Lafzullah

Tafsir Al-Mawardi — البقرة 2:142 – البقرة 2:281

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Mawardi

المحتويات
  1. البقرة 2:142
  2. البقرة 2:143
  3. البقرة 2:144
  4. البقرة 2:145
  5. البقرة 2:146
  6. البقرة 2:147
  7. البقرة 2:148
  8. البقرة 2:149
  9. البقرة 2:150
  10. البقرة 2:151
  11. البقرة 2:152
  12. البقرة 2:153
  13. البقرة 2:154
  14. البقرة 2:155
  15. البقرة 2:156
  16. البقرة 2:157
  17. البقرة 2:158
  18. البقرة 2:159
  19. البقرة 2:160
  20. البقرة 2:161
  21. البقرة 2:162
  22. البقرة 2:163
  23. البقرة 2:164
  24. البقرة 2:165
  25. البقرة 2:166
  26. البقرة 2:167
  27. البقرة 2:168
  28. البقرة 2:169
  29. البقرة 2:170
  30. البقرة 2:171
  31. البقرة 2:172
  32. البقرة 2:173
  33. البقرة 2:174
  34. البقرة 2:175
  35. البقرة 2:176
  36. البقرة 2:177
  37. البقرة 2:178
  38. البقرة 2:179
  39. البقرة 2:180
  40. البقرة 2:181
  41. البقرة 2:182
  42. البقرة 2:183
  43. البقرة 2:184
  44. البقرة 2:185
  45. البقرة 2:186
  46. البقرة 2:187
  47. البقرة 2:188
  48. البقرة 2:189
  49. البقرة 2:190
  50. البقرة 2:191
  51. البقرة 2:192
  52. البقرة 2:193
  53. البقرة 2:194
  54. البقرة 2:195
  55. البقرة 2:196
  56. البقرة 2:197
  57. البقرة 2:198
  58. البقرة 2:199
  59. البقرة 2:200
  60. البقرة 2:201
  61. البقرة 2:202
  62. البقرة 2:203
  63. البقرة 2:204
  64. البقرة 2:205
  65. البقرة 2:206
  66. البقرة 2:207
  67. البقرة 2:208
  68. البقرة 2:209
  69. البقرة 2:210
  70. البقرة 2:211
  71. البقرة 2:212
  72. البقرة 2:213
  73. البقرة 2:214
  74. البقرة 2:215
  75. البقرة 2:216
  76. البقرة 2:217
  77. البقرة 2:218
  78. البقرة 2:219
  79. البقرة 2:220
  80. البقرة 2:221
  81. البقرة 2:222
  82. البقرة 2:223
  83. البقرة 2:224
  84. البقرة 2:225
  85. البقرة 2:226
  86. البقرة 2:227
  87. البقرة 2:228
  88. البقرة 2:229
  89. البقرة 2:230
  90. البقرة 2:231
  91. البقرة 2:232
  92. البقرة 2:233
  93. البقرة 2:234
  94. البقرة 2:235
  95. البقرة 2:236
  96. البقرة 2:237
  97. البقرة 2:238
  98. البقرة 2:239
  99. البقرة 2:240
  100. البقرة 2:241
  101. البقرة 2:242
  102. البقرة 2:243
  103. البقرة 2:244
  104. البقرة 2:245
  105. البقرة 2:246
  106. البقرة 2:247
  107. البقرة 2:248
  108. البقرة 2:249
  109. البقرة 2:250
  110. البقرة 2:251
  111. البقرة 2:252
  112. البقرة 2:253
  113. البقرة 2:254
  114. البقرة 2:255
  115. البقرة 2:256
  116. البقرة 2:257
  117. البقرة 2:258
  118. البقرة 2:259
  119. البقرة 2:260
  120. البقرة 2:261
  121. البقرة 2:262
  122. البقرة 2:263
  123. البقرة 2:264
  124. البقرة 2:265
  125. البقرة 2:266
  126. البقرة 2:267
  127. البقرة 2:268
  128. البقرة 2:269
  129. البقرة 2:270
  130. البقرة 2:271
  131. البقرة 2:272
  132. البقرة 2:273
  133. البقرة 2:274
  134. البقرة 2:275
  135. البقرة 2:276
  136. البقرة 2:277
  137. البقرة 2:278
  138. البقرة 2:279
  139. البقرة 2:280
  140. البقرة 2:281

البقرة 2:142

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ السُّفَهاءُ: واحِدُهُ سَفِيهٌ، والسَّفِيهُ: الخَفِيفُ الحِلْمِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ إذا كانَ خَفِيفَ النَّسْجِ، ورُمْحٌ سَفِيهٌ إذا أسْرَعَ نُفُوذُهُ. (p-١٩٧) وَفِي المُرادِ بِالسُّفَهاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اليَهُودُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ وحَكاهُ الزَّجّاجُ. ﴿ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ يَعْنِي ما صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، حَيْثُ كانَ يَسْتَقْبِلُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا في رِوايَةِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وفي رِوايَةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وفي رِوايَةِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ في صَلاةِ الظُّهْرِ وقَدْ صَلّى مِنها رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فانْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إلى الكَعْبَةِ، هَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: «كُنّا في صَلاةِ العَصْرِ بِقُباءَ، فَمَرَّ رَجُلٌ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم رُكُوعٌ في الثّانِيَةِ، فَقالَ: أشْهَدُ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ، وقِبَلُ كُلِّ شَيْءٍ: ما قابَلَ وجْهَهُ. » (p-١٩٨) واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في اسْتِقْبالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المَقْدِسِ، هَلْ كانَ بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، أوْ كانَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَسْتَقْبِلُها بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اخْتِيارِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتارَ بَيْتَ المَقْدِسِ لِيَتَألَّفَ أهْلَ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. والثّانِي: لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحُجُّ البَيْتَ غَيْرَ آلِفَةٍ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يَمْتَحِنَهم بِغَيْرِ ما ألِفُوهُ، لِيَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ، فَلَمّا اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَعْبَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أتى رِفاعَةُ بْنُ قَيْسٍ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ والرَّبِيعُ وكِنانَةُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما ولّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وأنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟ ارْجِعْ إلى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ. وَإنَّما يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾» يَعْنِي حَيْثُما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِقْبالِهِ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ. والصِّراطُ: الطَّرِيقُ: والمُسْتَقِيمُ: المُسْتَوِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي خِيارًا، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ وسَطُ الحَسَبِ في قَوْمِهِ، إذا أرادُوا بِذَلِكَ الرَّفِيعَ في حَسَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: (p-١٩٩) ؎ هم وسَطٌ يَرْضى الإلَهُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعَظَّمِ والثّانِي: أنَّ الوَسَطَ مِنَ التَّوَسُّطِ في الأُمُورِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ تَوَسَّطُوا في الدِّينِ، فَلا هم أهْلُ غُلُوٍّ فِيهِ، ولا هم أهْلُ تَقْصِيرٍ فِيهِ، كاليَهُودِ الَّذِينَ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ وقَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم وسَطٌ، لِأنَّ أحَبَّ الأُمُورِ إلَيْهِ أوْسَطُها. والثّالِثُ: يُرِيدُ بِالوَسَطِ: عَدْلًا، لِأنَّ العَدْلَ وسَطٌ بَيْنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ أيْ عَدْلًا. » ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِتَشْهَدُوا عَلى أهْلِ الكِتابِ، بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ. والثّانِي: لِتَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِتَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ تَقُولُ لَهُمْ: كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْنا ولَمْ تُشاهِدُونا، فَيَقُولُونَ: أعْلَمَنا نَبِيُّ اللَّهِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ أيْ لِتَكُونُوا مُحْتَجِّينَ عَلى الأُمَمِ كُلِّها، فَعَبَّرَ عَنِ الِاحْتِجاجِ بِالشَّهادَةِ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الزَّجّاجُ. (p-٢٠٠) ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ أنْ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا لَهم بِإيمانِهِمْ، وتَكُونُ (عَلَيْهِمْ) بِمَعْنى (لَهُمْ). والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ أيْ مُحْتَجًّا. ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَكَيْفَ جُعِلَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ طَرِيقًا إلى عِلْمِهِ؟ قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا لِيَعْلَمَ رَسُولِي، وحِزْبِي، وأوْلِيائِي; لِأنَّ مِن شَأْنِ العَرَبِ إضافَةُ ما فَعَلَهُ أتْباعُ الرَّئِيسِ إلَيْهِ، كَما قالُوا: فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سَوادَ العِراقِ وجَبى خَراجَها. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ بِمَعْنى: إلّا لِنَرى، والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ العِلْمَ مَكانَ الرُّؤْيَةِ، والرُّؤْيَةَ مَكانَ العِلْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفِيلِ: ١] يَعْنِي: ألَمْ تَعْلَمْ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ بِمَعْنى إلّا لِتَعْلَمُوا أنَّنا نَعْلَمُ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في شَكٍّ مِن عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها. والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ بِمَعْنى إلّا لِنُمَيِّزَ أهْلَ اليَقِينِ مِن أهْلِ الشَّكِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ بِمَعْنى فِيما أمَرَ بِهِ مِنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ بِمَعْنى: مِمَّنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، لِأنَّ المُرْتَدَّ راجِعٌ مُنْقَلِبٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، فَشَبَّهَهُ بِالمُنْقَلِبِ عَلى عَقِبِهِ، لِأنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتِ ارْتَدَّ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْمٌ، ونافَقَ قَوْمٌ، وقالَتِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اشْتاقَ إلى بَلَدِ أبِيهِ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ أنَّنا عَلى هُدًى وسَيُتابِعُنا. (p-٢٠١) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وإنَّ التَّوْلِيَةَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ والتَّحْوِيلَ إلَيْها لَكَبِيرَةٌ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: إنَّ الكَبِيرَةَ هي القِبْلَةُ بِعَيْنِها الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَّجَهُ إلَيْها مِن بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ. والثّالِثُ: أنَّ الكَبِيرَةَ هي الصَّلاةُ، الَّتِي كانُوا صَلَّوْها إلى القِبْلَةِ الأُولى، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ يَعْنِي صَلاتَكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَسَمّى الصَّلاةَ إيمانًا لِاشْتِمالِها عَلى نِيَّةٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا حُوِّلُوا عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ مَن ماتَ مِن إخْوانِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾» فَإنْ قِيلَ: هم سَألُوهُ عَنْ صَلاةِ غَيْرِهِمْ، فَأجابَهم بِحالِ صَلاتِهِمْ؟ قِيلَ: لِأنَّ القَوْمَ أشْفَقُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مُحْبَطَةً لِمَن ماتَ ومَن بَقِيَ، فَأجابَهم بِما دَلَّ عَلى الأمْرَيْنِ، عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى قَوْمٌ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ تَضِيعُ صَلاتُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرَّأْفَةُ: أشَدُّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وقالَ أبُو عُمَرَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْثَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ.

البقرة 2:143

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ السُّفَهاءُ: واحِدُهُ سَفِيهٌ، والسَّفِيهُ: الخَفِيفُ الحِلْمِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ إذا كانَ خَفِيفَ النَّسْجِ، ورُمْحٌ سَفِيهٌ إذا أسْرَعَ نُفُوذُهُ. (p-١٩٧) وَفِي المُرادِ بِالسُّفَهاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اليَهُودُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ وحَكاهُ الزَّجّاجُ. ﴿ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ يَعْنِي ما صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، حَيْثُ كانَ يَسْتَقْبِلُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا في رِوايَةِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وفي رِوايَةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وفي رِوايَةِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ في صَلاةِ الظُّهْرِ وقَدْ صَلّى مِنها رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فانْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إلى الكَعْبَةِ، هَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: «كُنّا في صَلاةِ العَصْرِ بِقُباءَ، فَمَرَّ رَجُلٌ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم رُكُوعٌ في الثّانِيَةِ، فَقالَ: أشْهَدُ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ، وقِبَلُ كُلِّ شَيْءٍ: ما قابَلَ وجْهَهُ. » (p-١٩٨) واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في اسْتِقْبالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المَقْدِسِ، هَلْ كانَ بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، أوْ كانَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَسْتَقْبِلُها بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اخْتِيارِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتارَ بَيْتَ المَقْدِسِ لِيَتَألَّفَ أهْلَ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. والثّانِي: لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحُجُّ البَيْتَ غَيْرَ آلِفَةٍ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يَمْتَحِنَهم بِغَيْرِ ما ألِفُوهُ، لِيَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ، فَلَمّا اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَعْبَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أتى رِفاعَةُ بْنُ قَيْسٍ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ والرَّبِيعُ وكِنانَةُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما ولّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وأنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟ ارْجِعْ إلى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ. وَإنَّما يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾» يَعْنِي حَيْثُما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِقْبالِهِ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ. والصِّراطُ: الطَّرِيقُ: والمُسْتَقِيمُ: المُسْتَوِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي خِيارًا، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ وسَطُ الحَسَبِ في قَوْمِهِ، إذا أرادُوا بِذَلِكَ الرَّفِيعَ في حَسَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: (p-١٩٩) ؎ هم وسَطٌ يَرْضى الإلَهُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعَظَّمِ والثّانِي: أنَّ الوَسَطَ مِنَ التَّوَسُّطِ في الأُمُورِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ تَوَسَّطُوا في الدِّينِ، فَلا هم أهْلُ غُلُوٍّ فِيهِ، ولا هم أهْلُ تَقْصِيرٍ فِيهِ، كاليَهُودِ الَّذِينَ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ وقَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم وسَطٌ، لِأنَّ أحَبَّ الأُمُورِ إلَيْهِ أوْسَطُها. والثّالِثُ: يُرِيدُ بِالوَسَطِ: عَدْلًا، لِأنَّ العَدْلَ وسَطٌ بَيْنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ أيْ عَدْلًا. » ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِتَشْهَدُوا عَلى أهْلِ الكِتابِ، بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ. والثّانِي: لِتَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِتَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ تَقُولُ لَهُمْ: كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْنا ولَمْ تُشاهِدُونا، فَيَقُولُونَ: أعْلَمَنا نَبِيُّ اللَّهِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ أيْ لِتَكُونُوا مُحْتَجِّينَ عَلى الأُمَمِ كُلِّها، فَعَبَّرَ عَنِ الِاحْتِجاجِ بِالشَّهادَةِ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الزَّجّاجُ. (p-٢٠٠) ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ أنْ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا لَهم بِإيمانِهِمْ، وتَكُونُ (عَلَيْهِمْ) بِمَعْنى (لَهُمْ). والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ أيْ مُحْتَجًّا. ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَكَيْفَ جُعِلَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ طَرِيقًا إلى عِلْمِهِ؟ قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا لِيَعْلَمَ رَسُولِي، وحِزْبِي، وأوْلِيائِي; لِأنَّ مِن شَأْنِ العَرَبِ إضافَةُ ما فَعَلَهُ أتْباعُ الرَّئِيسِ إلَيْهِ، كَما قالُوا: فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سَوادَ العِراقِ وجَبى خَراجَها. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ بِمَعْنى: إلّا لِنَرى، والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ العِلْمَ مَكانَ الرُّؤْيَةِ، والرُّؤْيَةَ مَكانَ العِلْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفِيلِ: ١] يَعْنِي: ألَمْ تَعْلَمْ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ بِمَعْنى إلّا لِتَعْلَمُوا أنَّنا نَعْلَمُ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في شَكٍّ مِن عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها. والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ بِمَعْنى إلّا لِنُمَيِّزَ أهْلَ اليَقِينِ مِن أهْلِ الشَّكِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ بِمَعْنى فِيما أمَرَ بِهِ مِنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ بِمَعْنى: مِمَّنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، لِأنَّ المُرْتَدَّ راجِعٌ مُنْقَلِبٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، فَشَبَّهَهُ بِالمُنْقَلِبِ عَلى عَقِبِهِ، لِأنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتِ ارْتَدَّ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْمٌ، ونافَقَ قَوْمٌ، وقالَتِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اشْتاقَ إلى بَلَدِ أبِيهِ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ أنَّنا عَلى هُدًى وسَيُتابِعُنا. (p-٢٠١) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وإنَّ التَّوْلِيَةَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ والتَّحْوِيلَ إلَيْها لَكَبِيرَةٌ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: إنَّ الكَبِيرَةَ هي القِبْلَةُ بِعَيْنِها الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَّجَهُ إلَيْها مِن بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ. والثّالِثُ: أنَّ الكَبِيرَةَ هي الصَّلاةُ، الَّتِي كانُوا صَلَّوْها إلى القِبْلَةِ الأُولى، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ يَعْنِي صَلاتَكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَسَمّى الصَّلاةَ إيمانًا لِاشْتِمالِها عَلى نِيَّةٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا حُوِّلُوا عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ مَن ماتَ مِن إخْوانِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾» فَإنْ قِيلَ: هم سَألُوهُ عَنْ صَلاةِ غَيْرِهِمْ، فَأجابَهم بِحالِ صَلاتِهِمْ؟ قِيلَ: لِأنَّ القَوْمَ أشْفَقُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مُحْبَطَةً لِمَن ماتَ ومَن بَقِيَ، فَأجابَهم بِما دَلَّ عَلى الأمْرَيْنِ، عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى قَوْمٌ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ تَضِيعُ صَلاتُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرَّأْفَةُ: أشَدُّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وقالَ أبُو عُمَرَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْثَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ.

البقرة 2:144

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: تَحَوُّلُ وجْهِكَ نَحْوَ السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ. والثّانِي: مَعْناهُ: تَقَلُّبُ عَيْنَيْكَ في النَّظَرِ إلى السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ يَعْنِي الكَعْبَةَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْضاها ويَخْتارُها ويَسْألُ [رَبَّهُ] أنْ يُحَوَّلَ إلَيْها. واخْتُلِفَ في سَبَبِ اخْتِيارِهِ لِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُخالَفَةُ اليَهُودِ وكَراهَةً لِمُوافَقَتِهِمْ، لِأنَّهم قالُوا: تَتَّبِعُ قِبْلَتَنا وتُخالِفُنا في دِينِنا؟ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ اخْتارَها، لِأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: أكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ راضٍ بِبَيْتِ المَقْدِسِ أنْ يَكُونَ لَهُ قِبْلَةً، حَتّى قالَ تَعالى لَهُ في الكَعْبَةِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ ؟ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ غَيْرَ راضٍ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الرِّضا بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّ مَعْنى تَرْضاها: أيْ تُحِبُّها وتَهْواها، وإنَّما أحَبَّها مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ، لِما فِيها مِن تَآلُفِ قَوْمِهِ وإسْراعِهِمْ إلى إجابَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تَرْضاها﴾ مَحْمُولًا عَلى الحَقِيقَةِ بِمَعْنى: تَرْضى ما يَحْدُثُ عَنْها مِنَ التَّأْلِيفِ، وسُرْعَةِ الإجابَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى مُجِيبًا لِرَغْبَتِهِ وآمِرًا بِطَلِبَتِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ حَوِّلْ وجْهَكَ في الصَّلاةِ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ أيْ: نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما قالَ الهُذَلِيُّ: (p-٢٠٣) ؎ إنَّ العَسِيرَ بِها داءٌ يُخامِرُها فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ أيْ نَحْوَها، والشَّطْرُ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: شَطَرَ إلى كَذا إذا أقْبَلَ نَحْوَهُ، وشَطَرَ عَنْ كَذا إذا بَعُدَ مِنهُ وأعْرَضَ عَنْهُ، وشَطْرُ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، فَأمّا الشّاطِرُ مِنَ الرِّجالِ فَلِأنَّهُ قَدْ أخَذَ في نَحْوٍ غَيْرِ الِاسْتِواءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي بِهِ الكَعْبَةَ، لِأنَّها فِيهِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المَكانِ الَّذِي أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ إلَيْهِ: فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قالَ: حِيالَ مِيزابِ الكَعْبَةِ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: البَيْتُ كُلُّهُ، وقِبْلَةُ البَيْتِ البابُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ يَعْنِي نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ أيْضًا تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ الأوَّلِ لِأنَّ عُمُومَهُ يَقْتَضِيهِ، لَكِنْ أرادَ بِالتَّأْكِيدِ احْتِمالَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ جَعَلَ الأمْرَ الأوَّلَ مُواجَهًا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، والثّانِيَ مُواجَهًا بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَكِلا الأمْرَيْنِ عامٌّ في النَّبِيِّ ﷺ وجَمِيعِ أُمَّتِهِ، لَكِنْ غايَرَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِيَمْنَعَ مِن تَغْيِيرِ الأمْرِ في المَأْمُورِ بِهِ، ولِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جارِيًا عَلى عُمُومِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى. ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الخَوْضِ في إفْتانِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِذَلِكَ.

البقرة 2:145

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ يَعْنِي اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ. ﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يَعْنِي اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ، بَعْدَ أنْ حُوِّلَتْ قِبْلَتُكَ إلى الكَعْبَةِ. ﴿وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَعْنِي أنَّ اليَهُودَ لا تَتْبَعُ النَّصارى في القِبْلَةِ، فَهم فِيها مُخْتَلِفُونَ، وإنْ كانُوا عَلى مُعانَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّفِقِينَ. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ يَعْنِي في القِبْلَةِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَعْنِي في تَحْوِيلِها عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ. ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ النَّبِيُّ ما يَصِيرُ بِهِ ظالِمًا. وَفي هَذا الخِطابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنِ النَّبِيِّ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ بَيانَ حُكْمِها لَوْ كانَتْ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ.

البقرة 2:146

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى، أُوتُوا التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُونَ أنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ حَقٌّ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم. والثّانِي: يَعْرِفُونَ الرَّسُولَ وصِدْقَ رِسالَتِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم. ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي عُلَماءَهم وخَواصَّهم. (p-٢٠٥) ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَقَّ هو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ. والثّانِي: أنَّ الحَقَّ مُحَمَّدٌ ﷺ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ مَتْبُوعٌ. والثّانِي: يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ المُسْتَحَقِّ. ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ، لا ما أخْبَرَتْكَ بِهِ شُهُودٌ مِن قِبْلَتِهِمْ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيْ مِنَ الشّاكِّينَ يُقالُ: امْتَرى فُلانٌ في كَذا إذا اعْتَرَضَهُ اليَقِينُ مَرَّةً، والشَّكُّ أُخْرى، فَدافَعَ أحَدَهُما بِالآخَرِ. فَإنْ قِيلَ: أفَكانَ شاكًّا حِينَ نَهى عَنْهُ؟ قِيلَ: هَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فالمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِهِ.

البقرة 2:147

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى، أُوتُوا التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُونَ أنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ حَقٌّ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم. والثّانِي: يَعْرِفُونَ الرَّسُولَ وصِدْقَ رِسالَتِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم. ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي عُلَماءَهم وخَواصَّهم. (p-٢٠٥) ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَقَّ هو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ. والثّانِي: أنَّ الحَقَّ مُحَمَّدٌ ﷺ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ مَتْبُوعٌ. والثّانِي: يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ المُسْتَحَقِّ. ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ، لا ما أخْبَرَتْكَ بِهِ شُهُودٌ مِن قِبْلَتِهِمْ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيْ مِنَ الشّاكِّينَ يُقالُ: امْتَرى فُلانٌ في كَذا إذا اعْتَرَضَهُ اليَقِينُ مَرَّةً، والشَّكُّ أُخْرى، فَدافَعَ أحَدَهُما بِالآخَرِ. فَإنْ قِيلَ: أفَكانَ شاكًّا حِينَ نَهى عَنْهُ؟ قِيلَ: هَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فالمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِهِ.

البقرة 2:148

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ يَعْنِي ولِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ مِن سائِرِ المِلَلِ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قِبْلَةٌ يَسْتَقْبِلُونَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: يَعْنِي صَلاةً يُصَلُّونَها، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ كُلِّ وِجْهَةٍ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَها ويَسْتَقْبِلُونَها. والثّانِي: أنَّ أهْلَ كُلِّ وِجْهَةٍ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُوَلِّيهِمْ إلَيْها ويَأْمُرُهم (p-٢٠٦) بِاسْتِقْبالِها، وقَدْ قُرِئَ هو مَوْلاها وهَذا حَسَنٌ يَدُلُّ عَلى الثّانِي مِنَ القَوْلَيْنِ. ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَسارِعُوا إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: مَعْناهُ: لا تُغْلَبُوا عَلى قِبْلَتِكم بِما تَقُولُ اليَهُودُ مِن أنَّكم إذا اتَّبَعْتُمْ قِبْلَتَهُمُ اتَّبَعُوكُمْ، وهَذا قَوْلُقَتادَةَ. ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي عَلى إعادَتِكم إلَيْهِ أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ والبِلى.

البقرة 2:149

ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ أمْرَهُ في اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، لِما جَرى مِن خَوْضِ المُشْرِكِينَ ومُساعَدَةِ المُنافِقِينَ، بِإعادَتِهِ فَقالَ: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَبْيِينًا لِنَبِيِّهِ وصَرْفًا لَهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ اليَهُودِ: أنَّهم يَتْبَعُونَهُ إنْ عادَ. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهم في الخَيْرِ. (p-٢٠٧) والثّانِي: تَحْذِيرًا مِنَ المُخالَفَةِ. ثُمَّ أعادَ اللَّهُ تَعالى تَأْكِيدَ أمْرِهِ، لِيَخْرُجَ مِن قُلُوبِهِمْ ما اسْتَعْظَمُوهُ مِن تَحْوِيلِهِمْ إلى غَيْرِ ما ألِفُوهُ، فَقالَ: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ فَأفادَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ مَعَ اسْتِوائِها في التِزامِ الحُكْمِ فائِدَةً مُسْتَجَدَّةً: أمّا الأمْرُ الأوَّلُ فَمُفِيدٌ لِنَسْخِ غَيْرِهِ، وأمّا الأمْرُ الثّانِي فَمُفِيدٌ لِأجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أنَّهُ لا يَتَعَقَّبُهُ نَسْخٌ. وَأمّا الأمْرُ الثّالِثُ فَمُفِيدٌ أنْ لا حُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ أنَّ لَهم عَلَيْكم حُجَّةً. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى، ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَدْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْكم بِأباطِيلِ الحُجَجِ، وقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الحُجَّةِ عَلى ما بَطَلَ مِنها، لِإقامَتِها في التَّعَلُّقِ بِها مَقامَ الصَّحِيحِ حَتّى يَظْهَرَ فَسادُها لِمَن عَلِمَ، مَعَ خَفائِها عَلى مَن جَهِلَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَسَمّاها حُجَّةً، وجَعَلَها عِنْدَ اللَّهِ داحِضَةً. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ بَعْدَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَتَكُونُ (إلّا) بِمَعْنى (بَعْدَ) كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النِّساءِ: ٢٢] أيْ بَعْدَما قَدْ سَلَفَ. وَكَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدُّخانِ: ٥٦] أيْ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى. وَأرادَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا قُرَيْشًا واليَهُودَ، لِقَوْلِ قُرَيْشٍ حِينَ اسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ: قَدْ عَلِمَ أنَّنا عَلى هُدًى، ولِقَوْلِ اليَهُودِ: إنْ رَجَعَ عَنْها تابَعْناهُ. ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ في المُخالَفَةِ ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما هَدَيْناكم إلَيْهِ مِنَ القِبْلَةِ. والثّانِي: ما أعْدَدْتُهُ لَكم مِن ثَوابِ الطّاعَةِ.(p-٢٠٨)

البقرة 2:150

ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ أمْرَهُ في اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، لِما جَرى مِن خَوْضِ المُشْرِكِينَ ومُساعَدَةِ المُنافِقِينَ، بِإعادَتِهِ فَقالَ: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَبْيِينًا لِنَبِيِّهِ وصَرْفًا لَهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ اليَهُودِ: أنَّهم يَتْبَعُونَهُ إنْ عادَ. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهم في الخَيْرِ. (p-٢٠٧) والثّانِي: تَحْذِيرًا مِنَ المُخالَفَةِ. ثُمَّ أعادَ اللَّهُ تَعالى تَأْكِيدَ أمْرِهِ، لِيَخْرُجَ مِن قُلُوبِهِمْ ما اسْتَعْظَمُوهُ مِن تَحْوِيلِهِمْ إلى غَيْرِ ما ألِفُوهُ، فَقالَ: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ فَأفادَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ مَعَ اسْتِوائِها في التِزامِ الحُكْمِ فائِدَةً مُسْتَجَدَّةً: أمّا الأمْرُ الأوَّلُ فَمُفِيدٌ لِنَسْخِ غَيْرِهِ، وأمّا الأمْرُ الثّانِي فَمُفِيدٌ لِأجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أنَّهُ لا يَتَعَقَّبُهُ نَسْخٌ. وَأمّا الأمْرُ الثّالِثُ فَمُفِيدٌ أنْ لا حُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ أنَّ لَهم عَلَيْكم حُجَّةً. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى، ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَدْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْكم بِأباطِيلِ الحُجَجِ، وقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الحُجَّةِ عَلى ما بَطَلَ مِنها، لِإقامَتِها في التَّعَلُّقِ بِها مَقامَ الصَّحِيحِ حَتّى يَظْهَرَ فَسادُها لِمَن عَلِمَ، مَعَ خَفائِها عَلى مَن جَهِلَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَسَمّاها حُجَّةً، وجَعَلَها عِنْدَ اللَّهِ داحِضَةً. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ بَعْدَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَتَكُونُ (إلّا) بِمَعْنى (بَعْدَ) كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النِّساءِ: ٢٢] أيْ بَعْدَما قَدْ سَلَفَ. وَكَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدُّخانِ: ٥٦] أيْ بَعْدَ المَوْتَةِ الأُولى. وَأرادَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا قُرَيْشًا واليَهُودَ، لِقَوْلِ قُرَيْشٍ حِينَ اسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ: قَدْ عَلِمَ أنَّنا عَلى هُدًى، ولِقَوْلِ اليَهُودِ: إنْ رَجَعَ عَنْها تابَعْناهُ. ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ في المُخالَفَةِ ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما هَدَيْناكم إلَيْهِ مِنَ القِبْلَةِ. والثّانِي: ما أعْدَدْتُهُ لَكم مِن ثَوابِ الطّاعَةِ.(p-٢٠٨)

البقرة 2:151

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ العَرَبِ ﴿رَسُولا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ. والثّانِي: أنْ يَأْمُرَكم بِما تَصِيرُونَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ أزْكِياءَ. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ. والثّانِي: الإخْبارُ بِما في الكُتُبِ السّالِفَةِ مِن أخْبارِ القُرُونِ الخالِيَةِ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: السُّنَّةُ. والثّانِي: مَواعِظُ القُرْآنِ. ﴿وَيُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي مِن أحْكامِ الدِّينِ وأُمُورِ الدُّنْيا. ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: اذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ أذْكُرْكم بِالنِّعْمَةِ. والثّانِي: اذْكُرُونِي بِالقَبُولِ أذْكُرْكم بِالجَزاءِ.

البقرة 2:152

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ العَرَبِ ﴿رَسُولا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ. والثّانِي: أنْ يَأْمُرَكم بِما تَصِيرُونَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ أزْكِياءَ. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ. والثّانِي: الإخْبارُ بِما في الكُتُبِ السّالِفَةِ مِن أخْبارِ القُرُونِ الخالِيَةِ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: السُّنَّةُ. والثّانِي: مَواعِظُ القُرْآنِ. ﴿وَيُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي مِن أحْكامِ الدِّينِ وأُمُورِ الدُّنْيا. ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: اذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ أذْكُرْكم بِالنِّعْمَةِ. والثّانِي: اذْكُرُونِي بِالقَبُولِ أذْكُرْكم بِالجَزاءِ.

البقرة 2:153

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أمّا الصَّبْرُ هَهُنا فَفِيهِ قَوْلانِ: (p-٢٠٩) أحَدُهُما: الثَّباتُ عَلى أوامِرَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: الصِّيامُ المَقْصُودُ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى. وَأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الِاسْتِعانَةُ بِثَوابِها. والثّانِي: الِاسْتِعانَةُ بِما يُتْلى في الصَّلاةِ لِيُعْرَفَ بِهِ فَضْلُ الطّاعَةِ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِقَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ: ماتَ فُلانٌ، وماتَ فُلانٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسُوا أمْواتًا وإنْ كانَتْ أجْسامُهم أجْسامَ المَوْتى بَلْ هم عِنْدَ اللَّهِ أحْياءُ النُّفُوسِ مُنَعَّمُو الأجْسامِ. والثّانِي: أنَّهم لَيْسُوا بِالضَّلالِ أمْواتًا بَلْ هم بِالطّاعَةِ والهُدى أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] فَجَعَلَ الضّالَّ مَيِّتًا، والمُهْتَدِيَ حَيًّا. وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّهم لَيْسُوا أمْواتًا بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ عِنْدَ اللَّهِ وثُبُوتِ الأجْرِ.

البقرة 2:154

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أمّا الصَّبْرُ هَهُنا فَفِيهِ قَوْلانِ: (p-٢٠٩) أحَدُهُما: الثَّباتُ عَلى أوامِرَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: الصِّيامُ المَقْصُودُ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى. وَأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الِاسْتِعانَةُ بِثَوابِها. والثّانِي: الِاسْتِعانَةُ بِما يُتْلى في الصَّلاةِ لِيُعْرَفَ بِهِ فَضْلُ الطّاعَةِ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِقَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ: ماتَ فُلانٌ، وماتَ فُلانٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسُوا أمْواتًا وإنْ كانَتْ أجْسامُهم أجْسامَ المَوْتى بَلْ هم عِنْدَ اللَّهِ أحْياءُ النُّفُوسِ مُنَعَّمُو الأجْسامِ. والثّانِي: أنَّهم لَيْسُوا بِالضَّلالِ أمْواتًا بَلْ هم بِالطّاعَةِ والهُدى أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] فَجَعَلَ الضّالَّ مَيِّتًا، والمُهْتَدِيَ حَيًّا. وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّهم لَيْسُوا أمْواتًا بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ عِنْدَ اللَّهِ وثُبُوتِ الأجْرِ.

البقرة 2:155

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، لِما تَقَدَّمَ مِن دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَجْعَلَها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ حِينَ قَحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُجِيبًا لِدُعاءِ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ الخَوْفُ يَعْنِي الفَزَعَ في القِتالِ، والجُوعُ يَعْنِي المَجاعَةَ بِالجَدْبِ. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: (p-٢١٠) أحَدُهُما: نَقْصُها بِالجَوائِحِ المُتْلِفَةِ. والثّانِي: زِيادَةُ النَّفَقَةِ في الجَدْبِ. ﴿والأنْفُسِ﴾ يَعْنِي ونَقْصَ الأنْفُسِ بِالقَتْلِ والمَوْتِ. ﴿والثَّمَراتِ﴾ قِلَّةُ النَّباتِ وارْتِفاعُ البَرَكاتِ. ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ. والثّانِي: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ. والثّالِثُ: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، وهو أشْبَهُ لِقَوْلِهِ مِن بَعْدُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في نَفْسٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ قالُوا: إنّا لِلَّهِ: أيْ نُفُوسُنا وأهْلُونا وأمْوالُنا لِلَّهِ، لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ في ثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. ثُمَّ قالَ تَعالى في هَؤُلاءِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ الصَّلاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكُ المَعْنى فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، ومِنَ النّاسِ الدُّعاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقالَ الشّاعِرُ: ؎ صَلّى عَلى يَحْيى وأشْياعِهِ رَبٌّ كَرِيمٌ وشَفِيعٌ مُطاعُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ رَحْمَةٌ، وذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّ بَعْضَها يَتْلُو بَعْضًا. ثُمَّ قالَ: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ فَأعادَها مَعَ اخْتِلافِها لِلَّفْظَيْنِ لِأنَّهُ أوْكَدُ وأبْلَغُ كَما قالَ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: المُهْتَدُونَ إلى تَسْهِيلِ المَصائِبِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. والثّانِي: المُهْتَدُونَ إلى اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ.(p-٢١١)

البقرة 2:156

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، لِما تَقَدَّمَ مِن دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَجْعَلَها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ حِينَ قَحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُجِيبًا لِدُعاءِ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ الخَوْفُ يَعْنِي الفَزَعَ في القِتالِ، والجُوعُ يَعْنِي المَجاعَةَ بِالجَدْبِ. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: (p-٢١٠) أحَدُهُما: نَقْصُها بِالجَوائِحِ المُتْلِفَةِ. والثّانِي: زِيادَةُ النَّفَقَةِ في الجَدْبِ. ﴿والأنْفُسِ﴾ يَعْنِي ونَقْصَ الأنْفُسِ بِالقَتْلِ والمَوْتِ. ﴿والثَّمَراتِ﴾ قِلَّةُ النَّباتِ وارْتِفاعُ البَرَكاتِ. ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ. والثّانِي: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ. والثّالِثُ: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، وهو أشْبَهُ لِقَوْلِهِ مِن بَعْدُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في نَفْسٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ قالُوا: إنّا لِلَّهِ: أيْ نُفُوسُنا وأهْلُونا وأمْوالُنا لِلَّهِ، لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ في ثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. ثُمَّ قالَ تَعالى في هَؤُلاءِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ الصَّلاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكُ المَعْنى فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، ومِنَ النّاسِ الدُّعاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقالَ الشّاعِرُ: ؎ صَلّى عَلى يَحْيى وأشْياعِهِ رَبٌّ كَرِيمٌ وشَفِيعٌ مُطاعُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ رَحْمَةٌ، وذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّ بَعْضَها يَتْلُو بَعْضًا. ثُمَّ قالَ: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ فَأعادَها مَعَ اخْتِلافِها لِلَّفْظَيْنِ لِأنَّهُ أوْكَدُ وأبْلَغُ كَما قالَ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: المُهْتَدُونَ إلى تَسْهِيلِ المَصائِبِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. والثّانِي: المُهْتَدُونَ إلى اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ.(p-٢١١)

البقرة 2:157

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، لِما تَقَدَّمَ مِن دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَجْعَلَها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ حِينَ قَحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُجِيبًا لِدُعاءِ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ الخَوْفُ يَعْنِي الفَزَعَ في القِتالِ، والجُوعُ يَعْنِي المَجاعَةَ بِالجَدْبِ. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: (p-٢١٠) أحَدُهُما: نَقْصُها بِالجَوائِحِ المُتْلِفَةِ. والثّانِي: زِيادَةُ النَّفَقَةِ في الجَدْبِ. ﴿والأنْفُسِ﴾ يَعْنِي ونَقْصَ الأنْفُسِ بِالقَتْلِ والمَوْتِ. ﴿والثَّمَراتِ﴾ قِلَّةُ النَّباتِ وارْتِفاعُ البَرَكاتِ. ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ. والثّانِي: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ. والثّالِثُ: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، وهو أشْبَهُ لِقَوْلِهِ مِن بَعْدُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي: إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في نَفْسٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ قالُوا: إنّا لِلَّهِ: أيْ نُفُوسُنا وأهْلُونا وأمْوالُنا لِلَّهِ، لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ في ثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ. ثُمَّ قالَ تَعالى في هَؤُلاءِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ الصَّلاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكُ المَعْنى فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، ومِنَ النّاسِ الدُّعاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقالَ الشّاعِرُ: ؎ صَلّى عَلى يَحْيى وأشْياعِهِ رَبٌّ كَرِيمٌ وشَفِيعٌ مُطاعُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ رَحْمَةٌ، وذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّ بَعْضَها يَتْلُو بَعْضًا. ثُمَّ قالَ: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ فَأعادَها مَعَ اخْتِلافِها لِلَّفْظَيْنِ لِأنَّهُ أوْكَدُ وأبْلَغُ كَما قالَ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: المُهْتَدُونَ إلى تَسْهِيلِ المَصائِبِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ. والثّانِي: المُهْتَدُونَ إلى اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ.(p-٢١١)

البقرة 2:158

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أمّا الصَّفا والمَرْوَةَ فَهُما مُبْتَدَأُ السَّعْيِ ومُنْتَهاهُ. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّفا: الحِجارَةُ البِيضُ، والمَرْوَةُ الحِجارَةُ السُّودُ. واشْتِقاقُ الصَّفا مِن قَوْلِهِمْ: صَفا يَصْفُو إذا خَلُصَ، وهو جَمْعٌ واحِدُهُ صَفاةٌ. والثّانِي: أنَّ الصَّفا: الحِجارَةُ الصُّلْبَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والمَرْوَةَ الحِجارَةُ الرَّخْوَةُ، وهَذا أظْهَرُ القَوْلَيْنِ في اللُّغَةِ. يَدُلُّ عَلى الصَّفا قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: ؎ أبَتْ لِي قُوَّتِي والطُّولُ ألّا يُؤَيِّسَ حافِرًا أبَدًا صَفاتِي وَيَدُلُّ عَلى المَرْوَةِ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎ ويُوَلِّي الأرْضَ خُفًّا ذابِلًا ∗∗∗ فَإذا ما صادَفَ المَرْوَ رَضَخْ وَحُكِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: نَزَلَ آدَمُ عَلى الصَّفا، وحَوّاءُ عَلى المَرْوَةِ، فَسُمِّيَ الصَّفّا باسْمِ آدَمَ المُصْطَفى وسُمِّيَتِ المَرْوَةُ بِاسْمِ المَرْأةِ. وَقِيلَ: إنَّ اسْمَ الصَّفا ذُكِّرَ بِإسافٍ وهو صَنَمٌ كانَ عَلَيْهِ مُذَكَّرَ الِاسْمِ، وأُنِّثَتِ المَرْوَةُ بِنائِلَةَ وهو صَنَمٌ كانَ عَلَيْهِ مُؤَنَّثَ الِاسْمِ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مَعالِمِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها لِعِبادِهِ مَعْلَمًا، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎ نُقَتِّلُهم جِيلًا فَجِيلًا تَراهُمُ ∗∗∗ شَعائِرَ قُرْبانٍ بِها يُتَقَرَّبُ (p-٢١٢) والثّانِي: إنَّ الشَّعائِرَ جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهو الخَبَرُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهي مِن إشْعارِ اللَّهِ عِبادَهُ أمْرَ الصَّفا والمَرْوَةِ وما عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّوافِ بِهِما، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾ أمّا الحَجُّ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَصْدُ، سُمِّيَ بِهِ النُّسُكُ لِأنَّ البَيْتَ مَقْصُودٌ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ وأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَحُجُّونَ أيْ يُكْثِرُونَ التَّرَدُّدَ إلَيْهِ لِسُؤْدَدِهِ ورِياسَتِهِ، فَسُمِّيَ الحَجُّ حَجًّا لِأنَّ الحاجَّ يَأْتِي قِبَلَ البَيْتِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ لِطَوافِ الإفاضَةِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلى مِنًى ويَعُودُ إلَيْهِ لِطَوافِ الصَّدْرِ، فَلِتَكَرُّرِ العَوْدِ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى قِيلَ لَهُ: حاجٌّ. وَأمّا العُمْرَةُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القَصْدُ أيْضًا، وكُلُّ قاصِدٍ لِشَيْءٍ فَهو مُعْتَمِرٌ، قالَ العَجّاجُ: ؎ لَقَدْ غَزا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ∗∗∗ مَغْزًى بَعِيدًا مِن بَعِيدٍ وصَبَرْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: حِينَ اعْتَمَرَ، أيْ حِينَ قَصَدَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الزِّيارَةُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ وجاشَتِ النَّفْسُ لَمّا جاءَ فَلُّهم ∗∗∗ وراكِبٌ جاءَ مِن (تَثْلِيثٍ) مُعْتَمِرا أيْ زائِرًا. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ ورَفْعُ الجُناحِ مِن أحْكامِ المَباحِثِ دُونَ الواجِباتِ. (p-٢١٣) فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ غَيْرُ واجِبٍ في الحَجِّ والعُمْرَةِ مَنسَكًا بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ ورَفْعُ الجُناحِ مِن أحْكامِ المُباحاتِ دُونَ الواجِباتِ. والثّانِي: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ وذَهَبَ الشّافِعِيُّ، ومالِكٌ، وفُقَهاءُ الحَرَمَيْنِ، إلى وُجُوبِ السَّعْيِ في النُّسُكَيْنِ تَمَسُّكًا بِفَحْوى الخِطابِ ونَصِّ السُّنَّةِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ﴾ دَلِيلٌ عَلى إباحَتِهِ دُونَ وُجُوبِهِ، لِخُرُوجِهِ عَلى سَبَبٍ، وهو أنَّ الصَّفا كانَ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ صَنَمٌ اسْمُهُ إسافٌ، وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ اسْمُهُ نائِلَةُ، فَكانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا سَعَتْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ طافُوا حَوْلَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِإسافٍ ونائِلَةَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأُلْغِيَتِ الأصْنامُ تَكَرَّهَ المُسْلِمُونَ أنْ يُوافِقُوا الجاهِلِيَّةَ في الطَّوافِ حَوْلَ الصَّفا والمَرْوَةِ، مُجانَبَةً لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ إسافٍ ونائِلَةَ، فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لَهم في الإسْلامِ لِاخْتِلافِ القَصْدِ فَقالَ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، فَلا حُجَّةَ فِيها عَلى سُقُوطِ فَرْضِ السَّعْيِ بَيْنَهُما لِأنَّ لا صِلَةَ في الكَلامِ إذا تَقَدَّمَها جَحْدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢] بِمَعْنى ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ، وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ ∗∗∗ والطَّيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ومَن تَطَوَّعَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وهَذا قَوْلُ مَن أسْقَطَ وُجُوبَ السَّعْيِ. والثّانِي: ومَن تَطَوَّعَ بِالزِّيادَةِ عَلى الواجِبِ، وهَذا قَوْلُ مَن أوْجَبَ السَّعْيَ. والثّالِثُ: ومَن تَطَوَّعَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ بَعْدَ أداءِ فَرْضِهِما. (p-٢١٤) ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: شاكِرٌ لِلْعَمَلِ عَلِيمٌ بِالقَصْدِ. والثّانِي: شاكِرٌ لِلْقَلِيلِ عَلِيمٌ بِالثَّوابِ.

البقرة 2:159

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ قِيلَ: هم رُؤَساءُ اليَهُودِ، كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوتِ، هُمُ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ. ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيِّناتِ هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والهُدى: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ. والثّانِي: أنَّ البَيِّناتِ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَأْكِيدٌ، وذَلِكَ ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، وهَذا قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ. (p-٢١٥) والثّانِي: اللّاعِنُونَ: الِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ مُسْتَحِقَّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ البَهائِمُ، إذا يَبِسَتِ الأرْضُ قالَتِ البَهائِمُ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والمَلائِكَةُ يَلْعَنُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ مِن كُفْرِهِمْ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ سَرائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ. والثّانِي: أصْلَحُوا قَوْمَهم بِإرْشادِهِمْ إلى الإسْلامِ. ( وبَيَّنُوا ) يَعْنِي ما في التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ والتَّوْبَةُ مِنَ العِبادِ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: قَبُولُها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ وإنَّما شَرَطَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ ويَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ العِبادِ: الطَّرْدُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى: العَذابُ. ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وتَأْوِيلُها: أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ وتَلْعَنَهُمُ المَلائِكَةُ ويَلْعَنَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَلْعَنُهم جَمِيعُ النّاسِ لِأنَّ قَوْمَهم لا يَلْعَنُونَهُمْ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَعْنَةُ جَمِيعِ النّاسِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْعَنُهم قَوْمُهم مَعَ جَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٥] . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: (p-٢١٦) أحَدُهُما: لا يُخَفَّفُ بِالتَّقْلِيلِ والِاسْتِراحَةِ. والثّانِي: لا يُخَفَّفُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِمالِ لَهُ. ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ولا يُمْهَلُونَ. والثّانِي: لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم.

