Lafzullah

Tafsir Al-Razi — مريم 19:86 – طه 20:24

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. مريم 19:86
  2. مريم 19:87
  3. مريم 19:88
  4. مريم 19:89
  5. مريم 19:90
  6. مريم 19:91
  7. مريم 19:92
  8. مريم 19:93
  9. مريم 19:94
  10. مريم 19:95
  11. مريم 19:96
  12. مريم 19:97
  13. مريم 19:98
  14. طه 20:1
  15. طه 20:2
  16. طه 20:3
  17. طه 20:4
  18. طه 20:5
  19. طه 20:6
  20. طه 20:7
  21. طه 20:8
  22. طه 20:9
  23. طه 20:10
  24. طه 20:11
  25. طه 20:12
  26. طه 20:13
  27. طه 20:14
  28. طه 20:15
  29. طه 20:16
  30. طه 20:17
  31. طه 20:18
  32. طه 20:19
  33. طه 20:20
  34. طه 20:21
  35. طه 20:22
  36. طه 20:23
  37. طه 20:24

مريم 19:86

صفحة ٢١٤ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، تَكَلَّمَ الآنَ في الرَّدِّ عَلى عُبّادِ الأصْنامِ فَحَكى عَنْهم أنَّهم إنَّما اتَّخَذُوا آلِهَةً لِأنْفُسِهِمْ لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا، حَيْثُ يَكُونُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ شُفَعاءَ وأنْصارًا، يُنْقِذُونَهم مِنَ الهَلاكِ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم وإنْكارٌ لِتَعَزُّزِهِمْ بِالآلِهَةِ، وقَرَأ ابْنُ نَهِيكٍ: ”كُلًّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ“ أيْ كُلُّهم سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ، وفي ”مُحْتَسَبِ“ ابْنِ جِنِّي كَلًّا بِفَتْحِ الكافِ والتَّنْوِينِ، وزَعَمَ أنَّ مَعْناهُ كُلُّ هَذا الِاعْتِقادِ والرَّأْيِ كَلًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ فَهي كَلّا الَّتِي هي لِلرَّدْعِ قَلَبَ الواقِفُ عَلَيْها ألِفَها نُونًا كَما في قَوارِيرًا، واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعُودُ إلى المَعْبُودِ أوْ إلى العابِدِ فَمِنهم مَن قالَ إنَّهُ يَعُودُ إلى المَعْبُودِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: أرادَ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّهم في الآخِرَةِ يَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَتَبَرَّءُونَ مِنهم ويُخاصِمُونَهم وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي الأصْنامَ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُوَبِّخُوا عُبّادَهم ويَتَبَرَّءُوا مِنهم فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْظَمَ لِحَسْرَتِهِمْ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى العُبّادِ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يُنْكِرُونَ أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ فَذَكَرَ ذَلِكَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَهم عِزًّا﴾ والمُرادُ ضِدُّ العِزِّ وهو الذُّلُّ والهَوانُ أيْ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا لَمّا قَصَدُوهُ وأرادُوهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ذُلًّا لَهم لا عِزًّا أوْ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ عَوْنًا والضِّدُّ العَوْنُ، يُقالُ مِن أضْدادِكم أيْ مِن أعْوانِكم، وكَأنَّ العَوْنَ يُسَمّى ضِدًّا لِأنَّهُ يُضادُّ عَدُوَّكَ ويُنافِيهِ بِإعانَتِهِ لَكَ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ وحَّدَ ؟ قُلْنا: وحَّدَ تَوْحِيدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم» “ لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ فَإنَّهم كَشَيْءٍ واحِدٍ لِفَرْطِ انْتِظامِهِمْ وتَوافُقِهِمْ، ومَعْنى كَوَنِ الآلِهَةِ عَوْنًا عَلَيْهِمْ أنَّهم وقُودُ النّارِ وحَصَبُ جَهَنَّمَ ولِأنَّهم عُذِّبُوا بِسَبَبِ عِبادَتِها، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ الأصْنامِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حالَهم مَعَ الشَّياطِينِ في الدُّنْيا فَإنَّهم يَسْألُونَهم ويَنْقادُونَ لَهم فَقالَ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكائِناتِ فَقالُوا: قَوْلُ القائِلِ: أرْسَلْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِإفادَةِ أنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ؛ لِإرادَةِ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ. قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «سَمِّ اللَّهَ وأرْسِلْ كَلْبَكَ عَلَيْهِ» . إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَهم عَلَيْهِمْ لِإرادَةِ أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْهِمْ وذَلِكَ يُفِيدُ المَقْصُودَ ثُمَّ يَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ فَإنَّ مَعْناهُ إنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ لِتَؤُزَّهم أزًّا ويَتَأكَّدُ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالَ القاضِي: حَقِيقَةُ اللَّفْظِ تُوجِبُ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ الشَّياطِينَ إلى الكُفّارِ كَما أرْسَلَ الأنْبِياءَ بِأنْ حَمَّلَهم رِسالَةً يُؤَدُّونَها إلَيْهِمْ صفحة ٢١٥ فَلا يَجُوزُ في تِلْكَ الرِّسالَةِ إلّا ما أرْسَلَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ مِنَ الإغْواءِ فَكانَ يَجِبُ في الكُفّارِ أنْ يَكُونُوا بِقَبُولِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ مُطِيعِينَ وذَلِكَ كُفْرٌ مِن قائِلِهِ، ولِأنَّ مِنَ العَجَبِ تَعَلُّقَ المُجَبِّرَةِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ ضَلالَ الكُفّارِ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِأنْ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ وقَدَّرَ الكُفْرَ، فَلا تَأْثِيرَ لِما يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، وإذا بَطَلَ حَمْلُ اللَّفْظِ في ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَنَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلّى بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكُفّارِ، وما مَنَعَهم مِن إغْوائِهِمْ وهَذِهِ التَّخْلِيَةُ تُسَمّى إرْسالًا في سِعَةِ اللُّغَةِ. كَما إذا لَمْ يَمْنَعِ الرَّجُلُ كَلْبَهُ مِن دُخُولِ بَيْتِ جِيرانِهِ يُقالُ: أرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَرُدَّ أذى النّاسِ، وهَذِهِ التَّخْلِيَةُ وإنْ كانَ فِيها تَشْدِيدٌ لِلْمِحْنَةِ عَلَيْهِمْ فَهم مُتَمَكِّنُونَ مِن أنْ لا يَقْبَلُوا مِنهم، ويَكُونُ ثَوابُهم عَلى تَرْكِ القَبُولِ أعْظَمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] هَذا تَمامُ كَلامِهِ، ونَقُولُ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ”[أرْسَلْنا] الشَّياطِينَ“ لَوْ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى الكُفّارِ لَكانَ الكُفّارُ مُطِيعِينَ لَهُ بِقَبُولِ قَوْلِ الشَّياطِينِ، قُلْنا اللَّهُ تَعالى ما أرْسَلَ الشَّياطِينَ إلى الكُفّارِ بَلْ أرْسَلَها عَلَيْهِمْ، والإرْسالُ عَلَيْهِمْ: هو التَّسْلِيطُ لِإرادَةِ أنْ يَصِيرَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذا مِنَ الإرْسالِ إلَيْهِمْ، قَوْلُهُ: ضَلالُ الكافِرِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِلشَّيْطانِ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ إسْماعَ الشَّيْطانِ إيّاهُ تِلْكَ الوَسْوَسَةَ يُوجِبُ في قَلْبِهِ ذَلِكَ الضَّلالَ بِشَرْطِ سَلامَةِ فَهْمِ السّامِعِ؛ لِأنَّ كَلامَ الشَّيْطانِ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّلالُ الحاصِلُ في قَلْبِ الكافِرِ مُنْتَسِبًا إلى الشَّيْطانِ، وإلى اللَّهِ تَعالى مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإرْسالِ التَّخْلِيَةَ قُلْنا: كَما خَلّى بَيْنَ الشَّيْطانِ والكَفَرَةِ فَقَدْ خَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ الكافِرَ بِأنَّهُ أرْسَلَ الشَّيْطانَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ هَهُنا ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ أيْ تُحَرِّكُهم تَحْرِيكًا شَدِيدًا، كالغَرَضِ مِن ذَلِكَ الإرْسالِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأزُّ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنهُ فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾“ أيْ تُزْعِجُهم في المَعاصِي إزْعاجًا نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ وهم خَمْسَةُ رَهْطٍ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأزُّ والهَزُّ والِاسْتِفْزازُ أخَواتٌ في مَعْنى التَّهْيِيجِ وشِدَّةِ الإزْعاجِ أيْ تُغْرِيهِمْ عَلى المَعاصِي وتَحُثُّهم وتُهَيِّجُهم لَها بِالوَساوِسِ والتَّسْوِيلاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ يُقالُ: عَجِلْتُ عَلَيْهِ بِكَذا إذا اسْتَعْجَلْتَهُ بِهِ أيْ لا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَهْلِكُوا أوْ يَبِيدُوا حَتّى تَسْتَرِيحَ أنْتَ والمُسْلِمُونَ مِن شُرُورِهِمْ فَلَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تَطْلُبُ مِن هَلاكِهِمْ إلّا أيّامٌ مَحْصُورَةٌ وأنْفاسٌ مَعْدُودَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها بَكى وقالَ: آخِرُ العَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ، آخِرُ العَدَدِ دُخُولُ قَبْرِكَ، آخِرُ العَدَدِ فِراقُ أهْلِكَ. وعَنِ ابْنِ السَّمّاكِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المَأْمُونِ فَقَرَأها فَقالَ: إذا كانَتِ الأنْفاسُ بِالعَدَدِ ولَمْ يَكُنْ لَها مَدَدٌ فَما أسْرَعَ ما تَنْفَدُ. وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ: نَعُدُّ أنْفاسَهم وأعْمالَهم فَنُجازِيهِمْ عَلى قَلِيلِها وكَثِيرِها. والثّانِي: نَعُدُّ الأوْقاتَ إلى وقْتِ الأجَلِ المُعَيَّنِ لِكُلِّ أحَدٍ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما سَيَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُتَّقِينَ وبَيْنَ المُجْرِمِينَ في كَيْفِيَّةِ الحَشْرِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نُصِبَ (يَوْمَ) بِمُضْمَرٍ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُ ونَسُوقُ نَفْعَلُ بِالفَرِيقَيْنِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ أوِ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِلا يَمْلِكُونَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ المُتَّقِينَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمُ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ عَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ» “ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفِيها مَسائِلُ: صفحة ٢١٦ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي هَذِهِ الآيَةُ أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ تَخْتَصُّ بِالمُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ المُتَّقِينَ مِنَ الِابْتِداءِ يُحْشَرُونَ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الكَرامَةِ فَهم آمِنُونَ مِنَ الخَوْفِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَنالَهُمُ الأهْوالُ ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ احْتَجُّوا بِالآيَةِ وقالُوا قَوْلُهُ: ﴿إلى الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّ انْتِهاءَ حَرَكَتِهِمْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، وأهْلُ التَّوْحِيدِ يَقُولُونَ المَعْنى يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى مَحَلِّ كَرامَةِ الرَّحْمَنِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: طَعَنَ المُلْحِدُ فِيهِ فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ كانَ الحاشِرُ غَيْرَ الرَّحْمَنِ أمّا إذا كانَ الحاشِرُ هو الرَّحْمَنُ فَهَذا الكَلامُ لا يَنْتَظِمُ، أجابَ المُسْلِمُونَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى كَرامَةِ الرَّحْمَنِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ وِرْدًا فَقَوْلُهُ: ﴿نَسُوقُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُساقُونَ إلى النّارِ بِإهانَةٍ واسْتِخْفافٍ كَأنَّهم نَعَمٌ عِطاشٌ تُساقُ إلى الماءِ، والوِرْدُ اسْمٌ لِلْعِطاشِ؛ لِأنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يَرِدُهُ إلّا لِلْعَطَشِ. وحَقِيقَةُ الوُرُودِ السَّيْرُ إلى الماءِ فَسُمِّيَ بِهِ الوارِدُونَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ أيْ فَلَيْسَ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ شَفاعَتُهم لِغَيْرِهِمْ أوْ شَفاعَةُ غَيْرِهِمْ لَهم فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا، وقالَ بَعْضُهم: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعُوا لِغَيْرِهِمْ كَما يَمْلِكُ المُؤْمِنُونَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ لا يَمْلِكُ غَيْرُهم أنْ يَشْفَعُوا لَهم وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ يَجْرِي مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم غَيْرُهم إلّا إذا كانُوا قَدِ اتَّخَذُوا عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَهُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ قَوْلَنا: ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأصْحابِهِ ذاتَ يَوْمٍ: ”أيِعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَتَّخِذَ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ؟ قالُوا وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: يَقُولُ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ وحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ فَإنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ وتُبْعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ وإنِّي لا أثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ فاجْعَلْ لِي عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِطابَعٍ ووُضِعَ تَحْتَ العَرْشِ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ أيْنَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ“، فَظَهَرَ بِهَذا الحَدِيثِ أنَّ المُرادَ مِنَ العَهْدِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وظَهَرَ وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ وقالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى مَذْهَبِهِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ الآيَةَ قَوِيَّةٌ في الدَّلالَةِ عَلى قَوْلِنا واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:87

صفحة ٢١٤ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، تَكَلَّمَ الآنَ في الرَّدِّ عَلى عُبّادِ الأصْنامِ فَحَكى عَنْهم أنَّهم إنَّما اتَّخَذُوا آلِهَةً لِأنْفُسِهِمْ لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا، حَيْثُ يَكُونُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ شُفَعاءَ وأنْصارًا، يُنْقِذُونَهم مِنَ الهَلاكِ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم وإنْكارٌ لِتَعَزُّزِهِمْ بِالآلِهَةِ، وقَرَأ ابْنُ نَهِيكٍ: ”كُلًّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ“ أيْ كُلُّهم سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ، وفي ”مُحْتَسَبِ“ ابْنِ جِنِّي كَلًّا بِفَتْحِ الكافِ والتَّنْوِينِ، وزَعَمَ أنَّ مَعْناهُ كُلُّ هَذا الِاعْتِقادِ والرَّأْيِ كَلًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ فَهي كَلّا الَّتِي هي لِلرَّدْعِ قَلَبَ الواقِفُ عَلَيْها ألِفَها نُونًا كَما في قَوارِيرًا، واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعُودُ إلى المَعْبُودِ أوْ إلى العابِدِ فَمِنهم مَن قالَ إنَّهُ يَعُودُ إلى المَعْبُودِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: أرادَ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّهم في الآخِرَةِ يَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَتَبَرَّءُونَ مِنهم ويُخاصِمُونَهم وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي الأصْنامَ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُوَبِّخُوا عُبّادَهم ويَتَبَرَّءُوا مِنهم فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْظَمَ لِحَسْرَتِهِمْ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى العُبّادِ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يُنْكِرُونَ أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ فَذَكَرَ ذَلِكَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَهم عِزًّا﴾ والمُرادُ ضِدُّ العِزِّ وهو الذُّلُّ والهَوانُ أيْ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا لَمّا قَصَدُوهُ وأرادُوهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ذُلًّا لَهم لا عِزًّا أوْ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ عَوْنًا والضِّدُّ العَوْنُ، يُقالُ مِن أضْدادِكم أيْ مِن أعْوانِكم، وكَأنَّ العَوْنَ يُسَمّى ضِدًّا لِأنَّهُ يُضادُّ عَدُوَّكَ ويُنافِيهِ بِإعانَتِهِ لَكَ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ وحَّدَ ؟ قُلْنا: وحَّدَ تَوْحِيدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم» “ لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ فَإنَّهم كَشَيْءٍ واحِدٍ لِفَرْطِ انْتِظامِهِمْ وتَوافُقِهِمْ، ومَعْنى كَوَنِ الآلِهَةِ عَوْنًا عَلَيْهِمْ أنَّهم وقُودُ النّارِ وحَصَبُ جَهَنَّمَ ولِأنَّهم عُذِّبُوا بِسَبَبِ عِبادَتِها، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ الأصْنامِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حالَهم مَعَ الشَّياطِينِ في الدُّنْيا فَإنَّهم يَسْألُونَهم ويَنْقادُونَ لَهم فَقالَ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكائِناتِ فَقالُوا: قَوْلُ القائِلِ: أرْسَلْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِإفادَةِ أنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ؛ لِإرادَةِ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ. قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «سَمِّ اللَّهَ وأرْسِلْ كَلْبَكَ عَلَيْهِ» . إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَهم عَلَيْهِمْ لِإرادَةِ أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْهِمْ وذَلِكَ يُفِيدُ المَقْصُودَ ثُمَّ يَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ فَإنَّ مَعْناهُ إنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ لِتَؤُزَّهم أزًّا ويَتَأكَّدُ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالَ القاضِي: حَقِيقَةُ اللَّفْظِ تُوجِبُ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ الشَّياطِينَ إلى الكُفّارِ كَما أرْسَلَ الأنْبِياءَ بِأنْ حَمَّلَهم رِسالَةً يُؤَدُّونَها إلَيْهِمْ صفحة ٢١٥ فَلا يَجُوزُ في تِلْكَ الرِّسالَةِ إلّا ما أرْسَلَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ مِنَ الإغْواءِ فَكانَ يَجِبُ في الكُفّارِ أنْ يَكُونُوا بِقَبُولِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ مُطِيعِينَ وذَلِكَ كُفْرٌ مِن قائِلِهِ، ولِأنَّ مِنَ العَجَبِ تَعَلُّقَ المُجَبِّرَةِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ ضَلالَ الكُفّارِ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِأنْ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ وقَدَّرَ الكُفْرَ، فَلا تَأْثِيرَ لِما يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، وإذا بَطَلَ حَمْلُ اللَّفْظِ في ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَنَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلّى بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكُفّارِ، وما مَنَعَهم مِن إغْوائِهِمْ وهَذِهِ التَّخْلِيَةُ تُسَمّى إرْسالًا في سِعَةِ اللُّغَةِ. كَما إذا لَمْ يَمْنَعِ الرَّجُلُ كَلْبَهُ مِن دُخُولِ بَيْتِ جِيرانِهِ يُقالُ: أرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَرُدَّ أذى النّاسِ، وهَذِهِ التَّخْلِيَةُ وإنْ كانَ فِيها تَشْدِيدٌ لِلْمِحْنَةِ عَلَيْهِمْ فَهم مُتَمَكِّنُونَ مِن أنْ لا يَقْبَلُوا مِنهم، ويَكُونُ ثَوابُهم عَلى تَرْكِ القَبُولِ أعْظَمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] هَذا تَمامُ كَلامِهِ، ونَقُولُ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ”[أرْسَلْنا] الشَّياطِينَ“ لَوْ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى الكُفّارِ لَكانَ الكُفّارُ مُطِيعِينَ لَهُ بِقَبُولِ قَوْلِ الشَّياطِينِ، قُلْنا اللَّهُ تَعالى ما أرْسَلَ الشَّياطِينَ إلى الكُفّارِ بَلْ أرْسَلَها عَلَيْهِمْ، والإرْسالُ عَلَيْهِمْ: هو التَّسْلِيطُ لِإرادَةِ أنْ يَصِيرَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذا مِنَ الإرْسالِ إلَيْهِمْ، قَوْلُهُ: ضَلالُ الكافِرِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِلشَّيْطانِ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ إسْماعَ الشَّيْطانِ إيّاهُ تِلْكَ الوَسْوَسَةَ يُوجِبُ في قَلْبِهِ ذَلِكَ الضَّلالَ بِشَرْطِ سَلامَةِ فَهْمِ السّامِعِ؛ لِأنَّ كَلامَ الشَّيْطانِ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّلالُ الحاصِلُ في قَلْبِ الكافِرِ مُنْتَسِبًا إلى الشَّيْطانِ، وإلى اللَّهِ تَعالى مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإرْسالِ التَّخْلِيَةَ قُلْنا: كَما خَلّى بَيْنَ الشَّيْطانِ والكَفَرَةِ فَقَدْ خَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ الكافِرَ بِأنَّهُ أرْسَلَ الشَّيْطانَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ هَهُنا ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ أيْ تُحَرِّكُهم تَحْرِيكًا شَدِيدًا، كالغَرَضِ مِن ذَلِكَ الإرْسالِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأزُّ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنهُ فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾“ أيْ تُزْعِجُهم في المَعاصِي إزْعاجًا نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ وهم خَمْسَةُ رَهْطٍ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأزُّ والهَزُّ والِاسْتِفْزازُ أخَواتٌ في مَعْنى التَّهْيِيجِ وشِدَّةِ الإزْعاجِ أيْ تُغْرِيهِمْ عَلى المَعاصِي وتَحُثُّهم وتُهَيِّجُهم لَها بِالوَساوِسِ والتَّسْوِيلاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ يُقالُ: عَجِلْتُ عَلَيْهِ بِكَذا إذا اسْتَعْجَلْتَهُ بِهِ أيْ لا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَهْلِكُوا أوْ يَبِيدُوا حَتّى تَسْتَرِيحَ أنْتَ والمُسْلِمُونَ مِن شُرُورِهِمْ فَلَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تَطْلُبُ مِن هَلاكِهِمْ إلّا أيّامٌ مَحْصُورَةٌ وأنْفاسٌ مَعْدُودَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها بَكى وقالَ: آخِرُ العَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ، آخِرُ العَدَدِ دُخُولُ قَبْرِكَ، آخِرُ العَدَدِ فِراقُ أهْلِكَ. وعَنِ ابْنِ السَّمّاكِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المَأْمُونِ فَقَرَأها فَقالَ: إذا كانَتِ الأنْفاسُ بِالعَدَدِ ولَمْ يَكُنْ لَها مَدَدٌ فَما أسْرَعَ ما تَنْفَدُ. وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: الأوَّلُ: نَعُدُّ أنْفاسَهم وأعْمالَهم فَنُجازِيهِمْ عَلى قَلِيلِها وكَثِيرِها. والثّانِي: نَعُدُّ الأوْقاتَ إلى وقْتِ الأجَلِ المُعَيَّنِ لِكُلِّ أحَدٍ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما سَيَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُتَّقِينَ وبَيْنَ المُجْرِمِينَ في كَيْفِيَّةِ الحَشْرِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نُصِبَ (يَوْمَ) بِمُضْمَرٍ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُ ونَسُوقُ نَفْعَلُ بِالفَرِيقَيْنِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ أوِ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِلا يَمْلِكُونَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ المُتَّقِينَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمُ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ عَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ» “ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفِيها مَسائِلُ: صفحة ٢١٦ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي هَذِهِ الآيَةُ أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ تَخْتَصُّ بِالمُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ المُتَّقِينَ مِنَ الِابْتِداءِ يُحْشَرُونَ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الكَرامَةِ فَهم آمِنُونَ مِنَ الخَوْفِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَنالَهُمُ الأهْوالُ ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ احْتَجُّوا بِالآيَةِ وقالُوا قَوْلُهُ: ﴿إلى الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّ انْتِهاءَ حَرَكَتِهِمْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، وأهْلُ التَّوْحِيدِ يَقُولُونَ المَعْنى يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى مَحَلِّ كَرامَةِ الرَّحْمَنِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: طَعَنَ المُلْحِدُ فِيهِ فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ كانَ الحاشِرُ غَيْرَ الرَّحْمَنِ أمّا إذا كانَ الحاشِرُ هو الرَّحْمَنُ فَهَذا الكَلامُ لا يَنْتَظِمُ، أجابَ المُسْلِمُونَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى كَرامَةِ الرَّحْمَنِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ وِرْدًا فَقَوْلُهُ: ﴿نَسُوقُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُساقُونَ إلى النّارِ بِإهانَةٍ واسْتِخْفافٍ كَأنَّهم نَعَمٌ عِطاشٌ تُساقُ إلى الماءِ، والوِرْدُ اسْمٌ لِلْعِطاشِ؛ لِأنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يَرِدُهُ إلّا لِلْعَطَشِ. وحَقِيقَةُ الوُرُودِ السَّيْرُ إلى الماءِ فَسُمِّيَ بِهِ الوارِدُونَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ أيْ فَلَيْسَ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ شَفاعَتُهم لِغَيْرِهِمْ أوْ شَفاعَةُ غَيْرِهِمْ لَهم فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا، وقالَ بَعْضُهم: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعُوا لِغَيْرِهِمْ كَما يَمْلِكُ المُؤْمِنُونَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ لا يَمْلِكُ غَيْرُهم أنْ يَشْفَعُوا لَهم وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ يَجْرِي مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم غَيْرُهم إلّا إذا كانُوا قَدِ اتَّخَذُوا عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَهُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ قَوْلَنا: ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأصْحابِهِ ذاتَ يَوْمٍ: ”أيِعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَتَّخِذَ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ؟ قالُوا وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: يَقُولُ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ وحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ فَإنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ وتُبْعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ وإنِّي لا أثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ فاجْعَلْ لِي عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِطابَعٍ ووُضِعَ تَحْتَ العَرْشِ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ أيْنَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ“، فَظَهَرَ بِهَذا الحَدِيثِ أنَّ المُرادَ مِنَ العَهْدِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وظَهَرَ وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ وقالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى مَذْهَبِهِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ الآيَةَ قَوِيَّةٌ في الدَّلالَةِ عَلى قَوْلِنا واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:88

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:89

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:90

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:91

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:92

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:93

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:94

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:95

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ صفحة ٢١٧ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ. ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ صفحة ٢١٨ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

مريم 19:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى أصْنافِ الكَفَرَةِ وبالَغَ في شَرْحِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ خَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وُدًّا﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ تَعالى سَيُحْدِثُ لَهم في القُلُوبِ مَوَدَّةً ويَزْرَعُها لَهم فِيها مِن غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنهم، ولا تَعَرُّضٍ لِلْأسْبابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ النّاسُ بِها مَوَدّاتِ القُلُوبِ مِن قَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ أوِ اصْطِناعِ مَعْرُوفٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما هو اخْتِراعٌ مِنهُ تَعالى، وابْتِداءٌ تَخْصِيصًا لِأوْلِيائِهِ بِهَذِهِ الكَرامَةِ كَما قَذَفَ في قُلُوبِ أعْدائِهِمُ الرُّعْبَ والهَيْبَةَ إعْظامًا لَهم وإجْلالًا لِمَكانِهِمْ، والسِّينُ في سَيَجْعَلُ إمّا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وكانَ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ مَمْقُوتِينَ بَيْنَ الكَفَرَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إذا جاءَ الإسْلامُ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يُحَبِّبُهم إلى خَلْقِهِ بِما يُعْرِضُ مِن حَسَناتِهِمْ ويَنْشُرُ مِن دِيوانِ أعْمالِهِمْ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ: ”«إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ: قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبُّوهُ؛ فَيُنادِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ في السَّماءِ والأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ» “ . وعَنْ كَعْبٍ قالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لا مَحَبَّةَ لِأحَدٍ في الأرْضِ حَتّى يَكُونَ ابْتِداؤُها مِنَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها عَلى أهْلِ السَّماءِ ثُمَّ عَلى أهْلِ الأرْضِ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ . القَوْلُ الثّانِي - وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: مَعْنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: يَهَبُ لَهم ما يُحِبُّونَ والوُدُّ والمَحَبَّةُ سَواءٌ، يُقالُ: آتَيْتُ فُلانًا مَحَبَّتَهُ، وجَعَلَ لَهم ما يُحِبُّونَ، وجَعَلْتُ لَهُ وُدَّهُ، ومِن كَلامِهِمْ: يَوَدُّ لَوْ كانَ كَذا، ووَدِدْتُ أنْ لَوْ كانَ كَذا، أيْ أحْبَبْتُ، ومَعْناهُ: سَيُعْطِيهِمُ الرَّحْمَنُ وُدَّهم أيْ مَحْبُوبَهم في الجَنَّةِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ المَحَبَّةِ عَلى المَحْبُوبِ مَجازٌ، ولِأنّا ذَكَرْنا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وفَسَّرَها بِذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى؛ لِوُجُوهٍ: صفحة ٢١٩ أحَدُها: كَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ الأوَّلُ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ المُسْلِمَ المُتَّقِيَ يُبْغِضُهُ الكُفّارُ، وقَدْ يُبْغِضُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ. وثانِيها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ قَدْ تَحْصُلُ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ أكْثَرَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ إنْعامًا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ؟ وثالِثُها: أنَّ مَحَبَّتَهم في قُلُوبِهِمْ مِن فِعْلِهِمْ، لا أنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَهُ، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى إعْطاءِ المَنافِعِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْلى. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ المُرادَ: يَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ مَحَبَّةً عِنْدَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حَكى عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ قالَ: ”«إذا ذَكَرَنِي عَبْدِي المُؤْمِنُ في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإذا ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ أطْيَبَ مِنهم وأفْضَلَ» “ . وهَذا هو الجَوابُ عَنِ الكَلامِ الثّانِي؛ لِأنَّ الكافِرَ والفاسِقَ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى فِعْلِ الألْطافِ وخَلْقِ داعِيَةِ إكْرامِهِ في قُلُوبِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ عَظِيمَ مَوْقِعِ هَذِهِ السُّورَةِ لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ والرَّدِّ عَلى فِرَقِ المُضِلِّينَ المُبْطِلِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسَّرَ ذَلِكَ بِلِسانِهِ لِيُبَشِّرَ بِهِ ويُنْذِرَ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى نَقَلَ قِصَصَهم إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَما تَيَسَّرَ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا أنَّ القُرْآنَ يَتَضَمَّنُ تَبْشِيرَ المُتَّقِينَ وإنْذارَ مَن خَرَجَ مِنهم فَبَيِّنٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِ مَن هو في مُخالَفَةِ التَّقْوى أبْلَغُ، وأبْلَغُهُمُ الألَدُّ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِالباطِلِ ويُجادِلُ فِيهِ ويَتَشَدَّدُ وهو مَعْنى لُدًّا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِمَوْعِظَةٍ بَلِيغَةٍ فَقالَ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ لِأنَّهم إذا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِن زَوالِ الدُّنْيا والِانْتِهاءِ إلى المَوْتِ خافُوا ذَلِكَ وخافُوا أيْضًا سُوءَ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، فَكانُوا فِيها إلى الحَذَرِ مِنَ المَعاصِي أقْرَبَ، ثُمَّ أكَدَّ تَعالى في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُحِسَّ مِنهم أحَدًا بِرُؤْيَةٍ أوْ إدْراكٍ أوْ وُجْدانٍ، ولا يَسْمَعْ لَهم رِكْزًا- وهو الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ومِنهُ رَكَزَ الرُّمْحَ إذا غَيَّبَ طَرَفَهُ في الأرْضِ والرِّكازُ المالُ المَدْفُونُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْقِراضِهِمْ وفَنائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. والأقْرَبُ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْنا﴾ أنَّ المُرادَ بِهِ الِانْقِراضُ بِالمَوْتِ وإنْ كانَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَذابِ المُعَجَّلِ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

مريم 19:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى أصْنافِ الكَفَرَةِ وبالَغَ في شَرْحِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ خَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وُدًّا﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ تَعالى سَيُحْدِثُ لَهم في القُلُوبِ مَوَدَّةً ويَزْرَعُها لَهم فِيها مِن غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنهم، ولا تَعَرُّضٍ لِلْأسْبابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ النّاسُ بِها مَوَدّاتِ القُلُوبِ مِن قَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ أوِ اصْطِناعِ مَعْرُوفٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما هو اخْتِراعٌ مِنهُ تَعالى، وابْتِداءٌ تَخْصِيصًا لِأوْلِيائِهِ بِهَذِهِ الكَرامَةِ كَما قَذَفَ في قُلُوبِ أعْدائِهِمُ الرُّعْبَ والهَيْبَةَ إعْظامًا لَهم وإجْلالًا لِمَكانِهِمْ، والسِّينُ في سَيَجْعَلُ إمّا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وكانَ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ مَمْقُوتِينَ بَيْنَ الكَفَرَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إذا جاءَ الإسْلامُ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يُحَبِّبُهم إلى خَلْقِهِ بِما يُعْرِضُ مِن حَسَناتِهِمْ ويَنْشُرُ مِن دِيوانِ أعْمالِهِمْ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ: ”«إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ: قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبُّوهُ؛ فَيُنادِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ في السَّماءِ والأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ» “ . وعَنْ كَعْبٍ قالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لا مَحَبَّةَ لِأحَدٍ في الأرْضِ حَتّى يَكُونَ ابْتِداؤُها مِنَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها عَلى أهْلِ السَّماءِ ثُمَّ عَلى أهْلِ الأرْضِ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ . القَوْلُ الثّانِي - وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: مَعْنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: يَهَبُ لَهم ما يُحِبُّونَ والوُدُّ والمَحَبَّةُ سَواءٌ، يُقالُ: آتَيْتُ فُلانًا مَحَبَّتَهُ، وجَعَلَ لَهم ما يُحِبُّونَ، وجَعَلْتُ لَهُ وُدَّهُ، ومِن كَلامِهِمْ: يَوَدُّ لَوْ كانَ كَذا، ووَدِدْتُ أنْ لَوْ كانَ كَذا، أيْ أحْبَبْتُ، ومَعْناهُ: سَيُعْطِيهِمُ الرَّحْمَنُ وُدَّهم أيْ مَحْبُوبَهم في الجَنَّةِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ المَحَبَّةِ عَلى المَحْبُوبِ مَجازٌ، ولِأنّا ذَكَرْنا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وفَسَّرَها بِذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى؛ لِوُجُوهٍ: صفحة ٢١٩ أحَدُها: كَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ الأوَّلُ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ المُسْلِمَ المُتَّقِيَ يُبْغِضُهُ الكُفّارُ، وقَدْ يُبْغِضُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ. وثانِيها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ قَدْ تَحْصُلُ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ أكْثَرَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ إنْعامًا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ؟ وثالِثُها: أنَّ مَحَبَّتَهم في قُلُوبِهِمْ مِن فِعْلِهِمْ، لا أنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَهُ، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى إعْطاءِ المَنافِعِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْلى. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ المُرادَ: يَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ مَحَبَّةً عِنْدَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حَكى عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ قالَ: ”«إذا ذَكَرَنِي عَبْدِي المُؤْمِنُ في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإذا ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ أطْيَبَ مِنهم وأفْضَلَ» “ . وهَذا هو الجَوابُ عَنِ الكَلامِ الثّانِي؛ لِأنَّ الكافِرَ والفاسِقَ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى فِعْلِ الألْطافِ وخَلْقِ داعِيَةِ إكْرامِهِ في قُلُوبِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ عَظِيمَ مَوْقِعِ هَذِهِ السُّورَةِ لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ والرَّدِّ عَلى فِرَقِ المُضِلِّينَ المُبْطِلِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسَّرَ ذَلِكَ بِلِسانِهِ لِيُبَشِّرَ بِهِ ويُنْذِرَ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى نَقَلَ قِصَصَهم إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَما تَيَسَّرَ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا أنَّ القُرْآنَ يَتَضَمَّنُ تَبْشِيرَ المُتَّقِينَ وإنْذارَ مَن خَرَجَ مِنهم فَبَيِّنٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِ مَن هو في مُخالَفَةِ التَّقْوى أبْلَغُ، وأبْلَغُهُمُ الألَدُّ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِالباطِلِ ويُجادِلُ فِيهِ ويَتَشَدَّدُ وهو مَعْنى لُدًّا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِمَوْعِظَةٍ بَلِيغَةٍ فَقالَ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ لِأنَّهم إذا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِن زَوالِ الدُّنْيا والِانْتِهاءِ إلى المَوْتِ خافُوا ذَلِكَ وخافُوا أيْضًا سُوءَ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، فَكانُوا فِيها إلى الحَذَرِ مِنَ المَعاصِي أقْرَبَ، ثُمَّ أكَدَّ تَعالى في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُحِسَّ مِنهم أحَدًا بِرُؤْيَةٍ أوْ إدْراكٍ أوْ وُجْدانٍ، ولا يَسْمَعْ لَهم رِكْزًا- وهو الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ومِنهُ رَكَزَ الرُّمْحَ إذا غَيَّبَ طَرَفَهُ في الأرْضِ والرِّكازُ المالُ المَدْفُونُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْقِراضِهِمْ وفَنائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. والأقْرَبُ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْنا﴾ أنَّ المُرادَ بِهِ الِانْقِراضُ بِالمَوْتِ وإنْ كانَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَذابِ المُعَجَّلِ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

مريم 19:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى أصْنافِ الكَفَرَةِ وبالَغَ في شَرْحِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ خَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وُدًّا﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ تَعالى سَيُحْدِثُ لَهم في القُلُوبِ مَوَدَّةً ويَزْرَعُها لَهم فِيها مِن غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنهم، ولا تَعَرُّضٍ لِلْأسْبابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ النّاسُ بِها مَوَدّاتِ القُلُوبِ مِن قَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ أوِ اصْطِناعِ مَعْرُوفٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما هو اخْتِراعٌ مِنهُ تَعالى، وابْتِداءٌ تَخْصِيصًا لِأوْلِيائِهِ بِهَذِهِ الكَرامَةِ كَما قَذَفَ في قُلُوبِ أعْدائِهِمُ الرُّعْبَ والهَيْبَةَ إعْظامًا لَهم وإجْلالًا لِمَكانِهِمْ، والسِّينُ في سَيَجْعَلُ إمّا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وكانَ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ مَمْقُوتِينَ بَيْنَ الكَفَرَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إذا جاءَ الإسْلامُ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يُحَبِّبُهم إلى خَلْقِهِ بِما يُعْرِضُ مِن حَسَناتِهِمْ ويَنْشُرُ مِن دِيوانِ أعْمالِهِمْ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ: ”«إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ: قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبُّوهُ؛ فَيُنادِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ في السَّماءِ والأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ» “ . وعَنْ كَعْبٍ قالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لا مَحَبَّةَ لِأحَدٍ في الأرْضِ حَتّى يَكُونَ ابْتِداؤُها مِنَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها عَلى أهْلِ السَّماءِ ثُمَّ عَلى أهْلِ الأرْضِ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ . القَوْلُ الثّانِي - وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: مَعْنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: يَهَبُ لَهم ما يُحِبُّونَ والوُدُّ والمَحَبَّةُ سَواءٌ، يُقالُ: آتَيْتُ فُلانًا مَحَبَّتَهُ، وجَعَلَ لَهم ما يُحِبُّونَ، وجَعَلْتُ لَهُ وُدَّهُ، ومِن كَلامِهِمْ: يَوَدُّ لَوْ كانَ كَذا، ووَدِدْتُ أنْ لَوْ كانَ كَذا، أيْ أحْبَبْتُ، ومَعْناهُ: سَيُعْطِيهِمُ الرَّحْمَنُ وُدَّهم أيْ مَحْبُوبَهم في الجَنَّةِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ المَحَبَّةِ عَلى المَحْبُوبِ مَجازٌ، ولِأنّا ذَكَرْنا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وفَسَّرَها بِذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى؛ لِوُجُوهٍ: صفحة ٢١٩ أحَدُها: كَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ الأوَّلُ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ المُسْلِمَ المُتَّقِيَ يُبْغِضُهُ الكُفّارُ، وقَدْ يُبْغِضُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ. وثانِيها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ قَدْ تَحْصُلُ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ أكْثَرَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ إنْعامًا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ؟ وثالِثُها: أنَّ مَحَبَّتَهم في قُلُوبِهِمْ مِن فِعْلِهِمْ، لا أنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَهُ، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى إعْطاءِ المَنافِعِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْلى. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ المُرادَ: يَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ مَحَبَّةً عِنْدَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حَكى عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ قالَ: ”«إذا ذَكَرَنِي عَبْدِي المُؤْمِنُ في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإذا ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ أطْيَبَ مِنهم وأفْضَلَ» “ . وهَذا هو الجَوابُ عَنِ الكَلامِ الثّانِي؛ لِأنَّ الكافِرَ والفاسِقَ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى فِعْلِ الألْطافِ وخَلْقِ داعِيَةِ إكْرامِهِ في قُلُوبِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ عَظِيمَ مَوْقِعِ هَذِهِ السُّورَةِ لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ والرَّدِّ عَلى فِرَقِ المُضِلِّينَ المُبْطِلِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسَّرَ ذَلِكَ بِلِسانِهِ لِيُبَشِّرَ بِهِ ويُنْذِرَ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى نَقَلَ قِصَصَهم إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَما تَيَسَّرَ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا أنَّ القُرْآنَ يَتَضَمَّنُ تَبْشِيرَ المُتَّقِينَ وإنْذارَ مَن خَرَجَ مِنهم فَبَيِّنٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِ مَن هو في مُخالَفَةِ التَّقْوى أبْلَغُ، وأبْلَغُهُمُ الألَدُّ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِالباطِلِ ويُجادِلُ فِيهِ ويَتَشَدَّدُ وهو مَعْنى لُدًّا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِمَوْعِظَةٍ بَلِيغَةٍ فَقالَ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ لِأنَّهم إذا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِن زَوالِ الدُّنْيا والِانْتِهاءِ إلى المَوْتِ خافُوا ذَلِكَ وخافُوا أيْضًا سُوءَ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، فَكانُوا فِيها إلى الحَذَرِ مِنَ المَعاصِي أقْرَبَ، ثُمَّ أكَدَّ تَعالى في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُحِسَّ مِنهم أحَدًا بِرُؤْيَةٍ أوْ إدْراكٍ أوْ وُجْدانٍ، ولا يَسْمَعْ لَهم رِكْزًا- وهو الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ومِنهُ رَكَزَ الرُّمْحَ إذا غَيَّبَ طَرَفَهُ في الأرْضِ والرِّكازُ المالُ المَدْفُونُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْقِراضِهِمْ وفَنائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. والأقْرَبُ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْنا﴾ أنَّ المُرادَ بِهِ الِانْقِراضُ بِالمَوْتِ وإنْ كانَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَذابِ المُعَجَّلِ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

طه 20:1

صفحة ٣ (سُورَةُ طه) (سُورَةُ طه) وهِيَ مِائَةٌ وثَلاثُونَ وخَمْسُ آياتٍ. ﷽ ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ . ﷽ ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿طه﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الطّاءِ والهاءِ، قالَ الزَّجّاجُ: وقُرِئَ طه بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ، وكُلُّها لُغاتٌ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ الطّاءَ والهاءَ فَلِأنَّ ما قَبْلَ الألِفِ مَفْتُوحٌ، ومَن كَسَرَ الطّاءَ والهاءَ فَأمالَ الكَسْرَةَ؛ لِأنَّ الحَرْفَ مَقْصُورٌ والمَقْصُورُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الإمالَةُ إلى الكَسْرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي، والآخَرُ أنَّهُ كَلِمَةٌ مُفِيدَةٌ، أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والَّذِي زادُوهُ هَهُنا أُمُورٌ: أحَدُها: قالَ الثَّعْلَبِيُّ: طا شَجَرَةُ طُوبى والهاءُ الهاوِيَةُ فَكَأنَّهُ أقْسَمَ بِالجَنَّةِ والنّارِ. وثانِيها: يُحْكى عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الطّاءُ طَهارَةُ أهْلِ البَيْتِ والهاءُ هِدايَتُهم. وثالِثُها: يا مَطْمَعَ الشَّفاعَةِ لِلْأُمَّةِ ويا هادِيَ الخَلْقِ إلى المِلَّةِ. ورابِعُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صفحة ٤ هُوَ افْتِتاحُ اسْمِهِ الطَّيِّبِ الطّاهِرِ الهادِي. وخامِسُها: الطّاءُ مِنَ الطَّهارَةِ والهاءُ مِنَ الهِدايَةِ كَأنَّهُ قِيلَ يا طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ، ويا هادِيًا إلى عَلّامِ الغُيُوبِ. وسادِسُها: الطّاءُ طُولُ القُرّاءِ والهاءُ هَيْبَتُهم في قُلُوبِ الكُفّارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] . وسابِعُها: الطّاءُ تِسْعَةٌ في الحِسابِ والهاءُ خَمْسَةٌ تَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ ومَعْناهُ يا أيُّها البَدْرُ، وقَدْ عَرَفْتَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَجِبُ أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْها. القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها كَلِمَةٌ مُفِيدَةٌ وعَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يا رَجُلُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ثُمَّ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِلِسانِ النَّبَطِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ بِلِسانِ السُّرْيانِيَّةِ وقالَ عِكْرِمَةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ بِلُغَةِ عَكٍّ وأنْشَدَ الكَلْبِيُّ لِشاعِرِهِمْ: إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ في خَلائِقِكم لا قَدَّسَ اللَّهُ أرْواحَ المَلاعِينِ وقَدْ تَكَلَّمَ النّاسُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى يا رَجُلُ في اللُّغَةِ حُمِلَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لا يَجُوزُ إنْ ثَبَتَ عَلى هَذا المَعْنى إلّا في لُغَةِ العَرَبِ إذِ القُرْآنُ بِهَذِهِ اللُّغَةِ نَزَلَ، فَيَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لُغَةُ العَرَبِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُوافِقَةً لِسائِرِ اللُّغاتِ الَّتِي حَكَيْناها، فَأمّا عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ فَلا يَحْتَمِلُ ولا يَصِحُّ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ كانَ طَهَ في لُغَةِ عَكٍّ بِمَعْنى يا رَجُلُ فَلَعَلَّهم تَصَرَّفُوا في يا هَذا فَقَلَبُوا الياءَ طاءً فَقالُوا طا، واخْتَصَرُوا في هَذا واقْتَصَرُوا عَلى ها فَقَوْلُهُ طه بِمَعْنى يا هَذا، واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلَيْهِ وقالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُكْتَبَ أرْبَعَةَ أحْرُفٍ طا ها. وثانِيهِما: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَقُومُ في تَهَجُّدِهِ عَلى إحْدى رِجْلَيْهِ فَأُمِرَ أنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ مَعًا وكانَ الأصْلُ طَأْ فَقُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هاءً كَما قالُوا هِيّا في إيّاكَ وهَرَقْتُ في أرَقْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ مِن وطِئَ عَلى تَرْكِ الهَمْزَةِ فَيَكُونَ أصْلُهُ طَأْ يا رَجُلُ ثُمَّ أثْبَتَ الهاءَ فِيها لِلْوَقْفِ والوَجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

طه 20:2

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ جَعَلْتَ طه تَعْدِيدًا لِأسْماءِ الحُرُوفِ فَهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وإنْ جَعَلْتَها اسْمًا لِلسُّورَةِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ خَبَرًا عَنْها وهي في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ والقُرْآنُ ظاهِرٌ أُوقِعَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ؛ لِأنَّها قُرْآنٌ وأنْ يَكُونَ جَوابًا لَها وهي قَسَمٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ما نُزِّلَ عَلَيْكَ القُرْآنُ لِتَشْقى“ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ إنَّ أبا جَهْلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةٍ، ومُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى حَيْثُ تَرَكْتَ دِينَ آبائِكَ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”بَلْ بُعِثْتُ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ“ قالُوا: بَلْ أنْتَ تَشْقى؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيفًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو السَّلامُ، وهَذا القُرْآنُ هو السَّلامُ إلى نَيْلِ كُلِّ فَوْزٍ، والسَّبَبُ في إدْراكِ كُلِّ سَعادَةٍ، وما فِيهِ الكَفَرَةُ هو الشَّقاوَةُ بِعَيْنِها. وثانِيها: «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلّى بِاللَّيْلِ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”أبْقِ عَلى نَفْسِكَ فَإنَّ لَها عَلَيْكَ حَقًّا“» أيْ ما أنْزَلْناهُ لِتُهْلِكَ نَفْسَكَ بِالعِبادَةِ وتُذِيقَها المَشَقَّةَ العَظِيمَةَ وما بُعِثْتَ إلّا بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ رَبَطَ صَدْرَهُ بِحَبْلٍ حَتّى لا يَنامَ» “ وقالَ بَعْضُهم كانَ يَقُومُ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، وقالَ بَعْضُهم كانَ يَسْهَرُ طُولَ اللَّيْلِ فَأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾ ذَلِكَ، قالَ القاضِي هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإذا فَعَلَهُ بِأمْرِهِ فَهو مِن بابِ السَّعادَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: ما أمَرْناكَ بِذَلِكَ. وثالِثُها: قالَ بَعْضُهم يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تَشُقَّ عَلى نَفْسِكَ ولا تُعَذِّبْها صفحة ٥ بِالأسَفِ عَلى كُفْرِ هَؤُلاءِ فَإنّا إنَّما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ؛ لِتُذَكِّرَ بِهِ، فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلِنَفْسِهِ، ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] الآيَةَ، ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] . ورابِعُها: أنَّكَ لا تُلامُ عَلى كُفْرِ قَوْمِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ كُفْرُهم إذا بَلَّغْتَ ولا تُؤاخَذُ بِذَنْبِهِمْ. وخامِسُها: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ وفي ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْهُورًا تَحْتَ ذُلِّ أعْدائِهِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لَهُ لا تَظُنَّ أنَّكَ تَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ أبَدًا بَلْ يَعْلُو أمْرُكَ ويَظْهَرُ قَدْرُكَ، فَإنّا ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ هَذا القُرْآنِ لِتَبْقى شَقِيًّا فِيما بَيْنَهم، بَلْ تَصِيرُ مُعَظَّمًا مُكَرَّمًا. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ (إلّا) هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى لَكِنْ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَحْمِلَ مَتاعِبَ التَّبْلِيغِ إلّا لِيَكُونَ تَذْكِرَةً كَما يُقالُ ما شافَهْناكَ بِهَذا الكَلامِ لِتَتَأذّى إلّا لِيَعْتَبِرَ بِكَ غَيْرُكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ مَن يَخْشى بِالتَّذْكِرَةِ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَ ذَلِكَ عامًّا في الجَمِيعِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ [يس: ٦] وقالَ: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] وقالَ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٥] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وجْهُ كَوْنِ القُرْآنِ تَذْكِرَةً أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعِظُهم بِهِ وبِبَيانِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿لِمَن يَخْشى﴾ الرَّسُولُ ﷺ؛ لِأنَّهُ في الخَشْيَةِ والتَّذْكِرَةِ بِالقُرْآنِ كانَ فَوْقَ الكُلِّ.

