الآخَرِ، فَسَخِطَ مِنهُ قابِيلُ لِأنَّ تَوْأمَتَهُ كانَتْ أجْمَلَ، فَقالَ لَهُما آدَمُ: قَرِّبا قُرْبانًا فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، فَقُبِلَ قُرْبانُ هابِيلَ بِأنْ نَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ، فازْدادَ قابِيلُ سَخَطًا وفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ لَمْ يُرِدْ بِهِما ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وأنَّهُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولِذَلِكَ قالَ: كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. بِالحَقِّ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اتْلُ، أوْ مِن نَبَأٍ أيْ مُلْتَبِسًا بِالصِّدْقِ مُوافِقًا لِما في كُتُبِ الأوَّلِينَ ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ ظَرْفٌ لِنَبَأٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ بَدَلٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، والقُرْبانُ اسْمُ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن ذَبِيحَةٍ أوْ غَيْرِها، كَما أنَّ الحُلْوانَ اسْمُ ما يُحَلّى بِهِ أيْ يُعْطى، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولِذَلِكَ لَمْ يُثَنَّ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ إذْ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانًا. قِيلَ كانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ وقَرَّبَ أرْدَأ قَمْحٍ عِنْدَهُ، وهابِيلُ صاحِبُ ضَرْعٍ وقَرَّبَ جَمَلًا سَمِينًا. ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ لِأنَّهُ سَخِطَ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ في قُرْبانِهِ وقَصَدَ إلى أخَسِّ ما عِنْدَهُ. ﴿قالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ تَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ لِفَرْطِ الحَسَدِ لَهُ عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِهِ ولِذَلِكَ. ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ في جَوابِهِ أيْ إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ بِتَرْكِ التَّقْوى لا مِن قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحاسِدَ يَنْبَغِي أنْ يَرى حِرْمانَهُ مِن تَقْصِيرِهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ ما بِهِ صارَ المَحْسُودُ مَحْظُوظًا، لا في إزالَةِ حَظِّهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ، وأنَّ الطّاعَةَ لا تُقْبَلُ إلّا مِن مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ. ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَسْلَمَ لَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ الدَّفْعَ لَمْ يُبَحْ بَعْدُ، أوْ تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» . وَإنَّما قالَ: ما أنا بِباسِطٍ في جَوابِ لَئِنْ بَسَطْتَ لِلتَّبَرِّي عَنْ هَذا الفِعْلِ الشَّنِيعِ رَأْسًا، والتَّحَرُّزِ مِن أنْ يُوصَفَ بِهِ ويُطْلَقَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ أكَّدَ النَّفْيَ بِالباءِ.

المائدة 5:28

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ قابِيلَ وهابِيلَ، أوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما تَوْأمَةَ الآخَرِ، فَسَخِطَ مِنهُ قابِيلُ لِأنَّ تَوْأمَتَهُ كانَتْ أجْمَلَ، فَقالَ لَهُما آدَمُ: قَرِّبا قُرْبانًا فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، فَقُبِلَ قُرْبانُ هابِيلَ بِأنْ نَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ، فازْدادَ قابِيلُ سَخَطًا وفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ لَمْ يُرِدْ بِهِما ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وأنَّهُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولِذَلِكَ قالَ: كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. بِالحَقِّ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اتْلُ، أوْ مِن نَبَأٍ أيْ مُلْتَبِسًا بِالصِّدْقِ مُوافِقًا لِما في كُتُبِ الأوَّلِينَ ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ ظَرْفٌ لِنَبَأٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ بَدَلٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، والقُرْبانُ اسْمُ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن ذَبِيحَةٍ أوْ غَيْرِها، كَما أنَّ الحُلْوانَ اسْمُ ما يُحَلّى بِهِ أيْ يُعْطى، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولِذَلِكَ لَمْ يُثَنَّ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ إذْ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانًا. قِيلَ كانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ وقَرَّبَ أرْدَأ قَمْحٍ عِنْدَهُ، وهابِيلُ صاحِبُ ضَرْعٍ وقَرَّبَ جَمَلًا سَمِينًا. ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ لِأنَّهُ سَخِطَ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ في قُرْبانِهِ وقَصَدَ إلى أخَسِّ ما عِنْدَهُ. ﴿قالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ تَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ لِفَرْطِ الحَسَدِ لَهُ عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِهِ ولِذَلِكَ. ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ في جَوابِهِ أيْ إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ بِتَرْكِ التَّقْوى لا مِن قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحاسِدَ يَنْبَغِي أنْ يَرى حِرْمانَهُ مِن تَقْصِيرِهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ ما بِهِ صارَ المَحْسُودُ مَحْظُوظًا، لا في إزالَةِ حَظِّهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ، وأنَّ الطّاعَةَ لا تُقْبَلُ إلّا مِن مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ. ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَسْلَمَ لَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ الدَّفْعَ لَمْ يُبَحْ بَعْدُ، أوْ تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» . وَإنَّما قالَ: ما أنا بِباسِطٍ في جَوابِ لَئِنْ بَسَطْتَ لِلتَّبَرِّي عَنْ هَذا الفِعْلِ الشَّنِيعِ رَأْسًا، والتَّحَرُّزِ مِن أنْ يُوصَفَ بِهِ ويُطْلَقَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ أكَّدَ النَّفْيَ بِالباءِ.

المائدة 5:29

﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ عَنِ المُعارَضَةِ والمُقاوَمَةِ، والمَعْنى إنَّما أسْتَسْلِمُ لَكَ إرادَةَ أنْ تَحْمِلَ إثْمِي لَوْ بَسَطْتَ إلَيْكَ يَدَيْ، وإثْمَكَ بِبَسْطِكَ يَدَكَ إلَيَّ ونَحْوَهُ المُسْتَبانُ ما قالا فَعَلى البادِئِ ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ. وقِيلَ مَعْنى بِإثْمِي بِإثْمِ قَتْلِي، وبِإثْمِكَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِن أجْلِهِ قُرْبانُكَ، وكِلاهُما في مَوْضِعِ الحالِ أيْ تَرْجِعُ مُلْتَبِسًا بِالإثْمَيْنِ حامِلًا لَهُما، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ مَعْصِيَةَ أخِيهِ وشَقاوَتَهُ بَلْ قَصْدُهُ بِهَذا الكَلامِ إلى أنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ لا مَحالَةَ واقِفًا فَأُرِيدُ أنْ يَكُونَ لَكَ لا لِي، (p-124) فالمُرادُ بِالذّاتِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ لا أنْ يَكُونَ لِأخِيهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإثْمِ عُقُوبَتَهُ وإرادَةُ عِقابِ العاصِي جائِزَةٌ. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ فَسَهَّلَتْهُ لَهُ ووَسِعَتْهُ مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ إذا اتَّسَعَ. وقُرِئَ «فَطاوَعَتْ» عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمَعْنى فَعَلَ، أوْ عَلى أنَّ قَتْلَ أخِيهِ كَأنَّهُ دَعاها إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ فَطاوَعَتْهُ، ولَهُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ كَقَوْلِكَ حَفِظْتُ لِزَيْدٍ مالَهُ. ﴿فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ دِينًا ودُنْيا، إذْ بَقِيَ مُدَّةَ عُمُرِهِ مَطْرُودًا مَحْزُونًا. قِيلَ قُتِلَ هابِيلُ وهو ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ. وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ.

المائدة 5:30

﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ عَنِ المُعارَضَةِ والمُقاوَمَةِ، والمَعْنى إنَّما أسْتَسْلِمُ لَكَ إرادَةَ أنْ تَحْمِلَ إثْمِي لَوْ بَسَطْتَ إلَيْكَ يَدَيْ، وإثْمَكَ بِبَسْطِكَ يَدَكَ إلَيَّ ونَحْوَهُ المُسْتَبانُ ما قالا فَعَلى البادِئِ ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ. وقِيلَ مَعْنى بِإثْمِي بِإثْمِ قَتْلِي، وبِإثْمِكَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِن أجْلِهِ قُرْبانُكَ، وكِلاهُما في مَوْضِعِ الحالِ أيْ تَرْجِعُ مُلْتَبِسًا بِالإثْمَيْنِ حامِلًا لَهُما، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ مَعْصِيَةَ أخِيهِ وشَقاوَتَهُ بَلْ قَصْدُهُ بِهَذا الكَلامِ إلى أنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ لا مَحالَةَ واقِفًا فَأُرِيدُ أنْ يَكُونَ لَكَ لا لِي، (p-124) فالمُرادُ بِالذّاتِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ لا أنْ يَكُونَ لِأخِيهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإثْمِ عُقُوبَتَهُ وإرادَةُ عِقابِ العاصِي جائِزَةٌ. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ فَسَهَّلَتْهُ لَهُ ووَسِعَتْهُ مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ إذا اتَّسَعَ. وقُرِئَ «فَطاوَعَتْ» عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمَعْنى فَعَلَ، أوْ عَلى أنَّ قَتْلَ أخِيهِ كَأنَّهُ دَعاها إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ فَطاوَعَتْهُ، ولَهُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ كَقَوْلِكَ حَفِظْتُ لِزَيْدٍ مالَهُ. ﴿فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ دِينًا ودُنْيا، إذْ بَقِيَ مُدَّةَ عُمُرِهِ مَطْرُودًا مَحْزُونًا. قِيلَ قُتِلَ هابِيلُ وهو ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ. وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ.

المائدة 5:31

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَحَيَّرَ في أمْرِهِ ولَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ إذْ كانَ أوَّلَ مَيِّتٍ مِن بَنِي آدَمَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ. والضَّمِيرُ في لِيُرِيَ، لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ لِلْغُرابِ، وكَيْفَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يُوارِي والجُمْلَةُ ثانِي مَفْعُولَيْ يُرِيَ والمُرادُ بِسَوْأةِ أخِيهِ جَسَدُهُ المَيِّتُ فَإنَّهُ مِمّا يُسْتَقْبَحُ أنْ يُرى. ﴿قالَ يا ويْلَتا﴾ كَلِمَةُ جَزَعٍ وتَحَسُّرٍ والألِفُ فِيها بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ. والمَعْنى يا ويْلَتِي احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، والوَيْلُ والوَيْلَةُ الهِلْكَةُ. ﴿أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ لا أهْتَدِي إلى مِثْلِ ما اهْتَدى إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: فَأُوارِيَ عُطِفَ عَلى أكُونَ ولَيْسَ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ إذْ لَيْسَ المَعْنى هاهُنا لَوْ عَجَزْتُ لَوارَيْتُ، وقُرِئَ بِالسُّكُونِ عَلى فَأنا أُوارِي أوْ عَلى تَسْكِينِ المَنصُوبِ تَخْفِيفًا. ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ عَلى قَتْلِهِ لِما كابَدَ فِيهِ مِنَ التَّحَيُّرِ في أمْرِهِ وحَمْلِهِ عَلى رَقَبَتِهِ سَنَةً أوْ أكْثَرَ عَلى ما قِيلَ، وتَلْمُذِهِ لِلْغُرابِ واسْوِدادِ لَوْنِهِ وتَبَرِّي أبَوَيْهِ مِنهُ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ فَقالَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا فَقالَ بَلْ قَتَلْتَهُ ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ وتَبَرَّأ مِنهُ ومَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِائَةَ سَنَةٍ لا يَضْحَكُ وعَدَمِ الظَّفَرَ بِما فَعَلَهُ مِن أجْلِهِ.

المائدة 5:32

﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِسَبَبِهِ قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وأجْلُ في الأصْلِ مَصْدَرُ أجَلَ شَرًّا إذا جَناهُ اسْتُعْمِلَ في تَعْلِيلِ الجِناياتِ كَقَوْلِهِمْ، مِن جَرّاكَ فَعَلْتُهُ، أيْ مِن أنْ جَرَرْتُهُ أيْ جَنَيْتُهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعْلِيلٍ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَتَبْنا أيِ ابْتِداءُ الكُتُبِ ونَشْؤُهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ. ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ يُوجِبُ الِاقْتِصاصَ. ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ فِيها كالشِّرْكِ أوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ. ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الدِّماءِ وسَنَّ القَتْلَ، وجَرَّأ النّاسَ عَلَيْهِ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ قَتْلَ الواحِدِ وقَتْلَ الجَمِيعِ سَواءٌ في اسْتِجْلابِ غَضَبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والعَذابِ العَظِيمِ. ﴿وَمَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ أيْ ومَن تَسَبَّبَ لِبَقاءِ حَياتِها بِعَفْوٍ أوْ مَنعٍ عَنِ القَتْلِ، أوِ اسْتِنْقاذٍ مِن بَعْضِ أسْبابِ الهَلَكَةِ فَكَأنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِالنّاسِ جَمِيعًا، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعْظِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ وإحْيائِها في القُلُوبِ تَرْهِيبًا عَنِ التَّعَرُّضِ لَها وتَرْغِيبًا في المُحاماةِ عَلَيْها. ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ أيْ بَعْدَ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هَذا التَّشْدِيدَ العَظِيمَ مِن أجْلِ أمْثالِ تِلْكَ الجِنايَةِ، وأرْسَلْنا إلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِالآياتِ الواضِحَةِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ كَيْ يَتَحامَوْا عَنْها وكَثِيرٌ مِنهم يُسْرِفُونَ في الأرْضِ بِالقَتْلِ ولا يُبالُونَ بِهِ، وبِهَذا اتَّصَلَتِ القِصَّةُ بِما قَبْلَها والإسْرافُ التَّباعُدُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ في الأمْرِ.(p-125)

المائدة 5:33

﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ يُحارِبُونَ أوْلِياءَهُما وهُمُ المُسْلِمُونَ، جَعَلَ مُحارَبَتَهم مُحارَبَتَهُما تَعْظِيمًا. وأصْلُ الحَرْبِ السَّلْبُ والمُرادُ بِهِ هاهُنا قَطْعُ الطَّرِيقِ. وقِيلَ المُكابَرَةُ بِاللُّصُوصِيَّةِ وإنْ كانَتْ في مِصْرَ. ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ مُفْسِدِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى العِلَّةِ أوِ المَصْدَرِ لِأنَّ سَعْيَهم كانَ فَسادًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَسادًا. ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾ أيْ قَصاصًا مِن غَيْرِ صُلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ. ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾ أيْ يُصْلَبُوا مَعَ القَتْلِ إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، ولِلْفُقَهاءِ خِلافٌ في أنَّهُ يُقْتَلُ ويُصْلَبُ أوْ يُصْلَبُ حَيًّا ويُتْرَكُ أوْ يُطْعَنُ حَتّى يَمُوتَ. ﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾ تُقْطَعُ أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى إنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا. ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ يُنْفَوْا مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ القَرارِ في مَوْضِعٍ إنِ اقْتَصَرُوا عَلى الإخافَةِ. وفَسَّرَ أبُو حَنِيفَةَ النَّفْيَ بِالحَبْسِ، وأوْ في الآيَةِ عَلى هَذا لِلتَّفْصِيلِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ العُقُوباتِ في كُلِّ قاطِعِ طَرِيقٍ. ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ ذُلٌّ وفَضِيحَةٌ. ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لِعِظَمِ ذُنُوبِهِمْ.

المائدة 5:34

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو حَقُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أمّا القَتْلُ قَصاصًا فَإلى الأوْلِياءِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ لا جَوازُهُ، وتَقْيِيدُ التَّوْبَةِ بِالتَّقَدُّمِ عَلى القُدْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ الحَدَّ وإنْ أسْقَطَتِ العَذابَ، وأنَّ الآيَةَ في قِطاعِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ تَدْرَأُ عَنْهُ العُقُوبَةَ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ أيْ ما تَتَوَسَّلُونَ بِهِ إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسُلَ إلى كَذا إذا تَقَرَّبَ إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «الوَسِيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ» . ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِالوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ.

المائدة 5:35

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو حَقُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أمّا القَتْلُ قَصاصًا فَإلى الأوْلِياءِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ لا جَوازُهُ، وتَقْيِيدُ التَّوْبَةِ بِالتَّقَدُّمِ عَلى القُدْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ الحَدَّ وإنْ أسْقَطَتِ العَذابَ، وأنَّ الآيَةَ في قِطاعِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ تَدْرَأُ عَنْهُ العُقُوبَةَ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ أيْ ما تَتَوَسَّلُونَ بِهِ إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسُلَ إلى كَذا إذا تَقَرَّبَ إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «الوَسِيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ» . ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِالوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ.

المائدة 5:36

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ جَمِيعًا ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ. ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَسْتَدْعِيهِ لَوْ، إذِ التَّقْدِيرُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في بِهِ والمَذْكُورِ شَيْئانِ إمّا لِإجْرائِهِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ. أوْ لِأنَّ الواوَ ومِثْلَهُ بِمَعْنى مَعَ. ﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ جَوابُ لَوْ، ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ تَمْثِيلٌ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَقْصُودِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (p-126)﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وقُرِئَ يُخْرَجُوا مِن أخْرَجَ وإنَّما قالَ وما هم بِخارِجِينَ بَدَلٌ وما يَخْرُجُونَ لِلْمُبالَغَةِ.

المائدة 5:37

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ﴾ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ جَمِيعًا ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ. ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَسْتَدْعِيهِ لَوْ، إذِ التَّقْدِيرُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في بِهِ والمَذْكُورِ شَيْئانِ إمّا لِإجْرائِهِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ. أوْ لِأنَّ الواوَ ومِثْلَهُ بِمَعْنى مَعَ. ﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ جَوابُ لَوْ، ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ تَمْثِيلٌ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَقْصُودِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (p-126)﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وقُرِئَ يُخْرَجُوا مِن أخْرَجَ وإنَّما قالَ وما هم بِخارِجِينَ بَدَلٌ وما يَخْرُجُونَ لِلْمُبالَغَةِ.

المائدة 5:38

﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ جُمْلَتانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إذِ التَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ أيْ حُكْمُهُما، وجُمْلَةٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ دَخَلَ الخَبَرُ لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الشَّرْطِ إذِ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ وهو المُخْتارُ في أمْثالِهِ لِأنَّ الإنْشاءَ لا يَقَعُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ وتَأْوِيلٍ. والسَّرِقَةُ: أخْذُ مالِ الغَيْرِ في خُفْيَةٍ، وإنَّما تُوجِبُ القِطْعَ إذا كانَتْ مِن حِرْزٍ والمَأْخُوذُ رُبُعَ دِينارٍ أوْ ما يُساوِيهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «القَطْعُ في رُبُعِ دِينارٍ فَصاعِدًا».» وَلِلْعُلَماءِ خِلافٌ في ذَلِكَ لِأحادِيثَ ورَدَتْ فِيهِ وقَدِ اسْتَقْصَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في شَرْحِ المَصابِيحِ، والمُرادُ بِالأيْدِي الإيمانُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْمانُهُما، ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ، واليَدُ اسْمٌ لِتَمامِ العُضْوِ ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرُّسْغُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ.» ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أوِ المَصْدَرِ ودَلَّ عَلى فِعْلِهِما فاقْطَعُوا ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿فَمَن تابَ﴾ مِنَ السِّراقِ. ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أيْ بَعْدِ سَرِقَتِهِ. ﴿وَأصْلَحَ﴾ أمَرَهُ بِالتَّقَصِّي عَنِ التَّبِعاتِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْها. ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ. وأمّا القَطْعُ فَلا يَسْقُطُ بِها عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِأنَّ فِيهِ حَقَّ المَسْرُوقِ مِنهُ.

المائدة 5:39

﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ جُمْلَتانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إذِ التَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ أيْ حُكْمُهُما، وجُمْلَةٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ دَخَلَ الخَبَرُ لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الشَّرْطِ إذِ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ وهو المُخْتارُ في أمْثالِهِ لِأنَّ الإنْشاءَ لا يَقَعُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ وتَأْوِيلٍ. والسَّرِقَةُ: أخْذُ مالِ الغَيْرِ في خُفْيَةٍ، وإنَّما تُوجِبُ القِطْعَ إذا كانَتْ مِن حِرْزٍ والمَأْخُوذُ رُبُعَ دِينارٍ أوْ ما يُساوِيهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «القَطْعُ في رُبُعِ دِينارٍ فَصاعِدًا».» وَلِلْعُلَماءِ خِلافٌ في ذَلِكَ لِأحادِيثَ ورَدَتْ فِيهِ وقَدِ اسْتَقْصَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في شَرْحِ المَصابِيحِ، والمُرادُ بِالأيْدِي الإيمانُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْمانُهُما، ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ، واليَدُ اسْمٌ لِتَمامِ العُضْوِ ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرُّسْغُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ.» ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أوِ المَصْدَرِ ودَلَّ عَلى فِعْلِهِما فاقْطَعُوا ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿فَمَن تابَ﴾ مِنَ السِّراقِ. ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أيْ بَعْدِ سَرِقَتِهِ. ﴿وَأصْلَحَ﴾ أمَرَهُ بِالتَّقَصِّي عَنِ التَّبِعاتِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْها. ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ. وأمّا القَطْعُ فَلا يَسْقُطُ بِها عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِأنَّ فِيهِ حَقَّ المَسْرُوقِ مِنهُ.

المائدة 5:40

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ إيتاءً عَلى تَرْتِيبِ ما سَبَقَ، أوْ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ التَّعْذِيبِ مُقَدَّمٌ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ القَطْعُ وهو في الدُّنْيا.

المائدة 5:41

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ صَنِيعُ الَّذِينَ يَقَعُونَ في الكُفْرِ سَرِيعًا أيْ في إظْهارِهِ إذا وجَدُوا مِنهُ فُرْصَةً. ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُنافِقِينَ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا والواوُ تَحْتَمِلُ الحالَ والعَطْفَ. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ عُطِفَ عَلى مِنَ الَّذِينَ قالُوا، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم سَمّاعُونَ، والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ لِلَّذِينِ يُسارِعُونَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ومِنَ الَّذِينَ خَبَرُهُ أيْ ومِنَ اليَهُودِ قَوْمٌ سَمّاعُونَ واللّامُ في لِلْكَذِبِ، إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ (p-127)أيْ قابِلُونَ لِما تَفْتَرِيهِ الأحْبارُ، أوْ لِلْعِلَّةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: سَمّاعُونَ كَلامَكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ فِيهِ. ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أيْ لِجَمْعٍ آخَرِينَ مِنَ اليَهُودِ لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَكَ وتَجافَوْا عَنْكَ تَكَبُّرًا وإفْراطًا في البَغْضاءِ، والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ أيْ مُصْغُونَ لَهم قابِلُونَ كَلامَهُمْ، أوْ سَمّاعُونَ مِنكَ لِأجْلِهِمْ والإنْهاءُ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِالكَذِبِ لِأنَّ سَمّاعُونَ الثّانِي مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ أيْ: سَمّاعُونَ لِيَكْذِبُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَ. ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ يُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها، إمّا لَفْظًا: بِإهْمالِهِ أوْ تَغْيِيرِ وضْعِهِ، وإمّا مَعْنًى: بِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِ المُرادِ وإجْرائِهِ في غَيْرِ مَوْرِدِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ أوْ صِفَةٌ لِسَمّاعُونَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم يُحَرِّفُونَ وكَذَلِكَ ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ أيْ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا المُحَرَّفَ فاقْبَلُوهُ واعْمَلُوا بِهِ. ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بَلْ أفْتاكم مُحَمَّدٌ بِخِلافِهِ ﴿فاحْذَرُوا﴾ أيِ احْذَرُوا قَبُولَ ما أفْتاكم بِهِ. رُوِيَ « (أنَّ شَرِيفًا مِن خَيْبَرَ زَنى بِشَرِيفَةٍ وكانا مُحْصَنَيْنِ فَكَرِهُوا رَجْمَهُما، فَأرْسَلُوهُما مَعَ رَهْطٍ مِنهم إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فاقْبَلُوا وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا، فَأمَرَهم بِالرَّجْمِ فَأبَوْا عَنْهُ، فَجُعِلَ ابْنُ صُورِيّا حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، وقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى، ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ، وأنْجاكم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكم كِتابَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ هَلْ تَجِدُونَ فِيهِ الرَّجْمَ عَلى مَن أحْصَنَ، قالَ: نَعَمْ. فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَّبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْنا العَذابُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالزّانِيَيْنِ فَرُجِما عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ» . ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ ضَلالَتَهُ أوْ فَضِيحَتَهُ ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا في دَفْعِها. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ وهو كَما تَرى نَصٌّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ هو أنَّ بِالجِزْيَةِ والخَوْفِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو الخُلُودُ في النّارِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينَ هادُوا إنِ اسْتَأْنَفَتْ بِقَوْلِهِ ومِنَ الَّذِينَ وإلّا فَلِلْفَرِيقَيْنِ.

المائدة 5:42

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أيِ الحَرامِ كالرِّشا مِن سَحَتَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِضَمَّتَيْنِ وهُما لُغَتانِ كالعُنُقِ والعُنْقِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ. ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ تَخْيِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَحاكَمُوا إلَيْهِ بَيْنَ الحُكْمِ والإعْراضِ ولِهَذا قِيلَ: لَوْ تَحاكَمَ كِتابِيّانِ إلى القاضِي لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحُكْمُ، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ والأصَحُّ وُجُوبُهُ إذا كانَ المُتَرافِعانِ أوْ أحَدُهُما ذِمِّيًّا لِأنّا التَزَمْنا الذَّبَّ عَنْهم ودَفْعَ الظُّلْمِ مِنهُمْ، والآيَةُ لَيْسَتْ في أهْلِ الذِّمَّةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ مُطْلَقًا. ﴿وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ بِأنْ يُعادُوكَ لِإعْراضِكَ عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ. ﴿وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ فَيَحْفَظُهم ويُعَظِّمُ شَأْنَهم.

المائدة 5:43

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ مَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، والحالُ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في الكِتابِ الَّذِي هو عِنْدَهُمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم ما قَصَدُوا بِالتَّحْكِيمِ مَعْرِفَةَ الحَقِّ وإقامَةَ الشَّرْعِ، وإنَّما طَلَبُوا بِهِ ما يَكُونُ أهْوَنَ عَلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى في زَعْمِهِمْ، وفِيها حُكْمُ اللَّهِ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ إنْ رَفَعْتَها بِالظَّرْفِ، وإنْ جَعَلْتَها مُبْتَدَأً فَمِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ فِيهِ وتَأْنِيثُها لِكَوْنِها نَظِيرَةَ المُؤَنَّثِ (p-128)فِي كَلامِهِمْ لَفْظًا كَمَوْماةٍ ودَوْداةٍ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ثُمَّ يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لِكِتابِهِمْ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، وهو عَطْفٌ عَلى يُحَكِّمُونَكَ داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ. ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ بِكِتابِهِمْ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ أوَّلًا وعَمّا يُوافِقُهُ ثانِيًا، أوْ بِكَ وبِهِ.

المائدة 5:44

﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى﴾ يَهْدِي إلى الحَقِّ. ﴿وَنُورٌ﴾ يَكْشِفُ عَمّا اسْتُبْهِمَ مِنَ الأحْكامِ. ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ يَعْنِي أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ مُوسى ومَن بَعْدَهُ إنْ قُلْنا شَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يُنْسَخْ، وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَسَّكَ القائِلُ بِهِ. ﴿الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى النَّبِيِّينَ مَدْحًا لَهم وتَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُسْلِمِينَ، وتَعْرِيضًا بِاليَهُودِ وأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ دِينِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ واقْتِفاءِ هَدْيِهِمْ. ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ، أوْ بِيَحْكُمُ أيْ يَحْكُمُونَ بِها في تَحاكُمِهِمْ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيِّينَ أنْبِياؤُهم. ﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ زُهّادُهم وعُلَماؤُهُمُ السّالِكُونَ طَرِيقَةَ أنْبِيائِهِمْ عَطْفٌ عَلى النَّبِيُّونَ، ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ إيّاهم بِأنْ يَحْفَظُوا كِتابَهُ مِنَ التَّضْيِيعِ والتَّحْرِيفِ، والرّاجِعُ إلى ما مَحْذُوفٌ ومِن لِلتَّبْيِينِ. ﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ رُقَباءَ لا يَتْرُكُونَ أنْ يُغَيِّرَ، أوْ شُهَداءُ يُبَيِّنُونَ ما يَخْفى مِنهُ كَما فَعَلَ ابْنُ صُورِيّا. ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ نَهْيٌ لِلْحُكّامِ أنْ يَخْشَوْا غَيْرَ اللَّهِ في حُكُوماتِهِمْ ويُداهِنُوا فِيها خَشْيَةَ ظالِمٍ أوْ مُراقَبَةَ كَبِيرٍ. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا بِأحْكامِي الَّتِي أنْزَلْتُها. ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ هو الرَّشْوَةُ والجاهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُسْتَهِينًا بِهِ مُنْكِرًا لَهُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ لِاسْتِهانَتِهِمْ بِهِ وتَمَرُّدِهِمْ بِأنْ حَكَمُوا بِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِقَوْلِهِ الكافِرُونَ والظّالِمُونَ والفاسِقُونَ، فَكُفْرُهم لِإنْكارِهِ، وظُلْمُهم بِالحُكْمِ عَلى خِلافِهِ، وفِسْقُهم بِالخُرُوجِ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الصِّفاتِ الثَّلاثِ بِاعْتِبارِ حالٍ انْضَمَّتْ إلى الِامْتِناعِ عَنِ الحُكْمِ بِهِ مُلائِمَةً لَها، أوْ لِطائِفَةٍ كَما قِيلَ هَذِهِ في المُسْلِمِينَ لِاتِّصالِها بِخِطابِهِمْ، والظّالِمُونَ في اليَهُودِ، والفاسِقُونَ في النَّصارى.

المائدة 5:45

﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ وفَرَضْنا عَلى اليَهُودِ. ﴿فِيها﴾ في التَّوْراةِ. ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أيْ أنَّ النَّفْسَ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ. ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ رَفَعَها الكِسائِيُّ عَلى أنَّها جُمَلٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ وما في حَيِّزِها بِاعْتِبارِ المَعْنى وكَأنَّهُ قِيلَ: وكَتَبْنا عَلَيْهِمُ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والعَيْنَ بِالعَيْنِ، فَإنَّ الكِتابَةَ والقِراءَةَ تَقَعانِ عَلى الجُمَلِ كالقَوْلِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ومَعْناها: وكَذَلِكَ العَيْنُ مَفْقُوءَةٌ بِالعَيْنِ، والأنْفُ مَجْدُوعَةٌ بِالأنْفِ، والأُذُنُ مَصْلُومَةٌ بِالأُذُنِ، والسِّنُّ مَقْلُوعَةٌ بِالسِّنِّ، أوْ عَلى أنَّ المَرْفُوعَ مِنها مَعْطُوفٌ عَلى المْسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ بِالنَّفْسِ، وإنَّما ساغَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَفْصُولٌ عَنْهُ بِالظَّرْفِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَعْنى، وقَرَأ نافِعٌ والأُذْنَ بِالأُذْنِ وفي أُذُنَيْهِ بِإسْكانِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ. ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ أيْ ذاتُ قِصاصٍ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ أيْضًا بِالرَّفْعِ ووافَقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ عَلى أنَّهُ إجْمالٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ. ﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ. ﴿بِهِ﴾ بِالقِصاصِ أيْ فَمَن عَفا عَنْهُ. ﴿فَهُوَ﴾ فالتَّصَدُّقُ. ﴿كَفّارَةٌ لَهُ﴾ لِلْمُتَصَدِّقِ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ ذُنُوبَهُ. وقِيلَ لِلْجانِي يَسْقُطُ عَنْهُ ما لَزِمَهُ. وقُرِئَ «فَهُوَ كَفّارَتُهُ لَهُ» أيْ فالمُتَصَدِّقُ كَفّارَتُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها (p-129)بِالتَّصَدُّقِ لَهُ لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ. ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القَصاصِ وغَيْرِهِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

المائدة 5:46

﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ وأتْبَعْناهم عَلى آثارِهِمْ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّينَ. ﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِالباءِ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِالحالِ. ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويَجُوزُ نَصْبُهُما عَلى المَفْعُولِ لَهُ عَطْفًا عَلى مَحْذُوفٍ أوْ تَعَلُّقًا بِهِ وعُطِفَ: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ «عَلَيْهِ» في قِراءَةِ حَمْزَةَ، وعَلى الأوَّلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ وآتَيْناهُ لِيَحْكُمَ، وقُرِئَ: «وَأنْ لِيَحْكُمَ» عَلى أنَّ أنْ مَوْصُولَةٌ بِالأمْرِ كَقَوْلِكَ: أمَرْتُكَ بِأنْ قُمْ أيْ وأمَرْنا بِأنْ لِيَحْكُمَ. ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ عَنْ حُكْمِهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ إنْ كانَ مُسْتَهِينًا بِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْجِيلَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأحْكامِ وأنَّ اليَهُودِيَّةَ مَنسُوخَةٌ بِبِعْثَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ كانَ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ وحَمَلَها عَلى ولِيَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ خِلافَ الظّاهِرِ.

المائدة 5:47

﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ وأتْبَعْناهم عَلى آثارِهِمْ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّينَ. ﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِالباءِ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِالحالِ. ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويَجُوزُ نَصْبُهُما عَلى المَفْعُولِ لَهُ عَطْفًا عَلى مَحْذُوفٍ أوْ تَعَلُّقًا بِهِ وعُطِفَ: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ «عَلَيْهِ» في قِراءَةِ حَمْزَةَ، وعَلى الأوَّلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ وآتَيْناهُ لِيَحْكُمَ، وقُرِئَ: «وَأنْ لِيَحْكُمَ» عَلى أنَّ أنْ مَوْصُولَةٌ بِالأمْرِ كَقَوْلِكَ: أمَرْتُكَ بِأنْ قُمْ أيْ وأمَرْنا بِأنْ لِيَحْكُمَ. ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ عَنْ حُكْمِهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ إنْ كانَ مُسْتَهِينًا بِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْجِيلَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأحْكامِ وأنَّ اليَهُودِيَّةَ مَنسُوخَةٌ بِبِعْثَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ كانَ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ وحَمَلَها عَلى ولِيَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ خِلافَ الظّاهِرِ.

المائدة 5:48

﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيِ القُرْآنَ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ مِن جِنْسِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فاللّامُ الأُولى لِلْعَهْدِ والثّانِيَةُ لِلْجِنْسِ. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ورَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ يَحْفَظُهُ عَنِ التَّغْيِيرِ ويَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، وقُرِئَ عَلى بِنْيَةِ المَفْعُولِ أيْ هُومِنَ عَلَيْهِ وحُوفِظَ مِنَ التَّحْرِيفِ والحافِظُ لَهُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوِ الحِفاظُ في كُلِّ عَصْرٍ. ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ بِالِانْحِرافِ عَنْهُ إلى ما يَشْتَهُونَهُ فَعَنْ صِلَةٌ لِلا تَتَّبِعْ لِتَضْمُّنِهِ مَعْنى لا تَنْحَرِفْ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم مائِلًا عَمّا جاءَكَ. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ. ﴿شِرْعَةً﴾ شَرِيعَةً وهي الطَّرِيقُ إلى الماءِ شُبِّهَ بِها الدِّينُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى ما هو سَبَبُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ.﴿وَمِنهاجًا﴾ وطَرِيقًا واضِحًا في الدِّينِ مِن نَهَجَ الأمْرُ إذا وضَحَ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ بِالشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ مِن غَيْرِ نَسْخٍ وتَحْوِيلٍ، ومَفْعُولُ لَوْ شاءَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ، وقِيلَ المَعْنى لَوْ شاءَ اللَّهُ اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ المُناسِبَةِ لِكُلِّ عَصْرٍ وقَرْنٍ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها مُعْتَقِدِينَ أنَّ اخْتِلافَها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، أمْ تَزِيغُونَ عَنِ الحَقِّ وتُفَرِّطُونَ في العَمَلِ. ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فابْتَدِرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ وحِيازَةً لِفَضْلِ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ. ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ تَعْلِيلُ الأمْرِ بِالِاسْتِباقِ ووَعْدٌ (p-130) وَوَعِيدٌ لِلْمُبادِرِينَ والمُقَصِّرِينَ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بِالجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ والعامِلِ والمُقَصِّرِ.

المائدة 5:49

﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ أيْ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ والحُكْمَ، أوْ عَلى الحَقِّ أيْ أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً بِتَقْدِيرِ وأمَرْنا أنِ احْكُمَ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ أنَّ يُضِلُّوكَ ويَصْرِفُوكَ عَنْهُ، وأنْ بِصِلَتِهِ بَدَلٌ مِن هم بَدَلُ الِاشْتِمالِ أيِ احْذَرْ فِتْنَتَهُمْ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيِ احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ. رُوِيَ « (أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا اليَهُودُ كُلُّهُمْ، إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ، فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ.» ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الحُكْمِ المُنَزَّلِ وأرادُوا غَيْرَهُ. ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي ذَنْبَ التَّوَلِّي عَنْ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً وهَذا مَعَ عِظَمِهِ واحِدٌ مِنها مَعْدُودٌ مِن جُمْلَتِها، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى التَّعْظِيمِ كَما في التَّنْكِيرِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ جِمامُها ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ لَمُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُعْتَدُونَ فِيهِ.

المائدة 5:50

﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الَّذِي هو المَيْلُ والمُداهَنَةُ في الحُكْمِ، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ المِلَّةُ الجاهِلِيَّةُ الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى. وقِيلَ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ طَلَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بِما كانَ يَحْكُمُ بِهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ بَيْنَ القَتْلى. وقُرِئَ بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، ويَبْغُونَ خَبَرُهُ، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ حَذَفَهُ في الصِّلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ واسْتُضْعِفَ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّعْرِ وقُرِئَ «أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ» أيْ يَبْغُونَ حاكِمًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ يَحْكُمُ بِحَسَبِ شَهِيَّتِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «تَبْغُونَ» بِالتّاءِ عَلى قُلْ لَهم أفَحُكَمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ. ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ عِنْدَهُمْ، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أيْ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ ويَتَحَقَّقُونَ الأشْياءَ بِأنْظارِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنْ لا أحْسَنَ حُكْمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

المائدة 5:51

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ فَلا تَعْتَمِدُوا عَلَيْهِمْ ولا تُعاشِرُوهم مُعاشَرَةَ الأحْبابِ. ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ إيماءٌ عَلى عِلَّةِ النَّهْيِ، أيْ فَإنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلى خِلافِكم يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا لِاتِّحادِهِمْ في الدِّينِ وإجْماعِهِمْ عَلى مُضادَّتِكم. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ ومَن والاهم مِنكم فَإنَّهُ مِن جُمْلَتِهِمْ، وهَذا التَّشْدِيدُ في وُجُوبِ مُجانَبَتِهِمْ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تَتَراءى ناراهُما» ، أوْ لِأنَّ المُوالِيَ لَهم كانُوا مُنافِقِينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكُفّارِ أوِ المُؤْمِنِينَ بِمُوالاةِ أعْدائِهِمْ.(p-131)

المائدة 5:52

﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَعْنِي ابْنَ أُبَيٍّ وأضْرابَهُ. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ في مُوالاتِهِمْ ومُعاوَنَتِهِمْ. ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم يَخافُونَ أنْ تُصِيبَهم دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الزَّمانِ بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ وتَكُونُ الدُّولَةُ لِلْكُفّارِ. رُوِيَ « (أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ لِي مَوالِيَ مِنَ اليَهُودِ كَثِيرًا عَدَدُهُمْ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ مِن وِلايَتِهِمْ وأُوالِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ ولا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِي فَنَزَلَتْ.» ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أعْدائِهِ وإظْهارِ المُسْلِمِينَ. ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ يَقْطَعُ شَأْفَةَ اليَهُودِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ، أوِ الأمْرِ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ. ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ. ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ عَلى ما اسْتَبْطَنُوهُ مِنَ الكُفْرِ والشَّكِّ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، فَضْلًا عَمّا أظْهَرُوهُ مِمّا أشْعَرَ عَلى نِفاقِهِمْ.

