Tafsir Al-Razi — سبأ 34:1 – فاطر 35:45
المحتويات
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
سبأ 34:1
صفحة ٢٠٦
(سُورَةُ سَبَأٍ)
مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ وهي ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ.
وهِيَ أرْبَعٌ وقِيلَ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
السُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالحَمْدِ خَمْسُ سُوَرٍ: سُورَتانِ مِنها في النِّصْفِ الأوَّلِ، وهُما الأنْعامُ والكَهْفُ، وسُورَتانِ في الأخِيرِ، وهُما هَذِهِ السُّورَةُ وسُورَةُ المَلائِكَةِ، والخامِسَةُ وهي فاتِحَةُ الكِتابِ تُقْرَأُ مَعَ النِّصْفِ الأوَّلِ ومَعَ النِّصْفِ الأخِيرِ، والحِكْمَةُ فِيها أنَّ نِعَمَ اللَّهِ مَعَ كَثْرَتِها وعَدَمِ قُدْرَتِنا عَلى إحْصائِها مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ: نِعْمَةُ الإيجادِ، ونِعْمَةُ الإبْقاءِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَنا أوَّلًا بِرَحْمَتِهِ وخَلَقَ لَنا ما نَقُومُ بِهِ، وهَذِهِ النِّعْمَةُ تُوجَدُ مَرَّةً أُخْرى بِالإعادَةِ فَإنَّهُ يَخْلُقُنا مَرَّةً أُخْرى ويَخْلُقُ لَنا ما يَدُومُ، فَلَنا حالَتانِ الِابْتِداءُ والإعادَةُ، وفي كُلِّ حالَةٍ لَهُ تَعالى عَلَيْنا نِعْمَتانِ: نِعْمَةُ الإيجادِ ونِعْمَةُ الإبْقاءِ، فَقالَ في النِّصْفِ الأوَّلِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] إشارَةً إلى الشُّكْرِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] إشارَةً إلى الإيجادِ الأوَّلِ، وقالَ في السُّورَةِ الثّانِيَةِ وهي الكَهْفُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [ الكَهْفِ: ١] إشارَةً إلى الشُّكْرِ عَلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ، فَإنَّ الشَّرائِعَ بِها البَقاءُ، ولَوْلا شَرْعٌ يَنْقادُ لَهُ الخَلْقُ لاتَّبَعَ كُلُّ واحِدٍ هَواهُ، ولَوَقَعَتِ المُنازَعاتُ في المُشْتَبِهاتِ وأدّى إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإيجادِ الثّانِي ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقالَ في المَلائِكَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ والمَلائِكَةُ بِأجْمَعِهِمْ لا يَكُونُونَ رُسُلًا إلّا يَوْمَ القِيامَةِ يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ مُسَلِّمِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقالَ تَعالى عَنْهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وفاتِحَةُ الكِتابِ لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى ذِكْرِ النِّعْمَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [ الفاتِحَةِ: ٢] إشارَةً إلى
صفحة ٢٠٧
النِّعْمَةِ العاجِلَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إشارَةً إلى النِّعْمَةِ الآجِلَةِ قُرِئَتْ في الِافْتِتاحِ وفي الِاخْتِتامِ، ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الحَمْدُ شُكْرٌ، والشُّكْرُ عَلى النِّعْمَةِ، واللَّهُ تَعالى جَعَلَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ لَنا حَتّى يَجِبَ الشُّكْرُ، نَقُولُ جَوابًا عَنْهُ: الحَمْدُ يُفارِقُ الشُّكْرَ في مَعْنًى وهو أنَّ الحَمْدَ أعَمُّ فَيُحْمَدُ مَن فِيهِ صِفاتٌ حَمِيدَةٌ وإنْ لَمْ يُنْعِمْ عَلى الحامِدِ أصْلًا، فَإنَّ الإنْسانَ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَقُولَ في حَقِّ عالِمٍ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ أصْلًا: إنَّهُ عالِمٌ عامِلٌ بارِعٌ كامِلٌ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّهُ يَحْمَدُ فُلانًا ولا يُقالُ: إنَّهُ يَشْكُرُهُ إلّا إذا ذَكَرَ نِعَمَهُ أوْ ذَكَرَهُ عَلى نِعَمِهِ، فاللَّهُ تَعالى مَحْمُودٌ في الأزَلِ لِاتِّصافِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، ومَشْكُورٌ ولا يَزالُ عَلى ما أبْدى مِنَ الكَرَمِ وأسْدى مِنَ النِّعَمِ فَلا يَلْزَمُ ذِكْرُ النِّعْمَةِ لِلْحَمْدِ بَلْ يَكْفِي ذِكْرُ العَظَمَةِ وفي كَوْنِهِ مالِكَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ عَظَمَةٌ كامِلَةٌ فَلَهُ الحَمْدُ، عَلى أنّا نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يُوجِبُ شُكْرًا أتَمَّ مِمّا يُوجِبُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] وذَلِكَ لِأنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إذا كانَ لِلَّهِ ونَحْنُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ لا هو، يُوجِبُ ذَلِكَ شُكْرًا لا يُوجِبُهُ كَوْنُ ذَلِكَ لَنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ الحَمْدَ هَهُنا إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ الَّتِي في الآخِرَةِ، فَلِمَ ذَكَرَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَنَقُولُ: نِعَمُ الآخِرَةِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَذَكَرَ اللَّهُ النِّعَمَ المَرْئِيَّةَ وهي ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ لِيُقاسَ نِعَمُ الآخِرَةِ بِنِعَمِ الدُّنْيا ويُعْلَمَ فَضْلُها بِدَوامِها وفَناءِ العاجِلَةِ ولِهَذا قالَ: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالحِكْمَةِ والخَيْرِ، والحِكْمَةُ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لِلَّهِ لا يُمْكِنُ زَوالُها فَيُمْكِنُ مِنهُ إيجادُ أمْثالِ هَذِهِ مَرَّةً أُخْرى في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحِكْمَةُ هي العِلْمُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الفِعْلُ فَإنَّ مَن يَعْلَمُ أمْرًا ولَمْ يَأْتِ بِما يُناسِبُ عِلْمَهُ لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ، فالفاعِلُ الَّذِي فِعْلُهُ عَلى وفْقِ العِلْمِ هو الحَكِيمُ، والخَبِيرُ هو الَّذِي يَعْلَمُ عَواقِبَ الأُمُورِ وبَواطِنَها فَقَوْلُهُ: (حَكِيمٌ) أيْ في الِابْتِداءِ يَخْلُقُ كَما يَنْبَغِي وخَبِيرٌ أيْ بِالِانْتِهاءِ يَعْلَمُ ماذا يَصْدُرُ مِنَ المَخْلُوقِ وما لا يَصْدُرُ إلى ماذا يَكُونُ مَصِيرُ كُلِّ أحَدٍ فَهو حَكِيمٌ في الِابْتِداءِ خَبِيرٌ في الِانْتِهاءِ.
سبأ 34:2
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَما أخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ .
ما يَلِجُ في الأرْضِ مِنَ الحَبَّةِ والأمْواتِ ويَخْرُجُ مِنها مِنَ السَّنابِلِ والأحْياءِ وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن أنْواعِ رَحْمَتِهِ مِنها المَطَرُ ومِنها المَلائِكَةُ ومِنها القُرْآنُ، وما يَعْرُجُ فِيها مِنها الكَلِمُ الطَّيِّبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ومِنها الأرْواحُ ومِنها الأعْمالُ الصّالِحَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٠٨
المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ ما يَلِجُ في الأرْضِ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّ الحَبَّةَ تُبْذَرُ أوَّلًا ثُمَّ تُسْقى ثانِيًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: وما يَعْرُجُ فِيها ولَمْ يَقُلْ: يَعْرُجُ إلَيْها إشارَةً إلى قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ومَرْتَبَةِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ وهَذا لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِلْغايَةِ، فَلَوْ قالَ وما يَعْرُجُ إلَيْها لَفُهِمَ الوُقُوفُ عِنْدَ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ لِيُفْهَمَ نُفُوذُها فِيها وصُعُودُها مِنها ولِهَذا قالَ في الكَلِمِ الطَّيِّبِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ لِأنَّ اللَّهَ هو المُنْتَهى ولا مَرْتَبَةَ فَوْقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، وأمّا السَّماءُ فَهي دُنْيا وفَوْقَها المُنْتَهى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ رَحِيمٌ بِالإنْزالِ حَيْثُ يُنْزِلُ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ، غَفُورٌ عِنْدَما تَعْرُجُ إلَيْهِ الأرْواحُ والأعْمالُ فَرَحِمَ أوَّلًا بِالإنْزالِ وغَفَرَ ثانِيًا عِنْدَ العُرُوجِ.
سبأ 34:3
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَما أخْبَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ .
ما يَلِجُ في الأرْضِ مِنَ الحَبَّةِ والأمْواتِ ويَخْرُجُ مِنها مِنَ السَّنابِلِ والأحْياءِ وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن أنْواعِ رَحْمَتِهِ مِنها المَطَرُ ومِنها المَلائِكَةُ ومِنها القُرْآنُ، وما يَعْرُجُ فِيها مِنها الكَلِمُ الطَّيِّبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ومِنها الأرْواحُ ومِنها الأعْمالُ الصّالِحَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٠٨
المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ ما يَلِجُ في الأرْضِ عَلى ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّ الحَبَّةَ تُبْذَرُ أوَّلًا ثُمَّ تُسْقى ثانِيًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: وما يَعْرُجُ فِيها ولَمْ يَقُلْ: يَعْرُجُ إلَيْها إشارَةً إلى قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ومَرْتَبَةِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ وهَذا لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِلْغايَةِ، فَلَوْ قالَ وما يَعْرُجُ إلَيْها لَفُهِمَ الوُقُوفُ عِنْدَ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ لِيُفْهَمَ نُفُوذُها فِيها وصُعُودُها مِنها ولِهَذا قالَ في الكَلِمِ الطَّيِّبِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ لِأنَّ اللَّهَ هو المُنْتَهى ولا مَرْتَبَةَ فَوْقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، وأمّا السَّماءُ فَهي دُنْيا وفَوْقَها المُنْتَهى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ رَحِيمٌ بِالإنْزالِ حَيْثُ يُنْزِلُ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ، غَفُورٌ عِنْدَما تَعْرُجُ إلَيْهِ الأرْواحُ والأعْمالُ فَرَحِمَ أوَّلًا بِالإنْزالِ وغَفَرَ ثانِيًا عِنْدَ العُرُوجِ.
سبأ 34:4
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ اللَّهُ بِها الحَمْدَ وهي نِعْمَةُ الآخِرَةِ أنْكَرَها قَوْمٌ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .
أخْبَرَ بِإتْيانِها وأكَّدَهُ بِاليَمِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَصِحُّ التَّأْكِيدُ بِاليَمِينِ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ: لا رَبَّ وإنْ كانُوا يَقُولُونَ بِهِ، لَكِنَّ المَسْألَةَ الأُصُولِيَّةَ لا تَثْبُتُ بِاليَمِينِ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اليَمِينِ بَلْ ذَكَرَ الدَّلِيلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وبَيانُ كَوْنِهِ دَلِيلًا هو أنَّ المُسِيءَ قَدْ يَبْقى في الدُّنْيا مُدَّةً مَدِيدَةً في اللَّذّاتِ العاجِلَةِ ويَمُوتُ عَلَيْها، والمُحْسِنُ قَدْ يَدُومُ في دارِ الدُّنْيا في الآلامِ الشَّدِيدَةِ مُدَّةً ويَمُوتُ فِيها، فَلَوْلا دارٌ تَكُونُ الأجْزِيَةُ فِيها لَكانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ الحِكْمَةِ، والَّذِي أقُولُهُ أنا هو أنَّ الدَّلِيلَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ أظْهَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ يَعْلَمُ أجْزاءَ الأحْياءِ ويَقْدِرُ عَلى جَمْعِها فالسّاعَةُ مُمْكِنَةُ القِيامِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْها الصّادِقُ فَتَكُونُ واقِعَةً، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ الإنْسانَ لَهُ جِسْمٌ ورُوحٌ، والأجْسامُ أجْزاؤُها في الأرْضِ، والأرْواحُ في السَّماءِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأجْسامِ، وإذا عَلِمَ الأرْواحَ والأشْباحَ وقَدَرَ عَلى جَمْعِها لا يَبْقى اسْتِبْعادٌ في المَعادِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذِكْرَ مِثْقالِ الذَّرَّةِ لَيْسَ لِلتَّحْدِيدِ بَلِ الأصْغَرُ مِنهُ لا يَعْزُبُ، وعَلى هَذا فَلَوْ قالَ قائِلٌ فَأيُّ حاجَةٍ إلى ذِكْرِ الأكْبَرِ، فَإنَّ مَن عَلِمَ الأصْغَرَ مِنَ الذَّرَّةِ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْلَمَ الأكْبَرَ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ بَيانَ إثْباتِ الأُمُورِ في الكِتابِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلى الأصْغَرِ لَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ يُثْبِتُ الصَّغائِرَ، لِكَوْنِها مَحَلَّ النِّسْيانِ، أمّا الأكْبَرُ فَلا يُنْسى فَلا حاجَةَ إلى إثْباتِهِ، فَقالَ: الإثْباتُ
صفحة ٢٠٩
فِي الكِتابِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ الأكْبَرَ أيْضًا مَكْتُوبٌ فِيهِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عِلْمَهُ بِالصَّغائِرِ والكَبائِرِ ذَكَرَ أنَّ جَمْعَ ذَلِكَ وإثْباتَهُ لِلْجَزاءِ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِمْ أمْرَيْنِ: الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وذَكَرَ لَهم أمْرَيْنِ: المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ الكَرِيمَ، فالمَغْفِرَةُ جَزاءُ الإيمانِ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مَغْفُورٌ لَهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أخْبَرَنا بِهِ تاجُ الدِّينِ عِيسى بْنُ أحْمَدَ ابْنِ الحاكِمِ البَنْدَهِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي والِدِي عَنْ جَدِّي عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ عَبْدِ الواحِدِ المَلِيجِيِّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الفِرَبْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْماعِيلَ البُخارِيِّ ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وفي قَلْبِهِ وزْنُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ» “ والرِّزْقُ الكَرِيمُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ وهو مُناسِبٌ فَإنَّ مَن عَمِلَ لِسَيِّدٍ كَرِيمٍ عَمَلًا، فَعِنْدَ فَراغِهِ مِنَ العَمَلِ لا بُدَّ مِن أنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ إنْعامًا ويُطْعِمَهُ طَعامًا، ووَصْفُ الرِّزْقِ بِالكَرِيمِ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ بِمَعْنى ذِي كَرَمٍ أوْ مُكْرِمٍ، أوْ لِأنَّهُ يَأْتِي مِن غَيْرِ طَلَبٍ بِخِلافِ رِزْقِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ ما لَمْ يَطْلُبْ ويَتَسَبَّبْ فِيهِ لا يَأْتِي، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَهم ذَلِكَ جَزاءً فَيُوصِلُهُ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهم واللَّهُ يَجْزِيهِمْ بِشَيْءٍ آخَرَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ تامَّةٌ اسْمِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهَذا أبْلَغُ في البِشارَةِ مِن قَوْلِ القائِلِ: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا رِزْقًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللّامُ في لِيَجْزِيَ لِلتَّعْلِيلِ، مَعْناهُ الآخِرَةُ لِلْجَزاءِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما وجْهُ المُناسَبَةِ ؟ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى أرادَ أنْ لا يَنْقَطِعَ ثَوابُهُ فَجَعَلَ لِلْمُكَلَّفِ دارًا باقِيَةً لِيَكُونَ ثَوابُهُ واصِلًا إلَيْهِ دائِمًا أبَدًا، وجَعَلَ قَبْلَها دارًا فِيها الآلامُ والأسْقامُ وفِيها المَوْتُ لِيَعْلَمَ المُكَلَّفُ مِقْدارَ ما يَكُونُ فِيهِ في الآخِرَةِ إذا نَسَبَهُ إلى ما قَبْلَها وإذا نَظَرَ إلَيْهِ في نَفْسِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَيَّزَ الرِّزْقَ بِالوَصْفِ بِقَوْلِهِ: ”كَرِيمٌ“ ولَمْ يَصِفِ المَغْفِرَةَ واحِدَةً هي لِلْمُؤْمِنِينَ والرِّزْقُ مِنهُ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ والحَمِيمُ، ومِنهُ الفَواكِهُ والشَّرابُ الطَّهُورُ، فَمَيَّزَ الرِّزْقَ لِحُصُولِ الِانْقِسامِ فِيهِ، ولَمْ يُمَيَّزِ المَغْفِرَةَ لِعَدَمِ الِانْقِسامِ فِيها.
سبأ 34:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيَّنَ حالَ الكافِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ أيْ بِالإبْطالِ، ويَكُونُ مَعْناهُ: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا في مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿آمَنُوا﴾ مَعْناهُ صَدَّقُوا وهَذا مَعْناهُ كَذَّبُوا فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ عُلِمَ كَوْنُ سَعْيِهِمْ في الإبْطالِ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ مُطْلَقُ السَّعْيِ ؟ فَنَقُولُ: فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُعاجِزِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ حالٌ مَعْناهُ سَعَوْا فِيها وهم يُرِيدُونَ التَّعْجِيزَ وبِالسَّعْيِ في التَّقْرِيرِ والتَّبْلِيغِ لا يَكُونُ السّاعِي مُعاجِزًا لِأنَّ القُرْآنَ وآياتِ اللَّهِ مُعْجِزَةٌ في نَفْسِها لا حاجَةَ لَها إلى أحَدٍ، وأمّا المُكَذِّبُ فَهو آتٍ بِإخْفاءِ آياتٍ بَيِّناتٍ فَيَحْتاجُ إلى السَّعْيِ العَظِيمِ والجَدِّ البَلِيغِ لِيُرَوِّجَ كَذِبَهُ لَعَلَّهُ يُعْجِزُ المُتَمَسِّكَ بِهِ، وقِيلَ بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ ظانِّينَ أنَّهم يُفَوِّتُونَ اللَّهَ، وعَلى هَذا يَكُونُ كَوْنُ السّاعِي ساعِيًا بِالباطِلِ في
صفحة ٢١٠
غايَةِ الظُّهُورِ، ولَهم عَذابٌ في مُقابَلَةِ ﴿لَهم رِزْقٌ﴾، وفي الآيَةِ لَطائِفُ: الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿لَهم عَذابٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَجْزِيهِمُ اللَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ مِنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَجْزِيهِمْ بِشَيْءٍ آخَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ إخْبارٌ عَنْ مُسْتَحَقِّهِمُ المُعَدِّ لَهم، وعَلى الجُمْلَةِ فاحْتِمالُ الزِّيادَةِ هُناكَ قائِمٌ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ وهَهُنا لَمْ يَقُلْ لِيُجازِيَهم، فَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.
الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: لَهم مَغْفِرَةٌ، ثُمَّ زادَهم فَقالَ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهَهُنا لَمْ يَقُلْ إلّا لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ، والجَوابُ تَقَدَّمَ في مِثْلِهِ.
الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ولَمْ يُقَلِّلْهُ بِمِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ لَهم نَصِيبٌ مِن رِزْقٍ، ولا رِزْقٌ مِن جِنْسٍ كَرِيمٍ، وقالَ هَهُنا: ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ بِلَفْظَةٍ صالِحَةٍ لِلتَّبْعِيضِ وكُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وقِلَّةِ الغَضَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها والرِّجْزُ قِيلَ: أسْوَأُ العَذابِ، وعَلى هَذا ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ كَقَوْلِ القائِلِ: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، وفي الألِيمِ قِراءَتانِ الجَرُّ والرَّفْعُ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّ الألِيمَ وصْفُ العَذابِ كَأنَّهُ قالَ: عَذابٌ ألِيمٌ مِن أسْوَأِ العَذابِ والجَرُّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلرِّجْزِ والرَّفْعُ أقْرَبُ نَظَرًا إلى المَعْنى، والجَرُّ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ تَنْحَصِرُ الأقْسامُ في المُؤْمِنِ الصّالِحِ عَمَلُهُ والمُكَذِّبِ السّاعِي المُعَجِّزِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ مُؤْمِنًا لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أوْ كافِرٌ مُتَوَقِّفٌ، فَنَقُولُ إذا عُلِمَ حالُ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ يُعْلَمُ أنَّ المُؤْمِنَ قَرِيبُ الدَّرَجَةِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أمْرُهُ، والكافِرُ قَرِيبُ الدَّرَجَةِ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ ولِلْمُؤْمِنِ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في الكَرامَةِ مِثْلَ رِزْقِ الَّذِي عَمِلَ صالِحًا ولِلْكافِرِ غَيْرِ المُعانِدِ عَذابٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أسْوَأِ الأنْواعِ الَّتِي لِلْمُكَذِّبِينَ المُعانِدِينَ.
سبأ 34:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَسْعى في التَّكْذِيبِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا وهو أنَّ سَعْيَهُ باطِلٌ فَإنَّ مَن أُوتِيَ عِلْمًا لا يَغْتَرُّ بِتَكْذِيبِهِ ويَعْلَمُ أنَّ ما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ وصِدْقٌ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ لَيْسَ الحَقُّ إلّا ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُ المُكَذِّبِ فَباطِلٌ، بِخِلافِ ما إذا تَنازَعَ خَصْمانِ، والنِّزاعُ لَفْظِيٌّ فَيَكُونُ قَوْلُ كُلِّ واحِدٍ حَقًّا في المَعْنى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَوْنِهِ هو الحَقَّ فَإنَّهُ هادٍ إلى هَذا الصِّراطِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِفائِدَةٍ أُخْرى، وهي أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا هادِيًا، والحَقُّ واجِبُ القَبُولِ فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ فائِدَةٌ في الِاسْتِقْبالِ وهي الوُصُولُ إلى اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ يُفِيدُ رَغْبَةً ورَهْبَةً، فَإنَّهُ إذا كانَ عَزِيزًا يَكُونُ ذا انْتِقامٍ يَنْتَقِمُ مِنَ الَّذِي يَسْعى في التَّكْذِيبِ، وإذا كانَ حَمِيدًا يَشْكُرُ سَعْيَ مَن يُصَدِّقُ ويَعْمَلُ صالِحًا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قَدَّمَ الصِّفَةَ الَّتِي لِلْهَيْبَةِ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي لِلرَّحْمَةِ مَعَ أنَّكَ أبَدًا تَسْعى في بَيانِ تَقْدِيمِ جانِبِ الرَّحْمَةِ ؟ نَقُولُ: كَوْنُهُ عَزِيزًا تامَّ الهَيْبَةِ شَدِيدَ الِانْتِقامِ يُقَوِّي جانِبَ الرَّغْبَةِ؛ لِأنَّ رِضا الجَبّارِ العَزِيزِ أعَزُّ وأكْرَمُ مِن رِضا مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فالعِزَّةُ كَما تُخَوِّفُ تُرْجى أيْضًا، وكَما تُرَغِّبُ عَنِ التَّكْذِيبِ تُرَغِّبُ في
صفحة ٢١١
التَّصْدِيقِ لِيَحْصُلَ القُرْبُ مِنَ العَزِيزِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وجْهُ التَّرْتِيبِ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم أنْكَرُوا السّاعَةَ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وبَيَّنَ ما يَكُونُ بَعْدَ إتْيانِها مِن جَزاءِ المُؤْمِنِ عَلى عَمَلِهِ الصّالِحِ وجَزاءِ السّاعِي في تَكْذِيبِ الآياتِ بِالتَّعْذِيبِ عَلى السَّيِّئاتِ، بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَقالَ المُؤْمِنُ: هو الَّذِي يَقُولُ: الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ الحَقُّ وهو يَهْدِي، وقالَ الكافِرُ: هو الَّذِي يَقُولُ هو باطِلٌ، ومِن غايَةِ اعْتِقادِهِمْ وعِنادِهِمْ في إبْطالِ ذَلِكَ قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ في الِاسْتِبْعادِ، جاءَ رَجُلٌ يَقُولُ: إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنَ المَغْرِبِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ.
سبأ 34:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَسْعى في التَّكْذِيبِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا وهو أنَّ سَعْيَهُ باطِلٌ فَإنَّ مَن أُوتِيَ عِلْمًا لا يَغْتَرُّ بِتَكْذِيبِهِ ويَعْلَمُ أنَّ ما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ وصِدْقٌ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ لَيْسَ الحَقُّ إلّا ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُ المُكَذِّبِ فَباطِلٌ، بِخِلافِ ما إذا تَنازَعَ خَصْمانِ، والنِّزاعُ لَفْظِيٌّ فَيَكُونُ قَوْلُ كُلِّ واحِدٍ حَقًّا في المَعْنى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَوْنِهِ هو الحَقَّ فَإنَّهُ هادٍ إلى هَذا الصِّراطِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِفائِدَةٍ أُخْرى، وهي أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا هادِيًا، والحَقُّ واجِبُ القَبُولِ فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ فائِدَةٌ في الِاسْتِقْبالِ وهي الوُصُولُ إلى اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ يُفِيدُ رَغْبَةً ورَهْبَةً، فَإنَّهُ إذا كانَ عَزِيزًا يَكُونُ ذا انْتِقامٍ يَنْتَقِمُ مِنَ الَّذِي يَسْعى في التَّكْذِيبِ، وإذا كانَ حَمِيدًا يَشْكُرُ سَعْيَ مَن يُصَدِّقُ ويَعْمَلُ صالِحًا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قَدَّمَ الصِّفَةَ الَّتِي لِلْهَيْبَةِ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي لِلرَّحْمَةِ مَعَ أنَّكَ أبَدًا تَسْعى في بَيانِ تَقْدِيمِ جانِبِ الرَّحْمَةِ ؟ نَقُولُ: كَوْنُهُ عَزِيزًا تامَّ الهَيْبَةِ شَدِيدَ الِانْتِقامِ يُقَوِّي جانِبَ الرَّغْبَةِ؛ لِأنَّ رِضا الجَبّارِ العَزِيزِ أعَزُّ وأكْرَمُ مِن رِضا مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فالعِزَّةُ كَما تُخَوِّفُ تُرْجى أيْضًا، وكَما تُرَغِّبُ عَنِ التَّكْذِيبِ تُرَغِّبُ في
صفحة ٢١١
التَّصْدِيقِ لِيَحْصُلَ القُرْبُ مِنَ العَزِيزِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وجْهُ التَّرْتِيبِ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم أنْكَرُوا السّاعَةَ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وبَيَّنَ ما يَكُونُ بَعْدَ إتْيانِها مِن جَزاءِ المُؤْمِنِ عَلى عَمَلِهِ الصّالِحِ وجَزاءِ السّاعِي في تَكْذِيبِ الآياتِ بِالتَّعْذِيبِ عَلى السَّيِّئاتِ، بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَقالَ المُؤْمِنُ: هو الَّذِي يَقُولُ: الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ الحَقُّ وهو يَهْدِي، وقالَ الكافِرُ: هو الَّذِي يَقُولُ هو باطِلٌ، ومِن غايَةِ اعْتِقادِهِمْ وعِنادِهِمْ في إبْطالِ ذَلِكَ قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ في الِاسْتِبْعادِ، جاءَ رَجُلٌ يَقُولُ: إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنَ المَغْرِبِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ.
سبأ 34:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَمامَ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا أوَّلًا أعْنِي هو مِن كَلامِ مَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ كَأنَّ السّامِعَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ القائِلِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ لَهُ: أهُوَ يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ كَذِبًا ؟ إنْ كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَهُ، أمْ بِهِ جَنَّةٌ [ أيْ ] جُنُونٌ ؟ إنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ خِلافَهُ (وفي هَذا لَطِيفَةٌ) وهي أنَّ الكافِرَ لا يَرْضى بِأنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، ولِهَذا قَسَمَ ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ مُفْتَرٍ، بَلْ قالَ مُفْتَرٍ أوْ مَجْنُونٌ، احْتِرازًا مِن أنْ يَقُولَ قائِلٌ: كَيْفَ يَقُولُ بِأنَّهُ مُفْتَرٍ، مَعَ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَظُنَّ أنَّ الحَقَّ ذَلِكَ فَظَنُّ الصِّدْقِ يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ القائِلِ مُفْتَرِيًا وكاذِبًا في بَعْضِ المَواضِعِ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ، فَإذا تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ وقِيلَ لَهُ: كَذَبْتَ، يَقُولُ: ما كَذَبْتُ، وإنَّما سَمِعْتُ مِن فُلانٍ أنَّهُ جاءَ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ صادِقٌ فَيَدْفَعُ الكَذِبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالظَّنِّ، فَهُمُ احْتَرَزُوا عَنْ تَبَيُّنِ كَذِبِهِمْ، فَكُلُّ عاقِلٍ يَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِزَ عَنْ ظُهُورِ كَذِبِهِ عِنْدَ النّاسِ، ولا يَكُونُ العاقِلُ أدْنى دَرَجَةً مِنَ الكافِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَهم مَرَّةً أُخْرى وقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ وكِلاهُما مُناسِبٌ. أمّا العَذابُ؛ فَلِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى الصّادِقِ مُؤْذِيَةٌ؛ لِأنَّهُ شَهادَةٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ العَذابَ فَجُعِلَ العَذابُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ. وأمّا الجُنُونُ فَلِأنَّ نِسْبَةَ الجُنُونِ إلى العاقِلِ دُونَهُ في الإيذاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُعَذَّبُ، ولَكِنْ يَنْسُبُهُ إلى عَدَمِ الهِدايَةِ فَبَيَّنَ أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ، ثُمَّ وصَفَ ضَلالَهم بِالبُعْدِ؛ لِأنَّ مَن يُسَمِّي المُهْتَدِي ضالًّا يَكُونُ هو الضّالَّ، فَمَن يُسَمِّي الهادِيَ ضالًّا يَكُونُ أضَلَّ،
صفحة ٢١٢
والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ هادِيَ كُلِّ مُهْتَدٍ.
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾
لَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِكَوْنِهِ عالِمَ الغَيْبِ وكَوْنِهِ جازِيًا عَلى السَّيِّئاتِ والحَسَناتِ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ وذَكَرَ فِيهِ تَهْدِيدًا. أمّا الدَّلِيلُ فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ فَإنَّهُما يَدُلّانِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ويَدُلّانِ عَلى الحَشْرِ لِأنَّهُما يَدُلّانِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ومِنها الإعادَةُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وأمّا التَّهْدِيدُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ يَعْنِي نَجْعَلُ عَيْنَ نافِعِهِمْ ضارَّهم بِالخَسْفِ والكِسَفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يَرْجِعُ إلى اللَّهِ ويَتْرُكُ التَّعَصُّبَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَن يُنِيبُ مِن عِبادِهِ، ذَكَرَ مِنهم مَن أنابَ وأصابَ ومِن جُمْلَتِهِمْ داوُدُ كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وبَيَّنَ ما آتاهُ اللَّهُ عَلى إنابَتِهِ فَقالَ:
﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنّا﴾ إشارَةٌ إلى بَيانِ فَضِيلَةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ مُسْتَقِلٌّ بِالمَفْهُومِ وتامٌّ كَما يَقُولُ القائِلُ: آتى المَلِكُ زَيْدًا خِلْعَةً، فَإذا قالَ القائِلُ: آتاهُ مِنهُ خِلْعَةً يُفِيدُ أنَّهُ كانَ مِن خاصِّ ما يَكُونُ لَهُ، فَكَذَلِكَ إيتاءُ اللَّهِ الفَضْلَ عامٌّ، لَكِنَّ النُّبُوَّةَ مِن عِنْدِهِ خاصٌّ بِالبَعْضِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ [التوبة: ٢١] فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ واسِعَةٌ تَصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ في الدُّنْيا لَكِنَّ رَحْمَتَهُ في الآخِرَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ مِن عِنْدِهِ لِخَواصِّهِ فَقالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يا جِبالُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضْلًا﴾ مَعْناهُ آتَيْناهُ فَضْلًا، قَوْلُنا: يا جِبالُ، أوْ مَن آتَيْنا ومَعْناهُ قُلْنا: يا جِبالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ أوِّبِي بِتَشْدِيدِ الواوِ مِنَ التَّأْوِيبِ وبِسُكُونِها وضَمِّ الهَمْزَةِ: أُوبِي مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ، والتَّأْوِيبُ التَّرْجِيعُ، وقِيلَ بِأنَّ مَعْناهُ سِيرِي مَعَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قالُوا: هو مِنَ السِّباحَةِ وهي الحَرَكَةُ المَخْصُوصَةُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ حَمْلًا عَلى مَحَلِّ المُنادى، والطَّيْرُ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَمْ يَكُنِ المُوافِقُ لَهُ في التَّأْوِيبِ مُنْحَصِرًا في الجِبالِ والطَّيْرِ ولَكِنْ ذَكَرَ الجِبالَ؛ لِأنَّ الصُّخُورَ لِلْجُمُودِ، والطَّيْرَ لِلنُّفُورِ تُسْتَبْعَدُ مِنهُما المُوافَقَةُ، فَإذا وافَقَهُ هَذِهِ الأشْياءُ فَغَيْرُها أوْلى، ثُمَّ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن لَمْ يُوافِقْهُ وهُمُ القاسِيَةُ قُلُوبُهُمُ الَّتِي هي أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ عَطْفٌ، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”قُلْنا“ المُقَدَّرَ في قَوْلِهِ: ”﴿ياجِبالُ﴾“ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا: ﴿ياجِبالُ﴾ أوِّبِي وألَنّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى آتَيْنا تَقْدِيرُهُ آتَيْناهُ فَضْلًا وألَنّا لَهُ.
صفحة ٢١٣
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ألانَ اللَّهُ لَهُ الحَدِيدَ حَتّى كانَ في يَدِهِ كالشَّمْعِ وهو في قُدْرَةِ اللَّهُ يَسِيرٌ، فَإنَّهُ يَلِينُ بِالنّارِ ويَنْحَلُّ حَتّى يَصِيرَ كالمِدادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، فَأيُّ عاقِلٍ يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، قِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُغْنِيَهُ عَنْ أكْلِ مالِ بَيْتِ المالِ فَألانَ لَهُ الحَدِيدَ وعَلَّمَهُ صَنْعَةَ اللَّبُوسِ وهي الدُّرُوعُ، وإنَّما اخْتارَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ وِقايَةٌ لِلرُّوحِ الَّتِي هي مِن أمْرِهِ وسَعْيٌ في حِفْظِ الآدَمِيِّ المُكَرَّمِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القَتْلِ، فالزَّرّادُ خَيْرٌ مِنَ القَوّاسِ والسَّيّافِ وغَيْرِهِما.
سبأ 34:9
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَمامَ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا أوَّلًا أعْنِي هو مِن كَلامِ مَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ كَأنَّ السّامِعَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ القائِلِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ لَهُ: أهُوَ يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ كَذِبًا ؟ إنْ كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَهُ، أمْ بِهِ جَنَّةٌ [ أيْ ] جُنُونٌ ؟ إنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ خِلافَهُ (وفي هَذا لَطِيفَةٌ) وهي أنَّ الكافِرَ لا يَرْضى بِأنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، ولِهَذا قَسَمَ ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ مُفْتَرٍ، بَلْ قالَ مُفْتَرٍ أوْ مَجْنُونٌ، احْتِرازًا مِن أنْ يَقُولَ قائِلٌ: كَيْفَ يَقُولُ بِأنَّهُ مُفْتَرٍ، مَعَ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَظُنَّ أنَّ الحَقَّ ذَلِكَ فَظَنُّ الصِّدْقِ يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ القائِلِ مُفْتَرِيًا وكاذِبًا في بَعْضِ المَواضِعِ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ، فَإذا تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ وقِيلَ لَهُ: كَذَبْتَ، يَقُولُ: ما كَذَبْتُ، وإنَّما سَمِعْتُ مِن فُلانٍ أنَّهُ جاءَ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ صادِقٌ فَيَدْفَعُ الكَذِبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالظَّنِّ، فَهُمُ احْتَرَزُوا عَنْ تَبَيُّنِ كَذِبِهِمْ، فَكُلُّ عاقِلٍ يَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِزَ عَنْ ظُهُورِ كَذِبِهِ عِنْدَ النّاسِ، ولا يَكُونُ العاقِلُ أدْنى دَرَجَةً مِنَ الكافِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَهم مَرَّةً أُخْرى وقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ وكِلاهُما مُناسِبٌ. أمّا العَذابُ؛ فَلِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى الصّادِقِ مُؤْذِيَةٌ؛ لِأنَّهُ شَهادَةٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ العَذابَ فَجُعِلَ العَذابُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ. وأمّا الجُنُونُ فَلِأنَّ نِسْبَةَ الجُنُونِ إلى العاقِلِ دُونَهُ في الإيذاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُعَذَّبُ، ولَكِنْ يَنْسُبُهُ إلى عَدَمِ الهِدايَةِ فَبَيَّنَ أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ، ثُمَّ وصَفَ ضَلالَهم بِالبُعْدِ؛ لِأنَّ مَن يُسَمِّي المُهْتَدِي ضالًّا يَكُونُ هو الضّالَّ، فَمَن يُسَمِّي الهادِيَ ضالًّا يَكُونُ أضَلَّ،
صفحة ٢١٢
والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ هادِيَ كُلِّ مُهْتَدٍ.
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾
لَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِكَوْنِهِ عالِمَ الغَيْبِ وكَوْنِهِ جازِيًا عَلى السَّيِّئاتِ والحَسَناتِ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ وذَكَرَ فِيهِ تَهْدِيدًا. أمّا الدَّلِيلُ فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ فَإنَّهُما يَدُلّانِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ويَدُلّانِ عَلى الحَشْرِ لِأنَّهُما يَدُلّانِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ومِنها الإعادَةُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وأمّا التَّهْدِيدُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ يَعْنِي نَجْعَلُ عَيْنَ نافِعِهِمْ ضارَّهم بِالخَسْفِ والكِسَفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يَرْجِعُ إلى اللَّهِ ويَتْرُكُ التَّعَصُّبَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَن يُنِيبُ مِن عِبادِهِ، ذَكَرَ مِنهم مَن أنابَ وأصابَ ومِن جُمْلَتِهِمْ داوُدُ كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وبَيَّنَ ما آتاهُ اللَّهُ عَلى إنابَتِهِ فَقالَ:
﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنّا﴾ إشارَةٌ إلى بَيانِ فَضِيلَةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ مُسْتَقِلٌّ بِالمَفْهُومِ وتامٌّ كَما يَقُولُ القائِلُ: آتى المَلِكُ زَيْدًا خِلْعَةً، فَإذا قالَ القائِلُ: آتاهُ مِنهُ خِلْعَةً يُفِيدُ أنَّهُ كانَ مِن خاصِّ ما يَكُونُ لَهُ، فَكَذَلِكَ إيتاءُ اللَّهِ الفَضْلَ عامٌّ، لَكِنَّ النُّبُوَّةَ مِن عِنْدِهِ خاصٌّ بِالبَعْضِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ [التوبة: ٢١] فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ واسِعَةٌ تَصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ في الدُّنْيا لَكِنَّ رَحْمَتَهُ في الآخِرَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ مِن عِنْدِهِ لِخَواصِّهِ فَقالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يا جِبالُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضْلًا﴾ مَعْناهُ آتَيْناهُ فَضْلًا، قَوْلُنا: يا جِبالُ، أوْ مَن آتَيْنا ومَعْناهُ قُلْنا: يا جِبالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ أوِّبِي بِتَشْدِيدِ الواوِ مِنَ التَّأْوِيبِ وبِسُكُونِها وضَمِّ الهَمْزَةِ: أُوبِي مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ، والتَّأْوِيبُ التَّرْجِيعُ، وقِيلَ بِأنَّ مَعْناهُ سِيرِي مَعَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قالُوا: هو مِنَ السِّباحَةِ وهي الحَرَكَةُ المَخْصُوصَةُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ حَمْلًا عَلى مَحَلِّ المُنادى، والطَّيْرُ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَمْ يَكُنِ المُوافِقُ لَهُ في التَّأْوِيبِ مُنْحَصِرًا في الجِبالِ والطَّيْرِ ولَكِنْ ذَكَرَ الجِبالَ؛ لِأنَّ الصُّخُورَ لِلْجُمُودِ، والطَّيْرَ لِلنُّفُورِ تُسْتَبْعَدُ مِنهُما المُوافَقَةُ، فَإذا وافَقَهُ هَذِهِ الأشْياءُ فَغَيْرُها أوْلى، ثُمَّ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن لَمْ يُوافِقْهُ وهُمُ القاسِيَةُ قُلُوبُهُمُ الَّتِي هي أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ عَطْفٌ، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”قُلْنا“ المُقَدَّرَ في قَوْلِهِ: ”﴿ياجِبالُ﴾“ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا: ﴿ياجِبالُ﴾ أوِّبِي وألَنّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى آتَيْنا تَقْدِيرُهُ آتَيْناهُ فَضْلًا وألَنّا لَهُ.
صفحة ٢١٣
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ألانَ اللَّهُ لَهُ الحَدِيدَ حَتّى كانَ في يَدِهِ كالشَّمْعِ وهو في قُدْرَةِ اللَّهُ يَسِيرٌ، فَإنَّهُ يَلِينُ بِالنّارِ ويَنْحَلُّ حَتّى يَصِيرَ كالمِدادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، فَأيُّ عاقِلٍ يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، قِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُغْنِيَهُ عَنْ أكْلِ مالِ بَيْتِ المالِ فَألانَ لَهُ الحَدِيدَ وعَلَّمَهُ صَنْعَةَ اللَّبُوسِ وهي الدُّرُوعُ، وإنَّما اخْتارَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ وِقايَةٌ لِلرُّوحِ الَّتِي هي مِن أمْرِهِ وسَعْيٌ في حِفْظِ الآدَمِيِّ المُكَرَّمِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القَتْلِ، فالزَّرّادُ خَيْرٌ مِنَ القَوّاسِ والسَّيّافِ وغَيْرِهِما.
سبأ 34:10
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَمامَ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا أوَّلًا أعْنِي هو مِن كَلامِ مَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ كَأنَّ السّامِعَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ القائِلِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ لَهُ: أهُوَ يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ كَذِبًا ؟ إنْ كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَهُ، أمْ بِهِ جَنَّةٌ [ أيْ ] جُنُونٌ ؟ إنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ خِلافَهُ (وفي هَذا لَطِيفَةٌ) وهي أنَّ الكافِرَ لا يَرْضى بِأنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، ولِهَذا قَسَمَ ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ مُفْتَرٍ، بَلْ قالَ مُفْتَرٍ أوْ مَجْنُونٌ، احْتِرازًا مِن أنْ يَقُولَ قائِلٌ: كَيْفَ يَقُولُ بِأنَّهُ مُفْتَرٍ، مَعَ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَظُنَّ أنَّ الحَقَّ ذَلِكَ فَظَنُّ الصِّدْقِ يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ القائِلِ مُفْتَرِيًا وكاذِبًا في بَعْضِ المَواضِعِ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ، فَإذا تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ وقِيلَ لَهُ: كَذَبْتَ، يَقُولُ: ما كَذَبْتُ، وإنَّما سَمِعْتُ مِن فُلانٍ أنَّهُ جاءَ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ صادِقٌ فَيَدْفَعُ الكَذِبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالظَّنِّ، فَهُمُ احْتَرَزُوا عَنْ تَبَيُّنِ كَذِبِهِمْ، فَكُلُّ عاقِلٍ يَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِزَ عَنْ ظُهُورِ كَذِبِهِ عِنْدَ النّاسِ، ولا يَكُونُ العاقِلُ أدْنى دَرَجَةً مِنَ الكافِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَهم مَرَّةً أُخْرى وقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ وكِلاهُما مُناسِبٌ. أمّا العَذابُ؛ فَلِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى الصّادِقِ مُؤْذِيَةٌ؛ لِأنَّهُ شَهادَةٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ العَذابَ فَجُعِلَ العَذابُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ. وأمّا الجُنُونُ فَلِأنَّ نِسْبَةَ الجُنُونِ إلى العاقِلِ دُونَهُ في الإيذاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُعَذَّبُ، ولَكِنْ يَنْسُبُهُ إلى عَدَمِ الهِدايَةِ فَبَيَّنَ أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ، ثُمَّ وصَفَ ضَلالَهم بِالبُعْدِ؛ لِأنَّ مَن يُسَمِّي المُهْتَدِي ضالًّا يَكُونُ هو الضّالَّ، فَمَن يُسَمِّي الهادِيَ ضالًّا يَكُونُ أضَلَّ،
صفحة ٢١٢
والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ هادِيَ كُلِّ مُهْتَدٍ.
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾
لَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِكَوْنِهِ عالِمَ الغَيْبِ وكَوْنِهِ جازِيًا عَلى السَّيِّئاتِ والحَسَناتِ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ وذَكَرَ فِيهِ تَهْدِيدًا. أمّا الدَّلِيلُ فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ فَإنَّهُما يَدُلّانِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ويَدُلّانِ عَلى الحَشْرِ لِأنَّهُما يَدُلّانِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ومِنها الإعادَةُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا، وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وأمّا التَّهْدِيدُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ يَعْنِي نَجْعَلُ عَيْنَ نافِعِهِمْ ضارَّهم بِالخَسْفِ والكِسَفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يَرْجِعُ إلى اللَّهِ ويَتْرُكُ التَّعَصُّبَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَن يُنِيبُ مِن عِبادِهِ، ذَكَرَ مِنهم مَن أنابَ وأصابَ ومِن جُمْلَتِهِمْ داوُدُ كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وبَيَّنَ ما آتاهُ اللَّهُ عَلى إنابَتِهِ فَقالَ:
﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنّا﴾ إشارَةٌ إلى بَيانِ فَضِيلَةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ مُسْتَقِلٌّ بِالمَفْهُومِ وتامٌّ كَما يَقُولُ القائِلُ: آتى المَلِكُ زَيْدًا خِلْعَةً، فَإذا قالَ القائِلُ: آتاهُ مِنهُ خِلْعَةً يُفِيدُ أنَّهُ كانَ مِن خاصِّ ما يَكُونُ لَهُ، فَكَذَلِكَ إيتاءُ اللَّهِ الفَضْلَ عامٌّ، لَكِنَّ النُّبُوَّةَ مِن عِنْدِهِ خاصٌّ بِالبَعْضِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ [التوبة: ٢١] فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ واسِعَةٌ تَصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ في الدُّنْيا لَكِنَّ رَحْمَتَهُ في الآخِرَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ مِن عِنْدِهِ لِخَواصِّهِ فَقالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يا جِبالُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضْلًا﴾ مَعْناهُ آتَيْناهُ فَضْلًا، قَوْلُنا: يا جِبالُ، أوْ مَن آتَيْنا ومَعْناهُ قُلْنا: يا جِبالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ أوِّبِي بِتَشْدِيدِ الواوِ مِنَ التَّأْوِيبِ وبِسُكُونِها وضَمِّ الهَمْزَةِ: أُوبِي مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ، والتَّأْوِيبُ التَّرْجِيعُ، وقِيلَ بِأنَّ مَعْناهُ سِيرِي مَعَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قالُوا: هو مِنَ السِّباحَةِ وهي الحَرَكَةُ المَخْصُوصَةُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ حَمْلًا عَلى مَحَلِّ المُنادى، والطَّيْرُ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَمْ يَكُنِ المُوافِقُ لَهُ في التَّأْوِيبِ مُنْحَصِرًا في الجِبالِ والطَّيْرِ ولَكِنْ ذَكَرَ الجِبالَ؛ لِأنَّ الصُّخُورَ لِلْجُمُودِ، والطَّيْرَ لِلنُّفُورِ تُسْتَبْعَدُ مِنهُما المُوافَقَةُ، فَإذا وافَقَهُ هَذِهِ الأشْياءُ فَغَيْرُها أوْلى، ثُمَّ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن لَمْ يُوافِقْهُ وهُمُ القاسِيَةُ قُلُوبُهُمُ الَّتِي هي أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ عَطْفٌ، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”قُلْنا“ المُقَدَّرَ في قَوْلِهِ: ”﴿ياجِبالُ﴾“ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا: ﴿ياجِبالُ﴾ أوِّبِي وألَنّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى آتَيْنا تَقْدِيرُهُ آتَيْناهُ فَضْلًا وألَنّا لَهُ.
صفحة ٢١٣
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ألانَ اللَّهُ لَهُ الحَدِيدَ حَتّى كانَ في يَدِهِ كالشَّمْعِ وهو في قُدْرَةِ اللَّهُ يَسِيرٌ، فَإنَّهُ يَلِينُ بِالنّارِ ويَنْحَلُّ حَتّى يَصِيرَ كالمِدادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، فَأيُّ عاقِلٍ يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، قِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُغْنِيَهُ عَنْ أكْلِ مالِ بَيْتِ المالِ فَألانَ لَهُ الحَدِيدَ وعَلَّمَهُ صَنْعَةَ اللَّبُوسِ وهي الدُّرُوعُ، وإنَّما اخْتارَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ وِقايَةٌ لِلرُّوحِ الَّتِي هي مِن أمْرِهِ وسَعْيٌ في حِفْظِ الآدَمِيِّ المُكَرَّمِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القَتْلِ، فالزَّرّادُ خَيْرٌ مِنَ القَوّاسِ والسَّيّافِ وغَيْرِهِما.
سبأ 34:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
قِيلَ: إنَّ ”أنْ“ هَهُنا لِلتَّفْسِيرِ فَهي مُفَسِّرَةٌ، بِمَعْنى أيِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وهو تَفْسِيرُ ﴿وألَنّا﴾ وتَحْقِيقُهُ لِأنْ يَعْمَلَ، يَعْنِي ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ لِيَعْمَلَ سابِغاتٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ألْهَمْناهُ أنِ اعْمَلْ، وأنْ مَعَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِلْمَصْدَرِ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ وألْهَمْناهُ عَمَلَ سابِغاتٍ وهي الدُّرُوعُ الواسِعَةُ: ذَكَرَ الصِّفَةَ ويُعْلَمُ مِنها المَوْصُوفُ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ لا تُغَلِّظِ المَسامِيرَ فَيَتَّسِعَ الثُّقْبُ ولا تُوَسِّعِ الثُّقْبَ فَتُقَلْقَلَ المَسامِيرُ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ السَّرْدُ هو عَمَلُ الزَّرَدِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيِ الزَّرَدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ أمْرَ إيجابٍ إنَّما هو اكْتِسابٌ والكَسْبُ يَكُونُ بِقَدْرِ الحاجَةِ وباقِي الأيّامِ واللَّيالِي لِلْعِبادَةِ فَقَدِّرْ في ذَلِكَ العَمَلَ ولا تَشْغَلْ جَمِيعَ أوْقاتِكَ بِالكَسْبِ بَلْ حَصِّلْ بِهِ القُوتَ فَحَسْبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ لَسْتُمْ مَخْلُوقِينَ إلّا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ فاعْمَلُوا ذَلِكَ وأكْثِرُوا مِنهُ، والكَسْبُ قَدِّرُوا فِيهِ، ثُمَّ أكَّدَ طَلَبَ الفِعْلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ مَن يَعْمَلُ لِمَلِكٍ شُغْلًا ويَعْلَمُ أنَّهُ بِمَرْأًى مِنَ المَلِكِ يُحْسِنُ العَمَلَ ويُتْقِنُهُ ويَجْتَهِدُ فِيهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ المُنِيبَ الواحِدَ ذَكَرَ مُنِيبًا آخَرَ وهو سُلَيْمانُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ [ص: ٣٤] .
وذَكَرَ ما اسْتَفادَ هو بِالإنابَةِ فَقالَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، وجْهُ الرَّفْعِ ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ مُسَخَّرَةً أوْ سُخِّرَتْ ”لِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ ووَجْهُ النَّصْبِ ”ولِسُلَيْمانَ“ سَخَّرْنا ”الرِّيحَ“ ولِلرَّفْعِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ كَما يُقالُ لِزَيْدٍ الدّارُ، وذَلِكَ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ لَهُ كالمَمْلُوكِ المُخْتَصِّ بِهِ يَأْمُرُها بِما يُرِيدُ حَيْثُ يُرِيدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ لِلْعَطْفِ فَعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَصِيرُ عَطْفًا لِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وهو لا يَجُوزُ أوْ لا يَحْسُنُ فَكَيْفَ هَذا ؟ فَنَقُولُ لَمّا بَيَّنَ حالَ داوُدَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ ما ذَكَرْنا لِداوَدَ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، وأمّا عَلى
صفحة ٢١٤
النَّصْبِ فَعَلى قَوْلِنا: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: وألَنّا لِداوُدَ الحَدِيدَ وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُسَخَّرُ لِسُلَيْمانَ كانَتْ رِيحًا مَخْصُوصَةً لا هَذِهِ الرِّياحُ، فَإنَّها المَنافِعُ عامَّةً في أوْقاتِ الحاجاتِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ إلّا عَلى التَّوْحِيدِ فَما قَرَأ أحَدٌ: الرِّياحَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: المُرادُ مِن تَسْخِيرِ الجِبالِ وتَسْبِيحِها مَعَ داوُدَ أنَّها كانَتْ تُسَبِّحُ كَما يُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وكانَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ يَفْقَهُ تَسْبِيحَها فَيُسَبِّحُ، ومِن تَسْخِيرِ الرِّيحِ أنَّهُ راضَ الخَيْلَ وهي كالرِّيحِ وقَوْلُهُ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ ثَلاثُونَ فَرْسَخًا لِأنَّ مَن يَخْرُجُ لِلتَّفَرُّجِ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يَسِيرُ أكْثَرَ مِن فَرْسَخٍ ويَرْجِعُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ في حَقِّ داوُدَ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وقَوْلُهُ في حَقِّ سُلَيْمانَ: ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوا تَذْوِيبَ الحَدِيدِ والنُّحاسِ بِالنّارِ واسْتِعْمالَ الآلاتِ مِنهُما، والشَّياطِينَ أيْ أُناسًا أقْوِياءَ وهَذا كُلُّهُ فاسِدٌ حَمَلَهُ عَلى هَذا ضَعْفُ اعْتِقادِهِ [ و] عَدَمُ اعْتِمادِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ وهَذِهِ أشْياءُ مُمْكِنَةٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ لَوْ قالَ قائِلٌ ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الأنْبِياءِ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ وقالَ في الرِّيحِ هُناكَ وهَهُنا: ﴿ولِسُلَيْمانَ﴾ ؟ نَقُولُ الجِبالُ لَمّا سَبَّحَتْ شَرُفَتْ بِذِكْرِ اللَّهِ فَلَمْ يُضِفْها إلى داوُدَ بِلامِ المِلْكِ بَلْ جَعَلَها مَعَهُ كالمُصاحِبِ، والرِّيحُ لَمْ يُذْكَرْ فِيها أنَّها سَبَّحَتْ فَجَعَلَها كالمَمْلُوكَةِ لَهُ وهَذا حَسَنٌ وفِيهِ أمْرٌ آخَرُ مَعْقُولٌ يَظْهَرُ لِي وهو أنَّ عَلى قَوْلِنا: ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ سِيرِي فالجَبَلُ في السَّيْرِ لَيْسَ أصْلًا بَلْ هو يَتَحَرَّكُ مَعَهُ تَبَعًا، والرِّيحُ لا تَتَحَرَّكُ مَعَ سُلَيْمانَ بَلْ تُحَرِّكُ سُلَيْمانَ مَعَ نَفْسِها، فَلَمْ يَقُلِ: الرِّيحُ مَعَ سُلَيْمانَ، بَلْ سُلَيْمانُ كانَ مَعَ الرِّيحِ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ النُّحاسِ ﴿ومِنَ الجِنِّ﴾ أيْ سَخَّرَنا لَهُ مِنَ الجِنِّ، وهَذا يُنْبِئُ عَنْ أنَّ جَمِيعَهم ما كانُوا تَحْتَ أمْرِهِ وهو الظّاهِرُ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ في حَقِّ داوُدَ وثَلاثَةً في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فالجِبالُ المُسَخَّرَةُ لِداوُدَ مِن جِنْسِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّقِيلَ مَعَ ما هو أخَفُّ مِنهُ إذا تَحَرَّكا يَسْبِقُ الخَفِيفُ الثَّقِيلَ ويَبْقى الثَّقِيلُ مَكانَهُ، لَكِنَّ الجِبالَ كانَتْ أثْقَلَ مِنَ الآدَمِيِّ والآدَمِيُّ أثْقَلُ مِنَ الرِّيحِ فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ سارَ الثَّقِيلُ مَعَ الخَفِيفِ أيِ الجِبالُ مَعَ داوُدَ عَلى ما قُلْنا: ﴿أوِّبِي﴾ أيْ سِيرِي، وسُلَيْمانُ وجُنُودُهُ مَعَ الرِّيحِ، الثَّقِيلُ مَعَ الخَفِيفِ أيْضًا، والطَّيْرُ مِن جِنْسِ تَسْخِيرِ الجِنِّ لِأنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ مَعَ الإنْسانِ: الطَّيْرُ لِنُفُورِهِ مِنَ الإنْسِ، والإنْسُ لِنُفُورِهِ مِنَ الجِنِّ، فَإنَّ الإنْسانَ يَتَّقِي مَواضِعَ الجِنِّ، والجِنُّ يَطْلُبُ أبَدًا اصْطِيادَ الإنْسانِ، والإنْسانُ يَطْلُبُ اصْطِيادَ الطَّيْرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ صارَ الطَّيْرُ لا يَنْفِرُ مِن داوُدَ بَلْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ ويَطْلُبُهُ، وسُلَيْمانُ لا يَنْفِرُ مِنَ الجِنِّ بَلْ يُسَخِّرُهُ ويَسْتَخْدِمُهُ، وأمّا القِطْرُ والحَدِيدُ فَتَجاذُبُهُما غَيْرُ خَفِيٍّ (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّ الآدَمِيَّ يَنْبَغِي أنْ يَتَّقِيَ الجِنَّ ويَجْتَنِبَهُ، والِاجْتِماعُ بِهِ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] فَكَيْفَ طَلَبَ سُلَيْمانُ الِاجْتِماعَ بِهِمْ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الحُضُورَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ (ولَطِيفَةٌ أُخْرى) وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِلَفْظِ الرَّبِّ وقالَ: ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّبَّ لَفْظٌ يُنْبِئُ عَنِ الرَّحْمَةِ، فَعِنْدَما كانَتِ الإشارَةُ إلى حِفْظِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّهِ﴾ وعِنْدَما كانَتِ الإشارَةُ إلى
صفحة ٢١٥
تَعْذِيبِهِمْ قالَ: ﴿عَنْ أمْرِنا﴾ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ المُوجِبِ لِزِيادَةِ الخَوْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا مُوَكَّلِينَ بِهِمْ وبِأيْدِيهِمْ مَقارِعُ مِن نارٍ فالإشارَةُ إلَيْهِ.
