Tafsir Al-Mawardi — الممتحنة 60:1 – التحريم 66:12
المحتويات
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
الممتحنة 60:1
(p-٥١٦)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أرادَ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ أظْهَرَ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، وكَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خارِجٌ إلَيْهِمْ وأرْسَلَ مَعَ امْرَأةٍ ذُكِرَ (p-٥١٧)أنَّها سارَّةُ مَوْلاةٌ لِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَأنْفَذَ عَلِيًّا وأبا مِرْثَدٍ، وقِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وقِيلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقالَ لَهُما، اذْهَبا إلى رَوْضَةِ خاخَ فَإنَّكم سَتَلْقَوْنَ بِها امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذاهُ وعُودا، فَأتَيا المَوْضِعَ فَوَجَداها والكِتابُ مَعَها، فَأخَذاهُ وعادا، فَإذا هو كِتابُ حاطِبٍ فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقالَ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، فَقالُوا: بَلى ولَكِنَّهُ قَدْ نَكَثَ وظاهَرَ أعْداءَكَ عَلَيْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَعَلَّ اللَّهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ [ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحاطِبٍ] ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ امْرَأً مُصَلَّقًا مِن قُرَيْشٍ وكانَ لِي بِها مالٌ فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَ حاطِبٌ فَلا تَقُولُوا لَهُ إلّا خَيْرًا.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها.
» وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تُعْلِمُونَهم سِرًّا أنَّ بَيْنَكم وبَيْنَهم مَوَدَّةً.
الثّانِي: تُعْلِمُونَهم سِرًّا بِأحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَوَدَّةٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم.
الممتحنة 60:2
(p-٥١٦)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أرادَ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ أظْهَرَ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، وكَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خارِجٌ إلَيْهِمْ وأرْسَلَ مَعَ امْرَأةٍ ذُكِرَ (p-٥١٧)أنَّها سارَّةُ مَوْلاةٌ لِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَأنْفَذَ عَلِيًّا وأبا مِرْثَدٍ، وقِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وقِيلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقالَ لَهُما، اذْهَبا إلى رَوْضَةِ خاخَ فَإنَّكم سَتَلْقَوْنَ بِها امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذاهُ وعُودا، فَأتَيا المَوْضِعَ فَوَجَداها والكِتابُ مَعَها، فَأخَذاهُ وعادا، فَإذا هو كِتابُ حاطِبٍ فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقالَ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، فَقالُوا: بَلى ولَكِنَّهُ قَدْ نَكَثَ وظاهَرَ أعْداءَكَ عَلَيْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَعَلَّ اللَّهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ [ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحاطِبٍ] ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ امْرَأً مُصَلَّقًا مِن قُرَيْشٍ وكانَ لِي بِها مالٌ فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَ حاطِبٌ فَلا تَقُولُوا لَهُ إلّا خَيْرًا.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها.
» وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تُعْلِمُونَهم سِرًّا أنَّ بَيْنَكم وبَيْنَهم مَوَدَّةً.
الثّانِي: تُعْلِمُونَهم سِرًّا بِأحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَوَدَّةٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم.
الممتحنة 60:3
(p-٥١٦)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أرادَ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ أظْهَرَ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، وكَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خارِجٌ إلَيْهِمْ وأرْسَلَ مَعَ امْرَأةٍ ذُكِرَ (p-٥١٧)أنَّها سارَّةُ مَوْلاةٌ لِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَأنْفَذَ عَلِيًّا وأبا مِرْثَدٍ، وقِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وقِيلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقالَ لَهُما، اذْهَبا إلى رَوْضَةِ خاخَ فَإنَّكم سَتَلْقَوْنَ بِها امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذاهُ وعُودا، فَأتَيا المَوْضِعَ فَوَجَداها والكِتابُ مَعَها، فَأخَذاهُ وعادا، فَإذا هو كِتابُ حاطِبٍ فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقالَ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، فَقالُوا: بَلى ولَكِنَّهُ قَدْ نَكَثَ وظاهَرَ أعْداءَكَ عَلَيْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَعَلَّ اللَّهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ [ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحاطِبٍ] ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ امْرَأً مُصَلَّقًا مِن قُرَيْشٍ وكانَ لِي بِها مالٌ فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَ حاطِبٌ فَلا تَقُولُوا لَهُ إلّا خَيْرًا.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها.
» وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تُعْلِمُونَهم سِرًّا أنَّ بَيْنَكم وبَيْنَهم مَوَدَّةً.
الثّانِي: تُعْلِمُونَهم سِرًّا بِأحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَوَدَّةٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم.
الممتحنة 60:4
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ أنَّهُ أرادَ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ، وفِيها وجْهانِ: (p-٥١٨)أحَدُهُما: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عِبْرَةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الكُفّارِ.
﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَتَبَرَّؤُوا مِنهم فَهَلّا تَبَرَّأْتَ أنْتَ يا حاطِبُ مِن كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلْتَهُ مِن مُكاتَبِتِهِمْ وإعْلامِهِمْ.
ثُمَّ قالَ ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: كَفَرْنا بِما آمَنتُمْ بِهِ مِنَ الأوْثانِ.
الثّانِي: بِأفْعالِكم وكَذَّبْنا بِها.
﴿وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَأسَّوْا بِإبْراهِيمَ في فِعْلِهِ واقْتَدُوا بِهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ فَلا تَقْتَدُوا بِهِ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ اسْتَثْنى أباهُ مِن قَوْمِهِ في الِاسْتِغْفارِ لَهُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتُنُونا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَنَصِيرُ فِتْنَةً لَهم فَيَقُولُوا لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الممتحنة 60:5
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ أنَّهُ أرادَ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ، وفِيها وجْهانِ: (p-٥١٨)أحَدُهُما: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عِبْرَةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الكُفّارِ.
﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَتَبَرَّؤُوا مِنهم فَهَلّا تَبَرَّأْتَ أنْتَ يا حاطِبُ مِن كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلْتَهُ مِن مُكاتَبِتِهِمْ وإعْلامِهِمْ.
ثُمَّ قالَ ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: كَفَرْنا بِما آمَنتُمْ بِهِ مِنَ الأوْثانِ.
الثّانِي: بِأفْعالِكم وكَذَّبْنا بِها.
﴿وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَأسَّوْا بِإبْراهِيمَ في فِعْلِهِ واقْتَدُوا بِهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ فَلا تَقْتَدُوا بِهِ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ اسْتَثْنى أباهُ مِن قَوْمِهِ في الِاسْتِغْفارِ لَهُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتُنُونا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَنَصِيرُ فِتْنَةً لَهم فَيَقُولُوا لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الممتحنة 60:6
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ أنَّهُ أرادَ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ، وفِيها وجْهانِ: (p-٥١٨)أحَدُهُما: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عِبْرَةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الكُفّارِ.
﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَتَبَرَّؤُوا مِنهم فَهَلّا تَبَرَّأْتَ أنْتَ يا حاطِبُ مِن كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلْتَهُ مِن مُكاتَبِتِهِمْ وإعْلامِهِمْ.
ثُمَّ قالَ ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: كَفَرْنا بِما آمَنتُمْ بِهِ مِنَ الأوْثانِ.
الثّانِي: بِأفْعالِكم وكَذَّبْنا بِها.
﴿وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَأسَّوْا بِإبْراهِيمَ في فِعْلِهِ واقْتَدُوا بِهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ فَلا تَقْتَدُوا بِهِ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ اسْتَثْنى أباهُ مِن قَوْمِهِ في الِاسْتِغْفارِ لَهُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتُنُونا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَنَصِيرُ فِتْنَةً لَهم فَيَقُولُوا لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الممتحنة 60:7
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أسْلَمُوا عامَ الفَتْحِ فَكانَتْ هي المَوَدَّةُ الَّتِي صارَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ إسْلامُ أبِي سُفْيانَ.
وَفي مَوَدَّتِهِ الَّتِي صارَتْ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: تَزْوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ فَكانَتْ هَذِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي سُفْيانَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الخِمارِ مُرْتَدًّا، فَقاتَلَهُ فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ في الرِّدَّةِ وجاهَدَ عَنِ الدِّينِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَوَدَّةَ، قالَهُ الزُّهَيْرِيُّ.
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ.
فِيهِمْ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا في أوَّلِ الأمْرِ عِنْدَ مُوادَعَةِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالقِتالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهم خُزاعَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ لَهم عَهْدٌ فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يَبَرُّوهم بِالوَفاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ لِأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يُقاتِلْ، فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى بِبِرِّهِمْ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قُتَيْلَةَ في الجاهِلِيَّةِ وهي أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِمْ في (p-٥٢٠)المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ فِيها المُهادَنَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَأهْدَتْ إلى أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قُرْطًا وأشْياءَ، فَكَرِهَتْ أنْ تَقْبَلَ مِنها حَتّى أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةُ.
» ﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي وتَعْدِلُوا فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ فَلا تَغْلَوْا في مُقارَبَتِهِمْ، ولا تُسْرِفُوا في مُباعَدَتِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنْ تُعْطُوهم قِسْطًا مِن أمْوالِكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الإنْفاقُ عَلى مَن وجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِنهم، ولا يَكُونُ اخْتِلافُ الدِّينِ مانِعًا مِنِ اسْتِحْقاقِها.
الممتحنة 60:8
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أسْلَمُوا عامَ الفَتْحِ فَكانَتْ هي المَوَدَّةُ الَّتِي صارَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ إسْلامُ أبِي سُفْيانَ.
وَفي مَوَدَّتِهِ الَّتِي صارَتْ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: تَزْوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ فَكانَتْ هَذِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي سُفْيانَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الخِمارِ مُرْتَدًّا، فَقاتَلَهُ فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ في الرِّدَّةِ وجاهَدَ عَنِ الدِّينِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَوَدَّةَ، قالَهُ الزُّهَيْرِيُّ.
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ.
فِيهِمْ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا في أوَّلِ الأمْرِ عِنْدَ مُوادَعَةِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالقِتالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهم خُزاعَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ لَهم عَهْدٌ فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يَبَرُّوهم بِالوَفاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ لِأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يُقاتِلْ، فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى بِبِرِّهِمْ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قُتَيْلَةَ في الجاهِلِيَّةِ وهي أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِمْ في (p-٥٢٠)المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ فِيها المُهادَنَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَأهْدَتْ إلى أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قُرْطًا وأشْياءَ، فَكَرِهَتْ أنْ تَقْبَلَ مِنها حَتّى أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةُ.
» ﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي وتَعْدِلُوا فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ فَلا تَغْلَوْا في مُقارَبَتِهِمْ، ولا تُسْرِفُوا في مُباعَدَتِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنْ تُعْطُوهم قِسْطًا مِن أمْوالِكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الإنْفاقُ عَلى مَن وجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِنهم، ولا يَكُونُ اخْتِلافُ الدِّينِ مانِعًا مِنِ اسْتِحْقاقِها.
الممتحنة 60:9
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أسْلَمُوا عامَ الفَتْحِ فَكانَتْ هي المَوَدَّةُ الَّتِي صارَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ إسْلامُ أبِي سُفْيانَ.
وَفي مَوَدَّتِهِ الَّتِي صارَتْ مِنهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: تَزْوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ فَكانَتْ هَذِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي سُفْيانَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الخِمارِ مُرْتَدًّا، فَقاتَلَهُ فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ في الرِّدَّةِ وجاهَدَ عَنِ الدِّينِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَوَدَّةَ، قالَهُ الزُّهَيْرِيُّ.
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ.
فِيهِمْ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا في أوَّلِ الأمْرِ عِنْدَ مُوادَعَةِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالقِتالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهم خُزاعَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ لَهم عَهْدٌ فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يَبَرُّوهم بِالوَفاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ لِأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يُقاتِلْ، فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى بِبِرِّهِمْ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قُتَيْلَةَ في الجاهِلِيَّةِ وهي أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِمْ في (p-٥٢٠)المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ فِيها المُهادَنَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَأهْدَتْ إلى أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قُرْطًا وأشْياءَ، فَكَرِهَتْ أنْ تَقْبَلَ مِنها حَتّى أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةُ.
» ﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي وتَعْدِلُوا فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ فَلا تَغْلَوْا في مُقارَبَتِهِمْ، ولا تُسْرِفُوا في مُباعَدَتِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنْ تُعْطُوهم قِسْطًا مِن أمْوالِكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الإنْفاقُ عَلى مَن وجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِنهم، ولا يَكُونُ اخْتِلافُ الدِّينِ مانِعًا مِنِ اسْتِحْقاقِها.
الممتحنة 60:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالِامْتِحانِ ظاهِرَ إيمانِهِنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ باطِنَ إيمانِهِنَّ، لِيَكُونَ الحُكْمُ عَلَيْهِنَّ مُعْتَبَرًا بِالظّاهِرِ وإنْ كانَ مُعْتَبَرًا بِالظّاهِرِ والباطِنِ.
والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ هادَنَ قُرَيْشًا عامَ الحُدَيْبِبَةِ فَقالَتْ قُرَيْشٌ عَلى أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن جاءَكَ مِنّا، ونَرُدُّ عَلَيْكَ مَن جاءَنا مِنكَ، فَقالَ عَلى أنْ أرُدَّ عَلَيْكم مَن جاءَنا مِنكم وتَرُدُّوا عَلَيْنا مَن جاءَكم مِنّا مِمَّنِ اخْتارَ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، (p-٥٢١)فَقَعَدَ الهُدْنَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلى هَذا إلى أنْ جاءَتْ مِنهُمُ امْرَأةٌ مُسْلِمَةٌ وجاؤُوا في طَلَبِها، واخْتُلِفَ فِيها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ كانَتْ عِنْدَ ثابِتِ بْنِ الدَّحْداحَةِ، فَفَرَّتْ مِنهُ وهو يَوْمَئِذٍ كافِرٌ، فَتَزَوَّجَها سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.
الثّانِي: أنَّها سَعِيدَةُ زَوْجُ صَيْفِيِّ بْنِ الرّاهِبِ مُشْرِكٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّها أُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
الرّابِعُ: أنَّها سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ جاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ فَراغِ النَّبِيِّ ﷺ مِن كِتابِ الهُدْنَةِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَجاءَ زَوْجُها واسْمُهُ مُسافِرٌ وهو مِن قَوْمِها في طَلَبِها، فَقالَ يا مُحَمَّدُ شَرَطْتَ لَنا رَدَّ النِّساءِ، وطِينُ الكِتابَ لَمْ يَجِفَّ، وهَذِهِ امْرَأتِي فارْدُدْها عَلَيَّ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
فَلَمّا طَلَبَ المُشْرِكُونَ رَدَّ مَن أسْلَمَ مِنَ النِّساءِ مَنَعَ اللَّهُ مِن رَدِّهِنَّ بَعْدَ امْتِحانِ إيمانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ دَخَلَ النِّساءُ في عَقْدِ الهُدْنَةِ لَفْظًا أوْ عُمُومًا: فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهم قَدْ كانَ شَرْطُ رَدِّهِنَّ في عَقْدِ الهُدْنَةِ لَفْظًا صَرِيحًا، فَنَسَخَ اللَّهُ رَدَّهُنَّ مِنَ العَقْدِ ومَنَعَ مِنهُ، وأبْقاهُ في الرِّجالِ عَلى ما كانَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ في الأحْكامِ ولَكِنْ لا يُقِرُّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى خَطَأٍ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لَمْ يَشْتَرِطْ رَدَّهُنَّ في العَقْدِ لَفْظًا وإنَّما أطْلَقَ العَقْدَ في رَدِّ مَن أسْلَمَ، فَكانَ ظاهِرُ العُمُومِ اشْتِمالَهُ عَلَيْهِنَّ مَعَ الرِّجالِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ خُرُوجَهُنَّ عَنِ العُمُومِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ ذَواتُ فُرُوجٍ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُنْ أرْأفُ قُلُوبًا وأسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنهم.
فَأمّا المُقِيمَةُ عَلى شِرْكِها فَمَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتْ مَن أرادَتْ مِنهُنَّ إضْرارَ زَوْجِها قالَتْ سَأُهاجِرُ إلى مُحَمَّدٍ فَلِذَلِكَ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِامْتِحانِهِنَّ.
واخْتُلِفَ فِيما كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ:
أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَمْتَحِنُها بِأنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ أنَّها ما خَرَجَتْ (p-٥٢٢)مِن بُغْضِ زَوْجِها ولا رَغْبَةً مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ ولا التِماسَ دُنْيا ولا عِشْقًا لِرَجُلٍ مِنّا، وما خَرَجَتْ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.
والثّانِي: بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الثّالِثُ: بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ في السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ يَعْنِي بِما في قُلُوبِهِنَّ بَعْدَ امْتِحانِهِنَّ.
﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ يَعْنِي أنَّ المُؤْمِناتِ مُحَرَّماتٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، والمُرْتَدّاتِ مُحَرَّماتٌ عَلى المُسْلِمِينَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ يَعْنِي بِما أنْفَقُوا مُهُورَ مَن أسْلَمَ مِنهُنَّ إذا سَألَ ذَلِكَ أزْواجُهُنَّ، وفي دَفْعِ ذَلِكَ إلى أهْلِهِنَّ مِن غَيْرِ أزْواجِهِنَّ قَوْلانِ: ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ يَعْنِي المُؤْمِناتِ اللّاتِي أسْلَمْنَ غَيْرَ أزْواجٍ مُشْرِكِينَ، أباحَ اللَّهُ نِكاحَهُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ أوْ كُنَّ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِنَّ.
﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ.
﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العِصْمَةَ الجَمالُ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّانِي: العَقْدُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
فَإذا أسْلَمَ الكافِرُ عَنْ وثَنِيَّةٍ لَمْ يُمْسِكْ بِعِصْمَتِها ولَمْ يُقِمْ نِكاحَها رَغْبَةً فِيها أوْ في قَوْمِها، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ نِكاحَها عَلَيْهِ والمُقامُ عَلَيْها ما لَمْ تُسْلِمْ في عِدَّتِها.
فَرَوى مُوسى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (p-٥٢٣)طُلِّقَتْ أرْوى بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الشِّرْكِ، وطَلَّقَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أبِي جَرْوَلَ الخُزاعِيَّةَ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ خالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ في الإسْلامِ.
﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ يَعْنِي أنَّ لِلْمُسْلِمِ إذا ارْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ إلى المُشْرِكِينَ مِن ذَوِي العَهْدِ المَذْكُورِ أنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَهْرِ زَوْجَتِهِ كَما ذَكَرْنا وأنَّ لِلْمُشْرِكِ أنْ يَرْجِعَ بِمَهْرِ زَوْجَتِهِ إذا أسْلَمَتْ فَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهم عَهْدٌ شُرِطَ فِيهِ الرَّدُّ فَلا يَرْجِعْ.
وَلا يَجُوزُ لِمَن بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأئِمَّةِ أنْ يَشْرُطَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ رَدَّ مَن أسْلَمَ لِأنَّ الرَّسُولَ كانَ عَلى وعْدٍ مِنَ اللَّهِ بِفَتْحِ بِلادِهِمْ ودُخُولِهِمْ في الإسْلامِ طَوْعًا وكَرْهًا فَجازَ لَهُ ما لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ.
﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ الآيَةَ.
والمَعْنى أنَّ مَن فاتَتْهُ زَوْجَتُهُ بِارْتِدادِها إلى أهْلِ العَهْدِ المَذْكُورِ ولَمْ يَصِلْ إلى مَهْرِها مِنهم ثُمَّ غَنِمَهُمُ المُسْلِمُونَ رَدُّوا عَلَيْهِ مَهْرَها.
وَفي المالِ الَّذِي يُرَدُّ مِنهُ هَذا المَهْرُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: مِن أمْوالِ غَنائِمِهِمْ لِاسْتِحْقاقِها عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن مالِ الفَيْءِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
الثّالِثُ: مِن صَداقِ مَن أسْلَمْنَ مِنهُنَّ عَنْ زَوْجٍ كافِرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أيْضًا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ غَنِمْتُمْ لِأخْذِهِ مِن مُعاقَبَةِ الغَزْوِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَعْناهُ فَأصَبْتُمْ مِن عاقِبَةِ مَن قُتِلَ أوْ سُبِيَ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: عاقَبْتُمُ المُرْتَدَّةَ بِالقَتْلِ فَلِزَوْجِها مَهْرُها مِن غَنائِمِ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَهَذا مَنسُوخٌ لِنَسْخِ الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهم بِالحُدَيْبِيَةِ، وقالَ عَطاءٌ بَلْ حُكْمُها ثابِتٌ.
الممتحنة 60:11
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالِامْتِحانِ ظاهِرَ إيمانِهِنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ باطِنَ إيمانِهِنَّ، لِيَكُونَ الحُكْمُ عَلَيْهِنَّ مُعْتَبَرًا بِالظّاهِرِ وإنْ كانَ مُعْتَبَرًا بِالظّاهِرِ والباطِنِ.
والسَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ هادَنَ قُرَيْشًا عامَ الحُدَيْبِبَةِ فَقالَتْ قُرَيْشٌ عَلى أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن جاءَكَ مِنّا، ونَرُدُّ عَلَيْكَ مَن جاءَنا مِنكَ، فَقالَ عَلى أنْ أرُدَّ عَلَيْكم مَن جاءَنا مِنكم وتَرُدُّوا عَلَيْنا مَن جاءَكم مِنّا مِمَّنِ اخْتارَ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، (p-٥٢١)فَقَعَدَ الهُدْنَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلى هَذا إلى أنْ جاءَتْ مِنهُمُ امْرَأةٌ مُسْلِمَةٌ وجاؤُوا في طَلَبِها، واخْتُلِفَ فِيها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ كانَتْ عِنْدَ ثابِتِ بْنِ الدَّحْداحَةِ، فَفَرَّتْ مِنهُ وهو يَوْمَئِذٍ كافِرٌ، فَتَزَوَّجَها سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.
الثّانِي: أنَّها سَعِيدَةُ زَوْجُ صَيْفِيِّ بْنِ الرّاهِبِ مُشْرِكٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّها أُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
الرّابِعُ: أنَّها سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ جاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ فَراغِ النَّبِيِّ ﷺ مِن كِتابِ الهُدْنَةِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَجاءَ زَوْجُها واسْمُهُ مُسافِرٌ وهو مِن قَوْمِها في طَلَبِها، فَقالَ يا مُحَمَّدُ شَرَطْتَ لَنا رَدَّ النِّساءِ، وطِينُ الكِتابَ لَمْ يَجِفَّ، وهَذِهِ امْرَأتِي فارْدُدْها عَلَيَّ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
فَلَمّا طَلَبَ المُشْرِكُونَ رَدَّ مَن أسْلَمَ مِنَ النِّساءِ مَنَعَ اللَّهُ مِن رَدِّهِنَّ بَعْدَ امْتِحانِ إيمانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ دَخَلَ النِّساءُ في عَقْدِ الهُدْنَةِ لَفْظًا أوْ عُمُومًا: فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهم قَدْ كانَ شَرْطُ رَدِّهِنَّ في عَقْدِ الهُدْنَةِ لَفْظًا صَرِيحًا، فَنَسَخَ اللَّهُ رَدَّهُنَّ مِنَ العَقْدِ ومَنَعَ مِنهُ، وأبْقاهُ في الرِّجالِ عَلى ما كانَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ في الأحْكامِ ولَكِنْ لا يُقِرُّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى خَطَأٍ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لَمْ يَشْتَرِطْ رَدَّهُنَّ في العَقْدِ لَفْظًا وإنَّما أطْلَقَ العَقْدَ في رَدِّ مَن أسْلَمَ، فَكانَ ظاهِرُ العُمُومِ اشْتِمالَهُ عَلَيْهِنَّ مَعَ الرِّجالِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ خُرُوجَهُنَّ عَنِ العُمُومِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ ذَواتُ فُرُوجٍ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُنْ أرْأفُ قُلُوبًا وأسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنهم.