طه 20:3

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ جَعَلْتَ طه تَعْدِيدًا لِأسْماءِ الحُرُوفِ فَهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وإنْ جَعَلْتَها اسْمًا لِلسُّورَةِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ خَبَرًا عَنْها وهي في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ والقُرْآنُ ظاهِرٌ أُوقِعَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ؛ لِأنَّها قُرْآنٌ وأنْ يَكُونَ جَوابًا لَها وهي قَسَمٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ما نُزِّلَ عَلَيْكَ القُرْآنُ لِتَشْقى“ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ إنَّ أبا جَهْلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةٍ، ومُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَشْقى حَيْثُ تَرَكْتَ دِينَ آبائِكَ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”بَلْ بُعِثْتُ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ“ قالُوا: بَلْ أنْتَ تَشْقى؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيفًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو السَّلامُ، وهَذا القُرْآنُ هو السَّلامُ إلى نَيْلِ كُلِّ فَوْزٍ، والسَّبَبُ في إدْراكِ كُلِّ سَعادَةٍ، وما فِيهِ الكَفَرَةُ هو الشَّقاوَةُ بِعَيْنِها. وثانِيها: «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلّى بِاللَّيْلِ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”أبْقِ عَلى نَفْسِكَ فَإنَّ لَها عَلَيْكَ حَقًّا“» أيْ ما أنْزَلْناهُ لِتُهْلِكَ نَفْسَكَ بِالعِبادَةِ وتُذِيقَها المَشَقَّةَ العَظِيمَةَ وما بُعِثْتَ إلّا بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ رَبَطَ صَدْرَهُ بِحَبْلٍ حَتّى لا يَنامَ» “ وقالَ بَعْضُهم كانَ يَقُومُ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، وقالَ بَعْضُهم كانَ يَسْهَرُ طُولَ اللَّيْلِ فَأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾ ذَلِكَ، قالَ القاضِي هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإذا فَعَلَهُ بِأمْرِهِ فَهو مِن بابِ السَّعادَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: ما أمَرْناكَ بِذَلِكَ. وثالِثُها: قالَ بَعْضُهم يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تَشُقَّ عَلى نَفْسِكَ ولا تُعَذِّبْها صفحة ٥ بِالأسَفِ عَلى كُفْرِ هَؤُلاءِ فَإنّا إنَّما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ؛ لِتُذَكِّرَ بِهِ، فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلِنَفْسِهِ، ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] الآيَةَ، ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] . ورابِعُها: أنَّكَ لا تُلامُ عَلى كُفْرِ قَوْمِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ كُفْرُهم إذا بَلَّغْتَ ولا تُؤاخَذُ بِذَنْبِهِمْ. وخامِسُها: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ وفي ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْهُورًا تَحْتَ ذُلِّ أعْدائِهِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لَهُ لا تَظُنَّ أنَّكَ تَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ أبَدًا بَلْ يَعْلُو أمْرُكَ ويَظْهَرُ قَدْرُكَ، فَإنّا ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ هَذا القُرْآنِ لِتَبْقى شَقِيًّا فِيما بَيْنَهم، بَلْ تَصِيرُ مُعَظَّمًا مُكَرَّمًا. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ (إلّا) هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى لَكِنْ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَحْمِلَ مَتاعِبَ التَّبْلِيغِ إلّا لِيَكُونَ تَذْكِرَةً كَما يُقالُ ما شافَهْناكَ بِهَذا الكَلامِ لِتَتَأذّى إلّا لِيَعْتَبِرَ بِكَ غَيْرُكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ مَن يَخْشى بِالتَّذْكِرَةِ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَ ذَلِكَ عامًّا في الجَمِيعِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ [يس: ٦] وقالَ: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] وقالَ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٥] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وجْهُ كَوْنِ القُرْآنِ تَذْكِرَةً أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعِظُهم بِهِ وبِبَيانِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿لِمَن يَخْشى﴾ الرَّسُولُ ﷺ؛ لِأنَّهُ في الخَشْيَةِ والتَّذْكِرَةِ بِالقُرْآنِ كانَ فَوْقَ الكُلِّ.

طه 20:4

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ تَنْزِيلًا وُجُوهًا: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ نُزِّلَ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ فَنُصِبَ تَنْزِيلًا بِمُضْمَرٍ. وثانِيها: أنْ يُنْصَبَ بِأنْزَلْنا؛ لِأنَّ مَعْنى ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً - أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. وثالِثُها: أنْ يُنْصَبَ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ. ورابِعُها: أنْ يُنْصَبَ بِيَخْشى مَفْعُولًا بِهِ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ تَنْزِيلَ اللَّهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ وإعْرابٌ بَيِّنٌ وقُرِئَ تَنْزِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ الِانْتِقالِ مِن لَفْظِ التَّكَلُّمِ إلى لَفْظِ الغَيْبَةِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها إلّا مَعَ الغَيْبَةِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ أوَّلًا أنْزَلْنا فَفَخَّمَ بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ ثُمَّ ثَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى المُخْتَصِّ بِصِفاتِ العَظَمَةِ والتَّمْجِيدِ فَتَضاعَفَتِ الفَخامَةُ مِن طَرِيقَيْنِ. وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْزَلْنا حِكايَةً لِكَلامِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ بِأنْ نَسَبَهُ إلى أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وخَلَقَ السَّماواتِ عَلى عُلُوِّها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى يَظْهَرُ بِتَعْظِيمِ خَلْقِهِ ونِعَمِهِ، وإنَّما عَظَّمَ القُرْآنَ تَرْغِيبًا في تَدَبُّرِهِ والتَّأمُّلِ في مَعانِيهِ وحَقائِقِهِ وذَلِكَ مُعْتادٌ في الشّاهِدِ فَإنَّهُ تَعْظُمُ الرِّسالَةُ بِتَعْظِيمِ حالِ المُرْسَلِ لِيَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أقْرَبَ إلى الِامْتِثالِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلًا وفائِدَةُ وصْفِ السَّماواتِ بِالعُلا الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ مَن صفحة ٦ يَخْلُقُ مِثْلَها في عُلُوِّها وبُعْدِ مُرْتَقاها. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (الرَّحْمَنِ) مَجْرُورًا صِفَةً لِمَن خَلَقَ، والرَّفْعُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى المَدْحِ والتَّقْدِيرُ هو الرَّحْمَنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُشارًا بِلامِهِ إلى مَن خَلَقَ فَإنْ قِيلَ الجُمْلَةُ الَّتِي هي عَلى العَرْشِ اسْتَوى ما مَحَلُّها إذا جَرَرْتَ الرَّحْمَنَ أوْ رَفَعْتَهُ عَلى المَدْحِ ؟ قُلْنا: إذا جَرَرْتَ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لا غَيْرُ، وإنْ رَفَعْتَ جازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ مَعَ الرَّحْمَنِ خَبَرَيْنِ لِلْمُبْتَدَأِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ مَعْبُودَهم جالِسٌ عَلى العَرْشِ وهَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ ولا عَرْشَ ولا مَكانَ، ولَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلى مَكانٍ بَلْ كانَ غَنِيًّا عَنْهُ، فَهو بِالصِّفَةِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْها إلّا أنْ يَزْعُمَ زاعِمٌ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ عَرَشٌ. وثانِيها: أنَّ الجالِسَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الجُزْءُ الحاصِلُ مِنهُ في يَمِينِ العَرْشِ غَيْرَ الحاصِلِ في يَسارِ العَرْشِ، فَيَكُونَ في نَفْسِهِ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ احْتاجَ إلى المُؤَلِّفِ والمُرَكِّبِ وذَلِكَ مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ الجالِسَ عَلى العَرْشِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِقالِ والحَرَكَةِ أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ صارَ مَحَلَّ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ فَيَكُونُ مُحْدَثًا لا مَحالَةَ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ كالمَرْبُوطِ بَلْ كانَ كالزَّمِنِ بَلْ أسْوَأ حالًا مِنهُ فَإنَّ الزَّمِنَ إذا شاءَ الحَرَكَةَ في رَأْسِهِ وحَدَقَتِهِ أمْكَنَهُ ذَلِكَ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى مَعْبُودِهِمْ. ورابِعُها: هو أنَّ مَعْبُودَهم إمّا أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ مَكانٍ أوْ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، فَإنْ حَصَلَ في كُلِّ مَكانٍ لَزِمَهم أنْ يَحْصُلَ في مَكانِ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ حَصَلَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ افْتَقَرَ إلى مُخَصِّصٍ يُخَصِّصُهُ بِذَلِكَ المَكانِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يَتَناوَلُ نَفْيَ المُساواةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلّا في الجُلُوسِ وإلّا في المِقْدارِ وإلّا في اللَّوْنِ، وصِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ تَحْتَهُ، فَلَوْ كانَ جالِسًا لَحَصَلَ مَن يُماثِلُهُ في الجُلُوسِ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَعْنى الآيَةِ. وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فَإذا كانُوا حامِلِينَ لِلْعَرْشِ والعَرْشُ مَكانُ مَعْبُودِهِمْ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِخالِقِهِمْ ومَعْبُودِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّ الخالِقَ هو الَّذِي يَحْفَظُ المَخْلُوقَ أمّا المَخْلُوقُ فَلا يَحْفَظُ الخالِقَ ولا يَحْمِلُهُ. وسابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ المُسْتَقِرُّ في المَكانِ إلَهًا فَكَيْفَ يُعْلَمُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ لِأنَّ طَرِيقَنا إلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أنَّهُما مَوْصُوفانِ بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا، ولَمْ يَكُنْ إلَهًا فَإذا أبْطَلْتُمْ هَذا الطَّرِيقَ انْسَدَّ عَلَيْكم بابُ القَدْحِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. وثامِنُها: أنَّ العالَمَ كُرَةٌ فالجِهَةُ الَّتِي هي فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا هي تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إلى ساكِنِي ذَلِكَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ، فَلَوْ كانَ المَعْبُودُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ فَتِلْكَ الجِهَةُ وإنْ كانَتْ فَوْقًا لِبَعْضِ النّاسِ لَكِنَّها تَحْتٌ لِبَعْضٍ آخَرِينَ، وبِاتِّفاقِ العُقَلاءِ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ المَبْعُودُ تَحْتَ جَمِيعِ الأشْياءِ. وتاسِعُها: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ فَلَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِالمَكانِ لَكانَ الجانِبُ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَمِينِهِ غَيْرَ الجانِبِ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَسارِهِ؛ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مُنْقَسِمًا فَلا يَكُونُ أحَدًا في الحَقِيقَةِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] . وعاشِرُها: أنَّ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ولَوْ كانَ المَعْبُودُ جِسْمًا لَكانَ آفِلًا أبَدًا غائِبًا أبَدًا فَكانَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ الِاسْتِقْرارَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وعِنْدَ هَذا لِلنّاسِ فِيهِ صفحة ٧ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نَشْتَغِلُ بِالتَّأْوِيلِ بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ ونَتْرُكُ تَأْوِيلَ الآيَةِ ورَوى الشَّيْخُ الغَزالِيُّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ أوَّلَ ثَلاثَةً مِنَ الأخْبارِ: قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”«الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» “، وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ» “ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ قَطَعَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، فَقَدْ قَطَعَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاسْتِواءِ الجُلُوسَ وهَذا هو التَّأْوِيلُ. وإنْ لَمْ يَقْطَعْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَكانِ والجِهَةِ بَلْ بَقِيَ شاكًّا فِيهِ فَهو جاهِلٌ بِاللَّهِ تَعالى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَقُولَ أنا قاطِعٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، بَلْ مُرادُهُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ ولَكِنِّي لا أُعَيِّنُ ذَلِكَ المُرادَ خَوْفًا مِنَ الخَطَأِ فَهَذا يَكُونُ قَرِيبًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَنا بِلِسانِ العَرَبِ وجَبَ أنْ لا يُرِيدَ بِاللَّفْظِ إلّا مَوْضُوعَهُ في لِسانِ العَرَبِ، وإذا كانَ لا مَعْنى لِلِاسْتِواءِ في اللُّغَةِ إلّا الِاسْتِقْرارُ والِاسْتِيلاءُ وقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ وإلّا لَزِمَ تَعْطِيلُ اللَّفْظِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. والثّانِي: وهو دَلالَةٌ قاطِعَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى التَّأْوِيلِ وهو أنَّ الدَّلالَةَ العَقْلِيَّةَ لَمّا قامَتْ عَلى امْتِناعِ الِاسْتِقْرارِ ودَلَّ ظاهِرُ لَفْظِ الِاسْتِواءِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، فَإمّا أنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، وإمّا أنْ نَتْرُكَهُما مَعًا، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ النَّقْلَ عَلى العَقْلِ، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ العَقْلَ ونُؤَوِّلَ النَّقْلَ. والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ مُنَزَّهًا عَنِ المَكانِ وحاصِلًا في المَكانِ وهو مُحالٌ، والثّانِي أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ مَعًا وهو باطِلٌ، والثّالِثُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ أصْلُ النَّقْلِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وُجُودُ الصّانِعِ وعِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ وبَعْثَتُهُ لِلرُّسُلِ لَمْ يَثْبُتِ النَّقْلُ، فالقَدْحُ في العَقْلِ يَقْتَضِي القَدْحَ في العَقْلِ والنَّقْلِ مَعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ نَقْطَعَ بِصِحَّةِ العَقْلِ ونَشْتَغِلَ بِتَأْوِيلِ النَّقْلِ، وهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ في المَقْصُودِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ المُرادُ مِنَ الِاسْتِواءِ الِاسْتِيلاءُ قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِيلاءَ مَعْناهُ حُصُولُ الغَلَبَةِ بَعْدَ العَجْزِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وثانِيها: أنَّهُ إنَّما يُقالُ فُلانٌ اسْتَوْلى عَلى كَذا إذا كانَ لَهُ مُنازِعٌ يُنازِعُهُ، وكانَ المُسْتَوْلى عَلَيْهِ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّ العَرْشَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ. وثالِثُها: الِاسْتِيلاءُ حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ المَخْلُوقاتِ فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. والجَوابُ: أنّا إذا فَسَّرْنا الِاسْتِيلاءَ بِالِاقْتِدارِ زالَتْ هَذِهِ المَطاعِنُ بِالكُلِّيَّةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ لَمّا كانَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ، وهو سَرِيرُ المُلْكِ، لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُلْكِ جَعَلُوهُ كِنايَةً عَنِ المُلْكِ فَقالُوا: اسْتَوى فُلانٌ عَلى البَلَدِ يُرِيدُونَ مَلَكَ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ البَتَّةَ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ حُصُولِ المُلْكِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ وأقْوى في الدَّلالَةِ مِن أنْ يُقالَ فُلانٌ مَلَكَ، ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: يَدُ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ، ويَدُ فُلانٍ مَغْلُولَةٌ، بِمَعْنى أنَّهُ جَوادٌ وبَخِيلٌ لا فَرْقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ إلّا فِيما قُلْتُ، حَتّى أنَّ مَن لَمْ تُبْسَطْ يَدُهُ قَطُّ بِالنَّوالِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ رَأْسًا قِيلَ فِيهِ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ جَوادٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو بَخِيلٌ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو جَوادٌ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ يَدٍ ولا غُلٍّ ولا بَسْطٍ، والتَّفْسِيرُ بِالنِّعْمَةِ والتَّمَحُّلُ بِالتَّسْمِيَةِ مِن ضِيقِ العَطَنِ. وأقُولُ: إنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لانْفَتَحَتْ تَأْوِيلاتُ الباطِنِيَّةِ فَإنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] الِاسْتِغْراقُ في خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ صفحة ٨ [الأنبياء: ٦٩] المُرادُ مِنهُ تَخْلِيصُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن يَدِ ذَلِكَ الظّالِمِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ نارٌ وخِطابٌ البَتَّةَ، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، بَلِ القانُونُ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا إذا قامَتْ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُوجِبُ الِانْصِرافَ عَنْهُ، ولَيْتَ مَن لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَخُضْ فِيهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ في الآياتِ والأخْبارِ المُتَشابِهاتِ فَعَلَيْهِ بِكِتابِ تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ مُلْكَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ والمُلْكُ لا يَنْتَظِمُ إلّا بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، لا جَرَمَ عَقَّبَهُ بِالقُدْرَةِ ثُمَّ بِالعِلْمِ. أمّا القُدْرَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكٌ لِهَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ فَهو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ مِن مَلَكٍ ونَجْمٍ وغَيْرِهِما، ومالِكٌ لِما في الأرْضِ مِنَ المَعادِنِ والفِلِزّاتِ ومالِكٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ الهَواءِ، ومالِكٌ لِما تَحْتَ الثَّرى، فَإنْ قِيلَ الثَّرى هو السَّطْحُ الأخِيرُ مِنَ العالَمِ فَلا يَكُونُ تَحْتَهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَكُونُ اللَّهُ مالِكًا لَهُ، قُلْنا: الثَّرى في اللُّغَةِ التُّرابُ النَّدِيُّ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ شَيْءٌ وهو إمّا الثَّوْرُ أوِ الحُوتُ أوِ الصَّخْرَةُ أوِ البَحْرُ أوِ الهَواءُ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، أمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأخْفى﴾ بِناءُ المُبالَغَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى قَسَّمَ الأشْياءَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الجَهْرِ، والسِّرِّ، والأخْفى. فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَهْرِ القَوْلَ الَّذِي يُجْهَرُ بِهِ، وقَدْ يُسَرُّ في النَّفْسِ وإنْ ظَهَرَ البَعْضُ، وقَدْ يُسَرُّ ولا يَظْهَرُ عَلى ما قالَ بَعْضُهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسِّرِّ وبِالأخْفى ما لَيْسَ بِقَوْلٍ، وهَذا أظْهَرُ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ الَّذِي لا يُسْمَعُ وما هو أخْفى مِنهُ فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ الجَهْرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ المُكَلَّفِ عَنِ القَبائِحِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، والتَّرْغِيبُ في الطّاعاتِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ السِّرُّ والأخْفى عَلى ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، والسِّرُّ هو الَّذِي يُسِرُّهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْها، والأخْفى هو الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ العَزِيمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُفَسَّرَ الأخْفى بِما عَزَمَ عَلَيْهِ وما وقَعَ في وهْمِهِ الَّذِي لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ ما لَمْ يَقَعْ في سِرِّهِ بَعْدُ فَيَكُونُ أخْفى مِنَ السِّرِّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا ما سَيَكُونُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ، وإنْ كانَ الأقْرَبَ ما قَدَّمْناهُ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ أخْفى فِعْلٌ يَعْنِي أنَّهُ يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ وأخْفى عَنْهم ما يَعْلَمُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُطابِقُ الجَزاءُ الشَّرْطَ ؟ قُلْنا مَعْناهُ إنْ تَجْهَرْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِن دُعاءٍ أوْ غَيْرِهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الجَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وإمّا تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ أنَّ الجَهْرَ لَيْسَ لِاسْتِماعِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هو لِغَرَضٍ آخَرَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لِذاتِهِ عالِمٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ في كُلِّ الأوْقاتِ بِعِلْمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ العِلْمُ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وذَلِكَ العِلْمُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحُدُوثِ أوِ الإمْكانِ والعَبْدُ لا يُشارِكُ الرَّبَّ إلّا في السُّدُسِ الأوَّلِ، وهو أصْلُ العِلْمِ ثُمَّ هَذا السُّدُسُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ أيْضًا نِصْفانِ فَخَمْسَةُ دَوانِيقَ ونِصْفُ جُزْءٍ مِنَ العِلْمِ مُسَلَّمٌ لَهُ، والنِّصْفُ الواحِدُ لِجُمْلَةِ عِبادِهِ، ثُمَّ هَذا الجُزْءُ الواحِدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ الكَرُوبِيَّةِ صفحة ٩ والمَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ وحَمَلَةِ العَرْشِ وسُكّانِ السَّماواتِ ومَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةِ العَذابِ وكَذا جَمِيعُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أوَّلُهم آدَمُ وآخِرُهم مُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وكَذا جَمِيعُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في عُلُومِهِمُ الضَّرُورِيَّةِ والكَسْبِيَّةِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ، وجَمِيعُ الحَيَواناتِ في إدْراكاتِها وشُعُوراتِها والِاهْتِداءِ إلى مَصالِحِها في أغْذِيَتِها ومَضارِّها ومَنافِعِها، والحاصِلُ لَكَ مِن ذَلِكَ الجُزْءِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ المُؤَلَّفَةِ، ثُمَّ إنَّكَ بِتِلْكَ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ أسْرارَ إلَهِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الواجِبَةَ والجائِزَةَ والمُسْتَحِيلَةَ. فَإذا كُنْتَ بِهَذِهِ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ هَذِهِ الأسْرارَ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ بِخَمْسِ دَوانِيقَ ونِصْفٍ، أفَلا يَعْلَمُ بِذَلِكَ العِلْمِ أسْرارَ عُبُودِيَّتِكَ ؟ فَهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ بَلِ الحَقُّ أنَّ الدِّينارَ بِتَمامِهِ لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي عَلِمْتَهُ فَإنَّما عَلِمْتَهُ بِتَعْلِيمِهِ عَلى ما قالَ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولِهَذا مِثالٌ وهو الشَّمْسُ فَإنَّ ضَوْءُها يَجْعَلُ العالَمَ مُضِيئًا، ولا يَنْتَقِصُ البَتَّةَ مِن ضَوْئِها شَيْءٌ، فَكَذا هَهُنا فَكَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِالسِّرِّ والأخْفى، فَإنَّ مِن تَدْبِيراتِهِ في خَلْقِ الأشْجارِ وأنْواعِ النَّباتِ أنَّها لَيْسَ لَها فَمٌ ولا سائِرُ آلاتِ الغِذاءِ فَلا جَرَمَ أُصُولُها مَرْكُوزَةٌ في الأرْضِ تَمْتَصُّ بِها الغِذاءَ فَيَتَأدّى ذَلِكَ الغِذاءُ إلى الأغْصانِ ومِنها إلى العُرُوقِ ومِنها إلى الأوْراقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عُرُوقَها كالأطْنابِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ ضَرْبُ الخِيامِ. وكَما أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَدِّ الطُّنُبِ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الخَيْمَةُ واقِفَةً، كَذَلِكَ العُرُوقُ تَذْهَبُ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الشَّجَرَةُ واقِفَةً، ثُمَّ لَوْ نَظَرْتَ إلى كُلِّ ورَقَةٍ وما فِيها مِنَ العُرُوقِ الدَّقِيقَةِ المَبْثُوثَةِ فِيها لِيَصِلَ الغِذاءُ مِنها إلى كُلِّ جانِبٍ مِنَ الوَرَقَةِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِجِرْمِ الوَرَقَةِ فَلا يَتَمَزَّقُ سَرِيعًا، وهي شِبْهُ العُرُوقِ المَخْلُوقَةِ في بَدَنِ الحَيَوانِ لِتَكُونَ مَسالِكَ لِلدَّمِ والرُّوحِ فَتَكُونَ مُقَوِّيَةً لِلْبَدَنِ، ثُمَّ انْظُرْ إلى الأشْجارِ فَإنَّ أحْسَنَها في المَنظَرِ الدُّلْبُ والخِلافُ، ولا حاصِلَ لَهُما، وأقْبَحَها شَجَرَةُ التِّينِ والعِنَبِ، و[ لَكِنْ ] انْظُرْ إلى مَنفَعَتِهِما، فَهَذِهِ الأشْياءُ وأشْباهُها تُظْهِرُ أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.

طه 20:5

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ تَنْزِيلًا وُجُوهًا: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ نُزِّلَ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ فَنُصِبَ تَنْزِيلًا بِمُضْمَرٍ. وثانِيها: أنْ يُنْصَبَ بِأنْزَلْنا؛ لِأنَّ مَعْنى ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً - أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. وثالِثُها: أنْ يُنْصَبَ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ. ورابِعُها: أنْ يُنْصَبَ بِيَخْشى مَفْعُولًا بِهِ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ تَنْزِيلَ اللَّهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ وإعْرابٌ بَيِّنٌ وقُرِئَ تَنْزِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ الِانْتِقالِ مِن لَفْظِ التَّكَلُّمِ إلى لَفْظِ الغَيْبَةِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها إلّا مَعَ الغَيْبَةِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ أوَّلًا أنْزَلْنا فَفَخَّمَ بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ ثُمَّ ثَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى المُخْتَصِّ بِصِفاتِ العَظَمَةِ والتَّمْجِيدِ فَتَضاعَفَتِ الفَخامَةُ مِن طَرِيقَيْنِ. وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْزَلْنا حِكايَةً لِكَلامِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ بِأنْ نَسَبَهُ إلى أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وخَلَقَ السَّماواتِ عَلى عُلُوِّها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى يَظْهَرُ بِتَعْظِيمِ خَلْقِهِ ونِعَمِهِ، وإنَّما عَظَّمَ القُرْآنَ تَرْغِيبًا في تَدَبُّرِهِ والتَّأمُّلِ في مَعانِيهِ وحَقائِقِهِ وذَلِكَ مُعْتادٌ في الشّاهِدِ فَإنَّهُ تَعْظُمُ الرِّسالَةُ بِتَعْظِيمِ حالِ المُرْسَلِ لِيَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أقْرَبَ إلى الِامْتِثالِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلًا وفائِدَةُ وصْفِ السَّماواتِ بِالعُلا الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ مَن صفحة ٦ يَخْلُقُ مِثْلَها في عُلُوِّها وبُعْدِ مُرْتَقاها. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (الرَّحْمَنِ) مَجْرُورًا صِفَةً لِمَن خَلَقَ، والرَّفْعُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى المَدْحِ والتَّقْدِيرُ هو الرَّحْمَنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُشارًا بِلامِهِ إلى مَن خَلَقَ فَإنْ قِيلَ الجُمْلَةُ الَّتِي هي عَلى العَرْشِ اسْتَوى ما مَحَلُّها إذا جَرَرْتَ الرَّحْمَنَ أوْ رَفَعْتَهُ عَلى المَدْحِ ؟ قُلْنا: إذا جَرَرْتَ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لا غَيْرُ، وإنْ رَفَعْتَ جازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ مَعَ الرَّحْمَنِ خَبَرَيْنِ لِلْمُبْتَدَأِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ مَعْبُودَهم جالِسٌ عَلى العَرْشِ وهَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ ولا عَرْشَ ولا مَكانَ، ولَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلى مَكانٍ بَلْ كانَ غَنِيًّا عَنْهُ، فَهو بِالصِّفَةِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْها إلّا أنْ يَزْعُمَ زاعِمٌ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ عَرَشٌ. وثانِيها: أنَّ الجالِسَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الجُزْءُ الحاصِلُ مِنهُ في يَمِينِ العَرْشِ غَيْرَ الحاصِلِ في يَسارِ العَرْشِ، فَيَكُونَ في نَفْسِهِ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ احْتاجَ إلى المُؤَلِّفِ والمُرَكِّبِ وذَلِكَ مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ الجالِسَ عَلى العَرْشِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِقالِ والحَرَكَةِ أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ صارَ مَحَلَّ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ فَيَكُونُ مُحْدَثًا لا مَحالَةَ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ كالمَرْبُوطِ بَلْ كانَ كالزَّمِنِ بَلْ أسْوَأ حالًا مِنهُ فَإنَّ الزَّمِنَ إذا شاءَ الحَرَكَةَ في رَأْسِهِ وحَدَقَتِهِ أمْكَنَهُ ذَلِكَ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى مَعْبُودِهِمْ. ورابِعُها: هو أنَّ مَعْبُودَهم إمّا أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ مَكانٍ أوْ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، فَإنْ حَصَلَ في كُلِّ مَكانٍ لَزِمَهم أنْ يَحْصُلَ في مَكانِ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ حَصَلَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ افْتَقَرَ إلى مُخَصِّصٍ يُخَصِّصُهُ بِذَلِكَ المَكانِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يَتَناوَلُ نَفْيَ المُساواةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلّا في الجُلُوسِ وإلّا في المِقْدارِ وإلّا في اللَّوْنِ، وصِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ تَحْتَهُ، فَلَوْ كانَ جالِسًا لَحَصَلَ مَن يُماثِلُهُ في الجُلُوسِ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَعْنى الآيَةِ. وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فَإذا كانُوا حامِلِينَ لِلْعَرْشِ والعَرْشُ مَكانُ مَعْبُودِهِمْ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِخالِقِهِمْ ومَعْبُودِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّ الخالِقَ هو الَّذِي يَحْفَظُ المَخْلُوقَ أمّا المَخْلُوقُ فَلا يَحْفَظُ الخالِقَ ولا يَحْمِلُهُ. وسابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ المُسْتَقِرُّ في المَكانِ إلَهًا فَكَيْفَ يُعْلَمُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ لِأنَّ طَرِيقَنا إلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أنَّهُما مَوْصُوفانِ بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا، ولَمْ يَكُنْ إلَهًا فَإذا أبْطَلْتُمْ هَذا الطَّرِيقَ انْسَدَّ عَلَيْكم بابُ القَدْحِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. وثامِنُها: أنَّ العالَمَ كُرَةٌ فالجِهَةُ الَّتِي هي فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا هي تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إلى ساكِنِي ذَلِكَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ، فَلَوْ كانَ المَعْبُودُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ فَتِلْكَ الجِهَةُ وإنْ كانَتْ فَوْقًا لِبَعْضِ النّاسِ لَكِنَّها تَحْتٌ لِبَعْضٍ آخَرِينَ، وبِاتِّفاقِ العُقَلاءِ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ المَبْعُودُ تَحْتَ جَمِيعِ الأشْياءِ. وتاسِعُها: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ فَلَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِالمَكانِ لَكانَ الجانِبُ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَمِينِهِ غَيْرَ الجانِبِ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَسارِهِ؛ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مُنْقَسِمًا فَلا يَكُونُ أحَدًا في الحَقِيقَةِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] . وعاشِرُها: أنَّ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ولَوْ كانَ المَعْبُودُ جِسْمًا لَكانَ آفِلًا أبَدًا غائِبًا أبَدًا فَكانَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ الِاسْتِقْرارَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وعِنْدَ هَذا لِلنّاسِ فِيهِ صفحة ٧ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نَشْتَغِلُ بِالتَّأْوِيلِ بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ ونَتْرُكُ تَأْوِيلَ الآيَةِ ورَوى الشَّيْخُ الغَزالِيُّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ أوَّلَ ثَلاثَةً مِنَ الأخْبارِ: قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”«الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» “، وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ» “ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ قَطَعَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، فَقَدْ قَطَعَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاسْتِواءِ الجُلُوسَ وهَذا هو التَّأْوِيلُ. وإنْ لَمْ يَقْطَعْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَكانِ والجِهَةِ بَلْ بَقِيَ شاكًّا فِيهِ فَهو جاهِلٌ بِاللَّهِ تَعالى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَقُولَ أنا قاطِعٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، بَلْ مُرادُهُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ ولَكِنِّي لا أُعَيِّنُ ذَلِكَ المُرادَ خَوْفًا مِنَ الخَطَأِ فَهَذا يَكُونُ قَرِيبًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَنا بِلِسانِ العَرَبِ وجَبَ أنْ لا يُرِيدَ بِاللَّفْظِ إلّا مَوْضُوعَهُ في لِسانِ العَرَبِ، وإذا كانَ لا مَعْنى لِلِاسْتِواءِ في اللُّغَةِ إلّا الِاسْتِقْرارُ والِاسْتِيلاءُ وقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ وإلّا لَزِمَ تَعْطِيلُ اللَّفْظِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. والثّانِي: وهو دَلالَةٌ قاطِعَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى التَّأْوِيلِ وهو أنَّ الدَّلالَةَ العَقْلِيَّةَ لَمّا قامَتْ عَلى امْتِناعِ الِاسْتِقْرارِ ودَلَّ ظاهِرُ لَفْظِ الِاسْتِواءِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، فَإمّا أنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، وإمّا أنْ نَتْرُكَهُما مَعًا، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ النَّقْلَ عَلى العَقْلِ، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ العَقْلَ ونُؤَوِّلَ النَّقْلَ. والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ مُنَزَّهًا عَنِ المَكانِ وحاصِلًا في المَكانِ وهو مُحالٌ، والثّانِي أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ مَعًا وهو باطِلٌ، والثّالِثُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ أصْلُ النَّقْلِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وُجُودُ الصّانِعِ وعِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ وبَعْثَتُهُ لِلرُّسُلِ لَمْ يَثْبُتِ النَّقْلُ، فالقَدْحُ في العَقْلِ يَقْتَضِي القَدْحَ في العَقْلِ والنَّقْلِ مَعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ نَقْطَعَ بِصِحَّةِ العَقْلِ ونَشْتَغِلَ بِتَأْوِيلِ النَّقْلِ، وهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ في المَقْصُودِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ المُرادُ مِنَ الِاسْتِواءِ الِاسْتِيلاءُ قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِيلاءَ مَعْناهُ حُصُولُ الغَلَبَةِ بَعْدَ العَجْزِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وثانِيها: أنَّهُ إنَّما يُقالُ فُلانٌ اسْتَوْلى عَلى كَذا إذا كانَ لَهُ مُنازِعٌ يُنازِعُهُ، وكانَ المُسْتَوْلى عَلَيْهِ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّ العَرْشَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ. وثالِثُها: الِاسْتِيلاءُ حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ المَخْلُوقاتِ فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. والجَوابُ: أنّا إذا فَسَّرْنا الِاسْتِيلاءَ بِالِاقْتِدارِ زالَتْ هَذِهِ المَطاعِنُ بِالكُلِّيَّةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ لَمّا كانَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ، وهو سَرِيرُ المُلْكِ، لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُلْكِ جَعَلُوهُ كِنايَةً عَنِ المُلْكِ فَقالُوا: اسْتَوى فُلانٌ عَلى البَلَدِ يُرِيدُونَ مَلَكَ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ البَتَّةَ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ حُصُولِ المُلْكِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ وأقْوى في الدَّلالَةِ مِن أنْ يُقالَ فُلانٌ مَلَكَ، ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: يَدُ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ، ويَدُ فُلانٍ مَغْلُولَةٌ، بِمَعْنى أنَّهُ جَوادٌ وبَخِيلٌ لا فَرْقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ إلّا فِيما قُلْتُ، حَتّى أنَّ مَن لَمْ تُبْسَطْ يَدُهُ قَطُّ بِالنَّوالِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ رَأْسًا قِيلَ فِيهِ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ جَوادٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو بَخِيلٌ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو جَوادٌ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ يَدٍ ولا غُلٍّ ولا بَسْطٍ، والتَّفْسِيرُ بِالنِّعْمَةِ والتَّمَحُّلُ بِالتَّسْمِيَةِ مِن ضِيقِ العَطَنِ. وأقُولُ: إنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لانْفَتَحَتْ تَأْوِيلاتُ الباطِنِيَّةِ فَإنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] الِاسْتِغْراقُ في خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ صفحة ٨ [الأنبياء: ٦٩] المُرادُ مِنهُ تَخْلِيصُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن يَدِ ذَلِكَ الظّالِمِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ نارٌ وخِطابٌ البَتَّةَ، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، بَلِ القانُونُ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا إذا قامَتْ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُوجِبُ الِانْصِرافَ عَنْهُ، ولَيْتَ مَن لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَخُضْ فِيهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ في الآياتِ والأخْبارِ المُتَشابِهاتِ فَعَلَيْهِ بِكِتابِ تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ مُلْكَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ والمُلْكُ لا يَنْتَظِمُ إلّا بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، لا جَرَمَ عَقَّبَهُ بِالقُدْرَةِ ثُمَّ بِالعِلْمِ. أمّا القُدْرَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكٌ لِهَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ فَهو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ مِن مَلَكٍ ونَجْمٍ وغَيْرِهِما، ومالِكٌ لِما في الأرْضِ مِنَ المَعادِنِ والفِلِزّاتِ ومالِكٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ الهَواءِ، ومالِكٌ لِما تَحْتَ الثَّرى، فَإنْ قِيلَ الثَّرى هو السَّطْحُ الأخِيرُ مِنَ العالَمِ فَلا يَكُونُ تَحْتَهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَكُونُ اللَّهُ مالِكًا لَهُ، قُلْنا: الثَّرى في اللُّغَةِ التُّرابُ النَّدِيُّ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ شَيْءٌ وهو إمّا الثَّوْرُ أوِ الحُوتُ أوِ الصَّخْرَةُ أوِ البَحْرُ أوِ الهَواءُ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، أمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأخْفى﴾ بِناءُ المُبالَغَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى قَسَّمَ الأشْياءَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الجَهْرِ، والسِّرِّ، والأخْفى. فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَهْرِ القَوْلَ الَّذِي يُجْهَرُ بِهِ، وقَدْ يُسَرُّ في النَّفْسِ وإنْ ظَهَرَ البَعْضُ، وقَدْ يُسَرُّ ولا يَظْهَرُ عَلى ما قالَ بَعْضُهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسِّرِّ وبِالأخْفى ما لَيْسَ بِقَوْلٍ، وهَذا أظْهَرُ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ الَّذِي لا يُسْمَعُ وما هو أخْفى مِنهُ فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ الجَهْرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ المُكَلَّفِ عَنِ القَبائِحِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، والتَّرْغِيبُ في الطّاعاتِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ السِّرُّ والأخْفى عَلى ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، والسِّرُّ هو الَّذِي يُسِرُّهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْها، والأخْفى هو الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ العَزِيمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُفَسَّرَ الأخْفى بِما عَزَمَ عَلَيْهِ وما وقَعَ في وهْمِهِ الَّذِي لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ ما لَمْ يَقَعْ في سِرِّهِ بَعْدُ فَيَكُونُ أخْفى مِنَ السِّرِّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا ما سَيَكُونُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ، وإنْ كانَ الأقْرَبَ ما قَدَّمْناهُ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ أخْفى فِعْلٌ يَعْنِي أنَّهُ يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ وأخْفى عَنْهم ما يَعْلَمُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُطابِقُ الجَزاءُ الشَّرْطَ ؟ قُلْنا مَعْناهُ إنْ تَجْهَرْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِن دُعاءٍ أوْ غَيْرِهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الجَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وإمّا تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ أنَّ الجَهْرَ لَيْسَ لِاسْتِماعِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هو لِغَرَضٍ آخَرَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لِذاتِهِ عالِمٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ في كُلِّ الأوْقاتِ بِعِلْمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ العِلْمُ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وذَلِكَ العِلْمُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحُدُوثِ أوِ الإمْكانِ والعَبْدُ لا يُشارِكُ الرَّبَّ إلّا في السُّدُسِ الأوَّلِ، وهو أصْلُ العِلْمِ ثُمَّ هَذا السُّدُسُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ أيْضًا نِصْفانِ فَخَمْسَةُ دَوانِيقَ ونِصْفُ جُزْءٍ مِنَ العِلْمِ مُسَلَّمٌ لَهُ، والنِّصْفُ الواحِدُ لِجُمْلَةِ عِبادِهِ، ثُمَّ هَذا الجُزْءُ الواحِدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ الكَرُوبِيَّةِ صفحة ٩ والمَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ وحَمَلَةِ العَرْشِ وسُكّانِ السَّماواتِ ومَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةِ العَذابِ وكَذا جَمِيعُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أوَّلُهم آدَمُ وآخِرُهم مُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وكَذا جَمِيعُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في عُلُومِهِمُ الضَّرُورِيَّةِ والكَسْبِيَّةِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ، وجَمِيعُ الحَيَواناتِ في إدْراكاتِها وشُعُوراتِها والِاهْتِداءِ إلى مَصالِحِها في أغْذِيَتِها ومَضارِّها ومَنافِعِها، والحاصِلُ لَكَ مِن ذَلِكَ الجُزْءِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ المُؤَلَّفَةِ، ثُمَّ إنَّكَ بِتِلْكَ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ أسْرارَ إلَهِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الواجِبَةَ والجائِزَةَ والمُسْتَحِيلَةَ. فَإذا كُنْتَ بِهَذِهِ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ هَذِهِ الأسْرارَ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ بِخَمْسِ دَوانِيقَ ونِصْفٍ، أفَلا يَعْلَمُ بِذَلِكَ العِلْمِ أسْرارَ عُبُودِيَّتِكَ ؟ فَهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ بَلِ الحَقُّ أنَّ الدِّينارَ بِتَمامِهِ لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي عَلِمْتَهُ فَإنَّما عَلِمْتَهُ بِتَعْلِيمِهِ عَلى ما قالَ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولِهَذا مِثالٌ وهو الشَّمْسُ فَإنَّ ضَوْءُها يَجْعَلُ العالَمَ مُضِيئًا، ولا يَنْتَقِصُ البَتَّةَ مِن ضَوْئِها شَيْءٌ، فَكَذا هَهُنا فَكَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِالسِّرِّ والأخْفى، فَإنَّ مِن تَدْبِيراتِهِ في خَلْقِ الأشْجارِ وأنْواعِ النَّباتِ أنَّها لَيْسَ لَها فَمٌ ولا سائِرُ آلاتِ الغِذاءِ فَلا جَرَمَ أُصُولُها مَرْكُوزَةٌ في الأرْضِ تَمْتَصُّ بِها الغِذاءَ فَيَتَأدّى ذَلِكَ الغِذاءُ إلى الأغْصانِ ومِنها إلى العُرُوقِ ومِنها إلى الأوْراقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عُرُوقَها كالأطْنابِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ ضَرْبُ الخِيامِ. وكَما أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَدِّ الطُّنُبِ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الخَيْمَةُ واقِفَةً، كَذَلِكَ العُرُوقُ تَذْهَبُ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الشَّجَرَةُ واقِفَةً، ثُمَّ لَوْ نَظَرْتَ إلى كُلِّ ورَقَةٍ وما فِيها مِنَ العُرُوقِ الدَّقِيقَةِ المَبْثُوثَةِ فِيها لِيَصِلَ الغِذاءُ مِنها إلى كُلِّ جانِبٍ مِنَ الوَرَقَةِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِجِرْمِ الوَرَقَةِ فَلا يَتَمَزَّقُ سَرِيعًا، وهي شِبْهُ العُرُوقِ المَخْلُوقَةِ في بَدَنِ الحَيَوانِ لِتَكُونَ مَسالِكَ لِلدَّمِ والرُّوحِ فَتَكُونَ مُقَوِّيَةً لِلْبَدَنِ، ثُمَّ انْظُرْ إلى الأشْجارِ فَإنَّ أحْسَنَها في المَنظَرِ الدُّلْبُ والخِلافُ، ولا حاصِلَ لَهُما، وأقْبَحَها شَجَرَةُ التِّينِ والعِنَبِ، و[ لَكِنْ ] انْظُرْ إلى مَنفَعَتِهِما، فَهَذِهِ الأشْياءُ وأشْباهُها تُظْهِرُ أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.