وثانِيهِما: أنَّ السَّعِيرَ هو ما يَكُونُ في الآخِرَةِ فَأوْعَدَهم بِما في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ.
سبأ 34:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
قِيلَ: إنَّ ”أنْ“ هَهُنا لِلتَّفْسِيرِ فَهي مُفَسِّرَةٌ، بِمَعْنى أيِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وهو تَفْسِيرُ ﴿وألَنّا﴾ وتَحْقِيقُهُ لِأنْ يَعْمَلَ، يَعْنِي ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ لِيَعْمَلَ سابِغاتٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ألْهَمْناهُ أنِ اعْمَلْ، وأنْ مَعَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِلْمَصْدَرِ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ وألْهَمْناهُ عَمَلَ سابِغاتٍ وهي الدُّرُوعُ الواسِعَةُ: ذَكَرَ الصِّفَةَ ويُعْلَمُ مِنها المَوْصُوفُ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ لا تُغَلِّظِ المَسامِيرَ فَيَتَّسِعَ الثُّقْبُ ولا تُوَسِّعِ الثُّقْبَ فَتُقَلْقَلَ المَسامِيرُ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ السَّرْدُ هو عَمَلُ الزَّرَدِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيِ الزَّرَدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ أمْرَ إيجابٍ إنَّما هو اكْتِسابٌ والكَسْبُ يَكُونُ بِقَدْرِ الحاجَةِ وباقِي الأيّامِ واللَّيالِي لِلْعِبادَةِ فَقَدِّرْ في ذَلِكَ العَمَلَ ولا تَشْغَلْ جَمِيعَ أوْقاتِكَ بِالكَسْبِ بَلْ حَصِّلْ بِهِ القُوتَ فَحَسْبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ لَسْتُمْ مَخْلُوقِينَ إلّا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ فاعْمَلُوا ذَلِكَ وأكْثِرُوا مِنهُ، والكَسْبُ قَدِّرُوا فِيهِ، ثُمَّ أكَّدَ طَلَبَ الفِعْلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ مَن يَعْمَلُ لِمَلِكٍ شُغْلًا ويَعْلَمُ أنَّهُ بِمَرْأًى مِنَ المَلِكِ يُحْسِنُ العَمَلَ ويُتْقِنُهُ ويَجْتَهِدُ فِيهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ المُنِيبَ الواحِدَ ذَكَرَ مُنِيبًا آخَرَ وهو سُلَيْمانُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ [ص: ٣٤] .
وذَكَرَ ما اسْتَفادَ هو بِالإنابَةِ فَقالَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، وجْهُ الرَّفْعِ ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ مُسَخَّرَةً أوْ سُخِّرَتْ ”لِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ ووَجْهُ النَّصْبِ ”ولِسُلَيْمانَ“ سَخَّرْنا ”الرِّيحَ“ ولِلرَّفْعِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ كَما يُقالُ لِزَيْدٍ الدّارُ، وذَلِكَ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ لَهُ كالمَمْلُوكِ المُخْتَصِّ بِهِ يَأْمُرُها بِما يُرِيدُ حَيْثُ يُرِيدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ لِلْعَطْفِ فَعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَصِيرُ عَطْفًا لِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وهو لا يَجُوزُ أوْ لا يَحْسُنُ فَكَيْفَ هَذا ؟ فَنَقُولُ لَمّا بَيَّنَ حالَ داوُدَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ ما ذَكَرْنا لِداوَدَ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، وأمّا عَلى
صفحة ٢١٤
النَّصْبِ فَعَلى قَوْلِنا: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: وألَنّا لِداوُدَ الحَدِيدَ وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُسَخَّرُ لِسُلَيْمانَ كانَتْ رِيحًا مَخْصُوصَةً لا هَذِهِ الرِّياحُ، فَإنَّها المَنافِعُ عامَّةً في أوْقاتِ الحاجاتِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ إلّا عَلى التَّوْحِيدِ فَما قَرَأ أحَدٌ: الرِّياحَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: المُرادُ مِن تَسْخِيرِ الجِبالِ وتَسْبِيحِها مَعَ داوُدَ أنَّها كانَتْ تُسَبِّحُ كَما يُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وكانَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ يَفْقَهُ تَسْبِيحَها فَيُسَبِّحُ، ومِن تَسْخِيرِ الرِّيحِ أنَّهُ راضَ الخَيْلَ وهي كالرِّيحِ وقَوْلُهُ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ ثَلاثُونَ فَرْسَخًا لِأنَّ مَن يَخْرُجُ لِلتَّفَرُّجِ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يَسِيرُ أكْثَرَ مِن فَرْسَخٍ ويَرْجِعُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ في حَقِّ داوُدَ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وقَوْلُهُ في حَقِّ سُلَيْمانَ: ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوا تَذْوِيبَ الحَدِيدِ والنُّحاسِ بِالنّارِ واسْتِعْمالَ الآلاتِ مِنهُما، والشَّياطِينَ أيْ أُناسًا أقْوِياءَ وهَذا كُلُّهُ فاسِدٌ حَمَلَهُ عَلى هَذا ضَعْفُ اعْتِقادِهِ [ و] عَدَمُ اعْتِمادِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ وهَذِهِ أشْياءُ مُمْكِنَةٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ لَوْ قالَ قائِلٌ ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الأنْبِياءِ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ وقالَ في الرِّيحِ هُناكَ وهَهُنا: ﴿ولِسُلَيْمانَ﴾ ؟ نَقُولُ الجِبالُ لَمّا سَبَّحَتْ شَرُفَتْ بِذِكْرِ اللَّهِ فَلَمْ يُضِفْها إلى داوُدَ بِلامِ المِلْكِ بَلْ جَعَلَها مَعَهُ كالمُصاحِبِ، والرِّيحُ لَمْ يُذْكَرْ فِيها أنَّها سَبَّحَتْ فَجَعَلَها كالمَمْلُوكَةِ لَهُ وهَذا حَسَنٌ وفِيهِ أمْرٌ آخَرُ مَعْقُولٌ يَظْهَرُ لِي وهو أنَّ عَلى قَوْلِنا: ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ سِيرِي فالجَبَلُ في السَّيْرِ لَيْسَ أصْلًا بَلْ هو يَتَحَرَّكُ مَعَهُ تَبَعًا، والرِّيحُ لا تَتَحَرَّكُ مَعَ سُلَيْمانَ بَلْ تُحَرِّكُ سُلَيْمانَ مَعَ نَفْسِها، فَلَمْ يَقُلِ: الرِّيحُ مَعَ سُلَيْمانَ، بَلْ سُلَيْمانُ كانَ مَعَ الرِّيحِ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ النُّحاسِ ﴿ومِنَ الجِنِّ﴾ أيْ سَخَّرَنا لَهُ مِنَ الجِنِّ، وهَذا يُنْبِئُ عَنْ أنَّ جَمِيعَهم ما كانُوا تَحْتَ أمْرِهِ وهو الظّاهِرُ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ في حَقِّ داوُدَ وثَلاثَةً في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فالجِبالُ المُسَخَّرَةُ لِداوُدَ مِن جِنْسِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّقِيلَ مَعَ ما هو أخَفُّ مِنهُ إذا تَحَرَّكا يَسْبِقُ الخَفِيفُ الثَّقِيلَ ويَبْقى الثَّقِيلُ مَكانَهُ، لَكِنَّ الجِبالَ كانَتْ أثْقَلَ مِنَ الآدَمِيِّ والآدَمِيُّ أثْقَلُ مِنَ الرِّيحِ فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ سارَ الثَّقِيلُ مَعَ الخَفِيفِ أيِ الجِبالُ مَعَ داوُدَ عَلى ما قُلْنا: ﴿أوِّبِي﴾ أيْ سِيرِي، وسُلَيْمانُ وجُنُودُهُ مَعَ الرِّيحِ، الثَّقِيلُ مَعَ الخَفِيفِ أيْضًا، والطَّيْرُ مِن جِنْسِ تَسْخِيرِ الجِنِّ لِأنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ مَعَ الإنْسانِ: الطَّيْرُ لِنُفُورِهِ مِنَ الإنْسِ، والإنْسُ لِنُفُورِهِ مِنَ الجِنِّ، فَإنَّ الإنْسانَ يَتَّقِي مَواضِعَ الجِنِّ، والجِنُّ يَطْلُبُ أبَدًا اصْطِيادَ الإنْسانِ، والإنْسانُ يَطْلُبُ اصْطِيادَ الطَّيْرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ صارَ الطَّيْرُ لا يَنْفِرُ مِن داوُدَ بَلْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ ويَطْلُبُهُ، وسُلَيْمانُ لا يَنْفِرُ مِنَ الجِنِّ بَلْ يُسَخِّرُهُ ويَسْتَخْدِمُهُ، وأمّا القِطْرُ والحَدِيدُ فَتَجاذُبُهُما غَيْرُ خَفِيٍّ (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّ الآدَمِيَّ يَنْبَغِي أنْ يَتَّقِيَ الجِنَّ ويَجْتَنِبَهُ، والِاجْتِماعُ بِهِ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] فَكَيْفَ طَلَبَ سُلَيْمانُ الِاجْتِماعَ بِهِمْ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الحُضُورَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ (ولَطِيفَةٌ أُخْرى) وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِلَفْظِ الرَّبِّ وقالَ: ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّبَّ لَفْظٌ يُنْبِئُ عَنِ الرَّحْمَةِ، فَعِنْدَما كانَتِ الإشارَةُ إلى حِفْظِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّهِ﴾ وعِنْدَما كانَتِ الإشارَةُ إلى
صفحة ٢١٥
تَعْذِيبِهِمْ قالَ: ﴿عَنْ أمْرِنا﴾ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ المُوجِبِ لِزِيادَةِ الخَوْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا مُوَكَّلِينَ بِهِمْ وبِأيْدِيهِمْ مَقارِعُ مِن نارٍ فالإشارَةُ إلَيْهِ.
وثانِيهِما: أنَّ السَّعِيرَ هو ما يَكُونُ في الآخِرَةِ فَأوْعَدَهم بِما في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ.
سبأ 34:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
المَحارِيبُ إشارَةٌ إلى الأبْنِيَةِ الرَّفِيعَةِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّماثِيلُ ما يَكُونُ فِيها مِنَ النُّقُوشِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ البِناءَ الَّذِي هو المَسْكَنُ بَيَّنَ ما يَكُونُ في المَسْكَنِ مِن ماعُونِ الأكْلِ فَقالَ: ﴿وجِفانٍ كالجَوابِ﴾ جَمْعُ جابِيَةٍ وهي الحَوْضُ الكَبِيرُ الَّذِي يَجْبِي الماءَ أيْ يَجْمَعُهُ وقِيلَ: كانَ يَجْتَمِعُ عَلى جَفْنَةٍ واحِدَةٍ ألْفُ نَفْسٍ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ثابِتاتٍ لا تُنْقَلُ لِكِبَرِها، وإنَّما يُغْرَفُ مِنها في تِلْكَ الجِفانِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ المَحارِيبَ عَلى التَّماثِيلِ لِأنَّ النُّقُوشَ تَكُونُ في الأبْنِيَةِ وقَدَّمَ ”الجِفانَ“ في الذِّكْرِ عَلى ”القُدُورِ“ مَعَ أنَّ القُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ والجِفانَ آلَةُ الأكْلِ، والطَّبْخُ قَبْلَ الأكْلِ، فَنَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ الأبْنِيَةَ المَلَكِيَّةَ أرادَ بَيانَ عَظَمَةِ السِّماطِ الَّذِي يُمَدُّ في تِلْكَ الدُّورِ، وأشارَ إلى الجِفانِ لِأنَّها تَكُونُ فِيهِ، وأمّا القُدُورُ فَلا تَكُونُ فِيهِ، ولا تُحْضَرُ هُناكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿راسِياتٍ﴾ أيْ غَيْرِ مَنقُولاتٍ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ الجِفانِ العَظِيمَةِ، كانَ يَقَعُ في النَّفْسِ أنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَكُونُ فِيها في أيِّ شَيْءٍ يُطْبَخُ، فَأشارَ إلى القُدُورِ المُناسِبَةِ لِلْجِفانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ في حَقِّ داوُدَ اشْتِغالَهُ بِآلَةِ الحَرْبِ، وفي حَقِّ سُلَيْمانَ بِحالَةِ السِّلْمِ وهي المَساكِنُ والمَآكِلُ وذَلِكَ لِأنَّ سُلَيْمانَ كانَ ولَدَ داوُدَ، وداوُدُ قَتَلَ جالُوتَ والمُلُوكَ الجَبابِرَةَ، واسْتَوى داوُدُ عَلى المُلْكِ، فَكانَ سُلَيْمانُ كَوَلَدِ مَلِكٍ يَكُونُ أبُوهُ قَدْ سَوّى عَلى ابْنِهِ المُلْكَ وجَمَعَ لَهُ المالَ فَهو يُفَرِّقُهُ عَلى جُنُودِهِ؛ ولِأنَّ سُلَيْمانَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلَيْهِ في ظَنِّهِ فَتَرَكُوا الحَرْبَ مَعَهُ وإنْ حارَبَهُ أحَدٌ كانَ زَمانُ الحَرْبِ يَسِيرًا لِإدْراكِهِ إيّاهُ بِالرِّيحِ فَكانَ في زَمانِهِ العَظَمَةُ بِالإطْعامِ والإنْعامِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا قالَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ اعْمَلُوا صالِحًا، قالَ عَقِيبَ ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ حالِيَّةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مُسْتَغْرِقَةً فِيها وإنَّما الواجِبُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُكْثِرَ مِنهُ هو العَمَلُ الصّالِحُ الَّذِي يَكُونُ شُكْرًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ، وقِلَّةِ الِاشْتِغالِ بِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيِ اجْعَلْهُ بِقَدْرِ الحاجَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: انْتِصابُ شُكْرًا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ كَقَوْلِ القائِلِ جِئْتُكَ طَمَعًا وعَبَدْتُ اللَّهَ رَجاءَ غُفْرانِهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَقَوْلِ القائِلِ: شَكَرْتُ اللَّهَ شُكْرًا ويَكُونُ المَصْدَرُ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ كَقَوْلِ القائِلِ: جَلَسْتُ قُعُودًا، وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ شُكْرٌ فَقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا﴾ يَقُومُ مَقامَ قَوْلِهِ:
صفحة ٢١٦
(اشْكُرُوا) .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ زَيْدًا كَما قالَ تَعالى: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ لِأنَّ الشُّكْرَ صالِحٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ خَفَّفَ الأمْرَ عَلى عِبادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ الشُّكْرَ واجِبٌ لَكِنَّ شُكْرَ نِعَمِهِ كَما يَنْبَغِي لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الشُّكْرَ بِالتَّوْفِيقِ وهو نِعْمَةٌ تَحْتاجُ إلى شُكْرٍ آخَرَ وهو بِتَوْفِيقٍ آخَرَ، فَدائِمًا تَكُونُ نِعْمَةُ اللَّهِ بَعْدَ الشُّكْرِ خالِيَةً عَنِ الشُّكْرِ، فَقالَ تَعالى: إنْ كُنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى الشُّكْرِ التّامِّ فَلَيْسَ عَلَيْكم في ذَلِكَ حَرَجٌ، فَإنَّ عِبادِي قَلِيلٌ مِنهُمُ الشَّكُورُ، ويُقَوِّي قَوْلَنا أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ الكُلَّ في قَوْلِهِ: ﴿عِبادِيَ﴾ مَعَ الإضافَةِ إلى نَفْسِهِ، وعِبادِي بِلَفْظِ الإضافَةِ إلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا في حَقِّ النّاجِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢ ] فَإنْ قِيلَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ شُكْرُ اللَّهِ بِتَمامِهِ لا يُمْكِنُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلِيلٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ في عِبادِهِ مَن هو شاكِرٌ لِأنْعُمِهِ، نَقُولُ الشُّكْرُ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ هو الواقِعُ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ، وأمّا الشُّكْرُ الَّذِي يُناسِبُ نِعَمَ اللَّهِ فَلا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، أوْ نَقُولُ: الشّاكِرُ التّامُّ لَيْسَ إلّا مَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ لَهُ: يا عَبْدِي ما أتَيْتَ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ القَلِيلِ قَبِلْتُهُ مِنكَ وكَتَبْتُ لَكَ أنَّكَ شاكِرٌ لِأنْعُمِي بِأسْرِها، وهَذا القَبُولُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا أُكَلِّفُكَ شُكْرَها.
سبأ 34:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ عَظَمَةَ سُلَيْمانَ وتَسْخِيرَ الرِّيحِ والرُّوحِ لَهُ، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ المَوْتِ، وأنَّهُ قَضى عَلَيْهِ المَوْتَ، تَنْبِيهًا لِلْخَلْقِ عَلى أنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِنهُ، ولَوْ نَجا مِنهُ أحَدٌ لَكانَ سُلَيْمانُ أوْلى بِالنَّجاةِ مِنهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقِفُ في عِبادَةِ اللَّهِ لَيْلَةً كامِلَةً ويَوْمًا تامًّا وفي بَعْضِ الأوْقاتِ يَزِيدُ عَلَيْهِ، وكانَ لَهُ عَصًا يَتَّكِئُ عَلَيْها واقِفًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، ثُمَّ في بَعْضِ الأوْقاتِ كانَ واقِفًا عَلى عادَتِهِ في عِبادَتِهِ إذْ تُوُفِّيَ، فَظَنَّ جُنُودُهُ أنَّهُ في العِبادَةِ وبَقِيَ كَذَلِكَ أيّامًا وتَمادى شُهُورًا، ثُمَّ أرادَ اللَّهُ إظْهارَ الأمْرِ لَهم، فَقَدَّرَ أنْ أكَلَتْ دابَّةُ الأرْضِ عَصاهُ فَوَقَعَ وعُلِمَ حالُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ كانَتِ الجِنُّ تَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُهُ الإنْسانُ فَظَنَّ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ عِلْمُ الغَيْبِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الإنْسانُ لَمْ يُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا فَهو أكْثَرُ الأشْياءِ الحاضِرَةِ لا يَعْلَمُهُ، والجِنُّ لَمْ تَعْلَمْ إلّا الأشْياءَ الظّاهِرَةَ وإنْ كانَتْ خَفِيَّةً بِالنِّسْبَةِ إلى
صفحة ٢١٧
الإنْسانِ، وتَبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرُ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إذْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَهُ لَما بَقُوا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ ظانِّينَ أنَّ سُلَيْمانَ حَيٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجِنِّ لَمْ يَكُونُوا في التَّسْخِيرِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَكُونُ في زَمانِ النَّبِيِّ في العَذابِ المُهِينِ.
سبأ 34:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ حالَ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ بِذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ بَيَّنَ حالَ الكافِرِينَ بِأنْعُمِهِ، بِحِكايَةِ أهْلِ سَبَأٍ، وفي سَبَأٍ قِراءَتانِ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ اسْمُ بُقْعَةٍ وبِالجَرِّ مَعَ التَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ وهو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الآيَةَ لِسَبَأٍ، والفاهِمُ هو العاقِلُ لا المَكانُ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ الأهْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿آيَةٌ﴾ أيْ مِن فَضْلِ رَبِّهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَها بِذِكْرِ بَدَلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيَّةُ آيَةٍ في جَنَّتَيْنِ، مَعَ أنَّ بَعْضَ بِلادِ العِراقِ فِيها آلافٌ مِنَ الجِنانِ ؟ وأجابَ بِأنَّ المُرادَ لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّتانِ أوْ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وشِمالِها جَماعَتانِ مِنَ الجَنّاتِ، ولِاتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ جَعَلَها جَنَّةً واحِدَةً.
قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْهم مِن أكْلِ ثِمارِها خَوْفٌ ولا مَرَضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِكَمالِ النِّعْمَةِ، فَإنَّ الشُّكْرَ لا يُطْلَبُ إلّا عَلى النِّعْمَةِ المُعْتَبَرَةِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَهم في مَساكِنِهِمْ وبَساتِينِهِمْ وأكْلِهِمْ أتَمَّ بَيانَ النِّعْمَةِ بِأنْ بَيَّنَ أنْ لا غائِلَةَ عَلَيْهِ ولا تَبِعَةَ في المَآلِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أيْ طاهِرَةٌ عَنِ المُؤْذِياتِ لا حَيَّةَ فِيها ولا عَقْرَبَ ولا وباءَ ولا وخَمَ، وقالَ: ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ لا عِقابَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ في الآخِرَةِ، فَعِنْدَ هَذا بانَ كَمالُ النِّعْمَةِ حَيْثُ كانَتْ لَذَّةً حالِيَّةً خالِيَةً عَنِ المَفاسِدِ المَآلِيَّةِ.
سبأ 34:16
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما كانَ مِن جانِبِهِ ذَكَرَ ما كانَ مِن جانِبِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ .
فَبَيَّنَ كَمالَ ظُلْمِهِمْ بِالإعْراضِ بَعْدَ إبانَةِ الآيَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [ السَّجْدَةِ: ٢٢] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الِانْتِقامِ مِنهم كَما قالَ: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، وكَيْفِيَّتُهُ
صفحة ٢١٨
أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلَيْهِمْ سَيْلًا غَرَّقَ أمْوالَهم وخَرَّبَ دُورَهم، وفي العَرِمِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ الجُرَذُ الَّذِي سَبَّبَ خَرابَ السِّكْرِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ بِلْقِيسَ كانَتْ قَدْ عَمَدَتْ إلى جِبالٍ بَيْنَها شُعَبٌ فَسَدَّتِ الشُّعَبَ حَتّى كانَتْ مِياهُ الأمْطارِ والعُيُونِ تَجْتَمِعُ فِيها وتَصِيرُ كالبَحْرِ وجَعَلَتْ لَها أبْوابًا ثَلاثَةً مُرَتَّبَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وكانَتِ الأبْوابُ يُفْتَحُ بَعْضُها بَعْدَ بَعْضٍ. فَنَقَبَ الجُرَذُ السِّكْرَ، وخَرِبَ السِّكْرُ بِسَبَبِهِ وانْقَلَبَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ.
وثانِيها: أنَّ العَرِمَ اسْمُ السِّكْرِ وهو جَمْعُ العَرِمَةِ وهي الحِجارَةُ.
ثالِثُها: اسْمٌ لِلْوادِي الَّذِي خَرَجَ مِنهُ الماءُ، وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بَيَّنَ بِهِ دَوامَ الخَرابِ، وذَلِكَ لِأنَّ البَساتِينَ الَّتِي فِيها النّاسُ يَكُونُ فِيها الفَواكِهُ الطَّيِّبَةُ بِسَبَبِ العِمارَةِ فَإذا تُرِكَتْ سِنِينَ تَصِيرُ كالغَيْضَةِ والأجَمَةِ تَلْتَفُّ الأشْجارُ بَعْضُها بِبَعْضٍ وتَنْبُتُ المُفْسِداتُ فِيها فَتَقِلُّ الثِّمارُ وتَكْثُرُ الأشْجارُ، والخَمْطُ كُلُّ شَجَرَةٍ لَها شَوْكٌ أوْ كُلُّ شَجَرَةٍ ثَمَرَتُها مُرَّةٌ، أوْ كُلُّ شَجَرَةٍ ثَمَرَتُها لا تُؤْكَلُ، والأثْلُ نَوْعٌ مِنَ الطَّرْفاءِ ولا يَكُونُ عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ إلّا في بَعْضِ الأوْقاتِ، يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كالعَفْصِ أوْ أصْغَرُ مِنهُ في طَعْمِهِ وطَبْعِهِ، والسِّدْرُ مَعْرُوفٌ وقالَ فِيهِ: قَلِيلٌ لِأنَّهُ كانَ أحْسَنَ أشْجارِهِمْ فَقَلَّلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُجازاةً لَهم عَلى كُفْرانِهِمْ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ أيْ لا نُجازِي بِذَلِكَ الجَزاءِ ﴿إلّا الكَفُورَ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: المُجازاةُ تُقالُ في النِّقْمَةِ، والجَزاءُ في النِّعْمَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يُسْتَعْمَلُ في النِّقْمَةِ، ولَعَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ أخَذَهُ مِن أنَّ المُجازاةَ مُفاعَلَةٌ وهي في أكْثَرِ الأمْرِ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، يَأْخُذُ مِن كُلِّ واحِدٍ جَزاءً في حَقِّ الآخَرِ. وفي النِّعْمَةِ لا تَكُونُ مُجازاةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُبْتَدِئٌ بِالنِّعَمِ.
سبأ 34:17
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما كانَ مِن جانِبِهِ ذَكَرَ ما كانَ مِن جانِبِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ .
فَبَيَّنَ كَمالَ ظُلْمِهِمْ بِالإعْراضِ بَعْدَ إبانَةِ الآيَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [ السَّجْدَةِ: ٢٢] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الِانْتِقامِ مِنهم كَما قالَ: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، وكَيْفِيَّتُهُ
صفحة ٢١٨
أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ عَلَيْهِمْ سَيْلًا غَرَّقَ أمْوالَهم وخَرَّبَ دُورَهم، وفي العَرِمِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ الجُرَذُ الَّذِي سَبَّبَ خَرابَ السِّكْرِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ بِلْقِيسَ كانَتْ قَدْ عَمَدَتْ إلى جِبالٍ بَيْنَها شُعَبٌ فَسَدَّتِ الشُّعَبَ حَتّى كانَتْ مِياهُ الأمْطارِ والعُيُونِ تَجْتَمِعُ فِيها وتَصِيرُ كالبَحْرِ وجَعَلَتْ لَها أبْوابًا ثَلاثَةً مُرَتَّبَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وكانَتِ الأبْوابُ يُفْتَحُ بَعْضُها بَعْدَ بَعْضٍ. فَنَقَبَ الجُرَذُ السِّكْرَ، وخَرِبَ السِّكْرُ بِسَبَبِهِ وانْقَلَبَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ.
وثانِيها: أنَّ العَرِمَ اسْمُ السِّكْرِ وهو جَمْعُ العَرِمَةِ وهي الحِجارَةُ.
ثالِثُها: اسْمٌ لِلْوادِي الَّذِي خَرَجَ مِنهُ الماءُ، وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بَيَّنَ بِهِ دَوامَ الخَرابِ، وذَلِكَ لِأنَّ البَساتِينَ الَّتِي فِيها النّاسُ يَكُونُ فِيها الفَواكِهُ الطَّيِّبَةُ بِسَبَبِ العِمارَةِ فَإذا تُرِكَتْ سِنِينَ تَصِيرُ كالغَيْضَةِ والأجَمَةِ تَلْتَفُّ الأشْجارُ بَعْضُها بِبَعْضٍ وتَنْبُتُ المُفْسِداتُ فِيها فَتَقِلُّ الثِّمارُ وتَكْثُرُ الأشْجارُ، والخَمْطُ كُلُّ شَجَرَةٍ لَها شَوْكٌ أوْ كُلُّ شَجَرَةٍ ثَمَرَتُها مُرَّةٌ، أوْ كُلُّ شَجَرَةٍ ثَمَرَتُها لا تُؤْكَلُ، والأثْلُ نَوْعٌ مِنَ الطَّرْفاءِ ولا يَكُونُ عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ إلّا في بَعْضِ الأوْقاتِ، يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كالعَفْصِ أوْ أصْغَرُ مِنهُ في طَعْمِهِ وطَبْعِهِ، والسِّدْرُ مَعْرُوفٌ وقالَ فِيهِ: قَلِيلٌ لِأنَّهُ كانَ أحْسَنَ أشْجارِهِمْ فَقَلَّلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُجازاةً لَهم عَلى كُفْرانِهِمْ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ أيْ لا نُجازِي بِذَلِكَ الجَزاءِ ﴿إلّا الكَفُورَ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: المُجازاةُ تُقالُ في النِّقْمَةِ، والجَزاءُ في النِّعْمَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يُسْتَعْمَلُ في النِّقْمَةِ، ولَعَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ أخَذَهُ مِن أنَّ المُجازاةَ مُفاعَلَةٌ وهي في أكْثَرِ الأمْرِ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، يَأْخُذُ مِن كُلِّ واحِدٍ جَزاءً في حَقِّ الآخَرِ. وفي النِّعْمَةِ لا تَكُونُ مُجازاةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُبْتَدِئٌ بِالنِّعَمِ.
سبأ 34:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ .
أيْ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ فَإنَّها هي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ، ”قُرًى ظاهِرَةً“ أيْ يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضِها، يُرى سَوادُ القَرْيَةِ مِنَ القَرْيَةِ الأُخْرى، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذا مِنَ النِّعَمِ واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَعَ في بَيانِ تَبْدِيلِ نِعَمِهِمْ، قَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ فَكَيْفَ عادَ مَرَّةً أُخْرى إلى بَيانِ النِّعْمَةِ بَعْدَ النِّقْمَةِ ؟ فَنَقُولُ: ذَكَرَ حالَ نَفْسِ بَلَدِهِمْ وبَيَّنَ تَبْدِيلَ ذَلِكَ بِالخَمْطِ والأثْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ خارِجِ بَلَدِهِمْ وذَكَرَ عِمارَتَها بِكَثْرَةِ القُرى، ثُمَّ ذَكَرَ تَبْدِيلَهُ ذَلِكَ بِالمَفاوِزِ والبَيادِي والبَرارِي بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (رَبُّنا بَعَّدَ) عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ الأماكِنُ المَعْمُورَةُ تَكُونُ مَنازِلُها مَعْلُومَةً مُقَدَّرَةً لا تَتَجاوَزُ، فَلَمّا كانَ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَةٍ مَسِيرَةُ نِصْفِ نَهارٍ، وكانُوا يَغْدُونَ إلى قَرْيَةٍ ويَرُوحُونَ إلى أُخْرى ما أمْكَنَ في العُرْفِ تَجاوُزُها، فَهو المُرادُ بِالتَّقْدِيرِ، والمَفاوِزُ لا يَتَقَدَّرُ السَّيْرُ فِيها بَلْ يَسِيرُ السّائِرُ فِيها بِقَدْرِ الطّاقَةِ جادًّا حَتّى يَقْطَعَها،
صفحة ٢١٩
وقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا﴾ أيْ كانَ بَيْنَهم لَيالٍ وأيّامٌ مَعْلُومَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ العِمارَةِ، فَإنَّ خَوْفَ قُطّاعِ الطَّرِيقِ والِانْقِطاعِ عَنِ الرَّقِيقِ لا يَكُونُ في مِثْلِ هَذِهِ الأماكِنِ، وقِيلَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ تَسِيرُونَ فِيهِ إنْ شِئْتُمْ لَيالِيَ وإنْ شِئْتُمْ أيّامًا لِعَدَمِ الخَوْفِ بِخِلافِ المَواضِعِ المَخُوفَةِ فَإنَّ بَعْضَها يُسْلَكُ لَيْلًا، لِئَلّا يَعْلَمَ العَدُوُّ بِسَيْرِهِمْ، وبَعْضُها يُسْلَكُ نَهارًا لِئَلّا يَقْصِدَهُمُ العَدُوُّ، إذا كانَ العَدُوُّ غَيْرَ مُجاهِرٍ بِالقَصْدِ والعَداوَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ قِيلَ بِأنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَسْألُوا بَطَرًا كَما طَلَبَتِ اليَهُودُ الثُّومَ والبَصَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَسادِ اعْتِقادِهِمْ وشِدَّةِ اعْتِمادِهِمْ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُقْدَرُ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: اضْرِبْنِي، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ﴾ بِلِسانِ الحالِ، أيْ لَمّا كَفَرُوا فَقَدْ طَلَبُوا أنْ يُبَعِّدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ ويُخَرِّبَ المَعْمُورَ مِن دِيارِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ يَكُونُ بَيانًا لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ ما جَعَلْناهم بِهِ مَثَلًا، يُقالُ: تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَأٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بَيانٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ فِيما ذَكَرْناهُ مِن حالِ الشّاكِرِينَ ووَبالِ الكافِرِينَ.
سبأ 34:19
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ .
أيْ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ فَإنَّها هي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ، ”قُرًى ظاهِرَةً“ أيْ يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضِها، يُرى سَوادُ القَرْيَةِ مِنَ القَرْيَةِ الأُخْرى، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذا مِنَ النِّعَمِ واللَّهُ تَعالى قَدْ شَرَعَ في بَيانِ تَبْدِيلِ نِعَمِهِمْ، قَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ فَكَيْفَ عادَ مَرَّةً أُخْرى إلى بَيانِ النِّعْمَةِ بَعْدَ النِّقْمَةِ ؟ فَنَقُولُ: ذَكَرَ حالَ نَفْسِ بَلَدِهِمْ وبَيَّنَ تَبْدِيلَ ذَلِكَ بِالخَمْطِ والأثْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ خارِجِ بَلَدِهِمْ وذَكَرَ عِمارَتَها بِكَثْرَةِ القُرى، ثُمَّ ذَكَرَ تَبْدِيلَهُ ذَلِكَ بِالمَفاوِزِ والبَيادِي والبَرارِي بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (رَبُّنا بَعَّدَ) عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ الأماكِنُ المَعْمُورَةُ تَكُونُ مَنازِلُها مَعْلُومَةً مُقَدَّرَةً لا تَتَجاوَزُ، فَلَمّا كانَ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَةٍ مَسِيرَةُ نِصْفِ نَهارٍ، وكانُوا يَغْدُونَ إلى قَرْيَةٍ ويَرُوحُونَ إلى أُخْرى ما أمْكَنَ في العُرْفِ تَجاوُزُها، فَهو المُرادُ بِالتَّقْدِيرِ، والمَفاوِزُ لا يَتَقَدَّرُ السَّيْرُ فِيها بَلْ يَسِيرُ السّائِرُ فِيها بِقَدْرِ الطّاقَةِ جادًّا حَتّى يَقْطَعَها،
صفحة ٢١٩
وقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا﴾ أيْ كانَ بَيْنَهم لَيالٍ وأيّامٌ مَعْلُومَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ العِمارَةِ، فَإنَّ خَوْفَ قُطّاعِ الطَّرِيقِ والِانْقِطاعِ عَنِ الرَّقِيقِ لا يَكُونُ في مِثْلِ هَذِهِ الأماكِنِ، وقِيلَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ تَسِيرُونَ فِيهِ إنْ شِئْتُمْ لَيالِيَ وإنْ شِئْتُمْ أيّامًا لِعَدَمِ الخَوْفِ بِخِلافِ المَواضِعِ المَخُوفَةِ فَإنَّ بَعْضَها يُسْلَكُ لَيْلًا، لِئَلّا يَعْلَمَ العَدُوُّ بِسَيْرِهِمْ، وبَعْضُها يُسْلَكُ نَهارًا لِئَلّا يَقْصِدَهُمُ العَدُوُّ، إذا كانَ العَدُوُّ غَيْرَ مُجاهِرٍ بِالقَصْدِ والعَداوَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ قِيلَ بِأنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَسْألُوا بَطَرًا كَما طَلَبَتِ اليَهُودُ الثُّومَ والبَصَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَسادِ اعْتِقادِهِمْ وشِدَّةِ اعْتِمادِهِمْ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُقْدَرُ كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: اضْرِبْنِي، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ﴾ بِلِسانِ الحالِ، أيْ لَمّا كَفَرُوا فَقَدْ طَلَبُوا أنْ يُبَعِّدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ ويُخَرِّبَ المَعْمُورَ مِن دِيارِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ يَكُونُ بَيانًا لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ ما جَعَلْناهم بِهِ مَثَلًا، يُقالُ: تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَأٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بَيانٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ فِيما ذَكَرْناهُ مِن حالِ الشّاكِرِينَ ووَبالِ الكافِرِينَ.
سبأ 34:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ ظَنُّهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ كَما قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّبَعُوهُ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ أيْ أغْواهم، ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ في أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦] ويَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ فاتَّبَعُوهُ؛ لِأنَّ المَتْبُوعَ خَيْرٌ مِنَ التّابِعِ وإلّا لا يَتْبَعُهُ العاقِلُ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ خَيْرٌ مِنَ الكافِرِ، هو أنَّ إبْلِيسَ امْتَنَعَ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ لَكِنْ لَمّا كانَ في امْتِناعِهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللَّهِ عِنادًا كَفَرَ، والمُشْرِكُ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، فَهو كَفَرَ بِأمْرٍ أقْرَبَ إلى التَّوْحِيدِ، وهم كَفَرُوا بِأمْرٍ هو الإشْراكُ، ويُؤَيِّدُ هَذا الَّذِي اخْتَرْناهُ الِاسْتِثْناءُ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ وإنْ لَمْ يَظُنَّ أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَنْهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فَما ظَنَّ أنَّهُ يُغْوِي المُؤْمِنِينَ فَما ظَنَّهُ صَدَّقَهُ ولا حاجَةَ إلى الِاسْتِثْناءِ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ اعْتَقَدَ الخَيْرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ النّاسِ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] وقَدْ كَذَبَ في ظَنِّهِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا في الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو أنَّهُ وإنْ لَمْ يَظُنَّ إغْواءَ الكُلِّ وعَلِمَ أنَّ البَعْضَ ناجٍ، لَكِنْ ظَنَّ في كُلِّ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ هو ذَلِكَ النّاجِيَ، إلى أنْ تَبَيَّنَ لَهُ فَظَنَّ أنَّهُ يُغْوِيهِ فَكَذَبَ في ظَنِّهِ في حَقِّ البَعْضِ وصَدَقَ في البَعْضِ.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾
قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أنَّ عِلْمَ اللَّهِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَعْلُومٍ وعِلْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ وهو في كَوْنِهِ عالِمًا لا يَتَغَيَّرُ ولَكِنْ يَتَغَيَّرُ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ، فَإنَّ العِلْمَ صِفَةٌ كاشِفَةٌ يَظْهَرُ بِها كُلُّ ما في نَفْسِ الأمْرِ فَعَلِمَ اللَّهُ في الأزَلِ أنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَإذا وُجِدَ عَلِمَهُ
صفحة ٢٢٠
مَوْجُودًا بِذَلِكَ العِلْمِ، وإذا عُدِمَ يَعْلَمُهُ مَعْدُومًا بِذَلِكَ، مِثالُهُ: أنَّ المِرْآةَ المَصْقُولَةَ فِيها الصَّفاءُ فَيَظْهَرُ فِيها صُورَةُ زَيْدٍ إنْ قابَلَها، ثُمَّ إذا قابَلَها عَمْرٌو يَظْهَرُ فِيها صُورَتُهُ، والمِرْآةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ في ذاتِها ولا تَبَدَّلَتْ في صِفاتِها، إنَّما التَّغَيُّرُ في الخارِجاتِ فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ لِيَقَعَ في العِلْمِ صُدُورُ الكُفْرِ مِنَ الكافِرِ والإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِ وكانَ قَبْلَهُ فِيهِ أنَّهُ سَيَكْفُرُ زَيْدٌ ويُؤْمِنُ عَمْرٌو.
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِمُلْجِئٍ وإنَّما هو آيَةٌ وعَلامَةٌ خَلَقَها اللَّهُ لِتَبْيِينِ ما هو في عِلْمِهِ السّابِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيِ اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى مَنعِ إبْلِيسَ عَنْهم، عالِمٌ بِما سَيَقَعُ، فالحِفْظُ يَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ، إذِ الجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ ولا العاجِزُ.
سبأ 34:21
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ ظَنُّهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ كَما قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّبَعُوهُ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ أيْ أغْواهم، ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ في أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦] ويَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ فاتَّبَعُوهُ؛ لِأنَّ المَتْبُوعَ خَيْرٌ مِنَ التّابِعِ وإلّا لا يَتْبَعُهُ العاقِلُ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ خَيْرٌ مِنَ الكافِرِ، هو أنَّ إبْلِيسَ امْتَنَعَ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ لَكِنْ لَمّا كانَ في امْتِناعِهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللَّهِ عِنادًا كَفَرَ، والمُشْرِكُ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، فَهو كَفَرَ بِأمْرٍ أقْرَبَ إلى التَّوْحِيدِ، وهم كَفَرُوا بِأمْرٍ هو الإشْراكُ، ويُؤَيِّدُ هَذا الَّذِي اخْتَرْناهُ الِاسْتِثْناءُ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ وإنْ لَمْ يَظُنَّ أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَنْهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فَما ظَنَّ أنَّهُ يُغْوِي المُؤْمِنِينَ فَما ظَنَّهُ صَدَّقَهُ ولا حاجَةَ إلى الِاسْتِثْناءِ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ اعْتَقَدَ الخَيْرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ النّاسِ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] وقَدْ كَذَبَ في ظَنِّهِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا في الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو أنَّهُ وإنْ لَمْ يَظُنَّ إغْواءَ الكُلِّ وعَلِمَ أنَّ البَعْضَ ناجٍ، لَكِنْ ظَنَّ في كُلِّ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ هو ذَلِكَ النّاجِيَ، إلى أنْ تَبَيَّنَ لَهُ فَظَنَّ أنَّهُ يُغْوِيهِ فَكَذَبَ في ظَنِّهِ في حَقِّ البَعْضِ وصَدَقَ في البَعْضِ.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾
قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أنَّ عِلْمَ اللَّهِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَعْلُومٍ وعِلْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ وهو في كَوْنِهِ عالِمًا لا يَتَغَيَّرُ ولَكِنْ يَتَغَيَّرُ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ، فَإنَّ العِلْمَ صِفَةٌ كاشِفَةٌ يَظْهَرُ بِها كُلُّ ما في نَفْسِ الأمْرِ فَعَلِمَ اللَّهُ في الأزَلِ أنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَإذا وُجِدَ عَلِمَهُ
صفحة ٢٢٠
مَوْجُودًا بِذَلِكَ العِلْمِ، وإذا عُدِمَ يَعْلَمُهُ مَعْدُومًا بِذَلِكَ، مِثالُهُ: أنَّ المِرْآةَ المَصْقُولَةَ فِيها الصَّفاءُ فَيَظْهَرُ فِيها صُورَةُ زَيْدٍ إنْ قابَلَها، ثُمَّ إذا قابَلَها عَمْرٌو يَظْهَرُ فِيها صُورَتُهُ، والمِرْآةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ في ذاتِها ولا تَبَدَّلَتْ في صِفاتِها، إنَّما التَّغَيُّرُ في الخارِجاتِ فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ لِيَقَعَ في العِلْمِ صُدُورُ الكُفْرِ مِنَ الكافِرِ والإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِ وكانَ قَبْلَهُ فِيهِ أنَّهُ سَيَكْفُرُ زَيْدٌ ويُؤْمِنُ عَمْرٌو.
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِمُلْجِئٍ وإنَّما هو آيَةٌ وعَلامَةٌ خَلَقَها اللَّهُ لِتَبْيِينِ ما هو في عِلْمِهِ السّابِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيِ اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى مَنعِ إبْلِيسَ عَنْهم، عالِمٌ بِما سَيَقَعُ، فالحِفْظُ يَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ، إذِ الجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ ولا العاجِزُ.
سبأ 34:22
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ الشّاكِرِينَ وحالَ الكافِرِينَ وذَكَّرَهم بِمَن مَضى عادَ إلى خِطابِهِمْ وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لِيَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَذاهِبَ المُفْضِيَةَ إلى الشِّرْكِ أرْبَعَةٌ:
أحَدُها: قَوْلُ مَن يَقُولُ: اللَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ والسَّماوِيّاتِ وجَعَلَ الأرْضَ والأرْضِيّاتِ في حُكْمِهِمْ، ونَحْنُ مِن جُمْلَةِ الأرْضِيّاتِ فَنَعْبُدُ الكَواكِبَ والمَلائِكَةَ الَّتِي في السَّماءِ فَهم آلِهَتُنا واللَّهُ إلَهُهم، فَقالَ اللَّهُ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: إنَّهم لا يَمْلِكُونَ في السَّماواتِ شَيْئًا كَما اعْتَرَفْتُمْ، قالَ: ولا في الأرْضِ عَلى خِلافِ ما زَعَمْتُمْ.
وثانِيها: قَوْلُ مَن يَقُولُ: السَّماواتُ مِنَ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْدادِ، والأرْضِيّاتُ مِنهُ ولَكِنْ بِواسِطَةِ الكَواكِبِ فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ العَناصِرَ والتَّرْكِيباتِ الَّتِي فِيها بِالِاتِّصالاتِ والحَرَكاتِ والطَّوالِعِ فَجَعَلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ مَعَهُ شِرْكًا في الأرْضِ والأوَّلُونَ جَعَلُوا الأرْضَ لِغَيْرِهِ والسَّماءَ لَهُ، فَقالَ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ أيِ الأرْضُ كالسَّماءِ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، ولا لِغَيْرِهِ فِيها نَصِيبٌ.
وثالِثُها: قَوْلُ مَن قالَ: التَّرْكِيباتُ والحَوادِثُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى لَكِنْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى الكَواكِبِ، وفِعْلُ المَأْذُونِ يُنْسَبُ إلى الآذِنِ ويُسْلَبُ عَنِ المَأْذُونِ فِيهِ، مِثالُهُ إذا قالَ مَلِكٌ لِمَمْلُوكِهِ اضْرِبْ فُلانًا فَضَرَبَهُ يُقالُ في العُرْفِ المَلِكُ ضَرَبَهُ، ويَصِحُّ عُرْفًا قَوْلُ القائِلِ ما ضَرَبَ فُلانٌ فُلانًا، وإنَّما المَلِكُ أمَرَ بِضَرْبِهِ فَضُرِبَ، فَهَؤُلاءِ جَعَلُوا السَّماوِيّاتِ مُعَيَّناتٍ لِلَّهِ فَقالَ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ما فَوَّضَ إلى شَيْءٍ شَيْئًا، بَلْ هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ
صفحة ٢٢١
حَفِيظٌ ورَقِيبٌ.
ورابِعُها: قَوْلُ مَن قالَ إنّا نَعْبُدُ الأصْنامَ الَّتِي هي صُوَرُ المَلائِكَةِ لِيَشْفَعُوا لَنا فَقالَ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: (﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ فَلا فائِدَةَ لِعِبادَتِكم غَيْرَ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ لِمَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَبِطَلَبِكُمُ الشَّفاعَةَ تُفَوِّتُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الشَّفاعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ أُزِيلَ الفَزَعُ عَنْهم، يُقالُ قُرِّدَ البَعِيرُ إذا أُخِذَ مِنهُ القُرادُ ويُقالُ لِهَذا: تَشْدِيدُ السَّلْبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الفَزَعُ الَّذِي عِنْدَ الوَحْيِ فَإنَّ اللَّهَ عِنْدَما يُوحِي يَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ، ثُمَّ يُزِيلُ اللَّهُ عَنْهُمُ الفَزَعَ فَيَقُولُونَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَيَقُولُ: قالَ الحَقَّ أيِ الوَحْيَ.
وثانِيها: الفَزَعُ الَّذِي مِنَ السّاعَةِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ﴾ [النمل: ٨٧] مِنَ القِيامَةِ لِأنَّ إرْسالَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَلَمّا زالَ عَنْهم ذَلِكَ الفَزَعُ قالُوا ماذا قالَ اللَّهُ ؟ قالَ جِبْرِيلُ ﴿الحَقَّ﴾ أيِ الوَحْيَ.
وثالِثُها: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيلُ الفَزَعَ وقْتَ المَوْتِ عَنِ القُلُوبِ فَيَعْتَرِفُ كُلُّ أحَدٍ بِأنَّ ما قالَ اللَّهُ تَعالى هو الحَقُّ فَيَنْفَعُ ذَلِكَ القَوْلُ مَن سَبَقَ ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ يَقْبِضُ رُوحَهُ عَلى الإيمانِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَضُرُّ ذَلِكَ القَوْلُ مَن سَبَقَ مِنهُ خِلافُهُ فَيَقْبِضُ رُوحَهُ عَلى الكُفْرِ المُتَّفَقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ﴾ لِأنَّهُ بَيَّنَهُ بِالوَحْيِ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ قُلْ لِفُلانٍ لِلْإنْذارِ حَتّى يَسْمَعَ المُخاطَبُ ما يَقُولُهُ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ ما يَجِبُ قَوْلُهُ فَلَمّا قالَ: ﴿قُلِ﴾ فَزِعَ مَن في السَّماواتِ، ثُمَّ أُزِيلُ عَنْهُ الفَزَعُ، وعَلى الثّالِثِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أيْ زَعَمْتُمُ الكُفْرَ إلى غايَةِ التَّفْزِيعِ، ثُمَّ تَرَكْتُمْ ما زَعَمْتُمْ وقُلْتُمْ قالَ الحَقَّ، وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فاعِلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا ماذا﴾ هو المَلائِكَةُ السّائِلُونَ مِن جِبْرِيلَ، وعَلى الثّالِثِ الكُفّارُ السّائِلُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، والفاعِلُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقَّ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ هُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى الثّالِثِ هُمُ المُشْرِكُونَ.
واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ هو المَوْجُودُ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ وُجُودُهُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ عَدَمٌ كانَ حَقًّا مُطْلَقًا لا يَرْتَفِعُ بِالباطِلِ الَّذِي هو العَدَمُ والكَلامُ الَّذِي يَكُونُ صِدْقًا يُسَمّى حَقًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الخارِجِ بِواسِطَةِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما في الذِّهْنِ، والَّذِي في الذِّهْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما في الخارِجِ، فَإذا قالَ القائِلُ: جاءَ زَيْدٌ يَكُونُ هَذا اللَّفْظُ تَعَلُّقُهُ بِما في ذِهْنِ القائِلِ، وذِهْنُ القائِلِ تَعَلُّقُهُ بِما في الخارِجِ، لَكِنْ لِلصِّدْقِ مُتَعَلِّقٌ يَكُونُ في الخارِجِ فَيَصِيرُ لَهُ وُجُودٌ مُسْتَمِرٌّ ولِلْكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ لا يَكُونُ في الخارِجِ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الذِّهْنِ فَيَكُونُ كالمَعْدُومِ مِنَ الأوَّلِ وهو الألْفاظُ الَّتِي تَكُونُ صادِرَةً عَنْ مُعانِدٍ كاذِبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الذِّهْنِ عَلى خِلافِ ما في الخارِجِ فَيَكُونُ اعْتِقادًا باطِلًا جَهْلًا أوْ ظَنًّا، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِمُتَعَلِّقِهِ مُتَعَلِّقٌ يَزُولُ ذَلِكَ الكَلامُ ويَبْطُلُ، وكَلامُ اللَّهِ لا بُطْلانَ لَهُ في أوَّلِ الأمْرِ كَما يَكُونُ كَلامُ الكاذِبِ المُعانِدِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] كَما يَكُونُ كَلامُ الظّانِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] أنَّ ﴿الحَقُّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كامِلٌ لا نَقْصَ فِيهِ فَيَقْبَلُ نِسْبَةَ العَدَمِ، وفَوْقَ الكامِلِينَ لِأنَّ كُلَّ كامِلٍ فَوْقَهُ كامِلٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ فَوْقَ الكامِلِينَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، وهَذا يُبْطِلُ القَوْلَ بِكَوْنِهِ جِسْمًا وفي حَيِّزٍ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ في حَيِّزٍ فَإنَّ العَقْلَ يَحْكُمُ بِأنَّهُ مُشارٌ إلَيْهِ وهو مَقْطَعُ الإشارَةِ؛ لِأنَّ الإشارَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ إلَيْهِ لَما كانَ المُشارُ إلَيْهِ هو، وإذا وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ فَقَدْ تَناهَتِ الإشارَةُ عِنْدَهُ، وفي كُلِّ مَوْقِعٍ تَقِفُ الإشارَةُ بِقَدْرِ العَقْلِ عَلى أنْ يَفْرِضَ البُعْدَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَيَقُولُ لَوْ كانَ بَيْنَ
صفحة ٢٢٢
مَأْخَذِ الإشارَةِ والمُشارِ إلَيْهِ أكْثَرُ مِن هَذا البُعْدِ لَكانَ هَذا المُشارُ إلَيْهِ أعْلى فَيَصِيرُ عَلِيًّا بِالإضافَةِ لا مُطْلَقًا، وهو عَلِيٌّ مُطْلَقًا ولَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ لَهُ مِقْدارٌ، وكُلُّ مِقْدارٍ يُمْكِنُ أنْ يُفْرَضَ أكْبَرُ مِنهُ فَيَكُونَ كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ لا مُطْلَقًا وهو كَبِيرٌ مُطْلَقًا.
سبأ 34:23
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ الشّاكِرِينَ وحالَ الكافِرِينَ وذَكَّرَهم بِمَن مَضى عادَ إلى خِطابِهِمْ وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لِيَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَذاهِبَ المُفْضِيَةَ إلى الشِّرْكِ أرْبَعَةٌ:
أحَدُها: قَوْلُ مَن يَقُولُ: اللَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ والسَّماوِيّاتِ وجَعَلَ الأرْضَ والأرْضِيّاتِ في حُكْمِهِمْ، ونَحْنُ مِن جُمْلَةِ الأرْضِيّاتِ فَنَعْبُدُ الكَواكِبَ والمَلائِكَةَ الَّتِي في السَّماءِ فَهم آلِهَتُنا واللَّهُ إلَهُهم، فَقالَ اللَّهُ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: إنَّهم لا يَمْلِكُونَ في السَّماواتِ شَيْئًا كَما اعْتَرَفْتُمْ، قالَ: ولا في الأرْضِ عَلى خِلافِ ما زَعَمْتُمْ.
وثانِيها: قَوْلُ مَن يَقُولُ: السَّماواتُ مِنَ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْدادِ، والأرْضِيّاتُ مِنهُ ولَكِنْ بِواسِطَةِ الكَواكِبِ فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ العَناصِرَ والتَّرْكِيباتِ الَّتِي فِيها بِالِاتِّصالاتِ والحَرَكاتِ والطَّوالِعِ فَجَعَلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ مَعَهُ شِرْكًا في الأرْضِ والأوَّلُونَ جَعَلُوا الأرْضَ لِغَيْرِهِ والسَّماءَ لَهُ، فَقالَ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ أيِ الأرْضُ كالسَّماءِ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، ولا لِغَيْرِهِ فِيها نَصِيبٌ.
وثالِثُها: قَوْلُ مَن قالَ: التَّرْكِيباتُ والحَوادِثُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى لَكِنْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى الكَواكِبِ، وفِعْلُ المَأْذُونِ يُنْسَبُ إلى الآذِنِ ويُسْلَبُ عَنِ المَأْذُونِ فِيهِ، مِثالُهُ إذا قالَ مَلِكٌ لِمَمْلُوكِهِ اضْرِبْ فُلانًا فَضَرَبَهُ يُقالُ في العُرْفِ المَلِكُ ضَرَبَهُ، ويَصِحُّ عُرْفًا قَوْلُ القائِلِ ما ضَرَبَ فُلانٌ فُلانًا، وإنَّما المَلِكُ أمَرَ بِضَرْبِهِ فَضُرِبَ، فَهَؤُلاءِ جَعَلُوا السَّماوِيّاتِ مُعَيَّناتٍ لِلَّهِ فَقالَ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ما فَوَّضَ إلى شَيْءٍ شَيْئًا، بَلْ هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ
صفحة ٢٢١
حَفِيظٌ ورَقِيبٌ.