فَأمّا المُقِيمَةُ عَلى شِرْكِها فَمَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتْ مَن أرادَتْ مِنهُنَّ إضْرارَ زَوْجِها قالَتْ سَأُهاجِرُ إلى مُحَمَّدٍ فَلِذَلِكَ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِامْتِحانِهِنَّ.
واخْتُلِفَ فِيما كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ:
أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَمْتَحِنُها بِأنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ أنَّها ما خَرَجَتْ (p-٥٢٢)مِن بُغْضِ زَوْجِها ولا رَغْبَةً مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ ولا التِماسَ دُنْيا ولا عِشْقًا لِرَجُلٍ مِنّا، وما خَرَجَتْ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.
والثّانِي: بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الثّالِثُ: بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ في السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ يَعْنِي بِما في قُلُوبِهِنَّ بَعْدَ امْتِحانِهِنَّ.
﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ يَعْنِي أنَّ المُؤْمِناتِ مُحَرَّماتٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، والمُرْتَدّاتِ مُحَرَّماتٌ عَلى المُسْلِمِينَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ يَعْنِي بِما أنْفَقُوا مُهُورَ مَن أسْلَمَ مِنهُنَّ إذا سَألَ ذَلِكَ أزْواجُهُنَّ، وفي دَفْعِ ذَلِكَ إلى أهْلِهِنَّ مِن غَيْرِ أزْواجِهِنَّ قَوْلانِ: ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ يَعْنِي المُؤْمِناتِ اللّاتِي أسْلَمْنَ غَيْرَ أزْواجٍ مُشْرِكِينَ، أباحَ اللَّهُ نِكاحَهُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ أوْ كُنَّ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِنَّ.
﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ.
﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العِصْمَةَ الجَمالُ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّانِي: العَقْدُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
فَإذا أسْلَمَ الكافِرُ عَنْ وثَنِيَّةٍ لَمْ يُمْسِكْ بِعِصْمَتِها ولَمْ يُقِمْ نِكاحَها رَغْبَةً فِيها أوْ في قَوْمِها، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ نِكاحَها عَلَيْهِ والمُقامُ عَلَيْها ما لَمْ تُسْلِمْ في عِدَّتِها.
فَرَوى مُوسى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (p-٥٢٣)طُلِّقَتْ أرْوى بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الشِّرْكِ، وطَلَّقَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أبِي جَرْوَلَ الخُزاعِيَّةَ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ خالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ في الإسْلامِ.
﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ يَعْنِي أنَّ لِلْمُسْلِمِ إذا ارْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ إلى المُشْرِكِينَ مِن ذَوِي العَهْدِ المَذْكُورِ أنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَهْرِ زَوْجَتِهِ كَما ذَكَرْنا وأنَّ لِلْمُشْرِكِ أنْ يَرْجِعَ بِمَهْرِ زَوْجَتِهِ إذا أسْلَمَتْ فَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهم عَهْدٌ شُرِطَ فِيهِ الرَّدُّ فَلا يَرْجِعْ.
وَلا يَجُوزُ لِمَن بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأئِمَّةِ أنْ يَشْرُطَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ رَدَّ مَن أسْلَمَ لِأنَّ الرَّسُولَ كانَ عَلى وعْدٍ مِنَ اللَّهِ بِفَتْحِ بِلادِهِمْ ودُخُولِهِمْ في الإسْلامِ طَوْعًا وكَرْهًا فَجازَ لَهُ ما لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ.
﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ الآيَةَ.
والمَعْنى أنَّ مَن فاتَتْهُ زَوْجَتُهُ بِارْتِدادِها إلى أهْلِ العَهْدِ المَذْكُورِ ولَمْ يَصِلْ إلى مَهْرِها مِنهم ثُمَّ غَنِمَهُمُ المُسْلِمُونَ رَدُّوا عَلَيْهِ مَهْرَها.
وَفي المالِ الَّذِي يُرَدُّ مِنهُ هَذا المَهْرُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: مِن أمْوالِ غَنائِمِهِمْ لِاسْتِحْقاقِها عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن مالِ الفَيْءِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
الثّالِثُ: مِن صَداقِ مَن أسْلَمْنَ مِنهُنَّ عَنْ زَوْجٍ كافِرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أيْضًا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ غَنِمْتُمْ لِأخْذِهِ مِن مُعاقَبَةِ الغَزْوِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَعْناهُ فَأصَبْتُمْ مِن عاقِبَةِ مَن قُتِلَ أوْ سُبِيَ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: عاقَبْتُمُ المُرْتَدَّةَ بِالقَتْلِ فَلِزَوْجِها مَهْرُها مِن غَنائِمِ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَهَذا مَنسُوخٌ لِنَسْخِ الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهم بِالحُدَيْبِيَةِ، وقالَ عَطاءٌ بَلْ حُكْمُها ثابِتٌ.
الممتحنة 60:12
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ وبايَعَهُ الرِّجالُ جاءَتِ النِّساءُ بَعْدَهم لِلْبَيْعَةِ فَبايَعَهُنَّ.
واخْتُلِفَ في بَيْعَتِهِ لَهُنَّ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ جَلَسَ عَلى الصَّفا [وَمَعَهُ عُمَرُ أسْفَلَ مِنهُ] فَأمَرَهُ أنْ يُبايِعَ النِّساءَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ أُمَيْمَةَ أُخْتَ خَدِيجَةَ خالَةَ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ بايَعَتْهُ، أنْ تُبايِعَ النِّساءَ عَنْهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ أُمَيْمَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بايَعَهُنَّ بِنَفْسِهِ وعَلى يَدِهِ ثَوْبٌ قَدْ وضَعَهُ عَلى كَفِّهِ، قالَهُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ.
وَقِيلَ بَلْ وضَعَ قَعْبًا فِيهِ ماءٌ وغَمَسَ فِيهِ يَدَهُ وأمَرَهُنَّ فَغَمَسْنَ أيْدِيَهُنَّ، فَكانَتْ هَذِهِ بَيْعَةُ النِّساءِ.
فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى بَيْعَتِهِنَّ ولَسْنَ مِن أهْلِ الجِهادِ فَتُؤْخَذُ عَلَيْهِنَّ البَيْعَةُ كالرِّجالِ؟ قِيلَ: كانَتْ بَيْعَتُهُ لَهُنَّ تَعْرِيفًا لَهُنَّ بِما عَلَيْهِنَّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ أزْواجِهِنَّ لِأنَّهُنَّ دَخَلْنَ في الشَّرْعِ ولَمْ يَعْرِفْنَ حُكْمَهُ فَبَيَّنَهُ لَهُنَّ، وكانَ أوَّلُ ما أخَذَهُ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا تَوْحِيدًا لَهُ ومَنعًا لِعِبادَةِ غَيْرِهِ.
﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ فَرَوى «أنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ كانَتْ مُتَنَكِّرَةً عِنْدَ أخْذِ البَيْعَةِ عَلى (p-٥٢٥)النِّساءِ خِيفَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما صَنَعَتْهُ بِحَمْزَةَ وأكْلِها كَبِدَهُ، فَقالَتْ حِينَ سَمِعَتْهُ في أخْذِ البَيْعَةِ عَلَيْهِنَّ يَقُولُ " لا يَسْرِقْنَ " واللَّهِ إنِّي لا أُصِيبُ مِن أبِي سُفْيانَ إلّا قُوتَنا ما أدْرِي أيَحِلُّ لِي أمْ لا، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِمّا مَضى أوْ قَدْ بَقِيَ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَفَها فَقالَ: (أنْتِ هِنْدٌ ؟ فَقالَتْ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ.
ثُمَّ قالَ ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ فَقالَتْ هِنْدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ أوَ تَزْنِي الحُرَّةُ؟
ثُمَّ قالَ ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَئِدُ البَناتَ، فَقالَتْ هِنْدٌ: أنْتَ قَتَلْتَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأنْتَ وهم أبْصَرُ.
»
وَرَوى مُقاتِلٌ أنَّها قالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا وقَتَلْتُوهم كِبارًا فَأنْتُمْ وهم أعْلَمُ، فَضَحِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى اسْتَلْقى.
﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُ السِّحْرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: المَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ والسَّعْيُ في الفَسادِ.
والثّالِثُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ألّا يَلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِنَّ لِأنَّ الزَّوْجَةَ كانَتْ تَلْتَقِطُ ولَدًا وتُلْحِقُهُ بِزَوْجِها ولَدًا، ومَعْنى ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ﴾ ما أخَذَتْهُ لَقِيطًا، ﴿وَأرْجُلِهِنَّ﴾ ما ولَدَتْهُ مِن زِنًى، ورُوِيَ أنَّ هِنْدًا لَمّا سَمِعَتْ ذَلِكَ قالَتْ: واللَّهِ إنَّ البُهْتانَ لَأمْرٌ قَبِيحٌ، وما تَأْمُرُ إلّا بِالأرْشَدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ.
ثُمَّ قالَ ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الَمَعْرُوفَ هاهُنا الطّاعَةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
الثّانِي: ما رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ قالَ: هو النَّوْحُ.
»
الثّالِثُ: أنَّ مِنَ المَعْرُوفِ ألّا تَخْمِشَ وجْهَها ولا تَنْشُرَ شَعْرَها ولا تَشُقَّ جَيْبًا ولا تَدْعُو ويْلًا، قالَهُ أسِيدُ بْنُ أبِي أسِيدٍ.
(p-٥٢٦)الرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَعْرُوفٍ أمَرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
فَرُوِيَ أنَّ هِنْدًا قالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ما جَلَسْنا في مَجْلِسِنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنْ نُعْطِيكَ مِن شَيْءٍ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ طاعَةَ الوُلاةِ إنَّما تَلْزَمُ في المَعْرُوفِ المُباحِ دُونَ المُنْكَرِ المَحْظُورِ.
الممتحنة 60:13
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَئِسُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن بَعْثِ مَن في القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: قَدْ يَئِسُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ أصْحابُ القُبُورِ بَعْدَ المُعايَنَةِ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ لِأنَّهم تَيَقَّنُوا العَذابَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: قَدْ يَئِسُوا مِنَ البَعْثِ والرَّجْعَةِ كَما يَئِسَ مِنها مَن ماتَ مِنهم وقُبِرَ.
الرّابِعُ: يَئِسُوا أنْ يَكُونَ لَهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ كَما يَئِسُوا أنْ يَنالَهم مِن أصْحابِ القُبُورِ خَيْرٌ.
الصف 61:1
(p-٥٢٧)سُورَةُ الصَّفِّ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَوْ عَمَلُنا أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَسارَعْنا إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الجِهادِ تَثاقَلُوا عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ يَقُولُ الرَّجُالُ مِنهُمْ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ، ولَمْ يَطْعَنْ، وضَرَبْتُ، ولَمْ يَضْرِبْ وصَبَرْتُ، ولَمْ يَصْبِرْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأصْحابِهِ إنْ خَرَجْتُمْ وقاتَلْتُمْ خَرَجْنا مَعَكم وقاتَلْنا فَلَمّا خَرَجُوا نَكَصُوا عَنْهم وتَخَلَّفُوا.
وَهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الإنْكارَ لِمَن قالَ ما لا يَفْعَلُ فالمُرادُ بِها الإنْكارُ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ ما قالَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِها القِيامُ بِحُقُوقِ الِالتِيامِ دُونَ إسْقاطِهِ.
(p-٥٢٨)﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ صُفُوفًا كالصَّلاةِ، لِأنَّهم إذا اصْطَفُّوا مَثَلًا صَفَّيْنِ كانَ أثْبَتَ لَهم وأمْنَعَ مِن عَدُوِّهِمْ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَرْصُوصَ المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ لا تَرى فِيهِ كُوَّةً ولا ثُقْبًا لِأنَّ ذَلِكَ أحْكَمُ في البِناءِ مِن تَفَرُّقِهِ وكَذَلِكَ الصُّفُوفُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ
؎ وأشْجَرَ مَرْصُوصٍ بِطِينٍ وجَنْدَلِ لَهُ شَرَفاتٌ فَوْقَهُنَّ نَصائِبُ
والثّانِي: أنَّ المَرْصُوصَ المَبْنِيَّ بِالرَّصاصِ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ ما لَقِيَ البِيضُ مِنَ الحُرْقُوصِ ∗∗∗ يَفْتَحُ بابَ المُغْلَقِ المَرْصُوصِ
الصف 61:2
(p-٥٢٧)سُورَةُ الصَّفِّ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَوْ عَمَلُنا أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَسارَعْنا إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الجِهادِ تَثاقَلُوا عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ يَقُولُ الرَّجُالُ مِنهُمْ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ، ولَمْ يَطْعَنْ، وضَرَبْتُ، ولَمْ يَضْرِبْ وصَبَرْتُ، ولَمْ يَصْبِرْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأصْحابِهِ إنْ خَرَجْتُمْ وقاتَلْتُمْ خَرَجْنا مَعَكم وقاتَلْنا فَلَمّا خَرَجُوا نَكَصُوا عَنْهم وتَخَلَّفُوا.
وَهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الإنْكارَ لِمَن قالَ ما لا يَفْعَلُ فالمُرادُ بِها الإنْكارُ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ ما قالَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِها القِيامُ بِحُقُوقِ الِالتِيامِ دُونَ إسْقاطِهِ.
(p-٥٢٨)﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ صُفُوفًا كالصَّلاةِ، لِأنَّهم إذا اصْطَفُّوا مَثَلًا صَفَّيْنِ كانَ أثْبَتَ لَهم وأمْنَعَ مِن عَدُوِّهِمْ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَرْصُوصَ المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ لا تَرى فِيهِ كُوَّةً ولا ثُقْبًا لِأنَّ ذَلِكَ أحْكَمُ في البِناءِ مِن تَفَرُّقِهِ وكَذَلِكَ الصُّفُوفُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ
؎ وأشْجَرَ مَرْصُوصٍ بِطِينٍ وجَنْدَلِ لَهُ شَرَفاتٌ فَوْقَهُنَّ نَصائِبُ
والثّانِي: أنَّ المَرْصُوصَ المَبْنِيَّ بِالرَّصاصِ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ ما لَقِيَ البِيضُ مِنَ الحُرْقُوصِ ∗∗∗ يَفْتَحُ بابَ المُغْلَقِ المَرْصُوصِ
الصف 61:3
(p-٥٢٧)سُورَةُ الصَّفِّ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَوْ عَمَلُنا أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَسارَعْنا إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الجِهادِ تَثاقَلُوا عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ يَقُولُ الرَّجُالُ مِنهُمْ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ، ولَمْ يَطْعَنْ، وضَرَبْتُ، ولَمْ يَضْرِبْ وصَبَرْتُ، ولَمْ يَصْبِرْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأصْحابِهِ إنْ خَرَجْتُمْ وقاتَلْتُمْ خَرَجْنا مَعَكم وقاتَلْنا فَلَمّا خَرَجُوا نَكَصُوا عَنْهم وتَخَلَّفُوا.
وَهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الإنْكارَ لِمَن قالَ ما لا يَفْعَلُ فالمُرادُ بِها الإنْكارُ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ ما قالَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِها القِيامُ بِحُقُوقِ الِالتِيامِ دُونَ إسْقاطِهِ.
(p-٥٢٨)﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ صُفُوفًا كالصَّلاةِ، لِأنَّهم إذا اصْطَفُّوا مَثَلًا صَفَّيْنِ كانَ أثْبَتَ لَهم وأمْنَعَ مِن عَدُوِّهِمْ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَرْصُوصَ المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ لا تَرى فِيهِ كُوَّةً ولا ثُقْبًا لِأنَّ ذَلِكَ أحْكَمُ في البِناءِ مِن تَفَرُّقِهِ وكَذَلِكَ الصُّفُوفُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ
؎ وأشْجَرَ مَرْصُوصٍ بِطِينٍ وجَنْدَلِ لَهُ شَرَفاتٌ فَوْقَهُنَّ نَصائِبُ
والثّانِي: أنَّ المَرْصُوصَ المَبْنِيَّ بِالرَّصاصِ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ ما لَقِيَ البِيضُ مِنَ الحُرْقُوصِ ∗∗∗ يَفْتَحُ بابَ المُغْلَقِ المَرْصُوصِ
الصف 61:4
(p-٥٢٧)سُورَةُ الصَّفِّ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَوْ عَمَلُنا أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَسارَعْنا إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الجِهادِ تَثاقَلُوا عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ يَقُولُ الرَّجُالُ مِنهُمْ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ، ولَمْ يَطْعَنْ، وضَرَبْتُ، ولَمْ يَضْرِبْ وصَبَرْتُ، ولَمْ يَصْبِرْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأصْحابِهِ إنْ خَرَجْتُمْ وقاتَلْتُمْ خَرَجْنا مَعَكم وقاتَلْنا فَلَمّا خَرَجُوا نَكَصُوا عَنْهم وتَخَلَّفُوا.
وَهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الإنْكارَ لِمَن قالَ ما لا يَفْعَلُ فالمُرادُ بِها الإنْكارُ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ ما قالَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِها القِيامُ بِحُقُوقِ الِالتِيامِ دُونَ إسْقاطِهِ.
(p-٥٢٨)﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ صُفُوفًا كالصَّلاةِ، لِأنَّهم إذا اصْطَفُّوا مَثَلًا صَفَّيْنِ كانَ أثْبَتَ لَهم وأمْنَعَ مِن عَدُوِّهِمْ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَرْصُوصَ المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ لا تَرى فِيهِ كُوَّةً ولا ثُقْبًا لِأنَّ ذَلِكَ أحْكَمُ في البِناءِ مِن تَفَرُّقِهِ وكَذَلِكَ الصُّفُوفُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ
؎ وأشْجَرَ مَرْصُوصٍ بِطِينٍ وجَنْدَلِ لَهُ شَرَفاتٌ فَوْقَهُنَّ نَصائِبُ
والثّانِي: أنَّ المَرْصُوصَ المَبْنِيَّ بِالرَّصاصِ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ ما لَقِيَ البِيضُ مِنَ الحُرْقُوصِ ∗∗∗ يَفْتَحُ بابَ المُغْلَقِ المَرْصُوصِ
الصف 61:5
﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وفي الزَّيْغِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العُدُولُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ المَيْلُ، إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الزَّيْغِ عَنِ الحَقِّ دُونَ الباطِلِ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلُهُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فَلَمّا زاغُوا عَنِ الطّاعَةِ أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الهِدايَةِ.
الثّانِي: فَلَمّا زاغُوا عَنِ الإيمانِ أزاغَ قُلُوبَهم عَنِ الكَلامِ.
(p-٥٢٩)وَفِي المَعْنِيِّ بِهَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: المُنافِقُونَ.
الثّانِي: الخَوارِجُ، قالَهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أبِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ.
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ وهَذِهِ البُشْرى مِن عِيسى تَتَضَمَّنُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: تَبْلِيغُ ذَلِكَ إلى قَوْمِهِ لِيُؤْمِنُوا بِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونَ مِنهُ بَعْدَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ إلّا عَنْ أمْرٍ بِتَبْلِيغٍ ذَلِكَ إلى أُمَّتِهِ.
الثّانِي: لِيَكُونَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ عِيسى عِنْدَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَقْتَصِرَ عِيسى فِيهِ عَلى إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ دُونَ أمْرِهِ بِالبَلاغِ.
وَفي تَسْمِيَةِ اللَّهِ لَهُ بِأحْمَدَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ فَكانَ يُسَمّى أحْمَدُ ومُحَمَّدًا قالَ حَسّانٌ
؎ صَلّى الإلَهُ ومَن يَحِفُّ بِعَرْشِهِ والطَّيِّبُونَ عَلى المُبارَكِ أحْمَدَ
الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِهِ مَحْمُودٍ، فَصارَ الِاشْتِقاقُ اسْمًا، كَما قالَ حَسّانٌ
؎ وشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدٌ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (اسْمِي في التَّوْراةِ أحْيَدُ لِأنِّي أُحِيدُ أُمَّتِي عَنِ النّارِ، واسْمِي في الزَّبُورِ الماحِي مَحا اللَّهُ بِي عِبادَةَ الأصْنامِ، واسْمِي في الإنْجِيلِ أحْمَدُ، واسْمِي في القُرْآنِ مُحَمَّدٌ لِأنِّي مَحْمُودٌ في أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ.
»
الصف 61:6
﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وفي الزَّيْغِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ العُدُولُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ المَيْلُ، إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الزَّيْغِ عَنِ الحَقِّ دُونَ الباطِلِ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلُهُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فَلَمّا زاغُوا عَنِ الطّاعَةِ أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الهِدايَةِ.
الثّانِي: فَلَمّا زاغُوا عَنِ الإيمانِ أزاغَ قُلُوبَهم عَنِ الكَلامِ.
(p-٥٢٩)وَفِي المَعْنِيِّ بِهَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: المُنافِقُونَ.
الثّانِي: الخَوارِجُ، قالَهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أبِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ.
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ وهَذِهِ البُشْرى مِن عِيسى تَتَضَمَّنُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: تَبْلِيغُ ذَلِكَ إلى قَوْمِهِ لِيُؤْمِنُوا بِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونَ مِنهُ بَعْدَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ إلّا عَنْ أمْرٍ بِتَبْلِيغٍ ذَلِكَ إلى أُمَّتِهِ.
الثّانِي: لِيَكُونَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ عِيسى عِنْدَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَقْتَصِرَ عِيسى فِيهِ عَلى إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ دُونَ أمْرِهِ بِالبَلاغِ.
وَفي تَسْمِيَةِ اللَّهِ لَهُ بِأحْمَدَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ فَكانَ يُسَمّى أحْمَدُ ومُحَمَّدًا قالَ حَسّانٌ
؎ صَلّى الإلَهُ ومَن يَحِفُّ بِعَرْشِهِ والطَّيِّبُونَ عَلى المُبارَكِ أحْمَدَ
الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِهِ مَحْمُودٍ، فَصارَ الِاشْتِقاقُ اسْمًا، كَما قالَ حَسّانٌ
؎ وشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدٌ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (اسْمِي في التَّوْراةِ أحْيَدُ لِأنِّي أُحِيدُ أُمَّتِي عَنِ النّارِ، واسْمِي في الزَّبُورِ الماحِي مَحا اللَّهُ بِي عِبادَةَ الأصْنامِ، واسْمِي في الإنْجِيلِ أحْمَدُ، واسْمِي في القُرْآنِ مُحَمَّدٌ لِأنِّي مَحْمُودٌ في أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ.
»
الصف 61:7
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ قالَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ العُزّى واللّاتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ.
والإطْفاءُ هو الإخْمادُ، ويُسْتَعْمَلانِ في النّارِ، ويُسْتَعارانِ فِيما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الضِّياءِ والنُّورِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الإطْفاءِ والإخْمادِ مِن وجْهٍ وهو أنَّ الإطْفاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والإخْمادُ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، فَيُقالُ أطْفَأْتُ السِّراجَ ولا يُقالُ أخْمَدْتُ السِّراجَ.
وَفي ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ هاهُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: القُرْآنُ، يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، يُرِيدُونَ دَفْعَهُ بِالكَلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ يُرِيدُونَ هَلاكَهُ بِالأراجِيفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، يُرِيدُونَ إبْطالَها بِإنْكارِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، أيْ مَن أرادَ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ فَوَجَدَهُ مُسْتَحِيلًا مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ مَن أرادَ إبْطالَ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حَكاهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: يا مَعَشْرَ اليَهُودِ أبْشِرُوا فَقَدْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ مُحَمَّدٍ فِيما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُتِمَّ أمْرَهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ اتَّصَلَ الوَحْيُ بَعْدَها.
» ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآيَةَ.
وَفي الإظْهارِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ.
(p-٥٣١)الثّانِي: العُلُوُّ عَلى الأدْيانِ.
الثّالِثُ: العِلْمُ بِالأدْيانِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ ظَهَرْتُ عَلى سِرِّهِ أيْ عَلِمْتُ بِهِ.
الصف 61:8
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ قالَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ العُزّى واللّاتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ.