طه 20:6

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ تَنْزِيلًا وُجُوهًا: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ نُزِّلَ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ فَنُصِبَ تَنْزِيلًا بِمُضْمَرٍ. وثانِيها: أنْ يُنْصَبَ بِأنْزَلْنا؛ لِأنَّ مَعْنى ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً - أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. وثالِثُها: أنْ يُنْصَبَ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ. ورابِعُها: أنْ يُنْصَبَ بِيَخْشى مَفْعُولًا بِهِ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ تَنْزِيلَ اللَّهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ وإعْرابٌ بَيِّنٌ وقُرِئَ تَنْزِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ الِانْتِقالِ مِن لَفْظِ التَّكَلُّمِ إلى لَفْظِ الغَيْبَةِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها إلّا مَعَ الغَيْبَةِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ أوَّلًا أنْزَلْنا فَفَخَّمَ بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ ثُمَّ ثَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى المُخْتَصِّ بِصِفاتِ العَظَمَةِ والتَّمْجِيدِ فَتَضاعَفَتِ الفَخامَةُ مِن طَرِيقَيْنِ. وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْزَلْنا حِكايَةً لِكَلامِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ بِأنْ نَسَبَهُ إلى أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وخَلَقَ السَّماواتِ عَلى عُلُوِّها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى يَظْهَرُ بِتَعْظِيمِ خَلْقِهِ ونِعَمِهِ، وإنَّما عَظَّمَ القُرْآنَ تَرْغِيبًا في تَدَبُّرِهِ والتَّأمُّلِ في مَعانِيهِ وحَقائِقِهِ وذَلِكَ مُعْتادٌ في الشّاهِدِ فَإنَّهُ تَعْظُمُ الرِّسالَةُ بِتَعْظِيمِ حالِ المُرْسَلِ لِيَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أقْرَبَ إلى الِامْتِثالِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلًا وفائِدَةُ وصْفِ السَّماواتِ بِالعُلا الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ مَن صفحة ٦ يَخْلُقُ مِثْلَها في عُلُوِّها وبُعْدِ مُرْتَقاها. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (الرَّحْمَنِ) مَجْرُورًا صِفَةً لِمَن خَلَقَ، والرَّفْعُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى المَدْحِ والتَّقْدِيرُ هو الرَّحْمَنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُشارًا بِلامِهِ إلى مَن خَلَقَ فَإنْ قِيلَ الجُمْلَةُ الَّتِي هي عَلى العَرْشِ اسْتَوى ما مَحَلُّها إذا جَرَرْتَ الرَّحْمَنَ أوْ رَفَعْتَهُ عَلى المَدْحِ ؟ قُلْنا: إذا جَرَرْتَ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لا غَيْرُ، وإنْ رَفَعْتَ جازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ مَعَ الرَّحْمَنِ خَبَرَيْنِ لِلْمُبْتَدَأِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ مَعْبُودَهم جالِسٌ عَلى العَرْشِ وهَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ ولا عَرْشَ ولا مَكانَ، ولَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلى مَكانٍ بَلْ كانَ غَنِيًّا عَنْهُ، فَهو بِالصِّفَةِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْها إلّا أنْ يَزْعُمَ زاعِمٌ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ عَرَشٌ. وثانِيها: أنَّ الجالِسَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الجُزْءُ الحاصِلُ مِنهُ في يَمِينِ العَرْشِ غَيْرَ الحاصِلِ في يَسارِ العَرْشِ، فَيَكُونَ في نَفْسِهِ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ احْتاجَ إلى المُؤَلِّفِ والمُرَكِّبِ وذَلِكَ مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ الجالِسَ عَلى العَرْشِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِقالِ والحَرَكَةِ أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ صارَ مَحَلَّ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ فَيَكُونُ مُحْدَثًا لا مَحالَةَ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ كالمَرْبُوطِ بَلْ كانَ كالزَّمِنِ بَلْ أسْوَأ حالًا مِنهُ فَإنَّ الزَّمِنَ إذا شاءَ الحَرَكَةَ في رَأْسِهِ وحَدَقَتِهِ أمْكَنَهُ ذَلِكَ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى مَعْبُودِهِمْ. ورابِعُها: هو أنَّ مَعْبُودَهم إمّا أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ مَكانٍ أوْ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، فَإنْ حَصَلَ في كُلِّ مَكانٍ لَزِمَهم أنْ يَحْصُلَ في مَكانِ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ حَصَلَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ افْتَقَرَ إلى مُخَصِّصٍ يُخَصِّصُهُ بِذَلِكَ المَكانِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يَتَناوَلُ نَفْيَ المُساواةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلّا في الجُلُوسِ وإلّا في المِقْدارِ وإلّا في اللَّوْنِ، وصِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ تَحْتَهُ، فَلَوْ كانَ جالِسًا لَحَصَلَ مَن يُماثِلُهُ في الجُلُوسِ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَعْنى الآيَةِ. وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فَإذا كانُوا حامِلِينَ لِلْعَرْشِ والعَرْشُ مَكانُ مَعْبُودِهِمْ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِخالِقِهِمْ ومَعْبُودِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّ الخالِقَ هو الَّذِي يَحْفَظُ المَخْلُوقَ أمّا المَخْلُوقُ فَلا يَحْفَظُ الخالِقَ ولا يَحْمِلُهُ. وسابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ المُسْتَقِرُّ في المَكانِ إلَهًا فَكَيْفَ يُعْلَمُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ لِأنَّ طَرِيقَنا إلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أنَّهُما مَوْصُوفانِ بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا، ولَمْ يَكُنْ إلَهًا فَإذا أبْطَلْتُمْ هَذا الطَّرِيقَ انْسَدَّ عَلَيْكم بابُ القَدْحِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. وثامِنُها: أنَّ العالَمَ كُرَةٌ فالجِهَةُ الَّتِي هي فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا هي تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إلى ساكِنِي ذَلِكَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ، فَلَوْ كانَ المَعْبُودُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ فَتِلْكَ الجِهَةُ وإنْ كانَتْ فَوْقًا لِبَعْضِ النّاسِ لَكِنَّها تَحْتٌ لِبَعْضٍ آخَرِينَ، وبِاتِّفاقِ العُقَلاءِ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ المَبْعُودُ تَحْتَ جَمِيعِ الأشْياءِ. وتاسِعُها: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ فَلَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِالمَكانِ لَكانَ الجانِبُ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَمِينِهِ غَيْرَ الجانِبِ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَسارِهِ؛ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مُنْقَسِمًا فَلا يَكُونُ أحَدًا في الحَقِيقَةِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] . وعاشِرُها: أنَّ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ولَوْ كانَ المَعْبُودُ جِسْمًا لَكانَ آفِلًا أبَدًا غائِبًا أبَدًا فَكانَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ الِاسْتِقْرارَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وعِنْدَ هَذا لِلنّاسِ فِيهِ صفحة ٧ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نَشْتَغِلُ بِالتَّأْوِيلِ بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ ونَتْرُكُ تَأْوِيلَ الآيَةِ ورَوى الشَّيْخُ الغَزالِيُّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ أوَّلَ ثَلاثَةً مِنَ الأخْبارِ: قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”«الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» “، وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ» “ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ قَطَعَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، فَقَدْ قَطَعَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاسْتِواءِ الجُلُوسَ وهَذا هو التَّأْوِيلُ. وإنْ لَمْ يَقْطَعْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَكانِ والجِهَةِ بَلْ بَقِيَ شاكًّا فِيهِ فَهو جاهِلٌ بِاللَّهِ تَعالى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَقُولَ أنا قاطِعٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، بَلْ مُرادُهُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ ولَكِنِّي لا أُعَيِّنُ ذَلِكَ المُرادَ خَوْفًا مِنَ الخَطَأِ فَهَذا يَكُونُ قَرِيبًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَنا بِلِسانِ العَرَبِ وجَبَ أنْ لا يُرِيدَ بِاللَّفْظِ إلّا مَوْضُوعَهُ في لِسانِ العَرَبِ، وإذا كانَ لا مَعْنى لِلِاسْتِواءِ في اللُّغَةِ إلّا الِاسْتِقْرارُ والِاسْتِيلاءُ وقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ وإلّا لَزِمَ تَعْطِيلُ اللَّفْظِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. والثّانِي: وهو دَلالَةٌ قاطِعَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى التَّأْوِيلِ وهو أنَّ الدَّلالَةَ العَقْلِيَّةَ لَمّا قامَتْ عَلى امْتِناعِ الِاسْتِقْرارِ ودَلَّ ظاهِرُ لَفْظِ الِاسْتِواءِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، فَإمّا أنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، وإمّا أنْ نَتْرُكَهُما مَعًا، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ النَّقْلَ عَلى العَقْلِ، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ العَقْلَ ونُؤَوِّلَ النَّقْلَ. والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ مُنَزَّهًا عَنِ المَكانِ وحاصِلًا في المَكانِ وهو مُحالٌ، والثّانِي أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ مَعًا وهو باطِلٌ، والثّالِثُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ أصْلُ النَّقْلِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وُجُودُ الصّانِعِ وعِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ وبَعْثَتُهُ لِلرُّسُلِ لَمْ يَثْبُتِ النَّقْلُ، فالقَدْحُ في العَقْلِ يَقْتَضِي القَدْحَ في العَقْلِ والنَّقْلِ مَعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ نَقْطَعَ بِصِحَّةِ العَقْلِ ونَشْتَغِلَ بِتَأْوِيلِ النَّقْلِ، وهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ في المَقْصُودِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ المُرادُ مِنَ الِاسْتِواءِ الِاسْتِيلاءُ قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِيلاءَ مَعْناهُ حُصُولُ الغَلَبَةِ بَعْدَ العَجْزِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وثانِيها: أنَّهُ إنَّما يُقالُ فُلانٌ اسْتَوْلى عَلى كَذا إذا كانَ لَهُ مُنازِعٌ يُنازِعُهُ، وكانَ المُسْتَوْلى عَلَيْهِ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّ العَرْشَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ. وثالِثُها: الِاسْتِيلاءُ حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ المَخْلُوقاتِ فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. والجَوابُ: أنّا إذا فَسَّرْنا الِاسْتِيلاءَ بِالِاقْتِدارِ زالَتْ هَذِهِ المَطاعِنُ بِالكُلِّيَّةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ لَمّا كانَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ، وهو سَرِيرُ المُلْكِ، لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُلْكِ جَعَلُوهُ كِنايَةً عَنِ المُلْكِ فَقالُوا: اسْتَوى فُلانٌ عَلى البَلَدِ يُرِيدُونَ مَلَكَ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ البَتَّةَ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ حُصُولِ المُلْكِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ وأقْوى في الدَّلالَةِ مِن أنْ يُقالَ فُلانٌ مَلَكَ، ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: يَدُ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ، ويَدُ فُلانٍ مَغْلُولَةٌ، بِمَعْنى أنَّهُ جَوادٌ وبَخِيلٌ لا فَرْقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ إلّا فِيما قُلْتُ، حَتّى أنَّ مَن لَمْ تُبْسَطْ يَدُهُ قَطُّ بِالنَّوالِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ رَأْسًا قِيلَ فِيهِ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ جَوادٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو بَخِيلٌ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو جَوادٌ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ يَدٍ ولا غُلٍّ ولا بَسْطٍ، والتَّفْسِيرُ بِالنِّعْمَةِ والتَّمَحُّلُ بِالتَّسْمِيَةِ مِن ضِيقِ العَطَنِ. وأقُولُ: إنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لانْفَتَحَتْ تَأْوِيلاتُ الباطِنِيَّةِ فَإنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] الِاسْتِغْراقُ في خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ صفحة ٨ [الأنبياء: ٦٩] المُرادُ مِنهُ تَخْلِيصُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن يَدِ ذَلِكَ الظّالِمِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ نارٌ وخِطابٌ البَتَّةَ، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، بَلِ القانُونُ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا إذا قامَتْ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُوجِبُ الِانْصِرافَ عَنْهُ، ولَيْتَ مَن لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَخُضْ فِيهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ في الآياتِ والأخْبارِ المُتَشابِهاتِ فَعَلَيْهِ بِكِتابِ تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ مُلْكَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ والمُلْكُ لا يَنْتَظِمُ إلّا بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، لا جَرَمَ عَقَّبَهُ بِالقُدْرَةِ ثُمَّ بِالعِلْمِ. أمّا القُدْرَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكٌ لِهَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ فَهو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ مِن مَلَكٍ ونَجْمٍ وغَيْرِهِما، ومالِكٌ لِما في الأرْضِ مِنَ المَعادِنِ والفِلِزّاتِ ومالِكٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ الهَواءِ، ومالِكٌ لِما تَحْتَ الثَّرى، فَإنْ قِيلَ الثَّرى هو السَّطْحُ الأخِيرُ مِنَ العالَمِ فَلا يَكُونُ تَحْتَهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَكُونُ اللَّهُ مالِكًا لَهُ، قُلْنا: الثَّرى في اللُّغَةِ التُّرابُ النَّدِيُّ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ شَيْءٌ وهو إمّا الثَّوْرُ أوِ الحُوتُ أوِ الصَّخْرَةُ أوِ البَحْرُ أوِ الهَواءُ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، أمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأخْفى﴾ بِناءُ المُبالَغَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى قَسَّمَ الأشْياءَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الجَهْرِ، والسِّرِّ، والأخْفى. فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَهْرِ القَوْلَ الَّذِي يُجْهَرُ بِهِ، وقَدْ يُسَرُّ في النَّفْسِ وإنْ ظَهَرَ البَعْضُ، وقَدْ يُسَرُّ ولا يَظْهَرُ عَلى ما قالَ بَعْضُهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسِّرِّ وبِالأخْفى ما لَيْسَ بِقَوْلٍ، وهَذا أظْهَرُ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ الَّذِي لا يُسْمَعُ وما هو أخْفى مِنهُ فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ الجَهْرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ المُكَلَّفِ عَنِ القَبائِحِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، والتَّرْغِيبُ في الطّاعاتِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ السِّرُّ والأخْفى عَلى ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، والسِّرُّ هو الَّذِي يُسِرُّهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْها، والأخْفى هو الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ العَزِيمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُفَسَّرَ الأخْفى بِما عَزَمَ عَلَيْهِ وما وقَعَ في وهْمِهِ الَّذِي لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ ما لَمْ يَقَعْ في سِرِّهِ بَعْدُ فَيَكُونُ أخْفى مِنَ السِّرِّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا ما سَيَكُونُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ، وإنْ كانَ الأقْرَبَ ما قَدَّمْناهُ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ أخْفى فِعْلٌ يَعْنِي أنَّهُ يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ وأخْفى عَنْهم ما يَعْلَمُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُطابِقُ الجَزاءُ الشَّرْطَ ؟ قُلْنا مَعْناهُ إنْ تَجْهَرْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِن دُعاءٍ أوْ غَيْرِهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الجَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وإمّا تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ أنَّ الجَهْرَ لَيْسَ لِاسْتِماعِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هو لِغَرَضٍ آخَرَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لِذاتِهِ عالِمٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ في كُلِّ الأوْقاتِ بِعِلْمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ العِلْمُ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وذَلِكَ العِلْمُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحُدُوثِ أوِ الإمْكانِ والعَبْدُ لا يُشارِكُ الرَّبَّ إلّا في السُّدُسِ الأوَّلِ، وهو أصْلُ العِلْمِ ثُمَّ هَذا السُّدُسُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ أيْضًا نِصْفانِ فَخَمْسَةُ دَوانِيقَ ونِصْفُ جُزْءٍ مِنَ العِلْمِ مُسَلَّمٌ لَهُ، والنِّصْفُ الواحِدُ لِجُمْلَةِ عِبادِهِ، ثُمَّ هَذا الجُزْءُ الواحِدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ الكَرُوبِيَّةِ صفحة ٩ والمَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ وحَمَلَةِ العَرْشِ وسُكّانِ السَّماواتِ ومَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةِ العَذابِ وكَذا جَمِيعُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أوَّلُهم آدَمُ وآخِرُهم مُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وكَذا جَمِيعُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في عُلُومِهِمُ الضَّرُورِيَّةِ والكَسْبِيَّةِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ، وجَمِيعُ الحَيَواناتِ في إدْراكاتِها وشُعُوراتِها والِاهْتِداءِ إلى مَصالِحِها في أغْذِيَتِها ومَضارِّها ومَنافِعِها، والحاصِلُ لَكَ مِن ذَلِكَ الجُزْءِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ المُؤَلَّفَةِ، ثُمَّ إنَّكَ بِتِلْكَ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ أسْرارَ إلَهِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الواجِبَةَ والجائِزَةَ والمُسْتَحِيلَةَ. فَإذا كُنْتَ بِهَذِهِ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ هَذِهِ الأسْرارَ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ بِخَمْسِ دَوانِيقَ ونِصْفٍ، أفَلا يَعْلَمُ بِذَلِكَ العِلْمِ أسْرارَ عُبُودِيَّتِكَ ؟ فَهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ بَلِ الحَقُّ أنَّ الدِّينارَ بِتَمامِهِ لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي عَلِمْتَهُ فَإنَّما عَلِمْتَهُ بِتَعْلِيمِهِ عَلى ما قالَ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولِهَذا مِثالٌ وهو الشَّمْسُ فَإنَّ ضَوْءُها يَجْعَلُ العالَمَ مُضِيئًا، ولا يَنْتَقِصُ البَتَّةَ مِن ضَوْئِها شَيْءٌ، فَكَذا هَهُنا فَكَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِالسِّرِّ والأخْفى، فَإنَّ مِن تَدْبِيراتِهِ في خَلْقِ الأشْجارِ وأنْواعِ النَّباتِ أنَّها لَيْسَ لَها فَمٌ ولا سائِرُ آلاتِ الغِذاءِ فَلا جَرَمَ أُصُولُها مَرْكُوزَةٌ في الأرْضِ تَمْتَصُّ بِها الغِذاءَ فَيَتَأدّى ذَلِكَ الغِذاءُ إلى الأغْصانِ ومِنها إلى العُرُوقِ ومِنها إلى الأوْراقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عُرُوقَها كالأطْنابِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ ضَرْبُ الخِيامِ. وكَما أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَدِّ الطُّنُبِ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الخَيْمَةُ واقِفَةً، كَذَلِكَ العُرُوقُ تَذْهَبُ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الشَّجَرَةُ واقِفَةً، ثُمَّ لَوْ نَظَرْتَ إلى كُلِّ ورَقَةٍ وما فِيها مِنَ العُرُوقِ الدَّقِيقَةِ المَبْثُوثَةِ فِيها لِيَصِلَ الغِذاءُ مِنها إلى كُلِّ جانِبٍ مِنَ الوَرَقَةِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِجِرْمِ الوَرَقَةِ فَلا يَتَمَزَّقُ سَرِيعًا، وهي شِبْهُ العُرُوقِ المَخْلُوقَةِ في بَدَنِ الحَيَوانِ لِتَكُونَ مَسالِكَ لِلدَّمِ والرُّوحِ فَتَكُونَ مُقَوِّيَةً لِلْبَدَنِ، ثُمَّ انْظُرْ إلى الأشْجارِ فَإنَّ أحْسَنَها في المَنظَرِ الدُّلْبُ والخِلافُ، ولا حاصِلَ لَهُما، وأقْبَحَها شَجَرَةُ التِّينِ والعِنَبِ، و[ لَكِنْ ] انْظُرْ إلى مَنفَعَتِهِما، فَهَذِهِ الأشْياءُ وأشْباهُها تُظْهِرُ أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.

طه 20:7

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ تَنْزِيلًا وُجُوهًا: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ نُزِّلَ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ فَنُصِبَ تَنْزِيلًا بِمُضْمَرٍ. وثانِيها: أنْ يُنْصَبَ بِأنْزَلْنا؛ لِأنَّ مَعْنى ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً - أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. وثالِثُها: أنْ يُنْصَبَ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ. ورابِعُها: أنْ يُنْصَبَ بِيَخْشى مَفْعُولًا بِهِ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ تَنْزِيلَ اللَّهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ وإعْرابٌ بَيِّنٌ وقُرِئَ تَنْزِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ الِانْتِقالِ مِن لَفْظِ التَّكَلُّمِ إلى لَفْظِ الغَيْبَةِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها إلّا مَعَ الغَيْبَةِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ أوَّلًا أنْزَلْنا فَفَخَّمَ بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ ثُمَّ ثَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى المُخْتَصِّ بِصِفاتِ العَظَمَةِ والتَّمْجِيدِ فَتَضاعَفَتِ الفَخامَةُ مِن طَرِيقَيْنِ. وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْزَلْنا حِكايَةً لِكَلامِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ بِأنْ نَسَبَهُ إلى أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وخَلَقَ السَّماواتِ عَلى عُلُوِّها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى يَظْهَرُ بِتَعْظِيمِ خَلْقِهِ ونِعَمِهِ، وإنَّما عَظَّمَ القُرْآنَ تَرْغِيبًا في تَدَبُّرِهِ والتَّأمُّلِ في مَعانِيهِ وحَقائِقِهِ وذَلِكَ مُعْتادٌ في الشّاهِدِ فَإنَّهُ تَعْظُمُ الرِّسالَةُ بِتَعْظِيمِ حالِ المُرْسَلِ لِيَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أقْرَبَ إلى الِامْتِثالِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلًا وفائِدَةُ وصْفِ السَّماواتِ بِالعُلا الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ مَن صفحة ٦ يَخْلُقُ مِثْلَها في عُلُوِّها وبُعْدِ مُرْتَقاها. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (الرَّحْمَنِ) مَجْرُورًا صِفَةً لِمَن خَلَقَ، والرَّفْعُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى المَدْحِ والتَّقْدِيرُ هو الرَّحْمَنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُشارًا بِلامِهِ إلى مَن خَلَقَ فَإنْ قِيلَ الجُمْلَةُ الَّتِي هي عَلى العَرْشِ اسْتَوى ما مَحَلُّها إذا جَرَرْتَ الرَّحْمَنَ أوْ رَفَعْتَهُ عَلى المَدْحِ ؟ قُلْنا: إذا جَرَرْتَ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لا غَيْرُ، وإنْ رَفَعْتَ جازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ مَعَ الرَّحْمَنِ خَبَرَيْنِ لِلْمُبْتَدَأِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ مَعْبُودَهم جالِسٌ عَلى العَرْشِ وهَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ ولا عَرْشَ ولا مَكانَ، ولَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلى مَكانٍ بَلْ كانَ غَنِيًّا عَنْهُ، فَهو بِالصِّفَةِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْها إلّا أنْ يَزْعُمَ زاعِمٌ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ عَرَشٌ. وثانِيها: أنَّ الجالِسَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الجُزْءُ الحاصِلُ مِنهُ في يَمِينِ العَرْشِ غَيْرَ الحاصِلِ في يَسارِ العَرْشِ، فَيَكُونَ في نَفْسِهِ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ احْتاجَ إلى المُؤَلِّفِ والمُرَكِّبِ وذَلِكَ مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ الجالِسَ عَلى العَرْشِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِقالِ والحَرَكَةِ أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ صارَ مَحَلَّ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ فَيَكُونُ مُحْدَثًا لا مَحالَةَ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ كالمَرْبُوطِ بَلْ كانَ كالزَّمِنِ بَلْ أسْوَأ حالًا مِنهُ فَإنَّ الزَّمِنَ إذا شاءَ الحَرَكَةَ في رَأْسِهِ وحَدَقَتِهِ أمْكَنَهُ ذَلِكَ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى مَعْبُودِهِمْ. ورابِعُها: هو أنَّ مَعْبُودَهم إمّا أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ مَكانٍ أوْ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، فَإنْ حَصَلَ في كُلِّ مَكانٍ لَزِمَهم أنْ يَحْصُلَ في مَكانِ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ حَصَلَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ افْتَقَرَ إلى مُخَصِّصٍ يُخَصِّصُهُ بِذَلِكَ المَكانِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يَتَناوَلُ نَفْيَ المُساواةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلّا في الجُلُوسِ وإلّا في المِقْدارِ وإلّا في اللَّوْنِ، وصِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ تَحْتَهُ، فَلَوْ كانَ جالِسًا لَحَصَلَ مَن يُماثِلُهُ في الجُلُوسِ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَعْنى الآيَةِ. وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فَإذا كانُوا حامِلِينَ لِلْعَرْشِ والعَرْشُ مَكانُ مَعْبُودِهِمْ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِخالِقِهِمْ ومَعْبُودِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّ الخالِقَ هو الَّذِي يَحْفَظُ المَخْلُوقَ أمّا المَخْلُوقُ فَلا يَحْفَظُ الخالِقَ ولا يَحْمِلُهُ. وسابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ المُسْتَقِرُّ في المَكانِ إلَهًا فَكَيْفَ يُعْلَمُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ لِأنَّ طَرِيقَنا إلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أنَّهُما مَوْصُوفانِ بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا، ولَمْ يَكُنْ إلَهًا فَإذا أبْطَلْتُمْ هَذا الطَّرِيقَ انْسَدَّ عَلَيْكم بابُ القَدْحِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ. وثامِنُها: أنَّ العالَمَ كُرَةٌ فالجِهَةُ الَّتِي هي فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا هي تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إلى ساكِنِي ذَلِكَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ، فَلَوْ كانَ المَعْبُودُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ فَتِلْكَ الجِهَةُ وإنْ كانَتْ فَوْقًا لِبَعْضِ النّاسِ لَكِنَّها تَحْتٌ لِبَعْضٍ آخَرِينَ، وبِاتِّفاقِ العُقَلاءِ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ المَبْعُودُ تَحْتَ جَمِيعِ الأشْياءِ. وتاسِعُها: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ فَلَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِالمَكانِ لَكانَ الجانِبُ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَمِينِهِ غَيْرَ الجانِبِ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَسارِهِ؛ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مُنْقَسِمًا فَلا يَكُونُ أحَدًا في الحَقِيقَةِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] . وعاشِرُها: أنَّ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ولَوْ كانَ المَعْبُودُ جِسْمًا لَكانَ آفِلًا أبَدًا غائِبًا أبَدًا فَكانَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ الِاسْتِقْرارَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وعِنْدَ هَذا لِلنّاسِ فِيهِ صفحة ٧ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نَشْتَغِلُ بِالتَّأْوِيلِ بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ ونَتْرُكُ تَأْوِيلَ الآيَةِ ورَوى الشَّيْخُ الغَزالِيُّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ أوَّلَ ثَلاثَةً مِنَ الأخْبارِ: قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”«الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» “، وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ» “ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ قَطَعَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، فَقَدْ قَطَعَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاسْتِواءِ الجُلُوسَ وهَذا هو التَّأْوِيلُ. وإنْ لَمْ يَقْطَعْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَكانِ والجِهَةِ بَلْ بَقِيَ شاكًّا فِيهِ فَهو جاهِلٌ بِاللَّهِ تَعالى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَقُولَ أنا قاطِعٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، بَلْ مُرادُهُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ ولَكِنِّي لا أُعَيِّنُ ذَلِكَ المُرادَ خَوْفًا مِنَ الخَطَأِ فَهَذا يَكُونُ قَرِيبًا، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَنا بِلِسانِ العَرَبِ وجَبَ أنْ لا يُرِيدَ بِاللَّفْظِ إلّا مَوْضُوعَهُ في لِسانِ العَرَبِ، وإذا كانَ لا مَعْنى لِلِاسْتِواءِ في اللُّغَةِ إلّا الِاسْتِقْرارُ والِاسْتِيلاءُ وقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ وإلّا لَزِمَ تَعْطِيلُ اللَّفْظِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. والثّانِي: وهو دَلالَةٌ قاطِعَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى التَّأْوِيلِ وهو أنَّ الدَّلالَةَ العَقْلِيَّةَ لَمّا قامَتْ عَلى امْتِناعِ الِاسْتِقْرارِ ودَلَّ ظاهِرُ لَفْظِ الِاسْتِواءِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، فَإمّا أنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، وإمّا أنْ نَتْرُكَهُما مَعًا، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ النَّقْلَ عَلى العَقْلِ، وإمّا أنْ نُرَجِّحَ العَقْلَ ونُؤَوِّلَ النَّقْلَ. والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ مُنَزَّهًا عَنِ المَكانِ وحاصِلًا في المَكانِ وهو مُحالٌ، والثّانِي أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ مَعًا وهو باطِلٌ، والثّالِثُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ أصْلُ النَّقْلِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وُجُودُ الصّانِعِ وعِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ وبَعْثَتُهُ لِلرُّسُلِ لَمْ يَثْبُتِ النَّقْلُ، فالقَدْحُ في العَقْلِ يَقْتَضِي القَدْحَ في العَقْلِ والنَّقْلِ مَعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ نَقْطَعَ بِصِحَّةِ العَقْلِ ونَشْتَغِلَ بِتَأْوِيلِ النَّقْلِ، وهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ في المَقْصُودِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ المُرادُ مِنَ الِاسْتِواءِ الِاسْتِيلاءُ قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِيلاءَ مَعْناهُ حُصُولُ الغَلَبَةِ بَعْدَ العَجْزِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وثانِيها: أنَّهُ إنَّما يُقالُ فُلانٌ اسْتَوْلى عَلى كَذا إذا كانَ لَهُ مُنازِعٌ يُنازِعُهُ، وكانَ المُسْتَوْلى عَلَيْهِ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّ العَرْشَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ. وثالِثُها: الِاسْتِيلاءُ حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ المَخْلُوقاتِ فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِ العَرْشِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ. والجَوابُ: أنّا إذا فَسَّرْنا الِاسْتِيلاءَ بِالِاقْتِدارِ زالَتْ هَذِهِ المَطاعِنُ بِالكُلِّيَّةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ لَمّا كانَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ، وهو سَرِيرُ المُلْكِ، لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُلْكِ جَعَلُوهُ كِنايَةً عَنِ المُلْكِ فَقالُوا: اسْتَوى فُلانٌ عَلى البَلَدِ يُرِيدُونَ مَلَكَ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ البَتَّةَ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ حُصُولِ المُلْكِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ وأقْوى في الدَّلالَةِ مِن أنْ يُقالَ فُلانٌ مَلَكَ، ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: يَدُ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ، ويَدُ فُلانٍ مَغْلُولَةٌ، بِمَعْنى أنَّهُ جَوادٌ وبَخِيلٌ لا فَرْقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ إلّا فِيما قُلْتُ، حَتّى أنَّ مَن لَمْ تُبْسَطْ يَدُهُ قَطُّ بِالنَّوالِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ رَأْسًا قِيلَ فِيهِ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ جَوادٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو بَخِيلٌ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ هو جَوادٌ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ يَدٍ ولا غُلٍّ ولا بَسْطٍ، والتَّفْسِيرُ بِالنِّعْمَةِ والتَّمَحُّلُ بِالتَّسْمِيَةِ مِن ضِيقِ العَطَنِ. وأقُولُ: إنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لانْفَتَحَتْ تَأْوِيلاتُ الباطِنِيَّةِ فَإنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] الِاسْتِغْراقُ في خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ صفحة ٨ [الأنبياء: ٦٩] المُرادُ مِنهُ تَخْلِيصُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن يَدِ ذَلِكَ الظّالِمِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ نارٌ وخِطابٌ البَتَّةَ، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، بَلِ القانُونُ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا إذا قامَتْ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُوجِبُ الِانْصِرافَ عَنْهُ، ولَيْتَ مَن لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَخُضْ فِيهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ في الآياتِ والأخْبارِ المُتَشابِهاتِ فَعَلَيْهِ بِكِتابِ تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ مُلْكَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ والمُلْكُ لا يَنْتَظِمُ إلّا بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، لا جَرَمَ عَقَّبَهُ بِالقُدْرَةِ ثُمَّ بِالعِلْمِ. أمّا القُدْرَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكٌ لِهَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ فَهو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ مِن مَلَكٍ ونَجْمٍ وغَيْرِهِما، ومالِكٌ لِما في الأرْضِ مِنَ المَعادِنِ والفِلِزّاتِ ومالِكٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ الهَواءِ، ومالِكٌ لِما تَحْتَ الثَّرى، فَإنْ قِيلَ الثَّرى هو السَّطْحُ الأخِيرُ مِنَ العالَمِ فَلا يَكُونُ تَحْتَهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَكُونُ اللَّهُ مالِكًا لَهُ، قُلْنا: الثَّرى في اللُّغَةِ التُّرابُ النَّدِيُّ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ شَيْءٌ وهو إمّا الثَّوْرُ أوِ الحُوتُ أوِ الصَّخْرَةُ أوِ البَحْرُ أوِ الهَواءُ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، أمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأخْفى﴾ بِناءُ المُبالَغَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى قَسَّمَ الأشْياءَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الجَهْرِ، والسِّرِّ، والأخْفى. فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَهْرِ القَوْلَ الَّذِي يُجْهَرُ بِهِ، وقَدْ يُسَرُّ في النَّفْسِ وإنْ ظَهَرَ البَعْضُ، وقَدْ يُسَرُّ ولا يَظْهَرُ عَلى ما قالَ بَعْضُهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسِّرِّ وبِالأخْفى ما لَيْسَ بِقَوْلٍ، وهَذا أظْهَرُ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ الَّذِي لا يُسْمَعُ وما هو أخْفى مِنهُ فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ الجَهْرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ المُكَلَّفِ عَنِ القَبائِحِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، والتَّرْغِيبُ في الطّاعاتِ ظاهِرَةً كانَتْ أوْ باطِنَةً، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ السِّرُّ والأخْفى عَلى ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، والسِّرُّ هو الَّذِي يُسِرُّهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْها، والأخْفى هو الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ العَزِيمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُفَسَّرَ الأخْفى بِما عَزَمَ عَلَيْهِ وما وقَعَ في وهْمِهِ الَّذِي لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ ما لَمْ يَقَعْ في سِرِّهِ بَعْدُ فَيَكُونُ أخْفى مِنَ السِّرِّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا ما سَيَكُونُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ، وإنْ كانَ الأقْرَبَ ما قَدَّمْناهُ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ أخْفى فِعْلٌ يَعْنِي أنَّهُ يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ وأخْفى عَنْهم ما يَعْلَمُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُطابِقُ الجَزاءُ الشَّرْطَ ؟ قُلْنا مَعْناهُ إنْ تَجْهَرْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِن دُعاءٍ أوْ غَيْرِهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الجَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وإمّا تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ أنَّ الجَهْرَ لَيْسَ لِاسْتِماعِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هو لِغَرَضٍ آخَرَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لِذاتِهِ عالِمٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ في كُلِّ الأوْقاتِ بِعِلْمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ العِلْمُ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وذَلِكَ العِلْمُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحُدُوثِ أوِ الإمْكانِ والعَبْدُ لا يُشارِكُ الرَّبَّ إلّا في السُّدُسِ الأوَّلِ، وهو أصْلُ العِلْمِ ثُمَّ هَذا السُّدُسُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ أيْضًا نِصْفانِ فَخَمْسَةُ دَوانِيقَ ونِصْفُ جُزْءٍ مِنَ العِلْمِ مُسَلَّمٌ لَهُ، والنِّصْفُ الواحِدُ لِجُمْلَةِ عِبادِهِ، ثُمَّ هَذا الجُزْءُ الواحِدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ الكَرُوبِيَّةِ صفحة ٩ والمَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ وحَمَلَةِ العَرْشِ وسُكّانِ السَّماواتِ ومَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةِ العَذابِ وكَذا جَمِيعُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أوَّلُهم آدَمُ وآخِرُهم مُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وكَذا جَمِيعُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في عُلُومِهِمُ الضَّرُورِيَّةِ والكَسْبِيَّةِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ، وجَمِيعُ الحَيَواناتِ في إدْراكاتِها وشُعُوراتِها والِاهْتِداءِ إلى مَصالِحِها في أغْذِيَتِها ومَضارِّها ومَنافِعِها، والحاصِلُ لَكَ مِن ذَلِكَ الجُزْءِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ المُؤَلَّفَةِ، ثُمَّ إنَّكَ بِتِلْكَ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ أسْرارَ إلَهِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الواجِبَةَ والجائِزَةَ والمُسْتَحِيلَةَ. فَإذا كُنْتَ بِهَذِهِ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ هَذِهِ الأسْرارَ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ بِخَمْسِ دَوانِيقَ ونِصْفٍ، أفَلا يَعْلَمُ بِذَلِكَ العِلْمِ أسْرارَ عُبُودِيَّتِكَ ؟ فَهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ بَلِ الحَقُّ أنَّ الدِّينارَ بِتَمامِهِ لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي عَلِمْتَهُ فَإنَّما عَلِمْتَهُ بِتَعْلِيمِهِ عَلى ما قالَ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولِهَذا مِثالٌ وهو الشَّمْسُ فَإنَّ ضَوْءُها يَجْعَلُ العالَمَ مُضِيئًا، ولا يَنْتَقِصُ البَتَّةَ مِن ضَوْئِها شَيْءٌ، فَكَذا هَهُنا فَكَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِالسِّرِّ والأخْفى، فَإنَّ مِن تَدْبِيراتِهِ في خَلْقِ الأشْجارِ وأنْواعِ النَّباتِ أنَّها لَيْسَ لَها فَمٌ ولا سائِرُ آلاتِ الغِذاءِ فَلا جَرَمَ أُصُولُها مَرْكُوزَةٌ في الأرْضِ تَمْتَصُّ بِها الغِذاءَ فَيَتَأدّى ذَلِكَ الغِذاءُ إلى الأغْصانِ ومِنها إلى العُرُوقِ ومِنها إلى الأوْراقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عُرُوقَها كالأطْنابِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ ضَرْبُ الخِيامِ. وكَما أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَدِّ الطُّنُبِ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الخَيْمَةُ واقِفَةً، كَذَلِكَ العُرُوقُ تَذْهَبُ مِن كُلِّ جانِبٍ لِتَبْقى الشَّجَرَةُ واقِفَةً، ثُمَّ لَوْ نَظَرْتَ إلى كُلِّ ورَقَةٍ وما فِيها مِنَ العُرُوقِ الدَّقِيقَةِ المَبْثُوثَةِ فِيها لِيَصِلَ الغِذاءُ مِنها إلى كُلِّ جانِبٍ مِنَ الوَرَقَةِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِجِرْمِ الوَرَقَةِ فَلا يَتَمَزَّقُ سَرِيعًا، وهي شِبْهُ العُرُوقِ المَخْلُوقَةِ في بَدَنِ الحَيَوانِ لِتَكُونَ مَسالِكَ لِلدَّمِ والرُّوحِ فَتَكُونَ مُقَوِّيَةً لِلْبَدَنِ، ثُمَّ انْظُرْ إلى الأشْجارِ فَإنَّ أحْسَنَها في المَنظَرِ الدُّلْبُ والخِلافُ، ولا حاصِلَ لَهُما، وأقْبَحَها شَجَرَةُ التِّينِ والعِنَبِ، و[ لَكِنْ ] انْظُرْ إلى مَنفَعَتِهِما، فَهَذِهِ الأشْياءُ وأشْباهُها تُظْهِرُ أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.