المائدة 5:53

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالرَّفْعِ قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ، وبِالنَّصْبِ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ عَطْفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ يَجْعَلَهُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى داخِلًا في اسْمِ عَسى مُغْنِيًا عَنِ الخَبَرِ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحَدَثِ، أوْ عَلى الفَتْحِ بِمَعْنى عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ وبِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإتْيانَ بِما يُوجِبُهُ كالإتْيانِ بِهِ. ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَبَجُّحًا بِما مَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الإخْلاصِ أوْ يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ حَلَفُوا لَهم بِالمُعاضَدَةِ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وجَهْدُ الأيْمانِ أغْلَظُها، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ يُجْهِدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَهُ ولِذَلِكَ ساغَ كَوْنُها مَعْرِفَةً أوْ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى أقْسَمُوا. ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ إمّا مِن جُمْلَةِ المَقُولِ أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَهادَةً لَهم بِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهم.

المائدة 5:54

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ قَرَأهُ عَلى الأصْلِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وهو كَذَلِكَ في الإمامِ، والباقُونَ بِالإدْغامِ وهَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قَبْلَ وُقُوعِها، وقَدِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ في أواخِرِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثُ فِرَقٍ: بَنُو مُدْلِجٍ وكانَ رَئِيسُهم ذا الحِمارِ الأسْوَدَ العَنْسِيَّ، تَنَبَّأ بِاليَمَنِ واسْتَوْلى عَلى بِلادِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ لَيْلَةَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَدِها وأُخْبِرَ الرَّسُولُ ﷺ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَسُرَّ المُسْلِمُونَ وأتى الخَبَرُ في أواخِرِ رَبِيعِ الأوَّلِ. وَبَنُو حَنِيفَةَ أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ تَنَبَّأ وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الأرْضَ نِصْفُها لِي ونِصْفُها لَكَ، فَأجابَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ أمّا بَعْدُ فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِجُنْدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَتَلَهُ وحْشِيٌّ قاتِلُ حَمْزَةَ. وبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ تَنَبَّأ (p-132)فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدًا فَهَرَبَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وَفِي عَهْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبْعٌ فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ فِرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ وبَنُو سَلِيمٍ قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعَ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ تَمِيمَ قَوْمُ سِجاحَ بِنْتِ المُنْذِرِ المُتَنَبِّئَةِ زَوْجَةِ مُسَيْلِمَةَ، وكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحَطْمِ بْنِ زَيْدٍ وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدِهِ، وفي إمْرَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَسّانُ قَوْمُ جِبِلَّةَ بْنِ الأيْهَمِ تَنَصَّرَ وسارَ إلى الشّامِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قِيلَ هم أهْلُ اليَمَنِ لِما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وقالَ: هم قَوْمُ هَذا» . وَقِيلَ الفَرَسُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «سُئِلَ عَنْهم فَضَرَبَ يَدَهُ عَلى عاتِقِ سَلْمانَ وقالَ: هَذا وذَوُوهُ.» وَقِيلَ الَّذِينَ جاهَدُوا يَوْمَ القادِسِيَّةِ ألْفانِ مِنَ النَّخْعِ وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبُجَيْلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أفْناءِ النّاسِ. والرّاجِعُ إلى مِن مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ مَكانَهُمْ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادِ إرادَةُ الهُدى والتَّوْفِيقِ لَهم في الدُّنْيا وحُسْنُ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، ومَحَبَّةُ العِبادِ لَهُ إرادَةُ طاعَتِهِ والتَّحَرُّزُ عَنْ مَعاصِيهِ. ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عاطِفِينَ عَلَيْهِمْ مُتَذَلِّلِينَ لَهُمْ، جَمْعُ ذَلِيلٍ لا ذَلُولَ فَإنَّ جَمْعُهُ ذُلُلٌ، واسْتِعْمالُهُ مَعَ عَلى إمّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العَطْفِ والحُنُوِّ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ خاضِعُونَ لَهم أوْ لِلْمُقابَلَةِ. ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ شِدادٍ مُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهِمْ مِن عَزَّهُ إذا غَلَبَهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أعِزَّةٍ. ﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يُجاهِدُونَ بِمَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ والتَّصَلُّبِ في دِينِهِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى أنَّهم مُجاهِدُونَ وحالُهم خِلافُ حالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم يَخْرُجُونَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ خائِفِينَ مَلامَةَ أوْلِيائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ فَلا يَعْمَلُونَ شَيْئًا يَلْحَقُهم فِيهِ لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ، واللَّوْمَةُ المَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ وفِيها وفي تَنْكِيرِ لائِمٍ مُبالَغَتانِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ. ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ يَمْنَحُهُ ويُوَفِّقُ لَهُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ الفَضْلِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن هو أهْلُهُ.

المائدة 5:55

﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِما نَهى عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ مَن هو حَقِيقٌ بِها، وإنَّما قالَ ولِيُّكُمُ اللَّهُ ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الأصالَةِ ولِرَسُولِهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَعِ. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَإنَّهُ جَرى مَجْرى الِاسْمِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ويَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ عَلى المَدْحِ. ﴿وَهم راكِعُونَ﴾ مُتَخَشِّعُونَ في صَلاتِهِمْ وزَكاتِهِمْ، وقِيلَ هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِيُؤْتُونَ، أيْ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ في حالِ رُكُوعِهِمْ في الصَّلاةِ حِرْصًا عَلى الإحْسانِ ومُسارَعَةً إلَيْهِ، وإنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صَلاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ. واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى إمامَتِهِ زاعِمِينَ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ والمُسْتَحِقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مَعَ أنَّ حَمْلَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أيْضًا خِلافَ الظّاهِرِ وإنْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ فِيهِ فَلَعَلَّهُ جِيءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِتَرْغِيبِ النّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ فَيَنْدَرِجُوا فِيهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ في الصَّلاةِ لا يُبْطِلُها وأنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً. ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومَن يَتَّخِذُهم أوْلِياءَ. ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ أيْ فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، ولَكِنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى البُرْهانِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَهم حِزْبُ اللَّهِ وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِمْ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَشْرِيفًا لَهم بِهَذا الِاسْمِ، وتَعْرِيضًا لِمَن يُوالِي غَيْرَ هَؤُلاءِ بِأنَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ. وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرٍ حَزَبَهم.(p-133)

المائدة 5:56

﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِما نَهى عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ مَن هو حَقِيقٌ بِها، وإنَّما قالَ ولِيُّكُمُ اللَّهُ ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الأصالَةِ ولِرَسُولِهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَعِ. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَإنَّهُ جَرى مَجْرى الِاسْمِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ويَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ عَلى المَدْحِ. ﴿وَهم راكِعُونَ﴾ مُتَخَشِّعُونَ في صَلاتِهِمْ وزَكاتِهِمْ، وقِيلَ هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِيُؤْتُونَ، أيْ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ في حالِ رُكُوعِهِمْ في الصَّلاةِ حِرْصًا عَلى الإحْسانِ ومُسارَعَةً إلَيْهِ، وإنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صَلاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ. واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى إمامَتِهِ زاعِمِينَ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ والمُسْتَحِقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مَعَ أنَّ حَمْلَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أيْضًا خِلافَ الظّاهِرِ وإنْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ فِيهِ فَلَعَلَّهُ جِيءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِتَرْغِيبِ النّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ فَيَنْدَرِجُوا فِيهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ في الصَّلاةِ لا يُبْطِلُها وأنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً. ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومَن يَتَّخِذُهم أوْلِياءَ. ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ أيْ فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، ولَكِنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى البُرْهانِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَهم حِزْبُ اللَّهِ وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِمْ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَشْرِيفًا لَهم بِهَذا الِاسْمِ، وتَعْرِيضًا لِمَن يُوالِي غَيْرَ هَؤُلاءِ بِأنَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ. وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرٍ حَزَبَهم.(p-133)

المائدة 5:57

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ نَزَلَتْ في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ وسُوِيدِ بْنِ الحَرْثِ أظْهَرا الإسْلامَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما. وقَدْ رَتَّبَ النَّهْيَ عَنْ مُوالاتِهِمْ عَلى اتِّخاذِهِمْ دِينَهم هُزُوًا ولَعِبًا إيماءً إلى العِلَّةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ بَعِيدٌ عَنِ المُوالاةِ جَدِيرٌ بِالمُعاداةِ والبَغْضاءِ، وفَصْلُ المُسْتَهْزِئِينَ بِأهْلِ الكِتابِ والكُفّارِ عَلى قِراءَةِ مَن جَرَّهُ وهم أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، والكُفّارُ وإنْ عَمَّ أهْلَ الكِتابِ يُطْلَقُ عَلى المُشْرِكِينَ خاصَّةً لِتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ، ومَن نَصَبَهُ عَطَفَهُ عَلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ مُوالاةِ مَن لَيْسَ عَلى الحَقِّ رَأْسًا سَواءٌ مَن كانَ ذا دِينٍ تَبِعَ فِيهِ الهَوى وحَرَّفَهُ عَنِ الصَّوابِ كَأهْلِ الكِتابِ ومَن لَمْ يَكُنْ كالمُشْرِكِينَ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ المَناهِي. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ حَقًّا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقِيلَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.

المائدة 5:58

﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ أيِ اتَّخَذُوا الصَّلاةَ، أوِ المُناداةَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأذانَ مَشْرُوعٌ لِلصَّلاةِ. رُوِيَ: أنَّ نَصْرانِيًّا بِالمَدِينَةِ كانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، فَدَخَلَ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وأهْلُهُ نِيامٌ فَتَطايَرَ شَرَرُها في البَيْتِ فَأحْرَقَهُ وأهْلَهُ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِالحَقِّ والهَزْءِ بِهِ، والعَقْلُ يَمْنَعُ مِنهُ.

المائدة 5:59

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ هَلْ تُنْكِرُونَ مِنّا وتَعِيبُونَ، يُقالُ نِقَمَ مِنهُ كَذا إذا أنْكَرَهُ وانْتَقَمَ إذا كافَأهُ. وقُرِئَ تَنْقَمُونَ بِفَتْحِ القافِ وهي لُغَةٌ. ﴿إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ الإيمانِ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها. ﴿وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ عُطِفَ عَلى أنْ آمَنّا وكَأنَّ المُسْتَثْنى لازِمُ الأمْرَيْنِ وهو المُخالَفَةُ أيْ: ما تُنْكِرُونَ مِنّا إلّا مُخالَفَتَكم حَيْثُ دَخَلْنا الإيمانَ وأنْتُمْ خارِجُونَ مِنهُ، أوْ كانَ الأصْلُ واعْتِقادُ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ فَحَذَفَ المُضافَ، أوْ عَلى ما أيْ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلَ وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، أوْ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ والتَّقْدِيرُ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا لِقِلَّةِ إنْصافِكم وفِسْقِكُمْ، أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ أيْ: ولا تَنْقِمُونَ أنْ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، أوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: وفِسْقُكم ثابِتٌ مَعْلُومٌ عِنْدَكم ولَكِنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ والمالِ يَمْنَعُكم عَنِ الإنْصافِ. والآيَةُ خِطابٌ لِيَهُودٍ «سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا إلى قَوْلِهِ: ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَقالُوا حِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى: لا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم.»

المائدة 5:60

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ المَنقُومِ. ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ جَزاءً ثابِتًا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمَثُوبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كالعُقُوبَةِ بِالشَّرِّ فَوُضِعَتْ هاهُنا مَوْضِعَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعُ (p-134)وَنَصَبَها عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ بِشَرٍّ. ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ بَدَلٌ مِن بِشَرٍّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، أوْ بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وهُمُ اليَهُودُ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ وسَخِطَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، ومَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وهم أصْحابُ السَّبْتِ، وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهم كُفّارُ أهْلِ مائِدَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ كِلا المَسْخَيْنِ في أصْحابِ السَّبْتِ مُسِخَتْ شُبّانُهم قِرَدَةً ومَشايِخُهم خَنازِيرَ. ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ عُطِفَ عَلى صِلَةِ مَن وكَذا عُبِدَ الطّاغُوتُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الطّاغُوتِ وعُبِدَ بِمَعْنى صارَ مَعْبُودًا، فَيَكُونُ الرّاجِعُ مَحْذُوفًا أيْ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهُمْ، ومَن قَرَأ «وَعابِدَ الطّاغُوتَ» أوْ عَبِدَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ كَفَطِنٍ ويَقِظٍ أوْ عَبَدَةٍ أوْ عَبَدَ الطّاغُوتَ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ كَخَدَمٍ أوْ أنَّ أصْلَهُ عَبَدَةُ فَحَذَفَ التّاءَ لِلْإضافَةِ عَطَفَهُ عَلى القِرَدَةِ، ومَن قَرَأ وعَبَدَ الطّاغُوتِ بِالجَرِّ عَطَفَهُ عَلى مَن، والمُرادُ مِنَ الطّاغُوتِ العَجَلُ وقِيلَ الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَلْعُونُونَ. ﴿شَرٌّ مَكانًا﴾ جَعَلَ مَكانَهم شَرًّا لِيَكُونَ أبْلَغَ في الدَّلالَةِ عَلى شَرارَتِهِمْ، وقِيلَ مَكانًا مُنْصَرِفًا. ﴿وَأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قَصْدِ الطَّرِيقِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ غُلُوِّ النَّصارى وقَدْحِ اليَهُودِ، والمُرادُ مِن صِيغَتَيِ التَّفْضِيلِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ إلى المُؤْمِنِينَ في الشَّرارَةِ والضَّلالَةِ.

المائدة 5:61

﴿وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نَزَلَتْ في يَهُودٍ نافَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْ في عامَّةِ المُنافِقِينَ. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِن عِنْدِكَ كَما دَخَلُوا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، والجُمْلَتانِ حالانِ مِن فاعِلِ قالُوا وبِالكُفْرِ وبِهِ حالانِ مِن فاعِلَيْ دَخَلُوا وخَرَجُوا، وقَدْ وإنْ دَخَلَتْ لِتَقْرِيبِ الماضِي مِنَ الحالِ لِيَصِحَّ أنْ يَقَعَ حالًا أفادَتْ أيْضًا لِما فِيها مِنَ التَّوَقُّعِ أنَّ أمارَةَ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ يَظُنُّهُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ لَهم. ﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ المُنافِقِينَ. ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ أيِ الحَرامِ، وقِيلَ الكَذِبِ لِقَوْلِهِ: عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ ﴿والعُدْوانِ﴾ الظُّلْمُ، أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي. وقِيلَ الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِمْ. ﴿وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أيِ الحَرامَ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا عَمِلُوهُ.

المائدة 5:62

﴿وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نَزَلَتْ في يَهُودٍ نافَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْ في عامَّةِ المُنافِقِينَ. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِن عِنْدِكَ كَما دَخَلُوا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، والجُمْلَتانِ حالانِ مِن فاعِلِ قالُوا وبِالكُفْرِ وبِهِ حالانِ مِن فاعِلَيْ دَخَلُوا وخَرَجُوا، وقَدْ وإنْ دَخَلَتْ لِتَقْرِيبِ الماضِي مِنَ الحالِ لِيَصِحَّ أنْ يَقَعَ حالًا أفادَتْ أيْضًا لِما فِيها مِنَ التَّوَقُّعِ أنَّ أمارَةَ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ يَظُنُّهُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ لَهم. ﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ أوْ مِنَ المُنافِقِينَ. ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ أيِ الحَرامِ، وقِيلَ الكَذِبِ لِقَوْلِهِ: عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ ﴿والعُدْوانِ﴾ الظُّلْمُ، أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي. وقِيلَ الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِمْ. ﴿وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أيِ الحَرامَ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا عَمِلُوهُ.

المائدة 5:63

﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ تَحْضِيضٌ لِعُلَمائِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّ لَوْلا إذا دَخَلَ عَلى الماضِي أفادَ التَّوْبِيخَ وإذا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ أفادَ التَّحْضِيضَ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَبِئْسَ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ مِن حَيْثُ إنَّ الصُّنْعَ عَمَلُ الإنْسانِ بَعْدَ تَدَرُّبٍ فِيهِ وتَرَوٍّ وتَحَرِّي إجادَةٍ، ولِذَلِكَ ذَمَّ بِهِ خَواصَّهم ولِأنَّ تَرْكَ الحِسْبَةِ أقْبَحُ مِن مَواقَعَةِ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ النَّفْسَ تَلْتَذُّ بِها وتَمِيلُ إلَيْها ولا كَذَلِكَ تَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْها فَكانَ جَدِيرًا بِأبْلَغَ الذَّمِّ.

المائدة 5:64

(p-135)﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أيْ هو مُمْسِكٌ يُقَتِّرُ بِالرِّزْقِ وغَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ ولا قَصْدَ فِيهِ إلى إثْباتِ يَدٍ وغِلٍّ وبَسْطٍ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ؎ جادَ الحِمى بَسَطَ اليَدَيْنِ بِوابِلَ ∗∗∗ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ وَنَظِيرُهُ مِنَ المَجازاتِ المُرَكَّبَةِ: شابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ. وقِيلَ مَعْناهُ إنَّهُ فَقِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ والنَّكَدِ أوْ بِالفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، أوْ بِغَلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً يُغَلُّونَ أسارى في الدُّنْيا ومَسْحُوبِينَ إلى النّارِ في الآخِرَةِ فَتَكُونُ المُطابَقَةُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ الأصْلِ كَقَوْلِكَ: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دابِرَهُ. ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ثَنّى اليَدَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ تَعالى وإثْباتًا لِغايَةِ الجُودِ، فَإنَّ غايَةَ ما يَبْذُلُهُ السَّخِيُّ مِن مالِهِ أنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ، وتَنْبِيهًا عَلى مَنحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وعَلى ما يُعْطِي لِلِاسْتِدْراجِ وما يُعْطِي لِلْإكْرامِ. ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ أيْ هو مُخْتارٌ في إنْفاقِهِ يُوَسِّعُ تارَةً ويُضَيِّقُ أُخْرى عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ، لا عَلى تَعاقُبِ سِعَةٍ وضِيقٍ في ذاتِ يَدٍ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الهاءِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِأنَّها مُضافٌ إلَيْها، ولا مِنَ اليَدَيْنِ إذْ لا ضَمِيرَ لَهُما فِيهِ ولا مِن ضَمِيرِهِما لِذَلِكَ. والآيَةُ نَزَلَتْ في فِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ فَإنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَمّا كَفَّ اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ ما بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السِّعَةِ بِشُؤْمِ تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وأشْرَكَ فِيهِ الآخَرُونَ لِأنَّهم رَضُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ هم طاغُونَ كافِرُونَ ويَزْدادُونَ طُغْيانًا وكُفْرًا بِما يَسْمَعُونَ مِنَ القُرْآنِ كَما يَزْدادُ المَرِيضُ مَرَضًا مِن تَناوُلِ الغِذاءِ الصّالِحِ لِلْأصِحّاءِ. ﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَلا تَتَوافَقُ قُلُوبُهم ولا تَتَطابَقُ أقْوالُهم. ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ الرَّسُولِ ﷺ وإثارَةَ شَرٍّ عَلَيْهِ رَدَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ أوْقَعَ بَيْنَهم مُنازَعَةً كَفَّ بِها عَنْهُ شَرَّهُمْ، أوْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا فَإنَّهم لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِخْتَنْصَرَ ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ فَطْرَسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ، ولِلْحَرْبِ صِلَةُ أوْقَدُوا أوْ صِفَةُ نارًا. ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ لِلْفَسادِ وهو اجْتِهادُهم في الكَيْدِ وإثارَةِ الحُرُوبِ والفِتَنِ وهَتْكِ المَحارِمِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ فَلا يُجازِيهِمْ إلّا شَرًّا.

المائدة 5:65

﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِما جاءَ بِهِ. ﴿واتَّقَوْا﴾ ما عَدَدْنا مِن مَعاصِيهِمْ ونَحْوَهُ. ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي فَعَلُوها ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها. ﴿وَلأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وجَعَلْناهم داخِلِينَ فِيها. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ مَعاصِيهِمْ وكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ جَلَّ وأنَّ الكِتابِيَّ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ما لَمْ يُسْلِمْ. ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ بِإذاعَةِ ما فِيهِما مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والقِيامُ بِأحْكامِها. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي سائِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّهم مُكَلَّفُونَ بِالإيمانِ بِها كالمُنْزَلِ إلَيْهِمْ، أوِ القُرْآنِ ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أرْزاقَهم بِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أوْ يُكْثِرُ ثَمَرَةَ الأشْجارِ وغَلَّةِ الزُّرُوعِ، أوْ يَرْزُقُهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارَ. فَيَجْتَنُونَها مِن رَأْسِ الشَّجَرِ ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ عَلى الأرْضِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ ما كَفَّ عَنْهم بِشُؤْمِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ لا لِقُصُورِ الفَيْضِ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا وأقامُوا ما أُمِرُوا بِهِ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ لَهم خَيْرَ الدّارَيْنِ. ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ (p-136)عادِلَةٌ غَيْرُ غالِيَةٍ ولا مُقَصِّرَةٍ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ مُقْتَصِدَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ في عَداوَتِهِ. ﴿وَكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِئْسَ ما يَعْمَلُونَهُ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ أيْ ما أسْوَأ عَمَلَهم وهو المُعانَدَةُ وتَحْرِيفُ الحَقِّ والإعْراضُ عَنْهُ والإفْراطُ في العَداوَةِ.

المائدة 5:66

﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِما جاءَ بِهِ. ﴿واتَّقَوْا﴾ ما عَدَدْنا مِن مَعاصِيهِمْ ونَحْوَهُ. ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي فَعَلُوها ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها. ﴿وَلأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وجَعَلْناهم داخِلِينَ فِيها. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ مَعاصِيهِمْ وكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ جَلَّ وأنَّ الكِتابِيَّ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ما لَمْ يُسْلِمْ. ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ بِإذاعَةِ ما فِيهِما مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والقِيامُ بِأحْكامِها. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي سائِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّهم مُكَلَّفُونَ بِالإيمانِ بِها كالمُنْزَلِ إلَيْهِمْ، أوِ القُرْآنِ ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أرْزاقَهم بِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أوْ يُكْثِرُ ثَمَرَةَ الأشْجارِ وغَلَّةِ الزُّرُوعِ، أوْ يَرْزُقُهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارَ. فَيَجْتَنُونَها مِن رَأْسِ الشَّجَرِ ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ عَلى الأرْضِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ ما كَفَّ عَنْهم بِشُؤْمِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ لا لِقُصُورِ الفَيْضِ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا وأقامُوا ما أُمِرُوا بِهِ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ لَهم خَيْرَ الدّارَيْنِ. ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ (p-136)عادِلَةٌ غَيْرُ غالِيَةٍ ولا مُقَصِّرَةٍ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ مُقْتَصِدَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ في عَداوَتِهِ. ﴿وَكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِئْسَ ما يَعْمَلُونَهُ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ أيْ ما أسْوَأ عَمَلَهم وهو المُعانَدَةُ وتَحْرِيفُ الحَقِّ والإعْراضُ عَنْهُ والإفْراطُ في العَداوَةِ.

المائدة 5:67

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ جَمِيعُ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ غَيْرَ مُراقِبٍ أحَدًا ولا خائِفٍ مَكْرُوهًا. ﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَهُ كَما أمَرْتُكَ. ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِنها، لِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يَنْتَقِضُ بِهِ، أوْ فَكَأنَّكَ ما بَلَّغْتَ شَيْئًا مِنها كَقَوْلِهِ: فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا مِن حَيْثُ أنَّ كِتْمانَ البَعْضِ والكُلِّ سَواءٌ في الشَّفاعَةِ واسْتِجْلابِ العِقابِ. وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ رِسالاتِهِ بِالجَمْعِ وكَسْرِ التّاءِ. ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ عِدَةٌ وضَمانٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِصْمَةِ رُوحِهِ ﷺ مِن تَعَرُّضِ الأعادِي وإزاحَةٍ لِمَعاذِيرِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ بِكَ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالاتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتِي عَذَّبْتُكَ وضَمِنَ لِيَ العِصْمَةَ فَقَوِيتُ» . وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْرُسُ حَتّى نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ فَقالَ: انْصَرِفُوا يا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنَ النّاسِ.» وَظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ تَبْلِيغَ كُلِّ ما أُنْزِلَ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ، وقَصَدَ بِإنْزالِهِ إطْلاعَهم عَلَيْهِ فَإنَّ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ ما يَحْرُمُ إفْشاؤُهُ.

المائدة 5:68

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ ويَصِحُّ أنْ يُسَمّى شَيْئًا لِأنَّهُ باطِلٌ. ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ ومِن إقامَتِها الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والإذْعانُ لِحُكْمِهِ، فَإنَّ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ بِأسْرِها آمِرَةٌ بِالإيمانِ بِمَن صَدَّقَهُ والمُعْجِزَةُ ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الطّاعَةِ لَهُ، والمُرادُ إقامَةُ أُصُولِها وما لَمْ يُنْسَخْ مِن فُرُوعِها. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِما تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ لاحِقٌ بِهِمْ لا يَتَخَطّاهم وفي المُؤْمِنِينَ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْهم.

المائدة 5:69

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «البَقَرَةِ» والصّابِئُونَ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والنِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ عَمّا في حَيِّزِ إنَّ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى حُكْمُهم كَذا والصّابِئُونَ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وقَوْلِهِ: ؎ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ (p-137)أيْ فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، وهو كاعْتِراضٍ دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الصّابِئُونَ مَعَ ظُهُورِ ضَلالِهِمْ ومَيْلِهِمْ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها يُتابُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، كانَ غَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ والنَّصارى مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ومَن آمَنَ خَبَرُهُما وخَبَرُ إنَّ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ: ؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالفَراغِ مِنَ الخَبَرِ، إذْ لَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ كانَ الخَبَرُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ وخَبَرَ إنَّ مَعًا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عامِلانِ ولا عَلى الضَّمِيرِ في هادُوا لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ والفَصْلِ، ولِأنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ الصّابِئِينَ هُودًا. وقِيلَ إنَّ بِمَعْنى نَعَمْ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ. وقِيلَ الصّابِئُونَ مَنصُوبٌ بِالفَتْحَةِ وذَلِكَ كَما جُوزَ بِالياءِ جُوزَ بِالواوِ. ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرِهِ. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ كَما مَرَّ والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن آمَنَ مِنهُمْ، أوِ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ و «الصّابِئِينَ» وهو الظّاهِرُ و «الصّابِيُّونَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً و «الصّابُونَ» بِحَذْفِها مِن صَبا بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا، أوْ مِن صَبَوْتُ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولَمْ يَتَّبِعُوا شَرْعًا ولا عَقْلًا.

المائدة 5:70

﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ لِيُذَكِّرُوهم ولِيُبَيِّنُوا لَهم أمْرَ دِينِهِمْ. ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ بِما يُخالِفُ هَواهم مِنَ الشَّرائِعِ ومَشاقِّ التَّكالِيفِ. ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ صِفَةُ رُسُلًا والرّاجِعُ مَحْذُوفٍ أيْ رَسُولٍ مِنهم. وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وهو اسْتِئْنافٌ، وإنَّما جِيءَ بِ يَقْتُلُونَ مَوْضِعَ قَتَلُوا عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لَها واسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن دَيْدَنِهِمْ ماضِيًا ومُسْتَقْبَلًا ومُحافَظَةً عَلى رُؤُوسِ الآيِ.

المائدة 5:71

﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ وحَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ أنْ لا يُصِيبَهم بَلاءٌ وعَذابٌ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِهِمْ. وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ لا تَكُونُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ أنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ أنَّهُ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ فَخُفِّفَتْ أنْ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ فَصارَ: أنْ لا تَكُونَ وإدْخالُ فِعْلِ الحُسْبانِ عَلَيْها وهي لِلتَّحْقِيقِ تَنْزِيلٌ لَهُ مَنزِلَةَ العِلْمِ لِتُمَكِّنَهُ في قُلُوبِهِمْ، وأنَّ أوْ أنْ بِما في حَيِّزِها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ. ﴿فَعَمُوا﴾ عَنِ الدِّينِ أوِ الدَّلائِلِ والهُدى. ﴿وَصَمُّوا﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ كَما فَعَلُوا حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ. ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ ثُمَّ تابُوا فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ كَرَّةً أُخْرى. وقُرِئَ بِالضَّمِّ فِيهِما عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عَماهم وصَمَّهم أيْ رَماهم بِالعَمى والصَّمَمِ، وهو قَلِيلٌ واللُّغَةُ الفاشِيَةُ أعْمى وأصَمُّ. ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوْ فاعِلٌ والواوُ عَلامَةُ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ العَمى والصَّمِّ كَثِيرٌ مِنهم. وَقِيلَ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ في مِثْلِهِ مُمْتَنِعٌ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى وفْقِ أعْمالِهِمْ.

المائدة 5:72

(p-138)﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ أيْ إنِّي عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مِثْلُكم فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم. ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أيْ في عِبادَتِهِ أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ يُمْنَعُ مِن دُخُولِها كَما يُمْنَعُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمِ فَإنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ. ﴿وَمَأْواهُ النّارُ﴾ فَإنَّها المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ وما لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم مِنَ النّارِ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِعِيسى ﷺ، وتَقَرُّبًا إلَيْهِ وهو مُعادِيهِمْ بِذَلِكَ ومُخاصِمُهم فِيهِ فَما ظَنَّكَ بِغَيْرِهِ.

المائدة 5:73

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ أحَدُ ثَلاثَةٍ، وهو حِكايَةٌ عَمّا قالَهُ النَّسْطُورِيَّةُ والمَلْكانِيَّةُ مِنهُمُ القائِلُونَ بِالأقانِيمِ الثَّلاثَةِ وما سَبَقَ قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ بِالِاتِّحادِ. ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾ وما في الوُجُودِ ذاتُ واجِبٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُبْدِئُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الشَّرِكَةِ ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ. ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ ولَمْ يُوَحِّدُوا. ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ، أوْ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّصارى، وضَعَهُ مَوْضِعَ لَيَمَسَّنَّهم تَكْرِيرًا لِلشَّهادَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَذابَ عَلى مَن دامَ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَنْقَلِعْ عَنْهُ فَلِذَلِكَ عَقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ أيْ أفَلا يَتُوبُونَ بِالِانْتِهاءِ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ والأقْوالِ الزّائِغَةِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ عَنِ الِاتِّحادِ والحُلُولِ بَعْدَ هَذا التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ إنْ تابُوا. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ.

المائدة 5:74

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ أحَدُ ثَلاثَةٍ، وهو حِكايَةٌ عَمّا قالَهُ النَّسْطُورِيَّةُ والمَلْكانِيَّةُ مِنهُمُ القائِلُونَ بِالأقانِيمِ الثَّلاثَةِ وما سَبَقَ قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ بِالِاتِّحادِ. ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾ وما في الوُجُودِ ذاتُ واجِبٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُبْدِئُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الشَّرِكَةِ ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ. ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ ولَمْ يُوَحِّدُوا. ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ، أوْ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّصارى، وضَعَهُ مَوْضِعَ لَيَمَسَّنَّهم تَكْرِيرًا لِلشَّهادَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَذابَ عَلى مَن دامَ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَنْقَلِعْ عَنْهُ فَلِذَلِكَ عَقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ أيْ أفَلا يَتُوبُونَ بِالِانْتِهاءِ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ والأقْوالِ الزّائِغَةِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ عَنِ الِاتِّحادِ والحُلُولِ بَعْدَ هَذا التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ إنْ تابُوا. وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ.

المائدة 5:75

﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ قَبْلَهُ خَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالآياتِ كَما خَصَّهم بِها، فَإنَّ إحْياءَ المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْجَبُ، وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ وهو أغْرَبُ. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ كَسائِرِ النِّساءِ اللّاتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ، أوْ يَصْدُقْنَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ ويَفْتَقِرانِ إلَيْهِ افْتِقارَ الحَيَواناتِ، بَيَّنَ أوَّلًا أقْصى ما لَهُما مِنَ الكَمالِ ودَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُوجِبُ لَهُما أُلُوهِيَّةً لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُشارِكُهُما في مِثْلِهِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى نَقْصِهِما وذَكَرَ ما يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ ويَقْتَضِي أنْ يَكُونا مِن عِدادِ المَرْكَباتِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ، ثُمَّ عَجِبَ لِمَن يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ لَهُما مَعَ أمْثالِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وتَأمُّلِهِ وثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ أيْ إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ عَجَبٌ وإعْراضَهم عَنْها أعْجَبُ.

المائدة 5:76

﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ يَعْنِي عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو وإنْ (p-139)مَلَكَ ذَلِكَ بِتَمْلِيكِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إيّاهُ لا يَمْلِكُهُ مِن ذاتِهِ ولا يَمْلِكُ مِثْلَ ما يَضُرُّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ البَلايا والمَصائِبِ، وما يَنْفَعُ بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ والسِّعَةِ، وإنَّما قالَ ما نَظَرًا إلى ما هو عَلَيْهِ في ذاتِهِ تَوْطِئَةً لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَنْهُ رَأْسًا، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن هَذا الجِنْسِ ومَن كانَ لَهُ حَقِيقَةٌ تَقْبَلُ المُجانَسَةَ والمُشارَكَةَ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما قَدَّمَ الضُّرَّ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ. ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ بِالأقْوالِ والعَقائِدُ فَيُجازِي عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

المائدة 5:77

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ غُلُوًّا باطِلًا فَتَرْفَعُوا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ تَدَّعُوا لَهُ الأُلُوهِيَّةَ، أوْ تَضَعُوهُ فَتَزْعُمُوا أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ. وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّصارى خاصَّةً. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي أسْلافَهم وأئِمَّتَهُمُ الَّذِينَ قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ في شَرِيعَتِهِمْ. ﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ مِمَّنْ شايَعَهم عَلى بِدَعِهِمْ وضَلالِهِمْ. ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ الَّذِي هو الإسْلامُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ لِما كَذَّبُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ، وقِيلَ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَنْ مُقْتَضى العَقْلِ والثّانِي إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الشَّرْعُ.

المائدة 5:78

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِما. وقِيلَ إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ داوُدَ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا دَعا عَلَيْهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَنَهم فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ. ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ ذَلِكَ اللَّعْنُ الشَّنِيعُ المُقْتَضِي لِلْمَسْخِ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ. ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أيْ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مِثْلِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وتَهَيَّؤُوا لَهُ، أوْ لا يَنْتَهُونَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِمْ تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ إذا امْتَنَعَ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ مُؤَكَّدٌ بِالقَسَمِ.

المائدة 5:79

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِما. وقِيلَ إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ داوُدَ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا دَعا عَلَيْهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَنَهم فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ. ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ ذَلِكَ اللَّعْنُ الشَّنِيعُ المُقْتَضِي لِلْمَسْخِ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ. ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أيْ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مِثْلِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وتَهَيَّؤُوا لَهُ، أوْ لا يَنْتَهُونَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِمْ تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ إذا امْتَنَعَ. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ مُؤَكَّدٌ بِالقَسَمِ.

المائدة 5:80

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ. ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُوالُونَ المُشْرِكِينَ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوهُ لِيَرِدُوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والمَعْنى مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ والخُلُودَ في العَذابِ، أوْ عِلَّةُ الذَّمِّ والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا ذَلِكَ لِأنَّهُ كَسَبَهُمُ السُّخْطَ والخُلُودَ. ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم وإنْ كانَتِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ فالمُرادُ نَبِيُّنا عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ إذِ الإيمانُ يَمْنَعُ ذَلِكَ. ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ أوْ مُتَمَرِّدُونَ في نِفاقِهِمْ.(p-140)

المائدة 5:81

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ. ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُوالُونَ المُشْرِكِينَ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوهُ لِيَرِدُوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والمَعْنى مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ والخُلُودَ في العَذابِ، أوْ عِلَّةُ الذَّمِّ والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا ذَلِكَ لِأنَّهُ كَسَبَهُمُ السُّخْطَ والخُلُودَ. ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم وإنْ كانَتِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ فالمُرادُ نَبِيُّنا عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ إذِ الإيمانُ يَمْنَعُ ذَلِكَ. ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ أوْ مُتَمَرِّدُونَ في نِفاقِهِمْ.(p-140)

المائدة 5:82

﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى، ورُكُونِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ ومُعاداتِهِمْ. ﴿وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ لِلِينِ جانِبِهِمْ ورِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وكَثْرَةِ اهْتِمامِهِمْ بِالعِلْمِ والعَمَلِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ إذا فَهِمُوهُ، أوْ يَتَواضَعُونَ ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّواضُعَ والإقْبالَ عَلى العِلْمِ والعَمَلِ والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ مَحْمُودٌ وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ.

المائدة 5:83

وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ عَطْفٌ عَلى لا يَسْتَكْبِرُونَ وهو بَيانٌ لِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وشِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ ومُسارَعَتِهِمْ إلى قَبُولِ الحَقِّ وعَدَمِ تَأبِّيهِمْ عَنْهُ، والفَيْضُ انْصِبابٌ عَنِ امْتِلاءٍ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ الِامْتِلاءِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ جَعَلَتْ أعْيُنَهم مِن فَرْطِ البُكاءِ كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها. مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ مِنَ الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ ما عَرَفُوا، أوْ لِلتَّبْعِيضِ بِأنَّهُ بَعْضُ الحَقِّ. والمَعْنى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ فَأبْكاهم فَكَيْفَ إذا عَرَفُوا كُلَّهُ. يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا بِذَلِكَ أوْ بِمُحَمَّدٍ. ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ شَهِدُوا بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ بِنُبُوَّتِهِ، أوْ مِن أُمَّتِهِ الَّذِينَ هم شُهَداءُ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ.

المائدة 5:84

﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مَعَ قِيامِ الدّاعِي وهو الطَّمَعُ في الِانْخِراطِ مَعَ الصّالِحِينَ، والدُّخُولِ في مَداخِلِهِمْ أوْ جَوابُ سائِلٍ قالَ لِمَ آمَنتُمْ؟ ولا نُؤْمِنُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والعامِلُ ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، أيْ بِوَحْدانِيَّتِهِ فَإنَّهم كانُوا مُثَلِّثِينَ. أوْ بِكِتابِهِ ورَسُولِهِ فَإنَّ الإيمانَ بِهِما إيمانٌ بِهِ حَقِيقَةً وذَكَرَهُ تَوْطِئَةً وتَعْظِيمًا، ونَطْمَعُ عُطِفَ عَلى نُؤْمِنُ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ، والواوُ لِلْحالِ أيْ ونَحْنُ نَطْمَعُ والعامِلُ فِيها عامِلُ الأُولى مُقَيَّدًا بِها أوْ نُؤْمِنُ.