والإطْفاءُ هو الإخْمادُ، ويُسْتَعْمَلانِ في النّارِ، ويُسْتَعارانِ فِيما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الضِّياءِ والنُّورِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الإطْفاءِ والإخْمادِ مِن وجْهٍ وهو أنَّ الإطْفاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والإخْمادُ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، فَيُقالُ أطْفَأْتُ السِّراجَ ولا يُقالُ أخْمَدْتُ السِّراجَ.
وَفي ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ هاهُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: القُرْآنُ، يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، يُرِيدُونَ دَفْعَهُ بِالكَلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ يُرِيدُونَ هَلاكَهُ بِالأراجِيفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، يُرِيدُونَ إبْطالَها بِإنْكارِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، أيْ مَن أرادَ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ فَوَجَدَهُ مُسْتَحِيلًا مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ مَن أرادَ إبْطالَ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حَكاهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: يا مَعَشْرَ اليَهُودِ أبْشِرُوا فَقَدْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ مُحَمَّدٍ فِيما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُتِمَّ أمْرَهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ اتَّصَلَ الوَحْيُ بَعْدَها.
» ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآيَةَ.
وَفي الإظْهارِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ.
(p-٥٣١)الثّانِي: العُلُوُّ عَلى الأدْيانِ.
الثّالِثُ: العِلْمُ بِالأدْيانِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ ظَهَرْتُ عَلى سِرِّهِ أيْ عَلِمْتُ بِهِ.
الصف 61:9
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ قالَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ العُزّى واللّاتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ.
والإطْفاءُ هو الإخْمادُ، ويُسْتَعْمَلانِ في النّارِ، ويُسْتَعارانِ فِيما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الضِّياءِ والنُّورِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الإطْفاءِ والإخْمادِ مِن وجْهٍ وهو أنَّ الإطْفاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والإخْمادُ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، فَيُقالُ أطْفَأْتُ السِّراجَ ولا يُقالُ أخْمَدْتُ السِّراجَ.
وَفي ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ هاهُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: القُرْآنُ، يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، يُرِيدُونَ دَفْعَهُ بِالكَلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ يُرِيدُونَ هَلاكَهُ بِالأراجِيفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، يُرِيدُونَ إبْطالَها بِإنْكارِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، أيْ مَن أرادَ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ فَوَجَدَهُ مُسْتَحِيلًا مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ مَن أرادَ إبْطالَ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حَكاهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: يا مَعَشْرَ اليَهُودِ أبْشِرُوا فَقَدْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ مُحَمَّدٍ فِيما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُتِمَّ أمْرَهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ اتَّصَلَ الوَحْيُ بَعْدَها.
» ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآيَةَ.
وَفي الإظْهارِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ:
أحَدُها: الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ.
(p-٥٣١)الثّانِي: العُلُوُّ عَلى الأدْيانِ.
الثّالِثُ: العِلْمُ بِالأدْيانِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ ظَهَرْتُ عَلى سِرِّهِ أيْ عَلِمْتُ بِهِ.
الصف 61:10
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ، لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالجَنَّةِ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ عُلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُرِيدُ عاجِلَ النَّصْرِ لِقاءَ رَغْبَةٍ في الدُّنْيا ولِقاءَ تَأْيِيدِ الدِّينِ فَوَعَدَهم بِما يُقَوِّي بِهِ الرَّغْبَةَ فَقالَ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يَعْنِي فَتْحَ البِلادِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ في كِلا الأمْرَيْنِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿قَرِيبٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى ما يُحِبُّونَهُ أنَّهُ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ ما يُحِبُّونَهُ مِن ذَلِكَ سَيَكُونُ قَرِيبًا، فَكانَ كَما أخْبَرَ لِأنَّهُ عَجَّلَ لَهْمُ الفَتْحَ والنَّصْرَ
الصف 61:11
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ، لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالجَنَّةِ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ عُلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُرِيدُ عاجِلَ النَّصْرِ لِقاءَ رَغْبَةٍ في الدُّنْيا ولِقاءَ تَأْيِيدِ الدِّينِ فَوَعَدَهم بِما يُقَوِّي بِهِ الرَّغْبَةَ فَقالَ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يَعْنِي فَتْحَ البِلادِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ في كِلا الأمْرَيْنِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿قَرِيبٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى ما يُحِبُّونَهُ أنَّهُ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ ما يُحِبُّونَهُ مِن ذَلِكَ سَيَكُونُ قَرِيبًا، فَكانَ كَما أخْبَرَ لِأنَّهُ عَجَّلَ لَهْمُ الفَتْحَ والنَّصْرَ
الصف 61:12
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ، لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالجَنَّةِ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ عُلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُرِيدُ عاجِلَ النَّصْرِ لِقاءَ رَغْبَةٍ في الدُّنْيا ولِقاءَ تَأْيِيدِ الدِّينِ فَوَعَدَهم بِما يُقَوِّي بِهِ الرَّغْبَةَ فَقالَ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يَعْنِي فَتْحَ البِلادِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ في كِلا الأمْرَيْنِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿قَرِيبٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى ما يُحِبُّونَهُ أنَّهُ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ ما يُحِبُّونَهُ مِن ذَلِكَ سَيَكُونُ قَرِيبًا، فَكانَ كَما أخْبَرَ لِأنَّهُ عَجَّلَ لَهْمُ الفَتْحَ والنَّصْرَ
الصف 61:13
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ، لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالجَنَّةِ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ عُلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُرِيدُ عاجِلَ النَّصْرِ لِقاءَ رَغْبَةٍ في الدُّنْيا ولِقاءَ تَأْيِيدِ الدِّينِ فَوَعَدَهم بِما يُقَوِّي بِهِ الرَّغْبَةَ فَقالَ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يَعْنِي فَتْحَ البِلادِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ في كِلا الأمْرَيْنِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿قَرِيبٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى ما يُحِبُّونَهُ أنَّهُ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ ما يُحِبُّونَهُ مِن ذَلِكَ سَيَكُونُ قَرِيبًا، فَكانَ كَما أخْبَرَ لِأنَّهُ عَجَّلَ لَهْمُ الفَتْحَ والنَّصْرَ
الصف 61:14
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ، لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالجَنَّةِ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ عُلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُرِيدُ عاجِلَ النَّصْرِ لِقاءَ رَغْبَةٍ في الدُّنْيا ولِقاءَ تَأْيِيدِ الدِّينِ فَوَعَدَهم بِما يُقَوِّي بِهِ الرَّغْبَةَ فَقالَ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يَعْنِي فَتْحَ البِلادِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ في كِلا الأمْرَيْنِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿قَرِيبٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى ما يُحِبُّونَهُ أنَّهُ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ ما يُحِبُّونَهُ مِن ذَلِكَ سَيَكُونُ قَرِيبًا، فَكانَ كَما أخْبَرَ لِأنَّهُ عَجَّلَ لَهْمُ الفَتْحَ والنَّصْرَ
الجمعة 62:1
(p-٥)سُورَةُ الجُمُعَةِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي في العَرَبِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ أُمِّيِّينَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ ولا كانَ فِيهِمْ كاتِبٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ خاصَّةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ حَتّى تَعْلَّمَ بَعْضُها في آخِرِ الجاهِلِيَّةِ مِن أهْلِ الحِيرَةِ.
(p-٦)الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ ولا كَتَبَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
فَلَوْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ بِأنْ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟ فالجَوابُ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِمُوافَقَتِهِ ما تَقَدَّمَتْ بِشارَةُ الأنْبِياءِ بِهِ.
الثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مُوافَقَتِهِمْ.
الثّالِثُ: لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ في تَعَلُّمِهِ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَرَأها والحِكَمِ الَّتِي تَلاها.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْعَلُهم أزْكِياءَ القُلُوبِ بِالإيمانِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الكُفْرِ والذُّنُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: يَأْخُذُ زَكاةَ أعْمالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الخَطَّ إنَّما فَشا في العَرَبِ بِالشَّرْعِ لِما أُمِرُوا بِتَقْيِيدِهِ بِالخَطِّ.
الثّالِثُ: مَعْرِفَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما يَعْرِفُونَهُ بِالكِتابِ لِيَفْعَلُوا الخَيْرَ ويَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحِكْمَةَ السُّنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.(p-٧)
الثّانِي: أنَّهُ الفِقْهُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الفَهْمُ والِاتِّعاظُ، قالَهُ الأعْمَشُ.
﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ ويَعْلَمَ آخَرِينَ ويُزَكِّيهِمْ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الصَّحابَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ العَجَمُ بَعْدَ العَرَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُ في مَنامِي غَنَمًا سُودًا تَتْبَعُها غَنَمٌ عُفْرٌ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ العَرَبُ يَتْبَعُها العَجَمُ، فَقالَ: (كَذَلِكَ عَبَّرَها لِي المَلَكُ» .
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُلُوكُ أبْناءُ الأعاجِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ بَعْدَ الرِّجالِ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُمُ النِّساءُ بَعْدَ الرِّجالِ.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ هي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الإسْلامُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، فَأمَرَ (p-٨)
ذَوِي الفاقَةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ بَدَلًا مِنَ التَّصَدُّقِ بِالأمْوالِ، فَفَعَلَ الأغْنِياءُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ» قالَهُ أبُو صالِحٍ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُ انْقِيادُ النّاسِ إلى تَصْدِيقِهِ ﷺ ودُخُولِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتِهِ.
الجمعة 62:2
(p-٥)سُورَةُ الجُمُعَةِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي في العَرَبِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ أُمِّيِّينَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ ولا كانَ فِيهِمْ كاتِبٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ خاصَّةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ حَتّى تَعْلَّمَ بَعْضُها في آخِرِ الجاهِلِيَّةِ مِن أهْلِ الحِيرَةِ.
(p-٦)الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ ولا كَتَبَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
فَلَوْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ بِأنْ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟ فالجَوابُ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِمُوافَقَتِهِ ما تَقَدَّمَتْ بِشارَةُ الأنْبِياءِ بِهِ.
الثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مُوافَقَتِهِمْ.
الثّالِثُ: لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ في تَعَلُّمِهِ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَرَأها والحِكَمِ الَّتِي تَلاها.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْعَلُهم أزْكِياءَ القُلُوبِ بِالإيمانِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الكُفْرِ والذُّنُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: يَأْخُذُ زَكاةَ أعْمالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الخَطَّ إنَّما فَشا في العَرَبِ بِالشَّرْعِ لِما أُمِرُوا بِتَقْيِيدِهِ بِالخَطِّ.
الثّالِثُ: مَعْرِفَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما يَعْرِفُونَهُ بِالكِتابِ لِيَفْعَلُوا الخَيْرَ ويَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحِكْمَةَ السُّنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.(p-٧)
الثّانِي: أنَّهُ الفِقْهُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الفَهْمُ والِاتِّعاظُ، قالَهُ الأعْمَشُ.
﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ ويَعْلَمَ آخَرِينَ ويُزَكِّيهِمْ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الصَّحابَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ العَجَمُ بَعْدَ العَرَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُ في مَنامِي غَنَمًا سُودًا تَتْبَعُها غَنَمٌ عُفْرٌ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ العَرَبُ يَتْبَعُها العَجَمُ، فَقالَ: (كَذَلِكَ عَبَّرَها لِي المَلَكُ» .
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُلُوكُ أبْناءُ الأعاجِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ بَعْدَ الرِّجالِ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُمُ النِّساءُ بَعْدَ الرِّجالِ.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ هي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الإسْلامُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، فَأمَرَ (p-٨)
ذَوِي الفاقَةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ بَدَلًا مِنَ التَّصَدُّقِ بِالأمْوالِ، فَفَعَلَ الأغْنِياءُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ» قالَهُ أبُو صالِحٍ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُ انْقِيادُ النّاسِ إلى تَصْدِيقِهِ ﷺ ودُخُولِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتِهِ.
الجمعة 62:3
(p-٥)سُورَةُ الجُمُعَةِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي في العَرَبِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ أُمِّيِّينَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ ولا كانَ فِيهِمْ كاتِبٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ خاصَّةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ حَتّى تَعْلَّمَ بَعْضُها في آخِرِ الجاهِلِيَّةِ مِن أهْلِ الحِيرَةِ.
(p-٦)الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ ولا كَتَبَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
فَلَوْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ بِأنْ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟ فالجَوابُ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِمُوافَقَتِهِ ما تَقَدَّمَتْ بِشارَةُ الأنْبِياءِ بِهِ.
الثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مُوافَقَتِهِمْ.
الثّالِثُ: لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ في تَعَلُّمِهِ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَرَأها والحِكَمِ الَّتِي تَلاها.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْعَلُهم أزْكِياءَ القُلُوبِ بِالإيمانِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الكُفْرِ والذُّنُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: يَأْخُذُ زَكاةَ أعْمالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الخَطَّ إنَّما فَشا في العَرَبِ بِالشَّرْعِ لِما أُمِرُوا بِتَقْيِيدِهِ بِالخَطِّ.
الثّالِثُ: مَعْرِفَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما يَعْرِفُونَهُ بِالكِتابِ لِيَفْعَلُوا الخَيْرَ ويَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحِكْمَةَ السُّنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.(p-٧)
الثّانِي: أنَّهُ الفِقْهُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الفَهْمُ والِاتِّعاظُ، قالَهُ الأعْمَشُ.
﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ ويَعْلَمَ آخَرِينَ ويُزَكِّيهِمْ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الصَّحابَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ العَجَمُ بَعْدَ العَرَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُ في مَنامِي غَنَمًا سُودًا تَتْبَعُها غَنَمٌ عُفْرٌ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ العَرَبُ يَتْبَعُها العَجَمُ، فَقالَ: (كَذَلِكَ عَبَّرَها لِي المَلَكُ» .
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُلُوكُ أبْناءُ الأعاجِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ بَعْدَ الرِّجالِ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُمُ النِّساءُ بَعْدَ الرِّجالِ.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ هي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الإسْلامُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، فَأمَرَ (p-٨)
ذَوِي الفاقَةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ بَدَلًا مِنَ التَّصَدُّقِ بِالأمْوالِ، فَفَعَلَ الأغْنِياءُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ» قالَهُ أبُو صالِحٍ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُ انْقِيادُ النّاسِ إلى تَصْدِيقِهِ ﷺ ودُخُولِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتِهِ.
الجمعة 62:4
(p-٥)سُورَةُ الجُمُعَةِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي في العَرَبِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ أُمِّيِّينَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ ولا كانَ فِيهِمْ كاتِبٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ خاصَّةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ حَتّى تَعْلَّمَ بَعْضُها في آخِرِ الجاهِلِيَّةِ مِن أهْلِ الحِيرَةِ.
(p-٦)الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ ولا كَتَبَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
فَلَوْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ بِأنْ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟ فالجَوابُ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لِمُوافَقَتِهِ ما تَقَدَّمَتْ بِشارَةُ الأنْبِياءِ بِهِ.
الثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مُوافَقَتِهِمْ.
الثّالِثُ: لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ في تَعَلُّمِهِ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَرَأها والحِكَمِ الَّتِي تَلاها.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْعَلُهم أزْكِياءَ القُلُوبِ بِالإيمانِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الكُفْرِ والذُّنُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: يَأْخُذُ زَكاةَ أعْمالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الخَطَّ إنَّما فَشا في العَرَبِ بِالشَّرْعِ لِما أُمِرُوا بِتَقْيِيدِهِ بِالخَطِّ.
الثّالِثُ: مَعْرِفَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما يَعْرِفُونَهُ بِالكِتابِ لِيَفْعَلُوا الخَيْرَ ويَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحِكْمَةَ السُّنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.(p-٧)
الثّانِي: أنَّهُ الفِقْهُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الفَهْمُ والِاتِّعاظُ، قالَهُ الأعْمَشُ.
﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ ويَعْلَمَ آخَرِينَ ويُزَكِّيهِمْ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الصَّحابَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ العَجَمُ بَعْدَ العَرَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُ في مَنامِي غَنَمًا سُودًا تَتْبَعُها غَنَمٌ عُفْرٌ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ العَرَبُ يَتْبَعُها العَجَمُ، فَقالَ: (كَذَلِكَ عَبَّرَها لِي المَلَكُ» .
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُلُوكُ أبْناءُ الأعاجِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ بَعْدَ الرِّجالِ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُمُ النِّساءُ بَعْدَ الرِّجالِ.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ هي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الإسْلامُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، فَأمَرَ (p-٨)
ذَوِي الفاقَةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ بَدَلًا مِنَ التَّصَدُّقِ بِالأمْوالِ، فَفَعَلَ الأغْنِياءُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ» قالَهُ أبُو صالِحٍ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُ انْقِيادُ النّاسِ إلى تَصْدِيقِهِ ﷺ ودُخُولِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتِهِ.
الجمعة 62:5
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ تَفِرُّونَ مِنَ الدّاءِ بِالدَّواءِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
الثّانِي: تَفِرُّونَ مِنَ الجِهادِ بِالقُعُودِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالوَعِيدِ.
الثّالِثُ: تَفِرُّونَ مِنهُ بِالطِّيرَةِ مِن ذِكْرِهِ حَذَرًا مِن حُلُولِهِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالكُرْهِ والرِّضا.
الرّابِعُ: إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي تَفِرُّونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ حِينَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾
الجمعة 62:6
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ تَفِرُّونَ مِنَ الدّاءِ بِالدَّواءِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
الثّانِي: تَفِرُّونَ مِنَ الجِهادِ بِالقُعُودِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالوَعِيدِ.
الثّالِثُ: تَفِرُّونَ مِنهُ بِالطِّيرَةِ مِن ذِكْرِهِ حَذَرًا مِن حُلُولِهِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالكُرْهِ والرِّضا.
الرّابِعُ: إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي تَفِرُّونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ حِينَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾
الجمعة 62:7
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ تَفِرُّونَ مِنَ الدّاءِ بِالدَّواءِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
الثّانِي: تَفِرُّونَ مِنَ الجِهادِ بِالقُعُودِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالوَعِيدِ.
الثّالِثُ: تَفِرُّونَ مِنهُ بِالطِّيرَةِ مِن ذِكْرِهِ حَذَرًا مِن حُلُولِهِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالكُرْهِ والرِّضا.
الرّابِعُ: إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي تَفِرُّونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ حِينَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾
الجمعة 62:8
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ تَفِرُّونَ مِنَ الدّاءِ بِالدَّواءِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
الثّانِي: تَفِرُّونَ مِنَ الجِهادِ بِالقُعُودِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالوَعِيدِ.
الثّالِثُ: تَفِرُّونَ مِنهُ بِالطِّيرَةِ مِن ذِكْرِهِ حَذَرًا مِن حُلُولِهِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالكُرْهِ والرِّضا.
الرّابِعُ: إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي تَفِرُّونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ حِينَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾
الجمعة 62:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ في السَّعْيِ إلَيْها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النِّيَّةُ بِالقُلُوبِ، قالَهُ الحَسَنُ.(p-٩)
الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ إجابَةُ الدّاعِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: المَشْيُ عَلى القَدَمِ مِن غَيْرِ إسْراعٍ، وذُكِرَ أنَّ عُمَرَ وابْنَ مَسْعُودٍ كانا يَقْرَآنِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وفي ذِكْرِ اللَّهِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَوْعِظَةُ الإمامِ في الخُطْبَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الثّانِي: أنَّها الوَقْتُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَكانَ اسْمُ يَوْمِ الجُمُعَةِ في الجاهِلِيَّةِ العُرُوبَةَ، لِأنَّ أسْماءَ الأيّامِ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ غَيْرَ هَذِهِ الأسْماءِ، فَكانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الأحَدِ أوَّلُ، والِاثْنَيْنَ أهْوَنُ، والثُّلاثاءَ جُبارٌ، والأرْبِعاءَ دَبارٌ، والخَمِيسَ مُؤْنِسٌ، والجُمُعَةَ عُرُوبَةُ، والسَّبْتَ شِيارٌ، وأنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ الأدَبِ
؎ أُؤَمِّلُ أنْ أعِيشَ وإنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ أهْوَنَ أوْ جُبارَ ∗∗∗ أوِ التّالِي دَبارٍ أوْ فَيَوْمِي ∗∗∗ بِمُؤْنِسٍ أوْ عُرُوبَةَ أوْ شِيارِ
وَأوَّلُ مَن سَمّاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ لِاجْتِماعِ قُرَيْشٍ فِيهِ إلى كَعْبٍ، وقِيلَ بَلْ سُمِّيَ في الإسْلامِ لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ.
﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ مَنَعَ اللَّهُ مِنهُ عِنْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وحَرَّمَهُ في وقْتِها عَلى ما كانَ مَخاطَبًا بِفَرْضِها.
وَفي وقْتِ التَّحْرِيمِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَعْدَ الزَّوالِ [إلى ما] بَعْدَ الفَراغِ مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مِن وقْتِ أذانَ الخُطْبَةِ إلى الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأمّا الأذانُ الأوَّلُ فَمُحْدَثٌ، فَعَلَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ لِيَتَأهَّبَ النّاسُ بِهِ لِحُضُورِ (p-١٠)
الخُطْبَةِ عِنْدَ اتِّساعِ المَدِينَةِ وكَثْرَةِ أهْلِها، وقَدْ كانَ عُمَرُ أمَرَ أنْ يُؤَذَّنَ في السُّوقِ قَبْلَ المَسْجِدِ لِيَقُومَ النّاسُ عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَإذا اجْتَمَعُوا أُذِّنَ في المَسْجِدِ، فَجَعَلَهُ [عُثْمانُ] أذانَيْنِ في المَسْجِدِ، ولَيْسَ يَحْرُمُ البَيْعُ بَعْدَهُ وقَبْلَ الخُطْبَةِ، فَإنْ عُقِدَ في هَذا الوَقْتِ المُحَرَّمِ بَيْعٌ لَمْ يَبْطُلِ البَيْعُ وإنْ كانَ قَدْ عَصى اللَّهَ، لِأنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ يَعُودُ إلى العاقِدَيْنِ دُونَ العَقْدِ، وأبْطَلَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ النَّهْيِ.
﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الصَّلاةَ خَيْرٌ لَكم مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَفُوتُ بِخُرُوجِ وقْتِها، والبَيْعَ لا يَفُوتُ.
﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ يَعْنِي أُدِّيَتْ.
﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ حُكِيَ عَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ كانَ إذا صَلّى الجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أجَبْتُ دَعْوَتَكَ وصَلَّيْتُ فَرَضِيتُكَ وانْتَشَرْتُ كَما أمَرَتْنِي فارْزُقْنِي مِن فَضْلِكَ وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ.
﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرِّزْقُ مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: العَمَلُ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو خَلَفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (فَإذا قُضِيَتِ (p-١١)الصَّلاةُ فانْتَشَرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ، قالَ: لَيْسَ بِطَلَبِ الدُّنْيا لَكِنْ مِن عِيادَةِ مَرِيضٍ وحُضُورِ جِنازَةٍ وزِيارَةِ أخٍ في اللَّهِ.
»
الجمعة 62:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ في السَّعْيِ إلَيْها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النِّيَّةُ بِالقُلُوبِ، قالَهُ الحَسَنُ.(p-٩)
الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ إجابَةُ الدّاعِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: المَشْيُ عَلى القَدَمِ مِن غَيْرِ إسْراعٍ، وذُكِرَ أنَّ عُمَرَ وابْنَ مَسْعُودٍ كانا يَقْرَآنِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وفي ذِكْرِ اللَّهِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَوْعِظَةُ الإمامِ في الخُطْبَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الثّانِي: أنَّها الوَقْتُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَكانَ اسْمُ يَوْمِ الجُمُعَةِ في الجاهِلِيَّةِ العُرُوبَةَ، لِأنَّ أسْماءَ الأيّامِ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ غَيْرَ هَذِهِ الأسْماءِ، فَكانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الأحَدِ أوَّلُ، والِاثْنَيْنَ أهْوَنُ، والثُّلاثاءَ جُبارٌ، والأرْبِعاءَ دَبارٌ، والخَمِيسَ مُؤْنِسٌ، والجُمُعَةَ عُرُوبَةُ، والسَّبْتَ شِيارٌ، وأنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ الأدَبِ
؎ أُؤَمِّلُ أنْ أعِيشَ وإنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ أهْوَنَ أوْ جُبارَ ∗∗∗ أوِ التّالِي دَبارٍ أوْ فَيَوْمِي ∗∗∗ بِمُؤْنِسٍ أوْ عُرُوبَةَ أوْ شِيارِ
وَأوَّلُ مَن سَمّاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ لِاجْتِماعِ قُرَيْشٍ فِيهِ إلى كَعْبٍ، وقِيلَ بَلْ سُمِّيَ في الإسْلامِ لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ.
﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ مَنَعَ اللَّهُ مِنهُ عِنْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وحَرَّمَهُ في وقْتِها عَلى ما كانَ مَخاطَبًا بِفَرْضِها.
وَفي وقْتِ التَّحْرِيمِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَعْدَ الزَّوالِ [إلى ما] بَعْدَ الفَراغِ مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مِن وقْتِ أذانَ الخُطْبَةِ إلى الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأمّا الأذانُ الأوَّلُ فَمُحْدَثٌ، فَعَلَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ لِيَتَأهَّبَ النّاسُ بِهِ لِحُضُورِ (p-١٠)
الخُطْبَةِ عِنْدَ اتِّساعِ المَدِينَةِ وكَثْرَةِ أهْلِها، وقَدْ كانَ عُمَرُ أمَرَ أنْ يُؤَذَّنَ في السُّوقِ قَبْلَ المَسْجِدِ لِيَقُومَ النّاسُ عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَإذا اجْتَمَعُوا أُذِّنَ في المَسْجِدِ، فَجَعَلَهُ [عُثْمانُ] أذانَيْنِ في المَسْجِدِ، ولَيْسَ يَحْرُمُ البَيْعُ بَعْدَهُ وقَبْلَ الخُطْبَةِ، فَإنْ عُقِدَ في هَذا الوَقْتِ المُحَرَّمِ بَيْعٌ لَمْ يَبْطُلِ البَيْعُ وإنْ كانَ قَدْ عَصى اللَّهَ، لِأنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ يَعُودُ إلى العاقِدَيْنِ دُونَ العَقْدِ، وأبْطَلَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ النَّهْيِ.
﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الصَّلاةَ خَيْرٌ لَكم مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَفُوتُ بِخُرُوجِ وقْتِها، والبَيْعَ لا يَفُوتُ.
﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ يَعْنِي أُدِّيَتْ.
﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ حُكِيَ عَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ كانَ إذا صَلّى الجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أجَبْتُ دَعْوَتَكَ وصَلَّيْتُ فَرَضِيتُكَ وانْتَشَرْتُ كَما أمَرَتْنِي فارْزُقْنِي مِن فَضْلِكَ وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ.
﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرِّزْقُ مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: العَمَلُ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو خَلَفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (فَإذا قُضِيَتِ (p-١١)الصَّلاةُ فانْتَشَرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ، قالَ: لَيْسَ بِطَلَبِ الدُّنْيا لَكِنْ مِن عِيادَةِ مَرِيضٍ وحُضُورِ جِنازَةٍ وزِيارَةِ أخٍ في اللَّهِ.
»
الجمعة 62:11
﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ رَوى سالِمٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقْبَلَتْ عِيرٌ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي في الخُطْبَةِ فانْفَتَلَ النّاسُ إلَيْها وما بَقِيَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ الَّذِي قَدِمَ بِها دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ مِنَ الشّامِ عِنْدَ مَجاعَةٍ وغَلاءِ سِعْرٍ، وكانَ مَعَهُ جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن بُرٍّ ودَقِيقٍ وغَيْرِهِ فَنَزَلَ عِنْدَ أحْجارِ الزَّيْتِ وضَرَبَ الطَّبْلَ لِيُؤْذِنَ النّاسَ بِقُدُومِهِ، وكانُوا في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ، فانْفَضُّوا إلَيْها، وبَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمانِيَةُ رِجالٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ والتِّجارَةُ مِن أمْوالِ التِّجاراتِ.
وَفي اللَّهْوِ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي لَعِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الطَّبْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المِزْمارُ، قالَهُ جابِرٌ.
الرّابِعُ: الغِناءُ.
﴿وَتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ يَعْنِي في خُطْبَتِهِ، ورَوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «واَلَّذِي (p-١٢)نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ ابْتَدَرْتُمُوها حَتّى لا يَبْقى مَعِيَ أحَدٌ لَسالَ الوادِي بِكم نارًا»، وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِما، لِأنَّ غالِبَ انْفِضاضِهِمْ كانَ لِلتِّجارَةِ دُونَ اللَّهْوِ.
وَقالَ الأخْفَشُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ وإذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها أوْ لَهْوًا، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وُفي ﴿انْفَضُّوا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ذَهَبُوا.
الثّانِي: تَفَرَّقُوا.
فَمَن جَعَلَ مَعْناهُ ذَهَبُوا أرادَ التِّجارَةَ، ومَن جَعَلَ مَعْناهُ تَفَرَّقُوا أرادَ عَنِ الخُطْبَةِ وهَذا أفْصَحُ الوَجْهَيْنِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ انْفَضَّ جَمْعُهم عَنْ كُلِّ نائِرَةٍ تَبْقى وتُدَنِّسُ عِرْضَ الواجِمِ الشَّبِمِ
﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ صَلاتِكم مِن لَذَّةِ لَهْوِكم وفائِدَةِ تِجارَتِكم.
الثّانِي: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن رِزْقِكُمُ الَّذِي قَسَمْتُ لَكم خَيْرٌ مِمّا أصَبْتُمُوهُ بِانْفِضاضِكم مِن لَهْوِكم وتِجارَتِكم.
﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَيْرُ مَن رَزَقَ وأعْطى.
الثّانِي: ورِزْقُ اللَّهِ خَيْرُ الأرْزاقِ.
المنافقون 63:1
(p-١٣)سُورَةُ المُنافِقُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ سُئِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ المُنافِقِ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ، وهُمُ اليَوْمَ شَرٌّ مِنهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَهُ وهُمُ اليَوْمَ يُظْهِرُونَهُ.
﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي نَحْلِفُ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَلِفِ بِالشَّهادَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الحِلْفِ والشَّهادَةِ إثْباتٌ لِأمْرِ مُغَيَّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ
؎ وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ أنَّهم يَشْهَدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ اعْتِرافًا بِالإيمانِ ونَفْيًا لِلنِّفاقِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهو الأشْبَهُ.(p-١٤)
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ وفِيها أعْرابٌ يَتَّبِعُونَ النّاسَ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَصْنَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ يَوْمٍ طَعامًا، فاسْتَقى أعْرابِيٌّ ماءً في حَوْضٍ عَمِلَهُ مِن أحْجارٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ ابْنِ أُبَيٍّ بِناقَةٍ لِيَسْقِيَها مِن ذَلِكَ الماءِ فَمَنَعَهُ الأعْرابِيُّ واقْتَتَلا فَشَجَّهُ الأعْرابِيُّ، فَأتى الرَّجُلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أُبَيٍّ] ودَمُهُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ، فَحَزَنَهُ، فَنافَقَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: ما لَهم رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى تَبالِ، وقالَ لِأصْحابِهِ: لا تَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعامِ حَتّى يَتَفَرَّقَ عَنْهُ الأعْرابُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ حَدَثًا، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَأتى عَمُّهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ، فَبَعَثَ إلى ابْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِن أوَسَمِ النّاسِ وأحْسَنِهِمْ مَنطِقًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما قُلْتُ مِن هَذا شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ إنْ نافَقَ مَن نافَقَكَ مَن عَلِمَ اللَّهُ بِأنَّكَ رَسُولُهُ فَلا يَضُرُّكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: واَللَّهُ يُقْسِمُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في أيْمانِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ واَللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فِيها.
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ والجُنَّةُ: الغِطاءُ المانِعُ مِنَ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ.
(
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لِعِرْضِكَ جُنَّةً ∗∗∗ مِنَ المالِ سارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرٍ
وَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِنَ المَوْتِ ألّا يُصَلّى عَلَيْهِمْ، فَيَظْهَرُ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ نِفاقُهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: جُنَّةٌ تَدْفَعُ عَنْهم فَضِيحَةَ النِّفاقِ.(p-١٥)
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَنِ الإسْلامِ بِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْهُ.
الثّانِي: عَنِ الجِهادِ بِتَثْبِيطِهِمُ المُسْلِمِينَ وإرْجافِهِمْ بِهِ وتَمَيُّزِهِمْ عَنْهم، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما أخافُ عَلَيْكم رَجُلَيْنِ: مُؤْمِنًا قَدِ اسْتَبانَ إيمانُهُ وكافِرًا قَدِ اسْتَبانَ كُفْرُهُ، ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكم مُنافِقًا يَتَعَوَّذُ بِالإيمانِ ويَعْمَلُ بِغَيْرِهِ.
﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ يَعْنِي حُسْنَ مَنظَرِهِمْ وتَمامَ خَلْقِهِمْ.
﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لِحُسْنِ مَنطِقِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ ثانِيًا: لِإظْهارِ الإسْلامِ وذِكْرِ مُوافَقَتِهِمْ.
﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَبَهُهم بِالنَّخْلِ القِيامِ لِحُسْنِ مَنظَرِهِمْ.
الثّانِي: [شَبَّهَهُمْ] بِالخُشُبِ النَّخِرَةِ لِسُوءِ مَخْبَرِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ شَبَهُهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يَقْبَلُونَهُ، كَما لا تَسْمَعُهُ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ لِأنَّهم يَسْتَنِدُونَ إلى الإيمانِ لِحَقْنِ دِمائِهِمْ.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لِوَجَلِهِمْ وخُبْثِهِمْ يَحْسُبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها - حَتّى لَوْ دَعا رَجُلٌ صاحِبَهِ أوْ صاحَ بِناقَتِهِ - أنَّ العَدُوَّ قَدِ اصْطَلَمَ وأنَّ القَتْلَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ كَلامٌ ضَمِيرُهُ فِيهِ ولا يَفْتَقِرُ إلى ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أنَّهم قَدْ فُطِنَ بِهِمْ وعُلِمَ فَقالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها في المَسْجِدِ أنَّها عَلَيْهِمْ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أمَرَ فِيها بِقَتْلِهِمْ، فَهم أبَدًا وجِلُونَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حاتِمٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرْ أنْ تَثِقَ بِقَوْلِهِمْ وتَمِيلَ إلى كَلامِهِمْ.
الثّانِي: فاحْذَرْ مُمايَلَتَهم لِأعْدائِكَ وتَخْذِيلِهَمْ لِأصْحابِكَ.(p-١٦)
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.
والثّانِي: أيْ أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مَن قاتَلَهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قاهِرٌ لِكُلِّ مُعانِدٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ يُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ كَيْفَ يَضِلُّ عُقُولُهم عَنْ هَذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
المنافقون 63:2
(p-١٣)سُورَةُ المُنافِقُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ سُئِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ المُنافِقِ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ، وهُمُ اليَوْمَ شَرٌّ مِنهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَهُ وهُمُ اليَوْمَ يُظْهِرُونَهُ.
﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي نَحْلِفُ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَلِفِ بِالشَّهادَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الحِلْفِ والشَّهادَةِ إثْباتٌ لِأمْرِ مُغَيَّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ
؎ وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ أنَّهم يَشْهَدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ اعْتِرافًا بِالإيمانِ ونَفْيًا لِلنِّفاقِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهو الأشْبَهُ.(p-١٤)
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ وفِيها أعْرابٌ يَتَّبِعُونَ النّاسَ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَصْنَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ يَوْمٍ طَعامًا، فاسْتَقى أعْرابِيٌّ ماءً في حَوْضٍ عَمِلَهُ مِن أحْجارٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ ابْنِ أُبَيٍّ بِناقَةٍ لِيَسْقِيَها مِن ذَلِكَ الماءِ فَمَنَعَهُ الأعْرابِيُّ واقْتَتَلا فَشَجَّهُ الأعْرابِيُّ، فَأتى الرَّجُلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أُبَيٍّ] ودَمُهُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ، فَحَزَنَهُ، فَنافَقَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: ما لَهم رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى تَبالِ، وقالَ لِأصْحابِهِ: لا تَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعامِ حَتّى يَتَفَرَّقَ عَنْهُ الأعْرابُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ حَدَثًا، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَأتى عَمُّهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ، فَبَعَثَ إلى ابْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِن أوَسَمِ النّاسِ وأحْسَنِهِمْ مَنطِقًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما قُلْتُ مِن هَذا شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ إنْ نافَقَ مَن نافَقَكَ مَن عَلِمَ اللَّهُ بِأنَّكَ رَسُولُهُ فَلا يَضُرُّكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: واَللَّهُ يُقْسِمُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في أيْمانِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ واَللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فِيها.
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ والجُنَّةُ: الغِطاءُ المانِعُ مِنَ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ.
(
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لِعِرْضِكَ جُنَّةً ∗∗∗ مِنَ المالِ سارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرٍ
وَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِنَ المَوْتِ ألّا يُصَلّى عَلَيْهِمْ، فَيَظْهَرُ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ نِفاقُهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: جُنَّةٌ تَدْفَعُ عَنْهم فَضِيحَةَ النِّفاقِ.(p-١٥)
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَنِ الإسْلامِ بِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْهُ.
الثّانِي: عَنِ الجِهادِ بِتَثْبِيطِهِمُ المُسْلِمِينَ وإرْجافِهِمْ بِهِ وتَمَيُّزِهِمْ عَنْهم، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما أخافُ عَلَيْكم رَجُلَيْنِ: مُؤْمِنًا قَدِ اسْتَبانَ إيمانُهُ وكافِرًا قَدِ اسْتَبانَ كُفْرُهُ، ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكم مُنافِقًا يَتَعَوَّذُ بِالإيمانِ ويَعْمَلُ بِغَيْرِهِ.
﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ يَعْنِي حُسْنَ مَنظَرِهِمْ وتَمامَ خَلْقِهِمْ.
﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لِحُسْنِ مَنطِقِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ ثانِيًا: لِإظْهارِ الإسْلامِ وذِكْرِ مُوافَقَتِهِمْ.
﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَبَهُهم بِالنَّخْلِ القِيامِ لِحُسْنِ مَنظَرِهِمْ.
الثّانِي: [شَبَّهَهُمْ] بِالخُشُبِ النَّخِرَةِ لِسُوءِ مَخْبَرِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ شَبَهُهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يَقْبَلُونَهُ، كَما لا تَسْمَعُهُ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ لِأنَّهم يَسْتَنِدُونَ إلى الإيمانِ لِحَقْنِ دِمائِهِمْ.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لِوَجَلِهِمْ وخُبْثِهِمْ يَحْسُبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها - حَتّى لَوْ دَعا رَجُلٌ صاحِبَهِ أوْ صاحَ بِناقَتِهِ - أنَّ العَدُوَّ قَدِ اصْطَلَمَ وأنَّ القَتْلَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ كَلامٌ ضَمِيرُهُ فِيهِ ولا يَفْتَقِرُ إلى ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أنَّهم قَدْ فُطِنَ بِهِمْ وعُلِمَ فَقالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها في المَسْجِدِ أنَّها عَلَيْهِمْ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أمَرَ فِيها بِقَتْلِهِمْ، فَهم أبَدًا وجِلُونَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حاتِمٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرْ أنْ تَثِقَ بِقَوْلِهِمْ وتَمِيلَ إلى كَلامِهِمْ.
الثّانِي: فاحْذَرْ مُمايَلَتَهم لِأعْدائِكَ وتَخْذِيلِهَمْ لِأصْحابِكَ.(p-١٦)
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.
والثّانِي: أيْ أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مَن قاتَلَهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قاهِرٌ لِكُلِّ مُعانِدٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ يُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ كَيْفَ يَضِلُّ عُقُولُهم عَنْ هَذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
المنافقون 63:3
(p-١٣)سُورَةُ المُنافِقُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ سُئِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ المُنافِقِ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ، وهُمُ اليَوْمَ شَرٌّ مِنهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَهُ وهُمُ اليَوْمَ يُظْهِرُونَهُ.
﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي نَحْلِفُ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَلِفِ بِالشَّهادَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الحِلْفِ والشَّهادَةِ إثْباتٌ لِأمْرِ مُغَيَّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ
؎ وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ أنَّهم يَشْهَدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ اعْتِرافًا بِالإيمانِ ونَفْيًا لِلنِّفاقِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهو الأشْبَهُ.(p-١٤)
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ وفِيها أعْرابٌ يَتَّبِعُونَ النّاسَ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَصْنَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ يَوْمٍ طَعامًا، فاسْتَقى أعْرابِيٌّ ماءً في حَوْضٍ عَمِلَهُ مِن أحْجارٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ ابْنِ أُبَيٍّ بِناقَةٍ لِيَسْقِيَها مِن ذَلِكَ الماءِ فَمَنَعَهُ الأعْرابِيُّ واقْتَتَلا فَشَجَّهُ الأعْرابِيُّ، فَأتى الرَّجُلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أُبَيٍّ] ودَمُهُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ، فَحَزَنَهُ، فَنافَقَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: ما لَهم رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى تَبالِ، وقالَ لِأصْحابِهِ: لا تَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعامِ حَتّى يَتَفَرَّقَ عَنْهُ الأعْرابُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ حَدَثًا، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَأتى عَمُّهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ، فَبَعَثَ إلى ابْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِن أوَسَمِ النّاسِ وأحْسَنِهِمْ مَنطِقًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما قُلْتُ مِن هَذا شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ إنْ نافَقَ مَن نافَقَكَ مَن عَلِمَ اللَّهُ بِأنَّكَ رَسُولُهُ فَلا يَضُرُّكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: واَللَّهُ يُقْسِمُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في أيْمانِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ واَللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فِيها.
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ والجُنَّةُ: الغِطاءُ المانِعُ مِنَ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ.
(
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لِعِرْضِكَ جُنَّةً ∗∗∗ مِنَ المالِ سارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرٍ
وَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِنَ المَوْتِ ألّا يُصَلّى عَلَيْهِمْ، فَيَظْهَرُ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ نِفاقُهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: جُنَّةٌ تَدْفَعُ عَنْهم فَضِيحَةَ النِّفاقِ.(p-١٥)
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَنِ الإسْلامِ بِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْهُ.
الثّانِي: عَنِ الجِهادِ بِتَثْبِيطِهِمُ المُسْلِمِينَ وإرْجافِهِمْ بِهِ وتَمَيُّزِهِمْ عَنْهم، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما أخافُ عَلَيْكم رَجُلَيْنِ: مُؤْمِنًا قَدِ اسْتَبانَ إيمانُهُ وكافِرًا قَدِ اسْتَبانَ كُفْرُهُ، ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكم مُنافِقًا يَتَعَوَّذُ بِالإيمانِ ويَعْمَلُ بِغَيْرِهِ.
﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ يَعْنِي حُسْنَ مَنظَرِهِمْ وتَمامَ خَلْقِهِمْ.
﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لِحُسْنِ مَنطِقِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ ثانِيًا: لِإظْهارِ الإسْلامِ وذِكْرِ مُوافَقَتِهِمْ.
﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَبَهُهم بِالنَّخْلِ القِيامِ لِحُسْنِ مَنظَرِهِمْ.
الثّانِي: [شَبَّهَهُمْ] بِالخُشُبِ النَّخِرَةِ لِسُوءِ مَخْبَرِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ شَبَهُهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يَقْبَلُونَهُ، كَما لا تَسْمَعُهُ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ لِأنَّهم يَسْتَنِدُونَ إلى الإيمانِ لِحَقْنِ دِمائِهِمْ.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لِوَجَلِهِمْ وخُبْثِهِمْ يَحْسُبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها - حَتّى لَوْ دَعا رَجُلٌ صاحِبَهِ أوْ صاحَ بِناقَتِهِ - أنَّ العَدُوَّ قَدِ اصْطَلَمَ وأنَّ القَتْلَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ كَلامٌ ضَمِيرُهُ فِيهِ ولا يَفْتَقِرُ إلى ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أنَّهم قَدْ فُطِنَ بِهِمْ وعُلِمَ فَقالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها في المَسْجِدِ أنَّها عَلَيْهِمْ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أمَرَ فِيها بِقَتْلِهِمْ، فَهم أبَدًا وجِلُونَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حاتِمٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرْ أنْ تَثِقَ بِقَوْلِهِمْ وتَمِيلَ إلى كَلامِهِمْ.
الثّانِي: فاحْذَرْ مُمايَلَتَهم لِأعْدائِكَ وتَخْذِيلِهَمْ لِأصْحابِكَ.(p-١٦)
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.
والثّانِي: أيْ أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مَن قاتَلَهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قاهِرٌ لِكُلِّ مُعانِدٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ يُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ كَيْفَ يَضِلُّ عُقُولُهم عَنْ هَذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
المنافقون 63:4
(p-١٣)سُورَةُ المُنافِقُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ سُئِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ المُنافِقِ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ، وهُمُ اليَوْمَ شَرٌّ مِنهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَهُ وهُمُ اليَوْمَ يُظْهِرُونَهُ.
﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي نَحْلِفُ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَلِفِ بِالشَّهادَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الحِلْفِ والشَّهادَةِ إثْباتٌ لِأمْرِ مُغَيَّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ
؎ وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ أنَّهم يَشْهَدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ اعْتِرافًا بِالإيمانِ ونَفْيًا لِلنِّفاقِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهو الأشْبَهُ.(p-١٤)
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ وفِيها أعْرابٌ يَتَّبِعُونَ النّاسَ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَصْنَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ يَوْمٍ طَعامًا، فاسْتَقى أعْرابِيٌّ ماءً في حَوْضٍ عَمِلَهُ مِن أحْجارٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ ابْنِ أُبَيٍّ بِناقَةٍ لِيَسْقِيَها مِن ذَلِكَ الماءِ فَمَنَعَهُ الأعْرابِيُّ واقْتَتَلا فَشَجَّهُ الأعْرابِيُّ، فَأتى الرَّجُلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أُبَيٍّ] ودَمُهُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ، فَحَزَنَهُ، فَنافَقَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: ما لَهم رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى تَبالِ، وقالَ لِأصْحابِهِ: لا تَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعامِ حَتّى يَتَفَرَّقَ عَنْهُ الأعْرابُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ حَدَثًا، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَأتى عَمُّهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ، فَبَعَثَ إلى ابْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِن أوَسَمِ النّاسِ وأحْسَنِهِمْ مَنطِقًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما قُلْتُ مِن هَذا شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ إنْ نافَقَ مَن نافَقَكَ مَن عَلِمَ اللَّهُ بِأنَّكَ رَسُولُهُ فَلا يَضُرُّكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: واَللَّهُ يُقْسِمُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في أيْمانِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ واَللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فِيها.
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ والجُنَّةُ: الغِطاءُ المانِعُ مِنَ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ.
(
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لِعِرْضِكَ جُنَّةً ∗∗∗ مِنَ المالِ سارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرٍ
وَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِنَ المَوْتِ ألّا يُصَلّى عَلَيْهِمْ، فَيَظْهَرُ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ نِفاقُهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: جُنَّةٌ تَدْفَعُ عَنْهم فَضِيحَةَ النِّفاقِ.(p-١٥)
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَنِ الإسْلامِ بِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْهُ.
الثّانِي: عَنِ الجِهادِ بِتَثْبِيطِهِمُ المُسْلِمِينَ وإرْجافِهِمْ بِهِ وتَمَيُّزِهِمْ عَنْهم، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما أخافُ عَلَيْكم رَجُلَيْنِ: مُؤْمِنًا قَدِ اسْتَبانَ إيمانُهُ وكافِرًا قَدِ اسْتَبانَ كُفْرُهُ، ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكم مُنافِقًا يَتَعَوَّذُ بِالإيمانِ ويَعْمَلُ بِغَيْرِهِ.
﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ يَعْنِي حُسْنَ مَنظَرِهِمْ وتَمامَ خَلْقِهِمْ.
﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لِحُسْنِ مَنطِقِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ ثانِيًا: لِإظْهارِ الإسْلامِ وذِكْرِ مُوافَقَتِهِمْ.
﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَبَهُهم بِالنَّخْلِ القِيامِ لِحُسْنِ مَنظَرِهِمْ.
الثّانِي: [شَبَّهَهُمْ] بِالخُشُبِ النَّخِرَةِ لِسُوءِ مَخْبَرِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ شَبَهُهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يَقْبَلُونَهُ، كَما لا تَسْمَعُهُ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ لِأنَّهم يَسْتَنِدُونَ إلى الإيمانِ لِحَقْنِ دِمائِهِمْ.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لِوَجَلِهِمْ وخُبْثِهِمْ يَحْسُبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها - حَتّى لَوْ دَعا رَجُلٌ صاحِبَهِ أوْ صاحَ بِناقَتِهِ - أنَّ العَدُوَّ قَدِ اصْطَلَمَ وأنَّ القَتْلَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ كَلامٌ ضَمِيرُهُ فِيهِ ولا يَفْتَقِرُ إلى ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أنَّهم قَدْ فُطِنَ بِهِمْ وعُلِمَ فَقالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها في المَسْجِدِ أنَّها عَلَيْهِمْ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أمَرَ فِيها بِقَتْلِهِمْ، فَهم أبَدًا وجِلُونَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حاتِمٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرْ أنْ تَثِقَ بِقَوْلِهِمْ وتَمِيلَ إلى كَلامِهِمْ.
الثّانِي: فاحْذَرْ مُمايَلَتَهم لِأعْدائِكَ وتَخْذِيلِهَمْ لِأصْحابِكَ.(p-١٦)
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.
والثّانِي: أيْ أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مَن قاتَلَهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قاهِرٌ لِكُلِّ مُعانِدٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ يُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ كَيْفَ يَضِلُّ عُقُولُهم عَنْ هَذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
المنافقون 63:5
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ بَلَغَهُ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ آخِرُ النّاسِ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٧)أُبَيٍّ: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى رَأْسَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ إشارَةً إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، أيْ حَرَّكُوها، وأعْرَضُوا يُمْنَةً ويُسْرَةً إلى غَيْرِ جِهَةِ المُخاطَبِ يَنْظُرُونَ شَزَرًا.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلًا ثانِيًا: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَسْتَتِيبُكم مِنَ النِّفاقِ لِأنَّ التَّوْبَةَ اسْتِغْفارٌ.
وَفِيما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ لَوى رَأْسَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً وامْتِناعًا مِن فِعْلِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ لِلِاسْتِغْفارِ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوى رَأْسَهُ بِمَعْنى ماذا قُلْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَمْتَنِعُونَ، قالَ الشّاعِرُ
؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا
الثّانِي: يُعْرِضُونَ، قالَ الأعْشى
؎ صَدَّقَ هُرَيْرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ جَهْلًا بِأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلُ مَن تَصِلُ
وَفِيما يَصُدُّونَ عَنْهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِنَ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ ﷺ .
الثّانِي: عَنِ الإخْلاصِ لِلْإيمانِ.
﴿وَهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُتَكَبِّرُونَ.
الثّانِي: مُمْتَنِعُونَ.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، وسَبَبُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ انْكِفائِهِ مِن غَزاةِ بَنِي المُصْطَلَقِ في شَعْبانَ سَنَةَ سِتٍّ نَزَلَ عَلى ماءِ المُرَيْسِيعِ، فَتَنازَعَ عَلَيْهِ جَهْجاهٌ، وكانَ مُسْلِمًا وهو رَجُلٌ مِن غِفارٍ، (p-١٨)
وَرَجُلٌ يُقالُ لَهُ سِنانٌ، وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَطَمَهُ جَهْجاهٌ، فَغَضِبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وقالَ: يا مَعاشِرَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أوْطَأْنا هَذا الرَّجُلَ دِيارَنا وقاسَمْناهم أمْوالَنا ولَوْلانا لانْفَضُّوا عَنْهُ، ما لَهم، رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى جَهْجاهٍ، لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ غُلامًا، فَأعادَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرَ لَهُ قَوْمُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها.
﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: النَّباتُ.
الثّانِي: خَزائِنُ السَّماواتِ: ما قَضاهُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: ما أعْطاهُ.
وَفِيهِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ (ثالِثٌ: أنَّ خَزائِنَ السَّماواتِ: الغُيُوبُ، وخَزائِنَ الأرْضِ القُلُوبُ.
المنافقون 63:6
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ بَلَغَهُ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ آخِرُ النّاسِ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٧)أُبَيٍّ: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى رَأْسَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ إشارَةً إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، أيْ حَرَّكُوها، وأعْرَضُوا يُمْنَةً ويُسْرَةً إلى غَيْرِ جِهَةِ المُخاطَبِ يَنْظُرُونَ شَزَرًا.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلًا ثانِيًا: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَسْتَتِيبُكم مِنَ النِّفاقِ لِأنَّ التَّوْبَةَ اسْتِغْفارٌ.
وَفِيما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ لَوى رَأْسَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً وامْتِناعًا مِن فِعْلِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ لِلِاسْتِغْفارِ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوى رَأْسَهُ بِمَعْنى ماذا قُلْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَمْتَنِعُونَ، قالَ الشّاعِرُ
؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا
الثّانِي: يُعْرِضُونَ، قالَ الأعْشى
؎ صَدَّقَ هُرَيْرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ جَهْلًا بِأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلُ مَن تَصِلُ
وَفِيما يَصُدُّونَ عَنْهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِنَ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ ﷺ .
الثّانِي: عَنِ الإخْلاصِ لِلْإيمانِ.
﴿وَهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُتَكَبِّرُونَ.
الثّانِي: مُمْتَنِعُونَ.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، وسَبَبُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ انْكِفائِهِ مِن غَزاةِ بَنِي المُصْطَلَقِ في شَعْبانَ سَنَةَ سِتٍّ نَزَلَ عَلى ماءِ المُرَيْسِيعِ، فَتَنازَعَ عَلَيْهِ جَهْجاهٌ، وكانَ مُسْلِمًا وهو رَجُلٌ مِن غِفارٍ، (p-١٨)
وَرَجُلٌ يُقالُ لَهُ سِنانٌ، وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَطَمَهُ جَهْجاهٌ، فَغَضِبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وقالَ: يا مَعاشِرَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أوْطَأْنا هَذا الرَّجُلَ دِيارَنا وقاسَمْناهم أمْوالَنا ولَوْلانا لانْفَضُّوا عَنْهُ، ما لَهم، رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى جَهْجاهٍ، لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ غُلامًا، فَأعادَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرَ لَهُ قَوْمُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها.
﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: النَّباتُ.
الثّانِي: خَزائِنُ السَّماواتِ: ما قَضاهُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: ما أعْطاهُ.
وَفِيهِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ (ثالِثٌ: أنَّ خَزائِنَ السَّماواتِ: الغُيُوبُ، وخَزائِنَ الأرْضِ القُلُوبُ.
المنافقون 63:7
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ بَلَغَهُ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ آخِرُ النّاسِ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٧)أُبَيٍّ: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى رَأْسَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ إشارَةً إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، أيْ حَرَّكُوها، وأعْرَضُوا يُمْنَةً ويُسْرَةً إلى غَيْرِ جِهَةِ المُخاطَبِ يَنْظُرُونَ شَزَرًا.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلًا ثانِيًا: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَسْتَتِيبُكم مِنَ النِّفاقِ لِأنَّ التَّوْبَةَ اسْتِغْفارٌ.
وَفِيما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ لَوى رَأْسَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً وامْتِناعًا مِن فِعْلِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ لِلِاسْتِغْفارِ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوى رَأْسَهُ بِمَعْنى ماذا قُلْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَمْتَنِعُونَ، قالَ الشّاعِرُ
؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا
الثّانِي: يُعْرِضُونَ، قالَ الأعْشى
؎ صَدَّقَ هُرَيْرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ جَهْلًا بِأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلُ مَن تَصِلُ
وَفِيما يَصُدُّونَ عَنْهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِنَ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ ﷺ .
الثّانِي: عَنِ الإخْلاصِ لِلْإيمانِ.
﴿وَهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُتَكَبِّرُونَ.
الثّانِي: مُمْتَنِعُونَ.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، وسَبَبُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ انْكِفائِهِ مِن غَزاةِ بَنِي المُصْطَلَقِ في شَعْبانَ سَنَةَ سِتٍّ نَزَلَ عَلى ماءِ المُرَيْسِيعِ، فَتَنازَعَ عَلَيْهِ جَهْجاهٌ، وكانَ مُسْلِمًا وهو رَجُلٌ مِن غِفارٍ، (p-١٨)
وَرَجُلٌ يُقالُ لَهُ سِنانٌ، وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَطَمَهُ جَهْجاهٌ، فَغَضِبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وقالَ: يا مَعاشِرَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أوْطَأْنا هَذا الرَّجُلَ دِيارَنا وقاسَمْناهم أمْوالَنا ولَوْلانا لانْفَضُّوا عَنْهُ، ما لَهم، رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى جَهْجاهٍ، لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ غُلامًا، فَأعادَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرَ لَهُ قَوْمُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها.
﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: النَّباتُ.
الثّانِي: خَزائِنُ السَّماواتِ: ما قَضاهُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: ما أعْطاهُ.
وَفِيهِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ (ثالِثٌ: أنَّ خَزائِنَ السَّماواتِ: الغُيُوبُ، وخَزائِنَ الأرْضِ القُلُوبُ.
المنافقون 63:8
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ بَلَغَهُ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ آخِرُ النّاسِ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٧)أُبَيٍّ: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى رَأْسَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ إشارَةً إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، أيْ حَرَّكُوها، وأعْرَضُوا يُمْنَةً ويُسْرَةً إلى غَيْرِ جِهَةِ المُخاطَبِ يَنْظُرُونَ شَزَرًا.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلًا ثانِيًا: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَسْتَتِيبُكم مِنَ النِّفاقِ لِأنَّ التَّوْبَةَ اسْتِغْفارٌ.
وَفِيما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ لَوى رَأْسَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً وامْتِناعًا مِن فِعْلِ ما دُعِيَ إلَيْهِ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ لِلِاسْتِغْفارِ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوى رَأْسَهُ بِمَعْنى ماذا قُلْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَمْتَنِعُونَ، قالَ الشّاعِرُ
؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا
الثّانِي: يُعْرِضُونَ، قالَ الأعْشى
؎ صَدَّقَ هُرَيْرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ جَهْلًا بِأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلُ مَن تَصِلُ
وَفِيما يَصُدُّونَ عَنْهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِنَ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ ﷺ .
الثّانِي: عَنِ الإخْلاصِ لِلْإيمانِ.
﴿وَهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُتَكَبِّرُونَ.
الثّانِي: مُمْتَنِعُونَ.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، وسَبَبُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ انْكِفائِهِ مِن غَزاةِ بَنِي المُصْطَلَقِ في شَعْبانَ سَنَةَ سِتٍّ نَزَلَ عَلى ماءِ المُرَيْسِيعِ، فَتَنازَعَ عَلَيْهِ جَهْجاهٌ، وكانَ مُسْلِمًا وهو رَجُلٌ مِن غِفارٍ، (p-١٨)
وَرَجُلٌ يُقالُ لَهُ سِنانٌ، وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَطَمَهُ جَهْجاهٌ، فَغَضِبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وقالَ: يا مَعاشِرَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أوْطَأْنا هَذا الرَّجُلَ دِيارَنا وقاسَمْناهم أمْوالَنا ولَوْلانا لانْفَضُّوا عَنْهُ، ما لَهم، رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى جَهْجاهٍ، لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ غُلامًا، فَأعادَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرَ لَهُ قَوْمُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها.
﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ: المَطَرُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: النَّباتُ.
الثّانِي: خَزائِنُ السَّماواتِ: ما قَضاهُ، وخَزائِنُ الأرَضِينَ: ما أعْطاهُ.
وَفِيهِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ (ثالِثٌ: أنَّ خَزائِنَ السَّماواتِ: الغُيُوبُ، وخَزائِنَ الأرْضِ القُلُوبُ.
المنافقون 63:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِذِكْرِ اللَّهِ [اَلصَّلاةَ] المَكْتُوبَةَ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ فَرائِضَ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَها مِن صَلاةٍ وغَيْرِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.(p-١٩)
الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ.
﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ مِنَ المالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ورِفْدُ المُحْتاجِ ومَعُونَةُ المُضْطَرِّ.
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَنْ يُؤَخِّرَها عَنِ المَوْتِ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وهو أظْهَرُهُما.
الثّانِي: لَنْ يُؤَخِّرَها بَعْدَ المَوْتِ وإنَّما يُعَجِّلُ لَها في القَبْرِ.
المنافقون 63:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِذِكْرِ اللَّهِ [اَلصَّلاةَ] المَكْتُوبَةَ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ فَرائِضَ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَها مِن صَلاةٍ وغَيْرِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.(p-١٩)
الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ.
﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ مِنَ المالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ورِفْدُ المُحْتاجِ ومَعُونَةُ المُضْطَرِّ.
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَنْ يُؤَخِّرَها عَنِ المَوْتِ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وهو أظْهَرُهُما.
الثّانِي: لَنْ يُؤَخِّرَها بَعْدَ المَوْتِ وإنَّما يُعَجِّلُ لَها في القَبْرِ.
المنافقون 63:11
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِذِكْرِ اللَّهِ [اَلصَّلاةَ] المَكْتُوبَةَ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ فَرائِضَ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَها مِن صَلاةٍ وغَيْرِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.(p-١٩)
الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ.
﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ مِنَ المالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ورِفْدُ المُحْتاجِ ومَعُونَةُ المُضْطَرِّ.
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَنْ يُؤَخِّرَها عَنِ المَوْتِ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وهو أظْهَرُهُما.
الثّانِي: لَنْ يُؤَخِّرَها بَعْدَ المَوْتِ وإنَّما يُعَجِّلُ لَها في القَبْرِ.
التغابن 64:1
(p-٢٠)سُورَةُ التَّغابُنِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ ﴿وَمِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: فَمِنكم كافِرٌ بِهِ وإنْ أقَرَّ بِهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِهِ.(p-٢١)
قالَ الحَسَنُ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم فاسِقٌ، فَحَذَفَهُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَقالَ غَيْرُهُ: لا حَذْفَ فِيهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ.
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِالقَوْلِ.
الثّانِي: بِإحْكامِ الصَّنْعَةِ وصِحَّةِ التَّقْدِيرِ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ ثالِثًا: أنَّ مَعْناهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِلْحَقِّ.
﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ بِيَدِهِ كَرامَةً لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: جَمِيعُ الخَلْقِ لِأنَّهم مَخْلُوقُونَ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ.
﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أيْ فَأحْكَمَها.
التغابن 64:2
(p-٢٠)سُورَةُ التَّغابُنِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ ﴿وَمِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: فَمِنكم كافِرٌ بِهِ وإنْ أقَرَّ بِهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِهِ.(p-٢١)
قالَ الحَسَنُ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم فاسِقٌ، فَحَذَفَهُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَقالَ غَيْرُهُ: لا حَذْفَ فِيهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ.
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِالقَوْلِ.
الثّانِي: بِإحْكامِ الصَّنْعَةِ وصِحَّةِ التَّقْدِيرِ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ ثالِثًا: أنَّ مَعْناهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِلْحَقِّ.
﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ بِيَدِهِ كَرامَةً لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: جَمِيعُ الخَلْقِ لِأنَّهم مَخْلُوقُونَ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ.
﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أيْ فَأحْكَمَها.
التغابن 64:3
(p-٢٠)سُورَةُ التَّغابُنِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ ﴿وَمِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: فَمِنكم كافِرٌ بِهِ وإنْ أقَرَّ بِهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِهِ.(p-٢١)
قالَ الحَسَنُ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم فاسِقٌ، فَحَذَفَهُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَقالَ غَيْرُهُ: لا حَذْفَ فِيهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ.
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِالقَوْلِ.
الثّانِي: بِإحْكامِ الصَّنْعَةِ وصِحَّةِ التَّقْدِيرِ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ ثالِثًا: أنَّ مَعْناهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِلْحَقِّ.
﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ بِيَدِهِ كَرامَةً لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: جَمِيعُ الخَلْقِ لِأنَّهم مَخْلُوقُونَ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ.
﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أيْ فَأحْكَمَها.
التغابن 64:4
(p-٢٠)سُورَةُ التَّغابُنِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ ﴿وَمِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِأنَّهُ خَلَقَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: فَمِنكم كافِرٌ بِهِ وإنْ أقَرَّ بِهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِهِ.(p-٢١)
قالَ الحَسَنُ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم فاسِقٌ، فَحَذَفَهُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَقالَ غَيْرُهُ: لا حَذْفَ فِيهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ.
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِالقَوْلِ.
الثّانِي: بِإحْكامِ الصَّنْعَةِ وصِحَّةِ التَّقْدِيرِ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ ثالِثًا: أنَّ مَعْناهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِلْحَقِّ.
﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ بِيَدِهِ كَرامَةً لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: جَمِيعُ الخَلْقِ لِأنَّهم مَخْلُوقُونَ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ.
﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أيْ فَأحْكَمَها.
التغابن 64:5
﴿فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ قالُوا ذَلِكَ اسْتِصْغارًا لِلْبَشَرِ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا مِنَ اللَّهِ إلى أمْثالِهِمْ، والبَشَرُ والإنْسانُ واحِدٌ في المَعْنى، وإنَّما يَخْتَلِفانِ في اشْتِقاقِ الِاسْمِ، فالبَشَرُ مَأْخُوذٌ مِن ظُهُورِ البَشْرَةِ، وفي الإنْسانِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَأْخُوذٌ مِنَ الإنْسِ.
والثّانِي: مِنَ النِّسْيانِ.
﴿فَكَفَرُوا﴾ يَعْنِي بِالرُّسُلِ ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي عَنِ البُرْهانِ.
﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِسُلْطانِهِ عَنْ طاعَةِ عِبادِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: واسْتَغْنى اللَّهُ بِما أظْهَرَهُ لَهم مِنَ البُرْهانِ وأوْضَحَهُ لَهم مِنَ البَيانِ مِن زِيادَةٍ تَدْعُو إلى الرُّشْدِ وتَقُودُ إلى الهِدايَةِ.
﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ في قَوْلِهِ ﴿غَنِيٌّ﴾ وجْهانِ:(p-٢٢)
أحَدُهُما: غَنِيٌّ عَنْ صَدَقاتِكم، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ.
الثّانِي: عَنْ عَمَلِكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفي ﴿حَمِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي مُسْتَحْمِدًا إلى خَلْقِهِ بِما يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ عَلِيٍّ.
الثّانِي: إنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِحَمْدِهِمْ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيهِ ثالِثٌ: مَعْناهُ يُحِبُّ مِن عِبادِهِ أنْ يَحْمَدُوهُ.
التغابن 64:6
﴿فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ قالُوا ذَلِكَ اسْتِصْغارًا لِلْبَشَرِ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا مِنَ اللَّهِ إلى أمْثالِهِمْ، والبَشَرُ والإنْسانُ واحِدٌ في المَعْنى، وإنَّما يَخْتَلِفانِ في اشْتِقاقِ الِاسْمِ، فالبَشَرُ مَأْخُوذٌ مِن ظُهُورِ البَشْرَةِ، وفي الإنْسانِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَأْخُوذٌ مِنَ الإنْسِ.
والثّانِي: مِنَ النِّسْيانِ.
﴿فَكَفَرُوا﴾ يَعْنِي بِالرُّسُلِ ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي عَنِ البُرْهانِ.
﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِسُلْطانِهِ عَنْ طاعَةِ عِبادِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: واسْتَغْنى اللَّهُ بِما أظْهَرَهُ لَهم مِنَ البُرْهانِ وأوْضَحَهُ لَهم مِنَ البَيانِ مِن زِيادَةٍ تَدْعُو إلى الرُّشْدِ وتَقُودُ إلى الهِدايَةِ.
﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ في قَوْلِهِ ﴿غَنِيٌّ﴾ وجْهانِ:(p-٢٢)
أحَدُهُما: غَنِيٌّ عَنْ صَدَقاتِكم، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ.
الثّانِي: عَنْ عَمَلِكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفي ﴿حَمِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي مُسْتَحْمِدًا إلى خَلْقِهِ بِما يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ عَلِيٍّ.
الثّانِي: إنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِحَمْدِهِمْ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيهِ ثالِثٌ: مَعْناهُ يُحِبُّ مِن عِبادِهِ أنْ يَحْمَدُوهُ.
التغابن 64:7
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ شُرَيْحٌ زَعَمُوا كُنْيَةَ الكَذِبِ.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومِن تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وأُمَّتِهِ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ ثَوابِ أهْلِ الطّاعَةِ وعِقابِ أهْلِ المَعاصِي.(p-٢٣)
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وما أرْتَجِي بِالعَيْشِ مِن دارِ فُرْقَةٍ ألا إنَّما الرّاحاتُ يَوْمُ التَّغابُنِ
الثّانِي: لِأنَّهُ غَبَنَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ لِعَمْرُكَ ما شَيْءٌ يَفُوتُكَ نَيْلُهُ ∗∗∗ بِغُبْنٍ ولَكِنْ في العُقُولِ التَّغابُنُ
الثّالِثُ: لِأنَّهُ يَوْمٌ غَبَنَ فِيهِ المَظْلُومُ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أخْفاهُ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، والغُبْنُ الإخْفاءُ ومِنهُ الغُبْنُ في البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَغابِنُ الجَسَدِ لِما خَفِيَ مِنهُ.
التغابن 64:8
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ شُرَيْحٌ زَعَمُوا كُنْيَةَ الكَذِبِ.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومِن تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وأُمَّتِهِ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ ثَوابِ أهْلِ الطّاعَةِ وعِقابِ أهْلِ المَعاصِي.(p-٢٣)
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وما أرْتَجِي بِالعَيْشِ مِن دارِ فُرْقَةٍ ألا إنَّما الرّاحاتُ يَوْمُ التَّغابُنِ
الثّانِي: لِأنَّهُ غَبَنَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ لِعَمْرُكَ ما شَيْءٌ يَفُوتُكَ نَيْلُهُ ∗∗∗ بِغُبْنٍ ولَكِنْ في العُقُولِ التَّغابُنُ
الثّالِثُ: لِأنَّهُ يَوْمٌ غَبَنَ فِيهِ المَظْلُومُ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أخْفاهُ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، والغُبْنُ الإخْفاءُ ومِنهُ الغُبْنُ في البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَغابِنُ الجَسَدِ لِما خَفِيَ مِنهُ.
التغابن 64:9
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ شُرَيْحٌ زَعَمُوا كُنْيَةَ الكَذِبِ.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومِن تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وأُمَّتِهِ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ ثَوابِ أهْلِ الطّاعَةِ وعِقابِ أهْلِ المَعاصِي.(p-٢٣)
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وما أرْتَجِي بِالعَيْشِ مِن دارِ فُرْقَةٍ ألا إنَّما الرّاحاتُ يَوْمُ التَّغابُنِ
الثّانِي: لِأنَّهُ غَبَنَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ لِعَمْرُكَ ما شَيْءٌ يَفُوتُكَ نَيْلُهُ ∗∗∗ بِغُبْنٍ ولَكِنْ في العُقُولِ التَّغابُنُ
الثّالِثُ: لِأنَّهُ يَوْمٌ غَبَنَ فِيهِ المَظْلُومُ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أخْفاهُ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، والغُبْنُ الإخْفاءُ ومِنهُ الغُبْنُ في البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَغابِنُ الجَسَدِ لِما خَفِيَ مِنهُ.