طه 20:8

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ فالكَلامُ فِيهِ عَلى قِسْمَيْنِ: الأوَّلُ: في التَّوْحِيدِ. اعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وإنَّما ذَكَرَهُ هَهُنا لِيُبَيِّنَ أنَّ المَوْصُوفَ بِالقُدْرَةِ وبِالعِلْمِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ دُونَ غَيْرِهِ، ولْنَذْكُرْ هَهُنا نُكَتًا مُتَعَلِّقَةً بِهَذا البابِ وهي أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ التَّوْحِيدِ أرْبَعٌ: أحَدُها: الإقْرارُ بِاللِّسانِ. والثّانِي: الِاعْتِقادُ بِالقَلْبِ. والثّالِثُ: تَأْكِيدُ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ بِالحُجَّةِ. والرّابِعُ: أنْ يَصِيرَ العَبْدُ مَغْمُورًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَدُورُ في خاطِرِهِ شَيْءٌ غَيْرُ عِرْفانِ الأحَدِ الصَّمَدِ. أمّا الإقْرارُ بِاللِّسانِ فَإنْ وُجِدَ خالِيًا عَنِ الِاعْتِقادِ بِالقَلْبِ فَذَلِكَ هو المُنافِقُ. وأمّا الِاعْتِقادُ بِالقَلْبِ إذا وُجِدَ خالِيًا عَنِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ فَفِيهِ صُوَرٌ: الصُّورَةُ الأُولى: أنَّ مَن نَظَرَ وعَرَفَ اللَّهَ تَعالى، وكَما عَرَفَهُ ماتَ قَبْلَ أنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مِنَ الوَقْتِ ما يُمْكِنُهُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ فَقالَ قَوْمٌ إنَّهُ لا يَتِمُّ إيمانُهُ، والحَقُّ أنَّهُ يَتِمُّ؛ لِأنَّهُ أدّى ما كُلِّفَ بِهِ وعَجَزَ عَنِ التَّلَفُّظِ بِهِ فَلا يَبْقى مُخاطَبًا، ورَأيْتُ في [ بَعْضِ ] الكُتُبِ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَكْتُوبٌ عَلى جَبْهَتِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِكَيْ إذا رَآهُ المُؤْمِنُ تَذَكَّرَ كَلِمَةَ الشَّهادَةِ فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ التَّذَكُّرُ عَنِ الذِّكْرِ. الصُّورَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ ومَضى عَلَيْهِ مِنَ الوَقْتِ ما يُمْكِنُهُ التَّلَفُّظُ بِالكَلِمَةِ ولَكِنَّهُ قَصَّرَ فِيهِ، قالَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ: يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ اللِّسانُ تُرْجُمانُ القَلْبِ، فَإذا حَصَلَ المَقْصُودُ في القَلْبِ كانَ امْتِناعُهُ مِنَ التَّلَفُّظِ جارِيًا مَجْرى امْتِناعِهِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وكَيْفَ يَكُونُ مِن أهْلِ النّارِ، وقَدْ قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ وقَلْبُ هَذا الرَّجُلِ مَمْلُوءٌ مِنَ صفحة ١٠ الإيمانِ ؟ وقالَ آخَرُونَ: الإيمانُ والكُفْرُ أُمُورٌ شَرْعِيَّةٌ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ المُمْتَنِعَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ كافِرٌ. الصُّورَةُ الثّالِثَةُ: مَن أقَرَّ بِاللِّسانِ واعْتَقَدَ بِالقَلْبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ فَهو مُقَلِّدٌ والِاخْتِلافُ في صِحَّةِ إيمانِهِ مَشْهُورٌ. أمّا المَقامُ الثّالِثُ: وهو إثْباتُ التَّوْحِيدِ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ فَقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أنَّهُ يُمْكِنُ إثْباتُ هَذا المَطْلُوبِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ واسْتَقْصَيْنا القَوْلَ فِيها هُناكَ. أمّا المَقامُ الرّابِعُ: وهو الفَناءُ في بَحْرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ المُحَقِّقُونَ: العِرْفانُ مُبْتَدِأٌ مِن تَفْرِيقٍ ونَقْضٍ وتَرْكٍ ورَفْضٍ مُمْكِنٍ في جَمِيعِ صِفاتٍ هي مِن صِفاتِ الحَقِّ لِلَّذّاتِ المُرِيدَةِ بِالصِّدْقِ مُنْتَبِهٌ إلى الواحِدِ القَهّارِ، ثُمَّ وُقُوفُ هَذِهِ الكَلِماتِ مُحِيطَةٌ بِأقْصى نِهاياتِ دَرَجاتِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى. البَحْثُ الثّانِي: في الأخْبارِ الوارِدَةِ في التَّهْلِيلِ: أوَّلُها: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ» “ . وثانِيها: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ قَبْلَ أنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وهو يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مادًّا بِها صَوْتَهُ لا يَقْطَعُها ولا يَتَنَفَّسُ فِيها ولا يُتِمُّها، فَإذا أتَمَّها أمَرَ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخِ في الصُّورِ وقامَتِ القِيامَةُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ» “ . وثالِثُها: عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«ما زِلْتُ أشْفَعُ إلى رَبِّي ويُشَفِّعُنِي وأشْفَعُ إلَيْهِ ويُشَفِّعُنِي حَتّى قُلْتُ: يا رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ: يا مُحَمَّدُ هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ ولا لِأحَدٍ وعِزَّتِي وجَلالِي لا أدَعُ أحَدًا في النّارِ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» “ . وثانِيها: قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: سَألْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ حم عسق قالَ: الحاءُ حُكْمُهُ والمِيمُ مُلْكُهُ والعَيْنُ عَظَمَتُهُ والسِّينُ سَناؤُهُ والقافُ قُدْرَتُهُ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: بِحُكْمِي ومُلْكِي وعَظَمَتِي وسَنائِي وقُدْرَتِي لا أُعَذِّبُ بِالنّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وخامِسُها: أنَّ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن قامَ في السُّوقِ فَقالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ لَهُ اللَّهُ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ ومَحا عَنْهُ ألْفَ ألْفِ سَيِّئَةٍ وبَنى لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» “ . البَحْثُ الثّالِثُ: في النُّكَتِ: أحَدُها: يَنْبَغِي لِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أنْ يُحَصِّلُوا أرْبَعَةَ أشْياءَ حَتّى يَكُونُوا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: التَّصْدِيقُ والتَّعْظِيمُ والحَلاوَةُ والحُرِّيَّةُ، فَمَن لَيْسَ لَهُ التَّصْدِيقُ فَهو مُنافِقٌ ومَن لَيْسَ لَهُ التَّعْظِيمُ فَهو مُبْتَدِعٌ ومَن لَيْسَ لَهُ الحَلاوَةُ فَهو مُراءٍ ومَن لَيْسَ لَهُ الحُرِّيَّةُ فَهو فاجِرٌ. وثانِيها: قالَ بَعْضُهم قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ [العصر: ٣] لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وثالِثُها: «أنَّ مُوسى بْنَ عِمْرانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”يا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أذْكُرُكَ بِهِ قالَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قالَ: كُلُّ عِبادِكَ يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ! فَقالَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قالَ إنَّما أرَدْتُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ! قالَ: يا مُوسى لَوْ أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ ومَن فِيهِنَّ في كِفَّةٍ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ في كِفَّةٍ لَمالَتْ بِهِنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“» . البَحْثُ الرّابِعُ: في إعْرابِهِ. قالُوا كَلِمَةُ (لا) هَهُنا دَخَلَتْ عَلى الماهِيَّةِ، فانْتَفَتِ الماهِيَّةُ، وإذا انْتَفَتِ الماهِيَّةُ انْتَفَتْ كُلُّ أفْرادِ الماهِيَّةِ. وأمّا اللَّهُ فَإنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِلَّذّاتِ المُعَيَّنَةِ إذْ لَوْ كانَ اسْمَ مَعْنًى لَكانَ كُلُّها مُحْتَمِلًا لِلْكَثْرَةِ فَلَمْ صفحة ١١ تَكُنْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مُفِيدَةً لِلتَّوْحِيدِ، فَقالُوا: (لا) اسْتَحَقَّتْ عَمَلَ (أنْ) لِمُشابَهَتِها لَها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُلازَمَةُ الأسْماءِ، والآخَرُ تَناقُضُهُما فَإنَّ أحَدَهُما لِتَأْكِيدِ الثُّبُوتِ والآخَرَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، ومِن عادَتِهِمْ تَشْبِيهُ أحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالآخَرِ في الحُكْمِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لَمّا قالُوا: إنَّ زَيْدًا ذاهِبٌ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا لا رَجُلًا ذاهِبٌ إلّا أنَّهم بَنَوْا لا مَعَ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْمِ المُفْرَدِ عَلى الفَتْحِ، أمّا البِناءُ فَلِشِدَّةِ اتِّصالِ حَرْفِ النَّفْيِ بِما دَخَلَ عَلَيْهِ كَأنَّهُما صارا اسْمًا واحِدًا، وأمّا الفَتْحُ فَلِأنَّهم قَصَدُوا البِناءَ عَلى الحَرَكَةِ المُسْتَحِقَّةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلِ المُوجِبِ لِلْإعْرابِ والدَّلِيلِ المُوجِبِ لِلْبِناءِ. الثّانِي: خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والأصْلُ لا إلَهَ في الوُجُودِ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَنا وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوُجُودَ زائِدٌ عَلى الماهِيَّةِ. البَحْثُ الخامِسُ: قالَ بَعْضُهم تَصَوُّرُ الثُّبُوتِ مُقَدَّمٌ عَلى تَصَوُّرِ السَّلْبِ، فَإنَّ السَّلْبَ ما لَمْ يُضَفْ إلى الثُّبُوتِ لا يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ فَكَيْفَ قُدِّمَ هَهُنا السَّلْبُ عَلى الثُّبُوتِ. وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا السَّلْبُ مِن مُؤَكِّداتِ الثُّبُوتِ لا جَرَمَ قُدِّمَ عَلَيْهِ. القِسْمُ الثّانِي: مِنَ الكَلامِ في الآيَةِ البَحْثُ عَنْ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ أيُّها النّاسُ أنا جَعَلْتُ لَكم نَسَبًا وأنْتُمْ جَعَلْتُمْ لِأنْفُسِكم نَسَبًا، أنا جَعَلْتُ أكْرَمَكم عِنْدِي أتْقاكم وأنْتُمْ جَعَلْتُمْ أكْرَمَكم أغْناكم فالآنَ أرْفَعُ نَسَبِي وأضَعُ نَسَبَكم، أيْنَ المُتَّقُونَ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» “ واعْلَمْ أنَّ الأشْياءَ في قِسْمَةِ العُقُولِ عَلى ثَلاثَةِ أقاسِمَ: كامِلٌ لا يَحْتَمِلُ النُّقْصانَ، وناقِصٌ لا يَحْتَمِلُ الكَمالَ، وثالِثٌ يَقْبَلُ الأمْرَيْنِ، أمّا الكامِلُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النُّقْصانَ فَهو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ في حَقِّهِ بِالوُجُوبِ الذّاتِيِّ وبَعْدَهُ المَلائِكَةُ فَإنَّ مِن كَمالِهِمْ أنَّهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] ومِن صِفاتِهِمْ أنَّهم: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ومِن صِفاتِهِمْ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا، وأمّا النّاقِصُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الكَمالَ فَهو الجَماداتُ والنَّباتُ والبَهائِمُ، وأمّا الَّذِي يَقْبَلُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا فَهو الإنْسانُ تارَةً يَكُونُ في التَّرَقِّي بِحَيْثُ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وتارَةً في التَّسَفُّلِ بِحَيْثُ يُقالُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ كامِلًا لِذاتِهِ، وما لا يَكُونُ كامِلًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ أنْ يَصِيرَ مَوْصُوفًا بِالكَمالِ إلى أنْ يَصِيرَ مُنْتَسِبًا إلى الكامِلِ لِذاتِهِ. لَكِنَّ الِانْتِسابَ قِسْمانِ: قِسْمٌ يَعْرِضُ لِلزَّوالِ وقِسْمٌ لا يَكُونُ يَعْرِضُ لِلزَّوالِ. أمّا الَّذِي يَكُونُ يَعْرِضُ لِلزَّوالِ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ، ومِثالُهُ الصِّحَّةُ والمالُ والجَمالُ، وأمّا الَّذِي لا يَكُونُ يَعْرِضُ لِلزَّوالِ فَعُبُودِيَّتُكَ لِلَّهِ تَعالى فَإنَّهُ كَما يَمْتَنِعُ زَوالُ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ يَمْتَنِعُ زَوالُ صِفَةِ العُبُودِيَّةِ عَنْكَ فَهَذِهِ النِّسْبَةُ لا تَقْبَلُ الزَّوالَ، والمُنْتَسَبُ إلَيْهِ وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ لا يَقْبَلُ الخُرُوجَ عَنْ صِفَةِ الكَمالِ. ثُمَّ إذا كُنْتَ مِن بَلَدٍ أوْ مُنْتَسِبًا إلى قَبِيلَةٍ فَإنَّكَ لا تَزالُ تُبالِغُ في مَدْحِ تِلْكَ البَلْدَةِ والقَبِيلَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِانْتِسابِ العَرَضِيِّ فَلَأنْ تَشْتَغِلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ونُعُوتِ كِبْرِيائِهِ بِسَبَبِ الِانْتِسابِ الذّاتِيِّ كانَ أوْلى فَلِهَذا قالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ . البَحْثُ الثّانِي: في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى. اعْلَمْ أنَّ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ، إمّا أنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ أوْ بِحَسَبِ أجْزاءِ ذاتِهِ أوْ بِحَسَبِ الأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْ ذاتِهِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ لِلَّهِ تَعالى اسْمٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ؟ وهَذِهِ المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ اللَّهِ تَعالى هَلْ هي مَعْلُومَةٌ لِلْبَشَرِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ إنَّها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ قالَ: لَيْسَ لِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ اسْمٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاسْمِ أنْ يُشارَ بِهِ إلى المُسَمّى وإذا كانَتِ الذّاتُ المَخْصُوصَةُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ امْتَنَعَتِ الإشارَةُ العَقْلِيَّةُ إلَيْها، فامْتَنَعَ وضْعُ الِاسْمِ لَها، وقَدْ تَكَلَّمْنا في تَحْقِيقِ صفحة ١٢ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ اسْمِ اللَّهِ، وأمّا الِاسْمُ الواقِعُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ أجْزاءِ ذاتِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِذاتِهِ شَيْءٌ مِنَ الأجْزاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وواجِبُ الوُجُودِ لا يَكُونُ مُمْكِنًا فَلا يَكُونُ مُرَكَّبًا، وأمّا الِاسْمُ الواقِعُ بِحَسَبِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنْ ذاتِهِ، فالصِّفاتُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُبُوتِيَّةً حَقِيقِيَّةً أوْ ثُبُوتِيَّةً إضافِيَّةً أوْ سَلْبِيَّةً أوْ ثُبُوتِيَّةً مَعَ إضافِيَّةٍ أوْ ثُبُوتِيَّةً مَعَ سَلْبِيَّةٍ أوْ إضافِيَّةً مَعَ سَلْبِيَّةٍ أوْ ثُبُوتِيَّةً وإضافِيَّةً وسَلْبِيَّةً، ولَمّا كانَتِ الإضافاتُ المُمْكِنَةُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، وكَذا السُّلُوبُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ لِلْبارِي تَعالى أسْماءٌ مُتَبايِنَةٌ لا مُتَرادِفَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. فَهَذا هو التَّنْبِيهُ عَلى المَأْخَذِ. البَحْثُ الثّالِثُ: يُقالُ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى أرْبَعَةَ آلافِ اسْمٍ، ألْفٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى وألْفٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ والمَلائِكَةُ وألْفٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ والمَلائِكَةُ والأنْبِياءُ. وأمّا الألْفُ الرّابِعُ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَها فَثَلاثُمِائَةٍ مِنها في التَّوْراةِ وثَلاثُمِائَةٍ في الإنْجِيلِ وثَلاثُمِائَةٍ في الزَّبُورِ ومِائَةٌ في الفُرْقانِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ مِنها ظاهِرَةٌ وواحِدٌ مَكْتُومٌ فَمَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ. البَحْثُ الرّابِعُ: الأسْماءُ الوارِدَةُ في القُرْآنِ مِنها ما لَيْسَ بِانْفِرادِهِ ثَناءً ومَدْحًا، كَقَوْلِهِ جاعِلٌ وفالِقٌ وخالِقٌ فَإذا قِيلَ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] صارَ مَدْحًا، وأمّا الِاسْمُ الَّذِي يَكُونُ مَدْحًا فَمِنهُ ما إذا قُرِنَ بِغَيْرِهِ صارَ أبْلَغَ نَحْوَ قَوْلِنا: حَيٌّ فَإذا قِيلَ الحَيُّ القَيُّومُ أوِ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ كانَ أبْلَغَ وأيْضًا قَوْلُنا بَدِيعٌ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ازْدادَ المَدْحُ، ومِن هَذا البابِ ما كانَ اسْمَ مَدْحٍ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ إفْرادُهُ كَقَوْلِكَ: دَلِيلٌ. وكاشِفٌ، فَإذا قِيلَ: يا دَلِيلَ المُتَحَيِّرِينَ، ويا كاشِفَ الضُّرِّ والبَلْوى جازَ، ومِنهُ ما يَكُونُ اسْمَ مَدْحٍ مُفْرَدًا أوْ مَقْرُونًا كَقَوْلِنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. البَحْثُ الخامِسُ: مِنَ الأسْماءِ ما يَكُونُ مُقارَنَتُها أحْسَنَ كَقَوْلِكَ الأوَّلُ الآخِرُ المُبْدِئُ المُعِيدُ الظّاهِرُ الباطِنُ ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى في حِكايَةِ قَوْلِ المَسِيحِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وبَقِيَّةُ الأبْحاثِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في تَفْسِيرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. البَحْثُ السّادِسُ: في النُّكَتِ [ أوَّلُها ] رَأى بِشْرٌ الحافِي كاغَدًا مَكْتُوبًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَرَفَعَهُ وطَيَّبَهُ بِالمِسْكِ وبَلَعَهُ فَرَأى في النَّوْمِ قائِلًا يَقُولُ: يا بِشْرُ طَيَّبْتَ اسْمَنا فَنَحْنُ نُطَيِّبُ اسْمَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ ولَيْسَ حُسْنُ الأسْماءِ لِذَواتِها لِأنَّها ألْفاظٌ وأصْواتٌ بَلْ حُسْنُها لِحُسْنِ مَعانِيها ثُمَّ لَيْسَ حُسْنُ أسْماءِ اللَّهِ حُسْنًا يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ والخِلْقَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى مَن لَيْسَ بِجِسْمٍ بَلْ حُسْنٌ يَرْجِعُ إلى مَعْنى الإحْسانِ، مَثَلًا اسْمُ السَّتّارِ والغَفّارِ والرَّحِيمِ إنَّما كانَتْ حَسْناءَ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى مَعْنى الإحْسانِ، ورُوِيَ أنَّ حَكِيمًا ذَهَبَ إلَيْهِ قَبِيحٌ وحَسَنٌ والتَمَسا الوَصِيَّةَ فَقالَ لِلْحَسَنِ: أنْتَ حَسَنٌ والحَسَنُ لا يَلِيقُ بِهِ الفِعْلُ القَبِيحُ، وقالَ لِلْآخَرِ أنْتَ قَبِيحٌ والقَبِيحُ إذا فَعَلَ الفِعْلَ القَبِيحَ عَظُمَ قُبْحُهُ. فَنَقُولُ: إلَهَنا أسْماؤُكَ حَسَنَةٌ وصِفاتُكَ حَسَنَةٌ فَلا تَظْهَرُ لَنا مِن تِلْكَ الأسْماءِ الحَسَنَةِ والصِّفاتِ الحَسَنَةِ إلّا الإحْسانُ، إلَهَنا يَكْفِينا قُبْحُ أفْعالِنا وسِيرَتِنا فَلا نَضُمُّ إلَيْهِ قُبْحَ العِقابِ ووَحْشَةَ العَذابِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«اطْلُبُوا الحَوائِجَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ» “ إلَهَنا حُسْنُ الوَجْهِ عَرَضِيٌّ أمّا حُسْنُ الصِّفاتِ والأسْماءِ فَذاتِيٌّ فَلا تَرُدَّنا عَنْ إحْسانِكَ خائِبِينَ خاسِرِينَ. ورابِعُها: ذُكِرَ أنَّ صَيّادًا كانَ يَصِيدُ السَّمَكَ فَصادَ سَمَكَةً وكانَ لَهُ ابْنَةٌ فَأخَذَتْها ابْنَتُهُ فَطَرَحَتْها الماءَ وقالَتْ: إنَّها ما وقَعَتْ في الشَّبَكَةِ إلّا لِغَفْلَتِها، إلَهَنا تِلْكَ الصَّبِيَّةُ رَحِمَتْ غَفْلَةَ هاتِيكَ السَّمَكَةِ وكانَتْ تُلْقِيها مَرَّةً أُخْرى في البَحْرِ ونَحْنُ قَدِ اصْطادَتْنا وسْوَسَةُ إبْلِيسَ وأخْرَجَتْنا مِن بَحْرِ رَحْمَتِكَ فارْحَمْنا بِفَضْلِكَ وخَلِّصْنا مِنها وألْقِنا في بِحارِ رَحْمَتِكَ مَرَّةً صفحة ١٣ أُخْرى. وخامِسُها: ذَكَرْتَ مِنَ الأسْماءِ خَمْسَةً في الفاتِحَةِ، وهي اللَّهُ والرَّبُّ والرَّحْمَنُ والرَّحِيمُ والمَلِكُ فَذَكَرْتَ الإلَهِيَّةَ وهي إشارَةٌ إلى القَّهارِيَّةِ والعَظَمَةِ فَعُلِمَ أنَّ الأرْواحَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ القَهْرَ والعُلُوَّ، فَذَكَرَ بَعْدَهُ أرْبَعَةَ أسْماءٍ تَدُلُّ عَلى اللُّطْفِ: الرَّبَّ وهو يَدُلُّ عَلى التَّرْبِيَةِ والمُعْتادُ أنَّ مَن رَبّى أحَدًا فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ أمْرَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ ثُمَّ خَتَمَ الأمْرَ بِالمَلِكِ، والمَلِكُ العَظِيمُ لا يَنْتَقِمُ مِنَ الضَّعِيفِ العاجِزِ، ولِأنَّ عائِشَةَ قالَتْ لِعَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”مَلَكْتَ فَأسْجِحْ فَأنْتَ أوْلى بِأنْ تَعْفُوَ عَنْ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ“ . وسادِسُها: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”إلَهِي أيُّ خَلْقِكَ أكْرَمُ عَلَيْكَ ؟ قالَ الَّذِي لا يَزالُ لِسانُهُ رَطْبًا مِن ذِكْرِي، قالَ: فَأيُّ خَلْقِكَ أعْلَمُ ؟ قالَ: الَّذِي يَلْتَمِسُ إلى عِلْمِهِ عِلْمَ غَيْرِهِ، قالَ: فَأيُّ خَلْقِكَ أعْدَلُ ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي عَلى نَفْسِهِ كَما يَقْضِي عَلى النّاسِ، قالَ: فَأيُّ خَلْقِكَ أعْظَمُ جُرْمًا ؟ قالَ: الَّذِي يَتَّهِمُنِي وهو الَّذِي يَسْألُنِي ثُمَّ لا يَرْضى بِما قَضَيْتُهُ لَهُ“ . إلَهَنا إنّا لا نَتَّهِمُكَ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما أحْسَنْتَ بِهِ فَهو فَضْلٌ، وكُلَّ ما تَفْعَلُهُ فَهو عَدْلٌ، فَلا تُؤاخِذْنا بِسُوءِ أعْمالِنا. وسابِعُها: قالَ الحَسَنُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: سَيَعْلَمُ الجَمْعُ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ؟ فَيَقُومُونَ فَيَتَخَطَّوْنَ رِقابَ النّاسِ، ثُمَّ يُقالُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ؟ ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ أيْنَ الحامِدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ ؟ ثُمَّ تَكُونُ التَّبِعَةُ والحِسابُ عَلى مَن بَقِيَ. إلَهَنا فَنَحْنُ حَمِدْناكَ وأثْنَيْنا عَلَيْكَ بِمِقْدارِ قُدْرَتِنا ومُنْتَهى طاقَتِنا فاعْفُ عَنّا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ. ومَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ في الأسْماءِ والصِّفاتِ فَعَلَيْهِ بِكِتابِ ”لَوامِعِ البَيِّناتِ“ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

طه 20:9

قوله تعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ وحالَ الرَّسُولِ فِيما كَلَّفَهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُقَوِّي قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذِكْرِ أحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ في الإبْلاغِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وبَدَأ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المِحْنَةَ والفِتْنَةَ الحاصِلَةَ لَهُ كانَتْ أعْظَمَ لِيُسْلِيَ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ ويُصَبِّرَهُ عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا أوَّلَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أيْ لَمْ يَأْتِكَ إلى الآنِ وقَدْ أتاكَ الآنَ فَتَنَبَّهْ لَهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ فَكَأنَّهُ قالَ: ألَيْسَ قَدْ أتاكَ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ وإنْ كانَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَقْرِيرُ الجَوابِ في قَلْبِهِ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ أبْلَغُ في ذَلِكَ كَما يَقُولُ المَرْءُ لِصاحِبِهِ هَلْ بَلَغَكَ خَبَرُ كَذا ؟ فَيَتَطَلَّعُ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَرْمِي إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هو الِاسْتِفْهامَ لَكانَ الجَوابُ يَصْدُرُ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ صفحة ١٤ السَّلامُ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ أيْ هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ حِينَ رَأى نارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَأْذَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شُعَيْبًا في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ فَأذِنَ لَهُ فَخَرَجَ فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ مُثْلِجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ، وقَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ فَقَدَحَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النّارَ فَلَمْ تُورِ المِقْدَحَةُ شَيْئًا، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ إذْ نَظَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ. قالَ السُّدِّيُّ: ظَنَّ أنَّها نارٌ مِن نِيرانِ الرُّعاةِ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَآها في شَجَرَةٍ ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهُمُ الَّذِي رَآهُ لَمْ يَكُنْ نارًا بَلْ تَخَيَّلَهُ نارًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ رَأى نارًا لِيَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ إذِ الكَذِبُ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، قِيلَ: النّارُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: نارٌ تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ الدُّنْيا، ونارٌ تَشْرَبُ ولا تَأْكُلُ وهي نارُ الشَّجَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] ونارٌ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وهي نارُ المَعِدَةِ، ونارٌ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ أيْضًا النّارُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: نارٌ لَها نُورٌ بِلا حُرْقَةٍ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وثانِيها: حُرْقَةٌ بِلا نُورٍ وهي نارُ جَهَنَّمَ. وثالِثُها: الحُرْقَةُ والنُّورُ وهي نارُ الدُّنْيا. ورابِعُها: لا حُرْقَةٌ ولا نُورٌ وهي نارُ الأشْجارِ، فَلَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ نَحْوَها ﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمَرْأةِ ووَلَدِها والخادِمِ الَّذِي مَعَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَرْأةِ وحْدَها، ولَكِنْ خَرَجَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ فَإنَّ الأهْلَ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، وأيْضًا فَقَدْ يُخاطَبُ الواحِدُ بِلَفْظِ الجَماعَةِ تَفْخِيمًا أيْ أقِيمُوا في مَكانِكم: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أبْصَرْتُ، والإيناسُ الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ومِنهُ إنْسانُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَبِينُ بِهِ الشَّيْءُ، والإنْسُ لِظُهُورِهِمْ كَما قِيلَ الجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ، وقِيلَ هو أيْضًا ما يُؤْنَسُ بِهِ، ولَمّا وُجِدَ مِنهُ الإيناسُ وكانَ مُنْتَفِيًا حَقِيقَةً لَهم أتى بِكَلِمَةِ إنِّي لِتَوْطِينِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الإيناسُ بِالقَبَسِ ووُجُودِ الهُدى مُتَرَقَّبَيْنِ مُتَوَقَّعَيْنِ بُنِيَ الأمْرُ فِيهِما عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ فَقالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولُ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ قَوْمًا قالُوا: كَذَبَ إبْراهِيمُ لِلْمَصْلَحَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُبُوَّتِهِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ فَلَمْ يَقُلْ آتِيكم، ولَكِنْ قالَ لَعَلِّي آتِيكم ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولَ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ، والقَبَسُ النّارُ المُقْتَبَسَةُ في رَأْسِ عُودٍ أوْ فَتِيلَةٍ أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ والهُدى ما يُهْتَدى بِهِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ فَكَأنَّهُ قالَ أجِدُ عَلى النّارِ ما أهْتَدِي بِهِ مِن دَلِيلٍ أوْ عَلامَةٍ، ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّارِ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها ولِأنَّ المُصْطَلِينَ بِها إذا أحاطُوا بِها كانُوا مُشْرِفِينَ عَلَيْها ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ أتى النّارَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها كَأنَّها نارٌ بَيْضاءُ فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْءِ تِلْكَ النّارِ وشِدَّةِ خُضْرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضَوْءَ النّارِ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ورَأى نُورًا عَظِيمًا، قالَ وهْبٌ: فَظَنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها نارٌ أُوقِدَتْ فَأخَذَ مِن دِقاقِ الحَطَبِ لِيَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها فَمالَتْ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ فَتَأخَّرَ عَنْها وهابَها ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ أسْرَعَ مِن خُمُودِها فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ثُمَّ رَمى مُوسى بِنَظَرِهِ إلى فَرْعِها فَإذا خُضْرَتُهُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ. وإذا نُورٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ شُعاعٌ تَكِلُّ عَنْهُ الأبْصارُ فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى، قالَ القاضِي الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ الزَّنْدَ ما كانَ يُورى فَهَذا جائِزٌ وأمّا الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ النّارَ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ فَإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ جازَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مُمْتَنِعٌ إلّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] دَلالَةٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الحالَةِ صفحة ١٥ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَبْعُدُ ما ذَكَرُوهُ مِن تَأخُّرِ النّارِ عَنْهُ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ وإنْ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ حالًا بَعْدَ حالٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ ولَما بَقِيَ لِفاءِ التَّعْقِيبِ فائِدَةٌ. قُلْنا: القاضِي إنَّما بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ فَبَطَلَ قَوْلُهُ وأمّا التَّمَسُّكُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَقَرِيبٌ؛ لِأنَّ تَخَلُّلَ الزَّمانِ القَلِيلِ فِيما بَيْنَ المَجِيءِ والنِّداءِ لا يَقْدَحُ في فاءِ التَّعْقِيبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِّي“ بِالفَتْحِ أيْ نُودِيَ بِأنِّي أنا رَبُّكَ والباقُونَ بِالكَسْرِ أيْ نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى أوْ لِأنَّ النِّداءَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الأشْعَرِيُّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أسْمَعَهُ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ذَلِكَ النِّداءَ في جِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ كالشَّجَرَةِ أوْ غَيْرِها؛ لِأنَّ النِّداءَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ومَتى شاءَ فَعَلَهُ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ مِن أهْلِ ما وراءَ النَّهْرِ فَقَدْ أثْبَتُوا الكَلامَ القَدِيمَ إلّا أنَّهم زَعَمُوا أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَوْتٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ هو الصَّوْتُ المُحْدَثُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النِّداءَ عَلى أنَّهُ أتى النّارَ والمُرَتَّبُ عَلى المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فالنِّداءُ مُحْدَثٌ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ عَرَفَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَقالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرِّفَهُ بِالمُعْجِزَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أمّا العِلْمُ الضَّرُورِيُّ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِ هَذا النِّداءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ لِاسْتِحالَةِ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ تَكُونُ مَعْلُومَةً بِالِاسْتِدْلالِ، ولَوْ كانَ وُجُودُ الصّانِعِ تَعالى مَعْلُومًا بِهِ بِالضَّرُورَةِ؛ لَخَرَجَ مُوسى عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وبِالِاتِّفاقِ لَمْ يَخْرُجْ مُوسى عَنِ التَّكْلِيفِ فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها: مِنهم مَن قالَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المُعْجِزِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ المُعْجِزَ ما هو. وثانِيها: يُرْوى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا شاهَدَ النُّورَ السّاطِعَ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ وضَعَ يَدَيْهِ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى. فَقالَ: لَبَّيْكَ إنِّي أسْمَعُ صَوْتَكَ ولا أراكَ فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا مَعَكَ وأمامَكَ وخَلْفَكَ ومُحِيطٌ بِكَ وأقْرَبُ إلَيْكَ مِنكَ. إنَّ إبْلِيسَ أخْطَرَ بِبالِهِ هَذا الشَّكَّ وقالَ: ما يُدْرِيكَ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لِأنِّي أسْمَعُهُ مِن فَوْقِي ومِن تَحْتِي ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي كَما أسْمَعُهُ مِن قُدّامِي، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ المَخْلُوقِينَ. ومَعْنى إطْلاقِهِ هَذِهِ الجِهاتِ أنِّي أسْمَعُهُ بِجَمِيعِ أجْزائِي وأبْعاضِي حَتّى كَأنَّ كُلَّ جارِحَةٍ مِنِّي صارَتْ أُذُنًا. وثالِثُها: لَعَلَّهُ سَمِعَ النِّداءَ مِن جَمادٍ كالحَصى وغَيْرِها فَيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا. ورابِعُها: أنَّهُ رَأى النّارَ في الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ بِحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الخُضْرَةَ ما كانَتْ تُطْفِئُ تِلْكَ النّارَ وتِلْكَ النّارَ ما كانَتْ تَضُرُّ تِلْكَ الخُضْرَةَ، وهَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالُوا: إنَّ تَكْرِيرَ الضَّمِيرِ في ”إنِّي أنا رَبُّكَ“ كانَ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهِما صِيانَةً لِلْوادِي المُقَدَّسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٦ وقَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: إنَّما أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيَنالَ قَدَمَيْهِ بَرَكَةُ الوادِي، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وثالِثُها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ البُقْعَةِ مِن أنْ يَطَأها إلّا حافِيًا؛ لِيَكُونَ مُعَظِّمًا لَها وخاضِعًا عِنْدَ سَماعِ كَلامِ رَبِّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: اخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ لِأنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى. وأمّا أهْلُ الإشارَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ النَّعْلَ في النَّوْمِ يُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَلْتَفِتَ خاطِرُهُ إلى الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأنْ لا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِأمْرِهِما. وثانِيها: المُرادُ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ كَأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْتَفِتَ بِخاطِرِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الوادِي المُقَدَّسِ قُدْسُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وطَهارَةُ عِزَّتِهِ يَعْنِي أنَّكَ لَمّا وصَلْتَ إلى بَحْرِ المَعْرِفَةِ فَلا تَلْتَفِتْ إلى المَخْلُوقاتِ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ إلّا بِمُقَدِّمَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ العالَمُ المَحْسُوسُ مُحْدَثٌ أوْ مُمْكِنٌ وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ مُدَبِّرٌ ومُؤَثِّرٌ وصانِعٌ، وهاتانِ المُقَدِّمَتانِ تُشْبِهانِ النَّعْلَيْنِ؛ لِأنَّ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَقْصُودِ ويَتَنَقَّلُ مِنَ النَّظَرِ في الخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ ثُمَّ بَعْدَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى مُلْتَفِتًا إلى تَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأنَّ بِقَدْرِ الِاشْتِغالِ بِالغَيْرِ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تَكُنْ مُشْتَغِلَ القَلْبِ والخاطِرِ بِتَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ فَإنَّكَ وصَلْتَ إلى الوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي هو بَحْرُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولُجَّةُ أُلُوهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِقَدِيمٍ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ اللَّهُ قائِلًا قَبْلَ وُجُودِ مُوسى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ يا مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَفَهٌ فَإنَّ الرَّجُلَ في الدّارِ الخالِيَةِ إذا قالَ: يا زَيْدُ افْعَلْ ويا عَمْرُو لا تَفْعَلْ مَعَ أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لا يَكُونانِ حاضِرَيْنِ يُعَدُّ ذَلِكَ جُنُونًا وسَفَهًا فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلامَهُ تَعالى وإنْ كانَ قَدِيمًا إلّا أنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ أمْرًا ولا نَهْيًا. والثّانِي: أنَّهُ كانَ أمْرًا بِمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ في الأزَلِ شَيْءٌ لَمّا اسْتَمَرَّ إلى ما لا يَزالُ صارَ الشَّخْصُ بِهِ مَأْمُورًا مِن غَيْرِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ كَما أنَّ القُدْرَةَ تَقْتَضِي صِحَّةَ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في الأزَلِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الصِّحَّةِ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ إلى ما لا يَزالُ حَصَلَتِ الصِّحَّةُ كَذا هَهُنا، وهَذا الكَلامُ فِيهِ غُمُوضٌ وبَحْثٌ دَقِيقٌ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَراهَةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعْلِ والصَّحِيحُ عَدَمُ الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إنَّ عَلَّلْنا الأمْرَ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ بِتَعْظِيمِ الوادِي وتَعْظِيمِ كَلامِ اللَّهِ كانَ الأمْرُ مَقْصُورًا عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، وإنْ عَلَّلْناهُ بِأنَّ النَّعْلَيْنِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ مَحْظُورًا لُبْسُ جِلْدِ الحِمارِ المَيِّتِ، وإنْ كانَ مَدْبُوغًا فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ وقَدْ «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُما في الصَّلاةِ فَخَلَعَ النّاسُ نِعالَهم فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: ”ما لَكم خَلَعْتُمْ نِعالَكم“ قالُوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنا قالَ: ”فَإنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي أنَّ فِيهِما قَذَرًا“» فَلَمْ يَكْرَهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ في النَّعْلِ وأنْكَرَ عَلى الخالِعِينَ خَلْعَهُما وأخْبَرَهم بِأنَّهُ إنَّما خَلَعَهُما لِما فِيهِما مِنَ القَذَرِ. المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قُرِئَ طُوًى بِالضَّمِّ والكَسْرِ مُنْصَرِفًا وغَيْرَ مُنْصَرِفٍ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمُ الوادِي، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوِيٍ فَهو مِثْلُ عُمَرَ المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. صفحة ١٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: في طُوًى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلْوادِي وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ نَحْوَ مَثْنى أيْ قُدِّسَ الوادِي مَرَّتَيْنِ أوْ نُودِيَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِداءَيْنِ يُقالُ نادَيْتُهُ طُوًى أيْ مَثْنى. والثّالِثُ: طُوًى أيْ طَيًّا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ مَرَّ بِذَلِكَ الوادِي لَيْلًا فَطَواهُ فَكانَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ طَيًّا أيْ قَطَعْتَهُ حَتّى ارْتَفَعْتَ إلى أعْلاهُ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ طُوًى مَصْدَرٌ خَرَجَ عَنْ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: طَوَيْتَهُ طُوًى كَما يُقالُ هَدى يَهْدِي هُدًى واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:10