المائدة 5:85

﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ أيْ عَنِ اعْتِقادٍ مِن قَوْلِكَ هَذا قَوْلُ فُلانٍ أيْ مُعْتَقَدُهُ. ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِينَ أحْسَنُوا النَّظَرَ والعَمَلَ، أوِ الَّذِينَ اعْتادُوا الإحْسانَ في الأُمُورِ. والآياتُ الأرْبَعُ. رُوِيَ « (أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ بَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ بِكِتابِهِ فَقَرَأهُ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ وأحْضَرَ الرُّهْبانَ والقِسِّيسِينَ، فَأمَرَ جَعْفَرًا أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَقَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَبَكَوْا وآمَنُوا بِالقُرْآنِ.» وَقِيلَ نَزَلَتْ في ثَلاثِينَ أوْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِهِ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا. (p-141)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ عَطَفَ التَّكْذِيبَ بِآياتِ اللَّهِ عَلى الكُفْرِ، وهو ضَرْبٌ مِنهُ لِأنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ حالِ المُكَذِّبِينَ وذَكَرَهم في مَعْرِضِ المُصَدِّقِينَ بِها جَمْعًا بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

المائدة 5:86

﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ أيْ عَنِ اعْتِقادٍ مِن قَوْلِكَ هَذا قَوْلُ فُلانٍ أيْ مُعْتَقَدُهُ. ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِينَ أحْسَنُوا النَّظَرَ والعَمَلَ، أوِ الَّذِينَ اعْتادُوا الإحْسانَ في الأُمُورِ. والآياتُ الأرْبَعُ. رُوِيَ « (أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ بَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ بِكِتابِهِ فَقَرَأهُ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ وأحْضَرَ الرُّهْبانَ والقِسِّيسِينَ، فَأمَرَ جَعْفَرًا أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَقَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَبَكَوْا وآمَنُوا بِالقُرْآنِ.» وَقِيلَ نَزَلَتْ في ثَلاثِينَ أوْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِهِ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس فَبَكَوْا وآمَنُوا. (p-141)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ عَطَفَ التَّكْذِيبَ بِآياتِ اللَّهِ عَلى الكُفْرِ، وهو ضَرْبٌ مِنهُ لِأنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ حالِ المُكَذِّبِينَ وذَكَرَهم في مَعْرِضِ المُصَدِّقِينَ بِها جَمْعًا بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

المائدة 5:87

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ ما طابَ ولَذَّ مِنهُ كَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ ما قَبْلَهُ مَدْحَ النَّصارى عَلى تَرَهُّبِهِمْ والحَثَّ عَلى كَسْرِ النَّفْسِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ عَقِبَهُ النَّهْيَ عَنِ الإفْراطِ في ذَلِكَ والِاعْتِداءِ عَمّا حَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَعْلِ الحَلالِ حَرامًا فَقالَ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ولا تَعْتَدُوا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ ناهِيَةً عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ داعِيَةً إلى القَصْدِ بَيْنَهُما. رُوِيَ « (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وصَفَ القِيامَةَ لِأصْحابِهِ يَوْمًا وبالَغَ في إنْذارِهِمْ، فَرَقُّوا واجْتَمَعُوا في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ واتَّفَقُوا عَلى أنْ لا يَزالُوا صائِمِينَ قائِمِينَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفَرْشِ ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ والوَدِكَ، ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيبَ، ويَرْفُضُوا الدُّنْيا ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، ويَجُبُّوا مَذاكِيرَهم. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا فَصُومُوا وأفْطِرُوا، وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ، وآتِي النِّساءَ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي فَنَزَلَتْ.» ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَيَكُونُ حَلالًا مَفْعُولَ كُلُوا ومِمّا حالَ مِنهُ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِكُلُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا وحَلالًا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وعَلى الوُجُوهِ لَوْ لَمْ يَقَعِ الرِّزْقُ عَلى الحَرامِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الحَلالِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾

المائدة 5:88

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ ما طابَ ولَذَّ مِنهُ كَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ ما قَبْلَهُ مَدْحَ النَّصارى عَلى تَرَهُّبِهِمْ والحَثَّ عَلى كَسْرِ النَّفْسِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ عَقِبَهُ النَّهْيَ عَنِ الإفْراطِ في ذَلِكَ والِاعْتِداءِ عَمّا حَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَعْلِ الحَلالِ حَرامًا فَقالَ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ولا تَعْتَدُوا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ ناهِيَةً عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ داعِيَةً إلى القَصْدِ بَيْنَهُما. رُوِيَ « (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وصَفَ القِيامَةَ لِأصْحابِهِ يَوْمًا وبالَغَ في إنْذارِهِمْ، فَرَقُّوا واجْتَمَعُوا في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ واتَّفَقُوا عَلى أنْ لا يَزالُوا صائِمِينَ قائِمِينَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفَرْشِ ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ والوَدِكَ، ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيبَ، ويَرْفُضُوا الدُّنْيا ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، ويَجُبُّوا مَذاكِيرَهم. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا فَصُومُوا وأفْطِرُوا، وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ، وآتِي النِّساءَ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي فَنَزَلَتْ.» ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَيَكُونُ حَلالًا مَفْعُولَ كُلُوا ومِمّا حالَ مِنهُ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِكُلُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا وحَلالًا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وعَلى الوُجُوهِ لَوْ لَمْ يَقَعِ الرِّزْقُ عَلى الحَرامِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الحَلالِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾

المائدة 5:89

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ هو ما يَبْدُو مِنَ المَرْءِ بِلا قَصْدٍ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ الحَلِفُ عَلى ما يَظُنُّ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وفي أيْمانِكم صِلَةُ يُؤاخِذُكم أوِ اللَّغْوِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ حالٌ مِنهُ. ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ بِما وثَّقْتُمُ الأيْمانَ عَلَيْهِ بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ، والمَعْنى ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنِثْتُمْ أوْ بِنَكْثِ ما عَقَدْتُمْ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ عَقَدْتُمُ بِالتَّخْفِيفِ، وابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ «عاقَدْتُمُ» وهو مِن فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ. ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ أيِ الفِعْلَةِ الَّتِي تُذْهِبُ إثْمَهُ وتَسْتُرُهُ، واسْتُدِلَّ بِظاهِرِهِ عَلى جَوازِ التَّكْفِيرِ بِالمالِ قَبْلَ الحِنْثِ وهو عِنْدَنا خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ» . ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ مِن أقْصَدِهِ في النَّوْعِ أوِ القَدْرِ، وهو مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عِنْدَنا ونِصْفُ صاعٍ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وما مَحَلُّهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْ تُطْعِمُوا عَشَرَةَ مَساكِينَ طَعامًا مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِن إطْعامِ، وأهْلُونَ كَأرْضُونَ. وقُرِئَ «أهالِيكُمْ» بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُها في الأحْوالِ الثَّلاثِ كالألِفِ، وهو جَمْعُ أهْلٍ كاللَّيالِي في جَمْعِ لَيْلٍ والأراضِي في جَمْعِ أرْضٍ. (p-142)وَقِيلَ هو جَمْعُ أهْلاةٍ. ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى إطْعامٍ أوْ مِن أوْسَطِ إنْ جُعِلَ بَدَلًا وهو ثَوْبٌ يُغَطِّي العَوْرَةَ. وَقِيلَ ثَوْبٌ جامِعٌ قَمِيصٌ أوْ رِداءٌ أوْ إزارٌ. وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ وهو لُغَةٌ كَقُدْوَةٍ في قُدْوَةٍ وكَأُسْوَتِهِمْ بِمَعْنى أوْ كَمِثْلِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم إسْرافًا كانَ أوْ تَقْتِيرًا تُواسُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهم إنْ لَمْ تُطْعِمُوهُمُ الأوْسَطَ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ وتَقْدِيرُهُ: أوْ إطْعامُهم كَأُسْوَتِهِمْ. ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أوْ إعْتاقُ إنْسانٍ، وشَرْطُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الأيْمانِ قِياسًا عَلى كَفّارَةِ القَتْلِ، ومَعْنى أوْ إيجابُ إحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ مُطْلَقًا وتَخْيِيرُ المُكَلَّفِ في التَّعْيِينِ. ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيْ واحِدًا مِنها. ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ فَكَفّارَتُهُ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وشَرَطَ فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ التَّتابُعَ لِأنَّهُ قُرِئَ «ثَلاثَةُ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ»، والشَّواذُّ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَنا إذا لَمْ تَثْبُتْ كِتابًا ولَمْ تُرْوَ سُنَّةً. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ. ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ وحَنِثْتُمْ. ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ بِأنْ تَضُنُّوا بِها ولا تَبْذُلُوها لِكُلِّ أمْرٍ، أوْ بِأنْ تَبَرُّوا فِيها ما اسْتَطَعْتُمْ ولَمْ يَفُتْ بِها خَيْرٌ، أوْ بِأنْ تُكَفِّرُوها إذا حَنِثْتُمْ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَيانِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أعْلامَ شَرائِعِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَةَ التَّعْلِيمِ أوْ نِعْمَةَ الواجِبِ شُكْرَها فَإنَّ مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ يُسَهِّلُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِنهُ.

المائدة 5:90

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ﴾ أيِ الأصْنامُ الَّتِي نُصِبَتْ لِلْعِبادَةِ. ﴿والأزْلامُ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُها في أوَّلِ السُّورَةِ. ﴿رِجْسٌ﴾ قَذَرٌ تَعافُ عَنْهُ العُقُولُ، وأفْرَدَهُ لِأنَّهُ خَبَرٌ لِلْخَمْرِ، وخَبَرُ المَعْطُوفاتِ مَحْذُوفٌ أوْ لِمُضافٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما تَعاطِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ. ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ تَسْوِيلِهِ وتَزْيِينِهِ. ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلرِّجْسِ أوْ لِما ذُكِرَ أوْ لِلتَّعاطِي. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تَفْلَحُوا بِالِاجْتِنابِ عَنْهُ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أكَّدَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ في هَذِهِ الآيَةِ، بِأنْ صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِ إنَّما وقَرَنَهُما بِالأنْصابِ والأزْلامِ، وسَمّاهُما رِجْسًا، وجَعَلَهُما مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِهِما شَرٌّ بَحْتٌ أوْ غالِبٌ، وأمَرَ بِالِاجْتِنابِ عَنْ عَيْنِهِما وجَعَلَهُ سَبَبًا يُرْجى مِنهُ الفَلاحُ، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْرِيمِ فَقالَ تَعالى:

المائدة 5:91

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ وإنَّما خَصَّهُما بِإعادَةِ الذِّكْرِ وشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما المَقْصُودُ بِالبَيانِ، وذَكَرَ الأنْصابَ والأزْلامَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلُهُما في الحُرْمَةِ والشَّرارَةِ. لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» . وَخَصَّ الصَّلاةَ مِنَ الذِّكْرِ بِالإفْرادِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ مِن حَيْثُ إنَّها عِمادُهُ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، ثُمَّ أعادَ الحَثَّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ الصَّوارِفِ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ في المَنعِ والتَّحْذِيرِ بَلَغَ الغايَةَ وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فِيما أمَرا بِهِ. ﴿واحْذَرُوا﴾ ما نَهَيا عَنْهُ أوْ مُخالَفَتَهُما. ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ (p-143)فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا الرَّسُولَ ﷺ بِتَوَلِّيكُمْ، فَإنَّما عَلَيْهِ البَلاغُ وقَدْ أدّى، وإنَّما ضَرَرْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم.

المائدة 5:92

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ وإنَّما خَصَّهُما بِإعادَةِ الذِّكْرِ وشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما المَقْصُودُ بِالبَيانِ، وذَكَرَ الأنْصابَ والأزْلامَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلُهُما في الحُرْمَةِ والشَّرارَةِ. لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» . وَخَصَّ الصَّلاةَ مِنَ الذِّكْرِ بِالإفْرادِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ مِن حَيْثُ إنَّها عِمادُهُ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، ثُمَّ أعادَ الحَثَّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ الصَّوارِفِ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ في المَنعِ والتَّحْذِيرِ بَلَغَ الغايَةَ وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فِيما أمَرا بِهِ. ﴿واحْذَرُوا﴾ ما نَهَيا عَنْهُ أوْ مُخالَفَتَهُما. ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ (p-143)فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا الرَّسُولَ ﷺ بِتَوَلِّيكُمْ، فَإنَّما عَلَيْهِ البَلاغُ وقَدْ أدّى، وإنَّما ضَرَرْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم.

المائدة 5:93

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ مِمّا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ اتَّقَوُا المُحَرَّمَ وثَبَتُوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ كالخَمْرِ. ﴿وَآمَنُوا﴾ بِتَحْرِيمِهِ. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ثُمَّ اسْتَمَرُّوا وثَبَتُوا عَلى اتِّقاءِ المَعاصِي. ﴿وَأحْسَنُوا﴾ وتَحَرَّوُا الأعْمالَ الجَمِيلَةَ واشْتَغَلُوا بِها. رُوِيَ « (أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ فَنَزَلَتْ.» وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الحالاتِ الثَّلاثِ اسْتِعْمالِ الإنْسانِ التَّقْوى والإيمانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ بَدَّلَ الإيمانَ بِالإحْسانِ في الكَرَّةِ الثّالِثَةِ إشارَةً إلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَفْسِيرِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمُنْتَهى، أوْ بِاعْتِبارِ ما يَتَّقِي فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العِقابِ والشُّبُهاتِ تَحَرُّزًا عَنِ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضَ المُباحاتِ تَحَفُّظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ وتَهْذِيبًا لَها عَنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَلا يُؤاخِذُهم بِشَيْءٍ، وفِيهِ أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ صارَ مُحْسِنًا ومَن صارَ مُحْسِنًا صارَ لِلَّهِ مَحْبُوبًا.

المائدة 5:94

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ نَزَلَتْ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالصَّيْدِ، وكانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ وهم مُحَرَّمُونَ، والتَّقْلِيلُ والتَّحْقِيرُ في بِشَيْءٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العَظائِمِ الَّتِي تَدْحَضُ الإقْدامَ كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ، فَمَن لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ كَيْفَ يَثْبُتُ عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ وهو غائِبٌ مُنْتَظِرٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ مِمَّنْ لا يَخافُهُ لِضَعْفِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ إيمانِهِ، فَذَكَرَ العِلْمَ وأرادَ وُقُوعَ المَعْلُومِ وظُهُورَهُ أوْ تَعَلُّقَ العِلْمِ. ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الِابْتِلاءِ بِالصَّيْدِ. ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فالوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ، فَإنَّ مَن لا يَمْلِكُ جَأْشَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ ولا يُراعِي حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ فَكَيْفَ بِهِ فِيما تَكُونُ النَّفْسُ أمِيلَ إلَيْهِ وأحْرَصَ عَلَيْهِ.

المائدة 5:95

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ مُحْرِمُونَ جَمْعُ حَرامٍ كَرَداحٍ ورُدُحٍ، ولَعَلَّهُ ذَكَرَ القَتْلَ دُونَ الذَّبْحِ والذَّكاةِ لِلتَّعْمِيمِ، وأرادَ بِالصَّيْدِ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيهِ عُرْفًا ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحُرُمِ، الحِدَأةُ والغُرابُ والعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» . وفي رِوايَةٍ أُخْرى «الحَيَّةُ» بَدَلَ «العَقْرَبِ»، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى جَوازِ قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ، واخْتُلِفَ في أنَّ هَذا النَّهْيَ هَلْ (p-144)يَلْغِي حُكْمَ الذَّبْحِ فَيَلْحَقُ مَذْبُوحُ المُحْرِمِ بِالمَيْتَةِ ومَذْبُوحِ الوَثَنِيِّ أوْ لا فَيَكُونُ كالشّاةِ المَغْصُوبَةِ إذا ذَبَحَها الغاصِبُ. ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عالِمًا بِأنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِ قَبْلَ ما يَقْتُلُهُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ وُجُوبِ الجَزاءِ فَإنَّ إتْلافَ العامِدِ والمُخْطِئِ واحِدٌ في إيجابِ الضَّمانِ، بَلْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ ولِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن تَعَمَّدَ إذْ رُوِيَ: أنَّهُ عَنَّ لَهم في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ حِمارُ وحْشٍ فَطَعَنَهُ أبُو اليُسْرِ بِرُمْحِهِ فَقَتَلَهُ. فَنَزَلَتْ. ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ بِرَفْعِ الجَزاءِ، والمِثْلُ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِمَعْنى فَعَلَيْهِ أيْ فَواجَبَهُ جَزاءٌ يُماثِلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، وعَلَيْهِ لا يَتَعَلَّقُ الجارُّ بِجَزاءٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالصِّفَةِ فَإنَّ مُتَعَلِّقَ المَصْدَرِ كالصِّلَةِ لَهُ فَلا يُوصَفُ ما لَمْ يَتِمَّ بِها، وإنَّما يَكُونُ صِفَتَهُ وقَرَأ الباقُونَ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وإقْحامِ مِثْلُ كَما في قَوْلِهِمْ مِثْلِي لا يَقُولُ كَذا، والمَعْنى فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى مِثْلَ ما قَتَلَ. وقُرِئَ «فَجَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ»، بِنَصْبِهِما عَلى فَلْيُجْزَ جَزاءً، أوْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى جَزاءً يُماثِلُ ما قَتَلَ وفَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ بِاعْتِبارِ الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والقِيمَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: يَقُومُ الصَّيْدُ حَيْثُ صِيدَ فَإنْ بَلَغَتِ القِيمَةُ ثَمَنَ هَدْيٍ تَخَيَّرَ بَيْنَ أنْ يَهْدِيَ ما قِيمَتُهُ قِيمَتُهُ وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها طَعامًا فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا وإنْ لَمْ تَبْلُغْ تَخَيَّرَ بَيْنَ الإطْعامِ والصَّوْمِ واللَّفْظُ لِلْأوَّلِ أوْفَقُ. ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ صِفَةُ جَزاءٍ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ في خَبَرِهِ أوْ مِنهُ إذا أضَفْتَهُ، أوْ وصَفْتَهُ ورَفَعْتَهُ بِخَبَرٍ مُقَدَّرٍ لِمَن وكَما أنَّ التَّقْوِيمَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ واجْتِهادٍ يَحْتاجُ إلى المُماثَلَةِ في الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ إلَيْها، فَإنَّ الأنْواعَ تَتَشابَهُ كَثِيرًا. وَقُرِئَ «ذُو عَدْلٍ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ الإمامِ. ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ في بِهِ أوْ مِن جَزاءٌ وإنْ نُوِّنَ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ بَدَلٌ مِن مِثْلُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ أوْ لَفْظِهِ فِيمَن نَصَبَهُ. ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وصَفَ بِهِ هَدْيًا لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنى بُلُوغِهِ الكَعْبَةَ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ والتَّصَدُّقِ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ يَذْبَحُ بِالحَرَمِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شاءَ. ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ عُطِفَ عَلى جَزاءٌ إنْ رَفَعْتَهُ وإنْ نَصَبْتَهُ فَخَبَرُ مَحْذُوفٍ. ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هي طَعامٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ كَفّارَةٌ طَعامٌ بِالإضافَةِ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِكَ: خاتَمٌ فِضَّةٌ، والمَعْنى عِنْدَ الشّافِعِيِّ أوْ أنْ يُكَفِّرَ بِإطْعامِ مَساكِينَ ما يُساوِي قِيمَةَ الهَدْيِ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا. ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ أوْ ما ساواهُ مِنَ الصَّوْمِ فَيَصُومُ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو ما عَدَلَ بِالشَّيْءِ في المُقَدَّرِ كَعَدْلَيِ الحِمْلِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الطَّعامِ، وصِيامًا تَمْيِيزُ لِلْعَدْلِ. ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ أوِ الطَّعامُ أوِ الصَّوْمُ لِيَذُوقَ ثِقَلَ فِعْلِهِ وسُوءَ عاقِبَةِ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ، أوِ الثِّقْلَ الشَّدِيدَ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأصْلُ الوَبْلِ الثِّقْلُ ومِنهُ الطَّعامُ الوَبِيلُ. ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ مُحْرِمًا في الجاهِلِيَّةِ أوْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أوْ في هَذِهِ المَرَّةِ. ﴿وَمَن عادَ﴾ إلى مِثْلِ هَذا. ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ولَيْسَ فِيهِ ما يَمْنَعُ الكَفّارَةَ عَلى العائِدِ كَما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ مِمّا أصَرَّ عَلى عِصْيانِهِ.

المائدة 5:96

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ ما صِيدَ مِنهُ مِمّا لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، وهو حَلالٌ كُلُّهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَحِلُّ مِنهُ إلّا السَّمَكُ. وقِيلَ يَحِلُّ السَّمَكُ وما يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ في البَرِّ. وطَعامُهُ ما قَذَفَهُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلصَّيْدِ وطَعامُهُ أكْلُهُ. ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ تَمْتِيعًا لَكم نُصِبَ عَلى الغَرَضِ. ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ أيْ ولِسَيّارَتِكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ أيْ ما صِيدَ فِيهِ، أوِ الصَّيْدُ فِيهِ فَعَلى الأوَّلِ يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ أيْضًا ما صادَهُ الحَلالُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ، (p-145)والجُمْهُورُ عَلى حِلِّهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلالٌ لَكُمْ، ما لَمْ تَصْطادُوهُ أوْ يُصَدْ لَكُمْ».» ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ مُحْرِمِينَ وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ مِن دامَ يَدامُ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

المائدة 5:97

﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ﴾ صَيَّرَها، وإنَّما سُمِّيَ البَيْتُ كَعْبَةً لِتَكَعُّبِهِ. ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ انْتِعاشًا لَهم أيْ سَبَبَ انْتِعاشِهِمْ في أمْرِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ يَلُوذُ بِهِ الخائِفُ ويَأْمَنُ فِيهِ الضَّعِيفُ، ويَرْبَحُ فِيهِ التُّجّارُ ويَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُجّاجُ والعُمّارُ، أوْ ما يَقُومُ بِهِ أمْرُ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «قِيَمًا» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى فِعَلٍ كالشِّبَعِ أُعِلَّ عَيْنُهُ كَما أُعِلَّ في فِعْلِهِ ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ أوِ الحالِ. ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُها والمُرادُ بِالشَّهْرِ الشَّهْرُ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ، وهو ذُو الحِجَّةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِقُرَنائِهِ وقِيلَ الجِنْسُ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ، أوْ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِحِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ وغَيْرِهِ. ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَإنَّ شَرْعَ الأحْكامِ لِدَفْعِ المَضارِّ قَبْلَ وُقُوعِها وجَلْبِ المَنافِعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها، دَلِيلُ حِكْمَةِ الشّارِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ومُبالَغَةٌ بَعْدَ إطْلاقٍ.

المائدة 5:98

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعِيدٌ ووَعْدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولِمَن حافَظَ عَلَيْها، أوْ لِمَن أصَرَّ عَلَيْهِ ولِمَن أقْلَعَ عَنْهُ. ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أُمِرَ بِهِ أيِ الرَّسُولُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ في التَّفْرِيطِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ مِن تَصْدِيقٍ وتَكْذِيبٍ وفِعْلٍ وعَزِيمَةٍ.

المائدة 5:99

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعِيدٌ ووَعْدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولِمَن حافَظَ عَلَيْها، أوْ لِمَن أصَرَّ عَلَيْهِ ولِمَن أقْلَعَ عَنْهُ. ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أُمِرَ بِهِ أيِ الرَّسُولُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ في التَّفْرِيطِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ مِن تَصْدِيقٍ وتَكْذِيبٍ وفِعْلٍ وعَزِيمَةٍ.

المائدة 5:100

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ الرَّدِيءِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأمْوالِ وجَيِّدِها، رَغَّبَ بِهِ في مَصالِحِ العَمَلِ وحَلالِ المالِ. ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ دُونَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فَإنَّ المَحْمُودَ القَلِيلَ خَيْرٌ مِنَ المَذْمُومِ الكَثِيرِ، والخِطابُ لِكُلِّ مُعْتَبِرٍ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيْ فاتَّقُوهُ في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ، وآثِرُوا الطَّيِّبَ وإنَّ قَلَّ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ أنْ تَبْلُغُوا الفَلاحَ. رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ في حُجّاجِ اليَمامَةِ لَمّا هَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ فَنُهُوا عَنْهُ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ.

المائدة 5:101

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ الشَّرْطِيَّةُ وما عُطِفَ عَلَيْها صِفَتانِ لِأشْياءَ والمَعْنى: لا تَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ إنْ تَظْهَرْ لَكم تَغُمُّكم وإنْ (p-146)تَسْألُوا عَنْها في زَمانِ الوَحْيِ تَظْهَرُ لَكُمْ، وهُما كَمُقْدِّمَتَيْنِ تَنْتُجانِ ما يَمْنَعُ السُّؤالَ وهو أنَّهُ مِمّا يَغُمُّهم والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ما يَغُمُّهُ، وأشْياءُ اسْمٌ جَمْعٌ كَطَرْفاءَ غَيْرَ أنَّهُ قُلِبَتْ لامُهُ فَجُعِلَتْ لَفْعاءَ. وقِيلَ أفْعِلاءَ حُذِفَتْ لامُهُ جَمْعٌ لِشَيْءٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ شَيِّئْ كَهَيِّنٍ، أوْ شَيْءٍ كَصَدِيقٍ فَخُفِّفَ. وقِيلَ أفْعالٌ جَمْعٌ لَهُ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ ويَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ صِفَةٌ أُخْرى أيْ عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها ولَمْ يُكَلِّفْ بِها. إذْ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ قالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ: أكُلُّ عامٍ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ ثَلاثًا فَقالَ: «لا ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَما اسْتَطَعْتُمْ فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ» فَنَزَلَتْ.» أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا لِمِثْلِها. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكم بِعُقُوبَةِ ما يَفْرُطُ مِنكُمْ، ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَخْطُبُ ذاتَ يَوْمٍ وهو غَضْبانُ مِن كَثْرَةِ ما يَسْألُونَ عَنْهُ مِمّا لا يَعْنِيهِمْ فَقالَ: لا أُسْألُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُ، فَقالَ رَجُلٌ: أيْنَ أبِي فَقالَ في النّارِ، وقالَ آخَرُ مَن أبِي فَقالَ: حُذافَةُ وكانَ يُدْعى لِغَيْرِهِ فَنَزَلَتْ.» ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَسْألَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها تَسْألُوا ولِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ بِعَنْ أوْ لِأشْياءَ بِحَذْفِ الجارِّ. ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَها ولَيْسَ صِفَةً لِقَوْمٍ، فَإنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَّةِ ولا حالًا مِنها ولا خَبَرًا عَنْها. ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ أيْ بِسَبَبِها حَيْثُ لَمْ يَأْتَمِرُوا بِما سَألُوا جُحُودًا.

المائدة 5:102

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ الشَّرْطِيَّةُ وما عُطِفَ عَلَيْها صِفَتانِ لِأشْياءَ والمَعْنى: لا تَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ إنْ تَظْهَرْ لَكم تَغُمُّكم وإنْ (p-146)تَسْألُوا عَنْها في زَمانِ الوَحْيِ تَظْهَرُ لَكُمْ، وهُما كَمُقْدِّمَتَيْنِ تَنْتُجانِ ما يَمْنَعُ السُّؤالَ وهو أنَّهُ مِمّا يَغُمُّهم والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ما يَغُمُّهُ، وأشْياءُ اسْمٌ جَمْعٌ كَطَرْفاءَ غَيْرَ أنَّهُ قُلِبَتْ لامُهُ فَجُعِلَتْ لَفْعاءَ. وقِيلَ أفْعِلاءَ حُذِفَتْ لامُهُ جَمْعٌ لِشَيْءٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ شَيِّئْ كَهَيِّنٍ، أوْ شَيْءٍ كَصَدِيقٍ فَخُفِّفَ. وقِيلَ أفْعالٌ جَمْعٌ لَهُ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ ويَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ صِفَةٌ أُخْرى أيْ عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها ولَمْ يُكَلِّفْ بِها. إذْ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ قالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ: أكُلُّ عامٍ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ ثَلاثًا فَقالَ: «لا ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَما اسْتَطَعْتُمْ فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ» فَنَزَلَتْ.» أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا لِمِثْلِها. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكم بِعُقُوبَةِ ما يَفْرُطُ مِنكُمْ، ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَخْطُبُ ذاتَ يَوْمٍ وهو غَضْبانُ مِن كَثْرَةِ ما يَسْألُونَ عَنْهُ مِمّا لا يَعْنِيهِمْ فَقالَ: لا أُسْألُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُ، فَقالَ رَجُلٌ: أيْنَ أبِي فَقالَ في النّارِ، وقالَ آخَرُ مَن أبِي فَقالَ: حُذافَةُ وكانَ يُدْعى لِغَيْرِهِ فَنَزَلَتْ.» ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَسْألَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها تَسْألُوا ولِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ بِعَنْ أوْ لِأشْياءَ بِحَذْفِ الجارِّ. ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَها ولَيْسَ صِفَةً لِقَوْمٍ، فَإنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَّةِ ولا حالًا مِنها ولا خَبَرًا عَنْها. ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ أيْ بِسَبَبِها حَيْثُ لَمْ يَأْتَمِرُوا بِما سَألُوا جُحُودًا.

المائدة 5:103

﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِما ابْتَدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وهو أنَّهم إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ بَحَرُوا أُذُنَها أيْ شَقُّوها وخَلَّوْا سَبِيلَها، فَلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَقُولُ: إنْ شُفِيتُ فَناقَتِي سائِبَةٌ ويَجْعَلُها كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِها، وإذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ وإنْ ولَدَتْهُما قالُوا وصَلَتِ الأُنْثى أخاها فَلا يُذْبَحُ لَها الذَّكَرُ، وإذا نَتَجَتْ مِن صُلِبِ الفَحْلِ عَشَرَةَ أبْطُنٍ حَرَّمُوا ظَهْرَهُ ولَمْ يَمْنَعُوهُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى وقالُوا: قَدْ حَمِيَ ظَهْرُهُ، ومَعْنى ما جَعَلَ ما شَرَعَ ووَضَعَ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو البَحِيرَةُ ومِن مَزِيدَةٌ. ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ونِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والمُبِيحِ مِنَ المُحَرَّمِ، أوِ الآمِرَ مِنَ النّاهِي ولَكِنَّهم يُقَلِّدُونَ كِبارَهم وفِيهِ أنَّ مِنهم مَن يَعْرِفُ بُطْلانَ ذَلِكَ ولَكِنْ يَمْنَعُهم حُبُّ الرِّياسَةِ وتَقْلِيدُ الآباءِ أنْ يَعْتَرِفُوا بِهِ.

المائدة 5:104

﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ بَيانٌ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ وأنْ لا سَنَدَ لَهم سِواهُ. ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ والهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلَيْها لِإنْكارِ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ الحالِ، أيْ أحْسَبُهم ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم ولَوْ كانُوا جَهَلَةً ضالِّينَ، والمَعْنى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِمَن عُلِمَ أنَّهُ عالِمٌ مُهْتَدٍ وذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا بِالحُجَّةِ فَلا يَكْفِي التَّقْلِيدُ.

المائدة 5:105

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ احْفَظُوها والزَمُوا إصْلاحَها، والجارُّ مَعَ المَجْرُورِ جُعِلَ اسْمًا (p-147)لِالزَمُوا ولِذَلِكَ نَصَبَ أنْفُسَكم. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لا يَضُرُّكُمُ الضَّلالُ إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ، ومِنِ الِاهْتِداءِ أنْ يُنْكِرَ المُنْكَرَ حَسَبَ طاقَتِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا واسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» . والآيَةُ نَزَلَتْ لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلى الكَفَرَةِ ويَتَمَنَّوْنَ إيمانَهُمْ، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ قالُوا لَهُ سَفَّهْتَ آباءَكَ فَنَزَلَتْ. ولا يَضُرُّكم يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ ويُؤَيِّدُهُ أنْ قُرِئَ «لا يَضِيرُكُمْ» والجَزْمُ عَلى الجَوابِ أوِ النَّهْيِ لَكِنَّهُ ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ وتَنْصُرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ لا يَضُرَّكم بِالفَتْحِ، ولا يُضِرُّكم بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها مِن ضارَّهْ يَضِيرُهُ ويَضُورُهُ. ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.

المائدة 5:106

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أيْ فِيما أُمِرْتُمْ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، والمُرادُ بِالشَّهادَةِ الإشْهادُ في الوَصِيَّةِ وإضافَتُها إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ وقُرِئَ «شَهادَةً» بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ عَلى لِيُقِمْ. ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ إذا شارَفَهُ وظَهَرَتْ أماراتُهُ وهو ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ. ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وفي إبْدالِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يُتَهاوَنَ فِيهِ أوْ ظَرْفُ حَضَرَ. ﴿اثْنانِ﴾ فاعِلُ شَهادَةُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَها عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن أقارِبِكم أوْ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُما صِفَتانِ لِاثْنانِ. ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى اثْنانِ، ومَن فَسَّرَ الغَيْرَ بِأهْلِ الذِّمَّةِ جَعَلَهُ مَنسُوخًا فَإنَّ شَهادَتَهُ عَلى المُسْلِمِ لا تُسْمَعُ إجْماعًا. ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ سافَرْتُمْ فِيها. ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ أيْ قارَبْتُمُ الأجَلَ. ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَقِفُونَهُما وتُصَبِّرُونَهُما صِفَةٌ لَآخَرانِ والشَّرْطُ بِجَوابِهِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ اعْتِراضٌ، فائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ مِنكم فَإنْ تَعَذَّرَ كَما في السَّفَرِ فَمِن غَيْرِكُمْ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إنِ ارْتَبْنا بِالشّاهِدَيْنِ فَقالَ تَحْبِسُونَهُما. ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وتَصادُمِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ ومَلائِكَةِ النَّهارِ. وقِيلَ أيُّ صَلاةٍ كانَتْ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إنِ ارْتابَ الوارِثُ مِنكم. ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ مُقْسَمٌ عَلَيْهِ، وإنِ ارْتَبْتُمْ اعْتِراضٌ يُفِيدُ اخْتِصاصَ القَسَمِ بِحالِ الِارْتِيابِ. والمَعْنى لا نَسْتَبْدِلُ بِالقَسَمِ أوْ بِاللَّهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا أيْ لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا لِطَمَعٍ. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ ولَوْ كانَ المُقْسَمُ لَهُ قَرِيبًا مِنّا، وجَوابُهُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ لا نَشْتَرِي. ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ بِإقامَتِها، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى شَهادَةَ ثُمَّ ابْتَدَأ آللَّهُ بِالمَدِّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِمُ اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ. ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أيْ إنْ كَتَمْنا. وقُرِئَ «لَمِلّاْثِمِينَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْغامِ النُّونِ فِيها.

المائدة 5:107

﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ فَإنِ اطُّلِعَ. ﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فِعْلًا ما أوْجَبَ إثْمًا كَتَحْرِيفٍ. ﴿فَآخَرانِ﴾ فَشاهِدانِ آخَرانِ. ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ مِنَ الَّذِينَ جَنى عَلَيْهِمْ وهُمُ الوَرَثَةُ. وقَرَأ حَفْصٌ اسْتَحَقَّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو الأوْلَيانِ. ﴿الأوْلَيانِ﴾ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقَرابَتِهِما ومَعْرِفَتِهِما وهو خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ: هُما الأوْلَيانِ أوْ خَبَرُ آخَرانِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ آخَرانِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُما أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ. (p-148)وَقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ الأوَّلِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ أيْ مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ. وقُرِئَ «الأوْلَيْنِ» عَلى التَّثْنِيَةِ وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ والأوَّلانِ وإعْرابُهُ إعْرابُ الأوْلَيانِ. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ أصْدَقُ مِنها وأوْلى بِأنْ تُقْبَلَ. ﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ وما تَجاوَزْنا فِيها الحَقَّ. ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ الباطِلَ مَوْضِعَ الحَقِّ، أوِ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم إنِ اعْتَدَيْنا. ومَعْنى الآيَتَيْنِ أنَّ المُحْتَضَرَ إذا أرادَ الوَصِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي نَسَبِهِ أوْ دِينِهِ عَلى وصِيَّتِهِ، أوْ يُوصِي إلَيْهِما احْتِياطًا فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ فَآخَرَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنْ وقَعَ نِزاعٌ وارْتِيابٌ أقْسَما عَلى صِدْقِ ما يَقُولانِ بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّهُما كَذَّبا بِأمارَةٍ أوْ مَظِنَّةٍ حَلَفَ آخَرانِ مِن أوْلِياءِ المَيِّتِ، والحُكْمُ مَنسُوخٌ إنْ كانَ الِاثْنانِ شاهِدَيْنِ فَإنَّهُ لا يُخْلِفُ الشّاهِدَ ولا يُعارِضُ يَمِينَهُ بِيَمِينِ الوارِثِ وثابِتٌ إنْ كانا وصِيَّيْنِ ورَدَّ اليَمِينَ إلى الوَرَثَةِ إمّا لِظُهُورِ خِيانَةِ الوَصِيَّيْنِ فَإنَّ تَصْدِيقَ الوَصِيِّ بِاليَمِينِ لِأمانَتِهِ أوْ لِتَغْيِيرِ الدَّعْوى. إذْ رُوِيَ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ يَزِيدَ خَرَجا إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ وكانا حِينَئِذٍ نَصْرانِيَّيْنِ ومَعَهُما بُدَيْلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرَضَ بُدَيْلٌ فَدَوَّنَ ما مَعَهُ في صَحِيفَةٍ وطَرَحَها في مَتاعِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُما بِهِ، وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ وماتَ، فَفَتَّشاهُ وأخَذا مِنهُ إناءً مِن فِضَّةٍ فِيهِ ثَلاثُمِائَةِ مِثْقالٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ فَغَيَّباهُ، فَأصابَ أهْلُهُ الصَّحِيفَةَ فَطالَبُوهُما بِالإناءِ فَجَحَدا فَتَرافَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ، فَحَلَّفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ وخَلّى سَبِيلَهُما، ثُمَّ وجَدَ الإناءَ في أيْدِيهِما فَأتاهُما بَنُو سَهْمٍ في ذَلِكَ فَقالا: قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَنا عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُقَرِّبَهُ فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ فَإنْ عُثِرَ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا واسْتَحَقّاهُ.» ولَعَلَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ فِيهِما لِخُصُوصِ الواقِعَةِ.