التغابن 64:10
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ شُرَيْحٌ زَعَمُوا كُنْيَةَ الكَذِبِ.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومِن تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وأُمَّتِهِ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ ثَوابِ أهْلِ الطّاعَةِ وعِقابِ أهْلِ المَعاصِي.(p-٢٣)
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وما أرْتَجِي بِالعَيْشِ مِن دارِ فُرْقَةٍ ألا إنَّما الرّاحاتُ يَوْمُ التَّغابُنِ
الثّانِي: لِأنَّهُ غَبَنَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ لِعَمْرُكَ ما شَيْءٌ يَفُوتُكَ نَيْلُهُ ∗∗∗ بِغُبْنٍ ولَكِنْ في العُقُولِ التَّغابُنُ
الثّالِثُ: لِأنَّهُ يَوْمٌ غَبَنَ فِيهِ المَظْلُومُ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أخْفاهُ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، والغُبْنُ الإخْفاءُ ومِنهُ الغُبْنُ في البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَغابِنُ الجَسَدِ لِما خَفِيَ مِنهُ.
التغابن 64:11
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ مِن نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ يَقْتَضِي هَمًّا أوْ يُوجِبُ عِقابًا عاجِلًا أوْ آجِلًا.
﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
الثّانِي: إلّا بِحُكْمِ اللَّهِ تَسْلِيمًا لِأمْرِهِ وانْقِيادًا لِحُكْمِهِ.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَهْدِي قَلْبَهُ اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَرْضى ويُسَلِّمُ، قالَهُ بِشْرٌ.
الثّالِثُ: أنْ يَسْتَرْجِعَ فَيَقُولَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.
الرّابِعُ: هو إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أنْعَمَ عَلَيْهِ شَكَرَ وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.(p-٢٤)
التغابن 64:12
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ مِن نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ يَقْتَضِي هَمًّا أوْ يُوجِبُ عِقابًا عاجِلًا أوْ آجِلًا.
﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
الثّانِي: إلّا بِحُكْمِ اللَّهِ تَسْلِيمًا لِأمْرِهِ وانْقِيادًا لِحُكْمِهِ.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَهْدِي قَلْبَهُ اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَرْضى ويُسَلِّمُ، قالَهُ بِشْرٌ.
الثّالِثُ: أنْ يَسْتَرْجِعَ فَيَقُولَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.
الرّابِعُ: هو إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أنْعَمَ عَلَيْهِ شَكَرَ وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.(p-٢٤)
التغابن 64:13
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ مِن نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ يَقْتَضِي هَمًّا أوْ يُوجِبُ عِقابًا عاجِلًا أوْ آجِلًا.
﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
الثّانِي: إلّا بِحُكْمِ اللَّهِ تَسْلِيمًا لِأمْرِهِ وانْقِيادًا لِحُكْمِهِ.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَهْدِي قَلْبَهُ اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَرْضى ويُسَلِّمُ، قالَهُ بِشْرٌ.
الثّالِثُ: أنْ يَسْتَرْجِعَ فَيَقُولَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.
الرّابِعُ: هو إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أنْعَمَ عَلَيْهِ شَكَرَ وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.(p-٢٤)
التغابن 64:14
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأرادُوا الهِجْرَةَ فَمَنَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم مِنها وثَبَّطُوهم عَنْها، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم مَن لا يَأْمُرُ بِطاعَةِ اللَّهِ ولا يَنْهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنهم مَن يَأْمُرُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ومَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ ألّا يُطِيعَهُ، وهَذا مِنَ العَداوَةِ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نُبِّئْتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: مَنِ اتَّخَذَ أهْلًا ومالًا ووَلَدًا كانَ لِلدُّنْيا عَبْدًا.
الرّابِعُ: أنَّ مِنهم مَن هو مُخالِفٌ لِلدِّينِ، فَصارَ بِمُخالَفَةِ الدِّينِ عَدُوًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.(p-٢٥)
الخامِسُ: أنَّ مَن حَمَلَكَ مِنهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والِاسْتِكْثارِ مِنها كانَ عَدُوًّا لَكَ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرُوهم عَلى دِينِكُمْ; قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلى أنْفُسِكم، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ.
يُرِيدُ بِالعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، وبِالصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ، وبِالغُفْرانِ لِلْمُسِيءِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذَّنَبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالعِبادِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أسْلَمَ بِمَكَّةَ ومَنَعَهُ أهْلُهُ مِنَ الهِجْرَةِ فَهاجَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ قالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأفْعَلَنَّ بِأهْلِي ولَأفْعَلَنَّ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَنالُونَ مِنِّي خَيْرًا أبَدًا، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ أهالِيهِمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَلاءٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِحْنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ لَقَدْ فُتِنَ النّاسُ في دِينِهِمْ وخَلّى ابْنُ عَفّانَ شَرًّا طَوِيلًا
وَفِي سَبَبِ افْتِتانِهِ بِهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَلْهُو بِهِما عَنْ آخِرَتِهِ ويَتَوَفَّرُ لِأجْلِهِما عَلى دُنْياهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَشِحُّ لِأجْلِ أوْلادِهِ فَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ، لِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (اَلْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ)» .(p-٢٦)
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي الجَنَّةُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن مَنفَعَتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ كانَ أجْرُهُ عَظِيمًا.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي جُهْدَكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَرْجُونَهُ بِهِ مِن نافِلَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَخْفِيفًا ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ أنَّ المُكْرَهَ عَلى المَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اتِّقاءَها.
﴿واسْمَعُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كِتابُ اللَّهِ إذا نَزَلَ عَلَيْكم.
﴿وَأطِيعُوا﴾ الرَّسُولَ فِيما أمَرَكم أوْ نَهاكم، قالَ قَتادَةُ: عَلَيْها بُويِعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ.
﴿وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: هي نَفَقَةُ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.(p-٢٧)
الثّانِي: الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
الثّالِثُ: هو مَنعُ الزَّكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أعْطى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ.
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿حَسَنًا﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَطِيبَ بِها النَّفْسُ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ بِها مُمْتَنًّا.
﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها، كَما قالَ تَعالى في التَّنْزِيلِ.
الثّانِي: إلى ما لا يَحِدُّ مِن تَفَضُّلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي ذُنُوبَكم.
﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْكُرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا وحَلِيمٌ لَنا في عَدَمِ تَعْجِيلِ المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِنا.
الثّانِي: شَكُورٌ عَلى الصَّدَقَةِ حِينَ يُضاعِفُها، حَلِيمٌ في أنْ لا يُعَجِّلَ بِالعُقُوبَةِ مِن [تَحْرِيفِ] الزَّكاةِ عَنْ مَوْضِعِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
التغابن 64:15
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأرادُوا الهِجْرَةَ فَمَنَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم مِنها وثَبَّطُوهم عَنْها، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم مَن لا يَأْمُرُ بِطاعَةِ اللَّهِ ولا يَنْهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنهم مَن يَأْمُرُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ومَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ ألّا يُطِيعَهُ، وهَذا مِنَ العَداوَةِ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نُبِّئْتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: مَنِ اتَّخَذَ أهْلًا ومالًا ووَلَدًا كانَ لِلدُّنْيا عَبْدًا.
الرّابِعُ: أنَّ مِنهم مَن هو مُخالِفٌ لِلدِّينِ، فَصارَ بِمُخالَفَةِ الدِّينِ عَدُوًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.(p-٢٥)
الخامِسُ: أنَّ مَن حَمَلَكَ مِنهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والِاسْتِكْثارِ مِنها كانَ عَدُوًّا لَكَ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرُوهم عَلى دِينِكُمْ; قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلى أنْفُسِكم، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ.
يُرِيدُ بِالعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، وبِالصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ، وبِالغُفْرانِ لِلْمُسِيءِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذَّنَبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالعِبادِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أسْلَمَ بِمَكَّةَ ومَنَعَهُ أهْلُهُ مِنَ الهِجْرَةِ فَهاجَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ قالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأفْعَلَنَّ بِأهْلِي ولَأفْعَلَنَّ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَنالُونَ مِنِّي خَيْرًا أبَدًا، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ أهالِيهِمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَلاءٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِحْنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ لَقَدْ فُتِنَ النّاسُ في دِينِهِمْ وخَلّى ابْنُ عَفّانَ شَرًّا طَوِيلًا
وَفِي سَبَبِ افْتِتانِهِ بِهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَلْهُو بِهِما عَنْ آخِرَتِهِ ويَتَوَفَّرُ لِأجْلِهِما عَلى دُنْياهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَشِحُّ لِأجْلِ أوْلادِهِ فَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ، لِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (اَلْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ)» .(p-٢٦)
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي الجَنَّةُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن مَنفَعَتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ كانَ أجْرُهُ عَظِيمًا.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي جُهْدَكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَرْجُونَهُ بِهِ مِن نافِلَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَخْفِيفًا ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ أنَّ المُكْرَهَ عَلى المَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اتِّقاءَها.
﴿واسْمَعُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كِتابُ اللَّهِ إذا نَزَلَ عَلَيْكم.
﴿وَأطِيعُوا﴾ الرَّسُولَ فِيما أمَرَكم أوْ نَهاكم، قالَ قَتادَةُ: عَلَيْها بُويِعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ.
﴿وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: هي نَفَقَةُ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.(p-٢٧)
الثّانِي: الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
الثّالِثُ: هو مَنعُ الزَّكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أعْطى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ.
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿حَسَنًا﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَطِيبَ بِها النَّفْسُ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ بِها مُمْتَنًّا.
﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها، كَما قالَ تَعالى في التَّنْزِيلِ.
الثّانِي: إلى ما لا يَحِدُّ مِن تَفَضُّلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي ذُنُوبَكم.
﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْكُرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا وحَلِيمٌ لَنا في عَدَمِ تَعْجِيلِ المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِنا.
الثّانِي: شَكُورٌ عَلى الصَّدَقَةِ حِينَ يُضاعِفُها، حَلِيمٌ في أنْ لا يُعَجِّلَ بِالعُقُوبَةِ مِن [تَحْرِيفِ] الزَّكاةِ عَنْ مَوْضِعِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
التغابن 64:16
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأرادُوا الهِجْرَةَ فَمَنَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم مِنها وثَبَّطُوهم عَنْها، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم مَن لا يَأْمُرُ بِطاعَةِ اللَّهِ ولا يَنْهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنهم مَن يَأْمُرُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ومَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ ألّا يُطِيعَهُ، وهَذا مِنَ العَداوَةِ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نُبِّئْتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: مَنِ اتَّخَذَ أهْلًا ومالًا ووَلَدًا كانَ لِلدُّنْيا عَبْدًا.
الرّابِعُ: أنَّ مِنهم مَن هو مُخالِفٌ لِلدِّينِ، فَصارَ بِمُخالَفَةِ الدِّينِ عَدُوًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.(p-٢٥)
الخامِسُ: أنَّ مَن حَمَلَكَ مِنهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والِاسْتِكْثارِ مِنها كانَ عَدُوًّا لَكَ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرُوهم عَلى دِينِكُمْ; قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلى أنْفُسِكم، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ.
يُرِيدُ بِالعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، وبِالصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ، وبِالغُفْرانِ لِلْمُسِيءِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذَّنَبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالعِبادِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أسْلَمَ بِمَكَّةَ ومَنَعَهُ أهْلُهُ مِنَ الهِجْرَةِ فَهاجَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ قالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأفْعَلَنَّ بِأهْلِي ولَأفْعَلَنَّ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَنالُونَ مِنِّي خَيْرًا أبَدًا، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ أهالِيهِمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَلاءٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِحْنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ لَقَدْ فُتِنَ النّاسُ في دِينِهِمْ وخَلّى ابْنُ عَفّانَ شَرًّا طَوِيلًا
وَفِي سَبَبِ افْتِتانِهِ بِهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَلْهُو بِهِما عَنْ آخِرَتِهِ ويَتَوَفَّرُ لِأجْلِهِما عَلى دُنْياهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَشِحُّ لِأجْلِ أوْلادِهِ فَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ، لِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (اَلْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ)» .(p-٢٦)
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي الجَنَّةُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن مَنفَعَتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ كانَ أجْرُهُ عَظِيمًا.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي جُهْدَكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَرْجُونَهُ بِهِ مِن نافِلَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَخْفِيفًا ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ أنَّ المُكْرَهَ عَلى المَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اتِّقاءَها.
﴿واسْمَعُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كِتابُ اللَّهِ إذا نَزَلَ عَلَيْكم.
﴿وَأطِيعُوا﴾ الرَّسُولَ فِيما أمَرَكم أوْ نَهاكم، قالَ قَتادَةُ: عَلَيْها بُويِعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ.
﴿وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: هي نَفَقَةُ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.(p-٢٧)
الثّانِي: الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
الثّالِثُ: هو مَنعُ الزَّكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أعْطى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ.
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿حَسَنًا﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَطِيبَ بِها النَّفْسُ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ بِها مُمْتَنًّا.
﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها، كَما قالَ تَعالى في التَّنْزِيلِ.
الثّانِي: إلى ما لا يَحِدُّ مِن تَفَضُّلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي ذُنُوبَكم.
﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْكُرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا وحَلِيمٌ لَنا في عَدَمِ تَعْجِيلِ المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِنا.
الثّانِي: شَكُورٌ عَلى الصَّدَقَةِ حِينَ يُضاعِفُها، حَلِيمٌ في أنْ لا يُعَجِّلَ بِالعُقُوبَةِ مِن [تَحْرِيفِ] الزَّكاةِ عَنْ مَوْضِعِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
التغابن 64:17
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأرادُوا الهِجْرَةَ فَمَنَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم مِنها وثَبَّطُوهم عَنْها، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم مَن لا يَأْمُرُ بِطاعَةِ اللَّهِ ولا يَنْهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنهم مَن يَأْمُرُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ومَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ ألّا يُطِيعَهُ، وهَذا مِنَ العَداوَةِ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نُبِّئْتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: مَنِ اتَّخَذَ أهْلًا ومالًا ووَلَدًا كانَ لِلدُّنْيا عَبْدًا.
الرّابِعُ: أنَّ مِنهم مَن هو مُخالِفٌ لِلدِّينِ، فَصارَ بِمُخالَفَةِ الدِّينِ عَدُوًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.(p-٢٥)
الخامِسُ: أنَّ مَن حَمَلَكَ مِنهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والِاسْتِكْثارِ مِنها كانَ عَدُوًّا لَكَ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرُوهم عَلى دِينِكُمْ; قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلى أنْفُسِكم، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ.
يُرِيدُ بِالعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، وبِالصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ، وبِالغُفْرانِ لِلْمُسِيءِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذَّنَبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالعِبادِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أسْلَمَ بِمَكَّةَ ومَنَعَهُ أهْلُهُ مِنَ الهِجْرَةِ فَهاجَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ قالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأفْعَلَنَّ بِأهْلِي ولَأفْعَلَنَّ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَنالُونَ مِنِّي خَيْرًا أبَدًا، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ أهالِيهِمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَلاءٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِحْنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ لَقَدْ فُتِنَ النّاسُ في دِينِهِمْ وخَلّى ابْنُ عَفّانَ شَرًّا طَوِيلًا
وَفِي سَبَبِ افْتِتانِهِ بِهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَلْهُو بِهِما عَنْ آخِرَتِهِ ويَتَوَفَّرُ لِأجْلِهِما عَلى دُنْياهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَشِحُّ لِأجْلِ أوْلادِهِ فَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ، لِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (اَلْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ)» .(p-٢٦)
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي الجَنَّةُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن مَنفَعَتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ كانَ أجْرُهُ عَظِيمًا.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي جُهْدَكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَرْجُونَهُ بِهِ مِن نافِلَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَخْفِيفًا ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ أنَّ المُكْرَهَ عَلى المَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اتِّقاءَها.
﴿واسْمَعُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كِتابُ اللَّهِ إذا نَزَلَ عَلَيْكم.
﴿وَأطِيعُوا﴾ الرَّسُولَ فِيما أمَرَكم أوْ نَهاكم، قالَ قَتادَةُ: عَلَيْها بُويِعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ.
﴿وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: هي نَفَقَةُ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.(p-٢٧)
الثّانِي: الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
الثّالِثُ: هو مَنعُ الزَّكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أعْطى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ.
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿حَسَنًا﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَطِيبَ بِها النَّفْسُ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ بِها مُمْتَنًّا.
﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها، كَما قالَ تَعالى في التَّنْزِيلِ.
الثّانِي: إلى ما لا يَحِدُّ مِن تَفَضُّلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي ذُنُوبَكم.
﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْكُرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا وحَلِيمٌ لَنا في عَدَمِ تَعْجِيلِ المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِنا.
الثّانِي: شَكُورٌ عَلى الصَّدَقَةِ حِينَ يُضاعِفُها، حَلِيمٌ في أنْ لا يُعَجِّلَ بِالعُقُوبَةِ مِن [تَحْرِيفِ] الزَّكاةِ عَنْ مَوْضِعِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
التغابن 64:18
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأرادُوا الهِجْرَةَ فَمَنَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم مِنها وثَبَّطُوهم عَنْها، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم مَن لا يَأْمُرُ بِطاعَةِ اللَّهِ ولا يَنْهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنهم مَن يَأْمُرُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ومَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ ألّا يُطِيعَهُ، وهَذا مِنَ العَداوَةِ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نُبِّئْتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: مَنِ اتَّخَذَ أهْلًا ومالًا ووَلَدًا كانَ لِلدُّنْيا عَبْدًا.
الرّابِعُ: أنَّ مِنهم مَن هو مُخالِفٌ لِلدِّينِ، فَصارَ بِمُخالَفَةِ الدِّينِ عَدُوًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.(p-٢٥)
الخامِسُ: أنَّ مَن حَمَلَكَ مِنهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والِاسْتِكْثارِ مِنها كانَ عَدُوًّا لَكَ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فاحْذَرُوهم عَلى دِينِكُمْ; قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلى أنْفُسِكم، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ.
يُرِيدُ بِالعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، وبِالصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ، وبِالغُفْرانِ لِلْمُسِيءِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذَّنَبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالعِبادِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أسْلَمَ بِمَكَّةَ ومَنَعَهُ أهْلُهُ مِنَ الهِجْرَةِ فَهاجَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ قالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأفْعَلَنَّ بِأهْلِي ولَأفْعَلَنَّ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَنالُونَ مِنِّي خَيْرًا أبَدًا، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ أهالِيهِمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَلاءٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِحْنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ لَقَدْ فُتِنَ النّاسُ في دِينِهِمْ وخَلّى ابْنُ عَفّانَ شَرًّا طَوِيلًا
وَفِي سَبَبِ افْتِتانِهِ بِهِما وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَلْهُو بِهِما عَنْ آخِرَتِهِ ويَتَوَفَّرُ لِأجْلِهِما عَلى دُنْياهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَشِحُّ لِأجْلِ أوْلادِهِ فَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ، لِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (اَلْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ)» .(p-٢٦)
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي الجَنَّةُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن مَنفَعَتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ كانَ أجْرُهُ عَظِيمًا.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي جُهْدَكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَرْجُونَهُ بِهِ مِن نافِلَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَخْفِيفًا ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ أنَّ المُكْرَهَ عَلى المَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اتِّقاءَها.
﴿واسْمَعُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كِتابُ اللَّهِ إذا نَزَلَ عَلَيْكم.
﴿وَأطِيعُوا﴾ الرَّسُولَ فِيما أمَرَكم أوْ نَهاكم، قالَ قَتادَةُ: عَلَيْها بُويِعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ.
﴿وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: هي نَفَقَةُ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.(p-٢٧)
الثّانِي: الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
الثّالِثُ: هو مَنعُ الزَّكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أعْطى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ.
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿حَسَنًا﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَطِيبَ بِها النَّفْسُ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ بِها مُمْتَنًّا.
﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها، كَما قالَ تَعالى في التَّنْزِيلِ.
الثّانِي: إلى ما لا يَحِدُّ مِن تَفَضُّلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي ذُنُوبَكم.
﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْكُرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا وحَلِيمٌ لَنا في عَدَمِ تَعْجِيلِ المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِنا.
الثّانِي: شَكُورٌ عَلى الصَّدَقَةِ حِينَ يُضاعِفُها، حَلِيمٌ في أنْ لا يُعَجِّلَ بِالعُقُوبَةِ مِن [تَحْرِيفِ] الزَّكاةِ عَنْ مَوْضِعِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
الطلاق 65:1
(p-٢٨)سُورَةُ الطَّلاقِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ.
هَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ [فَهُوَ شامِلٌ لِأُمَّتِهِ فَرَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ قالَ: « (طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأتَتْ أهْلَها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقِيلَ لَهُ راجِعْها فَإنَّها قَوّامَةٌ صَوّامَةٌ، وهي مِن أزْواجِكَ في الجَنَّةِ)]» . ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يَعْنِي في طُهْرٍ مِن غَيْرِ جِماعٍ، وهو طَلاقُ السُّنَّةِ.
وَفي اعْتِبارِ العَدَدِ في طَلاقِ السُّنَّةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُعْتَبَرٌ وأنَّ مِنَ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَ في كُلِّ قُرْءٍ واحِدَةً، فَإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا مَعًا في قُرْءٍ كانَ طَلاقَ بِدْعَةٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ رَحِمَهُما اللَّهُ.(p-٢٩)
الثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وأنَّ السُّنَّةَ في زَمانِ الطَّلاقِ لا في عَدَدِهِ، فَإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا في قُرْءٍ كانَ غَيْرَ بِدْعَةٍ، قالَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ» . وإنْ طَلَّقَها حائِضًا أوْ طُهْرَ جِماعٍ كانَ بِدَعَةً، وهو واقِعٌ، وزَعَمَ طائِفَةٌ أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ لِخِلافِ المَأْذُونِ فِيهِ فَأمّا طَلاقُ الحامِلِ وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها والصَّغِيرَةِ واليائِسَةِ والمُخْتَلِعَةِ فَلا سُنَّةَ فِيهِ ولا بِدْعَةَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَأحْصُوا العِدَّةَ﴾ يَعْنِي في المَدْخُولِ بِها، لِأنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِها لا عِدَّةَ عَلَيْها ولَهُ أنْ يُراجِعَها فِيما دُونَ الثَّلاثِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، ويَكُونُ بَعْدَها كَأحَدِ الخُطّابِ، ولا تَحِلُّ لَهُ في الثَّلاثِ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ يَعْنِي في نِسائِكُمُ المُطَلَّقاتِ.
﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾ يَعْنِي في زَمانِ عِدَّتِهِنَّ، لِوُجُودِ السُّكْنى لَهُنَّ.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الفاحِشَةَ يَعْنِي الزِّنا، والإخْراجُ هو إخْراجُها لِإقامَةِ الحَدِّ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ البَذاءُ عَلى أحْمائِها، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ والشّافِعِيِّ.
الثّالِثُ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الرّابِعُ: أنَّ الفاحِشَةَ خُرُوجُهُنَّ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بِخُرُوجِهِنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي وهَذِهِ حُدُودُ اللَّهِ، وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي طاعَةَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: سُنَّةُ اللَّهِ وأمْرُهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.(p-٣٠)
الثّالِثُ: شُرُوطُ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: مَن لَمْ يَرْضَ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَن خالَفَها، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ في عَدَمِ الرِّضا، بِاكْتِسابِ المَأْثَمِ.
الثّانِي: في وُقُوعِ الطَّلاقِ في غَيْرِ الطُّهْرِ لِلشُّهُورِ لِتَطْوِيلِ هَذِهِ العِدَّةِ والإضْرارِ بِالزَّوْجَةِ.
﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ يَعْنِي رَجْعَةً، في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ إنْ طَلَّقَ دُونَ الثَّلاثِ.