ورابِعُها: قَوْلُ مَن قالَ إنّا نَعْبُدُ الأصْنامَ الَّتِي هي صُوَرُ المَلائِكَةِ لِيَشْفَعُوا لَنا فَقالَ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: (﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ فَلا فائِدَةَ لِعِبادَتِكم غَيْرَ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ لِمَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَبِطَلَبِكُمُ الشَّفاعَةَ تُفَوِّتُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الشَّفاعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ أُزِيلَ الفَزَعُ عَنْهم، يُقالُ قُرِّدَ البَعِيرُ إذا أُخِذَ مِنهُ القُرادُ ويُقالُ لِهَذا: تَشْدِيدُ السَّلْبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الفَزَعُ الَّذِي عِنْدَ الوَحْيِ فَإنَّ اللَّهَ عِنْدَما يُوحِي يَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ، ثُمَّ يُزِيلُ اللَّهُ عَنْهُمُ الفَزَعَ فَيَقُولُونَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَيَقُولُ: قالَ الحَقَّ أيِ الوَحْيَ.
وثانِيها: الفَزَعُ الَّذِي مِنَ السّاعَةِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ﴾ [النمل: ٨٧] مِنَ القِيامَةِ لِأنَّ إرْسالَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَلَمّا زالَ عَنْهم ذَلِكَ الفَزَعُ قالُوا ماذا قالَ اللَّهُ ؟ قالَ جِبْرِيلُ ﴿الحَقَّ﴾ أيِ الوَحْيَ.
وثالِثُها: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيلُ الفَزَعَ وقْتَ المَوْتِ عَنِ القُلُوبِ فَيَعْتَرِفُ كُلُّ أحَدٍ بِأنَّ ما قالَ اللَّهُ تَعالى هو الحَقُّ فَيَنْفَعُ ذَلِكَ القَوْلُ مَن سَبَقَ ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ يَقْبِضُ رُوحَهُ عَلى الإيمانِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَضُرُّ ذَلِكَ القَوْلُ مَن سَبَقَ مِنهُ خِلافُهُ فَيَقْبِضُ رُوحَهُ عَلى الكُفْرِ المُتَّفَقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ﴾ لِأنَّهُ بَيَّنَهُ بِالوَحْيِ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ قُلْ لِفُلانٍ لِلْإنْذارِ حَتّى يَسْمَعَ المُخاطَبُ ما يَقُولُهُ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ ما يَجِبُ قَوْلُهُ فَلَمّا قالَ: ﴿قُلِ﴾ فَزِعَ مَن في السَّماواتِ، ثُمَّ أُزِيلُ عَنْهُ الفَزَعُ، وعَلى الثّالِثِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أيْ زَعَمْتُمُ الكُفْرَ إلى غايَةِ التَّفْزِيعِ، ثُمَّ تَرَكْتُمْ ما زَعَمْتُمْ وقُلْتُمْ قالَ الحَقَّ، وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فاعِلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا ماذا﴾ هو المَلائِكَةُ السّائِلُونَ مِن جِبْرِيلَ، وعَلى الثّالِثِ الكُفّارُ السّائِلُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، والفاعِلُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقَّ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ هُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى الثّالِثِ هُمُ المُشْرِكُونَ.
واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ هو المَوْجُودُ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ وُجُودُهُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ عَدَمٌ كانَ حَقًّا مُطْلَقًا لا يَرْتَفِعُ بِالباطِلِ الَّذِي هو العَدَمُ والكَلامُ الَّذِي يَكُونُ صِدْقًا يُسَمّى حَقًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الخارِجِ بِواسِطَةِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما في الذِّهْنِ، والَّذِي في الذِّهْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما في الخارِجِ، فَإذا قالَ القائِلُ: جاءَ زَيْدٌ يَكُونُ هَذا اللَّفْظُ تَعَلُّقُهُ بِما في ذِهْنِ القائِلِ، وذِهْنُ القائِلِ تَعَلُّقُهُ بِما في الخارِجِ، لَكِنْ لِلصِّدْقِ مُتَعَلِّقٌ يَكُونُ في الخارِجِ فَيَصِيرُ لَهُ وُجُودٌ مُسْتَمِرٌّ ولِلْكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ لا يَكُونُ في الخارِجِ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الذِّهْنِ فَيَكُونُ كالمَعْدُومِ مِنَ الأوَّلِ وهو الألْفاظُ الَّتِي تَكُونُ صادِرَةً عَنْ مُعانِدٍ كاذِبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الذِّهْنِ عَلى خِلافِ ما في الخارِجِ فَيَكُونُ اعْتِقادًا باطِلًا جَهْلًا أوْ ظَنًّا، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِمُتَعَلِّقِهِ مُتَعَلِّقٌ يَزُولُ ذَلِكَ الكَلامُ ويَبْطُلُ، وكَلامُ اللَّهِ لا بُطْلانَ لَهُ في أوَّلِ الأمْرِ كَما يَكُونُ كَلامُ الكاذِبِ المُعانِدِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] كَما يَكُونُ كَلامُ الظّانِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] أنَّ ﴿الحَقُّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كامِلٌ لا نَقْصَ فِيهِ فَيَقْبَلُ نِسْبَةَ العَدَمِ، وفَوْقَ الكامِلِينَ لِأنَّ كُلَّ كامِلٍ فَوْقَهُ كامِلٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ فَوْقَ الكامِلِينَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، وهَذا يُبْطِلُ القَوْلَ بِكَوْنِهِ جِسْمًا وفي حَيِّزٍ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ في حَيِّزٍ فَإنَّ العَقْلَ يَحْكُمُ بِأنَّهُ مُشارٌ إلَيْهِ وهو مَقْطَعُ الإشارَةِ؛ لِأنَّ الإشارَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ إلَيْهِ لَما كانَ المُشارُ إلَيْهِ هو، وإذا وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ فَقَدْ تَناهَتِ الإشارَةُ عِنْدَهُ، وفي كُلِّ مَوْقِعٍ تَقِفُ الإشارَةُ بِقَدْرِ العَقْلِ عَلى أنْ يَفْرِضَ البُعْدَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَيَقُولُ لَوْ كانَ بَيْنَ
صفحة ٢٢٢
مَأْخَذِ الإشارَةِ والمُشارِ إلَيْهِ أكْثَرُ مِن هَذا البُعْدِ لَكانَ هَذا المُشارُ إلَيْهِ أعْلى فَيَصِيرُ عَلِيًّا بِالإضافَةِ لا مُطْلَقًا، وهو عَلِيٌّ مُطْلَقًا ولَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ لَهُ مِقْدارٌ، وكُلُّ مِقْدارٍ يُمْكِنُ أنْ يُفْرَضَ أكْبَرُ مِنهُ فَيَكُونَ كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ لا مُطْلَقًا وهو كَبِيرٌ مُطْلَقًا.
سبأ 34:24
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ العامَّةَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لا لِكَوْنِهِ إلَهًا، وإنَّما يَطْلُبُونَ بِهِ شَيْئًا، وذَلِكَ إمّا دَفْعُ ضَرَرٍ أوْ جَرُّ نَفْعٍ فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعالى العامَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْفَعُ الضُّرَّ أحَدٌ إلّا هو كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] وقالَ بَعْدَ إتْمامِ بَيانِ ذَلِكَ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ جَرَّ النَّفْعِ لَيْسَ إلّا بِهِ ومِنهُ، فَإذًا إنْ كُنْتُمْ مِنَ الخَواصِّ فاعْبُدُوهُ لِعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ سَواءٌ دَفَعَ عَنْكم ضُرًّا أوْ لَمْ يَدْفَعْ، وسَواءٌ نَفَعَكم بِخَيْرٍ أوْ لَمْ يَنْفَعْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ فاعْبُدُوهُ لِدَفْعِ الضُّرِّ وجَرِّ النَّفْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي إنْ لَمْ يَقُولُوا هم فَقُلْ أنْتَ: اللَّهُ يَرْزُقُ (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ الضُّرِّ ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ ويَعْتَرِفُونَ بِالحَقِّ حَيْثُ قالَ: ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ وعِنْدَ النَّفْعِ لَمْ يَقُلْ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ وذَلِكَ لِأنَّ لَهم حالَةً يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ كاشِفَ الضُّرِّ هو اللَّهُ حَيْثُ يَقَعُونَ في الضُّرِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] وأمّا عِنْدَ الرّاحَةِ فَلا تَنَبُّهَ لَهم لِذَلِكَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ هم في حالَةِ الرّاحَةِ غافِلُونَ عَنِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا إرْشادٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ إلى المُناظَراتِ الجارِيَةِ في العُلُومِ وغَيْرِها وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ المُتَناظِرَيْنِ إذا قالَ لِلْآخَرِ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ خَطَأٌ وأنْتَ فِيهِ مُخْطِئٌ يُغْضِبُهُ، وعِنْدَ الغَضَبِ لا يَبْقى سَدادُ الفِكْرِ وعِنْدَ اخْتِلالِهِ لا مَطْمَعَ في الفَهْمِ فَيَفُوتُ الغَرَضُ، وأمّا إذا قالَ لَهُ بِأنَّ أحَدَنا لا يَشُكُّ في أنَّهُ مُخْطِئٌ والتَّمادِي في الباطِلِ قَبِيحٌ والرُّجُوعُ إلى الحَقِّ أحْسَنُ الأخْلاقِ فَنَجْتَهِدُ ونُبْصِرُ أيُّنا عَلى الخَطَأِ لِيَحْتَرِزَ فَإنَّهُ يَجْتَهِدُ ذَلِكَ الخَصْمُ في النَّظَرِ ويَتْرُكُ التَّعَصُّبَ وذَلِكَ لا يُوجِبُ نَقْصًا في المَنزِلَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَ بِأنَّهُ في قَوْلِهِ شاكٌّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَشُكُّ في أنَّهُ هو الهادِي وهو المُهْتَدِي وهُمُ الضّالُّونَ والمُضِلُّونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ذَكَرَ في الهُدى كَلِمَةَ ”عَلى“، وفي الضَّلالِ كَلِمَةَ ”فِي“ لِأنَّ المُهْتَدِيَ كَأنَّهُ مُرْتَفِعٌ مُتَطَلِّعٌ فَذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ التَّعَلِّي، والضّالُّ مُنْغَمِسٌ في الظُّلْمَةِ غَرِيقٌ فِيها فَذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ ”فِي“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ الضَّلالَ بِالمُبِينِ ولَمْ يَصِفِ الهُدى لِأنَّ الهُدى هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ المُوصِلُ
صفحة ٢٢٣
إلى الحَقِّ، والضَّلالُ خِلافُهُ لَكِنَّ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ وما هو غَيْرُهُ كُلُّهُ ضَلالٌ وبَعْضُهُ بَيِّنٌ مِن بَعْضٍ، فَمَيَّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ بِالوَصْفِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدَّمَ الهُدى عَلى الضَّلالِ لِأنَّهُ كانَ وصَفَ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: (إنّا) وهو مُقَدَّمٌ في الذِّكْرِ.
سبأ 34:25
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أضافَ الإجْرامَ إلى النَّفْسِ وقالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ بِلَفْظِ العَمَلِ لِئَلّا يَحْصُلَ الإغْضابُ المانِعُ مِنَ الفَهْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُسْألُونَ﴾ ﴿ولا نُسْألُ﴾ زِيادَةُ حَثٍّ عَلى النَّظَرِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا كانَ مُؤاخَذًا بِجُرْمِهِ فَإذا احْتَرَزَ نَجا، ولَوْ كانَ البَرِيءُ يُؤاخَذُ بِالجُرْمِ لَما كَفى النَّظَرُ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ أكَّدَ ما يُوجِبُ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَطَأِ والضَّلالِ واجِبُ الِاجْتِنابِ، فَكَيْفَ إذا كانَ يَوْمَ عَرْضٍ وحِسابٍ وثَوابٍ وعَذابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يَفْتَحُ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ يَحْكُمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الفَتْحَ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البابَ المُغْلَقَ والمَنفَذَ المَسْدُودَ يُقالُ فِيهِ فَتَحَهُ عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ. ثُمَّ إنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ انْغِلاقٌ وعَدَمُ وُصُولٍ إلَيْهِ فَإذا بَيَّنَهُ أحَدٌ يَكُونُ قَدْ فَتَحَهُ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَهُ يَكُونُ مَعَ العِلْمِ لا مِثْلَ حُكْمِ مَن يَحْكُمُ بِما يَتَّفِقُ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَواهُ.
سبأ 34:26
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أضافَ الإجْرامَ إلى النَّفْسِ وقالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ بِلَفْظِ العَمَلِ لِئَلّا يَحْصُلَ الإغْضابُ المانِعُ مِنَ الفَهْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُسْألُونَ﴾ ﴿ولا نُسْألُ﴾ زِيادَةُ حَثٍّ عَلى النَّظَرِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا كانَ مُؤاخَذًا بِجُرْمِهِ فَإذا احْتَرَزَ نَجا، ولَوْ كانَ البَرِيءُ يُؤاخَذُ بِالجُرْمِ لَما كَفى النَّظَرُ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ أكَّدَ ما يُوجِبُ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَطَأِ والضَّلالِ واجِبُ الِاجْتِنابِ، فَكَيْفَ إذا كانَ يَوْمَ عَرْضٍ وحِسابٍ وثَوابٍ وعَذابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يَفْتَحُ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ يَحْكُمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الفَتْحَ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البابَ المُغْلَقَ والمَنفَذَ المَسْدُودَ يُقالُ فِيهِ فَتَحَهُ عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ. ثُمَّ إنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ انْغِلاقٌ وعَدَمُ وُصُولٍ إلَيْهِ فَإذا بَيَّنَهُ أحَدٌ يَكُونُ قَدْ فَتَحَهُ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَهُ يَكُونُ مَعَ العِلْمِ لا مِثْلَ حُكْمِ مَن يَحْكُمُ بِما يَتَّفِقُ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَواهُ.
سبأ 34:27
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أضافَ الإجْرامَ إلى النَّفْسِ وقالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ بِلَفْظِ العَمَلِ لِئَلّا يَحْصُلَ الإغْضابُ المانِعُ مِنَ الفَهْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُسْألُونَ﴾ ﴿ولا نُسْألُ﴾ زِيادَةُ حَثٍّ عَلى النَّظَرِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا كانَ مُؤاخَذًا بِجُرْمِهِ فَإذا احْتَرَزَ نَجا، ولَوْ كانَ البَرِيءُ يُؤاخَذُ بِالجُرْمِ لَما كَفى النَّظَرُ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ أكَّدَ ما يُوجِبُ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَطَأِ والضَّلالِ واجِبُ الِاجْتِنابِ، فَكَيْفَ إذا كانَ يَوْمَ عَرْضٍ وحِسابٍ وثَوابٍ وعَذابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يَفْتَحُ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ يَحْكُمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الفَتْحَ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البابَ المُغْلَقَ والمَنفَذَ المَسْدُودَ يُقالُ فِيهِ فَتَحَهُ عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ. ثُمَّ إنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ انْغِلاقٌ وعَدَمُ وُصُولٍ إلَيْهِ فَإذا بَيَّنَهُ أحَدٌ يَكُونُ قَدْ فَتَحَهُ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَهُ يَكُونُ مَعَ العِلْمِ لا مِثْلَ حُكْمِ مَن يَحْكُمُ بِما يَتَّفِقُ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَواهُ.
سبأ 34:28
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أضافَ الإجْرامَ إلى النَّفْسِ وقالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ بِلَفْظِ العَمَلِ لِئَلّا يَحْصُلَ الإغْضابُ المانِعُ مِنَ الفَهْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُسْألُونَ﴾ ﴿ولا نُسْألُ﴾ زِيادَةُ حَثٍّ عَلى النَّظَرِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا كانَ مُؤاخَذًا بِجُرْمِهِ فَإذا احْتَرَزَ نَجا، ولَوْ كانَ البَرِيءُ يُؤاخَذُ بِالجُرْمِ لَما كَفى النَّظَرُ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ أكَّدَ ما يُوجِبُ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَطَأِ والضَّلالِ واجِبُ الِاجْتِنابِ، فَكَيْفَ إذا كانَ يَوْمَ عَرْضٍ وحِسابٍ وثَوابٍ وعَذابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يَفْتَحُ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ يَحْكُمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الفَتْحَ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البابَ المُغْلَقَ والمَنفَذَ المَسْدُودَ يُقالُ فِيهِ فَتَحَهُ عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ. ثُمَّ إنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ انْغِلاقٌ وعَدَمُ وُصُولٍ إلَيْهِ فَإذا بَيَّنَهُ أحَدٌ يَكُونُ قَدْ فَتَحَهُ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَهُ يَكُونُ مَعَ العِلْمِ لا مِثْلَ حُكْمِ مَن يَحْكُمُ بِما يَتَّفِقُ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَواهُ.
سبأ 34:29
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أضافَ الإجْرامَ إلى النَّفْسِ وقالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ بِلَفْظِ العَمَلِ لِئَلّا يَحْصُلَ الإغْضابُ المانِعُ مِنَ الفَهْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُسْألُونَ﴾ ﴿ولا نُسْألُ﴾ زِيادَةُ حَثٍّ عَلى النَّظَرِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا كانَ مُؤاخَذًا بِجُرْمِهِ فَإذا احْتَرَزَ نَجا، ولَوْ كانَ البَرِيءُ يُؤاخَذُ بِالجُرْمِ لَما كَفى النَّظَرُ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ أكَّدَ ما يُوجِبُ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَطَأِ والضَّلالِ واجِبُ الِاجْتِنابِ، فَكَيْفَ إذا كانَ يَوْمَ عَرْضٍ وحِسابٍ وثَوابٍ وعَذابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يَفْتَحُ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ يَحْكُمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الفَتْحَ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البابَ المُغْلَقَ والمَنفَذَ المَسْدُودَ يُقالُ فِيهِ فَتَحَهُ عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ. ثُمَّ إنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ انْغِلاقٌ وعَدَمُ وُصُولٍ إلَيْهِ فَإذا بَيَّنَهُ أحَدٌ يَكُونُ قَدْ فَتَحَهُ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَهُ يَكُونُ مَعَ العِلْمِ لا مِثْلَ حُكْمِ مَن يَحْكُمُ بِما يَتَّفِقُ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَواهُ.
سبأ 34:30
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَعْبُودَ قَدْ يَعْبُدُهُ قَوْمٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وجَمْعٌ لِتَوَقُّعِ المَنفَعَةِ، وقَلِيلٌ مِنَ الأشْرافِ الأعِزَّةِ يَعْبُدُونَهُ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ فَلَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْبَدُ غَيْرُ اللَّهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ إذْ لا دافِعَ لِلضَّرَرِ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْبَدُ غَيْرُ اللَّهِ لِتَوَقُّعِ المَنفَعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ لا يُعْبَدُ أحَدٌ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ غَيْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ هو المَعْبُودُ لِذاتِهِ، واتِّصافُهُ بِالعِزَّةِ وهي القُدْرَةُ الكامِلَةُ، والحِكْمَةُ وهي العِلْمُ التّامُّ الَّذِي عَمَلُهُ مُوافِقٌ لَهُ.
صفحة ٢٢٤
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ مَسْألَةَ التَّوْحِيدِ شَرَعَ في الرِّسالَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: كافَّةً؛ أيْ: إرْسالُهُ كافَّةً؛ أيْ: عامَّةً لِجَمِيعِ النّاسِ تَمْنَعُهم مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الِانْقِيادِ لَها.
والثّانِي: كافَّةً أيْ أرْسَلْناكَ كافَّةً تَكُفُّ النّاسَ أنْتَ مِنَ الكُفْرِ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَشِيرًا﴾ أيْ تَحُثُّهم بِالوَعْدِ ﴿ونَذِيرًا﴾ تَزْجُرُهم بِالوَعِيدِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ لا لِخَفائِهِ ولَكِنْ لِغَفْلَتِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ بَيَّنَ الحَشْرَ.
وقالَ: ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ﴾ يُوجِبُ الإنْذارَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ عَدَمُ المُهْلَةِ عَنِ الأجَلِ ولَكِنَّ الِاسْتِقْدامَ ما وجْهُهُ ؟ وذَكَرْنا هُناكَ وجْهَهُ ونَذْكُرُ هَهُنا أنَّهم لَمّا طَلَبُوا الِاسْتِعْجالَ بَيَّنَ أنَّهُ لا اسْتِعْجالَ فِيهِ كَما لا إمْهالَ، وهَذا يُفِيدُ عِظَمَ الأمْرِ وخَطَرَ الخَطْبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ الحَقِيرَ إذا طالَبَهُ طالِبٌ مِن غَيْرِهِ لا يُؤَخِّرُهُ ولا يُوقِفُهُ عَلى وقْتٍ بِخِلافِ الأمْرِ الخَطِيرِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾ قِراءاتٌ:
أحَدُها: رَفْعُهُما مَعَ التَّنْوِينِ وعَلى هَذا ”يَوْمٌ“ بَدَلٌ.
وثانِيها: نَصْبُ يَوْمٍ مَعَ رَفْعِ مِيعادٍ والتَّنْوِينُ فِيهِما، ”مِيعادٌ يَوْمًا“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ: مِيعادٌ أعْنِي يَوْمًا وذَلِكَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ تَقْدِيرُهُ لَكم مِيعادٌ يَوْمًا كَما يَقُولُ القائِلُ: أنا جائِيكَ يَوْمًا وعَلى هَذا يَكُونُ العامِلُ فِيهِ العِلْمَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَكم مِيعادٌ تَعْلَمُونَهُ يَوْمًا، وقَوْلُهُ مَعْلُومٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ مَقْتُولٌ يَوْمًا.
الثّالِثَةُ: الإضافَةُ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ كَما في قَوْلِ القائِلِ سَحْقُ ثَوْبٍ لِلتَّبْيِينِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ﴾ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: ”لا يُؤَخَّرُ عَنْكم“ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِوُقُوعِ اليَوْمِ.
سبأ 34:31
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ مِنَ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ والحَشْرِ وكانُوا بِالكُلِّ كافِرِينَ بَيَّنَ كُفْرَهُمُ العامَّ بِقَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ المَشْهُورُ أنَّهُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وعَلى هَذا فالَّذِينَ كَفَرُوا المُرادُ مِنهُمُ المُشْرِكُونَ المُنْكِرُونَ لِلنُّبُوّاتِ والحَشْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ إنَّ المَعْنى هو أنّا لا نُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ ولا بِما فِيهِ مِنَ الإخْباراتِ والمَسائِلِ والآياتِ والدَّلائِلِ، وعَلى هَذا فالَّذِينَ كَفَرُوا المُرادُ مِنهُمُ العُمُومُ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولا بِالَّذِي فِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ وتَفاصِيلِ الحَشْرِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هم مُؤْمِنِينَ بِالوَحْدانِيَّةِ والحَشْرِ ؟ فَنَقُولُ: إذا لَمْ يُصَدِّقْ واحِدٌ ما في الكِتابِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَصَّةِ بِهِ يُقالُ فِيهِ إنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنهُ وإنْ آمَنَ بِبَعْضِ ما فِيهِ لِكَوْنِهِ في غَيْرِهِ فَيَكُونُ إيمانُهُ لا بِما فِيهِ. مِثالُهُ: أنَّ مَن يُكَذِّبُ رَجُلًا فِيما يَقُولُهُ فَإذا أخْبَرَهُ بِأنَّ النّارَ حارَّةٌ لا يُكَذِّبُهُ فِيهِ ولَكِنْ لا يُقالُ إنَّهُ
صفحة ٢٢٥
صَدَّقَهُ لِأنَّهُ إنَّما صَدَّقَ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ كانَ عالِمًا بِهِ مِن قَبْلُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أيِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ وارِدٌ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ .
لَمّا وقَعَ اليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ بِقَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ فَإنَّهُ لِتَأْيِيدِ النَّفْيِ وعَدَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ يَراهم عَلى أذَلِّ حالٍ مَوْقُوفِينَ لِلسُّؤالِ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ كَما يَكُونُ عَلَيْهِ حالُ جَماعَةٍ أخْطَئُوا في أمْرٍ يَقُولُ بَعْضُهم كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِكَ ويَرُدُّ عَلَيْهِ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ لَرَأيْتَ عَجَبًا، ثُمَّ بَدَأ بِالأتْباعِ لِأنَّ المُضِلَّ أوْلى بِالتَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ كُفْرَهم كانَ لِمانِعٍ لا لِعَدَمِ المُقْتَضِي لِأنَّهم لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا ما جاءَنا رَسُولٌ، ولا أنْ يَقُولُوا: قَصَّرَ الرَّسُولُ، وهَذا إشارَةٌ إلى إتْيانِ الرَّسُولِ بِما عَلَيْهِ لِأنَّ الرَّسُولَ لَوْ أهْمَلَ شَيْئًا لَما كانُوا يُؤْمِنُونَ ولَوْلا المُسْتَكْبِرُونَ لَآمَنُوا.
سبأ 34:32
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ .
رَدًّا لِما قالُوا إنَّ كُفْرَنا كانَ لِمانِعٍ ﴿أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: المانِعُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ راجِحًا عَلى المُقْتَضِي حَتّى يَعْمَلَ عَمَلَهُ، والَّذِي جاءَ بِهِ هو الهُدى، والَّذِي صَدَرَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُوجِبُ الِامْتِناعَ مِن قَبُولِ ما جاءَ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُكم بِالمانِعِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم كانَ إجْرامًا مِن حَيْثُ إنَّ المَعْذُورَ لا يَكُونُ مَعْذُورًا إلّا لِعَدَمِ المُقْتَضِي أوْ لِقِيامِ المانِعِ ولَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنهُما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ المُسْتَكْبِرُونَ أنّا ما صَدَدْناكم وما صَدَرَ مِنّا ما يَصْلُحُ مانِعًا وصارِفًا اعْتَرَفَ المُسْتَضْعَفُونَ بِهِ وقالُوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ مَنَعَنا، ثُمَّ قالُوا لَهم إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ ما أتَيْتُمْ بِالصّارِفِ القَطْعِيِّ والمانِعِ القَوِيِّ ولَكِنِ انْضَمَّ أمْرُكم إيّانا بِالكُفْرِ إلى طُولِ الأمَدِ والِامْتِدادِ في المَدَدِ فَكَفَرْنا فَكانَ قَوْلُكم جُزْءَ السَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بَلْ مَكْرُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: نُنْكِرَهُ ﴿ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ هَذا يُبَيِّنُ أنَّ المُشْرِكَ بِاللَّهِ مَعَ أنَّهُ في الصُّورَةِ مُثْبِتٌ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ مُنْكِرٌ لِوُجُودِ اللَّهِ لِأنَّ مَن يُساوِيهِ المَخْلُوقُ المَنحُوتُ لا يَكُونُ إلَهًا، وقَوْلُهُ في الأوَّلِ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾
صفحة ٢٢٦
﴿القَوْلَ﴾ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ في الآيَتَيْنِ المُتَأخِّرَتَيْنِ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّ السُّؤالَ والتَّراجُعَ في القَوْلِ لَمْ يَقَعْ؛ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ، فَإنَّ الأمْرَ الواجِبَ الوُقُوعِ يُوجَدُ كَأنَّهُ وقَعَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
سبأ 34:33
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
مَعْناهُ أنَّهم يَتَراجَعُونَ القَوْلَ في الأوَّلِ، ثُمَّ إذا جاءَهُمُ العَذابُ الشّاغِلُ يُسِرُّونَ ذَلِكَ التَّراجُعَ الدّالَّ عَلى النَّدامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الإسْرارِ الإظْهارُ أيْ أظْهَرُوا النَّدامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّهم لَمّا تَراجَعُوا في القَوْلِ رَجَعُوا إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] ثُمَّ أُجِيبُوا وأُخْبِرُوا بِأنْ لا مَرَدَّ لَكم فَأسَرُّوا ذَلِكَ القَوْلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ العَذابِ وإلى أنَّ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ كافِيًا بَلْ لَمّا رَأوُا العَذابَ قَطَعُوا بِأنَّهم واقِعُونَ فِيهِ فَتَرَكُوا النَّدَمَ ووَقَعُوا فِيهِ فَجَعَلَ الأغْلالَ في أعْناقِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ حَقُّهم عَدْلًا.
سبأ 34:34
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ .
تَسْلِيَةً لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيانًا لِأنَّ إيذاءَ الكُفّارِ الأنْبِياءَ الأخْيارَ لَيْسَ بِدْعًا، بَلْ ذَلِكَ عادَةٌ جَرَتْ مِن قَبْلُ وإنَّما نَسَبَ القَوْلَ إلى المُتْرَفِينَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم أيْضًا قالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ لِأنَّ الأغْنِياءَ المُتْرَفِينَ هُمُ الأصْلُ في ذَلِكَ القَوْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ قالَ عَنِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا إنَّهم قالُوا لِلْمُسْتَكْبِرِينَ لَوْلا أنْتُمْ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى كَوْنِهِمْ مُصِيبِينَ في ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ فَقالُوا: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ أيْ بِسَبَبِ لَزُومِنا لِدِينِنا، وقَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَأنَّهم قالُوا: حالُنا عاجِلًا خَيْرٌ مِن حالِكم، وأمّا آجِلًا فَلا نُعَذَّبُ إمّا إنْكارًا مِنهم لِلْعَذابِ رَأْسًا أوِ اعْتِقادًا لِحُسْنِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ أيْضًا قِياسًا [ عَلى حُسْنِ حالِهِمْ في الدُّنْيا ] . ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ خَطَأهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
صفحة ٢٢٧
يَعْنِي أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا لا تَدُلُّ سِعَتُهُ وضِيقُهُ عَلى حالِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَكَمْ مِن مُوسِرٍ شَقِيٍّ ومُعْسِرٍ تَقِيٍّ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ قِلَّةَ الرِّزْقِ وضَنْكَ العَيْشِ وكَثْرَةَ المالِ وخِصْبَ العَيْشِ بِالمَشِيئَةِ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِالفاسِقِ والصّالِحِ.
سبأ 34:35
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ .
تَسْلِيَةً لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيانًا لِأنَّ إيذاءَ الكُفّارِ الأنْبِياءَ الأخْيارَ لَيْسَ بِدْعًا، بَلْ ذَلِكَ عادَةٌ جَرَتْ مِن قَبْلُ وإنَّما نَسَبَ القَوْلَ إلى المُتْرَفِينَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم أيْضًا قالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ لِأنَّ الأغْنِياءَ المُتْرَفِينَ هُمُ الأصْلُ في ذَلِكَ القَوْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ قالَ عَنِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا إنَّهم قالُوا لِلْمُسْتَكْبِرِينَ لَوْلا أنْتُمْ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى كَوْنِهِمْ مُصِيبِينَ في ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ فَقالُوا: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ أيْ بِسَبَبِ لَزُومِنا لِدِينِنا، وقَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَأنَّهم قالُوا: حالُنا عاجِلًا خَيْرٌ مِن حالِكم، وأمّا آجِلًا فَلا نُعَذَّبُ إمّا إنْكارًا مِنهم لِلْعَذابِ رَأْسًا أوِ اعْتِقادًا لِحُسْنِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ أيْضًا قِياسًا [ عَلى حُسْنِ حالِهِمْ في الدُّنْيا ] . ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ خَطَأهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
صفحة ٢٢٧
يَعْنِي أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا لا تَدُلُّ سِعَتُهُ وضِيقُهُ عَلى حالِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَكَمْ مِن مُوسِرٍ شَقِيٍّ ومُعْسِرٍ تَقِيٍّ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ قِلَّةَ الرِّزْقِ وضَنْكَ العَيْشِ وكَثْرَةَ المالِ وخِصْبَ العَيْشِ بِالمَشِيئَةِ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِالفاسِقِ والصّالِحِ.
سبأ 34:36
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ .
تَسْلِيَةً لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيانًا لِأنَّ إيذاءَ الكُفّارِ الأنْبِياءَ الأخْيارَ لَيْسَ بِدْعًا، بَلْ ذَلِكَ عادَةٌ جَرَتْ مِن قَبْلُ وإنَّما نَسَبَ القَوْلَ إلى المُتْرَفِينَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم أيْضًا قالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ لِأنَّ الأغْنِياءَ المُتْرَفِينَ هُمُ الأصْلُ في ذَلِكَ القَوْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ قالَ عَنِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا إنَّهم قالُوا لِلْمُسْتَكْبِرِينَ لَوْلا أنْتُمْ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى كَوْنِهِمْ مُصِيبِينَ في ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ فَقالُوا: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ أيْ بِسَبَبِ لَزُومِنا لِدِينِنا، وقَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَأنَّهم قالُوا: حالُنا عاجِلًا خَيْرٌ مِن حالِكم، وأمّا آجِلًا فَلا نُعَذَّبُ إمّا إنْكارًا مِنهم لِلْعَذابِ رَأْسًا أوِ اعْتِقادًا لِحُسْنِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ أيْضًا قِياسًا [ عَلى حُسْنِ حالِهِمْ في الدُّنْيا ] . ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ خَطَأهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
صفحة ٢٢٧
يَعْنِي أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا لا تَدُلُّ سِعَتُهُ وضِيقُهُ عَلى حالِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَكَمْ مِن مُوسِرٍ شَقِيٍّ ومُعْسِرٍ تَقِيٍّ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ قِلَّةَ الرِّزْقِ وضَنْكَ العَيْشِ وكَثْرَةَ المالِ وخِصْبَ العَيْشِ بِالمَشِيئَةِ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِالفاسِقِ والصّالِحِ.
سبأ 34:37
ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ اسْتِدْلالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ .
يَعْنِي قَوْلَكم: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا فَنَحْنُ أحْسَنُ عِنْدَ اللَّهِ حالًا لَيْسَ اسْتِدْلالًا صَحِيحًا، فَإنَّ المالَ لا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ولا اعْتِبارَ بِالتَّعَزُّزِ بِهِ، وإنَّما المُفِيدُ العَمَلُ الصّالِحُ بَعْدَ الإيمانِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المالَ والوَلَدَ يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ فَيُبْعِدُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُقَرِّبُ مِنهُ، والعَمَلُ الصّالِحُ إقْبالٌ عَلى اللَّهِ واشْتِغالٌ بِاللَّهِ ومَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ وصَلَ ومَن طَلَبَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا حَصَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيِ الحَسَنَةُ فَإنَّ الضَّعْفَ لا يَكُونُ إلّا في الحَسَنَةِ وفي السَّيِّئَةِ لا يَكُونُ إلّا المِثْلُ.
ثُمَّ زادَ وقالَ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ إشارَةً إلى دَوامِ النَّعِيمِ وتَأْبِيدِهِ، فَإنَّ مَن تَنْقَطِعُ عَنْهُ النِّعْمَةُ لا يَكُونُ آمِنًا.
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾
ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُسِيءِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] .
ثُمَّ قالَ تَعالى مَرَّةً أُخْرى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ لا يُنافِي نِعْمَةَ الدُّنْيا، بَلِ الصّالِحُونَ قَدْ يَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا النِّعَمُ مَعَ القَطْعِ بِحُصُولِ النَّعِيمِ لَهم في العُقْبى بِناءً عَلى الوَعْدِ، قَطْعًا لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إذا كانَتِ العاجِلَةُ لَنا والآجِلَةُ لَهم فالنَّقْدُ أوْلى، فَقالَ: هَذا النَّقْدُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِكم فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْقِياءِ مُدْقَعُونَ، وكَثِيرٌ مِنَ الأتْقِياءِ مُمَتَّعُونَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا المَعْنى مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِبَيانِ أنَّ كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ غَيْرُ دالَّةٍ عَلى حُسْنِ أحْوالِهِمْ واعْتِقادِهِمْ، ومَرَّةً لِبَيانِ أنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: وُجُودُ التَّرَفِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ سَيَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُمَلِّكُهم دِيارَكم وأمْوالَكم، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أوَّلًا لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، بَلْ قالَ لِمَن يَشاءُ، وثانِيًا قالَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والعِبادُ المُضافَةُ
صفحة ٢٢٨
يُرادُ بِها المُؤْمِنُ، ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنَ بِخِلافِ ما لِلْكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ دابِرُهُ مَقْطُوعٌ، ومالُهُ إلى الزَّوالِ، ومَآلُهُ إلى الوَبالِ. وأمّا المُؤْمِنُ فَما يُنْفِقُهُ يُخْلِفُهُ اللَّهُ، ومُخْلَفُ اللَّهِ خَيْرٌ، فَإنَّ ما في يَدِ الإنْسانِ في مَعْرِضِ البَوارِ والتَّلَفِ وهُما لا يَتَطَرَّقانِ إلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَلَفِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وخَيْرِيَّةُ الرّازِقِ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنْ لا يُؤَخِّرَ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ.
والثّانِي: أنْ لا يَنْقُصَ عَنْ قَدَرِ الحاجَةِ.
والثّالِثُ: أنْ لا يُنَكِّدَهُ بِالحِسابِ.
والرّابِعُ: أنْ لا يُكَدِّرَهُ بِطَلَبِ الثَّوابِ، واللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ عالِمٌ وقادِرٌ.
والثّانِي: فَلِأنَّهُ غَنِيٌّ واسِعٌ.
والثّالِثُ: فَلِأنَّهُ كَرِيمٌ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وما ذَكَرْنا هو المُرادُ، أيْ يَرْزُقُهُ حَلالًا لا يُحاسِبُهُ عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: فَلِأنَّهُ عَلِيٌّ كَبِيرٌ والثَّوابُ يَطْلُبُهُ الأدْنى مِنَ الأعْلى، ألا تَرى أنَّ هِبَةَ الأعْلى مِنَ الأدْنى لا تَقْتَضِي ثَوابًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ يُحَقِّقُ مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ إلّا ومَلَكانِ يَنْزِلانِ، يَقُولُ أحَدُهُما اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» “ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَلِكٌ عَلِيٌّ وهو غَنِيٌّ مَلِيٌّ، فَإذا قالَ: أنْفِقْ وعَلَيَّ بَدَلُهُ فَبِحُكْمِ الوَعْدِ يَلْزَمُهُ، كَما إذا قالَ قائِلٌ: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعَلَيَّ ضَمانُهُ، فَمَن أنْفَقَ فَقَدْ أتى بِما هو شَرْطُ حُصُولِ البَدَلِ فَيَحْصُلُ البَدَلُ، ومَن لَمْ يُنْفِقْ فالزَّوالُ لازِمٌ لِلْمالِ ولَمْ يَأْتِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ البَدَلِ فَيَفُوتُ مِن غَيْرِ خَلَفٍ وهو التَّلَفُ، ثُمَّ إنَّ مِنَ العَجَبِ أنَّ التّاجِرَ إذا عَلِمَ أنَّ مالًا مِن أمْوالِهِ في مَعْرِضِ الهَلاكِ يَبِيعُهُ نَسِيئَةً، وإنْ كانَ مِنَ الفُقَراءِ ويَقُولُ بِأنَّ ذَلِكَ أوْلى مِنَ الإمْهالِ إلى الهَلاكِ، فَإنْ لَمْ يَبِعْ حَتّى يَهْلَكَ يُنْسَبْ إلى الخَطَأِ، ثُمَّ إنْ حَصَلَ بِهِ كَفِيلٌ مَلِيءٌ ولا يَبِيعُ يُنْسَبُ إلى قِلَّةِ العَقْلِ، فَإنْ حَصَلَ بِهِ رَهْنٌ وكَتَبَ بِهِ وثِيقَةً ولا يَبِيعُهُ يُنْسَبْ إلى الجُنُونِ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَفْعَلُ هَذا ولا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ، فَإنَّ أمْوالَنا كُلَّها في مَعْرِضِ الزَّوالِ المُحَقَّقِ، والإنْفاقُ عَلى الأهْلِ والوَلَدِ إقْراضٌ، وقَدْ حَصَلَ الضّامِنُ المَلِيءُ وهو اللَّهُ العَلِيُّ وقالَ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ ثُمَّ رَهَنَ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ إمّا أرْضًا أوْ بُسْتانًا أوْ طاحُونَةً أوْ حَمّامًا أوْ مَنفَعَةً، فَإنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صَنْعَةٌ أوْ جِهَةٌ يَحْصُلُ لَهُ مِنها مالٌ وكُلُّ ذَلِكَ مِلْكُ اللَّهِ وفي يَدِ الإنْسانِ بِحُكْمِ العارِيَّةِ فَكَأنَّهُ مَرْهُونٌ بِما تَكَفَّلَ اللَّهُ مِن رِزْقِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ الوُثُوقُ التّامُّ، ومَعَ هَذا لا يُنْفِقُ ويَتْرُكُ مالَهُ لِيَتْلَفَ لا مَأْجُورًا ولا مَشْكُورًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَثْرَةٍ في الرّازِقِينَ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ فَنَقُولُ: عَنْهُ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ اللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ الَّذِينَ تَظُنُّونَهم رازِقِينَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وهُوَ أحْسَنُ الخالِقِينَ ) .
وثانِيهِما: هو أنَّ الصِّفاتِ مِنها ما حَصَلَ لِلَّهِ ولِلْعَبْدِ حَقِيقَةً، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولِلْعَبْدِ بِطَرِيقِ المَجازِ، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا يُقالُ لِلْعَبْدِ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا بِطَرِيقِ المَجازِ لِعَدَمِ حُصُولِهِ لِلْعَبْدِ لا حَقِيقَةً ولا صُورَةً، مِثالُ الأوَّلِ: العِلْمُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ والعَبْدُ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِ النّارِ حارَّةً، غايَةُ ما في البابِ أنَّ عِلْمَهُ قَدِيمٌ وعِلْمُنا حادِثٌ.
مِثالُ الثّانِي: الرّازِقُ والخالِقُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ هو المُعْطِي، ولَكِنْ لِأجْلِ صُورَةِ العَطاءِ مِنهُ سُمِّيَ مُعْطِيًا، كَما يُقالُ لِلصُّورَةِ المَنقُوشَةِ عَلى الحائِطِ فَرَسٌ وإنْسانٌ، مِثالُ الثّالِثِ: الأزَلِيُّ واللَّهُ وغَيْرُهُما، وقَدْ يُقالُ
صفحة ٢٢٩
فِي أشْياءَ في الإطْلاقِ عَلى العَبْدِ حَقِيقَةً وعَلى اللَّهِ مَجازًا كالِاسْتِواءِ والنُّزُولِ والمَعِيَّةِ ويَدِ اللَّهِ وجَنْبِ اللَّهِ.
سبأ 34:38
ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ اسْتِدْلالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ .
يَعْنِي قَوْلَكم: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا فَنَحْنُ أحْسَنُ عِنْدَ اللَّهِ حالًا لَيْسَ اسْتِدْلالًا صَحِيحًا، فَإنَّ المالَ لا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ولا اعْتِبارَ بِالتَّعَزُّزِ بِهِ، وإنَّما المُفِيدُ العَمَلُ الصّالِحُ بَعْدَ الإيمانِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المالَ والوَلَدَ يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ فَيُبْعِدُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُقَرِّبُ مِنهُ، والعَمَلُ الصّالِحُ إقْبالٌ عَلى اللَّهِ واشْتِغالٌ بِاللَّهِ ومَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ وصَلَ ومَن طَلَبَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا حَصَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيِ الحَسَنَةُ فَإنَّ الضَّعْفَ لا يَكُونُ إلّا في الحَسَنَةِ وفي السَّيِّئَةِ لا يَكُونُ إلّا المِثْلُ.
ثُمَّ زادَ وقالَ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ إشارَةً إلى دَوامِ النَّعِيمِ وتَأْبِيدِهِ، فَإنَّ مَن تَنْقَطِعُ عَنْهُ النِّعْمَةُ لا يَكُونُ آمِنًا.
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾
ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُسِيءِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] .
ثُمَّ قالَ تَعالى مَرَّةً أُخْرى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ لا يُنافِي نِعْمَةَ الدُّنْيا، بَلِ الصّالِحُونَ قَدْ يَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا النِّعَمُ مَعَ القَطْعِ بِحُصُولِ النَّعِيمِ لَهم في العُقْبى بِناءً عَلى الوَعْدِ، قَطْعًا لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إذا كانَتِ العاجِلَةُ لَنا والآجِلَةُ لَهم فالنَّقْدُ أوْلى، فَقالَ: هَذا النَّقْدُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِكم فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْقِياءِ مُدْقَعُونَ، وكَثِيرٌ مِنَ الأتْقِياءِ مُمَتَّعُونَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا المَعْنى مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِبَيانِ أنَّ كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ غَيْرُ دالَّةٍ عَلى حُسْنِ أحْوالِهِمْ واعْتِقادِهِمْ، ومَرَّةً لِبَيانِ أنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: وُجُودُ التَّرَفِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ سَيَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُمَلِّكُهم دِيارَكم وأمْوالَكم، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أوَّلًا لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، بَلْ قالَ لِمَن يَشاءُ، وثانِيًا قالَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والعِبادُ المُضافَةُ
صفحة ٢٢٨
يُرادُ بِها المُؤْمِنُ، ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنَ بِخِلافِ ما لِلْكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ دابِرُهُ مَقْطُوعٌ، ومالُهُ إلى الزَّوالِ، ومَآلُهُ إلى الوَبالِ. وأمّا المُؤْمِنُ فَما يُنْفِقُهُ يُخْلِفُهُ اللَّهُ، ومُخْلَفُ اللَّهِ خَيْرٌ، فَإنَّ ما في يَدِ الإنْسانِ في مَعْرِضِ البَوارِ والتَّلَفِ وهُما لا يَتَطَرَّقانِ إلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَلَفِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وخَيْرِيَّةُ الرّازِقِ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنْ لا يُؤَخِّرَ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ.
والثّانِي: أنْ لا يَنْقُصَ عَنْ قَدَرِ الحاجَةِ.
والثّالِثُ: أنْ لا يُنَكِّدَهُ بِالحِسابِ.
والرّابِعُ: أنْ لا يُكَدِّرَهُ بِطَلَبِ الثَّوابِ، واللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ عالِمٌ وقادِرٌ.
والثّانِي: فَلِأنَّهُ غَنِيٌّ واسِعٌ.
والثّالِثُ: فَلِأنَّهُ كَرِيمٌ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وما ذَكَرْنا هو المُرادُ، أيْ يَرْزُقُهُ حَلالًا لا يُحاسِبُهُ عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: فَلِأنَّهُ عَلِيٌّ كَبِيرٌ والثَّوابُ يَطْلُبُهُ الأدْنى مِنَ الأعْلى، ألا تَرى أنَّ هِبَةَ الأعْلى مِنَ الأدْنى لا تَقْتَضِي ثَوابًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ يُحَقِّقُ مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ إلّا ومَلَكانِ يَنْزِلانِ، يَقُولُ أحَدُهُما اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» “ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَلِكٌ عَلِيٌّ وهو غَنِيٌّ مَلِيٌّ، فَإذا قالَ: أنْفِقْ وعَلَيَّ بَدَلُهُ فَبِحُكْمِ الوَعْدِ يَلْزَمُهُ، كَما إذا قالَ قائِلٌ: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعَلَيَّ ضَمانُهُ، فَمَن أنْفَقَ فَقَدْ أتى بِما هو شَرْطُ حُصُولِ البَدَلِ فَيَحْصُلُ البَدَلُ، ومَن لَمْ يُنْفِقْ فالزَّوالُ لازِمٌ لِلْمالِ ولَمْ يَأْتِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ البَدَلِ فَيَفُوتُ مِن غَيْرِ خَلَفٍ وهو التَّلَفُ، ثُمَّ إنَّ مِنَ العَجَبِ أنَّ التّاجِرَ إذا عَلِمَ أنَّ مالًا مِن أمْوالِهِ في مَعْرِضِ الهَلاكِ يَبِيعُهُ نَسِيئَةً، وإنْ كانَ مِنَ الفُقَراءِ ويَقُولُ بِأنَّ ذَلِكَ أوْلى مِنَ الإمْهالِ إلى الهَلاكِ، فَإنْ لَمْ يَبِعْ حَتّى يَهْلَكَ يُنْسَبْ إلى الخَطَأِ، ثُمَّ إنْ حَصَلَ بِهِ كَفِيلٌ مَلِيءٌ ولا يَبِيعُ يُنْسَبُ إلى قِلَّةِ العَقْلِ، فَإنْ حَصَلَ بِهِ رَهْنٌ وكَتَبَ بِهِ وثِيقَةً ولا يَبِيعُهُ يُنْسَبْ إلى الجُنُونِ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَفْعَلُ هَذا ولا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ، فَإنَّ أمْوالَنا كُلَّها في مَعْرِضِ الزَّوالِ المُحَقَّقِ، والإنْفاقُ عَلى الأهْلِ والوَلَدِ إقْراضٌ، وقَدْ حَصَلَ الضّامِنُ المَلِيءُ وهو اللَّهُ العَلِيُّ وقالَ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ ثُمَّ رَهَنَ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ إمّا أرْضًا أوْ بُسْتانًا أوْ طاحُونَةً أوْ حَمّامًا أوْ مَنفَعَةً، فَإنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صَنْعَةٌ أوْ جِهَةٌ يَحْصُلُ لَهُ مِنها مالٌ وكُلُّ ذَلِكَ مِلْكُ اللَّهِ وفي يَدِ الإنْسانِ بِحُكْمِ العارِيَّةِ فَكَأنَّهُ مَرْهُونٌ بِما تَكَفَّلَ اللَّهُ مِن رِزْقِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ الوُثُوقُ التّامُّ، ومَعَ هَذا لا يُنْفِقُ ويَتْرُكُ مالَهُ لِيَتْلَفَ لا مَأْجُورًا ولا مَشْكُورًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَثْرَةٍ في الرّازِقِينَ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ فَنَقُولُ: عَنْهُ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ اللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ الَّذِينَ تَظُنُّونَهم رازِقِينَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وهُوَ أحْسَنُ الخالِقِينَ ) .
وثانِيهِما: هو أنَّ الصِّفاتِ مِنها ما حَصَلَ لِلَّهِ ولِلْعَبْدِ حَقِيقَةً، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولِلْعَبْدِ بِطَرِيقِ المَجازِ، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا يُقالُ لِلْعَبْدِ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا بِطَرِيقِ المَجازِ لِعَدَمِ حُصُولِهِ لِلْعَبْدِ لا حَقِيقَةً ولا صُورَةً، مِثالُ الأوَّلِ: العِلْمُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ والعَبْدُ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِ النّارِ حارَّةً، غايَةُ ما في البابِ أنَّ عِلْمَهُ قَدِيمٌ وعِلْمُنا حادِثٌ.
مِثالُ الثّانِي: الرّازِقُ والخالِقُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ هو المُعْطِي، ولَكِنْ لِأجْلِ صُورَةِ العَطاءِ مِنهُ سُمِّيَ مُعْطِيًا، كَما يُقالُ لِلصُّورَةِ المَنقُوشَةِ عَلى الحائِطِ فَرَسٌ وإنْسانٌ، مِثالُ الثّالِثِ: الأزَلِيُّ واللَّهُ وغَيْرُهُما، وقَدْ يُقالُ
صفحة ٢٢٩
فِي أشْياءَ في الإطْلاقِ عَلى العَبْدِ حَقِيقَةً وعَلى اللَّهِ مَجازًا كالِاسْتِواءِ والنُّزُولِ والمَعِيَّةِ ويَدِ اللَّهِ وجَنْبِ اللَّهِ.
سبأ 34:39
ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ اسْتِدْلالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ .
يَعْنِي قَوْلَكم: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا فَنَحْنُ أحْسَنُ عِنْدَ اللَّهِ حالًا لَيْسَ اسْتِدْلالًا صَحِيحًا، فَإنَّ المالَ لا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ولا اعْتِبارَ بِالتَّعَزُّزِ بِهِ، وإنَّما المُفِيدُ العَمَلُ الصّالِحُ بَعْدَ الإيمانِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المالَ والوَلَدَ يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ فَيُبْعِدُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُقَرِّبُ مِنهُ، والعَمَلُ الصّالِحُ إقْبالٌ عَلى اللَّهِ واشْتِغالٌ بِاللَّهِ ومَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ وصَلَ ومَن طَلَبَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا حَصَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيِ الحَسَنَةُ فَإنَّ الضَّعْفَ لا يَكُونُ إلّا في الحَسَنَةِ وفي السَّيِّئَةِ لا يَكُونُ إلّا المِثْلُ.
ثُمَّ زادَ وقالَ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ إشارَةً إلى دَوامِ النَّعِيمِ وتَأْبِيدِهِ، فَإنَّ مَن تَنْقَطِعُ عَنْهُ النِّعْمَةُ لا يَكُونُ آمِنًا.
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾
ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُسِيءِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] .
ثُمَّ قالَ تَعالى مَرَّةً أُخْرى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ لا يُنافِي نِعْمَةَ الدُّنْيا، بَلِ الصّالِحُونَ قَدْ يَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا النِّعَمُ مَعَ القَطْعِ بِحُصُولِ النَّعِيمِ لَهم في العُقْبى بِناءً عَلى الوَعْدِ، قَطْعًا لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إذا كانَتِ العاجِلَةُ لَنا والآجِلَةُ لَهم فالنَّقْدُ أوْلى، فَقالَ: هَذا النَّقْدُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِكم فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْقِياءِ مُدْقَعُونَ، وكَثِيرٌ مِنَ الأتْقِياءِ مُمَتَّعُونَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا المَعْنى مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِبَيانِ أنَّ كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ غَيْرُ دالَّةٍ عَلى حُسْنِ أحْوالِهِمْ واعْتِقادِهِمْ، ومَرَّةً لِبَيانِ أنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: وُجُودُ التَّرَفِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ سَيَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُمَلِّكُهم دِيارَكم وأمْوالَكم، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أوَّلًا لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، بَلْ قالَ لِمَن يَشاءُ، وثانِيًا قالَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والعِبادُ المُضافَةُ
صفحة ٢٢٨
يُرادُ بِها المُؤْمِنُ، ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنَ بِخِلافِ ما لِلْكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ دابِرُهُ مَقْطُوعٌ، ومالُهُ إلى الزَّوالِ، ومَآلُهُ إلى الوَبالِ. وأمّا المُؤْمِنُ فَما يُنْفِقُهُ يُخْلِفُهُ اللَّهُ، ومُخْلَفُ اللَّهِ خَيْرٌ، فَإنَّ ما في يَدِ الإنْسانِ في مَعْرِضِ البَوارِ والتَّلَفِ وهُما لا يَتَطَرَّقانِ إلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَلَفِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وخَيْرِيَّةُ الرّازِقِ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنْ لا يُؤَخِّرَ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ.
والثّانِي: أنْ لا يَنْقُصَ عَنْ قَدَرِ الحاجَةِ.
والثّالِثُ: أنْ لا يُنَكِّدَهُ بِالحِسابِ.
والرّابِعُ: أنْ لا يُكَدِّرَهُ بِطَلَبِ الثَّوابِ، واللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ عالِمٌ وقادِرٌ.
والثّانِي: فَلِأنَّهُ غَنِيٌّ واسِعٌ.
والثّالِثُ: فَلِأنَّهُ كَرِيمٌ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وما ذَكَرْنا هو المُرادُ، أيْ يَرْزُقُهُ حَلالًا لا يُحاسِبُهُ عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: فَلِأنَّهُ عَلِيٌّ كَبِيرٌ والثَّوابُ يَطْلُبُهُ الأدْنى مِنَ الأعْلى، ألا تَرى أنَّ هِبَةَ الأعْلى مِنَ الأدْنى لا تَقْتَضِي ثَوابًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ يُحَقِّقُ مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ إلّا ومَلَكانِ يَنْزِلانِ، يَقُولُ أحَدُهُما اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» “ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَلِكٌ عَلِيٌّ وهو غَنِيٌّ مَلِيٌّ، فَإذا قالَ: أنْفِقْ وعَلَيَّ بَدَلُهُ فَبِحُكْمِ الوَعْدِ يَلْزَمُهُ، كَما إذا قالَ قائِلٌ: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعَلَيَّ ضَمانُهُ، فَمَن أنْفَقَ فَقَدْ أتى بِما هو شَرْطُ حُصُولِ البَدَلِ فَيَحْصُلُ البَدَلُ، ومَن لَمْ يُنْفِقْ فالزَّوالُ لازِمٌ لِلْمالِ ولَمْ يَأْتِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ البَدَلِ فَيَفُوتُ مِن غَيْرِ خَلَفٍ وهو التَّلَفُ، ثُمَّ إنَّ مِنَ العَجَبِ أنَّ التّاجِرَ إذا عَلِمَ أنَّ مالًا مِن أمْوالِهِ في مَعْرِضِ الهَلاكِ يَبِيعُهُ نَسِيئَةً، وإنْ كانَ مِنَ الفُقَراءِ ويَقُولُ بِأنَّ ذَلِكَ أوْلى مِنَ الإمْهالِ إلى الهَلاكِ، فَإنْ لَمْ يَبِعْ حَتّى يَهْلَكَ يُنْسَبْ إلى الخَطَأِ، ثُمَّ إنْ حَصَلَ بِهِ كَفِيلٌ مَلِيءٌ ولا يَبِيعُ يُنْسَبُ إلى قِلَّةِ العَقْلِ، فَإنْ حَصَلَ بِهِ رَهْنٌ وكَتَبَ بِهِ وثِيقَةً ولا يَبِيعُهُ يُنْسَبْ إلى الجُنُونِ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَفْعَلُ هَذا ولا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ، فَإنَّ أمْوالَنا كُلَّها في مَعْرِضِ الزَّوالِ المُحَقَّقِ، والإنْفاقُ عَلى الأهْلِ والوَلَدِ إقْراضٌ، وقَدْ حَصَلَ الضّامِنُ المَلِيءُ وهو اللَّهُ العَلِيُّ وقالَ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ ثُمَّ رَهَنَ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ إمّا أرْضًا أوْ بُسْتانًا أوْ طاحُونَةً أوْ حَمّامًا أوْ مَنفَعَةً، فَإنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صَنْعَةٌ أوْ جِهَةٌ يَحْصُلُ لَهُ مِنها مالٌ وكُلُّ ذَلِكَ مِلْكُ اللَّهِ وفي يَدِ الإنْسانِ بِحُكْمِ العارِيَّةِ فَكَأنَّهُ مَرْهُونٌ بِما تَكَفَّلَ اللَّهُ مِن رِزْقِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ الوُثُوقُ التّامُّ، ومَعَ هَذا لا يُنْفِقُ ويَتْرُكُ مالَهُ لِيَتْلَفَ لا مَأْجُورًا ولا مَشْكُورًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَثْرَةٍ في الرّازِقِينَ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ فَنَقُولُ: عَنْهُ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ اللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ الَّذِينَ تَظُنُّونَهم رازِقِينَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وهُوَ أحْسَنُ الخالِقِينَ ) .