المائدة 5:108

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ الَّذِي تَقَدَّمَ أوْ تَحْلِيفُ الشّاهِدِ. ﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ عَلى نَحْوِ ما حَمَلُوها مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ وخِيانَةٍ فِيها ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أنْ تُرَدَّ اليَمِينُ عَلى المُدَّعِينَ. بَعْدَ أيْمانِهِمْ فَيَفْتَضِحُوا بِظُهُورِ الخِيانَةِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ وإنَّما جَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ حُكْمٌ يَعُمُّ الشُّهُودَ كُلَّهم. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ ما تُوصُونَ بِهِ سَمْعَ إجابَةٍ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا ولَمْ تَسْمَعُوا كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى حُجَّةٍ أوْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ. فَقَوْلُهُ تَعالى:

المائدة 5:109

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ ظَرْفٌ لَهُ. وقِيلَ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ واتَّقُوا بَدَلُ الِاشْتِمالِ، أوْ مَفْعُولِ واسْمَعُوا عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ واسْمَعُوا خَبَرَ يَوْمِ جَمْعِهِمْ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ. ﴿فَيَقُولُ﴾ أيْ لِلرُّسُلِ. ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيَّ إجابَةٍ أجَبْتُمْ، عَلى أنَّ ماذا في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أوْ بِأيِّ شَيْءٍ أجَبْتُمْ فَحَذَفَ الجارَّ، وهَذا السُّؤالُ لِتَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ كَما أنَّ سُؤالَ المَوْؤُدَةِ لِتَوْبِيخِ الوائِدِ ولِذَلِكَ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ أيْ لا عِلْمَ لَنا بِما لَسْتَ تَعْلَمُهُ. ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ فَتَعْلَمُ ما نَعْلَمُهُ مِمّا أجابُونا وأظْهَرُوا لَنا وما لا نَعْلَمُ مِمّا أضْمَرُوا في قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ التَّشَكِّي مِنهم ورَدُّ الأمْرِ إلى عِلْمِهِ بِما كابَدُوا مِنهم. وقِيلَ المَعْنى لا عِلْمَ لَنا إلى جَنْبِ عِلْمِكَ، أوْ لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا وإنَّما الحُكْمُ لِلْخاتِمَةِ. وقُرِئَ «عَلّامَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ إنَّكَ أنْتَ، أيْ إنَّكَ أنْتَ المَوْصُوفُ بِصِفاتِكَ المَعْرُوفَةِ وعَلّامَ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ الغِيُوبِ بِكَسْرِ الغَيْنِ حَيْثُ وقَعَ.(p-149)

المائدة 5:110

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَجْمَعُ وهو عَلى طَرِيقَةِ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُوَبِّخُ الكَفَرَةَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ وتَعْدِيدِ ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ فَكَذَّبَتْهم طائِفَةٌ وسَمُّوهم سَحَرَةً، وغَلا آخَرُونَ فاتَّخَذُوهم آلِهَةً. أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ. ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ قَوَّيْتُكَ وهو ظَرْفٌ لِنِعْمَتِي أوْ حالٌ مِنهُ وقُرِئَ «آيَّدْتُكَ» . ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ بِالكَلامِ الَّذِي يَحْيا بِهِ الدِّينُ، أوِ النَّفْسُ حَياةً أبَدِيَّةً ويُطَهِّرُ مِنَ الآثامِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ كائِنًا في المَهْدِ وكَهْلًا، والمَعْنى تُكَلِّمُهم في الطُّفُولَةِ والكُهُولَةِ عَلى سَواءٍ، والمَعْنى إلْحاقُ حالِهِ في الطُّفُولِيَّةِ بِحالِ الكُهُولِيَّةِ في كَمالِ العَقْلِ والتَّكَلُّمِ، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّهُ سَيَنْزِلُ فَإنَّهُ رُفِعَ قَبْلَ أنْ يَكْتَهِلَ. ﴿وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «آلِ عِمْرانَ» . وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ طائِرًا ويَحْتَمِلُ الإفْرادَ والجَمْعَ كالباقِرِ. ﴿وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ. ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ ظَرْفٌ لِكَفَفْتُ. ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إلّا «ساحِرٌ» فالإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

المائدة 5:111

﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ أيْ أمَرْتُهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي. ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلِصُونَ. ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، أوْ ظَرْفٌ لِقالُوا فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ادِّعاءَهُمُ الإخْلاصَ مَعَ قَوْلِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ عَنْ تَحْقِيقٍ واسْتِحْكامِ مَعْرِفَةٍ. وقِيلَ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والإرادَةُ لا عَلى ما تَقْتَضِيهِ القُدْرَةُ. وقِيلَ المَعْنى هَلْ يُطِيعُ رَبُّكَ أيْ هَلْ يُجِيبُكَ، واسْتَطاعَ بِمَعْنى أطاعَ كاسْتَجابَ وأجابَ. وقَرَأ الكِسائِيُّ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ أيْ سُؤالَ رَبِّكَ، والمَعْنى هَلْ تَسْألُهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ صارِفٍ. والمائِدَةُ الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَ الماءُ يَمِيدُ إذا تَحَرَّكَ، أوْ مِن مادَ إذا أعْطاهُ كَأنَّها تَمِيدُ مَن تُقَدَّمُ إلَيْهِ ونَظِيرُها قَوْلُهم شَجَرَةٌ مُطَعَّمَةٌ. ﴿قالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن أمْثالِ هَذا السُّؤالِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي، أوْ صَدَقْتُمْ في ادِّعائِكُمُ الإيمانَ.

المائدة 5:112

﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ أيْ أمَرْتُهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي. ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلِصُونَ. ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، أوْ ظَرْفٌ لِقالُوا فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ادِّعاءَهُمُ الإخْلاصَ مَعَ قَوْلِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ عَنْ تَحْقِيقٍ واسْتِحْكامِ مَعْرِفَةٍ. وقِيلَ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والإرادَةُ لا عَلى ما تَقْتَضِيهِ القُدْرَةُ. وقِيلَ المَعْنى هَلْ يُطِيعُ رَبُّكَ أيْ هَلْ يُجِيبُكَ، واسْتَطاعَ بِمَعْنى أطاعَ كاسْتَجابَ وأجابَ. وقَرَأ الكِسائِيُّ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ أيْ سُؤالَ رَبِّكَ، والمَعْنى هَلْ تَسْألُهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ صارِفٍ. والمائِدَةُ الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَ الماءُ يَمِيدُ إذا تَحَرَّكَ، أوْ مِن مادَ إذا أعْطاهُ كَأنَّها تَمِيدُ مَن تُقَدَّمُ إلَيْهِ ونَظِيرُها قَوْلُهم شَجَرَةٌ مُطَعَّمَةٌ. ﴿قالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن أمْثالِ هَذا السُّؤالِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي، أوْ صَدَقْتُمْ في ادِّعائِكُمُ الإيمانَ.

المائدة 5:113

(p-150)﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ تَمْهِيدُ عُذْرٍ وبَيانٌ لِما دَعاهم إلى السُّؤالِ وهو أنْ يَتَمَتَّعُوا بِالأكْلِ مِنها. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ بِانْضِمامِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ إلى عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ أنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَنا. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إذا اسْتَشْهَدْتَنا أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْخَبَرِ. ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لَمّا رَأى أنَّ لَهم غَرَضًا صَحِيحًا في ذَلِكَ، أوْ أنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ فَأرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ بِكَمالِها. ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا نُعَظِّمُهُ. وَقِيلَ العِيدُ السُّرُورُ العائِدُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ العِيدِ عِيدًا. وقُرِئَ «تَكُنْ» عَلى جَوابِ الأمْرِ. ﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن لَنا بِإعادَةِ العامِلِ أيْ عِيدًا لِمُتَقَدِّمِينا ومُتَأخِّرِينا. رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ يَأْكُلُ مِنها أوَّلُنا وآخِرُنا. وقُرِئَ «لِأُولانا وأُخْرانا» بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الطّائِفَةِ. ﴿وَآيَةً﴾ عُطِفَ عَلى عِيدًا. ﴿مِنكَ﴾ صِفَةٌ لَها أيْ آيَةً كائِنَةً مِنكَ دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي. ﴿وارْزُقْنا﴾ المائِدَةَ والشُّكْرَ عَلَيْها. ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيْ خَيْرُ مَن يَرْزُقُ لِأنَّهُ خالِقُ الرِّزْقِ ومُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ.

المائدة 5:114

(p-150)﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ تَمْهِيدُ عُذْرٍ وبَيانٌ لِما دَعاهم إلى السُّؤالِ وهو أنْ يَتَمَتَّعُوا بِالأكْلِ مِنها. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ بِانْضِمامِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ إلى عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ أنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَنا. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إذا اسْتَشْهَدْتَنا أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْخَبَرِ. ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لَمّا رَأى أنَّ لَهم غَرَضًا صَحِيحًا في ذَلِكَ، أوْ أنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ فَأرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ بِكَمالِها. ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا نُعَظِّمُهُ. وَقِيلَ العِيدُ السُّرُورُ العائِدُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ العِيدِ عِيدًا. وقُرِئَ «تَكُنْ» عَلى جَوابِ الأمْرِ. ﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن لَنا بِإعادَةِ العامِلِ أيْ عِيدًا لِمُتَقَدِّمِينا ومُتَأخِّرِينا. رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ يَأْكُلُ مِنها أوَّلُنا وآخِرُنا. وقُرِئَ «لِأُولانا وأُخْرانا» بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الطّائِفَةِ. ﴿وَآيَةً﴾ عُطِفَ عَلى عِيدًا. ﴿مِنكَ﴾ صِفَةٌ لَها أيْ آيَةً كائِنَةً مِنكَ دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي. ﴿وارْزُقْنا﴾ المائِدَةَ والشُّكْرَ عَلَيْها. ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيْ خَيْرُ مَن يَرْزُقُ لِأنَّهُ خالِقُ الرِّزْقِ ومُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ.

المائدة 5:115

﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ إجابَةً إلى سُؤالِكم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ مُنَزِّلُها بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ تَعْذِيبًا ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السِّعَةِ. ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَصْدَرِ، أوْ لِلْعَذابِ إنْ أُرِيدَ ما يُعَذَّبُ بِهِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ. ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ مِن عالَمِي زَمانِهِمْ أوِ العالَمِينَ مُطْلَقًا فَإنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَمْ يُعَذَّبْ بِمِثْلِ ذَلِكَ غَيْرُهم. رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْراءُ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها حَتّى سَقَطَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَبَكى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشّاكِرِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها مُثْلَةً وعُقُوبَةً، ثُمَّ قامَ فَتَوَضَّأ وصَلّى وبَكى، ثُمَّ كَشَفَ المِندِيلَ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، فَإذا سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ بِلا فَلَوْسٍ ولا شَوْكٍ تَسِيلُ دَسَمًا وعِنْدَ رَأْسِها مِلْحٌ وعِنْدَ ذَنَبِها خَلٌّ وحَوْلَها مِن ألْوانِ البُقُولِ ما خَلا الكُرّاثَ، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ وعَلى الثّانِي عَسَلٌ وعَلى الثّالِثِ سَمْنٌ وعَلى الرّابِعِ جُبْنٌ وعَلى الخامِسِ قَدِيدٌ فَقالَ شَمْعُونُ: يا رُوحَ اللَّهِ أمِن طَعامِ الدُّنْيا أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ قالَ: لَيْسَ مِنهُما ولَكِنِ اخْتَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقُدْرَتِهِ كُلُوا ما سَألْتُمْ واشْكُرُوا يُمْدِدْكُمُ اللَّهُ ويَزِدْكم مِن فَضْلِهِ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ لَوْ أرَيْتَنا مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةً أُخْرى فَقالَ: يا سَمَكَةُ احْيَيْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فاضْطَرَبَتْ ثُمَّ قالَ لَها عُودِي كَما كُنْتِ فَعادَتْ مَشْوِيَّةً ثُمَّ طارَتِ المائِدَةُ، ثُمَّ عَصَوْا بَعْدَها فَمُسِخُوا. وَقِيلَ كانَتْ تَأْتِيهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا غِبًّا يَجْتَمِعُ عَلَيْها الفُقَراءُ والأغْنِياءُ والصِّغارُ والكِبارُ يَأْكُلُونَ حَتّى إذا فاءَ الفَيْءُ طارَتْ وهم يَنْظُرُونَ في ظِلِّها، ولَمْ يَأْكُلْ مِنها فَقِيرٌ إلّا غَنِيَ مُدَّةَ عُمُرِهِ، ولا مَرِيضٌ إلّا بَرِئَ ولَمْ يَمْرَضْ أبَدًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اجْعَلْ مائِدَتِي في الفُقَراءِ والمَرْضى دُونَ الأغْنِياءِ والأصِحّاءِ، فاضْطَرَبَ النّاسُ لِذَلِكَ فَمُسِخَ مِنهم ثَلاثَةُ وثَمانُونَ رَجُلًا. وقِيلَ لَمّا وعَدَ اللَّهُ إنْزالَها بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ اسْتَعْفَوْا وقالُوا: لا نُرِيدُ فَلَمْ تَنْزِلْ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُقْتَرِحِي المُعْجِزاتِ. وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ: المائِدَةُ هاهُنا عِبارَةٌ عَنْ حَقائِقِ المَعارِفِ، فَإنَّها غِذاءُ الرُّوحِ كَما أنَّ الأطْعِمَةَ غِذاءُ البَدَنِ وعَلى هَذا فَلَعَلَّ الحالَ أنَّهم رَغِبُوا في حَقائِقَ لَمْ يَسْتَعِدُّوا لِلْوُقُوفِ عَلَيْها، فَقالَ لَهم عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ حَصَلْتُمُ الإيمانَ فاسْتَعْمِلُوا التَّقْوى حَتّى تَتَمَكَّنُوا مِنِ الِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنِ السُّؤالِ وألَحُّوا فِيهِ فَسَألَ لِأجْلِ اقْتِراحِهِمْ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ إنْزالَهُ سَهْلٌ ولَكِنَّ فِيهِ خَطَرٌ وخَوْفُ عاقِبَةٍ، فَإنَّ السّالِكَ إذا انْكَشَفَ لَهُ ما هو أعْلى مِن مَقامِهِ لَعَلَّهُ لا يَحْتَمِلُهُ ولا يَسْتَقِرُّ لَهُ فَيَضِلُّ بِهِ ضَلالًا بَعِيدًا.(p-151)

المائدة 5:116

﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ تَوْبِيخَ الكَفَرَةِ وتَبْكِيتَهُمْ، ومِن دُونِ اللَّهِ صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ أوْ صِلَةُ اتَّخِذُونِي، ومَعْنى دُونِ إمّا المُغايِرَةُ فَيَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ عِبادَةِ غَيْرِهِ كَلا عِبادَةٍ، فَمَن عَبَدَهُ مَعَ عِبادَتِهِما كَأنَّهُ عَبَدَهُما ولَمْ يَعْبُدْهُ أوِ القُصُورُ، فَإنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّهُما مُسْتَقِلّانِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ وإنَّما زَعَمُوا أنَّ عِبادَتَهُما تُوصِلُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلَهَيْنِ مُتَوَصِّلِينَ بِنا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ. ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ما يَنْبَغِي لِي أنْ أقُولَ قَوْلًا لا يَحِقُّ لِي أنْ أقُولَهُ. ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ في نَفْسِي كَما تَعْلَمُ ما أُعْلِنُهُ، ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ مِن مَعْلُوماتِكَ. وقَوْلُهُ في نَفْسِكَ لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ المُرادُ بِالنَّفْسِ الذّاتُ. ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ ومَفْهُومِهِ.

المائدة 5:117

﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولَيْسَ مِن شَرْطِ البَدَلِ جَوازُ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ بَقاءُ المَوْصُولِ بِلا راجِعٍ، أوْ خَبَرُ مُضْمَرٍ أوْ مَفْعُولُهُ مِثْلُ هو أوْ أعْنِي، ولا يَجُوزُ إبْدالُهُ مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ فَإنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ مَفْعُولَ القَوْلِ ولا أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ الأمْرَ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم والقَوْلُ لا يُفَسَّرُ بَلِ الجُمْلَةُ تُحْكى بَعْدَهُ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ القَوْلُ بِالأمْرِ فَكَأنَّ قِيلَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ. ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ أمْنَعُهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَعْتَقِدُوهُ، أوْ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ﴾ والتَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ المُراقِبَ لِأحْوالِهِمْ فَتَمْنَعُ مَن أرْدْتَ عِصْمَتَهُ مِنَ القَوْلِ بِهِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ. ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مُراقِبٌ لَهُ. ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ أيْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ تُعَذِّبُ عِبادَكَ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ. ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَلا عَجْزَ ولا اسْتِقْباحَ فَإنَّكَ القادِرُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ. وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ لِيَمْنَعَ التَّرْدِيدَ والتَّعْلِيقَ بِأنْ.

المائدة 5:118

﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولَيْسَ مِن شَرْطِ البَدَلِ جَوازُ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ بَقاءُ المَوْصُولِ بِلا راجِعٍ، أوْ خَبَرُ مُضْمَرٍ أوْ مَفْعُولُهُ مِثْلُ هو أوْ أعْنِي، ولا يَجُوزُ إبْدالُهُ مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ فَإنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ مَفْعُولَ القَوْلِ ولا أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ الأمْرَ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم والقَوْلُ لا يُفَسَّرُ بَلِ الجُمْلَةُ تُحْكى بَعْدَهُ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ القَوْلُ بِالأمْرِ فَكَأنَّ قِيلَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ. ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ أمْنَعُهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَعْتَقِدُوهُ، أوْ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ﴾ والتَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ المُراقِبَ لِأحْوالِهِمْ فَتَمْنَعُ مَن أرْدْتَ عِصْمَتَهُ مِنَ القَوْلِ بِهِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ. ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مُراقِبٌ لَهُ. ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ أيْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ تُعَذِّبُ عِبادَكَ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ. ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَلا عَجْزَ ولا اسْتِقْباحَ فَإنَّكَ القادِرُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ. وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ لِيَمْنَعَ التَّرْدِيدَ والتَّعْلِيقَ بِأنْ.

المائدة 5:119

(p-152)﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وقَرَأ نافِعٌ يَوْمَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِقالَ وخَبَرُ هَذا مَحْذُوفٌ، أوْ ظَرْفُ مُسْتَقِرٍّ وقَعَ خَبَرًا والمَعْنى هَذا الَّذِي مَرَّ مِن كَلامِ عِيسى واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ. وقِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ ولَكِنْ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ بِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ والمُرادُ بِالصِّدْقِ الصِّدْقُ في الدُّنْيا فَإنَّ النّافِعَ ما كانَ حالَ التَّكْلِيفِ. ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ بَيانٌ لِلنَّفْعِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ دَعْواهم في المَسِيحِ وأُمِّهِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ومَن فِيهِنَّ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ وقالَ وما فِيهِنَّ اتِّباعًا لَهم غَيْرَ أُولِي العَقْلِ إعْلامًا بِأنَّهم في غايَةِ القُصُورِ عَنْ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ والنُّزُولِ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ، وإهانَةً لَهم وتَنْبِيهًا عَلى المُجانَسَةِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، ولِأنَّ ما يُطْلَقُ مُتَناوِلًا لِلْأجْناسِ كُلِّها فَهو أوْلى بِإرادَةِ العُمُومِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ المائِدَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في الدُّنْيا».»

المائدة 5:120

(p-152)﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وقَرَأ نافِعٌ يَوْمَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِقالَ وخَبَرُ هَذا مَحْذُوفٌ، أوْ ظَرْفُ مُسْتَقِرٍّ وقَعَ خَبَرًا والمَعْنى هَذا الَّذِي مَرَّ مِن كَلامِ عِيسى واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ. وقِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ ولَكِنْ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ بِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ والمُرادُ بِالصِّدْقِ الصِّدْقُ في الدُّنْيا فَإنَّ النّافِعَ ما كانَ حالَ التَّكْلِيفِ. ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ بَيانٌ لِلنَّفْعِ. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ دَعْواهم في المَسِيحِ وأُمِّهِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ومَن فِيهِنَّ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ وقالَ وما فِيهِنَّ اتِّباعًا لَهم غَيْرَ أُولِي العَقْلِ إعْلامًا بِأنَّهم في غايَةِ القُصُورِ عَنْ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ والنُّزُولِ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ، وإهانَةً لَهم وتَنْبِيهًا عَلى المُجانَسَةِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، ولِأنَّ ما يُطْلَقُ مُتَناوِلًا لِلْأجْناسِ كُلِّها فَهو أوْلى بِإرادَةِ العُمُومِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ المائِدَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في الدُّنْيا».»

الأنعام 6:1

(p-153)(6 سُورَةُ الأنْعامِ) مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ أوْ ثَلاثِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ:قُلْ تَعالَوْا، وهي مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أخْبَرَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَهُ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ حُمِدَ أوْ لَمْ يُحْمَدْ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلى الَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، وجَمْعُ السَّمَواتِ دُونَ الأرْضِ وهي مِثْلُهُنَّ لِأنَّ طَبَقاتِها مُخْتَلِفَةٌ بِالذّاتِ مُتَفاوِتَةُ الآثارِ والحَرَكاتِ، وقَدَّمَها لِشَرَفِها وعُلُوِّ مَكانِها وتَقَدُّمِ وُجُودِها. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أنْشَأهُما، والفَرْقُ بَيْنَ خَلَقَ وجَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والجَعْلَ فِيهِ مَعْنى التَّضَمُّنِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ إحْداثِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بِالجَعْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما لا يَقُومانِ بِأنْفُسِهِما كَما زَعَمَتِ الثَّنَوِيَّةُ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ لِكَثْرَةِ أسْبابِها والأجْرامِ الحامِلَةِ لَها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالظُّلْمَةِ الضَّلالُ، وبِالنُّورِ الهُدى والهُدى واحِدٌ والضَّلالُ مُتَعَدِّدٌ، وتَقْدِيمُها لِتَقَدُّمِ الإعْدامِ عَلى المَلِكاتِ. وَمَن زَعَمَ أنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضادُّ النُّورَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَلِكَةِ كالعَمى لَيْسَ صَرْفَ العَدَمِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِهِ الجَعْلُ. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَهُ نِعْمَةً عَلى العِبادِ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، ويَكُونُ بِرَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ أسْبابًا لِتُكَوِّنَهم وتُعَيِّشَهُمْ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها ولا يُكْفَرَ، أوْ عَلى قَوْلِهِ خَلَقَ عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ. ومَعْنى ثُمَّ: اسْتِبْعادُ عُدُولِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ، والباءُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَفَرُوا وصِلَةُ يَعْدِلُونَ مَحْذُوفَةٌ أيْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ لِيَقَعَ الإنْكارُ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ، وعَلى الثّانِي مُتَعَلِّقَةٌ بِ يَعْدِلُونَ والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمُ الأوْثانَ أيْ يُسَوُّونَها بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

الأنعام 6:2

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنهُ، فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى وأنَّ آدَمَ الَّذِي هو أصْلُ البَشَرِ خُلِقَ مِنهُ، أوْ خَلَقَ أباكم فَحُذِفَ المُضافُ. ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا﴾ أجَلَ المَوْتِ. ﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أجْلُ القِيامَةِ. وقِيلَ الأوَّلُ ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، فَإنَّ الأجَلَ كَما يُطْلَقُ لِآخِرِ المُدَّةِ يُطْلَقُ لِجُمْلَتِها. وقِيلَ الأوَّلُ النَّوْمُ والثّانِي المَوْتُ. وقِيلَ الأوَّلُ لِمَن مَضى والثّانِي لِمَن بَقِيَ ولِمَن يَأْتِي، وأجَلٌ نَكِرَةٌ خُصِّصَتْ بِالصِّفَةِ ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيمِ الخَبَرِ والِاسْتِئْنافِ بِهِ لِتَعْظِيمِهِ ولِذَلِكَ نُكِّرَ ووُصِفَ بِأنَّهُ مُسَمًّى أيْ مُثْبَتٌ مُعَيَّنٌ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ لا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِ فِيهِ بِعِلْمٍ ولا قُدْرَةٍ ولِأنَّهُ المَقْصُودُ بَيانُهُ. ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ اسْتِبْعادَ مُتَرائِهِمْ بَعْدَ ما ثَبَتَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقُ أُصُولِهِمْ ومُحْيِيهِمْ إلى آجالِهِمْ، فَإنَّ مِن (p-154) قَدَرَ عَلى خَلْقِ المَوادِّ وجَمْعِها وإيداعِ الحَياةِ فِيها وإبْقائِها ما يَشاءُ كانَ أقْدَرَ عَلى جَمْعِ تِلْكَ المَوادِّ وإحْيائِها ثانِيًا، فالآيَةُ الأُولى دَلِيلُ التَّوْحِيدِ والثّانِيَةُ دَلِيلُ البَعْثِ، والِامْتِراءُ الشَّكُّ وأصْلُهُ المَرِيُّ وهو اسْتِخْراجُ اللَّبَنِ مِنَ الضَّرْعِ.

الأنعام 6:3

﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واللَّهُ خَبَرُهُ. ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاسْمِ اللَّهِ والمَعْنى هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ فِيهِما لا غَيْرَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هي الخَبَرُ واللَّهُ بَدَلٌ، ويَكْفِي لِصِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيهِما كَقَوْلِكَ رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ إذا كُنْتَ خارِجَهُ والصَّيْدُ فِيهِ أوْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا، بِمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكَمالِ عِلْمِهِ بِما فِيهِما كَأنَّهُ فِيهِما، ويَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالمَصْدَرِ لِأنَّ صِفَتَهُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ. ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيُثِيبُ عَلَيْهِ ويُعاقِبُ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالسِّرِّ والجَهْرِ ما يَخْفى وما يَظْهَرُ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ وبِالمُكْتَسَبِ أعْمالُ الجَوارِحِ.

الأنعام 6:4

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ مِنِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ أوْ مُعْجِزَةٌ مِنَ المُعْجِزاتِ أوْ آيَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ. ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وهو كاللّازِمِ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِهِ لَمّا جاءَهُمْ، أوْ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وكَذَّبُوا بِهِ وهو أعْظَمُ الآياتِ فَكَيْفَ لا يُعْرِضُونَ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ لَهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ أمْرِهِ.

الأنعام 6:5

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ مِنِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ أوْ مُعْجِزَةٌ مِنَ المُعْجِزاتِ أوْ آيَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ. ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وهو كاللّازِمِ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِهِ لَمّا جاءَهُمْ، أوْ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وكَذَّبُوا بِهِ وهو أعْظَمُ الآياتِ فَكَيْفَ لا يُعْرِضُونَ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ لَهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ أمْرِهِ.

الأنعام 6:6

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ أيْ مِن أهْلِ زَمانٍ، والقَرْنُ مُدَّةُ أغْلَبِ أعْمارِ النّاسِ وهي سَبْعُونَ سَنَةً. وقِيلَ ثَمانُونَ. وقِيلَ القَرْنُ أهْلُ عَصْرٍ فِيهِ نَبِيٌّ أوْ فائِقٌ في العِلْمِ. قَلَّتِ المُدَّةُ أوْ كَثُرَتْ واشْتِقاقُهُ مِن قَرَنْتُ. ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ جَعَلْنا لَهم فِيها مَكانًا وقَرَّرْناهم فِيها وأعْطَيْناهم مِنَ القُوى والآلاتِ ما تَمَكَّنُوا بِها مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ فِيها. ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ما لَمْ نَجْعَلْ لَكم مِنَ السَّعَةِ وطُولِ المَقامِ يا أهْلَ مَكَّةَ ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ القُوَّةِ والسِّعَةِ في المالِ والِاسْتِظْهارِ في العَدَدِ والأسْبابِ. ﴿وَأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ المَطَرَ أوِ السَّحابَ، أوِ المِظَلَّةَ فُطِنَ مَبْدَأُ المَطَرِ مِنها. ﴿مِدْرارًا﴾ أيْ مِغْزارًا. ﴿وَجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ فَعاشُوا في الخِصْبِ والرِّيفِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ. ﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا. ﴿وَأنْشَأْنا﴾ وأحْدَثْنا. ﴿مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ بَدَلًا مِنهُمْ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُهْلِكَ مَن قَبْلَكم كَعادٍ وثَمُودَ ويُنْشِئُ مَكانَهم يَعْمُرُ بِهِمْ بِلادَهُ يَقْدِرُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِكم.(p-155)

الأنعام 6:7

﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ مَكْتُوبًا في ورَقٍ. ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ فَمَسُّوهُ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، ولِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، وتَقْيِيدُهُ بِالأيْدِي لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ لِلْفَحْصِ كَقَوْلِهِ: وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا. ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَلّا أُنْزِلَ مَعَهُ مَلَكٌ يُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ وبَيانٌ هو المانِعُ مِمّا اقْتَرَحُوهُ والخَلَلُ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ المَلَكَ لَوْ أُنْزِلَ بِحَيْثُ عايَنُوهُ كَما اقْتَرَحُوا لَحَقَّ إهْلاكُهم فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

الأنعام 6:8

﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ مَكْتُوبًا في ورَقٍ. ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ فَمَسُّوهُ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، ولِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، وتَقْيِيدُهُ بِالأيْدِي لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ لِلْفَحْصِ كَقَوْلِهِ: وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا. ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَلّا أُنْزِلَ مَعَهُ مَلَكٌ يُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ وبَيانٌ هو المانِعُ مِمّا اقْتَرَحُوهُ والخَلَلُ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ المَلَكَ لَوْ أُنْزِلَ بِحَيْثُ عايَنُوهُ كَما اقْتَرَحُوا لَحَقَّ إهْلاكُهم فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

الأنعام 6:9

﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ جَوابٌ ثانٍ إنْ جُعِلَ الهاءُ لِلْمَطْلُوبِ، وإنْ جُعِلَ لِلرَّسُولِ فَهو جَوابُ اقْتِراحٍ ثانٍ، فَإنَّهم تارَةً يَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وتارَةً يَقُولُونَ لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً. والمَعْنى ولَوْ جَعَلْنا قَرِينًا لَكَ مَلَكًا يُعايِنُونَهُ أوِ الرَّسُولَ مَلَكًا لَمَثَّلْناهُ رَجُلًا كَما مُثِّلَ جِبْرِيلُ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، فَإنَّ القُوَّةَ البَشَرِيَّةَ لا تَقْوى عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ، وإنَّما رَآهم كَذَلِكَ الأفْرادُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقُوَّتِهِمُ القُدْسِيَّةِ، ولَلَبَسْنا جَوابُ مَحْذُوفٍ أيْ ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَلَبَسْنا أيْ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُونَ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم. وقُرِئَ «لَبَسْنا» بِلامٍ واحِدَةٍ و «لَلَبَّسْنا» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.

الأنعام 6:10

﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَرى مِن قَوْمِهِ. ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، أوْ فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ. ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ كَيْفَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَيْ تَعْتَبِرُوا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ أنَّ السَّيْرَ ثَمَّةَ لِأجْلِ النَّظَرِ ولا كَذَلِكَ ها هُنا، ولِذَلِكَ قِيلَ مَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها وإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ.

الأنعام 6:11

﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَرى مِن قَوْمِهِ. ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، أوْ فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ. ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ كَيْفَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَيْ تَعْتَبِرُوا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ أنَّ السَّيْرَ ثَمَّةَ لِأجْلِ النَّظَرِ ولا كَذَلِكَ ها هُنا، ولِذَلِكَ قِيلَ مَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها وإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ.

الأنعام 6:12

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا، وهو سُؤالُ تَبْكِيتٍ. ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المُتَعَيِّنُ لِلْجَوابِ بِالإنْفاقِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ. ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ التَزَمَها تَفَضُّلًا وإحْسانًا والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَعُمُّ الدّارَيْنِ ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ، والعِلْمُ بِتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وإنْزالُ الكُتُبِ والإمْهالُ عَلى الكُفْرِ. ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَسَمٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ (p-156)النَّظَرَ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُجازِيكم عَلى شِرْكِكم. أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ وإلى بِمَعْنى في. وقِيلَ بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ بَدَلُ البَعْضِ فَإنَّهُ مِن رَحْمَتِهِ بَعْثُهُ إيّاكم وإنْعامُهُ عَلَيْكم. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليَوْمِ أوِ الجَمْعِ. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ. وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، ومَوْضِعُ الَّذِينَ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ أيْ: وأنْتُمُ الَّذِينَ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ. ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ مُسَبَّبٌ عَنْ خُسْرانِهِمْ، فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ والوَهْمِ والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ وإغْفالِ النَّظَرِ أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ ﴿وَلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى لِلَّهِ. ﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ مِنَ السُّكْنى وتَعْدِيَتُهُ بِفي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ والمَعْنى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ مِنَ السُّكُونِ أيْ ما سَكَنَ فِيهِما وتَحَرَّكَ فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

الأنعام 6:13

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا، وهو سُؤالُ تَبْكِيتٍ. ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المُتَعَيِّنُ لِلْجَوابِ بِالإنْفاقِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ. ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ التَزَمَها تَفَضُّلًا وإحْسانًا والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَعُمُّ الدّارَيْنِ ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ، والعِلْمُ بِتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وإنْزالُ الكُتُبِ والإمْهالُ عَلى الكُفْرِ. ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَسَمٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ (p-156)النَّظَرَ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُجازِيكم عَلى شِرْكِكم. أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ وإلى بِمَعْنى في. وقِيلَ بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ بَدَلُ البَعْضِ فَإنَّهُ مِن رَحْمَتِهِ بَعْثُهُ إيّاكم وإنْعامُهُ عَلَيْكم. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليَوْمِ أوِ الجَمْعِ. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ. وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، ومَوْضِعُ الَّذِينَ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ أيْ: وأنْتُمُ الَّذِينَ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ. ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ مُسَبَّبٌ عَنْ خُسْرانِهِمْ، فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ والوَهْمِ والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ وإغْفالِ النَّظَرِ أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ ﴿وَلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى لِلَّهِ. ﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ مِنَ السُّكْنى وتَعْدِيَتُهُ بِفي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ والمَعْنى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ مِنَ السُّكُونِ أيْ ما سَكَنَ فِيهِما وتَحَرَّكَ فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

الأنعام 6:14

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ إنْكارٌ لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ. فَلِذَلِكَ قُدِّمَ وأوْلى الهَمْزَةَ والمُرادُ بِالوَلِيِّ المَعْبُودُ لِأنَّهُ رَدٌّ لِمَن دَعاهُ إلى الشِّرْكِ. ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُبْدِعُهُما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ما عَرَفْتُ مَعْنى الفاطِرِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما، أنا فَطَرْتُها أيِ ابْتَدَأْتُها. وجَرَّهُ عَلى الصِّفَةِ لِلَّهِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الماضِي ولِذَلِكَ قُرِئَ «فُطِرَ» وقُرِئَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، وتَخْصِيصُ الطَّعامِ لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وقُرِئَ «وَلا يَطْعَمُ» بِفَتْحِ الياءِ وبِعَكْسِ الأوَّلِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ، والمَعْنى كَيْفَ أُشْرِكُ بِمَن هو فاطِرُ السَّمَواتِ والأرْضِ ما هو نازِلٌ عَنْ رُتْبَةِ الحَيَوانِيَّةِ، وبِبِنائِهِما لِفاعِلٍ عَلى أنَّ الثّانِي مِن أطْعَمَ بِمَعْنى اسْتَطْعَمَ، أوْ عَلى مَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ تارَةً ولا يُطْعِمُ أُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سابِقٌ أُمَّتَهُ في الدِّينِ. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ لِي ولا تَكُونَنَّ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى قُلْ.

الأنعام 6:15

﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ مُبالَغَةٌ أُخْرى في قَطْعِ أطْماعِهِمْ، وتَعْرِيضٌ لَهم بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعَذابِ، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الفِعْلِ والمَفْعُولِ بِهِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يُصْرَفُ العَذابُ عَنْهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يُصْرَفُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقَدْ قُرِئَ بِإظْهارِهِ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ، أوْ يَوْمَئِذَ بِحَذْفِ المُضافِ. ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. ﴿وَذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ الصَّرْفُ أوِ الرَّحْمَةُ.

الأنعام 6:16

﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ مُبالَغَةٌ أُخْرى في قَطْعِ أطْماعِهِمْ، وتَعْرِيضٌ لَهم بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعَذابِ، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الفِعْلِ والمَفْعُولِ بِهِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ. ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يُصْرَفُ العَذابُ عَنْهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يُصْرَفُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقَدْ قُرِئَ بِإظْهارِهِ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ، أوْ يَوْمَئِذَ بِحَذْفِ المُضافِ. ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. ﴿وَذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ الصَّرْفُ أوِ الرَّحْمَةُ.

الأنعام 6:17

﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ بِبَلِيَّةٍ كَمَرَضٍ وفَقْرٍ. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ فَلا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ. ﴿إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ بِنِعْمَةٍ كَصِحَّةٍ وغِنًى. ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى حِفْظِهِ وإدامَتِهِ فَلا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى دَفْعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (p-157)﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِقَهْرِهِ وعُلُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ. ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. ﴿الخَبِيرُ﴾ بِالعِبادِ وخَفايا أحْوالِهِمْ.

الأنعام 6:18

﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ بِبَلِيَّةٍ كَمَرَضٍ وفَقْرٍ. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ فَلا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ. ﴿إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ بِنِعْمَةٍ كَصِحَّةٍ وغِنًى. ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى حِفْظِهِ وإدامَتِهِ فَلا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى دَفْعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (p-157)﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِقَهْرِهِ وعُلُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ. ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. ﴿الخَبِيرُ﴾ بِالعِبادِ وخَفايا أحْوالِهِمْ.

الأنعام 6:19

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ لَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى، فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. والشَّيْءُ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ في سُورَةِ «البَقَرَةِ» . ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ هو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ شَهِيدٌ هو الجَوابُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كانَ الشَّهِيدَ كانَ أكْبَرَ شَيْءٍ شَهادَةً. ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، واكْتَفى بِذِكْرِ الإنْذارِ عَنْ ذِكْرِ البِشارَةِ. ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ عُطِفَ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ لِأُنْذِرَكم بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ وسائِرِ مَن بَلَغَهُ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، أوْ لِأُنْذِرَكم بِهِ أيُّها المَوْجُودُونَ ومَن بَلَغَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحْكامَ القُرْآنِ تَعُمُّ المَوْجُودِينَ وقْتَ نُزُولِهِ ومَن بَعْدَهُمْ، وأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِها مَن لَمْ تَبْلُغْهُ. ﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ تَقْرِيرٌ لَهم مَعَ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ. ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ بِما تَشْهَدُونَ. ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ بَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا هو. ﴿وَإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ.

الأنعام 6:20

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحِلْيَتِهِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بِحِلاهم. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِتَضْيِيعِهِمْ ما بِهِ يُكْتَسَبُ الإيمانُ. ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كَأنْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ والمُعْجِزاتِ وسَمَّوْها سِحْرًا. وإنَّما ذَكَرَ أوْ وهم وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ. ﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ فَضْلًا عَمَّنْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ.

الأنعام 6:21

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحِلْيَتِهِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بِحِلاهم. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِتَضْيِيعِهِمْ ما بِهِ يُكْتَسَبُ الإيمانُ. ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كَأنْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ والمُعْجِزاتِ وسَمَّوْها سِحْرًا. وإنَّما ذَكَرَ أوْ وهم وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ. ﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ فَضْلًا عَمَّنْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ.

الأنعام 6:22

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أيْ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ «يَحْشُرُهُمْ» ويَقُولُ بِالياءِ. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ والمُرادُ مِنِ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ، ولَعَلَّهُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ حِينَئِذٍ لِيُفْقِدُوها في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشاهِدُوهم ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم فَكَأنَّهم غُيَّبٌ عَنْهم. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ أيَّ كُفْرِهِمْ، والمُرادُ عاقِبَتُهُ وقِيلَ مَعْذِرَتُهُمُ الَّتِي يَتَوَهَّمُونَ أنْ يَتَخَلَّصُوا بِها، مِن فَتَنْتُ الذَّهَبَ إذا خَلَّصْتُهُ. وقِيلَ جَوابُهم وإنَّما سَمّاهُ فِتْنَةً لِأنَّهُ كَذِبٌ، أوْ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الخَلاصَ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها الِاسْمُ، ونافِعٌ وأبُو (p-158)عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِالتّاءِ والنَّصْبِ عَلى أنَّ الِاسْمَ أنْ قالُوا، والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ كَقَوْلِهِمْ مَن كانَتْ أُمُّكَ والباقُونَ بِالياءِ والنَّصْبِ. ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، كَما يَقُولُونَ: رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها. وقَدْ أيْقَنُوا بِالخُلُودِ. وقِيلَ مَعْناهُ ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا وهو لا يُوافِقُ قَوْلَهُ.