قوله تعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ وحالَ الرَّسُولِ فِيما كَلَّفَهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُقَوِّي قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذِكْرِ أحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ في الإبْلاغِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وبَدَأ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المِحْنَةَ والفِتْنَةَ الحاصِلَةَ لَهُ كانَتْ أعْظَمَ لِيُسْلِيَ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ ويُصَبِّرَهُ عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا أوَّلَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أيْ لَمْ يَأْتِكَ إلى الآنِ وقَدْ أتاكَ الآنَ فَتَنَبَّهْ لَهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ فَكَأنَّهُ قالَ: ألَيْسَ قَدْ أتاكَ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ وإنْ كانَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَقْرِيرُ الجَوابِ في قَلْبِهِ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ أبْلَغُ في ذَلِكَ كَما يَقُولُ المَرْءُ لِصاحِبِهِ هَلْ بَلَغَكَ خَبَرُ كَذا ؟ فَيَتَطَلَّعُ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَرْمِي إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هو الِاسْتِفْهامَ لَكانَ الجَوابُ يَصْدُرُ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ صفحة ١٤ السَّلامُ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ أيْ هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ حِينَ رَأى نارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَأْذَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شُعَيْبًا في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ فَأذِنَ لَهُ فَخَرَجَ فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ مُثْلِجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ، وقَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ فَقَدَحَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النّارَ فَلَمْ تُورِ المِقْدَحَةُ شَيْئًا، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ إذْ نَظَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ. قالَ السُّدِّيُّ: ظَنَّ أنَّها نارٌ مِن نِيرانِ الرُّعاةِ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَآها في شَجَرَةٍ ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهُمُ الَّذِي رَآهُ لَمْ يَكُنْ نارًا بَلْ تَخَيَّلَهُ نارًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ رَأى نارًا لِيَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ إذِ الكَذِبُ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، قِيلَ: النّارُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: نارٌ تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ الدُّنْيا، ونارٌ تَشْرَبُ ولا تَأْكُلُ وهي نارُ الشَّجَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] ونارٌ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وهي نارُ المَعِدَةِ، ونارٌ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ أيْضًا النّارُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: نارٌ لَها نُورٌ بِلا حُرْقَةٍ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وثانِيها: حُرْقَةٌ بِلا نُورٍ وهي نارُ جَهَنَّمَ. وثالِثُها: الحُرْقَةُ والنُّورُ وهي نارُ الدُّنْيا. ورابِعُها: لا حُرْقَةٌ ولا نُورٌ وهي نارُ الأشْجارِ، فَلَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ نَحْوَها ﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمَرْأةِ ووَلَدِها والخادِمِ الَّذِي مَعَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَرْأةِ وحْدَها، ولَكِنْ خَرَجَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ فَإنَّ الأهْلَ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، وأيْضًا فَقَدْ يُخاطَبُ الواحِدُ بِلَفْظِ الجَماعَةِ تَفْخِيمًا أيْ أقِيمُوا في مَكانِكم: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أبْصَرْتُ، والإيناسُ الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ومِنهُ إنْسانُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَبِينُ بِهِ الشَّيْءُ، والإنْسُ لِظُهُورِهِمْ كَما قِيلَ الجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ، وقِيلَ هو أيْضًا ما يُؤْنَسُ بِهِ، ولَمّا وُجِدَ مِنهُ الإيناسُ وكانَ مُنْتَفِيًا حَقِيقَةً لَهم أتى بِكَلِمَةِ إنِّي لِتَوْطِينِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الإيناسُ بِالقَبَسِ ووُجُودِ الهُدى مُتَرَقَّبَيْنِ مُتَوَقَّعَيْنِ بُنِيَ الأمْرُ فِيهِما عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ فَقالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولُ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ قَوْمًا قالُوا: كَذَبَ إبْراهِيمُ لِلْمَصْلَحَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُبُوَّتِهِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ فَلَمْ يَقُلْ آتِيكم، ولَكِنْ قالَ لَعَلِّي آتِيكم ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولَ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ، والقَبَسُ النّارُ المُقْتَبَسَةُ في رَأْسِ عُودٍ أوْ فَتِيلَةٍ أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ والهُدى ما يُهْتَدى بِهِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ فَكَأنَّهُ قالَ أجِدُ عَلى النّارِ ما أهْتَدِي بِهِ مِن دَلِيلٍ أوْ عَلامَةٍ، ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّارِ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها ولِأنَّ المُصْطَلِينَ بِها إذا أحاطُوا بِها كانُوا مُشْرِفِينَ عَلَيْها ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ أتى النّارَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها كَأنَّها نارٌ بَيْضاءُ فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْءِ تِلْكَ النّارِ وشِدَّةِ خُضْرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضَوْءَ النّارِ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ورَأى نُورًا عَظِيمًا، قالَ وهْبٌ: فَظَنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها نارٌ أُوقِدَتْ فَأخَذَ مِن دِقاقِ الحَطَبِ لِيَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها فَمالَتْ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ فَتَأخَّرَ عَنْها وهابَها ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ أسْرَعَ مِن خُمُودِها فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ثُمَّ رَمى مُوسى بِنَظَرِهِ إلى فَرْعِها فَإذا خُضْرَتُهُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ. وإذا نُورٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ شُعاعٌ تَكِلُّ عَنْهُ الأبْصارُ فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى، قالَ القاضِي الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ الزَّنْدَ ما كانَ يُورى فَهَذا جائِزٌ وأمّا الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ النّارَ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ فَإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ جازَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مُمْتَنِعٌ إلّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] دَلالَةٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الحالَةِ صفحة ١٥ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَبْعُدُ ما ذَكَرُوهُ مِن تَأخُّرِ النّارِ عَنْهُ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ وإنْ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ حالًا بَعْدَ حالٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ ولَما بَقِيَ لِفاءِ التَّعْقِيبِ فائِدَةٌ. قُلْنا: القاضِي إنَّما بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ فَبَطَلَ قَوْلُهُ وأمّا التَّمَسُّكُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَقَرِيبٌ؛ لِأنَّ تَخَلُّلَ الزَّمانِ القَلِيلِ فِيما بَيْنَ المَجِيءِ والنِّداءِ لا يَقْدَحُ في فاءِ التَّعْقِيبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِّي“ بِالفَتْحِ أيْ نُودِيَ بِأنِّي أنا رَبُّكَ والباقُونَ بِالكَسْرِ أيْ نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى أوْ لِأنَّ النِّداءَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الأشْعَرِيُّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أسْمَعَهُ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ذَلِكَ النِّداءَ في جِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ كالشَّجَرَةِ أوْ غَيْرِها؛ لِأنَّ النِّداءَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ومَتى شاءَ فَعَلَهُ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ مِن أهْلِ ما وراءَ النَّهْرِ فَقَدْ أثْبَتُوا الكَلامَ القَدِيمَ إلّا أنَّهم زَعَمُوا أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَوْتٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ هو الصَّوْتُ المُحْدَثُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النِّداءَ عَلى أنَّهُ أتى النّارَ والمُرَتَّبُ عَلى المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فالنِّداءُ مُحْدَثٌ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ عَرَفَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَقالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرِّفَهُ بِالمُعْجِزَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أمّا العِلْمُ الضَّرُورِيُّ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِ هَذا النِّداءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ لِاسْتِحالَةِ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ تَكُونُ مَعْلُومَةً بِالِاسْتِدْلالِ، ولَوْ كانَ وُجُودُ الصّانِعِ تَعالى مَعْلُومًا بِهِ بِالضَّرُورَةِ؛ لَخَرَجَ مُوسى عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وبِالِاتِّفاقِ لَمْ يَخْرُجْ مُوسى عَنِ التَّكْلِيفِ فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها: مِنهم مَن قالَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المُعْجِزِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ المُعْجِزَ ما هو. وثانِيها: يُرْوى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا شاهَدَ النُّورَ السّاطِعَ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ وضَعَ يَدَيْهِ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى. فَقالَ: لَبَّيْكَ إنِّي أسْمَعُ صَوْتَكَ ولا أراكَ فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا مَعَكَ وأمامَكَ وخَلْفَكَ ومُحِيطٌ بِكَ وأقْرَبُ إلَيْكَ مِنكَ. إنَّ إبْلِيسَ أخْطَرَ بِبالِهِ هَذا الشَّكَّ وقالَ: ما يُدْرِيكَ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لِأنِّي أسْمَعُهُ مِن فَوْقِي ومِن تَحْتِي ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي كَما أسْمَعُهُ مِن قُدّامِي، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ المَخْلُوقِينَ. ومَعْنى إطْلاقِهِ هَذِهِ الجِهاتِ أنِّي أسْمَعُهُ بِجَمِيعِ أجْزائِي وأبْعاضِي حَتّى كَأنَّ كُلَّ جارِحَةٍ مِنِّي صارَتْ أُذُنًا. وثالِثُها: لَعَلَّهُ سَمِعَ النِّداءَ مِن جَمادٍ كالحَصى وغَيْرِها فَيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا. ورابِعُها: أنَّهُ رَأى النّارَ في الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ بِحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الخُضْرَةَ ما كانَتْ تُطْفِئُ تِلْكَ النّارَ وتِلْكَ النّارَ ما كانَتْ تَضُرُّ تِلْكَ الخُضْرَةَ، وهَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالُوا: إنَّ تَكْرِيرَ الضَّمِيرِ في ”إنِّي أنا رَبُّكَ“ كانَ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهِما صِيانَةً لِلْوادِي المُقَدَّسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٦ وقَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: إنَّما أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيَنالَ قَدَمَيْهِ بَرَكَةُ الوادِي، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وثالِثُها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ البُقْعَةِ مِن أنْ يَطَأها إلّا حافِيًا؛ لِيَكُونَ مُعَظِّمًا لَها وخاضِعًا عِنْدَ سَماعِ كَلامِ رَبِّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: اخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ لِأنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى. وأمّا أهْلُ الإشارَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ النَّعْلَ في النَّوْمِ يُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَلْتَفِتَ خاطِرُهُ إلى الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأنْ لا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِأمْرِهِما. وثانِيها: المُرادُ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ كَأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْتَفِتَ بِخاطِرِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الوادِي المُقَدَّسِ قُدْسُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وطَهارَةُ عِزَّتِهِ يَعْنِي أنَّكَ لَمّا وصَلْتَ إلى بَحْرِ المَعْرِفَةِ فَلا تَلْتَفِتْ إلى المَخْلُوقاتِ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ إلّا بِمُقَدِّمَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ العالَمُ المَحْسُوسُ مُحْدَثٌ أوْ مُمْكِنٌ وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ مُدَبِّرٌ ومُؤَثِّرٌ وصانِعٌ، وهاتانِ المُقَدِّمَتانِ تُشْبِهانِ النَّعْلَيْنِ؛ لِأنَّ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَقْصُودِ ويَتَنَقَّلُ مِنَ النَّظَرِ في الخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ ثُمَّ بَعْدَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى مُلْتَفِتًا إلى تَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأنَّ بِقَدْرِ الِاشْتِغالِ بِالغَيْرِ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تَكُنْ مُشْتَغِلَ القَلْبِ والخاطِرِ بِتَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ فَإنَّكَ وصَلْتَ إلى الوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي هو بَحْرُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولُجَّةُ أُلُوهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِقَدِيمٍ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ اللَّهُ قائِلًا قَبْلَ وُجُودِ مُوسى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ يا مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَفَهٌ فَإنَّ الرَّجُلَ في الدّارِ الخالِيَةِ إذا قالَ: يا زَيْدُ افْعَلْ ويا عَمْرُو لا تَفْعَلْ مَعَ أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لا يَكُونانِ حاضِرَيْنِ يُعَدُّ ذَلِكَ جُنُونًا وسَفَهًا فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلامَهُ تَعالى وإنْ كانَ قَدِيمًا إلّا أنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ أمْرًا ولا نَهْيًا. والثّانِي: أنَّهُ كانَ أمْرًا بِمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ في الأزَلِ شَيْءٌ لَمّا اسْتَمَرَّ إلى ما لا يَزالُ صارَ الشَّخْصُ بِهِ مَأْمُورًا مِن غَيْرِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ كَما أنَّ القُدْرَةَ تَقْتَضِي صِحَّةَ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في الأزَلِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الصِّحَّةِ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ إلى ما لا يَزالُ حَصَلَتِ الصِّحَّةُ كَذا هَهُنا، وهَذا الكَلامُ فِيهِ غُمُوضٌ وبَحْثٌ دَقِيقٌ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَراهَةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعْلِ والصَّحِيحُ عَدَمُ الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إنَّ عَلَّلْنا الأمْرَ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ بِتَعْظِيمِ الوادِي وتَعْظِيمِ كَلامِ اللَّهِ كانَ الأمْرُ مَقْصُورًا عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، وإنْ عَلَّلْناهُ بِأنَّ النَّعْلَيْنِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ مَحْظُورًا لُبْسُ جِلْدِ الحِمارِ المَيِّتِ، وإنْ كانَ مَدْبُوغًا فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ وقَدْ «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُما في الصَّلاةِ فَخَلَعَ النّاسُ نِعالَهم فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: ”ما لَكم خَلَعْتُمْ نِعالَكم“ قالُوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنا قالَ: ”فَإنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي أنَّ فِيهِما قَذَرًا“» فَلَمْ يَكْرَهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ في النَّعْلِ وأنْكَرَ عَلى الخالِعِينَ خَلْعَهُما وأخْبَرَهم بِأنَّهُ إنَّما خَلَعَهُما لِما فِيهِما مِنَ القَذَرِ. المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قُرِئَ طُوًى بِالضَّمِّ والكَسْرِ مُنْصَرِفًا وغَيْرَ مُنْصَرِفٍ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمُ الوادِي، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوِيٍ فَهو مِثْلُ عُمَرَ المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. صفحة ١٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: في طُوًى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلْوادِي وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ نَحْوَ مَثْنى أيْ قُدِّسَ الوادِي مَرَّتَيْنِ أوْ نُودِيَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِداءَيْنِ يُقالُ نادَيْتُهُ طُوًى أيْ مَثْنى. والثّالِثُ: طُوًى أيْ طَيًّا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ مَرَّ بِذَلِكَ الوادِي لَيْلًا فَطَواهُ فَكانَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ طَيًّا أيْ قَطَعْتَهُ حَتّى ارْتَفَعْتَ إلى أعْلاهُ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ طُوًى مَصْدَرٌ خَرَجَ عَنْ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: طَوَيْتَهُ طُوًى كَما يُقالُ هَدى يَهْدِي هُدًى واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:11

قوله تعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ وحالَ الرَّسُولِ فِيما كَلَّفَهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُقَوِّي قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذِكْرِ أحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ في الإبْلاغِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وبَدَأ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المِحْنَةَ والفِتْنَةَ الحاصِلَةَ لَهُ كانَتْ أعْظَمَ لِيُسْلِيَ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ ويُصَبِّرَهُ عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا أوَّلَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أيْ لَمْ يَأْتِكَ إلى الآنِ وقَدْ أتاكَ الآنَ فَتَنَبَّهْ لَهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ فَكَأنَّهُ قالَ: ألَيْسَ قَدْ أتاكَ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ وإنْ كانَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَقْرِيرُ الجَوابِ في قَلْبِهِ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ أبْلَغُ في ذَلِكَ كَما يَقُولُ المَرْءُ لِصاحِبِهِ هَلْ بَلَغَكَ خَبَرُ كَذا ؟ فَيَتَطَلَّعُ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَرْمِي إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هو الِاسْتِفْهامَ لَكانَ الجَوابُ يَصْدُرُ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ صفحة ١٤ السَّلامُ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ أيْ هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ حِينَ رَأى نارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَأْذَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شُعَيْبًا في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ فَأذِنَ لَهُ فَخَرَجَ فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ مُثْلِجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ، وقَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ فَقَدَحَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النّارَ فَلَمْ تُورِ المِقْدَحَةُ شَيْئًا، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ إذْ نَظَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ. قالَ السُّدِّيُّ: ظَنَّ أنَّها نارٌ مِن نِيرانِ الرُّعاةِ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَآها في شَجَرَةٍ ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهُمُ الَّذِي رَآهُ لَمْ يَكُنْ نارًا بَلْ تَخَيَّلَهُ نارًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ رَأى نارًا لِيَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ إذِ الكَذِبُ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، قِيلَ: النّارُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: نارٌ تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ الدُّنْيا، ونارٌ تَشْرَبُ ولا تَأْكُلُ وهي نارُ الشَّجَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] ونارٌ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وهي نارُ المَعِدَةِ، ونارٌ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ أيْضًا النّارُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: نارٌ لَها نُورٌ بِلا حُرْقَةٍ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وثانِيها: حُرْقَةٌ بِلا نُورٍ وهي نارُ جَهَنَّمَ. وثالِثُها: الحُرْقَةُ والنُّورُ وهي نارُ الدُّنْيا. ورابِعُها: لا حُرْقَةٌ ولا نُورٌ وهي نارُ الأشْجارِ، فَلَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ نَحْوَها ﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمَرْأةِ ووَلَدِها والخادِمِ الَّذِي مَعَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَرْأةِ وحْدَها، ولَكِنْ خَرَجَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ فَإنَّ الأهْلَ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، وأيْضًا فَقَدْ يُخاطَبُ الواحِدُ بِلَفْظِ الجَماعَةِ تَفْخِيمًا أيْ أقِيمُوا في مَكانِكم: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أبْصَرْتُ، والإيناسُ الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ومِنهُ إنْسانُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَبِينُ بِهِ الشَّيْءُ، والإنْسُ لِظُهُورِهِمْ كَما قِيلَ الجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ، وقِيلَ هو أيْضًا ما يُؤْنَسُ بِهِ، ولَمّا وُجِدَ مِنهُ الإيناسُ وكانَ مُنْتَفِيًا حَقِيقَةً لَهم أتى بِكَلِمَةِ إنِّي لِتَوْطِينِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الإيناسُ بِالقَبَسِ ووُجُودِ الهُدى مُتَرَقَّبَيْنِ مُتَوَقَّعَيْنِ بُنِيَ الأمْرُ فِيهِما عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ فَقالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولُ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ قَوْمًا قالُوا: كَذَبَ إبْراهِيمُ لِلْمَصْلَحَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُبُوَّتِهِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ فَلَمْ يَقُلْ آتِيكم، ولَكِنْ قالَ لَعَلِّي آتِيكم ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولَ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ، والقَبَسُ النّارُ المُقْتَبَسَةُ في رَأْسِ عُودٍ أوْ فَتِيلَةٍ أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ والهُدى ما يُهْتَدى بِهِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ فَكَأنَّهُ قالَ أجِدُ عَلى النّارِ ما أهْتَدِي بِهِ مِن دَلِيلٍ أوْ عَلامَةٍ، ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّارِ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها ولِأنَّ المُصْطَلِينَ بِها إذا أحاطُوا بِها كانُوا مُشْرِفِينَ عَلَيْها ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ أتى النّارَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها كَأنَّها نارٌ بَيْضاءُ فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْءِ تِلْكَ النّارِ وشِدَّةِ خُضْرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضَوْءَ النّارِ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ورَأى نُورًا عَظِيمًا، قالَ وهْبٌ: فَظَنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها نارٌ أُوقِدَتْ فَأخَذَ مِن دِقاقِ الحَطَبِ لِيَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها فَمالَتْ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ فَتَأخَّرَ عَنْها وهابَها ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ أسْرَعَ مِن خُمُودِها فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ثُمَّ رَمى مُوسى بِنَظَرِهِ إلى فَرْعِها فَإذا خُضْرَتُهُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ. وإذا نُورٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ شُعاعٌ تَكِلُّ عَنْهُ الأبْصارُ فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى، قالَ القاضِي الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ الزَّنْدَ ما كانَ يُورى فَهَذا جائِزٌ وأمّا الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ النّارَ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ فَإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ جازَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مُمْتَنِعٌ إلّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] دَلالَةٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الحالَةِ صفحة ١٥ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَبْعُدُ ما ذَكَرُوهُ مِن تَأخُّرِ النّارِ عَنْهُ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ وإنْ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ حالًا بَعْدَ حالٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ ولَما بَقِيَ لِفاءِ التَّعْقِيبِ فائِدَةٌ. قُلْنا: القاضِي إنَّما بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ فَبَطَلَ قَوْلُهُ وأمّا التَّمَسُّكُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَقَرِيبٌ؛ لِأنَّ تَخَلُّلَ الزَّمانِ القَلِيلِ فِيما بَيْنَ المَجِيءِ والنِّداءِ لا يَقْدَحُ في فاءِ التَّعْقِيبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِّي“ بِالفَتْحِ أيْ نُودِيَ بِأنِّي أنا رَبُّكَ والباقُونَ بِالكَسْرِ أيْ نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى أوْ لِأنَّ النِّداءَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الأشْعَرِيُّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أسْمَعَهُ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ذَلِكَ النِّداءَ في جِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ كالشَّجَرَةِ أوْ غَيْرِها؛ لِأنَّ النِّداءَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ومَتى شاءَ فَعَلَهُ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ مِن أهْلِ ما وراءَ النَّهْرِ فَقَدْ أثْبَتُوا الكَلامَ القَدِيمَ إلّا أنَّهم زَعَمُوا أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَوْتٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ هو الصَّوْتُ المُحْدَثُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النِّداءَ عَلى أنَّهُ أتى النّارَ والمُرَتَّبُ عَلى المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فالنِّداءُ مُحْدَثٌ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ عَرَفَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَقالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرِّفَهُ بِالمُعْجِزَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أمّا العِلْمُ الضَّرُورِيُّ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِ هَذا النِّداءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ لِاسْتِحالَةِ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ تَكُونُ مَعْلُومَةً بِالِاسْتِدْلالِ، ولَوْ كانَ وُجُودُ الصّانِعِ تَعالى مَعْلُومًا بِهِ بِالضَّرُورَةِ؛ لَخَرَجَ مُوسى عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وبِالِاتِّفاقِ لَمْ يَخْرُجْ مُوسى عَنِ التَّكْلِيفِ فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها: مِنهم مَن قالَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المُعْجِزِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ المُعْجِزَ ما هو. وثانِيها: يُرْوى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا شاهَدَ النُّورَ السّاطِعَ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ وضَعَ يَدَيْهِ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى. فَقالَ: لَبَّيْكَ إنِّي أسْمَعُ صَوْتَكَ ولا أراكَ فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا مَعَكَ وأمامَكَ وخَلْفَكَ ومُحِيطٌ بِكَ وأقْرَبُ إلَيْكَ مِنكَ. إنَّ إبْلِيسَ أخْطَرَ بِبالِهِ هَذا الشَّكَّ وقالَ: ما يُدْرِيكَ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لِأنِّي أسْمَعُهُ مِن فَوْقِي ومِن تَحْتِي ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي كَما أسْمَعُهُ مِن قُدّامِي، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ المَخْلُوقِينَ. ومَعْنى إطْلاقِهِ هَذِهِ الجِهاتِ أنِّي أسْمَعُهُ بِجَمِيعِ أجْزائِي وأبْعاضِي حَتّى كَأنَّ كُلَّ جارِحَةٍ مِنِّي صارَتْ أُذُنًا. وثالِثُها: لَعَلَّهُ سَمِعَ النِّداءَ مِن جَمادٍ كالحَصى وغَيْرِها فَيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا. ورابِعُها: أنَّهُ رَأى النّارَ في الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ بِحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الخُضْرَةَ ما كانَتْ تُطْفِئُ تِلْكَ النّارَ وتِلْكَ النّارَ ما كانَتْ تَضُرُّ تِلْكَ الخُضْرَةَ، وهَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالُوا: إنَّ تَكْرِيرَ الضَّمِيرِ في ”إنِّي أنا رَبُّكَ“ كانَ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهِما صِيانَةً لِلْوادِي المُقَدَّسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٦ وقَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: إنَّما أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيَنالَ قَدَمَيْهِ بَرَكَةُ الوادِي، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وثالِثُها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ البُقْعَةِ مِن أنْ يَطَأها إلّا حافِيًا؛ لِيَكُونَ مُعَظِّمًا لَها وخاضِعًا عِنْدَ سَماعِ كَلامِ رَبِّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: اخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ لِأنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى. وأمّا أهْلُ الإشارَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ النَّعْلَ في النَّوْمِ يُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَلْتَفِتَ خاطِرُهُ إلى الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأنْ لا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِأمْرِهِما. وثانِيها: المُرادُ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ كَأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْتَفِتَ بِخاطِرِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الوادِي المُقَدَّسِ قُدْسُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وطَهارَةُ عِزَّتِهِ يَعْنِي أنَّكَ لَمّا وصَلْتَ إلى بَحْرِ المَعْرِفَةِ فَلا تَلْتَفِتْ إلى المَخْلُوقاتِ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ إلّا بِمُقَدِّمَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ العالَمُ المَحْسُوسُ مُحْدَثٌ أوْ مُمْكِنٌ وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ مُدَبِّرٌ ومُؤَثِّرٌ وصانِعٌ، وهاتانِ المُقَدِّمَتانِ تُشْبِهانِ النَّعْلَيْنِ؛ لِأنَّ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَقْصُودِ ويَتَنَقَّلُ مِنَ النَّظَرِ في الخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ ثُمَّ بَعْدَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى مُلْتَفِتًا إلى تَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأنَّ بِقَدْرِ الِاشْتِغالِ بِالغَيْرِ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تَكُنْ مُشْتَغِلَ القَلْبِ والخاطِرِ بِتَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ فَإنَّكَ وصَلْتَ إلى الوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي هو بَحْرُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولُجَّةُ أُلُوهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِقَدِيمٍ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ اللَّهُ قائِلًا قَبْلَ وُجُودِ مُوسى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ يا مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَفَهٌ فَإنَّ الرَّجُلَ في الدّارِ الخالِيَةِ إذا قالَ: يا زَيْدُ افْعَلْ ويا عَمْرُو لا تَفْعَلْ مَعَ أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لا يَكُونانِ حاضِرَيْنِ يُعَدُّ ذَلِكَ جُنُونًا وسَفَهًا فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلامَهُ تَعالى وإنْ كانَ قَدِيمًا إلّا أنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ أمْرًا ولا نَهْيًا. والثّانِي: أنَّهُ كانَ أمْرًا بِمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ في الأزَلِ شَيْءٌ لَمّا اسْتَمَرَّ إلى ما لا يَزالُ صارَ الشَّخْصُ بِهِ مَأْمُورًا مِن غَيْرِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ كَما أنَّ القُدْرَةَ تَقْتَضِي صِحَّةَ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في الأزَلِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الصِّحَّةِ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ إلى ما لا يَزالُ حَصَلَتِ الصِّحَّةُ كَذا هَهُنا، وهَذا الكَلامُ فِيهِ غُمُوضٌ وبَحْثٌ دَقِيقٌ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَراهَةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعْلِ والصَّحِيحُ عَدَمُ الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إنَّ عَلَّلْنا الأمْرَ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ بِتَعْظِيمِ الوادِي وتَعْظِيمِ كَلامِ اللَّهِ كانَ الأمْرُ مَقْصُورًا عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، وإنْ عَلَّلْناهُ بِأنَّ النَّعْلَيْنِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ مَحْظُورًا لُبْسُ جِلْدِ الحِمارِ المَيِّتِ، وإنْ كانَ مَدْبُوغًا فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ وقَدْ «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُما في الصَّلاةِ فَخَلَعَ النّاسُ نِعالَهم فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: ”ما لَكم خَلَعْتُمْ نِعالَكم“ قالُوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنا قالَ: ”فَإنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي أنَّ فِيهِما قَذَرًا“» فَلَمْ يَكْرَهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ في النَّعْلِ وأنْكَرَ عَلى الخالِعِينَ خَلْعَهُما وأخْبَرَهم بِأنَّهُ إنَّما خَلَعَهُما لِما فِيهِما مِنَ القَذَرِ. المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قُرِئَ طُوًى بِالضَّمِّ والكَسْرِ مُنْصَرِفًا وغَيْرَ مُنْصَرِفٍ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمُ الوادِي، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوِيٍ فَهو مِثْلُ عُمَرَ المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. صفحة ١٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: في طُوًى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلْوادِي وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ نَحْوَ مَثْنى أيْ قُدِّسَ الوادِي مَرَّتَيْنِ أوْ نُودِيَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِداءَيْنِ يُقالُ نادَيْتُهُ طُوًى أيْ مَثْنى. والثّالِثُ: طُوًى أيْ طَيًّا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ مَرَّ بِذَلِكَ الوادِي لَيْلًا فَطَواهُ فَكانَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ طَيًّا أيْ قَطَعْتَهُ حَتّى ارْتَفَعْتَ إلى أعْلاهُ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ طُوًى مَصْدَرٌ خَرَجَ عَنْ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: طَوَيْتَهُ طُوًى كَما يُقالُ هَدى يَهْدِي هُدًى واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:12

قوله تعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ وحالَ الرَّسُولِ فِيما كَلَّفَهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُقَوِّي قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذِكْرِ أحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ في الإبْلاغِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وبَدَأ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المِحْنَةَ والفِتْنَةَ الحاصِلَةَ لَهُ كانَتْ أعْظَمَ لِيُسْلِيَ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ ويُصَبِّرَهُ عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا أوَّلَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أيْ لَمْ يَأْتِكَ إلى الآنِ وقَدْ أتاكَ الآنَ فَتَنَبَّهْ لَهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ فَكَأنَّهُ قالَ: ألَيْسَ قَدْ أتاكَ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ وإنْ كانَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَقْرِيرُ الجَوابِ في قَلْبِهِ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ أبْلَغُ في ذَلِكَ كَما يَقُولُ المَرْءُ لِصاحِبِهِ هَلْ بَلَغَكَ خَبَرُ كَذا ؟ فَيَتَطَلَّعُ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَرْمِي إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هو الِاسْتِفْهامَ لَكانَ الجَوابُ يَصْدُرُ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ صفحة ١٤ السَّلامُ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ أيْ هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ حِينَ رَأى نارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَأْذَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شُعَيْبًا في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ فَأذِنَ لَهُ فَخَرَجَ فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ مُثْلِجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ، وقَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ فَقَدَحَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النّارَ فَلَمْ تُورِ المِقْدَحَةُ شَيْئًا، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ إذْ نَظَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ. قالَ السُّدِّيُّ: ظَنَّ أنَّها نارٌ مِن نِيرانِ الرُّعاةِ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَآها في شَجَرَةٍ ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهُمُ الَّذِي رَآهُ لَمْ يَكُنْ نارًا بَلْ تَخَيَّلَهُ نارًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ رَأى نارًا لِيَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ إذِ الكَذِبُ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، قِيلَ: النّارُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: نارٌ تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ الدُّنْيا، ونارٌ تَشْرَبُ ولا تَأْكُلُ وهي نارُ الشَّجَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] ونارٌ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وهي نارُ المَعِدَةِ، ونارٌ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ أيْضًا النّارُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: نارٌ لَها نُورٌ بِلا حُرْقَةٍ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وثانِيها: حُرْقَةٌ بِلا نُورٍ وهي نارُ جَهَنَّمَ. وثالِثُها: الحُرْقَةُ والنُّورُ وهي نارُ الدُّنْيا. ورابِعُها: لا حُرْقَةٌ ولا نُورٌ وهي نارُ الأشْجارِ، فَلَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ نَحْوَها ﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمَرْأةِ ووَلَدِها والخادِمِ الَّذِي مَعَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَرْأةِ وحْدَها، ولَكِنْ خَرَجَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ فَإنَّ الأهْلَ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، وأيْضًا فَقَدْ يُخاطَبُ الواحِدُ بِلَفْظِ الجَماعَةِ تَفْخِيمًا أيْ أقِيمُوا في مَكانِكم: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أبْصَرْتُ، والإيناسُ الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ومِنهُ إنْسانُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَبِينُ بِهِ الشَّيْءُ، والإنْسُ لِظُهُورِهِمْ كَما قِيلَ الجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ، وقِيلَ هو أيْضًا ما يُؤْنَسُ بِهِ، ولَمّا وُجِدَ مِنهُ الإيناسُ وكانَ مُنْتَفِيًا حَقِيقَةً لَهم أتى بِكَلِمَةِ إنِّي لِتَوْطِينِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الإيناسُ بِالقَبَسِ ووُجُودِ الهُدى مُتَرَقَّبَيْنِ مُتَوَقَّعَيْنِ بُنِيَ الأمْرُ فِيهِما عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ فَقالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولُ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ قَوْمًا قالُوا: كَذَبَ إبْراهِيمُ لِلْمَصْلَحَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُبُوَّتِهِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ فَلَمْ يَقُلْ آتِيكم، ولَكِنْ قالَ لَعَلِّي آتِيكم ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولَ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ، والقَبَسُ النّارُ المُقْتَبَسَةُ في رَأْسِ عُودٍ أوْ فَتِيلَةٍ أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ والهُدى ما يُهْتَدى بِهِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ فَكَأنَّهُ قالَ أجِدُ عَلى النّارِ ما أهْتَدِي بِهِ مِن دَلِيلٍ أوْ عَلامَةٍ، ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّارِ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها ولِأنَّ المُصْطَلِينَ بِها إذا أحاطُوا بِها كانُوا مُشْرِفِينَ عَلَيْها ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ أتى النّارَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها كَأنَّها نارٌ بَيْضاءُ فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْءِ تِلْكَ النّارِ وشِدَّةِ خُضْرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضَوْءَ النّارِ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ورَأى نُورًا عَظِيمًا، قالَ وهْبٌ: فَظَنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها نارٌ أُوقِدَتْ فَأخَذَ مِن دِقاقِ الحَطَبِ لِيَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها فَمالَتْ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ فَتَأخَّرَ عَنْها وهابَها ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ أسْرَعَ مِن خُمُودِها فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ثُمَّ رَمى مُوسى بِنَظَرِهِ إلى فَرْعِها فَإذا خُضْرَتُهُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ. وإذا نُورٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ شُعاعٌ تَكِلُّ عَنْهُ الأبْصارُ فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى، قالَ القاضِي الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ الزَّنْدَ ما كانَ يُورى فَهَذا جائِزٌ وأمّا الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ النّارَ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ فَإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ جازَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مُمْتَنِعٌ إلّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] دَلالَةٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الحالَةِ صفحة ١٥ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَبْعُدُ ما ذَكَرُوهُ مِن تَأخُّرِ النّارِ عَنْهُ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ وإنْ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ حالًا بَعْدَ حالٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ ولَما بَقِيَ لِفاءِ التَّعْقِيبِ فائِدَةٌ. قُلْنا: القاضِي إنَّما بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ فَبَطَلَ قَوْلُهُ وأمّا التَّمَسُّكُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَقَرِيبٌ؛ لِأنَّ تَخَلُّلَ الزَّمانِ القَلِيلِ فِيما بَيْنَ المَجِيءِ والنِّداءِ لا يَقْدَحُ في فاءِ التَّعْقِيبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِّي“ بِالفَتْحِ أيْ نُودِيَ بِأنِّي أنا رَبُّكَ والباقُونَ بِالكَسْرِ أيْ نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى أوْ لِأنَّ النِّداءَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الأشْعَرِيُّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أسْمَعَهُ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ذَلِكَ النِّداءَ في جِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ كالشَّجَرَةِ أوْ غَيْرِها؛ لِأنَّ النِّداءَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ومَتى شاءَ فَعَلَهُ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ مِن أهْلِ ما وراءَ النَّهْرِ فَقَدْ أثْبَتُوا الكَلامَ القَدِيمَ إلّا أنَّهم زَعَمُوا أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَوْتٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ هو الصَّوْتُ المُحْدَثُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النِّداءَ عَلى أنَّهُ أتى النّارَ والمُرَتَّبُ عَلى المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فالنِّداءُ مُحْدَثٌ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ عَرَفَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَقالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرِّفَهُ بِالمُعْجِزَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أمّا العِلْمُ الضَّرُورِيُّ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِ هَذا النِّداءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ لِاسْتِحالَةِ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ تَكُونُ مَعْلُومَةً بِالِاسْتِدْلالِ، ولَوْ كانَ وُجُودُ الصّانِعِ تَعالى مَعْلُومًا بِهِ بِالضَّرُورَةِ؛ لَخَرَجَ مُوسى عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وبِالِاتِّفاقِ لَمْ يَخْرُجْ مُوسى عَنِ التَّكْلِيفِ فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها: مِنهم مَن قالَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المُعْجِزِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ المُعْجِزَ ما هو. وثانِيها: يُرْوى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا شاهَدَ النُّورَ السّاطِعَ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ وضَعَ يَدَيْهِ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى. فَقالَ: لَبَّيْكَ إنِّي أسْمَعُ صَوْتَكَ ولا أراكَ فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا مَعَكَ وأمامَكَ وخَلْفَكَ ومُحِيطٌ بِكَ وأقْرَبُ إلَيْكَ مِنكَ. إنَّ إبْلِيسَ أخْطَرَ بِبالِهِ هَذا الشَّكَّ وقالَ: ما يُدْرِيكَ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لِأنِّي أسْمَعُهُ مِن فَوْقِي ومِن تَحْتِي ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي كَما أسْمَعُهُ مِن قُدّامِي، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ المَخْلُوقِينَ. ومَعْنى إطْلاقِهِ هَذِهِ الجِهاتِ أنِّي أسْمَعُهُ بِجَمِيعِ أجْزائِي وأبْعاضِي حَتّى كَأنَّ كُلَّ جارِحَةٍ مِنِّي صارَتْ أُذُنًا. وثالِثُها: لَعَلَّهُ سَمِعَ النِّداءَ مِن جَمادٍ كالحَصى وغَيْرِها فَيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا. ورابِعُها: أنَّهُ رَأى النّارَ في الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ بِحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الخُضْرَةَ ما كانَتْ تُطْفِئُ تِلْكَ النّارَ وتِلْكَ النّارَ ما كانَتْ تَضُرُّ تِلْكَ الخُضْرَةَ، وهَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالُوا: إنَّ تَكْرِيرَ الضَّمِيرِ في ”إنِّي أنا رَبُّكَ“ كانَ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهِما صِيانَةً لِلْوادِي المُقَدَّسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٦ وقَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: إنَّما أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيَنالَ قَدَمَيْهِ بَرَكَةُ الوادِي، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وثالِثُها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ البُقْعَةِ مِن أنْ يَطَأها إلّا حافِيًا؛ لِيَكُونَ مُعَظِّمًا لَها وخاضِعًا عِنْدَ سَماعِ كَلامِ رَبِّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: اخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ لِأنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى. وأمّا أهْلُ الإشارَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ النَّعْلَ في النَّوْمِ يُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَلْتَفِتَ خاطِرُهُ إلى الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأنْ لا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِأمْرِهِما. وثانِيها: المُرادُ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ كَأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْتَفِتَ بِخاطِرِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الوادِي المُقَدَّسِ قُدْسُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وطَهارَةُ عِزَّتِهِ يَعْنِي أنَّكَ لَمّا وصَلْتَ إلى بَحْرِ المَعْرِفَةِ فَلا تَلْتَفِتْ إلى المَخْلُوقاتِ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ إلّا بِمُقَدِّمَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ العالَمُ المَحْسُوسُ مُحْدَثٌ أوْ مُمْكِنٌ وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ مُدَبِّرٌ ومُؤَثِّرٌ وصانِعٌ، وهاتانِ المُقَدِّمَتانِ تُشْبِهانِ النَّعْلَيْنِ؛ لِأنَّ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَقْصُودِ ويَتَنَقَّلُ مِنَ النَّظَرِ في الخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ ثُمَّ بَعْدَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى مُلْتَفِتًا إلى تَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأنَّ بِقَدْرِ الِاشْتِغالِ بِالغَيْرِ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تَكُنْ مُشْتَغِلَ القَلْبِ والخاطِرِ بِتَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ فَإنَّكَ وصَلْتَ إلى الوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي هو بَحْرُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولُجَّةُ أُلُوهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِقَدِيمٍ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ اللَّهُ قائِلًا قَبْلَ وُجُودِ مُوسى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ يا مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَفَهٌ فَإنَّ الرَّجُلَ في الدّارِ الخالِيَةِ إذا قالَ: يا زَيْدُ افْعَلْ ويا عَمْرُو لا تَفْعَلْ مَعَ أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لا يَكُونانِ حاضِرَيْنِ يُعَدُّ ذَلِكَ جُنُونًا وسَفَهًا فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلامَهُ تَعالى وإنْ كانَ قَدِيمًا إلّا أنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ أمْرًا ولا نَهْيًا. والثّانِي: أنَّهُ كانَ أمْرًا بِمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ في الأزَلِ شَيْءٌ لَمّا اسْتَمَرَّ إلى ما لا يَزالُ صارَ الشَّخْصُ بِهِ مَأْمُورًا مِن غَيْرِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ كَما أنَّ القُدْرَةَ تَقْتَضِي صِحَّةَ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في الأزَلِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الصِّحَّةِ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ إلى ما لا يَزالُ حَصَلَتِ الصِّحَّةُ كَذا هَهُنا، وهَذا الكَلامُ فِيهِ غُمُوضٌ وبَحْثٌ دَقِيقٌ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَراهَةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعْلِ والصَّحِيحُ عَدَمُ الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إنَّ عَلَّلْنا الأمْرَ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ بِتَعْظِيمِ الوادِي وتَعْظِيمِ كَلامِ اللَّهِ كانَ الأمْرُ مَقْصُورًا عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، وإنْ عَلَّلْناهُ بِأنَّ النَّعْلَيْنِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ مَحْظُورًا لُبْسُ جِلْدِ الحِمارِ المَيِّتِ، وإنْ كانَ مَدْبُوغًا فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ وقَدْ «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُما في الصَّلاةِ فَخَلَعَ النّاسُ نِعالَهم فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: ”ما لَكم خَلَعْتُمْ نِعالَكم“ قالُوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنا قالَ: ”فَإنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي أنَّ فِيهِما قَذَرًا“» فَلَمْ يَكْرَهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ في النَّعْلِ وأنْكَرَ عَلى الخالِعِينَ خَلْعَهُما وأخْبَرَهم بِأنَّهُ إنَّما خَلَعَهُما لِما فِيهِما مِنَ القَذَرِ. المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قُرِئَ طُوًى بِالضَّمِّ والكَسْرِ مُنْصَرِفًا وغَيْرَ مُنْصَرِفٍ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمُ الوادِي، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوِيٍ فَهو مِثْلُ عُمَرَ المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. صفحة ١٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: في طُوًى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلْوادِي وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ نَحْوَ مَثْنى أيْ قُدِّسَ الوادِي مَرَّتَيْنِ أوْ نُودِيَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِداءَيْنِ يُقالُ نادَيْتُهُ طُوًى أيْ مَثْنى. والثّالِثُ: طُوًى أيْ طَيًّا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ مَرَّ بِذَلِكَ الوادِي لَيْلًا فَطَواهُ فَكانَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ طَيًّا أيْ قَطَعْتَهُ حَتّى ارْتَفَعْتَ إلى أعْلاهُ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ طُوًى مَصْدَرٌ خَرَجَ عَنْ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: طَوَيْتَهُ طُوًى كَما يُقالُ هَدى يَهْدِي هُدًى واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:13

قوله تعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ وحالَ الرَّسُولِ فِيما كَلَّفَهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُقَوِّي قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذِكْرِ أحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ في الإبْلاغِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وبَدَأ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المِحْنَةَ والفِتْنَةَ الحاصِلَةَ لَهُ كانَتْ أعْظَمَ لِيُسْلِيَ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ ويُصَبِّرَهُ عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا أوَّلَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أيْ لَمْ يَأْتِكَ إلى الآنِ وقَدْ أتاكَ الآنَ فَتَنَبَّهْ لَهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ فَكَأنَّهُ قالَ: ألَيْسَ قَدْ أتاكَ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ وإنْ كانَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَقْرِيرُ الجَوابِ في قَلْبِهِ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ أبْلَغُ في ذَلِكَ كَما يَقُولُ المَرْءُ لِصاحِبِهِ هَلْ بَلَغَكَ خَبَرُ كَذا ؟ فَيَتَطَلَّعُ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَرْمِي إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هو الِاسْتِفْهامَ لَكانَ الجَوابُ يَصْدُرُ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ صفحة ١٤ السَّلامُ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ أيْ هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ حِينَ رَأى نارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَأْذَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شُعَيْبًا في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ فَأذِنَ لَهُ فَخَرَجَ فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ مُثْلِجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ، وقَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ فَقَدَحَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النّارَ فَلَمْ تُورِ المِقْدَحَةُ شَيْئًا، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ إذْ نَظَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ. قالَ السُّدِّيُّ: ظَنَّ أنَّها نارٌ مِن نِيرانِ الرُّعاةِ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَآها في شَجَرَةٍ ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهُمُ الَّذِي رَآهُ لَمْ يَكُنْ نارًا بَلْ تَخَيَّلَهُ نارًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ رَأى نارًا لِيَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ إذِ الكَذِبُ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، قِيلَ: النّارُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: نارٌ تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ الدُّنْيا، ونارٌ تَشْرَبُ ولا تَأْكُلُ وهي نارُ الشَّجَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] ونارٌ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وهي نارُ المَعِدَةِ، ونارٌ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ أيْضًا النّارُ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: نارٌ لَها نُورٌ بِلا حُرْقَةٍ وهي نارُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وثانِيها: حُرْقَةٌ بِلا نُورٍ وهي نارُ جَهَنَّمَ. وثالِثُها: الحُرْقَةُ والنُّورُ وهي نارُ الدُّنْيا. ورابِعُها: لا حُرْقَةٌ ولا نُورٌ وهي نارُ الأشْجارِ، فَلَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ نَحْوَها ﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمَرْأةِ ووَلَدِها والخادِمِ الَّذِي مَعَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَرْأةِ وحْدَها، ولَكِنْ خَرَجَ عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ فَإنَّ الأهْلَ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، وأيْضًا فَقَدْ يُخاطَبُ الواحِدُ بِلَفْظِ الجَماعَةِ تَفْخِيمًا أيْ أقِيمُوا في مَكانِكم: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أبْصَرْتُ، والإيناسُ الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ومِنهُ إنْسانُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَبِينُ بِهِ الشَّيْءُ، والإنْسُ لِظُهُورِهِمْ كَما قِيلَ الجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ، وقِيلَ هو أيْضًا ما يُؤْنَسُ بِهِ، ولَمّا وُجِدَ مِنهُ الإيناسُ وكانَ مُنْتَفِيًا حَقِيقَةً لَهم أتى بِكَلِمَةِ إنِّي لِتَوْطِينِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الإيناسُ بِالقَبَسِ ووُجُودِ الهُدى مُتَرَقَّبَيْنِ مُتَوَقَّعَيْنِ بُنِيَ الأمْرُ فِيهِما عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ فَقالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولُ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ قَوْمًا قالُوا: كَذَبَ إبْراهِيمُ لِلْمَصْلَحَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُبُوَّتِهِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ فَلَمْ يَقُلْ آتِيكم، ولَكِنْ قالَ لَعَلِّي آتِيكم ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولَ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ، والقَبَسُ النّارُ المُقْتَبَسَةُ في رَأْسِ عُودٍ أوْ فَتِيلَةٍ أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ والهُدى ما يُهْتَدى بِهِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ فَكَأنَّهُ قالَ أجِدُ عَلى النّارِ ما أهْتَدِي بِهِ مِن دَلِيلٍ أوْ عَلامَةٍ، ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّارِ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها ولِأنَّ المُصْطَلِينَ بِها إذا أحاطُوا بِها كانُوا مُشْرِفِينَ عَلَيْها ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ أتى النّارَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها كَأنَّها نارٌ بَيْضاءُ فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْءِ تِلْكَ النّارِ وشِدَّةِ خُضْرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضَوْءَ النّارِ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ورَأى نُورًا عَظِيمًا، قالَ وهْبٌ: فَظَنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها نارٌ أُوقِدَتْ فَأخَذَ مِن دِقاقِ الحَطَبِ لِيَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها فَمالَتْ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ فَتَأخَّرَ عَنْها وهابَها ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ أسْرَعَ مِن خُمُودِها فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ثُمَّ رَمى مُوسى بِنَظَرِهِ إلى فَرْعِها فَإذا خُضْرَتُهُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ. وإذا نُورٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ شُعاعٌ تَكِلُّ عَنْهُ الأبْصارُ فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى، قالَ القاضِي الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ الزَّنْدَ ما كانَ يُورى فَهَذا جائِزٌ وأمّا الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ النّارَ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ فَإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ جازَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مُمْتَنِعٌ إلّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] دَلالَةٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الحالَةِ صفحة ١٥ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَبْعُدُ ما ذَكَرُوهُ مِن تَأخُّرِ النّارِ عَنْهُ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ وإنْ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ حالًا بَعْدَ حالٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ ولَما بَقِيَ لِفاءِ التَّعْقِيبِ فائِدَةٌ. قُلْنا: القاضِي إنَّما بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ فَبَطَلَ قَوْلُهُ وأمّا التَّمَسُّكُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَقَرِيبٌ؛ لِأنَّ تَخَلُّلَ الزَّمانِ القَلِيلِ فِيما بَيْنَ المَجِيءِ والنِّداءِ لا يَقْدَحُ في فاءِ التَّعْقِيبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِّي“ بِالفَتْحِ أيْ نُودِيَ بِأنِّي أنا رَبُّكَ والباقُونَ بِالكَسْرِ أيْ نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى أوْ لِأنَّ النِّداءَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الأشْعَرِيُّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أسْمَعَهُ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ذَلِكَ النِّداءَ في جِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ كالشَّجَرَةِ أوْ غَيْرِها؛ لِأنَّ النِّداءَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ومَتى شاءَ فَعَلَهُ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ مِن أهْلِ ما وراءَ النَّهْرِ فَقَدْ أثْبَتُوا الكَلامَ القَدِيمَ إلّا أنَّهم زَعَمُوا أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَوْتٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ هو الصَّوْتُ المُحْدَثُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النِّداءَ عَلى أنَّهُ أتى النّارَ والمُرَتَّبُ عَلى المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فالنِّداءُ مُحْدَثٌ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ عَرَفَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَقالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرِّفَهُ بِالمُعْجِزَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أمّا العِلْمُ الضَّرُورِيُّ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِ هَذا النِّداءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ لِاسْتِحالَةِ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ تَكُونُ مَعْلُومَةً بِالِاسْتِدْلالِ، ولَوْ كانَ وُجُودُ الصّانِعِ تَعالى مَعْلُومًا بِهِ بِالضَّرُورَةِ؛ لَخَرَجَ مُوسى عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وبِالِاتِّفاقِ لَمْ يَخْرُجْ مُوسى عَنِ التَّكْلِيفِ فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها: مِنهم مَن قالَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المُعْجِزِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ المُعْجِزَ ما هو. وثانِيها: يُرْوى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا شاهَدَ النُّورَ السّاطِعَ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ وضَعَ يَدَيْهِ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى. فَقالَ: لَبَّيْكَ إنِّي أسْمَعُ صَوْتَكَ ولا أراكَ فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا مَعَكَ وأمامَكَ وخَلْفَكَ ومُحِيطٌ بِكَ وأقْرَبُ إلَيْكَ مِنكَ. إنَّ إبْلِيسَ أخْطَرَ بِبالِهِ هَذا الشَّكَّ وقالَ: ما يُدْرِيكَ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لِأنِّي أسْمَعُهُ مِن فَوْقِي ومِن تَحْتِي ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي كَما أسْمَعُهُ مِن قُدّامِي، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ المَخْلُوقِينَ. ومَعْنى إطْلاقِهِ هَذِهِ الجِهاتِ أنِّي أسْمَعُهُ بِجَمِيعِ أجْزائِي وأبْعاضِي حَتّى كَأنَّ كُلَّ جارِحَةٍ مِنِّي صارَتْ أُذُنًا. وثالِثُها: لَعَلَّهُ سَمِعَ النِّداءَ مِن جَمادٍ كالحَصى وغَيْرِها فَيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا. ورابِعُها: أنَّهُ رَأى النّارَ في الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ بِحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الخُضْرَةَ ما كانَتْ تُطْفِئُ تِلْكَ النّارَ وتِلْكَ النّارَ ما كانَتْ تَضُرُّ تِلْكَ الخُضْرَةَ، وهَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالُوا: إنَّ تَكْرِيرَ الضَّمِيرِ في ”إنِّي أنا رَبُّكَ“ كانَ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهِما صِيانَةً لِلْوادِي المُقَدَّسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ١٦ وقَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ. والثّانِي: إنَّما أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيَنالَ قَدَمَيْهِ بَرَكَةُ الوادِي، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. وثالِثُها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ البُقْعَةِ مِن أنْ يَطَأها إلّا حافِيًا؛ لِيَكُونَ مُعَظِّمًا لَها وخاضِعًا عِنْدَ سَماعِ كَلامِ رَبِّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: اخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ لِأنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى. وأمّا أهْلُ الإشارَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ النَّعْلَ في النَّوْمِ يُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَلْتَفِتَ خاطِرُهُ إلى الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأنْ لا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِأمْرِهِما. وثانِيها: المُرادُ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ كَأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْتَفِتَ بِخاطِرِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الوادِي المُقَدَّسِ قُدْسُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وطَهارَةُ عِزَّتِهِ يَعْنِي أنَّكَ لَمّا وصَلْتَ إلى بَحْرِ المَعْرِفَةِ فَلا تَلْتَفِتْ إلى المَخْلُوقاتِ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ إلّا بِمُقَدِّمَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ العالَمُ المَحْسُوسُ مُحْدَثٌ أوْ مُمْكِنٌ وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ مُدَبِّرٌ ومُؤَثِّرٌ وصانِعٌ، وهاتانِ المُقَدِّمَتانِ تُشْبِهانِ النَّعْلَيْنِ؛ لِأنَّ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَقْصُودِ ويَتَنَقَّلُ مِنَ النَّظَرِ في الخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ ثُمَّ بَعْدَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى مُلْتَفِتًا إلى تَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأنَّ بِقَدْرِ الِاشْتِغالِ بِالغَيْرِ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تَكُنْ مُشْتَغِلَ القَلْبِ والخاطِرِ بِتَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ فَإنَّكَ وصَلْتَ إلى الوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي هو بَحْرُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولُجَّةُ أُلُوهِيَّتِهِ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِقَدِيمٍ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ اللَّهُ قائِلًا قَبْلَ وُجُودِ مُوسى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ يا مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَفَهٌ فَإنَّ الرَّجُلَ في الدّارِ الخالِيَةِ إذا قالَ: يا زَيْدُ افْعَلْ ويا عَمْرُو لا تَفْعَلْ مَعَ أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لا يَكُونانِ حاضِرَيْنِ يُعَدُّ ذَلِكَ جُنُونًا وسَفَهًا فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلامَهُ تَعالى وإنْ كانَ قَدِيمًا إلّا أنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ أمْرًا ولا نَهْيًا. والثّانِي: أنَّهُ كانَ أمْرًا بِمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ في الأزَلِ شَيْءٌ لَمّا اسْتَمَرَّ إلى ما لا يَزالُ صارَ الشَّخْصُ بِهِ مَأْمُورًا مِن غَيْرِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ كَما أنَّ القُدْرَةَ تَقْتَضِي صِحَّةَ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في الأزَلِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الصِّحَّةِ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ إلى ما لا يَزالُ حَصَلَتِ الصِّحَّةُ كَذا هَهُنا، وهَذا الكَلامُ فِيهِ غُمُوضٌ وبَحْثٌ دَقِيقٌ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَراهَةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعْلِ والصَّحِيحُ عَدَمُ الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إنَّ عَلَّلْنا الأمْرَ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ بِتَعْظِيمِ الوادِي وتَعْظِيمِ كَلامِ اللَّهِ كانَ الأمْرُ مَقْصُورًا عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، وإنْ عَلَّلْناهُ بِأنَّ النَّعْلَيْنِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ مَحْظُورًا لُبْسُ جِلْدِ الحِمارِ المَيِّتِ، وإنْ كانَ مَدْبُوغًا فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ وقَدْ «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُما في الصَّلاةِ فَخَلَعَ النّاسُ نِعالَهم فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: ”ما لَكم خَلَعْتُمْ نِعالَكم“ قالُوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنا قالَ: ”فَإنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي أنَّ فِيهِما قَذَرًا“» فَلَمْ يَكْرَهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ في النَّعْلِ وأنْكَرَ عَلى الخالِعِينَ خَلْعَهُما وأخْبَرَهم بِأنَّهُ إنَّما خَلَعَهُما لِما فِيهِما مِنَ القَذَرِ. المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قُرِئَ طُوًى بِالضَّمِّ والكَسْرِ مُنْصَرِفًا وغَيْرَ مُنْصَرِفٍ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمُ الوادِي، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوِيٍ فَهو مِثْلُ عُمَرَ المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ. صفحة ١٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: في طُوًى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلْوادِي وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ نَحْوَ مَثْنى أيْ قُدِّسَ الوادِي مَرَّتَيْنِ أوْ نُودِيَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِداءَيْنِ يُقالُ نادَيْتُهُ طُوًى أيْ مَثْنى. والثّالِثُ: طُوًى أيْ طَيًّا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ مَرَّ بِذَلِكَ الوادِي لَيْلًا فَطَواهُ فَكانَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ طَيًّا أيْ قَطَعْتَهُ حَتّى ارْتَفَعْتَ إلى أعْلاهُ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ طُوًى مَصْدَرٌ خَرَجَ عَنْ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: طَوَيْتَهُ طُوًى كَما يُقالُ هَدى يَهْدِي هُدًى واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:14