وثانِيهِما: هو أنَّ الصِّفاتِ مِنها ما حَصَلَ لِلَّهِ ولِلْعَبْدِ حَقِيقَةً، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولِلْعَبْدِ بِطَرِيقِ المَجازِ، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا يُقالُ لِلْعَبْدِ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا بِطَرِيقِ المَجازِ لِعَدَمِ حُصُولِهِ لِلْعَبْدِ لا حَقِيقَةً ولا صُورَةً، مِثالُ الأوَّلِ: العِلْمُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ والعَبْدُ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِ النّارِ حارَّةً، غايَةُ ما في البابِ أنَّ عِلْمَهُ قَدِيمٌ وعِلْمُنا حادِثٌ.
مِثالُ الثّانِي: الرّازِقُ والخالِقُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ هو المُعْطِي، ولَكِنْ لِأجْلِ صُورَةِ العَطاءِ مِنهُ سُمِّيَ مُعْطِيًا، كَما يُقالُ لِلصُّورَةِ المَنقُوشَةِ عَلى الحائِطِ فَرَسٌ وإنْسانٌ، مِثالُ الثّالِثِ: الأزَلِيُّ واللَّهُ وغَيْرُهُما، وقَدْ يُقالُ
صفحة ٢٢٩
فِي أشْياءَ في الإطْلاقِ عَلى العَبْدِ حَقِيقَةً وعَلى اللَّهِ مَجازًا كالِاسْتِواءِ والنُّزُولِ والمَعِيَّةِ ويَدِ اللَّهِ وجَنْبِ اللَّهِ.
سبأ 34:40
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ حالَ النَّبِيِّ ﷺ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وحالَ قَوْمِهِ كَحالِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الكُفّارِ، وبَيَّنَ بُطْلانَ اسْتِدْلالِهِمْ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، بَيَّنَ ما يَكُونُ مِن عاقِبَةِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ بِكَ وبِمَن تَقَدَّمَكَ، ثُمَّ نَقُولُ لِمَن يَدَّعُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَهم وهُمُ المَلائِكَةُ، فَإنَّ غايَةَ ما تَرْتَقِي إلَيْهِ مَنزِلَتُهم أنَّهم يَقُولُونَ نَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ والكَواكِبَ، فَيَسْألُ المَلائِكَةَ أهم كانُوا يَعْبُدُونَكم ؟ إهانَةً لَهم، فَيَقُولُ كُلٌّ مِنهم: سُبْحانَكَ نُنَزِّهُكَ عَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرُكَ مَعْبُودًا وأنْتَ مَعْبُودُنا ومَعْبُودُ كُلِّ خَلْقٍ، وقَوْلُهم: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ مَذاهِبَ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ: بَعْضُهم لا يَسْكُنُ المَواضِعَ المَعْمُورَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيها سَوادٌ عَظِيمٌ، لِأنَّهُ لا يَتَرَأَّسُ هُناكَ فَيَرْضى الضِّياعَ والبِلادَ الصَّغِيرَةَ، وبَعْضُهم لا يُرِيدُ البِلادَ الصَّغِيرَةَ لِعَدَمِ اجْتِماعِهِ فِيها بِالنّاسِ وقِلَّةِ وُصُولِهِ فِيها إلى الأكْياسِ، ثُمَّ إنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ خِدْمَةُ السُّلْطانِ واسْتِخْدامُ الأرْذالِ الَّذِينَ لا التِفاتَ إلَيْهِمْ أصْلًا يَخْتارُ العاقِلُ خِدْمَةَ السُّلْطانِ عَلى اسْتِخْدامِ مَن لا يُؤْبَهُ بِهِ، ولَوْ أنَّ رَجُلًا سَكَنَ جَبَلًا ووَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا مِنَ القاذُوراتِ واجْتَمَعَ عَلَيْهِ الذُّبابُ والدِّيدانُ، وهو يَقُولُ: هَؤُلاءِ أتْباعِي وأشْياعِي، ولا أدْخُلُ المَدِينَةَ مَخافَةَ أنْ أحْتاجَ إلى خِدْمَةِ السُّلْطانِ العَظِيمِ والتَّرَدُّدُ إلَيْهِ يُنْسَبُ إلى الجُنُونِ، فَكَذَلِكَ مَن رَضِيَ بِأنْ يَتْرُكَ خِدْمَةَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ، ورَضِيَ بِاسْتِتْباعِ الهَمَجِ الَّذِينَ هم أضَلُّ مِنَ البَهائِمِ وأقَلُّ مِنَ الهَوامِّ يَكُونُ مَجْنُونًا، فَقالُوا: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَوْنُكَ ولِيَّنا بِالمَعْبُودِيَّةِ أوْلى، وأحَبُّ إلَيْنا مِن كَوْنِهِمْ أوْلِياءَنا بِالعِبادَةِ لَنا، وقالُوا: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيْ كانُوا يَنْقادُونَ لِأمْرِ الجِنِّ، فَهم في الحَقِيقَةِ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ، ونَحْنُ كُنّا كالقِبْلَةِ لَهم؛ لِأنَّ العِبادَةَ هي الطّاعَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لَوْ قالَ قائِلٌ: جَمِيعُهم كانُوا تابِعِينَ لِلشَّياطِينِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يُنْبِئُ أنَّ بَعْضَهم لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ ولَمْ يُطِعْ لَهم ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ احْتَرَزُوا عَنْ دَعْوى الإحاطَةِ بِهِمْ فَقالُوا أكْثَرُهم لِأنَّ الَّذِينَ رَأوْهم واطَّلَعُوا عَلى أحْوالِهِمْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ويُؤْمِنُونَ بِهِمْ ولَعَلَّ في الوُجُودِ مَن لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفّارِ.
الثّانِي: هو أنَّ العِبادَةَ عَمَلٌ ظاهِرٌ والإيمانَ عَمَلٌ باطِنٌ فَقالُوا: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وقالُوا: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ عِنْدَ عَمَلِ القَلْبِ لِئَلّا يَكُونُوا مُدَّعِينَ اطِّلاعَهم عَلى ما في القُلُوبِ فَإنَّ القَلْبَ لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ إلّا لِلَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] .
سبأ 34:41
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ حالَ النَّبِيِّ ﷺ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وحالَ قَوْمِهِ كَحالِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الكُفّارِ، وبَيَّنَ بُطْلانَ اسْتِدْلالِهِمْ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، بَيَّنَ ما يَكُونُ مِن عاقِبَةِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ بِكَ وبِمَن تَقَدَّمَكَ، ثُمَّ نَقُولُ لِمَن يَدَّعُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَهم وهُمُ المَلائِكَةُ، فَإنَّ غايَةَ ما تَرْتَقِي إلَيْهِ مَنزِلَتُهم أنَّهم يَقُولُونَ نَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ والكَواكِبَ، فَيَسْألُ المَلائِكَةَ أهم كانُوا يَعْبُدُونَكم ؟ إهانَةً لَهم، فَيَقُولُ كُلٌّ مِنهم: سُبْحانَكَ نُنَزِّهُكَ عَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرُكَ مَعْبُودًا وأنْتَ مَعْبُودُنا ومَعْبُودُ كُلِّ خَلْقٍ، وقَوْلُهم: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ مَذاهِبَ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ: بَعْضُهم لا يَسْكُنُ المَواضِعَ المَعْمُورَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيها سَوادٌ عَظِيمٌ، لِأنَّهُ لا يَتَرَأَّسُ هُناكَ فَيَرْضى الضِّياعَ والبِلادَ الصَّغِيرَةَ، وبَعْضُهم لا يُرِيدُ البِلادَ الصَّغِيرَةَ لِعَدَمِ اجْتِماعِهِ فِيها بِالنّاسِ وقِلَّةِ وُصُولِهِ فِيها إلى الأكْياسِ، ثُمَّ إنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ خِدْمَةُ السُّلْطانِ واسْتِخْدامُ الأرْذالِ الَّذِينَ لا التِفاتَ إلَيْهِمْ أصْلًا يَخْتارُ العاقِلُ خِدْمَةَ السُّلْطانِ عَلى اسْتِخْدامِ مَن لا يُؤْبَهُ بِهِ، ولَوْ أنَّ رَجُلًا سَكَنَ جَبَلًا ووَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا مِنَ القاذُوراتِ واجْتَمَعَ عَلَيْهِ الذُّبابُ والدِّيدانُ، وهو يَقُولُ: هَؤُلاءِ أتْباعِي وأشْياعِي، ولا أدْخُلُ المَدِينَةَ مَخافَةَ أنْ أحْتاجَ إلى خِدْمَةِ السُّلْطانِ العَظِيمِ والتَّرَدُّدُ إلَيْهِ يُنْسَبُ إلى الجُنُونِ، فَكَذَلِكَ مَن رَضِيَ بِأنْ يَتْرُكَ خِدْمَةَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ، ورَضِيَ بِاسْتِتْباعِ الهَمَجِ الَّذِينَ هم أضَلُّ مِنَ البَهائِمِ وأقَلُّ مِنَ الهَوامِّ يَكُونُ مَجْنُونًا، فَقالُوا: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَوْنُكَ ولِيَّنا بِالمَعْبُودِيَّةِ أوْلى، وأحَبُّ إلَيْنا مِن كَوْنِهِمْ أوْلِياءَنا بِالعِبادَةِ لَنا، وقالُوا: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيْ كانُوا يَنْقادُونَ لِأمْرِ الجِنِّ، فَهم في الحَقِيقَةِ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ، ونَحْنُ كُنّا كالقِبْلَةِ لَهم؛ لِأنَّ العِبادَةَ هي الطّاعَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لَوْ قالَ قائِلٌ: جَمِيعُهم كانُوا تابِعِينَ لِلشَّياطِينِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يُنْبِئُ أنَّ بَعْضَهم لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ ولَمْ يُطِعْ لَهم ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ احْتَرَزُوا عَنْ دَعْوى الإحاطَةِ بِهِمْ فَقالُوا أكْثَرُهم لِأنَّ الَّذِينَ رَأوْهم واطَّلَعُوا عَلى أحْوالِهِمْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ويُؤْمِنُونَ بِهِمْ ولَعَلَّ في الوُجُودِ مَن لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفّارِ.
الثّانِي: هو أنَّ العِبادَةَ عَمَلٌ ظاهِرٌ والإيمانَ عَمَلٌ باطِنٌ فَقالُوا: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وقالُوا: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ عِنْدَ عَمَلِ القَلْبِ لِئَلّا يَكُونُوا مُدَّعِينَ اطِّلاعَهم عَلى ما في القُلُوبِ فَإنَّ القَلْبَ لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ إلّا لِلَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] .
سبأ 34:42
صفحة ٢٣٠
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ لا يَنْفَعُهم فَقالُوا: ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكُمْ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَلائِكَةَ لِسَبْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَنْكِيلًا لِلْكافِرِينَ حَيْثُ بَيَّنَ لَهم أنَّ مَعْبُودَهم لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ويُصَحِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا﴾ فَأفْرَدَهم ولَوْ كانَ المُخاطَبُ هُمُ الكُفّارَ لَقالَ: فَذُوقُوا.
وعَلى هَذا يَكُونُ الكُفّارُ داخِلِينَ في الخِطابِ حَتّى يَصِحَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لِلْكُفّارِ، والحاضِرُ الواحِدُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ مَن يُشارِكُهُ في أمْرٍ مُخاطَبًا بِسَبَبِهِ، كَما يَقُولُ القائِلُ لِواحِدٍ حاضِرٍ لَهُ شَرِيكٌ في كَلامٍ: أنْتُمْ قُلْتُمْ، عَلى مَعْنى أنْتَ قُلْتَ، وهم قالُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُمُ الجِنُّ أيْ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ أيُّها المَلائِكَةُ والجِنُّ، وإذا لَمْ تَمْلِكُوها لِأنْفُسِكم فَلا تَمْلِكُوها لِغَيْرِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ هُمُ الكُفّارَ لِأنَّ ذِكْرَ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى حُضُورِهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إنَّما ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِبَيانِ حالِهِمْ في الظُّلْمِ، وسَبَبِ نَكالِهِمْ مِنَ الإثْمِ ولَوْ قالَ: ”فَذُوقُوا عَذابَ النّارِ“ لَكانَ كافِيًا لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ ما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ، فَإنَّهم كُلَّما كانُوا يَسْمَعُونَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والعِنادِ والإثْمِ والفَسادِ يَتَحَسَّرُونَ ويَنْدَمُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نَفْعًا﴾ مُفِيدٌ لِلْحَسْرَةِ، وأمّا الضُّرُّ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّهم لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ الضُّرَّ لَما نَفَعَ الكافِرِينَ ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا كانَتِ العِبادَةُ تَقَعُ لِدَفْعِ ضُرِّ المَعْبُودِ كَما يُعْبَدُ الجَبّارُ ويُخْدَمُ مَخافَةَ شَرِّهِ بَيَّنَ أنَّهم لَيْسَ فِيهِمْ ذَلِكَ الوَجْهُ الَّذِي يَحْسُنُ لِأجْلِهِ عِبادَتُهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وقالَ في السَّجْدَةِ: ﴿عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ جَعَلَ المُكَذَّبَ هُنالِكَ العَذابَ وجَعَلَ المُكَذَّبَ هَهُنا النّارَ وهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالكُلِّ، والفائِدَةُ فِيها أنَّ هُناكَ لَمْ يَكُنْ أوَّلُ ما رَأوُا النّارَ بَلْ كانُوا هم فِيها مِن زَمانٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] أيِ العَذابَ المُؤَبَّدَ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ بِقَوْلِكم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] أيْ: قُلْتُمْ: إنَّ العَذابَ إنْ وقَعَ فَلا يَدُومُ فَذُوقُوا [ العَذابَ ] الدّائِمَ، وهَهُنا أوَّلُ ما رَأوُا النّارُ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ عَقِيبَ الحَشْرِ والسُّؤالِ، فَقِيلَ لَهم: هَذِهِ ﴿النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ .
سبأ 34:43
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
إظْهارًا لِفَسادِ اعْتِقادِهِمْ واشْتِدادِ عِنادِهِمْ حَيْثُ تَبَيَّنَ أنَّ أعْلى مَن يَعْبُدُونَهُ وهُمُ المَلائِكَةُ لا يَتَأهَّلُ لِلْعِبادَةِ لِذَواتِهِمْ كَما قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا﴾ [سبأ: ٤١] أيْ: لا أهْلِيَّةَ لَنا إلّا لِعِبادَتِكَ مِن دُونِهِمْ أيْ لا أهْلِيَّةَ لَنا لِأنْ نَكُونَ
صفحة ٢٣١
مَعْبُودِينَ لَهم ولا لِنَفْعٍ أوْ ضُرٍّ كَما قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ ثُمَّ مَعَ هَذا كُلِّهِ إذا قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مِنَ التَّوْحِيدِ وتَلا عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ، فَإنَّ لِلَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ آياتٍ دالَّةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ أنْكَرُوها وقالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم يَعْنِي يُعارِضُونَ البُرْهانَ بِالتَّقْلِيدِ ﴿وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالوَحْدانِيَّةِ ﴿إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المُوَحِّدَ كانَ يَقُولُ في حَقِّ المُشْرِكِ إنَّهُ يَأْفِكُ كَما قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] وكَما قالُوا هم لِلرَّسُولِ: ﴿أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ [الأحقاف: ٢٢] .
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿ما هَذا إلّا إفْكٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ إفْكٌ وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣] إشارَةً إلى القُرْآنِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ إشارَةً إلى ما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بَدَلًا عَنْ أنْ يَقُولَ: وقالُوا لِلْحَقِّ هو أنَّ إنْكارَ التَّوْحِيدِ كانَ مُخْتَصًّا بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا إنْكارُ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ [ فَقَدْ ] كانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ [ فَقالَ ] تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ عَلى وجْهِ العُمُومِ.
سبأ 34:44
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ تَقْلِيدِهِمْ يَعْنِي يَقُولُونَ عِنْدَما تُتْلى عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ: هَذا رَجُلٌ كاذِبٌ، وقَوْلُهم: ﴿إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ولا كِتابٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ولا رَسُولٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، فالآياتُ البَيِّناتُ لا تُعارَضَ إلّا بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ، ولَمْ يَأْتُوا بِها أوْ بِالتَّقَلُّباتِ وما عِنْدَهم كِتابٌ ولا رَسُولٌ غَيْرَكَ، والنَّقْلُ المُعْتَبَرُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم كالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: وما بَلَغَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِعْشارَ ما آتَيْنا المُتَقَدِّمِينَ مِنَ القُوَّةِ والنِّعْمَةِ وطُولِ العُمُرِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَهم وما نَفَعَتْهم قُوَّتُهم، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ، وعِنْدِي [ أنَّهُ ] يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ: ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْنا قَوْمَ مُحَمَّدٍ مِنَ البَيانِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ لِأنَّ كِتابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْمَلُ مِن سائِرِ الكُتُبِ وأوْضَحُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الرُّسُلِ وأفْصَحُ، وبُرْهانُهُ أوْفى، وبَيانُهُ أشَفى، ثُمَّ إنَّ المُتَقَدِّمِينَ لَمّا كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ ؟ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِأفْصَحِ الرُّسُلِ، وأوْضَحِ السُّبُلِ ؟ يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ يَعْنِي غَيْرَ القُرْآنِ ما آتَيْناهم كِتابًا وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ، فَلَمّا كانَ
صفحة ٢٣٢
المُؤْتى في الآيَةِ الأُولى هو الكِتابَ، فَحَمْلُ الإيتاءِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ عَلى إيتاءِ الكِتابِ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ .
ذَكَرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِنهُ تَقْرِيرُها بِالدَّلائِلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الرِّسالَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الآخِرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِالِاعْتِرافِ بِالرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الحَصْرُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ ؟ فَنَقُولُ: التَّوْحِيدُ هو المَقْصُودُ ومَن وحَّدَ اللَّهَ حَقَّ التَّوْحِيدِ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ ويَرْفَعُ في الآخِرَةِ قَدْرَهُ فالنَّبِيُّ ﷺ أمَرَهم بِما يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ العِباداتِ ويُهَيِّئُ لَهم أسْبابَ السَّعاداتِ، وجَوابٌ آخَرُ وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما قالَ: إنِّي لا آمُرُكم في جَمِيعِ عُمُرِي إلّا بِشَيْءٍ واحِدٍ، وإنَّما قالَ: أعِظُكم أوَّلًا بِالتَّوْحِيدِ ولا آمُرُكم في أوَّلِ الأمْرِ بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ سابِقٌ عَلى الكُلِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فَإنَّ التَّفَكُّرَ أيْضًا صارَ مَأْمُورًا بِهِ ومَوْعُوظًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِواحِدَةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّثَها عَلى أنَّها صِفَةُ خَصْلَةٍ؛ أيْ: أعِظُكم بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ حَسَنَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ حَسَنَةٌ وإحْسانٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] أنَّ العَدْلَ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإحْسانَ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ لَهُ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أنَّ المُرادَ: هَلْ جَزاءُ الإيمانِ إلّا الجِنانُ، وكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَثْنى وفُرادى﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأحْوالِ، فَإنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ يَكُونَ وحْدَهُ، فَإذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثْنى﴾ وإذا كانَ وحْدَهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿فُرادى﴾ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: تَقُومُوا لِلَّهِ مُجْتَمِعِينَ ومُنْفَرِدِينَ لا تَمْنَعُكُمُ الجَمْعِيَّةُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ ولا يُحْوِجُكُمُ الِانْفِرادُ إلى مُعِينٍ يُعِينُكم عَلى ذِكْرِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ يَعْنِي اعْتَرِفُوا بِما هو الأصْلُ والتَّوْحِيدُ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى تَفَكُّرٍ ونَظَرٍ بَعْدَ ما بانَ وظَهَرَ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فِيما أقُولُ بَعْدَهُ مِنَ الرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ، وكَلِمَةُ ثُمَّ تُفِيدُ ما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ قالَ: أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ وهو أمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَسُولًا وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ في كُلِّ مَن لا يَكُونُ بِهِ جِنَّةٌ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَظْهَرُ مِنهُ أشْياءُ لا تَكُونُ مَقْدُورَةً لِلْبَشَرِ، وغَيْرُ البَشَرِ مِمَّنْ تَظْهَرُ مِنهُ العَجائِبُ إمّا الجِنُّ أوِ المَلَكُ، وإذا لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِواسِطَةِ الجِنِّ يَكُونُ بِواسِطَةِ المَلَكِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الطُّرُقِ، وهو أنْ يُثْبِتَ الصِّفَةَ الَّتِي هي أشْرَفُ الصِّفاتِ في البَشَرِ بِنَفْيِ أخَسِّ الصِّفاتِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ أوَّلًا هو رَسُولُ اللَّهِ كانُوا يَقُولُونَ: فِيهِ النِّزاعُ، فَإذا قالَ: ما هو مَجْنُونٌ؛ لَمْ يَسَعْهم إنْكارُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وحالِهِ في قُوَّةِ لِسانِهِ
صفحة ٢٣٣
وبَيانِهِ فَإذا ساعَدُوا عَلى ذَلِكَ لَزِمَتْهُمُ المَسْألَةُ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ﴾ يَعْنِي إمّا هو بِهِ جِنَّةٌ أوْ هو رَسُولٌ لَكِنْ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ جَنَّةٌ فَهو نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى قُرْبِ العَذابِ كَأنَّهُ قالَ: يُنْذِرُكم بِعَذابٍ حاضِرٍ يَمَسُّكم عَنْ قَرِيبٍ بَيْنَ يَدَيِ العَذابِ أيْ سَوْفَ يَأْتِي العَذابُ بَعْدَهُ.
سبأ 34:45
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ تَقْلِيدِهِمْ يَعْنِي يَقُولُونَ عِنْدَما تُتْلى عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ: هَذا رَجُلٌ كاذِبٌ، وقَوْلُهم: ﴿إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ولا كِتابٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ولا رَسُولٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، فالآياتُ البَيِّناتُ لا تُعارَضَ إلّا بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ، ولَمْ يَأْتُوا بِها أوْ بِالتَّقَلُّباتِ وما عِنْدَهم كِتابٌ ولا رَسُولٌ غَيْرَكَ، والنَّقْلُ المُعْتَبَرُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم كالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: وما بَلَغَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِعْشارَ ما آتَيْنا المُتَقَدِّمِينَ مِنَ القُوَّةِ والنِّعْمَةِ وطُولِ العُمُرِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَهم وما نَفَعَتْهم قُوَّتُهم، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ، وعِنْدِي [ أنَّهُ ] يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ: ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْنا قَوْمَ مُحَمَّدٍ مِنَ البَيانِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ لِأنَّ كِتابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْمَلُ مِن سائِرِ الكُتُبِ وأوْضَحُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الرُّسُلِ وأفْصَحُ، وبُرْهانُهُ أوْفى، وبَيانُهُ أشَفى، ثُمَّ إنَّ المُتَقَدِّمِينَ لَمّا كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ ؟ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِأفْصَحِ الرُّسُلِ، وأوْضَحِ السُّبُلِ ؟ يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ يَعْنِي غَيْرَ القُرْآنِ ما آتَيْناهم كِتابًا وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ، فَلَمّا كانَ
صفحة ٢٣٢
المُؤْتى في الآيَةِ الأُولى هو الكِتابَ، فَحَمْلُ الإيتاءِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ عَلى إيتاءِ الكِتابِ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ .
ذَكَرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِنهُ تَقْرِيرُها بِالدَّلائِلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الرِّسالَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الآخِرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِالِاعْتِرافِ بِالرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الحَصْرُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ ؟ فَنَقُولُ: التَّوْحِيدُ هو المَقْصُودُ ومَن وحَّدَ اللَّهَ حَقَّ التَّوْحِيدِ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ ويَرْفَعُ في الآخِرَةِ قَدْرَهُ فالنَّبِيُّ ﷺ أمَرَهم بِما يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ العِباداتِ ويُهَيِّئُ لَهم أسْبابَ السَّعاداتِ، وجَوابٌ آخَرُ وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما قالَ: إنِّي لا آمُرُكم في جَمِيعِ عُمُرِي إلّا بِشَيْءٍ واحِدٍ، وإنَّما قالَ: أعِظُكم أوَّلًا بِالتَّوْحِيدِ ولا آمُرُكم في أوَّلِ الأمْرِ بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ سابِقٌ عَلى الكُلِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فَإنَّ التَّفَكُّرَ أيْضًا صارَ مَأْمُورًا بِهِ ومَوْعُوظًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِواحِدَةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّثَها عَلى أنَّها صِفَةُ خَصْلَةٍ؛ أيْ: أعِظُكم بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ حَسَنَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ حَسَنَةٌ وإحْسانٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] أنَّ العَدْلَ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإحْسانَ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ لَهُ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أنَّ المُرادَ: هَلْ جَزاءُ الإيمانِ إلّا الجِنانُ، وكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَثْنى وفُرادى﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأحْوالِ، فَإنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ يَكُونَ وحْدَهُ، فَإذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثْنى﴾ وإذا كانَ وحْدَهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿فُرادى﴾ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: تَقُومُوا لِلَّهِ مُجْتَمِعِينَ ومُنْفَرِدِينَ لا تَمْنَعُكُمُ الجَمْعِيَّةُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ ولا يُحْوِجُكُمُ الِانْفِرادُ إلى مُعِينٍ يُعِينُكم عَلى ذِكْرِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ يَعْنِي اعْتَرِفُوا بِما هو الأصْلُ والتَّوْحِيدُ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى تَفَكُّرٍ ونَظَرٍ بَعْدَ ما بانَ وظَهَرَ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فِيما أقُولُ بَعْدَهُ مِنَ الرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ، وكَلِمَةُ ثُمَّ تُفِيدُ ما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ قالَ: أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ وهو أمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَسُولًا وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ في كُلِّ مَن لا يَكُونُ بِهِ جِنَّةٌ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَظْهَرُ مِنهُ أشْياءُ لا تَكُونُ مَقْدُورَةً لِلْبَشَرِ، وغَيْرُ البَشَرِ مِمَّنْ تَظْهَرُ مِنهُ العَجائِبُ إمّا الجِنُّ أوِ المَلَكُ، وإذا لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِواسِطَةِ الجِنِّ يَكُونُ بِواسِطَةِ المَلَكِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الطُّرُقِ، وهو أنْ يُثْبِتَ الصِّفَةَ الَّتِي هي أشْرَفُ الصِّفاتِ في البَشَرِ بِنَفْيِ أخَسِّ الصِّفاتِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ أوَّلًا هو رَسُولُ اللَّهِ كانُوا يَقُولُونَ: فِيهِ النِّزاعُ، فَإذا قالَ: ما هو مَجْنُونٌ؛ لَمْ يَسَعْهم إنْكارُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وحالِهِ في قُوَّةِ لِسانِهِ
صفحة ٢٣٣
وبَيانِهِ فَإذا ساعَدُوا عَلى ذَلِكَ لَزِمَتْهُمُ المَسْألَةُ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ﴾ يَعْنِي إمّا هو بِهِ جِنَّةٌ أوْ هو رَسُولٌ لَكِنْ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ جَنَّةٌ فَهو نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى قُرْبِ العَذابِ كَأنَّهُ قالَ: يُنْذِرُكم بِعَذابٍ حاضِرٍ يَمَسُّكم عَنْ قَرِيبٍ بَيْنَ يَدَيِ العَذابِ أيْ سَوْفَ يَأْتِي العَذابُ بَعْدَهُ.
سبأ 34:46
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ تَقْلِيدِهِمْ يَعْنِي يَقُولُونَ عِنْدَما تُتْلى عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ: هَذا رَجُلٌ كاذِبٌ، وقَوْلُهم: ﴿إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ولا كِتابٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ولا رَسُولٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، فالآياتُ البَيِّناتُ لا تُعارَضَ إلّا بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ، ولَمْ يَأْتُوا بِها أوْ بِالتَّقَلُّباتِ وما عِنْدَهم كِتابٌ ولا رَسُولٌ غَيْرَكَ، والنَّقْلُ المُعْتَبَرُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم كالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: وما بَلَغَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِعْشارَ ما آتَيْنا المُتَقَدِّمِينَ مِنَ القُوَّةِ والنِّعْمَةِ وطُولِ العُمُرِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَهم وما نَفَعَتْهم قُوَّتُهم، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ، وعِنْدِي [ أنَّهُ ] يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ: ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْنا قَوْمَ مُحَمَّدٍ مِنَ البَيانِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ لِأنَّ كِتابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْمَلُ مِن سائِرِ الكُتُبِ وأوْضَحُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الرُّسُلِ وأفْصَحُ، وبُرْهانُهُ أوْفى، وبَيانُهُ أشَفى، ثُمَّ إنَّ المُتَقَدِّمِينَ لَمّا كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ ؟ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِأفْصَحِ الرُّسُلِ، وأوْضَحِ السُّبُلِ ؟ يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ يَعْنِي غَيْرَ القُرْآنِ ما آتَيْناهم كِتابًا وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ، فَلَمّا كانَ
صفحة ٢٣٢
المُؤْتى في الآيَةِ الأُولى هو الكِتابَ، فَحَمْلُ الإيتاءِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ عَلى إيتاءِ الكِتابِ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ .
ذَكَرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِنهُ تَقْرِيرُها بِالدَّلائِلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الرِّسالَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الآخِرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِالِاعْتِرافِ بِالرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الحَصْرُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ ؟ فَنَقُولُ: التَّوْحِيدُ هو المَقْصُودُ ومَن وحَّدَ اللَّهَ حَقَّ التَّوْحِيدِ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ ويَرْفَعُ في الآخِرَةِ قَدْرَهُ فالنَّبِيُّ ﷺ أمَرَهم بِما يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ العِباداتِ ويُهَيِّئُ لَهم أسْبابَ السَّعاداتِ، وجَوابٌ آخَرُ وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما قالَ: إنِّي لا آمُرُكم في جَمِيعِ عُمُرِي إلّا بِشَيْءٍ واحِدٍ، وإنَّما قالَ: أعِظُكم أوَّلًا بِالتَّوْحِيدِ ولا آمُرُكم في أوَّلِ الأمْرِ بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ سابِقٌ عَلى الكُلِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فَإنَّ التَّفَكُّرَ أيْضًا صارَ مَأْمُورًا بِهِ ومَوْعُوظًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِواحِدَةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّثَها عَلى أنَّها صِفَةُ خَصْلَةٍ؛ أيْ: أعِظُكم بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ حَسَنَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ حَسَنَةٌ وإحْسانٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] أنَّ العَدْلَ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإحْسانَ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ لَهُ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أنَّ المُرادَ: هَلْ جَزاءُ الإيمانِ إلّا الجِنانُ، وكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَثْنى وفُرادى﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأحْوالِ، فَإنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ يَكُونَ وحْدَهُ، فَإذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثْنى﴾ وإذا كانَ وحْدَهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿فُرادى﴾ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: تَقُومُوا لِلَّهِ مُجْتَمِعِينَ ومُنْفَرِدِينَ لا تَمْنَعُكُمُ الجَمْعِيَّةُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ ولا يُحْوِجُكُمُ الِانْفِرادُ إلى مُعِينٍ يُعِينُكم عَلى ذِكْرِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ يَعْنِي اعْتَرِفُوا بِما هو الأصْلُ والتَّوْحِيدُ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى تَفَكُّرٍ ونَظَرٍ بَعْدَ ما بانَ وظَهَرَ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فِيما أقُولُ بَعْدَهُ مِنَ الرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ، وكَلِمَةُ ثُمَّ تُفِيدُ ما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ قالَ: أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ وهو أمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَسُولًا وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ في كُلِّ مَن لا يَكُونُ بِهِ جِنَّةٌ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَظْهَرُ مِنهُ أشْياءُ لا تَكُونُ مَقْدُورَةً لِلْبَشَرِ، وغَيْرُ البَشَرِ مِمَّنْ تَظْهَرُ مِنهُ العَجائِبُ إمّا الجِنُّ أوِ المَلَكُ، وإذا لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِواسِطَةِ الجِنِّ يَكُونُ بِواسِطَةِ المَلَكِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الطُّرُقِ، وهو أنْ يُثْبِتَ الصِّفَةَ الَّتِي هي أشْرَفُ الصِّفاتِ في البَشَرِ بِنَفْيِ أخَسِّ الصِّفاتِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ أوَّلًا هو رَسُولُ اللَّهِ كانُوا يَقُولُونَ: فِيهِ النِّزاعُ، فَإذا قالَ: ما هو مَجْنُونٌ؛ لَمْ يَسَعْهم إنْكارُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وحالِهِ في قُوَّةِ لِسانِهِ
صفحة ٢٣٣
وبَيانِهِ فَإذا ساعَدُوا عَلى ذَلِكَ لَزِمَتْهُمُ المَسْألَةُ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ﴾ يَعْنِي إمّا هو بِهِ جِنَّةٌ أوْ هو رَسُولٌ لَكِنْ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ جَنَّةٌ فَهو نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى قُرْبِ العَذابِ كَأنَّهُ قالَ: يُنْذِرُكم بِعَذابٍ حاضِرٍ يَمَسُّكم عَنْ قَرِيبٍ بَيْنَ يَدَيِ العَذابِ أيْ سَوْفَ يَأْتِي العَذابُ بَعْدَهُ.
سبأ 34:47
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ما بِهِ جِنَّةٌ لِيَلْزَمَ مِنهُ كَوْنُهُ نَبِيًّا ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ نَبِيٌّ إذا لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَعْواهُ النُّبُوَّةَ يَجْعَلُ نَفْسَهُ عُرْضَةً لِلْهَلاكِ عاجِلًا، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْصِدُهُ ويُعادِيهِ ولا يَطْلُبُ أجْرًا في الدُّنْيا فَهو يَفْعَلُهُ لِلْآخِرَةِ، والكاذِبُ في الآخِرَةِ مُعَذَّبٌ لا مُثابٌ، فَلَوْ كانَ كاذِبًا لَكانَ مَجْنُونًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَلَيْسَ بِكاذِبٍ، فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَقْرِيرٌ آخَرُ لِلرِّسالَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَثْبُتُ إلّا بِالدَّعْوى والبَيِّنَةِ، بِأنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ النُّبُوَّةَ ويُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ المُعْجِزَةَ فَهي بَيِّنَةٌ شاهِدَةٌ والتَّصْدِيقُ بِالفِعْلِ يَقُومُ مَقامَ التَّصْدِيقِ بِالقَوْلِ في إفادَةِ العِلْمِ بِدَلِيلِ أنَّ مَن قالَ لِقَوْمٍ: إنِّي مُرْسَلٌ مِن هَذا المَلِكِ إلَيْكم أُلْزِمُكم قَبُولَ قَوْلِي والمَلِكُ حاضِرٌ ناظِرٌ، ثُمَّ قالَ لِلْمَلِكِ: أيُّها المَلِكُ إنْ كُنْتُ أنا رَسُولَكَ إلَيْهِمْ فَقُلْ لَهم: إنِّي رَسُولُكَ، فَإذا قالَ إنَّهُ رَسُولِي إلَيْكم لا يَبْقى فِيهِ شَكٌّ، كَذَلِكَ إذا قالَ: يا أيُّها المَلِكُ إنْ كُنْتُ أنا رَسُولَكَ إلَيْهِمْ فَألْبِسْنِي قَباءَكَ فَلَوْ ألْبَسَهُ قَباءَهُ في عَقِبِ كَلامِهِ يَجْزِمُ النّاسُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، كَذَلِكَ حالُ الرَّسُولِ إذا قالَ الأنْبِياءُ لِقَوْمِهِمْ: نَحْنُ رُسُلُ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا: يا إلَهَنا إنْ كُنّا رُسُلَكَ فَأنْطِقْ هَذِهِ الحِجارَةَ أوْ أنْشِرْ هَذا المَيِّتَ فَفَعَلَهُ؛ حَصَلَ الجَزْمُ بِأنَّهُ صَدَّقَهُ.
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَقْذِفُ بِالحَقِّ في قُلُوبِ المُحِقِّينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لِلْآيَةِ بِما قَبْلَها تَعَلُّقٌ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٦] وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ وكانَ مِن عادَةِ المُشْرِكِينَ اسْتِبْعادُ تَخْصِيصِ واحِدٍ مِن بَيْنِهِمْ بِإنْزالِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] ذَكَرَ ما يَصْلُحُ جَوابًا لَهم فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ في القُلُوبِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ بِيَدِهِ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ويُعْطِي ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ سُؤالٍ فاسِدٍ يُذْكَرُ عَلَيْهِ وهو أنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا كَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ اخْتِصاصِ مَحَلِّ الفِعْلِ بِشَيْءٍ لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ لا يَكُونُ عالِمًا وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ اتِّفاقًا، كَما إذا أصابَ السَّهْمُ مَوْضِعًا دُونَ غَيْرِهِ مَعَ تَسْوِيَةِ المَواضِعِ في المُحاذاةِ فَقالَ: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ كَيْفَ يَشاءُ وهو عالِمٌ بِما يَفْعَلُهُ وعالِمٌ بِعَواقِبِ ما يَفْعَلُهُ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ لا كَما يَفْعَلُهُ الهاجِمُ الغافِلُ عَنِ العَواقِبِ إذْ هو عَلّامُ الغُيُوبِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ هو أنَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ كَما قالَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى﴾
صفحة ٢٣٤
﴿الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] وعَلى هَذا تَعَلُّقُ الآيَةِ بِما قَبْلَها أيْضًا ظاهِرٌ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ بَراهِينَ التَّوْحِيدِ لَمّا ظَهَرَتْ ودَحَضَتْ شُبَهَهم قالَ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى باطِلِكم، وقَوْلُهُ: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ لَهُ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ البُرْهانَ الباهِرَ المَعْقُولَ الظّاهِرَ لَمْ يَقُمْ إلّا عَلى التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ، وأمّا الحَشْرُ فَعَلى وُقُوعِهِ لا بُرْهانَ غَيْرُ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ أحْوالِهِ وأهْوالِهِ، ولَوْلا بَيانُ اللَّهِ بِالقَوْلِ لَما بانَ لِأحَدٍ بِخِلافِ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى الباطِلِ، إشارَةً إلى ظُهُورِ البَراهِينِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ قالَ: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ ما يُخْبِرُهُ عَنِ الغَيْبِ وهو قِيامُ السّاعَةِ وأحْوالُها، فَهو لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ، والآيَةُ تَحْتَمِلُ تَفْسِيرًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: ﴿رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ ما يَقْذِفُهُ يَقْذِفُهُ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، والباءُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَفْعُولِ بِهِ؛ أيِ: الحَقُّ مَقْذُوفٌ، وعَلى هَذا الباءُ فِيهِ كالباءِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] وفي قَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] والمَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَذَفَ ما قَذَفَ في قَلْبِ الرُّسُلِ وهو عَلّامُ الغُيُوبِ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ وما في قُلُوبِكم.
سبأ 34:48
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ما بِهِ جِنَّةٌ لِيَلْزَمَ مِنهُ كَوْنُهُ نَبِيًّا ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ نَبِيٌّ إذا لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَعْواهُ النُّبُوَّةَ يَجْعَلُ نَفْسَهُ عُرْضَةً لِلْهَلاكِ عاجِلًا، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْصِدُهُ ويُعادِيهِ ولا يَطْلُبُ أجْرًا في الدُّنْيا فَهو يَفْعَلُهُ لِلْآخِرَةِ، والكاذِبُ في الآخِرَةِ مُعَذَّبٌ لا مُثابٌ، فَلَوْ كانَ كاذِبًا لَكانَ مَجْنُونًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَلَيْسَ بِكاذِبٍ، فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَقْرِيرٌ آخَرُ لِلرِّسالَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَثْبُتُ إلّا بِالدَّعْوى والبَيِّنَةِ، بِأنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ النُّبُوَّةَ ويُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ المُعْجِزَةَ فَهي بَيِّنَةٌ شاهِدَةٌ والتَّصْدِيقُ بِالفِعْلِ يَقُومُ مَقامَ التَّصْدِيقِ بِالقَوْلِ في إفادَةِ العِلْمِ بِدَلِيلِ أنَّ مَن قالَ لِقَوْمٍ: إنِّي مُرْسَلٌ مِن هَذا المَلِكِ إلَيْكم أُلْزِمُكم قَبُولَ قَوْلِي والمَلِكُ حاضِرٌ ناظِرٌ، ثُمَّ قالَ لِلْمَلِكِ: أيُّها المَلِكُ إنْ كُنْتُ أنا رَسُولَكَ إلَيْهِمْ فَقُلْ لَهم: إنِّي رَسُولُكَ، فَإذا قالَ إنَّهُ رَسُولِي إلَيْكم لا يَبْقى فِيهِ شَكٌّ، كَذَلِكَ إذا قالَ: يا أيُّها المَلِكُ إنْ كُنْتُ أنا رَسُولَكَ إلَيْهِمْ فَألْبِسْنِي قَباءَكَ فَلَوْ ألْبَسَهُ قَباءَهُ في عَقِبِ كَلامِهِ يَجْزِمُ النّاسُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، كَذَلِكَ حالُ الرَّسُولِ إذا قالَ الأنْبِياءُ لِقَوْمِهِمْ: نَحْنُ رُسُلُ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا: يا إلَهَنا إنْ كُنّا رُسُلَكَ فَأنْطِقْ هَذِهِ الحِجارَةَ أوْ أنْشِرْ هَذا المَيِّتَ فَفَعَلَهُ؛ حَصَلَ الجَزْمُ بِأنَّهُ صَدَّقَهُ.
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَقْذِفُ بِالحَقِّ في قُلُوبِ المُحِقِّينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لِلْآيَةِ بِما قَبْلَها تَعَلُّقٌ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٦] وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ وكانَ مِن عادَةِ المُشْرِكِينَ اسْتِبْعادُ تَخْصِيصِ واحِدٍ مِن بَيْنِهِمْ بِإنْزالِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] ذَكَرَ ما يَصْلُحُ جَوابًا لَهم فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ في القُلُوبِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ بِيَدِهِ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ويُعْطِي ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ سُؤالٍ فاسِدٍ يُذْكَرُ عَلَيْهِ وهو أنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا كَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ اخْتِصاصِ مَحَلِّ الفِعْلِ بِشَيْءٍ لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ لا يَكُونُ عالِمًا وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ اتِّفاقًا، كَما إذا أصابَ السَّهْمُ مَوْضِعًا دُونَ غَيْرِهِ مَعَ تَسْوِيَةِ المَواضِعِ في المُحاذاةِ فَقالَ: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ كَيْفَ يَشاءُ وهو عالِمٌ بِما يَفْعَلُهُ وعالِمٌ بِعَواقِبِ ما يَفْعَلُهُ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ لا كَما يَفْعَلُهُ الهاجِمُ الغافِلُ عَنِ العَواقِبِ إذْ هو عَلّامُ الغُيُوبِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ هو أنَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ كَما قالَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى﴾
صفحة ٢٣٤
﴿الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] وعَلى هَذا تَعَلُّقُ الآيَةِ بِما قَبْلَها أيْضًا ظاهِرٌ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ بَراهِينَ التَّوْحِيدِ لَمّا ظَهَرَتْ ودَحَضَتْ شُبَهَهم قالَ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى باطِلِكم، وقَوْلُهُ: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ لَهُ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ البُرْهانَ الباهِرَ المَعْقُولَ الظّاهِرَ لَمْ يَقُمْ إلّا عَلى التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ، وأمّا الحَشْرُ فَعَلى وُقُوعِهِ لا بُرْهانَ غَيْرُ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ أحْوالِهِ وأهْوالِهِ، ولَوْلا بَيانُ اللَّهِ بِالقَوْلِ لَما بانَ لِأحَدٍ بِخِلافِ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى الباطِلِ، إشارَةً إلى ظُهُورِ البَراهِينِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ قالَ: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ ما يُخْبِرُهُ عَنِ الغَيْبِ وهو قِيامُ السّاعَةِ وأحْوالُها، فَهو لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ، والآيَةُ تَحْتَمِلُ تَفْسِيرًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: ﴿رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ ما يَقْذِفُهُ يَقْذِفُهُ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، والباءُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَفْعُولِ بِهِ؛ أيِ: الحَقُّ مَقْذُوفٌ، وعَلى هَذا الباءُ فِيهِ كالباءِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] وفي قَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] والمَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَذَفَ ما قَذَفَ في قَلْبِ الرُّسُلِ وهو عَلّامُ الغُيُوبِ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ وما في قُلُوبِكم.
سبأ 34:49
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ وكانَ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ قَدْ جاءَ. وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ.
الثّانِي: أنَّهُ بَيانُ التَّوْحِيدِ والحَشْرِ وكُلُّ ما ظَهَرَ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثّالِثُ: المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿جاءَ الحَقُّ﴾ ظَهَرَ الحَقُّ لِأنَّ كُلَّ ما جاءَ فَقَدْ ظَهَرَ، والباطِلُ خِلافُ الحَقِّ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الحَقَّ هو المَوْجُودُ، ولَمّا كانَ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُمْكِنِ انْتِفاؤُهُ كالتَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ والحَشْرِ، كانَ حَقًّا لا يَنْتَفِي، ولَمّا كانَ ما يَأْتُونَ بِهِ مِنَ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ كانَ باطِلًا لا يَثْبُتُ، وهَذا المَعْنى يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما يُبْدِئُ الباطِلُ﴾ أيِ: الباطِلُ لا يُفِيدُ شَيْئًا في الأُولى ولا في الآخِرَةِ، فَلا إمْكانَ لِوُجُودِهِ أصْلًا، والحَقُّ المَأْتِيُّ بِهِ لا عَدَمَ لَهُ أصْلًا، وقِيلَ: المُرادُ لا يُبْدِئُ الشَّيْطانُ ولا يُعِيدُ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ لَمّا كانَ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ كانَ يَقَعُ لِمُتَوَهِّمٍ أنَّ الباطِلَ كانَ فَوَرَدَ عَلَيْهِ الحَقُّ فَأبْطَلَهُ ودَمَغَهُ، فَقالَ هَهُنا لَيْسَ لِلْباطِلِ تَحَقُّقٌ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أيْ فَيَظْهَرُ بُطْلانُهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] يَعْنِي لَيْسَ أمْرًا مُتَجَدِّدًا زُهُوقُ الباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما يُبْدِئُ الباطِلُ﴾ أيْ لا يُثْبِتُ في الأوَّلِ شَيْئًا خِلافَ الحَقِّ ﴿وما يُعِيدُ﴾ أيْ لا يُعِيدُ في الآخِرَةِ شَيْئًا خِلافَ الحَقِّ.
سبأ 34:50
صفحة ٢٣٥
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا فِيهِ تَقْرِيرُ الرِّسالَةِ أيْضًا وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] وقالَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ يَعْنِي ضَلالِي عَلى نَفْسِي كَضَلالِكم، وأمّا اهْتِدائِي فَلَيْسَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كاهْتِدائِكم، وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُبِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ إذا نادَيْتُهُ واسْتَعْدَيْتُ بِهِ عَلَيْكم قَرِيبٌ يَأْتِيكم مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، لَيْسَ يَسْمَعُ عَنْ بُعْدٍ ولا يَلْحَقُ الدّاعِيَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ .
لَمّا قالَ: ﴿سَمِيعٌ﴾ قالَ: هو قَرِيبٌ فَإنْ لَمْ يُعَذِّبْ عاجِلًا ولا يُعِينُ صاحِبَ الحَقِّ في الحالِ فَيَوْمُ الفَزَعِ آتٍ لا فَوْتَ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: تَرى عَجَبًا ﴿وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ لا يَهْرُبُونَ وإنَّما الأخْذُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهَرَبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾
أيْ بَعْدَ ظُهُورِ الأمْرِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ إيمانٌ قالُوا آمَنّا، ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ أيْ كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الدُّنْيا وهم في الآخِرَةِ ؟ والدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ بَعِيدَةٌ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ: إنَّ الآخِرَةَ مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةٌ، ولِهَذا سَمّاها اللَّهُ السّاعَةَ وقالَ: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] نَقُولُ: الماضِي كالأمْسِ الدّابِرِ بَعْدَما يَكُونُ إذْ لا وُصُولَ إلَيْهِ، والمُسْتَقْبَلُ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحاضِرِ سِنِينَ فَإنَّهُ آتٍ، فَيَوْمَ القِيامَةِ الدُّنْيا بَعِيدَةٌ لِمُضِيِّها وفي الدُّنْيا يَوْمُ القِيامَةِ قَرِيبٌ لِإتْيانِهِ، والتَّناوُشُ هو التَّناوُلُ عَنْ قُرْبٍ. وقِيلَ عَنْ بُعْدٍ، ولَمّا جَعَلَ اللَّهُ الفِعْلَ مَأْخُوذًا كالجِسْمِ جَعَلَ ظَرْفَ الفِعْلِ وهو الزَّمانُ كَظَرْفِ الجِسْمِ وهو المَكانُ فَقالَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ والمُرادُ ما مَضى مِنَ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إيمانَهم لا نَفْعَ فِيهِ بِسَبَبِ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، إمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا القُرْآنُ وإمّا الحَقُّ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أقْرَبُ وأوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ضِدُّ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ يَنْزِلُ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، فَيَقْذِفُهُ اللَّهُ في القُلُوبِ ويَقْبَلُهُ المُؤْمِنُ، وأمّا الكافِرُ فَهو يَقْذِفُ بِالغَيْبِ، أيْ يَقُولُ ما لا يَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مَأْخَذَهم بَعِيدٌ أخَذُوا الشَّرِيكَ مِن أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أعْمالٍ كَثِيرَةٍ إلّا إذا كانُوا أشْخاصًا كَثِيرَةً، فَكَذَلِكَ المَخْلُوقاتُ الكَثِيرَةُ وأخَذُوا بَعْدَ الإعادَةِ مِن حالِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الإحْياءِ، فَإنَّ المَرِيضَ يُداوى فَإذا ماتَ لا يُمْكِنُهم إعادَةُ الرُّوحِ إلَيْهِ، وقِياسُ اللَّهِ عَلى المَخْلُوقاتِ بَعِيدُ المَأْخَذِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ السّاعَةَ إذا كانَتْ قائِمَةً فالثَّوابُ والنَّعِيمُ لَنا، كَقَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَإنْ كانَ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ فَما
صفحة ٢٣٦
كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم حَتّى يَقُولُوا عَنْ إحْساسٍ فَإنَّ ما لا يَجِبُ عَقْلًا لا يُعْلَمُ إلّا بِالإحْساسِ أوْ بِقَوْلِ الصّادِقِ، فَهم كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتَ أنَّ الآخِرَةَ قَرِيبٌ فَكَيْفَ قالَ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ؟ نَقُولُ: الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ عِنْدَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومَن لَمْ يُؤْمِن لا يُمْكِنُهُ التَّصْدِيقُ بِهِ فَيَكُونُ بَعِيدًا عِنْدَهُ.
الثّانِي: أنَّ الحِكايَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: كانُوا يَقْذِفُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهم في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وهو قَذْفٌ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا.
﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ العَوْدِ إلى الدُّنْيا أوْ بَيْنَ لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ ما يَشْتَهُونَ مِنَ العَوْدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَوْدِ ؟ قُلْنا: لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ ما حِيلَ بَيْنَهم، بَلْ كُلُّ مَن جاءَهُ المَلِكُ طَلَبَ التَّأْخِيرَ ولَمْ يُعْطَ وأرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِ اليَأْسِ ولَمْ يُقْبَلْ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذِي رَيْبٍ.
والثّانِي: مُوقِعٌ في الرَّيْبِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ وأزْواجِهِ أجْمَعِينَ.
سبأ 34:51
صفحة ٢٣٥
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا فِيهِ تَقْرِيرُ الرِّسالَةِ أيْضًا وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] وقالَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ يَعْنِي ضَلالِي عَلى نَفْسِي كَضَلالِكم، وأمّا اهْتِدائِي فَلَيْسَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كاهْتِدائِكم، وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُبِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ إذا نادَيْتُهُ واسْتَعْدَيْتُ بِهِ عَلَيْكم قَرِيبٌ يَأْتِيكم مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، لَيْسَ يَسْمَعُ عَنْ بُعْدٍ ولا يَلْحَقُ الدّاعِيَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ .
لَمّا قالَ: ﴿سَمِيعٌ﴾ قالَ: هو قَرِيبٌ فَإنْ لَمْ يُعَذِّبْ عاجِلًا ولا يُعِينُ صاحِبَ الحَقِّ في الحالِ فَيَوْمُ الفَزَعِ آتٍ لا فَوْتَ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: تَرى عَجَبًا ﴿وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ لا يَهْرُبُونَ وإنَّما الأخْذُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهَرَبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾
أيْ بَعْدَ ظُهُورِ الأمْرِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ إيمانٌ قالُوا آمَنّا، ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ أيْ كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الدُّنْيا وهم في الآخِرَةِ ؟ والدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ بَعِيدَةٌ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ: إنَّ الآخِرَةَ مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةٌ، ولِهَذا سَمّاها اللَّهُ السّاعَةَ وقالَ: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] نَقُولُ: الماضِي كالأمْسِ الدّابِرِ بَعْدَما يَكُونُ إذْ لا وُصُولَ إلَيْهِ، والمُسْتَقْبَلُ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحاضِرِ سِنِينَ فَإنَّهُ آتٍ، فَيَوْمَ القِيامَةِ الدُّنْيا بَعِيدَةٌ لِمُضِيِّها وفي الدُّنْيا يَوْمُ القِيامَةِ قَرِيبٌ لِإتْيانِهِ، والتَّناوُشُ هو التَّناوُلُ عَنْ قُرْبٍ. وقِيلَ عَنْ بُعْدٍ، ولَمّا جَعَلَ اللَّهُ الفِعْلَ مَأْخُوذًا كالجِسْمِ جَعَلَ ظَرْفَ الفِعْلِ وهو الزَّمانُ كَظَرْفِ الجِسْمِ وهو المَكانُ فَقالَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ والمُرادُ ما مَضى مِنَ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إيمانَهم لا نَفْعَ فِيهِ بِسَبَبِ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، إمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا القُرْآنُ وإمّا الحَقُّ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أقْرَبُ وأوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ضِدُّ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ يَنْزِلُ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، فَيَقْذِفُهُ اللَّهُ في القُلُوبِ ويَقْبَلُهُ المُؤْمِنُ، وأمّا الكافِرُ فَهو يَقْذِفُ بِالغَيْبِ، أيْ يَقُولُ ما لا يَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مَأْخَذَهم بَعِيدٌ أخَذُوا الشَّرِيكَ مِن أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أعْمالٍ كَثِيرَةٍ إلّا إذا كانُوا أشْخاصًا كَثِيرَةً، فَكَذَلِكَ المَخْلُوقاتُ الكَثِيرَةُ وأخَذُوا بَعْدَ الإعادَةِ مِن حالِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الإحْياءِ، فَإنَّ المَرِيضَ يُداوى فَإذا ماتَ لا يُمْكِنُهم إعادَةُ الرُّوحِ إلَيْهِ، وقِياسُ اللَّهِ عَلى المَخْلُوقاتِ بَعِيدُ المَأْخَذِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ السّاعَةَ إذا كانَتْ قائِمَةً فالثَّوابُ والنَّعِيمُ لَنا، كَقَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَإنْ كانَ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ فَما
صفحة ٢٣٦
كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم حَتّى يَقُولُوا عَنْ إحْساسٍ فَإنَّ ما لا يَجِبُ عَقْلًا لا يُعْلَمُ إلّا بِالإحْساسِ أوْ بِقَوْلِ الصّادِقِ، فَهم كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتَ أنَّ الآخِرَةَ قَرِيبٌ فَكَيْفَ قالَ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ؟ نَقُولُ: الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ عِنْدَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومَن لَمْ يُؤْمِن لا يُمْكِنُهُ التَّصْدِيقُ بِهِ فَيَكُونُ بَعِيدًا عِنْدَهُ.