الأنعام 6:23

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أيْ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ «يَحْشُرُهُمْ» ويَقُولُ بِالياءِ. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ والمُرادُ مِنِ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ، ولَعَلَّهُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ حِينَئِذٍ لِيُفْقِدُوها في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشاهِدُوهم ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم فَكَأنَّهم غُيَّبٌ عَنْهم. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ أيَّ كُفْرِهِمْ، والمُرادُ عاقِبَتُهُ وقِيلَ مَعْذِرَتُهُمُ الَّتِي يَتَوَهَّمُونَ أنْ يَتَخَلَّصُوا بِها، مِن فَتَنْتُ الذَّهَبَ إذا خَلَّصْتُهُ. وقِيلَ جَوابُهم وإنَّما سَمّاهُ فِتْنَةً لِأنَّهُ كَذِبٌ، أوْ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الخَلاصَ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها الِاسْمُ، ونافِعٌ وأبُو (p-158)عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِالتّاءِ والنَّصْبِ عَلى أنَّ الِاسْمَ أنْ قالُوا، والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ كَقَوْلِهِمْ مَن كانَتْ أُمُّكَ والباقُونَ بِالياءِ والنَّصْبِ. ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، كَما يَقُولُونَ: رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها. وقَدْ أيْقَنُوا بِالخُلُودِ. وقِيلَ مَعْناهُ ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا وهو لا يُوافِقُ قَوْلَهُ.

الأنعام 6:24

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ بِنَفْيِ الشِّرْكِ عَنْها، وحَمْلُهُ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا تَعَسُّفٌ يُخِلُّ بِالنُّظُمِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ أوِ المَدْحِ. ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ. ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ، والمُرادُ أبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ والنَّضِرُ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأبُو جَهْلٍ وأضْرابُهُمُ، اجْتَمَعُوا فَسَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَقالُوا لِلنَّضِرِ ما يَقُولُ، فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنَّهُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ ويَقُولُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما حَدَّثْتُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ إنِّي لَأرى حَقًّا فَقالَ أبُو جَهْلٍ كَلّا. ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ وهو ما يَسْتُرُ الشَّيْءَ. ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ في أوَّلِ «البَقَرَةِ» . ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ. ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ إلى أنَّهم جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ، وحَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ لا عَمَلَ لَها، والجُمْلَةُ إذا وجَوابُهُ وهُوَ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ فَإنْ جَعْلَ أصْدَقَ الحَدِيثَ خُرافاتِ الأوَّلِينَ غايَةُ التَّكْذِيبِ، ويُجادِلُونَكَ حالٌ لِمَجِيئِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجارَّةَ وإذا جاءُوكَ في مَوْضِعِ الجَرِّ ويُجادِلُونَكَ حالٌ ويَقُولُ تَفْسِيرٌ لَهُ، والأساطِيرُ الأباطِيلُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْ إسْطارَةٍ أوْ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ، وأصْلُهُ السَّطْرُ بِمَعْنى الخَطِّ.

الأنعام 6:25

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ بِنَفْيِ الشِّرْكِ عَنْها، وحَمْلُهُ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا تَعَسُّفٌ يُخِلُّ بِالنُّظُمِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ أوِ المَدْحِ. ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ. ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ، والمُرادُ أبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ والنَّضِرُ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأبُو جَهْلٍ وأضْرابُهُمُ، اجْتَمَعُوا فَسَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَقالُوا لِلنَّضِرِ ما يَقُولُ، فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنَّهُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ ويَقُولُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما حَدَّثْتُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ إنِّي لَأرى حَقًّا فَقالَ أبُو جَهْلٍ كَلّا. ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ وهو ما يَسْتُرُ الشَّيْءَ. ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ في أوَّلِ «البَقَرَةِ» . ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ. ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ إلى أنَّهم جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ، وحَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ لا عَمَلَ لَها، والجُمْلَةُ إذا وجَوابُهُ وهُوَ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ فَإنْ جَعْلَ أصْدَقَ الحَدِيثَ خُرافاتِ الأوَّلِينَ غايَةُ التَّكْذِيبِ، ويُجادِلُونَكَ حالٌ لِمَجِيئِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجارَّةَ وإذا جاءُوكَ في مَوْضِعِ الجَرِّ ويُجادِلُونَكَ حالٌ ويَقُولُ تَفْسِيرٌ لَهُ، والأساطِيرُ الأباطِيلُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْ إسْطارَةٍ أوْ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ، وأصْلُهُ السَّطْرُ بِمَعْنى الخَطِّ.

الأنعام 6:26

﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ القُرْآنِ، أوِ الرَّسُولِ ﷺ والإيمانِ بِهِ. ﴿وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ بِأنْفُسِهِمْ أوْ يَنْهَوْنَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْأوْنَ عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأبِي طالِبٍ. ﴿وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾ وما يُهْلِكُونَ بِذَلِكَ. ﴿إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّ ضَرَرَهُ لا يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ. ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: لَوْ تَراهم حِينَ يُوقَعُونَ ﴿عَلى النّارِ﴾ حَتّى يُعايِنُوها، أوْ يَطَّلِعُونَ عَلَيْها، أوْ يَدْخُلُونَها فَيَعْرِفُونَ مِقْدارَ عَذابِها لَرَأيْتَ أمْرًا شَنِيعًا. وقُرِئَ «وَقَفُوا» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن وقَفَ عَلَيْها وُقُوفًا. ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ تَمَنِّيًا لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا. ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ مِنهم عَلى وجْهِ الإثْباتِ كَقَوْلِهِمْ: دَعْنِي ولا أعُودُ، أيْ وأنا لا أعُودُ تَرَكُتَنِي، أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي أوْ عَطْفٌ عَلى نُرَدَّ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَيَكُونُ في حُكْمِ التَّمَنِّي، وقَوْلُهُ: وإنَّهم لَكاذِبُونَ راجِعٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ، ونَصَبَهُما حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَلى الجَوابِ بِإضْمارِ أنَّ بَعْدَ الواوِ إجْراءً لَها مَجْرى الفاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى العَطْفِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى الجَوابِ.(p-159)

الأنعام 6:27

﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ القُرْآنِ، أوِ الرَّسُولِ ﷺ والإيمانِ بِهِ. ﴿وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ بِأنْفُسِهِمْ أوْ يَنْهَوْنَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْأوْنَ عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأبِي طالِبٍ. ﴿وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾ وما يُهْلِكُونَ بِذَلِكَ. ﴿إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّ ضَرَرَهُ لا يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ. ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: لَوْ تَراهم حِينَ يُوقَعُونَ ﴿عَلى النّارِ﴾ حَتّى يُعايِنُوها، أوْ يَطَّلِعُونَ عَلَيْها، أوْ يَدْخُلُونَها فَيَعْرِفُونَ مِقْدارَ عَذابِها لَرَأيْتَ أمْرًا شَنِيعًا. وقُرِئَ «وَقَفُوا» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن وقَفَ عَلَيْها وُقُوفًا. ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ تَمَنِّيًا لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا. ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ مِنهم عَلى وجْهِ الإثْباتِ كَقَوْلِهِمْ: دَعْنِي ولا أعُودُ، أيْ وأنا لا أعُودُ تَرَكُتَنِي، أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي أوْ عَطْفٌ عَلى نُرَدَّ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَيَكُونُ في حُكْمِ التَّمَنِّي، وقَوْلُهُ: وإنَّهم لَكاذِبُونَ راجِعٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ، ونَصَبَهُما حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَلى الجَوابِ بِإضْمارِ أنَّ بَعْدَ الواوِ إجْراءً لَها مَجْرى الفاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى العَطْفِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى الجَوابِ.(p-159)

الأنعام 6:28

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ الإضْرابِ عَنْ إرادَةِ الإيمانِ المَفْهُومَةِ مِنَ التَّمَنِّي، والمَعْنى أنَّهُ ظَهَرَ لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن نِفاقِهِمْ، أوْ قَبائِحِ أعْمالِهِمْ فَتَمَنَّوْا ذَلِكَ ضَجَرًا لا عَزْمًا عَلى أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ أيْ إلى الدُّنْيا بَعْدَ الوُقُوفِ والظُّهُورِ. ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما وعَدُوا بِهِ مِن أنْفُسِهِمْ. وَقالُوا عَطْفٌ عَلى لَعادُوا، أوْ عَلى إنَّهم لَكاذِبُونَ أوْ عَلى نُهُوا، أوِ اسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما قالُوهُ في الدُّنْيا. ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

الأنعام 6:29

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ الإضْرابِ عَنْ إرادَةِ الإيمانِ المَفْهُومَةِ مِنَ التَّمَنِّي، والمَعْنى أنَّهُ ظَهَرَ لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن نِفاقِهِمْ، أوْ قَبائِحِ أعْمالِهِمْ فَتَمَنَّوْا ذَلِكَ ضَجَرًا لا عَزْمًا عَلى أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ أيْ إلى الدُّنْيا بَعْدَ الوُقُوفِ والظُّهُورِ. ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما وعَدُوا بِهِ مِن أنْفُسِهِمْ. وَقالُوا عَطْفٌ عَلى لَعادُوا، أوْ عَلى إنَّهم لَكاذِبُونَ أوْ عَلى نُهُوا، أوِ اسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما قالُوهُ في الدُّنْيا. ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

الأنعام 6:30

﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلسُّؤالِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ مَعْناهُ وُقِفُوا عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ أوْ جَزائِهِ، أوْ عَرَفُوهُ حَقَّ التَّعْرِيفِ. ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ قائِلٌ قالَ: ماذا قالَ رَبُّهم حِينَئِذٍ؟ والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى التَّكْذِيبِ، والإشارَةُ إلى البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ إقْرارٌ مُؤَكَّدٌ بِاليَمِينِ لِانْجِلاءِ الأمْرِ غايَةَ الجَلاءِ. ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم أوْ بِبَدَلِهِ. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ إذْ فاتَهُمُ النَّعِيمُ واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُقِيمَ، ولِقاءُ اللَّهِ البَعْثُ وما يَتْبَعُهُ. ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ غايَةٌ لِكَذَّبُوا لا لِخَسِرَ، لِأنَّ خُسْرانَهم لا غايَةَ لَهُ. ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً ونَصْبُها عَلى الحالِ، أوِ المَصْدَرِ فَإنَّها نَوْعٌ مِنَ المَجِيءِ. ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا﴾ أيْ تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ قَصَّرْنا فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا أُضْمِرَتْ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها لِلْعِلْمِ بِها، أوْ في السّاعَةِ يَعْنِي في شَأْنِها والإيمانِ بِها. ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ آصارَ الآثامِ. ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ وِزْرَهم.

الأنعام 6:31

﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلسُّؤالِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ مَعْناهُ وُقِفُوا عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ أوْ جَزائِهِ، أوْ عَرَفُوهُ حَقَّ التَّعْرِيفِ. ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ قائِلٌ قالَ: ماذا قالَ رَبُّهم حِينَئِذٍ؟ والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى التَّكْذِيبِ، والإشارَةُ إلى البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ إقْرارٌ مُؤَكَّدٌ بِاليَمِينِ لِانْجِلاءِ الأمْرِ غايَةَ الجَلاءِ. ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم أوْ بِبَدَلِهِ. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ إذْ فاتَهُمُ النَّعِيمُ واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُقِيمَ، ولِقاءُ اللَّهِ البَعْثُ وما يَتْبَعُهُ. ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ غايَةٌ لِكَذَّبُوا لا لِخَسِرَ، لِأنَّ خُسْرانَهم لا غايَةَ لَهُ. ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً ونَصْبُها عَلى الحالِ، أوِ المَصْدَرِ فَإنَّها نَوْعٌ مِنَ المَجِيءِ. ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا﴾ أيْ تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ. ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ قَصَّرْنا فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا أُضْمِرَتْ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها لِلْعِلْمِ بِها، أوْ في السّاعَةِ يَعْنِي في شَأْنِها والإيمانِ بِها. ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ آصارَ الآثامِ. ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ وِزْرَهم.

الأنعام 6:32

﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ أيْ وما أعْمالُها إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ يُلْهِي النّاسَ ويَشْغَلُهم عَمّا يُعْقِبُ مَنفَعَةً دائِمَةً ولَذَّةً حَقِيقِيَّةً. وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ لِدَوامِها وخُلُوصِ مَنافِعِها ولَذّاتِها، وقَوْلُهُ: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما لَيْسَ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ لَعِبٌ ولَهْوٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «وَلَدّارُ الآخِرَةُ» . ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُخاطَبِينَ بِهِ، أوْ تَغْلِيبَ الحاضِرِينَ عَلى الغائِبِينَ.

الأنعام 6:33

﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ مَعْنى قَدْ زِيادَةُ الفِعْلِ وكَثْرَتُهُ كَما في قَوْلِهِ: وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ والهاءُ في أنَّهُ لِلشَّأْنِ. وقُرِئَ «لَيُحْزِنُكَ» مِن أحْزَنَ. ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في الحَقِيقَةِ. وقَرَأ نافِعٌ (p-160)والكِسائِيُّ لا يُكَذِّبُونَكَ مِن أكْذَبَهُ إذا وجَدَهُ كاذِبًا، أوْ نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ. ﴿وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَها، فَوَضَعَ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِجُحُودِهِمْ، أوْ جَحَدُوا لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الظُّلْمِ، والباءُ لِتَضْمِينِ الجُحُودِ مَعْنى التَّكْذِيبِ. رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ: ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ وإنَّما نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ. فَنَزَلَتْ.

الأنعام 6:34

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: لا يُكَذِّبُونَكَ، لَيْسَ لِنَفْيِ تَكْذِيبِهِ مُطْلَقًا. ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ فَتَأسَّ بِهِمْ واصْبِرْ. ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ فِيهِ إيماءٌ بِوَعْدِ النَّصْرِ لِلصّابِرِينَ. ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لِمَواعِيدِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ الآياتِ. ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ بَعْضُ قِصَصِهِمْ وما كابَدُوا مِن قَوْمِهِمْ.

الأنعام 6:35

﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ﴾ عَظُمَ وشَقَّ ﴿إعْراضُهُمْ﴾ عَنْكَ وعَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ مَنفَذًا تَنْفُذُ فِيهِ إلى جَوْفِ الأرْضِ فَتُطَلِّعَ لَهم آيَةً، أوْ مَصْعَدًا تَصْعَدُ بِهِ إلى السَّماءِ فَتُنْزِلُ مِنها آيَةً، وفي الأرْضِ صِفَةٌ لِنَفَقًا وفي السَّماءِ صِفَةٌ لِسُلَّمًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِتَبْتَغِي، أوْ حالَيْنِ مِنَ المُسْتَكِنِّ وجَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فافْعَلْ، والجُمْلَةُ جَوابُ الأوَّلِ والمَقْصُودُ بَيانُ حِرْصِهِ البالِغِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ، وأنَّهُ لَوْ قَدَرَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ لَأتى بِها رَجاءَ إيمانِهِمْ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ جَمَعَهم عَلى الهُدى لَوَفَّقَهم لِلْإيمانِ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَكِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ مَشِيئَتُهُ، فَلا تَتَهالَكُ عَلَيْهِ والمُعْتَزِلَةُ أوَّلُوهُ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ بِالحِرْصِ عَلى ما لا يَكُونُ، والجَزَعِ في مَواطِنِ الصَّبْرِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن دَأْبِ الجَهَلَةِ.

الأنعام 6:36

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ إنَّما يُجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِفَهْمٍ وتَأمُّلٍ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ وهَؤُلاءِ كالمَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ. ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَيُعْلِمُهم حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ. ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ. ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ آيَةٌ بِما اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةٌ أُخْرى سِوى ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ لِعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِها عِنادًا. ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ كَنَتْقِ الجَبَلِ، أوْ آيَةً إنْ جَحَدُوها هَلَكُوا. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْزالِها، وأنَّ إنْزالَها يَسْتَجْلِبُ عَلَيْهِمُ البَلاءَ، وأنَّ لَهم فِيما أُنْزِلَ مَندُوحَةً عَنْ غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يُنْزِلُ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.

الأنعام 6:37

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ إنَّما يُجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِفَهْمٍ وتَأمُّلٍ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ وهَؤُلاءِ كالمَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ. ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَيُعْلِمُهم حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ. ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ. ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ آيَةٌ بِما اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةٌ أُخْرى سِوى ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ لِعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِها عِنادًا. ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ كَنَتْقِ الجَبَلِ، أوْ آيَةً إنْ جَحَدُوها هَلَكُوا. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْزالِها، وأنَّ إنْزالَها يَسْتَجْلِبُ عَلَيْهِمُ البَلاءَ، وأنَّ لَهم فِيما أُنْزِلَ مَندُوحَةً عَنْ غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يُنْزِلُ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.

الأنعام 6:38

(p-161)﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ تَدِبُّ عَلى وجْهِها. ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ في الهَواءِ، وصَفَهُ بِهِ قَطْعًا لِمَجازِ السُّرْعَةِ ونَحْوَها. وقُرِئَ «وَلا طائِرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى المَحَلِّ. ﴿إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ مَحْفُوظَةٌ أحْوالُها مُقَدَّرَةٌ أرْزاقُها وآجالُها، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الدَّلالَةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ وسِعَةِ تَدْبِيرِهِ، لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً. وجَمْعُ الأُمَمِ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى. ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَجْرِي في العالَمِ مِنَ الجَلِيلِ والدَّقِيقِ لَمْ يُهْمَلْ فِيهِ أمْرُ حَيَوانٍ ولا جَمادٍ. أوِ القُرْآنَ فَإنَّهُ قَدْ دُوِّنَ فِيهِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ مُفَصَّلًا أوْ مُجْمَلًا، ومِن مَزِيدَةٌ وشَيْءٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ لا المَفْعُولِ بِهِ، فَإنَّ فَرَّطَ لا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وقَدْ عُدِّيَ بِفي إلى الكِتابِ. وقُرِئَ «ما فَرَطْنا» بِالتَّخْفِيفِ. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ كُلَّها فَيُنْصِفُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ كَما رُوِيَ: «أنَّهُ يَأْخُذُ لِلْجَمّاءِ مِنَ القُرَناءِ.» وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: حَشَرُها مَوْتُها.

الأنعام 6:39

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ﴾ لا يَسْمَعُونَ مِثْلَ هَذِهِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ سَماعًا تَتَأثَّرُ بِهِ نُفُوسُهم. ﴿وَبُكْمٌ﴾ لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ. ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ أيْ خابِطُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ، أوْ في ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ العِنادِ وظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ. ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ مَن يَشَأِ اللَّهُ إضْلالَهُ يُضْلِلْهُ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ. ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِأنْ يُرْشِدَهُ إلى الهُدى ويَحْمِلَهُ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:40

﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ، والكافُ حَرْفُ خِطابٍ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ لِلتَّأْكِيدِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ فَلَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَفْعُولًا كَما قالَهُ الكُوفِيُّونَ لَعَدَّيْتَ الفِعْلَ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَلَزِمَ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: أرَأيْتُمُوكم بَلِ الفِعْلُ مُعَلَّقٌ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتُكم آلِهَتَكم تَنْفَعُكم. إذْ تَدْعُونَها. وقَرَأ نافِعٌ أرَأيْتُكم وأرَأيْتُ وأرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتَ وشَبَهُها إذا كانَ قَبْلَ الرّاءِ هَمْزَةٌ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ، والكِسائِيُّ يَحْذِفُها أصْلًا والباقُونَ يُحَقِّقُونَها وحَمْزَةُ إذا وقَفَ وافَقَ نافِعًا. ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ كَما أتى مَن قَبْلَكم. ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ وهو لَها ويَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ وهو تَبْكِيتٌ لَهم. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فادْعُوهُ. ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ بَلْ تَخُصُّونَهُ بِالدُّعاءِ كَما حُكِيَ عَنْهم في مَواضِعَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ. ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ ما تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ. ﴿إنْ شاءَ﴾ أيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم ولا يَشاءُ في الآخِرَةِ. ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ وتَتْرُكُونَ آلِهَتَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِما رَكَزَ في العُقُولِ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ وتَنْسَوْنَهُ مِن شِدَّةِ الأمْرِ وهَوْلِهِ.

الأنعام 6:41

﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ، والكافُ حَرْفُ خِطابٍ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ لِلتَّأْكِيدِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ فَلَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَفْعُولًا كَما قالَهُ الكُوفِيُّونَ لَعَدَّيْتَ الفِعْلَ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَلَزِمَ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: أرَأيْتُمُوكم بَلِ الفِعْلُ مُعَلَّقٌ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتُكم آلِهَتَكم تَنْفَعُكم. إذْ تَدْعُونَها. وقَرَأ نافِعٌ أرَأيْتُكم وأرَأيْتُ وأرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتَ وشَبَهُها إذا كانَ قَبْلَ الرّاءِ هَمْزَةٌ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ، والكِسائِيُّ يَحْذِفُها أصْلًا والباقُونَ يُحَقِّقُونَها وحَمْزَةُ إذا وقَفَ وافَقَ نافِعًا. ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ كَما أتى مَن قَبْلَكم. ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ وهو لَها ويَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ وهو تَبْكِيتٌ لَهم. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فادْعُوهُ. ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ بَلْ تَخُصُّونَهُ بِالدُّعاءِ كَما حُكِيَ عَنْهم في مَواضِعَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ. ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ ما تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ. ﴿إنْ شاءَ﴾ أيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم ولا يَشاءُ في الآخِرَةِ. ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ وتَتْرُكُونَ آلِهَتَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِما رَكَزَ في العُقُولِ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ وتَنْسَوْنَهُ مِن شِدَّةِ الأمْرِ وهَوْلِهِ.

الأنعام 6:42

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ قَبْلَكَ، ومِن زائِدَةٌ. ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ فَكَفَرُوا وكَذَّبُوا المُرْسَلِينَ (p-162)فَأخَذْناهم. ﴿بِالبَأْساءِ﴾ بِالشِّدَّةِ والفَقْرِ. ﴿والضَّرّاءِ﴾ والضُّرِّ والآفاتِ وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما. ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ يَتَذَلَّلُونَ لَنا ويَتُوبُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ. ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ تَضَرُّعِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَعَ قِيامِ ما يَدْعُوهم أيْ لَمْ يَتَضَرَّعُوا. ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى المَعْنى وبَيانٌ لِلصّارِفِ لَهم عَنِ التَّضَرُّعِ وأنَّهُ: لا مانِعَ لَهم إلّا قَساوَةُ قُلُوبِهِمْ وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم.

الأنعام 6:43

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ قَبْلَكَ، ومِن زائِدَةٌ. ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ فَكَفَرُوا وكَذَّبُوا المُرْسَلِينَ (p-162)فَأخَذْناهم. ﴿بِالبَأْساءِ﴾ بِالشِّدَّةِ والفَقْرِ. ﴿والضَّرّاءِ﴾ والضُّرِّ والآفاتِ وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما. ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ يَتَذَلَّلُونَ لَنا ويَتُوبُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ. ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ تَضَرُّعِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَعَ قِيامِ ما يَدْعُوهم أيْ لَمْ يَتَضَرَّعُوا. ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى المَعْنى وبَيانٌ لِلصّارِفِ لَهم عَنِ التَّضَرُّعِ وأنَّهُ: لا مانِعَ لَهم إلّا قَساوَةُ قُلُوبِهِمْ وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم.

الأنعام 6:44

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ. ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أنْواعِ النِّعَمِ مُراوَحَةً عَلَيْهِمْ بَيْنَ نَوْبَتِي الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، وامْتِحانًا لَهم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، أوْ مَكْرًا بِهِمْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ».» . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «فَتَحْنا» بِالتَّشْدِيدِ في جَمِيعِ القُرْآنِ ووافَقَهُ يَعْقُوبُ فِيما عَدا هَذا، والَّذِي في «الأعْرافِ» . ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أُعْجِبُوا ﴿بِما أُوتُوا﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَزِيدُوا غَيْرَ البَطَرِ والِاشْتِغالِ بِالنِّعَمِ عَنِ المُنْعِمِ والقِيامِ بِحَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ آيِسُونَ. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ آخِرُهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبْرًا ودُبُورًا إذا تَبِعَهُ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى إهْلاكِهِمْ فَإنَّ هَلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها.

الأنعام 6:45

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ. ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أنْواعِ النِّعَمِ مُراوَحَةً عَلَيْهِمْ بَيْنَ نَوْبَتِي الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، وامْتِحانًا لَهم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، أوْ مَكْرًا بِهِمْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ».» . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «فَتَحْنا» بِالتَّشْدِيدِ في جَمِيعِ القُرْآنِ ووافَقَهُ يَعْقُوبُ فِيما عَدا هَذا، والَّذِي في «الأعْرافِ» . ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أُعْجِبُوا ﴿بِما أُوتُوا﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَزِيدُوا غَيْرَ البَطَرِ والِاشْتِغالِ بِالنِّعَمِ عَنِ المُنْعِمِ والقِيامِ بِحَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ آيِسُونَ. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ آخِرُهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبْرًا ودُبُورًا إذا تَبِعَهُ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى إهْلاكِهِمْ فَإنَّ هَلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها.

الأنعام 6:46

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أصَمَّكم وأعْماكم. ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ يُغَطِّيَ عَلَيْها ما يَزُولُ بِهِ عَقْلُكم وفَهْمُكم. ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ، أوْ بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ أوْ بِأحَدِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نُكَرِّرُها تارَةً مِن جِهَةِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ وتارَةً مِن جِهَةِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتارَةً بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. ﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ يُعْرِضُونَ عَنْها، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ بَعْدَ تَصْرِيفِ الآياتِ وظُهُورِها. ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ مِن غَيْرِ مُقَدِّمَةٍ. ﴿أوْ جَهْرَةً﴾ بِتَقْدِمَةِ أمارَةٍ تُؤْذِنُ بِحُلُولِهِ. وقِيلَ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقُرِئَ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً. ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِهِ هَلاكَ سُخْطٍ وتَعْذِيبٍ. ﴿إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ مِنهُ، وقُرِئَ «يَهْلِكَ» بِفَتْحِ الياءِ.

الأنعام 6:47

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أصَمَّكم وأعْماكم. ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ يُغَطِّيَ عَلَيْها ما يَزُولُ بِهِ عَقْلُكم وفَهْمُكم. ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ، أوْ بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ أوْ بِأحَدِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نُكَرِّرُها تارَةً مِن جِهَةِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ وتارَةً مِن جِهَةِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتارَةً بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. ﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ يُعْرِضُونَ عَنْها، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ بَعْدَ تَصْرِيفِ الآياتِ وظُهُورِها. ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ مِن غَيْرِ مُقَدِّمَةٍ. ﴿أوْ جَهْرَةً﴾ بِتَقْدِمَةِ أمارَةٍ تُؤْذِنُ بِحُلُولِهِ. وقِيلَ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقُرِئَ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً. ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِهِ هَلاكَ سُخْطٍ وتَعْذِيبٍ. ﴿إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ مِنهُ، وقُرِئَ «يَهْلِكَ» بِفَتْحِ الياءِ.

الأنعام 6:48

﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ الكافِرِينَ بِالنّارِ، ولَمْ نُرْسِلْهم لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمْ ويَتَلَهّى بِهِمْ. ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ عَلى ما شَرَعَ لَهم. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِنَ العَذابِ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ بِفَواتِ الثَّوابِ. (p-163)﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا لَهم كَأنَّهُ الطّالِبُ لِلْوُصُولِ إلَيْهِمْ، واسْتَغْنى بِتَعْرِيفِهِ عَنِ التَّوْصِيفِ. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِسَبَبِ خُرُوجِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ والطّاعَةِ.

الأنعام 6:49

﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ الكافِرِينَ بِالنّارِ، ولَمْ نُرْسِلْهم لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمْ ويَتَلَهّى بِهِمْ. ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ عَلى ما شَرَعَ لَهم. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِنَ العَذابِ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ بِفَواتِ الثَّوابِ. (p-163)﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا لَهم كَأنَّهُ الطّالِبُ لِلْوُصُولِ إلَيْهِمْ، واسْتَغْنى بِتَعْرِيفِهِ عَنِ التَّوْصِيفِ. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِسَبَبِ خُرُوجِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ والطّاعَةِ.

الأنعام 6:50

﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَقْدُوراتُهُ أوْ خَزائِنُ رِزْقِهِ. ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ ما لَمْ يُوحَ إلَيَّ ولَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وهو مِن جُمْلَةِ المَقُولِ. ﴿وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ أيْ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، أوْ أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ تَبَرَّأ عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ، وادَّعى النُّبُوَّةَ الَّتِي هي مِن كَمالاتِ البَشَرِ رَدًّا لِاسْتِبْعادِهِمْ دَعْواهُ وجَزْمِهِمْ عَلى فَسادِ مُدَّعاهُ. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي، أوِ الجاهِلِ والعالِمِ، أوْ مُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ. ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ فَتَهْتَدُوا أوْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ، أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ. ﴿وَأنْذِرْ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُوحى إلَيَّ. ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُفَرِّطُونَ في العَمَلِ، أوِ المُجَوَّزُونَ لِلْحَشْرِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا مُقِرًّا بِهِ أوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ، فَإنَّ الإنْذارَ يُنْجَعُ فِيهِمْ دُونَ الفارِغِينَ الجازِمِينَ بِاسْتِحالَتِهِ. ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يَحْشُرُوا فَإنَّ المَخُوفَ هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ لِكَيْ يَتَّقُوا.

الأنعام 6:51

﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَقْدُوراتُهُ أوْ خَزائِنُ رِزْقِهِ. ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ ما لَمْ يُوحَ إلَيَّ ولَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وهو مِن جُمْلَةِ المَقُولِ. ﴿وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ أيْ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، أوْ أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ تَبَرَّأ عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ، وادَّعى النُّبُوَّةَ الَّتِي هي مِن كَمالاتِ البَشَرِ رَدًّا لِاسْتِبْعادِهِمْ دَعْواهُ وجَزْمِهِمْ عَلى فَسادِ مُدَّعاهُ. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي، أوِ الجاهِلِ والعالِمِ، أوْ مُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ. ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ فَتَهْتَدُوا أوْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ، أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ. ﴿وَأنْذِرْ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُوحى إلَيَّ. ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُفَرِّطُونَ في العَمَلِ، أوِ المُجَوَّزُونَ لِلْحَشْرِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا مُقِرًّا بِهِ أوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ، فَإنَّ الإنْذارَ يُنْجَعُ فِيهِمْ دُونَ الفارِغِينَ الجازِمِينَ بِاسْتِحالَتِهِ. ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يَحْشُرُوا فَإنَّ المَخُوفَ هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ لِكَيْ يَتَّقُوا.

الأنعام 6:52

﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ بَعْدَ ما أمَرَهُ بِإنْذارِ غَيْرِ المُتَّقِينَ لِيَتَّقُوا أمْرَهُ بِإكْرامِ المُتَّقِينَ وتَقْرِيبِهِمْ وأنْ لا يَطْرُدَهم تَرْضِيَةً لِقُرَيْشٍ. رُوِيَ أنَّهم قالُوا: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الأعْبُدَ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وسَلْمانَ. جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ فَقالَ: «ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ»، قالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْناكَ قالَ «نَعَمْ» . وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى نَنْظُرَ إلى ماذا يَصِيرُونَ فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَكْتُبَ فَنَزَلَتْ. والمُرادُ بِذِكْرِ الغَداةِ والعَشِيِّ الدَّوامُ، وقِيلَ صَلاتا الصُّبْحِ والعَصْرِ. وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالغَدْوَةِ هُنا وفي الكَهْفِ. ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ حالٌ مِن يَدْعُونَ، أيْ يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ فِيهِ قَيْدَ الدُّعاءِ بِالإخْلاصِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ. ورَتَّبَ النَّهْيَ عَلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي إكْرامَهم ويُنافِي إبْعادَهم. ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حِسابُ إيمانِهِمْ فَلَعَلَّ إيمانَهم عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن إيمانِ مَن تَطْرُدُهم بِسُؤالِهِمْ طَمَعًا في إيمانِهِمْ لَوْ آمَنُوا، أوْ لَيْسَ عَلَيْكَ اعْتِبارُ بَواطِنِهِمْ وإخْلاصِهِمْ لِما اتَّسَمُوا بِسِيرَةِ المُتَّقِينَ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ كَما ذَكَرَهُ المُشْرِكُونَ وطَعَنُوا في دِينِهِمْ فَحِسابُهم عَلَيْهِمْ لا يَتَعَدّاهم إلَيْكَ، كَما أنَّ حِسابَكَ عَلَيْكَ لا يَتَعَدّاكَ إلَيْهِمْ. وقِيلَ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ أيْ مِن فَقْرِهِمْ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ والمَعْنى: لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ ولا هم بِحِسابِكَ حَتّى يَهُمَّكَ إيمانُهم بِحَيْثُ تَطْرُدُ المُؤْمِنِينَ طَمَعًا فِيهِ. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ فَتُبْعِدَهم وهو جَوابُ النَّفْيِ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ جَوابُ النَّهْيِ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى فَتَطْرُدَهم عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ وفِيهِ نَظَرٌ.

الأنعام 6:53

(p-164)﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الفِتَنُ، وهو اخْتِلافُ أحْوالِ النّاسِ في أُمُورِ الدُّنْيا. فَتَنّا أيِ ابْتَلَيْنا بَعْضَهم بِبَعْضٍ في أمْرِ الدِّينِ فَقَدَّمْنا هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ عَلى أشْرافِ قُرَيْشٍ بِالسَّبْقِ إلى الإيمانِ. ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ أهَؤُلاءِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ لِما يُسْعِدُهم دُونَنا، ونَحْنُ الأكابِرُ والرُّؤَساءُ وهُمُ المَساكِينُ والضُّعَفاءُ. وهو إنْكارٌ لِأنْ يَخُصَّ هَؤُلاءِ مِن بَيْنِهِمْ بِإصابَةِ الحَقِّ والسَّبْقِ إلى الخَيْرِ كَقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ. واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ عَلى أنَّ فَتَنّا مُتَضَمِّنٌ مَعْنى خَذَلْنا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ بِمَن يَقَعُ مِنهُ الإيمانُ والشُّكْرُ فَيُوَفِّقُهُ وبِمَن لا يَقَعُ مِنهُ فَيَخْذُلُهُ.

الأنعام 6:54

﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم وصَفَهم بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ واتِّباعِ الحُجَجِ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالمُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَبْدَأ بِالتَّسْلِيمِ أوْ يُبَلِّغَ سَلامَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ ويُبَشِّرَهم بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ طَرْدِهِمْ، إيذانًا بِأنَّهُمُ الجامِعُونَ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُقَرَّبَ ولا يُطْرَدَ، ويُعَزَّ ولا يُذَلَّ، ويُبَشَّرَ مِنَ اللَّهِ بِالسَّلامَةِ في الدُّنْيا والرَّحْمَةِ في الآخِرَةِ. وَقِيلَ «إنَّ قَوْمًا جاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فانْصَرَفُوا فَنَزَلَتْ.» ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِتَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى البَدَلِ مِنها. ﴿بِجَهالَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مَن عَمَلَ ذَنْبًا جاهِلًا بِحَقِيقَةِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَضارِّ والمَفاسِدِ، كَعُمَرَ فِيما أشارَ إلَيْهِ، أوْ مُلْتَبِسًا بِفِعْلِ الجَهالَةِ فَإنَّ ارْتِكابَ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ مِن أفْعالِ أهْلِ السَّفَهِ والجَهْلِ. ﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ﴾ بَعْدَ العَمَلِ أوِ السُّوءِ. ﴿وَأصْلَحَ﴾ بِالتَّدارُكِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ. ﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَتْحُهُ مِن فَتْحِ الأوَّلِ غَيْرُ نافِعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٍ أيْ فَأمْرُهُ أوْ فَلَهُ غُفْرانُهُ.

الأنعام 6:55

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ آياتِ القُرْآنِ في صِفَةِ المُطِيعِينَ والمُجْرِمِينَ المُصِرِّينَ مِنهم والأوّابِينَ. " ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ " قَرَأ نافِعٌ بِالتّاءِ ونَصَبَ السَّبِيلَ عَلى مَعْنى ولِتَسْتَوْضِحَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَهم فَتُعامِلَ كُلًّا مِنهم بِما يَحِقُّ لَهُ فَصَّلْنا هَذا التَّفْصِيلَ، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِرَفْعِهِ عَلى مَعْنى ولِنُبَيِّنَ سَبِيلَهُمْ، والباقُونَ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى تَذْكِيرِ السَّبِيلِ فَإنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ أيْ نُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ.

الأنعام 6:56

﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ﴾ صُرِفْتُ وزُجِرْتُ بِما نَصَبَ لِي مِنَ الأدِلَّةِ وأُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ. ﴿أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَنْ عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ ما تَدْعُونَها آلِهَةً أيْ تُسَمُّونَها. ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ وإشارَةٌ إلى المُوجَبِ لِلنَّهْيِ وعِلَّةِ الِامْتِناعِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ واسْتِجْهالٌ لَهُمْ، وبَيانٌ لِمَبْدَأِ ضَلالِهِمْ وأنَّ ما هم عَلَيْهِ هَوًى ولَيْسَ بِهُدًى، وتَنْبِيهٌ لِمَن تَحَرّى الحَقَّ عَلى أنْ يَتْبَعَ الحُجَّةَ ولا يُقَلِّدَ. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَقَدْ ضَلَلْتُ. ﴿وَما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ في شَيْءٍ مِنَ الهُدى حَتّى أكُونَ مِن عِدادِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كَذَلِكَ.(p-165)

الأنعام 6:57

﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بَعْدَ ما بَيَّنَ ما لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ. والبَيِّنَةُ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ الَّتِي تَفْصِلُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ وقِيلَ المُرادُ بِها القُرْآنُ والوَحْيُ، أوِ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ أوْ ما يَعُمُّها. ﴿مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَتِهِ وأنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِبَيِّنَةٌ. ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِرَبِّي أيْ كَذَّبْتُمْ بِهِ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ، أوْ لِلْبَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ في تَعْجِيلِ العَذابِ وتَأْخِيرِهِ. يَقْضِي بِالحَقِّ أيِ القَضاءَ الحَقَّ، أوْ يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ مِن قَوْلِهِمْ قَضى الدِّرْعَ إذا صَنَعَها، فِيما يَقْضِي مِن تَعْجِيلٍ وتَأْخِيرٍ وأصْلُ القَضاءِ الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ المَنعُ فَكَأنَّهُ مَنَعَ الباطِلَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿يَقُصُّ﴾ مِن قَصَّ الأثَرَ، أوْ مِن قَصَّ الخَبَرَ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ القاضِينَ. ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ في قُدْرَتِي ومُكْنَتِي. ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ. ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي، وانْقَطَعَ ما بَيْنِي وبَيْنَكم. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قالَ: ولَكِنَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أعْلَمُ بِمَن يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ وبِمَن يَنْبَغِي أنْ يُمْهَلَ مِنهم.