البقرة 2:160

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ قِيلَ: هم رُؤَساءُ اليَهُودِ، كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوتِ، هُمُ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ. ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيِّناتِ هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والهُدى: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ. والثّانِي: أنَّ البَيِّناتِ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَأْكِيدٌ، وذَلِكَ ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، وهَذا قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ. (p-٢١٥) والثّانِي: اللّاعِنُونَ: الِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ مُسْتَحِقَّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ البَهائِمُ، إذا يَبِسَتِ الأرْضُ قالَتِ البَهائِمُ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والمَلائِكَةُ يَلْعَنُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ مِن كُفْرِهِمْ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ سَرائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ. والثّانِي: أصْلَحُوا قَوْمَهم بِإرْشادِهِمْ إلى الإسْلامِ. ( وبَيَّنُوا ) يَعْنِي ما في التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ والتَّوْبَةُ مِنَ العِبادِ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: قَبُولُها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ وإنَّما شَرَطَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ ويَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ العِبادِ: الطَّرْدُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى: العَذابُ. ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وتَأْوِيلُها: أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ وتَلْعَنَهُمُ المَلائِكَةُ ويَلْعَنَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَلْعَنُهم جَمِيعُ النّاسِ لِأنَّ قَوْمَهم لا يَلْعَنُونَهُمْ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَعْنَةُ جَمِيعِ النّاسِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْعَنُهم قَوْمُهم مَعَ جَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٥] . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: (p-٢١٦) أحَدُهُما: لا يُخَفَّفُ بِالتَّقْلِيلِ والِاسْتِراحَةِ. والثّانِي: لا يُخَفَّفُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِمالِ لَهُ. ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ولا يُمْهَلُونَ. والثّانِي: لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم.

البقرة 2:161

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ قِيلَ: هم رُؤَساءُ اليَهُودِ، كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوتِ، هُمُ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ. ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيِّناتِ هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والهُدى: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ. والثّانِي: أنَّ البَيِّناتِ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَأْكِيدٌ، وذَلِكَ ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، وهَذا قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ. (p-٢١٥) والثّانِي: اللّاعِنُونَ: الِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ مُسْتَحِقَّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ البَهائِمُ، إذا يَبِسَتِ الأرْضُ قالَتِ البَهائِمُ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والمَلائِكَةُ يَلْعَنُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ مِن كُفْرِهِمْ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ سَرائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ. والثّانِي: أصْلَحُوا قَوْمَهم بِإرْشادِهِمْ إلى الإسْلامِ. ( وبَيَّنُوا ) يَعْنِي ما في التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ والتَّوْبَةُ مِنَ العِبادِ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: قَبُولُها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ وإنَّما شَرَطَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ ويَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ العِبادِ: الطَّرْدُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى: العَذابُ. ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وتَأْوِيلُها: أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ وتَلْعَنَهُمُ المَلائِكَةُ ويَلْعَنَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَلْعَنُهم جَمِيعُ النّاسِ لِأنَّ قَوْمَهم لا يَلْعَنُونَهُمْ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَعْنَةُ جَمِيعِ النّاسِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْعَنُهم قَوْمُهم مَعَ جَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٥] . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: (p-٢١٦) أحَدُهُما: لا يُخَفَّفُ بِالتَّقْلِيلِ والِاسْتِراحَةِ. والثّانِي: لا يُخَفَّفُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِمالِ لَهُ. ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ولا يُمْهَلُونَ. والثّانِي: لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم.

البقرة 2:162

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ قِيلَ: هم رُؤَساءُ اليَهُودِ، كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوتِ، هُمُ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ. ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيِّناتِ هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والهُدى: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ. والثّانِي: أنَّ البَيِّناتِ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَأْكِيدٌ، وذَلِكَ ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ. ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، وهَذا قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ. (p-٢١٥) والثّانِي: اللّاعِنُونَ: الِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ مُسْتَحِقَّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ البَهائِمُ، إذا يَبِسَتِ الأرْضُ قالَتِ البَهائِمُ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والمَلائِكَةُ يَلْعَنُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ مِن كُفْرِهِمْ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ سَرائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ. والثّانِي: أصْلَحُوا قَوْمَهم بِإرْشادِهِمْ إلى الإسْلامِ. ( وبَيَّنُوا ) يَعْنِي ما في التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ والتَّوْبَةُ مِنَ العِبادِ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: قَبُولُها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ وإنَّما شَرَطَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ ويَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ العِبادِ: الطَّرْدُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى: العَذابُ. ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وتَأْوِيلُها: أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ وتَلْعَنَهُمُ المَلائِكَةُ ويَلْعَنَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَلْعَنُهم جَمِيعُ النّاسِ لِأنَّ قَوْمَهم لا يَلْعَنُونَهُمْ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَعْنَةُ جَمِيعِ النّاسِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْعَنُهم قَوْمُهم مَعَ جَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٥] . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: (p-٢١٦) أحَدُهُما: لا يُخَفَّفُ بِالتَّقْلِيلِ والِاسْتِراحَةِ. والثّانِي: لا يُخَفَّفُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِمالِ لَهُ. ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ولا يُمْهَلُونَ. والثّانِي: لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم.

البقرة 2:163

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أرادَ بِذَلِكَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إلَهَ جَمِيعِ الخَلْقِ واحِدٌ، لا كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ إلَهًا غَيْرَ إلَهِ مَن سِواهم. والثّانِي: أنَّ الإلَهَ وإنْ كانَ إلَهًا لِجَمِيعِ الخَلْقِ فَهو واحِدٌ لا ثانِيَ لَهُ ولا مِثْلَ لَهُ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، ثُمَّ وصَفَ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ تَرْغِيبًا في عِبادَتِهِ وحَثًّا عَلى طاعَتِهِ.

البقرة 2:164

ثُمَّ دَلَّ عَلى ما ذَكَّرَهم مِن وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾: فَآيَةُ السَّماءِ: ارْتِفاعُها بِغَيْرِ عَمَدٍ مِن تَحْتِها ولا عَلائِقَ مِن فَوْقِها، ثُمَّ ما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السّائِرَةِ. وَآيَةُ الأرْضِ: بِحارُها، وأنْهارُها، ومَعادِنُها، وشَجَرُها، وسَهْلُها، وجَبَلُها. وَآيَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ: اخْتِلافُها بِإقْبالِ أحَدِهِما وإدْبارِ الآخَرِ، فَيُقْبِلُ اللَّيْلُ مِن (p-٢١٧) حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ويُدْبِرُ النَّهارُ إلى حَيْثُ لا يُعْلَمُ، فَهَذا اخْتِلافُهُما. ثُمَّ قالَ: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ الفُلْكُ: السُّفُنُ، الواحِدُ والجَمْعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقَدْ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. والآيَةُ فِيها: مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اسْتِقْلالُها لِحَمْلِها. والثّانِي: بُلُوغُها إلى مَقْصِدِها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ يَعْنِي بِهِ المَطَرَ المُنَزَّلَ مِنها، يَأْتِي غالِبًا عِنْدَ الحاجَةِ، ويَنْقَطِعُ عِنْدَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، وذَلِكَ مِن آياتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ وإحْياؤُها بِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما تَجْرِي بِهِ أنْهارُها وعُيُونُها. والثّانِي: ما يَنْبُتُ بِهِ مِن أشْجارِها وزُرُوعِها، وكِلا هَذَيْنِ سَبَبٌ لِحَياةِ الخَلْقِ مِن ناطِقٍ وبُهْمٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ الحَيَوانِ الَّذِي أنْشَأهُ فِيها، سَمّاهُ (دابَّةً) لِدَبِيبِهِ عَلَيْها، والآيَةُ فِيها مَعَ ظُهُورِ القُدْرَةِ عَلى إنْشائِها مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَبايُنُ خَلْقِها. والثّانِي: اخْتِلافُ مَعانِيها. والثّالِثُ: إلْهامُها وُجُوهَ مَصالِحِها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ والآيَةُ فِيها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اخْتِلافُ هُبُوبِها في انْتِقالِ الشَّمالِ جَنُوبًا، والصَّبا دَبُورًا، فَلا يُعْلَمُ لِانْتِقالِها سَبَبٌ، ولا لِانْصِرافِها جِهَةٌ. والثّانِي: ما جَعَلَهُ في اخْتِلافِها مِن إنْعامٍ يَنْفَعُ، وانْتِقامٍ يُؤْذِي. وَقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: ما هاجَتْ رِيحٌ قَطُّ إلّا لِسُقْمِ صَحِيحٍ أوْ لِشِفاءِ سَقِيمٍ، والرِّياحُ جَمْعُ رِيحٍ وأصْلُها أرْواحٌ. وَحَكى أبُو مُعاذٍ أنَّهُ كانَ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: وتَصْرِيفِ الأرْواحِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتِ الرِّيحُ لِأنَّها تُرِيحُ ساعَةً بَعْدَ ساعَةٍ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: (p-٢١٨) ؎ إذا هَبَّتِ الأرْواحُ مِن نَحْوِ جانِبٍ بِهِ آلُ مَيٍّ هاجَ شَوْقِي هُبُوبُها ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ المُسَخَّرُ: المُذَلَّلُ، والآيَةُ فِيهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: ابْتِداءُ نُشُوئِهِ وانْتِهاءُ تَلاشِيهِ. والثّانِي: ثُبُوتُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن غَيْرِ عَمَدٍ ولا عَلائِقَ. والثّالِثُ: تَسْخِيرُهُ وإرْسالُهُ إلى حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وَهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَمَعَتْ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ما صارَ لِذَوِي العُقُولِ مُرْشِدًا وإلى الحَقِّ قائِدًا. فَلَمْ يَقْتَصِرِ اللَّهُ بِنا عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ حَتّى قَرَنَهُ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

البقرة 2:165

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةِ لِذَوِي العُقُولِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ والأنْدادُ الأمْثالُ، واحِدُها نِدٌّ، والمُرادُ بِهِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَتَّخِذُونَها آلِهَةً يَعْبُدُونَها كَعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَجْزِها عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم مَعَ عَجْزِ الأصْنامِ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ يَعْنِي مِن حُبِّ أهْلِ الأوْثانِ لِأوْثانِهِمْ، ومَعْناهُ أنَّ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعالى هُمُ المُحِبُّونَ حَقًّا. (p-٢١٩) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ اتُّبِعُوا هُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ تَبَرَّؤُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّؤُوا مِنَ الإنْسِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ يَعْنِي بِهِ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ. وَفي رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: تَيَقُّنُهم لَهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأسْبابَ تَواصُلُهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها الأرْحامُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والخامِسُ: أنَّها العُهُودُ والحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الدُّنْيا. ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ الأتْباعَ قالُوا لِلْمَتْبُوعِينَ لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً أيْ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأُ مِنكم فِيها كَما تَبَرَّأْتُمْ مِنّا في الآخِرَةِ. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ المَتْبُوعِينَ والأتْباعَ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ عَلى مَحْزُونٍ فائِتٍ. وَفي ﴿أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِرُّهُمُ الَّذِي حَبِطَ بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّ الكافِرَ لا يُثابُ مَعَ كُفْرِهِ. والثّانِي: ما نَقَصَتْ بِهِ أعْمارُهم في أعْمالِ المَعاصِي أنْ لا تَكُونَ مَصْرُوفَةً إلى طاعَةِ اللَّهِ. ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ يُرِيدُ بِهِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فَواتُ الرَّجْعَةِ. (p-٢٢٠) والثّانِي: خُلُودُهم في النّارِ.

البقرة 2:166

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةِ لِذَوِي العُقُولِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ والأنْدادُ الأمْثالُ، واحِدُها نِدٌّ، والمُرادُ بِهِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَتَّخِذُونَها آلِهَةً يَعْبُدُونَها كَعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَجْزِها عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم مَعَ عَجْزِ الأصْنامِ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ يَعْنِي مِن حُبِّ أهْلِ الأوْثانِ لِأوْثانِهِمْ، ومَعْناهُ أنَّ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعالى هُمُ المُحِبُّونَ حَقًّا. (p-٢١٩) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ اتُّبِعُوا هُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ تَبَرَّؤُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّؤُوا مِنَ الإنْسِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ يَعْنِي بِهِ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ. وَفي رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: تَيَقُّنُهم لَهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأسْبابَ تَواصُلُهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها الأرْحامُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والخامِسُ: أنَّها العُهُودُ والحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الدُّنْيا. ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ الأتْباعَ قالُوا لِلْمَتْبُوعِينَ لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً أيْ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأُ مِنكم فِيها كَما تَبَرَّأْتُمْ مِنّا في الآخِرَةِ. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ المَتْبُوعِينَ والأتْباعَ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ عَلى مَحْزُونٍ فائِتٍ. وَفي ﴿أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِرُّهُمُ الَّذِي حَبِطَ بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّ الكافِرَ لا يُثابُ مَعَ كُفْرِهِ. والثّانِي: ما نَقَصَتْ بِهِ أعْمارُهم في أعْمالِ المَعاصِي أنْ لا تَكُونَ مَصْرُوفَةً إلى طاعَةِ اللَّهِ. ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ يُرِيدُ بِهِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فَواتُ الرَّجْعَةِ. (p-٢٢٠) والثّانِي: خُلُودُهم في النّارِ.

البقرة 2:167

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةِ لِذَوِي العُقُولِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ والأنْدادُ الأمْثالُ، واحِدُها نِدٌّ، والمُرادُ بِهِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَتَّخِذُونَها آلِهَةً يَعْبُدُونَها كَعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَجْزِها عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم مَعَ عَجْزِ الأصْنامِ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ يَعْنِي مِن حُبِّ أهْلِ الأوْثانِ لِأوْثانِهِمْ، ومَعْناهُ أنَّ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعالى هُمُ المُحِبُّونَ حَقًّا. (p-٢١٩) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ اتُّبِعُوا هُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ تَبَرَّؤُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّؤُوا مِنَ الإنْسِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ يَعْنِي بِهِ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ. وَفي رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: تَيَقُّنُهم لَهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأسْبابَ تَواصُلُهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها الأرْحامُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والخامِسُ: أنَّها العُهُودُ والحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الدُّنْيا. ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ الأتْباعَ قالُوا لِلْمَتْبُوعِينَ لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً أيْ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأُ مِنكم فِيها كَما تَبَرَّأْتُمْ مِنّا في الآخِرَةِ. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ المَتْبُوعِينَ والأتْباعَ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ عَلى مَحْزُونٍ فائِتٍ. وَفي ﴿أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِرُّهُمُ الَّذِي حَبِطَ بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّ الكافِرَ لا يُثابُ مَعَ كُفْرِهِ. والثّانِي: ما نَقَصَتْ بِهِ أعْمارُهم في أعْمالِ المَعاصِي أنْ لا تَكُونَ مَصْرُوفَةً إلى طاعَةِ اللَّهِ. ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ يُرِيدُ بِهِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فَواتُ الرَّجْعَةِ. (p-٢٢٠) والثّانِي: خُلُودُهم في النّارِ.

البقرة 2:168

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والزَّرْعِ، فَأباحَ لَهُمُ اللَّهُ تَعالى أكْلَهُ وجَعَلَهُ لَهم حَلالًا طَيِّبًا. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وهي جَمْعُ خُطْوَةٍ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ بِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ خُطُواتِ الشَّيْطانِ أعْمالُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها خَطاياهُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّها طاعَتُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والرّابِعُ: أنَّها النُّذُورُ في المَعاصِي. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ. ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: السُّوءُ في هَذا المَوْضِعِ مَعاصِي اللَّهِ، سُمِّيَتْ سُوءًا لِأنَّها تَسُوءُ صاحِبَها بِسُوءِ عَواقِبِها. وَفي الفَحْشاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الزِّنى. والثّانِي: المَعاصِي. والثّالِثُ: كُلُّ ما فِيهِ الحَدُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفُحْشِ فِعْلِهِ وقُبْحِ مَسْمُوعِهِ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْكم. والثّانِي: أنْ تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا.(p-٢٢١)

البقرة 2:169

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والزَّرْعِ، فَأباحَ لَهُمُ اللَّهُ تَعالى أكْلَهُ وجَعَلَهُ لَهم حَلالًا طَيِّبًا. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وهي جَمْعُ خُطْوَةٍ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ بِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ خُطُواتِ الشَّيْطانِ أعْمالُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها خَطاياهُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّها طاعَتُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والرّابِعُ: أنَّها النُّذُورُ في المَعاصِي. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ. ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: السُّوءُ في هَذا المَوْضِعِ مَعاصِي اللَّهِ، سُمِّيَتْ سُوءًا لِأنَّها تَسُوءُ صاحِبَها بِسُوءِ عَواقِبِها. وَفي الفَحْشاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الزِّنى. والثّانِي: المَعاصِي. والثّالِثُ: كُلُّ ما فِيهِ الحَدُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفُحْشِ فِعْلِهِ وقُبْحِ مَسْمُوعِهِ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْكم. والثّانِي: أنْ تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا.(p-٢٢١)

البقرة 2:170

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي في تَحْلِيلِ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يَعْنِي في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَثَلَ الكافِرِ فِيما يُوعَظُ بِهِ مَثَلُ البَهِيمَةِ الَّتِي يُنْعَقُ بِها تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ مَعْناهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. والثّانِي: مَثَلُ الكافِرِ في دُعاءِ آلِهَتِهِ الَّتِي يَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ راعِي البَهِيمَةِ يَسْمَعُ صَوْتَها ولا يَفْهَمُهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ صُمٌّ عَنِ الوَعْظِ فَلا يَسْمَعُونَهُ، بُكُمٌ عَنِ الحَقِّ فَلا يَذْكُرُونَهُ، عُمْيٌ عَنِ الرُّشْدِ فَلا يُبْصِرُونَهُ فَهم لا يَعْقِلُونَهُ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَعْمَلُوا بِما يَسْمَعُونَهُ ويَقُولُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ كانُوا بِمَثابَةِ مَن فَقَدَ السَّمْعَ والنُّطْقَ والبَصَرَ. والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن سَمِعَ ما لا يَعْمَلُ بِهِ: أصَمُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ ... ... ... ∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ

البقرة 2:171

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي في تَحْلِيلِ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يَعْنِي في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَثَلَ الكافِرِ فِيما يُوعَظُ بِهِ مَثَلُ البَهِيمَةِ الَّتِي يُنْعَقُ بِها تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ مَعْناهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. والثّانِي: مَثَلُ الكافِرِ في دُعاءِ آلِهَتِهِ الَّتِي يَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ راعِي البَهِيمَةِ يَسْمَعُ صَوْتَها ولا يَفْهَمُهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ صُمٌّ عَنِ الوَعْظِ فَلا يَسْمَعُونَهُ، بُكُمٌ عَنِ الحَقِّ فَلا يَذْكُرُونَهُ، عُمْيٌ عَنِ الرُّشْدِ فَلا يُبْصِرُونَهُ فَهم لا يَعْقِلُونَهُ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَعْمَلُوا بِما يَسْمَعُونَهُ ويَقُولُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ كانُوا بِمَثابَةِ مَن فَقَدَ السَّمْعَ والنُّطْقَ والبَصَرَ. والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن سَمِعَ ما لا يَعْمَلُ بِهِ: أصَمُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ ... ... ... ∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ

البقرة 2:172

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِما حَرَّمَ بَعْدَ (p-٢٢٢) قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لِيَدُلَّ عَلى تَخْصِيصِ التَّحْرِيمِ مِن عُمُومِ الإباحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وهو ما فاتَ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ. ( والدَّمَ ) هو الجارِي مِنَ الحَيَوانِ بِذَبْحٍ أوْ جُرْحٍ. ﴿وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: التَّحْرِيمُ مَقْصُورٌ عَلى لَحْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ اقْتِصارًا عَلى النَّصِّ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ. والثّانِي: أنَّ التَّحْرِيمَ عامٌّ في جُمْلَةِ الخِنْزِيرِ، والنَّصُّ عَلى اللَّحْمِ تَنْبِيهٌ عَلى جَمِيعِهِ لِأنَّهُ مُعْظَمُهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ( أُهِلَّ ) أيْ ذُبِحَ وإنَّما سُمِّيَ الذَّبْحُ إهْلالًا لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا ذَبْحَ ما قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ذَكَرُوا عِنْدَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ وجَهَرُوا بِهِ أصْواتَهُمْ، فَسُمِّيَ كُلُّ ذابِحٍ جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أوْ لَمْ يَجْهَرْ مُهِلًّا، كَما سُمِّيَ الإحْرامُ إهْلالًا لِرَفْعِ أصْواتِهِمْ عِنْدَهُ بِالتَّلْبِيَةِ حَتّى صارَ اسْمًا لَهُ وإنْ لَمْ يُرْفَعْ عِنْدَهُ صَوْتٌ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. والثّانِي: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والرَّبِيعِ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ اضْطُرَّ افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: فَمَن أُكْرِهَ عَلى أكْلِهِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: فَمَنِ احْتاجَ إلى أكْلِهِ لِضَرُورَةٍ دَعَتْهُ مِن خَوْفٍ عَلى نَفْسٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: غَيْرُ باغٍ عَلى الإمامِ ولا عادٍ عَلى الأُمَّةِ بِإفْسادِ شَمْلِهِمْ، فَيَدْخُلُ الباغِي عَلى الإمامِ وأُمَّتِهِ والعادِي: قاطِعُ الطَّرِيقِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. (p-٢٢٣) والثّانِي: غَيْرُ باغٍ في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ ولا عادٍ يَعْنِي مُتَعَدِّيًا بِأكْلِها وهو يَجِدُ غَيْرَها، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ في أكْلِها شَهْوَةً وتَلَذُّذًا ولا عادٍ بِاسْتِيفاءِ الأكْلِ إلى حَدِّ الشِّبَعِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَأصْلُ البَغْيِ في اللُّغَةِ: قَصْدُ الفَسادِ يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا فَجَرَتْ. وَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] ورُبَّما اسْتُعْمِلَ البَغْيُ في طَلَبِ غَيْرِ الفَسادِ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ الرَّجُلُ في بِغاءِ إبِلٍ لَهُ، أيْ في طَلَبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغا ءِ الخَيْرِ تَعْقادُ التَّمائِمِ ∗∗∗ إنَّ الأشائِمَ كالأيا ∗∗∗ مِنِ، والأيامِنَ كالأشائِمِ

البقرة 2:173

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِما حَرَّمَ بَعْدَ (p-٢٢٢) قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لِيَدُلَّ عَلى تَخْصِيصِ التَّحْرِيمِ مِن عُمُومِ الإباحَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وهو ما فاتَ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ. ( والدَّمَ ) هو الجارِي مِنَ الحَيَوانِ بِذَبْحٍ أوْ جُرْحٍ. ﴿وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: التَّحْرِيمُ مَقْصُورٌ عَلى لَحْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ اقْتِصارًا عَلى النَّصِّ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ. والثّانِي: أنَّ التَّحْرِيمَ عامٌّ في جُمْلَةِ الخِنْزِيرِ، والنَّصُّ عَلى اللَّحْمِ تَنْبِيهٌ عَلى جَمِيعِهِ لِأنَّهُ مُعْظَمُهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ( أُهِلَّ ) أيْ ذُبِحَ وإنَّما سُمِّيَ الذَّبْحُ إهْلالًا لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا ذَبْحَ ما قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ذَكَرُوا عِنْدَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ وجَهَرُوا بِهِ أصْواتَهُمْ، فَسُمِّيَ كُلُّ ذابِحٍ جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أوْ لَمْ يَجْهَرْ مُهِلًّا، كَما سُمِّيَ الإحْرامُ إهْلالًا لِرَفْعِ أصْواتِهِمْ عِنْدَهُ بِالتَّلْبِيَةِ حَتّى صارَ اسْمًا لَهُ وإنْ لَمْ يُرْفَعْ عِنْدَهُ صَوْتٌ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. والثّانِي: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والرَّبِيعِ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ اضْطُرَّ افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: فَمَن أُكْرِهَ عَلى أكْلِهِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: فَمَنِ احْتاجَ إلى أكْلِهِ لِضَرُورَةٍ دَعَتْهُ مِن خَوْفٍ عَلى نَفْسٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: غَيْرُ باغٍ عَلى الإمامِ ولا عادٍ عَلى الأُمَّةِ بِإفْسادِ شَمْلِهِمْ، فَيَدْخُلُ الباغِي عَلى الإمامِ وأُمَّتِهِ والعادِي: قاطِعُ الطَّرِيقِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. (p-٢٢٣) والثّانِي: غَيْرُ باغٍ في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ ولا عادٍ يَعْنِي مُتَعَدِّيًا بِأكْلِها وهو يَجِدُ غَيْرَها، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ في أكْلِها شَهْوَةً وتَلَذُّذًا ولا عادٍ بِاسْتِيفاءِ الأكْلِ إلى حَدِّ الشِّبَعِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَأصْلُ البَغْيِ في اللُّغَةِ: قَصْدُ الفَسادِ يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا فَجَرَتْ. وَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] ورُبَّما اسْتُعْمِلَ البَغْيُ في طَلَبِ غَيْرِ الفَسادِ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ الرَّجُلُ في بِغاءِ إبِلٍ لَهُ، أيْ في طَلَبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغا ءِ الخَيْرِ تَعْقادُ التَّمائِمِ ∗∗∗ إنَّ الأشائِمَ كالأيا ∗∗∗ مِنِ، والأيامِنَ كالأشائِمِ

البقرة 2:174

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ. ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ يَعْنِي قَبُولَ الرِّشا عَلى كَتْمِ رِسالَتِهِ وتَغْيِيرِ صِفَتِهِ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ. وَقِيلَ: لِأنَّ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الرِّشا كانَ قَلِيلًا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّهُ حَرامٌ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَصارَ ما يَأْكُلُونَ نارًا، فَسَمّاهُ في الحالِ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ في ثانِي الحالِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ وأُمَّ سِماكٍ فَلا تَجْزَعِي فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةْ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-٢٢٤) أحَدُها: مَعْناهُ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ لا يُسْمِعُهم كَلامَهُ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةُ. والثّانِي: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، ومَن لا يُثْنِي اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ يَعْنِي النّارَ بِالجَنَّةِ. ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ ما أجْرَأهم عَلى النّارِ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ. والثّانِي: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى النّارِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ فَما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ. والرّابِعُ: بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ؟

البقرة 2:175

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ. ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ يَعْنِي قَبُولَ الرِّشا عَلى كَتْمِ رِسالَتِهِ وتَغْيِيرِ صِفَتِهِ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ. وَقِيلَ: لِأنَّ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الرِّشا كانَ قَلِيلًا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّهُ حَرامٌ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَصارَ ما يَأْكُلُونَ نارًا، فَسَمّاهُ في الحالِ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ في ثانِي الحالِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ وأُمَّ سِماكٍ فَلا تَجْزَعِي فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةْ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-٢٢٤) أحَدُها: مَعْناهُ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ لا يُسْمِعُهم كَلامَهُ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةُ. والثّانِي: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، ومَن لا يُثْنِي اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ يَعْنِي النّارَ بِالجَنَّةِ. ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ ما أجْرَأهم عَلى النّارِ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ. والثّانِي: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى النّارِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ فَما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ. والرّابِعُ: بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ؟

البقرة 2:176

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ. ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ يَعْنِي قَبُولَ الرِّشا عَلى كَتْمِ رِسالَتِهِ وتَغْيِيرِ صِفَتِهِ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ. وَقِيلَ: لِأنَّ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الرِّشا كانَ قَلِيلًا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّهُ حَرامٌ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَصارَ ما يَأْكُلُونَ نارًا، فَسَمّاهُ في الحالِ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ في ثانِي الحالِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ وأُمَّ سِماكٍ فَلا تَجْزَعِي فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةْ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-٢٢٤) أحَدُها: مَعْناهُ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ لا يُسْمِعُهم كَلامَهُ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةُ. والثّانِي: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، ومَن لا يُثْنِي اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ يَعْنِي النّارَ بِالجَنَّةِ. ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ ما أجْرَأهم عَلى النّارِ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ. والثّانِي: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى النّارِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ فَما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ. والرّابِعُ: بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ؟

البقرة 2:177

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ الآيَةَ، فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها لَيْسَ البَرُّ الصَّلاةَ وحْدَها، ولَكِنَّ البِرَّ الإيمانُ مَعَ أداءِ الفَرائِضِ الَّتِي فَرَضَها اللَّهُ، وهَذا بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ واسْتِقْرارِ الفُرُوضِ والحُدُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّ المَعْنِيَّ بِذَلِكَ اليَهُودُ والنَّصارى، لِأنَّ اليَهُودَ تَتَوَجَّهُ إلى المَغْرِبِ، والنَّصارى تَتَوَجَّهُ إلى المَشْرِقِ في الصَّلاةِ، ويَرَوْنَ ذَلِكَ هو البِرَّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أنَّهُ لَيْسَ هَذا وحْدَهُ هو البِرَّ، حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ويَفْعَلُوا ما ذَكَرَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ولَكِنَّ ذا البِرِّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ. والثّانِي: مَعْناهُ ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، يَعْنِي الإقْرارَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، حَكاهُما الزَّجّاجُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَعْنِي التَّصْدِيقَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ. ﴿والمَلائِكَةِ﴾ يَعْنِي فِيما أُمِرُوا بِهِ، مِن كَتْبِ الأعْمالِ، وتَوَلِّي الجَزاءِ. ﴿والكِتابِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وما تَضَمَّنَهُ مِنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وأنْ لا قِبْلَةَ سِواها. ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ يَعْنِي التَّصْدِيقَ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ، وأنْ لا يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ يَعْنِي عَلى حُبِّ المالِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْ يَكُونَ صَحِيحًا شَحِيحًا يُطِيلُ الأمَلَ ويَخْشى الفَقْرَ. وَكانَ الشَّعْبِيُّ يَرْوِي عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (إنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَّكاةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ (p-٢٢٦) ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخِرِها،» فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ إلى إيجابِ ذَلِكَ لِهَذا الخَبَرِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: (جُهْدٌ عَلى ذِي القَرابَةِ الكاشِحِ)» . وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنْ لَيْسَ في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ وأنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَيْها أوْ عَلى التَّطَوُّعِ المُخْتارِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ يُرِيدُ قَرابَةَ الرَّجُلِ مِن طَرَفَيْهِ مِن قِبَلِ أبَوَيْهِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى الزَّكاةِ، رُوعِيَ فِيهِمْ شَرْطانِ: أحَدُهُما: الفَقْرُ. والثّانِي: سُقُوطُ النَّفَقَةِ. وَإنْ كانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى التَّطَوُّعِ لَمْ يُعْتَبَرْ واحِدٌ مِنهُما، وجازَ مَعَ الغِنى والفَقْرِ، ووُجُوبِ النَّفَقَةِ وسُقُوطِها، لِأنَّ فِيهِمْ مَعَ الغِنى صِلَةَ رَحِمٍ مَبْرُورٍ. (p-٢٢٧) ﴿واليَتامى﴾ وهم مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِمْ شَرْطانِ: الصِّغَرُ وفَقْدُ الأبِ، وفي اعْتِبارِ الفَقْرِ فِيهِمْ قَوْلانِ كالقَرابَةِ. ﴿والمَساكِينَ﴾ وهم مَن عُدِمَ قَدْرُ الكِفايَةِ وفي اعْتِبارِ إسْلامِهِمْ قَوْلانِ: ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ هم فُقَراءُ المُسافِرِينَ ﴿والسّائِلِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ ألْجَأهُمُ الفَقْرُ إلى السُّؤالِ. ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبِيدٌ يُعْتَقُونَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. والثّانِي: أنَّهم مُكاتَبُونَ يُعانُونَ في كِتابَتِهِمْ بِما يَعْتَقِدُونَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ. ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي إلى الكَعْبَةِ عَلى شُرُوطِها وفي أوْقاتِها. ﴿وَآتى الزَّكاةَ﴾ يَعْنِي إلى مُسْتَحِقِّها عِنْدَ وُجُوبِها. ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: النُّذُورُ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: العُقُودُ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، وكِلاهُما يَجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ. ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: البَأْساءُ الفَقْرُ، والضَّرّاءُ السُّقْمُ. ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾ أيِ القِتالِ. وَفي هَذا كُلِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَخْصُوصٌ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى القِيامِ بِهَذا كُلِّهِ عَلى شُرُوطِهِ غَيْرُهم. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، في النّاسِ كُلِّهِمْ لِإرْسالِ الكَلامِ وعُمُومِ الخِطابِ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: (p-٢٢٨) أحَدُهُما: طابَقَتْ نِيّاتُهم لِأعْمالِهِمْ. والثّانِي: صَدَقَتْ أقْوالُهم لِأفْعالِهِمْ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تُخالِفَ سَرائِرُهم لِعَلانِيَتِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَحْمَدَهُمُ النّاسُ بِما لَيْسَ فِيهِمْ.

البقرة 2:178

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: ؎ يا بِنْتَ عَمِّي كِتابُ اللَّهِ أخْرَجَنِي عَنْكم فَهَلْ أمْنَعَنَّ اللَّهَ ما فَعَلا وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎ كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ والقِصاصُ: مُقابَلَةُ الفِعْلِ بِمِثْلِهِ مَأْخُوذٌ مِن قَصِّ الأثَرِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ كانُوا أعِزَّةً أقْوِياءَ لا يَقْتُلُونَ بِالعَبْدِ مِنهم إلّا سَيِّدًا وبِالمَرْأةِ مِنهم إلّا رَجُلًا، اسْتِطالَةً بِالقُوَّةِ وإدْلالًا بِالعِزَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانَ بَيْنَهُما عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِتالٌ، (p-٢٢٩) فَقُتِلَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَماعَةٌ مِن رِجالٍ ونِساءٍ وعَبِيدٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الرَّجُلِ قِصاصًا بِدِيَةِ الرَّجُلِ، ودِيَةَ المَرْأةِ قِصاصًا بِدِيَةِ المَرْأةِ، ودِيَةَ العَبْدِ قِصاصًا بِدِيَةِ العَبْدِ ثُمَّ أصْلَحَ بَيْنَهم. وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وأبِي مالِكٍ. والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمُقاصَّةِ دِيَةِ القاتِلِ المُقْتَصِّ مِنهُ بِدِيَةِ المَقْتُولِ المُقْتَصِّ لَهُ واسْتِيفاءُ الفاضِلِ بَعْدَ المُقاصَّةِ، وهَذا قَوْلُ عَلَيٍّ كانَ يَقُولُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أيُّما حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ مَوالِي العَبْدِ أنْ يَقْتُلُوا الحُرَّ قَتَلُوهُ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ وأدَّوْا إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وأيُّما عَبْدٍ قَتَلَ حُرًّا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الحُرِّ قَتَلُوا العَبْدَ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ وأخَذُوا بَقِيَّةَ دِيَةِ الحُرِّ، وأيُّما رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأةً فَهو بِها قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ المَرْأةِ قَتَلُوهُ، وأدَّوْا بَقِيَّةَ الدِّيَةِ إلى أوْلِياءِ الرَّجُلِ، وأيُّما امْرَأةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا فَهي بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الرَّجُلِ قَتَلُوها وأخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ. والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ أنْ يُقْتَلَ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ، والمَرْأةُ بِالمَرْأةِ والعَبْدُ بِالعَبْدِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَمَن عُفِيَ لَهُ عَنِ القِصاصِ مِنهُ فاتِّباعٌ بِمَعْرُوفٍ وهو أنْ يَطْلُبَ الوَلِيُّ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ ويُؤَدِّيَ القاتِلُ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ بِمَعْنى فَمَن فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ وهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُتِلَ مِن كِلا الفَرِيقَيْنِ قَتْلى فَتَقاصّا دِياتِ القَتْلى بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَمَن بَقِيَتْ لَهُ (p-٢٣٠) بَقِيَّةٌ فَلْيُتْبِعْها بِمَعْرُوفٍ، ولْيَرُدَّ مَن عَلَيْهِ الفاضِلُ بِإحْسانٍ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ فَضَلَ لَهُ قِبَلَ أخِيهِ القاتِلِ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) في أوَّلِ الآيَةِ؟ في القِصاصِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ والحُرِّ والعَبْدِ وأداءِ ما بَيْنَهُما مِن فاضِلِ الدِّيَةِ. ثُمَّ في الِاتِّباعِ بِالمَعْرُوفِ والأداءِ إلَيْهِ بِإحْسانٍ وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ الِاتِّباعَ بِالمَعْرُوفِ عائِدٌ إلى ولِيِّ المَقْتُولِ أنْ يُطالِبَ بِالدِّيَةِ بِمَعْرُوفٍ، والأداءَ عائِدٌ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ. والثّانِي: أنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ وبِإحْسانٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ يَعْنِي خِيارَ الوَلِيِّ في القَوَدِ أوِ الدِّيَةِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ أهْلُ التَّوْراةِ يَقُولُونَ: إنَّما هو قِصاصٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما أرْشٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ يَقُولُونَ: إنَّما هو أرْشٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما قَوَدٌ، فَجُعِلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَوَدُ والعَفْوُ والدِّيَةُ إنْ شاءُوا، أحَلَّها لَهم ولَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يَعْنِي مَن قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يُقْتَلَ قِصاصًا، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ. والثّانِي: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يَقْتُلَهُ الإمامُ حَتْمًا لا عَفْوَ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: « (لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ)» . (p-٢٣١) والثّالِثُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو عُقُوبَةُ السُّلْطانِ. والرّابِعُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ اسْتِرْجاعُ الدِّيَةِ مِنهُ، ولا قَوَدَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا ذَكَرَهُ الظّالِمُ المُعْتَدِي، كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّ إيجابَ القِصاصِ عَلى القاتِلِ وتَرْكَ التَّعَدِّي إلى مَن لَيْسَ بِقاتِلٍ حَياةٌ لِلنُّفُوسِ، لِأنَّ القاتِلَ إذا عَلِمَ أنَّ نَفْسَهُ تُؤْخَذُ بِنَفْسِ مَن قَتَلَهُ كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ أنْ يُقْتَلَ قَوَدًا، أوْ حَيِيَ المَقْتُولُ أنْ يُقْتَلَ ظُلْمًا. وَفي المَعْنَيَيْنِ تَقارُبٌ، والثّانِي أعَمُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي يا ذَوِي العُقُولِ، لِأنَّ الحَياةَ في القِصاصِ مَعْقُولَةٌ بِالِاعْتِبارِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ تَقْتُلَهُ فَتُقْتَلَ بِهِ.

البقرة 2:179

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: ؎ يا بِنْتَ عَمِّي كِتابُ اللَّهِ أخْرَجَنِي عَنْكم فَهَلْ أمْنَعَنَّ اللَّهَ ما فَعَلا وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎ كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ والقِصاصُ: مُقابَلَةُ الفِعْلِ بِمِثْلِهِ مَأْخُوذٌ مِن قَصِّ الأثَرِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ كانُوا أعِزَّةً أقْوِياءَ لا يَقْتُلُونَ بِالعَبْدِ مِنهم إلّا سَيِّدًا وبِالمَرْأةِ مِنهم إلّا رَجُلًا، اسْتِطالَةً بِالقُوَّةِ وإدْلالًا بِالعِزَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانَ بَيْنَهُما عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِتالٌ، (p-٢٢٩) فَقُتِلَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَماعَةٌ مِن رِجالٍ ونِساءٍ وعَبِيدٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الرَّجُلِ قِصاصًا بِدِيَةِ الرَّجُلِ، ودِيَةَ المَرْأةِ قِصاصًا بِدِيَةِ المَرْأةِ، ودِيَةَ العَبْدِ قِصاصًا بِدِيَةِ العَبْدِ ثُمَّ أصْلَحَ بَيْنَهم. وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وأبِي مالِكٍ. والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمُقاصَّةِ دِيَةِ القاتِلِ المُقْتَصِّ مِنهُ بِدِيَةِ المَقْتُولِ المُقْتَصِّ لَهُ واسْتِيفاءُ الفاضِلِ بَعْدَ المُقاصَّةِ، وهَذا قَوْلُ عَلَيٍّ كانَ يَقُولُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أيُّما حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ مَوالِي العَبْدِ أنْ يَقْتُلُوا الحُرَّ قَتَلُوهُ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ وأدَّوْا إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وأيُّما عَبْدٍ قَتَلَ حُرًّا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الحُرِّ قَتَلُوا العَبْدَ وقاصُّوهم بِثَمَنِ العَبْدِ وأخَذُوا بَقِيَّةَ دِيَةِ الحُرِّ، وأيُّما رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأةً فَهو بِها قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ المَرْأةِ قَتَلُوهُ، وأدَّوْا بَقِيَّةَ الدِّيَةِ إلى أوْلِياءِ الرَّجُلِ، وأيُّما امْرَأةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا فَهي بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الرَّجُلِ قَتَلُوها وأخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ. والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ أنْ يُقْتَلَ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ، والمَرْأةُ بِالمَرْأةِ والعَبْدُ بِالعَبْدِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَمَن عُفِيَ لَهُ عَنِ القِصاصِ مِنهُ فاتِّباعٌ بِمَعْرُوفٍ وهو أنْ يَطْلُبَ الوَلِيُّ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ ويُؤَدِّيَ القاتِلُ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ بِمَعْنى فَمَن فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ وهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في فَرِيقَيْنِ كانا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُتِلَ مِن كِلا الفَرِيقَيْنِ قَتْلى فَتَقاصّا دِياتِ القَتْلى بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَمَن بَقِيَتْ لَهُ (p-٢٣٠) بَقِيَّةٌ فَلْيُتْبِعْها بِمَعْرُوفٍ، ولْيَرُدَّ مَن عَلَيْهِ الفاضِلُ بِإحْسانٍ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ فَضَلَ لَهُ قِبَلَ أخِيهِ القاتِلِ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) في أوَّلِ الآيَةِ؟ في القِصاصِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ والحُرِّ والعَبْدِ وأداءِ ما بَيْنَهُما مِن فاضِلِ الدِّيَةِ. ثُمَّ في الِاتِّباعِ بِالمَعْرُوفِ والأداءِ إلَيْهِ بِإحْسانٍ وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ الِاتِّباعَ بِالمَعْرُوفِ عائِدٌ إلى ولِيِّ المَقْتُولِ أنْ يُطالِبَ بِالدِّيَةِ بِمَعْرُوفٍ، والأداءَ عائِدٌ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِإحْسانٍ. والثّانِي: أنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ وبِإحْسانٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ يَعْنِي خِيارَ الوَلِيِّ في القَوَدِ أوِ الدِّيَةِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ أهْلُ التَّوْراةِ يَقُولُونَ: إنَّما هو قِصاصٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما أرْشٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ يَقُولُونَ: إنَّما هو أرْشٌ أوْ عَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُما قَوَدٌ، فَجُعِلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَوَدُ والعَفْوُ والدِّيَةُ إنْ شاءُوا، أحَلَّها لَهم ولَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يَعْنِي مَن قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يُقْتَلَ قِصاصًا، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ. والثّانِي: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يَقْتُلَهُ الإمامُ حَتْمًا لا عَفْوَ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: « (لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ)» . (p-٢٣١) والثّالِثُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو عُقُوبَةُ السُّلْطانِ. والرّابِعُ: أنَّ العَذابَ الألِيمَ اسْتِرْجاعُ الدِّيَةِ مِنهُ، ولا قَوَدَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا ذَكَرَهُ الظّالِمُ المُعْتَدِي، كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّ إيجابَ القِصاصِ عَلى القاتِلِ وتَرْكَ التَّعَدِّي إلى مَن لَيْسَ بِقاتِلٍ حَياةٌ لِلنُّفُوسِ، لِأنَّ القاتِلَ إذا عَلِمَ أنَّ نَفْسَهُ تُؤْخَذُ بِنَفْسِ مَن قَتَلَهُ كَفَّ عَنِ القَتْلِ فَحَيِيَ أنْ يُقْتَلَ قَوَدًا، أوْ حَيِيَ المَقْتُولُ أنْ يُقْتَلَ ظُلْمًا. وَفي المَعْنَيَيْنِ تَقارُبٌ، والثّانِي أعَمُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي يا ذَوِي العُقُولِ، لِأنَّ الحَياةَ في القِصاصِ مَعْقُولَةٌ بِالِاعْتِبارِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ تَقْتُلَهُ فَتُقْتَلَ بِهِ.