الثّانِي: أنَّ الحِكايَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: كانُوا يَقْذِفُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهم في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وهو قَذْفٌ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا.
﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ العَوْدِ إلى الدُّنْيا أوْ بَيْنَ لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ ما يَشْتَهُونَ مِنَ العَوْدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَوْدِ ؟ قُلْنا: لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ ما حِيلَ بَيْنَهم، بَلْ كُلُّ مَن جاءَهُ المَلِكُ طَلَبَ التَّأْخِيرَ ولَمْ يُعْطَ وأرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِ اليَأْسِ ولَمْ يُقْبَلْ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذِي رَيْبٍ.
والثّانِي: مُوقِعٌ في الرَّيْبِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ وأزْواجِهِ أجْمَعِينَ.
سبأ 34:52
صفحة ٢٣٥
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا فِيهِ تَقْرِيرُ الرِّسالَةِ أيْضًا وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] وقالَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ يَعْنِي ضَلالِي عَلى نَفْسِي كَضَلالِكم، وأمّا اهْتِدائِي فَلَيْسَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كاهْتِدائِكم، وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُبِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ إذا نادَيْتُهُ واسْتَعْدَيْتُ بِهِ عَلَيْكم قَرِيبٌ يَأْتِيكم مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، لَيْسَ يَسْمَعُ عَنْ بُعْدٍ ولا يَلْحَقُ الدّاعِيَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ .
لَمّا قالَ: ﴿سَمِيعٌ﴾ قالَ: هو قَرِيبٌ فَإنْ لَمْ يُعَذِّبْ عاجِلًا ولا يُعِينُ صاحِبَ الحَقِّ في الحالِ فَيَوْمُ الفَزَعِ آتٍ لا فَوْتَ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: تَرى عَجَبًا ﴿وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ لا يَهْرُبُونَ وإنَّما الأخْذُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهَرَبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾
أيْ بَعْدَ ظُهُورِ الأمْرِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ إيمانٌ قالُوا آمَنّا، ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ أيْ كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الدُّنْيا وهم في الآخِرَةِ ؟ والدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ بَعِيدَةٌ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ: إنَّ الآخِرَةَ مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةٌ، ولِهَذا سَمّاها اللَّهُ السّاعَةَ وقالَ: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] نَقُولُ: الماضِي كالأمْسِ الدّابِرِ بَعْدَما يَكُونُ إذْ لا وُصُولَ إلَيْهِ، والمُسْتَقْبَلُ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحاضِرِ سِنِينَ فَإنَّهُ آتٍ، فَيَوْمَ القِيامَةِ الدُّنْيا بَعِيدَةٌ لِمُضِيِّها وفي الدُّنْيا يَوْمُ القِيامَةِ قَرِيبٌ لِإتْيانِهِ، والتَّناوُشُ هو التَّناوُلُ عَنْ قُرْبٍ. وقِيلَ عَنْ بُعْدٍ، ولَمّا جَعَلَ اللَّهُ الفِعْلَ مَأْخُوذًا كالجِسْمِ جَعَلَ ظَرْفَ الفِعْلِ وهو الزَّمانُ كَظَرْفِ الجِسْمِ وهو المَكانُ فَقالَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ والمُرادُ ما مَضى مِنَ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إيمانَهم لا نَفْعَ فِيهِ بِسَبَبِ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، إمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا القُرْآنُ وإمّا الحَقُّ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أقْرَبُ وأوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ضِدُّ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ يَنْزِلُ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، فَيَقْذِفُهُ اللَّهُ في القُلُوبِ ويَقْبَلُهُ المُؤْمِنُ، وأمّا الكافِرُ فَهو يَقْذِفُ بِالغَيْبِ، أيْ يَقُولُ ما لا يَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مَأْخَذَهم بَعِيدٌ أخَذُوا الشَّرِيكَ مِن أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أعْمالٍ كَثِيرَةٍ إلّا إذا كانُوا أشْخاصًا كَثِيرَةً، فَكَذَلِكَ المَخْلُوقاتُ الكَثِيرَةُ وأخَذُوا بَعْدَ الإعادَةِ مِن حالِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الإحْياءِ، فَإنَّ المَرِيضَ يُداوى فَإذا ماتَ لا يُمْكِنُهم إعادَةُ الرُّوحِ إلَيْهِ، وقِياسُ اللَّهِ عَلى المَخْلُوقاتِ بَعِيدُ المَأْخَذِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ السّاعَةَ إذا كانَتْ قائِمَةً فالثَّوابُ والنَّعِيمُ لَنا، كَقَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَإنْ كانَ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ فَما
صفحة ٢٣٦
كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم حَتّى يَقُولُوا عَنْ إحْساسٍ فَإنَّ ما لا يَجِبُ عَقْلًا لا يُعْلَمُ إلّا بِالإحْساسِ أوْ بِقَوْلِ الصّادِقِ، فَهم كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتَ أنَّ الآخِرَةَ قَرِيبٌ فَكَيْفَ قالَ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ؟ نَقُولُ: الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ عِنْدَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومَن لَمْ يُؤْمِن لا يُمْكِنُهُ التَّصْدِيقُ بِهِ فَيَكُونُ بَعِيدًا عِنْدَهُ.
الثّانِي: أنَّ الحِكايَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: كانُوا يَقْذِفُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهم في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وهو قَذْفٌ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا.
﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ العَوْدِ إلى الدُّنْيا أوْ بَيْنَ لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ ما يَشْتَهُونَ مِنَ العَوْدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَوْدِ ؟ قُلْنا: لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ ما حِيلَ بَيْنَهم، بَلْ كُلُّ مَن جاءَهُ المَلِكُ طَلَبَ التَّأْخِيرَ ولَمْ يُعْطَ وأرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِ اليَأْسِ ولَمْ يُقْبَلْ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذِي رَيْبٍ.
والثّانِي: مُوقِعٌ في الرَّيْبِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ وأزْواجِهِ أجْمَعِينَ.
سبأ 34:53
صفحة ٢٣٥
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا فِيهِ تَقْرِيرُ الرِّسالَةِ أيْضًا وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] وقالَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ يَعْنِي ضَلالِي عَلى نَفْسِي كَضَلالِكم، وأمّا اهْتِدائِي فَلَيْسَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كاهْتِدائِكم، وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُبِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ إذا نادَيْتُهُ واسْتَعْدَيْتُ بِهِ عَلَيْكم قَرِيبٌ يَأْتِيكم مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، لَيْسَ يَسْمَعُ عَنْ بُعْدٍ ولا يَلْحَقُ الدّاعِيَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ .
لَمّا قالَ: ﴿سَمِيعٌ﴾ قالَ: هو قَرِيبٌ فَإنْ لَمْ يُعَذِّبْ عاجِلًا ولا يُعِينُ صاحِبَ الحَقِّ في الحالِ فَيَوْمُ الفَزَعِ آتٍ لا فَوْتَ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: تَرى عَجَبًا ﴿وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ لا يَهْرُبُونَ وإنَّما الأخْذُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهَرَبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾
أيْ بَعْدَ ظُهُورِ الأمْرِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ إيمانٌ قالُوا آمَنّا، ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ أيْ كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الدُّنْيا وهم في الآخِرَةِ ؟ والدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ بَعِيدَةٌ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ: إنَّ الآخِرَةَ مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةٌ، ولِهَذا سَمّاها اللَّهُ السّاعَةَ وقالَ: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] نَقُولُ: الماضِي كالأمْسِ الدّابِرِ بَعْدَما يَكُونُ إذْ لا وُصُولَ إلَيْهِ، والمُسْتَقْبَلُ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحاضِرِ سِنِينَ فَإنَّهُ آتٍ، فَيَوْمَ القِيامَةِ الدُّنْيا بَعِيدَةٌ لِمُضِيِّها وفي الدُّنْيا يَوْمُ القِيامَةِ قَرِيبٌ لِإتْيانِهِ، والتَّناوُشُ هو التَّناوُلُ عَنْ قُرْبٍ. وقِيلَ عَنْ بُعْدٍ، ولَمّا جَعَلَ اللَّهُ الفِعْلَ مَأْخُوذًا كالجِسْمِ جَعَلَ ظَرْفَ الفِعْلِ وهو الزَّمانُ كَظَرْفِ الجِسْمِ وهو المَكانُ فَقالَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ والمُرادُ ما مَضى مِنَ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إيمانَهم لا نَفْعَ فِيهِ بِسَبَبِ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، إمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا القُرْآنُ وإمّا الحَقُّ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أقْرَبُ وأوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ضِدُّ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ يَنْزِلُ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، فَيَقْذِفُهُ اللَّهُ في القُلُوبِ ويَقْبَلُهُ المُؤْمِنُ، وأمّا الكافِرُ فَهو يَقْذِفُ بِالغَيْبِ، أيْ يَقُولُ ما لا يَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مَأْخَذَهم بَعِيدٌ أخَذُوا الشَّرِيكَ مِن أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أعْمالٍ كَثِيرَةٍ إلّا إذا كانُوا أشْخاصًا كَثِيرَةً، فَكَذَلِكَ المَخْلُوقاتُ الكَثِيرَةُ وأخَذُوا بَعْدَ الإعادَةِ مِن حالِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الإحْياءِ، فَإنَّ المَرِيضَ يُداوى فَإذا ماتَ لا يُمْكِنُهم إعادَةُ الرُّوحِ إلَيْهِ، وقِياسُ اللَّهِ عَلى المَخْلُوقاتِ بَعِيدُ المَأْخَذِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ السّاعَةَ إذا كانَتْ قائِمَةً فالثَّوابُ والنَّعِيمُ لَنا، كَقَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَإنْ كانَ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ فَما
صفحة ٢٣٦
كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم حَتّى يَقُولُوا عَنْ إحْساسٍ فَإنَّ ما لا يَجِبُ عَقْلًا لا يُعْلَمُ إلّا بِالإحْساسِ أوْ بِقَوْلِ الصّادِقِ، فَهم كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتَ أنَّ الآخِرَةَ قَرِيبٌ فَكَيْفَ قالَ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ؟ نَقُولُ: الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ عِنْدَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومَن لَمْ يُؤْمِن لا يُمْكِنُهُ التَّصْدِيقُ بِهِ فَيَكُونُ بَعِيدًا عِنْدَهُ.
الثّانِي: أنَّ الحِكايَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: كانُوا يَقْذِفُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهم في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وهو قَذْفٌ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا.
﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ العَوْدِ إلى الدُّنْيا أوْ بَيْنَ لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ ما يَشْتَهُونَ مِنَ العَوْدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَوْدِ ؟ قُلْنا: لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ ما حِيلَ بَيْنَهم، بَلْ كُلُّ مَن جاءَهُ المَلِكُ طَلَبَ التَّأْخِيرَ ولَمْ يُعْطَ وأرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِ اليَأْسِ ولَمْ يُقْبَلْ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذِي رَيْبٍ.
والثّانِي: مُوقِعٌ في الرَّيْبِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ وأزْواجِهِ أجْمَعِينَ.
سبأ 34:54
صفحة ٢٣٥
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا فِيهِ تَقْرِيرُ الرِّسالَةِ أيْضًا وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] وقالَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ يَعْنِي ضَلالِي عَلى نَفْسِي كَضَلالِكم، وأمّا اهْتِدائِي فَلَيْسَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كاهْتِدائِكم، وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُبِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ إذا نادَيْتُهُ واسْتَعْدَيْتُ بِهِ عَلَيْكم قَرِيبٌ يَأْتِيكم مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، لَيْسَ يَسْمَعُ عَنْ بُعْدٍ ولا يَلْحَقُ الدّاعِيَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ .
لَمّا قالَ: ﴿سَمِيعٌ﴾ قالَ: هو قَرِيبٌ فَإنْ لَمْ يُعَذِّبْ عاجِلًا ولا يُعِينُ صاحِبَ الحَقِّ في الحالِ فَيَوْمُ الفَزَعِ آتٍ لا فَوْتَ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ مَن يَخافُ الفَوْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: تَرى عَجَبًا ﴿وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ لا يَهْرُبُونَ وإنَّما الأخْذُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهَرَبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾
أيْ بَعْدَ ظُهُورِ الأمْرِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ إيمانٌ قالُوا آمَنّا، ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ أيْ كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الدُّنْيا وهم في الآخِرَةِ ؟ والدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ بَعِيدَةٌ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ: إنَّ الآخِرَةَ مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةٌ، ولِهَذا سَمّاها اللَّهُ السّاعَةَ وقالَ: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] نَقُولُ: الماضِي كالأمْسِ الدّابِرِ بَعْدَما يَكُونُ إذْ لا وُصُولَ إلَيْهِ، والمُسْتَقْبَلُ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحاضِرِ سِنِينَ فَإنَّهُ آتٍ، فَيَوْمَ القِيامَةِ الدُّنْيا بَعِيدَةٌ لِمُضِيِّها وفي الدُّنْيا يَوْمُ القِيامَةِ قَرِيبٌ لِإتْيانِهِ، والتَّناوُشُ هو التَّناوُلُ عَنْ قُرْبٍ. وقِيلَ عَنْ بُعْدٍ، ولَمّا جَعَلَ اللَّهُ الفِعْلَ مَأْخُوذًا كالجِسْمِ جَعَلَ ظَرْفَ الفِعْلِ وهو الزَّمانُ كَظَرْفِ الجِسْمِ وهو المَكانُ فَقالَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ والمُرادُ ما مَضى مِنَ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إيمانَهم لا نَفْعَ فِيهِ بِسَبَبِ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، إمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا القُرْآنُ وإمّا الحَقُّ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أقْرَبُ وأوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ضِدُّ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ يَنْزِلُ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، فَيَقْذِفُهُ اللَّهُ في القُلُوبِ ويَقْبَلُهُ المُؤْمِنُ، وأمّا الكافِرُ فَهو يَقْذِفُ بِالغَيْبِ، أيْ يَقُولُ ما لا يَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ مَأْخَذَهم بَعِيدٌ أخَذُوا الشَّرِيكَ مِن أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أعْمالٍ كَثِيرَةٍ إلّا إذا كانُوا أشْخاصًا كَثِيرَةً، فَكَذَلِكَ المَخْلُوقاتُ الكَثِيرَةُ وأخَذُوا بَعْدَ الإعادَةِ مِن حالِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الإحْياءِ، فَإنَّ المَرِيضَ يُداوى فَإذا ماتَ لا يُمْكِنُهم إعادَةُ الرُّوحِ إلَيْهِ، وقِياسُ اللَّهِ عَلى المَخْلُوقاتِ بَعِيدُ المَأْخَذِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ السّاعَةَ إذا كانَتْ قائِمَةً فالثَّوابُ والنَّعِيمُ لَنا، كَقَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَإنْ كانَ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ فَما
صفحة ٢٣٦
كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم حَتّى يَقُولُوا عَنْ إحْساسٍ فَإنَّ ما لا يَجِبُ عَقْلًا لا يُعْلَمُ إلّا بِالإحْساسِ أوْ بِقَوْلِ الصّادِقِ، فَهم كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتَ أنَّ الآخِرَةَ قَرِيبٌ فَكَيْفَ قالَ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ؟ نَقُولُ: الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ عِنْدَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومَن لَمْ يُؤْمِن لا يُمْكِنُهُ التَّصْدِيقُ بِهِ فَيَكُونُ بَعِيدًا عِنْدَهُ.
الثّانِي: أنَّ الحِكايَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: كانُوا يَقْذِفُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهم في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وهو قَذْفٌ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الدُّنْيا.
﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ العَوْدِ إلى الدُّنْيا أوْ بَيْنَ لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ ما يَشْتَهُونَ مِنَ العَوْدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَوْدِ ؟ قُلْنا: لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ ما حِيلَ بَيْنَهم، بَلْ كُلُّ مَن جاءَهُ المَلِكُ طَلَبَ التَّأْخِيرَ ولَمْ يُعْطَ وأرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِ اليَأْسِ ولَمْ يُقْبَلْ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذِي رَيْبٍ.
والثّانِي: مُوقِعٌ في الرَّيْبِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ وأزْواجِهِ أجْمَعِينَ.
فاطر 35:1
صفحة ٣
(سُورَةُ فاطِرٍ)
(أرْبَعُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلى النِّعْمَةِ في أكْثَرِ الأمْرِ، ونِعَمُ اللَّهِ قِسْمانِ: عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ، والعاجِلَةُ وُجُودٌ وبَقاءٌ، والآجِلَةُ كَذَلِكَ إيجادٌ مَرَّةً وإبْقاءٌ أُخْرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ العاجِلَةِ الَّتِي هي الإيجادُ، واسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ [الأنعام: ٢] وقَوْلِهِ في الكَهْفِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] إشارَةً إلى النِّعْمَةِ العاجِلَةِ الَّتِي هي الإبْقاءُ، فَإنَّ البَقاءَ والصَّلاحَ بِالشَّرْعِ والكِتابِ، ولَوْلاهُ لَوَقَعَتِ المُنازَعَةُ والمُخاصَمَةُ بَيْنَ النّاسِ ولا يُفْصَلُ بَيْنَهم، فَكانَ يُفْضِي ذَلِكَ إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي، فَإنْزالُ الكِتابِ نِعْمَةٌ يَتَعَلَّقُ بِها البَقاءُ العاجِلُ، وفي قَوْلِهِ في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٢] إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ الثّانِي بِالحَشْرِ، واسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ [سبأ: ٢] مِنَ الأجْسامِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ [سبأ: ٢] مِنَ الأرْواحِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ [سبأ: ٢] وقَوْلِهِ عَنِ الكافِرِينَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ [سبأ: ٣] وهَهُنا الحَمْدُ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ البَقاءِ في الآخِرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ أيْ: يَجْعَلُهم رُسُلًا يَتَلَقَّوْنَ عِبادَ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ مُبْدِعُها كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ شاقِّهِما لِنُزُولِ الأرْواحِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَكُونُ المَلائِكَةُ رُسُلًا، وعَلى هَذا فَأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ ما مَضى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ بَيانٌ لِانْقِطاعِ رَجاءِ مَن كانَ في شَكٍّ مُرِيبٍ وتَيَقُّنِهِ بِأنْ لا قَبُولَ لِتَوْبَتِهِ ولا فائِدَةَ لِقَوْلِهِ آمَنتُ. كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢] فَلَمّا ذَكَرَ حالَهم بَيَّنَ حالَ المُوقِنِ وبَشَّرَهُ بِإرْسالِهِ المَلائِكَةَ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَفْتَحُ لَهم أبْوابَ الرَّحْمَةِ.
* * *
صفحة ٤
﴿أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ أقَلُّ ما يَكُونُ لِذِي الجَناحِ أنْ يَكُونَ لَهُ جَناحانِ وما بَعْدَهُما زِيادَةٌ، وقالَ قَوْمٌ فِيهِ إنَّ الجَناحَ إشارَةٌ إلى الجِهَةِ، وبَيانُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ فَهو تَحْتَ قُدْرَتِهِ ونِعْمَتِهِ، والمَلائِكَةُ لَهم وجْهٌ إلى اللَّهِ يَأْخُذُونَ مِنهُ نِعَمَهُ ويُعْطُونَ مَن دُونَهم مِمّا أخَذُوهُ بِإذْنِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وقالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥] فَهُما جَناحانِ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِواسِطَةٍ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُهُ لا بِواسِطَةٍ، فالفاعِلُ بِواسِطَةٍ فِيهِ ثَلاثُ جِهاتٍ، ومِنهم مَن لَهُ أرْبَعُ جِهاتٍ وأكْثَرُ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وهو الَّذِي عَلَيْهِ إطْباقُ المُفَسِّرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن خَصَّصَهُ وقالَ: المُرادُ الوَجْهُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: الصَّوْتُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: كُلُّ وصْفٍ مَحْمُودٍ، والأوْلى أنْ يُعَمَّمَ، ويُقالَ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ كامِلٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَيَزِيدُ ما يَشاءُ ويَنْقُصُ ما يَشاءُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يُقَرِّرُ قَوْلَهُ: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ كَمالَ القُدْرَةِ ذَكَرَ بَيانَ نُفُوذِ المَشِيئَةِ ونَفاذِ الأمْرِ، وقالَ: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ، يَعْنِي إنْ رَحِمَ فَلا مانِعَ لَهُ، وإنْ لَمْ يَرْحَمْ فَلا باعِثَ لَهُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى سَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: التَّقْدِيمُ حَيْثُ قَدَّمَ بَيانَ فَتْحِ أبْوابِ الرَّحْمَةِ في الذِّكْرِ، وهو وإنْ كانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ الفَضْلِ.
وثانِيها: هو أنَّهُ أنَّثَ الكِنايَةَ في الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وجازَ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ أنْ يُقالَ لَهُ ويَكُونُ عائِدًا إلى ما، ولَكِنْ قالَ تَعالى: (لَها) لِيُعْلَمَ أنَّ المَفْتُوحَ أبْوابُ الرَّحْمَةِ ولا مُمْسِكَ لِرَحْمَتِهِ فَهي وصْلَةٌ إلى مَن رَحِمَتْهُ، وقالَ عِنْدَ الإمْساكِ ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ لَهُما فَما صَرَّحَ بِأنَّهُ لا مُرْسِلَ لِلرَّحْمَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي لا يُرْسِلُ هو غَيْرُ الرَّحْمَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُمْسِكْ﴾ عامٌّ مِن غَيْرِ بَيانٍ وتَخْصِيصٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ فَإنَّهُ مُخَصَّصٌ مُبَيَّنٌ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ اللَّهِ، فاسْتَثْنى هَهُنا وقالَ: لا مُرْسِلَ لَهُ إلّا اللَّهُ فَنَزَلَ لَهُ مُرْسَلًا. وعِنْدَ الإمْساكِ قالَ: لا مُمْسِكَ لَها، ولَمْ يَقُلْ: غَيْرُ اللَّهِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ إذا جاءَتْ لا تَرْتَفِعُ فَإنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ لا يُعَذِّبُهُ بَعْدَها هو ولا غَيْرُهُ، ومَن يُعَذِّبُهُ اللَّهُ فَقَدْ يَرْحَمُهُ اللَّهُ بَعْدَ العَذابِ كالفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ.
فاطر 35:2
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ العِلْمِ.
﴿ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ بَعْضَ وُجُوهِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ وهي مَعَ كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإيجادِ في الِابْتِداءِ.
وقالَ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ إلى الِانْتِهاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ نَظَرًا إلى عَظَمَتِهِ حَيْثُ هو عَزِيزٌ حَكِيمٌ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نافِذُ الإرادَةِ في كُلِّ شَيْءٍ ولا مِثْلَ لِهَذا ولا مَعْبُودَ لِذاتِهِ غَيْرُ هَذا ونَظَرًا إلى نِعْمَتِهِ حَيْثُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولا رازِقَ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ ؟ فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ المَنحُوتَ بِمَن لَهُ المَلَكُوتُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ: وهو الرِّسالَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ مِن حَيْثُ الإجْمالُ أنَّ المُكَذِّبَ في العَذابِ. والمُكَذَّبَ لَهُ الثَّوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الأصْلَ الثّالِثَ: وهو الحَشْرُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ الشَّيْطانُ وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَعْنى اللَّطِيفِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ ونُعِيدُهُ هَهُنا فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفَ الذِّهْنِ قَلِيلَ العَقْلِ سَخِيفَ الرَّأْيِ فَيَغْتَرُّ بِأدْنى شَيْءٍ، وقَدْ يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ فَلا يَغْتَرُّ بِهِ ولَكِنْ إذا جاءَهُ غارٌّ وزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وهَوَّنَ عَلَيْهِ مَفاسِدَهُ، وبَيَّنَ لَهُ مَنافِعَهُ، يَغْتَرُّ لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِن دُعاءِ ذَلِكَ الغارِّ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ قَوِيَّ الجَأْشِ غَزِيرَ العَقْلِ فَلا يَغْتَرُّ ولا يُغَرُّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةً إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقالَ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِيَكُونَ واقِعًا في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ وهي العُلْيا فَلا يُغَرُّ ولا يَغْتَرُّ.
فاطر 35:3
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ العِلْمِ.
﴿ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ بَعْضَ وُجُوهِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ وهي مَعَ كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإيجادِ في الِابْتِداءِ.
وقالَ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ إلى الِانْتِهاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ نَظَرًا إلى عَظَمَتِهِ حَيْثُ هو عَزِيزٌ حَكِيمٌ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نافِذُ الإرادَةِ في كُلِّ شَيْءٍ ولا مِثْلَ لِهَذا ولا مَعْبُودَ لِذاتِهِ غَيْرُ هَذا ونَظَرًا إلى نِعْمَتِهِ حَيْثُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولا رازِقَ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ ؟ فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ المَنحُوتَ بِمَن لَهُ المَلَكُوتُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ: وهو الرِّسالَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ مِن حَيْثُ الإجْمالُ أنَّ المُكَذِّبَ في العَذابِ. والمُكَذَّبَ لَهُ الثَّوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الأصْلَ الثّالِثَ: وهو الحَشْرُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ الشَّيْطانُ وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَعْنى اللَّطِيفِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ ونُعِيدُهُ هَهُنا فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفَ الذِّهْنِ قَلِيلَ العَقْلِ سَخِيفَ الرَّأْيِ فَيَغْتَرُّ بِأدْنى شَيْءٍ، وقَدْ يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ فَلا يَغْتَرُّ بِهِ ولَكِنْ إذا جاءَهُ غارٌّ وزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وهَوَّنَ عَلَيْهِ مَفاسِدَهُ، وبَيَّنَ لَهُ مَنافِعَهُ، يَغْتَرُّ لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِن دُعاءِ ذَلِكَ الغارِّ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ قَوِيَّ الجَأْشِ غَزِيرَ العَقْلِ فَلا يَغْتَرُّ ولا يُغَرُّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةً إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقالَ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِيَكُونَ واقِعًا في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ وهي العُلْيا فَلا يُغَرُّ ولا يَغْتَرُّ.
فاطر 35:4
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ العِلْمِ.
﴿ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ بَعْضَ وُجُوهِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ وهي مَعَ كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإيجادِ في الِابْتِداءِ.
وقالَ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ إلى الِانْتِهاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ نَظَرًا إلى عَظَمَتِهِ حَيْثُ هو عَزِيزٌ حَكِيمٌ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نافِذُ الإرادَةِ في كُلِّ شَيْءٍ ولا مِثْلَ لِهَذا ولا مَعْبُودَ لِذاتِهِ غَيْرُ هَذا ونَظَرًا إلى نِعْمَتِهِ حَيْثُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولا رازِقَ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ ؟ فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ المَنحُوتَ بِمَن لَهُ المَلَكُوتُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ: وهو الرِّسالَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ مِن حَيْثُ الإجْمالُ أنَّ المُكَذِّبَ في العَذابِ. والمُكَذَّبَ لَهُ الثَّوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الأصْلَ الثّالِثَ: وهو الحَشْرُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ الشَّيْطانُ وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَعْنى اللَّطِيفِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ ونُعِيدُهُ هَهُنا فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفَ الذِّهْنِ قَلِيلَ العَقْلِ سَخِيفَ الرَّأْيِ فَيَغْتَرُّ بِأدْنى شَيْءٍ، وقَدْ يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ فَلا يَغْتَرُّ بِهِ ولَكِنْ إذا جاءَهُ غارٌّ وزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وهَوَّنَ عَلَيْهِ مَفاسِدَهُ، وبَيَّنَ لَهُ مَنافِعَهُ، يَغْتَرُّ لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِن دُعاءِ ذَلِكَ الغارِّ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ قَوِيَّ الجَأْشِ غَزِيرَ العَقْلِ فَلا يَغْتَرُّ ولا يُغَرُّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةً إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقالَ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِيَكُونَ واقِعًا في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ وهي العُلْيا فَلا يُغَرُّ ولا يَغْتَرُّ.
فاطر 35:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ العِلْمِ.
﴿ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ بَعْضَ وُجُوهِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ وهي مَعَ كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإيجادِ في الِابْتِداءِ.
وقالَ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ إلى الِانْتِهاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ نَظَرًا إلى عَظَمَتِهِ حَيْثُ هو عَزِيزٌ حَكِيمٌ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نافِذُ الإرادَةِ في كُلِّ شَيْءٍ ولا مِثْلَ لِهَذا ولا مَعْبُودَ لِذاتِهِ غَيْرُ هَذا ونَظَرًا إلى نِعْمَتِهِ حَيْثُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولا رازِقَ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ ؟ فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ المَنحُوتَ بِمَن لَهُ المَلَكُوتُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ: وهو الرِّسالَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ مِن حَيْثُ الإجْمالُ أنَّ المُكَذِّبَ في العَذابِ. والمُكَذَّبَ لَهُ الثَّوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الأصْلَ الثّالِثَ: وهو الحَشْرُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ الشَّيْطانُ وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَعْنى اللَّطِيفِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ ونُعِيدُهُ هَهُنا فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفَ الذِّهْنِ قَلِيلَ العَقْلِ سَخِيفَ الرَّأْيِ فَيَغْتَرُّ بِأدْنى شَيْءٍ، وقَدْ يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ فَلا يَغْتَرُّ بِهِ ولَكِنْ إذا جاءَهُ غارٌّ وزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وهَوَّنَ عَلَيْهِ مَفاسِدَهُ، وبَيَّنَ لَهُ مَنافِعَهُ، يَغْتَرُّ لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِن دُعاءِ ذَلِكَ الغارِّ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ قَوِيَّ الجَأْشِ غَزِيرَ العَقْلِ فَلا يَغْتَرُّ ولا يُغَرُّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةً إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقالَ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِيَكُونَ واقِعًا في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ وهي العُلْيا فَلا يُغَرُّ ولا يَغْتَرُّ.
فاطر 35:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ ذَكَرَ
صفحة ٦
ما يَمْنَعُ العاقِلَ مِنَ الِاغْتِرارِ، وقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ولا تَسْمَعُوا قَوْلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أيِ اعْمَلُوا ما يَسُوءُهُ وهو العَمَلُ الصّالِحُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ إشارَةً إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ مَن يَكُونُ لَهُ عَدُوٌّ فَلَهُ في أمْرِهِ طَرِيقانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُعادِيَهُ مُجازاةً لَهُ عَلى مُعاداتِهِ.
والثّانِي: أنْ يُذْهِبَ عَداوَتَهُ بِإرْضائِهِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ أمَرَهم بِالعَداوَةِ وأشارَ إلى أنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ إلّا هَذا، وأمّا الطَّرِيقُ الآخَرُ وهو الإرْضاءُ فَلا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّكم إذا راضَيْتُمُوهُ واتَّبَعْتُمُوهُ فَهو لا يُؤَدِّيكم إلّا إلى السَّعِيرِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ لَهُ عَدُوًّا لا مَهْرَبَ لَهُ مِنهُ وجَزَمَ بِذَلِكَ فَإنَّهُ يَقِفُ عِنْدَهُ ويَصْبِرُ عَلى قِتالِهِ، والصَّبْرُ مَعَهُ الظَّفَرُ، فَكَذَلِكَ الشَّيْطانُ لا يَقْدِرُ الإنْسانُ أنْ يَهْرُبَ مِنهُ فَإنَّهُ مَعَهُ، ولا يَزالُ يَتْبَعُهُ إلّا أنْ يَقِفَ لَهُ ويَهْزِمَهُ، فَهَزِيمَةُ الشَّيْطانِ بِعَزِيمَةِ الإنْسانِ، فالطَّرِيقُ الثَّباتُ عَلى الجادَّةِ والِاتِّكالُ عَلى العِبادَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ حِزْبِهِ وحالَ حِزْبِ اللَّهِ، فَقالَ:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ فالمُعادِي لِلشَّيْطانِ وإنْ كانَ في الحالِ في عَذابٍ ظاهِرٍ ولَيْسَ بِشَدِيدٍ، والإنْسانُ إذا كانَ عاقِلًا يَخْتارُ العَذابَ المُنْقَطِعَ اليَسِيرَ دَفْعًا لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ المُؤَبَّدِ ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذْ عَرَضَ في طَرِيقِهِ شَوْكٌ ونارٌ ولا يَكُونُ لَهُ بُدٌّ مِن أحَدِهِما يَتَخَطّى الشَّوْكَ ولا يَدْخُلُ النّارَ ونِسْبَةُ النّارِ الَّتِي في الدُّنْيا إلى النّارِ الَّتِي في الآخِرَةِ دُونَ نِسْبَةِ الشَّوْكِ إلى النّارِ العاجِلَةِ.
وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ قَدْ ذُكِرَ تَفْسِيرُهُ مِرارًا، وبُيِّنَ فِيهِ أنَّ الإيمانَ في مُقابَلَتِهِ المَغْفِرَةُ فَلا يُؤَبَّدُ مُؤْمِنٌ في النّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ في مُقابَلَتِهِ الأجْرُ الكَبِيرُ.
فاطر 35:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ ذَكَرَ
صفحة ٦
ما يَمْنَعُ العاقِلَ مِنَ الِاغْتِرارِ، وقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ولا تَسْمَعُوا قَوْلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أيِ اعْمَلُوا ما يَسُوءُهُ وهو العَمَلُ الصّالِحُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ إشارَةً إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ مَن يَكُونُ لَهُ عَدُوٌّ فَلَهُ في أمْرِهِ طَرِيقانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُعادِيَهُ مُجازاةً لَهُ عَلى مُعاداتِهِ.
والثّانِي: أنْ يُذْهِبَ عَداوَتَهُ بِإرْضائِهِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ أمَرَهم بِالعَداوَةِ وأشارَ إلى أنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ إلّا هَذا، وأمّا الطَّرِيقُ الآخَرُ وهو الإرْضاءُ فَلا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّكم إذا راضَيْتُمُوهُ واتَّبَعْتُمُوهُ فَهو لا يُؤَدِّيكم إلّا إلى السَّعِيرِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ لَهُ عَدُوًّا لا مَهْرَبَ لَهُ مِنهُ وجَزَمَ بِذَلِكَ فَإنَّهُ يَقِفُ عِنْدَهُ ويَصْبِرُ عَلى قِتالِهِ، والصَّبْرُ مَعَهُ الظَّفَرُ، فَكَذَلِكَ الشَّيْطانُ لا يَقْدِرُ الإنْسانُ أنْ يَهْرُبَ مِنهُ فَإنَّهُ مَعَهُ، ولا يَزالُ يَتْبَعُهُ إلّا أنْ يَقِفَ لَهُ ويَهْزِمَهُ، فَهَزِيمَةُ الشَّيْطانِ بِعَزِيمَةِ الإنْسانِ، فالطَّرِيقُ الثَّباتُ عَلى الجادَّةِ والِاتِّكالُ عَلى العِبادَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ حِزْبِهِ وحالَ حِزْبِ اللَّهِ، فَقالَ:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ فالمُعادِي لِلشَّيْطانِ وإنْ كانَ في الحالِ في عَذابٍ ظاهِرٍ ولَيْسَ بِشَدِيدٍ، والإنْسانُ إذا كانَ عاقِلًا يَخْتارُ العَذابَ المُنْقَطِعَ اليَسِيرَ دَفْعًا لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ المُؤَبَّدِ ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذْ عَرَضَ في طَرِيقِهِ شَوْكٌ ونارٌ ولا يَكُونُ لَهُ بُدٌّ مِن أحَدِهِما يَتَخَطّى الشَّوْكَ ولا يَدْخُلُ النّارَ ونِسْبَةُ النّارِ الَّتِي في الدُّنْيا إلى النّارِ الَّتِي في الآخِرَةِ دُونَ نِسْبَةِ الشَّوْكِ إلى النّارِ العاجِلَةِ.
وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ قَدْ ذُكِرَ تَفْسِيرُهُ مِرارًا، وبُيِّنَ فِيهِ أنَّ الإيمانَ في مُقابَلَتِهِ المَغْفِرَةُ فَلا يُؤَبَّدُ مُؤْمِنٌ في النّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ في مُقابَلَتِهِ الأجْرُ الكَبِيرُ.
فاطر 35:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ .
يَعْنِي لَيْسَ مَن عَمِلَ سَيِّئًا كالَّذِي عَمِلَ صالِحًا، كَما قالَ بَعْدَ هَذا بِآياتٍ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ، ولَهُ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَهُ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُسِيءِ الكافِرِ والمُحْسِنِ المُؤْمِنِ، وما مِن أحَدٍ يَعْتَرِفُ بِأنَّهُ يَعْمَلُ سَيِّئًا إلّا قَلِيلٌ، فَكانَ الكافِرُ يَقُولُ: الَّذِي لَهُ العَذابُ الشَّدِيدُ هو الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْطانَ وهو مُحَمَّدٌ وقَوْمُهُ الَّذِينَ اسْتَهْوَتْهُمُ الجِنُّ فاتَّبَعُوها، والَّذِي لَهُ الأجْرُ العَظِيمُ نَحْنُ الَّذِينَ دُمْنا عَلى ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُنا فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَسْتُمْ أنْتُمْ بِذَلِكَ فَإنَّ المُحْسِنَ غَيْرٌ، ومَن زُيِّنَ لَهُ العَمَلُ السَّيِّئُ فَرَآهُ حَسَنًا غَيْرٌ، بَلِ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهُمُ السَّيِّئُ دُونَ مَن أساءَ وعَلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ فَإنَّ الجاهِلَ الَّذِي يَعْلَمُ جَهْلَهُ والمُسِيءَ الَّذِي يَعْلَمُ سُوءَ عَمَلِهِ يَرْجِعُ ويَتُوبُ والَّذِي لا يَعْلَمُ يُصِرُّ عَلى الذُّنُوبِ والمُسِيءُ العالِمُ لَهُ صِفَةُ ذَمٍّ بِالإساءَةِ وصِفَةُ مَدْحٍ بِالعِلْمِ. والمُسِيءُ الَّذِي يَرى الإساءَةَ إحْسانًا لَهُ صِفَتا ذَمٍّ: الإساءَةُ والجَهْلُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ أشْخاصُهم مُتَساوِيَةٌ في الحَقِيقَةِ، والإساءَةُ
صفحة ٧
والإحْسانُ، والسَّيِّئَةُ والحَسَنَةُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ فَإذا عَرَفَها البَعْضُ دُونَ البَعْضِ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِاسْتِقْلالٍ مِنهم، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِنادِ إلى إرادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ حَزِنَ مِن إصْرارِهِمْ بَعْدَ إتْيانِهِ بِكُلِّ آيَةٍ ظاهِرَةٍ وحُجَّةٍ باهِرَةٍ فَقالَ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ حُزْنَهُ إنْ كانَ لِما بِهِمْ مِنَ الضَّلالِ فاللَّهُ عالِمٌ بِهِمْ وبِما يَصْنَعُونَ لَوْ أرادَ إيمانَهم وإحْسانَهم لَصَدَّهم عَنِ الضَّلالِ ورَدَّهم عَنِ الإضْلالِ، وإنْ كانَ لِما بِهِ مِنهم مِنَ الإيذاءِ فاللَّهُ عالِمٌ بِفِعْلِهِ يُجازِيهِمْ عَلى ما يَصْنَعُونَ.
فاطر 35:9
ثُمَّ عادَ إلى البَيانِ فَقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .
هُبُوبُ الرِّياحِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ وذَلِكَ لِأنَّ الهَواءَ قَدْ يَسْكُنُ وقَدْ يَتَحَرَّكُ، وعِنْدَ حَرَكَتِهِ قَدْ يَتَحَرَّكُ إلى اليَمِينِ، وقَدْ يَتَحَرَّكُ إلى اليَسارِ، وفي حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ قَدْ يُنْشِئُ السَّحابَ، وقَدْ لا يُنْشِئُ، فَهَذِهِ الِاخْتِلافاتُ دَلِيلٌ عَلى مُسَخِّرٍ مُدَبِّرٍ ومُؤَثِّرٍ مُقَدِّرٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ﴾ بِلَفْظِ الماضِي وقالَ: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أسْنَدَ فِعْلَ الإرْسالِ إلى اللَّهِ وما يَفْعَلُ اللَّهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ كُنْ، فَلا يَبْقى في العَدَمِ لا زَمانًا ولا جُزْءًا مِنَ الزَّمانِ، فَلَمْ يَقُلْ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِوُجُوبِ وُقُوعِهِ وسُرْعَةِ كَوْنِهِ كَأنَّهُ كانَ وكَأنَّهُ فَرَغَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَهو قَدَّرَ الإرْسالَ في الأوْقاتِ المَعْلُومَةِ إلى المَواضِعِ المُعَيَّنَةِ، والتَّقْدِيرُ كالإرْسالِ، ولَمّا أسْنَدَ فِعْلَ الإثارَةِ إلى الرِّيحِ وهو يُؤَلَّفُ في زَمانٍ فَقالَ: ﴿تُثِيرُ﴾ أيْ عَلى هَيْئَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿أرْسَلَ﴾ إسْنادًا لِلْفِعْلِ إلى الغائِبِ وقالَ: ﴿سُقْناهُ﴾ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأحْيَيْنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ في الأوَّلِ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ وهو الإرْسالُ، ثُمَّ لَمّا عُرِفَ قالَ: أنا الَّذِي عَرَفْتَنِي سُقْتُ السَّحابَ وأحْيَيْتُ الأرْضَ، فَنَفْيُ الأوَّلِ كانَ تَعْرِيفًا بِالفِعْلِ العَجِيبِ، وفي الثّانِي كانَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ فَإنَّ كَمالَ نِعْمَةِ الرِّياحِ والسُّحُبِ بِالسَّوْقِ والإحْياءِ وقَوْلُهُ: ”سُقْناهُ وأحْيَيْنا“ بِصِيغَةِ الماضِي يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تُثِيرُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما وجْهُ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأرْضَ المَيِّتَةَ لَمّا قَبِلَتِ الحَياةَ اللّائِقَةَ بِها كَذَلِكَ الأعْضاءُ تَقْبَلُ الحَياةَ.
وثانِيها: كَما أنَّ الرِّيحَ يَجْمَعُ القِطَعَ السَّحابِيَّةَ كَذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ أجْزاءِ الأعْضاءِ وأبْعاضِ الأشْياءِ.
وثالِثُها: كَما أنّا نَسُوقُ الرِّيحَ والسَّحابَ إلى البَلَدِ المَيِّتِ نَسُوقُ الرُّوحَ والحَياةَ إلى البَدَنِ المَيِّتِ.
صفحة ٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ هَذِهِ الآيَةِ مِن بَيْنِ الآياتِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، فَنَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ السَّماوِيَّةِ الأرْواحَ وإرْسالَها بِقَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ الأرْضِيَّةِ الرِّياحَ وإرْسالَها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ .
فاطر 35:10
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ بُرْهانَ الإيمانِ إشارَةً إلى ما كانَ يَمْنَعُ الكُفّارَ مِنهُ وهو العِزَّةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي كانُوا يَتَوَهَّمُونَها مِن حَيْثُ إنَّهم ما كانُوا في طاعَةِ أحَدٍ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَن يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، فَكانُوا يَنْحِتُونَ الأصْنامَ وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ هَذِهِ آلِهَتُنا، ثُمَّ إنَّهم كانُوا يَنْقُلُونَها مَعَ أنْفُسِهِمْ، وأيَّةُ عِزَّةٍ فَوْقَ المَعِيَّةِ مَعَ المَعْبُودِ فَهم كانُوا يَطْلُبُونَ العِزَّةَ وهي عَدَمُ التَّذَلُّلِ لِلرَّسُولِ وتَرْكُ الِاتِّباعِ لَهُ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ بِهَذا الكُفْرِ العِزَّةَ في الحَقِيقَةِ، فَهي كُلُّها لِلَّهِ ومَن يَتَذَلَّلُ لَهُ فَهو العَزِيزُ، ومَن يَتَعَزَّزُ عَلَيْهِ فَهو الذَّلِيلُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فَقَوْلُهُ: ﴿جَمِيعًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنْ لا عِزَّةَ لِغَيْرِهِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ﴾ أيْ في الحَقِيقَةِ وبِالذّاتِ وقَوْلُهُ: ﴿ولِرَسُولِهِ﴾ أيْ بِواسِطَةِ القُرْبِ مِنَ العَزِيزِ وهو اللَّهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ قُرْبِهِمْ مِنَ العَزِيزِ بِاللَّهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ لِأنَّ عِزَّةَ المُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ تَقْرِيرٌ لِبَيانِ العِزَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ لا نَعْبُدُ مَن لا نَراهُ ولا نَحْضُرُ عِنْدَهُ؛ لِأنَّ البُعْدَ مِنَ المَلِكِ ذِلَّةٌ، فَقالَ تَعالى: إنْ كُنْتُمْ لا تَصِلُونَ إلَيْهِ، فَهو يَسْمَعُ كَلامَكم ويَقْبَلُ الطَّيِّبَ فَمَن قَبِلَ كَلامَهُ وصَعِدَ إلَيْهِ فَهو عَزِيزٌ ومَن رَدَّ كَلامَهُ في وجْهِهِ فَهو ذَلِيلٌ، وأمّا هَذِهِ الأصْنامُ لا يَتَبَيَّنُ عِنْدَها الذَّلِيلُ مِنَ العَزِيزِ إذْ لا عِلْمَ لَها فَكُلُّ أحَدٍ يَمَسُّها، وكَذَلِكَ يَرى عِلْمَكم فَمَن عَمِلَ صالِحًا رَفَعَهُ إلَيْهِ، ومَن عَمِلَ سَيِّئًا رَدَّهُ عَلَيْهِ فالعَزِيزُ مَنِ الَّذِي عَمَلُهُ لِوَجْهِهِ والذَّلِيلُ مَن يُدْفَعُ الَّذِي عَمِلَهُ في وجْهِهِ، وأمّا هَذِهِ الأصْنامُ فَلا تَعْلَمُ شَيْئًا فَلا عَزِيزَ يُرْفَعُ عِنْدَها ولا ذَلِيلَ، فَلا عِزَّةَ بِها بَلْ عَلَيْها ذِلَّةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ذِلَّةَ السَّيِّدِ ذِلَّةٌ لِلْعَبْدِ ومَن كانَ مَعْبُودُهُ ورَبُّهُ وإلَهُهُ حِجارَةً أوْ خَشَبًا ماذا يَكُونُ هو ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ هي الطَّيِّبَةُ.
وثانِيها: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ طَيِّبٌ.
ثالِثُها: هَذِهِ الكَلِماتُ الأرْبَعُ وخامِسَةٌ وهي تَبارَكَ اللَّهُ والمُخْتارُ أنَّ كُلَّ كَلامٍ هو ذِكْرُ اللَّهِ أوْ هو لِلَّهِ كالنَّصِيحَةِ والعِلْمِ، فَهو إلَيْهِ يَصْعَدُ.
صفحة ٩
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وفي الهاءِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هي عائِدَةٌ إلى الكَلِمِ الطَّيِّبِ؛ أيِ العَمَلُ الصّالِحُ هو الَّذِي يَرْفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، ورَدَ في الخَبَرِ: ”«لا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا بِلا عَمَلٍ» “ .
وثانِيهِما: هي عائِدَةٌ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، وعَلى هَذا في الفاعِلِ الرّافِعِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو الكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُ العَمَلَ الصّالِحَ، وهَذا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ (النَّحْلِ: ٩٧) ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ .
وثانِيهِما: الرّافِعُ هو اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما وجْهُ تَرْجِيحِ الذِّكْرِ عَلى العَمَلِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي حَيْثُ يَصْعَدُ الكَلِمُ بِنَفْسِهِ ويُرْفَعُ العَمَلُ بِغَيْرِهِ، فَنَقُولُ: الكَلامُ شَرِيفٌ، فَإنَّ امْتِيازَ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ حَيَوانٍ بِالنُّطْقِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠) أيْ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ، والعَمَلُ حَرَكَةٌ وسُكُونٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الإنْسانُ وغَيْرُهُ، والشَّرِيفُ إذا وصَلَ إلى بابِ المَلِكِ لا يُمْنَعُ ومَن دُونَهُ لا يَجِدُ الطَّرِيقَ إلّا عِنْدَ الطَّلَبِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الكافِرَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ إنْ كانَ عَنْ صِدْقٍ أمِنَ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ ظاهِرًا أمِنَ في نَفْسِهِ ودَمِهِ وأهْلِهِ وحَرَمِهِ في الدُّنْيا، ولا كَذَلِكَ العَمَلُ بِالجَوارِحِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ (النِّساءِ: ٥٧) .
ووَجْهٌ آخَرُ: القَلْبُ هو الأصْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: («ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» ) وما في القَلْبِ لا يَظْهَرُ إلّا بِاللِّسانِ، وما في اللِّسانِ لا يَتَبَيَّنُ صِدْقُهُ إلّا بِالفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ لا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إلّا عَنْ قَلْبٍ، وأمّا الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ لا عَنْ قَلْبٍ كالعَبَثِ بِاللِّحْيَةِ؛ ولِأنَّ النّائِمَ لا يَخْلُو عَنْ فِعْلٍ مِن حَرَكَةٍ وتَقَلُّبٍ، وهو في أكْثَرِ الأمْرِ لا يَتَكَلَّمُ في نَوْمِهِ إلّا نادِرًا، لِما ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ بِالقَلْبِ ولا كَذَلِكَ العَمَلُ، فالقَوْلُ أشْرَفُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْرُ لا يَتَعَدّى فَبِمَ انْتِصابُ السَّيِّئاتِ ؟ وقالَ بِأنَّ مَعْناهُ: الَّذِينَ يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، فَهو وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ المَكْرُ اسْتِعْمالَ العَمَلِ فَعَدّاهُ تَعْدِيَتَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٧) ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ السَّيِّئاتُ وصْفًا لِمَصْدَرٍ تَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ العَمَلاتِ السَّيِّئاتِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ هَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ إشارَةً إلى بَقائِهِ وارْتِقائِهِ ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ﴾ أيِ العَمَلُ السَّيِّئُ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ إشارَةٌ إلى فَنائِهِ.
فاطر 35:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الدَّلائِلَ مَعَ كَثْرَتِها وعَدَمِ دُخُولِها في عَدَدٍ مَحْصُورٍ مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ: دَلائِلِ الآفاقِ ودَلائِلِ الأنْفُسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَلَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ
صفحة ١٠
مِنَ السَّماواتِ، وما يُرْسَلُ مِنها مِنَ المَلائِكَةِ والأرْضِ، وما يُرْسَلُ فِيها مِنَ الرِّياحِ شَرَعَ في دَلائِلِ الأنْفُسِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ مِرارًا، وذَكَرْنا ما قِيلَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ آدَمَ ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ أوْلادِهِ، وبَيَّنّا أنَّ الكَلامَ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى هَذا التَّأْوِيلِ بَلْ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ النّاسِ وهم أوْلادُ آدَمَ كُلُّهم مِن تُرابٍ ومِن نُطْفَةٍ؛ لِأنَّ كُلَّهم مِن نُطْفَةٍ والنُّطْفَةَ مِن غِذاءٍ، والغِذاءَ بِالآخِرَةِ يَنْتَهِي إلى الماءِ والتُّرابِ، فَهو مِن تُرابٍ صارَ نُطْفَةً.
وقَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العَمَلِ، فَإنَّ ما في الأرْحامِ قَبْلَ الِانْخِلاقِ بَلْ بَعْدَهُ ما دامَ في البَطْنِ لا يَعْلَمُ حالَهُ أحَدٌ، كَيْفَ والأُمُّ الحامِلَةُ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ كَمالَ قُدْرَتِهِ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ كَمالَ عِلْمِهِ ثُمَّ بَيَّنَ نُفُوذَ إرادَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ هو القادِرُ العالِمُ المُرِيدُ والأصْنامُ لا قُدْرَةَ لَها ولا عِلْمَ ولا إرادَةَ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنها العِبادَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيِ الخَلْقَ مِنَ التُّرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّعْمِيرُ والنُّقْصانُ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ العِلْمَ بِما تَحْمِلُهُ الأُنْثى يَسِيرٌ والكُلُّ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، والأوَّلُ أشْبَهُ، فَإنَّ اليَسِيرَ اسْتِعْمالُهُ في الفِعْلِ ألْيَقُ.
فاطر 35:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ ضَرْبُ المَثَلِ في حَقِّ الكُفْرِ والإيمانِ أوِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فالإيمانُ لا يَشْتَبِهُ بِالكُفْرِ في الحُسْنِ والنَّفْعِ كَما لا يَشْتَبِهُ البَحْرانِ العَذْبُ الفُراتُ والمِلْحُ الأُجاجُ.
ثُمَّ عَلى هَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ لِبَيانِ أنَّ حالَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ أوِ الكُفْرِ والإيمانِ دُونَ حالِ البَحْرَيْنِ؛ لِأنَّ الأُجاجَ يُشارِكُ الفُراتَ في خَيْرٍ ونَفْعٍ إذِ اللَّحْمُ الطَّرِيُّ يُوجَدُ فِيهِما والحِلْيَةُ تُوجَدُ مِنهُما والفُلْكُ تَجْرِي فِيهِما، ولا نَفْعَ في الكُفْرِ والكافِرِ، وهَذا عَلى نَسَقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ (الأعْرافِ: ١٧٩) وقَوْلِهِ: ﴿كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ (البَقَرَةِ: ٧٤) والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ ذِكْرُ دَلِيلٍ آخَرَ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ البَحْرَيْنِ يَسْتَوِيانِ في الصُّورَةِ ويَخْتَلِفانِ في الماءِ، فَإنَّ أحَدَهُما عَذْبٌ فُراتٌ والآخَرَ مِلْحٌ أُجاجٌ، ولَوْ كانَ بِإيجابٍ لَما اخْتَلَفَ المُتَساوِياتُ، ثُمَّ إنَّهُما بَعْدَ اخْتِلافِهِما يُوجَدُ مِنهُما أُمُورٌ مُتَشابِهَةٌ، فَإنَّ اللَّحْمَ الطَّرِيَّ يُوجَدُ فِيهِما، والحِلْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُما، ومَن يُوجِدُ في المُتَشابِهَيْنِ اخْتِلافًا وفي المُخْتَلِفَيْنِ اشْتِباهًا لا يَكُونُ إلّا قادِرًا مُخْتارًا.
وقَوْلُهُ: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ اسْتِوائِهِما دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ إرادَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١١
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: لا يُقالُ في ماءِ البَحْرِ - إذا كانَ فِيهِ مُلُوحَةٌ -: مالِحٌ، وإنَّما يُقالُ لَهُ: مِلْحٌ، وقَدْ يُذْكَرُ في بَعْضِ كُتُبِ الفِقْهِ: يَصِيرُ بِها ماءُ البَحْرِ مالِحًا، ويُؤاخَذُ قائِلُهُ بِهِ، وهو أصَحُّ مِمّا يَذْهَبُ إلَيْهِ القَوْمُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الماءَ العَذْبَ إذا أُلْقِيَ فِيهِ مِلْحٌ حَتّى مَلُحَ لا يُقالُ لَهُ إلّا مالِحٌ، وماءٌ مِلْحٌ يُقالُ لِلْماءِ الَّذِي صارَ مِن أصْلِ خِلْقَتِهِ كَذَلِكَ، لِأنَّ المالِحَ شَيْءٌ فِيهِ مِلْحٌ ظاهِرٌ في الذَّوْقِ، والماءُ المِلْحُ لَيْسَ ماءً ومِلْحًا بِخِلافِ الطَّعامِ المالِحِ، فالماءُ العَذْبُ المُلْقى فِيهِ المِلْحُ ماءٌ فِيهِ مِلْحٌ ظاهِرٌ في الذَّوْقِ، بِخِلافِ ما هو مِن أصْلِ خِلْقَتِهِ كَذَلِكَ، فَلَمّا قالَ الفَقِيهُ: المِلْحُ أجْزاءٌ أرْضِيَّةٌ سَبِخَةٌ يَصِيرُ بِها ماءُ البَحْرِ مالِحًا راعى فِيهِ الأصْلَ، فَإنَّهُ جَعَلَهُ ماءً جاوَرَهُ مِلْحٌ، وأهْلُ اللُّغَةِ حَيْثُ قالُوا في البَحْرِ: ماؤُهُ مِلْحٌ جَعَلُوهُ كَذَلِكَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ، والأُجاجِ المُرِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ مِنَ الطَّيْرِ والسَّمَكِ وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ أيْ ماخِراتٍ تَمْخُرُ البَحْرَ بِالجَرَيانِ أيْ تَشُقُّ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الِاسْتِدْلالُ بِالبَحْرَيْنِ وما فِيهِما عَلى وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
فاطر 35:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ .
اسْتِدْلالٌ آخَرُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا، وذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ يَذْكُرُهُ المُشْرِكُونَ، وهو أنَّهم قالُوا: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِسَبَبِ اخْتِلافِ القِسِيِّ الواقِعَةِ فَوْقَ الأرْضِ وتَحْتَها، فَإنَّ في الصَّيْفِ تَمُرُ الشَّمْسُ عَلى سَمْتِ الرُّءُوسِ في بَعْضِ البِلادِ الماثِلَةِ في الآفاقِ، وحَرَكَةُ الشَّمْسِ هُناكَ حَمائِلِيَّةٌ فَتَقَعُ تَحْتَ الأرْضِ أقَلَّ مِن نِصْفِ دائِرَةٍ زَمانَ مُكْثِها تَحْتَ الأرْضِ، فَيَقْصُرُ اللَّيْلُ وفي الشِّتاءِ بِالضِّدِّ فَيَقْصُرُ النَّهارُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ يَعْنِي سَبَبَ الِاخْتِلافِ وإنْ كانَ ما ذَكَرْتُمْ، لَكِنَّ سَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِإرادَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ فَهو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ .
أيْ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ مِن فَطْرِ السَّماواتِ والأرْضِ وإرْسالِ الأرْواحِ وإرْسالِ الرِّياحِ وخَلْقِ الإنْسانِ مِن تُرابٍ وغَيْرِ ذَلِكَ لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ، فَلا مَعْبُودَ إلّا هو لِذاتِهِ الكامِلِ ولِكَوْنِهِ مَلِكًا، والمَلِكُ مَخْدُومٌ بِقَدْرِ مُلْكِهِ، فَإذا كانَ لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ فَلَهُ العِبادَةُ كُلُّها، ثُمَّ بَيَّنَ ما يُنافِي صِفَةَ الإلَهِيَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِنَفْسِهِ نَوْعَيْنِ مِنَ الأوْصافِ.
أحَدُهُما: إنَّ الخَلْقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ.
والثّانِي: المُلْكُ، واسْتُدِلَّ بِهِما عَلى أنَّهُ إلَهٌ مَعْبُودٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ (النّاسِ: ١ - ٣) ذَكَرَ الرَّبَّ والمَلِكَ ورَتَّبَ عَلَيْهِما كَوْنَهُ إلَهًا أيْ مَعْبُودًا، وذَكَرَ فِيمَن أشْرَكُوا
صفحة ١٢
بِهِ سَلْبَ صِفَةٍ واحِدَةٍ، وهو عَدَمُ المِلْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ سَلْبَ الوَصْفِ الآخَرِ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كُلَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا خالِقَ لَهم إلّا اللَّهُ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ أمْرَ الأرْضِ والأرْضِيّاتِ إلى الكَواكِبِ الَّتِي الأصْنامُ عَلى صُورَتِها وطَوالِعِها، فَقالَ: لا مِلْكَ لَهم ولا مَلَّكَهُمُ اللَّهُ شَيْئًا، ولا مَلَكُوا شَيْئًا.
وثانِيهِما: أنَّهُ يَلْزَمُ مِن عَدَمِ المِلْكِ عَدَمُ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَ شَيْئًا لَمَلَكَهُ، فَإذا لَمْ يَمْلِكْ قِطْمِيرًا ما خَلَقَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا.
فاطر 35:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .
إبْطالًا لِما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ عِزَّةٌ مِن حَيْثُ القُرْبِ مِنها والنَّظَرِ إلَيْها وعَرْضِ الحَوائِجِ عَلَيْها، واللَّهُ لا يَرى ولا يَصِلُ إلَيْهِ أحَدٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: لا يَسْمَعُونَ دُعاءَكم واللَّهُ يَصْعَدُ إلَيْهِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، فَيَسْمَعُ ويَقْبَلُ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ تِلْكَ الدَّرَجَةِ، وقالَ: هَبْ أنَّهم يَسْمَعُونَ كَما يَظُنُّونَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ الأصْنامَ تَسْمَعُ وتَعْلَمُ، ولَكِنْ ما كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: إنَّهم يُجِيبُونَ لِأنَّ ذَلِكَ إنْكارٌ لِلْمُحَسِّ بِهِ، وعَدَمَ سَماعِهِمْ إنْكارٌ لِلْمَعْقُولِ، والنِّزاعُ وإنْ كانَ يَقَعُ في المَعْقُولِ فَلا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في المُحَسِّ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: (﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ لَمّا بَيَّنَ عَدَمَ النَّفْعِ فِيهِمْ في الدُّنْيا بَيَّنَ عَدَمَ النَّفْعِ مِنهم في الآخِرَةِ، بَلْ أشارَ إلى وُجُودِ الضَّرَرِ مِنهم في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أيْ بِإشْراكِكم بِاللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] أيِ الإشْراكُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ الخَشَبَ والحَجَرَ يَوْمَ القِيامَةِ يَنْطِقُ ويُكَذِّبُ عابِدَهُ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ المُجَرَّدِ لَوْلا إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ مَعَ كَوْنِ الخَبَرِ عَنْهُ أمْرًا عَجِيبًا هو كَما قالَ؛ لِأنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ خَبِيرٌ.
وثانِيهِما: هو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِأحَدٍ، أيْ هَذا الَّذِي ذَكَرَ هو كَما قالَ: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ﴾ أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كُنْتَ ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .
فاطر 35:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ .
لَمّا كَثُرَ الدُّعاءُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ والإصْرارُ مِنَ الكُفّارِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَعَلَّهُ يَحْتاجُ إلى عِبادَتِنا حَتّى يَأْمُرَنا بِها أمْرًا بالِغًا ويُهَدِّدَنا عَلى تَرْكِها مُبالِغًا، فَقالَ تَعالى: ﴿أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَلا يَأْمُرُكم بِالعِبادَةِ لِاحْتِياجِهِ إلَيْكم، وإنَّما هو لِإشْفاقِهِ عَلَيْكم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّعْرِيفُ في الخَبَرِ قَلِيلٌ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً والمُبْتَدَأُ مَعْرِفَةً، وهو مَعْقُولٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُخْبِرَ لا يُخْبِرُ في الأكْثَرِ إلّا بِأمْرٍ لا يَكُونُ عِنْدَ المُخْبَرِ بِهِ عِلْمٌ أوْ في ظَنِّ المُتَكَلِّمِ أنَّ السّامِعَ لا عِلْمَ لَهُ
صفحة ١٣
بِهِ، ثُمَّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ حَتّى يَقُولَ لَهُ: أيُّها السّامِعُ الأمْرَ الَّذِي تَعْرِفُهُ أنْتَ فِيهِ المَعْنى الفُلانِيُّ، كَقَوْلِ القائِلِ: زَيْدٌ قائِمٌ أوْ قامَ أيْ زَيْدٌ الَّذِي تَعْرِفُهُ ثَبَتَ لَهُ قِيامٌ لا عِلْمَ عِنْدَكَ بِهِ، فَإنْ كانَ الخَبَرُ مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ، والمُبْتَدَأُ كَذَلِكَ، ويَقَعُ الخَبَرُ تَنْبِيهًا لا تَفْهِيمًا يَحْسُنُ تَعْرِيفُ الخَبَرِ غايَةَ الحُسْنِ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ رَبُّنا ومُحَمَّدٌ نَبِيُّنا، حَيْثُ عُرِفَ كَوْنُ اللَّهِ رَبًّا، وكَوْنُ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وهَهُنا لَمّا كانَ كَوْنُ النّاسِ فُقَراءَ أمْرًا ظاهِرًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ قالَ: ﴿أنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (إلّا اللَّهَ) إعْلامٌ بِأنَّهُ لا افْتِقارَ إلّا إلَيْهِ ولا اتِّكالَ إلّا عَلَيْهِ، وهَذا يُوجِبُ عِبادَتَهُ لِكَوْنِهِ مُفْتَقَرًا إلَيْهِ وعَدَمَ عِبادَةِ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الِافْتِقارِ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ﴾ أيْ هو مَعَ اسْتِغْنائِهِ يَدْعُوكم كُلَّ الدُّعاءِ، وأنْتُمْ مِنِ احْتِياجِكم لا تُجِيبُونَهُ ولا تَدْعُونَهُ فَيُجِيبُكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الحَمِيدُ﴾ لَمّا زادَ في الخَبَرِ الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ زِيادَةً، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى اللَّهِ﴾ إشارَةً لِوُجُوبِ حَصْرِ العِبادَةِ في عِبادَتِهِ زادَ في وصْفِهِ بِالغَنِيِّ زِيادَةً، وهو كَوْنُهُ حَمِيدًا إشارَةٌ إلى كَوْنِكم فُقَراءَ وفي مُقابَلَتِهِ اللَّهُ غَنِيٌّ، وفَقْرُكم إلَيْهِ في مُقابَلَةِ نِعَمِهِ عَلَيْكم لِكَوْنِهِ حَمِيدًا واجِبَ الشُّكْرِ، فَلَسْتُمْ أنْتُمْ فُقَراءَ واللَّهُ مِثْلَكم في الفَقْرِ بَلْ هو غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ولَسْتُمْ أنْتُمْ لَمّا افْتَقَرْتُمْ إلَيْهِ تَرَكَكم غَيْرَ مَقْضِيِّ الحاجاتِ، بَلْ قَضى في الدُّنْيا حَوائِجَكم، وإنْ آمَنتُمْ يَقْضِي في الآخِرَةِ حَوائِجَكم فَهو حَمِيدٌ.
فاطر 35:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بَيانًا لِغِناهُ وفِيهِ بَلاغَةٌ كامِلَةٌ، وبَيانُها أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ لَيْسَ إذْهابُكم مَوْقُوفًا إلّا عَلى مَشِيئَتِهِ بِخِلافِ الشَّيْءِ المُحْتاجِ إلَيْهِ، فَإنَّ المُحْتاجَ لا يَقُولُ فِيهِ: إنْ يَشَأْ فُلانٌ هَدَمَ دارَهُ وأعْدَمَ عَقارَهُ، وإنَّما يَقُولُ: لَوْلا حاجَةُ السُّكْنى إلى الدّارِ لَبِعْتُها، أوْ لَوْلا الِافْتِقارُ إلى العَقارِ لَتَرَكْتُها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ بَيانَ الِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يَعْنِي: إنْ كانَ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٍ أنَّ هَذا المَلِكَ لَهُ كَمالٌ وعَظَمَةٌ، فَلَوْ أذْهَبَهُ لَزالَ مُلْكُهُ وعَظَمَتُهُ، فَهو قادِرٌ بِأنْ يَخْلُقَ خَلْقًا جَدِيدًا أحْسَنَ مِن هَذا وأجْمَلَ وأتَمَّ وأكْمَلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيِ الإذْهابُ والإتْيانُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ: وهي أنَّ لَفْظَ العَزِيزِ اسْتَعْمَلَهُ اللَّهُ تَعالى تارَةً في القائِمِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ في حَقِّ نَفْسِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحْزابِ: ٢٥) وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطِرٍ: ٢٨) واسْتَعْمَلَهُ في القائِمِ بِغَيْرِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ وقالَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٨) فَهَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ أمْ بِمَعْنَيَيْنِ ؟ فَنَقُولُ: العَزِيزُ هو الغالِبُ في اللُّغَةِ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ مَن غَلَبَ سَلَبَ، فاللَّهُ عَزِيزٌ أيْ غالِبٌ، والفِعْلُ إذا كانَ لا يُطِيقُهُ شَخْصٌ يُقالُ هو مَغْلُوبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ لا يَغْلِبُ اللَّهَ ذَلِكَ الفِعْلُ، بَلْ هو هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ يُحْزِنُهُ ويُؤْذِيهِ كالشُّغْلِ الغالِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾
صفحة ١٤
مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ ذَكَرَ ما يَدْعُوهم إلى النَّظَرِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ ذَنْبَ نَفْسٍ، فالنَّبِيُّ ﷺ لَوْ كانَ كاذِبًا في دُعائِهِ لَكانَ مُذْنِبًا، وهو مُعْتَقِدٌ بِأنَّ ذَنْبَهُ لا تَحْمِلُونَهُ أنْتُمْ، فَهو يَتَوَقّى ويَحْتَرِزُ، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ فَقِيرٍ إلى عِبادَتِكم، فَتَفَكَّرُوا واعْلَمُوا أنَّكم إنْ ضَلَلْتُمْ فَلا يَحْمِلُ أحَدٌ عَنْكم وِزْرَكم ولَيْسَ كَما يَقُولُ أكابِرُكُمُ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٢) وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وازِرَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ وازِرَةٌ، ولَمْ يَقُلْ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرى، ولا جَمَعَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ، فَلَمْ يَقُلْ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وازِرَةٌ وِزْرَةَ أُخْرى لِفائِدَةٍ؛ أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لَوْ قالَ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرى لَمّا عَلِمَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ وازِرَةٍ مَهْمُومَةٍ بِهَمِّ وِزْرِها مُتَحَيِّرَةٍ في أمْرِها، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ قَوْلَ القائِلِ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرى، قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَها أنْ لا تَزِرَ وِزْرًا أصْلًا كالمَعْصُومِ لا يَزِرُ وِزْرَ غَيْرِهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يَزِرُ وِزْرًا رَأْسًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ بَيَّنَ أنَّها تَزِرُ وِزْرَها ولا تَزِرُ وِزْرَ الغَيْرِ، وأمّا تَرْكُ ذِكْرِ المَوْصُوفِ؛ فَلِظُهُورِ الصِّفَةِ ولُزُومِها لِلْمَوْصُوفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ أحَدًا لا يَحْمِلُ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا مُبْتَدِئًا ولا بَعْدَ السُّؤالِ، فَإنَّ المُحْتاجَ قَدْ يَصْبِرُ وتُقْضى حاجَتُهُ مِن غَيْرِ سُؤالِهِ، فَإذا انْتَهى الِافْتِقارُ إلى حَدِّ الكَمالِ يُحْوِجُهُ إلى السُّؤالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِما تَقَدَّمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فَيَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يَحْمِلُ عَنْ أحَدٍ لِكَوْنِ ذَلِكَ الواحِدِ قادِرًا عَلى حَمْلِهِ، كَما أنَّ القَوِيَّ إذا أخَذَ بِيَدِهِ رُمّانَةً أوْ سَفَرْجَلَةً لا تُحْمَلُ عَنْهُ، وأمّا إذا كانَ الحِمْلُ ثَقِيلًا قَدْ يُرْحَمُ الحامِلُ، فَيُحْمَلُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ يَعْنِي لَيْسَ عَدَمُ الوِزْرِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلرَّحْمَةِ بِالثِّقَلِ بَلْ لِكَوْنِ النَّفْسِ مُثْقَلَةً ولا يُحْمَلُ مِنها شَيْءٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زادَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيِ المَدْعُوُّ لَوْ كانَ ذا قُرْبى لا يَحْمِلُهُ، وفي الأوَّلِ كانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لا يَحْمِلُهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِهِ كالعَدُوِّ الَّذِي يَرى عَدُوَّهُ تَحْتَ ثِقَلٍ، أوِ الأجْنَبِيِّ الَّذِي يَرى أجْنَبِيًّا تَحْتَ حِمْلٍ لا يَحْمِلُ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ يَحْصُلُ جَمِيعُ المَعانِي الدّاعِيَةِ إلى الحَمْلِ مِن كَوْنِ النَّفْسِ وازِرَةً قَوِيَّةً تَحْتَمِلُ، وكَوْنِ الأُخْرى مُثْقَلَةً، لا يُقالُ: كَوْنُها قَوِيَّةً قادِرَةً لَيْسَ عَلَيْها حَمْلٌ، وكَوْنُها سائِلَةً داعِيَةً، فَإنَّ السُّؤالَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، لَوْ كانَ المَسْئُولُ قَرِيبًا، فَإذَنْ لا يَكُونُ التَّخَلُّفُ إلّا لِمانِعٍ وهو كَوْنُ كُلِّ نَفْسٍ تَحْتَ حِمْلٍ ثَقِيلٍ.
فاطر 35:17
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بَيانًا لِغِناهُ وفِيهِ بَلاغَةٌ كامِلَةٌ، وبَيانُها أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ لَيْسَ إذْهابُكم مَوْقُوفًا إلّا عَلى مَشِيئَتِهِ بِخِلافِ الشَّيْءِ المُحْتاجِ إلَيْهِ، فَإنَّ المُحْتاجَ لا يَقُولُ فِيهِ: إنْ يَشَأْ فُلانٌ هَدَمَ دارَهُ وأعْدَمَ عَقارَهُ، وإنَّما يَقُولُ: لَوْلا حاجَةُ السُّكْنى إلى الدّارِ لَبِعْتُها، أوْ لَوْلا الِافْتِقارُ إلى العَقارِ لَتَرَكْتُها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ بَيانَ الِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يَعْنِي: إنْ كانَ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٍ أنَّ هَذا المَلِكَ لَهُ كَمالٌ وعَظَمَةٌ، فَلَوْ أذْهَبَهُ لَزالَ مُلْكُهُ وعَظَمَتُهُ، فَهو قادِرٌ بِأنْ يَخْلُقَ خَلْقًا جَدِيدًا أحْسَنَ مِن هَذا وأجْمَلَ وأتَمَّ وأكْمَلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيِ الإذْهابُ والإتْيانُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ: وهي أنَّ لَفْظَ العَزِيزِ اسْتَعْمَلَهُ اللَّهُ تَعالى تارَةً في القائِمِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ في حَقِّ نَفْسِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحْزابِ: ٢٥) وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطِرٍ: ٢٨) واسْتَعْمَلَهُ في القائِمِ بِغَيْرِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ وقالَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٨) فَهَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ أمْ بِمَعْنَيَيْنِ ؟ فَنَقُولُ: العَزِيزُ هو الغالِبُ في اللُّغَةِ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ مَن غَلَبَ سَلَبَ، فاللَّهُ عَزِيزٌ أيْ غالِبٌ، والفِعْلُ إذا كانَ لا يُطِيقُهُ شَخْصٌ يُقالُ هو مَغْلُوبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ لا يَغْلِبُ اللَّهَ ذَلِكَ الفِعْلُ، بَلْ هو هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ يُحْزِنُهُ ويُؤْذِيهِ كالشُّغْلِ الغالِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾
صفحة ١٤
مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَقَّ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ ذَكَرَ ما يَدْعُوهم إلى النَّظَرِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ ذَنْبَ نَفْسٍ، فالنَّبِيُّ ﷺ لَوْ كانَ كاذِبًا في دُعائِهِ لَكانَ مُذْنِبًا، وهو مُعْتَقِدٌ بِأنَّ ذَنْبَهُ لا تَحْمِلُونَهُ أنْتُمْ، فَهو يَتَوَقّى ويَحْتَرِزُ، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ فَقِيرٍ إلى عِبادَتِكم، فَتَفَكَّرُوا واعْلَمُوا أنَّكم إنْ ضَلَلْتُمْ فَلا يَحْمِلُ أحَدٌ عَنْكم وِزْرَكم ولَيْسَ كَما يَقُولُ أكابِرُكُمُ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٢) وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وازِرَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ وازِرَةٌ، ولَمْ يَقُلْ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرى، ولا جَمَعَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ، فَلَمْ يَقُلْ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وازِرَةٌ وِزْرَةَ أُخْرى لِفائِدَةٍ؛ أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لَوْ قالَ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرى لَمّا عَلِمَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ وازِرَةٍ مَهْمُومَةٍ بِهَمِّ وِزْرِها مُتَحَيِّرَةٍ في أمْرِها، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ قَوْلَ القائِلِ: ولا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرى، قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَها أنْ لا تَزِرَ وِزْرًا أصْلًا كالمَعْصُومِ لا يَزِرُ وِزْرَ غَيْرِهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يَزِرُ وِزْرًا رَأْسًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ بَيَّنَ أنَّها تَزِرُ وِزْرَها ولا تَزِرُ وِزْرَ الغَيْرِ، وأمّا تَرْكُ ذِكْرِ المَوْصُوفِ؛ فَلِظُهُورِ الصِّفَةِ ولُزُومِها لِلْمَوْصُوفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ أحَدًا لا يَحْمِلُ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا مُبْتَدِئًا ولا بَعْدَ السُّؤالِ، فَإنَّ المُحْتاجَ قَدْ يَصْبِرُ وتُقْضى حاجَتُهُ مِن غَيْرِ سُؤالِهِ، فَإذا انْتَهى الِافْتِقارُ إلى حَدِّ الكَمالِ يُحْوِجُهُ إلى السُّؤالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِما تَقَدَّمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فَيَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يَحْمِلُ عَنْ أحَدٍ لِكَوْنِ ذَلِكَ الواحِدِ قادِرًا عَلى حَمْلِهِ، كَما أنَّ القَوِيَّ إذا أخَذَ بِيَدِهِ رُمّانَةً أوْ سَفَرْجَلَةً لا تُحْمَلُ عَنْهُ، وأمّا إذا كانَ الحِمْلُ ثَقِيلًا قَدْ يُرْحَمُ الحامِلُ، فَيُحْمَلُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ يَعْنِي لَيْسَ عَدَمُ الوِزْرِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلرَّحْمَةِ بِالثِّقَلِ بَلْ لِكَوْنِ النَّفْسِ مُثْقَلَةً ولا يُحْمَلُ مِنها شَيْءٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زادَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيِ المَدْعُوُّ لَوْ كانَ ذا قُرْبى لا يَحْمِلُهُ، وفي الأوَّلِ كانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لا يَحْمِلُهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِهِ كالعَدُوِّ الَّذِي يَرى عَدُوَّهُ تَحْتَ ثِقَلٍ، أوِ الأجْنَبِيِّ الَّذِي يَرى أجْنَبِيًّا تَحْتَ حِمْلٍ لا يَحْمِلُ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ يَحْصُلُ جَمِيعُ المَعانِي الدّاعِيَةِ إلى الحَمْلِ مِن كَوْنِ النَّفْسِ وازِرَةً قَوِيَّةً تَحْتَمِلُ، وكَوْنِ الأُخْرى مُثْقَلَةً، لا يُقالُ: كَوْنُها قَوِيَّةً قادِرَةً لَيْسَ عَلَيْها حَمْلٌ، وكَوْنُها سائِلَةً داعِيَةً، فَإنَّ السُّؤالَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، لَوْ كانَ المَسْئُولُ قَرِيبًا، فَإذَنْ لا يَكُونُ التَّخَلُّفُ إلّا لِمانِعٍ وهو كَوْنُ كُلِّ نَفْسٍ تَحْتَ حِمْلٍ ثَقِيلٍ.
فاطر 35:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ إشارَةً إلى أنْ لا إرْشادَ فَوْقَ ما أتَيْتُ بِهِ، ولَمْ يُفِدْهم، فَلا تُنْذِرُ إنْذارًا مُفِيدًا إلّا الَّذِينَ تَمْتَلِئُ قُلُوبُهم خَشْيَةً وتَتَحَلّى ظَواهِرُهم بِالعِبادَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ (النِّساءِ: ٥٧) إشارَةً إلى عَمَلِ القَلْبِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ (النِّساءِ: ٥٧) إشارَةً إلى عَمَلِ
صفحة ١٥
الظَّواهِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ في ذَلِكَ المَعْنى، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنْ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] بَيَّنَ أنَّ الحَسَنَةَ تَنْفَعُ المُحْسِنِينَ.
فَقالَ: ﴿ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَتَزْكِيَتُهُ لِنَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ أيِ المُتَزَكِّي إنْ لَمْ تَظْهَرْ فائِدَتُهُ عاجِلًا، فالمَصِيرُ إلى اللَّهِ يَظْهَرُ عِنْدَهُ في يَوْمِ اللِّقاءِ في دارِ البَقاءِ، والوازِرُ إنْ لَمْ تَظْهَرْ تَبِعَةُ وِزْرِهِ في الدُّنْيا، فَهي تَظْهَرُ في الآخِرَةِ إذِ المَصِيرُ إلى اللَّهِ.
فاطر 35:19
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ الهُدى والضَّلالَةَ ولَمْ يَهْتَدِ الكافِرُ، وهَدى اللَّهُ المُؤْمِنَ، ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِالبَصِيرِ والأعْمى، فالمُؤْمِنُ بَصِيرٌ حَيْثُ أبْصَرَ الطَّرِيقَ الواضِحَ، والكافِرُ أعْمى، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في تَكْثِيرِ الأمْثِلَةِ هَهُنا حَيْثُ ذَكَرَ: الأعْمى والبَصِيرَ، والظُّلْمَةَ والنُّورَ، والظِّلَّ والحَرُورَ، والأحْياءَ والأمْواتَ ؟ فَنَقُولُ:
الأوَّلُ مِثْلُ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُ بَصِيرٌ والكافِرُ أعْمى، ثُمَّ إنَّ البَصِيرَ وإنْ كانَ حَدِيدَ البَصَرِ، ولَكِنْ لا يُبْصِرُ شَيْئًا إنْ لَمْ يَكُنْ في ضَوْءٍ، فَذَكَرَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا، وقالَ: الإيمانُ نُورٌ والمُؤْمِنُ بَصِيرٌ والبَصِيرُ لا يَخْفى عَلَيْهِ النُّورُ، والكُفْرُ ظُلْمَةٌ والكافِرُ أعْمى فَلَهُ صادٌّ فَوْقَ صادٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ لِمَآلِهِما ومَرْجِعِهِما مَثَلًا وهو الظِّلُّ والحَرُورُ، فالمُؤْمِنُ بِإيمانِهِ في ظِلٍّ وراحَةٍ، والكافِرُ بِكُفْرِهِ في حَرٍّ وتَعَبٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ مَثَلًا آخَرَ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: حالُ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَوْقَ حالِ الأعْمى والبَصِيرِ، فَإنَّ الأعْمى يُشارِكُ البَصِيرَ في إدْراكٍ ما، والكافِرَ غَيْرُ مُدْرِكٍ إدْراكًا نافِعًا فَهو كالمَيِّتِ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى أعادَ الفِعْلَ حَيْثُ قالَ أوَّلًا: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وعَطَفَ الظُّلُماتِ والنُّورَ والظِّلَّ والحَرُورَ، ثُمَّ أعادَ الفِعْلَ، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ كَأنَّهُ جَعَلَ هَذا مُقابِلًا لِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَرَّرَ كَلِمَةَ النَّفْيِ بَيْنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ والأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمْ يُكَرِّرْ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ، والمُنافاةَ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ مُضادَّةٌ، فالظُّلْمَةُ تُنافِي النُّورَ وتُضادُّهُ والعَمى والبَصَرُ كَذَلِكَ، أمّا الأعْمى والبَصِيرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشَّخْصُ الواحِدُ قَدْ يَكُونُ بَصِيرًا وهو بِعَيْنِهِ يَصِيرُ أعْمى، فالأعْمى والبَصِيرُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما إلّا مِن حَيْثُ الوَصْفِ، والظِّلُّ والحَرُورُ المُنافاةُ بَيْنَهُما ذاتِيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الظِّلِّ عَدَمُ الحَرِّ والبَرْدِ، فَلَمّا كانَتِ المُنافاةُ هُناكَ أتَمَّ، أكَّدَ بِالتَّكْرارِ، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ، وإنْ كانُوا كالأعْمى والبَصِيرِ مِن حَيْثُ إنَّ الجِسْمَ الواحِدَ يَكُونُ حَيًّا مَحَلًّا لِلْحَياةِ، فَيَصِيرُ مَيِّتًا
صفحة ١٦
مَحَلًّا لِلْمَوْتِ ولَكِنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَيِّ والمَيِّتِ أتَمُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، كَما بَيَّنّا أنَّ الأعْمى والبَصِيرَ يَشْتَرِكانِ في إدْراكِ أشْياءَ، ولا كَذَلِكَ الحَيُّ والمَيِّتُ، كَيْفَ والمَيِّتُ يُخالِفُ الحَيَّ في الحَقِيقَةِ لا في الوَصْفِ عَلى ما تَبَيَّنَ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الأشْرَفَ في مَثَلَيْنِ وهو الظِّلُّ والحَرُورُ، وأخَّرَهُ في مَثَلَيْنِ وهو البَصَرُ والنُّورُ، وفي مِثْلِ هَذا يَقُولُ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ لِتَواخِي أواخِرِ الآيِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَواخِيَ الأواخِرِ راجِعٌ إلى السَّجْعِ، ومُعْجِزَةُ القُرْآنِ في المَعْنى لا في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، فالشّاعِرُ يُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ لِلسَّجْعِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ حامِلًا لَهُ عَلى تَغْيِيرِ المَعْنى، وأمّا القُرْآنُ فَحِكْمَةٌ بالِغَةٌ؛ والمَعْنى فِيهِ صَحِيحٌ واللَّفْظُ فَصِيحٌ، فَلا يُقَدِّمُ ولا يُؤَخِّرُ اللَّفْظَ بِلا مَعْنًى، فَنَقُولُ: الكُفّارُ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا في ضَلالَةٍ، فَكانُوا كالعُمْيِ وطَرِيقُهم كالظُّلْمَةِ، ثُمَّ لَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ وبَيَّنَ الحَقَّ، واهْتَدى بِهِ مِنهم قَوْمٌ فَصارُوا بَصِيرِينَ وطَرِيقَتُهم كالنُّورِ، فَقالَ: وما يَسْتَوِي مَن كانَ قَبْلَ البَعْثِ عَلى الكُفْرِ، ومَنِ اهْتَدى بَعْدَهُ إلى الإيمانِ، فَلَمّا كانَ الكُفْرُ قَبْلَ الإيمانِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكافِرُ قَبْلَ المُؤْمِنِ قَدَّمَ المُقَدَّمَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ المَآلَ والمَرْجِعَ قَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِالرَّحْمَةِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالغَضَبِ لِقَوْلِهِ في الإلَهِيّاتِ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، ثُمَّ إنَّ الكافِرَ المُصِرَّ بَعْدَ البَعْثَةِ صارَ أضَلَّ مِنَ الأعْمى وشابَهَ الأمْواتَ في عَدَمِ إدْراكِ الحَقِّ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ والأمْواتُ الَّذِينَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وهَؤُلاءِ كانُوا بَعْدَ إيمانِ مَن آمَنَ، فَأخَّرَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ لِوُجُودِ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَماتِ الكافِرِينَ المُعانِدِينَ، وقَدَّمَ الأعْمى عَلى البَصِيرِ لِوُجُودِ الكُفّارِ الضّالِّينَ قَبْلَ البَعْثَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُهْتَدِينَ بَعْدَها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قُلْتَ: قابَلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ الظِّلُّ بِالحَرُورِ، وقابَلَ الأحْياءَ بِالأمْواتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقابَلَ الظُّلُماتِ بِالنُّورِ بِلَفْظِ الجَمْعِ في أحَدِهِما والواحِدِ في الآخَرِ، فَهَلْ تَعْرِفُ فِيهِ حِكْمَةً ؟ قُلْتُ: نَعَمْ بِفَضْلِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ، أمّا في الأعْمى والبَصِيرِ والظِّلِّ والحَرُورِ، فَلِأنَّهُ قابَلَ الجِنْسَ بِالجِنْسِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأفْرادَ؛ لِأنَّ في العُمْيانِ وأُولِي الأبْصارِ قَدْ يُوجَدُ فَرْدٌ مِن أحَدِ الجِنْسَيْنِ يُساوِي فَرْدًا مِنَ الجِنْسِ الآخَرِ كالبَصِيرِ الغَرِيبِ في مَوْضِعٍ، والأعْمى الَّذِي هو تَرْبِيَةُ ذَلِكَ المَكانِ، وقَدْ يَقْدِرُ الأعْمى عَلى الوُصُولِ إلى مَقْصِدٍ ولا يَقْدِرُ البَصِيرُ عَلَيْهِ، أوْ يَكُونُ الأعْمى عِنْدَهُ مِنَ الذَّكاءِ ما يُساوِي بِهِ البَلِيدَ البَصِيرَ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَهُما في الجِنْسَيْنِ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَإنَّ جِنْسَ البَصِيرِ خَيْرٌ مِن جِنْسِ الأعْمى، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ فالتَّفاوُتُ بَيْنَهُما أكْثَرُ، إذْ ما مِن مَيِّتٍ يُساوِي في الإدْراكِ حَيًّا مِنَ الأحْياءِ، فَذَكَرَ أنَّ الأحْياءَ لا يُساوُونَ الأمْواتَ سَواءٌ قابَلْتَ الجِنْسَ بِالجِنْسِ أوْ قابَلْتَ الفَرْدَ بِالفَرْدِ، وأمّا الظُّلُماتُ والنُّورُ فالحَقُّ واحِدٌ وهو التَّوْحِيدُ، والباطِلُ كَثِيرٌ وهو طَرْقُ الإشْراكِ عَلى ما بَيَّنّا أنَّ بَعْضَهم يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، وبَعْضَهُمُ النّارَ، وبَعْضَهُمُ الأصْنامَ الَّتِي هي عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ، وإلى غَيْرِ ذَلِكَ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الأفْرادِ وبَيْنَ هَذا الواحِدِ بَيِّنٌ، فَقالَ: الظُّلُماتُ كُلُّها إذا اعْتَبَرْتَها لا تَجِدُ فِيها ما يُساوِي النُّورَ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ (الأنْعامِ: ١) السَّبَبَ في تَوْحِيدِ النُّورِ وجَمْعِ الظُّلُماتِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّ النُّورَ لا يَكُونُ إلّا بِوُجُودِ مُنَوِّرٍ، ومَحَلٍّ قابِلٍ لِلِاسْتِنارَةِ، وعَدَمِ الحائِلِ بَيْنَ النُّورِ والمُسْتَنِيرِ. مِثالُهُ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ وكانَ هُناكَ مَوْضِعٌ قابِلٌ لِلِاسْتِنارَةِ، وهو الَّذِي يُمْسِكُ الشُّعاعَ، فَإنَّ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ كُوَّةٌ يَدْخُلُ مِنها الشُّعاعُ إذا كانَ في مُقابَلَةِ الكُوَّةِ مَنفَذٌ يَخْرُجُ مِنهُ الشُّعاعُ
صفحة ١٧
ويَدْخُلُ بَيْتًا آخَرَ ويَبْسُطُ الشُّعاعَ عَلى أرْضِهِ يُرى البَيْتُ الثّانِي مُضِيئًا والأوَّلُ مُظْلِمًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ حائِلٌ كالبَيْتِ الَّذِي لا كُوَّةَ لَهُ فَإنَّهُ لا يُضِيءُ، فَإذا حَصَلَتِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ يَسْتَنِيرُ البَيْتُ، وإلّا فَلا تَتَحَقَّقُ الظُّلْمَةُ بِفَقْدِ أيِّ أمْرٍ كانَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.
فاطر 35:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ الهُدى والضَّلالَةَ ولَمْ يَهْتَدِ الكافِرُ، وهَدى اللَّهُ المُؤْمِنَ، ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِالبَصِيرِ والأعْمى، فالمُؤْمِنُ بَصِيرٌ حَيْثُ أبْصَرَ الطَّرِيقَ الواضِحَ، والكافِرُ أعْمى، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في تَكْثِيرِ الأمْثِلَةِ هَهُنا حَيْثُ ذَكَرَ: الأعْمى والبَصِيرَ، والظُّلْمَةَ والنُّورَ، والظِّلَّ والحَرُورَ، والأحْياءَ والأمْواتَ ؟ فَنَقُولُ:
الأوَّلُ مِثْلُ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُ بَصِيرٌ والكافِرُ أعْمى، ثُمَّ إنَّ البَصِيرَ وإنْ كانَ حَدِيدَ البَصَرِ، ولَكِنْ لا يُبْصِرُ شَيْئًا إنْ لَمْ يَكُنْ في ضَوْءٍ، فَذَكَرَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا، وقالَ: الإيمانُ نُورٌ والمُؤْمِنُ بَصِيرٌ والبَصِيرُ لا يَخْفى عَلَيْهِ النُّورُ، والكُفْرُ ظُلْمَةٌ والكافِرُ أعْمى فَلَهُ صادٌّ فَوْقَ صادٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ لِمَآلِهِما ومَرْجِعِهِما مَثَلًا وهو الظِّلُّ والحَرُورُ، فالمُؤْمِنُ بِإيمانِهِ في ظِلٍّ وراحَةٍ، والكافِرُ بِكُفْرِهِ في حَرٍّ وتَعَبٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ مَثَلًا آخَرَ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: حالُ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَوْقَ حالِ الأعْمى والبَصِيرِ، فَإنَّ الأعْمى يُشارِكُ البَصِيرَ في إدْراكٍ ما، والكافِرَ غَيْرُ مُدْرِكٍ إدْراكًا نافِعًا فَهو كالمَيِّتِ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى أعادَ الفِعْلَ حَيْثُ قالَ أوَّلًا: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وعَطَفَ الظُّلُماتِ والنُّورَ والظِّلَّ والحَرُورَ، ثُمَّ أعادَ الفِعْلَ، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ كَأنَّهُ جَعَلَ هَذا مُقابِلًا لِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَرَّرَ كَلِمَةَ النَّفْيِ بَيْنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ والأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمْ يُكَرِّرْ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ، والمُنافاةَ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ مُضادَّةٌ، فالظُّلْمَةُ تُنافِي النُّورَ وتُضادُّهُ والعَمى والبَصَرُ كَذَلِكَ، أمّا الأعْمى والبَصِيرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشَّخْصُ الواحِدُ قَدْ يَكُونُ بَصِيرًا وهو بِعَيْنِهِ يَصِيرُ أعْمى، فالأعْمى والبَصِيرُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما إلّا مِن حَيْثُ الوَصْفِ، والظِّلُّ والحَرُورُ المُنافاةُ بَيْنَهُما ذاتِيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الظِّلِّ عَدَمُ الحَرِّ والبَرْدِ، فَلَمّا كانَتِ المُنافاةُ هُناكَ أتَمَّ، أكَّدَ بِالتَّكْرارِ، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ، وإنْ كانُوا كالأعْمى والبَصِيرِ مِن حَيْثُ إنَّ الجِسْمَ الواحِدَ يَكُونُ حَيًّا مَحَلًّا لِلْحَياةِ، فَيَصِيرُ مَيِّتًا
صفحة ١٦
مَحَلًّا لِلْمَوْتِ ولَكِنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَيِّ والمَيِّتِ أتَمُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، كَما بَيَّنّا أنَّ الأعْمى والبَصِيرَ يَشْتَرِكانِ في إدْراكِ أشْياءَ، ولا كَذَلِكَ الحَيُّ والمَيِّتُ، كَيْفَ والمَيِّتُ يُخالِفُ الحَيَّ في الحَقِيقَةِ لا في الوَصْفِ عَلى ما تَبَيَّنَ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الأشْرَفَ في مَثَلَيْنِ وهو الظِّلُّ والحَرُورُ، وأخَّرَهُ في مَثَلَيْنِ وهو البَصَرُ والنُّورُ، وفي مِثْلِ هَذا يَقُولُ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ لِتَواخِي أواخِرِ الآيِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَواخِيَ الأواخِرِ راجِعٌ إلى السَّجْعِ، ومُعْجِزَةُ القُرْآنِ في المَعْنى لا في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، فالشّاعِرُ يُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ لِلسَّجْعِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ حامِلًا لَهُ عَلى تَغْيِيرِ المَعْنى، وأمّا القُرْآنُ فَحِكْمَةٌ بالِغَةٌ؛ والمَعْنى فِيهِ صَحِيحٌ واللَّفْظُ فَصِيحٌ، فَلا يُقَدِّمُ ولا يُؤَخِّرُ اللَّفْظَ بِلا مَعْنًى، فَنَقُولُ: الكُفّارُ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا في ضَلالَةٍ، فَكانُوا كالعُمْيِ وطَرِيقُهم كالظُّلْمَةِ، ثُمَّ لَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ وبَيَّنَ الحَقَّ، واهْتَدى بِهِ مِنهم قَوْمٌ فَصارُوا بَصِيرِينَ وطَرِيقَتُهم كالنُّورِ، فَقالَ: وما يَسْتَوِي مَن كانَ قَبْلَ البَعْثِ عَلى الكُفْرِ، ومَنِ اهْتَدى بَعْدَهُ إلى الإيمانِ، فَلَمّا كانَ الكُفْرُ قَبْلَ الإيمانِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكافِرُ قَبْلَ المُؤْمِنِ قَدَّمَ المُقَدَّمَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ المَآلَ والمَرْجِعَ قَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِالرَّحْمَةِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالغَضَبِ لِقَوْلِهِ في الإلَهِيّاتِ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، ثُمَّ إنَّ الكافِرَ المُصِرَّ بَعْدَ البَعْثَةِ صارَ أضَلَّ مِنَ الأعْمى وشابَهَ الأمْواتَ في عَدَمِ إدْراكِ الحَقِّ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ والأمْواتُ الَّذِينَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وهَؤُلاءِ كانُوا بَعْدَ إيمانِ مَن آمَنَ، فَأخَّرَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ لِوُجُودِ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَماتِ الكافِرِينَ المُعانِدِينَ، وقَدَّمَ الأعْمى عَلى البَصِيرِ لِوُجُودِ الكُفّارِ الضّالِّينَ قَبْلَ البَعْثَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُهْتَدِينَ بَعْدَها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قُلْتَ: قابَلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ الظِّلُّ بِالحَرُورِ، وقابَلَ الأحْياءَ بِالأمْواتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقابَلَ الظُّلُماتِ بِالنُّورِ بِلَفْظِ الجَمْعِ في أحَدِهِما والواحِدِ في الآخَرِ، فَهَلْ تَعْرِفُ فِيهِ حِكْمَةً ؟ قُلْتُ: نَعَمْ بِفَضْلِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ، أمّا في الأعْمى والبَصِيرِ والظِّلِّ والحَرُورِ، فَلِأنَّهُ قابَلَ الجِنْسَ بِالجِنْسِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأفْرادَ؛ لِأنَّ في العُمْيانِ وأُولِي الأبْصارِ قَدْ يُوجَدُ فَرْدٌ مِن أحَدِ الجِنْسَيْنِ يُساوِي فَرْدًا مِنَ الجِنْسِ الآخَرِ كالبَصِيرِ الغَرِيبِ في مَوْضِعٍ، والأعْمى الَّذِي هو تَرْبِيَةُ ذَلِكَ المَكانِ، وقَدْ يَقْدِرُ الأعْمى عَلى الوُصُولِ إلى مَقْصِدٍ ولا يَقْدِرُ البَصِيرُ عَلَيْهِ، أوْ يَكُونُ الأعْمى عِنْدَهُ مِنَ الذَّكاءِ ما يُساوِي بِهِ البَلِيدَ البَصِيرَ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَهُما في الجِنْسَيْنِ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَإنَّ جِنْسَ البَصِيرِ خَيْرٌ مِن جِنْسِ الأعْمى، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ فالتَّفاوُتُ بَيْنَهُما أكْثَرُ، إذْ ما مِن مَيِّتٍ يُساوِي في الإدْراكِ حَيًّا مِنَ الأحْياءِ، فَذَكَرَ أنَّ الأحْياءَ لا يُساوُونَ الأمْواتَ سَواءٌ قابَلْتَ الجِنْسَ بِالجِنْسِ أوْ قابَلْتَ الفَرْدَ بِالفَرْدِ، وأمّا الظُّلُماتُ والنُّورُ فالحَقُّ واحِدٌ وهو التَّوْحِيدُ، والباطِلُ كَثِيرٌ وهو طَرْقُ الإشْراكِ عَلى ما بَيَّنّا أنَّ بَعْضَهم يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، وبَعْضَهُمُ النّارَ، وبَعْضَهُمُ الأصْنامَ الَّتِي هي عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ، وإلى غَيْرِ ذَلِكَ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الأفْرادِ وبَيْنَ هَذا الواحِدِ بَيِّنٌ، فَقالَ: الظُّلُماتُ كُلُّها إذا اعْتَبَرْتَها لا تَجِدُ فِيها ما يُساوِي النُّورَ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ (الأنْعامِ: ١) السَّبَبَ في تَوْحِيدِ النُّورِ وجَمْعِ الظُّلُماتِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّ النُّورَ لا يَكُونُ إلّا بِوُجُودِ مُنَوِّرٍ، ومَحَلٍّ قابِلٍ لِلِاسْتِنارَةِ، وعَدَمِ الحائِلِ بَيْنَ النُّورِ والمُسْتَنِيرِ. مِثالُهُ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ وكانَ هُناكَ مَوْضِعٌ قابِلٌ لِلِاسْتِنارَةِ، وهو الَّذِي يُمْسِكُ الشُّعاعَ، فَإنَّ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ كُوَّةٌ يَدْخُلُ مِنها الشُّعاعُ إذا كانَ في مُقابَلَةِ الكُوَّةِ مَنفَذٌ يَخْرُجُ مِنهُ الشُّعاعُ
صفحة ١٧
ويَدْخُلُ بَيْتًا آخَرَ ويَبْسُطُ الشُّعاعَ عَلى أرْضِهِ يُرى البَيْتُ الثّانِي مُضِيئًا والأوَّلُ مُظْلِمًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ حائِلٌ كالبَيْتِ الَّذِي لا كُوَّةَ لَهُ فَإنَّهُ لا يُضِيءُ، فَإذا حَصَلَتِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ يَسْتَنِيرُ البَيْتُ، وإلّا فَلا تَتَحَقَّقُ الظُّلْمَةُ بِفَقْدِ أيِّ أمْرٍ كانَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.
فاطر 35:21
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ الهُدى والضَّلالَةَ ولَمْ يَهْتَدِ الكافِرُ، وهَدى اللَّهُ المُؤْمِنَ، ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِالبَصِيرِ والأعْمى، فالمُؤْمِنُ بَصِيرٌ حَيْثُ أبْصَرَ الطَّرِيقَ الواضِحَ، والكافِرُ أعْمى، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في تَكْثِيرِ الأمْثِلَةِ هَهُنا حَيْثُ ذَكَرَ: الأعْمى والبَصِيرَ، والظُّلْمَةَ والنُّورَ، والظِّلَّ والحَرُورَ، والأحْياءَ والأمْواتَ ؟ فَنَقُولُ:
الأوَّلُ مِثْلُ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُ بَصِيرٌ والكافِرُ أعْمى، ثُمَّ إنَّ البَصِيرَ وإنْ كانَ حَدِيدَ البَصَرِ، ولَكِنْ لا يُبْصِرُ شَيْئًا إنْ لَمْ يَكُنْ في ضَوْءٍ، فَذَكَرَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا، وقالَ: الإيمانُ نُورٌ والمُؤْمِنُ بَصِيرٌ والبَصِيرُ لا يَخْفى عَلَيْهِ النُّورُ، والكُفْرُ ظُلْمَةٌ والكافِرُ أعْمى فَلَهُ صادٌّ فَوْقَ صادٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ لِمَآلِهِما ومَرْجِعِهِما مَثَلًا وهو الظِّلُّ والحَرُورُ، فالمُؤْمِنُ بِإيمانِهِ في ظِلٍّ وراحَةٍ، والكافِرُ بِكُفْرِهِ في حَرٍّ وتَعَبٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ مَثَلًا آخَرَ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: حالُ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَوْقَ حالِ الأعْمى والبَصِيرِ، فَإنَّ الأعْمى يُشارِكُ البَصِيرَ في إدْراكٍ ما، والكافِرَ غَيْرُ مُدْرِكٍ إدْراكًا نافِعًا فَهو كالمَيِّتِ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى أعادَ الفِعْلَ حَيْثُ قالَ أوَّلًا: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وعَطَفَ الظُّلُماتِ والنُّورَ والظِّلَّ والحَرُورَ، ثُمَّ أعادَ الفِعْلَ، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ كَأنَّهُ جَعَلَ هَذا مُقابِلًا لِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَرَّرَ كَلِمَةَ النَّفْيِ بَيْنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ والأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمْ يُكَرِّرْ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ، والمُنافاةَ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ مُضادَّةٌ، فالظُّلْمَةُ تُنافِي النُّورَ وتُضادُّهُ والعَمى والبَصَرُ كَذَلِكَ، أمّا الأعْمى والبَصِيرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشَّخْصُ الواحِدُ قَدْ يَكُونُ بَصِيرًا وهو بِعَيْنِهِ يَصِيرُ أعْمى، فالأعْمى والبَصِيرُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما إلّا مِن حَيْثُ الوَصْفِ، والظِّلُّ والحَرُورُ المُنافاةُ بَيْنَهُما ذاتِيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الظِّلِّ عَدَمُ الحَرِّ والبَرْدِ، فَلَمّا كانَتِ المُنافاةُ هُناكَ أتَمَّ، أكَّدَ بِالتَّكْرارِ، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ، وإنْ كانُوا كالأعْمى والبَصِيرِ مِن حَيْثُ إنَّ الجِسْمَ الواحِدَ يَكُونُ حَيًّا مَحَلًّا لِلْحَياةِ، فَيَصِيرُ مَيِّتًا
صفحة ١٦
مَحَلًّا لِلْمَوْتِ ولَكِنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَيِّ والمَيِّتِ أتَمُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، كَما بَيَّنّا أنَّ الأعْمى والبَصِيرَ يَشْتَرِكانِ في إدْراكِ أشْياءَ، ولا كَذَلِكَ الحَيُّ والمَيِّتُ، كَيْفَ والمَيِّتُ يُخالِفُ الحَيَّ في الحَقِيقَةِ لا في الوَصْفِ عَلى ما تَبَيَّنَ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الأشْرَفَ في مَثَلَيْنِ وهو الظِّلُّ والحَرُورُ، وأخَّرَهُ في مَثَلَيْنِ وهو البَصَرُ والنُّورُ، وفي مِثْلِ هَذا يَقُولُ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ لِتَواخِي أواخِرِ الآيِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَواخِيَ الأواخِرِ راجِعٌ إلى السَّجْعِ، ومُعْجِزَةُ القُرْآنِ في المَعْنى لا في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، فالشّاعِرُ يُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ لِلسَّجْعِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ حامِلًا لَهُ عَلى تَغْيِيرِ المَعْنى، وأمّا القُرْآنُ فَحِكْمَةٌ بالِغَةٌ؛ والمَعْنى فِيهِ صَحِيحٌ واللَّفْظُ فَصِيحٌ، فَلا يُقَدِّمُ ولا يُؤَخِّرُ اللَّفْظَ بِلا مَعْنًى، فَنَقُولُ: الكُفّارُ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا في ضَلالَةٍ، فَكانُوا كالعُمْيِ وطَرِيقُهم كالظُّلْمَةِ، ثُمَّ لَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ وبَيَّنَ الحَقَّ، واهْتَدى بِهِ مِنهم قَوْمٌ فَصارُوا بَصِيرِينَ وطَرِيقَتُهم كالنُّورِ، فَقالَ: وما يَسْتَوِي مَن كانَ قَبْلَ البَعْثِ عَلى الكُفْرِ، ومَنِ اهْتَدى بَعْدَهُ إلى الإيمانِ، فَلَمّا كانَ الكُفْرُ قَبْلَ الإيمانِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكافِرُ قَبْلَ المُؤْمِنِ قَدَّمَ المُقَدَّمَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ المَآلَ والمَرْجِعَ قَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِالرَّحْمَةِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالغَضَبِ لِقَوْلِهِ في الإلَهِيّاتِ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، ثُمَّ إنَّ الكافِرَ المُصِرَّ بَعْدَ البَعْثَةِ صارَ أضَلَّ مِنَ الأعْمى وشابَهَ الأمْواتَ في عَدَمِ إدْراكِ الحَقِّ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ والأمْواتُ الَّذِينَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وهَؤُلاءِ كانُوا بَعْدَ إيمانِ مَن آمَنَ، فَأخَّرَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ لِوُجُودِ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَماتِ الكافِرِينَ المُعانِدِينَ، وقَدَّمَ الأعْمى عَلى البَصِيرِ لِوُجُودِ الكُفّارِ الضّالِّينَ قَبْلَ البَعْثَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُهْتَدِينَ بَعْدَها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قُلْتَ: قابَلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ الظِّلُّ بِالحَرُورِ، وقابَلَ الأحْياءَ بِالأمْواتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقابَلَ الظُّلُماتِ بِالنُّورِ بِلَفْظِ الجَمْعِ في أحَدِهِما والواحِدِ في الآخَرِ، فَهَلْ تَعْرِفُ فِيهِ حِكْمَةً ؟ قُلْتُ: نَعَمْ بِفَضْلِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ، أمّا في الأعْمى والبَصِيرِ والظِّلِّ والحَرُورِ، فَلِأنَّهُ قابَلَ الجِنْسَ بِالجِنْسِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأفْرادَ؛ لِأنَّ في العُمْيانِ وأُولِي الأبْصارِ قَدْ يُوجَدُ فَرْدٌ مِن أحَدِ الجِنْسَيْنِ يُساوِي فَرْدًا مِنَ الجِنْسِ الآخَرِ كالبَصِيرِ الغَرِيبِ في مَوْضِعٍ، والأعْمى الَّذِي هو تَرْبِيَةُ ذَلِكَ المَكانِ، وقَدْ يَقْدِرُ الأعْمى عَلى الوُصُولِ إلى مَقْصِدٍ ولا يَقْدِرُ البَصِيرُ عَلَيْهِ، أوْ يَكُونُ الأعْمى عِنْدَهُ مِنَ الذَّكاءِ ما يُساوِي بِهِ البَلِيدَ البَصِيرَ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَهُما في الجِنْسَيْنِ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَإنَّ جِنْسَ البَصِيرِ خَيْرٌ مِن جِنْسِ الأعْمى، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ فالتَّفاوُتُ بَيْنَهُما أكْثَرُ، إذْ ما مِن مَيِّتٍ يُساوِي في الإدْراكِ حَيًّا مِنَ الأحْياءِ، فَذَكَرَ أنَّ الأحْياءَ لا يُساوُونَ الأمْواتَ سَواءٌ قابَلْتَ الجِنْسَ بِالجِنْسِ أوْ قابَلْتَ الفَرْدَ بِالفَرْدِ، وأمّا الظُّلُماتُ والنُّورُ فالحَقُّ واحِدٌ وهو التَّوْحِيدُ، والباطِلُ كَثِيرٌ وهو طَرْقُ الإشْراكِ عَلى ما بَيَّنّا أنَّ بَعْضَهم يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، وبَعْضَهُمُ النّارَ، وبَعْضَهُمُ الأصْنامَ الَّتِي هي عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ، وإلى غَيْرِ ذَلِكَ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الأفْرادِ وبَيْنَ هَذا الواحِدِ بَيِّنٌ، فَقالَ: الظُّلُماتُ كُلُّها إذا اعْتَبَرْتَها لا تَجِدُ فِيها ما يُساوِي النُّورَ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ (الأنْعامِ: ١) السَّبَبَ في تَوْحِيدِ النُّورِ وجَمْعِ الظُّلُماتِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّ النُّورَ لا يَكُونُ إلّا بِوُجُودِ مُنَوِّرٍ، ومَحَلٍّ قابِلٍ لِلِاسْتِنارَةِ، وعَدَمِ الحائِلِ بَيْنَ النُّورِ والمُسْتَنِيرِ. مِثالُهُ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ وكانَ هُناكَ مَوْضِعٌ قابِلٌ لِلِاسْتِنارَةِ، وهو الَّذِي يُمْسِكُ الشُّعاعَ، فَإنَّ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ كُوَّةٌ يَدْخُلُ مِنها الشُّعاعُ إذا كانَ في مُقابَلَةِ الكُوَّةِ مَنفَذٌ يَخْرُجُ مِنهُ الشُّعاعُ
صفحة ١٧
ويَدْخُلُ بَيْتًا آخَرَ ويَبْسُطُ الشُّعاعَ عَلى أرْضِهِ يُرى البَيْتُ الثّانِي مُضِيئًا والأوَّلُ مُظْلِمًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ حائِلٌ كالبَيْتِ الَّذِي لا كُوَّةَ لَهُ فَإنَّهُ لا يُضِيءُ، فَإذا حَصَلَتِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ يَسْتَنِيرُ البَيْتُ، وإلّا فَلا تَتَحَقَّقُ الظُّلْمَةُ بِفَقْدِ أيِّ أمْرٍ كانَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.
فاطر 35:22
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ وفِيهِ احْتِمالُ مَعْنَيَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ كَوْنِ الكُفّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى سَماعِهِمْ كَلامَ النَّبِيِّ والوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ دُونَ حالِ المَوْتى، فَإنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ المَوْتى والنَّبِيَّ لا يُسْمِعُ مَن ماتَ وقُبِرَ، فالمَوْتى سامِعُونَ مِنَ اللَّهِ، والكُفّارُ كالمَوْتى لا يَسْمَعُونَ مِنَ النَّبِيِّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْلِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهم ولا يُسْمِعُهم، قالَ لَهُ هَؤُلاءِ: لا يُسْمِعُهم إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ صَخْرَةً صَمّاءَ، وأمّا أنْتَ فَلا تُسْمِعُ مَن في القُبُورِ، فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيانًا لِلتَّسْلِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَذِيرًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إنَّما هو نَذِيرٌ بِإذْنِ اللَّهِ وإرْسالِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ تَقْرِيرًا لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: لِتَسْلِيَةِ قَلْبِهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ كانَ مِثْلَهُ مُحْتَمِلًا لِتَأذِّي القَوْمِ.