الأنعام 6:58

﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بَعْدَ ما بَيَّنَ ما لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ. والبَيِّنَةُ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ الَّتِي تَفْصِلُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ وقِيلَ المُرادُ بِها القُرْآنُ والوَحْيُ، أوِ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ أوْ ما يَعُمُّها. ﴿مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَتِهِ وأنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِبَيِّنَةٌ. ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِرَبِّي أيْ كَذَّبْتُمْ بِهِ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ، أوْ لِلْبَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ في تَعْجِيلِ العَذابِ وتَأْخِيرِهِ. يَقْضِي بِالحَقِّ أيِ القَضاءَ الحَقَّ، أوْ يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ مِن قَوْلِهِمْ قَضى الدِّرْعَ إذا صَنَعَها، فِيما يَقْضِي مِن تَعْجِيلٍ وتَأْخِيرٍ وأصْلُ القَضاءِ الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ المَنعُ فَكَأنَّهُ مَنَعَ الباطِلَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿يَقُصُّ﴾ مِن قَصَّ الأثَرَ، أوْ مِن قَصَّ الخَبَرَ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ القاضِينَ. ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ في قُدْرَتِي ومُكْنَتِي. ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ. ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي، وانْقَطَعَ ما بَيْنِي وبَيْنَكم. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قالَ: ولَكِنَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أعْلَمُ بِمَن يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ وبِمَن يَنْبَغِي أنْ يُمْهَلَ مِنهم.

الأنعام 6:59

﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ خَزائِنُهُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وهو المَخْزَنُ أوْ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى المُغَيَّباتِ مُسْتَعارٌ مِنَ المَفاتِحِ الَّذِي هو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو المِفْتاحُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «مَفاتِيحُ» والمَعْنى أنَّهُ المُتَوَصِّلُ إلى المُغَيَّباتِ المُحِيطُ عِلْمُهُ بِها. ﴿لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ فَيَعْلَمُ أوْقاتَها وما في تَعْجِيلِها وتَأْخِيرِها مِنَ الحُكْمِ فَيُظْهِرُها عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ وُقُوعِها. ﴿وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَطْفٌ لِلْأخْبارِ عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُشاهَداتِ عَلى الإخْبارِ عَنِ اخْتِصاصِ العِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ بِهِ. ﴿وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾ مُبالَغَةً في إحاطَةِ عِلْمِهِ بِالجُزْئِيّاتِ. ﴿وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ مَعْطُوفاتٌ عَلى ورَقَةٍ وقَوْلُهُ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ بَدَلٌ مِنِ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ عَلى أنَّ الكِتابَ المُبِينَ عِلْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ بَدَلُ الِاشْتِمالِ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّوْحُ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ورَقَةٍ أوْ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ.

الأنعام 6:60

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ يُنِيمُكم فِيهِ ويُراقِبُكُمُ، اسْتُعِيرَ التَّوَفِّي مِنَ المَوْتِ لِلنَّوْمِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ الإحْساسِ والتَّمْيِيزِ فَإنَّ أصْلَهُ قَبْضُ الشَّيْءِ بِتَمامِهِ. ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ كَسَبْتُمْ فِيهِ خَصَّ اللَّيْلَ بِالنَّوْمِ والنَّهارَ بِالكَسْبِ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ. ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ يُوقِظُكم أطْلَقَ البَعْثَ تَرْشِيحًا لِلتَّوَفِّي ﴿فِيهِ﴾ في النَّهارِ. ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ لِيَبْلُغَ المُتَيَقِّظُ آخِرَ أجَلِهِ المُسَمّى لَهُ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ الآيَةُ خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ، والمَعْنى أنَّكم مُلْقَوْنَ كالجِيَفِ بِاللَّيْلِ وكاسِبُونَ لِلْآثامِ بِالنَّهارِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ (p-166)ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ، لِيَقْضِيَ الأجَلَ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم بِالحِسابِ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالجَزاءِ.

الأنعام 6:61

﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ مَلائِكَةً تَحْفَظُ أعَمَلَكُمْ، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُكْتَبُ عَلَيْهِ وتُعْرَضُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ كانَ أزْجَرَ عَنِ المَعاصِي، وأنَّ العَبْدَ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ واعْتَمَدَ عَلى عَفْوِهِ وسَتْرِهِ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ «تَوَفّاهُ» بِالألْفِ مُمالَةٌ. ﴿وَهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى: لا يُجاوِزُونَ ما حُدَّ لَهم بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ. ﴿مَوْلاهُمُ﴾ الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَهم. ﴿الحَقِّ﴾ العَدْلِ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ فِيهِ. ﴿وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ يُحاسِبُ الخَلائِقَ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ.

الأنعام 6:62

﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ مَلائِكَةً تَحْفَظُ أعَمَلَكُمْ، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُكْتَبُ عَلَيْهِ وتُعْرَضُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ كانَ أزْجَرَ عَنِ المَعاصِي، وأنَّ العَبْدَ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ واعْتَمَدَ عَلى عَفْوِهِ وسَتْرِهِ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ «تَوَفّاهُ» بِالألْفِ مُمالَةٌ. ﴿وَهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى: لا يُجاوِزُونَ ما حُدَّ لَهم بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ. ﴿مَوْلاهُمُ﴾ الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَهم. ﴿الحَقِّ﴾ العَدْلِ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَوْمَئِذٍ لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ فِيهِ. ﴿وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ يُحاسِبُ الخَلائِقَ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ.

الأنعام 6:63

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مِن شَدائِدِهِما، اسْتُعِيرَتِ الظُّلْمَةُ لِلشِّدَّةِ لِمُشارَكَتِهِما في الهَوْلِ وإبْطالِ الإبْصارِ فَقِيلَ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ يَوْمٌ مُظْلِمٌ ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، أوْ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ والغَرَقِ في البَحْرِ. وَقَرَأ يَعْقُوبُ يُنْجِيكم بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ مُعْلِنِينَ ومُسِرِّينَ، أوْ إعْلانًا وإسْرارًا وقَرَأ أبُو بَكْرٍ هُنا وفي «الأعْرافِ» وخِفْيَةً بِالكَسْرِ وقُرِئَ «خِيفَةً» . ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ تَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ «لَئِنْ أنْجانا» لِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَدْعُونَهُ وهَذِهِ إشارَةٌ إلى الظُّلْمَةِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ شَدَّدَهُ الكُوفِيُّونَ وهِشامٌ وخَفَّفَهُ الباقُونَ. ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ غَمٍّ سِواها. ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تَعُودُونَ إلى الشِّرْكِ ولا تُوفُونَ بِالعَهْدِ، وإنَّما وُضِعَ تُشْرِكُونَ مَوْضِعَ لا تَشْكُرُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ في عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ رَأْسًا.

الأنعام 6:64

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مِن شَدائِدِهِما، اسْتُعِيرَتِ الظُّلْمَةُ لِلشِّدَّةِ لِمُشارَكَتِهِما في الهَوْلِ وإبْطالِ الإبْصارِ فَقِيلَ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ يَوْمٌ مُظْلِمٌ ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، أوْ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ والغَرَقِ في البَحْرِ. وَقَرَأ يَعْقُوبُ يُنْجِيكم بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ مُعْلِنِينَ ومُسِرِّينَ، أوْ إعْلانًا وإسْرارًا وقَرَأ أبُو بَكْرٍ هُنا وفي «الأعْرافِ» وخِفْيَةً بِالكَسْرِ وقُرِئَ «خِيفَةً» . ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ تَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ «لَئِنْ أنْجانا» لِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَدْعُونَهُ وهَذِهِ إشارَةٌ إلى الظُّلْمَةِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ شَدَّدَهُ الكُوفِيُّونَ وهِشامٌ وخَفَّفَهُ الباقُونَ. ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ غَمٍّ سِواها. ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تَعُودُونَ إلى الشِّرْكِ ولا تُوفُونَ بِالعَهْدِ، وإنَّما وُضِعَ تُشْرِكُونَ مَوْضِعَ لا تَشْكُرُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ في عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ رَأْسًا.

الأنعام 6:65

قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ. أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم كَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ، وخَسَفَ بِقارُونَ. وقِيلَ مِن فَوْقِكم أكابِرُكم وحُكّامُكم ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم سَفَلَتُكم وعَبِيدُكم. أوْ يَلْبِسَكم يَخْلِطَكم. شِيَعًا فِرَقًا مُتَحَزِّبِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، فَيَنْشَبُ القِتالُ بَيْنَكم قالَ: ؎ وكَتِيبَهٌ لَبِسْتُها بِكَتِيبَةٍ ∗∗∗ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدَيْ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ يُقاتِلُ بَعْضُكم بَعْضًا. انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ. (p-167)وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ أيْ بِالعَذابِ أوْ بِالقُرْآنِ. وهو الحَقُّ الواقِعُ لا مَحالَةَ أوِ الصِّدْقُ. قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ بِحَفِيظٍ وُكِّلَ إلَيَّ أمْرُكم فَأمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، أوْ أُجازِيكم إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ الحَفِيظُ.

الأنعام 6:66

قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ. أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم كَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ، وخَسَفَ بِقارُونَ. وقِيلَ مِن فَوْقِكم أكابِرُكم وحُكّامُكم ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم سَفَلَتُكم وعَبِيدُكم. أوْ يَلْبِسَكم يَخْلِطَكم. شِيَعًا فِرَقًا مُتَحَزِّبِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، فَيَنْشَبُ القِتالُ بَيْنَكم قالَ: ؎ وكَتِيبَهٌ لَبِسْتُها بِكَتِيبَةٍ ∗∗∗ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدَيْ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ يُقاتِلُ بَعْضُكم بَعْضًا. انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ. (p-167)وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ أيْ بِالعَذابِ أوْ بِالقُرْآنِ. وهو الحَقُّ الواقِعُ لا مَحالَةَ أوِ الصِّدْقُ. قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ بِحَفِيظٍ وُكِّلَ إلَيَّ أمْرُكم فَأمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، أوْ أُجازِيكم إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ الحَفِيظُ.

الأنعام 6:67

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ خَبَرٍ يُرِيدُ بِهِ إمّا بِالعَذابِ أوِ الإيعادِ بِهِ. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها. ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَلا تُجالِسْهم وقُمْ عَنْهم. ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى الآياتِ لِأنَّها القُرْآنُ. ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ حَتّى تَنْسى النَّهْيَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ يُنَسِّيَنَّكَ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ بَعْدَ أنْ تَذْكُرَهُ. ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ مَعَهُمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ دَلالَةً عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِوَضْعِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والِاسْتِعْظامِ.

الأنعام 6:68

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ خَبَرٍ يُرِيدُ بِهِ إمّا بِالعَذابِ أوِ الإيعادِ بِهِ. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها. ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَلا تُجالِسْهم وقُمْ عَنْهم. ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى الآياتِ لِأنَّها القُرْآنُ. ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ حَتّى تَنْسى النَّهْيَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ يُنَسِّيَنَّكَ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ بَعْدَ أنْ تَذْكُرَهُ. ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ مَعَهُمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ دَلالَةً عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِوَضْعِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والِاسْتِعْظامِ.

الأنعام 6:69

﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وما يَلْزَمُ المُتَّقِينَ مِن قَبائِحِ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمُ الَّذِينَ يُجالِسُونَهم. ﴿مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ شَيْءٌ مِمّا يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنْ ذِكْرى﴾ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ذِكْرى ويَمْنَعُوهم عَنِ الخَوْضِ وغَيْرِهِ مِنَ القَبائِحِ ويُظْهِرُوا كَراهَتَها وهو يَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِ والرَّفْعَ عَلى ولَكِنَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَحَلِّ مِن شَيْءٍ لِأنَّ مِن حِسابِهِمْ يَأْباهُ ولا عَلى شَيْءٍ لِذَلِكَ ولِأنَّ مِن لا تُزادُ في الإثْباتِ. ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ يَجْتَنِبُونَ ذَلِكَ حَياءً أوْ كَراهَةً لِمُساءَتِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ والمَعْنى: لَعَلَّهم يَثْبُتُونَ عَلى تَقْواهم ولا تَنْثَلِمُ بِمُجالَسَتِهِمْ. رُوِيَ: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لَئِنْ كُنّا نَقُومُ كُلَّما اسْتَهْزَءُوا بِالقُرْآنِ لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ونَطُوفَ، فَنَزَلَتْ.

الأنعام 6:70

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ أيْ بَنَوْا أمْرَ دِينِهِمْ عَلى التَّشَهِّي وتَدَيَّنُوا بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِنَفْعٍ عاجِلًا وآجِلًا، كَعِبادَةِ الأصْنامِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ، أوِ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي كُلِّفُوهُ لَعِبًا ولَهْوًا حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ، أوْ جَعَلُوا عِيدَهُمُ الَّذِي جَعَلَ مِيقاتَ عِبادَتِهِمْ زَمانَ لَهْوٍ ولَعِبٍ. والمَعْنى أعْرِضْ عَنْهم ولا تُبالِ بِأفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ومَن جَعَلَهُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ حَمَلَهُ عَلى الأمْرِ بِالكَفِّ عَنْها وتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ حَتّى أنْكَرُوا البَعْثَ. ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ. ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ مَخافَةَ أنْ تُسَلَّمَ إلى الهَلاكِ وتَرْهَنَ بِسُوءِ عَمَلِها. وأصْلُ الإبْسالِ والبَسْلِ المَنعُ ومِنهُ أسَدٌ باسِلٌ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تَفْلِتُ مِنهُ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن قَرْنِهِ وهَذا بَسِلٌ عَلَيْكَ أيْ حَرامٌ. ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ يَدْفَعُ عَنْها العَذابَ. ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ والعَدْلُ الفِدْيَةُ لِأنَّها تُعادِلُ المَفْدِيَّ وها هُنا الفِداءُ وكُلُّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى مِنها لا إلى ضَمِيرِهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ فَإنَّهُ المُفْدى بِهِ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما (p-168)كَسَبُوا﴾ أيْ سُلِّمُوا إلى العَذابِ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ وعَقائِدِهِمُ الزّائِغَةِ. ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ وتَفْصِيلٌ لِذَلِكَ، والمَعْنى هم بَيْنَ ماءٍ مَغْلِيٍّ يَتَجَرْجَرُ في بُطُونِهِمْ ونارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

الأنعام 6:71

﴿قُلْ أنَدْعُو﴾ أنَعْبُدُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا وضُرِّنا. ﴿وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ ونَرْجِعُ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ فَأنْقَذَنا مِنهُ ورَزَقَنا الإسْلامَ. ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ كالَّذِي ذَهَبَتْ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ في المَهامَةِ، اسْتِفْعالٌ مِن هَوى يَهْوِي هَوْيًا إذا ذَهَبَ. وقَرَأ حَمْزَةُ «اسْتَهْواهُ» بِألْفِ مُمالَةٍ ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ نَرُدُّ أيْ: مُشْبِهِينَ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أيْ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ. ﴿فِي الأرْضِ حَيْرانَ﴾ مُتَحَيِّرًا ضالًّا عَنِ الطَّرِيقِ. ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ لِهَذا المُسْتَهْوى رُفْقَةٌ. ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ إلى أنْ يَهْدُوهُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، أوْ إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وسَمّاهُ هُدًى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ. ﴿ائْتِنا﴾ يَقُولُونَ لَهُ ائْتِنا. ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ الَّذِي هو الإسْلامُ. ﴿هُوَ الهُدى﴾ وحْدَهُ وما عَداهُ ضَلالٌ. ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ عَطْفٌ عَلى أنَّ هُدى اللَّهِ، واللّامُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ أيْ أُمِرْنا بِذَلِكَ لِنُسْلِمَ. وقِيلَ هي بِمَعْنى الباءِ وقِيلَ هي زائِدَةٌ.

الأنعام 6:72

﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾ عَطْفٌ عَلى لِنُسْلِمَ أيْ لِلْإسْلامِ ولِإقامَةِ الصَّلاةِ، أوْ عَلى مَوْقِعِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وَأُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ. رُوِيَ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأوْثانِ، فَنَزَلَتْ. وَعَلى هَذا كانَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذا القَوْلِ إجابَةً عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وإظْهارًا لِلِاتِّحادِ الَّذِي كانَ بَيْنَهُما. ﴿وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

الأنعام 6:73

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ قائِمًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ قُدِّمَ فِيها الخَبَرُ أيْ قَوْلُهُ الحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ، كَقَوْلِكَ: القِتالُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والمَعْنى أنَّهُ الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرَضِينَ، وقَوْلُهُ الحَقُّ نافِذٌ في الكائِناتِ. وقِيلَ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى السَّمَواتِ أوِ الهاءِ في واتَّقُوهُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ. وقَوْلُهُ الحَقُّ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ فاعِلٌ يَكُونُ عَلى مَعْنى وحِينَ يَقُولُ لِقَوْلِهِ الحَقَّ أيْ لِقَضائِهِ كُنْ فَيَكُونُ، والمُرادُ بِهِ حِينَ يُكَوِّنُ الأشْياءَ ويُحْدِثُها أوْ حِينَ تَقُومُ القِيامَةُ فَيَكُونُ التَّكْوِينُ حَشْرَ الأمْواتِ وإحْياءَها. ﴿وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ هو عالِمُ الغَيْبِ. ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِلْآيَةِ.

الأنعام 6:74

(p-169)﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ هو عَطْفُ بَيانٍ لِأبِيهِ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ اسْمَهُ تارِحُ فَقِيلَ هُما عَلَمانِ لَهُ كَإسْرائِيلَ ويَعْقُوبَ، وقِيلَ العَلَمُ تارِحُ وآزَرُ وصْفٌ مَعْناهُ الشَّيْخُ أوِ المِعْوَجُّ، ولَعَلَّ مَنعَ صَرْفِهِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ حُمِلَ عَلى مُوازِنِهِ أوْ نَعْتٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الآزَرِ أوِ الوِزْرِ، والأقْرَبُ أنَّهُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ عَلى فاعِلٍ كَعابِرٍ وشالِخَ، وقِيلَ اسْمُ صَنَمٍ يَعْبُدُهُ فَلُقِّبَ بِهِ لِلُزُومِ عِبادَتِهِ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِحَذْفِ المُضافِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصَّنَمُ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ أتَعَبَّدُ آزَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ تَفْسِيرًا وتَقْرِيرًا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «أزَرًا»، تَتَّخِذُ أصْنامًا بِفَتْحِ هَمْزَةِ آزَرَ وكَسْرِها وهو اسْمُ صَنَمٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ. ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ﴾ عَنِ الحَقِّ. ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرِ الضَّلالَةِ. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ ومِثْلُ هَذا التَّبْصِيرِ نُبَصِّرُهُ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وقُرِئَ: «تَرى» بِالتّاءِ ورَفْعِ المَلَكُوتِ ومَعْناهُ تُبَصِّرُهُ دَلائِلُ الرُّبُوبِيَّةِ. ﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رُبُوبِيَّتَها ومِلْكَها. وقِيلَ عَجائِبَها وبَدائِعَها والمَلَكُوتُ أعْظَمُ المُلْكِ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ لِيَسْتَدِلَّ ولِيَكُونَ، أوْ وفَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ.

الأنعام 6:75

(p-169)﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ هو عَطْفُ بَيانٍ لِأبِيهِ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ اسْمَهُ تارِحُ فَقِيلَ هُما عَلَمانِ لَهُ كَإسْرائِيلَ ويَعْقُوبَ، وقِيلَ العَلَمُ تارِحُ وآزَرُ وصْفٌ مَعْناهُ الشَّيْخُ أوِ المِعْوَجُّ، ولَعَلَّ مَنعَ صَرْفِهِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ حُمِلَ عَلى مُوازِنِهِ أوْ نَعْتٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الآزَرِ أوِ الوِزْرِ، والأقْرَبُ أنَّهُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ عَلى فاعِلٍ كَعابِرٍ وشالِخَ، وقِيلَ اسْمُ صَنَمٍ يَعْبُدُهُ فَلُقِّبَ بِهِ لِلُزُومِ عِبادَتِهِ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِحَذْفِ المُضافِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصَّنَمُ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ أتَعَبَّدُ آزَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ تَفْسِيرًا وتَقْرِيرًا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «أزَرًا»، تَتَّخِذُ أصْنامًا بِفَتْحِ هَمْزَةِ آزَرَ وكَسْرِها وهو اسْمُ صَنَمٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ. ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ﴾ عَنِ الحَقِّ. ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرِ الضَّلالَةِ. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ ومِثْلُ هَذا التَّبْصِيرِ نُبَصِّرُهُ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وقُرِئَ: «تَرى» بِالتّاءِ ورَفْعِ المَلَكُوتِ ومَعْناهُ تُبَصِّرُهُ دَلائِلُ الرُّبُوبِيَّةِ. ﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رُبُوبِيَّتَها ومِلْكَها. وقِيلَ عَجائِبَها وبَدائِعَها والمَلَكُوتُ أعْظَمُ المُلْكِ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ لِيَسْتَدِلَّ ولِيَكُونَ، أوْ وفَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ.

الأنعام 6:76

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ تَفْصِيلٌ وبَيانٌ لِذَلِكَ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى قالَ إبْراهِيمُ وكَذَلِكَ نُرِيَ اعْتِراضٌ فَإنَّ أباهُ وقَوْمَهُ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ والكَواكِبُ كانَ الزَّهْرَةَ أوِ المُشْتَرِيَ وقَوْلُهُ: هَذا رَبِّي عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ عَلى ما يَقُولُهُ الخَصْمُ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإفْسادِ، أوْ عَلى وجْهِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وإنَّما قالَهُ زَمانَ مُراهَقَتِهِ أوْ أوَّلَ أوانِ بُلُوغِهِ. ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غابَ. ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِمْ فَإنَّ الِانْتِقالَ والِاحْتِجابَ بِالأسْتارِ يَقْتَضِي الإمْكانَ والحُدُوثَ ويُنافِي الأُلُوهِيَّةَ. ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ مُبْتَدِئًا في الطُّلُوعِ. ﴿قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ اسْتَعْجَزَ نَفْسَهُ واسْتَعانَ بِرَبِّهِ في دَرْكِ الحَقِّ، فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ إرْشادًا لِقَوْمِهِ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ القَمَرَ أيْضًا لِتَغَيُّرِ حالِهِ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ، وأنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ إلَهًا فَهو ضالٌّ.

الأنعام 6:77

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ تَفْصِيلٌ وبَيانٌ لِذَلِكَ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى قالَ إبْراهِيمُ وكَذَلِكَ نُرِيَ اعْتِراضٌ فَإنَّ أباهُ وقَوْمَهُ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ والكَواكِبُ كانَ الزَّهْرَةَ أوِ المُشْتَرِيَ وقَوْلُهُ: هَذا رَبِّي عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ عَلى ما يَقُولُهُ الخَصْمُ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإفْسادِ، أوْ عَلى وجْهِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وإنَّما قالَهُ زَمانَ مُراهَقَتِهِ أوْ أوَّلَ أوانِ بُلُوغِهِ. ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غابَ. ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِمْ فَإنَّ الِانْتِقالَ والِاحْتِجابَ بِالأسْتارِ يَقْتَضِي الإمْكانَ والحُدُوثَ ويُنافِي الأُلُوهِيَّةَ. ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ مُبْتَدِئًا في الطُّلُوعِ. ﴿قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ اسْتَعْجَزَ نَفْسَهُ واسْتَعانَ بِرَبِّهِ في دَرْكِ الحَقِّ، فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ إرْشادًا لِقَوْمِهِ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ القَمَرَ أيْضًا لِتَغَيُّرِ حالِهِ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ، وأنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ إلَهًا فَهو ضالٌّ.

الأنعام 6:78

﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ ذِكْرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وصِيانَةً لِلرَّبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَّأْنِيثِ. ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ كِبَرُهُ اسْتِدْلالًا أوْ إظْهارًا لِشُبْهَةِ الخَصْمِ. ﴿فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ المُحْتاجَةِ إلى مُحْدِثٍ يُحْدِثُها ومُخَصَّصٍ يُخَصِّصُها بِما تَخْتَصُّ بِهِ، ثُمَّ لَمّا تَبَرَّأ مِنها تَوَجَّهَ إلى مُوجِدِها ومُبْدِعِها الَّذِي دَلَّتْ هَذِهِ المُمْكَناتُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وإنَّما احْتَجَّ بِالأُفُوالِ دُونَ البُزُوغِ مَعَ أنَّهُ أيْضًا انْتِقالٌ لِتَعَدُّدِ دَلالَتِهِ، ولِأنَّهُ رَأى الكَوْكَبَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ في وسَطِ السَّماءِ حِينَ حاوَلَ الِاسْتِدْلالَ.

الأنعام 6:79

﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ ذِكْرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وصِيانَةً لِلرَّبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَّأْنِيثِ. ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ كِبَرُهُ اسْتِدْلالًا أوْ إظْهارًا لِشُبْهَةِ الخَصْمِ. ﴿فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ المُحْتاجَةِ إلى مُحْدِثٍ يُحْدِثُها ومُخَصَّصٍ يُخَصِّصُها بِما تَخْتَصُّ بِهِ، ثُمَّ لَمّا تَبَرَّأ مِنها تَوَجَّهَ إلى مُوجِدِها ومُبْدِعِها الَّذِي دَلَّتْ هَذِهِ المُمْكَناتُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وإنَّما احْتَجَّ بِالأُفُوالِ دُونَ البُزُوغِ مَعَ أنَّهُ أيْضًا انْتِقالٌ لِتَعَدُّدِ دَلالَتِهِ، ولِأنَّهُ رَأى الكَوْكَبَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ في وسَطِ السَّماءِ حِينَ حاوَلَ الِاسْتِدْلالَ.

الأنعام 6:80

(p-170)﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ وخاصَمُوهُ في التَّوْحِيدِ. ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ في وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْ هِشامٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ. ﴿وَقَدْ هَدانِي﴾ إلى تَوْحِيدِهِ. ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أيْ لا أخافُ مَعْبُوداتِكم في وقْتٍ لِأنَّها لا تَضُرُّ بِنَفْسِها ولا تَنْفَعُ. ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ مِن جِهَتِها، ولَعَلَّهُ جَوابٌ لِتَخْوِيفِهِمْ إيّاهُ مِن آلِهَتِهِمْ وتَهْدِيدٌ لَهم بِعَذابِ اللَّهِ. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الِاسْتِثْناءِ، أيْ أحاطَ بِهِ عِلْمًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ أنْ يَحِيقَ بِي مَكْرُوهٌ مِن جِهَتِها. ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ والقادِرِ والعاجِزِ. ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضُرٌّ. ﴿وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ وهو حَقِيقٌ بِأنْ يُخافَ مِنهُ كُلَّ الخَوْفِ لِأنَّهُ إشْراكٌ لِلْمَصْنُوعِ بِالصّانِعِ، وتَسْوِيَةٌ بَيْنَ المَقْدُورِ العاجِزِ بِالقادِرِ الضّارِّ النّافِعِ. ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِهِ كِتابًا، أوْ لَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ أيِ المُوَحِّدُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أيُّنا أنا أمْ أنْتُمُ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما يَحِقُّ أنْ يُخافَ مِنهُ.

الأنعام 6:81

(p-170)﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ وخاصَمُوهُ في التَّوْحِيدِ. ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ في وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْ هِشامٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ. ﴿وَقَدْ هَدانِي﴾ إلى تَوْحِيدِهِ. ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أيْ لا أخافُ مَعْبُوداتِكم في وقْتٍ لِأنَّها لا تَضُرُّ بِنَفْسِها ولا تَنْفَعُ. ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ مِن جِهَتِها، ولَعَلَّهُ جَوابٌ لِتَخْوِيفِهِمْ إيّاهُ مِن آلِهَتِهِمْ وتَهْدِيدٌ لَهم بِعَذابِ اللَّهِ. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الِاسْتِثْناءِ، أيْ أحاطَ بِهِ عِلْمًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ أنْ يَحِيقَ بِي مَكْرُوهٌ مِن جِهَتِها. ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ والقادِرِ والعاجِزِ. ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضُرٌّ. ﴿وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ وهو حَقِيقٌ بِأنْ يُخافَ مِنهُ كُلَّ الخَوْفِ لِأنَّهُ إشْراكٌ لِلْمَصْنُوعِ بِالصّانِعِ، وتَسْوِيَةٌ بَيْنَ المَقْدُورِ العاجِزِ بِالقادِرِ الضّارِّ النّافِعِ. ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِهِ كِتابًا، أوْ لَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ أيِ المُوَحِّدُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أيُّنا أنا أمْ أنْتُمُ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما يَحِقُّ أنْ يُخافَ مِنهُ.

الأنعام 6:82

﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مِنهُ أوْ مِنَ اللَّهِ بِالجَوابِ عَمّا اسْتُفْهِمَ عَنْهُ، والمُرادُ بِالظُّلْمِ ها هُنا الشِّرْكُ لِما رُوِيَ «أنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَيْسَ ما تَظُنُّونَ إنَّما هو ما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» ولَيْسَ الإيمانُ بِهِ أنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ ويَخْلِطَ بِهَذا التَّصْدِيقِ الإشْراكَ بِهِ. وقِيلَ المَعْصِيَةُ.

الأنعام 6:83

﴿وَتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهم مُهْتَدُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ إلَيْهِ. ﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها. ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ حُجَّتُنا إنْ جُعِلَ خَبَرَ تِلْكَ وبِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلَهُ أيْ: آتَيْناها إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ. ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ بِالتَّنْوِينِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في رَفْعِهِ وخَفْضِهِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادُهُ لَهُ.

الأنعام 6:84

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا﴾ أيْ كُلًّا مِنهُما. ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، عَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ أبُوهُ وشَرَفُ الوالِدِ يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذِ الكَلامُ فِيهِ. وقِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ لِإبْراهِيمَ اخْتَصَّ البَيانُ بِالمَعْدُودِينَ في تِلْكَ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها والمَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ عَطْفٌ عَلى (p-171)نُوحًا، ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ﴾ أيُّوبُ بْنُ أمُوصَ مِن أسْباطِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ. ﴿وَيُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ ونَجْزِي المُحْسِنِينَ جَزاءً مِثْلَ ما جَزَيْنا إبْراهِيمَ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ وكَثُرَ أوْلادُهُ والنُّبُوَّةُ فِيهِمْ. ﴿وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ هو ابْنُ مَرْيَمَ وفي ذِكْرِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ تَتَناوَلُ أوْلادَ البِنْتِ. ﴿وَإلْياسَ﴾ قِيلَ هو إدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ فَيَكُونُ البَيانُ مَخْصُوصًا بِمَن في الآيَةِ الأُولى. وقِيلَ هو مِن أسْباطِ هارُونَ أخِي مُوسى. ﴿كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ وهو الإتْيانُ بِما يَنْبَغِي والتَّحَرُّزُ عَمّا لا يَنْبَغِي.

الأنعام 6:85

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا﴾ أيْ كُلًّا مِنهُما. ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، عَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ أبُوهُ وشَرَفُ الوالِدِ يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذِ الكَلامُ فِيهِ. وقِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ لِإبْراهِيمَ اخْتَصَّ البَيانُ بِالمَعْدُودِينَ في تِلْكَ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها والمَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ عَطْفٌ عَلى (p-171)نُوحًا، ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ﴾ أيُّوبُ بْنُ أمُوصَ مِن أسْباطِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ. ﴿وَيُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ ونَجْزِي المُحْسِنِينَ جَزاءً مِثْلَ ما جَزَيْنا إبْراهِيمَ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ وكَثُرَ أوْلادُهُ والنُّبُوَّةُ فِيهِمْ. ﴿وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ هو ابْنُ مَرْيَمَ وفي ذِكْرِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ تَتَناوَلُ أوْلادَ البِنْتِ. ﴿وَإلْياسَ﴾ قِيلَ هو إدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ فَيَكُونُ البَيانُ مَخْصُوصًا بِمَن في الآيَةِ الأُولى. وقِيلَ هو مِن أسْباطِ هارُونَ أخِي مُوسى. ﴿كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ وهو الإتْيانُ بِما يَنْبَغِي والتَّحَرُّزُ عَمّا لا يَنْبَغِي.

الأنعام 6:86

﴿وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هو اليَسَعُ بْنُ أخْطُوبَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ واللَيْسَعَ وعَلى القِراءَتَيْنِ هو عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ كَما أُدْخِلَ عَلى اليَزِيدَ في قَوْلِهِ: ؎ رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبارَكًا ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ ﴿وَيُونُسَ﴾ هو يُونُسُ بْنُ مَتّى. ﴿وَلُوطًا﴾ هو ابْنُ هارانَ أخِي إبْراهِيمَ. ﴿وَكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ بِالنُّبُوَّةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى مَن عَداهم مِنَ الخَلْقِ. ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى كُلًّا أوْ نُوحًا أيْ فَضَّلْنا كُلًّا مِنهُمْ، أوْ هَدَيْنا هَؤُلاءِ وبَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ فَإنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَهْدِيًّا. ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى فَضَّلْنا أوْ هَدَيْنا ﴿وَهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِبَيانِ ما هُدُوا إلَيْهِ.

الأنعام 6:87

﴿وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هو اليَسَعُ بْنُ أخْطُوبَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ واللَيْسَعَ وعَلى القِراءَتَيْنِ هو عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ كَما أُدْخِلَ عَلى اليَزِيدَ في قَوْلِهِ: ؎ رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبارَكًا ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ ﴿وَيُونُسَ﴾ هو يُونُسُ بْنُ مَتّى. ﴿وَلُوطًا﴾ هو ابْنُ هارانَ أخِي إبْراهِيمَ. ﴿وَكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ بِالنُّبُوَّةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى مَن عَداهم مِنَ الخَلْقِ. ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى كُلًّا أوْ نُوحًا أيْ فَضَّلْنا كُلًّا مِنهُمْ، أوْ هَدَيْنا هَؤُلاءِ وبَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ فَإنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَهْدِيًّا. ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى فَضَّلْنا أوْ هَدَيْنا ﴿وَهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِبَيانِ ما هُدُوا إلَيْهِ.

الأنعام 6:88

﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما دانُوا بِهِ. ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ. ﴿وَلَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ ولَوْ أشْرَكَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ. ﴿لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَكانُوا كَغَيْرِهِمْ في حُبُوطِ أعْمالِهِمْ بِسُقُوطِ ثَوابِها. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ. ﴿والحُكْمَ﴾ الحِكْمَةُ أوْ فَصْلُ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ. ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ والرِّسالَةَ. ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. ﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾ أيْ بِمُراعاتِها. ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُونَ ومُتابِعُوهم. وقِيلَ هُمُ الأنْصارُ أوْ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ كُلُّ مَن آمَنَ بِهِ أوِ الفُرْسُ. وقِيلَ المَلائِكَةُ.

الأنعام 6:89

﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما دانُوا بِهِ. ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ. ﴿وَلَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ ولَوْ أشْرَكَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ. ﴿لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَكانُوا كَغَيْرِهِمْ في حُبُوطِ أعْمالِهِمْ بِسُقُوطِ ثَوابِها. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ. ﴿والحُكْمَ﴾ الحِكْمَةُ أوْ فَصْلُ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ. ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ والرِّسالَةَ. ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. ﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾ أيْ بِمُراعاتِها. ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُونَ ومُتابِعُوهم. وقِيلَ هُمُ الأنْصارُ أوْ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ كُلُّ مَن آمَنَ بِهِ أوِ الفُرْسُ. وقِيلَ المَلائِكَةُ.

الأنعام 6:90

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ يُرِيدُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم. ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فاخْتَصَّ طَرِيقَهم بِالِاقْتِداءِ والمُرادُ بِهُداهم ما تَوافَقُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فِيها، فَإنَّها لَيْسَتْ هُدًى مُضافًا إلى الكُلِّ ولا يُمْكِنُ التَّأسِّي بِهِمْ جَمِيعًا. فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، والهاءُ في اقْتَدِهْ لِلْوَقْفِ ومَن أثْبَتَها في الدَّرْجِ ساكِنَةً كابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، ويَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ خاصَّةً حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأشْبَعَها بِالكَسْرِ ابْنُ (p-172)عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ عَلى أنَّها كِنايَةُ المَصْدَرِ وكَسْرُها بِغَيْرِ إشْباعٍ بِرِوايَةِ هِشامٍ. ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى التَّبْلِيغِ أوِ القُرْآنِ. ﴿أجْرًا﴾ جُعْلًا مِن جِهَتِكم كَما لَمْ يَسْألْ مَن قَبْلِي مِنً النَّبِيِّينَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيهِ. ﴿إنْ هُوَ﴾ أيِ التَّبْلِيغُ أوِ القُرْآنُ أوِ الغَرَضُ. ﴿إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ إلّا تَذْكِيرًا ومَوْعِظَةً لَهم.

الأنعام 6:91

﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في الرَّحْمَةِ والإنْعامِ عَلى العِبادِ. ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ حِينَ أنْكَرُوا الوَحْيَ وبِعْثَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مِن عَظائِمِ رَحْمَتِهِ وجَلائِلِ نِعْمَتِهِ أوْ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ وشِدَّةِ البَطْشِ بِهِمْ حِينَ جَسَرُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، والقائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ قالُوا ذَلِكَ مُبالَغَةً في إنْكارِ إنْزالِ القُرْآنِ بِدَلِيلِ نَقْضِ كَلامِهِمْ، وإلْزامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ﴾ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ بِالتّاءِ وإنَّما قَرَأ بِالياءِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو حَمْلًا عَلى قالُوا وما قَدَرُوا، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَوْبِيخَهم عَلى سُوءِ جَهْلِهِمْ بِالتَّوْراةِ وذَمِّهِمْ عَلى تَجْزِئَتِها بِإبْداءِ بَعْضٍ انْتَخَبُوهُ وكَتَبُوهُ في ورَقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وإخْفاءِ بَعْضٍ لا يَشْتَهُونَهُ. وَرُوِيَ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ قالَهُ لَمّا أغْضَبَهُ الرَّسُولُ ﷺ بِقَوْلِهِ: أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الحَبْرَ السَّمِينَ قالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الحَبْرَ السَّمِينَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ.» وَقِيلَ هُمُ المُشْرِكُونَ وإلْزامُهم بِإنْزالِ التَّوْراةِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَشْهُوراتِ الذّائِعَةِ عِنْدَهم ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم وعُلِّمْتُمْ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْكم وعَلى آبائِكُمُ الَّذِينَ كانُوا أعْلَمَ مِنكم ونَظِيرُهُ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقِيلَ الخِطابُ لِمَن آمَنَ مِن قُرَيْشٍ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ، أوِ اللَّهُ أنْزَلَهُ. أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم إشْعارًا بِأنَّ الجَوابَ مُتَعَيِّنٌ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم بُهِتُوا بِحَيْثُ إنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الجَوابِ. ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ في أباطِيلِهِمْ فَلا عَلَيْكَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِن هُمُ الأوَّلُ، والظَّرْفُ صِلَةُ ذَرْهم أوْ يَلْعَبُونَ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ فاعِلُ يَلْعَبُونَ أوْ مِن هُمُ الثّانِي والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ.