الطلاق 65:2
﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ يَعْنِي قارَبْنَ انْقِضاءَ عِدَّتِهِنَّ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يَعْنِي بِالإمْساكِ الرَّجْعَةَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِطاعَةِ اللَّهِ في الشَّهادَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنْ لا يَقْصِدَ الإضْرارَ بِها في المُراجَعَةِ تَطْوِيلًا لِعِدَّتِها.
﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهَذا بِأنْ لا يُراجِعَها في العِدَّةِ حَتّى تَنْقَضِيَ في مَنزِلِها.
﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي عَلى الرَّجْعَةِ في العِدَّةِ، فَإنْ راجَعَ مِن غَيْرِ شَهادَةٍ فَفي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ لِلْفُقَهاءِ.(p-٣١)
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ يُنْجِيهِ مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ المَخْرَجَ عِلْمُهُ بِأنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُعْطِي ويَمْنَعُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المَخْرَجَ هو أنْ يُقْنِعَهُ اللَّهُ بِما رَزَقَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ.
الرّابِعُ: مَخْرَجًا مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ومِنَ الضِّيقِ إلى السِّعَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالطَّلاقِ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ في الرَّجْعَةِ في العِدَّةِ، وأنْ يَكُونَ كَأحَدِ الخُطّابِ بَعْدَ العِدَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
السّابِعُ: «أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أُسِرَ ابْنُهُ عَوْفٌ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكا إلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ ضُرٍّ أصابَهُ، فَأمَرَهُ أنْ يُكْثِرَ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاَللَّهِ، فَأفْلَتَ ابْنُهُ مِنَ الأسْرِ ورَكِبَ ناقَةً لِلْقَوْمِ ومَرَّ في طَرِيقِهِ بِسَرْحٍ لَهم فاسْتاقَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَوْفٌ فَوَقَفَ عَلى أبِيهِ يُنادِيهِ وقَدْ مَلَأ الأقْبالَ إبِلًا، فَلَمّا رَآهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ وسَألَهُ عَنِ الإبِلِ فَقالَ: اصْنَعْ بِها ما أحْبَبْتَ وما كُنْتَ صانِعًا بِمالِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآيَةَ»، فَرَوى الحَسَنُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (مَنِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفاهُ اللَّهُ كُلَّ مُؤُونَةٍ ورَزَقَهُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومَنِ انْقَطَعَ إلى الدُّنْيا وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْها)» . ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ قالَ مَسْرُوقٌ: إنَّ اللَّهَ قاضٍ أمْرَهُ فِيمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وفِيمَن (p-٣٢)
لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ مَن تَوَكَّلَ يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمُ لَهُ أجْرًا.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: يَعْنِي وقْتًا وأجَلًا، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
الثّانِي: مُنْتَهى وغايَةً، قالَهُ قُطْرُبٌ والأخْفَشُ.
الثّالِثُ: مِقْدارًا واحِدًا، فَإنْ كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ كانَ مِقْدَرًا بِأوامِرِ اللَّهِ، وإنْ كانَ مِن أفْعالِ اللَّهِ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِمَشِيئَتِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمَصْلَحَةِ عِبادِهِ.
الطلاق 65:3
﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ يَعْنِي قارَبْنَ انْقِضاءَ عِدَّتِهِنَّ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يَعْنِي بِالإمْساكِ الرَّجْعَةَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِطاعَةِ اللَّهِ في الشَّهادَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنْ لا يَقْصِدَ الإضْرارَ بِها في المُراجَعَةِ تَطْوِيلًا لِعِدَّتِها.
﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهَذا بِأنْ لا يُراجِعَها في العِدَّةِ حَتّى تَنْقَضِيَ في مَنزِلِها.
﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي عَلى الرَّجْعَةِ في العِدَّةِ، فَإنْ راجَعَ مِن غَيْرِ شَهادَةٍ فَفي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ لِلْفُقَهاءِ.(p-٣١)
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ يُنْجِيهِ مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ المَخْرَجَ عِلْمُهُ بِأنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُعْطِي ويَمْنَعُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المَخْرَجَ هو أنْ يُقْنِعَهُ اللَّهُ بِما رَزَقَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ.
الرّابِعُ: مَخْرَجًا مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ومِنَ الضِّيقِ إلى السِّعَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالطَّلاقِ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ في الرَّجْعَةِ في العِدَّةِ، وأنْ يَكُونَ كَأحَدِ الخُطّابِ بَعْدَ العِدَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
السّابِعُ: «أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أُسِرَ ابْنُهُ عَوْفٌ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكا إلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ ضُرٍّ أصابَهُ، فَأمَرَهُ أنْ يُكْثِرَ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاَللَّهِ، فَأفْلَتَ ابْنُهُ مِنَ الأسْرِ ورَكِبَ ناقَةً لِلْقَوْمِ ومَرَّ في طَرِيقِهِ بِسَرْحٍ لَهم فاسْتاقَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَوْفٌ فَوَقَفَ عَلى أبِيهِ يُنادِيهِ وقَدْ مَلَأ الأقْبالَ إبِلًا، فَلَمّا رَآهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ وسَألَهُ عَنِ الإبِلِ فَقالَ: اصْنَعْ بِها ما أحْبَبْتَ وما كُنْتَ صانِعًا بِمالِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآيَةَ»، فَرَوى الحَسَنُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (مَنِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفاهُ اللَّهُ كُلَّ مُؤُونَةٍ ورَزَقَهُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومَنِ انْقَطَعَ إلى الدُّنْيا وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْها)» . ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ قالَ مَسْرُوقٌ: إنَّ اللَّهَ قاضٍ أمْرَهُ فِيمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وفِيمَن (p-٣٢)
لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ مَن تَوَكَّلَ يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمُ لَهُ أجْرًا.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: يَعْنِي وقْتًا وأجَلًا، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
الثّانِي: مُنْتَهى وغايَةً، قالَهُ قُطْرُبٌ والأخْفَشُ.
الثّالِثُ: مِقْدارًا واحِدًا، فَإنْ كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ كانَ مِقْدَرًا بِأوامِرِ اللَّهِ، وإنْ كانَ مِن أفْعالِ اللَّهِ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِمَشِيئَتِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمَصْلَحَةِ عِبادِهِ.
الطلاق 65:4
﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ في الرِّيبَةِ ها هُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إنِ ارْتَبْتُمْ فِيهِنَّ بِالدَّمِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُنَّ لِكِبَرِهِنَّ فَلَمْ تَعْرِفُوا أحَيْضٌ هو أمِ اسْتِحاضَةٌ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ.
الثّانِي: إنِ ارْتَبْتُمْ بِحُكْمِ عِدَدِهِنَّ فَلَمْ تَعْلَمُوا بِماذا يَعْتَدِدْنَ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ.
رَوى عُمَرُ بْنُ سالِمٍ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ناسًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ الَّتِي في البَقَرَةِ في عِدَّةِ النِّساءِ قالُوا: لَقَدْ بَقِيَ مِن عِدَّةِ النِّساءِ عَدَدٌ لَمْ يُذْكَرْنَ في القُرْآنِ الصِّغارُ والكِبارُ اللّاتِي قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الحَيْضُ وذَواتُ (p-٣٣)الحَمْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾» يَعْنِي كَذَلِكَ عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ قُرْءٍ شَهْرًا، لِأنَّها تَجْمَعُ في الأغْلَبِ حَيْضًا وطُهْرًا.
﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَكانَتْ عِدَّةُ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها في الطَّلاقِ والوَفاةِ.
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَن يَتَّقِهِ في طَلاقِ السُّنَّةِ يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا في الرَّجْعَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَن يَتَّقِ اللَّهَ في اجْتِنابِ مَعاصِيهِ يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا في تَوْفِيقِهِ لِلطّاعَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
الطلاق 65:5
﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ في الرِّيبَةِ ها هُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إنِ ارْتَبْتُمْ فِيهِنَّ بِالدَّمِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُنَّ لِكِبَرِهِنَّ فَلَمْ تَعْرِفُوا أحَيْضٌ هو أمِ اسْتِحاضَةٌ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ.
الثّانِي: إنِ ارْتَبْتُمْ بِحُكْمِ عِدَدِهِنَّ فَلَمْ تَعْلَمُوا بِماذا يَعْتَدِدْنَ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ.
رَوى عُمَرُ بْنُ سالِمٍ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ناسًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ الَّتِي في البَقَرَةِ في عِدَّةِ النِّساءِ قالُوا: لَقَدْ بَقِيَ مِن عِدَّةِ النِّساءِ عَدَدٌ لَمْ يُذْكَرْنَ في القُرْآنِ الصِّغارُ والكِبارُ اللّاتِي قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الحَيْضُ وذَواتُ (p-٣٣)الحَمْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾» يَعْنِي كَذَلِكَ عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ قُرْءٍ شَهْرًا، لِأنَّها تَجْمَعُ في الأغْلَبِ حَيْضًا وطُهْرًا.
﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَكانَتْ عِدَّةُ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها في الطَّلاقِ والوَفاةِ.
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَن يَتَّقِهِ في طَلاقِ السُّنَّةِ يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا في الرَّجْعَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَن يَتَّقِ اللَّهَ في اجْتِنابِ مَعاصِيهِ يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا في تَوْفِيقِهِ لِلطّاعَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
الطلاق 65:6
﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ يَعْنِي: سَكَنُ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقٌّ عَلى زَوْجِها مُدَّةَ نِكاحِها وفي عِدَّةِ طَلاقِها بائِنًا كانَ أوْ رَجْعِيًّا.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: مِن قُوتِكم، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّانِي: مِن سَعْيِكم، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: مِن طاقَتِكم، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: مِمّا تَجِدُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.
﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:(p-٣٤)
أحَدُهُما: في المَساكِنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ في النَّفَقَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ أنَّهُ التَّضْيِيقُ في المَسْكَنِ فَهو عامٌّ في حالِ الزَّوْجِيَّةِ وفي كُلِّ عِدَّةٍ، لِأنَّ السُّكْنى لِلْمُعْتَدَّةِ واجِبَةٌ في كُلِّ عِدَّةٍ في طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أوْ لا يَمْلِكُ.
وَفي وُجُوبِهِ في عِدَّةِ الوَفاةِ قَوْلانِ; وعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ أنَّهُ التَّضْيِيقُ في النَّفَقَةِ فَهو خاصٌّ في الزَّوْجَةِ وفي المُعْتَدَّةِ مِن طَلاقٍ رَجْعِيٍّ.
وَفي اسْتِحْقاقِها لِلْمُطَلَّقَةِ البائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لا نَفَقَةَ لِلْبائِنِ في العِدَّةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.
الثّانِي: لَها النَّفَقَةُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
﴿وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهَذا في نَفَقَةِ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ لِأنَّها واجِبَةٌ لَها مُدَّةَ حَمْلِها في قَوْلِ الجَمِيعِ سَواءً كانَ طَلاقًا بائِنًا أمْ رَجْعِيًّا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَها هَلِ اسْتَحَقَّتْهُ بِنَفْسِها إنْ كانَتْ بائِنًا أوْ بِحَمْلِها عَلى قَوْلَيْنِ.
﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهَذا في المُطَلَّقَةِ إذا أرْضَعَتْ فَلَها عَلى المُطَلِّقِ أُجْرَةُ رَضِيعِها لِأنَّ نَفَقَتَهُ ورِضاعَهُ واجِبٌ عَلى أبِيهِ دُونَها، ولا أُجْرَةَ لَها إنْ كانَتْ عَلى نِكاحِهِ.
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: تَراضَوْا يَعْنِي أبَوَيِ الوَلَدِ يَتَراضَيانِ بَيْنَهُما إذا وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُما بِمَعْرُوفٍ في أُجْرَتِها عَلى الأبِ ورِضاعِها لِلْوَلَدِ.
﴿وَإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَضايَقْتُمْ وتَشاكَسْتُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.(p-٣٥)
الثّانِي: اخْتَلَفْتُمْ.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ واخْتِلافُهُما نَوْعانِ:
أحَدُهُما: في الرَّضاعِ.
الثّانِي: في الأجْرِ.
فَإنِ اخْتَلَفا في الرَّضاعِ فَإنْ دَعَتْ إلى إرْضاعِهِ فامْتَنَعَ الأبُ مُكِّنَتْ مِنهُ جَبْرًا، وإنْ دَعاها الأبُ إلى إرْضاعِهِ فامْتَنَعَتْ، فَإنْ كانَ يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها لَمْ تُجْبَرْ عَلى إرْضاعِهِ ويُسْتَرْضَعْ لَهُ غَيْرُها، وإنْ كانَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها أُجْبِرَتْ عَلى إرْضاعِهِ بِأجْرِ مِثْلِها.
وَإنِ اخْتَلَفا في الأجْرِ فَإنْ دَعَتْ إلى أجْرِ مِثْلِها وامْتَنَعَ الأبُ إلّا تَبَرُّعًا فالأُمُّ أوْلى بِأجْرِ المِثْلِ إذا لَمْ يَجِدِ الأبُ مُتَبَرِّعًا.
وَإنْ دَعا الأبُ إلى أجْرِ المِثْلِ وامْتَنَعَتِ الأُمُّ شَطَطًا فالأبُ أوْلى بِهِ، فَإذا أعْسَرَ الأبُ بِأُجْرَتِها أُخِذَتْ جَبْرًا بِرِضاعِ ولَدِها.
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ الأبَ نَفَقَةَ المُرْضِعِ إلّا بِحَسَبَ المُكْنَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: لا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ أنْ يَتَصَدَّقَ ويُزَكِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ مالٌ مُصَدَّقٌ ولا مُزَكًّى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكَلِّفُهُ فَرِيضَةً إلّا بِحَسَبَ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِن قُدْرَتِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي بَعْدَ ضِيقِ سِعَةٍ.
الثّانِي: بَعْدَ عَجْزِ قُدْرَةٍ.(p-٣٦)
الطلاق 65:7
﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ يَعْنِي: سَكَنُ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقٌّ عَلى زَوْجِها مُدَّةَ نِكاحِها وفي عِدَّةِ طَلاقِها بائِنًا كانَ أوْ رَجْعِيًّا.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: مِن قُوتِكم، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّانِي: مِن سَعْيِكم، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: مِن طاقَتِكم، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: مِمّا تَجِدُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.
﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:(p-٣٤)
أحَدُهُما: في المَساكِنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ في النَّفَقَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ أنَّهُ التَّضْيِيقُ في المَسْكَنِ فَهو عامٌّ في حالِ الزَّوْجِيَّةِ وفي كُلِّ عِدَّةٍ، لِأنَّ السُّكْنى لِلْمُعْتَدَّةِ واجِبَةٌ في كُلِّ عِدَّةٍ في طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أوْ لا يَمْلِكُ.
وَفي وُجُوبِهِ في عِدَّةِ الوَفاةِ قَوْلانِ; وعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ أنَّهُ التَّضْيِيقُ في النَّفَقَةِ فَهو خاصٌّ في الزَّوْجَةِ وفي المُعْتَدَّةِ مِن طَلاقٍ رَجْعِيٍّ.
وَفي اسْتِحْقاقِها لِلْمُطَلَّقَةِ البائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لا نَفَقَةَ لِلْبائِنِ في العِدَّةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.
الثّانِي: لَها النَّفَقَةُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
﴿وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهَذا في نَفَقَةِ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ لِأنَّها واجِبَةٌ لَها مُدَّةَ حَمْلِها في قَوْلِ الجَمِيعِ سَواءً كانَ طَلاقًا بائِنًا أمْ رَجْعِيًّا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَها هَلِ اسْتَحَقَّتْهُ بِنَفْسِها إنْ كانَتْ بائِنًا أوْ بِحَمْلِها عَلى قَوْلَيْنِ.
﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهَذا في المُطَلَّقَةِ إذا أرْضَعَتْ فَلَها عَلى المُطَلِّقِ أُجْرَةُ رَضِيعِها لِأنَّ نَفَقَتَهُ ورِضاعَهُ واجِبٌ عَلى أبِيهِ دُونَها، ولا أُجْرَةَ لَها إنْ كانَتْ عَلى نِكاحِهِ.
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: تَراضَوْا يَعْنِي أبَوَيِ الوَلَدِ يَتَراضَيانِ بَيْنَهُما إذا وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُما بِمَعْرُوفٍ في أُجْرَتِها عَلى الأبِ ورِضاعِها لِلْوَلَدِ.
﴿وَإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَضايَقْتُمْ وتَشاكَسْتُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.(p-٣٥)
الثّانِي: اخْتَلَفْتُمْ.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ واخْتِلافُهُما نَوْعانِ:
أحَدُهُما: في الرَّضاعِ.
الثّانِي: في الأجْرِ.
فَإنِ اخْتَلَفا في الرَّضاعِ فَإنْ دَعَتْ إلى إرْضاعِهِ فامْتَنَعَ الأبُ مُكِّنَتْ مِنهُ جَبْرًا، وإنْ دَعاها الأبُ إلى إرْضاعِهِ فامْتَنَعَتْ، فَإنْ كانَ يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها لَمْ تُجْبَرْ عَلى إرْضاعِهِ ويُسْتَرْضَعْ لَهُ غَيْرُها، وإنْ كانَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها أُجْبِرَتْ عَلى إرْضاعِهِ بِأجْرِ مِثْلِها.
وَإنِ اخْتَلَفا في الأجْرِ فَإنْ دَعَتْ إلى أجْرِ مِثْلِها وامْتَنَعَ الأبُ إلّا تَبَرُّعًا فالأُمُّ أوْلى بِأجْرِ المِثْلِ إذا لَمْ يَجِدِ الأبُ مُتَبَرِّعًا.
وَإنْ دَعا الأبُ إلى أجْرِ المِثْلِ وامْتَنَعَتِ الأُمُّ شَطَطًا فالأبُ أوْلى بِهِ، فَإذا أعْسَرَ الأبُ بِأُجْرَتِها أُخِذَتْ جَبْرًا بِرِضاعِ ولَدِها.
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ الأبَ نَفَقَةَ المُرْضِعِ إلّا بِحَسَبَ المُكْنَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: لا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ أنْ يَتَصَدَّقَ ويُزَكِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ مالٌ مُصَدَّقٌ ولا مُزَكًّى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكَلِّفُهُ فَرِيضَةً إلّا بِحَسَبَ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِن قُدْرَتِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي بَعْدَ ضِيقِ سِعَةٍ.
الثّانِي: بَعْدَ عَجْزِ قُدْرَةٍ.(p-٣٦)
الطلاق 65:8
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولا﴾ الذَّكَرُ القُرْآنُ، وفي الرَّسُولِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، فَيَكُونانِ جَمِيعًا، مَنزِلَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا وبَعَثَ إلَيْكم رَسُولًا.
﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.
﴿مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ.
الثّانِي: مِن ظُلْمَةِ المَنسُوخِ إلى ضِياءِ النّاسِخِ.
الثّالِثُ: مِن ظُلْمَةِ الباطِلِ إلى ضِياءِ الحَقِّ.
الطلاق 65:9
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولا﴾ الذَّكَرُ القُرْآنُ، وفي الرَّسُولِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، فَيَكُونانِ جَمِيعًا، مَنزِلَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا وبَعَثَ إلَيْكم رَسُولًا.
﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.
﴿مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ.
الثّانِي: مِن ظُلْمَةِ المَنسُوخِ إلى ضِياءِ النّاسِخِ.
الثّالِثُ: مِن ظُلْمَةِ الباطِلِ إلى ضِياءِ الحَقِّ.
الطلاق 65:10
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولا﴾ الذَّكَرُ القُرْآنُ، وفي الرَّسُولِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، فَيَكُونانِ جَمِيعًا، مَنزِلَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا وبَعَثَ إلَيْكم رَسُولًا.
﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.
﴿مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ.
الثّانِي: مِن ظُلْمَةِ المَنسُوخِ إلى ضِياءِ النّاسِخِ.
الثّالِثُ: مِن ظُلْمَةِ الباطِلِ إلى ضِياءِ الحَقِّ.
الطلاق 65:11
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولا﴾ الذَّكَرُ القُرْآنُ، وفي الرَّسُولِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، فَيَكُونانِ جَمِيعًا، مَنزِلَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا وبَعَثَ إلَيْكم رَسُولًا.
﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.
﴿مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ.
الثّانِي: مِن ظُلْمَةِ المَنسُوخِ إلى ضِياءِ النّاسِخِ.
الثّالِثُ: مِن ظُلْمَةِ الباطِلِ إلى ضِياءِ الحَقِّ.
الطلاق 65:12
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ لا اخْتِلافَ بَيْنِهِمْ في السَّماواتِ السَّبْعِ أنَّها سَماءٌ فَوْقَ سَماءٍ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يَعْنِي سَبْعًا، واخْتُلِفَ فِيهِنَّ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وجُعِلَ في كُلِّ أرْضٍ مِن خَلْقِهِ مَن شاءَ، غَيْرَ أنَّهم تُقِلُّهم أرْضٌ وتُظِلُّهم أُخْرى، ولَيْسَ تُظِلُّ السَّماءُ إلّا أهْلَ الأرْضِ العُلْيا الَّتِي عَلَيْها عالَمُنا هَذا، فَعَلى هَذا تَخْتَصُّ دَعْوَةُ الإسْلامِ (p-٣٧)
بِأهْلِ الأرْضِ العُلْيا ولا تَلْزَمُ مَن في غَيْرِها مِنَ الأرَضِينَ وإنْ كانَ فِيها مَن يَعْقِلُ مِن خَلْقٍ مُمَيِّزٍ.
وَفي مُشاهَدَتِهِمُ السَّماءَ واسْتِمْدادِ الضَّوْءِ مِنها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ الأرْضَ مَبْسُوطَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وإنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهم ضِياءً يَسْتَمِدُّونَهُ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ الأرْضَ مَبْسُوطَةً.
القَوْلُ الثّانِي: حَكاهُ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ مُنْبَسِطَةٌ لَيْسَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، تَفْرُقُ بَيْنَهُنَّ البِحارُ وتُظِلُّ جَمِيعَهُنَّ السَّماءُ، فَعَلى هَذا إنْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ هَذِهِ الأرْضِ وُصُولٌ لِلْأُخْرى اخْتَصَّتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ بِأهْلِ هَذِهِ الأرْضِ، وإنْ كانَ لِقَوْمٍ مِنهم وصُولٌ إلى أرْضٍ أُخْرى احْتَمَلَ أنْ تَلْزَمَهم دَعْوَةُ الإسْلامِ عِنْدَ إمْكانِ الوُصُولِ إلَيْهِمْ لِأنَّ فَصْلَ البِحارِ إذا أمْكَنَ سُلُوكُها لا يَمْنَعُ مِن لُزُومِ ما عَمَّ حُكْمُهُ، واحْتَمَلَ ألّا تَلْزَمَهم دَعْوَةُ الإسْلامِ لِأنَّها لَوْ لَزِمَتْ لَكانَ النَّصُّ بِها وارِدًا ولَكانَ الرَّسُولُ بِها مَأْمُورًا، واَللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ما اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ وصَوابِ ما اشْتَبَهَ عَلى خَلْقِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: الوَحْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿بَيْنَهُنَّ﴾ إشارَةً إلى ما بَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ العُلْيا الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ " بَيْنَهُنَّ " الإشارَةَ إلى ما بَيْنَ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها.
ثُمَّ قالَ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا المُلْكِ العَظِيمِ فَهو عَلى ما بَيْنَهُما مِن خَلْقِهِ أقْدَرُ، ومِنَ العَفْوِ والِانْتِقامِ أمْكَنُ، وإنِ اسْتَوى كُلُّ ذَلِكَ في مَقْدُورِهِ ومُكْنَتِهِ.
﴿وَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أوْجَبَ التَّسْلِيمَ بِما تَفَرَّدَ بِهِ مِنَ العِلْمِ كَما أوْجَبَ التَّسْلِيمَ بِما تَفَرَّدَ بِهِ مِنَ القُدْرَةِ، ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن خَوْضٍ فِيما اشْتَبَهَ وفِيما التَبَسَ وهو حَسْبُ مَنِ اسْتَعانَهُ ولَجَأ إلَيْهِ.