وثانِيهِما: إلْزامُ القَوْمِ قَبُولَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وإنَّما هو مِثْلُ غَيْرِهِ يَدَّعِي ما ادَّعاهُ الرُّسُلُ ويُقَرِّرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
يَعْنِي أنْتَ جِئْتَهم بِالبَيِّنَةِ والكِتابِ فَكَذَّبُوكَ وآذَوْكَ، وغَيْرُكَ أيْضًا أتاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا بِكَ، وصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، فَكَذَلِكَ نُلْزِمُهم بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهم رُسُلًا إلّا بِالمُعْجِزاتِ البَيِّناتِ، وقَدْ آتَيْناها مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ والكُلُّ آتَيْناها مُحَمَّدًا، فَهو رَسُولٌ مِثْلُ الرُّسُلِ يَلْزَمُهم قَبُولُهُ كَما لَزِمَ قَبُولُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ، وهَذا يَكُونُ تَقْرِيرًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: البَيِّناتُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ وهي أدْنى الدَّرَجاتِ، ثُمَّ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَكُونُ فِيهِ مَواعِظُ وتَنْبِيهاتٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخٌ وأحْكامٌ مَشْرُوعَةٌ شَرْعًا ناسِخًا، ومَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ تَنْسَخُ شَرِيعَتُهُ الشَّرائِعَ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ فِيهِ أحْكامٌ عَلى وفْقِ
صفحة ١٨
الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ، فَهو مِن أُولِي العَزْمِ، فَقالَ الرُّسُلُ تُبَيِّنُ رِسالَتَهم بِالبَيِّناتِ، وإنْ كانُوا أعْلى مَرْتَبَةً فَبِالزُّبُرِ، وإنْ كانُوا أعْلى فَبِالكِتابِ، والنَّبِيُّ آتَيْناهُ الكُلَّ فَهو رَسُولٌ أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ لِكَوْنِ كِتابِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن كُلِّ كِتابٍ.
فاطر 35:23
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ وفِيهِ احْتِمالُ مَعْنَيَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ كَوْنِ الكُفّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى سَماعِهِمْ كَلامَ النَّبِيِّ والوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ دُونَ حالِ المَوْتى، فَإنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ المَوْتى والنَّبِيَّ لا يُسْمِعُ مَن ماتَ وقُبِرَ، فالمَوْتى سامِعُونَ مِنَ اللَّهِ، والكُفّارُ كالمَوْتى لا يَسْمَعُونَ مِنَ النَّبِيِّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْلِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهم ولا يُسْمِعُهم، قالَ لَهُ هَؤُلاءِ: لا يُسْمِعُهم إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ صَخْرَةً صَمّاءَ، وأمّا أنْتَ فَلا تُسْمِعُ مَن في القُبُورِ، فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيانًا لِلتَّسْلِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَذِيرًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إنَّما هو نَذِيرٌ بِإذْنِ اللَّهِ وإرْسالِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ تَقْرِيرًا لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: لِتَسْلِيَةِ قَلْبِهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ كانَ مِثْلَهُ مُحْتَمِلًا لِتَأذِّي القَوْمِ.
وثانِيهِما: إلْزامُ القَوْمِ قَبُولَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وإنَّما هو مِثْلُ غَيْرِهِ يَدَّعِي ما ادَّعاهُ الرُّسُلُ ويُقَرِّرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
يَعْنِي أنْتَ جِئْتَهم بِالبَيِّنَةِ والكِتابِ فَكَذَّبُوكَ وآذَوْكَ، وغَيْرُكَ أيْضًا أتاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا بِكَ، وصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، فَكَذَلِكَ نُلْزِمُهم بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهم رُسُلًا إلّا بِالمُعْجِزاتِ البَيِّناتِ، وقَدْ آتَيْناها مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ والكُلُّ آتَيْناها مُحَمَّدًا، فَهو رَسُولٌ مِثْلُ الرُّسُلِ يَلْزَمُهم قَبُولُهُ كَما لَزِمَ قَبُولُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ، وهَذا يَكُونُ تَقْرِيرًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: البَيِّناتُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ وهي أدْنى الدَّرَجاتِ، ثُمَّ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَكُونُ فِيهِ مَواعِظُ وتَنْبِيهاتٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخٌ وأحْكامٌ مَشْرُوعَةٌ شَرْعًا ناسِخًا، ومَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ تَنْسَخُ شَرِيعَتُهُ الشَّرائِعَ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ فِيهِ أحْكامٌ عَلى وفْقِ
صفحة ١٨
الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ، فَهو مِن أُولِي العَزْمِ، فَقالَ الرُّسُلُ تُبَيِّنُ رِسالَتَهم بِالبَيِّناتِ، وإنْ كانُوا أعْلى مَرْتَبَةً فَبِالزُّبُرِ، وإنْ كانُوا أعْلى فَبِالكِتابِ، والنَّبِيُّ آتَيْناهُ الكُلَّ فَهو رَسُولٌ أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ لِكَوْنِ كِتابِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن كُلِّ كِتابٍ.
فاطر 35:24
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ وفِيهِ احْتِمالُ مَعْنَيَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ كَوْنِ الكُفّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى سَماعِهِمْ كَلامَ النَّبِيِّ والوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ دُونَ حالِ المَوْتى، فَإنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ المَوْتى والنَّبِيَّ لا يُسْمِعُ مَن ماتَ وقُبِرَ، فالمَوْتى سامِعُونَ مِنَ اللَّهِ، والكُفّارُ كالمَوْتى لا يَسْمَعُونَ مِنَ النَّبِيِّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْلِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهم ولا يُسْمِعُهم، قالَ لَهُ هَؤُلاءِ: لا يُسْمِعُهم إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ صَخْرَةً صَمّاءَ، وأمّا أنْتَ فَلا تُسْمِعُ مَن في القُبُورِ، فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيانًا لِلتَّسْلِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَذِيرًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إنَّما هو نَذِيرٌ بِإذْنِ اللَّهِ وإرْسالِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ تَقْرِيرًا لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: لِتَسْلِيَةِ قَلْبِهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ كانَ مِثْلَهُ مُحْتَمِلًا لِتَأذِّي القَوْمِ.
وثانِيهِما: إلْزامُ القَوْمِ قَبُولَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وإنَّما هو مِثْلُ غَيْرِهِ يَدَّعِي ما ادَّعاهُ الرُّسُلُ ويُقَرِّرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
يَعْنِي أنْتَ جِئْتَهم بِالبَيِّنَةِ والكِتابِ فَكَذَّبُوكَ وآذَوْكَ، وغَيْرُكَ أيْضًا أتاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا بِكَ، وصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، فَكَذَلِكَ نُلْزِمُهم بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهم رُسُلًا إلّا بِالمُعْجِزاتِ البَيِّناتِ، وقَدْ آتَيْناها مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ والكُلُّ آتَيْناها مُحَمَّدًا، فَهو رَسُولٌ مِثْلُ الرُّسُلِ يَلْزَمُهم قَبُولُهُ كَما لَزِمَ قَبُولُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ، وهَذا يَكُونُ تَقْرِيرًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: البَيِّناتُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ وهي أدْنى الدَّرَجاتِ، ثُمَّ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَكُونُ فِيهِ مَواعِظُ وتَنْبِيهاتٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخٌ وأحْكامٌ مَشْرُوعَةٌ شَرْعًا ناسِخًا، ومَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ تَنْسَخُ شَرِيعَتُهُ الشَّرائِعَ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ فِيهِ أحْكامٌ عَلى وفْقِ
صفحة ١٨
الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ، فَهو مِن أُولِي العَزْمِ، فَقالَ الرُّسُلُ تُبَيِّنُ رِسالَتَهم بِالبَيِّناتِ، وإنْ كانُوا أعْلى مَرْتَبَةً فَبِالزُّبُرِ، وإنْ كانُوا أعْلى فَبِالكِتابِ، والنَّبِيُّ آتَيْناهُ الكُلَّ فَهو رَسُولٌ أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ لِكَوْنِ كِتابِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن كُلِّ كِتابٍ.
فاطر 35:25
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ وفِيهِ احْتِمالُ مَعْنَيَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ كَوْنِ الكُفّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى سَماعِهِمْ كَلامَ النَّبِيِّ والوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ دُونَ حالِ المَوْتى، فَإنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ المَوْتى والنَّبِيَّ لا يُسْمِعُ مَن ماتَ وقُبِرَ، فالمَوْتى سامِعُونَ مِنَ اللَّهِ، والكُفّارُ كالمَوْتى لا يَسْمَعُونَ مِنَ النَّبِيِّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْلِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهم ولا يُسْمِعُهم، قالَ لَهُ هَؤُلاءِ: لا يُسْمِعُهم إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ صَخْرَةً صَمّاءَ، وأمّا أنْتَ فَلا تُسْمِعُ مَن في القُبُورِ، فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيانًا لِلتَّسْلِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَذِيرًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إنَّما هو نَذِيرٌ بِإذْنِ اللَّهِ وإرْسالِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ تَقْرِيرًا لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: لِتَسْلِيَةِ قَلْبِهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ كانَ مِثْلَهُ مُحْتَمِلًا لِتَأذِّي القَوْمِ.
وثانِيهِما: إلْزامُ القَوْمِ قَبُولَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وإنَّما هو مِثْلُ غَيْرِهِ يَدَّعِي ما ادَّعاهُ الرُّسُلُ ويُقَرِّرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
يَعْنِي أنْتَ جِئْتَهم بِالبَيِّنَةِ والكِتابِ فَكَذَّبُوكَ وآذَوْكَ، وغَيْرُكَ أيْضًا أتاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا بِكَ، وصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، فَكَذَلِكَ نُلْزِمُهم بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهم رُسُلًا إلّا بِالمُعْجِزاتِ البَيِّناتِ، وقَدْ آتَيْناها مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ والكُلُّ آتَيْناها مُحَمَّدًا، فَهو رَسُولٌ مِثْلُ الرُّسُلِ يَلْزَمُهم قَبُولُهُ كَما لَزِمَ قَبُولُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ، وهَذا يَكُونُ تَقْرِيرًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: البَيِّناتُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ وهي أدْنى الدَّرَجاتِ، ثُمَّ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَكُونُ فِيهِ مَواعِظُ وتَنْبِيهاتٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخٌ وأحْكامٌ مَشْرُوعَةٌ شَرْعًا ناسِخًا، ومَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ تَنْسَخُ شَرِيعَتُهُ الشَّرائِعَ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ فِيهِ أحْكامٌ عَلى وفْقِ
صفحة ١٨
الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ، فَهو مِن أُولِي العَزْمِ، فَقالَ الرُّسُلُ تُبَيِّنُ رِسالَتَهم بِالبَيِّناتِ، وإنْ كانُوا أعْلى مَرْتَبَةً فَبِالزُّبُرِ، وإنْ كانُوا أعْلى فَبِالكِتابِ، والنَّبِيُّ آتَيْناهُ الكُلَّ فَهو رَسُولٌ أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ لِكَوْنِ كِتابِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن كُلِّ كِتابٍ.
فاطر 35:26
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
أيْ مَن كَذَّبَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ مِن قَبْلُ وبِالرَّسُولِ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكَذَلِكَ مَن يُكَذِّبُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ سُؤالٌ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّهم عَلِمُوا شِدَّةَ إنْكارِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإتْيانُهُ بِالأمْرِ المُنْكَرِ مِنَ الِاسْتِئْصالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ .
وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وفي تَفْسِيرِها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْبارِ، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وذَكَرَ الدَّلِيلَ المُتَقَدِّمَ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ وقالَ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ الماءِ أقْرَبُ إلى النَّفْعِ، والمَنفَعَةُ فِيهِ أظْهَرُ، فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ في الرُّؤْيَةِ أنَّ الماءَ مِنهُ حَياةُ الأرْضِ، فَعَظَّمَ دَلالَتَهُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلتَّقْرِيرِ لا يُقالُ إلّا في الشَّيْءِ الظّاهِرِ جِدًّا، كَما أنَّ مَن أبْصَرَ الهِلالَ وهو خَفِيٌ جِدًّا، فَقالَ لَهُ غَيْرُهُ: أيْنَ هو، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: في المَوْضِعِ الفُلانِيِّ، فَإنْ لَمْ يَرَهُ، يَقُولُ لَهُ: الحَقُّ مَعَكَ إنَّهُ خَفِيٌّ وأنْتَ مَعْذُورٌ، وإذا كانَ بارِزًا يَقُولُ لَهُ: أما تَراهُ، هَذا هو ظاهِرٌ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَما قَرَّرَ المَسْألَةَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وظَهَرَ بِما تَقَدَّمَ لِلْمَدْعُوِّ بِصارَةٌ بِوُجُوهِ الدَّلالاتِ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ صِرْتَ بَصِيرًا بِما ذَكَرْناهُ ولَمْ يَبْقَ لَكَ عُذْرٌ، ألا تَرى هَذِهِ الآيَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ مَن هو ؟ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: النَّبِيُّ ﷺ، وفِيهِ حِكْمَةٌ؛ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ، ولَمْ تَنْفَعْهم قَطَعَ الكَلامَ مَعَهم والتَفَتَ إلى غَيْرِهِمْ، كَما أنَّ السَّيِّدَ إذا نَصَحَ بَعْضَ العَبِيدِ، ومَنَعَهم مِنَ الفَسادِ ولا يَنْفَعُهُمُ الإرْشادُ، يَقُولُ لِغَيْرِهِ: اسْمَعْ ولا تَكُنْ مِثْلَ هَذا ويُكَرِّرُ مَعَهُ ما ذَكَرَهُ مَعَ الأوَّلِ، ويَكُونُ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأوَّلَ فِيهِ نَقِيصَةٌ لا يَسْتَأْهِلُ لِلْخِطابِ، فَيَتَنَبَّهُ لَهُ ويَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ النَّقِيصَةَ.
والآخَرُ: أنْ لا يَخْرُجَ إلى كَلامٍ أجْنَبِيٍّ عَنِ الأوَّلِ، بَلْ يَأْتِي بِما يُقارِبُهُ لِئَلّا يُسْمِعَ الأوَّلَ كَلامًا آخَرَ، فَيَتْرُكَ التَّفَكُّرَ فِيما كانَ فِيهِ مِنَ النَّصِيحَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا اسْتِدْلالٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ واخْتِيارِهِ حَيْثُ أخْرَجَ مِنَ الماءِ الواحِدِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفَةً، وفِيهِ لِطائِفُ:
الأُولى: قالَ: أنْزَلَ، وقالَ: أخْرَجْنا.
وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ ونُعِيدُها، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ فَإنْ كانَ جاهِلًا يَقُولُ: نُزُولُ الماءِ بِالطَّبْعِ لِثِقَلِهِ، فَيُقالُ لَهُ: فالإخْراجُ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ فِيهِ إنَّهُ بِالطَّبْعِ فَهو بِإرادَةِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ أظْهَرَ أسْنَدَهُ إلى المُتَكَلِّمِ.
ووَجْهٌ آخَرُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ عُلِمَ اللَّهُ بِدَلِيلٍ، وقَرُبَ المُتَفَكَّرُ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَصارَ مِنَ الحاضِرِينَ، فَقالَ لَهُ: أخْرَجْنا لِقُرْبِهِ.
ووَجْهٌ ثالِثٌ:
صفحة ١٩
الإخْراجُ أتَمُّ نِعْمَةً مِنَ الإنْزالِ، لِأنَّ الإنْزالَ لِفائِدَةِ الإخْراجِ، فَأسْنَدَ الأتَمَّ إلى نَفْسِهِ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ، وما دُونَهُ بِصِيغَةِ الغائِبِ.
فاطر 35:27
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
أيْ مَن كَذَّبَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ مِن قَبْلُ وبِالرَّسُولِ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكَذَلِكَ مَن يُكَذِّبُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ سُؤالٌ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّهم عَلِمُوا شِدَّةَ إنْكارِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإتْيانُهُ بِالأمْرِ المُنْكَرِ مِنَ الِاسْتِئْصالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ .
وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وفي تَفْسِيرِها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْبارِ، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وذَكَرَ الدَّلِيلَ المُتَقَدِّمَ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ وقالَ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ الماءِ أقْرَبُ إلى النَّفْعِ، والمَنفَعَةُ فِيهِ أظْهَرُ، فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ في الرُّؤْيَةِ أنَّ الماءَ مِنهُ حَياةُ الأرْضِ، فَعَظَّمَ دَلالَتَهُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلتَّقْرِيرِ لا يُقالُ إلّا في الشَّيْءِ الظّاهِرِ جِدًّا، كَما أنَّ مَن أبْصَرَ الهِلالَ وهو خَفِيٌ جِدًّا، فَقالَ لَهُ غَيْرُهُ: أيْنَ هو، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: في المَوْضِعِ الفُلانِيِّ، فَإنْ لَمْ يَرَهُ، يَقُولُ لَهُ: الحَقُّ مَعَكَ إنَّهُ خَفِيٌّ وأنْتَ مَعْذُورٌ، وإذا كانَ بارِزًا يَقُولُ لَهُ: أما تَراهُ، هَذا هو ظاهِرٌ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَما قَرَّرَ المَسْألَةَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وظَهَرَ بِما تَقَدَّمَ لِلْمَدْعُوِّ بِصارَةٌ بِوُجُوهِ الدَّلالاتِ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ صِرْتَ بَصِيرًا بِما ذَكَرْناهُ ولَمْ يَبْقَ لَكَ عُذْرٌ، ألا تَرى هَذِهِ الآيَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ مَن هو ؟ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: النَّبِيُّ ﷺ، وفِيهِ حِكْمَةٌ؛ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ، ولَمْ تَنْفَعْهم قَطَعَ الكَلامَ مَعَهم والتَفَتَ إلى غَيْرِهِمْ، كَما أنَّ السَّيِّدَ إذا نَصَحَ بَعْضَ العَبِيدِ، ومَنَعَهم مِنَ الفَسادِ ولا يَنْفَعُهُمُ الإرْشادُ، يَقُولُ لِغَيْرِهِ: اسْمَعْ ولا تَكُنْ مِثْلَ هَذا ويُكَرِّرُ مَعَهُ ما ذَكَرَهُ مَعَ الأوَّلِ، ويَكُونُ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأوَّلَ فِيهِ نَقِيصَةٌ لا يَسْتَأْهِلُ لِلْخِطابِ، فَيَتَنَبَّهُ لَهُ ويَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ النَّقِيصَةَ.
والآخَرُ: أنْ لا يَخْرُجَ إلى كَلامٍ أجْنَبِيٍّ عَنِ الأوَّلِ، بَلْ يَأْتِي بِما يُقارِبُهُ لِئَلّا يُسْمِعَ الأوَّلَ كَلامًا آخَرَ، فَيَتْرُكَ التَّفَكُّرَ فِيما كانَ فِيهِ مِنَ النَّصِيحَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا اسْتِدْلالٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ واخْتِيارِهِ حَيْثُ أخْرَجَ مِنَ الماءِ الواحِدِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفَةً، وفِيهِ لِطائِفُ:
الأُولى: قالَ: أنْزَلَ، وقالَ: أخْرَجْنا.
وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ ونُعِيدُها، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ فَإنْ كانَ جاهِلًا يَقُولُ: نُزُولُ الماءِ بِالطَّبْعِ لِثِقَلِهِ، فَيُقالُ لَهُ: فالإخْراجُ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ فِيهِ إنَّهُ بِالطَّبْعِ فَهو بِإرادَةِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ أظْهَرَ أسْنَدَهُ إلى المُتَكَلِّمِ.
ووَجْهٌ آخَرُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ عُلِمَ اللَّهُ بِدَلِيلٍ، وقَرُبَ المُتَفَكَّرُ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَصارَ مِنَ الحاضِرِينَ، فَقالَ لَهُ: أخْرَجْنا لِقُرْبِهِ.
ووَجْهٌ ثالِثٌ:
صفحة ١٩
الإخْراجُ أتَمُّ نِعْمَةً مِنَ الإنْزالِ، لِأنَّ الإنْزالَ لِفائِدَةِ الإخْراجِ، فَأسْنَدَ الأتَمَّ إلى نَفْسِهِ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ، وما دُونَهُ بِصِيغَةِ الغائِبِ.
فاطر 35:28
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ .
كَأنَّ قائِلًا قالَ: اخْتِلافُ الثَّمَراتِ لِاخْتِلافِ البِقاعِ. ألا تَرى أنَّ بَعْضَ النَّباتاتِ لا تَنْبُتُ بِبَعْضِ البِلادِ كالزَّعْفَرانِ وغَيْرِهِ، فَقالَ تَعالى: اخْتِلافُ البِقاعِ لَيْسَ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ، وإلّا فَلِمَ صارَ بَعْضُ الجِبالِ فِيهِ مَواضِعُ حُمْرٌ ومَواضِعُ بِيضٌ، والجُدَدُ جَمْعُ جُدَّةٍ وهي الخُطَّةُ أوِ الطَّرِيقَةُ، فَإنْ قِيلَ: الواوُ في: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ما تَقْدِيرُها ؟ نَقُولُ: هي تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قالَ تَعالى: وأخْرَجْنا بِالماءِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفَةَ الألْوانِ، وفي الأشْياءِ الكائِناتِ مِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ، رادَّةٌ عَلى مَن يُنْكِرُ الإرادَةَ في اخْتِلافِ ألْوانِ الثِّمارِ.
ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ تَقْدِيرُها: وخَلَقَ مِنَ الجِبالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ ذُو جُدَدٍ.
واللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الجِبالَ ولَمْ يَذْكُرِ الأرْضَ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٤) مَعَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الأوَّلِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كانَ نَفْسُ إخْراجِ الثِّمارِ دَلِيلًا عَلى القُدْرَةِ ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ بَيانًا وقالَ: مُخْتَلِفًا كَذَلِكَ في الجِبالِ في نَفْسِها دَلِيلٌ لِلْقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الجِبالِ في بَعْضِ نَواحِي الأرْضِ دُونَ بَعْضِها، والِاخْتِلافُ الَّذِي في هَيْئَةِ الجَبَلِ فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ أخْفَضَ وبَعْضَها أرْفَعَ دَلِيلُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا وقالَ: جُدَدٌ بِيضٌ أيْ مَعَ دَلالَتِها بِنَفْسِها هي دالَّةٌ بِاخْتِلافِ ألْوانِها، كَما أنَّ إخْراجَ الثَّمَراتِ في نَفْسِها دَلائِلُ واخْتِلافَ ألْوانِها دَلائِلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، الظّاهِرُ أنَّ الِاخْتِلافَ راجِعٌ إلى كُلِّ لَوْنٍ أيْ بِيضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، لِأنَّ الأبْيَضَ قَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ الجِصِّ، وقَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ التُّرابِ الأبْيَضِ دُونَ بَياضِ الجِصِّ، وكَذَلِكَ الأحْمَرُ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ البِيضَ والحُمْرَ مُخْتَلِفُ الألْوانِ لَكانَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ والأوَّلُ أوْلى، وعَلى هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ والسُّودِ، بَلْ ذَكَرَهُ بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ وأخَّرَ السُّودَ الغَرابِيبَ، لِأنَّ الأسْوَدَ لَمّا ذَكَرَهُ مَعَ المُؤَكَّدِ وهو الغَرابِيبُ يَكُونُ بالِغًا غايَةَ السَّوادِ فَلا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قِيلَ بِأنَّ الغِرْبِيبَ مُؤَكِّدٌ لِلْأسْوَدِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، والمُؤَكِّدُ لا يَجِيءُ إلّا مُتَأخِّرًا، فَكَيْفَ جاءَ غَرابِيبُ سُودٌ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَرابِيبُ مُؤَكِّدٌ لِذِي لَوْنٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَوادُ غَرابِيبَ، ثُمَّ أعادَ السُّودَ مَرَّةً أُخْرى وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ مُضْمَرًا ومُظْهَرًا، ومِنهم مَن قالَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ﴾ اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ دَلائِلَ الخَلْقِ في العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وهو عالَمُ المُرَكَّباتِ قِسْمَيْنِ: حَيَوانٌ
صفحة ٢٠
وغَيْرُ حَيَوانٍ، وغَيْرُ الحَيَوانِ إمّا نَباتٌ وإمّا مَعْدِنٌ، والنَّباتُ أشْرَفُ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَعْدِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَيَوانَ، وبَدَأ بِالأشْرَفِ مِنها وهو الإنْسانُ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّوابَّ، لِأنَّ مَنافِعَها في حَياتِها، والأنْعامَ مَنفَعَتُها في الأكْلِ مِنها، أوْ لِأنَّ الدّابَّةَ في العُرْفِ تُطْلَقُ عَلى الفَرَسِ وهو بَعْدَ الإنْسانِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ فَذُكِرَ لِكَوْنِ الإنْسانِ مِن جُمْلَةِ المَذْكُورِينَ، وكَوْنِ التَّذْكِيرِ أعْلى وأوْلى.
* *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .
الخَشْيَةُ بِقَدْرِ مَعْرِفَةِ المَخْشِيِّ، والعالِمُ يَعْرِفُ اللَّهَ فَيَخافُهُ ويَرْجُوهُ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العالِمَ أعْلى دَرَجَةً مِنَ العابِدِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ (الحُجُراتِ: ١٣) فَبَيَّنَ أنَّ الكَرامَةَ بِقَدْرِ التَّقْوى، والتَّقْوى بِقَدْرِ العِلْمِ.
فالكَرامَةُ بِقَدْرِ العِلْمِ لا بِقَدْرِ العَمَلِ، نَعَمِ العالِمُ إذا تَرَكَ العَمَلَ قَدَحَ ذَلِكَ في عِلْمِهِ، فَإنَّ مَن يَراهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمَ لَعَمِلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّجاءَ، فَكَوْنُهُ عَزِيزًا ذا انْتِقامٍ يُوجِبُ الخَوْفَ التّامَّ، وكَوْنُهُ غَفُورًا لِما دُونَ ذَلِكَ يُوجِبُ الرَّجاءَ البالِغَ. وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِنَصْبِ العُلَماءِ ورَفْعِ اللَّهِ، مَعْناها إنَّما يُعَظِّمُ ويُبَجِّلُ.
فاطر 35:29
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ .
كَأنَّ قائِلًا قالَ: اخْتِلافُ الثَّمَراتِ لِاخْتِلافِ البِقاعِ. ألا تَرى أنَّ بَعْضَ النَّباتاتِ لا تَنْبُتُ بِبَعْضِ البِلادِ كالزَّعْفَرانِ وغَيْرِهِ، فَقالَ تَعالى: اخْتِلافُ البِقاعِ لَيْسَ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ، وإلّا فَلِمَ صارَ بَعْضُ الجِبالِ فِيهِ مَواضِعُ حُمْرٌ ومَواضِعُ بِيضٌ، والجُدَدُ جَمْعُ جُدَّةٍ وهي الخُطَّةُ أوِ الطَّرِيقَةُ، فَإنْ قِيلَ: الواوُ في: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ما تَقْدِيرُها ؟ نَقُولُ: هي تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قالَ تَعالى: وأخْرَجْنا بِالماءِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفَةَ الألْوانِ، وفي الأشْياءِ الكائِناتِ مِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ، رادَّةٌ عَلى مَن يُنْكِرُ الإرادَةَ في اخْتِلافِ ألْوانِ الثِّمارِ.
ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ تَقْدِيرُها: وخَلَقَ مِنَ الجِبالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ ذُو جُدَدٍ.
واللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الجِبالَ ولَمْ يَذْكُرِ الأرْضَ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٤) مَعَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الأوَّلِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كانَ نَفْسُ إخْراجِ الثِّمارِ دَلِيلًا عَلى القُدْرَةِ ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ بَيانًا وقالَ: مُخْتَلِفًا كَذَلِكَ في الجِبالِ في نَفْسِها دَلِيلٌ لِلْقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الجِبالِ في بَعْضِ نَواحِي الأرْضِ دُونَ بَعْضِها، والِاخْتِلافُ الَّذِي في هَيْئَةِ الجَبَلِ فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ أخْفَضَ وبَعْضَها أرْفَعَ دَلِيلُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا وقالَ: جُدَدٌ بِيضٌ أيْ مَعَ دَلالَتِها بِنَفْسِها هي دالَّةٌ بِاخْتِلافِ ألْوانِها، كَما أنَّ إخْراجَ الثَّمَراتِ في نَفْسِها دَلائِلُ واخْتِلافَ ألْوانِها دَلائِلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، الظّاهِرُ أنَّ الِاخْتِلافَ راجِعٌ إلى كُلِّ لَوْنٍ أيْ بِيضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، لِأنَّ الأبْيَضَ قَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ الجِصِّ، وقَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ التُّرابِ الأبْيَضِ دُونَ بَياضِ الجِصِّ، وكَذَلِكَ الأحْمَرُ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ البِيضَ والحُمْرَ مُخْتَلِفُ الألْوانِ لَكانَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ والأوَّلُ أوْلى، وعَلى هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ والسُّودِ، بَلْ ذَكَرَهُ بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ وأخَّرَ السُّودَ الغَرابِيبَ، لِأنَّ الأسْوَدَ لَمّا ذَكَرَهُ مَعَ المُؤَكَّدِ وهو الغَرابِيبُ يَكُونُ بالِغًا غايَةَ السَّوادِ فَلا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قِيلَ بِأنَّ الغِرْبِيبَ مُؤَكِّدٌ لِلْأسْوَدِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، والمُؤَكِّدُ لا يَجِيءُ إلّا مُتَأخِّرًا، فَكَيْفَ جاءَ غَرابِيبُ سُودٌ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَرابِيبُ مُؤَكِّدٌ لِذِي لَوْنٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَوادُ غَرابِيبَ، ثُمَّ أعادَ السُّودَ مَرَّةً أُخْرى وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ مُضْمَرًا ومُظْهَرًا، ومِنهم مَن قالَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ﴾ اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ دَلائِلَ الخَلْقِ في العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وهو عالَمُ المُرَكَّباتِ قِسْمَيْنِ: حَيَوانٌ
صفحة ٢٠
وغَيْرُ حَيَوانٍ، وغَيْرُ الحَيَوانِ إمّا نَباتٌ وإمّا مَعْدِنٌ، والنَّباتُ أشْرَفُ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَعْدِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَيَوانَ، وبَدَأ بِالأشْرَفِ مِنها وهو الإنْسانُ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّوابَّ، لِأنَّ مَنافِعَها في حَياتِها، والأنْعامَ مَنفَعَتُها في الأكْلِ مِنها، أوْ لِأنَّ الدّابَّةَ في العُرْفِ تُطْلَقُ عَلى الفَرَسِ وهو بَعْدَ الإنْسانِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ فَذُكِرَ لِكَوْنِ الإنْسانِ مِن جُمْلَةِ المَذْكُورِينَ، وكَوْنِ التَّذْكِيرِ أعْلى وأوْلى.
* *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .
الخَشْيَةُ بِقَدْرِ مَعْرِفَةِ المَخْشِيِّ، والعالِمُ يَعْرِفُ اللَّهَ فَيَخافُهُ ويَرْجُوهُ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العالِمَ أعْلى دَرَجَةً مِنَ العابِدِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ (الحُجُراتِ: ١٣) فَبَيَّنَ أنَّ الكَرامَةَ بِقَدْرِ التَّقْوى، والتَّقْوى بِقَدْرِ العِلْمِ.
فالكَرامَةُ بِقَدْرِ العِلْمِ لا بِقَدْرِ العَمَلِ، نَعَمِ العالِمُ إذا تَرَكَ العَمَلَ قَدَحَ ذَلِكَ في عِلْمِهِ، فَإنَّ مَن يَراهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمَ لَعَمِلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّجاءَ، فَكَوْنُهُ عَزِيزًا ذا انْتِقامٍ يُوجِبُ الخَوْفَ التّامَّ، وكَوْنُهُ غَفُورًا لِما دُونَ ذَلِكَ يُوجِبُ الرَّجاءَ البالِغَ. وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِنَصْبِ العُلَماءِ ورَفْعِ اللَّهِ، مَعْناها إنَّما يُعَظِّمُ ويُبَجِّلُ.
فاطر 35:30
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ .
كَأنَّ قائِلًا قالَ: اخْتِلافُ الثَّمَراتِ لِاخْتِلافِ البِقاعِ. ألا تَرى أنَّ بَعْضَ النَّباتاتِ لا تَنْبُتُ بِبَعْضِ البِلادِ كالزَّعْفَرانِ وغَيْرِهِ، فَقالَ تَعالى: اخْتِلافُ البِقاعِ لَيْسَ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ، وإلّا فَلِمَ صارَ بَعْضُ الجِبالِ فِيهِ مَواضِعُ حُمْرٌ ومَواضِعُ بِيضٌ، والجُدَدُ جَمْعُ جُدَّةٍ وهي الخُطَّةُ أوِ الطَّرِيقَةُ، فَإنْ قِيلَ: الواوُ في: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ما تَقْدِيرُها ؟ نَقُولُ: هي تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قالَ تَعالى: وأخْرَجْنا بِالماءِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفَةَ الألْوانِ، وفي الأشْياءِ الكائِناتِ مِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ، رادَّةٌ عَلى مَن يُنْكِرُ الإرادَةَ في اخْتِلافِ ألْوانِ الثِّمارِ.
ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ تَقْدِيرُها: وخَلَقَ مِنَ الجِبالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ ذُو جُدَدٍ.
واللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الجِبالَ ولَمْ يَذْكُرِ الأرْضَ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٤) مَعَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الأوَّلِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كانَ نَفْسُ إخْراجِ الثِّمارِ دَلِيلًا عَلى القُدْرَةِ ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ بَيانًا وقالَ: مُخْتَلِفًا كَذَلِكَ في الجِبالِ في نَفْسِها دَلِيلٌ لِلْقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الجِبالِ في بَعْضِ نَواحِي الأرْضِ دُونَ بَعْضِها، والِاخْتِلافُ الَّذِي في هَيْئَةِ الجَبَلِ فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ أخْفَضَ وبَعْضَها أرْفَعَ دَلِيلُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا وقالَ: جُدَدٌ بِيضٌ أيْ مَعَ دَلالَتِها بِنَفْسِها هي دالَّةٌ بِاخْتِلافِ ألْوانِها، كَما أنَّ إخْراجَ الثَّمَراتِ في نَفْسِها دَلائِلُ واخْتِلافَ ألْوانِها دَلائِلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، الظّاهِرُ أنَّ الِاخْتِلافَ راجِعٌ إلى كُلِّ لَوْنٍ أيْ بِيضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، لِأنَّ الأبْيَضَ قَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ الجِصِّ، وقَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ التُّرابِ الأبْيَضِ دُونَ بَياضِ الجِصِّ، وكَذَلِكَ الأحْمَرُ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ البِيضَ والحُمْرَ مُخْتَلِفُ الألْوانِ لَكانَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ والأوَّلُ أوْلى، وعَلى هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ والسُّودِ، بَلْ ذَكَرَهُ بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ وأخَّرَ السُّودَ الغَرابِيبَ، لِأنَّ الأسْوَدَ لَمّا ذَكَرَهُ مَعَ المُؤَكَّدِ وهو الغَرابِيبُ يَكُونُ بالِغًا غايَةَ السَّوادِ فَلا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قِيلَ بِأنَّ الغِرْبِيبَ مُؤَكِّدٌ لِلْأسْوَدِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، والمُؤَكِّدُ لا يَجِيءُ إلّا مُتَأخِّرًا، فَكَيْفَ جاءَ غَرابِيبُ سُودٌ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَرابِيبُ مُؤَكِّدٌ لِذِي لَوْنٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَوادُ غَرابِيبَ، ثُمَّ أعادَ السُّودَ مَرَّةً أُخْرى وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ مُضْمَرًا ومُظْهَرًا، ومِنهم مَن قالَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ﴾ اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ دَلائِلَ الخَلْقِ في العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وهو عالَمُ المُرَكَّباتِ قِسْمَيْنِ: حَيَوانٌ
صفحة ٢٠
وغَيْرُ حَيَوانٍ، وغَيْرُ الحَيَوانِ إمّا نَباتٌ وإمّا مَعْدِنٌ، والنَّباتُ أشْرَفُ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَعْدِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَيَوانَ، وبَدَأ بِالأشْرَفِ مِنها وهو الإنْسانُ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّوابَّ، لِأنَّ مَنافِعَها في حَياتِها، والأنْعامَ مَنفَعَتُها في الأكْلِ مِنها، أوْ لِأنَّ الدّابَّةَ في العُرْفِ تُطْلَقُ عَلى الفَرَسِ وهو بَعْدَ الإنْسانِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ فَذُكِرَ لِكَوْنِ الإنْسانِ مِن جُمْلَةِ المَذْكُورِينَ، وكَوْنِ التَّذْكِيرِ أعْلى وأوْلى.
* *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .
الخَشْيَةُ بِقَدْرِ مَعْرِفَةِ المَخْشِيِّ، والعالِمُ يَعْرِفُ اللَّهَ فَيَخافُهُ ويَرْجُوهُ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العالِمَ أعْلى دَرَجَةً مِنَ العابِدِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ (الحُجُراتِ: ١٣) فَبَيَّنَ أنَّ الكَرامَةَ بِقَدْرِ التَّقْوى، والتَّقْوى بِقَدْرِ العِلْمِ.
فالكَرامَةُ بِقَدْرِ العِلْمِ لا بِقَدْرِ العَمَلِ، نَعَمِ العالِمُ إذا تَرَكَ العَمَلَ قَدَحَ ذَلِكَ في عِلْمِهِ، فَإنَّ مَن يَراهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمَ لَعَمِلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّجاءَ، فَكَوْنُهُ عَزِيزًا ذا انْتِقامٍ يُوجِبُ الخَوْفَ التّامَّ، وكَوْنُهُ غَفُورًا لِما دُونَ ذَلِكَ يُوجِبُ الرَّجاءَ البالِغَ. وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِنَصْبِ العُلَماءِ ورَفْعِ اللَّهِ، مَعْناها إنَّما يُعَظِّمُ ويُبَجِّلُ.
فاطر 35:31
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ العُلَماءَ بِاللَّهِ وخَشْيَتَهم وكَرامَتَهم بِسَبَبِ خَشْيَتِهِمْ ذَكَرَ العالِمِينَ بِكِتابِ اللَّهِ العامِلِينَ بِما فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الذِّكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ البَدَنِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ المالِيِّ، وفي الآيَتَيْنِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، فَقَوْلُهُ: إنَّما يَخْشى اللَّهَ إشارَةٌ إلى عَمَلِ القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عَمَلِ اللِّسانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى عَمَلِ الجَوارِحِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجانِبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَن يُعَظِّمُ مَلِكًا إذا رَأى عَبْدًا مِن عِبادِهِ في حاجَةٍ يَلْزَمُهُ قَضاءُ حاجَتِهِ، وإنْ تَهاوَنَ فِيهِ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَما عُدْتَنِي، فَيَقُولُ العَبْدُ: كَيْفَ تَمْرَضُ وأنْتَ رَبُّ
صفحة ٢١
العالَمِينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَرِضَ عَبْدِي فُلانٌ وما زُرْتَهُ، ولَوْ زُرْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَعْنِي: التَّعْظِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّفَقَةِ، فَحَيْثُ لا شَفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، لا تَعْظِيمَ لِجانِبِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ كَيْفَما يَتَهَيَّأُ، فَإنْ تَهَيَّأ سِرًّا فَذاكَ ونِعْمَ، وإلّا فَعَلانِيَةً، ولا يَمْنَعُهُ ظَنُّهُ أنْ يَكُونَ رِياءً، فَإنَّ تَرْكَ الخَيْرِ مَخافَةَ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ مُراءٍ عَيْنُ الرِّياءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا﴾ أيْ صَدَقَةً ﴿وعَلانِيَةً﴾ أيْ زَكاةً، فَإنَّ الإعْلانَ بِالزَّكاةِ كالإعْلانِ بِالفَرْضِ وهو مُسْتَحَبٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ إشارَةٌ إلى الإخْلاصِ، أيْ يُنْفِقُونَ لا لِيُقالَ إنَّهُ كَرِيمٌ ولا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ، فَإنَّ غَيْرَ اللَّهِ بائِرٌ، والتّاجِرُ فِيهِ تِجارَتُهُ بائِرَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَتَوَقَّعُونَهُ ولَوْ كانَ أمْرًا بالِغَ الغايَةِ ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يُعْطِيهِمْ ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ عِنْدَ العَمَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَزِيدُهُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَما جاءَ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ﴾ عِنْدَ إعْطاءِ الأُجُورِ ﴿شَكُورٌ﴾ عِنْدَ إعْطاءِ الزِّيادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو وُجُودُ اللَّهِ الواحِدِ بِأنْواعِ الدَّلائِلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ وهو الرِّسالَةُ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ وأيْضًا كَأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ تَقْرِيرًا لِما بَيَّنَ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في تِلاوَةِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، فَتالِيهِ مُحِقٌّ ومُحَقِّقٌ، وفي تَفْسِيرِها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما يُقالُ: أُرْسِلَ إلَيَّ كِتابٌ مِنَ الأمِيرِ أوِ الوالِي، وعَلى هَذا فالكِتابُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ يَعْنِي الَّذِي أوْحَيْنا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلَيْكَ حَقٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو القُرْآنُ يَعْنِي الإرْشادَ والتَّبْيِينَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْبَيانِ، كَما يُقالُ: أُرْسِلَ إلى فُلانٍ مِنَ الثِّيابِ والقُماشِ جُمْلَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَقٌّ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّ تَعْرِيفَ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ في الأكْثَرِ يَكُونُ نَكِرَةً، لِأنَّ الإخْبارَ في الغالِبِ يَكُونُ إعْلامًا بِثُبُوتِ أمْرٍ لا مَعْرِفَةَ لِلسّامِعِ بِهِ لِأمْرٍ يَعْرِفُهُ السّامِعُ، كَقَوْلِنا: زَيْدٌ قامَ، فَإنَّ السّامِعَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عارِفًا بِزَيْدٍ، ولا يَعْلَمُ قِيامَهُ فَيُخْبِرُ بِهِ، فَإذا كانَ الخَبَرُ أيْضًا مَعْلُومًا، فَيَكُونُ الإخْبارُ لِلتَّنْبِيهِ، فَيُعَرَّفانِ بِاللّامِ كَقَوْلِنا: زَيْدٌ العالِمُ في هَذِهِ المَدِينَةِ إذا كانَ عِلْمُهُ مَشْهُورًا.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا؛ لِأنَّ الحَقَّ إذا كانَ لا خِلافَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كُتُبِ اللَّهِ يَكُونُ خالِيًا عَنِ احْتِمالِ البُطْلانِ، وفي قَوْلِهِ: مُصَدِّقًا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ وحْيًا؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا كاتِبًا، وأتى بِبَيانِ ما في كُتُبِ اللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وجَوابًا عَنْ سُؤالِ الكُفّارِ، وهو أنَّهم كانُوا
صفحة ٢٢
يَقُولُونَ بِأنَّ التَّوْراةَ ورَدَ فِيها كَذا، والإنْجِيلَ ذُكِرَ فِيهِ كَذا، وكانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ التَّثْلِيثِ وغَيْرِهِ، وكانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ القُرْآنَ فِيهِ خِلافُ ذَلِكَ، فَقالَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَمْ يَبْقَ بِهِما وُثُوقٌ بِسَبَبِ تَغْيِيرِكم، فَهَذا القُرْآنُ ما ورَدَ فِيهِ إنْ كانَ في التَّوْراةِ فَهو حَقٌّ وباقٍ عَلى ما نَزَلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ويَكُونُ فِيهِ خِلافٌ فَهو لَيْسَ مِنَ التَّوْراةِ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الوَحْيَ مُصَدِّقٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الوَحْيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ لَكَذَبَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ في إنْزالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإذا وُجِدَ الوَحْيُ ونَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عُلِمَ جَوازُهُ وصُدِّقَ بِهِ ما تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَ القُرْآنَ مُصَدِّقًا لِما مَضى مَعَ أنَّ ما مَضى أيْضًا مُصَدِّقٌ لَهُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ إذا نَزَلَ عَلى واحِدٍ جازَ أنْ يَنْزِلَ عَلى غَيْرِهِ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، ولَمْ يَجْعَلْ ما تَقَدَّمَ مُصَدِّقًا لِلْقُرْآنِ لِأنَّ القُرْآنَ كَوْنُهُ مُعْجِزَةً يَكْفِي في تَصْدِيقِهِ بِأنَّهُ وحْيٌ، وأمّا ما تَقَدَّمَ فَلا بُدَّ مَعَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُهُ.
فاطر 35:32
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ هو الحَقَّ؛ لِأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ خَبِيرٌ عالِمٌ بِالبَواطِنِ بَصِيرٌ عالِمٌ بِالظَّواهِرِ، فَلا يَكُونُ باطِلًا في وحْيِهِ لا في الباطِنِ ولا في الظّاهِرِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ جَوابًا لِما كانُوا يَقُولُونَهُ: إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ، فَيُقالُ: إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ يَعْلَمُ بَواطِنَهم، وبَصِيرٌ يَرى ظَواهِرَهم، فاخْتارَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَخْتَرْ غَيْرَهُ فَهو أصْلَحُ مِنَ الكُلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ اتَّفَقَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا فالَّذِينَ اصْطَفَيْناهُمُ الَّذِينَ أخَذُوا بِالكِتابِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ والظّالِمُ والمُقْتَصِدُ والسّابِقُ كُلُّهم مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ (الرَّعْدِ: ٢٣) أخْبَرَ بِدُخُولِهِمُ الجَنَّةَ، وكَلِمَةُ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا﴾ أيْضًا تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الإيراثَ إذا كانَ بَعْدَ الإيحاءِ ولا كِتابَ بَعْدَ القُرْآنِ، فَهو المَوْرُوثُ والإيراثُ المُرادُ مِنهُ الإعْطاءُ بَعْدَ ذَهابِ مَن كانَ بِيَدِهِ المُعْطى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ هو جِنْسُ الكِتابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ (فاطِرٍ: ٢٥) والمَعْنى عَلى هَذا: إنّا أعْطَيْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا وهُمُ الأنْبِياءُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لَفْظَ المُصْطَفى عَلى الأنْبِياءِ إطْلاقُهُ كَثِيرٌ، ولا كَذَلِكَ عَلى غَيْرِهِمْ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن عِبادِنا﴾ دَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ أكابِرُ مُكْرَمُونَ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ المُصْطَفَيْنَ مِنهم أشْرَفُ مِنهم، ولا يَلِيقُ بِمَن يَكُونُ أشْرَفَ مِنَ الشُّرَفاءِ أنْ يَكُونَ ظالِمًا مَعَ أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ أطْلَقَهُ اللَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ عَلى الكافِرِ وسُمِّيَ الشِّرْكُ ظُلْمًا، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الظّاهِرِ بَيَّنَ مَعْناهُ: آتَيْنا القُرْآنَ لِمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وأخَذُوهُ مِنهُ وافْتَرَقُوا ﴿فَمِنهم ظالِمٌ﴾ وهو المُسِيءُ ﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ وهو الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ وهو الَّذِي أخْلَصَ العَمَلَ لِلَّهِ وجَرَّدَهُ عَنِ السَّيِّئاتِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالَ في حَقِّ مَن ذَكَرَ في حَقِّهِ أنَّهُ مِن عِبادِهِ وأنَّهُ مُصْطَفًى إنَّهُ ظالِمٌ، مَعَ أنَّ الظّالِمَ يُطْلَبُ عَلى الكافِرِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ؟ فَنَقُولُ: المُؤْمِنُ عِنْدَ المَعْصِيَةِ يَضَعُ
صفحة ٢٣
نَفْسَهُ في غَيْرِ مَوْضِعِها فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ حالَ المَعْصِيَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: («لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ» ) ويُصَحِّحُ هَذا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”ظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ“»، وقالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ مُصْطَفًى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ (الأعْرافِ: ٢٣) وأمّا الكافِرُ فَيَضَعُ قَلْبَهُ الَّذِي بِهِ اعْتِبارُ الجَسَدِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَهو ظالِمٌ عَلى الإطْلاقِ، وأمّا قَلْبُ المُؤْمِنِ فَمُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لا يَضَعُهُ في غَيْرِ التَّفَكُّرِ في آلاءِ اللَّهِ، ولا يَضَعُ فِيهِ غَيْرَ مَحَبَّةِ اللَّهِ، وفي المَراتِبِ الثَّلاثِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ:
أحَدُها: الظّالِمُ هو الرّاجِحُ السَّيِّئاتِ، والمُقْتَصِدُ هو الَّذِي تَساوَتْ سَيِّئاتُهُ وحَسَناتُهُ، والسّابِقُ هو الَّذِي تَرَجَّحَتْ حَسَناتُهُ.
ثانِيها: الظّالِمُ هو الَّذِي ظاهِرُهُ خَيْرٌ مِن باطِنِهِ، والمُقْتَصِدُ مَن تَساوى ظاهِرُهُ وباطِنُهُ، والسّابِقُ مِن باطِنِهِ خَيْرٌ.
ثالِثُها: الظّالِمُ هو المُوَحِّدُ بِلِسانِهِ الَّذِي تُخالِفُهُ جَوارِحُهُ، والمُقْتَصِدُ هو المُوَحِّدُ الَّذِي يَمْنَعُ جَوارِحَهُ مِنَ المُخالَفَةِ بِالتَّكْلِيفِ، والسّابِقُ هو المُوَحِّدُ الَّذِي يُنْسِيهِ التَّوْحِيدُ عَنِ التَّوْحِيدِ.
ورابِعُها: الظّالِمُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ، والمُقْتَصِدُ صاحِبُ الصَّغِيرَةِ، والسّابِقُ المَعْصُومُ.
خامِسُها: الظّالِمُ التّالِي لِلْقُرْآنِ غَيْرُ العالِمِ بِهِ والعامِلُ بِمُوجَبِهِ، والمُقْتَصِدُ التّالِي العالِمُ، والسّابِقُ التّالِي العالِمُ العامِلُ.
سادِسُها: الظّالِمُ الجاهِلُ والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ والسّابِقُ العالِمُ.
سابِعُها: الظّالِمُ أصْحابُ المَشْأمَةِ، والمُقْتَصِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ، والسّابِقُ السّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ.
ثامِنُها: الظّالِمُ الَّذِي يُحاسَبُ فَيَدْخُلُ النّارَ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحاسَبُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، والسّابِقُ الَّذِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن غَيْرِ حِسابٍ.
تاسِعُها: الظّالِمُ المُصِرُّ عَلى المَعْصِيَةِ، والمُقْتَصِدُ هو النّادِمُ والتّائِبُ، والسّابِقُ هو المَقْبُولُ التَّوْبَةِ.
عاشِرُها: الظّالِمُ الَّذِي أخَذَ القُرْآنَ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ، والسّابِقُ الَّذِي أخَذَهُ وعَمِلَ بِهِ وبَيَّنَ لِلنّاسِ العَمَلَ بِهِ، فَعَمِلُوا بِهِ بِقَوْلِهِ فَهو كامِلٌ ومُكَمِّلٌ، والمُقْتَصِدُ كامِلٌ والظّالِمُ ناقِصٌ، والمُخْتارُ هو أنَّ الظّالِمَ مَن خالَفَ فَتَرَكَ أوامِرَ اللَّهِ وارْتَكَبَ مَناهِيَهُ، فَإنَّهُ واضِعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والمُقْتَصِدُ هو المُجْتَهِدُ في تَرْكِ المُخالَفَةِ، وإنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِذَلِكَ وبَدَرَ مِنهُ ذَنْبٌ وصَدَرَ عَنْهُ إثْمٌ، فَإنَّهُ اقْتَصَدَ واجْتَهَدَ وقَصَدَ الحَقَّ، والسّابِقُ هو الَّذِي لَمْ يُخالِفْ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيِ اجْتَهَدَ ووُفِّقَ لِما اجْتَهَدَ فِيهِ، وفِيما اجْتَهَدَ فَهو سابِقٌ بِالخَيْرِ يَقَعُ في قَلْبِهِ فَيَسْبِقُ إلَيْهِ قَبْلَ تَسْوِيلِ النَّفْسِ، والمُقْتَصِدُ يَقَعُ في قَلْبِهِ فَتُرَدِّدُهُ النَّفْسُ، والظّالِمُ تَغْلِبُهُ النَّفْسُ، ونَقُولُ بِعِبارَةٍ أُخْرى: مَن غَلَبَتْهُ النَّفْسُ الأمّارَةُ وأمَرَتْهُ فَأطاعَها ظالِمٌ، ومَن جاهَدَ نَفْسَهُ فَغَلَبَ تارَةً وغُلِبَ أُخْرى فَهو المُقْتَصِدُ، ومَن قَهَرَ نَفْسَهُ فَهو السّابِقُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: التَّوْفِيقُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ .
ثانِيها: السَّبْقُ بِالخَيْراتِ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ.
ثالِثُها: الإيراثُ فَضْلٌ كَبِيرٌ هَذا عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ مِنَ التَّفْسِيرِ، أمّا الوَجْهُ الآخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ (فاطِرٍ: ٢٥) يَرُدُّ عَلَيْهِ أسْئِلَةٌ:
أحَدُها: ثُمَّ لِلتَّراخِي وإيتاءِ الكِتابِ بَعْدَ الإيحاءِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ، فَما المُرادُ بِكَلِمَةِ ثُمَّ ؟ نَقُولُ: مَعْناهُ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بَصِيرٌ خَبَّرَهم وأبْصَرَهم ثُمَّ أوْرَثَهُمُ الكِتابَ؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: إنّا عَلِمْنا البَواطِنَ وأبْصَرْنا الظَّواهِرَ، فاصْطَفَيْنا عِبادًا ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ .
ثانِيها: كَيْفَ يَكُونُ مِنَ الأنْبِياءِ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ؟ نَقُولُ: مِنهم غَيْرُ راجِعٍ إلى الأنْبِياءِ المُصْطَفَيْنَ، بَلِ المَعْنى: إنَّ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هو الحَقُّ وأنْتَ المُصْطَفى كَما اصْطَفَيْنا رُسُلًا وآتَيْناهم كُتُبًا، ومِنهم أيْ مِن قَوْمِكَ ظالِمٌ كَفَرَ بِكَ وبِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ومُقْتَصِدٌ آمَنَ بِكَ ولَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِ ما أمَرْتُهُ بِهِ، وسابِقٌ آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ الدّاخِلُونَ هُمُ المَذْكُورُونَ، وعَلى ما ذَكَرْتُمْ لا يَكُونُ الظّالِمُ داخِلًا، نَقُولُ: الدّاخِلُونَ هُمُ السّابِقُونَ، وأمّا المُقْتَصِدُ فَأمْرُهُ مَوْقُوفٌ أوْ هو يَدْخُلُ النّارَ أوْ لا ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، والبَيانُ لِأوَّلِ
صفحة ٢٤
الأمْرِ لا لِما بَعْدَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ (فاطِرٍ: ٣٤) .
فاطر 35:33
ثُمَّ قالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ .
وفِي الدّاخِلِينَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الأقْسامُ الثَّلاثَةُ، وهي عَلى قَوْلِنا: إنَّ الظّالِمَ والمُقْتَصِدَ والسّابِقَ أقْسامُ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ.
والثّالِثُ: هُمُ السّابِقُونَ وهو أقْوى لِقُرْبِ ذِكْرِهِمْ؛ ولِأنَّهُ ذَكَرَ إكْرامَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ فالمُكَرَّمُ هو السّابِقُ، وعَلى هَذا فِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: تَقْدِيمُ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ عَنْهُ مُوافِقٌ لِتَرْتِيبِ المَعْنى إذا كانَ المَفْعُولُ حَقِيقِيًّا، كَقَوْلِنا: ﴿اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٩) وقَوْلِ القائِلِ: زَيْدٌ بَنى الجِدارَ، فَإنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ لَهُ فِعْلٌ هو الخَلْقُ، ثُمَّ حَصَلَ بِهِ المَفْعُولُ وهو السَّماواتُ، وكَذَلِكَ زَيْدٌ قَبْلَ البِناءِ ثُمَّ الجِدارُ مِن بِنائِهِ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَفْعُولُ حَقِيقِيًّا، كَقَوْلِنا: زَيْدٌ دَخَلَ الدّارَ وضَرَبَ عَمْرًا فَإنَّ الدّارَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ مَفْعُولًا لِلدّاخِلِ وإنَّما فِعْلٌ مِن أفْعالِهِ تَحَقَّقَ بِالنِّسْبَةِ إلى الدّارِ، وكَذَلِكَ عَمْرٌو فِعْلٌ مِن أفْعالِ زَيْدٍ تَعَلَّقَ بِهِ فَسُمِّيَ مَفْعُولًا لا يَحْصُلُ هَذا التَّرْتِيبُ، ولَكِنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ، ولِهَذا يُعادُ المَفْعُولُ المُقَدَّمُ بِالضَّمِيرِ، تَقُولُ: عَمْرًا ضَرَبَهُ زَيْدٌ، فَتُوقِعُهُ بَعْدَ الفِعْلِ بِالهاءِ العائِدَةِ إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَطُولُ الكَلامُ فَلا يَخْتارُهُ الحَكِيمُ إلّا لِفائِدَةٍ، فَما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ الجَنّاتِ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّخُولُ، وإعادَةُ ذِكْرُها بِالهاءِ في يَدْخُلُونَها، وما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِ القائِلِ يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ ؟ نَقُولُ: السّامِعُ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ مَدْخَلًا مِنَ المَداخِلِ ولَهُ دُخُولٌ ولَمْ يَعْلَمْ عَيْنَ المَدْخَلِ، فَإذا قِيلَ لَهُ: أنْتَ تَدْخُلُ، فَإلى أنْ يَسْمَعَ الدّارَ أوِ السُّوقَ يَبْقى مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِأنَّهُ في أيِّ المَداخِلِ يَكُونُ، فَإذا قِيلَ لَهُ: دارَ زَيْدٍ تَدْخُلُها، فَبِذِكْرِ الدّارِ يَعْلَمُ مَدْخَلَهُ وبِما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ السّابِقِ بِأنَّ لَهُ دُخُولًا يَعْلَمُ الدُّخُولَ، فَلا يَبْقى لَهُ تَوَقُّفٌ ولا سِيَّما الجَنَّةُ والنّارُ، فَإنَّ بَيْنَ المَدْخَلَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الدُّخُولِ فَإنَّ التَّحْلِيَةَ لَوْ وقَعَتْ خارِجًا لَكانَ فِيهِ تَأْخِيرُ الدُّخُولِ، فَقالَ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ وفِيها تَقَعُ تَحْلِيَتُهم.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن أساوِرَ﴾ بِجَمْعِ الجَمْعِ فَإنَّهُ جَمَعَ أسْوِرَةً وهي جَمْعُ سِوارٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإكْثارَ مِنَ اللِّباسِ يَدُلُّ عَلى حاجَةٍ مِن دَفْعِ بَرْدٍ أوْ غَيْرِهِ، والإكْثارُ مِنَ الزِّينَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى الغِنى.