البقرة 2:180

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُلُولِ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ عَنْهُ، ولَكِنْ تَكُونُ العَطِيَّةُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾، والخَيْرُ: المالُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُجاهِدٌ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ. ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (p-٢٣٢) [العادِياتِ: ٨] أيِ المالِ، ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]. ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] وقالَ شُعَيْبٌ: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ [هُودٍ: ٨٤] يَعْنِي الغِنى والمالَ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ثُبُوتِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ إلى أنَّ العَمَلَ بِها كانَ واجِبًا قَبْلَ فَرْضِ المَوارِيثِ لِئَلّا يَضَعَ الرَّجُلُ مالَهُ في البُعَداءِ طَلَبًا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ في تَعْيِينِ المُسْتَحِقِّينَ، وتَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَ، نُسِخَ بِها وُجُوبُ الوَصِيَّةِ ومَنَعَتِ السُّنَّةُ مِن جَوازِها لِلْوَرَثَةِ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ حُكْمُها ثابِتًا في الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ حَقٌّ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيُ المَوارِيثِ وفُرِضَ مِيراثُ الأبَوَيْنِ نُسِخَ بِها الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وكُلِّ وارِثٍ، وبَقِيَ فَرْضُ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَلى حالَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. فَإنْ أوْصى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرابَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في حُكْمِ وصِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنْ يَرُدَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والثّانِي: أنْ يَرُدَّ ثُلُثا الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلى قَرابَتِهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ. واخْتُلِفَ في قَدْرِ المالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أنَّ الخَيْرَ ألْفُ دِرْهَمٍ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ. والثّانِي: مِن ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وأنَّ الوَصِيَّةَ تَجِبُ في قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ بِالمَعْرُوفِ وجْهَيْنِ: (p-٢٣٣) أحَدُهُما: بِالعَدْلِ الوَسَطِ الَّذِي لا بَخْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ. والثّانِي: يَعْنِي بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ دُونَ المَجْهُولِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي بِالتَّقْوى مِنَ الوَرَثَةِ أنْ لا يُسْرِفَ، والأقْرَبِينَ أنْ لا يَبْخَلَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأجِلُ فالأجِلُ، يَعْنِي الأحْوَجَ فالأحْوَجَ. وَغايَةُ ما لا سَرَفَ فِيهِ: الثُّلُثُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: « (الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ)» . ورَوى الحَسَنُ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصَّيا بِالخُمُسِ وقالا: يُوصِي بِما رَضِيَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، بِالخُمُسِ، وكانَ يَقُولُ: الخُمُسُ مَعْرُوفٌ، والرُّبُعُ جُهْدٌ، والثُّلُثُ غايَةُ ما تُجِيزُهُ القُضاةُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ يَعْنِي فَمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بَعْدَما سَمِعَها، وإنَّما جُعِلَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً لِأنَّهُ أرادَ قَوْلَ المُوصِي، وقَوْلُهُ مُذَكَّرٌ. ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أيْ يَسْمَعُونَهُ ويَعْدِلُونَ بِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إمّا مَيْلًا أوْ خِيانَةً، ولِلْمَيِّتِ أجْرُ قَصْدِهِ وثَوابُ وصِيَّتِهِ، وإنْ غُيِّرَتْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِقَوْلِ المُوصِي، عَلِيمٌ بِفِعْلِ الوَصِيِّ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ فَمَن حَضَرَ مَرِيضًا، وهو يُوصِي عِنْدَ إشْرافِهِ عَلى المَوْتِ، فَخافَ أنْ يُخْطِئَ في وصِيَّتِهِ، فَيَفْعَلُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ أنْ يَتَعَمَّدَ جَوْرًا فِيها، فَيَأْمُرَ بِما لَيْسَ لَهُ، فَلا حَرَجَ عَلى مَن حَضَرَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ، أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. (p-٢٣٤) والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن أوْصِياءِ المَيِّتِ جَنَفًا في وصِيَّتِهِ، فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ وبَيْنَ المُوصى لَهم فِيما أُوصِيَ بِهِ لَهم حَتّى رَدَّ الوَصِيَّةَ إلى العَدْلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. والثّالِثُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَأعْطى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ في ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والرّابِعُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا، أوْ إثْمًا في وصِيَّتِهِ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ، بِما يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلى ورَثَتِهِ فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ. والخامِسُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ لِآبائِهِ وأقْرِبائِهِ جَنَفًا عَلى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَأصْلَحَ بَيْنَ الآباءِ والأقْرِباءِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَفَ الخَطَأُ، والإثْمَ العَمْدُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ الجَنَفَ المَيْلُ، والإثْمَ أنْ يَكُونَ قَدْ أثِمَ في أثَرَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ. والجَنَفُ في كَلامِ العَرَبِ هو الجَوْرُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ هُمُ المَوْلى وهم جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ

البقرة 2:181

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُلُولِ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ عَنْهُ، ولَكِنْ تَكُونُ العَطِيَّةُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾، والخَيْرُ: المالُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُجاهِدٌ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ. ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (p-٢٣٢) [العادِياتِ: ٨] أيِ المالِ، ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]. ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] وقالَ شُعَيْبٌ: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ [هُودٍ: ٨٤] يَعْنِي الغِنى والمالَ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ثُبُوتِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ إلى أنَّ العَمَلَ بِها كانَ واجِبًا قَبْلَ فَرْضِ المَوارِيثِ لِئَلّا يَضَعَ الرَّجُلُ مالَهُ في البُعَداءِ طَلَبًا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ في تَعْيِينِ المُسْتَحِقِّينَ، وتَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَ، نُسِخَ بِها وُجُوبُ الوَصِيَّةِ ومَنَعَتِ السُّنَّةُ مِن جَوازِها لِلْوَرَثَةِ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ حُكْمُها ثابِتًا في الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ حَقٌّ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيُ المَوارِيثِ وفُرِضَ مِيراثُ الأبَوَيْنِ نُسِخَ بِها الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وكُلِّ وارِثٍ، وبَقِيَ فَرْضُ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَلى حالَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. فَإنْ أوْصى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرابَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في حُكْمِ وصِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنْ يَرُدَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والثّانِي: أنْ يَرُدَّ ثُلُثا الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلى قَرابَتِهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ. واخْتُلِفَ في قَدْرِ المالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أنَّ الخَيْرَ ألْفُ دِرْهَمٍ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ. والثّانِي: مِن ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وأنَّ الوَصِيَّةَ تَجِبُ في قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ بِالمَعْرُوفِ وجْهَيْنِ: (p-٢٣٣) أحَدُهُما: بِالعَدْلِ الوَسَطِ الَّذِي لا بَخْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ. والثّانِي: يَعْنِي بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ دُونَ المَجْهُولِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي بِالتَّقْوى مِنَ الوَرَثَةِ أنْ لا يُسْرِفَ، والأقْرَبِينَ أنْ لا يَبْخَلَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأجِلُ فالأجِلُ، يَعْنِي الأحْوَجَ فالأحْوَجَ. وَغايَةُ ما لا سَرَفَ فِيهِ: الثُّلُثُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: « (الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ)» . ورَوى الحَسَنُ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصَّيا بِالخُمُسِ وقالا: يُوصِي بِما رَضِيَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، بِالخُمُسِ، وكانَ يَقُولُ: الخُمُسُ مَعْرُوفٌ، والرُّبُعُ جُهْدٌ، والثُّلُثُ غايَةُ ما تُجِيزُهُ القُضاةُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ يَعْنِي فَمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بَعْدَما سَمِعَها، وإنَّما جُعِلَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً لِأنَّهُ أرادَ قَوْلَ المُوصِي، وقَوْلُهُ مُذَكَّرٌ. ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أيْ يَسْمَعُونَهُ ويَعْدِلُونَ بِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إمّا مَيْلًا أوْ خِيانَةً، ولِلْمَيِّتِ أجْرُ قَصْدِهِ وثَوابُ وصِيَّتِهِ، وإنْ غُيِّرَتْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِقَوْلِ المُوصِي، عَلِيمٌ بِفِعْلِ الوَصِيِّ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ فَمَن حَضَرَ مَرِيضًا، وهو يُوصِي عِنْدَ إشْرافِهِ عَلى المَوْتِ، فَخافَ أنْ يُخْطِئَ في وصِيَّتِهِ، فَيَفْعَلُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ أنْ يَتَعَمَّدَ جَوْرًا فِيها، فَيَأْمُرَ بِما لَيْسَ لَهُ، فَلا حَرَجَ عَلى مَن حَضَرَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ، أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. (p-٢٣٤) والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن أوْصِياءِ المَيِّتِ جَنَفًا في وصِيَّتِهِ، فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ وبَيْنَ المُوصى لَهم فِيما أُوصِيَ بِهِ لَهم حَتّى رَدَّ الوَصِيَّةَ إلى العَدْلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. والثّالِثُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَأعْطى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ في ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والرّابِعُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا، أوْ إثْمًا في وصِيَّتِهِ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ، بِما يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلى ورَثَتِهِ فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ. والخامِسُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ لِآبائِهِ وأقْرِبائِهِ جَنَفًا عَلى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَأصْلَحَ بَيْنَ الآباءِ والأقْرِباءِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَفَ الخَطَأُ، والإثْمَ العَمْدُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ الجَنَفَ المَيْلُ، والإثْمَ أنْ يَكُونَ قَدْ أثِمَ في أثَرَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ. والجَنَفُ في كَلامِ العَرَبِ هو الجَوْرُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ هُمُ المَوْلى وهم جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ

البقرة 2:182

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُلُولِ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ عَنْهُ، ولَكِنْ تَكُونُ العَطِيَّةُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾، والخَيْرُ: المالُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُجاهِدٌ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ. ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (p-٢٣٢) [العادِياتِ: ٨] أيِ المالِ، ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]. ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] وقالَ شُعَيْبٌ: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ [هُودٍ: ٨٤] يَعْنِي الغِنى والمالَ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ثُبُوتِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ إلى أنَّ العَمَلَ بِها كانَ واجِبًا قَبْلَ فَرْضِ المَوارِيثِ لِئَلّا يَضَعَ الرَّجُلُ مالَهُ في البُعَداءِ طَلَبًا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ في تَعْيِينِ المُسْتَحِقِّينَ، وتَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَ، نُسِخَ بِها وُجُوبُ الوَصِيَّةِ ومَنَعَتِ السُّنَّةُ مِن جَوازِها لِلْوَرَثَةِ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ حُكْمُها ثابِتًا في الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ حَقٌّ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيُ المَوارِيثِ وفُرِضَ مِيراثُ الأبَوَيْنِ نُسِخَ بِها الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وكُلِّ وارِثٍ، وبَقِيَ فَرْضُ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَلى حالَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. فَإنْ أوْصى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرابَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في حُكْمِ وصِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنْ يَرُدَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والثّانِي: أنْ يَرُدَّ ثُلُثا الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلى قَرابَتِهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ. واخْتُلِفَ في قَدْرِ المالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أنَّ الخَيْرَ ألْفُ دِرْهَمٍ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ. والثّانِي: مِن ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وأنَّ الوَصِيَّةَ تَجِبُ في قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ بِالمَعْرُوفِ وجْهَيْنِ: (p-٢٣٣) أحَدُهُما: بِالعَدْلِ الوَسَطِ الَّذِي لا بَخْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ. والثّانِي: يَعْنِي بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ دُونَ المَجْهُولِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي بِالتَّقْوى مِنَ الوَرَثَةِ أنْ لا يُسْرِفَ، والأقْرَبِينَ أنْ لا يَبْخَلَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأجِلُ فالأجِلُ، يَعْنِي الأحْوَجَ فالأحْوَجَ. وَغايَةُ ما لا سَرَفَ فِيهِ: الثُّلُثُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: « (الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ)» . ورَوى الحَسَنُ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصَّيا بِالخُمُسِ وقالا: يُوصِي بِما رَضِيَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، بِالخُمُسِ، وكانَ يَقُولُ: الخُمُسُ مَعْرُوفٌ، والرُّبُعُ جُهْدٌ، والثُّلُثُ غايَةُ ما تُجِيزُهُ القُضاةُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ يَعْنِي فَمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بَعْدَما سَمِعَها، وإنَّما جُعِلَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً لِأنَّهُ أرادَ قَوْلَ المُوصِي، وقَوْلُهُ مُذَكَّرٌ. ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أيْ يَسْمَعُونَهُ ويَعْدِلُونَ بِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إمّا مَيْلًا أوْ خِيانَةً، ولِلْمَيِّتِ أجْرُ قَصْدِهِ وثَوابُ وصِيَّتِهِ، وإنْ غُيِّرَتْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِقَوْلِ المُوصِي، عَلِيمٌ بِفِعْلِ الوَصِيِّ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ فَمَن حَضَرَ مَرِيضًا، وهو يُوصِي عِنْدَ إشْرافِهِ عَلى المَوْتِ، فَخافَ أنْ يُخْطِئَ في وصِيَّتِهِ، فَيَفْعَلُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ أنْ يَتَعَمَّدَ جَوْرًا فِيها، فَيَأْمُرَ بِما لَيْسَ لَهُ، فَلا حَرَجَ عَلى مَن حَضَرَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ، أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. (p-٢٣٤) والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن أوْصِياءِ المَيِّتِ جَنَفًا في وصِيَّتِهِ، فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ وبَيْنَ المُوصى لَهم فِيما أُوصِيَ بِهِ لَهم حَتّى رَدَّ الوَصِيَّةَ إلى العَدْلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. والثّالِثُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَأعْطى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ في ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والرّابِعُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا، أوْ إثْمًا في وصِيَّتِهِ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ، بِما يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلى ورَثَتِهِ فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ. والخامِسُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ لِآبائِهِ وأقْرِبائِهِ جَنَفًا عَلى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَأصْلَحَ بَيْنَ الآباءِ والأقْرِباءِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَفَ الخَطَأُ، والإثْمَ العَمْدُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ الجَنَفَ المَيْلُ، والإثْمَ أنْ يَكُونَ قَدْ أثِمَ في أثَرَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ. والجَنَفُ في كَلامِ العَرَبِ هو الجَوْرُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ هُمُ المَوْلى وهم جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ

البقرة 2:183

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، والصِّيامُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الإمْساكُ عَنْهُ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ صَمْتًا، لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، وذَمَّ أعْرابِيٌّ قَوْمًا فَقالَ: يَصُومُونَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقُصُّونَ عَلى الفَواحِشِ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن صِيامِ الخَيْلِ، وهو إمْساكُها عَنِ السَّيْرِ والعَلَفِ، قالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: ؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما وَلِذَلِكَ قِيلَ لِقائِمِ الظَّهِيرَةِ: قَدْ صامَ النَّهارُ، لِإبْطاءِ الشَّمْسِ فِيهِ عَنِ السَّيْرِ، فَصارَتْ بِالإبْطاءِ كالمُمْسِكَةِ عَنْهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَدَعْها وسُلَّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا إلّا أنَّ الصِّيامَ في الشَّرْعِ: إنَّما هو إمْساكٌ عَنْ مَحْظُوراتِ الصِّيامِ في زَمانِهِ، فَجَعَلَ الصِّيامَ مِن أوْكَدِ عِباداتِهِ وألْزَمِ فُرُوضِهِ، حَتّى رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ).» وإنَّما اخْتَصَّ الصَّوْمَ بِأنَّهُ لَهُ، وإنْ كانَ كُلُّ العِباداتِ لَهُ، لِأمْرَيْنِ بايَنَ الصَّوْمُ بِهِما سائِرَ العِباداتِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ مَنعٌ مِن مَلاذِّ النَّفْسِ وشَهَواتِها، ما لا يَمْنَعُ مِنهُ سائِرُ العِباداتِ. والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ لا يَظْهَرُ إلّا لَهُ، فَلِذَلِكَ صارَ مُخْتَصًّا بِهِ، وما سِواهُ مِنَ العِباداتِ ظاهِرٌ، رُبَّما فَعَلَهُ تَصَنُّعًا ورِياءً، فَلِهَذا صارَ أخَصَّ بِالصَّوْمِ مِن غَيْرِهِ. (p-٢٣٦) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ والرَّبِيعِ وأسْباطٍ. والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ صَوْمِنا، وصَوْمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِنا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّشْبِيهَ في حُكْمِ الصَّوْمِ وصِفَتِهِ، لا في عَدَدِهِ لِأنَّ اليَهُودَ يَصُومُونَ مِنَ العَتَمَةِ إلى العَتَمَةِ، ولا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا، وكانَ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، لا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا حَتّى كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ ما كانَ، فَأجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (بَيْنَ صَوْمِنا وصَوْمِ أهْلِ الكِتابِ أكْلَةُ السَّحَرِ)» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ في عَدَدِ الصَّوْمِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّصارى كانَ اللَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صِيامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا كَما فَرَضَ عَلَيْنا، فَكانَ رُبَّما وقَعَ في القَيْظِ، فَجَعَلُوهُ في الفَصْلِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، ثُمَّ كَفَّرُوهُ بِصَوْمِ عِشْرِينَ يَوْمًا زائِدَةٍ، لِيَكُونَ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ وتَكْفِيرًا لِتَبْدِيلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ كانَ عَلَيْهِمْ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ يَوْمِ عاشُوراءَ، وثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، فَكانَ عَلى ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى أنْ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضانَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أوَّلَ ما نُسِخَ شَأْنُ القِبْلَةِ والصِّيامُ الأوَّلُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ما حُرِّمَ عَلَيْكم في الصِّيامِ، مِن أكْلِ الطَّعامِ، وشُرْبِ الشَّرابِ، ووَطْءِ النِّساءِ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. (p-٢٣٧) والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الصَّوْمَ سَبَبٌ يَؤُولُ بِصاحِبِهِ إلى تَقْوى اللَّهِ، لِما فِيهِ مِن قَهْرِ النَّفْسِ، وكَسْرِ الشَّهْوَةِ، وإذْهابِ الأشَرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ الَّتِي أبانَها مِن بَعْدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنَّها صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ، وهي الأيّامُ البِيضُ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الثّانِيَ عَشَرَ وما يَلِيهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها الثّالِثَ عَشَرَ وما يَلِيهِ، وهو أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ أيّامَ الشَّهْرِ مُجَزَّأةٌ عِنْدَ العَرَبِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ، كُلُّ جُزْءٍ مِنها ثَلاثَةُ أيّامٍ، تَخْتَصُّ بِاسْمٍ، فَأوَّلُها ثَلاثٌ غُرَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ شُهَبٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بُهَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ عُشَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بِيضٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُرَعٌ، والدَّرَعُ هو سَوادُ مُقَدَّمِ الشّاةِ، وبَياضُ مُؤَخَّرِها، فَقِيلَ لِهَذِهِ الثَّلاثِ دُرَعٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَغِيبُ في أوَّلِها، فَيَصِيرُ لَيْلُها دَرْعًا، لِسَوادِ أوَّلِهِ، وبَياضِ آخِرِهِ، ثُمَّ ثَلاثٌ خُنَّسٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَخْنِسُ فِيها، أيْ يَتَأخَّرُ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُهَمٌ، وقِيلَ: حَنادِسُ لِإظْلامِها، ثُمَّ ثَلاثٌ فُحَمٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَتَفَحَّمُ فِيها، أيْ يَطْلُعُ آخِرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ ثَلاثٌ رادِّي، وهي آخِرُ الشَّهْرِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرّادَّةِ، أنْ تُسْرِعَ نَقْلَ أرْجُلِها حَتّى تَضَعَها في مَوْضِعِ أيْدِيها. وَقَدْ حَكى أبُو زَيْدٍ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، أنَّهم جَعَلُوا لِلْقَمَرِ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن لَيالِي العَشْرِ اسْمًا، فَقالُوا: لَيْلَةٌ عَتَمَةٌ سُخَيْلَةْ حَلَّ أهْلُها بِرُمَيْلَةْ، وابْنُ لَيْلَتَيْنِ حَدِيثُ مَيْنٍ مُكَذَّبٌ ومُبِينٌ، ورَواهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَذِبٍ ومَيْنٍ، وابْنُ ثَلاثٍ قَلِيلُ اللَّباثِ، وابْنُ أرْبَعٍ عَتَمَةُ رُبَعٍ لا جائِعٌ ولا مُرْضَعٌ، وابْنُ خَمْسٍ حَدِيثٌ وأُنْسٌ، وابْنُ سِتٍّ سِرْ وبِتْ، وابْنُ سَبْعٍ دُلْجَةُ الضَّبُعِ، وابْنُ ثَمانٍ قَمَرٌ إضْحِيانٌ، وابْنُ تِسْعٍ انْقَطَعَ الشِّسْعُ. وَفي رِوايَةِ غَيْرِ أبِي زَيْدٍ: يُلْتَقَطُ فِيهِ الجِزْعُ، وابْنُ عَشْرٍ ثُلُثُ الشَّهْرِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ وعَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يُجْعَلْ لَهُ فِيما زادَ عَنِ العَشْرِ اسْمًا مُفْرَدًا. (p-٢٣٨) واخْتَلَفُوا في الهِلالِ مَتى يَصِيرُ قَمَرًا، فَقالَ قَوْمٌ: يُسَمّى هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا حَتّى يُحَجِّرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخَطَّةٍ دَقِيقَةٍ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى أنْ يَبْهَرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، فَإذا بَهَرَ ضَوْؤُهُ يُسَمّى قَمَرًا، وهَذا لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلَةِ السّابِعَةِ. [ثُمَّ عُدْنا إلى تَفْسِيرِ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ]. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ يَعْنِي مَرِيضًا لا يَقْدِرُ مَعَ مَرَضِهِ عَلى الصِّيامِ، أوْ عَلى سَفَرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ في سَفَرِهِ الصِّيامُ. ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَعَ وُجُودِ السَّفَرِ، يَلْزَمُهُ القَضاءُ سَواءٌ صامَ في سَفَرِهِ أوْ أفْطَرَ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ. والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهُ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، ولَوْ صامَ في مَرَضِهِ وسَفَرِهِ لَمْ يَعُدْ، لِكَوْنِ الفِطْرِ بِهِما رُخْصَةً لا حَتْمًا، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ هَكَذا قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، وتَأْوِيلُها: وعَلى الَّذِينَ يُكَلَّفُونَهُ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى صِيامِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، كالشَّيْخِ والشَّيْخَةِ والحامِلِ والمُرْضِعِ، فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، ولا قَضاءَ عَلَيْهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ. وَعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ورَدَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، خَيَّرَ اللَّهُ تَعالى بِها المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ بَيْنَ أنْ يَصُومُوا ولا يُكَفِّرُوا، وبَيْنَ أنْ يُفْطِرُوا ويُكَفِّرُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإطْعامِ مِسْكِينٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعَلْقَمَةَ، والضَّحّاكِ. (p-٢٣٩) والثّانِي: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ، وأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيْ كانُوا يُطِيقُونَهُ في حالِ شَبابِهِمْ، وإذا كَبِرُوا عَجَزُوا عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرِهِمْ أنْ يُفْطِرُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والسُّدِّيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ زادَ عَلى مِسْكِينٍ واحِدٍ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ صامَ مَعَ الفِدْيَةِ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ورِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ خَيْرٌ مِنَ الفِطْرِ فِيهِ والقَضاءِ بَعْدَهُ. والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ لِمُطِيقِهِ خَيْرٌ وأفْضَلُ ثَوابًا مِنَ التَّكْفِيرِ لِمَن أفْطَرَ بِالعَجْزِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما شَرَّعْتُهُ فِيكم وبَيَّنْتُهُ مِن دِينِكم. والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْلَ أعْمالِكم وثَوابَ أفْعالِكم.

البقرة 2:184

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، والصِّيامُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الإمْساكُ عَنْهُ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ صَمْتًا، لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، وذَمَّ أعْرابِيٌّ قَوْمًا فَقالَ: يَصُومُونَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقُصُّونَ عَلى الفَواحِشِ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن صِيامِ الخَيْلِ، وهو إمْساكُها عَنِ السَّيْرِ والعَلَفِ، قالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: ؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما وَلِذَلِكَ قِيلَ لِقائِمِ الظَّهِيرَةِ: قَدْ صامَ النَّهارُ، لِإبْطاءِ الشَّمْسِ فِيهِ عَنِ السَّيْرِ، فَصارَتْ بِالإبْطاءِ كالمُمْسِكَةِ عَنْهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَدَعْها وسُلَّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا إلّا أنَّ الصِّيامَ في الشَّرْعِ: إنَّما هو إمْساكٌ عَنْ مَحْظُوراتِ الصِّيامِ في زَمانِهِ، فَجَعَلَ الصِّيامَ مِن أوْكَدِ عِباداتِهِ وألْزَمِ فُرُوضِهِ، حَتّى رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ).» وإنَّما اخْتَصَّ الصَّوْمَ بِأنَّهُ لَهُ، وإنْ كانَ كُلُّ العِباداتِ لَهُ، لِأمْرَيْنِ بايَنَ الصَّوْمُ بِهِما سائِرَ العِباداتِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ مَنعٌ مِن مَلاذِّ النَّفْسِ وشَهَواتِها، ما لا يَمْنَعُ مِنهُ سائِرُ العِباداتِ. والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ لا يَظْهَرُ إلّا لَهُ، فَلِذَلِكَ صارَ مُخْتَصًّا بِهِ، وما سِواهُ مِنَ العِباداتِ ظاهِرٌ، رُبَّما فَعَلَهُ تَصَنُّعًا ورِياءً، فَلِهَذا صارَ أخَصَّ بِالصَّوْمِ مِن غَيْرِهِ. (p-٢٣٦) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ والرَّبِيعِ وأسْباطٍ. والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ صَوْمِنا، وصَوْمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِنا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّشْبِيهَ في حُكْمِ الصَّوْمِ وصِفَتِهِ، لا في عَدَدِهِ لِأنَّ اليَهُودَ يَصُومُونَ مِنَ العَتَمَةِ إلى العَتَمَةِ، ولا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا، وكانَ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، لا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا حَتّى كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ ما كانَ، فَأجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (بَيْنَ صَوْمِنا وصَوْمِ أهْلِ الكِتابِ أكْلَةُ السَّحَرِ)» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ في عَدَدِ الصَّوْمِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّصارى كانَ اللَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صِيامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا كَما فَرَضَ عَلَيْنا، فَكانَ رُبَّما وقَعَ في القَيْظِ، فَجَعَلُوهُ في الفَصْلِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، ثُمَّ كَفَّرُوهُ بِصَوْمِ عِشْرِينَ يَوْمًا زائِدَةٍ، لِيَكُونَ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ وتَكْفِيرًا لِتَبْدِيلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ كانَ عَلَيْهِمْ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ يَوْمِ عاشُوراءَ، وثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، فَكانَ عَلى ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى أنْ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضانَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أوَّلَ ما نُسِخَ شَأْنُ القِبْلَةِ والصِّيامُ الأوَّلُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ما حُرِّمَ عَلَيْكم في الصِّيامِ، مِن أكْلِ الطَّعامِ، وشُرْبِ الشَّرابِ، ووَطْءِ النِّساءِ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. (p-٢٣٧) والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الصَّوْمَ سَبَبٌ يَؤُولُ بِصاحِبِهِ إلى تَقْوى اللَّهِ، لِما فِيهِ مِن قَهْرِ النَّفْسِ، وكَسْرِ الشَّهْوَةِ، وإذْهابِ الأشَرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ الَّتِي أبانَها مِن بَعْدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنَّها صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ، وهي الأيّامُ البِيضُ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الثّانِيَ عَشَرَ وما يَلِيهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها الثّالِثَ عَشَرَ وما يَلِيهِ، وهو أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ أيّامَ الشَّهْرِ مُجَزَّأةٌ عِنْدَ العَرَبِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ، كُلُّ جُزْءٍ مِنها ثَلاثَةُ أيّامٍ، تَخْتَصُّ بِاسْمٍ، فَأوَّلُها ثَلاثٌ غُرَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ شُهَبٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بُهَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ عُشَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بِيضٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُرَعٌ، والدَّرَعُ هو سَوادُ مُقَدَّمِ الشّاةِ، وبَياضُ مُؤَخَّرِها، فَقِيلَ لِهَذِهِ الثَّلاثِ دُرَعٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَغِيبُ في أوَّلِها، فَيَصِيرُ لَيْلُها دَرْعًا، لِسَوادِ أوَّلِهِ، وبَياضِ آخِرِهِ، ثُمَّ ثَلاثٌ خُنَّسٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَخْنِسُ فِيها، أيْ يَتَأخَّرُ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُهَمٌ، وقِيلَ: حَنادِسُ لِإظْلامِها، ثُمَّ ثَلاثٌ فُحَمٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَتَفَحَّمُ فِيها، أيْ يَطْلُعُ آخِرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ ثَلاثٌ رادِّي، وهي آخِرُ الشَّهْرِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرّادَّةِ، أنْ تُسْرِعَ نَقْلَ أرْجُلِها حَتّى تَضَعَها في مَوْضِعِ أيْدِيها. وَقَدْ حَكى أبُو زَيْدٍ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، أنَّهم جَعَلُوا لِلْقَمَرِ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن لَيالِي العَشْرِ اسْمًا، فَقالُوا: لَيْلَةٌ عَتَمَةٌ سُخَيْلَةْ حَلَّ أهْلُها بِرُمَيْلَةْ، وابْنُ لَيْلَتَيْنِ حَدِيثُ مَيْنٍ مُكَذَّبٌ ومُبِينٌ، ورَواهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَذِبٍ ومَيْنٍ، وابْنُ ثَلاثٍ قَلِيلُ اللَّباثِ، وابْنُ أرْبَعٍ عَتَمَةُ رُبَعٍ لا جائِعٌ ولا مُرْضَعٌ، وابْنُ خَمْسٍ حَدِيثٌ وأُنْسٌ، وابْنُ سِتٍّ سِرْ وبِتْ، وابْنُ سَبْعٍ دُلْجَةُ الضَّبُعِ، وابْنُ ثَمانٍ قَمَرٌ إضْحِيانٌ، وابْنُ تِسْعٍ انْقَطَعَ الشِّسْعُ. وَفي رِوايَةِ غَيْرِ أبِي زَيْدٍ: يُلْتَقَطُ فِيهِ الجِزْعُ، وابْنُ عَشْرٍ ثُلُثُ الشَّهْرِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ وعَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يُجْعَلْ لَهُ فِيما زادَ عَنِ العَشْرِ اسْمًا مُفْرَدًا. (p-٢٣٨) واخْتَلَفُوا في الهِلالِ مَتى يَصِيرُ قَمَرًا، فَقالَ قَوْمٌ: يُسَمّى هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا حَتّى يُحَجِّرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخَطَّةٍ دَقِيقَةٍ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى أنْ يَبْهَرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، فَإذا بَهَرَ ضَوْؤُهُ يُسَمّى قَمَرًا، وهَذا لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلَةِ السّابِعَةِ. [ثُمَّ عُدْنا إلى تَفْسِيرِ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ]. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ يَعْنِي مَرِيضًا لا يَقْدِرُ مَعَ مَرَضِهِ عَلى الصِّيامِ، أوْ عَلى سَفَرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ في سَفَرِهِ الصِّيامُ. ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَعَ وُجُودِ السَّفَرِ، يَلْزَمُهُ القَضاءُ سَواءٌ صامَ في سَفَرِهِ أوْ أفْطَرَ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ. والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهُ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، ولَوْ صامَ في مَرَضِهِ وسَفَرِهِ لَمْ يَعُدْ، لِكَوْنِ الفِطْرِ بِهِما رُخْصَةً لا حَتْمًا، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ هَكَذا قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، وتَأْوِيلُها: وعَلى الَّذِينَ يُكَلَّفُونَهُ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى صِيامِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، كالشَّيْخِ والشَّيْخَةِ والحامِلِ والمُرْضِعِ، فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، ولا قَضاءَ عَلَيْهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ. وَعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ورَدَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، خَيَّرَ اللَّهُ تَعالى بِها المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ بَيْنَ أنْ يَصُومُوا ولا يُكَفِّرُوا، وبَيْنَ أنْ يُفْطِرُوا ويُكَفِّرُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإطْعامِ مِسْكِينٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعَلْقَمَةَ، والضَّحّاكِ. (p-٢٣٩) والثّانِي: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ، وأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيْ كانُوا يُطِيقُونَهُ في حالِ شَبابِهِمْ، وإذا كَبِرُوا عَجَزُوا عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرِهِمْ أنْ يُفْطِرُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والسُّدِّيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ زادَ عَلى مِسْكِينٍ واحِدٍ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ صامَ مَعَ الفِدْيَةِ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ورِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ خَيْرٌ مِنَ الفِطْرِ فِيهِ والقَضاءِ بَعْدَهُ. والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ لِمُطِيقِهِ خَيْرٌ وأفْضَلُ ثَوابًا مِنَ التَّكْفِيرِ لِمَن أفْطَرَ بِالعَجْزِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما شَرَّعْتُهُ فِيكم وبَيَّنْتُهُ مِن دِينِكم. والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْلَ أعْمالِكم وثَوابَ أفْعالِكم.

البقرة 2:185

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أمّا الشَّهْرُ فَمَأْخُوذٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، ومِنهُ قِيلَ: قَدْ شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ، إذا أخْرَجَهُ، وأمّا رَمَضانُ فَإنَّ بَعْضَ أهْلِ اللُّغَةِ يَزْعُمُ أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِشِدَّةِ ما كانَ يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ حَتّى تَرْمَضَ فِيهِ الفِصالُ، كَما قِيلَ لِشَهْرِ الحَجِّ: ذُو الحِجَّةِ، وقَدْ كانَ شَهْرُ رَمَضانَ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ ناتِقًا. (p-٢٤٠) وَأمّا مُجاهِدٌ فَإنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: رَمَضانُ، ويَقُولُ: لَعَلَّهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وَفي إنْزالِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في شَهْرِ رَمَضانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنهُ، ثُمَّ أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ، عَلى ما أرادَ إنْزالَهُ عَلَيْهِ. رَوى أبُو مُسْلِمٍ عَنْ وائِلَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ الإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ القُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ. » والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى أُنْزِلَ القُرْآنُ في فَرْضِ صِيامِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ يَعْنِي رَشادًا لِلنّاسِ. ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ أيْ بَيِّناتٌ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وفُرْقانٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الشَّهْرُ لا يَغِيبُ عَنْ أحَدٍ، وفي تَأْوِيلِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَمَن شَهِدَ أوَّلَ الشَّهْرِ، وهو مُقِيمٌ فَعَلَيْهِ صِيامُهُ إلى آخِرِهِ، ولَيْسَ لَهُ (p-٢٤١) أنْ يُفْطِرَ في بَقِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ. والثّانِي: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ، فَلْيَصُمْ ما شَهِدَ مِنهُ وهو مُقِيمٌ دُونَ ما لَمْ يَشْهَدْهُ في السَّفَرِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ البَصْرِيِّ. والثّالِثُ: فَمَن شَهِدَ بالِغًا عاقِلًا مُكَلَّفًا فَلْيَصُمْهُ، ولا يَسْقُطُ صَوْمُ بَقِيَّتِهِ إذا جُنَّ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وصاحِبَيْهِ. ﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ وإنَّما أعادَ ذِكْرَ الفِطْرِ بِالمَرَضِ والسَّفَرِ مَعَ قُرْبِ ذِكْرِهِ مِن قَبْلُ، لِأنَّهُ في حُكْمِ تِلْكَ الآيَةِ مَنسُوخٌ، فَأعادَ ذِكْرَهُ، لِئَلّا يَصِيرَ بِالمَنسُوخِ مَقْرُونًا، وتَقْدِيرُهُ: فَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ في شَهْرِ رَمَضانَ فَأفْطَرَ، فَعَلَيْهِ عِدَّةُ ما أفْطَرَ مِنهُ، أنْ يَقْضِيَهُ مِن بَعْدِهِ. واخْتَلَفُوا في المَرَضِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ الفِطْرُ في شَهْرِ رَمَضانَ، عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ كُلُّ مَرَضٍ لَمْ يُطِقِ الصَّلاةَ مَعَهُ قائِمًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والثّانِي: أنَّهُ المَرَضُ الَّذِي الأغْلَبُ مِن أمْرِ صاحِبِهِ بِالصَّوْمِ الزِّيادَةُ في عِلَّتِهِ زِيادَةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَرَضٍ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَرَضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ. فَأمّا السَّفَرُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ ما انْطَلَقَ اسْمُ السَّفَرِ مِن طَوِيلٍ أوْ قَصِيرٍ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ. والثّانِي: أنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الفِطْرِ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ واجِبٌ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ مُباحٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ قالَ ابْنُ (p-٢٤٢)عَبّاسٍ: اليُسْرُ الإفْطارُ، والعُسْرُ الصِّيامُ في السَّفَرِ، ونَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ. ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ يَعْنِي عِدَّةَ ما أفْطَرَ ثُمَّ في صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ بِالقَضاءِ في غَيْرِهِ. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَكْبِيرُ الفِطْرِ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ يَعْنِي مِن صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى عُمُومِ ما هَدانا إلَيْهِ مِن دِينِهِ. ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَشْكُرُونَ عَلى هِدايَتِهِ لَكم. والثّانِي: عَلى ما أنْعَمَ بِهِ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:186

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في سائِلٍ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟ فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أيِّ ساعَةٍ يَدْعُونَ اللَّهَ فِيها، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ والسُّدِّيِّ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ جَوابًا لِقَوْمٍ قالُوا: كَيْفَ نَدْعُو؟ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالُوا: إلى أيْنَ نَدْعُوهُ؟ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. (p-٢٤٣) وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَرِيبٌ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قَرِيبُ الإجابَةِ. والثّانِي: قَرِيبٌ مِن سَماعِ الدُّعاءِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أسْمَعُ دَعْوَةَ الدّاعِي إذا دَعانِي، فَعَبَّرَ عَنِ السَّماعِ بِالإجابَةِ، لِأنَّ السَّماعَ مُقَدِّمَةُ الإجابَةِ. والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إجابَةَ الدّاعِي إلى ما سَألَ، ولا يَخْلُو سُؤالُ الدّاعِي أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ أوْ مُخالِفًا لَها، فَإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ لَمْ تَجُزِ الإجابَةُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ، فَلا يَخْلُو حالُ الدّاعِي مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَكْمِلًا شُرُوطَ الطَّلَبِ أوْ مَقْصُورًا فِيها: فَإنِ اسْتَكْمَلَها جازَتْ إجابَتُهُ، وفي وُجُوبِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها واجِبَةٌ لِأنَّها تَجْرِي مَجْرى ثَوابِ الأعْمالِ، لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ ثَوابُها الإجابَةُ. والثّانِي: أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لِأنَّها رَغْبَةٌ وطَلَبٌ، فَصارَتِ الإجابَةُ إلَيْها تَفَضُّلًا. وَإنْ كانَ مَقْصُورًا في شُرُوطِ الطَّلَبِ لَمْ تُجَبْ إجابَتُهُ، وفي جَوازِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَجُوزُ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَها مَعَ اسْتِكْمالِ شُرُوطِها. والثّانِي: تَجُوزُ، وهو قَوْلُ مَن لَمْ يُوجِبْها مَعَ اسْتِكْمالِ شُرُوطِها. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِجابَةَ بِمَعْنى الإجابَةِ، يُقالُ: اسْتَجَبْتُ لَهُ بِمَعْنى أجَبْتُهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ: ؎ وداعٍ دَعا: يا مَن يُجِيبُ إلَيَّ النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ أيْ فَلَمْ يُجِبْهُ. والثّانِي: أنَّ الِاسْتِجابَةَ طَلَبُ المُوافَقَةِ لِلْإجابَةِ، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ. (p-٢٤٤) والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ فَلْيَسْتَجِيبُوا إلَيَّ بِالطّاعَةِ. والرّابِعُ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، يَعْنِي فَلْيَدْعُونِي.

البقرة 2:187

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (الرَّفَثُ) و(الرُّفُوثُ) جَمِيعًا، وهو الجِماعُ في قَوْلِهِ، وأصْلُهُ فاحِشُ القَوْلِ، كَما قالَ العَجّاجُ: ؎ ... ... ... ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ الكَلامِ فَيُكَنّى بِهِ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ كانَ فُحْشًا. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِمَنزِلَةِ اللِّباسِ، لِإفْضاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ، يَسْتَتِرُ بِهِ كالثَّوْبِ المَلْبُوسِ، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: ؎ إذا ما الضَّجِيجُ ثَنى عِطْفَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسا والثّانِي: أنَّهم لِباسٌ يَعْنِي السَّكَنَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النَّبَإ: ١٠] أيْ سَكَنًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ. (p-٢٤٥) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الخِيانَةِ الَّتِي كانَ القَوْمُ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ، شَيْئانِ: أحَدُهُما: إتْيانُ النِّساءِ. الثّانِي: الأكْلُ والشُّرْبُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أباحَ في أوَّلِ الإسْلامِ الأكْلَ والشُّرْبَ والجِماعَ في لَيْلِ الصِّيامِ قَبْلَ نَوْمِ الإنْسانِ، وحَرَّمَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ نَوْمِهِ، حَتّى جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ذاتَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، يُرِيدُ امْرَأتَهُ، فَقالَتْ لَهُ: إنِّي قَدْ نِمْتُ، وظَنَّ أنَّها تَعْتَلُّ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ بِها، وجاءَ أبُو قَيْسٍ ابْنُ صِرْمَةَ، وكانَ يَعْمَلُ في أرْضٍ لَهُ، فَأرادَ الأكْلَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: نُسَخِّرُ لَكَ شَيْئًا، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ، ثُمَّ أحْضَرَتْ إلَيْهِ الطَّعامَ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِنهُ فَلَمّا أصْبَحَ لاقى جَهْدًا. وَأخْبَرَ عُمَرُ وأبُو قَيْسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِما كانَ مِنهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: العَفْوُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ. والثّانِي: العَفْوُ عَنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ بَعْدَ النَّوْمِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِماعَ، لِأنَّ أصْلَ المُباشَرَةِ مِن إلْصاقِ البَشَرَةِ بِالبَشَرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ بَيانًا لِما كانَ في جِماعِ عُمَرَ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: طَلَبُ الوَلَدِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ. والثّانِي: لَيْلَةُ القَدْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والثّالِثُ: ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكم ورَخَّصَ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. ثُمَّ قالَ تَعالى فِيما كانَ مِن شَأْنِ أبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ (p-٢٤٦)لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ والخَيْطِ الأسْوَدِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾، فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّما يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ ضَوْءَ النَّهارِ، وهو الفَجْرُ الثّانِي، وبِالخَيْطِ الأسْوَدِ سَوادَ اللَّيْلِ قَبْلَ الفَجْرِ الثّانِي. وَرَوى الشَّعْبِيُّ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: أنَّهُ عَهِدَ إلى خَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، وجَعَلَهُما تَحْتَ وِسادَتِهِ، فَكانَ يُراعِيهِما في صَوْمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (إنَّكَ لَعَرِيضُ الوِسادَةِ، إنَّما هو بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ).» وسُمِّيَ خَيْطًا، لِأنَّ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ البَياضِ مُمْتَدٌّ كالخَيْطِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ الخَيْطُ الأبْيَضُ ضَوْءُ الصُّبْحِ مُنْفَلِقٌ ∗∗∗ والخَيْطُ الأسْوَدُ لَوْنُ اللَّيْلِ مَكْتُومُ والخَيْطُ في كَلامِهِمْ عِبارَةٌ عَنِ اللَّوْنِ. والثّالِثُ: ما حُكِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ رَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَسَحَّرُ وأنا أرى مَواقِعَ النَّبْلِ، قالَ: قُلْتُ بَعْدَ الصُّبْحِ؟ قالَ: هو الصُّبْحُ إلّا أنَّهُ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ)،» وهَذا قَوْلٌ قَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ رَوى سَوادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (لا يَمْنَعَنَّكم مِن سُحُورِكم أذانُ بِلالٍ ولا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ ولَكِنِ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ)» . ورَوى الحارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ (p-٢٤٧) قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (الفَجْرُ فَجْرانِ، فالَّذِي كَأنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحانِ لا يُحَرِّمُ شَيْئًا، وأمّا المُسْتَطِيرُ الَّذِي يَأْخُذُ الأُفُقَ فَإنَّهُ يُحِلُّ الصَّلاةَ ويُحَرِّمُ الطَّعامَ).» فَأمّا الفَجْرُ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَجَرَ الماءُ يَفْجُرُ فَجْرًا، إذا جَرى وانْبَعَثَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلطّالِعِ مِن تَباشِيرِ ضِياءِ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها: (فَجْرٌ) لِانْبِعاثِ ضَوْئِهِ، فَيَكُونُ زَمانُ الصَّوْمِ المُجْمَعُ عَلى تَحْرِيمِ الطَّعامِ والشَّرابِ فِيهِ، وإباحَتُهُ فِيما سِواهُ، ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي وغُرُوبِ الشَّمْسِ. رَوى عَطاءٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (أعْظَمُ الصّائِمِينَ أجْرًا أقْرَبُهم مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إفْطارًا)» . ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ يَعْنِي بِهِ غُرُوبَ الشَّمْسِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عُنِيَ بِالمُباشَرَةِ الجِماعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. (p-٢٤٨) والثّانِي: ما دُونَ الجِماعِ مِنَ اللَّمْسِ والقُبْلَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومالِكٍ. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ ما حَرَّمَ، وفي تَسْمِيَتِها حُدُودَ اللَّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَدَّها بِالذِّكْرِ والبَيانِ. والثّانِي: لِما أوْجَبَهُ في أكْثَرِ المُحَرَّماتِ مِنَ الحُدُودِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِآياتِهِ عَلاماتِ مُتَعَبَّداتِهِ. والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِالآياتِ هُنا الفَرائِضَ والأحْكامَ.

البقرة 2:188

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالغَصْبِ والظُّلْمِ. والثّانِي: بِالقِمارِ والمَلاهِي. ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ مَأْخُوذٌ مِن إدْلاءِ الدَّلْوِ إذا أرْسَلْتَهُ. وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا مَعْناهُ: وتُقِيمُوا الحُجَّةَ بِها عِنْدَ الحاكِمِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ أدْلى بِحُجَّتِهِ إذا قامَ بِها. وَفي هَذا المالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَدائِعُ وما لا تَقُومُ بِهِ بَيِّنَةٌ مِن سائِرِ الأمْوالِ الَّتِي إذا جَحَدَها، حُكِمَ بِجُحُودِهِ فِيها. والثّانِي: أنَّها أمْوالُ اليَتامى الَّتِي هو مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها. ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَأْكُلُوا بَعْضَ أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ، فَعَبَّرَ عَنِ البَعْضِ بِالفَرِيقِ. والثّانِي: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وتَقْدِيرُهُ: لِتَأْكُلُوا أمْوالَ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ بِالإثْمِ. (p-٢٤٩) وَفِي (أكْلِهِ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالجُحُودِ. والثّانِي: بِشَهادَةِ الزُّورِ. والثّالِثُ: بِرِشْوَةِ الحُكّامِ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لِلنّاسِ. والثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها إثْمٌ. قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ، وعَبْدانَ بْنِ رَبِيعَةَ الحَضْرَمِيِّ، وقَدِ اخْتَصَما في أرْضٍ كانَ عَبْدانُ فِيها ظالِمًا وامْرُؤُ القَيْسِ مَظْلُومًا، فَأرادَ أنْ يَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَفَّ عَنِ اليَمِينِ.

البقرة 2:189

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها، «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ غَنَمَةَ، وهُما مِنَ الأنْصارِ، سَألا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ زِيادَةِ الأهِلَّةِ ونَشْأتِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وأُخِذَ اسْمُ الهِلالِ مِنِ اسْتِهْلالِ النّاسِ بِرَفْعِ أصْواتِهِمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، والمَواقِيتُ: مَقادِيرُ الأوْقاتِ لِدُيُونِهِمْ وحَجِّهِمْ، ويُرِيدُ بِالأهِلَّةِ شُهُورَها، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الهِلالِ بِالشَّهْرِ لِحَوْلِهِ فِيهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أخَوانِ مِن نَجْدٍ عَلى ثِقَةٍ والشَّهْرُ مِثْلُ قُلامَةِ الظُّفْرِ ∗∗∗ حَتّى تَكامَلَ في اسْتِدارَتِهِ ∗∗∗ في أرْبَعٍ زادَتْ عَلى عَشْرِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ ذَلِكَ، ما رَوى داوُدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أنَّ (p-٢٥٠) النّاسَ كانُوا إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا حائِطًا مِن بابِهِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دارًا، وكانَ رَجُلٌ مِنالأنْصارِ يُقالُ لَهُ رِفاعَةُ بْنُ أيُّوبَ، فَجاءَ فَتَسَوَّرَ الحائِطَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمّا خَرَجَ مِن بابِ الدّارِ خَرَجَ رِفاعَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: (ما حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَأيْتُكَ خَرَجْتَ مِنهُ فَخَرَجْتُ مِنهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي رَجُلٌ أحْمَسُ فَقالَ: إنْ تَكُنْ أحْمَسَ فَدِينُنا واحِدٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ الآيَةَ،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وقَوْلُهُ: أحْمَسُ يَعْنِي مِن قُرَيْشٍ، كانُوا يُسَمَّوْنَ (الحُمْسَ) لِأنَّهم تَحَمَّسُوا في دِينِهِمْ أيْ تَشَدَّدُوا، والحَماسَةُ الشِّدَّةُ، قالَ العَجّاجُ: ؎ وكَمْ قَطَعْنا مِن قِفافٍ حُمْسِ أيْ شِدادٍ. والقَوْلُ الثّانِي: عَنى بِالبُيُوتِ النِّساءَ، سُمِّيَتْ بُيُوتًا لِلْإيواءِ إلَيْهِنَّ، كالإيواءِ إلى البُيُوتِ، ومَعْناهُ: لا تَأْتُوا النِّساءَ مِن حَيْثُ لا يَحِلُّ مِن ظُهُورِهِنَّ، وأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ يَحِلُّ مِن قُبُلِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ في النَّسِيءِ وتَأْخِيرِ الحَجِّ بِهِ، حِينَ كانُوا يَجْعَلُونَ الشَّهْرَ الحَلالَ حَرامًا بِتَأْخِيرِ الحَجِّ، والشَّهْرَ الحَرامَ حَلالًا بِتَأْخِيرِ الحَجِّ عَنْهُ، ويَكُونُ ذِكْرُ البُيُوتِ وإتْيانِها مِن ظُهُورِها مَثَلًا لِمُخالَفَةِ الواجِبِ في الحَجِّ وشُهُورِهِ، والمُخالَفَةُ إتْيانُ الأمْرِ مِن خَلْفِهِ، والخَلْفُ والظَّهْرُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا خَرَجَ لِحاجَتِهِ، فَعادَ ولَمْ يَنْجَحْ لَمْ يَدْخُلْ مِن بابِهِ، ودَخَلَ مِن ورائِهِ، تَطَيُّرًا مِنَ الخَيْبَةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَأْتُوا بُيُوتَهم مِن أبْوابِها. والخامِسُ: مَعْناهُ لَيْسَ البَرَّ أنْ تَطْلُبُوا الخَيْرَ مِن غَيْرِ أهْلِهِ، وتَأْتُوهُ مِن غَيْرِ بابِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. (p-٢٥١) والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، بِأنْ يَأْتُوا البِرَّ مِن وجْهِهِ، ولا يَأْتُوهُ مِن غَيْرِ وجْهِهِ.