الأنعام 6:92

﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ الفائِدَةِ والنَّفْعِ. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ أوِ الكُتُبَ الَّتِي قَبْلَهُ. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مُبارَكٌ أيْ لِلْبَرَكاتِ ولِتُنْذِرَ أوْ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ ولِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى أنْزَلْناهُ، وإنَّما سُمِّيَتْ مَكَّةُ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى ومَحَجُّهم ومُجْتَمَعُهم وأعْظَمُ القُرى شَأْنًا. وَقِيلَ لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، أوْ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ أيْ ولِيُنْذِرَ، الكِتابُ. ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ أهْلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ. ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ فَإنَّ مِن صَدَّقَ بِالآخِرَةِ خافَ العاقِبَةَ ولا يَزالُ الخَوْفُ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ حَتّى يُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ والكِتابِ، والضَّمِيرُ يَحْتَمِلُهُما ويُحافِظُ عَلى الطّاعَةِ وتَخْصِيصِ الصَّلاةِ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ وعَلَمُ الإيمانِ.

الأنعام 6:93

(p-173)﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَزَعَمَ أنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ، أوِ اخْتَلَقَ عَلَيْهِ أحْكامًا كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومُتابِعِيهِ. ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ « (كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ تَعَجُّبًا مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اكْتُبْها فَكَذَلِكَ نَزَلَتْ، فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ» . ﴿وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالَّذِينَ قالُوا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا. ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ حَذَفَ مَفْعُولَهُ لِدَلالَةِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ أيْ ولَوْ تَرى الظّالِمِينَ. ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ شَدائِدِهِ مِن غَمَرَهُ الماءُ إذا غَشِيَهُ. ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ يَقْبِضُ أرْواحَهم كالمُتَقاضِي المُلِظِّ أوْ بِالعَذابِ. ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ يَقُولُونَ لَهم أخْرِجُوها إلَيْنا مِن أجْسادِكم تَغْلِيظًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ، أوْ أخْرِجُوها مِنَ العَذابِ وخَلِّصُوها مِن أيْدِينا. ﴿اليَوْمَ﴾ يُرِيدُونَ وقْتَ الإماتَةِ، أوِ الوَقْتَ المُمْتَدَّ مِنَ الإماتَةِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. ﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ الهَوانِ يُرِيدُونَ العَذابَ المُتَضَمِّنَ لِشِدَّةٍ وإهانَةٍ، فَإضافَتُهُ إلى الهَوْنِ لِعَراقَتِهِ وتَمَكُّنِهِ فِيهِ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ كادِّعاءِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ لَهُ ودَعْوى النُّبُوَّةِ والوَحْيِ كاذِبًا. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ.

الأنعام 6:94

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. ﴿فُرادى﴾ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أوْ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكُمْ، وهو جَمْعُ فَرْدٍ والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى. وقُرِئَ «فِرادَ» كَرِخالٍ و «فَرادٍ» كَثَلاثٍ و «فَرْدى» كَسَكْرى. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أيْ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ، أوْ حالٌ ثانِيَةٌ إنْ جُوِّزَ التَّعَدُّدُ فِيها، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى أيْ مُشْبِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم عُراةً حُفاةً غُرْلًا بُهْمًا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرِ جِئْتُمُونا أيْ مَجِيئِنا كَما خَلَقْناكم. ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ ما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم في الدُّنْيا فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ. ﴿وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا ولَمْ تَحْتَمِلُوا نَقِيرًا. ﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكم. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ تَقَطَّعَ وصْلُكم وتَشَتَّتَ جَمْعُكُمْ، والبَيْنُ مِنَ الأضْدادِ يُسْتَعْمَلُ لِلْوَصْلِ والفَصْلِ. وقِيلَ هو الظَّرْفُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ اتِّساعًا والمَعْنى: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمْ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أوْ أُقِيمَ مَقامَ مَوْصُوفِهِ وأصْلُهُ لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم وقَدْ قُرِئَ بِهِ. ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ ضاعَ وبَطَلَ. ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ.

الأنعام 6:95

﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ بِالنَّباتِ والشَّجَرِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ الشِّقاقُ الَّذِي في الحِنْطَةِ والنَّواةِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ لِيُطابِقَ ما قَبْلَهُ. ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ مِمّا لا يَنْمُو كالنُّطَفِ والحَبِّ. ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ ومُخْرِجُ ذَلِكَ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْمِ حَمْلًا عَلى فالِقِ الحَبِّ فَإنَّ (p-174)قَوْلَهُ: يُخْرِجُ الحَيَّ واقِعٌ مَوْقِعَ البَيانِ لَهُ. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ ذَلِكُمُ المُحْيِي المُمِيتُ هو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ. ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ تُصْرَفُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ.

الأنعام 6:96

﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ شاقُّ عَمُودِ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ أوْ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، أوْ شاقُّ ظُلْمَةِ الإصْباحِ وهو الغَبْشُ الَّذِي يَلِيهِ والإصْباحُ في الأصْلِ مَصْدَرُ أصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى الجَمْعِ وقُرِئَ «فالِقٌ الإصْباحَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ إلَيْهِ التَّعِبُ بِالنَّهارِ لِاسْتِراحَتِهِ فِيهِ مِن سَكَنَ إلَيْهِ إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ اسْتِئْناسًا بِهِ، أوْ يَسْكُنُ فِيهِ الخَلْقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جاعِلُ لا بِهِ، فَإنَّ في مَعْنى الماضِيَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وجَعَلَ اللَّيْلَ حَمْلًا عَلى مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ فالِقَ بِمَعْنى فَلَقَ ولِذَلِكَ قُرِئَ بِهِ، أوْ بِهِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جُعِلَ مُسْتَمِرًّا في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اللَّيْلِ ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَتُهُما بِالجَرِّ والأحْسَنُ نَصْبُهُما بِجُعِلَ مُقَدَّرًا. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مَجْعُولانِ. ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ بِهِما الأوْقاتِ ويُكَوِّنانِ عِلْمَيِ الحُسْبانِ، وهو مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ كَما أنَّ الحِسْبانَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ. وقِيلَ جَمْعُ حِسابٍ كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما حُسْبانًا أيْ ذَلِكَ التَّسْيِيرُ بِالحِسابِ المَعْلُومِ. ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الَّذِي قَهَرَهُما وسَيَّرَهُما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ. ﴿العَلِيمِ﴾ بِتَدْبِيرِهِما والأنْفَعِ مِنَ التَّداوِيرِ المُمْكِنَةِ لَهُما.

الأنعام 6:97

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ خَلَقَها لَكم. ﴿لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ وسَمّاها ظُلُماتٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهو إفْرادٌ لِبَعْضِ مَنافِعِها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ما أجْمَلَها بِقَوْلِهِ لَكم. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها فَصْلًا فَصْلًا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ أيْ فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ، أوْ فَوْقَ الأرْضِ واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ، أوْ تَحْتَ الأرْضِ أوْ مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِكَسْرِ القافِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ، والمُسْتَوْدَعُ اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ فَمِنكم قارٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، لِأنَّ الِاسْتِقْرارَ مِنّا دُونَ الِاسْتِيداعِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ذُكِرَ مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ يَعْلَمُونَ لِأنَّ أمْرَها ظاهِرٌ، ومَعَ ذِكْرِ تَخْلِيقِ بَنِي آدَمَ يَفْقَهُونَ لِأنَّ إنْشاءَهم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفُهم بَيْنَ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ دَقِيقٌ غامِضٌ يَحْتاجُ إلى اسْتِعْمالِ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ.

الأنعام 6:98

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ خَلَقَها لَكم. ﴿لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ وسَمّاها ظُلُماتٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهو إفْرادٌ لِبَعْضِ مَنافِعِها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ما أجْمَلَها بِقَوْلِهِ لَكم. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها فَصْلًا فَصْلًا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ أيْ فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ، أوْ فَوْقَ الأرْضِ واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ، أوْ تَحْتَ الأرْضِ أوْ مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِكَسْرِ القافِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ، والمُسْتَوْدَعُ اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ فَمِنكم قارٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، لِأنَّ الِاسْتِقْرارَ مِنّا دُونَ الِاسْتِيداعِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ذُكِرَ مَعَ ذِكْرِ النُّجُومِ يَعْلَمُونَ لِأنَّ أمْرَها ظاهِرٌ، ومَعَ ذِكْرِ تَخْلِيقِ بَنِي آدَمَ يَفْقَهُونَ لِأنَّ إنْشاءَهم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفُهم بَيْنَ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ دَقِيقٌ غامِضٌ يَحْتاجُ إلى اسْتِعْمالِ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ.

الأنعام 6:99

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ. ﴿فَأخْرَجْنا﴾ عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ. ﴿بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ نَبَتَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ النَّباتِ والمَعْنى: إظْهارُ القُدْرَةِ في إنْباتِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ المُفَنَّنَةِ بِماءٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ (p-175)﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ مِنَ النَّباتِ أوِ الماءِ. ﴿خَضِرًا﴾ شَيْئًا أخْضَرَ يُقالُ أخْضَرَ كَأعْوَرَ وعَوَرٌ، وهو الخارِجُ مِنَ الحَبَّةِ المُتَشَعِّبِ. ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ مِنَ الخَضِرِ. ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ وهو السُّنْبُلُ. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ أيْ وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، أوْ مِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ النَّخْلِ خَبَرَ قِنْوانٍ ومَن طَلْعِها بَدَلٌ مِنهُ والمَعْنى: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ وهو الأعْذاقُ جَمْعُ قِنْوٍ كَصِنْوانٍ جَمْعُ صِنْوٍ. وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ وبِفَتْحِها عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ إذْ لَيْسَ فِعْلانُ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ. ﴿دانِيَةٌ﴾ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ، أوْ مُلْتَفَّةٌ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِها عَنْ مُقابِلِها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ وزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها. ﴿وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عُطِفَ عَلى نَباتِ كُلِّ شَيْءٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ولَكم أوْ ثُمَّ جَنّاتٌ أوْ مِنَ الكَرْمِ جَنّاتٌ، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى قِنْوانٌ إذِ العِنَبُ لا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ. ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ أيْضًا عَطْفٌ عَلى نَباتٍ أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم. ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ حالٌ مِنَ الرُّمّانِ، أوْ مِنَ الجَمِيعِ أيْ بَعْضُ ذَلِكَ مُتَشابِهٌ وبَعْضُهُ غَيْرُ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ والقَدَرِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ. ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ﴾ أيْ ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وهو جَمْعُ ثَمَرَةٍ كَخَشَبَةٍ وخَشَبٍ، أوْ ثِمارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ. ﴿إذا أثْمَرَ﴾ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُثْمِرُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يَنْتَفِعُ بِهِ. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ وإلى حالِ نُضْجِهِ أوْ إلى نَضِيجَةٍ كَيْفَ يَعُودُ ضَخْمًا ذا نَفْعٍ ولَذَّةٍ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ يَنِعَتِ الثَّمَرُ إذا أدْرَكَتْ. وقِيلَ جَمْعُ يانِعٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيهِ ويانِعُهُ. ﴿إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لَآياتٍ دالَّةً عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ وتَوْحِيدِهِ، فَإنَّ حُدُوثَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ والأنْواعِ المُفَنِّنَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ ونَقْلُها مِن حالٍ إلى حالٍ لا يَكُونُ إلّا بِإحْداثِ قادِرٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها، ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِمّا يُمَكِّنُ مِن أحْوالِها ولا يَعُوقُهُ عَنْ فِعْلِهِ نِدٌّ يُعارِضُهُ أوْ ضِدٌّ يُعانِدُهُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ بِتَوْبِيخِ مَن أشْرَكَ بِهِ والرَّدَّ عَلَيْهِ فَقالَ.

الأنعام 6:100

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ أيِ المَلائِكَةَ بِأنْ عَبَدُوهم وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وسَمّاهم جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ، أوِ الشَّياطِينِ لِأنَّهم أطاعُوهم كَما يُطاعُ اللَّهُ تَعالى، أوْ عَبَدُوا الأوْثانَ بِتَسْوِيلِهِمْ وتَحْرِيضِهِمْ، أوْ قالُوا اللَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وكُلِّ نافِعٍ، والشَّيْطانُ خالِقُ الشَّرِّ وكُلِّ ضارٍّ كَما هو رَأْيُ الثَّنَوِيَّةُ. وَمَفْعُولا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ والجِنَّ بَدَلٌ مِن شُرَكاءَ أوْ شُرَكاءَ الجِنَّ ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِ شُرَكاءَ، أوْ حالٌ مِنهُ وقُرِئَ الجِنُّ بِالرَّفْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم فَقِيلَ الجِنُّ، والجِنِّ بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ لِلتَّبْيِينِ. ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خالِقُهم دُونَ الجِنِّ ولَيْسَ مَن يَخْلُقُ كَمَنَ لا يَخْلُقُ. وقُرِئَ وخَلَقَهم عَطْفًا عَلى الجِنَّ أيْ وما يَخْلُقُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، أوْ عَلى شُرَكاءَ أيْ وجَعَلُوا لَهُ اخْتِلافَهم لِلْإفْكِ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلَيْهِ. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ افْتَعَلُوا وافْتَرَوْا لَهُ. وقَرَأ نافِعٌ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ لِلتَّكْثِيرِ. وقُرِئَ «وَحَرَّفُوا» أيْ وزَوَّرُوا. ﴿بَنِينَ وبَناتٍ﴾ فَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما قالُوهُ ويَرَوْا عَلَيْهِ دَلِيلًا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ، أوِ المَصْدَرِ أيْ خَرْقًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا.

الأنعام 6:101

(p-176)﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، أوْ إلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِمْ: ثَبَتَ الغَدْرُ بِمَعْنى أنَّهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فِيهِما، وقِيلَ مَعْناهُ المُبْدِعُ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ، ورَفْعُهُ عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ. ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ مِن أيْنَ أوْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ يَكُونُ مِنها الوَلَدُ. وقُرِئَ بِالياءِ لِلْفَصْلِ أوْ لِأنَّ الِاسْمَ ضَمِيرُ اللَّهِ أوْ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ بِهِ لِتَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إلى الأوَّلِ، وفي الآيَةِ اسْتِدْلالٌ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مِن وُجُوهٍ: (الأوَّلُ أنَّهُ مِن مُبْدِعاتِهِ السَّمَواتُ والأرَضُونَ، وهي مَعَ أنَّها مِن جِنْسِ ما يُوصَفُ بِالوِلادَةِ مُبَرَّأةٌ عَنْها لِاسْتِمْرارِها وطُولِ مُدَّتِها فَهو أوْلى بِأنْ يَتَعالى عَنْها، أوْ أنَّ ولَدَ الشَّيْءِ نَظِيرُهُ ولا نَظِيرَ لَهُ فَلا ولَدَ. (والثّانِي أنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوَلَدِ ما يَتَوَلَّدُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى مُتَجانِسَيْنِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المُجانَسَةِ). (والثّالِثُ أنَّ الوَلَدَ كُفُؤُ الوالِدِ ولا كُفُؤَ لَهُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ مَخْلُوقُهُ فَلا يُكافِئُهُ. والثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِذاتِهِ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُ بِالإجْماعِ).

الأنعام 6:102

﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ بِما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ. ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ بَدَلًا أوْ صِفَةً والبَعْضُ خَبَرًا. ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ حُكْمُ مُسَبِّبٍ عَنْ مَضْمُونِها فَإنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ مُتَوَلِّي أُمُورِكم فَكُلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَآرِبِكم ورَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها. ﴿لا تُدْرِكُهُ﴾ أيْ لا تُحِيطُ بِهِ. ﴿الأبْصارُ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ وهي حاسَّةُ النَّظَرِ وقَدْ يُقالُ لِلْعَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّها واسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَيْسَ الإدْراكُ مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ ولا النَّفْيُ في الآيَةِ عامًّا في الأوْقاتِ فَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الحالاتِ ولا في الأشْخاصِ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِنا لا كُلَّ بَصَرٍ يُدْرِكُهُ مَعَ أنَّ النَّفْيَ لا يُوجِبُ الِامْتِناعَ.﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ يُحِيطُ عِلْمُهُ بِها. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فَيُدْرِكُ ما لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ كالأبْصارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ اللَّفِّ أيْ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لِأنَّهُ اللَّطِيفُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ لِأنَّهُ الخَبِيرُ، فَيَكُونُ اللَّطِيفُ مُسْتَعارًا مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرَكُ بِالحاسَّةِ ولا يَنْطَبِعُ فِيها.

الأنعام 6:103

﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ بِما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ. ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ بَدَلًا أوْ صِفَةً والبَعْضُ خَبَرًا. ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ حُكْمُ مُسَبِّبٍ عَنْ مَضْمُونِها فَإنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ مُتَوَلِّي أُمُورِكم فَكُلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَآرِبِكم ورَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها. ﴿لا تُدْرِكُهُ﴾ أيْ لا تُحِيطُ بِهِ. ﴿الأبْصارُ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ وهي حاسَّةُ النَّظَرِ وقَدْ يُقالُ لِلْعَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّها واسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَيْسَ الإدْراكُ مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ ولا النَّفْيُ في الآيَةِ عامًّا في الأوْقاتِ فَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الحالاتِ ولا في الأشْخاصِ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِنا لا كُلَّ بَصَرٍ يُدْرِكُهُ مَعَ أنَّ النَّفْيَ لا يُوجِبُ الِامْتِناعَ.﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ يُحِيطُ عِلْمُهُ بِها. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فَيُدْرِكُ ما لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ كالأبْصارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ اللَّفِّ أيْ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لِأنَّهُ اللَّطِيفُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ لِأنَّهُ الخَبِيرُ، فَيَكُونُ اللَّطِيفُ مُسْتَعارًا مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرَكُ بِالحاسَّةِ ولا يَنْطَبِعُ فِيها.

الأنعام 6:104

﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ البَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي لِلنَّفْسِ كالبَصَرِ لِلْبَدَنِ، سُمِّيَتْ بِها الدَّلالَةُ لِأنَّها تُجْلِي لَها الحَقَّ وتُبَصِّرُها بِهِ. ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ أيْ أبْصَرَ الحَقَّ وآمَنَ بِهِ. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أبْصَرَ لِأنَّ نَفْسَهُ لَها. ﴿وَمَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحَقِّ وضَلَّ. ﴿فَعَلَيْها﴾ وبالُهُ. ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وإنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الحَفِيظُ عَلَيْكم يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها، وهَذا كَلامٌ ورَدَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ، وهو إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ، وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرْفَنا واللّامُ لامُ العاقِبَةِ، والدَّرْسُ القِراءَةُ والتَّعْلِيمُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دارَسَتْ أيْ دارَسَتْ أهْلَ الكِتابِ وذاكَرَتْهُمْ، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ دَرَسَتْ مِنَ الدُّرُوسِ أيْ قَدُمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ كَقَوْلِهِمْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقُرِئَ «دَرُسَتْ» بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في دُرِسَتْ ودُرِسَتْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ، أوْ عُفِيَتْ ودارَسَتْ بِمَعْنى دَرَسَتْ أوْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ، وجازَ إضْمارُهم بِلا ذِكْرٍ لِشُهْرَتِهِمْ بِالدِّراسَةِ، ودَرَسْنَ أيْ عَفَوْنَ ودَرَسَ (p-177)أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ ﷺ ودِراساتٌ أيْ قَدِيماتٌ أوْ ذَواتُ دَرْسٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ اللّامُ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ التَّبْيِينَ مَقْصُودُ التَّصْرِيفِ والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِلْمَصْدَرِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهم المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

الأنعام 6:105

﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ البَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي لِلنَّفْسِ كالبَصَرِ لِلْبَدَنِ، سُمِّيَتْ بِها الدَّلالَةُ لِأنَّها تُجْلِي لَها الحَقَّ وتُبَصِّرُها بِهِ. ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ أيْ أبْصَرَ الحَقَّ وآمَنَ بِهِ. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أبْصَرَ لِأنَّ نَفْسَهُ لَها. ﴿وَمَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحَقِّ وضَلَّ. ﴿فَعَلَيْها﴾ وبالُهُ. ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وإنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الحَفِيظُ عَلَيْكم يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها، وهَذا كَلامٌ ورَدَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ، وهو إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ، وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرْفَنا واللّامُ لامُ العاقِبَةِ، والدَّرْسُ القِراءَةُ والتَّعْلِيمُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دارَسَتْ أيْ دارَسَتْ أهْلَ الكِتابِ وذاكَرَتْهُمْ، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ دَرَسَتْ مِنَ الدُّرُوسِ أيْ قَدُمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ كَقَوْلِهِمْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقُرِئَ «دَرُسَتْ» بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في دُرِسَتْ ودُرِسَتْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ، أوْ عُفِيَتْ ودارَسَتْ بِمَعْنى دَرَسَتْ أوْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ، وجازَ إضْمارُهم بِلا ذِكْرٍ لِشُهْرَتِهِمْ بِالدِّراسَةِ، ودَرَسْنَ أيْ عَفَوْنَ ودَرَسَ (p-177)أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ ﷺ ودِراساتٌ أيْ قَدِيماتٌ أوْ ذَواتُ دَرْسٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ اللّامُ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ التَّبْيِينَ مَقْصُودُ التَّصْرِيفِ والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِلْمَصْدَرِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهم المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

الأنعام 6:106

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ بِالتَّدَيُّنِ بِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ إيجابُ الِاتِّباعِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن رَبِّكَ بِمَعْنى مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ولا تَحْتَفِلْ بِأقْوالِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلى آرائِهِمْ، ومَن جَعَلَهُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ حَمَلَ الإعْراضَ عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَوْحِيدَهم وعَدَمَ إشْراكِهِمْ. ﴿ما أشْرَكُوا﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِينَ وأنَّ مُرادَهُ واجِبُ الوُقُوعِ. ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رَقِيبًا. ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تَقُومُ بِأُمُورِهِمْ.

الأنعام 6:107

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ بِالتَّدَيُّنِ بِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ إيجابُ الِاتِّباعِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن رَبِّكَ بِمَعْنى مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ولا تَحْتَفِلْ بِأقْوالِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلى آرائِهِمْ، ومَن جَعَلَهُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ حَمَلَ الإعْراضَ عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَوْحِيدَهم وعَدَمَ إشْراكِهِمْ. ﴿ما أشْرَكُوا﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِينَ وأنَّ مُرادَهُ واجِبُ الوُقُوعِ. ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رَقِيبًا. ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تَقُومُ بِأُمُورِهِمْ.

الأنعام 6:108

﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ ولا تَذْكُرُوا آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها بِما فِيها مِنَ القَبائِحِ. ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عَلى جَهالَةٍ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ عَدْوًا يُقالُ عَدا فُلانٌ عَدْوًا وعُدُوًّا وعَداءً وعُدْوانًا. رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَطْعَنُ في آلِهَتِهِمْ فَقالُوا لِتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا أوْ لِنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ، فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَها فَنُهُوا لِئَلّا يَكُونَ سَبُّهم سَبَبًا لِسَبِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا وتَخْذِيلًا، ويَجُوزُ تَخْصِيصُ العَمَلِ بِالشَّرِّ وكُلِّ أُمَّةٍ بِالكَفَرَةِ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ لَهم. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاتِ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:109

﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والدّاعِي لَهم إلى هَذا القَسَمِ والتَّأْكِيدِ فِيهِ التَّحَكُّمُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في طَلَبِ الآياتِ واسْتِحْقارِ ما رَأوْا مِنها. ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هو قادِرٌ عَلَيْها يُظْهِرُ مِنها ما يَشاءُ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِقُدْرَتِي وإرادَتِي. ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ وما يُدْرِيكُمُ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. ﴿أنَّها﴾ أيْ أنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ. ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا تَدْرُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، أنْكَرَ السَّبَبَ مُبالَغَةً في نَفْيِ المُسَبَّبِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وقِيلَ لا مَزِيدَةٌ وقِيلَ أنَّ بِمَعْنى لَعَلَّ إذْ قُرِئَ لَعَلَّها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ إنَّها بِالكَسْرِ كَأنَّهُ قالَ: وما يُشْعِرُكم ما يَكُونُ مِنهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَكم بِما عَلِمَ مِنهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ «لا تُؤْمِنُونَ». (p-178)بِالتّاءِ وقُرِئَ: «وَما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهُمْ» فَيَكُونُ إنْكارًا لَهم عَلى حَلْفِهِمْ أيْ: وما يُشْعِرُهم أنَّ قُلُوبَهم حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ مَطْبُوعَةً كَما كانَتْ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ فَيُؤْمِنُونَ بِها. ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يُؤْمِنُونَ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا حِينَئِذٍ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ، وأبْصارُهم فَلا يُبْصِرُونَهُ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ. ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ونَدَعُهم مُتَحَيِّرِينَ لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ. وقُرِئَ. «وَيُقَلِّبُ» و «يَذَرُهُمْ» عَلى الغَيْبَةِ، و «تُقَلَّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى الأفْئِدَةِ.

الأنعام 6:110

﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والدّاعِي لَهم إلى هَذا القَسَمِ والتَّأْكِيدِ فِيهِ التَّحَكُّمُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في طَلَبِ الآياتِ واسْتِحْقارِ ما رَأوْا مِنها. ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هو قادِرٌ عَلَيْها يُظْهِرُ مِنها ما يَشاءُ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِقُدْرَتِي وإرادَتِي. ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ وما يُدْرِيكُمُ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. ﴿أنَّها﴾ أيْ أنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ. ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا تَدْرُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، أنْكَرَ السَّبَبَ مُبالَغَةً في نَفْيِ المُسَبَّبِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وقِيلَ لا مَزِيدَةٌ وقِيلَ أنَّ بِمَعْنى لَعَلَّ إذْ قُرِئَ لَعَلَّها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ إنَّها بِالكَسْرِ كَأنَّهُ قالَ: وما يُشْعِرُكم ما يَكُونُ مِنهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَكم بِما عَلِمَ مِنهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ «لا تُؤْمِنُونَ». (p-178)بِالتّاءِ وقُرِئَ: «وَما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهُمْ» فَيَكُونُ إنْكارًا لَهم عَلى حَلْفِهِمْ أيْ: وما يُشْعِرُهم أنَّ قُلُوبَهم حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ مَطْبُوعَةً كَما كانَتْ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ فَيُؤْمِنُونَ بِها. ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يُؤْمِنُونَ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا حِينَئِذٍ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ، وأبْصارُهم فَلا يُبْصِرُونَهُ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ. ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ونَدَعُهم مُتَحَيِّرِينَ لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ. وقُرِئَ. «وَيُقَلِّبُ» و «يَذَرُهُمْ» عَلى الغَيْبَةِ، و «تُقَلَّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى الأفْئِدَةِ.

الأنعام 6:111

﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ كَما اقْتَرَحُوا فَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ فَأْتُوا بِآياتِنا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا وقُبُلًا جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ أيْ: كُفَلاءُ بِما بَشَّرُوا بِهِ وأنْذَرُوا بِهِ، أوْ جَمْعُ قَبِيلٍ الَّذِي هو جَمْعُ قَبِيلَةٍ بِمَعْنى جَماعاتٍ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُقابَلَةٍ كَقُبُلًا وهو قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ، وهو عَلى الوُجُوهِ حالٌ مِن كُلٍّ وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِعُمُومِهِ. و ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِما سَبَقَ عَلَيْهِمُ القَضاءُ بِالكُفْرِ. ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالُ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إيمانَهُمْ، وقِيلَ مُنْقَطِعٌ وهو حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أنَّهم لَوْ أُوتُوا بِكُلِّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَشْعُرُونَ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ الجَهْلُ إلى أكْثَرِهِمْ مَعَ أنَّ مُطْلَقَ الجَهْلِ يَعُمُّهُمْ، أوْ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَيَتَمَنَّوْنَ نُزُولَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ.

الأنعام 6:112

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أيْ كَما جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ سَبَقَكَ عَدُوًّا، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وخَلْقِهِ. ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ مَرَدَةُ الفَرِيقَيْنِ، وهو بَدَلٌ مِن عَدُوًّا، أوْ أوَّلُ مَفْعُولَيْ جَعَلْنا وعَدُوًّا مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكُلٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ. ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ يُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ بَعْضُ الجِنِّ إلى بَعْضٍ، وبَعْضُ الإنْسِ إلى بَعْضٍ. ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ الأباطِيلَ المُمَوَّهَةَ مِنهُ مِن زَخْرَفَهُ إذا زَيَّنَهُ. ﴿غُرُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ إيمانَهم. ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ ما فَعَلُوا ذَلِكَ يَعْنِي مُعاداةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ، وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ وكُفْرَهم. ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى غُرُورًا إنْ جُعِلَ عِلَّةً، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا اضْطُرُّوا فِيهِ قالُوا: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ أوْ لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لِما لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ أوْ لامُ الأمْرِ وضَعْفُهُ أظْهَرُ، والصَّغْوُ: المَيْلُ والضَّمِيرُ لِما لَهُ الضَّمِيرُ في فَعَلُوهُ. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ ولِيَكْتَسِبُوا. ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ.

الأنعام 6:113

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أيْ كَما جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ سَبَقَكَ عَدُوًّا، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وخَلْقِهِ. ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ مَرَدَةُ الفَرِيقَيْنِ، وهو بَدَلٌ مِن عَدُوًّا، أوْ أوَّلُ مَفْعُولَيْ جَعَلْنا وعَدُوًّا مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكُلٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ. ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ يُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ بَعْضُ الجِنِّ إلى بَعْضٍ، وبَعْضُ الإنْسِ إلى بَعْضٍ. ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ الأباطِيلَ المُمَوَّهَةَ مِنهُ مِن زَخْرَفَهُ إذا زَيَّنَهُ. ﴿غُرُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ إيمانَهم. ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ ما فَعَلُوا ذَلِكَ يَعْنِي مُعاداةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ، وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ وكُفْرَهم. ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى غُرُورًا إنْ جُعِلَ عِلَّةً، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا اضْطُرُّوا فِيهِ قالُوا: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ أوْ لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لِما لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ أوْ لامُ الأمْرِ وضَعْفُهُ أظْهَرُ، والصَّغْوُ: المَيْلُ والضَّمِيرُ لِما لَهُ الضَّمِيرُ في فَعَلُوهُ. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ ولِيَكْتَسِبُوا. ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ.

الأنعام 6:114

(p-179)﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ مَن يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ، و «غَيْرَ» مَفْعُولُ أبْتَغِي وحَكَمًا حالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَهُ، وحَكَمًا أبْلَغُ مِن حاكِمٍ ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُ العادِلِ. ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ المُعْجِزَ. ﴿مُفَصَّلا﴾ مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ بِحَيْثُ يَنْفِي التَّخْلِيطَ والِالتِباسَ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ بِإعْجازِهِ وتَقْرِيرِهِ مُغْنٍ عَنْ سائِرِ الآياتِ. ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ تَأْيِيدٌ لِدَلالَةِ الإعْجازِ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ بِهِ لِتَصْدِيقِهِ ما عِنْدَهم مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُمارِسْ كُتُبَهم ولَمْ يُخالِطْ عُلَماءَهُمْ، وإنَّما وُصِفَ جَمِيعُهم بِالعِلْمِ لِأنَّ أكْثَرَهم يَعْلَمُونَ ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ. وقِيلَ المُرادُ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ مُنَزَّلٌ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ لِجُحُودِ أكْثَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ خِطابُ الرَّسُولِ ﷺ لِخِطابِ الأُمَّةِ. وقِيلَ الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الأدِلَّةَ لَمّا تَعاضَدَتْ عَلى صِحَّتِهِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَمْتَرِيَ فِيهِ.

الأنعام 6:115

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بَلَغَتِ الغايَةَ أخْبارُهُ وأحْكامُهُ ومَواعِيدُهُ. ﴿صِدْقًا﴾ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ. ﴿وَعَدْلا﴾ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ ونَصْبُهُما يَحْتَمِلُ التَّمْيِيزَ والحالَ والمَفْعُولَ لَهُ. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ، أوْ لا أحَدَ يَقْدِرُ أنْ يُحَرِّفَها شائِعًا ذائِعًا كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها القُرْآنُ، فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالحِفْظِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أوْ لا نَبِيَّ ولا كِتابَ بَعْدَها يَنْسَخُها ويُبَدِّلُ أحْكامَها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ ما تَكَلَّمَ بِهِ أوِ القُرْآنُ. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يَقُولُونَ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يُضْمِرُونَ فَلا يُهْمِلُهم.

الأنعام 6:116

﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ أكْثَرَ النّاسِ يُرِيدُ الكُفّارَ، أوِ الجُهّالَ أوْ أتْباعَ الهَوى. وقِيلَ الأرْضُ أرْضُ مَكَّةَ. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ، فَإنَّ الضّالَّ في غالِبِ الأمْرِ لا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ ضَلالٌ. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ وهو ظَنُّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ، أوْ جَهالاتُهم وآراؤُهُمُ الفاسِدَةُ فَإنَّ الظَّنَّ يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ. ﴿وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما يَنْسُبُونَ إلَيْهِ كاتِّخاذِ الوَلَدِ وجَعْلِ عِبادَةِ الأوْثانِ وصْلَةً إلَيْهِ، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ، أوْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ وحَقِيقَتُهُ ما يُقالُ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ.

الأنعام 6:117

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ أعْلَمُ لا بِهِ فَإنَّ أفْعَلَ لا يَنْصِبُ الظّاهِرَ في مِثْلِ ذَلِكَ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ «يُضِلَّ» والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ المُقَدَّرُ. وقُرِئَ «مَن يَضِلُّ» أيْ يُضِلُّهُ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَن مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ أوْ مَجْرُورَةً بِإضافَةِ أعْلَمُ إلَيْهِ أيْ: أعْلَمُ المُضِلِّينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ (p-180)أوْ مِن أضْلَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ ضالًّا، والتَّفْضِيلُ في العِلْمِ بِكَثْرَتِهِ وإحاطَتِهِ بِالوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِها ولُزُومُهُ وكَوْنُهُ بِالذّاتِ لا بِالغَيْرِ.

الأنعام 6:118

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحَلِّلُونَ الحَرامَ، والمَعْنى كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ. ﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِهِ وما يَمْنَعُكم عَنْهُ. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ فُصِّلَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ حَرَّمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِمّا حَرَّمَ عَلَيْكم فَإنَّهُ أيْضًا حَلالٌ حالَ الضَّرُورَةِ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ. ﴿بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِتَشْبِيهِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ يُفِيدُ العِلْمَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ بِالمُجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ.

الأنعام 6:119

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحَلِّلُونَ الحَرامَ، والمَعْنى كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ. ﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِهِ وما يَمْنَعُكم عَنْهُ. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ فُصِّلَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ حَرَّمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِمّا حَرَّمَ عَلَيْكم فَإنَّهُ أيْضًا حَلالٌ حالَ الضَّرُورَةِ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ. ﴿بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِتَشْبِيهِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ يُفِيدُ العِلْمَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ بِالمُجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ.

الأنعام 6:120

﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ، أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ. وقِيلَ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذُ الأخْدانِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ يَكْتَسِبُونَ. ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».» وَفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وأوَّلَهُ بِالمَيْتَةِ أوْ بِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، والضَّمِيرُ لِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ولا تَأْكُلُوا. ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ﴾ لَيُوَسْوِسُونَ. ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ مِنَ الكُفّارِ. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ بِقَوْلِهِمْ تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ أنْتُمْ وجَوارِحُكم وتَدَعُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وهو يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ بِالمَيْتَةِ. ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ. ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الفاءِ فِيهِ لِأنَّ الشَّرْطَ بِلَفْظِ الماضِي.

الأنعام 6:121

﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ، أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ. وقِيلَ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذُ الأخْدانِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ يَكْتَسِبُونَ. ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».» وَفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وأوَّلَهُ بِالمَيْتَةِ أوْ بِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، والضَّمِيرُ لِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ولا تَأْكُلُوا. ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ﴾ لَيُوَسْوِسُونَ. ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ مِنَ الكُفّارِ. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ بِقَوْلِهِمْ تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ أنْتُمْ وجَوارِحُكم وتَدَعُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وهو يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ بِالمَيْتَةِ. ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ. ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الفاءِ فِيهِ لِأنَّ الشَّرْطَ بِلَفْظِ الماضِي.

الأنعام 6:122

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ مَثَّلَ بِهِ مَن هَداهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنْقَذَهُ مِنَ الضَّلالِ وجَعَلَ لَهُ نُورَ الحُجَجِ والآياتِ يَتَأمَّلُ بِها في الأشْياءِ، فَيُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ. وَقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ مَيْتًا عَلى الأصْلِ. ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ صِفَتُهُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لا مِنَ الهاءِ في مَثَلُهُ لِلْفَصْلِ، وهو مَثَلٌ لِمَن بَقِيَ عَلى الضَّلالَةِ لا (p-181)يُفارِقُها بِحالٍ. ﴿كَذَلِكَ﴾ كَما زُيِّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ إيمانُهم ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآيَةُ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ وقِيلَ في عُمَرَ أوْ عَمّارٍ وأبِي جَهْلٍ.

الأنعام 6:123

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها، وجَعَلْنا بِمَعْنى صَيَّرْنا ومَفْعُولاهُ أكابِرَ مُجْرِمِيها عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي، أوْ في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ ومُجْرِمِيها بَدَلٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ إنْ فُسِّرَ الجَعْلُ بِالتَّمْكِينِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ جازَ فِيهِ الإفْرادُ والمُطابَقَةُ ولِذَلِكَ قُرِئَ «أكْبَرَ مُجْرِمِيها»، وتَخْصِيصُ الأكابِرِ لِأنَّهم أقْوى عَلى اسْتِتْباعِ النّاسِ والمَكْرِ بِهِمْ. ﴿وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّ وبالَهُ يَحِيقُ بِهِمْ. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ ذَلِكَ.

الأنعام 6:124

﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ لِما رُوِيَ: «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيِهِ، فَنَزَلَتِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾» اسْتِئْنافٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ النُّبُوَّةَ لَيْسَتْ بِالنَّسَبِ والمالِ وإنَّما هي بِفَضائِلَ نَفْسانِيَّةٍ يَخُصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَيَجْتَبِي لِرِسالاتِهِ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، وهو أعْلَمُ بِالمَكانِ الَّذِي يَضَعُها فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ رِسالَتَهُ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ ذُلٌّ وحَقارَةٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ أوْ جَزاءً عَلى مَكْرِهِمْ.

الأنعام 6:125

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ فَيَتَّسِعُ لَهُ ويُفْسِحُ فِيهِ مَجالَهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ قابِلَةً لِلْحَقِّ مُهَيَّأةً لِحُلُولِهِ فِيها مِصْفاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ المُؤْمِنِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ». فَقالُوا: هَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها فَقالَ: نَعَمِ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» . ﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضَيْقًا بِالتَّخْفِيفِ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ حَرِجًا بِالكَسْرِ أيْ شَدِيدَ الضِّيقِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وصْفًا بِالمَصْدَرِ. ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ شَبَّهَهُ مُبالَغَةً في ضِيقِ صَدْرِهِ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ عَنِ الِاسْتِطاعَةِ، ونَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ كَما يَمْتَنِعُ الصُّعُودُ. وَقِيلَ مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ، وأصْلُ يَصَّعَّدُ يَتَصَعَّدُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يَصَّعَّدُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يَصّاعَدُ بِمَعْنى يَتَصاعَدُ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ كَما يَضِيقُ صَدْرُهُ ويَبْعُدُ قَلْبُهُ عَنِ الحَقِّ. ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَجْعَلُ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ عَلَيْهِمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّعْلِيلِ.