قوله تعالى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”وأنّا اخْتَرْناكَ“ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”وأنِّي اخْتَرْتُكَ“ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْناهُ اخْتَرْتُكَ لِلرِّسالَةِ ولِلْكَلامِ الَّذِي خَصَصْتُكَ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ لا تَحْصُلُ بِالِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَنصِبَ العَلِيَّ إنَّما حَصَلَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَهُ بِهِ ابْتِداءً لا أنَّهُ اسْتَحَقَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ فِيهِ نِهايَةُ الهَيْبَةِ والجَلالَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ جاءَكَ أمْرٌ عَظِيمٌ هائِلٌ فَتَأهَّبْ لَهُ، واجْعَلْ كُلَّ عَقْلِكَ وخاطِرِكَ مَصْرُوفًا إلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ يُفِيدُ نِهايَةَ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَمِعْ﴾ يُفِيدُ نِهايَةَ الهَيْبَةِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الأوَّلِ نِهايَةُ الرَّجاءِ ومِنَ الثّانِي نِهايَةُ الخَوْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَ الأُصُولِ مُقَدَّمٌ عَلى عِلْمِ الفُرُوعِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ مِن عِلْمِ الأُصُولِ والعِبادَةَ مِن عِلْمِ الفُرُوعِ وأيْضًا الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ عِبادَتَهُ إنَّما لَزِمَتْ لِإلَهِيَّتِهِ وهَذا هو تَحْقِيقُ العُلَماءِ أنَّ اللَّهَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ أوَّلًا ثُمَّ بِالعِبادَةِ ثانِيًا أمَرَهُ بِالصَّلاةِ ثالِثًا؛ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِالعِبادَةِ ولَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ العِبادَةِ فَثَبَتَ أنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ المُجْمَلِ مُنْفَكًّا عَنِ البَيانِ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الصَّلاةِ، قالَ: القاضِي لا يَمْتَنِعُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ عَرَفَ الصَّلاةَ الَّتِي تَعَبَّدَ اللَّهُ تَعالى بِها شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَصارَ الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى ذَلِكَ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهُ في الحالِ، وإنْ كانَ المَنقُولُ في القُرْآنِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إلّا هَذا القَدْرُ. والجَوابُ: أمّا العُذْرُ الأوَّلُ فَإنَّهُ لا يَتَوَجَّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ وأيْضًا فَحَمْلُ مِثْلِ هَذا الخِطابِ العَظِيمِ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أمْرٍ مَعْلُومٍ؛ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَشُكُّ في وُجُوبِ الصَّلاةِ الَّتِي جاءَ بِها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِن هَذا الخِطابِ العَظِيمِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى صَلاةٍ أُخْرى لَحَصَلَتِ الفائِدَةُ الزّائِدَةُ، قَوْلُهُ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَهُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ وإنْ لَمْ يَحْكِهِ في القُرْآنِ قُلْنا لا شَكَّ أنَّ البَيانَ أكْثَرُ فائِدَةً مِنَ المُجْمَلِ فَلَوْ كانَ مَذْكُورًا لَكانَ أوْلى بِالحِكايَةِ. صفحة ١٨ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لِذِكْرِي﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: لِذِكْرِي يَعْنِي لِتَذْكُرَنِي فَإنَّ ذِكْرِي أنْ أُعْبَدَ ويُصَلّى لِي. وثانِيها: لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِ الصَّلاةِ عَلى الأذْكارِ عَنْ مُجاهِدٍ. وثالِثُها: لِأنِّي ذَكَرْتُها في الكُتُبِ وأمَرْتُ بِها. ورابِعُها: لِأنْ أذْكُرَكَ بِالمَدْحِ والثَّناءِ وأجْعَلَ لَكَ لِسانَ صِدْقٍ. وخامِسُها: لِذِكْرِي خاصَّةً لا تَشُوبُهُ بِذِكْرِ غَيْرِي. وسادِسُها: لِإخْلاصِ ذِكْرِي وطَلَبِ وجْهِي لا تُرائِي بِها ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ. وسابِعُها: لِتَكُونَ لِي ذاكِرًا غَيْرَ ناسٍ فِعْلَ المُخْلِصِينَ في جَعْلِهِمْ ذِكْرَ رَبِّهِمْ عَلى بالٍ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] . وثامِنُها: لِأوْقاتِ ذِكْرِي وهي مَواقِيتُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] . وتاسِعُها: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ حِينَ تَذْكُرُها أيْ أنَّكَ إذا نَسِيتَ صَلاةً فاقْضِها إذا ذَكَرْتَها. رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها لا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ» “ ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قالَ الخَطّابِيُّ يَحْتَمِلُ هَذا الحَدِيثُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُكَفِّرُها غَيْرُ قَضائِها والآخَرُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ في نِسْيانِها غَرامَةٌ ولا كَفّارَةٌ كَما تَلْزَمُ الكَفّارَةُ في تَرْكِ صَوْمِ رَمَضانَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ وكَما يَلْزَمُ المُحْرِمَ إذا تَرَكَ شَيْئًا مِن نُسُكِهِ فِدْيَةٌ مِن إطْعامٍ أوْ دَمٍ. وإنَّما يُصَلِّي ما تَرَكَ فَقَطْ، فَإنْ قِيلَ حَقُّ العِبارَةِ أنْ يَقُولَ أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِها كَما قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها» “ قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿لِذِكْرِي﴾ مَعْناهُ لِلذِّكْرِ الحاصِلِ بِخَلْقِي أوْ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ أيْ لِذِكْرِ صَلاتِي. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لَوْ فاتَتْهُ صَلَواتٌ يُسْتَحَبُّ أنْ يَقْضِيَها عَلى تَرْتِيبِ الأداءِ فَلَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ في قَضائِها جازَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ولَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وقْتُ فَرِيضَةٍ وتَذَكَّرَ فائِتَةً نَظَرَ إنْ كانَ في الوَقْتِ سَعَةٌ اسْتُحِبَّ أنْ يَبْدَأ بِالفائِتَةِ ولَوْ بَدَأ بِصَلاةِ الوَقْتِ جازَ وإنْ ضاقَ الوَقْتُ بِحَيْثُ لَوْ بَدَأ بِالفائِتَةِ فاتَ الوَقْتُ يَجِبُ أنْ يَبْدَأ بِصَلاةِ الوَقْتِ حَتّى لا تَفُوتَ، ولَوْ تَذَكَّرَ الفائِتَةَ بَعْدَما شَرَعَ في صَلاةِ الوَقْتِ أتَمَّها ثُمَّ قَضى الفائِتَةَ ويُسْتَحَبُّ أنْ يُعِيدَ صَلاةَ الوَقْتِ بَعْدَها ولا يَجِبُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ في قَضاءِ الفَوائِتِ ما لَمْ تَزِدْ عَلى صَلاةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ حَتّى قالَ: لَوْ تَذَكَّرَ في خِلالِ صَلاةِ الوَقْتِ فائِتَةً تَرَكَها اليَوْمَ يَبْطُلُ فَرْضُ الوَقْتِ فَيَقْضِي الفائِتَةَ ثُمَّ يُعِيدُ صَلاةَ الوَقْتِ إلّا أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ضَيِّقًا فَلا تَبْطُلُ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الآيَةُ والخَبَرُ والأثَرُ والقِياسُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ أيْ لِتَذَكُّرِها واللّامُ بِمَعْنى عِنْدَ كَقَوْلِهِ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ عِنْدَ دُلُوكِها فَمَعْنى الآيَةِ أقِمِ الصَّلاةَ المُتَذَكَّرَةَ عِنْدَ تَذَكُّرِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي رِعايَةَ التَّرْتِيبِ وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها» “ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وأيْضًا رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ”«جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفّارَ قُرَيْشٍ، ويَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما صَلَّيْتُ صَلاةَ العَصْرِ حَتّى كادَتْ تَغِيبُ الشَّمْسُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ وأنا واللَّهِ ما صَلَّيْتُها بَعْدُ قالَ فَنَزَلَ إلى البَطْحاءِ وصَلّى العَصْرَ بَعْدَما غابَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ بَعْدَها» “ وهَذا الحَدِيثُ مَذْكُورٌ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» “ فَلَمّا صَلّى الفَوائِتَ عَلى الوَلاءِ وجَبَ عَلَيْنا ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إذا خَرَجَ مَخْرَجَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ كانَ حُجَّةً وهَذا الفِعْلُ خَرَجَ بَيانًا لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ولِهَذا قُلْنا إنَّ الفَوائِتَ إذا كانَتْ في حَدِّ القِلَّةِ يَجِبُ مُراعاةُ التَّرْتِيبِ فِيها وإذا دَخَلَتْ في حَدِّ الكَثْرَةِ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ، وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -أنَّهُ قالَ: ”مَن فاتَتْهُ صَلاةٌ فَلَمْ يَذْكُرْها إلّا في صَلاةِ الإمامِ فَلْيَمْضِ في صِلاتِهِ فَإذا قَضى صَلاتَهُ مَعَ الإمامِ يُصَلِّي ما فاتَهُ ثُمَّ لْيُعِدِ الَّتِي صَلّاها مَعَ الإمامِ“ وقَدْ يُرْوى هَذا مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّهُما صفحة ١٩ صَلاتانِ فَرِيضَتانِ جَمَعَهُما وقْتٌ واحِدٌ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، فَأشْبَهَتا صَلاتَيْ عَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجِبْ إسْقاطُ التَّرْتِيبِ فِيهِما وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الفَوائِتِ فِيما دُونَ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ كَذَلِكَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ رُوِيَ في حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ: ”«أنَّهم لَمّا نامُوا عَنْ صَلاةِ الفَجْرِ ثُمَّ انْتَبَهُوا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَقُودُوا رَواحِلَهم ثُمَّ صَلّاها» “ ولَوْ كانَ وقْتُ التَّذَكُّرِ مُعَيَّنًا لِلصَّلاةِ لَما جازَ ذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتٌ لِتَقَرُّرِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا عَلى سَبِيلِ التَّضْيِيقِ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إيجابُ قَضاءِ الفَوائِتِ وإيجابُ أداءِ فَرْضِ الوَقْتِ الحاضِرِ يَجْرِي مَجْرى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الواجِبَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ مُخَيَّرًا في تَقْدِيمِ أيِّهِما شاءَ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْتِيبُ في الفَوائِتِ شَرْطًا لَما سَقَطَ بِالنِّسْيانِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا صَلّى الظَّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفَةَ في يَوْمِ غَيْمٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ صَلّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوالِ والعَصْرَ بَعْدَ الزَّوالِ فَإنَّهُ يُعِيدُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَسْقُطِ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيانِ لَمّا كانَ شَرْطًا فِيهِما فَهَهُنا أيْضًا لَوْ كانَ شَرْطًا فِيهِما لَما كانَ يَسْقُطُ بِالنِّسْيانِ.

طه 20:15

قوله تعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ وما ألْيَقَ هَذا بِتَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ ﴿لِذِكْرِي﴾ أيْ لِأُذَكِّرَكَ بِالأمانَةِ والكَرامَةِ فَقالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ لِأنَّها وقْتُ الإثابَةِ ووَقْتُ المُجازاةِ ثُمَّ قالَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هو أنَّ (كادَ) نَفْيُهُ إثْباتٌ وإثْباتُهُ نَفْيٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] أيْ وفَعَلُوا ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ ما أخْفاها وذَلِكَ باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] . والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالإخْفاءِ لا بِالإظْهارِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ (كادَ) مَوْضُوعٌ لِلْمُقارَبَةِ فَقَطْ مِن غَيْرِ بَيانِ النَّفْيِ والإثْباتِ فَقَوْلُهُ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ مَعْناهُ قَرُبَ الأمْرُ فِيهِ مِنَ الإخْفاءِ وأمّا أنَّهُ هَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الإخْفاءُ أوْ ما حَصَلَ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَفادٍ مِنَ اللَّفْظِ بَلْ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَلِيقُ بِالإخْفاءِ لا بِالإظْهارِ. وثانِيها: أنَّ كادَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أنا أُخْفِيها عَنِ الخَلْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ هو قَرِيبٌ قالَهُ الحَسَنُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”أكادُ“ بِمَعْنى أُرِيدُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] ومِن أمْثالِهِمُ المُتَداوَلَةِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ ولا أكادُ أيْ ولا أُرِيدُ أنْ أفْعَلَهُ. ورابِعُها: مَعْناهُ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ مِن نَفْسِي وقِيلَ إنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي“ فَكَيْفَ أُعْلِنُها لَكم قالَ القاضِي هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإخْفاءَ إنَّما يَصِحُّ فِيمَن يَصْلُحُ لَهُ الإظْهارُ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ مَعْلُومٌ لَهُ فالإظْهارُ والإسْرارُ مِنهُ مُسْتَحِيلٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ عَلى التَّقْدِيرِ يَعْنِي لَوْ صَحَّ مِنِّي إخْفاؤُهُ عَلى نَفْسِي لَأخْفَيْتُهُ عَنِّي، والإخْفاءُ وإنْ كانَ مُحالًا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُبالَغَةً في عَدَمِ صفحة ٢٠ إطْلاعِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، قالَ قُطْرُبٌ: هَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي فاللَّهُ تَعالى بالَغَ في إخْفاءِ السّاعَةِ فَذَكَرَهُ بِأبْلَغِ ما تَعْرِفُهُ العَرَبُ في مِثْلِهِ. وخامِسُها: ”أكادُ“ صِلَةٌ في الكَلامِ والمَعْنى: ”إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أُخْفِيها“، قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحَهُ فَما إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ والمَعْنى فَما يَتَنَفَّسُ قِرْنُهُ. وسادِسُها: قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ ”أكادُ أُخْفِيها“ تَأْوِيلُهُ أكادُ أُظْهِرُها وتَلْخِيصُ هَذا اللَّفْظِ أكادُ أُزِيلُ عَنْها إخْفاءَها؛ لِأنَّ أفْعَلَ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى السَّلْبِ والنَّفْيِ كَقَوْلِكَ أعْجَمْتُ الكِتابَ وأشْكَلْتُهُ أيْ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ وإشْكالَهُ وأشْكَيْتُهُ أيْ أزَلْتُ شَكْواهُ. وسابِعُها: قُرِئَ أخْفِيها بِفَتْحِ الألِفِ أيْ أكادُ أُظْهِرُها مِن خَفاهُ إذا أظْهَرَهُ أيْ قَرُبَ إظْهارُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَمْنَعُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ أيْ لا نُظْهِرْهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ مَعْنى أكادُ أُظْهِرُها يُفِيدُ أنَّهُ قَدْ أخْفاها. وثامِنُها: أرادَ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ وانْقَطَعَ الكَلامُ ثُمَّ قالَ أُخْفِيها ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ الأوَّلُ إلى أنَّ الأوْلى الإخْفاءُ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ وهَذا الوَجْهُ بَعِيدٌ واللَّهُ أعْلَمُ. السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إخْفاءِ السّاعَةِ وإخْفاءِ وقْتِ المَوْتِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ قَبُولَ التَّوْبَةِ فَلَوْ عَرَفَ وقْتَ المَوْتِ لاشْتَغَلَ بِالمَعْصِيَةِ إلى قَرِيبٍ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ يَتُوبُ فَيَتَخَلَّصُ مِن عِقابِ المَعْصِيَةِ فَتَعْرِيفُ وقْتِ المَوْتِ كالإغْراءِ بِفِعْلِ المَعْصِيَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ وهو أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ عَنِ العاصِي، والمُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ وهو الَّذِي عَناهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٨] ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ مُسْتَحَقٌّ عَلى العَمَلِ؛ لِأنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِما تَسْعى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في ذَلِكَ الجَزاءِ هو ذَلِكَ السَّعْيُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجُّوا بِها عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ سَعْيِ العَبْدِ ولَوْ كانَ الكُلُّ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ سَعْيٌ البَتَّةَ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ فالصَّدُّ المَنعُ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذَيْنِ الضَّمِيرَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ أبُو مُسْلِمٍ لا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أيْ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي أمَرْتُكَ بِها مَن لا يُؤْمِنُ بِها أيْ بِالسّاعَةِ فالضَّمِيرُ الأوَّلُ عائِدٌ إلى الصَّلاةِ والثّانِي إلى السّاعَةِ، ومِثْلُ هَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ، فالعَرَبُ تَلُفُّ الخَبَرَيْنِ ثُمَّ تَرْمِي بِجَوابِهِما جُمْلَةً لِيَرُدَّ السّامِعُ إلى كُلِّ خَبَرٍ حَقَّهُ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنِ السّاعَةِ أيْ عَنِ الإيمانِ بِمَجِيئِها مَن لا يُؤْمِنُ بِها فالضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ وهَهُنا الأقْرَبُ هو السّاعَةُ وما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ فَإنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ولا ضَرُورَةَ هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ يَكُونَ مَعَ صفحة ٢١ مُحَمَّدٍ ﷺ والأقْرَبُ أنَّهُ مَعَ مُوسى؛ لِأنَّ الكَلامَ أجْمَعَ خِطابٌ لَهُ وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَلا مَعْنى لِقَوْلِ الزَّجّاجِ إنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ مَعَ النُّبُوَّةِ أنْ يَصُدَّهُ أحَدٌ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا بِذَلِكَ ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَّ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُكَلَّفًا بِأنْ لا يَقْبَلَ الكُفْرَ بِالسّاعَةِ مِن أحَدٍ وكانَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ جازَ أنْ يُخاطَبَ بِهِ ويَكُونَ المُرادُ هو وغَيْرَهُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ النَّهْيَ لَهُ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِمْ ومُقارَبَتِهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ نَهْيُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ ولَكِنْ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي نَهْيَ مَن لَمْ يُؤْمِن عَنْ صَدِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ صَدَّ الكافِرِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِها سَبَبٌ لِلتَّكْذِيبِ فَذَكَرَ السَّبَبَ لِيَدُلَّ عَلى المُسَبَّبِ. والثّانِي: أنَّ صَدَّ الكافِرِ مُسَبَّبٌ عَنْ رَخاوَةِ الرَّجُلِ في الدِّينِ فَذَكَرَ المُسَبَّبَ لِيَدُلَّ حَمْلُهُ عَلى السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا المُرادُ نَهْيُهُ عَنْ مُشاهَدَتِهِ والكَوْنِ بِحَضْرَتِهِ، فَكَذا هَهُنا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُنْ رَخْوًا بَلْ كُنْ في الدِّينِ شَدِيدًا صُلْبًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الأُصُولِ واجِبٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى صَلابَتِهِ في الدِّينِ وتِلْكَ الصَّلابَةُ إنْ كانَ المُرادُ بِها التَّقْلِيدَ لَمْ يَتَمَيَّزِ المُبْطِلُ فِيهِ مِنَ المُحِقِّ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الصَّلابَةِ كَوْنَهُ قَوِيًّا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وإزالَةِ الشُّبُهاتِ حَتّى لا يَتَمَكَّنَ الخَصْمُ مِن إزالَتِهِ عَنِ الدِّينِ بَلْ هو يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِن إزالَةِ المُبْطِلِ عَنْ بُطْلانِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِبادَ هُمُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ ولَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقَ لِأفْعالِهِمْ لَكانَ هو الصّادَّ دُونَهم فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالجَبْرِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِمَسْألَةِ العِلْمِ والدّاعِي واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ إنَّما أنْكَرَهُ اتِّباعًا لِلْهَوى لا لِدَلِيلٍ، وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ المُقَلِّدَ مُتَّبِعٌ لِلْهَوى لا الحُجَّةِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَرْدى﴾ فَهو بِمَعْنى ولا يَصُدَّنَّكَ فَتَرْدى وإنْ صَدُّوكَ وقَبِلْتَ فَلَيْسَ إلّا الهَلاكُ بِالنّارِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَوَغِّلِينَ في أسْرارِ المَعْرِفَةِ قالُوا: المَقامُ مَقامانِ: أحَدُهُما: مَقامُ المَحْوِ والفَناءِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: مَقامُ البَقاءِ بِاللَّهِ والأوَّلُ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَكْتُبَ شَيْئًا في لَوْحٍ مَشْغُولٍ بِكِتابَةٍ أُخْرى فَلا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ إلّا بِإزالَةِ الكِتابَةِ الأُولى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْكِنُ إثْباتُ الكِتابَةِ الثّانِيَةِ، والحَقُّ سُبْحانَهُ راعى هَذا التَّرْتِيبَ الحَسَنَ في هَذا البابِ؛ لِأنَّهُ قالَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ السِّرِّ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ بِتَحْصِيلِ ما يَجِبُ تَحْصِيلُهُ، وأُصُولُ هَذا البابِ تَرْجِعُ إلى ثَلاثَةٍ: عِلْمِ المَبْدَأِ، وعِلْمِ الوَسَطِ، وعِلْمِ المَعادِ. فَعِلْمُ المَبْدَأِ: هو مَعْرِفَةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ . وأمّا عِلْمُ الوَسَطِ: فَهو عِلْمُ العُبُودِيَّةِ ومَعْناها الأمْرُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَشْتَغِلَ الإنْسانُ بِهِ في هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ في هَذا أيْضًا تَعَثُّرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الجُسْمانِيَّةِ وقَوْلَهُ: ﴿لِذِكْرِي﴾ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الرُّوحانِيَّةِ، والعُبُودِيَّةُ أوَّلُها الأعْمالُ الجُسْمانِيَّةُ، وآخِرُها الأعْمالُ الرُّوحانِيَّةُ. وأمّا عِلْمُ المَعادِ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ هَذِهِ التَّكالِيفَ بِمَحْضِ اللُّطْفِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ واخْتَتَمَها بِمَحْضِ القَهْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ وإشارَةً إلى أنَّ العَبْدَ لا بُدَّ لَهُ في العُبُودِيَّةِ مِنَ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ والرَّجاءِ والخَوْفِ، وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْرِفُ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ هو النِّهايَةُ في الحُسْنِ والجَوْدَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.

طه 20:16

قوله تعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ وما ألْيَقَ هَذا بِتَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ ﴿لِذِكْرِي﴾ أيْ لِأُذَكِّرَكَ بِالأمانَةِ والكَرامَةِ فَقالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ لِأنَّها وقْتُ الإثابَةِ ووَقْتُ المُجازاةِ ثُمَّ قالَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هو أنَّ (كادَ) نَفْيُهُ إثْباتٌ وإثْباتُهُ نَفْيٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] أيْ وفَعَلُوا ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ ما أخْفاها وذَلِكَ باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] . والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالإخْفاءِ لا بِالإظْهارِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ (كادَ) مَوْضُوعٌ لِلْمُقارَبَةِ فَقَطْ مِن غَيْرِ بَيانِ النَّفْيِ والإثْباتِ فَقَوْلُهُ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ مَعْناهُ قَرُبَ الأمْرُ فِيهِ مِنَ الإخْفاءِ وأمّا أنَّهُ هَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الإخْفاءُ أوْ ما حَصَلَ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَفادٍ مِنَ اللَّفْظِ بَلْ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَلِيقُ بِالإخْفاءِ لا بِالإظْهارِ. وثانِيها: أنَّ كادَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أنا أُخْفِيها عَنِ الخَلْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ هو قَرِيبٌ قالَهُ الحَسَنُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”أكادُ“ بِمَعْنى أُرِيدُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] ومِن أمْثالِهِمُ المُتَداوَلَةِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ ولا أكادُ أيْ ولا أُرِيدُ أنْ أفْعَلَهُ. ورابِعُها: مَعْناهُ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ مِن نَفْسِي وقِيلَ إنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي“ فَكَيْفَ أُعْلِنُها لَكم قالَ القاضِي هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الإخْفاءَ إنَّما يَصِحُّ فِيمَن يَصْلُحُ لَهُ الإظْهارُ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ مَعْلُومٌ لَهُ فالإظْهارُ والإسْرارُ مِنهُ مُسْتَحِيلٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ عَلى التَّقْدِيرِ يَعْنِي لَوْ صَحَّ مِنِّي إخْفاؤُهُ عَلى نَفْسِي لَأخْفَيْتُهُ عَنِّي، والإخْفاءُ وإنْ كانَ مُحالًا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُبالَغَةً في عَدَمِ صفحة ٢٠ إطْلاعِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، قالَ قُطْرُبٌ: هَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي فاللَّهُ تَعالى بالَغَ في إخْفاءِ السّاعَةِ فَذَكَرَهُ بِأبْلَغِ ما تَعْرِفُهُ العَرَبُ في مِثْلِهِ. وخامِسُها: ”أكادُ“ صِلَةٌ في الكَلامِ والمَعْنى: ”إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أُخْفِيها“، قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحَهُ فَما إنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ والمَعْنى فَما يَتَنَفَّسُ قِرْنُهُ. وسادِسُها: قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ ”أكادُ أُخْفِيها“ تَأْوِيلُهُ أكادُ أُظْهِرُها وتَلْخِيصُ هَذا اللَّفْظِ أكادُ أُزِيلُ عَنْها إخْفاءَها؛ لِأنَّ أفْعَلَ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى السَّلْبِ والنَّفْيِ كَقَوْلِكَ أعْجَمْتُ الكِتابَ وأشْكَلْتُهُ أيْ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ وإشْكالَهُ وأشْكَيْتُهُ أيْ أزَلْتُ شَكْواهُ. وسابِعُها: قُرِئَ أخْفِيها بِفَتْحِ الألِفِ أيْ أكادُ أُظْهِرُها مِن خَفاهُ إذا أظْهَرَهُ أيْ قَرُبَ إظْهارُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَمْنَعُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ أيْ لا نُظْهِرْهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ مَعْنى أكادُ أُظْهِرُها يُفِيدُ أنَّهُ قَدْ أخْفاها. وثامِنُها: أرادَ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ وانْقَطَعَ الكَلامُ ثُمَّ قالَ أُخْفِيها ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ الأوَّلُ إلى أنَّ الأوْلى الإخْفاءُ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ وهَذا الوَجْهُ بَعِيدٌ واللَّهُ أعْلَمُ. السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إخْفاءِ السّاعَةِ وإخْفاءِ وقْتِ المَوْتِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ قَبُولَ التَّوْبَةِ فَلَوْ عَرَفَ وقْتَ المَوْتِ لاشْتَغَلَ بِالمَعْصِيَةِ إلى قَرِيبٍ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ يَتُوبُ فَيَتَخَلَّصُ مِن عِقابِ المَعْصِيَةِ فَتَعْرِيفُ وقْتِ المَوْتِ كالإغْراءِ بِفِعْلِ المَعْصِيَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ وهو أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ عَنِ العاصِي، والمُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ وهو الَّذِي عَناهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٨] ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ مُسْتَحَقٌّ عَلى العَمَلِ؛ لِأنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِما تَسْعى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في ذَلِكَ الجَزاءِ هو ذَلِكَ السَّعْيُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجُّوا بِها عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ سَعْيِ العَبْدِ ولَوْ كانَ الكُلُّ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ سَعْيٌ البَتَّةَ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ فالصَّدُّ المَنعُ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذَيْنِ الضَّمِيرَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ أبُو مُسْلِمٍ لا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أيْ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي أمَرْتُكَ بِها مَن لا يُؤْمِنُ بِها أيْ بِالسّاعَةِ فالضَّمِيرُ الأوَّلُ عائِدٌ إلى الصَّلاةِ والثّانِي إلى السّاعَةِ، ومِثْلُ هَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ، فالعَرَبُ تَلُفُّ الخَبَرَيْنِ ثُمَّ تَرْمِي بِجَوابِهِما جُمْلَةً لِيَرُدَّ السّامِعُ إلى كُلِّ خَبَرٍ حَقَّهُ. وثانِيهِما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنِ السّاعَةِ أيْ عَنِ الإيمانِ بِمَجِيئِها مَن لا يُؤْمِنُ بِها فالضَّمِيرانِ عائِدانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ وهَهُنا الأقْرَبُ هو السّاعَةُ وما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ فَإنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ولا ضَرُورَةَ هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ يَكُونَ مَعَ صفحة ٢١ مُحَمَّدٍ ﷺ والأقْرَبُ أنَّهُ مَعَ مُوسى؛ لِأنَّ الكَلامَ أجْمَعَ خِطابٌ لَهُ وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَلا مَعْنى لِقَوْلِ الزَّجّاجِ إنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ مَعَ النُّبُوَّةِ أنْ يَصُدَّهُ أحَدٌ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا بِذَلِكَ ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَّ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُكَلَّفًا بِأنْ لا يَقْبَلَ الكُفْرَ بِالسّاعَةِ مِن أحَدٍ وكانَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ جازَ أنْ يُخاطَبَ بِهِ ويَكُونَ المُرادُ هو وغَيْرَهُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ النَّهْيَ لَهُ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِمْ ومُقارَبَتِهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ نَهْيُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ ولَكِنْ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي نَهْيَ مَن لَمْ يُؤْمِن عَنْ صَدِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ صَدَّ الكافِرِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِها سَبَبٌ لِلتَّكْذِيبِ فَذَكَرَ السَّبَبَ لِيَدُلَّ عَلى المُسَبَّبِ. والثّانِي: أنَّ صَدَّ الكافِرِ مُسَبَّبٌ عَنْ رَخاوَةِ الرَّجُلِ في الدِّينِ فَذَكَرَ المُسَبَّبَ لِيَدُلَّ حَمْلُهُ عَلى السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا المُرادُ نَهْيُهُ عَنْ مُشاهَدَتِهِ والكَوْنِ بِحَضْرَتِهِ، فَكَذا هَهُنا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُنْ رَخْوًا بَلْ كُنْ في الدِّينِ شَدِيدًا صُلْبًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الأُصُولِ واجِبٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى صَلابَتِهِ في الدِّينِ وتِلْكَ الصَّلابَةُ إنْ كانَ المُرادُ بِها التَّقْلِيدَ لَمْ يَتَمَيَّزِ المُبْطِلُ فِيهِ مِنَ المُحِقِّ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الصَّلابَةِ كَوْنَهُ قَوِيًّا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وإزالَةِ الشُّبُهاتِ حَتّى لا يَتَمَكَّنَ الخَصْمُ مِن إزالَتِهِ عَنِ الدِّينِ بَلْ هو يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِن إزالَةِ المُبْطِلِ عَنْ بُطْلانِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِبادَ هُمُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ ولَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقَ لِأفْعالِهِمْ لَكانَ هو الصّادَّ دُونَهم فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالجَبْرِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِمَسْألَةِ العِلْمِ والدّاعِي واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ إنَّما أنْكَرَهُ اتِّباعًا لِلْهَوى لا لِدَلِيلٍ، وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ المُقَلِّدَ مُتَّبِعٌ لِلْهَوى لا الحُجَّةِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَرْدى﴾ فَهو بِمَعْنى ولا يَصُدَّنَّكَ فَتَرْدى وإنْ صَدُّوكَ وقَبِلْتَ فَلَيْسَ إلّا الهَلاكُ بِالنّارِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَوَغِّلِينَ في أسْرارِ المَعْرِفَةِ قالُوا: المَقامُ مَقامانِ: أحَدُهُما: مَقامُ المَحْوِ والفَناءِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: مَقامُ البَقاءِ بِاللَّهِ والأوَّلُ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَكْتُبَ شَيْئًا في لَوْحٍ مَشْغُولٍ بِكِتابَةٍ أُخْرى فَلا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ إلّا بِإزالَةِ الكِتابَةِ الأُولى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْكِنُ إثْباتُ الكِتابَةِ الثّانِيَةِ، والحَقُّ سُبْحانَهُ راعى هَذا التَّرْتِيبَ الحَسَنَ في هَذا البابِ؛ لِأنَّهُ قالَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ السِّرِّ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ بِتَحْصِيلِ ما يَجِبُ تَحْصِيلُهُ، وأُصُولُ هَذا البابِ تَرْجِعُ إلى ثَلاثَةٍ: عِلْمِ المَبْدَأِ، وعِلْمِ الوَسَطِ، وعِلْمِ المَعادِ. فَعِلْمُ المَبْدَأِ: هو مَعْرِفَةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ . وأمّا عِلْمُ الوَسَطِ: فَهو عِلْمُ العُبُودِيَّةِ ومَعْناها الأمْرُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَشْتَغِلَ الإنْسانُ بِهِ في هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ في هَذا أيْضًا تَعَثُّرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الجُسْمانِيَّةِ وقَوْلَهُ: ﴿لِذِكْرِي﴾ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الرُّوحانِيَّةِ، والعُبُودِيَّةُ أوَّلُها الأعْمالُ الجُسْمانِيَّةُ، وآخِرُها الأعْمالُ الرُّوحانِيَّةُ. وأمّا عِلْمُ المَعادِ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ هَذِهِ التَّكالِيفَ بِمَحْضِ اللُّطْفِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ واخْتَتَمَها بِمَحْضِ القَهْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ وإشارَةً إلى أنَّ العَبْدَ لا بُدَّ لَهُ في العُبُودِيَّةِ مِنَ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ والرَّجاءِ والخَوْفِ، وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْرِفُ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ هو النِّهايَةُ في الحُسْنِ والجَوْدَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.