البقرة 2:190

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، والكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِسُورَةِ بَراءَةٌ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ في الحُكْمِ، أُمِرَ فِيها بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، والِاعْتِداءِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الِاعْتِداءَ قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ. والثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ. والثّالِثُ: أنَّهُ القِتالُ عَلى غَيْرِ الدِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يَعْنِي حَيْثُ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ، ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ. ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَعْنِي بِالفِتْنَةِ الكُفْرَ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كالفِتْنَةِ. (p-٢٥٢) ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ قِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ نَبْدَأ بِقِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

البقرة 2:191

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، والكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِسُورَةِ بَراءَةٌ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ في الحُكْمِ، أُمِرَ فِيها بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، والِاعْتِداءِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الِاعْتِداءَ قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ. والثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ. والثّالِثُ: أنَّهُ القِتالُ عَلى غَيْرِ الدِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يَعْنِي حَيْثُ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ، ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ. ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَعْنِي بِالفِتْنَةِ الكُفْرَ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كالفِتْنَةِ. (p-٢٥٢) ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ قِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ نَبْدَأ بِقِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

البقرة 2:192

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، والكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِسُورَةِ بَراءَةٌ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ في الحُكْمِ، أُمِرَ فِيها بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، والِاعْتِداءِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الِاعْتِداءَ قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ. والثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ. والثّالِثُ: أنَّهُ القِتالُ عَلى غَيْرِ الدِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يَعْنِي حَيْثُ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ، ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ. ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَعْنِي بِالفِتْنَةِ الكُفْرَ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كالفِتْنَةِ. (p-٢٥٢) ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ قِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ نَبْدَأ بِقِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

البقرة 2:193

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، والكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِسُورَةِ بَراءَةٌ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ في الحُكْمِ، أُمِرَ فِيها بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، والِاعْتِداءِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الِاعْتِداءَ قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ. والثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ. والثّالِثُ: أنَّهُ القِتالُ عَلى غَيْرِ الدِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يَعْنِي حَيْثُ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ، ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ. ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَعْنِي بِالفِتْنَةِ الكُفْرَ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كالفِتْنَةِ. (p-٢٥٢) ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ قِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ نَبْدَأ بِقِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

البقرة 2:194

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كانَ قَدْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، فَصالَحَهم عَلى أنْ يَقْضِيَ في عامِهِ الآخَرِ، فَحَلَّ ورَجَعَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ قاضِيًا في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وأحَلَّتْ لَهُ قُرَيْشٌ مَكَّةَ حَتّى قَضى عُمْرَتَهُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾» يَعْنِي ذا القِعْدَةِ الَّذِي قَضى فِيهِ العُمْرَةَ مِن عامِهِ وهو مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِالشَّهْرِ الحَرامِ الَّذِي صَدُّوكم فِيهِ، وهو ذُو القِعْدَةِ في العامِ الماضِي، سُمِّيَ ذُو القِعْدَةِ لِقُعُودِ العَرَبِ فِيهِ عَنِ القِتالِ لِحُرْمَتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ لِأنَّ قُرَيْشًا فَخَرَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَّتْهُ، فاقْتَصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ زَيْدٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: «أنُهِيتَ يا مُحَمَّدُ عَنْ قِتالِنا في الشَّهْرِ الحَرامِ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَأرادُوا أنْ يُقاتِلُوهُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾» أيْ إنِ اسْتَحَلُّوا قِتالَكم في الشَّهْرِ الحَرامِ، فاسْتَحِلُّوا مِنهم مِثْلَ ما اسْتَحَلُّوا مِنكُمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.(p-٢٥٣)

البقرة 2:195

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الجِهادَ. ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ وفي الباءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: ولا تُلْقُوا أيْدِيَكم إلى التَّهْلُكَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ أيْ ولا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ، والتَّهْلُكَةِ والهَلاكُ واحِدٌ. وَفِي: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَتَهْلِكُوا بِالإثْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ. والثّانِي: أيْ لا تَخْرُجُوا بِغَيْرِ زادٍ، فَتَهْلِكُوا بِالضَّعْفِ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ ابْنِ أسْلَمَ. والثّالِثُ: أيْ تَيْأسُوا مِنَ المَغْفِرَةِ عِنْدَ ارْتِكابِ المَعاصِي، فَلا تَتُوبُوا، وهَذا قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ. والرّابِعُ: أنْ تَتْرُكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَهْلِكُوا، وهَذا قَوْلُ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ. والخامِسُ: أنَّها التَّقَحُّمُ في القِتالِ مِن غَيْرِ نِكايَةٍ في العَدُوِّ، وهَذا قَوْلُ أبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ. والسّادِسُ: أنَّهُ عامٌّ مَحْمُولٌ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِهِ الإحْسانَ في أداءِ الفَرائِضِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ الصَّحابَةِ. والثّانِي: وأحْسِنُوا الظَّنَّ بِالقَدَرِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ. والثّالِثُ: عُودُوا بِالإحْسانِ عَلى مَن لَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.(p-٢٥٤)

البقرة 2:196

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ عَلْقَمَةُ: وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ بِالبَيْتِ واخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ إتْمامِها عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي وأتِمُّوا الحَجَّ لِمَناسِكِهِ وسُنَنِهِ، وأتِمُّوا العُمْرَةَ بِحُدُودِها وسُنَّتِها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ. والثّانِي: أنَّ إتْمامَهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وطاوُسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ العُمْرَةِ أنْ نَخْدُمَ بِها في غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وإتْمامَ الحَجِّ أنْ تَأْتِيَ بِجَمِيعِ مَناسِكِهِ، حَتّى لا يَلْزَمَ دَمٌ لِجُبْرانِ نُقْصانٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والرّابِعُ: أنْ تَخْرُجَ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ لِأجْلِهِما، لا تُرِيدُ غَيْرَهُما مِن تِجارَةٍ، ولا مَكْسَبٍ، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. والخامِسُ: أنَّ إتْمامَهُما واجِبٌ بِالدُّخُولِ فِيهِما، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وأبِي بُرْدَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ومَسْرُوقٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ في هَذا الإحْصارِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ حابِسٍ مِن عَدُوٍّ، أوْ مَرَضٍ، أوْ عُذْرٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وأبِي حَنِيفَةَ. (p-٢٥٥) والثّانِي: أنَّهُ الإحْصارُ بِالعَدُوِّ، دُونَ المَرَضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ. وَفي ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شاةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وعَلْقَمَةَ، وعَطاءٍ، وأكْثَرِ الفُقَهاءِ. والثّانِي: بَدَنَةٌ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وطاوُسٍ، وعُرْوَةَ، وجَعَلُوهُ فِيما اسْتَيْسَرَ مِن صِغارِ البُدْنِ وكِبارِها. وَفي اشْتِقاقِ الهَدْيِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهَدِيَّةِ. والثّانِي: مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: هَدَيْتُهُ هَدْيًا، إذا سُقْتُهُ إلى طَرِيقِ سَبِيلِ الرَّشادِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وفي مَحِلِّ هَدْيِ المُحْصَرِ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَيْثُ أُحْصِرَ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وهارُونَ بْنِ الحَكَمِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الحَرَمُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ مَحِلَّهُ أنْ يَتَحَلَّلَ مِن إحْرامِهِ بادِئًا نُسُكَهُ، والمَقامُ عَلى إحْرامِهِ إلى زَوالِ إحْصارِهِ، ولَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَتَحَلَّلَ بِالإحْصارِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنْ كانَ إحْرامُهُ بِعُمْرَةٍ لَمْ يَفُتْ وإنْ كانَ بِحَجٍّ قَضاهُ بِالفَواتِ بَعْدَ الإحْلالِ مِنهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ مَعْناهُ: فَحَلَقَ، فَعَلَيْهِ ذَلِكَ. (p-٢٥٦) أمّا الصِّيامُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَلْقَمَةَ، وإبْراهِيمَ، والرَّبِيعِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: صِيامُ عَشَرَةِ أيّامٍ كَصِيامِ المُتَمَتِّعِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ. وَأمّا الصَّدَقَةُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: سِتَّةُ مَساكِينَ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ. والقَوْلُ الثّانِي: إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ صِيامَ عَشَرَةِ أيّامٍ. وَأمّا النُّسُكُ فَشاةٌ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن خَوْفِكم. والثّانِي: مِن مَرَضِكم. ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا المُتَمَتِّعِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُحْصَرُ بِالحَجِّ، إذا حَلَّ مِنهُ بِالإحْصارِ، ثُمَّ عادَ إلى بَلَدِهِ مُتَمَتِّعًا بَعْدَ إحْلالِهِ، فَإذا قَضى حَجَّهُ في العامِ الثّانِي، صارَ مُتَمَتِّعًا بِإحْلالٍ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، وهَذا قَوْلُ الزُّبَيْرِ. والثّانِي: فَمَن نَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ، فاسْتَمْتَعَ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَسْخِ حَجِّهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: فَمَن قَدِمَ الحَرَمَ مُعْتَمِرًا في أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ أقامَ بِمَكَّةَ حَتّى أحْرَمَ مِنها بِالحَجِّ في عامِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والشّافِعِيِّ. وَفي ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ما ذَكَرْناهُ مِنَ القَوْلَيْنِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ اخْتَلَفُوا في زَمانِها مِنَ الحَجِّ عَلى قَوْلَيْنِ: (p-٢٥٧) أحَدُهُما: بَعْدَ إحْرامِهِ وقَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، والسُّدِّيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والشّافِعِيِّ في الجَدِيدِ. والثّانِي: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وعُرْوَةَ، وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ سالِمٍ عَنْهُ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ. واخْتَلَفُوا في جَوازِ تَقْدِيمِها قَبْلَ الإحْرامِ بِالحَجِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَجُوزُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَجُوزُ. واخْتَلَفَ قائِلُو ذَلِكَ في زَمانِ تَقْدِيمِهِ قَبْلَ الحَجِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ولا يَجُوزُ قَبْلَها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ. والثّانِي: في أشْهُرِ الحَجِّ، ولا يَجُوزُ قَبْلَها، وهو قَوْلُ طاوُسٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ وفي زَمانِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا رَجَعْتُمْ مِن حَجِّكم في طَرِيقِكم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: إذا رَجَعْتُمْ إلى أهْلِيكم في أمْصارِكم، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والرَّبِيعِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها عَشَرَةٌ كامِلَةٌ في الثَّوابِ كَمَن أهْدى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. والثّانِي: عَشَرَةٌ كَمَّلَتْ لَكم أجْرَ مَن أقامَ عَلى إحْرامِهِ فَلَمْ يُحِلَّ مِنهُ ولَمْ يَتَمَتَّعْ. والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الخَبَرِ، ومَعْناهُ مَعْنى الأمْرِ، أيْ تِلْكَ عَشَرَةٌ، فَأكْمِلُوا صِيامَها ولا تُفْطِرُوا فِيها. والرّابِعُ: تَأْكِيدٌ في الكَلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٥٨) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وفي حاضِرِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ. والثّانِي: أنَّهم مَن بَيْنَ مَكَّةَ والمَواقِيتِ، وهو قَوْلُ مَكْحُولٍ، وعَطاءٍ. والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الحَرَمِ ومَن قَرُبَ مَنزِلُهُ مِنهُ، كَأهْلِ عَرَفَةَ، والرَّجِيعِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ. والرّابِعُ: أنَّهم مَن كانَ عَلى مَسافَةٍ لا يُقْصَرُ في مِثْلِها الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

البقرة 2:197

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ بِأسْرِها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. والثّانِي: هو شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وعَشَرَةُ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. والثّالِثُ: هُنَّ شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرُ لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، إلى طُلُوعِ الفَجْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والسُّدِّيِّ، ونافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والشّافِعِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإهْلالُ بِالتَّلْبِيَةِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ. (p-٢٥٩) والثّانِي: أنَّهُ الإحْرامُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وعَطاءٍ، والشّافِعِيِّ. ﴿فَلا رَفَثَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجِماعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ. والثّانِي: أنَّهُ الجِماعُ أوِ التَّعَرُّضُ لَهُ بِمُواعَدَةٍ أوْ مُداعَبَةٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ الإفْحاشُ لِلْمَرْأةِ في الكَلامِ، كَقَوْلِكَ: إذا أحْلَلْنا فَعَلْنا بِكِ كَذا مِن غَيْرِ كِنايَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ. ﴿وَلا فُسُوقَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ فِعْلُ ما نُهِيَ عَنْهُ في الإحْرامِ، مِن قَتْلِ صَيْدٍ، وحَلْقِ شَعْرٍ، وتَقْلِيمِ ظُفْرٍ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. والثّانِي: أنَّهُ السِّبابُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والسُّدِّيِّ. والثّالِثُ: أنَّهُ الذَّبْحُ لِلْأصْنامِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. والرّابِعُ: التَّنابُزُ بِالألْقابِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ. والخامِسُ: أنَّهُ المَعاصِي كُلُّها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وطاوُسٍ. ﴿وَلا جِدالَ في الحَجِّ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هو أنْ يُجادِلَ الرَّجُلُ صاحِبَهُ، يَعْنِي يَعْصِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. الثّانِي: هو السِّبابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وقَتادَةَ. والثّالِثُ: أنَّهُ المِراءُ والِاخْتِلافُ فِيمَن هو أبَرُّهم حَجًّا، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ اخْتِلافٌ كانَ يَقَعُ بَيْنَهم في اليَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ حَجُّهم، وهَذا قَوْلُ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. (p-٢٦٠) والخامِسُ: أنَّهُ اخْتِلافُهم في مَواقِفِ الحَجِّ، أيُّهُمُ المُصِيبُ مَوْقِفَ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ ألّا جِدالَ في وقْتِهِ لِاسْتِقْرارِهِ، وإبْطالِ الشَّهْرِ الَّذِي كانُوا يَنْسَؤُونَهُ في كُلِّ عامٍ، فَرُبَّما حَجُّوا في ذِي القِعْدَةِ، ورُبَّما حَجُّوا في صَفَرٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَزَوَّدُوا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ اليَمَنِ، كانُوا يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾، يَعْنِي مِنَ الطَّعامِ.

البقرة 2:198

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ذُو المَجازِ وعُكاظُ مَتْجَرَيْنِ لِلنّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَرَكُوا ذَلِكَ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ وكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ: في مَواقِيتِ الحَجِّ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ فَإذا رَجَعْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ. والثّانِي: أنَّ الإفاضَةَ: الدَّفْعُ عَنِ اجْتِماعٍ، كَفَيْضِ الإناءِ عَنِ امْتِلاءٍ. والثّالِثُ: أنَّ الإفاضَةَ الإسْراعُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. وَفي ( عَرَفاتٍ ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها (جَمْعُ عَرَفَةَ). والثّانِي: أنَّها اسْمٌ واحِدٌ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الجَمْعِ. وَهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. (p-٢٦١) واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَةِ المَكانِ عَرَفَةَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ آدَمَ عَرَفَ فِيهِ حَوّاءَ بَعْدَ أنْ أُهْبِطا مِنَ الجَنَّةِ. والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ عَرَفَ المَكانَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، لِما تَقَدَّمَ لَهُ في الصِّفَةِ. والثّالِثُ: أنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ فِيهِ الأنْبِياءَ مَناسِكَهم. والرّابِعُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُلُوِّ النّاسِ فِيهِ، والعَرَبُ تُسَمِّي ما عَلا (عَرَفَةً) و(عَرَفاتٍ)، ومِنهُ سُمِّيَ عُرْفُ الدِّيكِ لِعُلُوِّهِ. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ والمَشْعَرُ المَعْلَمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ الدُّعاءَ عِنْدَهُ، والمَقامَ فِيهِ مِن مَعالِمِ الحَجِّ، وحَدُّ المَشْعَرِ ما بَيْنَ مِنًى ومُزْدَلِفَةَ مِن حَدِّ مُفْضَيْ مَأْزَمَيْ عَرَفَةَ إلى مُحَسَّرٍ، ولَيْسَ مَأْزَما عَرَفَةَ مِنَ المَشْعَرِ.

البقرة 2:199

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ في حَجِّهِمْ، ويَقِفُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مِن أهْلِ اللَّهِ، فَلا نَخْرُجُ مِن حَرَمِ اللَّهِ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، وهي مَوْقِفُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ العَرَبِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أمْرٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، أنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، يَعْنِي بِالنّاسِ إبْراهِيمَ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الواحِدِ بِاسْمِ النّاسِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وكانَ القائِلُ واحِدًا، وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: اسْتَغْفِرُوهُ مِن ذُنُوبِكم. والثّانِي: اسْتَغْفِرُوهُ مِمّا كانَ مِن مُخالَفَتِكم في الوَقْتِ والإفاضَةِ.(p-٢٦٢)

البقرة 2:200

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ أمّا المَناسِكُ، فَهي المُتَعَبَّداتُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الذَّبائِحُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: ما أُمِرُوا بِفِعْلِهِ في الحَجِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا الذِّكْرَ هو التَّكْبِيرُ في أيّامِ مِنًى. والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ ما سُنَّ مِنَ الأدْعِيَةِ في مَواطِنِ الحَجِّ كُلِّها. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ في الجاهِلِيَّةِ جَلَسُوا في مِنًى حِلَقًا وافْتَخَرُوا بِمَناقِبِ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ، فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ الأبْناءِ الصِّغارِ لِلْآباءِ، إذا قالُوا: أبَهْ أُمَّهْ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ، فَيَقُولُ الواحِدُ مِنهُمُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القُبَّةِ، كَثِيرَ المالِ، فاعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ أبِيهِ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ، كَذِكْرِهِمْ آباءَهم، أوْ أشَدَّ ذِكْرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٢٦٣) أحَدُها أنَّهُ: الحَسَنَةُ العافِيَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. والثّانِي: أنَّها نِعَمُ الدُّنْيا ونِعَمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. والثّالِثُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا العِلْمُ، والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ. والرّابِعُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا المالُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

البقرة 2:201

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ أمّا المَناسِكُ، فَهي المُتَعَبَّداتُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الذَّبائِحُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: ما أُمِرُوا بِفِعْلِهِ في الحَجِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا الذِّكْرَ هو التَّكْبِيرُ في أيّامِ مِنًى. والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ ما سُنَّ مِنَ الأدْعِيَةِ في مَواطِنِ الحَجِّ كُلِّها. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ في الجاهِلِيَّةِ جَلَسُوا في مِنًى حِلَقًا وافْتَخَرُوا بِمَناقِبِ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ، فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ الأبْناءِ الصِّغارِ لِلْآباءِ، إذا قالُوا: أبَهْ أُمَّهْ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ، فَيَقُولُ الواحِدُ مِنهُمُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القُبَّةِ، كَثِيرَ المالِ، فاعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ أبِيهِ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ، كَذِكْرِهِمْ آباءَهم، أوْ أشَدَّ ذِكْرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٢٦٣) أحَدُها أنَّهُ: الحَسَنَةُ العافِيَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. والثّانِي: أنَّها نِعَمُ الدُّنْيا ونِعَمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. والثّالِثُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا العِلْمُ، والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ. والرّابِعُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا المالُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

البقرة 2:202

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ أمّا المَناسِكُ، فَهي المُتَعَبَّداتُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الذَّبائِحُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: ما أُمِرُوا بِفِعْلِهِ في الحَجِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا الذِّكْرَ هو التَّكْبِيرُ في أيّامِ مِنًى. والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ ما سُنَّ مِنَ الأدْعِيَةِ في مَواطِنِ الحَجِّ كُلِّها. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ في الجاهِلِيَّةِ جَلَسُوا في مِنًى حِلَقًا وافْتَخَرُوا بِمَناقِبِ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ، فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ الأبْناءِ الصِّغارِ لِلْآباءِ، إذا قالُوا: أبَهْ أُمَّهْ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ، فَيَقُولُ الواحِدُ مِنهُمُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القُبَّةِ، كَثِيرَ المالِ، فاعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ أبِيهِ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ، كَذِكْرِهِمْ آباءَهم، أوْ أشَدَّ ذِكْرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٢٦٣) أحَدُها أنَّهُ: الحَسَنَةُ العافِيَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. والثّانِي: أنَّها نِعَمُ الدُّنْيا ونِعَمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. والثّالِثُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا العِلْمُ، والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ. والرّابِعُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا المالُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

البقرة 2:203

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيّامُ مِنًى قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وإنْ خالَفَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في أنْ أشْرَكَ بَيْنَ بَعْضِها وبَيْنَ الأيّامِ المَعْلُوماتِ. ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي تَعَجَّلَ النَّفْرَ الأوَّلَ في اليَوْمِ الثّانِي مِن أيّامِ مِنًى. ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾ يَعْنِي إلى النَّفْرِ الثّانِي، وهو الثّالِثُ مِن أيّامِ مِنًى. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وفي الإثْمِ هَهُنا، خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَن تَعَجَّلَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ في تَعَجُّلِهِ، ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ في تَأخُّرِهِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. (p-٢٦٤) والثّانِي: أنَّ مَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، فَمَغْفُورٌ لَهُ، لا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ فَمَغْفُورٌ لَهُ، لا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، إنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والسُّدِّيِّ. والرّابِعُ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، إنِ اتَّقى في قَتْلِ الصَّيْدِ في اليَوْمِ الثّالِثِ، حَتّى يَحِلُّوا أيّامَ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، إنِ اتَّقى إصابَةَ ما نُهِيَ عَنْهُ، فَيُغْفَرُ لَهُ ما سَلَفَ مِن ذَنْبِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. فَأمّا المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، فَهو التَّكْبِيرُ فِيها عَقِبَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ، واخْتُلِفَ فِيهِ عَلى أرْبَعَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ تَكْبِيرٌ مِن بَعْدِ صَلاةِ الصُّبْحِ، يَوْمَ عَرَفَةَ، إلى بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ، مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبِهِ قالَ مِنَ الفُقَهاءِ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ. والثّانِي: أنَّهُ تَكْبِيرٌ مِن صَلاةِ الفَجْرِ، مِن يَوْمِ عَرَفَةَ، إلى صَلاةِ العَصْرِ، مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ مِنَ الفُقَهاءِ أبُو حَنِيفَةَ. والثّالِثُ: أنَّهُ يُكَبَّرُ مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، مِن يَوْمِ النَّحْرِ، إلى بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ، مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ يُكَبَّرُ مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، مِن يَوْمِ النَّحْرِ، إلى آخِرِ صَلاةِ الصُّبْحِ، مِن آخِرِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مِنَ الفُقَهاءِ الشّافِعِيُّ.

البقرة 2:204

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الجَمِيلِ والخَيْرِ. والثّانِي: مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والرَّغْبَةِ في دِينِهِ. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيَّ فِيهِ، وضَمِيرُهُ بِخِلافِهِ. والثّانِي: مَعْناهُ: وفي قَلْبِهِ ما يَشْهَدُ اللَّهُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ: ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى صِحَّةِ ما في قَلْبِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ والألَدُّ مِنَ الرِّجالِ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، وفي الخِصامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خَصِيمٍ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذُو جِدالٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الخُصُومَةِ، لَكِنَّهُ مُعْوَجُّها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ. والثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ كاذِبٌ، في قَوْلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والرّابِعُ: أنَّهُ شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ تَعالى الألَدُّ الخَصِمُ)» . (p-٢٦٦) وَفِيمَن قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ في قَوْلِهِ (تَوَلّى) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غَضِبَ، حَكاهُ النَّقّاشُ. والثّانِي: انْصَرَفَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُفْسِدُ فِيها بِالصَّدِّ. والثّانِي: بِالكُفْرِ. ﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالسَّبْيِ والقَتْلِ. والثّانِي: بِالضَّلالِ الَّذِي يَؤُولُ إلى السَّبْيِ والقَتْلِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ مَعْناهُ لا يُحِبُّ أهْلَ الفَسادِ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَمْدَحُ الفَسادَ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: أنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ دِينًا وشَرْعًا، ويَحْتَمِلُ: لا يُحِبُّ العَمَلَ بِالفَسادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دَعَتْهُ العِزَّةُ إلى فِعْلِ الإثْمِ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، عَزَّتْ نَفْسُهُ أنْ يَقْبَلَها، لِلْإثْمِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ يَشْرِي نَفْسَهُ أيْ يَبِيعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، قالَ (p-٢٦٧) الحَسَنُ البَصْرِيُّ: العَمَلُ الَّذِي باعَ بِهِ نَفْسَهُ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، وقُتِلَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ كُلِّهِ، ولَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

البقرة 2:205

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الجَمِيلِ والخَيْرِ. والثّانِي: مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والرَّغْبَةِ في دِينِهِ. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيَّ فِيهِ، وضَمِيرُهُ بِخِلافِهِ. والثّانِي: مَعْناهُ: وفي قَلْبِهِ ما يَشْهَدُ اللَّهُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ: ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى صِحَّةِ ما في قَلْبِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ والألَدُّ مِنَ الرِّجالِ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، وفي الخِصامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خَصِيمٍ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذُو جِدالٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الخُصُومَةِ، لَكِنَّهُ مُعْوَجُّها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ. والثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ كاذِبٌ، في قَوْلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والرّابِعُ: أنَّهُ شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ تَعالى الألَدُّ الخَصِمُ)» . (p-٢٦٦) وَفِيمَن قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ في قَوْلِهِ (تَوَلّى) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غَضِبَ، حَكاهُ النَّقّاشُ. والثّانِي: انْصَرَفَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُفْسِدُ فِيها بِالصَّدِّ. والثّانِي: بِالكُفْرِ. ﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالسَّبْيِ والقَتْلِ. والثّانِي: بِالضَّلالِ الَّذِي يَؤُولُ إلى السَّبْيِ والقَتْلِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ مَعْناهُ لا يُحِبُّ أهْلَ الفَسادِ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَمْدَحُ الفَسادَ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: أنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ دِينًا وشَرْعًا، ويَحْتَمِلُ: لا يُحِبُّ العَمَلَ بِالفَسادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دَعَتْهُ العِزَّةُ إلى فِعْلِ الإثْمِ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، عَزَّتْ نَفْسُهُ أنْ يَقْبَلَها، لِلْإثْمِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ يَشْرِي نَفْسَهُ أيْ يَبِيعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، قالَ (p-٢٦٧) الحَسَنُ البَصْرِيُّ: العَمَلُ الَّذِي باعَ بِهِ نَفْسَهُ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، وقُتِلَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ كُلِّهِ، ولَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

البقرة 2:206

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الجَمِيلِ والخَيْرِ. والثّانِي: مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والرَّغْبَةِ في دِينِهِ. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيَّ فِيهِ، وضَمِيرُهُ بِخِلافِهِ. والثّانِي: مَعْناهُ: وفي قَلْبِهِ ما يَشْهَدُ اللَّهُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ: ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى صِحَّةِ ما في قَلْبِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ والألَدُّ مِنَ الرِّجالِ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، وفي الخِصامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خَصِيمٍ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذُو جِدالٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الخُصُومَةِ، لَكِنَّهُ مُعْوَجُّها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ. والثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ كاذِبٌ، في قَوْلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والرّابِعُ: أنَّهُ شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ تَعالى الألَدُّ الخَصِمُ)» . (p-٢٦٦) وَفِيمَن قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ في قَوْلِهِ (تَوَلّى) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غَضِبَ، حَكاهُ النَّقّاشُ. والثّانِي: انْصَرَفَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُفْسِدُ فِيها بِالصَّدِّ. والثّانِي: بِالكُفْرِ. ﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالسَّبْيِ والقَتْلِ. والثّانِي: بِالضَّلالِ الَّذِي يَؤُولُ إلى السَّبْيِ والقَتْلِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ مَعْناهُ لا يُحِبُّ أهْلَ الفَسادِ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَمْدَحُ الفَسادَ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: أنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ دِينًا وشَرْعًا، ويَحْتَمِلُ: لا يُحِبُّ العَمَلَ بِالفَسادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دَعَتْهُ العِزَّةُ إلى فِعْلِ الإثْمِ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، عَزَّتْ نَفْسُهُ أنْ يَقْبَلَها، لِلْإثْمِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ يَشْرِي نَفْسَهُ أيْ يَبِيعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، قالَ (p-٢٦٧) الحَسَنُ البَصْرِيُّ: العَمَلُ الَّذِي باعَ بِهِ نَفْسَهُ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، وقُتِلَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ كُلِّهِ، ولَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

البقرة 2:207

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الجَمِيلِ والخَيْرِ. والثّانِي: مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والرَّغْبَةِ في دِينِهِ. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيَّ فِيهِ، وضَمِيرُهُ بِخِلافِهِ. والثّانِي: مَعْناهُ: وفي قَلْبِهِ ما يَشْهَدُ اللَّهُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. والثّالِثُ: مَعْناهُ: ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى صِحَّةِ ما في قَلْبِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ بِخِلافِهِ. وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ والألَدُّ مِنَ الرِّجالِ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، وفي الخِصامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خَصِيمٍ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذُو جِدالٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الخُصُومَةِ، لَكِنَّهُ مُعْوَجُّها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ. والثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ كاذِبٌ، في قَوْلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والرّابِعُ: أنَّهُ شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ تَعالى الألَدُّ الخَصِمُ)» . (p-٢٦٦) وَفِيمَن قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ في قَوْلِهِ (تَوَلّى) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غَضِبَ، حَكاهُ النَّقّاشُ. والثّانِي: انْصَرَفَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُفْسِدُ فِيها بِالصَّدِّ. والثّانِي: بِالكُفْرِ. ﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالسَّبْيِ والقَتْلِ. والثّانِي: بِالضَّلالِ الَّذِي يَؤُولُ إلى السَّبْيِ والقَتْلِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ مَعْناهُ لا يُحِبُّ أهْلَ الفَسادِ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَمْدَحُ الفَسادَ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: أنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ دِينًا وشَرْعًا، ويَحْتَمِلُ: لا يُحِبُّ العَمَلَ بِالفَسادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دَعَتْهُ العِزَّةُ إلى فِعْلِ الإثْمِ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، عَزَّتْ نَفْسُهُ أنْ يَقْبَلَها، لِلْإثْمِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ يَشْرِي نَفْسَهُ أيْ يَبِيعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، قالَ (p-٢٦٧) الحَسَنُ البَصْرِيُّ: العَمَلُ الَّذِي باعَ بِهِ نَفْسَهُ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، وقُتِلَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ كُلِّهِ، ولَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

البقرة 2:208

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في الفَتْحِ والكَسْرِ، عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ تُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى. والثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ السِّلْمَ بِالكَسْرِ الإسْلامُ، والسَّلْمَ بِالفَتْحِ المُسالَمَةُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنْفالِ: ٦١] وفي المُرادِ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ، تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الدُّخُولُ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: مَعْناهُ ادْخُلُوا في الطّاعَةِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ، وقَتادَةَ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿كافَّةً﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعًا في السِّلْمِ. والثّانِي: عائِدٌ إلى السِّلْمِ أنْ يَدْخُلُوا في جَمِيعِهِ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي آثارَهُ. (p-٢٦٨) ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُبِينٌ لِنَفْسِهِ. والآخَرُ: مُبِينٌ بِعُدْوانِهِ. واخْتَلَفُوا فِيمَن أبانَ بِهِ عُدْوانَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ. والثّانِي: بِقَوْلِهِ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسْراءِ: ٦٢] . واخْتَلَفُوا فِيمَن أُمِرَ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ كافَّةً، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِها المُسْلِمُونَ، والدُّخُولَ في السِّلْمِ العَمَلُ بِشَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنِ يامِينَ، وأسَدٍ، وأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ، وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، كُلُّهم مِن يَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَوْمَ السَّبْتَ كُنّا نُعَظِّمُهُ ونَسْبِتُ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَدَعْنا فَلْنَصُمْ نَهارَنا بِاللَّيْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ عَصَيْتُمْ. والثّانِي: مَعْناهُ كَفَرْتُمْ. والثّالِثُ: إنْ ضَلَلْتُمْ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ. (p-٢٦٩) والثّانِي: مُحَمَّدٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: القُرْآنُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: الإسْلامُ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي عَزِيزٌ في نَفْسِهِ، حَكِيمٌ في فِعْلِهِ.

البقرة 2:209

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في الفَتْحِ والكَسْرِ، عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ تُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى. والثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ السِّلْمَ بِالكَسْرِ الإسْلامُ، والسَّلْمَ بِالفَتْحِ المُسالَمَةُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنْفالِ: ٦١] وفي المُرادِ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ، تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الدُّخُولُ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: مَعْناهُ ادْخُلُوا في الطّاعَةِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ، وقَتادَةَ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿كافَّةً﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعًا في السِّلْمِ. والثّانِي: عائِدٌ إلى السِّلْمِ أنْ يَدْخُلُوا في جَمِيعِهِ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي آثارَهُ. (p-٢٦٨) ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُبِينٌ لِنَفْسِهِ. والآخَرُ: مُبِينٌ بِعُدْوانِهِ. واخْتَلَفُوا فِيمَن أبانَ بِهِ عُدْوانَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ. والثّانِي: بِقَوْلِهِ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسْراءِ: ٦٢] . واخْتَلَفُوا فِيمَن أُمِرَ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ كافَّةً، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِها المُسْلِمُونَ، والدُّخُولَ في السِّلْمِ العَمَلُ بِشَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنِ يامِينَ، وأسَدٍ، وأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ، وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، كُلُّهم مِن يَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَوْمَ السَّبْتَ كُنّا نُعَظِّمُهُ ونَسْبِتُ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَدَعْنا فَلْنَصُمْ نَهارَنا بِاللَّيْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ عَصَيْتُمْ. والثّانِي: مَعْناهُ كَفَرْتُمْ. والثّالِثُ: إنْ ضَلَلْتُمْ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ. (p-٢٦٩) والثّانِي: مُحَمَّدٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: القُرْآنُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: الإسْلامُ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي عَزِيزٌ في نَفْسِهِ، حَكِيمٌ في فِعْلِهِ.

البقرة 2:210

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾، قَرَأ قَتادَةُ: في ظِلاَلٍ الغَمامِ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وبِالمَلائِكَةِ. والثّانِي: إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ.

البقرة 2:211

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ لَيْسَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْبارِ، ولَكِنَّهُ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ. وَفي المُرادِ بِسُؤالِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْبِياؤُهم. والثّانِي: عُلَماؤُهم. والثّالِثُ: جَمِيعُهم. والآياتُ البَيِّناتُ: فَلْقُ البَحْرِ، والظُّلَلُ مِنَ الغَمامِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.(p-٢٧٠) ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ ﷺ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في الدُّنْيا وتَزْيِينِها لَهم، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: زَيَّنَها لَهُمُ الشَّيْطانُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. والثّانِي: زَيَّنَها لَهُمُ الَّذِينَ أغْوَوْهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها لَهم بِالشَّهَواتِ الَّتِي خَلَقَها لَهم. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى حَقٍّ، فَهَذِهِ سُخْرِيَّتُهم بِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ. وَفي الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ. والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ. ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَعْنِي أنَّهم فَوْقَ الكُفّارِ في الدُّنْيا. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النَّبَإ: ٣٦] فَفي هَذا سِتَّةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ النُّقْصانَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والجَزاءَ بِالحِسابِ. والثّانِي: بِغَيْرِ حِسابٍ لِسَعَةِ مُلْكِهِ الَّذِي لا يَفْنى بِالعَطاءِ، لا يُقَدَّرُ بِالحِسابِ. والثّالِثُ: إنَّ كِفايَتَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ولا تَضْيِيقٍ. والرّابِعُ: دائِمٌ لا يَتَناهى فَيَصِيرُ مَحْسُوبًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. والخامِسُ: أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا بِغَيْرِ حِسابٍ، لِأنَّهُ يَعُمُّ بِهِ المُؤْمِنَ والكافِرَ فَلا يَرْزُقُ المُؤْمِنَ عَلى قَدْرِ إيمانِهِ ولا الكافِرَ عَلى قَدْرِ كُفْرِهِ. والسّادِسُ: أنَّهُ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وأنَّهُ لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ ولا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ.(p-٢٧١)

البقرة 2:212

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ لَيْسَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْبارِ، ولَكِنَّهُ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ. وَفي المُرادِ بِسُؤالِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْبِياؤُهم. والثّانِي: عُلَماؤُهم. والثّالِثُ: جَمِيعُهم. والآياتُ البَيِّناتُ: فَلْقُ البَحْرِ، والظُّلَلُ مِنَ الغَمامِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.(p-٢٧٠) ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ ﷺ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في الدُّنْيا وتَزْيِينِها لَهم، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: زَيَّنَها لَهُمُ الشَّيْطانُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. والثّانِي: زَيَّنَها لَهُمُ الَّذِينَ أغْوَوْهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها لَهم بِالشَّهَواتِ الَّتِي خَلَقَها لَهم. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى حَقٍّ، فَهَذِهِ سُخْرِيَّتُهم بِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ. وَفي الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ. والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ. ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَعْنِي أنَّهم فَوْقَ الكُفّارِ في الدُّنْيا. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النَّبَإ: ٣٦] فَفي هَذا سِتَّةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ النُّقْصانَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والجَزاءَ بِالحِسابِ. والثّانِي: بِغَيْرِ حِسابٍ لِسَعَةِ مُلْكِهِ الَّذِي لا يَفْنى بِالعَطاءِ، لا يُقَدَّرُ بِالحِسابِ. والثّالِثُ: إنَّ كِفايَتَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ولا تَضْيِيقٍ. والرّابِعُ: دائِمٌ لا يَتَناهى فَيَصِيرُ مَحْسُوبًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. والخامِسُ: أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا بِغَيْرِ حِسابٍ، لِأنَّهُ يَعُمُّ بِهِ المُؤْمِنَ والكافِرَ فَلا يَرْزُقُ المُؤْمِنَ عَلى قَدْرِ إيمانِهِ ولا الكافِرَ عَلى قَدْرِ كُفْرِهِ. والسّادِسُ: أنَّهُ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وأنَّهُ لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ ولا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ.(p-٢٧١)

البقرة 2:213

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ في قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا عَلى الحَقِّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّهُ آدَمُ كانَ عَلى الحَقِّ إمامًا لِذُرِّيَّتِهِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ في ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والرّابِعُ: أنَّهم عَشْرُ فِرَقٍ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ فاخْتَلَفُوا، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ. والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ النّاسِ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ يَوْمَ اسْتَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، فَعَرَضَهم عَلى آدَمَ، فَأقَرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ والإسْلامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ. وَكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَأُ: كانَ البَشَرُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في الحَقِّ. والثّانِي: في الكِتابِ وهو التَّوْراةُ. ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ يَعْنِي الحُجَجَ والدَّلائِلَ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِ القائِلِ: بَغى فُلانٌ عَلى فُلانٍ، إذا اعْتَدى عَلَيْهِ. ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-٢٧٢) أحَدُها: أرادَ الجُمُعَةَ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا فِيها فَضَلُّوا عَنْها، فَجَعَلَها اليَهُودُ السَّبْتَ، وجَعَلَها النَّصارى الأحَدَ، فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إلَيْها، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ. والثّانِي: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يُصَلِّي إلى الشَّرْقِ ومِنهم مَن يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَهَدانا اللَّهُ لِلْقِبْلَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فَكَفَرَ بَعْضُهم بِكِتابِ بَعْضٍ فَهَدانا اللَّهُ لِلتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِها.

البقرة 2:214

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الزَّكاةِ في إيجابِ النَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ والصَّدَقَةِ ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ الزَّكاةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألُوهُ عَنْ أمْوالِهِمْ أيْنَ يَضَعُونَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

البقرة 2:215

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الزَّكاةِ في إيجابِ النَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ والصَّدَقَةِ ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ الزَّكاةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألُوهُ عَنْ أمْوالِهِمْ أيْنَ يَضَعُونَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

البقرة 2:216

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ. وَفي فَرْضِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: (p-٢٧٣) أحَدُها: أنَّهُ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ أبَدًا حَتّى يَقُومَ بِهِ مَن فِيهِ كِفايَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفُقَهاءِ والعُلَماءِ. والثّالِثُ: أنَّهُ فُرِضَ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ في عَيْنِهِ أبَدًا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ والكُرْهُ بِالضَّمِّ إدْخالُ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ مِن غَيْرِ إكْراهِ أحَدٍ. والكَرْهُ بِالفَتْحِ إدْخالُ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ بِإكْراهِ غَيْرِهِ لَهُ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِيهِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: وهو ذُو كُرْهٍ لَكم وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. والثّانِي: مَعْناهُ وهو مَكْرُوهٌ لَكم، فَأقامَ المُقَدَّرَ مَقامَهُ. ثُمَّ في كَوْنِهِ كُرْهًا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: وهو كُرْهٌ لَكم قَبْلَ التَّعَبُّدِ وأمّا بَعْدَهُ فَلا. الثّانِي: وهو كُرْهٌ لَكم في الطِّباعِ قَبْلَ الفَرْضِ وبَعْدَهُ. وَإنَّما يُحْتَمَلُ بِالتَّعَبُّدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ وفي عَسى هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمَعُ المُشْفِقِ مَعَ دُخُولِ الشَّكِّ. والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى قَدْ. وَقالَ الأصَمُّ: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ مِنَ القِتالِ ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالأجْرِ والثَّوابِ، ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يَعْنِي مِنَ المُتارَكَةِ والكَفِّ ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، يَعْنِي في الدُّنْيا بِالظُّهُورِ عَلَيْكم وفي الآخِرَةِ بِنُقْصانِ أُجُورِكم. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فِيهِ مَصْلَحَتَكم ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

البقرة 2:217

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ خَرَجَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وهم أبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، وسُهَيْلُ بْنُ البَيْضاءِ، وخالِدُ ابْنُ البُكَيْرِ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وواقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ كانَ أمِيرَهم، فَتَأخَّرَ عَنِ القَوْمِ سَعْدٌ وعُتْبَةُ لِيَطْلُبا بَعِيرًا لَهُما ضَلَّ، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَرَماهُ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وغُنِمَتِ العِيرُ، وكانَ ذَلِكَ في آخِرِ لَيْلَةٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ أوْ أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، فَعَيَّرَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَلامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولامَهُ المُسْلِمُونَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ. » واخْتَلَفُوا فِيمَن سَألَ عَنْ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ لِيُعَيِّرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، واسْتَحَلُّوا قِتالَهُ فِيهِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ سَألُوا عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِيَعْلَمُوا حُكْمَ ذَلِكَ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وإخْراجَ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ والفِتْنَةَ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ هَلْ نُسِخَ أمْ لا؟ فَقالَ الزُّهْرِيُّ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ وقالَ عَطاءٌ: هو ثابِتُ الحُكْمِ، وتَحْرِيمُ القِتالِ فِيهِ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ، والأوَّلُ أصَحُّ لِما (p-٢٧٥) تَظاهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ غَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بِالطّائِفِ، وأرْسَلَ أبا العاصِ إلى أوْطاسَ لِحَرْبِ مَن بِها مِنَ المُشْرِكِينَ في بَعْضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في ذِي القِعْدَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ أيْ يَرْجِعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٤] أيْ رَجَعا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ: اسْتَرَدَّ فُلانٌ حَقَّهُ. ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ بَطَلَتْ، وأصْلُ الحُبُوطِ الفَسادُ، فَقِيلَ في الأعْمالِ إذا بَطَلَتْ: حَبِطَتْ لِفَسادِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ. وَسَبَبُ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ومَن مَعَهُ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا في سَفَرِهِمْ وِزْرًا فَلَيْسَ فِيهِ أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ يَعْنِي عَنْ مُساكَنَةِ المُشْرِكِينَ في أمْصارِهِمْ، وبِذَلِكَ سُمِّيَ المُهاجِرُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهاجِرِينَ لِهَجْرِهِمْ دُورَهم ومَنازِلَهم كَراهَةَ الذُّلِّ مِنَ المُشْرِكِينَ وسُلْطانِهِمْ، ( وجاهَدُواْ ) يَعْنِي قاتَلُوا، وأصْلُ المُجاهَدَةِ المُفاعَلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: جَهِدَ كَذا إذا أكَدَّهَ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِنِ اثْنَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُكابِدُ مِن صاحِبِهِ شِدَّةً ومَشَقَّةً قِيلَ: فُلانٌ يُجاهِدُ فُلانًا. وَأمّا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَطَرِيقُ اللَّهِ، وطَرِيقُهُ: دِينُهُ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ ورَحْمَةُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحَقَّةٌ؟ فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا حالَهم في المُسْتَقْبَلِ جازَ أنْ يَرْجُوا الرَّحْمَةَ خَوْفًا أنْ يَحْدُثَ مِن مُسْتَقْبَلِ أُمُورِهِمْ ما لا يَسْتَوْجِبُونَها مَعَهُ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّهم إنَّما رَجَوُا الرَّحْمَةَ لِأنَّهم لَمْ يَتَيَقَّنُوها بِتَأْدِيَةِ كُلِّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.

البقرة 2:218

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ خَرَجَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَبْعَةِ نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وهم أبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، وسُهَيْلُ بْنُ البَيْضاءِ، وخالِدُ ابْنُ البُكَيْرِ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وواقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ كانَ أمِيرَهم، فَتَأخَّرَ عَنِ القَوْمِ سَعْدٌ وعُتْبَةُ لِيَطْلُبا بَعِيرًا لَهُما ضَلَّ، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَرَماهُ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وغُنِمَتِ العِيرُ، وكانَ ذَلِكَ في آخِرِ لَيْلَةٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ أوْ أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، فَعَيَّرَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَلامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولامَهُ المُسْلِمُونَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ. » واخْتَلَفُوا فِيمَن سَألَ عَنْ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ لِيُعَيِّرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، واسْتَحَلُّوا قِتالَهُ فِيهِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ سَألُوا عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِيَعْلَمُوا حُكْمَ ذَلِكَ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وإخْراجَ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ والفِتْنَةَ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ هَلْ نُسِخَ أمْ لا؟ فَقالَ الزُّهْرِيُّ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ وقالَ عَطاءٌ: هو ثابِتُ الحُكْمِ، وتَحْرِيمُ القِتالِ فِيهِ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ، والأوَّلُ أصَحُّ لِما (p-٢٧٥) تَظاهَرَتْ بِهِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ غَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ، وثَقِيفًا بِالطّائِفِ، وأرْسَلَ أبا العاصِ إلى أوْطاسَ لِحَرْبِ مَن بِها مِنَ المُشْرِكِينَ في بَعْضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في ذِي القِعْدَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ أيْ يَرْجِعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٤] أيْ رَجَعا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ: اسْتَرَدَّ فُلانٌ حَقَّهُ. ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ بَطَلَتْ، وأصْلُ الحُبُوطِ الفَسادُ، فَقِيلَ في الأعْمالِ إذا بَطَلَتْ: حَبِطَتْ لِفَسادِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآيَةَ. وَسَبَبُ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ومَن مَعَهُ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا في سَفَرِهِمْ وِزْرًا فَلَيْسَ فِيهِ أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ يَعْنِي عَنْ مُساكَنَةِ المُشْرِكِينَ في أمْصارِهِمْ، وبِذَلِكَ سُمِّيَ المُهاجِرُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهاجِرِينَ لِهَجْرِهِمْ دُورَهم ومَنازِلَهم كَراهَةَ الذُّلِّ مِنَ المُشْرِكِينَ وسُلْطانِهِمْ، ( وجاهَدُواْ ) يَعْنِي قاتَلُوا، وأصْلُ المُجاهَدَةِ المُفاعَلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: جَهِدَ كَذا إذا أكَدَّهَ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِنِ اثْنَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُكابِدُ مِن صاحِبِهِ شِدَّةً ومَشَقَّةً قِيلَ: فُلانٌ يُجاهِدُ فُلانًا. وَأمّا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَطَرِيقُ اللَّهِ، وطَرِيقُهُ: دِينُهُ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ ورَحْمَةُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحَقَّةٌ؟ فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا حالَهم في المُسْتَقْبَلِ جازَ أنْ يَرْجُوا الرَّحْمَةَ خَوْفًا أنْ يَحْدُثَ مِن مُسْتَقْبَلِ أُمُورِهِمْ ما لا يَسْتَوْجِبُونَها مَعَهُ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّهم إنَّما رَجَوُا الرَّحْمَةَ لِأنَّهم لَمْ يَتَيَقَّنُوها بِتَأْدِيَةِ كُلِّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.