التحريم 66:1
(p-٣٨)سُورَةُ التَّحْرِيمِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ (p-٣٩)
عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.
وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.
الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.(p-٤٠)
الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.
﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.
وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.
الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.(p-٤١)
﴿وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.
الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.
﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.
والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.
والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿مُسْلِماتٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.
الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
﴿مُؤْمِناتٍ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.
﴿قانِتاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.
الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.(p-٤٢)
﴿تائِباتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.
﴿عابِداتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿سائِحاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.
وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.
الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.
وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في (p-٤٣)ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآيَةَ» .
التحريم 66:2
(p-٣٨)سُورَةُ التَّحْرِيمِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ (p-٣٩)
عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.
وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.
الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.(p-٤٠)
الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.
﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.
وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.
الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.(p-٤١)
﴿وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.
الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.
﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.
والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.
والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿مُسْلِماتٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.
الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
﴿مُؤْمِناتٍ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.
﴿قانِتاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.
الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.(p-٤٢)
﴿تائِباتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.
﴿عابِداتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿سائِحاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.
وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.
الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.
وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في (p-٤٣)ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآيَةَ» .
التحريم 66:3
(p-٣٨)سُورَةُ التَّحْرِيمِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ (p-٣٩)
عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.
وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.
الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.(p-٤٠)
الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.
﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.
وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.
الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.(p-٤١)
﴿وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.
الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.
﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.
والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.
والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿مُسْلِماتٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.
الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
﴿مُؤْمِناتٍ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.
﴿قانِتاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.
الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.(p-٤٢)
﴿تائِباتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.
﴿عابِداتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿سائِحاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.
وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.
الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.
وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في (p-٤٣)ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآيَةَ» .
التحريم 66:4
(p-٣٨)سُورَةُ التَّحْرِيمِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ (p-٣٩)
عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.
وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.
الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.(p-٤٠)
الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.
﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.
وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.
الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.(p-٤١)
﴿وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.
الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.
﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.
والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.
والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿مُسْلِماتٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.
الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
﴿مُؤْمِناتٍ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.
﴿قانِتاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.
الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.(p-٤٢)
﴿تائِباتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.
﴿عابِداتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿سائِحاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.
وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.
الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.
وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في (p-٤٣)ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآيَةَ» .
التحريم 66:5
(p-٣٨)سُورَةُ التَّحْرِيمِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ (p-٣٩)
عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.
وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.
الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.(p-٤٠)
الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.
﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.
وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.
الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.(p-٤١)
﴿وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.
الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.
﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.
والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.
والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿مُسْلِماتٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.
الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
﴿مُؤْمِناتٍ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.
﴿قانِتاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.
الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.(p-٤٢)
﴿تائِباتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.
﴿عابِداتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿سائِحاتٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.
وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.
الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.
وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في (p-٤٣)ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآيَةَ» .
التحريم 66:6
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ قالَ خَيْثَمَةُ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَفي التَّوْراةِ يا أيُّها المَساكِينُ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا قالَ اللَّهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فارْعَها سَمْعَكَ فَإنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ أوْ شَرٌّ تُنْهى عَنْهُ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْعَلُوا، فالنَّبِيُّ مِنهم.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ أيِ اصْرِفُوا عَنْها النّارَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ ولَوْ تَوَقّى لَوَقاهُ الواقِي وكَيْفَ يُوَقّى ما المَوْتُ لاقِي
(p-٤٤)
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ قُوا أنْفُسَكم، وأهْلُوكم فَلْيَقُوا أنْفُسَهم نارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قُوا أنْفُسَكم ومُرُوا أهْلِيكم بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ حَتّى يَقِيَكُمُ اللَّهُ بِهِمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: قُوا أنْفُسَكم بِأفْعالِكم، وقَوْا أهْلِيكم بِوَصِيَّتِكم، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
وَفي الوَصِيَّةِ الَّتِي تَقِيهِمُ النّارَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَأْمُرُهم بِطاعَةِ اللَّهِ ويَنْهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يُعَلِّمُهم فُرُوضَهم ويُؤَدِّبُهم في دُنْياهم، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّالِثُ: يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ ويَأْمُرُهم بِهِ، ويُبَيِّنُ لَهُمُ الشَّرَّ، ويَنْهاهم عَنْهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: حُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وعَبِيدِهِ وإمائِهِ.
﴿وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ في ذِكْرِ الحِجارَةِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الحِجارَةُ الَّتِي عَبَدُوها، حَتّى يُشاهِدُوا ما أوْجَبَ مَصِيرَهم إلى النّارِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الثّانِي: أنَّها حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ وهي تَزِيدُ في وقُودِها النّارَ وكانَ ذِكْرُها زِيادَةً في الوَعِيدِ والعَذابِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الحِجارَةَ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما أحْرَقَ الحِجارَةَ فَهو أبْلَغُ في إحْراقِ النّاسِ.
رَوى ابْنُ أبِي زائِدَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، وعِنْدَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، ومِنهم شَيْخٌ فَقالَ الشَّيْخُ: يا رَسُولَ اللَّهِ حِجارَةُ جَهَنَّمَ كَحِجارَةِ الدُّنْيا؟ فَقالَ واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَصَخْرَةٌ مِن جَهَنَّمَ أعْظَمُ مِن جِبالِ الدُّنْيا كُلِّها، فَوَقَعَ الشَّيْخُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ فَإذا هو حَيٌّ، فَقالَ: يا شَيْخُ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ بِها، فَبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ، فَقالَ أصْحابُهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمِن بَيْنِنا؟ قالَ: نَعَمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾»(p-٤٥)
﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ يَعْنِي غِلاظَ القُلُوبِ، شِدادَ الأفْعالِ وهُمُ الزَّبانِيَةُ.
﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ أيْ لا يُخالِفُونَهُ في أمْرِهِ مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ.
﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَعْنِي في وقْتِهِ فَلا يُؤَخِّرُونَهُ ولا يُقَدِّمُونَهُ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ هي الصّادِقَةُ النّاصِحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ النَّصُوحَ أنْ يَبْغَضَ الذَّنْبَ الَّذِي أحَبَّهُ ويَسْتَغْفِرَ مِنهُ إذا ذَكَرَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَثِقَ بِقَبُولِها ويَكُونَ عَلى وجِلٍ مِنها.
الرّابِعُ: أنَّ النَّصُوحَ هي الَّتِي لا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَوْبَةٍ.
الخامِسُ: أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ولا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
وَهي عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النِّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ.
وَفي أخْذِها مِنها وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّها تَوْبَةٌ قَدْ أحْكَمَتْ طاعَتَهُ وأوْثَقَتْها كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ.
الثّانِي: لِأنَّها قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وألْصَقَتْهُ بِهِمْ كَما يَجْمَعُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ ويُلْصِقُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وَمِنهم مَن قَرَأ نُصُوحًا بِضَمِّ النُّونِ، وتَأْوِيلِها عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَوْبَةُ نُصْحٍ لِأنْفُسِكم، ويَرْوِي نَعِيمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى أشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أحَدِكم بِضالَّتِهِ يَجِدُها بِأرْضٍ فَلاةٍ عَلَيْها زادُهُ وسِقاؤُهُ)» .(p-٤٦)
التحريم 66:7
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ قالَ خَيْثَمَةُ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَفي التَّوْراةِ يا أيُّها المَساكِينُ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا قالَ اللَّهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فارْعَها سَمْعَكَ فَإنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ أوْ شَرٌّ تُنْهى عَنْهُ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْعَلُوا، فالنَّبِيُّ مِنهم.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ أيِ اصْرِفُوا عَنْها النّارَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ ولَوْ تَوَقّى لَوَقاهُ الواقِي وكَيْفَ يُوَقّى ما المَوْتُ لاقِي
(p-٤٤)
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ قُوا أنْفُسَكم، وأهْلُوكم فَلْيَقُوا أنْفُسَهم نارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قُوا أنْفُسَكم ومُرُوا أهْلِيكم بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ حَتّى يَقِيَكُمُ اللَّهُ بِهِمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: قُوا أنْفُسَكم بِأفْعالِكم، وقَوْا أهْلِيكم بِوَصِيَّتِكم، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
وَفي الوَصِيَّةِ الَّتِي تَقِيهِمُ النّارَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَأْمُرُهم بِطاعَةِ اللَّهِ ويَنْهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يُعَلِّمُهم فُرُوضَهم ويُؤَدِّبُهم في دُنْياهم، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّالِثُ: يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ ويَأْمُرُهم بِهِ، ويُبَيِّنُ لَهُمُ الشَّرَّ، ويَنْهاهم عَنْهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: حُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وعَبِيدِهِ وإمائِهِ.
﴿وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ في ذِكْرِ الحِجارَةِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الحِجارَةُ الَّتِي عَبَدُوها، حَتّى يُشاهِدُوا ما أوْجَبَ مَصِيرَهم إلى النّارِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الثّانِي: أنَّها حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ وهي تَزِيدُ في وقُودِها النّارَ وكانَ ذِكْرُها زِيادَةً في الوَعِيدِ والعَذابِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الحِجارَةَ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما أحْرَقَ الحِجارَةَ فَهو أبْلَغُ في إحْراقِ النّاسِ.
رَوى ابْنُ أبِي زائِدَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، وعِنْدَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، ومِنهم شَيْخٌ فَقالَ الشَّيْخُ: يا رَسُولَ اللَّهِ حِجارَةُ جَهَنَّمَ كَحِجارَةِ الدُّنْيا؟ فَقالَ واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَصَخْرَةٌ مِن جَهَنَّمَ أعْظَمُ مِن جِبالِ الدُّنْيا كُلِّها، فَوَقَعَ الشَّيْخُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ فَإذا هو حَيٌّ، فَقالَ: يا شَيْخُ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ بِها، فَبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ، فَقالَ أصْحابُهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمِن بَيْنِنا؟ قالَ: نَعَمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾»(p-٤٥)
﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ يَعْنِي غِلاظَ القُلُوبِ، شِدادَ الأفْعالِ وهُمُ الزَّبانِيَةُ.
﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ أيْ لا يُخالِفُونَهُ في أمْرِهِ مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ.
﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَعْنِي في وقْتِهِ فَلا يُؤَخِّرُونَهُ ولا يُقَدِّمُونَهُ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ هي الصّادِقَةُ النّاصِحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ النَّصُوحَ أنْ يَبْغَضَ الذَّنْبَ الَّذِي أحَبَّهُ ويَسْتَغْفِرَ مِنهُ إذا ذَكَرَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَثِقَ بِقَبُولِها ويَكُونَ عَلى وجِلٍ مِنها.
الرّابِعُ: أنَّ النَّصُوحَ هي الَّتِي لا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَوْبَةٍ.
الخامِسُ: أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ولا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
وَهي عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النِّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ.
وَفي أخْذِها مِنها وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّها تَوْبَةٌ قَدْ أحْكَمَتْ طاعَتَهُ وأوْثَقَتْها كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ.
الثّانِي: لِأنَّها قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وألْصَقَتْهُ بِهِمْ كَما يَجْمَعُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ ويُلْصِقُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وَمِنهم مَن قَرَأ نُصُوحًا بِضَمِّ النُّونِ، وتَأْوِيلِها عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَوْبَةُ نُصْحٍ لِأنْفُسِكم، ويَرْوِي نَعِيمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى أشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أحَدِكم بِضالَّتِهِ يَجِدُها بِأرْضٍ فَلاةٍ عَلَيْها زادُهُ وسِقاؤُهُ)» .(p-٤٦)
التحريم 66:8
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ قالَ خَيْثَمَةُ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَفي التَّوْراةِ يا أيُّها المَساكِينُ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا قالَ اللَّهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فارْعَها سَمْعَكَ فَإنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ أوْ شَرٌّ تُنْهى عَنْهُ.
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْعَلُوا، فالنَّبِيُّ مِنهم.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ أيِ اصْرِفُوا عَنْها النّارَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ ولَوْ تَوَقّى لَوَقاهُ الواقِي وكَيْفَ يُوَقّى ما المَوْتُ لاقِي
(p-٤٤)
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَعْناهُ قُوا أنْفُسَكم، وأهْلُوكم فَلْيَقُوا أنْفُسَهم نارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قُوا أنْفُسَكم ومُرُوا أهْلِيكم بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ حَتّى يَقِيَكُمُ اللَّهُ بِهِمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: قُوا أنْفُسَكم بِأفْعالِكم، وقَوْا أهْلِيكم بِوَصِيَّتِكم، قالَهُ عَلِيٌّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
وَفي الوَصِيَّةِ الَّتِي تَقِيهِمُ النّارَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَأْمُرُهم بِطاعَةِ اللَّهِ ويَنْهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يُعَلِّمُهم فُرُوضَهم ويُؤَدِّبُهم في دُنْياهم، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّالِثُ: يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ ويَأْمُرُهم بِهِ، ويُبَيِّنُ لَهُمُ الشَّرَّ، ويَنْهاهم عَنْهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: حُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وعَبِيدِهِ وإمائِهِ.
﴿وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ في ذِكْرِ الحِجارَةِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الحِجارَةُ الَّتِي عَبَدُوها، حَتّى يُشاهِدُوا ما أوْجَبَ مَصِيرَهم إلى النّارِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الثّانِي: أنَّها حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ وهي تَزِيدُ في وقُودِها النّارَ وكانَ ذِكْرُها زِيادَةً في الوَعِيدِ والعَذابِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الحِجارَةَ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما أحْرَقَ الحِجارَةَ فَهو أبْلَغُ في إحْراقِ النّاسِ.
رَوى ابْنُ أبِي زائِدَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، وعِنْدَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، ومِنهم شَيْخٌ فَقالَ الشَّيْخُ: يا رَسُولَ اللَّهِ حِجارَةُ جَهَنَّمَ كَحِجارَةِ الدُّنْيا؟ فَقالَ واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَصَخْرَةٌ مِن جَهَنَّمَ أعْظَمُ مِن جِبالِ الدُّنْيا كُلِّها، فَوَقَعَ الشَّيْخُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلى فُؤادِهِ فَإذا هو حَيٌّ، فَقالَ: يا شَيْخُ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ بِها، فَبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ، فَقالَ أصْحابُهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمِن بَيْنِنا؟ قالَ: نَعَمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾»(p-٤٥)
﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ يَعْنِي غِلاظَ القُلُوبِ، شِدادَ الأفْعالِ وهُمُ الزَّبانِيَةُ.
﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ أيْ لا يُخالِفُونَهُ في أمْرِهِ مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ.
﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَعْنِي في وقْتِهِ فَلا يُؤَخِّرُونَهُ ولا يُقَدِّمُونَهُ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ هي الصّادِقَةُ النّاصِحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ النَّصُوحَ أنْ يَبْغَضَ الذَّنْبَ الَّذِي أحَبَّهُ ويَسْتَغْفِرَ مِنهُ إذا ذَكَرَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَثِقَ بِقَبُولِها ويَكُونَ عَلى وجِلٍ مِنها.
الرّابِعُ: أنَّ النَّصُوحَ هي الَّتِي لا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَوْبَةٍ.
الخامِسُ: أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ولا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
وَهي عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النِّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ.
وَفي أخْذِها مِنها وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّها تَوْبَةٌ قَدْ أحْكَمَتْ طاعَتَهُ وأوْثَقَتْها كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ.
الثّانِي: لِأنَّها قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وألْصَقَتْهُ بِهِمْ كَما يَجْمَعُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ ويُلْصِقُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وَمِنهم مَن قَرَأ نُصُوحًا بِضَمِّ النُّونِ، وتَأْوِيلِها عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَوْبَةُ نُصْحٍ لِأنْفُسِكم، ويَرْوِي نَعِيمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى أشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أحَدِكم بِضالَّتِهِ يَجِدُها بِأرْضٍ فَلاةٍ عَلَيْها زادُهُ وسِقاؤُهُ)» .(p-٤٦)
التحريم 66:9
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أمّا جِهادُ الكُفّارِ فَبِالسَّيْفِ، وأمّا جِهادُ المُنافِقِينَ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ بِاللِّسانِ والقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: بِالغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَ اللَّهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، ولِيُقابِلْهم بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الرّابِعُ: بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ في خِيانَتِهِما أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُما كانَتا كافِرَتَيْنِ، فَصارَتا خائِنَتَيْنِ بِالكُفْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُنافِقَتَيْنِ تُظْهِرانِ الإيمانَ وتَسْتُرانِ الكَفْرَ، وهَذِهِ خِيانَتُهُما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، إنَّما كانَتْ خِيانَتُهُما في الدِّينِ.
الثّالِثُ: أنَّ خِيانَتَهُما النَّمِيمَةُ، إذا أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما [شَيْئًا] أفْشَتاهُ إلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّ خِيانَةَ امْرَأةِ نُوحٍ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ النّاسَ أنَّهُ مَجْنُونٌ، وإذا آمَنَ أحَدٌ بِهِ (p-٤٧)
اخْبَرَتِ الجَبابِرَةَ بِهِ، وخِيانَةُ امْرَأةِ لُوطٍ أنَّهُ كانَ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ دَخَّنَتْ لِتُعْلِمَ قَوْمَها أنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن إتْيانِ الرِّجالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةَ، واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةَ.
وَقالَ الضَّحّاكُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ أنَّ اسْمَ امْرَأةِ نُوحٍ واعِلَةُ، واسْمَ امْرَأةِ لُوطٍ والِهَةُ.
﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ يَدْفَعْ نُوحٌ ولُوطٌ مَعَ كَرامَتِهِما عَلى اللَّهِ عَنْ زَوْجَتَيْهِما لَمّا عَصَتا شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ، تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ العَذابَ يُدْفَعُ بِالطّاعَةِ دُونَ الوَسِيلَةِ.
قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِيُحَذِّرَ بِهِ حَفْصَةَ وعائِشَةَ حِينَ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِاِمْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ فَقالَ:
التحريم 66:10
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أمّا جِهادُ الكُفّارِ فَبِالسَّيْفِ، وأمّا جِهادُ المُنافِقِينَ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ بِاللِّسانِ والقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: بِالغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَ اللَّهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، ولِيُقابِلْهم بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الرّابِعُ: بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ في خِيانَتِهِما أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُما كانَتا كافِرَتَيْنِ، فَصارَتا خائِنَتَيْنِ بِالكُفْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُنافِقَتَيْنِ تُظْهِرانِ الإيمانَ وتَسْتُرانِ الكَفْرَ، وهَذِهِ خِيانَتُهُما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، إنَّما كانَتْ خِيانَتُهُما في الدِّينِ.
الثّالِثُ: أنَّ خِيانَتَهُما النَّمِيمَةُ، إذا أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما [شَيْئًا] أفْشَتاهُ إلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّ خِيانَةَ امْرَأةِ نُوحٍ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ النّاسَ أنَّهُ مَجْنُونٌ، وإذا آمَنَ أحَدٌ بِهِ (p-٤٧)
اخْبَرَتِ الجَبابِرَةَ بِهِ، وخِيانَةُ امْرَأةِ لُوطٍ أنَّهُ كانَ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ دَخَّنَتْ لِتُعْلِمَ قَوْمَها أنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن إتْيانِ الرِّجالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةَ، واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةَ.
وَقالَ الضَّحّاكُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ أنَّ اسْمَ امْرَأةِ نُوحٍ واعِلَةُ، واسْمَ امْرَأةِ لُوطٍ والِهَةُ.
﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ يَدْفَعْ نُوحٌ ولُوطٌ مَعَ كَرامَتِهِما عَلى اللَّهِ عَنْ زَوْجَتَيْهِما لَمّا عَصَتا شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ، تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ العَذابَ يُدْفَعُ بِالطّاعَةِ دُونَ الوَسِيلَةِ.
قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِيُحَذِّرَ بِهِ حَفْصَةَ وعائِشَةَ حِينَ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِاِمْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ فَقالَ:
التحريم 66:11
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ قِيلَ اسْمُها آسِيَةَ بِنْتَ مُزاحِمٍ.
﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ عَلى إيمانِ امْرَأتِهِ فَخَرَجَ عَلى المَلَإ فَقالَ لَهم: ما تَعْلَمُونَ مِن آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ؟ فَأثْنَوْا عَلَيْها، فَقالَ لَهم: فَإنَّها تَعْبُدُ رَبًّا غَيْرِي، فَقالُوا لَهُ: اقْتُلْها، فَأوْتَدَ لَها أوْتادًا فَشَدَّ يَدَيْها ورِجْلَيْها، فَدَعَتْ آسِيَةُ رَبَّها فَقالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ الآيَةَ، (p-٤٨)
فَكُشِفَ لَها الغِطاءُ فَنَظَرَتْ إلى بَيْتِها في الجَنَّةِ، فَوافَقَ ذَلِكَ حُضُورَ فِرْعَوْنَ، فَضَحِكَتْ حِينَ رَأتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: ألا تَعْجَبُونَ مِن جُنُونِها، فَعَذَّبَها وهي تَضْحَكُ وقُبِضَتْ رُوحُها.
وَقَوْلُها: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: الشِّرْكُ.
الثّانِي: الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: القِبْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أرادَ بِالفَرْجِ الجَيْبَ لِأنَّهُ قالَ ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وجِبْرِيلُ إنَّما نَفَخَ في جَيْبِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أحْصَنَتْ فَرْجَها ونَفَخَ الرُّوحَ في جَيْبِها.
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ (كَلِماتِ رَبِّها) الإنْجِيلُ، و(كُتُبَهُ) التَّوْراةُ والزَّبُورُ.
الثّانِي: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) قَوْلُ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ عَلَيْها ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، ﴿وَكُتُبِهِ﴾ الإنْجِيلُ الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) عِيسى، و(كُتُبَهُ) الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ أيْ مِنَ المُطِيعِينَ في التَّصْدِيقِ.
الثّانِي: مِنَ المُطِيعِينَ في العِبادَةِ.
التحريم 66:12
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ قِيلَ اسْمُها آسِيَةَ بِنْتَ مُزاحِمٍ.
﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ عَلى إيمانِ امْرَأتِهِ فَخَرَجَ عَلى المَلَإ فَقالَ لَهم: ما تَعْلَمُونَ مِن آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ؟ فَأثْنَوْا عَلَيْها، فَقالَ لَهم: فَإنَّها تَعْبُدُ رَبًّا غَيْرِي، فَقالُوا لَهُ: اقْتُلْها، فَأوْتَدَ لَها أوْتادًا فَشَدَّ يَدَيْها ورِجْلَيْها، فَدَعَتْ آسِيَةُ رَبَّها فَقالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ الآيَةَ، (p-٤٨)
فَكُشِفَ لَها الغِطاءُ فَنَظَرَتْ إلى بَيْتِها في الجَنَّةِ، فَوافَقَ ذَلِكَ حُضُورَ فِرْعَوْنَ، فَضَحِكَتْ حِينَ رَأتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: ألا تَعْجَبُونَ مِن جُنُونِها، فَعَذَّبَها وهي تَضْحَكُ وقُبِضَتْ رُوحُها.
وَقَوْلُها: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: الشِّرْكُ.
الثّانِي: الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: القِبْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أرادَ بِالفَرْجِ الجَيْبَ لِأنَّهُ قالَ ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وجِبْرِيلُ إنَّما نَفَخَ في جَيْبِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أحْصَنَتْ فَرْجَها ونَفَخَ الرُّوحَ في جَيْبِها.
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ (كَلِماتِ رَبِّها) الإنْجِيلُ، و(كُتُبَهُ) التَّوْراةُ والزَّبُورُ.
الثّانِي: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) قَوْلُ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ عَلَيْها ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، ﴿وَكُتُبِهِ﴾ الإنْجِيلُ الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) عِيسى، و(كُتُبَهُ) الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ أيْ مِنَ المُطِيعِينَ في التَّصْدِيقِ.
الثّانِي: مِنَ المُطِيعِينَ في العِبادَةِ.