طه 20:17

قوله تعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ لَفْظَتانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا، وقَوْلُهُ: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اليَدِ، وفي هَذا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أشارَ إلَيْهِما جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مُعْجِزًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا، ونَقَلَهُ مِن حَدِّ الجَمادِيَّةِ إلى مَقامِ الكَرامَةِ، فَإذا صارَ الجَمادُ بِالنَّظَرِ الواحِدِ حَيَوانًا، وصارَ الجِسْمُ الكَثِيفُ نُورانِيًّا لَطِيفًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْظُرُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ نَظْرَةً إلى قَلْبِ العَبْدِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُهُ مِن مَوْتِ العِصْيانِ إلى سَعادَةِ الطّاعَةِ ونُورِ المَعْرِفَةِ. وثانِيها: أنَّ بِالنَّظَرِ الواحِدِ صارَ الجَمادُ ثُعْبانًا يَبْتَلِعُ سِحْرَ السَّحَرَةِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوْ صارَ القَلْبُ بِمَدَدِ النَّظَرِ الإلَهِيِّ بِحَيْثُ يَبْتَلِعُ سِحْرَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. وثالِثُها: كانَتِ العَصا في يَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبِسَبَبِ بَرَكَةِ يَمِينِهِ انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا وبُرْهانًا، وقَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ فَإذا حَصَلَتْ لِيَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ الكَرامَةُ والبَرَكَةُ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُ المُؤْمِنِ بِسَبَبِ إصْبَعِي الرَّحْمَنِ مِن ظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ العُبُودِيَّةِ. ثُمَّ هَهُنا سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ سُؤالٌ، والسُّؤالُ إنَّما يَكُونُ لِطَلَبِ العِلْمِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ والجَوابُ فِيهِ فَوائِدُ: إحْداها: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ شَيْئًا شَرِيفًا فَإنَّهُ يَأْخُذُهُ ويَعْرِضُهُ عَلى الحاضِرِينَ ويَقُولُ لَهم: هَذا ما هو ؟ فَيَقُولُونَ هَذا هو الشَّيْءُ الفُلانِيُّ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ إظْهارِ صِفَتِهِ الفائِقَةِ فِيهِ يَقُولُ لَهم خُذا مِنهُ كَذا وكَذا. فاللَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ العَصا تِلْكَ الآياتِ الشَّرِيفَةَ كانْقِلابِها حَيَّةً، وكَضَرْبِهِ البَحْرَ حَتّى انْفَلَقَ، وفي الحَجَرِ حَتّى انْفَجَرَ مِنهُ الماءُ، عَرَضَهُ أوَّلًا عَلى مُوسى فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: يا مُوسى هَلْ تَعْرِفُ حَقِيقَةَ هَذا الَّذِي بِيَدِكَ وأنَّهُ خَشَبَةٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ثُمَّ إنَّهُ قَلَبَهُ ثُعْبانًا عَظِيمًا، فَيَكُونُ بِهَذا الطَّرِيقِ قَدْ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ عَظَمَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أظْهَرَ هَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةَ مِن أهْوَنِ الأشْياءِ عِنْدَهُ، فَهَذا هو الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ . وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أطْلَعَهُ عَلى تِلْكَ الأنْوارِ المُتَصاعِدَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وأسْمَعَهُ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ثُمَّ أسْمَعَهُ كَلامَ نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّهُ مَزَجَ اللُّطْفَ بِالقَهْرِ فَلاطَفَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ ثُمَّ قَهَرَهُ بِإيرادِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ عَلَيْهِ وإلْزامِهِ عِلْمَ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمَعادِ ثُمَّ خَتَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّهْدِيدِ العَظِيمِ، تَحَيَّرَ مُوسى ودَهِشَ وكادَ لا يَعْرِفُ اليَمِينَ مِنَ الشِّمالِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ لِيَعْرِفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ يَمِينَهُ هي الَّتِي فِيها العَصا، أوْ لِأنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ مَعَهُ أوَّلًا بِكَلامِ الإلَهِيَّةِ وتَحَيَّرَ مُوسى مِنَ الدَّهْشَةِ تَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلامِ البَشَرِ إزالَةً لِتِلْكَ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّهُ لَمّا غَلَبَتِ الدَّهْشَةُ عَلى مُوسى في الحَضْرَةِ أرادَ رَبُّ العِزَّةِ إزالَتَها فَسَألَهُ عَنِ العَصا وهو لا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ. كَذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا ماتَ ووَصَلَ إلى حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ فالدَّهْشَةُ تَغْلِبُهُ، والحَياءُ يَمْنَعُهُ عَنِ الكَلامِ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لَمْ يَغْلَطْ فِيهِ في الدُّنْيا وهو التَّوْحِيدُ، فَإذا ذَكَرَهُ زالَتِ الدَّهْشَةُ والوَحْشَةُ عَنْهُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَ مُوسى كَمالَ الإلَهِيَّةِ صفحة ٢٣ أرادَ أنْ يُعَرِّفَهُ نُقْصانَ البَشَرِيَّةِ، فَسَألَهُ عَنْ مَنافِعِ العَصا فَذَكَرَ بَعْضَها فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيها مَنافِعَ أعْظَمَ مِمّا ذَكَرَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفاتِ النَّبِيِّ الحاضِرِ فَلَوْلا التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ أجَلِّ الأشْياءِ وأعْظَمِها. ورابِعُها: فائِدَةُ هَذا السُّؤالِ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ خَشَبَةٌ حَتّى إذا قَلَبَها ثُعْبانًا لا يَخافُها. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا واسِطَةٍ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُوسى أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ. الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَما خاطَبَ مُوسى فَقَدْ خاطَبَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْشاهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ، والَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ سِرًّا لَمْ يَسْتَأْهِلْ لَهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ. والثّانِي: إنْ كانَ مُوسى تَكَلَّمَ مَعَهُ وهو [ تَكَلَّمَ ] مَعَ مُوسى فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخاطِبُونَ اللَّهَ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ عَلى ما قالَ ﷺ: ”«المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ» “ والرَّبُّ يَتَكَلَّمُ مَعَ آحادِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ بِالتَّسْلِيمِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ الجَوابُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تِلْكَ بِيَمِينِكَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في انْتِصابِ الحالِ بِمَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تِلْكَ“ اسْمًا مَوْصُولًا وصِلَتُهُ ”بِيَمِينِكَ“ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وما الَّتِي بِيَمِينِكَ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ ما هَذِهِ الَّتِي في يَمِينِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا سَألَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ ذَلِكَ أجابَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، ثَلاثَةٌ عَلى التَّفْصِيلِ وواحِدٌ عَلى الإجْمالِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ”هي عَصى“ ومِثْلُها: ﴿يابُشْرى﴾ [يُوسُفَ: ١٩] وقَرَأ الحَسَنُ ”هي عَصايْ“ بِسُكُونِ الياءِ، والنُّكَتُ هَهُنا ثَلاثَةٌ: إحْداها: أنَّهُ قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ فَذَكَرَ العَصا ومَن كانَ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِالعَصا ومَنافِعِها كَيْفَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا في بَحْرِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ ولَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عُرِضَ عَلَيْهِ الجَنَّةُ والنّارُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ولَمّا قِيلَ لَهُ امْدَحْنا، قالَ: ”«لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» “ ثُمَّ نَسِيَ نَفْسَهُ ونَسِيَ ثَناءَهُ فَقالَ: ”«أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» “ . وثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿عَصايَ﴾ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألْقِها﴾، فَلَمّا ألْقاها ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ لِيَعْرِفَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فالِالتِفاتُ إلَيْهِ شاغِلٌ، وهو كالحَيَّةِ المُهْلِكَةِ لَكَ. ولِهَذا قالَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧ ] وفي الحَدِيثِ: ”«يُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِصاحِبِ المالِ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ ويُؤْتى بِذَلِكَ المالِ عَلى صُورَةِ شُجاعٍ أقْرَعَ» “ الحَدِيثَ بِتَمامِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هي عَصايَ فَقَدْ تَمَّ الجَوابُ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ الوُجُوهَ الأُخَرَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُحِبُّ المُكالَمَةَ مَعَ رَبِّهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ كالوَسِيلَةِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ والتَّوَكِّي، والِاتِّكاءُ، واحِدٌ كالتَّوَقِّي، والاتِّقاءِ، مَعْناهُ أعْتَمِدُ عَلَيْها إذا عَيِيتُ أوْ وقَفْتُ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ أوْ عِنْدَ الطَّفْرَةِ فَجَعَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَفْسَهُ مُتَوَكِّئًا عَلى العَصا، وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ”اتَّكِئْ عَلى رَحْمَتِي“ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] يَقْتَضِي كَوْنَ مُحَمَّدٍ يَتَوَكَّأُ عَلى المُؤْمِنِينَ ؟ قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] والمَعْنى اللَّهُ حَسْبُكَ، وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أيْ أخْبِطُ بِها فَأضْرِبُ أغْصانَ الشَّجَرِ لِيَسْقُطَ ورَقُها عَلى غَنَمِي فَتَأْكُلُهُ. وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هَشَّ عَلى غَنَمِهِ، يَهُشُّ بِضَمِّ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَشْتُ الرَّجُلَ أهَشُّ بِفَتْحِ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَّ الرَّغِيفَ يَهِشُّ بِكَسْرِ الهاءِ. قالَهُ ثَعْلَبٌ، وقَرَأ صفحة ٢٤ عِكْرِمَةُ: ”وأهِسُّ“ بِالسِّينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، والهَشُّ زَجْرُ الغَنَمِ، واعْلَمْ أنَّ غَنَمَهُ رَعِيَّتُهُ فَبَدَأ بِمَصالِحِ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ ثُمَّ بِمَصالِحِ رَعِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ فَكَذَلِكَ في القِيامَةِ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فَيَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي ومُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ في الدُّنْيا إلّا بِإصْلاحِ أمْرِ الأُمَّةِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ”اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ“ فَلا جَرَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْدَأُ أيْضًا بِأُمَّتِهِ فَيَقُولُ: ”أُمَّتِي أُمَّتِي“ . والرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ حَوائِجُ ومَنافِعُ واحِدَتُها مَأْرَبَةٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ وقُطْرُبٌ بِكَسْرِ الرّاءِ أيْضًا، والأرَبُ بِفَتْحِ الرّاءِ، والإرْبَةُ بِكَسْرِ الألِفِ وسُكُونِ الرّاءِ الحاجَةُ، وإنَّما قالَ أُخْرى؛ لِأنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى ولَوْ جاءَتْ أُخَرُ لَكانَ صَوابًا كَما قالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ هَهُنا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ أسْرارًا عَظِيمَةً فَذَكَرَ ما عَرَفَ وعَبَّرَ عَنِ البَواقِي الَّتِي ما عَرَفَها إجْمالًا لا تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ . وثانِيها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَسَّ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما سَألَهُ عَنْ أمْرِ العَصا لِمَنافِعَ عَظِيمَةٍ. فَقالَ مُوسى: إلَهِي ما هَذِهِ العَصا إلّا كَغَيْرِها، لَكِنَّكَ لَمّا سَألْتَ عَنْها عَرَفْتُ أنَّ لِيَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى، ومِن جُمْلَتِها أنَّكَ كَلَّمْتَنِي بِسَبَبِها فَوَجَدْتُ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ الشَّرِيفَ بِسَبَبِها. وثالِثُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أجْمَلَ رَجاءَ أنْ يَسْألَهُ رَبُّهُ عَنْ تِلْكَ المَآرِبِ فَيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مَرَّةً أُخْرى، ويَطُولَ أمْرُ المُكالَمَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهُ بِسَبَبِ اللُّطْفِ انْطَلَقَ لِسانُهُ ثُمَّ غَلَبَتْهُ الدَّهْشَةُ فانْقَطَعَ لِسانُهُ وتَشَوَّشَ فِكْرُهُ فَأجْمَلَ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ قالَ وهَبٌ: كانَتْ ذاتَ شُعْبَتَيْنِ كالمِحْجَنِ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا حاوَلَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، [ و] إذا سارَ وضَعَها عَلى عاتِقِهِ يُعَلِّقُ فِيها أدَواتِهِ مِنَ القَوْسِ والكِنانَةِ والثِّيابِ، وإذا كانَ في البَرِّيَّةِ رَكَزَها وألْقى كِساءً عَلَيْها فَكانَتْ ظِلًّا. وقِيلَ: كانَ فِيها مِنَ المُعْجِزاتِ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي بِها فَتَطُولُ بِطُولِ البِئْرِ وتَصِيرُ شُعْبَتاها دَلْوًا ويَصِيرانِ شَمْعَتَيْنِ في اللَّيالِي، وإذا ظَهَرَ عَدُوٌّ حارَبَتْ عَنْهُ. وإذا اشْتَهى ثَمَرَةً رَكَزَها فَأوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ. وكانَ يَحْمِلُ عَلَيْها زادَهُ وماءَهُ وكانَتْ تُماشِيهِ ويَرْكِزُها فَيَنْبُعُ الماءُ فَإذا رَفَعَها نَضَبَ وكانَتْ تَقِيهِ الهَوامَّ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجَواباتِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ وفِيهِ نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قالَ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أرادَ اللَّهُ أنْ يُعَرِّفَهُ أنَّ فِيها مَأْرَبَةً أُخْرى لا يَفْطَنُ لَها ولا يَعْرِفُها وأنَّها أعْظَمُ مِن سائِرِ مَآرِبِهِ فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ . وثانِيَتُها: كانَ في رِجْلِهِ شَيْءٌ وهو النَّعْلُ وفي يَدِهِ شَيْءٌ وهو العَصا، والرِّجْلُ آلَةُ الهَرَبِ واليَدُ آلَةُ الطَّلَبِ فَقالَ أوَّلًا: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةً إلى تَرْكِ الهَرَبِ، ثُمَّ قالَ ألْقِها يا مُوسى وهو إشارَةٌ إلى تَرْكِ الطَّلَبِ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّكَ ما دُمْتَ في مَقامِ الهَرَبِ والطَّلَبِ كُنْتَ مُشْتَغِلًا بِنَفْسِكَ وطالِبًا لِحَظِّكَ فَلا تَكُونُ خالِصًا لِمَعْرِفَتِي فَكُنْ تارِكًا لِلْهَرَبِ والطَّلَبِ لِتَكُونَ خالِصًا لِي. وثالِثَتُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وكَمالِ مَنقَبَتِهِ، لَمّا وصَلَ إلى الحَضْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا النَّعْلانِ والعَصا أمَرَهُ بِإلْقائِهِما حَتّى أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ فَأنْتَ مَعَ ألْفِ وقْرٍ مِنَ المَعاصِي كَيْفَ يُمْكِنُكَ الوُصُولُ إلى جَنابِهِ. ورابِعَتُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ مُجَرَّدًا عَنِ الكُلِّ ما زاغَ البَصَرُ فَلا جَرَمَ وجَدَ الكُلَّ لَعَمْرُكَ، أمّا مُوسى لَمّا بَقِيَ مَعَهُ تِلْكَ العَصا لا جَرَمَ أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا. واعْلَمْ أنَّ الكَعْبِيَّ تَمَسَّكَ بِهِ في أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ فَقالَ: القُدْرَةُ عَلى إلْقاءِ العَصا، إمّا أنْ تُوجَدَ والعَصا في يَدِهِ أوْ خارِجَةٌ مِن يَدِهِ فَإنْ أتَتْهُ القُدْرَةُ وهي في يَدِهِ فَذاكَ قَوْلُنا: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] وإذا أتَتْهُ ولَيْسَتْ في يَدِهِ وإنَّما اسْتَطاعَ أنْ يُلْقِيَ مِن يَدِهِ ما لَيْسَ في يَدِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ: صفحة ٢٥ السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في قَلْبِ العَصا حَيَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَلَبَها حَيَّةً لِتَكُونَ مُعْجِزَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْرِفُ بِها نُبُوَّةَ نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الوَقْتِ ما سَمِعَ إلّا النِّداءَ، والنِّداءُ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْعاداتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ المَلائِكَةِ أوِ الجِنِّ فَلا جَرَمَ قَلَبَ اللَّهُ العَصا حَيَّةً؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا قاهِرًا والعَجَبُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: أتَوَكَّأُ عَلَيْها فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ وجَعَلَها مُتَّكَأً لَهُ بِأنْ جَعَلَها مُعْجِزَةً لَهُ. وثانِيها: أنَّ النِّداءَ كانَ إكْرامًا لَهُ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً مَزِيدًا في الكَرامَةِ؛ لِيَكُونَ تَوالِي الخَلْعِ والكَراماتِ سَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ لِيُشاهِدَهُ أوَّلًا فَإذا شاهَدَهُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لا يَخافُهُ. ورابِعُها: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَقِيرًا ثُمَّ إنَّهُ نُصِّبَ لِلْمَنصِبِ العَظِيمِ فَلَعَلَّهُ بَقِيَ في قَلْبِهِ تَعَجُّبٌ مِن ذَلِكَ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنِّي لَمّا قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مِنِّي نُصْرَةُ مِثْلِكَ في إظْهارِ الدِّينِ. وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فَقِيلَ لَهُ ألْقِها فَلَمّا ألْقاها وصارَتْ حَيَّةً فَرَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنها فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادَّعَيْتَ أنَّها عَصاكَ وأنَّ لَكَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى فَلِمَ تَفِرُّ مِنها، تَنْبِيهًا عَلى سِرِّ قَوْلِهِ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وقَوْلِهِ؛ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] . السُّؤالُ الثّانِي: قالَ هَهُنا ”حَيَّةٌ“ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُعْبانٌ وجانٌّ، أمّا الحَيَّةُ فاسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وأمّا الثُّعْبانُ والجانُّ فَبَيْنَهُما تَنافٍ؛ لِأنَّ الثُّعْبانَ العَظِيمَ مِنَ الحَيّاتِ والجانَّ الدَّقِيقُ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ وقْتَ انْقِلابِها حَيَّةً صَغِيرَةً دَقِيقَةً ثُمَّ تَوَرَّمَتْ وتَزايَدَ جِرْمُها حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا فَأُرِيدَ بِالجانِّ أوَّلُ حالِها وبِالثُّعْبانِ مَآلُها. والثّانِي: أنَّها كانَتْ في شَخْصِ الثُّعْبانِ وسُرْعَةِ حَرَكَةِ الجانِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النَّمْلِ: ١٠] . السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ كانَتْ صِفَةُ الحَيَّةِ ؟ الجَوابُ كانَ لَها عُرْفٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، وكانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، وابْتَلَعَتْ كُلَّ ما مَرَّتْ بِهِ مِنَ الصُّخُورِ والأشْجارِ حَتّى سَمِعَ مُوسى صَرِيرَ الحَجَرِ في فَمِها وجَوْفِها.

طه 20:18

قوله تعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ لَفْظَتانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا، وقَوْلُهُ: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اليَدِ، وفي هَذا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أشارَ إلَيْهِما جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مُعْجِزًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا، ونَقَلَهُ مِن حَدِّ الجَمادِيَّةِ إلى مَقامِ الكَرامَةِ، فَإذا صارَ الجَمادُ بِالنَّظَرِ الواحِدِ حَيَوانًا، وصارَ الجِسْمُ الكَثِيفُ نُورانِيًّا لَطِيفًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْظُرُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ نَظْرَةً إلى قَلْبِ العَبْدِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُهُ مِن مَوْتِ العِصْيانِ إلى سَعادَةِ الطّاعَةِ ونُورِ المَعْرِفَةِ. وثانِيها: أنَّ بِالنَّظَرِ الواحِدِ صارَ الجَمادُ ثُعْبانًا يَبْتَلِعُ سِحْرَ السَّحَرَةِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوْ صارَ القَلْبُ بِمَدَدِ النَّظَرِ الإلَهِيِّ بِحَيْثُ يَبْتَلِعُ سِحْرَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. وثالِثُها: كانَتِ العَصا في يَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبِسَبَبِ بَرَكَةِ يَمِينِهِ انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا وبُرْهانًا، وقَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ فَإذا حَصَلَتْ لِيَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ الكَرامَةُ والبَرَكَةُ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُ المُؤْمِنِ بِسَبَبِ إصْبَعِي الرَّحْمَنِ مِن ظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ العُبُودِيَّةِ. ثُمَّ هَهُنا سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ سُؤالٌ، والسُّؤالُ إنَّما يَكُونُ لِطَلَبِ العِلْمِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ والجَوابُ فِيهِ فَوائِدُ: إحْداها: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ شَيْئًا شَرِيفًا فَإنَّهُ يَأْخُذُهُ ويَعْرِضُهُ عَلى الحاضِرِينَ ويَقُولُ لَهم: هَذا ما هو ؟ فَيَقُولُونَ هَذا هو الشَّيْءُ الفُلانِيُّ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ إظْهارِ صِفَتِهِ الفائِقَةِ فِيهِ يَقُولُ لَهم خُذا مِنهُ كَذا وكَذا. فاللَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ العَصا تِلْكَ الآياتِ الشَّرِيفَةَ كانْقِلابِها حَيَّةً، وكَضَرْبِهِ البَحْرَ حَتّى انْفَلَقَ، وفي الحَجَرِ حَتّى انْفَجَرَ مِنهُ الماءُ، عَرَضَهُ أوَّلًا عَلى مُوسى فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: يا مُوسى هَلْ تَعْرِفُ حَقِيقَةَ هَذا الَّذِي بِيَدِكَ وأنَّهُ خَشَبَةٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ثُمَّ إنَّهُ قَلَبَهُ ثُعْبانًا عَظِيمًا، فَيَكُونُ بِهَذا الطَّرِيقِ قَدْ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ عَظَمَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أظْهَرَ هَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةَ مِن أهْوَنِ الأشْياءِ عِنْدَهُ، فَهَذا هو الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ . وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أطْلَعَهُ عَلى تِلْكَ الأنْوارِ المُتَصاعِدَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وأسْمَعَهُ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ثُمَّ أسْمَعَهُ كَلامَ نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّهُ مَزَجَ اللُّطْفَ بِالقَهْرِ فَلاطَفَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ ثُمَّ قَهَرَهُ بِإيرادِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ عَلَيْهِ وإلْزامِهِ عِلْمَ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمَعادِ ثُمَّ خَتَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّهْدِيدِ العَظِيمِ، تَحَيَّرَ مُوسى ودَهِشَ وكادَ لا يَعْرِفُ اليَمِينَ مِنَ الشِّمالِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ لِيَعْرِفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ يَمِينَهُ هي الَّتِي فِيها العَصا، أوْ لِأنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ مَعَهُ أوَّلًا بِكَلامِ الإلَهِيَّةِ وتَحَيَّرَ مُوسى مِنَ الدَّهْشَةِ تَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلامِ البَشَرِ إزالَةً لِتِلْكَ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّهُ لَمّا غَلَبَتِ الدَّهْشَةُ عَلى مُوسى في الحَضْرَةِ أرادَ رَبُّ العِزَّةِ إزالَتَها فَسَألَهُ عَنِ العَصا وهو لا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ. كَذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا ماتَ ووَصَلَ إلى حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ فالدَّهْشَةُ تَغْلِبُهُ، والحَياءُ يَمْنَعُهُ عَنِ الكَلامِ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لَمْ يَغْلَطْ فِيهِ في الدُّنْيا وهو التَّوْحِيدُ، فَإذا ذَكَرَهُ زالَتِ الدَّهْشَةُ والوَحْشَةُ عَنْهُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَ مُوسى كَمالَ الإلَهِيَّةِ صفحة ٢٣ أرادَ أنْ يُعَرِّفَهُ نُقْصانَ البَشَرِيَّةِ، فَسَألَهُ عَنْ مَنافِعِ العَصا فَذَكَرَ بَعْضَها فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيها مَنافِعَ أعْظَمَ مِمّا ذَكَرَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفاتِ النَّبِيِّ الحاضِرِ فَلَوْلا التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ أجَلِّ الأشْياءِ وأعْظَمِها. ورابِعُها: فائِدَةُ هَذا السُّؤالِ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ خَشَبَةٌ حَتّى إذا قَلَبَها ثُعْبانًا لا يَخافُها. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا واسِطَةٍ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُوسى أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ. الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَما خاطَبَ مُوسى فَقَدْ خاطَبَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْشاهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ، والَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ سِرًّا لَمْ يَسْتَأْهِلْ لَهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ. والثّانِي: إنْ كانَ مُوسى تَكَلَّمَ مَعَهُ وهو [ تَكَلَّمَ ] مَعَ مُوسى فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخاطِبُونَ اللَّهَ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ عَلى ما قالَ ﷺ: ”«المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ» “ والرَّبُّ يَتَكَلَّمُ مَعَ آحادِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ بِالتَّسْلِيمِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ الجَوابُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تِلْكَ بِيَمِينِكَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في انْتِصابِ الحالِ بِمَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تِلْكَ“ اسْمًا مَوْصُولًا وصِلَتُهُ ”بِيَمِينِكَ“ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وما الَّتِي بِيَمِينِكَ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ ما هَذِهِ الَّتِي في يَمِينِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا سَألَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ ذَلِكَ أجابَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، ثَلاثَةٌ عَلى التَّفْصِيلِ وواحِدٌ عَلى الإجْمالِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ”هي عَصى“ ومِثْلُها: ﴿يابُشْرى﴾ [يُوسُفَ: ١٩] وقَرَأ الحَسَنُ ”هي عَصايْ“ بِسُكُونِ الياءِ، والنُّكَتُ هَهُنا ثَلاثَةٌ: إحْداها: أنَّهُ قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ فَذَكَرَ العَصا ومَن كانَ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِالعَصا ومَنافِعِها كَيْفَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا في بَحْرِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ ولَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عُرِضَ عَلَيْهِ الجَنَّةُ والنّارُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ولَمّا قِيلَ لَهُ امْدَحْنا، قالَ: ”«لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» “ ثُمَّ نَسِيَ نَفْسَهُ ونَسِيَ ثَناءَهُ فَقالَ: ”«أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» “ . وثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿عَصايَ﴾ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألْقِها﴾، فَلَمّا ألْقاها ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ لِيَعْرِفَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فالِالتِفاتُ إلَيْهِ شاغِلٌ، وهو كالحَيَّةِ المُهْلِكَةِ لَكَ. ولِهَذا قالَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧ ] وفي الحَدِيثِ: ”«يُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِصاحِبِ المالِ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ ويُؤْتى بِذَلِكَ المالِ عَلى صُورَةِ شُجاعٍ أقْرَعَ» “ الحَدِيثَ بِتَمامِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هي عَصايَ فَقَدْ تَمَّ الجَوابُ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ الوُجُوهَ الأُخَرَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُحِبُّ المُكالَمَةَ مَعَ رَبِّهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ كالوَسِيلَةِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ والتَّوَكِّي، والِاتِّكاءُ، واحِدٌ كالتَّوَقِّي، والاتِّقاءِ، مَعْناهُ أعْتَمِدُ عَلَيْها إذا عَيِيتُ أوْ وقَفْتُ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ أوْ عِنْدَ الطَّفْرَةِ فَجَعَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَفْسَهُ مُتَوَكِّئًا عَلى العَصا، وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ”اتَّكِئْ عَلى رَحْمَتِي“ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] يَقْتَضِي كَوْنَ مُحَمَّدٍ يَتَوَكَّأُ عَلى المُؤْمِنِينَ ؟ قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] والمَعْنى اللَّهُ حَسْبُكَ، وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أيْ أخْبِطُ بِها فَأضْرِبُ أغْصانَ الشَّجَرِ لِيَسْقُطَ ورَقُها عَلى غَنَمِي فَتَأْكُلُهُ. وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هَشَّ عَلى غَنَمِهِ، يَهُشُّ بِضَمِّ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَشْتُ الرَّجُلَ أهَشُّ بِفَتْحِ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَّ الرَّغِيفَ يَهِشُّ بِكَسْرِ الهاءِ. قالَهُ ثَعْلَبٌ، وقَرَأ صفحة ٢٤ عِكْرِمَةُ: ”وأهِسُّ“ بِالسِّينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، والهَشُّ زَجْرُ الغَنَمِ، واعْلَمْ أنَّ غَنَمَهُ رَعِيَّتُهُ فَبَدَأ بِمَصالِحِ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ ثُمَّ بِمَصالِحِ رَعِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ فَكَذَلِكَ في القِيامَةِ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فَيَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي ومُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ في الدُّنْيا إلّا بِإصْلاحِ أمْرِ الأُمَّةِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ”اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ“ فَلا جَرَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْدَأُ أيْضًا بِأُمَّتِهِ فَيَقُولُ: ”أُمَّتِي أُمَّتِي“ . والرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ حَوائِجُ ومَنافِعُ واحِدَتُها مَأْرَبَةٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ وقُطْرُبٌ بِكَسْرِ الرّاءِ أيْضًا، والأرَبُ بِفَتْحِ الرّاءِ، والإرْبَةُ بِكَسْرِ الألِفِ وسُكُونِ الرّاءِ الحاجَةُ، وإنَّما قالَ أُخْرى؛ لِأنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى ولَوْ جاءَتْ أُخَرُ لَكانَ صَوابًا كَما قالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ هَهُنا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ أسْرارًا عَظِيمَةً فَذَكَرَ ما عَرَفَ وعَبَّرَ عَنِ البَواقِي الَّتِي ما عَرَفَها إجْمالًا لا تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ . وثانِيها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَسَّ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما سَألَهُ عَنْ أمْرِ العَصا لِمَنافِعَ عَظِيمَةٍ. فَقالَ مُوسى: إلَهِي ما هَذِهِ العَصا إلّا كَغَيْرِها، لَكِنَّكَ لَمّا سَألْتَ عَنْها عَرَفْتُ أنَّ لِيَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى، ومِن جُمْلَتِها أنَّكَ كَلَّمْتَنِي بِسَبَبِها فَوَجَدْتُ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ الشَّرِيفَ بِسَبَبِها. وثالِثُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أجْمَلَ رَجاءَ أنْ يَسْألَهُ رَبُّهُ عَنْ تِلْكَ المَآرِبِ فَيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مَرَّةً أُخْرى، ويَطُولَ أمْرُ المُكالَمَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهُ بِسَبَبِ اللُّطْفِ انْطَلَقَ لِسانُهُ ثُمَّ غَلَبَتْهُ الدَّهْشَةُ فانْقَطَعَ لِسانُهُ وتَشَوَّشَ فِكْرُهُ فَأجْمَلَ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ قالَ وهَبٌ: كانَتْ ذاتَ شُعْبَتَيْنِ كالمِحْجَنِ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا حاوَلَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، [ و] إذا سارَ وضَعَها عَلى عاتِقِهِ يُعَلِّقُ فِيها أدَواتِهِ مِنَ القَوْسِ والكِنانَةِ والثِّيابِ، وإذا كانَ في البَرِّيَّةِ رَكَزَها وألْقى كِساءً عَلَيْها فَكانَتْ ظِلًّا. وقِيلَ: كانَ فِيها مِنَ المُعْجِزاتِ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي بِها فَتَطُولُ بِطُولِ البِئْرِ وتَصِيرُ شُعْبَتاها دَلْوًا ويَصِيرانِ شَمْعَتَيْنِ في اللَّيالِي، وإذا ظَهَرَ عَدُوٌّ حارَبَتْ عَنْهُ. وإذا اشْتَهى ثَمَرَةً رَكَزَها فَأوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ. وكانَ يَحْمِلُ عَلَيْها زادَهُ وماءَهُ وكانَتْ تُماشِيهِ ويَرْكِزُها فَيَنْبُعُ الماءُ فَإذا رَفَعَها نَضَبَ وكانَتْ تَقِيهِ الهَوامَّ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجَواباتِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ وفِيهِ نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قالَ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أرادَ اللَّهُ أنْ يُعَرِّفَهُ أنَّ فِيها مَأْرَبَةً أُخْرى لا يَفْطَنُ لَها ولا يَعْرِفُها وأنَّها أعْظَمُ مِن سائِرِ مَآرِبِهِ فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ . وثانِيَتُها: كانَ في رِجْلِهِ شَيْءٌ وهو النَّعْلُ وفي يَدِهِ شَيْءٌ وهو العَصا، والرِّجْلُ آلَةُ الهَرَبِ واليَدُ آلَةُ الطَّلَبِ فَقالَ أوَّلًا: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةً إلى تَرْكِ الهَرَبِ، ثُمَّ قالَ ألْقِها يا مُوسى وهو إشارَةٌ إلى تَرْكِ الطَّلَبِ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّكَ ما دُمْتَ في مَقامِ الهَرَبِ والطَّلَبِ كُنْتَ مُشْتَغِلًا بِنَفْسِكَ وطالِبًا لِحَظِّكَ فَلا تَكُونُ خالِصًا لِمَعْرِفَتِي فَكُنْ تارِكًا لِلْهَرَبِ والطَّلَبِ لِتَكُونَ خالِصًا لِي. وثالِثَتُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وكَمالِ مَنقَبَتِهِ، لَمّا وصَلَ إلى الحَضْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا النَّعْلانِ والعَصا أمَرَهُ بِإلْقائِهِما حَتّى أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ فَأنْتَ مَعَ ألْفِ وقْرٍ مِنَ المَعاصِي كَيْفَ يُمْكِنُكَ الوُصُولُ إلى جَنابِهِ. ورابِعَتُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ مُجَرَّدًا عَنِ الكُلِّ ما زاغَ البَصَرُ فَلا جَرَمَ وجَدَ الكُلَّ لَعَمْرُكَ، أمّا مُوسى لَمّا بَقِيَ مَعَهُ تِلْكَ العَصا لا جَرَمَ أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا. واعْلَمْ أنَّ الكَعْبِيَّ تَمَسَّكَ بِهِ في أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ فَقالَ: القُدْرَةُ عَلى إلْقاءِ العَصا، إمّا أنْ تُوجَدَ والعَصا في يَدِهِ أوْ خارِجَةٌ مِن يَدِهِ فَإنْ أتَتْهُ القُدْرَةُ وهي في يَدِهِ فَذاكَ قَوْلُنا: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] وإذا أتَتْهُ ولَيْسَتْ في يَدِهِ وإنَّما اسْتَطاعَ أنْ يُلْقِيَ مِن يَدِهِ ما لَيْسَ في يَدِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ: صفحة ٢٥ السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في قَلْبِ العَصا حَيَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَلَبَها حَيَّةً لِتَكُونَ مُعْجِزَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْرِفُ بِها نُبُوَّةَ نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الوَقْتِ ما سَمِعَ إلّا النِّداءَ، والنِّداءُ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْعاداتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ المَلائِكَةِ أوِ الجِنِّ فَلا جَرَمَ قَلَبَ اللَّهُ العَصا حَيَّةً؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا قاهِرًا والعَجَبُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: أتَوَكَّأُ عَلَيْها فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ وجَعَلَها مُتَّكَأً لَهُ بِأنْ جَعَلَها مُعْجِزَةً لَهُ. وثانِيها: أنَّ النِّداءَ كانَ إكْرامًا لَهُ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً مَزِيدًا في الكَرامَةِ؛ لِيَكُونَ تَوالِي الخَلْعِ والكَراماتِ سَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ لِيُشاهِدَهُ أوَّلًا فَإذا شاهَدَهُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لا يَخافُهُ. ورابِعُها: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَقِيرًا ثُمَّ إنَّهُ نُصِّبَ لِلْمَنصِبِ العَظِيمِ فَلَعَلَّهُ بَقِيَ في قَلْبِهِ تَعَجُّبٌ مِن ذَلِكَ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنِّي لَمّا قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مِنِّي نُصْرَةُ مِثْلِكَ في إظْهارِ الدِّينِ. وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فَقِيلَ لَهُ ألْقِها فَلَمّا ألْقاها وصارَتْ حَيَّةً فَرَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنها فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادَّعَيْتَ أنَّها عَصاكَ وأنَّ لَكَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى فَلِمَ تَفِرُّ مِنها، تَنْبِيهًا عَلى سِرِّ قَوْلِهِ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وقَوْلِهِ؛ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] . السُّؤالُ الثّانِي: قالَ هَهُنا ”حَيَّةٌ“ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُعْبانٌ وجانٌّ، أمّا الحَيَّةُ فاسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وأمّا الثُّعْبانُ والجانُّ فَبَيْنَهُما تَنافٍ؛ لِأنَّ الثُّعْبانَ العَظِيمَ مِنَ الحَيّاتِ والجانَّ الدَّقِيقُ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ وقْتَ انْقِلابِها حَيَّةً صَغِيرَةً دَقِيقَةً ثُمَّ تَوَرَّمَتْ وتَزايَدَ جِرْمُها حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا فَأُرِيدَ بِالجانِّ أوَّلُ حالِها وبِالثُّعْبانِ مَآلُها. والثّانِي: أنَّها كانَتْ في شَخْصِ الثُّعْبانِ وسُرْعَةِ حَرَكَةِ الجانِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النَّمْلِ: ١٠] . السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ كانَتْ صِفَةُ الحَيَّةِ ؟ الجَوابُ كانَ لَها عُرْفٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، وكانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، وابْتَلَعَتْ كُلَّ ما مَرَّتْ بِهِ مِنَ الصُّخُورِ والأشْجارِ حَتّى سَمِعَ مُوسى صَرِيرَ الحَجَرِ في فَمِها وجَوْفِها.

طه 20:19

قوله تعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ لَفْظَتانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا، وقَوْلُهُ: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اليَدِ، وفي هَذا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أشارَ إلَيْهِما جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مُعْجِزًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا، ونَقَلَهُ مِن حَدِّ الجَمادِيَّةِ إلى مَقامِ الكَرامَةِ، فَإذا صارَ الجَمادُ بِالنَّظَرِ الواحِدِ حَيَوانًا، وصارَ الجِسْمُ الكَثِيفُ نُورانِيًّا لَطِيفًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْظُرُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ نَظْرَةً إلى قَلْبِ العَبْدِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُهُ مِن مَوْتِ العِصْيانِ إلى سَعادَةِ الطّاعَةِ ونُورِ المَعْرِفَةِ. وثانِيها: أنَّ بِالنَّظَرِ الواحِدِ صارَ الجَمادُ ثُعْبانًا يَبْتَلِعُ سِحْرَ السَّحَرَةِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوْ صارَ القَلْبُ بِمَدَدِ النَّظَرِ الإلَهِيِّ بِحَيْثُ يَبْتَلِعُ سِحْرَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. وثالِثُها: كانَتِ العَصا في يَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبِسَبَبِ بَرَكَةِ يَمِينِهِ انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا وبُرْهانًا، وقَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ فَإذا حَصَلَتْ لِيَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ الكَرامَةُ والبَرَكَةُ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُ المُؤْمِنِ بِسَبَبِ إصْبَعِي الرَّحْمَنِ مِن ظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ العُبُودِيَّةِ. ثُمَّ هَهُنا سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ سُؤالٌ، والسُّؤالُ إنَّما يَكُونُ لِطَلَبِ العِلْمِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ والجَوابُ فِيهِ فَوائِدُ: إحْداها: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ شَيْئًا شَرِيفًا فَإنَّهُ يَأْخُذُهُ ويَعْرِضُهُ عَلى الحاضِرِينَ ويَقُولُ لَهم: هَذا ما هو ؟ فَيَقُولُونَ هَذا هو الشَّيْءُ الفُلانِيُّ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ إظْهارِ صِفَتِهِ الفائِقَةِ فِيهِ يَقُولُ لَهم خُذا مِنهُ كَذا وكَذا. فاللَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ العَصا تِلْكَ الآياتِ الشَّرِيفَةَ كانْقِلابِها حَيَّةً، وكَضَرْبِهِ البَحْرَ حَتّى انْفَلَقَ، وفي الحَجَرِ حَتّى انْفَجَرَ مِنهُ الماءُ، عَرَضَهُ أوَّلًا عَلى مُوسى فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: يا مُوسى هَلْ تَعْرِفُ حَقِيقَةَ هَذا الَّذِي بِيَدِكَ وأنَّهُ خَشَبَةٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ثُمَّ إنَّهُ قَلَبَهُ ثُعْبانًا عَظِيمًا، فَيَكُونُ بِهَذا الطَّرِيقِ قَدْ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ عَظَمَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أظْهَرَ هَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةَ مِن أهْوَنِ الأشْياءِ عِنْدَهُ، فَهَذا هو الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ . وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أطْلَعَهُ عَلى تِلْكَ الأنْوارِ المُتَصاعِدَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وأسْمَعَهُ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ثُمَّ أسْمَعَهُ كَلامَ نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّهُ مَزَجَ اللُّطْفَ بِالقَهْرِ فَلاطَفَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ ثُمَّ قَهَرَهُ بِإيرادِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ عَلَيْهِ وإلْزامِهِ عِلْمَ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمَعادِ ثُمَّ خَتَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّهْدِيدِ العَظِيمِ، تَحَيَّرَ مُوسى ودَهِشَ وكادَ لا يَعْرِفُ اليَمِينَ مِنَ الشِّمالِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ لِيَعْرِفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ يَمِينَهُ هي الَّتِي فِيها العَصا، أوْ لِأنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ مَعَهُ أوَّلًا بِكَلامِ الإلَهِيَّةِ وتَحَيَّرَ مُوسى مِنَ الدَّهْشَةِ تَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلامِ البَشَرِ إزالَةً لِتِلْكَ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّهُ لَمّا غَلَبَتِ الدَّهْشَةُ عَلى مُوسى في الحَضْرَةِ أرادَ رَبُّ العِزَّةِ إزالَتَها فَسَألَهُ عَنِ العَصا وهو لا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ. كَذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا ماتَ ووَصَلَ إلى حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ فالدَّهْشَةُ تَغْلِبُهُ، والحَياءُ يَمْنَعُهُ عَنِ الكَلامِ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لَمْ يَغْلَطْ فِيهِ في الدُّنْيا وهو التَّوْحِيدُ، فَإذا ذَكَرَهُ زالَتِ الدَّهْشَةُ والوَحْشَةُ عَنْهُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَ مُوسى كَمالَ الإلَهِيَّةِ صفحة ٢٣ أرادَ أنْ يُعَرِّفَهُ نُقْصانَ البَشَرِيَّةِ، فَسَألَهُ عَنْ مَنافِعِ العَصا فَذَكَرَ بَعْضَها فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيها مَنافِعَ أعْظَمَ مِمّا ذَكَرَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفاتِ النَّبِيِّ الحاضِرِ فَلَوْلا التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ أجَلِّ الأشْياءِ وأعْظَمِها. ورابِعُها: فائِدَةُ هَذا السُّؤالِ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ خَشَبَةٌ حَتّى إذا قَلَبَها ثُعْبانًا لا يَخافُها. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا واسِطَةٍ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُوسى أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ. الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَما خاطَبَ مُوسى فَقَدْ خاطَبَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْشاهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ، والَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ سِرًّا لَمْ يَسْتَأْهِلْ لَهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ. والثّانِي: إنْ كانَ مُوسى تَكَلَّمَ مَعَهُ وهو [ تَكَلَّمَ ] مَعَ مُوسى فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخاطِبُونَ اللَّهَ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ عَلى ما قالَ ﷺ: ”«المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ» “ والرَّبُّ يَتَكَلَّمُ مَعَ آحادِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ بِالتَّسْلِيمِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ الجَوابُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تِلْكَ بِيَمِينِكَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في انْتِصابِ الحالِ بِمَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تِلْكَ“ اسْمًا مَوْصُولًا وصِلَتُهُ ”بِيَمِينِكَ“ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وما الَّتِي بِيَمِينِكَ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ ما هَذِهِ الَّتِي في يَمِينِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا سَألَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ ذَلِكَ أجابَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، ثَلاثَةٌ عَلى التَّفْصِيلِ وواحِدٌ عَلى الإجْمالِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ”هي عَصى“ ومِثْلُها: ﴿يابُشْرى﴾ [يُوسُفَ: ١٩] وقَرَأ الحَسَنُ ”هي عَصايْ“ بِسُكُونِ الياءِ، والنُّكَتُ هَهُنا ثَلاثَةٌ: إحْداها: أنَّهُ قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ فَذَكَرَ العَصا ومَن كانَ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِالعَصا ومَنافِعِها كَيْفَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا في بَحْرِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ ولَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عُرِضَ عَلَيْهِ الجَنَّةُ والنّارُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ولَمّا قِيلَ لَهُ امْدَحْنا، قالَ: ”«لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» “ ثُمَّ نَسِيَ نَفْسَهُ ونَسِيَ ثَناءَهُ فَقالَ: ”«أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» “ . وثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿عَصايَ﴾ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألْقِها﴾، فَلَمّا ألْقاها ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ لِيَعْرِفَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فالِالتِفاتُ إلَيْهِ شاغِلٌ، وهو كالحَيَّةِ المُهْلِكَةِ لَكَ. ولِهَذا قالَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧ ] وفي الحَدِيثِ: ”«يُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِصاحِبِ المالِ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ ويُؤْتى بِذَلِكَ المالِ عَلى صُورَةِ شُجاعٍ أقْرَعَ» “ الحَدِيثَ بِتَمامِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هي عَصايَ فَقَدْ تَمَّ الجَوابُ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ الوُجُوهَ الأُخَرَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُحِبُّ المُكالَمَةَ مَعَ رَبِّهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ كالوَسِيلَةِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ والتَّوَكِّي، والِاتِّكاءُ، واحِدٌ كالتَّوَقِّي، والاتِّقاءِ، مَعْناهُ أعْتَمِدُ عَلَيْها إذا عَيِيتُ أوْ وقَفْتُ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ أوْ عِنْدَ الطَّفْرَةِ فَجَعَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَفْسَهُ مُتَوَكِّئًا عَلى العَصا، وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ”اتَّكِئْ عَلى رَحْمَتِي“ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] يَقْتَضِي كَوْنَ مُحَمَّدٍ يَتَوَكَّأُ عَلى المُؤْمِنِينَ ؟ قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] والمَعْنى اللَّهُ حَسْبُكَ، وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أيْ أخْبِطُ بِها فَأضْرِبُ أغْصانَ الشَّجَرِ لِيَسْقُطَ ورَقُها عَلى غَنَمِي فَتَأْكُلُهُ. وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هَشَّ عَلى غَنَمِهِ، يَهُشُّ بِضَمِّ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَشْتُ الرَّجُلَ أهَشُّ بِفَتْحِ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَّ الرَّغِيفَ يَهِشُّ بِكَسْرِ الهاءِ. قالَهُ ثَعْلَبٌ، وقَرَأ صفحة ٢٤ عِكْرِمَةُ: ”وأهِسُّ“ بِالسِّينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، والهَشُّ زَجْرُ الغَنَمِ، واعْلَمْ أنَّ غَنَمَهُ رَعِيَّتُهُ فَبَدَأ بِمَصالِحِ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ ثُمَّ بِمَصالِحِ رَعِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ فَكَذَلِكَ في القِيامَةِ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فَيَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي ومُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ في الدُّنْيا إلّا بِإصْلاحِ أمْرِ الأُمَّةِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ”اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ“ فَلا جَرَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْدَأُ أيْضًا بِأُمَّتِهِ فَيَقُولُ: ”أُمَّتِي أُمَّتِي“ . والرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ حَوائِجُ ومَنافِعُ واحِدَتُها مَأْرَبَةٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ وقُطْرُبٌ بِكَسْرِ الرّاءِ أيْضًا، والأرَبُ بِفَتْحِ الرّاءِ، والإرْبَةُ بِكَسْرِ الألِفِ وسُكُونِ الرّاءِ الحاجَةُ، وإنَّما قالَ أُخْرى؛ لِأنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى ولَوْ جاءَتْ أُخَرُ لَكانَ صَوابًا كَما قالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ هَهُنا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ أسْرارًا عَظِيمَةً فَذَكَرَ ما عَرَفَ وعَبَّرَ عَنِ البَواقِي الَّتِي ما عَرَفَها إجْمالًا لا تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ . وثانِيها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَسَّ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما سَألَهُ عَنْ أمْرِ العَصا لِمَنافِعَ عَظِيمَةٍ. فَقالَ مُوسى: إلَهِي ما هَذِهِ العَصا إلّا كَغَيْرِها، لَكِنَّكَ لَمّا سَألْتَ عَنْها عَرَفْتُ أنَّ لِيَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى، ومِن جُمْلَتِها أنَّكَ كَلَّمْتَنِي بِسَبَبِها فَوَجَدْتُ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ الشَّرِيفَ بِسَبَبِها. وثالِثُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أجْمَلَ رَجاءَ أنْ يَسْألَهُ رَبُّهُ عَنْ تِلْكَ المَآرِبِ فَيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مَرَّةً أُخْرى، ويَطُولَ أمْرُ المُكالَمَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهُ بِسَبَبِ اللُّطْفِ انْطَلَقَ لِسانُهُ ثُمَّ غَلَبَتْهُ الدَّهْشَةُ فانْقَطَعَ لِسانُهُ وتَشَوَّشَ فِكْرُهُ فَأجْمَلَ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ قالَ وهَبٌ: كانَتْ ذاتَ شُعْبَتَيْنِ كالمِحْجَنِ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا حاوَلَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، [ و] إذا سارَ وضَعَها عَلى عاتِقِهِ يُعَلِّقُ فِيها أدَواتِهِ مِنَ القَوْسِ والكِنانَةِ والثِّيابِ، وإذا كانَ في البَرِّيَّةِ رَكَزَها وألْقى كِساءً عَلَيْها فَكانَتْ ظِلًّا. وقِيلَ: كانَ فِيها مِنَ المُعْجِزاتِ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي بِها فَتَطُولُ بِطُولِ البِئْرِ وتَصِيرُ شُعْبَتاها دَلْوًا ويَصِيرانِ شَمْعَتَيْنِ في اللَّيالِي، وإذا ظَهَرَ عَدُوٌّ حارَبَتْ عَنْهُ. وإذا اشْتَهى ثَمَرَةً رَكَزَها فَأوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ. وكانَ يَحْمِلُ عَلَيْها زادَهُ وماءَهُ وكانَتْ تُماشِيهِ ويَرْكِزُها فَيَنْبُعُ الماءُ فَإذا رَفَعَها نَضَبَ وكانَتْ تَقِيهِ الهَوامَّ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجَواباتِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ وفِيهِ نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قالَ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أرادَ اللَّهُ أنْ يُعَرِّفَهُ أنَّ فِيها مَأْرَبَةً أُخْرى لا يَفْطَنُ لَها ولا يَعْرِفُها وأنَّها أعْظَمُ مِن سائِرِ مَآرِبِهِ فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ . وثانِيَتُها: كانَ في رِجْلِهِ شَيْءٌ وهو النَّعْلُ وفي يَدِهِ شَيْءٌ وهو العَصا، والرِّجْلُ آلَةُ الهَرَبِ واليَدُ آلَةُ الطَّلَبِ فَقالَ أوَّلًا: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةً إلى تَرْكِ الهَرَبِ، ثُمَّ قالَ ألْقِها يا مُوسى وهو إشارَةٌ إلى تَرْكِ الطَّلَبِ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّكَ ما دُمْتَ في مَقامِ الهَرَبِ والطَّلَبِ كُنْتَ مُشْتَغِلًا بِنَفْسِكَ وطالِبًا لِحَظِّكَ فَلا تَكُونُ خالِصًا لِمَعْرِفَتِي فَكُنْ تارِكًا لِلْهَرَبِ والطَّلَبِ لِتَكُونَ خالِصًا لِي. وثالِثَتُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وكَمالِ مَنقَبَتِهِ، لَمّا وصَلَ إلى الحَضْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا النَّعْلانِ والعَصا أمَرَهُ بِإلْقائِهِما حَتّى أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ فَأنْتَ مَعَ ألْفِ وقْرٍ مِنَ المَعاصِي كَيْفَ يُمْكِنُكَ الوُصُولُ إلى جَنابِهِ. ورابِعَتُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ مُجَرَّدًا عَنِ الكُلِّ ما زاغَ البَصَرُ فَلا جَرَمَ وجَدَ الكُلَّ لَعَمْرُكَ، أمّا مُوسى لَمّا بَقِيَ مَعَهُ تِلْكَ العَصا لا جَرَمَ أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا. واعْلَمْ أنَّ الكَعْبِيَّ تَمَسَّكَ بِهِ في أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ فَقالَ: القُدْرَةُ عَلى إلْقاءِ العَصا، إمّا أنْ تُوجَدَ والعَصا في يَدِهِ أوْ خارِجَةٌ مِن يَدِهِ فَإنْ أتَتْهُ القُدْرَةُ وهي في يَدِهِ فَذاكَ قَوْلُنا: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] وإذا أتَتْهُ ولَيْسَتْ في يَدِهِ وإنَّما اسْتَطاعَ أنْ يُلْقِيَ مِن يَدِهِ ما لَيْسَ في يَدِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ: صفحة ٢٥ السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في قَلْبِ العَصا حَيَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَلَبَها حَيَّةً لِتَكُونَ مُعْجِزَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْرِفُ بِها نُبُوَّةَ نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الوَقْتِ ما سَمِعَ إلّا النِّداءَ، والنِّداءُ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْعاداتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ المَلائِكَةِ أوِ الجِنِّ فَلا جَرَمَ قَلَبَ اللَّهُ العَصا حَيَّةً؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا قاهِرًا والعَجَبُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: أتَوَكَّأُ عَلَيْها فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ وجَعَلَها مُتَّكَأً لَهُ بِأنْ جَعَلَها مُعْجِزَةً لَهُ. وثانِيها: أنَّ النِّداءَ كانَ إكْرامًا لَهُ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً مَزِيدًا في الكَرامَةِ؛ لِيَكُونَ تَوالِي الخَلْعِ والكَراماتِ سَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ لِيُشاهِدَهُ أوَّلًا فَإذا شاهَدَهُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لا يَخافُهُ. ورابِعُها: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَقِيرًا ثُمَّ إنَّهُ نُصِّبَ لِلْمَنصِبِ العَظِيمِ فَلَعَلَّهُ بَقِيَ في قَلْبِهِ تَعَجُّبٌ مِن ذَلِكَ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنِّي لَمّا قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مِنِّي نُصْرَةُ مِثْلِكَ في إظْهارِ الدِّينِ. وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فَقِيلَ لَهُ ألْقِها فَلَمّا ألْقاها وصارَتْ حَيَّةً فَرَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنها فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادَّعَيْتَ أنَّها عَصاكَ وأنَّ لَكَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى فَلِمَ تَفِرُّ مِنها، تَنْبِيهًا عَلى سِرِّ قَوْلِهِ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وقَوْلِهِ؛ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] . السُّؤالُ الثّانِي: قالَ هَهُنا ”حَيَّةٌ“ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُعْبانٌ وجانٌّ، أمّا الحَيَّةُ فاسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وأمّا الثُّعْبانُ والجانُّ فَبَيْنَهُما تَنافٍ؛ لِأنَّ الثُّعْبانَ العَظِيمَ مِنَ الحَيّاتِ والجانَّ الدَّقِيقُ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ وقْتَ انْقِلابِها حَيَّةً صَغِيرَةً دَقِيقَةً ثُمَّ تَوَرَّمَتْ وتَزايَدَ جِرْمُها حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا فَأُرِيدَ بِالجانِّ أوَّلُ حالِها وبِالثُّعْبانِ مَآلُها. والثّانِي: أنَّها كانَتْ في شَخْصِ الثُّعْبانِ وسُرْعَةِ حَرَكَةِ الجانِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النَّمْلِ: ١٠] . السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ كانَتْ صِفَةُ الحَيَّةِ ؟ الجَوابُ كانَ لَها عُرْفٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، وكانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، وابْتَلَعَتْ كُلَّ ما مَرَّتْ بِهِ مِنَ الصُّخُورِ والأشْجارِ حَتّى سَمِعَ مُوسى صَرِيرَ الحَجَرِ في فَمِها وجَوْفِها.