البقرة 2:219

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ الآيَةَ يَعْنِي: يَسْألُكَ أصْحابُكَ يا مُحَمَّدُ عَنِ الخَمْرِ والمُيْسِرِ وشُرْبِها، وهَذِهِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِيها. والخَمْرُ كُلُّ ما خامَرَ العَقْلَ فَسَتَرَهُ وغَطّى عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: خَمَّرْتُ الإناءَ إذا غَطَّيْتَهُ، ويُقالُ: هو في خُمارِ النّاسِ وغُمارِهِمْ يُرادُ بِهِ دَخَلَ في عُرْضِهِمْ فاسْتَتَرَ بِهِمْ، ومِن ذَلِكَ أُخِذَ خِمارُ المَرْأةِ لِأنَّهُ يَسْتُرُها، ومِنهُ قِيلَ: هو يَمْشِي لَكَ الخَمَرَ أيْ مُسْتَخْفِيًا، قالَ العَجّاجُ: ؎ في لامِعِ العِقْبانِ لا يَأْتِي الخَمَرْ يُوَجِّهُ الأرْضَ ويَسْتاقُ الشَّجَرْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لا يَأْتِي الخَمَرَ، أيْ لا يَأْتِي مُسْتَخْفِيًا، لَكِنْ ظاهِرًا بِراياتٍ وجُيُوشٍ. فَأمّا المَيْسِرُ فَهو القِمارُ مِن قَوْلِ القائِلِ: يَسَرَ لِي هَذا الشَّيْءَ يَسْرًا ومَيْسِرًا، فالياسِرُ اللّاعِبِ بِالقِداحِ ثُمَّ قِيلَ لِلْمُقامِرِ: ياسِرٌ ويَسَرَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَبِتُّ كَأنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ∗∗∗ يُقَلِّبُ بَعْدَما اخْتَلَعَ القِداحا ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( ... كَثِيرٌ ) بِالثّاءِ. وَفي إثْمِهِما تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ شارِبَ الخَمْرِ يَسْكَرُ فَيُؤْذِي النّاسَ، وإثْمُ المَيْسِرِ: أنْ يُقامِرَ الرَّجُلُ فَيَمْنَعُ الحَقَّ ويَظْلِمُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ إثْمَ الخَمْرِ زَوالُ عَقْلِ شارِبِها إذا سَكِرَ حَتّى يَغْرُبَ عَنْهُ مَعْرِفَةُ (p-٢٧٧) خالِقِهِ. وَإثْمُ المَيْسِرِ: ما فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، ووُقُوعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠] وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ فَمَنافِعُ الخَمْرِ أثْمانُها ورِبْحُ تِجارَتِها، وما يَنالُونَهُ مِنَ اللَّذَّةِ بِشُرْبِها، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎ ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ وَكَما قالَ آخَرُ: ؎ فَإذا شَرِبْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ ∗∗∗ وإذا صَحَوْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الشُّوَيْهَةِ والبَعِيرِ وَأمّا مَنافِعُ المَيْسِرِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اكْتِسابُ المالِ مِن غَيْرِ كَدٍّ. والثّانِي: ما يُصِيبُونَ مِن أنْصِباءِ الجَزُورِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَياسَرُونَ عَلى الجَزُورِ فَإذا أفْلَحَ الرَّجُلُ مِنهم عَلى أصْحابِهِ نَحَرُوهُ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ أعْشارًا عَلى عِدَّةِ القِداحِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎ وجَزُورِ أيْسارٍ دَعَوْتُ إلى النَّدى ∗∗∗ أوْساطَ مُقْفِرَةٍ أخَفَّ طِلالُها وَهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ إثْمَهُما بَعْدَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٧٨) والثّانِي: أنَّ كِلاهُما قَبْلَ التَّحْرِيمِ يَعْنِي الإثْمَ الَّذِي يَحْدُثُ مِن أسْبابِهِما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِما فَضَلَ عَنِ الأهْلِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الوَسَطُ في النَّفَقَةِ ما لَمْ يَكُنْ إسْرافًا أوْ إقْتارًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. والرّابِعُ: إنَّ العَفْوَ أنْ يُؤْخَذَ مِنهم ما أتَوْا بِهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وهو قَوْلٌ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والسّادِسُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي هي العَفْوُ هَلْ نُسِخَتْ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ. وَقالَ مُجاهِدٌ هي ثابِتَةٌ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بِها أوْ بِغَيْرِها؟ فَقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ النَّظَرِ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وَقالَ قَتادَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ: أنَّها حُرِّمَتْ بِآيَةِ المائِدَةِ. وَرَوى عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أبِي القَلُوصِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الخَمْرِ ثَلاثَ آياتٍ فَأوَّلُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنْ الخَمْرِ (p-٢٧٩)والمُيَسَّر قُلْ فِيهِما إثْم كَبِير ومَنافِع لِلنّاسِ وإثْمهما أكْبَر مِن نَفْعِهِما﴾ فَشَرِبَها قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم حَتّى شَرِبَها رَجُلانِ ودَخَلا في الصَّلاةِ وجَعَلا يَقُولانِ كَلامًا لا يَدْرِي عَوْفٌ ما هو، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ فَشَرِبَها مَن شَرِبَها مِنهم وجَعَلُوا يَتَوَقَّوْنَها عِنْدَ الصَّلاةِ، حَتّى شَرِبَها فِيما زَعَمَ أبُو القَلُوصِ رَجُلٌ فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلى قَتْلى بَدْرٍ، وجَعَلَ يَقُولُ: ؎ تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِن سَلامِ ∗∗∗ ذَرِينِي أصْطَبِحْ بَكْرًا فَإنِّي ∗∗∗ رَأيْتُ المَوْتَ نَبَّثَ عَنْ هِشامِ ∗∗∗ ووَدِينِي المُغِيرَةَ لَوْ فَدَوْهُ ∗∗∗ بِألْفٍ مِن رِجالٍ أوْ سَوامِ ∗∗∗ وكائِنٍ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُكَلَّلُ بِالسَّنامِ ∗∗∗ وكائِنٍ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الفِتْيانِ والحُلَلِ الكِرامِ قالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ فَزِعًا يَجُرُّ رِداءَهُ مِنَ الفَزَعِ حَتّى انْتَهى إلَيْهِ، فَلَمّا عايَنَهُ الرَّجُلُ ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا كانَ بِيَدِهِ لِيَضْرِبَهُ، فَقالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِ اللَّهِ وغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ، لا أطْعَمُها أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في تَحْرِيمِها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠-٩١] فَقالُوا: انْتَهَيْنا. » ورَوى مُوسى عَنْ عَمْرٍو عَنْ أسْباطٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَلَمْ يَزالُوا يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا ودَعا ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَشَرِبُوا حَتّى سَكِرُوا، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأمَّهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافِرُونَ: ١] فَلَمْ يُقِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يُشَدِّدُ في الخَمْرِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما تَقُولُونَ﴾ فَكانَتْ لَهم حَلالًا يَشْرَبُونَها مِن صَلاةِ الغَداةِ حَتّى يَرْتَفِعَ النَّهارُ أوْ يَنْتَصِفَ فَيَقُومُونَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ وهم صاحُونَ، ثُمَّ لا يَشْرَبُونَها حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ، ثُمَّ يَشْرَبُونَها حَتّى يَنْتَصِفَ اللَّيْلُ، ويَنامُونَ ويَقُومُونَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ أصْبَحُوا، فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ طَعامًا ودَعا (p-٢٨٠) ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَسَوّى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ ثُمَّ دَعاهم إلَيْهِ، فَلَمّا أكَلُوا وشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ سَكِرُوا وأخَذُوا في الحَدِيثِ فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ فَرَفَعَ لِحى البَعِيرِ وكَسَرَ أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى نَسْخَ الخَمْرِ وتَحْرِيمَها، فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، وفي سُورَةِ النِّساءِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ أنْ يَخْلِطُوا طَعامَهم بِطَعامِ مَن يَكُونُ عِنْدَهم مِنَ الأيْتامِ، وكانُوا يَعْزِلُونَ طَعامَهم عَنْ طَعامِهِمْ، وشَرابَهم عَنْ شَرابِهِمْ، حَتّى رُبَّما فَسَدَ طَعامُهم، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾، يَعْنِي في الطَّعامِ، والشَّرابِ، والمُساكَنَةِ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ، واسْتِخْدامِ العَبْدِ قالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَن خالَطَ يَتِيمًا، فَلْيُوَسِّعْ عَلَيْهِ، ومَن خالَطَ بِأكْلٍ فَلا يَفْعَلْ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اللَّهُ يَعْلَمُ حِينَ تَخْلِطُ مالَكَ بِمالِهِ، أتُرِيدُ أنْ تُصْلِحَ مالَهُ أوْ تُفْسِدَ مالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَشَدَّدَ عَلَيْكم، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى مُوبِقًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي: عَزِيزٌ في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى الإعْناتِ، حَكِيمٌ فِيما صَنَعَ مِن تَدْبِيرِهِ وتَرْكِهِ الإعْناتَ.

البقرة 2:220

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ الآيَةَ يَعْنِي: يَسْألُكَ أصْحابُكَ يا مُحَمَّدُ عَنِ الخَمْرِ والمُيْسِرِ وشُرْبِها، وهَذِهِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِيها. والخَمْرُ كُلُّ ما خامَرَ العَقْلَ فَسَتَرَهُ وغَطّى عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: خَمَّرْتُ الإناءَ إذا غَطَّيْتَهُ، ويُقالُ: هو في خُمارِ النّاسِ وغُمارِهِمْ يُرادُ بِهِ دَخَلَ في عُرْضِهِمْ فاسْتَتَرَ بِهِمْ، ومِن ذَلِكَ أُخِذَ خِمارُ المَرْأةِ لِأنَّهُ يَسْتُرُها، ومِنهُ قِيلَ: هو يَمْشِي لَكَ الخَمَرَ أيْ مُسْتَخْفِيًا، قالَ العَجّاجُ: ؎ في لامِعِ العِقْبانِ لا يَأْتِي الخَمَرْ يُوَجِّهُ الأرْضَ ويَسْتاقُ الشَّجَرْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لا يَأْتِي الخَمَرَ، أيْ لا يَأْتِي مُسْتَخْفِيًا، لَكِنْ ظاهِرًا بِراياتٍ وجُيُوشٍ. فَأمّا المَيْسِرُ فَهو القِمارُ مِن قَوْلِ القائِلِ: يَسَرَ لِي هَذا الشَّيْءَ يَسْرًا ومَيْسِرًا، فالياسِرُ اللّاعِبِ بِالقِداحِ ثُمَّ قِيلَ لِلْمُقامِرِ: ياسِرٌ ويَسَرَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَبِتُّ كَأنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ∗∗∗ يُقَلِّبُ بَعْدَما اخْتَلَعَ القِداحا ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( ... كَثِيرٌ ) بِالثّاءِ. وَفي إثْمِهِما تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ شارِبَ الخَمْرِ يَسْكَرُ فَيُؤْذِي النّاسَ، وإثْمُ المَيْسِرِ: أنْ يُقامِرَ الرَّجُلُ فَيَمْنَعُ الحَقَّ ويَظْلِمُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ إثْمَ الخَمْرِ زَوالُ عَقْلِ شارِبِها إذا سَكِرَ حَتّى يَغْرُبَ عَنْهُ مَعْرِفَةُ (p-٢٧٧) خالِقِهِ. وَإثْمُ المَيْسِرِ: ما فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، ووُقُوعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠] وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ فَمَنافِعُ الخَمْرِ أثْمانُها ورِبْحُ تِجارَتِها، وما يَنالُونَهُ مِنَ اللَّذَّةِ بِشُرْبِها، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎ ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ وَكَما قالَ آخَرُ: ؎ فَإذا شَرِبْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ ∗∗∗ وإذا صَحَوْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الشُّوَيْهَةِ والبَعِيرِ وَأمّا مَنافِعُ المَيْسِرِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اكْتِسابُ المالِ مِن غَيْرِ كَدٍّ. والثّانِي: ما يُصِيبُونَ مِن أنْصِباءِ الجَزُورِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَياسَرُونَ عَلى الجَزُورِ فَإذا أفْلَحَ الرَّجُلُ مِنهم عَلى أصْحابِهِ نَحَرُوهُ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ أعْشارًا عَلى عِدَّةِ القِداحِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎ وجَزُورِ أيْسارٍ دَعَوْتُ إلى النَّدى ∗∗∗ أوْساطَ مُقْفِرَةٍ أخَفَّ طِلالُها وَهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ إثْمَهُما بَعْدَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٧٨) والثّانِي: أنَّ كِلاهُما قَبْلَ التَّحْرِيمِ يَعْنِي الإثْمَ الَّذِي يَحْدُثُ مِن أسْبابِهِما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِما فَضَلَ عَنِ الأهْلِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الوَسَطُ في النَّفَقَةِ ما لَمْ يَكُنْ إسْرافًا أوْ إقْتارًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. والرّابِعُ: إنَّ العَفْوَ أنْ يُؤْخَذَ مِنهم ما أتَوْا بِهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وهو قَوْلٌ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والسّادِسُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي هي العَفْوُ هَلْ نُسِخَتْ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ. وَقالَ مُجاهِدٌ هي ثابِتَةٌ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بِها أوْ بِغَيْرِها؟ فَقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ النَّظَرِ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وَقالَ قَتادَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ: أنَّها حُرِّمَتْ بِآيَةِ المائِدَةِ. وَرَوى عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أبِي القَلُوصِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الخَمْرِ ثَلاثَ آياتٍ فَأوَّلُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنْ الخَمْرِ (p-٢٧٩)والمُيَسَّر قُلْ فِيهِما إثْم كَبِير ومَنافِع لِلنّاسِ وإثْمهما أكْبَر مِن نَفْعِهِما﴾ فَشَرِبَها قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم حَتّى شَرِبَها رَجُلانِ ودَخَلا في الصَّلاةِ وجَعَلا يَقُولانِ كَلامًا لا يَدْرِي عَوْفٌ ما هو، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ فَشَرِبَها مَن شَرِبَها مِنهم وجَعَلُوا يَتَوَقَّوْنَها عِنْدَ الصَّلاةِ، حَتّى شَرِبَها فِيما زَعَمَ أبُو القَلُوصِ رَجُلٌ فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلى قَتْلى بَدْرٍ، وجَعَلَ يَقُولُ: ؎ تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِن سَلامِ ∗∗∗ ذَرِينِي أصْطَبِحْ بَكْرًا فَإنِّي ∗∗∗ رَأيْتُ المَوْتَ نَبَّثَ عَنْ هِشامِ ∗∗∗ ووَدِينِي المُغِيرَةَ لَوْ فَدَوْهُ ∗∗∗ بِألْفٍ مِن رِجالٍ أوْ سَوامِ ∗∗∗ وكائِنٍ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُكَلَّلُ بِالسَّنامِ ∗∗∗ وكائِنٍ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الفِتْيانِ والحُلَلِ الكِرامِ قالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ فَزِعًا يَجُرُّ رِداءَهُ مِنَ الفَزَعِ حَتّى انْتَهى إلَيْهِ، فَلَمّا عايَنَهُ الرَّجُلُ ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا كانَ بِيَدِهِ لِيَضْرِبَهُ، فَقالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِ اللَّهِ وغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ، لا أطْعَمُها أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في تَحْرِيمِها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠-٩١] فَقالُوا: انْتَهَيْنا. » ورَوى مُوسى عَنْ عَمْرٍو عَنْ أسْباطٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَلَمْ يَزالُوا يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا ودَعا ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَشَرِبُوا حَتّى سَكِرُوا، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأمَّهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافِرُونَ: ١] فَلَمْ يُقِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يُشَدِّدُ في الخَمْرِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما تَقُولُونَ﴾ فَكانَتْ لَهم حَلالًا يَشْرَبُونَها مِن صَلاةِ الغَداةِ حَتّى يَرْتَفِعَ النَّهارُ أوْ يَنْتَصِفَ فَيَقُومُونَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ وهم صاحُونَ، ثُمَّ لا يَشْرَبُونَها حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ، ثُمَّ يَشْرَبُونَها حَتّى يَنْتَصِفَ اللَّيْلُ، ويَنامُونَ ويَقُومُونَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ أصْبَحُوا، فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ طَعامًا ودَعا (p-٢٨٠) ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَسَوّى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ ثُمَّ دَعاهم إلَيْهِ، فَلَمّا أكَلُوا وشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ سَكِرُوا وأخَذُوا في الحَدِيثِ فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ فَرَفَعَ لِحى البَعِيرِ وكَسَرَ أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى نَسْخَ الخَمْرِ وتَحْرِيمَها، فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، وفي سُورَةِ النِّساءِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ أنْ يَخْلِطُوا طَعامَهم بِطَعامِ مَن يَكُونُ عِنْدَهم مِنَ الأيْتامِ، وكانُوا يَعْزِلُونَ طَعامَهم عَنْ طَعامِهِمْ، وشَرابَهم عَنْ شَرابِهِمْ، حَتّى رُبَّما فَسَدَ طَعامُهم، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾، يَعْنِي في الطَّعامِ، والشَّرابِ، والمُساكَنَةِ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ، واسْتِخْدامِ العَبْدِ قالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَن خالَطَ يَتِيمًا، فَلْيُوَسِّعْ عَلَيْهِ، ومَن خالَطَ بِأكْلٍ فَلا يَفْعَلْ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اللَّهُ يَعْلَمُ حِينَ تَخْلِطُ مالَكَ بِمالِهِ، أتُرِيدُ أنْ تُصْلِحَ مالَهُ أوْ تُفْسِدَ مالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَشَدَّدَ عَلَيْكم، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى مُوبِقًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي: عَزِيزٌ في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى الإعْناتِ، حَكِيمٌ فِيما صَنَعَ مِن تَدْبِيرِهِ وتَرْكِهِ الإعْناتَ.

البقرة 2:221

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ اخْتَلَفُوا فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ الكِتابِيّاتِ وغَيْرِ الكِتابِيّاتِ، وأنَّ حُكْمَها غَيْرُ مَنسُوخٍ، فَلا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أنْ يَنْكِحَ مُشْرِكَةً أبَدًا، وذُكِرَ أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ نَكَحَ يَهُودِيَّةً، ونَكَحَ حُذَيْفَةُ نَصْرانِيَّةً، فَغَضِبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتّى كادَ يَبْطِشُ بِهِما، فَقالا: نَحْنُ نُطَلِّقُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ولا تَغْضَبْ، فَقالَ: لَئِنْ حَلَّ طَلاقُهُنَّ لَقَدْ حَلَّ نِكاحُهُنَّ، ولَكِنْ يَنْزِعْنَ مِنكم صَغَرَةً قَمْأةً. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ مُرادًا بِها مُشْرِكاتُ العَرَبِ، ومَن دانَ دِينَ أهْلِ الكِتابِ، وأنَّها ثابِتَةٌ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ، وقَدْ نُسِخَ مِنهُنَّ الكِتابِيّاتُ، بِقَوْلِهِ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وقَدْ رَوى الصَّلْتُ بْنُ بَهْرامَ، عَنْ سُفْيانَ قالَ: تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَهُودِيَّةً، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، خَلِّ سَبِيلَها، فَكَتَبَ إلَيْهِ: أتَزْعُمُ أنَّها حَرامٌ فَأُخْلِيَ سَبِيلَها؟ فَقالَ: لا أزْعُمُ أنَّها حَرامٌ، ولَكِنِّي أخافُ أنْ تُقاطِعُوا المُؤْمِناتِ مِنهُنَّ، والمُرادُ بِالنِّكاحِ التَّزْوِيجُ، وهو حَقِيقَةٌ في اللُّغَةِ، وإنْ كانَ مَجازًا في الوَطْءِ، قالَ الأعْشى: ؎ ولا تَقْرَبَنَّ جارَةً إنَّ سِرَّها عَلَيْكَ حَرامٌ فانْكِحَنَّ أوْ تَأبَّدا أيْ فَتَزَوَّجْ أوْ تَعَفَّفْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ يَعْنِي: ولَنِكاحُ أمَةٍ مُؤْمِنَةٍ، خَيْرٌ مِن نِكاحِ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ مِن غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ وإنْ شَرُفَ نَسَبُها وكَرُمَ أصْلُها، قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، كانَتْ لَهُ أمَةٌ سَوْداءُ، فَلَطَمَها في غَضَبٍ، ثُمَّ نَدِمَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: (ما هي يا عَبْدَ اللَّهِ؟) قالَ: تَصُومُ، وتُصَلِّي، وتُحْسِنُ الوُضُوءَ، وتَشْهَدُ الشَّهادَتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: (هَذِهِ (p-٢٨٢) مُؤْمِنَةٌ) . فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لَأعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجُها، فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا. » ﴿وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ يَعْنِي جَمالَ المُشْرِكَةَ وحَسَبَها ومالَها. ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ هَذا عَلى عُمُومِهِ إجْماعًا، لا يَجُوزُ لِمُسْلِمَةٍ أنْ تَنْكِحَ مُشْرِكًا أبَدًا. رَوى الحَسَنُ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (نَتَزَوَّجُ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ ولا يَتَزَوَّجُونَ نِساءَنا)» وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلِياءَ المَرْأةِ أحَقُّ بِتَزْوِيجِها مِنَ المَرْأةِ.

البقرة 2:222

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى﴾ قالَ السُّدِّيِّ: السّائِلُ كانَ ثابِتَ بْنَ الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ، وكانَتِ العَرَبُ ومَن في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ يَجْتَنِبُونَ مُساكَنَةَ الحُيَّضِ ومُؤاكَلَتَهُنَّ ومُشارَبَتَهُنَّ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَعْتَزِلُونَ الحُيَّضَ في الفَرْجِ، ويَأْتُونَهُنَّ في أدْبارِهِنَّ مُدَّةَ حَيْضِهِنَّ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والأذى هو ما يُؤْذِي مِن نَتْنِ رِيحِهِ ووِزْرِهِ ونَجاسَتِهِ. (p-٢٨٣) ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالِاعْتِزالِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: اعْتَزَلَ جَمِيعَ بَدَنِها أنْ يُباشِرَهُ بِشَيْءٍ مِن بَدَنِهِ، وهَذا قَوْلُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ. والثّانِي: ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وهَذا قَوْلُ شُرَيْحٍ. والثّالِثُ: الفَرْجُ وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ ومَيْمُونَةَ وحَفْصَةَ وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: التَّخْفِيفُ وضَمُّ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومَعْناهُ بِانْقِطاعِ الدَّمِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. والثّانِيَةُ: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الهاءِ، قَرَأ بِها حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، ومَعْناها حَتّى تَغْتَسِلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ يَعْنِي بِالماءِ، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ إذا اغْتَسَلْنَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ. والثّانِي: الوُضُوءُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وطاوُسٍ. والثّالِثُ: غَسْلُ الفَرْجِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: القُبُلُ الَّذِي نَهى عَنْهُ في حالِ الحَيْضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: فَأْتُوهُنَّ مِن قِبَلِ طُهْرِهِنَّ، لا مِن قِبَلِ حَيْضِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ. والثّالِثُ: فَأْتُوا النِّساءَ مِن قِبَلِ النِّكاحِ لا مِن قِبَلِ الفُجُورِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ. والرّابِعُ: مِن حَيْثُ أُحِلَّ لَكم، فَلا تَقْرَبُوهُنَّ مُحْرِماتٍ، ولا صائِماتٍ ولا مُعْتَكِفاتٍ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٢٨٤) أحَدُها: المُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والثّانِي: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِن أدْبارِ النِّساءِ أنْ يَأْتُوها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، أنْ لا يَعُودُوا فِيها بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنها، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أيْ مُزْدَرَعُ أوْلادِكم ومُحْتَرَثُ نَسْلِكم، وفي الحَرْثِ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فانْكِحُوا مُزْدَرَعَ أوْلادِكم. ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كَيْفَ شِئْتُمْ في الأحْوالِ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أنَّ أُناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، جَلَسُوا يَوْمًا ويَهُودِيٌّ قَرِيبٌ مِنهم، فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ: إنِّي لَآتِي امْرَأتِي وهي مُضْطَجِعَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي قائِمَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي عَلى جَنْبِها، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي بارِكَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: ما أنْتُمْ إلّا أمْثالُ البَهائِمِ ولَكِنّا إنَّما نَأْتِيها عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ. والثّانِي: يَعْنِي مِن أيِّ وجْهٍ أحْبَبْتُمْ في قُبُلِها، أوْ مِن دُبُرِها في قُبُلِها. رَوى جابِرٌ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ العَرَبَ يَأْتُونَ النِّساءَ مِن أعْجازِهِنَّ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأكْذَبَ اللَّهُ حَدِيثَهم وقالَ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ. والثّالِثُ: يَعْنِي مِن أيْنَ شِئْتُمْ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وغَيْرِهِ. والرّابِعُ: كَيْفَ شِئْتُمْ أنْ تَعْزِلُوا أوْ لا تَعْزِلُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. والخامِسُ: حَيْثُ شِئْتُمْ مِن قُبُلٍ، أوْ مِن دُبُرٍ، رَواهُ نافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ورَوى عَنْ غَيْرِهِ. (p-٢٨٥) وَرَوى حُبَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ناسًا مِن حِمْيَرَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ يَسْألُونَهُ عَنْ أشْياءَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّساءَ، فَكَيْفَ تَرى في ذَلِكَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما سَألُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ فِيما سَألَ عَنْهُ الرَّجُلُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً إذا كانَ في الفَرْجِ)» . ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ الخَيْرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الجِماعِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

البقرة 2:223

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى﴾ قالَ السُّدِّيِّ: السّائِلُ كانَ ثابِتَ بْنَ الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ، وكانَتِ العَرَبُ ومَن في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ يَجْتَنِبُونَ مُساكَنَةَ الحُيَّضِ ومُؤاكَلَتَهُنَّ ومُشارَبَتَهُنَّ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَعْتَزِلُونَ الحُيَّضَ في الفَرْجِ، ويَأْتُونَهُنَّ في أدْبارِهِنَّ مُدَّةَ حَيْضِهِنَّ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والأذى هو ما يُؤْذِي مِن نَتْنِ رِيحِهِ ووِزْرِهِ ونَجاسَتِهِ. (p-٢٨٣) ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالِاعْتِزالِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: اعْتَزَلَ جَمِيعَ بَدَنِها أنْ يُباشِرَهُ بِشَيْءٍ مِن بَدَنِهِ، وهَذا قَوْلُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ. والثّانِي: ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وهَذا قَوْلُ شُرَيْحٍ. والثّالِثُ: الفَرْجُ وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ ومَيْمُونَةَ وحَفْصَةَ وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: التَّخْفِيفُ وضَمُّ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومَعْناهُ بِانْقِطاعِ الدَّمِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. والثّانِيَةُ: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الهاءِ، قَرَأ بِها حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، ومَعْناها حَتّى تَغْتَسِلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ يَعْنِي بِالماءِ، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ إذا اغْتَسَلْنَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ. والثّانِي: الوُضُوءُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وطاوُسٍ. والثّالِثُ: غَسْلُ الفَرْجِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: القُبُلُ الَّذِي نَهى عَنْهُ في حالِ الحَيْضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: فَأْتُوهُنَّ مِن قِبَلِ طُهْرِهِنَّ، لا مِن قِبَلِ حَيْضِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ. والثّالِثُ: فَأْتُوا النِّساءَ مِن قِبَلِ النِّكاحِ لا مِن قِبَلِ الفُجُورِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ. والرّابِعُ: مِن حَيْثُ أُحِلَّ لَكم، فَلا تَقْرَبُوهُنَّ مُحْرِماتٍ، ولا صائِماتٍ ولا مُعْتَكِفاتٍ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٢٨٤) أحَدُها: المُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ. والثّانِي: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِن أدْبارِ النِّساءِ أنْ يَأْتُوها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، أنْ لا يَعُودُوا فِيها بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنها، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أيْ مُزْدَرَعُ أوْلادِكم ومُحْتَرَثُ نَسْلِكم، وفي الحَرْثِ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فانْكِحُوا مُزْدَرَعَ أوْلادِكم. ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كَيْفَ شِئْتُمْ في الأحْوالِ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أنَّ أُناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، جَلَسُوا يَوْمًا ويَهُودِيٌّ قَرِيبٌ مِنهم، فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ: إنِّي لَآتِي امْرَأتِي وهي مُضْطَجِعَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي قائِمَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي عَلى جَنْبِها، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي بارِكَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: ما أنْتُمْ إلّا أمْثالُ البَهائِمِ ولَكِنّا إنَّما نَأْتِيها عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ. والثّانِي: يَعْنِي مِن أيِّ وجْهٍ أحْبَبْتُمْ في قُبُلِها، أوْ مِن دُبُرِها في قُبُلِها. رَوى جابِرٌ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ العَرَبَ يَأْتُونَ النِّساءَ مِن أعْجازِهِنَّ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأكْذَبَ اللَّهُ حَدِيثَهم وقالَ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ. والثّالِثُ: يَعْنِي مِن أيْنَ شِئْتُمْ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وغَيْرِهِ. والرّابِعُ: كَيْفَ شِئْتُمْ أنْ تَعْزِلُوا أوْ لا تَعْزِلُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. والخامِسُ: حَيْثُ شِئْتُمْ مِن قُبُلٍ، أوْ مِن دُبُرٍ، رَواهُ نافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ورَوى عَنْ غَيْرِهِ. (p-٢٨٥) وَرَوى حُبَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ناسًا مِن حِمْيَرَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ يَسْألُونَهُ عَنْ أشْياءَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّساءَ، فَكَيْفَ تَرى في ذَلِكَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما سَألُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ فِيما سَألَ عَنْهُ الرَّجُلُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً إذا كانَ في الفَرْجِ)» . ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ الخَيْرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الجِماعِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

البقرة 2:224

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ أمّا العُرْضَةُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ تَعالى في كُلِّ حَقٍّ وباطِلٍ، فَتَتَبَذَّلَ اسْمَهُ، وتَجْعَلَهُ عُرْضَةً. والثّانِي: أنَّ مَعْنى عُرْضَةٍ، أيْ عِلَّةٌ يَتَعَلَّلُ بِها في بِرِّهِ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَمْتَنِعَ مِن فِعْلِ الخَيْرِ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ إذا سُئِلَ، فَيَقُولُ: عَلَيَّ يَمِينٌ أنْ لا أفْعَلَ ذَلِكَ، أوْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ في الحالِ فَيَعْتَلُّ في تَرْكِ الخَيْرِ بِاليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ الخَيْرَ والبِرَّ، فَيَقْصِدُ في فِعْلِهِ البِرَّ في يَمِينِهِ، لا الرَّغْبَةَ في فِعْلِهِ. (p-٢٨٦) وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَبَرُّوا في أيْمانِكم. والثّانِي: أنْ تَبَرُّوا في أرْحامِكم. ﴿وَتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ هو الإصْلاحُ المَعْرُوفُ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سَمِيعٌ لِأيْمانِكم، عَلِيمٌ بِاعْتِقادِكم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ أمّا اللَّغْوُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهو كُلُّ كَلامٍ كانَ مَذْمُومًا، وفَضْلًا لا مَعْنى لَهُ، فَهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا فُلانٌ في كَلامِهِ إذا قالَ قُبْحًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القَصَصِ: ٥٥] . فَأمّا لَغْوُ اليَمِينِ الَّتِي لا يُؤاخِذُ اللَّهُ تَعالى بِها، فَفِيها سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما يَسْبِقُ بِهِ اللِّسانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَوْفٍ الأعْرابِيِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَنْضَلُونَ يَعْنِي يَرْمُونَ، ومَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصابَ واللَّهِ، أخْطَأْتُ واللَّهِ، فَقالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: حَنِثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (كَلّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ ولا كَفّارَةَ ولاَ عُقُوبَةَ)» . والثّانِي: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ، أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّ أنَّهُ كَما حَلَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ بِخِلافِهِ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ. والثّالِثُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها صاحِبُها في حالِ الغَضَبِ عَلى غَيْرِ عَقْدِ قَلْبٍ ولا عَزْمٍ، ولَكِنْ صِلَةً لِلْكَلامِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ. (p-٢٨٧) وَقَدْ رَوى يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (لا يَمِينَ في غَضَبٍ).» والرّابِعُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها في المَعْصِيَةِ، فَلا يُكَفِّرُ عَنْها، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « (مَن نَذَرَ فِيما لا يَمْلِكُ فَلا نَذْرَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَلا يَمِينَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلا يَمِينَ لَهُ)» . والخامِسُ: أنَّ اللَّغْوَ في اليَمِينِ، إذا دَعا الحالِفُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا فَأعْمى اللَّهُ بَصَرِي، أوْ قَلَّلَ مِن مالِي، أوْ أنا كافِرٌ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. والسّادِسُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ هو ما حَنِثَ فِيهِ الحالِفُ ناسِيًا، وهَذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ. ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَحْلِفَ كاذِبًا أوْ عَلى باطِلٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ عَمْدًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ اعْتِقادُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غَفُورٌ لِعِبادِهِ، فِيما لَغَوْا مِن أيْمانِهِمْ، حَلِيمٌ في تَرْكِهِ مُقابَلَةِ أهْلِ حَسَنَتِهِ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ.(p-٢٨٨)

البقرة 2:225

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ أمّا العُرْضَةُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ تَعالى في كُلِّ حَقٍّ وباطِلٍ، فَتَتَبَذَّلَ اسْمَهُ، وتَجْعَلَهُ عُرْضَةً. والثّانِي: أنَّ مَعْنى عُرْضَةٍ، أيْ عِلَّةٌ يَتَعَلَّلُ بِها في بِرِّهِ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَمْتَنِعَ مِن فِعْلِ الخَيْرِ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ إذا سُئِلَ، فَيَقُولُ: عَلَيَّ يَمِينٌ أنْ لا أفْعَلَ ذَلِكَ، أوْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ في الحالِ فَيَعْتَلُّ في تَرْكِ الخَيْرِ بِاليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ الخَيْرَ والبِرَّ، فَيَقْصِدُ في فِعْلِهِ البِرَّ في يَمِينِهِ، لا الرَّغْبَةَ في فِعْلِهِ. (p-٢٨٦) وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَبَرُّوا في أيْمانِكم. والثّانِي: أنْ تَبَرُّوا في أرْحامِكم. ﴿وَتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ هو الإصْلاحُ المَعْرُوفُ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سَمِيعٌ لِأيْمانِكم، عَلِيمٌ بِاعْتِقادِكم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ أمّا اللَّغْوُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهو كُلُّ كَلامٍ كانَ مَذْمُومًا، وفَضْلًا لا مَعْنى لَهُ، فَهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا فُلانٌ في كَلامِهِ إذا قالَ قُبْحًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القَصَصِ: ٥٥] . فَأمّا لَغْوُ اليَمِينِ الَّتِي لا يُؤاخِذُ اللَّهُ تَعالى بِها، فَفِيها سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما يَسْبِقُ بِهِ اللِّسانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَوْفٍ الأعْرابِيِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَنْضَلُونَ يَعْنِي يَرْمُونَ، ومَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصابَ واللَّهِ، أخْطَأْتُ واللَّهِ، فَقالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: حَنِثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (كَلّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ ولا كَفّارَةَ ولاَ عُقُوبَةَ)» . والثّانِي: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ، أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّ أنَّهُ كَما حَلَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ بِخِلافِهِ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ. والثّالِثُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها صاحِبُها في حالِ الغَضَبِ عَلى غَيْرِ عَقْدِ قَلْبٍ ولا عَزْمٍ، ولَكِنْ صِلَةً لِلْكَلامِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ. (p-٢٨٧) وَقَدْ رَوى يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (لا يَمِينَ في غَضَبٍ).» والرّابِعُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها في المَعْصِيَةِ، فَلا يُكَفِّرُ عَنْها، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « (مَن نَذَرَ فِيما لا يَمْلِكُ فَلا نَذْرَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَلا يَمِينَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلا يَمِينَ لَهُ)» . والخامِسُ: أنَّ اللَّغْوَ في اليَمِينِ، إذا دَعا الحالِفُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا فَأعْمى اللَّهُ بَصَرِي، أوْ قَلَّلَ مِن مالِي، أوْ أنا كافِرٌ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. والسّادِسُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ هو ما حَنِثَ فِيهِ الحالِفُ ناسِيًا، وهَذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ. ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَحْلِفَ كاذِبًا أوْ عَلى باطِلٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ عَمْدًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ اعْتِقادُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غَفُورٌ لِعِبادِهِ، فِيما لَغَوْا مِن أيْمانِهِمْ، حَلِيمٌ في تَرْكِهِ مُقابَلَةِ أهْلِ حَسَنَتِهِ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ.(p-٢٨٨)

البقرة 2:226

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْلُونَ﴾ أيْ يُقْسِمُونَ، والألْيَةُ: اليَمِينُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كُفِينا مِن تَعَنُّتٍ مِن نِزارٍ وأحْلَلْنا إلَيْهِ مُقْسِمِينا وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ لَكِنَّهُ إنَّما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ. واخْتَلَفُوا في اليَمِينِ الَّتِي يَصِيرُ بِها مُولِيًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي اليَمِينُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. والثّانِي: هي كُلُّ عَيْنٍ لَزِمَ الحَلِفُ في الحِنْثِ بِها ما لَمْ يَكُنْ لازِمًا لَهُ وكِلا القَوْلَيْنِ عَنِ الشّافِعِيِّ. واخْتَلَفُوا في الَّذِي إذا حَلَفَ عَلَيْهِ صارَ مُولِيًا عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى امْرَأتِهِ في حالِ الغَضَبِ عَلى وجْهِ الإضْرارِ بِها، أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، وأمّا إنْ حَلَفَ عَلى غَيْرِ وجْهِ الإضْرارِ، وعَلى غَيْرِ الغَضَبِ فَلَيْسَ بِمُولٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ. والثّانِي: هو أنْ يَحْلِفَ أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، سَواءٌ كانَ في غَضَبٍ أوْ غَيْرِ غَضَبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ. والثّالِثُ: هو كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِها في مَساءَةِ امْرَأتِهِ عَلى جِماعٍ أوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: واللَّهِ لَأسُوءَنَّكِ أوْ لَأغِيظَنَّكِ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ يَعْنِي رَجَعُوا، والفَيْءُ والرُّجُوعُ مِن حالٍ إلى حالٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحُجُراتِ: ٩] أيْ تَرْجِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ فَفاءَتْ ولَمْ تَقْضِ الَّذِي أقْبَلَتْ لَهُ ∗∗∗ ومِن حاجَةِ الإنْسانِ ما لَيْسَ قاضِيا (p-٢٨٩) وَفِي الفَيْءِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الجِماعُ لا غَيْرَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى الجِماعِ دُونَ غَيْرِهِ. والثّانِي: الجِماعُ لِغَيْرِ المَعْذُورِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ. والثّالِثُ: هو المُراجَعَةُ بِاللِّسانِ بِكُلِّ غالِبٍ أنَّهُ الرِّضا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى مَساءَةِ زَوْجَتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أرادَ غُفْرانَ الإثْمِ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ. والثّانِي: غَفُورٌ بِتَخْفِيفِ الكَفّارَةِ وإسْقاطِها، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ فِيما كانَ الحِنْثُ بِرًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ. والثّالِثُ: غَفُورٌ لِمَأْثَمِ اليَمِينِ، رَحِيمٌ في تَرْخِيصِ المَخْرَجِ مِنها بِالتَّكْفِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ الآيَةَ. قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وَإنْ عَزَمُوا السَّراحَ)، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ عَزِيمَةَ الَّذِي لا يَفِيءُ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَتُطَلَّقَ بِذَلِكَ. واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في الطَّلاقِ الَّذِي يَلْحَقُها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: طَلْقَةٌ بائِنَةٌ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنِ شُبْرُمَةَ. الثّانِي: أنْ تَمْضِيَ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ، يَسْتَحِقُّ عَلَيْها أنْ يَفِيءَ، أوْ يُطَلِّقَ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ في رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، وابْنِ أبِي لَيْلى عَنْهُ، وعُثْمانَ في رِوايَةِ طاوُسٍ عَنْهُ، وأبِي الدَّرْداءِ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ نافِعٍ عَنْهُ. رَوى سُهَيْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: (سَألْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن (p-٢٩٠) أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ فَكُلُّهم يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَيُوقِفَ، فَإنْ فاءَ وإلّا طَلَّقَ) وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ. والثّالِثُ: لَيْسَ الإيلاءُ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، في رِوايَةِ عَمْرٍو بْنِ دِينارٍ عَنْهُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَسْمَعُ إيلاءَهُ. والثّانِي: يَسْمَعُ طَلاقَهُ. وَفي ( عَلِيمٌ ) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُ نِيَّتَهُ. والثّانِي: يَعْلَمُ صَبْرَهُ.

البقرة 2:227

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْلُونَ﴾ أيْ يُقْسِمُونَ، والألْيَةُ: اليَمِينُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ كُفِينا مِن تَعَنُّتٍ مِن نِزارٍ وأحْلَلْنا إلَيْهِ مُقْسِمِينا وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ لَكِنَّهُ إنَّما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ. واخْتَلَفُوا في اليَمِينِ الَّتِي يَصِيرُ بِها مُولِيًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي اليَمِينُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. والثّانِي: هي كُلُّ عَيْنٍ لَزِمَ الحَلِفُ في الحِنْثِ بِها ما لَمْ يَكُنْ لازِمًا لَهُ وكِلا القَوْلَيْنِ عَنِ الشّافِعِيِّ. واخْتَلَفُوا في الَّذِي إذا حَلَفَ عَلَيْهِ صارَ مُولِيًا عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى امْرَأتِهِ في حالِ الغَضَبِ عَلى وجْهِ الإضْرارِ بِها، أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، وأمّا إنْ حَلَفَ عَلى غَيْرِ وجْهِ الإضْرارِ، وعَلى غَيْرِ الغَضَبِ فَلَيْسَ بِمُولٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ. والثّانِي: هو أنْ يَحْلِفَ أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، سَواءٌ كانَ في غَضَبٍ أوْ غَيْرِ غَضَبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ. والثّالِثُ: هو كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِها في مَساءَةِ امْرَأتِهِ عَلى جِماعٍ أوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: واللَّهِ لَأسُوءَنَّكِ أوْ لَأغِيظَنَّكِ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ يَعْنِي رَجَعُوا، والفَيْءُ والرُّجُوعُ مِن حالٍ إلى حالٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحُجُراتِ: ٩] أيْ تَرْجِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ فَفاءَتْ ولَمْ تَقْضِ الَّذِي أقْبَلَتْ لَهُ ∗∗∗ ومِن حاجَةِ الإنْسانِ ما لَيْسَ قاضِيا (p-٢٨٩) وَفِي الفَيْءِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الجِماعُ لا غَيْرَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى الجِماعِ دُونَ غَيْرِهِ. والثّانِي: الجِماعُ لِغَيْرِ المَعْذُورِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ. والثّالِثُ: هو المُراجَعَةُ بِاللِّسانِ بِكُلِّ غالِبٍ أنَّهُ الرِّضا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى مَساءَةِ زَوْجَتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أرادَ غُفْرانَ الإثْمِ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ. والثّانِي: غَفُورٌ بِتَخْفِيفِ الكَفّارَةِ وإسْقاطِها، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ فِيما كانَ الحِنْثُ بِرًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ. والثّالِثُ: غَفُورٌ لِمَأْثَمِ اليَمِينِ، رَحِيمٌ في تَرْخِيصِ المَخْرَجِ مِنها بِالتَّكْفِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ الآيَةَ. قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وَإنْ عَزَمُوا السَّراحَ)، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ عَزِيمَةَ الَّذِي لا يَفِيءُ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَتُطَلَّقَ بِذَلِكَ. واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في الطَّلاقِ الَّذِي يَلْحَقُها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: طَلْقَةٌ بائِنَةٌ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنِ شُبْرُمَةَ. الثّانِي: أنْ تَمْضِيَ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ، يَسْتَحِقُّ عَلَيْها أنْ يَفِيءَ، أوْ يُطَلِّقَ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ في رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، وابْنِ أبِي لَيْلى عَنْهُ، وعُثْمانَ في رِوايَةِ طاوُسٍ عَنْهُ، وأبِي الدَّرْداءِ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ نافِعٍ عَنْهُ. رَوى سُهَيْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: (سَألْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن (p-٢٩٠) أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ فَكُلُّهم يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَيُوقِفَ، فَإنْ فاءَ وإلّا طَلَّقَ) وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ. والثّالِثُ: لَيْسَ الإيلاءُ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، في رِوايَةِ عَمْرٍو بْنِ دِينارٍ عَنْهُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَسْمَعُ إيلاءَهُ. والثّانِي: يَسْمَعُ طَلاقَهُ. وَفي ( عَلِيمٌ ) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُ نِيَّتَهُ. والثّانِي: يَعْلَمُ صَبْرَهُ.