الأنعام 6:126

(p-182)﴿وَهَذا﴾ إشارَةٌ إلى البَيانِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، أوْ إلى الإسْلامِ أوْ إلى ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ الطَّرِيقُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا، أوْ مُقَيَّدَةٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو بِقَضائِهِ وخَلْقِهِ، وأنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ العِبادِ حَكِيمٌ عادِلٌ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ. ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ دارُ اللَّهِ أضافَ الجَنَّةَ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ دارُ السَّلامَةِ مِنَ المَكارِهِ أوْ دارٌ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في ضَمانِهِ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَها غَيْرُهُ. ﴿وَهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ مُوالِيهِمْ أوْ ناصِرُهم. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها فَيَتَوَلّى إيصالَهُ إلَيْهِمْ.

الأنعام 6:127

(p-182)﴿وَهَذا﴾ إشارَةٌ إلى البَيانِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، أوْ إلى الإسْلامِ أوْ إلى ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ الطَّرِيقُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا، أوْ مُقَيَّدَةٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو بِقَضائِهِ وخَلْقِهِ، وأنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ العِبادِ حَكِيمٌ عادِلٌ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ. ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ دارُ اللَّهِ أضافَ الجَنَّةَ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ دارُ السَّلامَةِ مِنَ المَكارِهِ أوْ دارٌ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في ضَمانِهِ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَها غَيْرُهُ. ﴿وَهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ مُوالِيهِمْ أوْ ناصِرُهم. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها فَيَتَوَلّى إيصالَهُ إلَيْهِمْ.

الأنعام 6:128

" ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا " نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ نَقُولُ، والضَّمِيرُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ يَحْشُرُهم بِالياءِ. ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ. ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم كَقَوْلِهِمُ اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ. ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ الَّذِينَ أطاعُوهم. ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أيِ انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ بِأنْ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها، والجِنُّ بِالإنْسِ بِأنْ أطاعُوهم وحَصَلُوا مُرادَهم. وقِيلَ اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا يَعُوذُونَ بِهِمْ في المَفاوِزِ وعِنْدَ المَخاوِفِ، واسْتِمْتاعُهم بِالإنْسِ اعْتِرافُهم بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى إجارَتِهِمْ. ﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيِ البَعْثَ وهو اعْتِرافٌ بِما فَعَلُوهُ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ واتِّباعِ الهَوى وتَكْذِيبِ البَعْثِ وتَحَسُّرٌ عَلى حالِهِمْ. ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ مَنزِلُكم أوْ ذاتُ مَثْواكم. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ والعامِلُ فِيها مَثْواكم إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا، ومَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ مَكانًا ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ إلّا الأوْقاتَ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أُمْهِلُكم. ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفْعالِهِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأعْمالِ الثَّقَلَيْنِ وأحْوالِهِمْ.

الأنعام 6:129

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى بَعْضًا فَيُغْوِيهِمْ أوِ أوْلِياءَ بَعْضٍ وقُرَناءَهم في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾، الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، لَكِنْ لَمّا جُمِعُوا مَعَ الجِنِّ في الخِطابِ صَحَّ ذَلِكَ ونَظِيرُهُ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ والمَرْجانُ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ قَوْمٌ وقالُوا بُعِثَ إلى كُلٍّ مِنَ الثَّقَلَيْنِ رُسُلٌ مِن جِنْسِهِمْ. وقِيلَ الرُّسُلُ مِنَ الجِنِّ رُسُلُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿قالُوا﴾ جَوابًا. ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ بِالجُرْمِ والعِصْيانِ وهو اعْتِرافٌ مِنهم بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ. (p-183)﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ذَمٌّ لَهم عَلى سُوءِ نَظَرِهِمْ وخَطَأِ رَأْيِهِمْ، فَإنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ واللَّذّاتِ المُخْدِجَةِ، وأعْرَضُوا عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.

الأنعام 6:130

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى بَعْضًا فَيُغْوِيهِمْ أوِ أوْلِياءَ بَعْضٍ وقُرَناءَهم في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾، الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، لَكِنْ لَمّا جُمِعُوا مَعَ الجِنِّ في الخِطابِ صَحَّ ذَلِكَ ونَظِيرُهُ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ والمَرْجانُ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ قَوْمٌ وقالُوا بُعِثَ إلى كُلٍّ مِنَ الثَّقَلَيْنِ رُسُلٌ مِن جِنْسِهِمْ. وقِيلَ الرُّسُلُ مِنَ الجِنِّ رُسُلُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿قالُوا﴾ جَوابًا. ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ بِالجُرْمِ والعِصْيانِ وهو اعْتِرافٌ مِنهم بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ. (p-183)﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ذَمٌّ لَهم عَلى سُوءِ نَظَرِهِمْ وخَطَأِ رَأْيِهِمْ، فَإنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ واللَّذّاتِ المُخْدِجَةِ، وأعْرَضُوا عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.

الأنعام 6:131

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ. ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِظُلْمٍ أوْ ظالِمًا وهم غافِلُونَ لَمْ يُنَبِّهُوا بِرَسُولٍ أوْ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ. ﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ. ﴿دَرَجاتٌ﴾ مَراتِبُ ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها، أوْ مِن أجْلِها ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَخْفى عَلَيْهِ عَمَلٌ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ.

الأنعام 6:132

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ. ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِظُلْمٍ أوْ ظالِمًا وهم غافِلُونَ لَمْ يُنَبِّهُوا بِرَسُولٍ أوْ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ. ﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ. ﴿دَرَجاتٌ﴾ مَراتِبُ ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها، أوْ مِن أجْلِها ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَخْفى عَلَيْهِ عَمَلٌ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ.

الأنعام 6:133

﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَنِ العِبادِ والعِبادَةِ. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ تَكْمِيلًا لَهم ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ وتَأْسِيسٌ لِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ ما بِهِ إلَيْكم حاجَةٌ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ. ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أيْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم. ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ وأحْوالِهِ. ﴿لآتٍ﴾ لَكائِنٌ لا مَحالَةَ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ طالِبَكم بِهِ.

الأنعام 6:134

﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَنِ العِبادِ والعِبادَةِ. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ تَكْمِيلًا لَهم ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ وتَأْسِيسٌ لِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ ما بِهِ إلَيْكم حاجَةٌ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ. ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أيْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم. ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ وأحْوالِهِ. ﴿لآتٍ﴾ لَكائِنٌ لا مَحالَةَ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ طالِبَكم بِهِ.

الأنعام 6:135

﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم يُقالُ مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، أوْ عَلى ناحِيَتِكم وجِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ مَكانٌ ومَكانَةٌ كَمَقامٍ ومَقامَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مَكاناتِكم بِالجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم. ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ المُصابَرَةِ والثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، والتَّهْدِيدُ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ كَأنَّ المُهَدَّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُفْضِي بِهِ، إلَيْهِ، وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَنْقَضِيَ عَنْهُ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ إنْ جُعِلَ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّنا تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ لَها هَذِهِ الدّارَ، فَمَحَلُّها الرَّفْعُ وفِعْلُ العِلْمِ مُعَلَّقٌ عَنْهُ وإنْ جُعِلَتْ خَبَرِيَّةً فالنَّصْبُ بِ تَعْلَمُونَ أيْ فَسَوْفَ تَعْرِفُونَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ إنْصافٌ في المَقالِ وحُسْنِ الأدَبِ، وتَنْبِيهٌ عَلى وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَكُونُ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وضَعَ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ أعَمُّ وأكْثَرُ فائِدَةً.

الأنعام 6:136

(p-184)﴿وَجَعَلُوا﴾ أيْ مُشْرِكُو العَرَبِ. ﴿لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ خَلَقَ. ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ شَيْئًا مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ ويَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ، وشَيْئًا مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ عَلى سَدَنَتِها ويَذْبَحُونَهُ عِنْدَها، ثُمَّ إنْ رَأوْا ما عَيَّنُوا لِلَّهِ أزْكى بَدَّلُوهُ بِما لِآلِهَتِهِمْ وإنْ رَأوْا ما لِآلِهَتِهِمْ أزْكى تَرَكُوهُ لَها حُبًّا لِآلِهَتِهِمْ. وَفِي قَوْلِهِ مِمّا ذَرَأ تَنْبِيهٌ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ فَإنَّهم أشْرَكُوا الخالِقَ في خَلْقِهِ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلُوا الزّاكِيَ لَهُ، وفي قَوْلِهِ بِزَعْمِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ في المَوْضِعَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الكَسْرُ أيْضًا كالوِدِّ والوُدِّ. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ حُكْمُهم هَذا.

الأنعام 6:137

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في قِسْمَةِ القُرْبانِ. ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ بِالوَأْدِ ونَحْرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ. ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ مِنَ الجِنِّ أوْ مِنَ السَّدَنَةِ، وهو فاعِلُ زَيَّنَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ زُيِّنَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ ونَصَبَ الأوْلادِ وجَرَّ الشُّرَكاءِ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ وهو ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ مَعْدُودٌ مِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: ؎ فَزَجَجْتُها بِمَزَجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مُزادَهْ وَقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورُفِعَ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زَيَّنَ. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ. ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ولِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ، أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ والعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زَيَّنَ لَهُمْ، أوِ الشُّرَكاءُ التَّزْيِينَ أوِ الفَرِيقانِ جَمِيعَ ذَلِكَ. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ افْتِراءَهم أوْ ما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإفْكِ.

الأنعام 6:138

﴿وَقالُوا هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما جُعِلَ لِآلِهَتِهِمْ. ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حَرامٌ فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ والذَّكَرُ والأُنْثى. وقُرِئَ «حُجْرٍ» بِالضَّمِّ وحَرَجٌ أيْ مَضِيقٌ. ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ والرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. ﴿وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنِي البَحائِرَ والسَّوائِبَ والحَوامِي. ﴿وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في الذَّبْحِ وإنَّما يَذْكُرُونَ أسْماءَ الأصْنامِ عَلَيْها، وقِيلَ لا يَحُجُّونَ عَلى ظُهُورِها. ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ ما قالُوا تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ قالُوا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ أوْ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِالمَحْذُوفِ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلُهُ.

الأنعام 6:139

(p-185)﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ حَلالٌ لِلذُّكُورِ خاصَّةً دُونَ الإناثِ إنَّ وُلِدَ حَيًّا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ فالذُّكُورُ والإناثُ فِيهِ سَواءٌ وتَأْنِيثُ الخالِصَةِ لِلْمَعْنى فَإنَّ ما في مَعْنى الأجِنَّةِ ولِذَلِكَ وافَقَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ في تَكُنْ بِالتّاءِ، وخالَفَهُ هو وابْنُ كَثِيرٍ في مَيْتَةً فَنَصَبَ كَغَيْرِهِمْ، أوِ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في رِوايَةِ الشِّعْرِ أوْ هو مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ والخَبَرُ لِذُكُورِنا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الظَّرْفِ لا مِنَ الَّذِي في لِذُكُورِنا ولا مِنَ الذُّكُورِ لِأنَّها لا تَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ ولا عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ. وقُرِئَ «خالِصٌ» بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ وخالِصَةٌ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ والمُرادُ بِهِ ما كانَ حَيًّا، والتَّذْكِيرُ في فِيهِ لِأنَّ المُرادَ بِالمَيْتَةِ ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى فَغَلَّبَ الذَّكَرَ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن قَوْلِهِ: وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

الأنعام 6:140

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِمُ العَرَبَ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ بَناتِهم مَخافَةَ السَّبْيِ والفَقْرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ قَتَّلُوا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ. ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى رازِقُ أوْلادِهِمْ لا هُمْ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الحالِ أوِ المَصْدَرِ. ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ ونَحْوِها. ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ في مِثْلِهِ. ﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ.

الأنعام 6:141

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ﴾ مِنَ الكُرُومِ. ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ مَرْفُوعاتٍ عَلى ما يَحْمِلُها. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ مُلْقِياتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ. وقِيلَ المَعْرُوشاتُ ما غَرَسَهُ النّاسُ فَعَرَّشُوهُ وغَيْرُ مَعْرُوشاتٍ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ. ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ، والضَّمِيرُ لِلزَّرْعِ والباقِي مَقِيسٌ عَلَيْهِ، أوْ لِلنَّخْلِ والزَّرْعُ داخِلٌ في حُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، أوْ لِلْجَمِيعِ عَلى تَقْدِيرِ أكُلُّ ذَلِكَ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ومُخْتَلِفًا حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ الإنْشاءِ. ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ يَتَشابَهُ بَعْضُ أفْرادِهِما في اللَّوْنِ والطَّعْمِ ولا يَتَشابَهُ بَعْضُها. ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ. ﴿إذا أثْمَرَ﴾ وإنْ لَمْ يُدْرِكْ ولَمْ يَيْنَعْ بَعْدُ. وقِيلَ فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما كانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ لا الزَّكاةَ المُقَدَّرَةَ لِأنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ. وَقِيلَ الزَّكاةُ والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ والأمْرُ بِإيتائِها يَوْمَ الحَصادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتّى لا يُؤَخَّرَ عَنْ وقْتِ الأداءِ ولِيَعْلَمَ أنَّ الوُجُوبَ بِالإدْراكِ لا بِالتَّنْقِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ حِصادِهِ بِكَسْرِ الحاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ في التَّصَدُّقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم.(p-186)

الأنعام 6:142

﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ أيْ وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ وما يَفْرِشُ لِلذَّبْحِ، أوْ ما يَفْرِشُ المَنسُوجَ مِن شَعَرِهِ وصُوفِهِ ووَبَرِهِ. وقِيلَ الكِبارُ الصّالِحَةُ لِلْحَمْلِ والصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ كُلُوا مِمّا أُحِلَّ لَكم مِنهُ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرَةُ العَداوَةِ. ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن حُمُولَةً وفَرْشًا، أوْ مَفْعُولُ كُلُوا، ولا تَتَّبِعُوا مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما أوْ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أوْ حالٌ مِن ما بِمَعْنى مُخْتَلِفَةٌ أوْ مُتَعَدِّدَةٌ والزَّوْجُ ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ وقَدْ يُقالُ لِمَجْمُوعِهِما والمُرادُ الأوَّلُ. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ، وهو بَدَلٌ مِن ثَمانِيَةَ وقُرِئَ «اثْنانِ» عَلى الِابْتِداءِ. والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ وجَمْعُهُ ضَئِينَ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحَبٍ وحارِسٍ وحَرَسٍ، وقُرِئَ «المِعْزى» . ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعَزِ. ﴿حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أمْ أُنْثَيَيْهِما ونُصِبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أوْ ما حَمَلَتْ إناثُ الجِنْسَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:143

﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ أيْ وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ وما يَفْرِشُ لِلذَّبْحِ، أوْ ما يَفْرِشُ المَنسُوجَ مِن شَعَرِهِ وصُوفِهِ ووَبَرِهِ. وقِيلَ الكِبارُ الصّالِحَةُ لِلْحَمْلِ والصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ كُلُوا مِمّا أُحِلَّ لَكم مِنهُ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرَةُ العَداوَةِ. ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن حُمُولَةً وفَرْشًا، أوْ مَفْعُولُ كُلُوا، ولا تَتَّبِعُوا مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما أوْ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أوْ حالٌ مِن ما بِمَعْنى مُخْتَلِفَةٌ أوْ مُتَعَدِّدَةٌ والزَّوْجُ ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ وقَدْ يُقالُ لِمَجْمُوعِهِما والمُرادُ الأوَّلُ. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ، وهو بَدَلٌ مِن ثَمانِيَةَ وقُرِئَ «اثْنانِ» عَلى الِابْتِداءِ. والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ وجَمْعُهُ ضَئِينَ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحَبٍ وحارِسٍ وحَرَسٍ، وقُرِئَ «المِعْزى» . ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعَزِ. ﴿حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أمْ أُنْثَيَيْهِما ونُصِبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أوْ ما حَمَلَتْ إناثُ الجِنْسَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:144

﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ كَما سَبَقَ والمَعْنى إنْكارُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ شَيْئًا مِنَ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى أوْ ما تَحْمِلُ إناثُها رَدًّا عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً أُخْرى، وأوْلادُها كَيْفَ كانَتْ تارَةً زاعِمِينَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها. ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ بَلْ أكُنْتُمْ شاهِدِينَ حاضِرِينَ. ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ حِينَ وصّاكم بِهَذا التَّحْرِيمِ إذْ أنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ فَلا طَرِيقَ لَكم إلى مَعْرِفَةِ أمْثالِ ذَلِكَ إلّا المُشاهَدَةُ والسَّماعُ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَنَسَبَ إلَيْهِ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُحَرِّمْ، والمُرادُ كُبَراؤُهُمُ المُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ، أوْ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ المُؤَسِّسُ لِذَلِكَ. ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

الأنعام 6:145

﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ أيْ في القُرْآنِ، أوْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُطْلَقًا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يُعْلَمُ بِالوَحْيِ لا بِالهَوى. ﴿مُحَرَّمًا﴾ طَعامًا مُحَرَّمًا. ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ تَكُونُ بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالياءِ، ورَفَعَ مَيْتَةً عَلى أنَّ كانَ هي (p-187)التّامَّةُ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِهِ أيْ: إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا، أيْ مَصْبُوبًا كالدَّمِ في العُرُوقِ لا كالكَبِدِ والطِّحالِ. ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ فَإنَّ الخِنْزِيرَ أوْ لَحْمَهُ قَذِرٌ لِتَعَوُّدِهِ أكْلَ النَّجاسَةِ أوْ خَبِيثٌ مُخْبِثٌ ﴿أوْ فِسْقًا﴾ عُطِفَ عَلى لَحْمَ خِنْزِيرٍ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلتَّعْلِيلِ. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ وإنَّما سُمِّيَ ما ذُبِحَ عَلى اسْمِ الصَّنَمِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِسْقًا مَفْعُولًا لَهُ مِن أُهِلَّ وهو عَطْفٌ عَلى يَكُونُ والمُسْتَكِنُّ فِيهِ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُّ في يَكُونُ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فَمَن دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ. إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى مُضْطَرٍّ مِثْلِهِ ﴿وَلا عادٍ﴾ قَدْرَ الضَّرُورَةِ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلى تِلْكَ الغايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ هَذِهِ، وذَلِكَ لا يُنافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ في شَيْءٍ آخَرَ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى نَسْخِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولا عَلى حِلِّ الأشْياءِ غَيْرَها إلّا مَعَ الِاسْتِصْحابِ.

الأنعام 6:146

﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ كُلَّ ما لَهُ إصْبَعٌ كالإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ. وقِيلَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ وحافِرٍ وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ. ﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ الثُّرُوبَ وشُحُومَ الكُلى والإضافَةُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ. ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ إلّا ما عَلَقَتْ بِظُهُورِهِما. ﴿أوِ الحَوايا﴾ أوْ ما اشْتَمَلَ عَلى الأمْعاءِ جَمْعُ حاوِيَةٍ، أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، أوْ حَوِيَّةٍ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ. وقِيلَ هو عَطْفٌ عَلى شُحُومِهِما وأوْ بِمَعْنى الواوِ. ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو شَحْمُ الألْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ. ﴿ذَلِكَ﴾ التَّحْرِيمُ أوِ الجَزاءُ. ﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ في الإخْبارِ أوِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ يُمْهِلُكم عَلى التَّكْذِيبِ فَلا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ حِينَ يَنْزِلُ، أوْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ عَلى المُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ، فَأقامَ مَقامَهُ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لازِبٌ بِهِمْ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَنْهم.

الأنعام 6:147

﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ كُلَّ ما لَهُ إصْبَعٌ كالإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ. وقِيلَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ وحافِرٍ وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ. ﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ الثُّرُوبَ وشُحُومَ الكُلى والإضافَةُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ. ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ إلّا ما عَلَقَتْ بِظُهُورِهِما. ﴿أوِ الحَوايا﴾ أوْ ما اشْتَمَلَ عَلى الأمْعاءِ جَمْعُ حاوِيَةٍ، أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، أوْ حَوِيَّةٍ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ. وقِيلَ هو عَطْفٌ عَلى شُحُومِهِما وأوْ بِمَعْنى الواوِ. ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو شَحْمُ الألْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ. ﴿ذَلِكَ﴾ التَّحْرِيمُ أوِ الجَزاءُ. ﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ في الإخْبارِ أوِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ يُمْهِلُكم عَلى التَّكْذِيبِ فَلا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ حِينَ يَنْزِلُ، أوْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ عَلى المُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ، فَأقامَ مَقامَهُ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لازِبٌ بِهِمْ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَنْهم.

الأنعام 6:148

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ إخْبارٌ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ ووُقُوعُ مُخْبِرِهِ يَدُلُّ عَلى إعْجازِهِ. ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لَوْ شاءَ خِلافَ ذَلِكَ مَشِيئَةً ارْتَضاهُ كَقَوْلِهِ: فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ لِما فَعَلْنا نَحْنُ ولا آباؤُنا، أرادُوا بِذَلِكَ أنَّهم عَلى الحَقِّ المَشْرُوعِ المَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ لا الِاعْتِذارُ عَنِ ارْتِكابِ هَذِهِ القَبائِحِ بِإرادَةِ اللَّهِ إيّاها مِنهم حَتّى يَنْهَضَ ذَمُّهم بِهِ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ويُؤَيِّدُهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا التَّكْذِيبِ لَكَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ مِنَ الشِّرْكِ ولَمْ يُحَرِّمْ ما حَرَّمُوهُ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الرُّسُلَ، وعَطَفَ آباؤُنا عَلى الضَّمِيرِ في أشْرَكْنا مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ لِلْفَصْلِ بِلا. ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ الَّذِي أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ. عَلى ما زَعَمْتُمْ. ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ (p-188)فَتُظْهِرُوهُ لَنا. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ إلّا الظَّنَّ. ﴿وَإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ سِيَّما في الأُصُولِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ يُعارِضُهُ قاطِعٌ إذِ الآيَةُ فِيهِ.

الأنعام 6:149

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ، أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها تَقْصِدُ إثْباتَ الحُكْمِ وتَطْلُبُهُ. ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ قَوْمٍ وضَلالَ آخَرِينَ. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أحْضِرُوهُمْ، وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: ها لِمَ مَن لَمْ إذا قُصِدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ فَإنَّهُ الأصْلُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أمْ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ هَلْ لا تَدْخُلُ الأمْرَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَما في الآيَةِ ولازِمًا كَقَوْلِهِ هَلُمَّ إلَيْنا. ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ يَعْنِي قُدْوَتَهم فِيهِ اسْتَحْضَرَهم لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ويُظْهِرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتَهم وأنَّهُ لا مُتَمَسِّكَ لَهم كَمَن يُقَلِّدُهُمْ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ الشُّهَداءَ بِالإضافَةِ ووَصَفَهم بِما يَقْتَضِي العَهْدُ بِهِمْ. ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ فَلا تُصَدِّقْهم فِيهِ وبَيِّنْ لَهم فَسادَهُ فَإنَّ تَسْلِيمَهُ مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعُ الهَوى لا غَيْرَ، وأنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها. ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ. ﴿وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا.

الأنعام 6:150

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ، أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها تَقْصِدُ إثْباتَ الحُكْمِ وتَطْلُبُهُ. ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ قَوْمٍ وضَلالَ آخَرِينَ. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أحْضِرُوهُمْ، وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: ها لِمَ مَن لَمْ إذا قُصِدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ فَإنَّهُ الأصْلُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أمْ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ هَلْ لا تَدْخُلُ الأمْرَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَما في الآيَةِ ولازِمًا كَقَوْلِهِ هَلُمَّ إلَيْنا. ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ يَعْنِي قُدْوَتَهم فِيهِ اسْتَحْضَرَهم لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ويُظْهِرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتَهم وأنَّهُ لا مُتَمَسِّكَ لَهم كَمَن يُقَلِّدُهُمْ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ الشُّهَداءَ بِالإضافَةِ ووَصَفَهم بِما يَقْتَضِي العَهْدُ بِهِمْ. ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ فَلا تُصَدِّقْهم فِيهِ وبَيِّنْ لَهم فَسادَهُ فَإنَّ تَسْلِيمَهُ مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعُ الهَوى لا غَيْرَ، وأنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها. ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ. ﴿وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا.

الأنعام 6:151

﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أمْرٌ مِنَ التَّعالِي وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في عُلُوٍّ لِمَن كانَ في سُفْلٍ فاتَّسَعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ. ﴿أتْلُ﴾ أقْرَأُ. ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِأتْلُ وما تَحْتَمِلُ الخَبَرِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِحَرَّمِ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ أتْلُ لِأنَّهُ بِمَعْنى أقُلْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ أتْلُ أيَّ شَيْءِ حَرَّمَ رَبُّكم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ حَرَّمَ أوْ أتْلُ. ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ لِيَصِحَّ عَطْفُ الأمْرِ عَلَيْهِ، ولا يَمْنَعُهُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ المُفَسَّرِ بِ ما حَرَّمَ، فَإنَّ التَّحْرِيمَ بِاعْتِبارِ الأوامِرِ يَرْجِعُ إلى أضْدادِها ومَن جَعَلَ أنَّ ناصِبَةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ بِعَلَيْكم عَلى أنَّهُ لِلْإغْراءِ، أوِ البَدَلُ مِن ما أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ عَلى أنَّ لا زائِدَةٌ والجَرُّ بِتَقْدِيرِ اللّامِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا أوِ المُحَرَّمُ أنْ تُشْرِكُوا. ﴿شَيْئًا﴾ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ وأحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا وضَعَهُ مَوْضِعَ النَّهْيِ عَنِ الإساءَةِ إلَيْهِما لِلْمُبالَغَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَرْكَ الإساءَةِ في شَأْنِهِما غَيْرُ كافٍ بِخِلافِ غَيْرِهِما. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ مِن أجْلِ فَقْرٍ ومِن خَشْيَتِهِ. كَقَوْلِهِ: خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ مَنعٌ لِمُوجَبِيَّةِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ لِأجْلِهِ واحْتِجاجٌ عَلَيْهِ. ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ كَبائِرَ الذُّنُوبِ أوِ الزِّنا. ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ كالقَوْدِ وقَتْلِ المُرْتَدِّ ورَجْمِ المُحْصَنِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى (p-189)ما ذَكَرَ مُفَصَّلًا. ﴿وَصّاكم بِهِ﴾ بِحِفْظِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَرْشُدُونَ فَإنَّ كَمالَ العَقْلِ هو الرُّشْدُ.

الأنعام 6:152

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يَفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا، وهو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ أوْ شَدٍّ كَصَرٍّ وأصُرٍّ وقِيلَ مُفْرَدٌ كَأنَّكَ. ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها، وذَكَرَهُ عَقِيبَ الأمْرِ مَعْناهُ أنَّ إيفاءَ الحَقِّ عُسْرٌ عَلَيْكم فَعَلَيْكم بِما في وُسْعِكم وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم. ﴿وَإذا قُلْتُمْ﴾ في حُكُومَةٍ ونَحْوِها. ﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ ولَوْ كانَ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ مِن ذَوِي قَرابَتِكم. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ يَعْنِي ما عُهِدَ إلَيْكم مِن مُلازَمَةِ العَدْلِ وتَأْدِيَةِ أحْكامِ الشَّرْعِ. ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ والكِسائِيُّ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ إذا كانَ بِالتّاءِ والباقُونَ بِتَشْدِيدِها.

الأنعام 6:153

﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما ذَكَرَ في السُّورَةِ فَإنَّها بِأسْرِها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إنَّ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ. وَقَرَأ الباقُونَ بِها مُشَدَّدَةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ. فاتَّبِعُوهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ صِراطِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَ «وَهَذا صِراطِي» «وَهَذا صِراطُ رَبِّكُمْ» «وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ» . ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ أوِ الطُّرُقَ التّابِعَةَ لِلْهَوى، فَإنَّ مُقْتَضى الحُجَّةِ واحِدٌ ومُقْتَضى الهَوى مُتَعَدِّدٌ لِاخْتِلافِ الطَّبائِعِ والعاداتِ. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ فَتُفَرِّقُكم وتُزَيِّلُكم. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الِاتِّباعُ. ﴿وَصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ الضَّلالَ والتَّفَرُّقَ عَنِ الحَقِّ.

الأنعام 6:154

﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى وصّاكُمْ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الإخْبارِ أوْ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ. ﴿تَمامًا﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ. ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ عَلى كُلِّ مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ إنْ قُرِئَ «عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا» أوْ «عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغَهُ» وهو مُوسى عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أوْ «تَمامًا عَلى ما أحْسَنَهُ» أيْ أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والتَّشْرِيعِ أيْ زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ إتْمامًا لَهُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ «عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ» أوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ. ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبَيانًا مُفَصَّلًا لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَمامًا ونَصْبُهُما يَحْتَمِلُ العِلَّةَ والحالَ والمَصْدَرَ. ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِلِقائِهِ لِلْجَزاءِ.

الأنعام 6:155

(p-190)﴿وَهَذا كِتابٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ النَّفْعِ. ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ وهو العَمَلُ بِما فِيهِ. ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا عِلَّةً لِأنْزَلْناهُ. ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَعَلَّ الِاخْتِصاصَ في إنَّما لِأنَّ الباقِيَ المَشْهُورَ حِينَئِذٍ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ كُتُبِهِمْ. ﴿وَإنْ كُنّا﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ اللّامُ الفارِقَةُ في خَبَرِ كانَ أيْ وإنَّهُ كُنّا. ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قِراءَتِهِمْ، ﴿لَغافِلِينَ﴾ لا نَدْرِي ما هِيَ، أوْ لا نَعْرِفُ مِثْلَها.

الأنعام 6:156

(p-190)﴿وَهَذا كِتابٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ النَّفْعِ. ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ وهو العَمَلُ بِما فِيهِ. ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا عِلَّةً لِأنْزَلْناهُ. ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَعَلَّ الِاخْتِصاصَ في إنَّما لِأنَّ الباقِيَ المَشْهُورَ حِينَئِذٍ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ كُتُبِهِمْ. ﴿وَإنْ كُنّا﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ اللّامُ الفارِقَةُ في خَبَرِ كانَ أيْ وإنَّهُ كُنّا. ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قِراءَتِهِمْ، ﴿لَغافِلِينَ﴾ لا نَدْرِي ما هِيَ، أوْ لا نَعْرِفُ مِثْلَها.

الأنعام 6:157

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ. ﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ لِحِدَّةِ أذْهانِنا وثَقابَةِ أفْهامِنا ولِذَلِكَ تَلَقَّفْنا فُنُونًا مِنَ العِلْمِ كالقِصَصِ والأشْعارِ والخُطَبِ عَلى أنّا أُمِّيُّونَ. ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ حُجَّةٌ واضِحَةٌ تَعْرِفُونَها. ﴿وَهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ لِمَن تَأمَّلَ فِيهِ وعَمِلَ بِهِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ أنْ عَرَفَ صِحَّتَها أوْ تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها. ﴿وَصَدَفَ﴾ أعْرَضَ أوْ صَدَّ. ﴿عَنْها﴾ فَضَلَّ أوْ أضَلَّ. ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ شِدَّتَهَ. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ بِإعْراضِهِمْ أوْ صَدِّهِمْ.

الأنعام 6:158

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم ما كانُوا مُنْتَظِرِينَ لِذَلِكَ ولَكِنْ لَمّا كانَ يَلْحَقُهم لُحُوقَ المُنْتَظِرِ شُبِّهُوا بِالمُنْتَظِرِينَ. ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ مَلائِكَةُ المَوْتِ أوِ العَذابِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ هُنا وفي «النَّحْلِ» . ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أيْ أمْرُهُ بِالعَذابِ، أوْ كُلُّ آيَةٍ يَعْنِي آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أشْراطَ السّاعَةِ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ: « (كُنّا نَتَذاكَرُ السّاعَةَ إذْ أشْرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ما تَذاكَرُونَ؟ قُلْنا: نَتَذاكَرُ السّاعَةَ، قالَ: «إنَّها لا تَقُومُ حَتّى تَرَوْا قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ، وخَسْفًا بِالمُشْرِقِ، وخَسْفًا بِالمَغْرِبِ، وخَسْفًا بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، والدَّجّالَ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ونُزُولَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونارًا تَخْرُجُ مِن عَدَنَ)» . ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ كالمُحْتَضَرِ إذْ صارَ الأمْرُ عَيانًا والإيمانُ بُرْهانِيًّا. وَقُرِئَ «تَنْفَعُ» بِالتّاءِ لِإضافَةِ الإيمانِ إلى ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ. ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةُ نَفْسًا. ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى آمَنَتْ والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدَّمَةٍ إيمانَها أوْ مُقَدَّمَةً إيمانَها غَيْرَ كاسِبَةٍ في إيمانِها خَيْرًا، وهو دَلِيلٌ لِمَن لَمْ يَعْتَبِرِ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ ولِلْمُعْتَبِرِ تَخْصِيصُ هَذا الحُكْمِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، وحَمْلُ التَّرْدِيدِ عَلى اشْتِراطِ النَّفْعِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى مَعْنى لا يَنْفَعُ نَفْسًا خَلَتْ عَنْها إيمانُها، والعَطْفُ عَلى لَمْ تَكُنْ بِمَعْنى لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها الَّذِي أحْدَثَتْهُ حِينَئِذٍ وإنْ كَسَبَتْ فِيهِ خَيْرًا. ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، أيِ: انْتَظِرُوا إتْيانَ أحَدِ الثَّلاثَةِ فَإنّا مُنْتَظِرُونَ لَهُ وحِينَئِذٍ لَنا الفَوْزُ وعَلَيْكُمُ الوَيْلُ.(p-191)

الأنعام 6:159

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بَدَّدُوهُ فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أوِ افْتَرَقُوا فِيهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فارَقُوا» أيْ بايَنُوا. ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا. ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ السُّؤالِ عَنْهم وعَنْ تَفَرُّقِهِمْ، أوْ مِن عِقابِهِمْ، أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم. وقِيلَ هو نَهْيٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهم وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ يَتَوَلّى جَزاءَهم. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ بِالعِقابِ. ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ أيْ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ «عَشَرَةٌ» بِالتَّنْوِينِ وأمْثالُها بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ. وهَذا أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِالعَشْرِ الكَثْرَةُ دُونَ العَدَدِ. ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ قَضِيَّةً لِلْعَدْلِ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.

الأنعام 6:160

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بَدَّدُوهُ فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أوِ افْتَرَقُوا فِيهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فارَقُوا» أيْ بايَنُوا. ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا. ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ السُّؤالِ عَنْهم وعَنْ تَفَرُّقِهِمْ، أوْ مِن عِقابِهِمْ، أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم. وقِيلَ هو نَهْيٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهم وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ يَتَوَلّى جَزاءَهم. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ بِالعِقابِ. ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ أيْ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ «عَشَرَةٌ» بِالتَّنْوِينِ وأمْثالُها بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ. وهَذا أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِالعَشْرِ الكَثْرَةُ دُونَ العَدَدِ. ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ قَضِيَّةً لِلْعَدْلِ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.

الأنعام 6:161

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِالوَحْيِ والإرْشادِ إلى ما نَصَبَ مِنَ الحُجَجِ. ﴿دِينًا﴾ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ إلى صِراطٍ إذِ المَعْنى، هَدانِي صِراطًا كَقَوْلِهِ: ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا أوْ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَلْفُوظُ. قِيَمًا فِيْعَلَ مِن قامَ كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو أبْلَغُ مِنَ المُسْتَقِيمِ بِاعْتِبارِ الزِّنَةِ والمُسْتَقِيمُ بِاعْتِبارِ الصِّيغَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿قِيَمًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ وكانَ قِياسُهُ قِوَمًا كَعِوَضٍ فاعِلٍ لِإعْلالِ فِعْلِهِ كالقِيامِ. ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِدِينًا. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن إبْراهِيمَ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:162

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ عِبادَتِي كُلُّها، أوْ قُرْبانِي أوْ حَجِّي. ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾ وما أنا عَلَيْهِ في حَياتِي وأمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ طاعاتِ الحَياةِ والخَيْراتِ المُضافَةِ إلى المَماتِ كالوَصِيَّةِ والتَّدْبِيرِ، أوِ الحَياةِ والمَماتِ أنْفُسِهِما. وقَرَأ نافِعٌ مَحْيايْ بِإسْكانِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ خالِصَةً لَهُ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرًا. ﴿وَبِذَلِكَ﴾ القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ. ﴿أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّ إسْلامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٌ عَلى إسْلامِ أُمَّتِهِ.

الأنعام 6:163

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ عِبادَتِي كُلُّها، أوْ قُرْبانِي أوْ حَجِّي. ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾ وما أنا عَلَيْهِ في حَياتِي وأمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ طاعاتِ الحَياةِ والخَيْراتِ المُضافَةِ إلى المَماتِ كالوَصِيَّةِ والتَّدْبِيرِ، أوِ الحَياةِ والمَماتِ أنْفُسِهِما. وقَرَأ نافِعٌ مَحْيايْ بِإسْكانِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ خالِصَةً لَهُ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرًا. ﴿وَبِذَلِكَ﴾ القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ. ﴿أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّ إسْلامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٌ عَلى إسْلامِ أُمَّتِهِ.

الأنعام 6:164

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ فَأُشْرِكُهُ في عِبادَتِي وهو جَوابٌ عَنْ دُعائِهِمْ لَهُ إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ حالٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْإنْكارِ والدَّلِيلِ لَهُ أيْ وكُلُّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ مِثْلِي لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ. ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ فَلا يَنْفَعُنِي في ابْتِغاءِ رَبٍّ غَيْرِهِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ. ولا ﴿تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بِتَبْيِينِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ وتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ.

الأنعام 6:165

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ يُخْلِفُ بَعْضَكم بَعْضًا، أوْ خُلَفاءَ اللَّهِ في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها عَلى أنَّ الخِطابَ عامٌّ، أوْ خُلَفاءَ الأُمَمِ السّالِفَةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في الشَّرَفِ والغِنى. ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الجاهِ والمالِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ أوْ لِأنَّهُ يُسْرِعُ إذا أرادَهُ. ﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وصَفَ العِقابَ ولَمْ يُضِفْهُ إلى نَفْسِهِ، ووَصَفَ ذاتَهُ بِالمَغْفِرَةِ وضَمَّ إلَيْهِ الوَصْفَ بِالرَّحْمَةِ، وأتى بِبِناءِ المُبالَغَةِ واللّامِ المُؤَكِّدَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى غَفُورٌ بِالذّاتِ مُعاقِبٌ بِالعَرَضِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ مُبالِغٌ فِيها كَثِيرُ العُقُوبَةِ مُسامِحٌ فِيها. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً، يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، فَمَن قَرَأ الأنْعامَ صَلّى عَلَيْهِ واسْتَغْفَرَ لَهُ أُولَئِكَ السَّبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ يَوْمًا ولَيْلَةً» . تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ طَبْعُ الجُزْءِ الثّانِي مِن تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في مَطابِعِ دارِ إحْياءِ التُّراثِ العَرَبِيِّ بَيْرُوتَ الزّاهِرَةَ، أدامَها اللَّهُ لِطَبْعِ المَزِيدِ مِنَ الكُتُبِ النّافِعَةِ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّالِثُ وأوَّلُهُ سُورَةُ الأعْرافِ، وآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.