طه 20:20

قوله تعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ لَفْظَتانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا، وقَوْلُهُ: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اليَدِ، وفي هَذا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أشارَ إلَيْهِما جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مُعْجِزًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا، ونَقَلَهُ مِن حَدِّ الجَمادِيَّةِ إلى مَقامِ الكَرامَةِ، فَإذا صارَ الجَمادُ بِالنَّظَرِ الواحِدِ حَيَوانًا، وصارَ الجِسْمُ الكَثِيفُ نُورانِيًّا لَطِيفًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْظُرُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ نَظْرَةً إلى قَلْبِ العَبْدِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُهُ مِن مَوْتِ العِصْيانِ إلى سَعادَةِ الطّاعَةِ ونُورِ المَعْرِفَةِ. وثانِيها: أنَّ بِالنَّظَرِ الواحِدِ صارَ الجَمادُ ثُعْبانًا يَبْتَلِعُ سِحْرَ السَّحَرَةِ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوْ صارَ القَلْبُ بِمَدَدِ النَّظَرِ الإلَهِيِّ بِحَيْثُ يَبْتَلِعُ سِحْرَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. وثالِثُها: كانَتِ العَصا في يَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبِسَبَبِ بَرَكَةِ يَمِينِهِ انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا وبُرْهانًا، وقَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ فَإذا حَصَلَتْ لِيَمِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ الكَرامَةُ والبَرَكَةُ، فَأيُّ عَجَبٍ لَوِ انْقَلَبَ قَلْبُ المُؤْمِنِ بِسَبَبِ إصْبَعِي الرَّحْمَنِ مِن ظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ العُبُودِيَّةِ. ثُمَّ هَهُنا سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ سُؤالٌ، والسُّؤالُ إنَّما يَكُونُ لِطَلَبِ العِلْمِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ والجَوابُ فِيهِ فَوائِدُ: إحْداها: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ الشَّيْءِ الحَقِيرِ شَيْئًا شَرِيفًا فَإنَّهُ يَأْخُذُهُ ويَعْرِضُهُ عَلى الحاضِرِينَ ويَقُولُ لَهم: هَذا ما هو ؟ فَيَقُولُونَ هَذا هو الشَّيْءُ الفُلانِيُّ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ إظْهارِ صِفَتِهِ الفائِقَةِ فِيهِ يَقُولُ لَهم خُذا مِنهُ كَذا وكَذا. فاللَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُظْهِرَ مِنَ العَصا تِلْكَ الآياتِ الشَّرِيفَةَ كانْقِلابِها حَيَّةً، وكَضَرْبِهِ البَحْرَ حَتّى انْفَلَقَ، وفي الحَجَرِ حَتّى انْفَجَرَ مِنهُ الماءُ، عَرَضَهُ أوَّلًا عَلى مُوسى فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: يا مُوسى هَلْ تَعْرِفُ حَقِيقَةَ هَذا الَّذِي بِيَدِكَ وأنَّهُ خَشَبَةٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ثُمَّ إنَّهُ قَلَبَهُ ثُعْبانًا عَظِيمًا، فَيَكُونُ بِهَذا الطَّرِيقِ قَدْ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ عَظَمَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أظْهَرَ هَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةَ مِن أهْوَنِ الأشْياءِ عِنْدَهُ، فَهَذا هو الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ . وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أطْلَعَهُ عَلى تِلْكَ الأنْوارِ المُتَصاعِدَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وأسْمَعَهُ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ثُمَّ أسْمَعَهُ كَلامَ نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّهُ مَزَجَ اللُّطْفَ بِالقَهْرِ فَلاطَفَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ ثُمَّ قَهَرَهُ بِإيرادِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ عَلَيْهِ وإلْزامِهِ عِلْمَ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمَعادِ ثُمَّ خَتَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّهْدِيدِ العَظِيمِ، تَحَيَّرَ مُوسى ودَهِشَ وكادَ لا يَعْرِفُ اليَمِينَ مِنَ الشِّمالِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ لِيَعْرِفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ يَمِينَهُ هي الَّتِي فِيها العَصا، أوْ لِأنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ مَعَهُ أوَّلًا بِكَلامِ الإلَهِيَّةِ وتَحَيَّرَ مُوسى مِنَ الدَّهْشَةِ تَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلامِ البَشَرِ إزالَةً لِتِلْكَ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّهُ لَمّا غَلَبَتِ الدَّهْشَةُ عَلى مُوسى في الحَضْرَةِ أرادَ رَبُّ العِزَّةِ إزالَتَها فَسَألَهُ عَنِ العَصا وهو لا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ. كَذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا ماتَ ووَصَلَ إلى حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ فالدَّهْشَةُ تَغْلِبُهُ، والحَياءُ يَمْنَعُهُ عَنِ الكَلامِ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لَمْ يَغْلَطْ فِيهِ في الدُّنْيا وهو التَّوْحِيدُ، فَإذا ذَكَرَهُ زالَتِ الدَّهْشَةُ والوَحْشَةُ عَنْهُ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَ مُوسى كَمالَ الإلَهِيَّةِ صفحة ٢٣ أرادَ أنْ يُعَرِّفَهُ نُقْصانَ البَشَرِيَّةِ، فَسَألَهُ عَنْ مَنافِعِ العَصا فَذَكَرَ بَعْضَها فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيها مَنافِعَ أعْظَمَ مِمّا ذَكَرَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفاتِ النَّبِيِّ الحاضِرِ فَلَوْلا التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ أجَلِّ الأشْياءِ وأعْظَمِها. ورابِعُها: فائِدَةُ هَذا السُّؤالِ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ خَشَبَةٌ حَتّى إذا قَلَبَها ثُعْبانًا لا يَخافُها. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا واسِطَةٍ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُوسى أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ. الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَما خاطَبَ مُوسى فَقَدْ خاطَبَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْشاهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ، والَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ سِرًّا لَمْ يَسْتَأْهِلْ لَهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ. والثّانِي: إنْ كانَ مُوسى تَكَلَّمَ مَعَهُ وهو [ تَكَلَّمَ ] مَعَ مُوسى فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخاطِبُونَ اللَّهَ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ عَلى ما قالَ ﷺ: ”«المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ» “ والرَّبُّ يَتَكَلَّمُ مَعَ آحادِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ بِالتَّسْلِيمِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ الجَوابُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تِلْكَ بِيَمِينِكَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في انْتِصابِ الحالِ بِمَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تِلْكَ“ اسْمًا مَوْصُولًا وصِلَتُهُ ”بِيَمِينِكَ“ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وما الَّتِي بِيَمِينِكَ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ ما هَذِهِ الَّتِي في يَمِينِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا سَألَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ ذَلِكَ أجابَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأرْبَعَةِ أشْياءَ، ثَلاثَةٌ عَلى التَّفْصِيلِ وواحِدٌ عَلى الإجْمالِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ”هي عَصى“ ومِثْلُها: ﴿يابُشْرى﴾ [يُوسُفَ: ١٩] وقَرَأ الحَسَنُ ”هي عَصايْ“ بِسُكُونِ الياءِ، والنُّكَتُ هَهُنا ثَلاثَةٌ: إحْداها: أنَّهُ قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ﴾ فَذَكَرَ العَصا ومَن كانَ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِالعَصا ومَنافِعِها كَيْفَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا في بَحْرِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ ولَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عُرِضَ عَلَيْهِ الجَنَّةُ والنّارُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] ولَمّا قِيلَ لَهُ امْدَحْنا، قالَ: ”«لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» “ ثُمَّ نَسِيَ نَفْسَهُ ونَسِيَ ثَناءَهُ فَقالَ: ”«أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» “ . وثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿عَصايَ﴾ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألْقِها﴾، فَلَمّا ألْقاها ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ لِيَعْرِفَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فالِالتِفاتُ إلَيْهِ شاغِلٌ، وهو كالحَيَّةِ المُهْلِكَةِ لَكَ. ولِهَذا قالَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧ ] وفي الحَدِيثِ: ”«يُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِصاحِبِ المالِ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ ويُؤْتى بِذَلِكَ المالِ عَلى صُورَةِ شُجاعٍ أقْرَعَ» “ الحَدِيثَ بِتَمامِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هي عَصايَ فَقَدْ تَمَّ الجَوابُ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ الوُجُوهَ الأُخَرَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُحِبُّ المُكالَمَةَ مَعَ رَبِّهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ كالوَسِيلَةِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ والتَّوَكِّي، والِاتِّكاءُ، واحِدٌ كالتَّوَقِّي، والاتِّقاءِ، مَعْناهُ أعْتَمِدُ عَلَيْها إذا عَيِيتُ أوْ وقَفْتُ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ أوْ عِنْدَ الطَّفْرَةِ فَجَعَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَفْسَهُ مُتَوَكِّئًا عَلى العَصا، وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ”اتَّكِئْ عَلى رَحْمَتِي“ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] يَقْتَضِي كَوْنَ مُحَمَّدٍ يَتَوَكَّأُ عَلى المُؤْمِنِينَ ؟ قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ] والمَعْنى اللَّهُ حَسْبُكَ، وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أيْ أخْبِطُ بِها فَأضْرِبُ أغْصانَ الشَّجَرِ لِيَسْقُطَ ورَقُها عَلى غَنَمِي فَتَأْكُلُهُ. وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هَشَّ عَلى غَنَمِهِ، يَهُشُّ بِضَمِّ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَشْتُ الرَّجُلَ أهَشُّ بِفَتْحِ الهاءِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَشَّ الرَّغِيفَ يَهِشُّ بِكَسْرِ الهاءِ. قالَهُ ثَعْلَبٌ، وقَرَأ صفحة ٢٤ عِكْرِمَةُ: ”وأهِسُّ“ بِالسِّينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، والهَشُّ زَجْرُ الغَنَمِ، واعْلَمْ أنَّ غَنَمَهُ رَعِيَّتُهُ فَبَدَأ بِمَصالِحِ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ ثُمَّ بِمَصالِحِ رَعِيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ فَكَذَلِكَ في القِيامَةِ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فَيَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي ومُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ في الدُّنْيا إلّا بِإصْلاحِ أمْرِ الأُمَّةِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ”اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ“ فَلا جَرَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْدَأُ أيْضًا بِأُمَّتِهِ فَيَقُولُ: ”أُمَّتِي أُمَّتِي“ . والرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ حَوائِجُ ومَنافِعُ واحِدَتُها مَأْرَبَةٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ وقُطْرُبٌ بِكَسْرِ الرّاءِ أيْضًا، والأرَبُ بِفَتْحِ الرّاءِ، والإرْبَةُ بِكَسْرِ الألِفِ وسُكُونِ الرّاءِ الحاجَةُ، وإنَّما قالَ أُخْرى؛ لِأنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى ولَوْ جاءَتْ أُخَرُ لَكانَ صَوابًا كَما قالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ هَهُنا نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ أسْرارًا عَظِيمَةً فَذَكَرَ ما عَرَفَ وعَبَّرَ عَنِ البَواقِي الَّتِي ما عَرَفَها إجْمالًا لا تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ . وثانِيها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَسَّ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما سَألَهُ عَنْ أمْرِ العَصا لِمَنافِعَ عَظِيمَةٍ. فَقالَ مُوسى: إلَهِي ما هَذِهِ العَصا إلّا كَغَيْرِها، لَكِنَّكَ لَمّا سَألْتَ عَنْها عَرَفْتُ أنَّ لِيَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى، ومِن جُمْلَتِها أنَّكَ كَلَّمْتَنِي بِسَبَبِها فَوَجَدْتُ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ الشَّرِيفَ بِسَبَبِها. وثالِثُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أجْمَلَ رَجاءَ أنْ يَسْألَهُ رَبُّهُ عَنْ تِلْكَ المَآرِبِ فَيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مَرَّةً أُخْرى، ويَطُولَ أمْرُ المُكالَمَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهُ بِسَبَبِ اللُّطْفِ انْطَلَقَ لِسانُهُ ثُمَّ غَلَبَتْهُ الدَّهْشَةُ فانْقَطَعَ لِسانُهُ وتَشَوَّشَ فِكْرُهُ فَأجْمَلَ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ قالَ وهَبٌ: كانَتْ ذاتَ شُعْبَتَيْنِ كالمِحْجَنِ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا حاوَلَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، [ و] إذا سارَ وضَعَها عَلى عاتِقِهِ يُعَلِّقُ فِيها أدَواتِهِ مِنَ القَوْسِ والكِنانَةِ والثِّيابِ، وإذا كانَ في البَرِّيَّةِ رَكَزَها وألْقى كِساءً عَلَيْها فَكانَتْ ظِلًّا. وقِيلَ: كانَ فِيها مِنَ المُعْجِزاتِ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي بِها فَتَطُولُ بِطُولِ البِئْرِ وتَصِيرُ شُعْبَتاها دَلْوًا ويَصِيرانِ شَمْعَتَيْنِ في اللَّيالِي، وإذا ظَهَرَ عَدُوٌّ حارَبَتْ عَنْهُ. وإذا اشْتَهى ثَمَرَةً رَكَزَها فَأوْرَقَتْ وأثْمَرَتْ. وكانَ يَحْمِلُ عَلَيْها زادَهُ وماءَهُ وكانَتْ تُماشِيهِ ويَرْكِزُها فَيَنْبُعُ الماءُ فَإذا رَفَعَها نَضَبَ وكانَتْ تَقِيهِ الهَوامَّ. واعْلَمْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجَواباتِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ وفِيهِ نُكَتٌ: إحْداها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قالَ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أرادَ اللَّهُ أنْ يُعَرِّفَهُ أنَّ فِيها مَأْرَبَةً أُخْرى لا يَفْطَنُ لَها ولا يَعْرِفُها وأنَّها أعْظَمُ مِن سائِرِ مَآرِبِهِ فَقالَ: ﴿ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ . وثانِيَتُها: كانَ في رِجْلِهِ شَيْءٌ وهو النَّعْلُ وفي يَدِهِ شَيْءٌ وهو العَصا، والرِّجْلُ آلَةُ الهَرَبِ واليَدُ آلَةُ الطَّلَبِ فَقالَ أوَّلًا: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةً إلى تَرْكِ الهَرَبِ، ثُمَّ قالَ ألْقِها يا مُوسى وهو إشارَةٌ إلى تَرْكِ الطَّلَبِ. كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّكَ ما دُمْتَ في مَقامِ الهَرَبِ والطَّلَبِ كُنْتَ مُشْتَغِلًا بِنَفْسِكَ وطالِبًا لِحَظِّكَ فَلا تَكُونُ خالِصًا لِمَعْرِفَتِي فَكُنْ تارِكًا لِلْهَرَبِ والطَّلَبِ لِتَكُونَ خالِصًا لِي. وثالِثَتُها: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وكَمالِ مَنقَبَتِهِ، لَمّا وصَلَ إلى الحَضْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا النَّعْلانِ والعَصا أمَرَهُ بِإلْقائِهِما حَتّى أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ فَأنْتَ مَعَ ألْفِ وقْرٍ مِنَ المَعاصِي كَيْفَ يُمْكِنُكَ الوُصُولُ إلى جَنابِهِ. ورابِعَتُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ مُجَرَّدًا عَنِ الكُلِّ ما زاغَ البَصَرُ فَلا جَرَمَ وجَدَ الكُلَّ لَعَمْرُكَ، أمّا مُوسى لَمّا بَقِيَ مَعَهُ تِلْكَ العَصا لا جَرَمَ أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا. واعْلَمْ أنَّ الكَعْبِيَّ تَمَسَّكَ بِهِ في أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ فَقالَ: القُدْرَةُ عَلى إلْقاءِ العَصا، إمّا أنْ تُوجَدَ والعَصا في يَدِهِ أوْ خارِجَةٌ مِن يَدِهِ فَإنْ أتَتْهُ القُدْرَةُ وهي في يَدِهِ فَذاكَ قَوْلُنا: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] وإذا أتَتْهُ ولَيْسَتْ في يَدِهِ وإنَّما اسْتَطاعَ أنْ يُلْقِيَ مِن يَدِهِ ما لَيْسَ في يَدِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ: صفحة ٢٥ السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في قَلْبِ العَصا حَيَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَلَبَها حَيَّةً لِتَكُونَ مُعْجِزَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْرِفُ بِها نُبُوَّةَ نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الوَقْتِ ما سَمِعَ إلّا النِّداءَ، والنِّداءُ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْعاداتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ المَلائِكَةِ أوِ الجِنِّ فَلا جَرَمَ قَلَبَ اللَّهُ العَصا حَيَّةً؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا قاهِرًا والعَجَبُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: أتَوَكَّأُ عَلَيْها فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ وجَعَلَها مُتَّكَأً لَهُ بِأنْ جَعَلَها مُعْجِزَةً لَهُ. وثانِيها: أنَّ النِّداءَ كانَ إكْرامًا لَهُ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً مَزِيدًا في الكَرامَةِ؛ لِيَكُونَ تَوالِي الخَلْعِ والكَراماتِ سَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ لِيُشاهِدَهُ أوَّلًا فَإذا شاهَدَهُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لا يَخافُهُ. ورابِعُها: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَقِيرًا ثُمَّ إنَّهُ نُصِّبَ لِلْمَنصِبِ العَظِيمِ فَلَعَلَّهُ بَقِيَ في قَلْبِهِ تَعَجُّبٌ مِن ذَلِكَ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنِّي لَمّا قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مِنِّي نُصْرَةُ مِثْلِكَ في إظْهارِ الدِّينِ. وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فَقِيلَ لَهُ ألْقِها فَلَمّا ألْقاها وصارَتْ حَيَّةً فَرَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنها فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادَّعَيْتَ أنَّها عَصاكَ وأنَّ لَكَ فِيها مَآرِبَ أُخْرى فَلِمَ تَفِرُّ مِنها، تَنْبِيهًا عَلى سِرِّ قَوْلِهِ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وقَوْلِهِ؛ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] . السُّؤالُ الثّانِي: قالَ هَهُنا ”حَيَّةٌ“ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُعْبانٌ وجانٌّ، أمّا الحَيَّةُ فاسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وأمّا الثُّعْبانُ والجانُّ فَبَيْنَهُما تَنافٍ؛ لِأنَّ الثُّعْبانَ العَظِيمَ مِنَ الحَيّاتِ والجانَّ الدَّقِيقُ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ وقْتَ انْقِلابِها حَيَّةً صَغِيرَةً دَقِيقَةً ثُمَّ تَوَرَّمَتْ وتَزايَدَ جِرْمُها حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا فَأُرِيدَ بِالجانِّ أوَّلُ حالِها وبِالثُّعْبانِ مَآلُها. والثّانِي: أنَّها كانَتْ في شَخْصِ الثُّعْبانِ وسُرْعَةِ حَرَكَةِ الجانِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النَّمْلِ: ١٠] . السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ كانَتْ صِفَةُ الحَيَّةِ ؟ الجَوابُ كانَ لَها عُرْفٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، وكانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، وابْتَلَعَتْ كُلَّ ما مَرَّتْ بِهِ مِنَ الصُّخُورِ والأشْجارِ حَتّى سَمِعَ مُوسى صَرِيرَ الحَجَرِ في فَمِها وجَوْفِها.

طه 20:21

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا نُودِيَ مُوسى وخُصَّ بِتِلْكَ الكَراماتِ العَظِيمَةِ وعَلِمَ أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ فَلِمَ خافَ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ كانَ مِن نَفْرَةِ الطَّبْعِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ قَطُّ. وأيْضًا فَهَذِهِ الأشْياءُ مَعْلُومَةٌ بِدَلائِلِ العُقُولِ. وعِنْدَ الفَزَعِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ الإنْسانُ عَنْهُ. قالَ الشَّيْخُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وذَلِكَ الخَوْفُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِهِ في النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي أتى بِهِ تَمْوِيهٌ فَلا يَخافُهُ البَتَّةَ. وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: خافَها؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَفَ ما لَقِيَ آدَمُ مِنها. وثالِثُها: أنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: (لا تَخَفْ) لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ تِلْكَ الطّاعَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: ١٠] يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ إنَّما ظَهَرَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أظْهَرَ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِالعَصا والنَّفْرَةَ عَنِ الثُّعْبانِ، وأمّا مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَما أظْهَرَ الرَّغْبَةَ في الجَنَّةِ ولا النَّفْرَةَ عَنِ النّارِ. السُّؤالُ الثّانِي: مَتى أخَذَها، بَعْدَ انْقِلابِها عَصًا أوْ قَبْلَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: رُوِيَ أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ أسْنانِها فانْقَلَبَتْ خَشَبَةً والقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ وذَلِكَ يَقَعُ في الِاسْتِقْبالِ، وأيْضًا فَهَذا أقْرَبُ لِلْكَرامَةِ؛ لِأنَّهُ كَما أنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَّةً مُعْجِزَةٌ فَكَذَلِكَ إدْخالُ يَدِهِ في فَمِها مِن غَيْرِ ضَرَرِ مُعْجِزَةٌ وانْقِلابُها صفحة ٢٦ خَشَبًا مُعْجِزٌ آخَرُ فَيَكُونُ فِيهِ تَوالِي المُعْجِزاتِ فَيَكُونُ أقْوى في الدَّلالَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ أخَذَهُ، أمَعَ الخَوْفِ أوْ بِدُونِهِ ؟ والجَوابُ: رُوِيَ مَعَ الخَوْفِ ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ بَعْدَ تَوالِي الدَّلائِلِ يَبْعُدُ ذَلِكَ. وإذا عَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَعالى عِنْدَ الأخْذِ سَيُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى فَكَيْفَ يَسْتَمِرُّ خَوْفُهُ، وقَدْ عَلِمَ صِدْقَ هَذا القَوْلِ وقالَ بَعْضُهم لَمّا قالَ لَهُ رَبُّهُ: ﴿ولا تَخَفْ﴾ بَلَغَ مِن ذَلِكَ ذَهابُ خَوْفِهِ وطُمَأْنِينَةُ نَفْسِهِ إلى أنْ أدْخَلَ يَدَهُ في فَمِها وأخَذَ بِلَحْيَيْها. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى (سِيرَتَها الأُولى) ؟ والجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السِّيرَةُ مِنَ السَّيْرِ كالرُّكْبَةِ مِنَ الرُّكُوبِ يُقالُ: سارَ فُلانٌ سِيرَةً حَسَنَةً ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها فَنُقِلَتْ إلى مَعْنى المَذْهَبِ والطَّرِيقَةِ. السُّؤالُ الخامِسُ: عَلامَ انْتَصَبَ (سِيرَتَها) ؟ الجَوابُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِنَزْعِ الخافِضِ يَعْنِي إلى سِيرَتِها. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ”سَنُعِيدُها“ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِـ”سِيرَتِها“ بِمَعْنى أنَّها كانَتْ أوَّلًا عَصًا فَصارَتْ حَيَّةً فَسَنَجْعَلُها عَصًا كَما كانَتْ فَنُصِبَ (سِيرَتَها) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى يَعْنِي سَنُعِيدُها سائِرَةً بِسِيرَتِها الأُولى حَيْثُ كُنْتَ تَتَوَكَّأُ عَلَيْها ولَكَ فِيها المَآرِبُ الَّتِي عَرَفْتَها.

طه 20:22

قوله تعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المُعْجِزَةُ الثّانِيَةُ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ لِكُلِّ ناحِيَتَيْنِ جَناحانِ كَجَناحَيِ العَسْكَرِ لِطَرَفَيْهِ، وجَناحا الإنْسانِ جَنْباهُ والأصْلُ المُسْتَعارُ مِنهُ جَناحا الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ يَجْنَحُهُما عِنْدَ الطَّيَرانِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ”إلى جَناحِكَ“ إلى صَدْرِكَ والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ يُشْبِهانِ جَناحَيِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِالجَناحِ الصَّدْرَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجْ﴾ مَعْنًى. واعْلَمْ أنَّ مَعْنى ضَمِّ اليَدِ إلى الجَناحِ ما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]؛ لِأنَّهُ إذا أدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ كانَ قَدْ ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السُّوءُ الرَّداءَةُ والقُبْحُ في كُلِّ شَيْءٍ، فَكَنّى بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كَنّى عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ والبَرَصُ أبْغَضُ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكَنّى عَنْهُ، يُرْوى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ شَدِيدَ الأُدْمَةِ فَكانَ إذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى في جَيْبِهِ وأدْخَلَها تَحْتَ إبِطِهِ الأيْسَرِ وأخْرَجَها كانَتْ تَبْرُقُ مِثْلَ البَرْقِ، وقِيلَ مِثْلَ الشَّمْسِ مِن غَيْرِ بَرَصٍ ثُمَّ إذا رَدَّها عادَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ بِلا نُورٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (بَيْضاءَ) و(آيَةً) حالانِ مَعًا و(مِن غَيْرِ سُوءٍ) (مِن) صِلَةُ البَيْضاءِ كَما تَقُولُ ابْيَضَّتْ مِن غَيْرِ سُوءٍ وفي نَصْبِ (آيَةً) وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ بِإضْمارٍ نَحْوَ خُذْ ودُونَكَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذا المَحْذُوفِ لِنُرِيَكَ أيْ خُذْ هَذِهِ الآيَةَ أيْضًا بَعْدَ قَلْبِ العَصا لِنُرِيَكَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى أوْ لِنُرِيَكَ بِهِما صفحة ٢٧ الكُبْرى مِن آياتِنا أوْ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى فِعْلَنا ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ الكُبْرى مِن نَعْتِ الآياتِ فَلِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرَ ؟ قُلْنا: بَلْ هي نَعْتُ الآيَةِ والمَعْنى لِنُرِيَكَ الآيَةَ الكُبْرى ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَهو كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾، ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [ الأعْرافِ: ١٨٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحَسَنُ: اليَدُ أعْظَمُ في الإعْجازِ مِنَ العَصا؛ لِأنَّهُ تَعالى: ذَكَرَ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ عَقِيبَ ذِكْرِ اليَدِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا تَغَيُّرُ اللَّوْنِ، وأمّا العَصا فَفِيهِ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وخَلْقُ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ وخَلْقُ الحَياةِ والقُدْرَةِ والأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ وابْتِلاعُ الحَجَرِ والشَّجَرِ، ثُمَّ عادَ عَصًا بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَدْ وقَعَ التَّغَيُّرُ مَرَّةً أُخْرى في كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ فَكانَتِ العَصا أعْظَمَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُلِّ وأنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِاليَدِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أظْهَرَ لَهُ هَذِهِ الآيَةَ عَقَّبَها بِأنْ أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ وهي أنَّهُ طَغى، وإنَّما خَصَّ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وتَكَبَّرَ وكانَ مَتْبُوعًا فَكانَ ذِكْرُهُ أوْلى. قالَ وهْبٌ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”اسْمَعْ كَلامِي واحْفَظْ وصِيَّتِي وانْطَلِقْ بِرِسالَتِي فَإنَّكَ بِعَيْنِي وسَمْعِي وإنَّ مَعَكَ يَدِي وبَصَرِي وإنِّي ألْبَسْتُكَ جُنَّةً مِن سُلْطانِي لِتَسْتَكْمِلَ بِها القُوَّةَ في أمْرِي أبْعَثُكَ إلى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِي بَطَرَ نِعْمَتِي وأمِنَ مَكْرِي وغَرَّتْهُ الدُّنْيا حَتّى جَحَدَ حَقِّي وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي، وإنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلا الحُجَّةُ والعُذْرُ الَّذِي وضَعْتُ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبّارٍ ولَكِنْ هانَ عَلَيَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِي فَبَلِّغْهُ عَنِّي رِسالَتِي وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] لا يَغْتَرَّنَّ بِلِباسِ الدُّنْيا فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، لا يَطْرِفُ ولا يَتَنَفَّسُ إلّا بِعِلْمِي. في كَلامٍ طَوِيلٍ، قالَ فَسَكَتَ مُوسى سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ جاءَهُ مَلَكٌ فَقالَ:“أجِبْ رَبَّكَ فِيما أمَرَكَ بِعَبْدِهِ " .

طه 20:23

قوله تعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المُعْجِزَةُ الثّانِيَةُ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ لِكُلِّ ناحِيَتَيْنِ جَناحانِ كَجَناحَيِ العَسْكَرِ لِطَرَفَيْهِ، وجَناحا الإنْسانِ جَنْباهُ والأصْلُ المُسْتَعارُ مِنهُ جَناحا الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ يَجْنَحُهُما عِنْدَ الطَّيَرانِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ”إلى جَناحِكَ“ إلى صَدْرِكَ والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ يُشْبِهانِ جَناحَيِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِالجَناحِ الصَّدْرَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجْ﴾ مَعْنًى. واعْلَمْ أنَّ مَعْنى ضَمِّ اليَدِ إلى الجَناحِ ما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]؛ لِأنَّهُ إذا أدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ كانَ قَدْ ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السُّوءُ الرَّداءَةُ والقُبْحُ في كُلِّ شَيْءٍ، فَكَنّى بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كَنّى عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ والبَرَصُ أبْغَضُ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكَنّى عَنْهُ، يُرْوى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ شَدِيدَ الأُدْمَةِ فَكانَ إذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى في جَيْبِهِ وأدْخَلَها تَحْتَ إبِطِهِ الأيْسَرِ وأخْرَجَها كانَتْ تَبْرُقُ مِثْلَ البَرْقِ، وقِيلَ مِثْلَ الشَّمْسِ مِن غَيْرِ بَرَصٍ ثُمَّ إذا رَدَّها عادَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ بِلا نُورٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (بَيْضاءَ) و(آيَةً) حالانِ مَعًا و(مِن غَيْرِ سُوءٍ) (مِن) صِلَةُ البَيْضاءِ كَما تَقُولُ ابْيَضَّتْ مِن غَيْرِ سُوءٍ وفي نَصْبِ (آيَةً) وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ بِإضْمارٍ نَحْوَ خُذْ ودُونَكَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذا المَحْذُوفِ لِنُرِيَكَ أيْ خُذْ هَذِهِ الآيَةَ أيْضًا بَعْدَ قَلْبِ العَصا لِنُرِيَكَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى أوْ لِنُرِيَكَ بِهِما صفحة ٢٧ الكُبْرى مِن آياتِنا أوْ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى فِعْلَنا ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ الكُبْرى مِن نَعْتِ الآياتِ فَلِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرَ ؟ قُلْنا: بَلْ هي نَعْتُ الآيَةِ والمَعْنى لِنُرِيَكَ الآيَةَ الكُبْرى ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَهو كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾، ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [ الأعْرافِ: ١٨٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحَسَنُ: اليَدُ أعْظَمُ في الإعْجازِ مِنَ العَصا؛ لِأنَّهُ تَعالى: ذَكَرَ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ عَقِيبَ ذِكْرِ اليَدِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا تَغَيُّرُ اللَّوْنِ، وأمّا العَصا فَفِيهِ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وخَلْقُ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ وخَلْقُ الحَياةِ والقُدْرَةِ والأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ وابْتِلاعُ الحَجَرِ والشَّجَرِ، ثُمَّ عادَ عَصًا بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَدْ وقَعَ التَّغَيُّرُ مَرَّةً أُخْرى في كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ فَكانَتِ العَصا أعْظَمَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُلِّ وأنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِاليَدِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أظْهَرَ لَهُ هَذِهِ الآيَةَ عَقَّبَها بِأنْ أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ وهي أنَّهُ طَغى، وإنَّما خَصَّ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وتَكَبَّرَ وكانَ مَتْبُوعًا فَكانَ ذِكْرُهُ أوْلى. قالَ وهْبٌ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”اسْمَعْ كَلامِي واحْفَظْ وصِيَّتِي وانْطَلِقْ بِرِسالَتِي فَإنَّكَ بِعَيْنِي وسَمْعِي وإنَّ مَعَكَ يَدِي وبَصَرِي وإنِّي ألْبَسْتُكَ جُنَّةً مِن سُلْطانِي لِتَسْتَكْمِلَ بِها القُوَّةَ في أمْرِي أبْعَثُكَ إلى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِي بَطَرَ نِعْمَتِي وأمِنَ مَكْرِي وغَرَّتْهُ الدُّنْيا حَتّى جَحَدَ حَقِّي وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي، وإنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلا الحُجَّةُ والعُذْرُ الَّذِي وضَعْتُ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبّارٍ ولَكِنْ هانَ عَلَيَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِي فَبَلِّغْهُ عَنِّي رِسالَتِي وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] لا يَغْتَرَّنَّ بِلِباسِ الدُّنْيا فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، لا يَطْرِفُ ولا يَتَنَفَّسُ إلّا بِعِلْمِي. في كَلامٍ طَوِيلٍ، قالَ فَسَكَتَ مُوسى سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ جاءَهُ مَلَكٌ فَقالَ:“أجِبْ رَبَّكَ فِيما أمَرَكَ بِعَبْدِهِ " .

طه 20:24

قوله تعالى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المُعْجِزَةُ الثّانِيَةُ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ لِكُلِّ ناحِيَتَيْنِ جَناحانِ كَجَناحَيِ العَسْكَرِ لِطَرَفَيْهِ، وجَناحا الإنْسانِ جَنْباهُ والأصْلُ المُسْتَعارُ مِنهُ جَناحا الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ يَجْنَحُهُما عِنْدَ الطَّيَرانِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ”إلى جَناحِكَ“ إلى صَدْرِكَ والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ يُشْبِهانِ جَناحَيِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِالجَناحِ الصَّدْرَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجْ﴾ مَعْنًى. واعْلَمْ أنَّ مَعْنى ضَمِّ اليَدِ إلى الجَناحِ ما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]؛ لِأنَّهُ إذا أدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ كانَ قَدْ ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السُّوءُ الرَّداءَةُ والقُبْحُ في كُلِّ شَيْءٍ، فَكَنّى بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كَنّى عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ والبَرَصُ أبْغَضُ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكَنّى عَنْهُ، يُرْوى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ شَدِيدَ الأُدْمَةِ فَكانَ إذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى في جَيْبِهِ وأدْخَلَها تَحْتَ إبِطِهِ الأيْسَرِ وأخْرَجَها كانَتْ تَبْرُقُ مِثْلَ البَرْقِ، وقِيلَ مِثْلَ الشَّمْسِ مِن غَيْرِ بَرَصٍ ثُمَّ إذا رَدَّها عادَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ بِلا نُورٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (بَيْضاءَ) و(آيَةً) حالانِ مَعًا و(مِن غَيْرِ سُوءٍ) (مِن) صِلَةُ البَيْضاءِ كَما تَقُولُ ابْيَضَّتْ مِن غَيْرِ سُوءٍ وفي نَصْبِ (آيَةً) وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ بِإضْمارٍ نَحْوَ خُذْ ودُونَكَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذا المَحْذُوفِ لِنُرِيَكَ أيْ خُذْ هَذِهِ الآيَةَ أيْضًا بَعْدَ قَلْبِ العَصا لِنُرِيَكَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى أوْ لِنُرِيَكَ بِهِما صفحة ٢٧ الكُبْرى مِن آياتِنا أوْ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى فِعْلَنا ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ الكُبْرى مِن نَعْتِ الآياتِ فَلِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرَ ؟ قُلْنا: بَلْ هي نَعْتُ الآيَةِ والمَعْنى لِنُرِيَكَ الآيَةَ الكُبْرى ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَهو كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾، ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [ الأعْرافِ: ١٨٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحَسَنُ: اليَدُ أعْظَمُ في الإعْجازِ مِنَ العَصا؛ لِأنَّهُ تَعالى: ذَكَرَ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ عَقِيبَ ذِكْرِ اليَدِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا تَغَيُّرُ اللَّوْنِ، وأمّا العَصا فَفِيهِ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وخَلْقُ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ وخَلْقُ الحَياةِ والقُدْرَةِ والأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ وابْتِلاعُ الحَجَرِ والشَّجَرِ، ثُمَّ عادَ عَصًا بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَدْ وقَعَ التَّغَيُّرُ مَرَّةً أُخْرى في كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ فَكانَتِ العَصا أعْظَمَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُلِّ وأنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِاليَدِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أظْهَرَ لَهُ هَذِهِ الآيَةَ عَقَّبَها بِأنْ أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ وهي أنَّهُ طَغى، وإنَّما خَصَّ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وتَكَبَّرَ وكانَ مَتْبُوعًا فَكانَ ذِكْرُهُ أوْلى. قالَ وهْبٌ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”اسْمَعْ كَلامِي واحْفَظْ وصِيَّتِي وانْطَلِقْ بِرِسالَتِي فَإنَّكَ بِعَيْنِي وسَمْعِي وإنَّ مَعَكَ يَدِي وبَصَرِي وإنِّي ألْبَسْتُكَ جُنَّةً مِن سُلْطانِي لِتَسْتَكْمِلَ بِها القُوَّةَ في أمْرِي أبْعَثُكَ إلى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِي بَطَرَ نِعْمَتِي وأمِنَ مَكْرِي وغَرَّتْهُ الدُّنْيا حَتّى جَحَدَ حَقِّي وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي، وإنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلا الحُجَّةُ والعُذْرُ الَّذِي وضَعْتُ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبّارٍ ولَكِنْ هانَ عَلَيَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِي فَبَلِّغْهُ عَنِّي رِسالَتِي وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] لا يَغْتَرَّنَّ بِلِباسِ الدُّنْيا فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، لا يَطْرِفُ ولا يَتَنَفَّسُ إلّا بِعِلْمِي. في كَلامٍ طَوِيلٍ، قالَ فَسَكَتَ مُوسى سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ جاءَهُ مَلَكٌ فَقالَ:“أجِبْ رَبَّكَ فِيما أمَرَكَ بِعَبْدِهِ " .