البقرة 2:228

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يَعْنِي المُخَلَّياتِ، والطَّلاقُ: التَّخْلِيَةُ كَما يُقالُ لِلنَّعْجَةِ المُهْمَلَةِ بِغَيْرِ راعٍ: طالِقٌ، فَسُمِّيَتِ المَرْأةُ المُخَلّى سَبِيلُها بِما سُمِّيَتْ بِهِ النَّعْجَةُ المُهْمَلُ أمْرُها، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن طَلْقِ الفَرَسِ، وهو ذَهابُهُ شَوْطًا لا يُمْنَعُ، فَسُمِّيَتِ المَرْأةُ المُخَلّاةُ طالِقًا لِأنَّها لا تَمْنَعُ مِن نَفْسِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، ولِذَلِكَ قِيلَ لِذاتِ الزَّوْجِ: إنَّها في حِبالِهِ لِأنَّها كالمَعْقُولَةِ بِشَيْءٍ، وأمّا قَوْلُهُمْ: طَلَقَتِ المَرْأةُ فَمَعْناهُ غَيْرُ هَذا، إنَّما يُقالُ: طَلَقَتِ المَرْأةُ إذا نَفَسَتْ، هَذا مِنَ الطَّلْقِ وهو وجَعُ الوِلادَةِ، والأوَّلُ مِنَ الطَّلاقِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أيْ مُدَّةَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ، واخْتَلَفُوا في الأقْراءِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الحِيَضُ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي (p-٢٩١)مُوسى، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأهْلِ العِراقِ، اسْتِشْهادًا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ يا رُبَّ ذِي صِغْنٍ عَلَيَّ فارِضِ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والثّانِي: هي الأطْهارُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، والزُّهْرِيِّ، وأبانَ بْنِ عُثْمانَ، والشّافِعِيِّ، وأهْلِ الحِجازِ، اسْتِشْهادًا بِقَوْلِ الأعْشى: ؎ أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمٌ غَزْوَةً ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا ∗∗∗ مُوَرِّثَةً مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ القُرْءِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ القُرْءَ الِاجْتِماعُ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ القُرْآنِ لِاجْتِماعِ حُرُوفِهِ، وقِيلَ: قَدْ قَرَأ الطَّعامَ في شِدْقِهِ وقَرَأ الماءَ في حَوْضِهِ إذا جَمَعَهُ، وقِيلَ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ، أيْ لَمْ يَجْتَمِعْ رَحِمُها عَلى ولَدٍ قَطُّ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎ تُرِيكَ إذا دَخَلَتْ عَلى خَلاءٍ ∗∗∗ وقَدْ أمِنَتْ عُيُونَ الكاشِحِينا ∗∗∗ ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هَجانَ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا وَهَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، والأخْفَشِ، والكِسائِيِّ، والشّافِعِيِّ، فَمَن جَعَلَ القُرُوءَ اسْمًا لِلْحَيْضِ سَمّاهُ بِذَلِكَ، لِاجْتِماعِ الدَّمِ في الرَّحِمِ، ومَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلطُّهْرِ فَلِاجْتِماعِهِ في البَدَنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القُرْءَ الوَقْتُ، لِمَجِيءِ الشَّيْءِ المُعْتادِ مَجِيؤُهُ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، ولِإدْبارِ الشَّيْءِ المُعْتادِ إدْبارُهُ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، وكَذَلِكَ قالَتِ العَرَبُ: أقْرَأْتُ حاجَةَ فُلانٍ عِنْدِي، أيْ دَنا وقْتُها وحانَ قَضاؤُها. وَأقْرَأ النَّجْمُ إذا جاءَ وقْتُ أُفُولِهِ، وقَرَأ إذا جاءَ وقْتُ طُلُوعِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ إذا ما الثُّرَيّا وقَدْ أقْرَأتْ ∗∗∗ ... ... ... (p-٢٩٢) وَقِيلَ: أقْرَأتِ الرِّيحُ، إذا هَبَّتْ لِوَقْتِها، قالَ الهُذَلِيُّ: ؎ كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ ∗∗∗ إذا لِقارِئِها الرِّياحُ يَعْنِي هَبَّتْ لِوَقْتِها، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ. فَمَن جَعَلَ القُرْءَ اسْمًا لِلْحَيْضِ، فَلِأنَّهُ وقْتُ خُرُوجِ الدَّمِ المُعْتادِ، ومَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلطُّهْرِ، فَلِأنَّهُ وقْتُ احْتِباسِ الدَّمِ المُعْتادِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَيْضُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ. والثّانِي: أنَّهُ الحَمْلُ، قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الحَمْلُ والحَيْضُ قالَهُ عُمَرُ ومُجاهِدٌ. ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهُنَّ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ الوَعِيدِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِما يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ مِنَ الرَّجْعَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لِإلْحاقِ نَسَبِ الوَلِيدِ بِغَيْرِهِ كَفِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ البَعْلُ: الزَّوْجُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِعُلُوِّهِ عَلى الزَّوْجَةِ بِما قَدْ مَلَكَهُ عَنْ زَوْجِيَّتِها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾ [الصّافّاتِ: ١٢٥] أيْ رَبًّا لِعُلُوِّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ بِرَجْعَتِهِنَّ، وهَذا مَخْصُوصٌ في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ دُونَ البائِنِ. ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ يَعْنِي إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الطَّلاقِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَهُنَّ مِن حُسْنِ الصُّحْبَةِ والعِشْرَةِ بِالمَعْرُوفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ مِنَ الطّاعَةِ، فِيما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ. (p-٢٩٣) والثّانِي: ولَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ مِنَ التَّصَنُّعِ والتَّزَيُّنِ، مِثْلُ ما لِأزْواجِهِنَّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي لَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، تَرْكُ مُضارَّتِهِنَّ، كَما كانَ ذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَضْلُ المِيراثِ والجِهادِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّهُ الإمْرَةُ والطّاعَةُ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. والثّالِثُ: أنَّهُ إعْطاءُ الصَّداقِ، وأنَّهُ إذا قَذَفَها لاعَنَها، وإنْ قَذَفَتْهُ حُدَّتْ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. والرّابِعُ: أفْضالُهُ عَلَيْها، وأداءُ حَقِّها إلَيْها، والصَّفْحُ عَمّا يَجِبُ لَهُ مِنَ الحُقُوقِ عَلَيْها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. والخامِسُ: أنْ جُعِلَ لَهُ لِحْيَةٌ، وهو قَوْلُ حُمَيْدٍ.

البقرة 2:229

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِعَدَدِ الطَّلاقِ وتَقْدِيرُهُ: بِالثَّلاثِ، وأنَّهُ يَمْلِكُ في الِاثْنَيْنِ الرَّجْعَةَ ولا يَمْلِكُها في الثّالِثَةِ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ وقَتادَةَ، ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ ناسِيًا، إنْ راجَعَ امْرَأتَهُ قُبَيْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَتِ (p-٢٩٤) امْرَأتَهُ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَلى امْرَأتِهِ، فَقالَ لَها: لا أقْرَبُكِ ولا تَخْتَلِينَ مِنِّي، قالَتْ لَهُ كَيْفَ؟ أُطَلِّقُكِ فَإذا دَنا أجْلُكِ راجَعْتُكِ، فَشَكَتْ زَوْجَها إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. » والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ بَيانٌ لِسُنَّةِ الطَّلاقِ أنْ يُوقِعَ في كُلِّ قَوْلٍ طَلْقَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: هَذا في الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، رَوى سُفْيانُ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟ قالَ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾»، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ. والثّانِي: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثّانِيَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ والإمْساكُ عَنْ رَجْعَتِها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ. الإحْسانُ هو تَأْدِيَةُ حَقِّها، والكَفُّ عَنْ أذاها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ يَعْنِي مِنَ الصَّداقِ ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الياءِ مِن (يَخافا)، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والخَوْفُ هَهُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ أتانِي كَلامٌ عَنْ نَصِيبٍ يَقُولُهُ وما خِفْتُ بِالإسْلامِ أنَّكَ عائِبِي يَعْنِي وما ظَنَنْتُ. وَفي ﴿أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَظْهَرَ مِنَ المَرْأةِ النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: أنْ لا تُطِيعَ لَهُ أمْرًا، ولا تَبَرَّ لَهُ قَسَمًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ. والثّالِثُ: هو أنْ يُبْدِيَ لِسانُها أنَّها لَهُ كارِهَةٌ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. والرّابِعُ: أنْ يَكْرَهَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، فَلا يُقِيمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَقِّ صاحِبِهِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، رَوى ثابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « (المُخْتَلِعاتُ والمُنْتَزِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ)» . يَعْنِي الَّتِي تُخالِعُ زَوْجَها لِمَيْلِها إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها مِنَ الصَّداقِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، والحَسَنِ. والقَوْلُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تُخالِعَ زَوْجَها بِالصَّداقِ وبِأكْثَرَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: أنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراءَ حَدَّثَتْهُ قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ يُقِلُّ عَلَيَّ الخُبْزَ إذا حَضَرَ، ويَحْرِمُنِي إذا غابَ، قالَتْ: وكانَتْ مِنِّي زَلَّةٌ يَوْمًا فَقُلْتُ: أنْخَلِعُ مِنكَ بِكُلِّ شَيْءٍ أمْلِكُهُ، قالَ: نَعَمْ، قالَتْ فَفَعَلْتُ، قالَتْ: فَخاصَمَ عَمِّي مُعاذَ بْنَ عَفْراءَ إلى عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَأجازَ الخُلْعَ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ ما دُونُ عِقاصِ الرَّأْسِ. واخْتَلَفُوا في نَسْخِها، فَحُكِيَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ الخُلْعَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النِّساءِ: ٢٠] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في جَوازِ الخُلْعِ. (p-٢٩٦) وَقَدْ رَوى أيُّوبُ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلى سَمُرَةَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِامْرَأةٍ ناشِزَةٍ، فَأمَرَ بِها إلى بَيْتِ كَثِيرٍ، فَحَبَسَها ثَلاثًا، ثُمَّ دَعاها فَقالَ: كَيْفَ وجَدْتِ مَكانَكِ؟ قالَتْ: ما وجَدْتُ راحَةً مُنْذُ كُنْتُ إلّا هَذِهِ اللَّيالِيَ الَّتِي حَبَسْتَنِي، فَقالَ لِزَوْجِها: اخْلَعْها ولَوْ مِن قُرْطِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يَعْنِي أنَّها لا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثَلاثًا حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ نِكاحَ الثّانِي إذا طَلَّقَها مِنهُ أحَلَّها لِلْأوَّلِ سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. والثّانِي: أنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ بِنِكاحِ الثّانِي، حَتّى يَدْخُلَ بِها فَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَها، لِلسُّنَّةِ المَرْوِيَّةِ فِيهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

البقرة 2:230

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِعَدَدِ الطَّلاقِ وتَقْدِيرُهُ: بِالثَّلاثِ، وأنَّهُ يَمْلِكُ في الِاثْنَيْنِ الرَّجْعَةَ ولا يَمْلِكُها في الثّالِثَةِ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ وقَتادَةَ، ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ ناسِيًا، إنْ راجَعَ امْرَأتَهُ قُبَيْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَتِ (p-٢٩٤) امْرَأتَهُ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَلى امْرَأتِهِ، فَقالَ لَها: لا أقْرَبُكِ ولا تَخْتَلِينَ مِنِّي، قالَتْ لَهُ كَيْفَ؟ أُطَلِّقُكِ فَإذا دَنا أجْلُكِ راجَعْتُكِ، فَشَكَتْ زَوْجَها إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. » والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ بَيانٌ لِسُنَّةِ الطَّلاقِ أنْ يُوقِعَ في كُلِّ قَوْلٍ طَلْقَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: هَذا في الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، رَوى سُفْيانُ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟ قالَ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾»، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ. والثّانِي: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثّانِيَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ والإمْساكُ عَنْ رَجْعَتِها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ. الإحْسانُ هو تَأْدِيَةُ حَقِّها، والكَفُّ عَنْ أذاها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ يَعْنِي مِنَ الصَّداقِ ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الياءِ مِن (يَخافا)، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والخَوْفُ هَهُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ أتانِي كَلامٌ عَنْ نَصِيبٍ يَقُولُهُ وما خِفْتُ بِالإسْلامِ أنَّكَ عائِبِي يَعْنِي وما ظَنَنْتُ. وَفي ﴿أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَظْهَرَ مِنَ المَرْأةِ النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٩٥) والثّانِي: أنْ لا تُطِيعَ لَهُ أمْرًا، ولا تَبَرَّ لَهُ قَسَمًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ. والثّالِثُ: هو أنْ يُبْدِيَ لِسانُها أنَّها لَهُ كارِهَةٌ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. والرّابِعُ: أنْ يَكْرَهَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، فَلا يُقِيمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَقِّ صاحِبِهِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، رَوى ثابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « (المُخْتَلِعاتُ والمُنْتَزِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ)» . يَعْنِي الَّتِي تُخالِعُ زَوْجَها لِمَيْلِها إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها مِنَ الصَّداقِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، والحَسَنِ. والقَوْلُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تُخالِعَ زَوْجَها بِالصَّداقِ وبِأكْثَرَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: أنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراءَ حَدَّثَتْهُ قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ يُقِلُّ عَلَيَّ الخُبْزَ إذا حَضَرَ، ويَحْرِمُنِي إذا غابَ، قالَتْ: وكانَتْ مِنِّي زَلَّةٌ يَوْمًا فَقُلْتُ: أنْخَلِعُ مِنكَ بِكُلِّ شَيْءٍ أمْلِكُهُ، قالَ: نَعَمْ، قالَتْ فَفَعَلْتُ، قالَتْ: فَخاصَمَ عَمِّي مُعاذَ بْنَ عَفْراءَ إلى عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَأجازَ الخُلْعَ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ ما دُونُ عِقاصِ الرَّأْسِ. واخْتَلَفُوا في نَسْخِها، فَحُكِيَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ الخُلْعَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النِّساءِ: ٢٠] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في جَوازِ الخُلْعِ. (p-٢٩٦) وَقَدْ رَوى أيُّوبُ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلى سَمُرَةَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِامْرَأةٍ ناشِزَةٍ، فَأمَرَ بِها إلى بَيْتِ كَثِيرٍ، فَحَبَسَها ثَلاثًا، ثُمَّ دَعاها فَقالَ: كَيْفَ وجَدْتِ مَكانَكِ؟ قالَتْ: ما وجَدْتُ راحَةً مُنْذُ كُنْتُ إلّا هَذِهِ اللَّيالِيَ الَّتِي حَبَسْتَنِي، فَقالَ لِزَوْجِها: اخْلَعْها ولَوْ مِن قُرْطِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يَعْنِي أنَّها لا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثَلاثًا حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ نِكاحَ الثّانِي إذا طَلَّقَها مِنهُ أحَلَّها لِلْأوَّلِ سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. والثّانِي: أنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ بِنِكاحِ الثّانِي، حَتّى يَدْخُلَ بِها فَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَها، لِلسُّنَّةِ المَرْوِيَّةِ فِيهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

البقرة 2:231

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ قارَبْنَ انْقِضاءَ (p-٢٩٧) عِدَدِهِنَّ، كَما يَقُولُ المُسافِرُ: بَلَغْتُ بَلَدَ كَذا إذا قارَبَهُ. ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ هو المُراجَعَةُ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهو تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ. ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ هو أنْ يُراجِعَ كُلَّما طَلَّقَ حَتّى تَطُولَ عِدَّتُها إضْرارًا بِها. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يَعْنِي في قَصْدِ الإضْرارِ، وإنْ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ، والطَّلاقُ. رَوى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَضِبَ عَلى الأشْعَرِيِّينَ، قالُوا: يَقُولُ أحَدُهُمْ: قَدْ طَلَّقْتُ، قَدْ راجَعْتُ، لَيْسَ هَذا بِطَلاقِ المُسْلِمِينَ، طَلِّقُوا المَرْأةَ في قَبْلِ عِدَّتِها ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا. » ورَوى سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: أنَّ الحَسَنَ حَدَّثَهُمْ: «أنَّ النّاسَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطَلِّقُ أوْ يُعْتِقُ، فَيُقالُ: ما صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ لاعِبًا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَن طَلَّقَ لاعِبًا أوْ أعْتَقَ لاعِبًا جازَ عَلَيْهِ)» . قالَ الحَسَنُ: وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾

البقرة 2:232

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ بُلُوغُ الأجَلِ هَهُنا [تَناهِيهِ]، بِخِلافِ بُلُوغِ الأجَلِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لَها أنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، قالَ الشّافِعِيُّ: فَدَخَلَ اخْتِلافُ المَعْنَيَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وفي العَضْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنعُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: داءٌ عُضالٌ إذا امْتَنَعَ مِن أنْ يُداوى، وفُلانٌ عُضَلَةٌ أيْ داهِيَةٌ، لِأنَّهُ امْتَنَعَ بِدَهائِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ العَضْلَ الضِّيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: قَدْ أعْضَلَ بِالجَيْشِ الفَضاءُ، إذا ضاقَ بِهِمْ. وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ أعْضَلَ بِي أهْلُ العِراقِ، لا يَرْضَوْنَ عَنْ والٍ، ولا يَرْضى عَنْهم والٍ، وقالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: ؎ ولَيْسَ أخُوكَ الدّائِمُ العَهْدِ بِالَّذِي يَذُمُّكَ إنْ ولّى ويُرْضِيكَ مُقْبِلا ∗∗∗ ولَكِنَّهُ النّائِي إذا كُنْتَ آمِنًا ∗∗∗ وصاحِبُكَ الأدْنى إذا الأمْرُ أعْضَلا فَنَهى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْلِياءَ المَرْأةِ عَنْ عَضْلِها ومَنعِها مِن نِكاحِ مَن رَضِيَتْهُ مِنَ الأزْواجِ. وَفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إذا تَراضى الزَّوْجانِ. والثّانِي: إذا رَضِيَتِ المَرْأةُ بِالزَّوْجِ الكافِي. قالَ الشّافِعِيُّ: وهَذا بَيِّنٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى يَدُلُّ عَلى أنْ لَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تُنْكَحَ بِغَيْرِ ولِيٍّ. واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: (p-٢٩٩) أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ، ثُمَّ طَلَّقَها زَوْجُها وتَراضَيا بَعْدَ العِدَّةِ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَعَضَلَها مَعْقِلٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ بِنْتِ عَمٍّ لَهُ، وقَدْ طَلَّقَها زَوْجُها، ثُمَّ خَطَبَها فَأبى أنْ يُزَوِّجَهُ بِها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عُمُومًا في نَهْيِ كُلِّ ولِيٍّ عَنْ مُضارَّةِ ولِيَّتِهِ مِنَ النِّساءِ أنْ يَعْضُلَها عَنِ النِّكاحِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والزُّهْرِيِّ.

البقرة 2:233

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ والحَوْلُ السَّنَةُ، وفي أصْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: حالَ الشَّيْءُ إذا انْقَلَبَ عَنِ الوَقْتِ الأوَّلِ، ومِنهُ اسْتِحالَةُ الكَلامِ لِانْقِلابِهِ عَنِ الصَّوابِ. والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحَوُّلِ عَنِ المَكانِ، وهو الِانْتِقالُ مِنهُ إلى المَكانِ الأوَّلِ. وَإنَّما قالَ: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أقامَ فُلانٌ بِمَكانِ كَذا حَوْلَيْنِ وإنَّما أقامَ حَوْلًا وبَعْضَ آخَرَ، وأقامَ يَوْمَيْنِ وإنَّما أقامَ يَوْمًا وبَعْضَ آخَرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٣] ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعَجُّلَ في يَوْمٍ وبَعْضِ يَوْمٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ فِيما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن رَضاعِ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، عَلى تَأْوِيلَيْنِ: (p-٣٠٠) أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ في الَّتِي تَضَعُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَإنْ وضَعَتْ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ أرْضَعَتْ واحِدًا وعِشْرِينَ شَهْرًا، اسْتِكْمالًا لِثَلاثِينَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحْقافِ: ١٥] وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ بِرَضاعِ كُلِّ مَوْلُودٍ اخْتَلَفَ والِداهُ في رَضاعِهِ أنْ يُرْضَعَ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ والثَّوْرِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ يُرِيدُ بِالمَوْلُودِ لَهُ الأبَ عَلَيْهِ في ولَدِهِ لِلْمُرْضِعَةِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ في الأُمِّ المُطَلَّقَةِ إذا أرْضَعَتْ ولَدَها فَلَها رِزْقُها مِنَ الغِذاءِ، وكِسَوْتُها مِنَ اللِّباسِ. وَمَعْنى بِالمَعْرُوفِ أُجْرَةُ المِثْلِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. والثّانِي: أنَّهُ يَعْنِي بِهِ الأُمَّ ذاتَ النِّكاحِ، لَها نَفَقَتُها وكِسْوَتُها بِالمَعْرُوفِ في مِثْلِها، عَلى مِثْلِهِ مِن يَسارٍ، وإعْسارٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ أيْ لا تَمْتَنِعُ الأُمُّ مِن إرْضاعِهِ إضْرارًا بِالأبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وَقالَ عِكْرِمَةُ: هي الظِّئْرُ المُرْضِعَةُ دُونَ الأُمِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ وهو الأبُ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ، لا يَنْزِعُ الوَلَدَ مِن أُمِّهِ إضْرارًا بِها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الوارِثَ هو المَوْلُودُ نَفْسُهُ، وهَذا قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ. والثّانِي: أنَّهُ الباقِي مِن والِدَيِ الوَلَدِ بَعْدَ وفاةِ الآخَرِ مِنهُما، وهو قَوْلُ سُفْيانَ. والثّالِثُ: أنَّهُ وارِثُ الوَلَدِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ. والرّابِعُ: أنَّهُ وارِثُ الوَلَدِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وارِثُهُ مِن عَصَبَتِهِ إذا كانَ أبُوهُ مَيِّتًا سَواءٌ كانَ عَمًّا أوْ أخًا أوِ ابْنَ أخٍ أوِ (p-٣٠١) ابْنَ عَمٍّ دُونَ النِّساءِ مِنَ الوَرَثَةِ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ومُجاهِدٍ. والثّانِي: ورَثَتُهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. والثّالِثُ: هم مِن ورَثَتِهِ مَن كانَ مِنهم ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأجْدادُ ثُمَّ الأُمَّهاتُ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَلى الوارِثِ مِثْلَ ما كانَ عَلى والِدِهِ مِن أُجْرَةِ رَضاعَتِهِ ونَفَقَتِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وإبْراهِيمَ. والثّانِي: أنَّ عَلى الوارِثِ مِثْلَ ذَلِكَ في ألّا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والزُّهْرِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ والفِصالُ: الفِصامُ، سُمِّيَ فِصالًا لِانْفِصالِ المَوْلُودِ عَنْ ثَدْيِ أُمِّهِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ فاصَلَ فُلانٌ فُلانًا إذا فارَقَهُ مِن خُلْطَةٍ كانَتْ بَيْنَهُما. والتَّشاوُرُ: اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ بِالمُشاوَرَةِ. وَفي زَمانِ هَذا الفِصالِ عَنْ تَراضٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ إذا تَراضى الوالِدانِ بِفِطامِ المَوْلُودِ فِيهِ جازَ، وإنْ رَضِيَ أحَدُهُما وأبى الآخَرُ لَمْ يَجُزْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، والسُّدِّيِّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ وبَعْدَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ يَعْنِي لِأوْلادِكم، فَحَذَفَ اللّامَ اكْتِفاءً بِأنَّ الِاسْتِرْضاعَ لا يَكُونُ لِلْأوْلادِ، وهَذا عِنْدَ امْتِناعِ الأُمِّ مِن إرْضاعِهِ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لَهُ غَيْرَها ظِئْرًا. ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا سَلَّمْتُمْ أيُّها الآباءُ إلى الأُمَّهاتِ أُجُورَ ما أرْضَعْنَ قَبْلَ امْتِناعِهِنَّ، وهَذا قَوْلُمُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ. والثّانِي: إذا سَلَّمْتُمُ الأوْلادَ عَنْ مَشُورَةِ أُمَّهاتِهِمْ إلى مَن يَتَراضى بِهِ الوالِدانِ في إرْضاعِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ. (p-٣٠٢) والثّالِثُ: إذا سَلَّمْتُمْ إلى المُرْضِعَةِ الَّتِي تُسْتَأْجَرُ أجْرَها بِالمَعْرُوفِ، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.

البقرة 2:234

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ يَعْنِي بِالتَّرَبُّصِ زَمانَ العِدَّةِ في المُتَوَفّى زَوْجُها، وقِيلَ في زِيادَةِ العَشَرَةِ عَلى الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ ما قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وأبُو العالِيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْفُخُ الرُّوحَ في العَشَرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ العَشْرَ بِالتَّأْنِيثِ تَغْلِيبًا لِلَّيالِي عَلى الأيّامِ إذا اجْتَمَعَتْ لِأنَّ ابْتِداءَ الشُّهُورِ طُلُوعُ الهِلالِ ودُخُولُ اللَّيْلِ، فَكانَ تَغْلِيبُ الأوائِلِ عَلى الثَّوانِي أوْلى. واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الإحْدادِ فِيها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإحْدادَ فِيها واجِبٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيِّ. والثّانِي: لَيْسَ بِواجِبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «لَمّا أُصِيبَ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (تَسَلَّبِي ثَلاثًا ثُمَّ اصْنَعِي ما شِئْتِ)» . والإحْدادُ: الِامْتِناعُ مِنَ الزِّينَةِ، والطِّيبِ، والتَّرَجُّلِ، والنُّقْلَةِ. (p-٣٠٣) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَما المَعْنى في رَفْعِ الجُناحِ عَنِ الرِّجالِ في بُلُوغِ النِّساءِ أجَلَهُنَّ؟ فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلى الرِّجالِ فِيما يَلْزَمُ النِّساءَ مِن أحْكامِ العِدَّةِ، فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ارْتَفَعَ الجُناحُ عَنِ الرِّجالِ في الإنْكارِ عَلَيْهِنَّ وأخْذِهِنَّ بِأحْكامِ عِدَدِهِنَّ. والثّانِي: أنَّهُ لا جُناحَ عَلى الرِّجالِ في نِكاحِهِنَّ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَدِهِنَّ. ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن طِيبٍ، وتَزَيُّنٍ، ونُقْلَةٍ مِن مَسْكَنٍ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. والثّانِي: النِّكاحُ الحَلالُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وَهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٠] فَإنْ قِيلَ: فَهي مُتَقَدِّمَةٌ والنّاسِخُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا، قِيلَ: هو في التَّنْزِيلِ مُتَأخِّرٌ، وفي التِّلاوَةِ مُتَقَدِّمٌ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قُدِّمَ في التِّلاوَةِ مَعَ تَأخُّرِهِ في التَّنْزِيلِ؟ قِيلَ: لِيَسْبِقَ القارِئُ إلى تِلاوَتِهِ ومَعْرِفَةِ حُكْمِهِ حَتّى إنْ لَمْ يَقْرَأْ ما بَعْدَهُ مِنَ المَنسُوخِ أجْزَأهُ.

البقرة 2:235

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ أمّا التَّعْرِيضُ، فَهو الإشارَةُ بِالكَلامِ إلى ما لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النِّكاحِ، وأمّا الخِطْبَةُ بِالكَسْرِ فَهي طَلَبُ النِّكاحِ، وأمّا الخُطْبَةُ بِالضَّمِ فَهي كَلامٌ يَتَضَمَّنُ وعْظًا أوْ بَلاغًا. والتَّعْرِيضُ المُباحُ في العِدَّةِ أنْ يَقُولَ لَها: ما عَلَيْكِ أيْمَةٌ ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَسُوقَ إلَيْكَ خَيْرًا، أوْ يَقُولَ: رُبَّ رَجُلٍ يَرْغَبُ فِيكِ، إلى ما جَرى مَجْرى هَذِهِ الألْفاظِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي ما أسْرَرْتُمُوهُ مِن عُقْدَةِ النِّكاحِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ في السِّرِّ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي مِجْلَزٍ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ وقَتادَةَ. والثّانِي: ألّا تَأْخُذُوا مِيثاقَهُنَّ وعُهُودَهُنَّ في عِدَدِهِنَّ ألّا يَنْكِحْنَ غَيْرَكم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ. والثّالِثُ: ألّا تَنْكِحُوهُنَّ في عِدَدِهِنَّ سِرًّا، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. والرّابِعُ: أنْ يَقُولَ لَها: لا تَفُوتُنِي نَفْسُكِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والخامِسُ: الجِماعُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ مَعْناهُ: قُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا، وهو التَّعْرِيضُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، يَعْنِي التَّصْرِيحَ بِالخُطْبَةِ. وَفي ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَرْضُ الكِتابِ أجَلَهُ، يُرِيدُ انْقِضاءَ العِدَّةِ، فَحَذَفَ الفَرْضَ اكْتِفاءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ. والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالكِتابِ الفَرْضَ تَشْبِيهًا بِكِتابٍ.(p-٣٠٥)

البقرة 2:236

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( تُماسُّوهُنَّ ) ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً. والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وتَقْدِيرُهُ: فَرَضْتُمْ أوْ لَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً. والفَرِيضَةُ: الصِّدْقُ وسُمِّيَ فَرِيضَةً لِأنَّهُ قَدْ أوْجَبَهُ لَها، وأصْلُ الفَرْضِ: الواجِبُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ كانَتْ فَرِيضَةً ما أتَيْتَ كَما كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ وَكَما يُقالُ: فَرَضَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ في الفَيْءِ، يَعْنِي أوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ أيْ أعْطُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ مِن أمْوالِكم عَلى حَسَبِ أحْوالِكم في الغِنى والإقْتارِ. واخْتُلِفَ في قَدْرِ المُتْعَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُتْعَةَ الخادِمُ، ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ، ودُونَ ذَلِكَ الكِسْوَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَدْرُ نِصْفِ صَداقِ مِثْلِها، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. والثّالِثُ: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِاجْتِهادِ الحاكِمِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ واخْتَلَفُوا في وُجُوبِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ. (p-٣٠٦) والثّانِي: أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا غَيْرَ المَدْخُولِ بِها، فَلا مُتْعَةَ لَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. والثّالِثُ: أنَّها واجِبَةٌ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها إذا لَمْ يُسَمَّ لَها صَداقٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. والرّابِعُ: أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ، وإنَّما الأمْرُ بِها نَدْبٌ وإرْشادٌ، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ، والحَكَمِ.

البقرة 2:237

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وهو أوَّلُ الطَّلاقَيْنِ لِمَن كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ كارِهًا، لِرِوايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يُحِبُّ الذَّوّاقِينَ ولا الذَّوّاقاتِ)» . يَعْنِي الفِراقَ بَعْدَ الذَّوْقِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يَعْنِي صَداقًا ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ لَهُنَّ لَيْسَ عَلَيْكم غَيْرُهُ لَهُنَّ، ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ عَفْوَ الزَّوْجَةِ، لِيَكُونَ عَفْوُها أدْعى إلى خِطْبَتِها، ويُرَغِّبَ الأزْواجَ فِيها. (p-٣٠٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الوَلِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وطاوُسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ. الثّانِي: هو الزَّوْجُ، وبِهِ قالَ عَلِيٌّ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، ومُجاهِدٍ، وأبُو حُذَيْفَةَ. والثّالِثُ: هو أبُو بَكْرٍ، والسَّيِّدُ في أُمَّتِهِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ وفي المَقْصُودِ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجِ وحْدَهُ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أقْرَبُ لِاتِّقاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ظُلْمَ صاحِبِهِ. والثّانِي: أقْرَبُ إلى اتِّقاءِ مَعاصِي اللَّهِ.

البقرة 2:238

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ وفي المُحافَظَةِ عَلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ذِكْرُها. والثّانِي: تَعْجِيلُها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ وإنَّما خَصَّ الوُسْطى بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ الصَّلَواتِ لِاخْتِصاصِها بِالفَضْلِ، وفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، (p-٣٠٨)وَأبِي أيُّوبَ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ. رَوى عَمْرُو بْنُ رافِعٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها قالَتْ لِكاتِبِ مُصْحَفِها: إذا بَلَغْتَ مَواقِيتَ الصَّلاةِ فَأخْبِرْنِي، حَتّى أُخْبِرَكَ بِما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أخْبَرَها قالَتِ: اكْتُبْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ)» . ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ إلّا بَعْدَما غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقالَ: (ما لَهم مَلَأ اللَّهُ قُلُوبَهم وقُبُورَهم نارًا شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ)» . ورَوى التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « ( الصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ)» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عُمَرَ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: هي الَّتِي تَوَجَّهَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ. (p-٣٠٩) وَرَوى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ، ولَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلاةً أشَدَّ عَلى أصْحابِهِ مِنها، قالَ فَنَزَلَتْ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾» وقالَ: إنَّ قَبْلَها صَلاتَيْنِ وبَعْدَها صَلاتَيْنِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأقَلِّها ولا بِأكْثَرِها ولا تُقْصَرُ في السَّفَرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤَخِّرْها عَنْ وقْتِها ولَمْ يُعَجِّلْها. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُصَلِّيها بَيْنَ سَوادِ اللَّيْلِ وبَياضِ النَّهارِ، تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولا صَلاةَ مَفْرُوضَةً يُقْنَتُ فِيها إلّا الصُّبْحُ، ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ. والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّها إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ولا تُعْرَفُ بِعَيْنِها، لِيَكُونَ أبْعَثَ لَهم عَلى المُحافَظَةِ عَلى جَمِيعِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والرَّبِيعِ ابْنِ خُثَيْمٍ. وَفِيها قَوْلٌ سادِسٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجُمُعَةِ خاصَّةً. وَفِيها قَوْلٌ سابِعٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجَماعَةِ مِن جَمِيعِ الصَّلَواتِ. وَفي تَسْمِيَتِها بِالوُسْطى ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مَحَلًّا، لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ. والثّانِي: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلاةِ عَدَدًا، لِأنَّ أكْثَرَهُنَّ أرْبَعٌ وأقَلَّهُنَّ رَكْعَتانِ. والثّالِثُ: لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ ووَسَطُ الشَّيْءِ ووُسْطاهُ أفْضَلُهُ، وتَكُونُ الوُسْطى بِمَعْنى الفُضْلى. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٣١٠) أحَدُها: يَعْنِي طائِعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ. والثّانِي: ساكِتِينَ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ أنْ تَتَكَلَّمُوا بِهِ في صَلاتِكم، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: خاشِعِينَ، نَهْيًا عَنِ العَبَثِ والتَّفَلُّتِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. والرّابِعُ: داعِينَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: طُولُ القِيامِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ. والسّادِسُ: ..... وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا. واخْتُلِفَ في أصْلِ القُنُوتِ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَهُ الدَّوامُ عَلى أمْرٍ واحِدٍ. والثّانِي: أصْلُهُ الطّاعَةُ. والثّالِثُ: أصْلُهُ الدُّعاءُ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ الرِّجالُ جَمْعُ راجِلٍ، والرُّكْبانُ جَمْعُ راكِبٍ، مِثْلُ قائِمٍ وقِيامٍ. يَعْنِي فَإنْ خِفْتُمْ مِن عَدُوِّكم، فَصَلُّوا عَلى أرْجُلِكم أوْ رَكائِبِكم، وُقُوفًا ومُشاةً، إلى القِبْلَةِ وغَيْرِ القِبْلَةِ، مُومِئًا أوْ غَيْرَ مُومِئٍ، عَلى حَسَبِ قُدْرَتِهِ. واخْتُلِفَ في قَدْرِ صَلاتِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها عَلى عَدَدِها تُصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: تُصَلّى رَكْعَةً واحِدَةً إذا كانَ خائِفًا. واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ أمْنِهِ، فَذَهَبَ أهْلُ الحِجازِ إلى سُقُوطِ الإعادَةِ عَنْهُ لِعُذْرِهِ. وَذَهَبَ أهْلُ العِراقِ إلى وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ مَشْيَهُ فِيها عَمَلٌ لَيْسَ مِنها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَإذا أمِنتُمْ فَصَلُّوا كَما عَلَّمَكم، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. (p-٣١١) والثّانِي: يُرِيدُ فاذْكُرُوهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ والحَمْدِ لَهُ، كَما عَلَّمَكم مِن أمْرِ دِينِكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

البقرة 2:239

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ وفي المُحافَظَةِ عَلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ذِكْرُها. والثّانِي: تَعْجِيلُها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ وإنَّما خَصَّ الوُسْطى بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ الصَّلَواتِ لِاخْتِصاصِها بِالفَضْلِ، وفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، (p-٣٠٨)وَأبِي أيُّوبَ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ. رَوى عَمْرُو بْنُ رافِعٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها قالَتْ لِكاتِبِ مُصْحَفِها: إذا بَلَغْتَ مَواقِيتَ الصَّلاةِ فَأخْبِرْنِي، حَتّى أُخْبِرَكَ بِما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أخْبَرَها قالَتِ: اكْتُبْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ)» . ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ إلّا بَعْدَما غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقالَ: (ما لَهم مَلَأ اللَّهُ قُلُوبَهم وقُبُورَهم نارًا شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ)» . ورَوى التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « ( الصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ)» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عُمَرَ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: هي الَّتِي تَوَجَّهَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ. (p-٣٠٩) وَرَوى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ، ولَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلاةً أشَدَّ عَلى أصْحابِهِ مِنها، قالَ فَنَزَلَتْ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾» وقالَ: إنَّ قَبْلَها صَلاتَيْنِ وبَعْدَها صَلاتَيْنِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأقَلِّها ولا بِأكْثَرِها ولا تُقْصَرُ في السَّفَرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤَخِّرْها عَنْ وقْتِها ولَمْ يُعَجِّلْها. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُصَلِّيها بَيْنَ سَوادِ اللَّيْلِ وبَياضِ النَّهارِ، تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولا صَلاةَ مَفْرُوضَةً يُقْنَتُ فِيها إلّا الصُّبْحُ، ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ. والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّها إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ولا تُعْرَفُ بِعَيْنِها، لِيَكُونَ أبْعَثَ لَهم عَلى المُحافَظَةِ عَلى جَمِيعِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والرَّبِيعِ ابْنِ خُثَيْمٍ. وَفِيها قَوْلٌ سادِسٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجُمُعَةِ خاصَّةً. وَفِيها قَوْلٌ سابِعٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجَماعَةِ مِن جَمِيعِ الصَّلَواتِ. وَفي تَسْمِيَتِها بِالوُسْطى ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مَحَلًّا، لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ. والثّانِي: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلاةِ عَدَدًا، لِأنَّ أكْثَرَهُنَّ أرْبَعٌ وأقَلَّهُنَّ رَكْعَتانِ. والثّالِثُ: لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ ووَسَطُ الشَّيْءِ ووُسْطاهُ أفْضَلُهُ، وتَكُونُ الوُسْطى بِمَعْنى الفُضْلى. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: (p-٣١٠) أحَدُها: يَعْنِي طائِعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ. والثّانِي: ساكِتِينَ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ أنْ تَتَكَلَّمُوا بِهِ في صَلاتِكم، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: خاشِعِينَ، نَهْيًا عَنِ العَبَثِ والتَّفَلُّتِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. والرّابِعُ: داعِينَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: طُولُ القِيامِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ. والسّادِسُ: ..... وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا. واخْتُلِفَ في أصْلِ القُنُوتِ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَهُ الدَّوامُ عَلى أمْرٍ واحِدٍ. والثّانِي: أصْلُهُ الطّاعَةُ. والثّالِثُ: أصْلُهُ الدُّعاءُ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ الرِّجالُ جَمْعُ راجِلٍ، والرُّكْبانُ جَمْعُ راكِبٍ، مِثْلُ قائِمٍ وقِيامٍ. يَعْنِي فَإنْ خِفْتُمْ مِن عَدُوِّكم، فَصَلُّوا عَلى أرْجُلِكم أوْ رَكائِبِكم، وُقُوفًا ومُشاةً، إلى القِبْلَةِ وغَيْرِ القِبْلَةِ، مُومِئًا أوْ غَيْرَ مُومِئٍ، عَلى حَسَبِ قُدْرَتِهِ. واخْتُلِفَ في قَدْرِ صَلاتِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها عَلى عَدَدِها تُصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: تُصَلّى رَكْعَةً واحِدَةً إذا كانَ خائِفًا. واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ أمْنِهِ، فَذَهَبَ أهْلُ الحِجازِ إلى سُقُوطِ الإعادَةِ عَنْهُ لِعُذْرِهِ. وَذَهَبَ أهْلُ العِراقِ إلى وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ مَشْيَهُ فِيها عَمَلٌ لَيْسَ مِنها. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَإذا أمِنتُمْ فَصَلُّوا كَما عَلَّمَكم، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. (p-٣١١) والثّانِي: يُرِيدُ فاذْكُرُوهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ والحَمْدِ لَهُ، كَما عَلَّمَكم مِن أمْرِ دِينِكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

البقرة 2:240

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. أمّا الوَصِيَّةُ فَقَدْ كانَتْ بَدَلَ المِيراثِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وأمّا الحَوْلُ فَقَدْ كانَتْ عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، ونُسِخَتْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: .... والثّانِي: أنَّها لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ وهو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا قالَ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وإنَّما خَصَّ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ - وإنْ كانَ عامًّا - تَشْرِيفًا لَهم.

البقرة 2:241

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. أمّا الوَصِيَّةُ فَقَدْ كانَتْ بَدَلَ المِيراثِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وأمّا الحَوْلُ فَقَدْ كانَتْ عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، ونُسِخَتْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: .... والثّانِي: أنَّها لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ وهو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا قالَ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وإنَّما خَصَّ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ - وإنْ كانَ عامًّا - تَشْرِيفًا لَهم.

البقرة 2:242

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. أمّا الوَصِيَّةُ فَقَدْ كانَتْ بَدَلَ المِيراثِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وأمّا الحَوْلُ فَقَدْ كانَتْ عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، ونُسِخَتْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: .... والثّانِي: أنَّها لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ وهو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا قالَ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وإنَّما خَصَّ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ - وإنْ كانَ عامًّا - تَشْرِيفًا لَهم.

البقرة 2:243

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يَعْنِي ألَمْ تَعْلَمْ. ﴿وَهم أُلُوفٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ وهو قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ. والثّانِي: يَعْنِي أُلُوفًا في العَدَدِ. واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ. والثّالِثُ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والأُلُوفُ تُسْتَعْمَلُ فِيما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ، وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، فَخَرَجُوا، حَتّى إذا كانُوا بِأرْضِ كَذا، قالَ اللَّهُ لَهُمْ: مُوتُوا فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم، فَأحْياهُمُ اللَّهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَأماتَهُمُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: قالَتِ السَّماءُ فَمَطَرَتْ، لِأنَّ القَوْلَ مُقَدِّمَةُ الأفْعالِ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَوْلًا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ. (p-٣١٣) ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ كانَ اسْمُهُ شَمْعُونَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِمْ إلى أنْ أحْياهُمُ اللَّهُ سَبْعَةُ أيّامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ: رائِحَةُ المَوْتِ تُوجَدُ في ولَدِ ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أبْوابُ البِرِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى لَيْسَ الجَمَلُ قالَ الحَسَنُ: وقَدْ جَهِلَتِ اليَهُودُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ أغْنِياءُ، وهو فَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الرِّزْقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَبْسُطُ الجَزاءَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

البقرة 2:244

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يَعْنِي ألَمْ تَعْلَمْ. ﴿وَهم أُلُوفٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ وهو قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ. والثّانِي: يَعْنِي أُلُوفًا في العَدَدِ. واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ. والثّالِثُ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والأُلُوفُ تُسْتَعْمَلُ فِيما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ، وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، فَخَرَجُوا، حَتّى إذا كانُوا بِأرْضِ كَذا، قالَ اللَّهُ لَهُمْ: مُوتُوا فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم، فَأحْياهُمُ اللَّهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَأماتَهُمُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: قالَتِ السَّماءُ فَمَطَرَتْ، لِأنَّ القَوْلَ مُقَدِّمَةُ الأفْعالِ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَوْلًا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ. (p-٣١٣) ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ كانَ اسْمُهُ شَمْعُونَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِمْ إلى أنْ أحْياهُمُ اللَّهُ سَبْعَةُ أيّامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ: رائِحَةُ المَوْتِ تُوجَدُ في ولَدِ ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أبْوابُ البِرِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى لَيْسَ الجَمَلُ قالَ الحَسَنُ: وقَدْ جَهِلَتِ اليَهُودُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ أغْنِياءُ، وهو فَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الرِّزْقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَبْسُطُ الجَزاءَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

البقرة 2:245

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يَعْنِي ألَمْ تَعْلَمْ. ﴿وَهم أُلُوفٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ وهو قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ. والثّانِي: يَعْنِي أُلُوفًا في العَدَدِ. واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ. والثّالِثُ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والأُلُوفُ تُسْتَعْمَلُ فِيما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ، وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، فَخَرَجُوا، حَتّى إذا كانُوا بِأرْضِ كَذا، قالَ اللَّهُ لَهُمْ: مُوتُوا فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم، فَأحْياهُمُ اللَّهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَأماتَهُمُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: قالَتِ السَّماءُ فَمَطَرَتْ، لِأنَّ القَوْلَ مُقَدِّمَةُ الأفْعالِ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَوْلًا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ. (p-٣١٣) ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ كانَ اسْمُهُ شَمْعُونَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِمْ إلى أنْ أحْياهُمُ اللَّهُ سَبْعَةُ أيّامٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ: رائِحَةُ المَوْتِ تُوجَدُ في ولَدِ ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أبْوابُ البِرِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى لَيْسَ الجَمَلُ قالَ الحَسَنُ: وقَدْ جَهِلَتِ اليَهُودُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ أغْنِياءُ، وهو فَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الرِّزْقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَبْسُطُ الجَزاءَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

البقرة 2:246

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المَلَأُ: الجَماعَةُ. ﴿مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سَمْوِيلُ، وهو قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والثّانِي: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. والثّالِثُ: شَمْعُونُ، سَمَّتْهُ أُمُّهُ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ سَمِعَ دُعاءَها فِيهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سَبَبِ سُؤالِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ الجَبابِرَةَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِمُ اسْتَزَلُّوهم، فَسَألُوا قِتالَهم، وهو قَوْلُ وهْبٍ والرَّبِيعِ.

البقرة 2:247

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ قالَ وهْبٌ، والسُّدِّيُّ: إنَّما أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ، ولا مِن سِبْطِ المَمْلَكَةِ، بَلْ كانَ مِن أخْمَلِ سِبْطٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. (p-٣١٥) ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ يَعْنِي زِيادَةً في العِلْمِ وعِظَمًا في الجِسْمِ. واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ ذَلِكَ فِيهِ قَبْلَ المُلْكِ؟ فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ: كانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ المُلْكِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: زِيادَةُ ذَلِكَ بَعْدَ المُلْكِ. ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وفي واسِعٍ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: واسِعُ الفَضْلِ، فَحَذَفَ ذِكْرَ الفَضْلِ اكْتِفاءً بِدَلِيلِ اللَّفْظِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ كَبِيرٌ، بِمَعْنى كَبِيرِ القَدْرِ. الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى مُوَسِّعِ النِّعْمَةِ عَلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى ذُو سَعَةٍ.

البقرة 2:248

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أيْ عَلامَةُ مُلْكِهِ ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ قَدْرُ التّابُوتِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وفي السَّكِينَةِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: رِيحٌ هَفّافَةٌ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. (p-٣١٦) والثّانِي: أنَّها طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ كانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ. والثّالِثُ: أنَّها رُوحٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَتَكَلَّمُ، وهَذا قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. والرّابِعُ: أنَّها ما يُعْرَفُ مِنَ الآياتِ فَيَسْكُنُونَ إلَيْها، وهَذا قَوْلُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ. والخامِسُ: أنَّها الرَّحْمَةُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. والسّادِسُ: أنَّها الوَقارُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَقِيَّةَ عَصا مُوسى ورُضاضُ الألْواحِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها العِلْمُ والتَّوْراةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. والثّالِثُ: أنَّها الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ. والرّابِعُ: أنَّها التَّوْراةُ وشَيْءٌ مِن ثِيابِ مُوسى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ الحَسَنُ: تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، تَرَوْنَهُ عِيانًا، ويَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ نَزَلَ بِالتّابُوتِ، وبِالرُّكْنِ. واخْتَلَفُوا أيْنَ كانَ قَبْلَ أنْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبٌ كانَ في أيْدِي العَمالِقَةِ، غَلَبُوا عَلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ قَتادَةُ كانَ في بَرِيَّةِ التِّيهِ، خَلَّفَهُ هُناكَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: وبَلَغَنِي أنَّ التّابُوتَ وعَصا مُوسى وبُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَةِ، وأنَّهُما يَخْرُجانِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.

البقرة 2:249

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ وهو جَمْعُ جُنْدٍ، والأجْنادُ لِلْقَلِيلِ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفَ مُقاتِلٍ. ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ اخْتَلَفُوا في النَّهْرِ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَّبِيعِ أنَّهُ نَهْرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ نَهْرُ فِلَسْطِينَ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السَّبَبُ الَّذِي ابْتُلُوا لِأجْلِهِ بِالنَّهْرِ، شِكايَتُهم قِلَّةَ الماءِ وخَوْفَ العَطَشِ. ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ لَيْسَ مِن أهْلِ وِلايَتِي. ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ، وقَرَأ الباقُونَ (غُرْفَةً) بِالضَّمِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الغُرْفَةَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْماءِ المَشْرُوبِ، والغَرْفَةُ بِالفَتْحِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ. ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: جازَ مَعَهُ النَّهْرَ أرْبَعَةُ آلافٍ، ونافَقَ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، فَكانَ داوُدُ مِمَّنْ خَلُصَ لِلَّهِ تَعالى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنهُ عَطِشَ، ومَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً مِنهُ رُوِيَ. ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ. واخْتَلَفُوا، هَلْ تَجاوَزَهُ مَعَهم كافِرٌ أمْ لا؟ فَحُكِيَ عَنِ البَراءِ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ: أنَّهُ ما تَجاوَزَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: تَجاوَزَهُ الكافِرُونَ، إلّا أنَّهُمُ انْخَذَلُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ. ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مَن قَلَّتْ بَصِيرَتَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكُفْرِ الَّذِينَ انْخَذَلُوا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، (p-٣١٨) قالَ عِكْرِمَةُ: فَنافَقَ الأرْبَعَةُ الآلافِ إلّا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أهْلِ بَدْرٍ، وداوُدُ فِيهِمْ. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الباقُونَ مِنَ الأرْبَعَةِ الآلافِ. وَفي الظَّنِّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ، ومَعْناهُ الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ أيْ تَيَقَّنُوا. والثّانِي: بِمَعْنى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ بِالقَتْلِ في الوَقْعَةِ. ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ والفِئَةُ: الفِرْقَةُ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قالَ الحَسَنُ: بِنَصْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ إذا أذِنَ في القِتالِ نَصَرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي وقَعَ الإذْنُ فِيهِ. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ يَعْنِي بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وَذَكَرَ بَعْضُ مَن يَتَعاطى غَوامِضَ المَعانِي، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا يُشَبِّهُها بِالنَّهْرِ، والشّارِبِ مِنهُ بِالمائِلِ إلَيْها والمُسْتَكْثِرِ مِنها، والتّارِكِ لِشُرْبِهِ بِالمُنْحَرِفِ عَنْها والزّاهِدِ فِيها، والمُغْتَرِفِ مِنهُ بِيَدِهِ بِالآخِذِ مِنها قَدْرَ حاجَتِهِ، وأحْوالُ الثَّلاثَةِ عِنْدَ اللَّهِ مُخْتَلِفَةٌ.

البقرة 2:250

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ في الهَزِيمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لَيْسَتْ مِن فِعْلِهِمْ وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مَجازًا. والثّانِي: أنَّهم لَمّا أُلْجِئُوا إلَيْها صارُوا سَبَبًا لَها، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَكانِ الإلْجاءِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِأمْرِ اللَّهِ لَهم بِقِتالِهِمْ. الثّانِي: بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهم عَلى قِتالِهِمْ. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ حُكِيَ أنَّ جالُوتَ خَرَجَ مِن صُفُوفِ عَسْكَرِهِ يَطْلُبُ البِرازَ؟ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَنادى طالُوتُ في عَسْكَرِهِ: مَن قَتَلَ جالُوتَ فَلَهُ شَطْرُ مُلْكِي وأُزَوِّجُهُ ابْنَتِي، فَجاءَ داوُدُ وقَدْ أخَذَ ثَلاثَةَ أحْجارٍ، وكانَ قَصِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، وقَدْ ألْقى اللَّهُ في نَفْسِهِ أنَّهُ سَيَقْتُلُ جالُوتَ، فَقالَ لِطالُوتَ: أنا أقْتُلُ جالُوتَ، فازْدَراهُ طالُوتُ حِينَ رَآهُ، وقالَ لَهُ: هَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ بِشَيْءٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِماذا؟ قالَ: وقَعَ ذِئْبٌ في غَنَمِي فَضَرَبْتُهُ، ثُمَّ أخَذْتُ رَأْسَهُ فَقَطَعْتُهُ في جِسْمِهِ، فَقالَ طالُوتُ: الذِّئْبُ ضَعِيفٌ، فَهَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ في غَيْرِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، دَخَلَ الأسَدُ في غَنَمِي، فَضَرَبْتُهُ ثُمَّ أخَذْتُ بِلَحْيَيْهِ فَشَقَقْتُها، أفْتَرى هَذا أشَدَّ مِنَ الأسَدِ، قالَ: لا، وكانَ عِنْدَ طالُوتَ دِرْعٌ سابِغَةٌ لا تَسْتَوِي إلّا عَلى مَن يَقْتُلُ جالُوتَ، فَأخْبَرَهُ بِها وألْقاها عَلَيْهِ فاسْتَوَتْ، وسارَ إلى جالُوتَ فَرَماهُ بِحَجَرٍ فَوَقَعَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وخَرَجَ مِن قَفاهُ، فَأصابَ جَماعَةً مِن عَسْكَرِهِ فَقَتَلَهم وانْهَزَمَ القَوْمُ عَنْ آخِرِهِمْ، وكانُوا عَلى ما حَكاهُ عِكْرِمَةُ تِسْعِينَ ألْفًا. واخْتَلَفُوا، هَلْ كانَ داوُدُ عِنْدَ قَتْلِهِ جالُوتَ نَبِيًّا؟ ذَهَبَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ، لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوَلّى مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى نَبِيٍّ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وإنَّما كانَ (p-٣٢٠) راعِيًا فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ مِن تَوْطِئَةٍ لِنُبُوَّتِهِ مِن بَعْدُ. ثُمَّ إنَّ طالُوتَ نَدِمَ عَلى ما بَذَلَهُ لِداوُدَ مِن مُشاطَرَتِهِ مُلْكَهُ وتَزْوِيجِهِ ابْنَتَهُ، واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَدَمُهُ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ ومُشاطَرَتِهِ، أمْ بَعْدُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ طالُوتَ وفّى بِشَرْطِهِ، وزَوَّجَ داوُدَ بِابْنَتِهِ، وخَلَطَهُ في مُلْكِهِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ حَسَدَهُ، فَنَدِمَ، وأرادَ قَتْلَهُ، فَعَلِمَتْ بِنْتُهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَ زَوْجَها، وكانَتْ مِن أعْقَلِ النِّساءِ، فَنَصَبَتْ لَهُ زِقَّ خَمْرٍ بِالمِسْكِ، وألْقَتْ عَلَيْهِ لَيْلًا ثِيابَ داوُدَ، فَأقْبَلَ طالُوتُ، وقالَ لَها: أيْنَ زَوْجُكِ؟ فَأشارَتْ إلى الزِّقِّ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فانْفَجَرَ مِنهُ الخَمْرُ وسَطَعَ رِيحُ المِسْكِ، فَقالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يا داوُدُ طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، ثُمَّ أدْرَكَتْهُ النَّدامَةُ، فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلَيْهِ ويَبْكِي، فَلَمّا نَظَرَتِ الجارِيَةُ إلى جَزَعِ أبِيها، أخْبَرَتْهُ الخَبَرَ، فَفَرِحَ، وقاسَمَ داوُدَ عَلى شَطْرِ مُلْكِهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ طالُوتُ عَلى طاعَتِهِ حِينَ مَوْتِهِ، لِتَوْبَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نَدِمَ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ عَلى شَرْطِهِ وبَذْلِهِ، وعَرَّضَ داوُدَ لِلْقَتْلِ، وقالَ لَهُ: إنَّ بَناتِ المُلُوكِ لا بُدَّ لَهُنَّ مِن صَداقِ أمْثالِهِنَّ، وأنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ، فاجْعَلْ صَداقَها قَتْلَ ثَلاثِمِائَةٍ مِن أعْدائِنا، وكانَ يَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يُقْتَلَ، فَغَزا داوُدُ وأسَرَ ثَلاثَمِائَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ طالُوتُ بُدًّا مِن تَزْوِيجِهِ، فَزَوَّجَهُ بِها، وزادَ نَدامَةً فَأرادَ قَتْلَهُ، وكانَ يَدُسُّ عَلَيْهِ حَتّى ماتَ، وهَذا قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَعَلى هَذا ماتَ طالُوتُ عَلى مَعْصِيَتِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَتُبْ مِن ذَنْبِهِ. وَرَوى مَكْحُولٌ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ المُلُوكَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ أرْحامَهم فَلا يَتَواصَلُونَ حُبًّا لِلْمُلْكِ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ مِنهم لَيَقْتُلُ الأبَ والابْنَ والأخَ والعَمَّ، إلاَّ أهْلَ التَّقْوى وقَلِيلٌ مّا هم، ولَزَوالُ جَبَلٍ عَنْ مَوْضِعِهِ أهْوَنُ مِن زَوالِ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ)» . ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي داوُدَ، يُرِيدُ بِالمُلْكِ السُّلْطانَ وبِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ طالُوتَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن قَتْلِ جالُوتَ عَلى ما حَكاهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢١) وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ المُلْكَ الِانْقِيادُ إلى طاعَتِهِ، والحِكْمَةَ: العَدْلُ في سِيرَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ طالُوتَ عِنْدَ تَفَرُّدِهِ بِأُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَنْعَةُ الدُّرُوعِ والتَّقْدِيرُ في السَّرْدِ. والثّانِي: كَلامُ الطَّيْرِ وحِكْمَةُ الزَّبُورِ. وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ فِعْلُ الطّاعاتِ والأمْرُ بِها، واجْتِنابُ المَعاصِي والنَّهْيُ عَنْها، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ داوُدُ، وعَلى الثّانِي: ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ اللَّهُ، وعَلى الثّالِثِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ اللَّهُ ويَشاءُ داوُدُ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ في الدَّفْعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ الهَلاكَ عَنِ البَرِّ بِالفاجِرِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. والثّانِي: يَدْفَعُ بِالمُجاهِدِينَ عَنِ القاعِدِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَفَسَدَ أهْلُ الأرْضِ. والثّانِي: لَعَمَّ الفَسادُ في الأرْضِ. وَفي هَذا الفَسادِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ. والثّانِي: القَتْلُ.

البقرة 2:251

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ في الهَزِيمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لَيْسَتْ مِن فِعْلِهِمْ وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مَجازًا. والثّانِي: أنَّهم لَمّا أُلْجِئُوا إلَيْها صارُوا سَبَبًا لَها، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَكانِ الإلْجاءِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِأمْرِ اللَّهِ لَهم بِقِتالِهِمْ. الثّانِي: بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهم عَلى قِتالِهِمْ. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ حُكِيَ أنَّ جالُوتَ خَرَجَ مِن صُفُوفِ عَسْكَرِهِ يَطْلُبُ البِرازَ؟ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَنادى طالُوتُ في عَسْكَرِهِ: مَن قَتَلَ جالُوتَ فَلَهُ شَطْرُ مُلْكِي وأُزَوِّجُهُ ابْنَتِي، فَجاءَ داوُدُ وقَدْ أخَذَ ثَلاثَةَ أحْجارٍ، وكانَ قَصِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، وقَدْ ألْقى اللَّهُ في نَفْسِهِ أنَّهُ سَيَقْتُلُ جالُوتَ، فَقالَ لِطالُوتَ: أنا أقْتُلُ جالُوتَ، فازْدَراهُ طالُوتُ حِينَ رَآهُ، وقالَ لَهُ: هَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ بِشَيْءٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِماذا؟ قالَ: وقَعَ ذِئْبٌ في غَنَمِي فَضَرَبْتُهُ، ثُمَّ أخَذْتُ رَأْسَهُ فَقَطَعْتُهُ في جِسْمِهِ، فَقالَ طالُوتُ: الذِّئْبُ ضَعِيفٌ، فَهَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ في غَيْرِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، دَخَلَ الأسَدُ في غَنَمِي، فَضَرَبْتُهُ ثُمَّ أخَذْتُ بِلَحْيَيْهِ فَشَقَقْتُها، أفْتَرى هَذا أشَدَّ مِنَ الأسَدِ، قالَ: لا، وكانَ عِنْدَ طالُوتَ دِرْعٌ سابِغَةٌ لا تَسْتَوِي إلّا عَلى مَن يَقْتُلُ جالُوتَ، فَأخْبَرَهُ بِها وألْقاها عَلَيْهِ فاسْتَوَتْ، وسارَ إلى جالُوتَ فَرَماهُ بِحَجَرٍ فَوَقَعَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وخَرَجَ مِن قَفاهُ، فَأصابَ جَماعَةً مِن عَسْكَرِهِ فَقَتَلَهم وانْهَزَمَ القَوْمُ عَنْ آخِرِهِمْ، وكانُوا عَلى ما حَكاهُ عِكْرِمَةُ تِسْعِينَ ألْفًا. واخْتَلَفُوا، هَلْ كانَ داوُدُ عِنْدَ قَتْلِهِ جالُوتَ نَبِيًّا؟ ذَهَبَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ، لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوَلّى مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى نَبِيٍّ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وإنَّما كانَ (p-٣٢٠) راعِيًا فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ مِن تَوْطِئَةٍ لِنُبُوَّتِهِ مِن بَعْدُ. ثُمَّ إنَّ طالُوتَ نَدِمَ عَلى ما بَذَلَهُ لِداوُدَ مِن مُشاطَرَتِهِ مُلْكَهُ وتَزْوِيجِهِ ابْنَتَهُ، واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَدَمُهُ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ ومُشاطَرَتِهِ، أمْ بَعْدُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ طالُوتَ وفّى بِشَرْطِهِ، وزَوَّجَ داوُدَ بِابْنَتِهِ، وخَلَطَهُ في مُلْكِهِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ حَسَدَهُ، فَنَدِمَ، وأرادَ قَتْلَهُ، فَعَلِمَتْ بِنْتُهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَ زَوْجَها، وكانَتْ مِن أعْقَلِ النِّساءِ، فَنَصَبَتْ لَهُ زِقَّ خَمْرٍ بِالمِسْكِ، وألْقَتْ عَلَيْهِ لَيْلًا ثِيابَ داوُدَ، فَأقْبَلَ طالُوتُ، وقالَ لَها: أيْنَ زَوْجُكِ؟ فَأشارَتْ إلى الزِّقِّ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فانْفَجَرَ مِنهُ الخَمْرُ وسَطَعَ رِيحُ المِسْكِ، فَقالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يا داوُدُ طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، ثُمَّ أدْرَكَتْهُ النَّدامَةُ، فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلَيْهِ ويَبْكِي، فَلَمّا نَظَرَتِ الجارِيَةُ إلى جَزَعِ أبِيها، أخْبَرَتْهُ الخَبَرَ، فَفَرِحَ، وقاسَمَ داوُدَ عَلى شَطْرِ مُلْكِهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ طالُوتُ عَلى طاعَتِهِ حِينَ مَوْتِهِ، لِتَوْبَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نَدِمَ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ عَلى شَرْطِهِ وبَذْلِهِ، وعَرَّضَ داوُدَ لِلْقَتْلِ، وقالَ لَهُ: إنَّ بَناتِ المُلُوكِ لا بُدَّ لَهُنَّ مِن صَداقِ أمْثالِهِنَّ، وأنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ، فاجْعَلْ صَداقَها قَتْلَ ثَلاثِمِائَةٍ مِن أعْدائِنا، وكانَ يَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يُقْتَلَ، فَغَزا داوُدُ وأسَرَ ثَلاثَمِائَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ طالُوتُ بُدًّا مِن تَزْوِيجِهِ، فَزَوَّجَهُ بِها، وزادَ نَدامَةً فَأرادَ قَتْلَهُ، وكانَ يَدُسُّ عَلَيْهِ حَتّى ماتَ، وهَذا قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَعَلى هَذا ماتَ طالُوتُ عَلى مَعْصِيَتِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَتُبْ مِن ذَنْبِهِ. وَرَوى مَكْحُولٌ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ المُلُوكَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ أرْحامَهم فَلا يَتَواصَلُونَ حُبًّا لِلْمُلْكِ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ مِنهم لَيَقْتُلُ الأبَ والابْنَ والأخَ والعَمَّ، إلاَّ أهْلَ التَّقْوى وقَلِيلٌ مّا هم، ولَزَوالُ جَبَلٍ عَنْ مَوْضِعِهِ أهْوَنُ مِن زَوالِ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ)» . ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي داوُدَ، يُرِيدُ بِالمُلْكِ السُّلْطانَ وبِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ طالُوتَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن قَتْلِ جالُوتَ عَلى ما حَكاهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢١) وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ المُلْكَ الِانْقِيادُ إلى طاعَتِهِ، والحِكْمَةَ: العَدْلُ في سِيرَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ طالُوتَ عِنْدَ تَفَرُّدِهِ بِأُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَنْعَةُ الدُّرُوعِ والتَّقْدِيرُ في السَّرْدِ. والثّانِي: كَلامُ الطَّيْرِ وحِكْمَةُ الزَّبُورِ. وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ فِعْلُ الطّاعاتِ والأمْرُ بِها، واجْتِنابُ المَعاصِي والنَّهْيُ عَنْها، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ داوُدُ، وعَلى الثّانِي: ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ اللَّهُ، وعَلى الثّالِثِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ اللَّهُ ويَشاءُ داوُدُ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ في الدَّفْعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ الهَلاكَ عَنِ البَرِّ بِالفاجِرِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. والثّانِي: يَدْفَعُ بِالمُجاهِدِينَ عَنِ القاعِدِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَفَسَدَ أهْلُ الأرْضِ. والثّانِي: لَعَمَّ الفَسادُ في الأرْضِ. وَفي هَذا الفَسادِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ. والثّانِي: القَتْلُ.

البقرة 2:252

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ في الهَزِيمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لَيْسَتْ مِن فِعْلِهِمْ وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مَجازًا. والثّانِي: أنَّهم لَمّا أُلْجِئُوا إلَيْها صارُوا سَبَبًا لَها، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَكانِ الإلْجاءِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِأمْرِ اللَّهِ لَهم بِقِتالِهِمْ. الثّانِي: بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهم عَلى قِتالِهِمْ. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ حُكِيَ أنَّ جالُوتَ خَرَجَ مِن صُفُوفِ عَسْكَرِهِ يَطْلُبُ البِرازَ؟ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَنادى طالُوتُ في عَسْكَرِهِ: مَن قَتَلَ جالُوتَ فَلَهُ شَطْرُ مُلْكِي وأُزَوِّجُهُ ابْنَتِي، فَجاءَ داوُدُ وقَدْ أخَذَ ثَلاثَةَ أحْجارٍ، وكانَ قَصِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، وقَدْ ألْقى اللَّهُ في نَفْسِهِ أنَّهُ سَيَقْتُلُ جالُوتَ، فَقالَ لِطالُوتَ: أنا أقْتُلُ جالُوتَ، فازْدَراهُ طالُوتُ حِينَ رَآهُ، وقالَ لَهُ: هَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ بِشَيْءٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِماذا؟ قالَ: وقَعَ ذِئْبٌ في غَنَمِي فَضَرَبْتُهُ، ثُمَّ أخَذْتُ رَأْسَهُ فَقَطَعْتُهُ في جِسْمِهِ، فَقالَ طالُوتُ: الذِّئْبُ ضَعِيفٌ، فَهَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ في غَيْرِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، دَخَلَ الأسَدُ في غَنَمِي، فَضَرَبْتُهُ ثُمَّ أخَذْتُ بِلَحْيَيْهِ فَشَقَقْتُها، أفْتَرى هَذا أشَدَّ مِنَ الأسَدِ، قالَ: لا، وكانَ عِنْدَ طالُوتَ دِرْعٌ سابِغَةٌ لا تَسْتَوِي إلّا عَلى مَن يَقْتُلُ جالُوتَ، فَأخْبَرَهُ بِها وألْقاها عَلَيْهِ فاسْتَوَتْ، وسارَ إلى جالُوتَ فَرَماهُ بِحَجَرٍ فَوَقَعَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وخَرَجَ مِن قَفاهُ، فَأصابَ جَماعَةً مِن عَسْكَرِهِ فَقَتَلَهم وانْهَزَمَ القَوْمُ عَنْ آخِرِهِمْ، وكانُوا عَلى ما حَكاهُ عِكْرِمَةُ تِسْعِينَ ألْفًا. واخْتَلَفُوا، هَلْ كانَ داوُدُ عِنْدَ قَتْلِهِ جالُوتَ نَبِيًّا؟ ذَهَبَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ، لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوَلّى مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى نَبِيٍّ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وإنَّما كانَ (p-٣٢٠) راعِيًا فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ مِن تَوْطِئَةٍ لِنُبُوَّتِهِ مِن بَعْدُ. ثُمَّ إنَّ طالُوتَ نَدِمَ عَلى ما بَذَلَهُ لِداوُدَ مِن مُشاطَرَتِهِ مُلْكَهُ وتَزْوِيجِهِ ابْنَتَهُ، واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَدَمُهُ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ ومُشاطَرَتِهِ، أمْ بَعْدُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ طالُوتَ وفّى بِشَرْطِهِ، وزَوَّجَ داوُدَ بِابْنَتِهِ، وخَلَطَهُ في مُلْكِهِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ حَسَدَهُ، فَنَدِمَ، وأرادَ قَتْلَهُ، فَعَلِمَتْ بِنْتُهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَ زَوْجَها، وكانَتْ مِن أعْقَلِ النِّساءِ، فَنَصَبَتْ لَهُ زِقَّ خَمْرٍ بِالمِسْكِ، وألْقَتْ عَلَيْهِ لَيْلًا ثِيابَ داوُدَ، فَأقْبَلَ طالُوتُ، وقالَ لَها: أيْنَ زَوْجُكِ؟ فَأشارَتْ إلى الزِّقِّ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فانْفَجَرَ مِنهُ الخَمْرُ وسَطَعَ رِيحُ المِسْكِ، فَقالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يا داوُدُ طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، ثُمَّ أدْرَكَتْهُ النَّدامَةُ، فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلَيْهِ ويَبْكِي، فَلَمّا نَظَرَتِ الجارِيَةُ إلى جَزَعِ أبِيها، أخْبَرَتْهُ الخَبَرَ، فَفَرِحَ، وقاسَمَ داوُدَ عَلى شَطْرِ مُلْكِهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ طالُوتُ عَلى طاعَتِهِ حِينَ مَوْتِهِ، لِتَوْبَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نَدِمَ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ عَلى شَرْطِهِ وبَذْلِهِ، وعَرَّضَ داوُدَ لِلْقَتْلِ، وقالَ لَهُ: إنَّ بَناتِ المُلُوكِ لا بُدَّ لَهُنَّ مِن صَداقِ أمْثالِهِنَّ، وأنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ، فاجْعَلْ صَداقَها قَتْلَ ثَلاثِمِائَةٍ مِن أعْدائِنا، وكانَ يَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يُقْتَلَ، فَغَزا داوُدُ وأسَرَ ثَلاثَمِائَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ طالُوتُ بُدًّا مِن تَزْوِيجِهِ، فَزَوَّجَهُ بِها، وزادَ نَدامَةً فَأرادَ قَتْلَهُ، وكانَ يَدُسُّ عَلَيْهِ حَتّى ماتَ، وهَذا قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَعَلى هَذا ماتَ طالُوتُ عَلى مَعْصِيَتِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَتُبْ مِن ذَنْبِهِ. وَرَوى مَكْحُولٌ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ المُلُوكَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ أرْحامَهم فَلا يَتَواصَلُونَ حُبًّا لِلْمُلْكِ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ مِنهم لَيَقْتُلُ الأبَ والابْنَ والأخَ والعَمَّ، إلاَّ أهْلَ التَّقْوى وقَلِيلٌ مّا هم، ولَزَوالُ جَبَلٍ عَنْ مَوْضِعِهِ أهْوَنُ مِن زَوالِ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ)» . ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي داوُدَ، يُرِيدُ بِالمُلْكِ السُّلْطانَ وبِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ طالُوتَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن قَتْلِ جالُوتَ عَلى ما حَكاهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣٢١) وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ المُلْكَ الِانْقِيادُ إلى طاعَتِهِ، والحِكْمَةَ: العَدْلُ في سِيرَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ طالُوتَ عِنْدَ تَفَرُّدِهِ بِأُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَنْعَةُ الدُّرُوعِ والتَّقْدِيرُ في السَّرْدِ. والثّانِي: كَلامُ الطَّيْرِ وحِكْمَةُ الزَّبُورِ. وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ فِعْلُ الطّاعاتِ والأمْرُ بِها، واجْتِنابُ المَعاصِي والنَّهْيُ عَنْها، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ داوُدُ، وعَلى الثّانِي: ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ اللَّهُ، وعَلى الثّالِثِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ اللَّهُ ويَشاءُ داوُدُ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ في الدَّفْعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ الهَلاكَ عَنِ البَرِّ بِالفاجِرِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. والثّانِي: يَدْفَعُ بِالمُجاهِدِينَ عَنِ القاعِدِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَفَسَدَ أهْلُ الأرْضِ. والثّانِي: لَعَمَّ الفَسادُ في الأرْضِ. وَفي هَذا الفَسادِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ. والثّانِي: القَتْلُ.

البقرة 2:253

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الآخِرَةِ، لِتَفاضُلِهِمْ في الأعْمالِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ. والثّانِي: في الدُّنْيا بِأنْ جَعَلَ بَعْضَهم خَلِيلًا، وبَعْضَهم كَلِيمًا، وبَعْضَهم مَلِكًا، وسَخَّرَ لِبَعْضِهِمُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ، وأحْيا بِبَعْضِهِمُ المَوْتى، وأبْرَأ الأكْمَهَ، والأبْرَصَ. وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: بِالشَّرائِعِ، فَمِنهم مَن شَرَّعَ، ومِنهم مَن لَمْ يُشَرِّعْ. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ أوْحى إلى بَعْضِهِمْ في مَنامِهِ، وأرْسَلَ إلى بَعْضِهِمُ المَلائِكَةَ في يَقَظَتِهِ. والثّانِي: أنْ بَعَثَ بَعْضَهم إلى قَوْمِهِ، وبَعَثَ بَعْضَهم إلى كافَّةِ النّاسِ. ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَجُ الواضِحَةُ، والبَراهِينُ القاهِرَةُ. والثّانِي: أنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ. ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجِبْرِيلَ. والثّانِي: بِأنْ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أمَرَ بِالقِتالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ. والثّانِي: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لاضْطَرَّهم إلى الإيمانِ، ولَما حَصَلَ فِيهِمْ خِيارٌ.(p-٣٢٣)

البقرة 2:254

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الآخِرَةِ، لِتَفاضُلِهِمْ في الأعْمالِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ. والثّانِي: في الدُّنْيا بِأنْ جَعَلَ بَعْضَهم خَلِيلًا، وبَعْضَهم كَلِيمًا، وبَعْضَهم مَلِكًا، وسَخَّرَ لِبَعْضِهِمُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ، وأحْيا بِبَعْضِهِمُ المَوْتى، وأبْرَأ الأكْمَهَ، والأبْرَصَ. وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: بِالشَّرائِعِ، فَمِنهم مَن شَرَّعَ، ومِنهم مَن لَمْ يُشَرِّعْ. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ أوْحى إلى بَعْضِهِمْ في مَنامِهِ، وأرْسَلَ إلى بَعْضِهِمُ المَلائِكَةَ في يَقَظَتِهِ. والثّانِي: أنْ بَعَثَ بَعْضَهم إلى قَوْمِهِ، وبَعَثَ بَعْضَهم إلى كافَّةِ النّاسِ. ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَجُ الواضِحَةُ، والبَراهِينُ القاهِرَةُ. والثّانِي: أنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ. ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجِبْرِيلَ. والثّانِي: بِأنْ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أمَرَ بِالقِتالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ. والثّانِي: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لاضْطَرَّهم إلى الإيمانِ، ولَما حَصَلَ فِيهِمْ خِيارٌ.(p-٣٢٣)

البقرة 2:255

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ الآيَةَ. مُخَرَّجَةٌ مَخْرَجَ النَّفْيِ أنْ يَصِحَّ إلَهٌ سِوى اللَّهِ، وحَقِيقَتُهُ إثْباتُ إلَهٍ واحِدٍ وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: اللَّهُ الإلَهُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿الحَيُّ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَمّى نَفْسَهُ حَيًّا لِصَرْفِهِ الأُمُورَ مَصارِفَها، وتَقْدِيرِ الأشْياءِ مَقادِيرَها، فَهو حَيٌّ بِالتَّقْدِيرِ لا بِحَياةٍ. والثّانِي: أنَّهُ حَيٌّ بِحَياةٍ هي لَهُ صِفَةٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَسَمّى بِهِ، فَقُلْناهُ تَسْلِيمًا لِأمْرِهِ. والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالحَيِّ الباقِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ إذا ما تَرَيَنِّي اليَوْمَ أصْبَحْتُ سالِمًا فَلَسْتُ بِأحْيا مِن كِلابٍ وجَعْفَرِ ( القَيُّومُ ) قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: (القَيّامُ). وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: القائِمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: يَعْنِي القائِمَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، حَتّى يُجازِيَها بِعَمَلِها مِن حَيْثُ هو عالِمٌ بِهِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: مَعْنى القائِمِ الوُجُودُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يُحَوَّلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ العالِمُ بِالأُمُورِ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَقُومُ بِهَذا الكِتابِ، أيْ هو عالِمٌ بِهِ. (p-٣٢٤) والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِقامَةِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎ لَمْ تُخْلَقِ السَّماءُ والنُّجُومُ ∗∗∗ والشَّمْسُ مَعَها قَمَرٌ يَقُومُ ∗∗∗ قَدَّرَها المُهَيْمِنُ القَيُّومُ ∗∗∗ والحَشْرُ والجَنَّةُ والحَمِيمُ ؎ إلّا لِأمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ السِّنَةُ: النُّعاسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، والنُّعاسُ ما كانَ في الرَّأْسِ، فَإذا صارَ في القَلْبِ صارَ نَوْمًا، وفَرَّقَ المُفَضَّلُ بَيْنَهُما، فَقالَ: السِّنَةُ في الرَّأْسِ، والنُّعاسُ في العَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ. وَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ السِّنَةِ والنُّعاسِ أشْبَهُ، قالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقاعِ: ؎ وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: هو ما قَبْلَ خَلْقِهِمْ، وما خَلْفَهُمْ: هو ما بَعْدَ مَوْتِهِمْ. والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما أظْهَرُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما كَتَمُوهُ. ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ أيْ مِن مَعْلُومِهِ إلّا أنْ يُطْلِعَهم عَلَيْهِ ويُعْلِمَهم إيّاهُ. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ في الكُرْسِيِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: أنَّهُ مِن أوْصافِ مَلَكُوتِهِ. فَإذا قِيلَ: إنَّهُ مِن صِفاتٍ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: (p-٣٢٥) أحَدُها: أنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قُدْرَةُ اللَّهِ. والثّالِثُ: مُلْكُ اللَّهِ. والرّابِعُ: تَدْبِيرُ اللَّهِ. وَإذا قِيلَ: إنَّهُ مِن أوْصافِ مَلَكُوتِهِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَرْشُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّهُ سَرِيرٌ دُونَ العَرْشِ. والثّالِثُ: هو كُرْسِيٌّ تَحْتَ العَرْشِ، والعَرْشُ فَوْقَ الماءِ. وَأصْلُ الكُرْسِيِّ العِلْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ فِيها عِلْمٌ مَكْتُوبٌ: كُرّاسَةٌ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ ما لِي بِأمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكاتِمُهُ ∗∗∗ ولا بِكُرْسِيِّ عَلِيمِ الغَيْبِ مَخْلُوقُ وَقِيلَ لِلْعُلَماءِ: الكَراسِيُّ، لِأنَّهُمُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ لَهُمْ: أوْتادُ الأرْضِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ بِهِمْ تَصْلُحُ الأرْضُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وعِلْيَةٌ ∗∗∗ كَراسِيُّ بِالأحْداثِ حِينَ تَنُوبُ أيْ عُلَماءُ بِحَوادِثِ الأُمُورِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الشَّواهِدُ عَلى أنَّ أصَحَّ (p-٣٢٦) تَأْوِيلاتِهِ، ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى. وَقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: (وُسْعُ كُرْسِيِّهِ السَّماواتُ والأرْضُ) بِتَسْكِينِ السِّينِ مِن وُسْعِ وضَمِّ العَيْنِ، ورَفْعُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُثْقِلُهُ حِفْظُهُما في قَوْلِ الجُمْهُورِ. والثّانِي: لا يَتَعاظَمُهُ حِفْظُهُما، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ. وَأنْشَدَ: ؎ ألا بِكِ سَلْمى اليَوْمَ بَتَّ جَدِيدُها ∗∗∗ وضَنَّتْ وما كانَ النَّوالُ يَئُودُها واخْتَلَفُوا في الكِنايَةِ بِالهاءِ إلى ماذا تَعُودُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: إلى اسْمِ اللَّهِ، وتَقْدِيرُهُ: ولا يُثْقِلُ اللَّهَ حِفْظُ السَّماواتِ والأرْضِ. والثّانِي: تَعُودُ إلى الكُرْسِيِّ، وتَقْدِيرُهُ: ولا يُثْقِلُ الكُرْسِيَّ حِفْظُهُما. ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ في العَلِيِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: العَلِيُّ بِالِاقْتِدارِ ونُفُوذِ السُّلْطانِ. والثّانِي: العَلِيُّ عَنِ الأشْباهِ والأمْثالِ. وَفي الفَرْقِ بَيْنَ العَلِيِّ والعالِي وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العالِيَ هو المَوْجُودُ في مَحَلِّ العُلُوِّ، والعَلِيُّ هو مُسْتَحِقُّ العُلُوِّ. والثّانِي: أنَّ العالِيَ هو الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُشارَكَ في عُلُوِّهِ، والعَلِيَّ هو الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُشارَكَ في عُلُوِّهِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ، يَجُوزُ أنْ نَصِفَ اللَّهَ بِالعَلِيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ نَصِفَهُ بِالعالِي، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ نَصِفَهُ بِهِما جَمِيعًا.

البقرة 2:256

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في أهْلِ الكِتابِ، لا يُكْرَهُونَ عَلى الدِّينِ إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ خاصَّةً، كانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَكُونُ مِقْلاةً لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، تَرْجُو بِهِ طُولَ العُمُرِ، وهَذا قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمّا أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ، فَقالَتِ الأنْصارُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِأبْنائِنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِفَرْضِ القِتالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. والثّانِي: أنَّهُ السّاحِرُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ. والثّالِثُ: الكاهِنُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والرّابِعُ: الأصْنامُ. والخامِسُ: مَرَدَةُ الإنْسِ والجِنِّ. والسّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيانٍ طَغى عَلى اللَّهِ، فَيُعْبَدُ مِن دُونِهِ، إمّا بِقَهْرٍ مِنهُ لِمَن عَبَدَهُ، أوْ بِطاعَةٍ لَهُ، سَواءٌ كانَ المَعْبُودُ إنْسانًا أوْ صَنَمًا، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. والسّابِعُ: أنَّها النَّفْسُ لِطُغْيانِها فِيما تَأْمُرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٣]. (p-٣٢٨) واخْتَلَفُوا في ﴿الطّاغُوتُ﴾ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَماعَةِ. والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطّاغِيَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هي الإيمانُ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: سُنَّةُ الرَّسُولِ. والثّالِثُ: التَّوْفِيقُ. والرّابِعُ: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا انْقِطاعَ لَها، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: لا انْكِسارَ لَها، وأصْلُ الفَصْمِ: الصَّدْعُ.

البقرة 2:257

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَتَوَلّاهم بِالنُّصْرَةِ. والثّانِي: بِالإرْشادِ. ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ظُلُماتِ الضَّلالَةِ إلى نُورِ الهُدى، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ العَذابِ في النّارِ، إلى نُورِ الثَّوابِ في الجَنَّةِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ الهُدى إلى ظُلُماتِ الضَّلالَةِ. (p-٣٢٩) والثّانِي: يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ الثَّوابِ إلى ظُلْمَةِ العَذابِ في النّارِ. وَعَلى وجْهٍ ثالِثٍ لِأصْحابِ الخَواطِرِ: أنَّهم يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ الحَقِّ إلى ظُلُماتِ الهَوى. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ، وهم لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ؟ فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن لَمْ يَزَلْ كافِرًا، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ لَدَخَلُوا فِيهِ، فَصارُوا بِما فَعَلُوهُ بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ أخْرَجَهم مِنهُ. وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا عَلى الفِطْرَةِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا حَمَلُوهم عَلى الكُفْرِ أخْرَجُوهم مِن نُورِ فِطْرَتِهِمْ.

البقرة 2:258

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ هو النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ، وهو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ في الأرْضِ وادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ. ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو النُّمْرُودُ لَمّا أُوتِيَ المُلْكَ حاجَّ في اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. والثّانِي: هو إبْراهِيمُ لَمّا آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ حاجَّهُ النُّمْرُودُ، قالَهُ أبُو حُذَيْفَةَ. وَفي المُحاجَّةِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُعارَضَةُ الحُجَّةِ بِمِثْلِها. والثّانِي: أنَّهُ الِاعْتِراضُ عَلى الحُجَّةِ بِما يُبْطِلُها. (p-٣٣٠) ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ يُرِيدُ أنَّهُ يُحْيِي مَن وجَبَ عَلَيْهِ القَتْلُ بِالتَّخْلِيَةِ والِاسْتِبْقاءِ، ويُمِيتُ بِأنْ يَقْتُلَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ القَتْلَ، فَعارَضَ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ، وعَدَلَ عَنِ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ في عِلَّتِهِما. ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ عَدَلَ إبْراهِيمُ عَنْ نُصْرَةِ حُجَّتِهِ الأُولى إلى غَيْرِها، وهَذا يُضْعِفُ الحُجَّةَ ولا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ؟ فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِن فَسادِ مُعارَضَتِهِ ما لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلى نُصْرَةِ حُجَّتِهِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ تَأْكِيدًا عَلَيْهِ في الحُجَّةِ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ في تِلْكَ الحُجَّةِ إشْغابٌ مِنهُ بِما عارَضَها بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ أحَبَّ أنَّهُ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِما لا إشْغابَ فِيهِ، قَطْعًا لَهُ واسْتِظْهارًا عَلَيْهِ قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا عارَضَهُ النُّمْرُودُ بِأنْ قالَ: فَلْيَأْتِ بِها رَبُّكَ مِنَ المَغْرِبِ؟ فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ خَذَلَهُ بِالصَّرْفِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ عَلِمَ بِما رَأى مَعَهُ مِنَ الآياتِ أنَّهُ يَفْعَلُ فَخافَ أنْ يَزْدادَ فَضِيحَةً. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَحَيَّرَ. والثّانِي: مَعْناهُ انْقَطَعَ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وَقُرِئَ: (فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ) بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ بِمَعْنى أنَّ المَلِكَ قَدْ بَهَتَ إبْراهِيمَ بِشُبْهَتِهِ أيْ سارَعَ بِالبُهْتانِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُعِينُهم عَلى نُصْرَةِ الظُّلْمِ. والثّانِي: لا يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ الظُّلْمِ. وَيَحْتَمِلُ الظُّلْمُ هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكُفْرُ خاصَّةً. والثّانِي: أنَّهُ التَّعَدِّي مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ.(p-٣٣١)

البقرة 2:259

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ اخْتَلَفُوا في الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عُزَيْزٌ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ إرْمِياءُ، وهو قَوْلُ وهْبٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الخَضِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ، واخْتَلَفُوا في القَرْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي بَيْتُ المَقْدِسِ لَمّا خَرَّبَهُ بُخْتَنَصَّرُ، وهَذا قَوْلُ وهْبٍ وقَتادَةَ. والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. والثّانِي: أنَّها الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ حَذَرَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في الخاوِيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخَرابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ. والثّانِي: الخالِيَةُ. وَأصْلُ الخَواءِ الخُلُوُّ، يُقالُ: خَوَتِ الدّارُ إذا خَلَتْ مِن أهْلِها، والخَواءُ الجُوعُ لِخُلُوِّ البَطْنِ مِنَ الغِذاءِ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾: عَلى أبْنِيَتِها، والعَرْشُ: البِناءُ. ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُعَمِّرُها بَعْدَ خَرابِها. والثّانِي: يُعِيدُ أهْلَها بَعْدَ هَلاكِهِمْ. (p-٣٣٢) ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ أيْ مَكَثَ. ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أماتَهُ في أوَّلِ النَّهارِ، وأحْياهُ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ آخِرَ النَّهارِ، فَقالَ: يَوْمًا، ثُمَّ التَفَتَ فَرَأى بَقِيَّةَ الشَّمْسِ فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، مِنَ الماءِ الآسِنِ وهو غَيْرُ المُتَغَيِّرِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: والفَرْقُ بَيْنَ الآسِنِ والآجِنِ أنَّ الآجِنَ المُتَغَيِّرُ الَّذِي يُمْكِنُ شُرْبُهُ والآسِنَ المُتَغَيِّرُ الَّذِي لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ. والثّانِي: مَعْناهُ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ فَيَصِيرُ مُتَغَيِّرًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. قِيلَ: إنَّ طَعامَهُ كانَ عَصِيرًا وتِينًا وعِنَبًا، فَوَجَدَ العَصِيرَ حُلْوًا، ووَجَدَ التِّينَ والعِنَبَ طَرِيًّا جَنِيًّا. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ عَلِمَ أنَّهُ ماتَ مِائَةَ عامٍ ولَمْ يَتَغَيَّرْ فِيها طَعامُهُ؟ قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ إلى حالِهِ فَعَلِمَ بِالآثارِ والأخْبارِ، وأنَّهُ شاهَدَ أوْلادَ أوْلادِهِ شُيُوخًا، وكانَ قَدْ خَلَّفَ آباءَهم مُرْدًا أنَّهُ ماتَ مِائَةَ عامٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ عُزَيْرًا خَرَجَ مِن أهْلِهِ وخَلَّفَ امْرَأتَهُ حامِلًا ولَهُ خَمْسُونَ سَنَةً، فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَرَجَعَ إلى أهْلِهِ، وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً، ولَهُ ولَدٌ هو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، فَكانَ ابْنُهُ أكْبَرَ مِنهُ بِخَمْسِينَ سَنَةً، وهو الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لِلنّاسِ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: نَنْشُرُها بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ، قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، ومَعْناهُ نُحْيِيها. والنُّشُورُ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، لِأنَّ المَيِّتَ (p-٣٣٣) كالمَطْوِيِّ، لِأنَّهُ مَقْبُوضٌ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالمَوْتِ، فَإذا حَيِيَ وانْبَسَطَ بِالتَّصَرُّفِ قِيلَ: نُشِرَ وأُنْشِرَ. والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ بِها الباقُونَ (نُنْشِزُها) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ، يَعْنِي نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، وأصْلُ النُّشُوزِ الِارْتِفاعُ، ومِنهُ النَّشْزُ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ المُرْتَفِعِ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ نُشُوزُ المَرْأةِ لِارْتِفاعِها عَنْ طاعَةِ الزَّوْجِ. وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أحْيا عَيْنَيْهِ وأعادَ بَصَرَهُ قَبْلَ إحْياءِ جَسَدِهِ، فَكانَ يَرى اجْتِماعَ عِظامِهِ واكْتِساءَها لَحْمًا، ورَأى كَيْفَ أحْيا اللَّهُ حِمارَهُ وجَمَعَ عِظامَهُ. واخْتَلَفُوا في القائِلِ لَهُ: كَمْ لَبِثْتَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ. والثّانِي: نَبِيٌّ. والثّالِثُ: أنَّهُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ المُعَمَّرِينَ مِمَّنْ شاهَدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وإحْيائِهِ.

البقرة 2:260

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ اخْتَلَفُوا لِمَ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى جِيفَةً تُمَزِّقُها السِّباعُ فَقالَ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ. والثّانِي: لِمُنازَعَةِ النُّمْرُودِ لَهُ في الإحْياءِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وَلِأيِّ الأمْرَيْنِ كانَ، فَإنَّهُ أحَبَّ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمَ عِيانٍ بَعْدَ عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ. وَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: (p-٣٣٤) أحَدُها: يَعْنِي لِيَزْدادَ يَقِينًا إلى يَقِينِهِ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والرَّبِيعُ، ولا يَجُوزُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالعِلْمِ بَعْدَ الشَّكِّ، لِأنَّ الشَّكَّ في ذَلِكَ كُفْرٌ لا يَجُوزُ عَلى نَبِيٍّ. والثّانِي: أرادَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أنَّكَ أجَبْتَ مَسْألَتِي، واتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا كَما وعَدْتَنِي، وهَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ القَلْبِ، وإنَّما أرادَ رُؤْيَةَ العَيْنِ، قالَهُ الأخْفَشُ. وَنَفَرَ بَعْضُ مَن قالَ بِغَوامِضِ المَعانِي مِن هَذا الِالتِزامِ وقالَ: إنَّما أرادَ إبْراهِيمُ مِن رَبِّهِ أنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي القُلُوبَ بِالإيمانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ بِما يَعْقُبُهُ مِنَ البَيانِ. وَلَيْسَتِ الألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ ألِفَ اسْتِفْهامٍ وإنَّما هي ألِفُ إيجابٍ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎ ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: هُنَّ: الدِّيكُ، والطّاوُسُ، والغُرابُ، والحَمامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقانِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ قَرَأتِ الجَماعَةُ بِضَمِّ الصّادِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِكَسْرِها، واخْتُلِفَ في الضَّمِّ والكَسْرِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ مُتَّفِقٌ ولَفْظَهُما مُخْتَلِفٌ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ انْتُفْهُنَّ بِرِيشِهِنَّ ولُحُومِهِنَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: قَطِّعْهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ. قالَ الضَّحّاكُ: هي بِالنَّبَطِيَّةِ صَرْتا، وهي التَّشَقُّقُ. (p-٣٣٥) والثّالِثُ: اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: أمِلْهُنَّ إلَيْكَ، والصَّوَرُ: المَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ في وصْفِ إبِلٍ: ؎ تَظَلُّ مُعَقَّلاتِ السُّوقِ خُرْسًا ∗∗∗ تُصَوِّرُ أُنُوفَها رِيحُ الجَنُوبِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الضَّمِّ والكَسْرِ مُخْتَلِفٌ، وفي اخْتِلافِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ بِالضَّمِّ: اجْمَعْهُنَّ، وبِالكَسْرِ: قَطِّعْهُنَّ. والثّانِي: قالَهُ الكِسائِيُّ ومَعْناهُ بِالضَّمِّ أمِلْهُنَّ، وبِالكَسْرِ: أقْبِلْ بِهِنَّ. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ جِبالٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها كانَتْ سَبْعَةً، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: كُلُّ جَبَلٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ جِهاتِ الدُّنْيا الأرْبَعَ، وهي المَشْرِقُ والمَغْرِبُ والشَّمالُ والجَنُوبُ، فَمَثَّلَها بِالجِبالِ، قالَهُابْنُ بَحْرٍ. واخْتَلَفُوا هَلْ قَطَّعَ إبْراهِيمُ الطَّيْرَ أعْضاءً صِرْنَ بِهِ أمْواتًا، أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَطَّعَهُنَّ أعْضاءً صِرْنَ بِهِ أمْواتًا، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَعُدْنَ أحْياءً لِيَرى كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى كَما سَألَ رَبَّهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ فَرَّقَهُنَّ أحْياءً، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَأجَبْنَهُ وعُدْنَ إلَيْهِ، يَسْتَدِلُّ بِعَوْدِهِنَّ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ، عَلى عَوْدِ الأمْواتِ بِدُعاءِ اللَّهِ أحْياءً، ولا يَصِحُّ مِن إبْراهِيمَ أنْ يَدْعُوَ أمْواتًا لَهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. والجُزْءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو بَعْضُهُ سَواءٌ كانَ مُنْقَسِمًا عَلى صِحَّةٍ أوْ غَيْرِ مُنْقَسِمٍ، والسَّهْمُ هو المُنْقَسِمُ عَلَيْهِ جَمِيعِهِ عَلى صِحَّةٍ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أُجِيبَ إبْراهِيمُ إلى آياتِ الآخِرَةِ دُونَ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما سَألَهُ مُوسى لا يَصِحُّ مَعَ بَقاءِ التَّكْلِيفِ، وما سَألَهُ إبْراهِيمُ خاصٌّ يَصِحُّ. (p-٣٣٦) والثّانِي: أنَّ الأحْوالَ تَخْتَلِفُ، فَيَكُونُ الأصْلَحُ في بَعْضِ الأوْقاتِ الإجابَةَ، وفي بَعْضِ وقْتٍ آخَرَ المَنعَ فِيما لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ إذْنٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِهَذا قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ، وقَبْلَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ الصُّحُفَ. وَحُكِيَ: أنَّ إبْراهِيمَ ذَبَحَ الأرْبَعَةَ مِنَ الطَّيْرِ، ودَقَّ أجْسامَهُنَّ في الهاوُنِ لا رُوحَهُنَّ، وجَعَلَ المُخْتَلِطَ مِن لُحُومِهِنَّ عَشَرَةَ أجْزاءٍ عَلى عَشَرَةِ جِبالٍ، ثُمَّ جَعَلَ مَناقِيرَها بَيْنَ أصابِعِهِ، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَأتَيْنَ سَعْيًا، تَطايَرَ اللَّحْمُ إلى اللَّحْمِ، والجِلْدُ إلى الجِلْدِ، والرِّيشُ إلى الرِّيشِ، فَذَهَبَ بَعْضُ مَن يَتَفَقَّهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى مَن وصّى بِجُزْءٍ مِن مالِهِ لِرَجُلٍ أنَّها وصِيَّةٌ بِالعُشْرِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ وضَعَ أجْزاءَ الطَّيْرِ عَلى عَشَرَةِ جِبالٍ.

البقرة 2:261

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: في أبْوابِ البِرِّ كُلِّها. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ ذَلِكَ مَثَلًا في أنَّ النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وفي مُضاعَفَةِ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَسَنَةَ في غَيْرِ ذَلِكَ بِعَشَرَةِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: يَجُوزُ مُضاعَفَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: يُضاعِفُ هَذِهِ المُضاعَفَةَ لِمَن يَشاءُ. والثّانِي: يُضاعِفُ الزِّيادَةَ عَلى ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ. (p-٣٣٧) ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: واسِعٌ لا يَضِيقُ عَنِ الزِّيادَةِ، عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَحِقُّها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: واسِعُ الرَّحْمَةِ لا يَضِيقُ عَنِ المُضاعَفَةِ، عَلِيمٌ بِما كانَ مِنَ النَّفَقَةِ. وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: واسْعُ القُدْرَةِ، عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ.

البقرة 2:262

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ المَنُّ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَّشْتُكَ، والأذى أنْ يَقُولَ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ، ومَن أبْلانِي بِكَ، مِمّا يُؤْذِي قَلْبَ المُعْطى. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي ما اسْتَحَقُّوهُ فِيما وعَدَهم بِهِ عَلى نَفَقَتِهِمْ. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في فَواتِ الأجْرِ. والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في أهْوالِ الآخِرَةِ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما أنْفَقُوهُ. والثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ. وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما أنْفَقَهُ عَلى جَيْشِ العُسْرَةِ في غَزاةِ تَبُوكَ. (p-٣٣٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ يَعْنِي قَوْلًا حَسَنًا بَدَلًا مِنَ المَنِّ والأذى ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُدْنِيَ إنْ أعْطى. والثّانِي: يَدْعُو إنْ مَنَعَ. ( ومَغْفِرَةٌ ) فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي العَفْوَ عَنْ أذى السّائِلِ. والثّانِي: يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ السَّلامَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ والمَنعُ مِنها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. والرّابِعُ: هو يَسْتُرُ عَلَيْهِ فَقْرَهُ ولا يَفْضَحُهُ بِهِ. ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ يَحْتَمِلُ الأذى هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنُّ. والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِالفَقْرِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: خَيْرٌ مِنها عَلى العَطاءِ. والثّانِي: خَيْرٌ مِنها عِنْدَ اللَّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (المَنّانُ بِما يُعْطِي لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ولا يُزَكِّيهِ ولَهُ عَذابٌ ألِيمٌ)» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ يُرِيدُ إبْطالَ الفَضْلِ دُونَ الثَّوابِ. وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: إبْطالَ مَوْقِعِها في نَفْسِ المُعْطى. ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ القاصِدُ بِنَفَقَتِهِ (p-٣٣٩) الرِّياءَ غَيْرُ مُثابٍ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وجْهَ اللَّهِ، فَيَسْتَحِقُّ ثَوابَهُ، وخالَفَ صاحِبُ المَنِّ والأذى القاصِدَ وجْهَ اللَّهِ المُسْتَحِقَّ ثَوابَهُ، وإنْ كَرَّرَ عَطاءَهُ وأبْطَلَ فَضْلَهُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ الصَّفْوانُ: جَمْعُ صَفْوانَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجَرُ الأمْلَسُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ. والثّانِي: أنَّهُ ألْيَنُ مِنَ الحِجارَةِ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ. ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ وهو المَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، العَظِيمُ الوَقْعِ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ الصَّلْدُ مِنَ الحِجارَةِ ما صَلُبَ، ومِنَ الأرْضِ ما لَمْ يُنْبِتْ، تَشْبِيهًا بِالحَجَرِ الَّذِي لا يُنْبِتُ. ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَعْنِي مِمّا أنْفَقُوا، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، فَضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِلْمُرائِي في إبْطالِ ثَوابِهِ، ولِصاحِبِ المَنِّ والأذى في إبْطالِ فَضْلِهِ.

البقرة 2:263

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ المَنُّ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَّشْتُكَ، والأذى أنْ يَقُولَ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ، ومَن أبْلانِي بِكَ، مِمّا يُؤْذِي قَلْبَ المُعْطى. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي ما اسْتَحَقُّوهُ فِيما وعَدَهم بِهِ عَلى نَفَقَتِهِمْ. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في فَواتِ الأجْرِ. والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في أهْوالِ الآخِرَةِ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما أنْفَقُوهُ. والثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ. وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما أنْفَقَهُ عَلى جَيْشِ العُسْرَةِ في غَزاةِ تَبُوكَ. (p-٣٣٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ يَعْنِي قَوْلًا حَسَنًا بَدَلًا مِنَ المَنِّ والأذى ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُدْنِيَ إنْ أعْطى. والثّانِي: يَدْعُو إنْ مَنَعَ. ( ومَغْفِرَةٌ ) فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي العَفْوَ عَنْ أذى السّائِلِ. والثّانِي: يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ السَّلامَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ والمَنعُ مِنها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. والرّابِعُ: هو يَسْتُرُ عَلَيْهِ فَقْرَهُ ولا يَفْضَحُهُ بِهِ. ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ يَحْتَمِلُ الأذى هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنُّ. والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِالفَقْرِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: خَيْرٌ مِنها عَلى العَطاءِ. والثّانِي: خَيْرٌ مِنها عِنْدَ اللَّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (المَنّانُ بِما يُعْطِي لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ولا يُزَكِّيهِ ولَهُ عَذابٌ ألِيمٌ)» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ يُرِيدُ إبْطالَ الفَضْلِ دُونَ الثَّوابِ. وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: إبْطالَ مَوْقِعِها في نَفْسِ المُعْطى. ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ القاصِدُ بِنَفَقَتِهِ (p-٣٣٩) الرِّياءَ غَيْرُ مُثابٍ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وجْهَ اللَّهِ، فَيَسْتَحِقُّ ثَوابَهُ، وخالَفَ صاحِبُ المَنِّ والأذى القاصِدَ وجْهَ اللَّهِ المُسْتَحِقَّ ثَوابَهُ، وإنْ كَرَّرَ عَطاءَهُ وأبْطَلَ فَضْلَهُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ الصَّفْوانُ: جَمْعُ صَفْوانَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجَرُ الأمْلَسُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ. والثّانِي: أنَّهُ ألْيَنُ مِنَ الحِجارَةِ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ. ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ وهو المَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، العَظِيمُ الوَقْعِ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ الصَّلْدُ مِنَ الحِجارَةِ ما صَلُبَ، ومِنَ الأرْضِ ما لَمْ يُنْبِتْ، تَشْبِيهًا بِالحَجَرِ الَّذِي لا يُنْبِتُ. ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَعْنِي مِمّا أنْفَقُوا، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، فَضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِلْمُرائِي في إبْطالِ ثَوابِهِ، ولِصاحِبِ المَنِّ والأذى في إبْطالِ فَضْلِهِ.

البقرة 2:264

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ المَنُّ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَّشْتُكَ، والأذى أنْ يَقُولَ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ، ومَن أبْلانِي بِكَ، مِمّا يُؤْذِي قَلْبَ المُعْطى. ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي ما اسْتَحَقُّوهُ فِيما وعَدَهم بِهِ عَلى نَفَقَتِهِمْ. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في فَواتِ الأجْرِ. والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في أهْوالِ الآخِرَةِ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما أنْفَقُوهُ. والثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوهُ. وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما أنْفَقَهُ عَلى جَيْشِ العُسْرَةِ في غَزاةِ تَبُوكَ. (p-٣٣٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ يَعْنِي قَوْلًا حَسَنًا بَدَلًا مِنَ المَنِّ والأذى ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُدْنِيَ إنْ أعْطى. والثّانِي: يَدْعُو إنْ مَنَعَ. ( ومَغْفِرَةٌ ) فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي العَفْوَ عَنْ أذى السّائِلِ. والثّانِي: يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ السَّلامَةَ مِنَ المَعْصِيَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ والمَنعُ مِنها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. والرّابِعُ: هو يَسْتُرُ عَلَيْهِ فَقْرَهُ ولا يَفْضَحُهُ بِهِ. ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ يَحْتَمِلُ الأذى هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنُّ. والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِالفَقْرِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: خَيْرٌ مِنها عَلى العَطاءِ. والثّانِي: خَيْرٌ مِنها عِنْدَ اللَّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (المَنّانُ بِما يُعْطِي لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ولا يُزَكِّيهِ ولَهُ عَذابٌ ألِيمٌ)» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ يُرِيدُ إبْطالَ الفَضْلِ دُونَ الثَّوابِ. وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: إبْطالَ مَوْقِعِها في نَفْسِ المُعْطى. ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ القاصِدُ بِنَفَقَتِهِ (p-٣٣٩) الرِّياءَ غَيْرُ مُثابٍ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وجْهَ اللَّهِ، فَيَسْتَحِقُّ ثَوابَهُ، وخالَفَ صاحِبُ المَنِّ والأذى القاصِدَ وجْهَ اللَّهِ المُسْتَحِقَّ ثَوابَهُ، وإنْ كَرَّرَ عَطاءَهُ وأبْطَلَ فَضْلَهُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ الصَّفْوانُ: جَمْعُ صَفْوانَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجَرُ الأمْلَسُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ. والثّانِي: أنَّهُ ألْيَنُ مِنَ الحِجارَةِ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ. ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ وهو المَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، العَظِيمُ الوَقْعِ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ الصَّلْدُ مِنَ الحِجارَةِ ما صَلُبَ، ومِنَ الأرْضِ ما لَمْ يُنْبِتْ، تَشْبِيهًا بِالحَجَرِ الَّذِي لا يُنْبِتُ. ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَعْنِي مِمّا أنْفَقُوا، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفَقَةِ بِالكَسْبِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِها الكَسْبَ، فَضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِلْمُرائِي في إبْطالِ ثَوابِهِ، ولِصاحِبِ المَنِّ والأذى في إبْطالِ فَضْلِهِ.

البقرة 2:265

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في نُصْرَةِ أهْلِ دِينِهِ مِنَ المُجاهِدِينَ. والثّانِي: في مَعُونَةِ أهْلِ طاعَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ. ﴿وَتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ بِقُوَّةِ اليَقِينِ، والنُّصْرَةِ في الدِّينِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ. (p-٣٤٠) والثّانِي: يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ صَدَقاتِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّالِثُ: يَعْنِي احْتِسابًا لِأنْفُسِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: تَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى الثُّبُوتِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ في الرَّبْوَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هي المَوْضِعُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَوِي في ارْتِفاعِهِ. والثّانِي: كُلُّ ما ارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ الماءِ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ. ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ في الوابِلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَطَرُ الشَّدِيدُ. والثّانِي: الكَثِيرُ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: ؎ قَلِيلٌ لَها مِنِّي وإنْ سَخِطَتْ بِأنْ أقُولَ سُقِيتَ سُقِيتَ الوابِلَ الغَدِقا ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ وإنَّما خَصَّ الرَّبْوَةَ لِأنَّ نَبْتَها أحْسَنُ، ورِيعَها أكْثَرُ، قالَ الأعْشى: ؎ ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ والأُكُلُ، بِالضَّمِّ: الطَّعامُ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْكَلَ. وَمَعْنى ضِعْفَيْنِ: مِثْلَيْنِ، لِأنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وضِعْفاهُ: مِثْلاهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وقِيلَ: ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، والأوَّلُ قَوْلُ الجُمْهُورِ. ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ الطَّلُّ: النَّدى، وهو دُونَ المَطَرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: الطَّلُّ أحَدُ المَطَرَيْنِ، وزَرْعُ الطَّلِّ أضْعَفُ مِن زَرْعِ المَطَرِ وأقَلُّ رِيعًا، وفِيهِ - وإنْ قَلَّ - تَماسُكٌ ونَفْعٌ، فَأرادَ بِهَذا ضَرْبَ المَثَلِ أنَّ كَثِيرَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ المَطَرِ كَثِيرُ النَّفْعِ، وقَلِيلَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ الطَّلِّ قَلِيلُ النَّفْعِ، ولا تَدَعْ قَلِيلَ البِرِّ إذا لَمْ تَفْعَلْ كَثِيرَهُ، كَما لا تَدَعْ زَرْعَ الطَّلِّ إذا لَمْ تَقْدِرْ عَلى زَرْعِ المَطَرِ.

البقرة 2:266

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وهي البُسْتانُ. ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ لِأنَّهُ مِن أنْفَسِ ما يَكُونُ فِيها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لِأنَّ أنْفَسَها ما كانَ ماؤُها جارِيًا. ﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾ لِأنَّ الكِبَرَ قَدْ يُنْسِي مَن سَعى الشَّبابُ في كَسْبِهِ، فَكانَ أضْعَفَ أمَلًا وأعْظَمَ حَسْرَةً. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ لِأنَّهُ عَلى الضُّعَفاءِ أحَنُّ، وإشْفاقُهُ عَلَيْهِمْ أكْثَرُ. ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ وفي الإعْصارِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّمُومُ الَّذِي يَقْتُلُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: الإعْصارُ رِيحٌ تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ كالعَمُودِ تُسَمِّيها العامَّةُ الزَّوْبَعَةَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ... ... ... ∗∗∗ إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصارًا وَإنَّما قِيلَ لَها إعْصارٌ لِأنَّها تَلْتَفُّ كالتِفافِ الثَّوْبِ المَعْصُورِ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُوَضِّحُ لَكُمُ الدَّلائِلَ. والثّانِي: يَضْرِبُ لَكُمُ الأمْثالَ. ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْتَبِرُونَ، لِأنَّ المُفَكِّرَ مُعْتَبِرٌ. والثّانِي: تَهْتَدُونَ، لِأنَّ الهِدايَةَ التَّفَكُّرُ. واخْتَلَفُوا في هَذا المَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ في الحَسْرَةِ لِسَلْبِ النِّعْمَةِ، مَنِ المَقْصُودُ بِهِ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: (p-٣٤٢) أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُرائِي في النَّفَقَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ نَفْعُها أحْوَجُ ما يَكُونُ إلَيْها، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: هو مَثَلٌ لِلْمُفَرِّطِ في طاعَةِ اللَّهِ لِمَلاذِّ الدُّنْيا يَحْصُلُ في الآخِرَةِ عَلى الحَسْرَةِ العُظْمى، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: هو مَثَلٌ لِلَّذِي يُخْتَمُ عَمَلُهُ بِفَسادٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

البقرة 2:267

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بِهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: يَعْنِي التِّجارَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الحَلالُ. والرّابِعُ: الجَيِّدُ. ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الزَّرْعِ والثِّمارِ. وَفي الكَسْبِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: ما حَدَثَ مِنَ المالِ المُسْتَفادِ. والثّانِي: ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ المِلْكُ مِن قَدِيمٍ وحادِثٍ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ. (p-٣٤٣) والثّانِي: هي في التَّطَوُّعِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ. ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ التَّيَمُّمُ: التَّعَمُّدُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ أمَمْتُهُ إذا قَصَدْتَ أمامَهُ، ويَمَّمْتُهُ إذا تَعَمَّدْتَهُ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَ، وقالَ غَيْرُهُ: هُما سَواءٌ، والخَبِيثُ: الرَّدِيءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وفِيهِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِالحَشَفِ فَيُدْخِلُونَهُ في تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ. والثّانِي: أنَّ الخَبِيثَ هو الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا أنْ تَتَساهَلُوا، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ. والثّانِي: إلّا أنْ تَحُطُّوا في الثَّمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: إلّا بِوَكْسٍ فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: إلّا أنْ تُرَخِّصُوا لِأنْفُسِكم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎ لَمْ يُفْتِنا بِالوِتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّيْـ مِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ وهو ما خَوَّفَ مِنَ الفَقْرِ إنْ أنْفَقَ أوْ تَصَدَّقَ. ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالشُّحِّ. والثّانِي: بِالمَعاصِي. ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: .... لَكم. والثّانِي: عَفْوًا لَكم. ﴿وَفَضْلا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَعَةُ الرِّزْقِ. (p-٣٤٤) والثّانِي: مُضاعَفَةُ العَذابِ. ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ الأُخَرَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ في الحِكْمَةِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: العِلْمُ بِالدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ. والرّابِعُ: الخَشْيَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. والخامِسُ: الإصابَةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والسّادِسُ: الكِتابَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-٣٤٥) والسّابِعُ: العَقْلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ هُنا صَلاحَ الدِّينِ وإصْلاحَ الدُّنْيا.

البقرة 2:268

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بِهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: يَعْنِي التِّجارَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الحَلالُ. والرّابِعُ: الجَيِّدُ. ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الزَّرْعِ والثِّمارِ. وَفي الكَسْبِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: ما حَدَثَ مِنَ المالِ المُسْتَفادِ. والثّانِي: ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ المِلْكُ مِن قَدِيمٍ وحادِثٍ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ. (p-٣٤٣) والثّانِي: هي في التَّطَوُّعِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ. ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ التَّيَمُّمُ: التَّعَمُّدُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ أمَمْتُهُ إذا قَصَدْتَ أمامَهُ، ويَمَّمْتُهُ إذا تَعَمَّدْتَهُ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَ، وقالَ غَيْرُهُ: هُما سَواءٌ، والخَبِيثُ: الرَّدِيءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وفِيهِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِالحَشَفِ فَيُدْخِلُونَهُ في تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ. والثّانِي: أنَّ الخَبِيثَ هو الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا أنْ تَتَساهَلُوا، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ. والثّانِي: إلّا أنْ تَحُطُّوا في الثَّمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: إلّا بِوَكْسٍ فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: إلّا أنْ تُرَخِّصُوا لِأنْفُسِكم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎ لَمْ يُفْتِنا بِالوِتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّيْـ مِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ وهو ما خَوَّفَ مِنَ الفَقْرِ إنْ أنْفَقَ أوْ تَصَدَّقَ. ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالشُّحِّ. والثّانِي: بِالمَعاصِي. ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: .... لَكم. والثّانِي: عَفْوًا لَكم. ﴿وَفَضْلا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَعَةُ الرِّزْقِ. (p-٣٤٤) والثّانِي: مُضاعَفَةُ العَذابِ. ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ الأُخَرَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ في الحِكْمَةِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: العِلْمُ بِالدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ. والرّابِعُ: الخَشْيَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. والخامِسُ: الإصابَةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والسّادِسُ: الكِتابَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-٣٤٥) والسّابِعُ: العَقْلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ هُنا صَلاحَ الدِّينِ وإصْلاحَ الدُّنْيا.

البقرة 2:269

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بِهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: يَعْنِي التِّجارَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الحَلالُ. والرّابِعُ: الجَيِّدُ. ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الزَّرْعِ والثِّمارِ. وَفي الكَسْبِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: ما حَدَثَ مِنَ المالِ المُسْتَفادِ. والثّانِي: ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ المِلْكُ مِن قَدِيمٍ وحادِثٍ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ. (p-٣٤٣) والثّانِي: هي في التَّطَوُّعِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ. ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ التَّيَمُّمُ: التَّعَمُّدُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ أمَمْتُهُ إذا قَصَدْتَ أمامَهُ، ويَمَّمْتُهُ إذا تَعَمَّدْتَهُ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَ، وقالَ غَيْرُهُ: هُما سَواءٌ، والخَبِيثُ: الرَّدِيءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وفِيهِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِالحَشَفِ فَيُدْخِلُونَهُ في تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ. والثّانِي: أنَّ الخَبِيثَ هو الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا أنْ تَتَساهَلُوا، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ. والثّانِي: إلّا أنْ تَحُطُّوا في الثَّمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: إلّا بِوَكْسٍ فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: إلّا أنْ تُرَخِّصُوا لِأنْفُسِكم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎ لَمْ يُفْتِنا بِالوِتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّيْـ مِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ وهو ما خَوَّفَ مِنَ الفَقْرِ إنْ أنْفَقَ أوْ تَصَدَّقَ. ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالشُّحِّ. والثّانِي: بِالمَعاصِي. ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: .... لَكم. والثّانِي: عَفْوًا لَكم. ﴿وَفَضْلا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَعَةُ الرِّزْقِ. (p-٣٤٤) والثّانِي: مُضاعَفَةُ العَذابِ. ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ الأُخَرَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ في الحِكْمَةِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: العِلْمُ بِالدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ. والرّابِعُ: الخَشْيَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. والخامِسُ: الإصابَةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والسّادِسُ: الكِتابَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-٣٤٥) والسّابِعُ: العَقْلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ هُنا صَلاحَ الدِّينِ وإصْلاحَ الدُّنْيا.

البقرة 2:270

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ في إبْدائِها كَراهِيَةٌ. ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، يَكُونُ إخْفاؤُها أفْضَلَ، لِأنَّهُ مِنَ الرِّياءِ أبْعَدُ، فَأمّا الزَّكاةُ فَإبْداؤُها أفْضَلُ، لِأنَّهُ مِنَ التُّهْمَةِ أبْعَدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسُفْيانَ. والثّانِي: أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقَتَيْنِ فَرْضًا ونَفَلًا أفْضَلُ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (مِن) زائِدَةٌ تَقْدِيرُها: ويُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم. والثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما دَخَلَتْ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ إنَّما يُكَفِّرُ بِالطّاعَةِ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ الصَّغائِرَ، وفي تَكْفِيرِها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتُرُها عَلَيْهِمْ. والثّانِي: يَغْفِرُها لَهم.

البقرة 2:271

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ في إبْدائِها كَراهِيَةٌ. ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، يَكُونُ إخْفاؤُها أفْضَلَ، لِأنَّهُ مِنَ الرِّياءِ أبْعَدُ، فَأمّا الزَّكاةُ فَإبْداؤُها أفْضَلُ، لِأنَّهُ مِنَ التُّهْمَةِ أبْعَدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسُفْيانَ. والثّانِي: أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقَتَيْنِ فَرْضًا ونَفَلًا أفْضَلُ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (مِن) زائِدَةٌ تَقْدِيرُها: ويُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم. والثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما دَخَلَتْ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ إنَّما يُكَفِّرُ بِالطّاعَةِ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ الصَّغائِرَ، وفي تَكْفِيرِها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتُرُها عَلَيْهِمْ. والثّانِي: يَغْفِرُها لَهم.

البقرة 2:272

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وفي (أُحْصِرُوا) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّصَرُّفِ لِلْمَعاشِ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: مَنَعَهُمُ الكُفّارُ بِالخَوْفِ مِنهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: مَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الجِهادِ. والرّابِعُ: مَنَعَهُمُ التَّشاغُلُ بِالجِهادِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَصَرُّفًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: يَعْنِي تِجارَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يَعْنِي مِن قِلَّةِ خِبْرَتِهِ بِهِمْ، ومِنَ التَّعَفُّفِ: يَعْنِي مِنَ التَّقَنُّعِ والعِفَّةِ والقَناعَةِ. ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ السِّمَةُ: العَلامَةُ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخُشُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْألَ ولَهُ كِفايَةٌ. (p-٣٤٧) والثّانِي: أنَّهُ الِاشْتِمالُ بِالمَسْألَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ اللِّحافِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانُوا يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ؟ قِيلَ: لا; لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وإنَّما تَقْدِيرُ الكَلامِ لا يَسْألُونَ فَيَكُونُ سُؤالُهم إلْحافًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَمْ يَكُنْ لَهم بِالمَدِينَةِ مَنازِلُ ولا عَشائِرُ وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، كانَتْ مَعَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَها عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ، أنْفَقَ في سَوادِ اللَّيْلِ دِرْهَمًا، وفي وضَحِ النَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا، وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ عَلى الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهم يُنْفِقُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والأوْزاعِيُّ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أنْفَقَ مالَهُ في طاعَةِ اللَّهِ. وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خاصَّةٌ في إباحَةِ الِارْتِفاقِ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ، لِأنَّهُ يَرْتَفِقُ بِها كُلُّ مارٍّ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، فَكانَتْ أعَمَّ لِأنَّها تُؤْخَذُ عَنِ الإرادَةِ وتُوافِقُ قَدْرَ الحاجَةِ.

البقرة 2:273

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وفي (أُحْصِرُوا) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّصَرُّفِ لِلْمَعاشِ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: مَنَعَهُمُ الكُفّارُ بِالخَوْفِ مِنهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: مَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الجِهادِ. والرّابِعُ: مَنَعَهُمُ التَّشاغُلُ بِالجِهادِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَصَرُّفًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: يَعْنِي تِجارَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يَعْنِي مِن قِلَّةِ خِبْرَتِهِ بِهِمْ، ومِنَ التَّعَفُّفِ: يَعْنِي مِنَ التَّقَنُّعِ والعِفَّةِ والقَناعَةِ. ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ السِّمَةُ: العَلامَةُ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخُشُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْألَ ولَهُ كِفايَةٌ. (p-٣٤٧) والثّانِي: أنَّهُ الِاشْتِمالُ بِالمَسْألَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ اللِّحافِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانُوا يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ؟ قِيلَ: لا; لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وإنَّما تَقْدِيرُ الكَلامِ لا يَسْألُونَ فَيَكُونُ سُؤالُهم إلْحافًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَمْ يَكُنْ لَهم بِالمَدِينَةِ مَنازِلُ ولا عَشائِرُ وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، كانَتْ مَعَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَها عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ، أنْفَقَ في سَوادِ اللَّيْلِ دِرْهَمًا، وفي وضَحِ النَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا، وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ عَلى الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهم يُنْفِقُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والأوْزاعِيُّ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أنْفَقَ مالَهُ في طاعَةِ اللَّهِ. وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خاصَّةٌ في إباحَةِ الِارْتِفاقِ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ، لِأنَّهُ يَرْتَفِقُ بِها كُلُّ مارٍّ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، فَكانَتْ أعَمَّ لِأنَّها تُؤْخَذُ عَنِ الإرادَةِ وتُوافِقُ قَدْرَ الحاجَةِ.

البقرة 2:274

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وفي (أُحْصِرُوا) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّصَرُّفِ لِلْمَعاشِ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: مَنَعَهُمُ الكُفّارُ بِالخَوْفِ مِنهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: مَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الجِهادِ. والرّابِعُ: مَنَعَهُمُ التَّشاغُلُ بِالجِهادِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَصَرُّفًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: يَعْنِي تِجارَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يَعْنِي مِن قِلَّةِ خِبْرَتِهِ بِهِمْ، ومِنَ التَّعَفُّفِ: يَعْنِي مِنَ التَّقَنُّعِ والعِفَّةِ والقَناعَةِ. ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ السِّمَةُ: العَلامَةُ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخُشُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْألَ ولَهُ كِفايَةٌ. (p-٣٤٧) والثّانِي: أنَّهُ الِاشْتِمالُ بِالمَسْألَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ اللِّحافِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانُوا يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ؟ قِيلَ: لا; لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وإنَّما تَقْدِيرُ الكَلامِ لا يَسْألُونَ فَيَكُونُ سُؤالُهم إلْحافًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَمْ يَكُنْ لَهم بِالمَدِينَةِ مَنازِلُ ولا عَشائِرُ وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، كانَتْ مَعَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَها عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ، أنْفَقَ في سَوادِ اللَّيْلِ دِرْهَمًا، وفي وضَحِ النَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا، وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ عَلى الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهم يُنْفِقُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والأوْزاعِيُّ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أنْفَقَ مالَهُ في طاعَةِ اللَّهِ. وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خاصَّةٌ في إباحَةِ الِارْتِفاقِ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ، لِأنَّهُ يَرْتَفِقُ بِها كُلُّ مارٍّ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، فَكانَتْ أعَمَّ لِأنَّها تُؤْخَذُ عَنِ الإرادَةِ وتُوافِقُ قَدْرَ الحاجَةِ.

البقرة 2:275

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ يَعْنِي يَأْخُذُونَ الرِّبا فَعَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأخْذَ إنَّما يُرادُ لِلْأكْلِ، والرِّبا: هو الزِّيادَةُ مِن قَوْلِهِمْ: رَبا السَّوِيقُ يَرْبُو إذا زادَ، وهو الزِّيادَةُ عَلى مِقْدارِ الدَّيْنِ لِمَكانِ الأجَلِ. (p-٣٤٨) ﴿لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ يَعْنِي مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كالسَّكْرانِ مِنَ الخَمْرِ يُقَطَّعُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، ونُسِبَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ في سُكْرِهِ. والثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ: لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قُبُورِهِمْ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ، يَعْنِي الَّذِي يَخْنُقُهُ الشَّيْطانُ في الدُّنْيا مِنَ المَسِّ، يَعْنِي الجُنُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في القِيامَةِ عَلامَةً لِأكْلِ الرِّبا في الدُّنْيا. واخْتَلَفُوا في مَسِّ الجُنُونِ، هَلْ هو بِفِعْلِ الشَّيْطانِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا مِن فِعْلِ اللَّهِ بِما يُحْدِثُهُ مِن غَلَبَةِ السَّوْداءِ فَيَصْرَعُهُ، يُنْسَبُ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا تَشْبِيهًا بِما يَفْعَلُهُ مِن إغْوائِهِ الَّذِي يَصْرَعُهُ. وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَهُ مِن ذَلِكَ في بَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ، لِأنَّهُ ظاهِرُ القُرْآنِ ولَيْسَ في العَقْلِ ما يَمْنَعُهُ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ قِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي ثَقِيفًا لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ العَرَبِ رِبًا، فَلَمّا نُهُوا عَنْهُ قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا وهو مِثْلُ البَيْعِ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهم، ثُمَّ أبْطَلَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالبَيْعِ فَقالَ تَعالى: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ولِلشّافِعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ العامِّ الَّذِي يَجْرِي عَلى عُمُومِهِ في إباحَةِ كُلِّ بَيْعٍ وتَحْرِيمِ كُلِّ رِبًا إلّا ما خَصَّهُما دَلِيلٌ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ البَيْعِ وإحْلالِ بَعْضِ الرِّبا، فَعَلى هَذا اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ، هَلْ هو مِنَ العُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، أوْ مِنَ العُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ وإنْ دَخَلَهُ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ. والثّانِي: أنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ. (p-٣٤٩) وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العُمُومَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ: أنْ يَكُونَ الباقِي مِنَ العُمُومِ مِن بَعْدِ التَّخْصِيصِ أكْثَرَ مِنَ المَخْصُوصِ، والعُمُومُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ أنْ يَكُونَ الباقِي مِنهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ أقَلَّ مِنَ المَخْصُوصِ. والفَرْقُ الثّانِي: أنَّ البَيانَ فِيما أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ مُتَقَدِّمٌ عَلى اللَّفْظِ، وأنَّ ما أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ مُتَأخِّرٌ عَنِ اللَّفْظِ ومُقْتَرِنٌ بِهِ، [هَذا] أحَدُ أقاوِيلِهِ: والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ المُجْمَلُ الَّذِي لا يُمْكِنُ [أنْ] يُسْتَعْمَلَ في إحْلالِ بَيْعٍ أوْ تَحْرِيمِهِ إلّا أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ بَيانٌ مِن سُنَّةِ الرَّسُولِ، وإنْ دَلَّ عَلى إباحَةِ البُيُوعِ في الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ. وَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ العُمُومِ والمُجْمَلِ، أنَّ العُمُومَ يَدُلُّ عَلى إباحَةِ البُيُوعِ في الجُمْلَةِ ولا يَدُلُّ عَلى إباحَتِها في التَّفْصِيلِ حَتّى يَقْتَرِنَ بِهِ بَيانٌ. فَعَلى هَذا القَوْلِ أنَّها مُجْمَلَةٌ اخْتُلِفَ في إجْمالِها، هَلْ هو لِتَعارُضٍ فِيها أوْ لِمُعارَضَةِ غَيْرِها لَها عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ ما في الآيَةِ مِن إحْلالِ البَيْعِ وتَحْرِيمِ الرِّبا وهو بَيْعٌ صارَتْ بِهَذا التَّعارُضِ مُجْمَلَةً وكانَ إجْمالُها مِنها. والثّانِي: أنَّ إجْمالَها بِغَيْرِها لِأنَّ السُّنَّةَ مَنَعَتْ مِن بُيُوعٍ وأجازَتْ بُيُوعًا فَصارَتْ بِالسُّنَّةِ مُجْمَلَةً. وَإذا صَحَّ إجْمالُها فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ هو إجْمالٌ في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، لِأنَّ لَفْظَ البَيْعِ مَعْلُومٌ في اللُّغَةِ وإنَّما الشَّرْعُ أجْمَلَ المَعْنى والحُكْمَ حِينَ أحَلَّ بَيْعًا وحَرَّمَ بَيْعًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإجْمالَ في لَفْظِها ومَعْناها، لِأنَّهُ لَمّا عَدَلَ بِالبَيْعِ عَنْ إطْلاقِهِ عَلى ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ في الشَّرْعِ فاللَّفْظُ والمَعْنى مُحْتَمَلانِ مَعًا، فَهَذا شَرْحُ القَوْلِ الثّانِي. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها داخِلَةٌ في العُمُومِ والمُجْمَلِ، فَيَكُونُ عُمُومًا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، ومُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ، لِاحْتِمالِ عُمُومِها في اللَّفْظِ وإجْمالِها في (p-٣٥٠) المَعْنى، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عُمُومًا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، والمَعْنى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ عُمُومَها في أوَّلِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾، وإجْمالَها في آخِرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فَيَكُونُ أوَّلُها عامًّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وآخِرُها مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّفْظَ كانَ مُجْمَلًا، فَلَمّا بَيَّنَهُ الرَّسُولُ صارَ عامًّا، فَيَكُونُ داخِلًا في المُجْمَلِ قَبْلَ البَيانِ، في العُمُومِ بَعْدَ البَيانِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ في المَوْعِظَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّحْرِيمُ. والثّانِي: الوَعِيدُ. ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ: يَعْنِي ما أكَلَ مِنَ الرِّبا لا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ. ﴿وَأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في المُحاسَبَةِ والجَزاءِ. والثّانِي: في العَفْوِ والعُقُوبَةِ. وَقِيلَ فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: في العِصْمَةِ والتَّوْفِيقِ. وَقِيلَ فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: فَأمْرُهُ إلى اللَّهِ والمُسْتَقِلُّ في تَثْبِيتِهِ عَلى التَّحْرِيمِ أوِ انْتِقالِهِ إلى الِاسْتِباحَةِ.

البقرة 2:276

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ يَنْقُصُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن مِحاقِ الشَّهْرِ لِنُقْصانِ الهِلالِ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُبْطِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ إذا تَصَدَّقَ بِهِ في الدُّنْيا. والثّانِي: يَرْفَعُ البَرَكَةَ مِنهُ في الدُّنْيا مَعَ تَعْذِيبِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ. (p-٣٥١) ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُثَمِّرُ المالَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ. والثّانِي: يُضاعِفُ أجْرَ الصَّدَقَةِ ويَزِيدُها، وتَكُونُ هَذِهِ الزِّيادَةُ واجِبَةً بِالوَعْدِ لا بِالعَمَلِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ في الكَفّارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَسْتُرُ نِعَمَ اللَّهِ ويَجْحَدُها. والثّانِي: هو الَّذِي يُكْثِرُ فِعْلَ ما يَكْفُرُ بِهِ. وَفي الأثِيمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَن بَيَّتَ الإثْمَ. والثّانِي: الَّذِي يُكْثِرُ فِعْلَ ما يَأْثَمُ بِهِ.

البقرة 2:277

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ يَنْقُصُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن مِحاقِ الشَّهْرِ لِنُقْصانِ الهِلالِ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُبْطِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ إذا تَصَدَّقَ بِهِ في الدُّنْيا. والثّانِي: يَرْفَعُ البَرَكَةَ مِنهُ في الدُّنْيا مَعَ تَعْذِيبِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ. (p-٣٥١) ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُثَمِّرُ المالَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ. والثّانِي: يُضاعِفُ أجْرَ الصَّدَقَةِ ويَزِيدُها، وتَكُونُ هَذِهِ الزِّيادَةُ واجِبَةً بِالوَعْدِ لا بِالعَمَلِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ في الكَفّارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَسْتُرُ نِعَمَ اللَّهِ ويَجْحَدُها. والثّانِي: هو الَّذِي يُكْثِرُ فِعْلَ ما يَكْفُرُ بِهِ. وَفي الأثِيمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَن بَيَّتَ الإثْمَ. والثّانِي: الَّذِي يُكْثِرُ فِعْلَ ما يَأْثَمُ بِهِ.

البقرة 2:278

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ بِقُلُوبِكم. والثّانِي: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ في أفْعالِكم. ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ عامِرٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ وكانَ قاضِيًا عَلَيْها مِن قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: دَخَلْنا في الإسْلامِ عَلى أنَّ ما كانَ لَنا مِنَ الرِّبا فَهو باقٍ، وما كانَ عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وكَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ. (p-٣٥٢) والثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في بَقِيَّةٍ مِنَ الرِّبا كانَتْ لِلْعَبّاسِ ومَسْعُودٍ وعَبْدِ يالِيلَ وحَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ وأسْلَمَ وقَدْ بَقِيَ بَعْضُهُ، فَما قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدٌّ، وما بَقِيَ مِنهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، حَرامٌ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ فَيَجِبُ رَدُّهُ فِيما قَبَضَ وبَقِيَ، فَيَرُدُّ ما قَبَضَ ويَسْقُطُ ما بَقِيَ، بِخِلافِ المَقْبُوضِ في الكُفْرِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهَذا حُكْمُهُ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي تَرْكَ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ، بِمَعْنى: فَأعْلِمُوا غَيْرَكم، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ بِمَعْنى فاعْلَمُوا أنْتُمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الرِّبا أمَرْتُ النَّبِيَّ بِحَرْبِكم. والثّانِي: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يَعْنِي أعْداءَهُ. ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ يَعْنِي الَّتِي دَفَعْتُمْ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا الزِّيادَةَ عَلى رُؤُوسِ أمْوالِكم، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِأنْ تَمْنَعُوا رُؤُوسَ أمْوالِكم. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قِيلَ: إنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ( ذا عُسْرَةٍ ) وهو جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْظارَ بِالعَسْرَةِ واجِبٌ في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يَجِبُ إنْظارُهُ بِالعُسْرَةِ في كُلِّ دَيْنٍ، لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ (p-٣٥٣) عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْظارَ بِالعُسْرَةِ في دَيْنِ الرِّبا بِالنَّصِّ، وفي غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ بِالقِياسِ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو أنْ يُوسِرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: إلى المَوْتِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تُنْظِرُوهُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كانَ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِّبا، فَدَعُوا الرِّبا والرُّبْيَةَ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ أيِ اتَّقُوا بِالطّاعَةِ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَرْكِ الرِّبا وما بَقِيَ مِنهُ. وَ ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى جَزاءِ اللَّهِ. والثّانِي: إلى مُلْكِ اللَّهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: جَزاءُ ما كَسَبَتْ مِنَ الأعْمالِ. والثّانِي: ما كَسَبَتْ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَعْنِي بِنُقْصانِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ، ولا بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ. (p-٣٥٤) رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثَ بَعْدَها سَبْعَ لَيالٍ. »

البقرة 2:279

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ بِقُلُوبِكم. والثّانِي: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ في أفْعالِكم. ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ عامِرٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ وكانَ قاضِيًا عَلَيْها مِن قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: دَخَلْنا في الإسْلامِ عَلى أنَّ ما كانَ لَنا مِنَ الرِّبا فَهو باقٍ، وما كانَ عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وكَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ. (p-٣٥٢) والثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في بَقِيَّةٍ مِنَ الرِّبا كانَتْ لِلْعَبّاسِ ومَسْعُودٍ وعَبْدِ يالِيلَ وحَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ وأسْلَمَ وقَدْ بَقِيَ بَعْضُهُ، فَما قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدٌّ، وما بَقِيَ مِنهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، حَرامٌ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ فَيَجِبُ رَدُّهُ فِيما قَبَضَ وبَقِيَ، فَيَرُدُّ ما قَبَضَ ويَسْقُطُ ما بَقِيَ، بِخِلافِ المَقْبُوضِ في الكُفْرِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهَذا حُكْمُهُ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي تَرْكَ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ، بِمَعْنى: فَأعْلِمُوا غَيْرَكم، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ بِمَعْنى فاعْلَمُوا أنْتُمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الرِّبا أمَرْتُ النَّبِيَّ بِحَرْبِكم. والثّانِي: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يَعْنِي أعْداءَهُ. ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ يَعْنِي الَّتِي دَفَعْتُمْ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا الزِّيادَةَ عَلى رُؤُوسِ أمْوالِكم، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِأنْ تَمْنَعُوا رُؤُوسَ أمْوالِكم. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قِيلَ: إنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ( ذا عُسْرَةٍ ) وهو جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْظارَ بِالعَسْرَةِ واجِبٌ في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يَجِبُ إنْظارُهُ بِالعُسْرَةِ في كُلِّ دَيْنٍ، لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ (p-٣٥٣) عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْظارَ بِالعُسْرَةِ في دَيْنِ الرِّبا بِالنَّصِّ، وفي غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ بِالقِياسِ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو أنْ يُوسِرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: إلى المَوْتِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تُنْظِرُوهُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كانَ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِّبا، فَدَعُوا الرِّبا والرُّبْيَةَ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ أيِ اتَّقُوا بِالطّاعَةِ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَرْكِ الرِّبا وما بَقِيَ مِنهُ. وَ ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى جَزاءِ اللَّهِ. والثّانِي: إلى مُلْكِ اللَّهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: جَزاءُ ما كَسَبَتْ مِنَ الأعْمالِ. والثّانِي: ما كَسَبَتْ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَعْنِي بِنُقْصانِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ، ولا بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ. (p-٣٥٤) رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثَ بَعْدَها سَبْعَ لَيالٍ. »

البقرة 2:280

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ بِقُلُوبِكم. والثّانِي: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ في أفْعالِكم. ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ عامِرٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ وكانَ قاضِيًا عَلَيْها مِن قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: دَخَلْنا في الإسْلامِ عَلى أنَّ ما كانَ لَنا مِنَ الرِّبا فَهو باقٍ، وما كانَ عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وكَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ. (p-٣٥٢) والثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في بَقِيَّةٍ مِنَ الرِّبا كانَتْ لِلْعَبّاسِ ومَسْعُودٍ وعَبْدِ يالِيلَ وحَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ وأسْلَمَ وقَدْ بَقِيَ بَعْضُهُ، فَما قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدٌّ، وما بَقِيَ مِنهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، حَرامٌ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ فَيَجِبُ رَدُّهُ فِيما قَبَضَ وبَقِيَ، فَيَرُدُّ ما قَبَضَ ويَسْقُطُ ما بَقِيَ، بِخِلافِ المَقْبُوضِ في الكُفْرِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهَذا حُكْمُهُ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي تَرْكَ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ، بِمَعْنى: فَأعْلِمُوا غَيْرَكم، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ بِمَعْنى فاعْلَمُوا أنْتُمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الرِّبا أمَرْتُ النَّبِيَّ بِحَرْبِكم. والثّانِي: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يَعْنِي أعْداءَهُ. ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ يَعْنِي الَّتِي دَفَعْتُمْ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا الزِّيادَةَ عَلى رُؤُوسِ أمْوالِكم، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِأنْ تَمْنَعُوا رُؤُوسَ أمْوالِكم. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قِيلَ: إنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ( ذا عُسْرَةٍ ) وهو جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْظارَ بِالعَسْرَةِ واجِبٌ في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يَجِبُ إنْظارُهُ بِالعُسْرَةِ في كُلِّ دَيْنٍ، لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ (p-٣٥٣) عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْظارَ بِالعُسْرَةِ في دَيْنِ الرِّبا بِالنَّصِّ، وفي غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ بِالقِياسِ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو أنْ يُوسِرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: إلى المَوْتِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تُنْظِرُوهُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كانَ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِّبا، فَدَعُوا الرِّبا والرُّبْيَةَ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ أيِ اتَّقُوا بِالطّاعَةِ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَرْكِ الرِّبا وما بَقِيَ مِنهُ. وَ ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى جَزاءِ اللَّهِ. والثّانِي: إلى مُلْكِ اللَّهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: جَزاءُ ما كَسَبَتْ مِنَ الأعْمالِ. والثّانِي: ما كَسَبَتْ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَعْنِي بِنُقْصانِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ، ولا بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ. (p-٣٥٤) رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثَ بَعْدَها سَبْعَ لَيالٍ. »

البقرة 2:281

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ بِقُلُوبِكم. والثّانِي: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ في أفْعالِكم. ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ عامِرٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ وكانَ قاضِيًا عَلَيْها مِن قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: دَخَلْنا في الإسْلامِ عَلى أنَّ ما كانَ لَنا مِنَ الرِّبا فَهو باقٍ، وما كانَ عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وكَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ. (p-٣٥٢) والثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في بَقِيَّةٍ مِنَ الرِّبا كانَتْ لِلْعَبّاسِ ومَسْعُودٍ وعَبْدِ يالِيلَ وحَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ وأسْلَمَ وقَدْ بَقِيَ بَعْضُهُ، فَما قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدٌّ، وما بَقِيَ مِنهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، حَرامٌ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ فَيَجِبُ رَدُّهُ فِيما قَبَضَ وبَقِيَ، فَيَرُدُّ ما قَبَضَ ويَسْقُطُ ما بَقِيَ، بِخِلافِ المَقْبُوضِ في الكُفْرِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ. وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهَذا حُكْمُهُ. والثّانِي: مَعْناهُ إذا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي تَرْكَ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ، بِمَعْنى: فَأعْلِمُوا غَيْرَكم، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ بِمَعْنى فاعْلَمُوا أنْتُمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الرِّبا أمَرْتُ النَّبِيَّ بِحَرْبِكم. والثّانِي: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يَعْنِي أعْداءَهُ. ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ يَعْنِي الَّتِي دَفَعْتُمْ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا الزِّيادَةَ عَلى رُؤُوسِ أمْوالِكم، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِأنْ تَمْنَعُوا رُؤُوسَ أمْوالِكم. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قِيلَ: إنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ( ذا عُسْرَةٍ ) وهو جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ. وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْظارَ بِالعَسْرَةِ واجِبٌ في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يَجِبُ إنْظارُهُ بِالعُسْرَةِ في كُلِّ دَيْنٍ، لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ (p-٣٥٣) عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْظارَ بِالعُسْرَةِ في دَيْنِ الرِّبا بِالنَّصِّ، وفي غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ بِالقِياسِ. وَفي قَوْلِهِ: ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو أنْ يُوسِرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: إلى المَوْتِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تُنْظِرُوهُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كانَ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِّبا، فَدَعُوا الرِّبا والرُّبْيَةَ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ أيِ اتَّقُوا بِالطّاعَةِ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَرْكِ الرِّبا وما بَقِيَ مِنهُ. وَ ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى جَزاءِ اللَّهِ. والثّانِي: إلى مُلْكِ اللَّهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: جَزاءُ ما كَسَبَتْ مِنَ الأعْمالِ. والثّانِي: ما كَسَبَتْ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَعْنِي بِنُقْصانِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ، ولا بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ. (p-٣٥٤) رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثَ بَعْدَها سَبْعَ لَيالٍ. »