الرّابِعُ: ذَكَرَ الأساوِرَ مِن بَيْنِ سائِرِ الحُلِيِّ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ (الإنْسانِ: ٢١) وذَلِكَ لِأنَّ التَّحَلِّيَ بِمَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ كَوْنِ المُتَحَلِّي غَيْرَ مُبْتَذَلٍ في الأشْغالِ؛ لِأنَّ التَّحَلِّيَ لا يَكُونُ حالَةَ الطَّبْخِ والغَسْلِ.
وثانِيهِما: إظْهارُ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الأشْياءِ وإظْهارُ القُدْرَةِ عَلى الأشْياءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّحَلِّيَ إمّا بِاللَّآلِئِ والجَواهِرِ، وإمّا بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ، والتَّحَلِّي بِالجَواهِرِ واللَّآلِئِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَحَلِّيَ لا يَعْجِزُ عَنِ الوُصُولِ إلى الأشْياءِ الكَبِيرَةِ عِنْدَ الحاجَةِ حَيْثُ يَعْجِزُ عَنِ الوُصُولِ إلى الأشْياءِ القَلِيلَةِ الوُجُودِ لا لِحاجَةٍ، والتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ حاجَةً أصْلِيَّةً، وإلّا لَصَرَفَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ إلى دَفْعِ الحاجَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأساوِرُ مَحَلُّها الأيْدِي وأكْثَرُ الأعْمالِ بِاليَدِ فَإنَّها لِلْبَطْشِ، فَإذا حُلِّيَتْ بِالأساوِرِ عُلِمَ الفَراغُ، والذَّهَبُ واللُّؤْلُؤُ إشارَةٌ إلى النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ مِنهُما الحُلِيُّ.
فاطر 35:34
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .
فِي الحَزَنِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ، والأوْلى أنْ يُقالَ: المُرادُ إذْهابُ كُلِّ حَزَنٍ، والألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ واسْتِغْراقِهِ وإذْهابِ الحَزَنِ بِحُصُولِ كُلِّ ما يَنْبَغِي وبَقائِهِ دائِمًا، فَإنَّ شَيْئًا مِنهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَكانَ الحَزَنُ مَوْجُودًا بِسَبَبِهِ وإنْ حَصَلَ ولَمْ يَدُمْ لَكانَ الحَزَنُ غَيْرَ ذاهِبٍ بَعْدُ بِسَبَبِ زَوالِهِ وخَوْفِ فَواتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم أُمُورًا كُلُّها تُفِيدُ الكَرامَةَ مِنَ اللَّهِ.
الأوَّلُ: الحَمْدُ فَإنَّ الحامِدَ مُثابٌ.
الثّانِي: قَوْلُهم: رَبَّنا، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُنادَ بِهَذا اللَّفْظِ إلّا واسْتَجابَ لَهم، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المُنادِي قَدْ ضَيَّعَ الوَقْتَ الواجِبَ أوْ طَلَبَ ما لا يَجُوزُ كالرَّدِّ إلى الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهم: ﴿لَغَفُورٌ﴾ .
الرّابِعُ: قَوْلُهم: ﴿شَكُورٌ﴾ والغَفُورُ إشارَةٌ إلى ما غَفَرَ لَهم في الآخِرَةِ بِما وجَدَ لَهم مِنَ الحَمْدِ في الدُّنْيا، والشَّكُورُ إشارَةٌ إلى ما يُعْطِيهِمْ ويَزِيدُ لَهم بِسَبَبِ ما وجَدَ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ الحَمْدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ دارَ الإقامَةِ، لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُرُورَهم وكَرامَتَهم بِتَحْلِيَتِهِمْ وإدْخالِهِمُ الجَنّاتِ بَيَّنَ سُرُورَهم بِبَقائِهِمْ فِيها وأعْلَمَهم بِدَوامِها حَيْثُ قالُوا: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ أيِ الإقامَةِ والمَفْعُولُ رُبَّما يَجِيءُ لِلْمَصْدَرِ مِن كُلِّ بابٍ يُقالُ ما لَهُ مَعْقُولٌ أيْ عَقْلٌ، وقالَ تَعالى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (الإسْراءِ: ٨٠) وقالَ تَعالى: ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (سَبَأٍ: ١٩) وكَذَلِكَ مُسْتَخْرَجٌ لِلِاسْتِخْراجِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَصْدَرَ هو المَفْعُولُ في الحَقِيقَةِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي فُعِلَ، فَجازَ إقامَةُ المَفْعُولِ مَقامَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الدُّنْيا مَنزِلَةٌ يَنْزِلُها المُكَلَّفُ، ويَرْتَحِلُ عَنْها إلى مَنزِلَةِ القُبُورِ، ومِنها إلى مَنزِلَةِ العَرْصَةِ الَّتِي فِيها الجَمْعُ ومِنها التَّفْرِيقُ، وقَدْ تَكُونُ النّارُ لِبَعْضِهِمْ مَنزِلَةً أُخْرى والجَنَّةُ دارَ المُقامَةِ، وكَذَلِكَ النّارُ لِأهْلِها، وقَوْلُهم: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ بِحُكْمِ وعْدِهِ لا بِإيجابِ مَن عِنْدَهُ.
فاطر 35:35
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ اللُّغُوبُ الإعْياءُ، والنَّصَبُ هو السَّبَبُ لِلْإعْياءِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ عُلِمَ أنَّهُ ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ ولا يَنْفِي المُتَكَلِّمُ الحَكِيمُ السَّبَبَ، ثُمَّ يَنْفِي مُسَبِّبَهُ بِحَرْفِ العَطْفِ، فَلا يَقُولُ القائِلُ: لا أكَلْتُ ولا شَبِعْتُ أوْ لا قُمْتُ ولا مَشَيْتُ والعَكْسُ كَثِيرٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: لا شَبِعْتُ ولا أكَلْتُ لِما أنَّ نَفْيَ الشِّبَعِ لا يَلْزَمُهُ انْتِفاءُ الأكْلِ، وسِياقُ ما تَقَرَّرَ أنْ يُقالَ: لا يَمَسُّنا فِيها إعْياءٌ ولا مَشَقَّةٌ، فَنَقُولُ: ما قالَهُ اللَّهُ في غايَةِ الجَلالَةِ وكَلامُ اللَّهِ أجَلُّ وبَيانُهُ أجْمَلُ، ووَجْهُهُ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مُخالَفَةَ الجَنَّةِ لِدارِ الدُّنْيا، فَإنَّ الدُّنْيا أماكِنُها عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: مَوْضِعٌ نَمَسُّ فِيهِ المَشاقَّ والمَتاعِبَ كالبَرارِيِّ والصَّحارِي والطُّرُقاتِ والأراضِي.
والآخَرُ: مَوْضِعٌ يَظْهَرُ فِيهِ الإعْياءُ كالبُيُوتِ والمَنازِلِ الَّتِي في
صفحة ٢٦
الأسْفارِ مِنَ الخاناتِ، فَإنَّ مَن يَكُونُ في مُباشَرَةِ شُغْلٍ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ الإعْياءُ إلّا بَعْدَما يَسْتَرِيحُ، فَقالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ لَيْسَتِ الجَنَّةُ كالمَواضِعِ الَّتِي في الدُّنْيا مَظانَّ المَتاعِبِ، بَلْ هي أفْضَلُ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي هي مَواضِعُ مَرْجِعِ العَيِّ، فَقالَ: ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ أيْ لا نَخْرُجُ مِنها إلى مَواضِعَ نَتْعَبُ ونَرْجِعُ إلَيْها، فَيَمَسُّنا فِيها الإعْياءُ، وقُرِئَ (لَغُوبٌ) بِفَتْحِ اللّامِ والتَّرْتِيبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ كَأنَّهُ قالَ: لا نَتْعَبُ ولا يَمَسُّنا ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وهَذا لِأنَّ القَوِيَّ السَّوِيَّ إذا قالَ: ما تَعِبْتُ اليَوْمَ لا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّهُ ما عَمِلَ شَيْئًا لِجَوازِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُتْعِبًا لِقُوَّتِهِ، فَإذا قالَ: ما مَسَّنِي ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتْعِبًا، يُفْهَمُ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا؛ لِأنَّ نَفْسَ العَمَلِ قَدْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتْعِبًا لِضَعِيفٍ أوْ مُتْعِبًا بِسَبَبِ كَثْرَتِهِ، واللُّغُوبُ هو ما يَغْلِبُ مِنهُ، وقِيلَ: النَّصَبُ التَّعَبُ المُمْرِضُ، وعَلى هَذا فَحُسْنُ التَّرْتِيبِ ظاهِرٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: لا يَمَسُّنا مَرَضٌ ولا دُونَ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعْيا مِنهُ مُباشَرَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما كَلامٌ يَتَعَلَّقُ بِالَّذِينِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ عَلى ما بَيَّنّا، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ (الرَّعْدِ: ٢٣) قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ راجِعٌ إلى ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أيْ لا يَسْتَرِيحُونَ بِالمَوْتِ بَلِ العَذابُ دائِمٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أيِ النّارِ، وفِيهِ لَطائِفُ:
الأُولى: أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا إنْ دامَ كَثِيرًا يَقْتُلُ، فَإنْ لَمْ يَقْتُلْ يَعْتادُهُ البَدَنُ ويَصِيرُ مِزاجًا فاسِدًا مُتَمَكِّنًا لا يُحِسُّ بِهِ المُعَذَّبُ، فَقالَ: عَذابُ نارِ الآخِرَةِ لَيْسَ كَعَذابِ الدُّنْيا، إمّا أنْ يُفْنِيَ، وإمّا أنْ يَأْلَفَهُ البَدَنُ، بَلْ هو في كُلِّ زَمانٍ شَدِيدٌ والمُعَذَّبُ فِيهِ دائِمٌ.
الثّانِيَةُ: راعى التَّرْتِيبَ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّرْتِيبَ أنْ لا يَنْقَطِعَ العَذابُ ولا يَفْتُرَ، فَقالَ: لا يَنْقَطِعُ ولا بِأقْوى الأسْبابِ، وهو المَوْتُ حَتّى يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، ولا يُجابُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٧٧) أيْ بِالمَوْتِ.
الثّالِثَةُ: في المُعَذَّبِينَ اكْتَفى بِأنَّهُ لا يَنْقُصُ عَذابَهم، ولَمْ يَقُلْ: نَزِيدُهم عَذابًا، وفي المُثابِينَ ذَكَرَ الزِّيادَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ (النِّساءِ: ١٧٣) ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ عَذابَهم لا يُخَفَّفُ، قالَ تَعالى:
فاطر 35:36
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ اللُّغُوبُ الإعْياءُ، والنَّصَبُ هو السَّبَبُ لِلْإعْياءِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ عُلِمَ أنَّهُ ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ ولا يَنْفِي المُتَكَلِّمُ الحَكِيمُ السَّبَبَ، ثُمَّ يَنْفِي مُسَبِّبَهُ بِحَرْفِ العَطْفِ، فَلا يَقُولُ القائِلُ: لا أكَلْتُ ولا شَبِعْتُ أوْ لا قُمْتُ ولا مَشَيْتُ والعَكْسُ كَثِيرٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: لا شَبِعْتُ ولا أكَلْتُ لِما أنَّ نَفْيَ الشِّبَعِ لا يَلْزَمُهُ انْتِفاءُ الأكْلِ، وسِياقُ ما تَقَرَّرَ أنْ يُقالَ: لا يَمَسُّنا فِيها إعْياءٌ ولا مَشَقَّةٌ، فَنَقُولُ: ما قالَهُ اللَّهُ في غايَةِ الجَلالَةِ وكَلامُ اللَّهِ أجَلُّ وبَيانُهُ أجْمَلُ، ووَجْهُهُ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مُخالَفَةَ الجَنَّةِ لِدارِ الدُّنْيا، فَإنَّ الدُّنْيا أماكِنُها عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: مَوْضِعٌ نَمَسُّ فِيهِ المَشاقَّ والمَتاعِبَ كالبَرارِيِّ والصَّحارِي والطُّرُقاتِ والأراضِي.
والآخَرُ: مَوْضِعٌ يَظْهَرُ فِيهِ الإعْياءُ كالبُيُوتِ والمَنازِلِ الَّتِي في
صفحة ٢٦
الأسْفارِ مِنَ الخاناتِ، فَإنَّ مَن يَكُونُ في مُباشَرَةِ شُغْلٍ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ الإعْياءُ إلّا بَعْدَما يَسْتَرِيحُ، فَقالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ لَيْسَتِ الجَنَّةُ كالمَواضِعِ الَّتِي في الدُّنْيا مَظانَّ المَتاعِبِ، بَلْ هي أفْضَلُ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي هي مَواضِعُ مَرْجِعِ العَيِّ، فَقالَ: ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ أيْ لا نَخْرُجُ مِنها إلى مَواضِعَ نَتْعَبُ ونَرْجِعُ إلَيْها، فَيَمَسُّنا فِيها الإعْياءُ، وقُرِئَ (لَغُوبٌ) بِفَتْحِ اللّامِ والتَّرْتِيبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ كَأنَّهُ قالَ: لا نَتْعَبُ ولا يَمَسُّنا ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وهَذا لِأنَّ القَوِيَّ السَّوِيَّ إذا قالَ: ما تَعِبْتُ اليَوْمَ لا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّهُ ما عَمِلَ شَيْئًا لِجَوازِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُتْعِبًا لِقُوَّتِهِ، فَإذا قالَ: ما مَسَّنِي ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتْعِبًا، يُفْهَمُ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا؛ لِأنَّ نَفْسَ العَمَلِ قَدْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتْعِبًا لِضَعِيفٍ أوْ مُتْعِبًا بِسَبَبِ كَثْرَتِهِ، واللُّغُوبُ هو ما يَغْلِبُ مِنهُ، وقِيلَ: النَّصَبُ التَّعَبُ المُمْرِضُ، وعَلى هَذا فَحُسْنُ التَّرْتِيبِ ظاهِرٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: لا يَمَسُّنا مَرَضٌ ولا دُونَ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعْيا مِنهُ مُباشَرَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما كَلامٌ يَتَعَلَّقُ بِالَّذِينِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ عَلى ما بَيَّنّا، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ (الرَّعْدِ: ٢٣) قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ راجِعٌ إلى ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أيْ لا يَسْتَرِيحُونَ بِالمَوْتِ بَلِ العَذابُ دائِمٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أيِ النّارِ، وفِيهِ لَطائِفُ:
الأُولى: أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا إنْ دامَ كَثِيرًا يَقْتُلُ، فَإنْ لَمْ يَقْتُلْ يَعْتادُهُ البَدَنُ ويَصِيرُ مِزاجًا فاسِدًا مُتَمَكِّنًا لا يُحِسُّ بِهِ المُعَذَّبُ، فَقالَ: عَذابُ نارِ الآخِرَةِ لَيْسَ كَعَذابِ الدُّنْيا، إمّا أنْ يُفْنِيَ، وإمّا أنْ يَأْلَفَهُ البَدَنُ، بَلْ هو في كُلِّ زَمانٍ شَدِيدٌ والمُعَذَّبُ فِيهِ دائِمٌ.
الثّانِيَةُ: راعى التَّرْتِيبَ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّرْتِيبَ أنْ لا يَنْقَطِعَ العَذابُ ولا يَفْتُرَ، فَقالَ: لا يَنْقَطِعُ ولا بِأقْوى الأسْبابِ، وهو المَوْتُ حَتّى يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، ولا يُجابُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٧٧) أيْ بِالمَوْتِ.
الثّالِثَةُ: في المُعَذَّبِينَ اكْتَفى بِأنَّهُ لا يَنْقُصُ عَذابَهم، ولَمْ يَقُلْ: نَزِيدُهم عَذابًا، وفي المُثابِينَ ذَكَرَ الزِّيادَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ (النِّساءِ: ١٧٣) ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ عَذابَهم لا يُخَفَّفُ، قالَ تَعالى:
فاطر 35:37
﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ، وإنِ اصْطَرَخُوا واضْطَرَبُوا لا يُخَفِّفُ اللَّهُ مِن عِنْدِهِ إنْعامًا إلى أنْ يَطْلُبُوهُ، بَلْ يَطْلُبُونَ ولا يَجِدُونَ، والِاصْطِراخُ مِنَ الصُّراخِ، والصُّراخُ صَوْتُ المُعَذَّبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ أيْ صُراخُهم بِهَذا، أيْ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ لِأنَّ صُراخَهم كَلامٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إيلامَهم تَعْذِيبٌ لا تَأْدِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَدَّبَ إذا قالَ لِمُؤَدِّبِهِ: لا أرْجِعُ إلى ما فَعَلْتُ وبِئْسَما
صفحة ٢٧
فَعَلْتُ يَتْرُكُهُ، وأمّا المُعَذَّبُ فَلا، وتَرْتِيبُهُ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يُخَفِّفُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، ولا يَعْفُو عَنْهم، بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم وعْدًا؛ وهَذا لِأنَّ المَحْبُوسَ يَصْبِرُ لَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، فَإذا طالَ لُبْثُهُ تَطَلَّبَ الإخْراجَ مِن غَيْرِ قَطِيعَةٍ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ لَمْ يَفْدِهِ يَقْطَعُ عَلى نَفْسِهِ قَطِيعَةً ويَقُولُ: أخْرِجْنِي أفْعَلْ كَذا وكَذا.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ أنَّ مَن يَكُونُ في الدُّنْيا ضالًّا، فَهو في الآخِرَةِ ضالٌّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ (الإسْراءِ: ٧٢) ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ العَوْدَ إلى الدُّنْيا بَعِيدٌ مُحالٌ بِحُكْمِ الإخْبارِ.
وعَلى هَذا قالُوا: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ جازِمِينَ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِاللَّهِ ولا مَثْنَوِيَّةٍ فِيهِ، ولَمْ يَقُولُوا: إنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ لَهم: إذا كانَ اعْتِمادُكم عَلى أنْفُسِكم، فَقَدْ عَمَّرْناكم مِقْدارًا يُمْكِنُ التَّذَكُّرُ فِيهِ والإتْيانُ بِالإيمانِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ.
وقَوْلُهم: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ فَسادِ عَمَلِهِمْ لَهم، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى كَما لَمْ يَهْدِهِمْ في الدُّنْيا لَمْ يَهْدِهِمْ في الآخِرَةِ، فَما قالُوا: رَبُّنا زِدْتَ لِلْمُحْسِنِينَ حَسَناتٍ بِفَضْلِكَ لا بِعَمَلِهِمْ، ونَحْنُ أحْوَجُ إلى تَخْفِيفِ العَذابِ مِنهم إلى تَضْعِيفِ الثَّوابِ، فافْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ نَظَرًا إلى فَضْلِكَ، ولا تَفْعَلْ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ نَظَرًا إلى عَدْلِكَ، وانْظُرْ إلى مَغْفِرَتِكَ الهاطِلَةِ، ولا تَنْظُرْ إلى مَعْذِرَتِنا الباطِلَةِ، وكَما هَدى اللَّهُ المُؤْمِنَ في الدُّنْيا هَداهُ في العُقْبى حَتّى دَعاهُ بِأقْرَبِ دُعاءٍ إلى الإجابَةِ، وأثْنى عَلَيْهِ بِأطْيَبِ ثَناءٍ عِنْدَ الإنابَةِ، فَقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقالُوا: رَبُّنا غَفُورٌ اعْتِرافًا بِتَقْصِيرِهِمْ، شَكُورٌ إقْرارًا بِوُصُولِ ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ إلَيْهِمْ، وقالُوا: ﴿أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ لا عَمَلَ لَنا بِالنِّسْبَةِ إلى نِعَمِ اللَّهِ، وهم قالُوا: ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ إغْماضًا في حَقِّ تَعْظِيمِهِ، وإعْراضًا عَنِ الِاعْتِرافِ بِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِما يُناسِبُ عَظَمَتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ آتاهم ما يَتَعَلَّقُ بِقَبُولِ المَحَلِّ مِنَ العُمْرِ الطَّوِيلِ وما يَتَعَلَّقُ بِالفاعِلِ في المَحَلِّ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَفاعِلِ الخَيْرِ فِيهِمْ ومُظْهِرِ السَّعاداتِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ .
فَإنَّ المانِعَ إمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ النَّظَرِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ في مُرْشِدِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتْلُ عَلَيْهِمْ ما يُرْشِدُهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ وهو أمَرُّ إهانَةً، فَما لِلظّالِمِينَ الَّذِينَ وضَعُوا أعْمالَهم وأقْوالَهم في غَيْرِ مَوْضِعِها وأتَوْا بِالمَعْذِرَةِ في غَيْرِ وقْتِها مِن نَصِيرٍ في وقْتِ الحاجَةِ يَنْصُرُهم، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: قَوْلُهُ: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٧٠) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِ الجاهِلَ جَهْلًا مُرَكَّبًا، وهو الَّذِي يَعْتَقِدُ الباطِلَ حَقًّا في الدُّنْيا، (وما لَهُ مِن نَصِيرٍ) أيْ مِن عِلْمٍ يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى البُرْهانَ سُلْطانًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٠) والسُّلْطانُ أقْوى ناصِرٍ إذْ هو القُوَّةُ أوِ الوِلايَةُ، وكِلاهُما يَنْصُرُ والحَقُّ التَّعْمِيمُ، لِأنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهُ ولَيْسَ غَيْرُهُ نَصِيرًا، فَما لَهم مِن نَصِيرٍ أصْلًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ وقالَ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾
صفحة ٢٨
[الرُّومِ: ٢٩] وقالَ هَهُنا: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ أيْ هَذا وقْتُ كَوْنِهِمْ واقِعِينَ في النّارِ، فَقَدْ أيِسَ كُلٌّ مِنهم مِن كَثِيرٍ مِمَّنْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنهُمُ النُّصْرَةَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا تَوَقُّعُهم مِنَ اللَّهِ، فَقالَ: (ما لَكم مِن نَصِيرٍ) أصْلًا، وهُناكَ كانَ الأمْرُ مَحْكِيًّا في الدُّنْيا أوْ في أوائِلِ الحَشْرِ، فَنَفى ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنهُمُ النُّصْرَةَ وهم آلِهَتُهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
تَقْرِيرًا لِدَوامِهِمْ في العَذابِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] ولا يُزادُ عَلَيْها، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: الكافِرُ ما كَفَرَ بِاللَّهِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُعَذَّبَ إلى مِثْلِ تِلْكَ الأيّامِ، فَقالَ تَعالى: إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ غَيْبُ السَّماواتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما في الصُّدُورِ، وكانَ يَعْلَمُ مِنَ الكافِرِ أنَّ في قَلْبِهِ تَمَكُّنُ الكُفْرِ بِحَيْثُ لَوْ دامَ إلى الأبَدِ لَما أطاعَ اللَّهَ ولا عَبَدَهُ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ مَسْألَةٌ قَدْ ذَكَرْناها مَرَّةً ونُعِيدُها أُخْرى، وهي أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الصُّدُورُ هي ذاتُ اعْتِقاداتٍ وظُنُونٍ، فَكَيْفَ سَمّى اللَّهُ الِاعْتِقاداتِ بِذاتِ الصُّدُورِ ؟ ويُقَرِّرُ السُّؤالَ قَوْلُهم: أرْضٌ ذاتُ أشْجارٍ وذاتُ جَنًى إذا كانَ فِيها ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الصَّدْرُ فِيهِ اعْتِقادٌ فَهو ذُو اعْتِقادٍ، فَيُقالُ لَهُ: لَمّا كانَ اعْتِبارُ الصَّدْرِ بِما فِيهِ صارَ ما فِيهِ كالسّاكِنِ المالِكِ حَيْثُ لا يُقالُ: الدّارُ ذاتُ زَيْدٍ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ ذُو دارٍ ومالٍ، وإنْ كانَ هو فِيها.
فاطر 35:38
﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ، وإنِ اصْطَرَخُوا واضْطَرَبُوا لا يُخَفِّفُ اللَّهُ مِن عِنْدِهِ إنْعامًا إلى أنْ يَطْلُبُوهُ، بَلْ يَطْلُبُونَ ولا يَجِدُونَ، والِاصْطِراخُ مِنَ الصُّراخِ، والصُّراخُ صَوْتُ المُعَذَّبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ أيْ صُراخُهم بِهَذا، أيْ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ لِأنَّ صُراخَهم كَلامٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إيلامَهم تَعْذِيبٌ لا تَأْدِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَدَّبَ إذا قالَ لِمُؤَدِّبِهِ: لا أرْجِعُ إلى ما فَعَلْتُ وبِئْسَما
صفحة ٢٧
فَعَلْتُ يَتْرُكُهُ، وأمّا المُعَذَّبُ فَلا، وتَرْتِيبُهُ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يُخَفِّفُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، ولا يَعْفُو عَنْهم، بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم وعْدًا؛ وهَذا لِأنَّ المَحْبُوسَ يَصْبِرُ لَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، فَإذا طالَ لُبْثُهُ تَطَلَّبَ الإخْراجَ مِن غَيْرِ قَطِيعَةٍ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ لَمْ يَفْدِهِ يَقْطَعُ عَلى نَفْسِهِ قَطِيعَةً ويَقُولُ: أخْرِجْنِي أفْعَلْ كَذا وكَذا.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ أنَّ مَن يَكُونُ في الدُّنْيا ضالًّا، فَهو في الآخِرَةِ ضالٌّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ (الإسْراءِ: ٧٢) ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ العَوْدَ إلى الدُّنْيا بَعِيدٌ مُحالٌ بِحُكْمِ الإخْبارِ.
وعَلى هَذا قالُوا: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ جازِمِينَ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِاللَّهِ ولا مَثْنَوِيَّةٍ فِيهِ، ولَمْ يَقُولُوا: إنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ لَهم: إذا كانَ اعْتِمادُكم عَلى أنْفُسِكم، فَقَدْ عَمَّرْناكم مِقْدارًا يُمْكِنُ التَّذَكُّرُ فِيهِ والإتْيانُ بِالإيمانِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ.
وقَوْلُهم: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ فَسادِ عَمَلِهِمْ لَهم، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى كَما لَمْ يَهْدِهِمْ في الدُّنْيا لَمْ يَهْدِهِمْ في الآخِرَةِ، فَما قالُوا: رَبُّنا زِدْتَ لِلْمُحْسِنِينَ حَسَناتٍ بِفَضْلِكَ لا بِعَمَلِهِمْ، ونَحْنُ أحْوَجُ إلى تَخْفِيفِ العَذابِ مِنهم إلى تَضْعِيفِ الثَّوابِ، فافْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ نَظَرًا إلى فَضْلِكَ، ولا تَفْعَلْ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ نَظَرًا إلى عَدْلِكَ، وانْظُرْ إلى مَغْفِرَتِكَ الهاطِلَةِ، ولا تَنْظُرْ إلى مَعْذِرَتِنا الباطِلَةِ، وكَما هَدى اللَّهُ المُؤْمِنَ في الدُّنْيا هَداهُ في العُقْبى حَتّى دَعاهُ بِأقْرَبِ دُعاءٍ إلى الإجابَةِ، وأثْنى عَلَيْهِ بِأطْيَبِ ثَناءٍ عِنْدَ الإنابَةِ، فَقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقالُوا: رَبُّنا غَفُورٌ اعْتِرافًا بِتَقْصِيرِهِمْ، شَكُورٌ إقْرارًا بِوُصُولِ ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ إلَيْهِمْ، وقالُوا: ﴿أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ لا عَمَلَ لَنا بِالنِّسْبَةِ إلى نِعَمِ اللَّهِ، وهم قالُوا: ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ إغْماضًا في حَقِّ تَعْظِيمِهِ، وإعْراضًا عَنِ الِاعْتِرافِ بِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِما يُناسِبُ عَظَمَتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ آتاهم ما يَتَعَلَّقُ بِقَبُولِ المَحَلِّ مِنَ العُمْرِ الطَّوِيلِ وما يَتَعَلَّقُ بِالفاعِلِ في المَحَلِّ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَفاعِلِ الخَيْرِ فِيهِمْ ومُظْهِرِ السَّعاداتِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ .
فَإنَّ المانِعَ إمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ النَّظَرِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ في مُرْشِدِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتْلُ عَلَيْهِمْ ما يُرْشِدُهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ وهو أمَرُّ إهانَةً، فَما لِلظّالِمِينَ الَّذِينَ وضَعُوا أعْمالَهم وأقْوالَهم في غَيْرِ مَوْضِعِها وأتَوْا بِالمَعْذِرَةِ في غَيْرِ وقْتِها مِن نَصِيرٍ في وقْتِ الحاجَةِ يَنْصُرُهم، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: قَوْلُهُ: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٧٠) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِ الجاهِلَ جَهْلًا مُرَكَّبًا، وهو الَّذِي يَعْتَقِدُ الباطِلَ حَقًّا في الدُّنْيا، (وما لَهُ مِن نَصِيرٍ) أيْ مِن عِلْمٍ يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى البُرْهانَ سُلْطانًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٠) والسُّلْطانُ أقْوى ناصِرٍ إذْ هو القُوَّةُ أوِ الوِلايَةُ، وكِلاهُما يَنْصُرُ والحَقُّ التَّعْمِيمُ، لِأنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهُ ولَيْسَ غَيْرُهُ نَصِيرًا، فَما لَهم مِن نَصِيرٍ أصْلًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ وقالَ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾
صفحة ٢٨
[الرُّومِ: ٢٩] وقالَ هَهُنا: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ أيْ هَذا وقْتُ كَوْنِهِمْ واقِعِينَ في النّارِ، فَقَدْ أيِسَ كُلٌّ مِنهم مِن كَثِيرٍ مِمَّنْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنهُمُ النُّصْرَةَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا تَوَقُّعُهم مِنَ اللَّهِ، فَقالَ: (ما لَكم مِن نَصِيرٍ) أصْلًا، وهُناكَ كانَ الأمْرُ مَحْكِيًّا في الدُّنْيا أوْ في أوائِلِ الحَشْرِ، فَنَفى ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنهُمُ النُّصْرَةَ وهم آلِهَتُهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
تَقْرِيرًا لِدَوامِهِمْ في العَذابِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] ولا يُزادُ عَلَيْها، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: الكافِرُ ما كَفَرَ بِاللَّهِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُعَذَّبَ إلى مِثْلِ تِلْكَ الأيّامِ، فَقالَ تَعالى: إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ غَيْبُ السَّماواتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما في الصُّدُورِ، وكانَ يَعْلَمُ مِنَ الكافِرِ أنَّ في قَلْبِهِ تَمَكُّنُ الكُفْرِ بِحَيْثُ لَوْ دامَ إلى الأبَدِ لَما أطاعَ اللَّهَ ولا عَبَدَهُ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ مَسْألَةٌ قَدْ ذَكَرْناها مَرَّةً ونُعِيدُها أُخْرى، وهي أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الصُّدُورُ هي ذاتُ اعْتِقاداتٍ وظُنُونٍ، فَكَيْفَ سَمّى اللَّهُ الِاعْتِقاداتِ بِذاتِ الصُّدُورِ ؟ ويُقَرِّرُ السُّؤالَ قَوْلُهم: أرْضٌ ذاتُ أشْجارٍ وذاتُ جَنًى إذا كانَ فِيها ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الصَّدْرُ فِيهِ اعْتِقادٌ فَهو ذُو اعْتِقادٍ، فَيُقالُ لَهُ: لَمّا كانَ اعْتِبارُ الصَّدْرِ بِما فِيهِ صارَ ما فِيهِ كالسّاكِنِ المالِكِ حَيْثُ لا يُقالُ: الدّارُ ذاتُ زَيْدٍ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ ذُو دارٍ ومالٍ، وإنْ كانَ هو فِيها.
فاطر 35:39
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ .
تَقْرِيرًا لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّمْكِينَ والإمْهالَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيها المَعْرِفَةُ قَدْ حَصَلَ وما آمَنتُمْ وزادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ أيْ آتَيْناكم عُقُولًا، وأرْسَلْنا إلَيْكم مَن يُؤَيِّدُ المَعْقُولَ بِالدَّلِيلِ المَنقُولِ زادَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ أيْ نَبَّهَكم بِمَن مَضى وحالِ مَنِ انْقَضى، فَإنَّكم لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أُهْلِكَ لَكانَ عِنادُكم أخْفى وفَسادُكم أخَفَّ، لَكِنْ أُمْهِلْتُمْ وعُمِّرْتُمْ وأُمِرْتُمْ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ بِما أُمِرْتُمْ وجُعِلْتُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ، أيْ خَلِيفَةً بَعْدَ خَلِيفَةٍ تَعْلَمُونَ حالَ الماضِينَ، وتُصْبِحُونَ بِحالِهِمْ راضِينَ ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ لِأنَّ الكافِرَ السّابِقَ كانَ مَمْقُوتًا كالعَبْدِ الَّذِي لا يَخْدِمُ سَيِّدَهُ، واللّاحِقُ الَّذِي أنْذَرَهُ الرَّسُولُ ولَمْ يَنْتَبِهْ أمْقَتُ كالعَبْدِ الَّذِي يَنْصَحُهُ النّاصِحُ ويَأْمُرُهُ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ ويَعِدُهُ ويُوعِدُهُ ولا يَنْفَعُهُ النُّصْحُ ولا يُسْعِدُهُ، والتّالِي لَهُمُ الَّذِي رَأى عَذابَ مَن تَقَدَّمَ ولَمْ يَخْشَ
صفحة ٢٩
عَذابُهُ أمْقَتُ الكُلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ أيِ الكُفْرُ لا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ حَيْثُ لا يَزِيدُ إلّا المَقْتَ، ولا يَنْفَعُهم في أنْفُسِهِمْ حَيْثُ لا يُفِيدُهم إلّا الخَسارَةَ، فَإنَّ العُمْرَ كَرَأْسِ مالٍ مَنِ اشْتَرى بِهِ رِضا اللَّهِ رَبِحَ، ومَنِ اشْتَرى بِهِ سُخْطَهُ خَسِرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾
تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ وإبْطالًا لِلْإشْراكِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ أخْبِرُونِي، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَسْتَدْعِي جَوابًا، يَقُولُ القائِلُ: أرَأيْتَ ماذا فَعَلَ زَيْدٌ ؟ فَيَقُولُ السّامِعُ: باعَ أوِ اشْتَرى، ولَوْلا تَضَمُّنُهُ مَعْنى أخْبِرْنِي، وإلّا لَما كانَ الجَوابُ إلّا قَوْلَهُ: لا أوْ نَعَمْ، وقَوْلُهُ: ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ إنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الأصْنامَ في الحَقِيقَةِ لَمْ تَكُنْ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإنَّما هم جَعَلُوها شُرَكاءَ، فَقالَ: شُرَكاءَكم، أيِ الشُّرَكاءَ بِجَعْلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: شُرَكاءَكم أيْ شُرَكاءَكم في النّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] وهو قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو بَعِيدٌ لِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرُونِي﴾ بَدَلٌ عَنْ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّ كِلَيْهِما يُفِيدُ مَعْنى أخْبِرُونِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ، و﴿أرُونِي﴾ أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، فَلَمّا قالَ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ يَعْنِي أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها كَما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها ؟ وإنْ كانَ وقَعَ لَكم أنَّ لَها قُدْرَةً، فَأرُونِي قُدْرَتَها في أيِّ شَيْءٍ هي، أهِيَ في الأرْضِ، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللَّهَ إلَهُ السَّماءِ وهَؤُلاءِ آلِهَةُ الأرْضِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: أُمُورُ الأرْضِ مِنَ الكَواكِبِ والأصْنامِ صُوَرُها ؟ أمْ هي في السَّماواتِ ؟ كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ بِاسْتِعانَةِ المَلائِكَةِ، والمَلائِكَةَ شُرَكاءُ في خَلْقِ السَّماواتِ، وهَذِهِ الأصْنامَ صُوَرُها ؟ أمْ قُدْرَتُها في الشَّفاعَةِ لَكم، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ المَلائِكَةَ ما خَلَقُوا شَيْئًا، ولَكِنَّهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ فَنَعْبُدُها لِيَشْفَعُوا لَنا، فَهَلْ مَعَهم كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ إذْنُهُ لَهم بِالشَّفاعَةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ في العائِدِ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، أيْ هَلْ آتَيْنا الشُّرَكاءَ كِتابًا.
وثانِيهِما: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ هَلْ آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا وعَلى الأوَّلِ فَمَعْناهُ ما ذَكَرْنا، أيْ هَلْ مَعَ ما جُعِلَ شَرِيكًا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ أنَّ لَهُ شَفاعَةً عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وعَلى الثّانِي مَعْناهُ أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ، ولا عَقْلَ لِمَن يَعْبُدُ مَن لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأرْضِ جُزْءًا مِنَ الأجْزاءِ، ولا في السَّماءِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ونَحْنُ ما آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ أمْرُنا بِالسُّجُودِ لِهَؤُلاءِ، ولَوْ أمَرْنا لَجازَ كَما أمَرْنا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وإلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، فَهَذِهِ العِبادَةُ لا عَقْلِيَّةٌ ولا نَقْلِيَّةٌ، فَوَعْدُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ إلّا غُرُورًا غَرَّهُمُ الشَّيْطانُ، وزَيَّنَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلْقَ لِلْأصْنامِ ولا قُدْرَةَ لَها، ولا عَلى جُزْءٍ مِنَ الأجْزاءِ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لَمّا بَيَّنَ شِرْكَهم، قالَ مُقْتَضى شِرْكِهِمْ زَوالُ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٩٠) ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كانَ حَلِيمًا ما تَرَكَ تَعْذِيبَهم إلّا حِلْمًا مِنهُ، وإلّا كانُوا يَسْتَحِقُّونَ إسْقاطَ السَّماءِ وانْطِباقَ الأرْضِ عَلَيْهِمْ، وإنَّما أخَّرَ إزالَةَ السَّماواتِ إلى قِيامِ السّاعَةِ حِلْمًا، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنْ يَكُونَ
صفحة ٣٠
ذَلِكَ مِن بابِ التَّسْلِيمِ، وإثْباتِ المَطْلُوبِ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ أيْضًا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: شُرَكاؤُكم ما خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ شَيْئًا، ولا في السَّماءِ جُزْءًا، ولا قَدَرُوا عَلى الشَّفاعَةِ، فَلا عِبادَةَ لَهم. وهَبْ أنَّهم فَعَلُوا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى إمْساكِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ولا يُمْكِنُهُمُ القَوْلُ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَقُولُونَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ فَإذا تَبَيَّنَ أنْ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأشْياءِ، وإنْ قالَ الكافِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ خَلَقَ، فَما خَلَقَ مِثْلَ ما خَلَقَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حَلِيمًا حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ في إهْلاكِهِمْ بَعْدَ إصْرارِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ، وغَفُورًا يَغْفِرُ لِمَن تابَ ويَرْحَمُهُ وإنِ اسْتَحَقَّ العِقابَ.
فاطر 35:40
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ .
تَقْرِيرًا لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّمْكِينَ والإمْهالَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيها المَعْرِفَةُ قَدْ حَصَلَ وما آمَنتُمْ وزادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ أيْ آتَيْناكم عُقُولًا، وأرْسَلْنا إلَيْكم مَن يُؤَيِّدُ المَعْقُولَ بِالدَّلِيلِ المَنقُولِ زادَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ أيْ نَبَّهَكم بِمَن مَضى وحالِ مَنِ انْقَضى، فَإنَّكم لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أُهْلِكَ لَكانَ عِنادُكم أخْفى وفَسادُكم أخَفَّ، لَكِنْ أُمْهِلْتُمْ وعُمِّرْتُمْ وأُمِرْتُمْ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ بِما أُمِرْتُمْ وجُعِلْتُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ، أيْ خَلِيفَةً بَعْدَ خَلِيفَةٍ تَعْلَمُونَ حالَ الماضِينَ، وتُصْبِحُونَ بِحالِهِمْ راضِينَ ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ لِأنَّ الكافِرَ السّابِقَ كانَ مَمْقُوتًا كالعَبْدِ الَّذِي لا يَخْدِمُ سَيِّدَهُ، واللّاحِقُ الَّذِي أنْذَرَهُ الرَّسُولُ ولَمْ يَنْتَبِهْ أمْقَتُ كالعَبْدِ الَّذِي يَنْصَحُهُ النّاصِحُ ويَأْمُرُهُ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ ويَعِدُهُ ويُوعِدُهُ ولا يَنْفَعُهُ النُّصْحُ ولا يُسْعِدُهُ، والتّالِي لَهُمُ الَّذِي رَأى عَذابَ مَن تَقَدَّمَ ولَمْ يَخْشَ
صفحة ٢٩
عَذابُهُ أمْقَتُ الكُلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ أيِ الكُفْرُ لا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ حَيْثُ لا يَزِيدُ إلّا المَقْتَ، ولا يَنْفَعُهم في أنْفُسِهِمْ حَيْثُ لا يُفِيدُهم إلّا الخَسارَةَ، فَإنَّ العُمْرَ كَرَأْسِ مالٍ مَنِ اشْتَرى بِهِ رِضا اللَّهِ رَبِحَ، ومَنِ اشْتَرى بِهِ سُخْطَهُ خَسِرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾
تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ وإبْطالًا لِلْإشْراكِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ أخْبِرُونِي، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَسْتَدْعِي جَوابًا، يَقُولُ القائِلُ: أرَأيْتَ ماذا فَعَلَ زَيْدٌ ؟ فَيَقُولُ السّامِعُ: باعَ أوِ اشْتَرى، ولَوْلا تَضَمُّنُهُ مَعْنى أخْبِرْنِي، وإلّا لَما كانَ الجَوابُ إلّا قَوْلَهُ: لا أوْ نَعَمْ، وقَوْلُهُ: ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ إنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الأصْنامَ في الحَقِيقَةِ لَمْ تَكُنْ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإنَّما هم جَعَلُوها شُرَكاءَ، فَقالَ: شُرَكاءَكم، أيِ الشُّرَكاءَ بِجَعْلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: شُرَكاءَكم أيْ شُرَكاءَكم في النّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] وهو قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو بَعِيدٌ لِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرُونِي﴾ بَدَلٌ عَنْ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّ كِلَيْهِما يُفِيدُ مَعْنى أخْبِرُونِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ، و﴿أرُونِي﴾ أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، فَلَمّا قالَ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ يَعْنِي أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها كَما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها ؟ وإنْ كانَ وقَعَ لَكم أنَّ لَها قُدْرَةً، فَأرُونِي قُدْرَتَها في أيِّ شَيْءٍ هي، أهِيَ في الأرْضِ، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللَّهَ إلَهُ السَّماءِ وهَؤُلاءِ آلِهَةُ الأرْضِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: أُمُورُ الأرْضِ مِنَ الكَواكِبِ والأصْنامِ صُوَرُها ؟ أمْ هي في السَّماواتِ ؟ كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ بِاسْتِعانَةِ المَلائِكَةِ، والمَلائِكَةَ شُرَكاءُ في خَلْقِ السَّماواتِ، وهَذِهِ الأصْنامَ صُوَرُها ؟ أمْ قُدْرَتُها في الشَّفاعَةِ لَكم، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ المَلائِكَةَ ما خَلَقُوا شَيْئًا، ولَكِنَّهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ فَنَعْبُدُها لِيَشْفَعُوا لَنا، فَهَلْ مَعَهم كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ إذْنُهُ لَهم بِالشَّفاعَةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ في العائِدِ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، أيْ هَلْ آتَيْنا الشُّرَكاءَ كِتابًا.
وثانِيهِما: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ هَلْ آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا وعَلى الأوَّلِ فَمَعْناهُ ما ذَكَرْنا، أيْ هَلْ مَعَ ما جُعِلَ شَرِيكًا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ أنَّ لَهُ شَفاعَةً عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وعَلى الثّانِي مَعْناهُ أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ، ولا عَقْلَ لِمَن يَعْبُدُ مَن لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأرْضِ جُزْءًا مِنَ الأجْزاءِ، ولا في السَّماءِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ونَحْنُ ما آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ أمْرُنا بِالسُّجُودِ لِهَؤُلاءِ، ولَوْ أمَرْنا لَجازَ كَما أمَرْنا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وإلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، فَهَذِهِ العِبادَةُ لا عَقْلِيَّةٌ ولا نَقْلِيَّةٌ، فَوَعْدُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ إلّا غُرُورًا غَرَّهُمُ الشَّيْطانُ، وزَيَّنَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلْقَ لِلْأصْنامِ ولا قُدْرَةَ لَها، ولا عَلى جُزْءٍ مِنَ الأجْزاءِ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لَمّا بَيَّنَ شِرْكَهم، قالَ مُقْتَضى شِرْكِهِمْ زَوالُ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٩٠) ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كانَ حَلِيمًا ما تَرَكَ تَعْذِيبَهم إلّا حِلْمًا مِنهُ، وإلّا كانُوا يَسْتَحِقُّونَ إسْقاطَ السَّماءِ وانْطِباقَ الأرْضِ عَلَيْهِمْ، وإنَّما أخَّرَ إزالَةَ السَّماواتِ إلى قِيامِ السّاعَةِ حِلْمًا، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنْ يَكُونَ
صفحة ٣٠
ذَلِكَ مِن بابِ التَّسْلِيمِ، وإثْباتِ المَطْلُوبِ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ أيْضًا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: شُرَكاؤُكم ما خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ شَيْئًا، ولا في السَّماءِ جُزْءًا، ولا قَدَرُوا عَلى الشَّفاعَةِ، فَلا عِبادَةَ لَهم. وهَبْ أنَّهم فَعَلُوا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى إمْساكِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ولا يُمْكِنُهُمُ القَوْلُ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَقُولُونَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ فَإذا تَبَيَّنَ أنْ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأشْياءِ، وإنْ قالَ الكافِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ خَلَقَ، فَما خَلَقَ مِثْلَ ما خَلَقَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حَلِيمًا حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ في إهْلاكِهِمْ بَعْدَ إصْرارِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ، وغَفُورًا يَغْفِرُ لِمَن تابَ ويَرْحَمُهُ وإنِ اسْتَحَقَّ العِقابَ.
فاطر 35:41
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ .
تَقْرِيرًا لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّمْكِينَ والإمْهالَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيها المَعْرِفَةُ قَدْ حَصَلَ وما آمَنتُمْ وزادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ أيْ آتَيْناكم عُقُولًا، وأرْسَلْنا إلَيْكم مَن يُؤَيِّدُ المَعْقُولَ بِالدَّلِيلِ المَنقُولِ زادَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ أيْ نَبَّهَكم بِمَن مَضى وحالِ مَنِ انْقَضى، فَإنَّكم لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أُهْلِكَ لَكانَ عِنادُكم أخْفى وفَسادُكم أخَفَّ، لَكِنْ أُمْهِلْتُمْ وعُمِّرْتُمْ وأُمِرْتُمْ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ بِما أُمِرْتُمْ وجُعِلْتُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ، أيْ خَلِيفَةً بَعْدَ خَلِيفَةٍ تَعْلَمُونَ حالَ الماضِينَ، وتُصْبِحُونَ بِحالِهِمْ راضِينَ ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ لِأنَّ الكافِرَ السّابِقَ كانَ مَمْقُوتًا كالعَبْدِ الَّذِي لا يَخْدِمُ سَيِّدَهُ، واللّاحِقُ الَّذِي أنْذَرَهُ الرَّسُولُ ولَمْ يَنْتَبِهْ أمْقَتُ كالعَبْدِ الَّذِي يَنْصَحُهُ النّاصِحُ ويَأْمُرُهُ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ ويَعِدُهُ ويُوعِدُهُ ولا يَنْفَعُهُ النُّصْحُ ولا يُسْعِدُهُ، والتّالِي لَهُمُ الَّذِي رَأى عَذابَ مَن تَقَدَّمَ ولَمْ يَخْشَ
صفحة ٢٩
عَذابُهُ أمْقَتُ الكُلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ أيِ الكُفْرُ لا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ حَيْثُ لا يَزِيدُ إلّا المَقْتَ، ولا يَنْفَعُهم في أنْفُسِهِمْ حَيْثُ لا يُفِيدُهم إلّا الخَسارَةَ، فَإنَّ العُمْرَ كَرَأْسِ مالٍ مَنِ اشْتَرى بِهِ رِضا اللَّهِ رَبِحَ، ومَنِ اشْتَرى بِهِ سُخْطَهُ خَسِرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾
تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ وإبْطالًا لِلْإشْراكِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ أخْبِرُونِي، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَسْتَدْعِي جَوابًا، يَقُولُ القائِلُ: أرَأيْتَ ماذا فَعَلَ زَيْدٌ ؟ فَيَقُولُ السّامِعُ: باعَ أوِ اشْتَرى، ولَوْلا تَضَمُّنُهُ مَعْنى أخْبِرْنِي، وإلّا لَما كانَ الجَوابُ إلّا قَوْلَهُ: لا أوْ نَعَمْ، وقَوْلُهُ: ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ إنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الأصْنامَ في الحَقِيقَةِ لَمْ تَكُنْ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإنَّما هم جَعَلُوها شُرَكاءَ، فَقالَ: شُرَكاءَكم، أيِ الشُّرَكاءَ بِجَعْلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: شُرَكاءَكم أيْ شُرَكاءَكم في النّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] وهو قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو بَعِيدٌ لِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرُونِي﴾ بَدَلٌ عَنْ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّ كِلَيْهِما يُفِيدُ مَعْنى أخْبِرُونِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ، و﴿أرُونِي﴾ أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، فَلَمّا قالَ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ يَعْنِي أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها كَما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها ؟ وإنْ كانَ وقَعَ لَكم أنَّ لَها قُدْرَةً، فَأرُونِي قُدْرَتَها في أيِّ شَيْءٍ هي، أهِيَ في الأرْضِ، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللَّهَ إلَهُ السَّماءِ وهَؤُلاءِ آلِهَةُ الأرْضِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: أُمُورُ الأرْضِ مِنَ الكَواكِبِ والأصْنامِ صُوَرُها ؟ أمْ هي في السَّماواتِ ؟ كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ بِاسْتِعانَةِ المَلائِكَةِ، والمَلائِكَةَ شُرَكاءُ في خَلْقِ السَّماواتِ، وهَذِهِ الأصْنامَ صُوَرُها ؟ أمْ قُدْرَتُها في الشَّفاعَةِ لَكم، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ المَلائِكَةَ ما خَلَقُوا شَيْئًا، ولَكِنَّهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ فَنَعْبُدُها لِيَشْفَعُوا لَنا، فَهَلْ مَعَهم كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ إذْنُهُ لَهم بِالشَّفاعَةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ في العائِدِ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، أيْ هَلْ آتَيْنا الشُّرَكاءَ كِتابًا.
وثانِيهِما: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ هَلْ آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا وعَلى الأوَّلِ فَمَعْناهُ ما ذَكَرْنا، أيْ هَلْ مَعَ ما جُعِلَ شَرِيكًا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ أنَّ لَهُ شَفاعَةً عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وعَلى الثّانِي مَعْناهُ أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ، ولا عَقْلَ لِمَن يَعْبُدُ مَن لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأرْضِ جُزْءًا مِنَ الأجْزاءِ، ولا في السَّماءِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ونَحْنُ ما آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ أمْرُنا بِالسُّجُودِ لِهَؤُلاءِ، ولَوْ أمَرْنا لَجازَ كَما أمَرْنا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وإلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، فَهَذِهِ العِبادَةُ لا عَقْلِيَّةٌ ولا نَقْلِيَّةٌ، فَوَعْدُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ إلّا غُرُورًا غَرَّهُمُ الشَّيْطانُ، وزَيَّنَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلْقَ لِلْأصْنامِ ولا قُدْرَةَ لَها، ولا عَلى جُزْءٍ مِنَ الأجْزاءِ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لَمّا بَيَّنَ شِرْكَهم، قالَ مُقْتَضى شِرْكِهِمْ زَوالُ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٩٠) ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كانَ حَلِيمًا ما تَرَكَ تَعْذِيبَهم إلّا حِلْمًا مِنهُ، وإلّا كانُوا يَسْتَحِقُّونَ إسْقاطَ السَّماءِ وانْطِباقَ الأرْضِ عَلَيْهِمْ، وإنَّما أخَّرَ إزالَةَ السَّماواتِ إلى قِيامِ السّاعَةِ حِلْمًا، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنْ يَكُونَ
صفحة ٣٠
ذَلِكَ مِن بابِ التَّسْلِيمِ، وإثْباتِ المَطْلُوبِ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ أيْضًا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: شُرَكاؤُكم ما خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ شَيْئًا، ولا في السَّماءِ جُزْءًا، ولا قَدَرُوا عَلى الشَّفاعَةِ، فَلا عِبادَةَ لَهم. وهَبْ أنَّهم فَعَلُوا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى إمْساكِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ولا يُمْكِنُهُمُ القَوْلُ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَقُولُونَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ فَإذا تَبَيَّنَ أنْ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأشْياءِ، وإنْ قالَ الكافِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ خَلَقَ، فَما خَلَقَ مِثْلَ ما خَلَقَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حَلِيمًا حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ في إهْلاكِهِمْ بَعْدَ إصْرارِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ، وغَفُورًا يَغْفِرُ لِمَن تابَ ويَرْحَمُهُ وإنِ اسْتَحَقَّ العِقابَ.
فاطر 35:42
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ إنْكارَهم لِلتَّوْحِيدِ ذَكَرَ تَكْذِيبَهم لِلرَّسُولِ ومُبالَغَتَهم فِيهِ حَيْثُ إنَّهم كانُوا يُقْسِمُونَ عَلى أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ إذا تَبَيَّنَ لَهم كَوْنُهم رُسُلًا، وقالُوا: إنَّما نُكَذِّبُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِكَوْنِهِ كاذِبًا، ولَوْ تَبَيَّنَ لَنا كَوْنُهُ رَسُولًا لَآمَنّا كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ (الأنْعامِ: ١٠٩) وهَذا مُبالَغَةٌ مِنهم في التَّكْذِيبِ، كَما أنَّ مَن يُنْكِرُ دِينَ إنْسانٍ قَدْ يَقُولُ: واللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أنَّ لَهُ شَيْئًا عَلَيَّ لَقَضَيْتُهُ وزِدْتُ لَهُ، إظْهارًا لِكَوْنِهِ مُطالِبًا بِالباطِلِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا عانَدُوا وقالُوا: واللَّهِ لَوْ جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا أهْدى الأُمَمِ، فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ أيْ مُحَمَّدٌ ﷺ جاءَهم؛ أيْ صَحَّ مَجِيئُهُ لَهم بِالبَيِّنَةِ ما زادَهم إلّا نُفُورًا، فَإنَّهم قَبْلَ الرِّسالَةِ كانُوا كافِرِينَ بِاللَّهِ، وبَعْدَها صارُوا كافِرِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ؛ ولِأنَّهم قَبْلَ الرِّسالَةِ ما كانُوا مُعَذَّبِينَ كَما صارُوا بَعْدَ الرِّسالَةِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَلْعَنُونَ اليَهُودَ والنَّصارى عَلى أنَّهم كَذَّبُوا بِرُسُلِهِمْ لَمّا جاءُوهم، وقالُوا: لَوْ جاءَنا رَسُولٌ لَأطَعْناهُ واتَّبَعْناهُ، وهَذا فِيهِ إشْكالٌ مِن حَيْثُ إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِلرِّسالَةِ والحَشْرِ مُطْلَقًا، فَكَيْفَ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالرُّسُلِ، فَمِن أيْنَ عَرَفُوا أنَّ اليَهُودَ كَذَّبُوا وما جاءَهم كِتابٌ ولَوْلا كِتابُ اللَّهِ وبَيانُ رَسُولِهِ مِن أيْنَ كانَ يَعْلَمُ المُشْرِكُونَ أنَّهم صَدَّقُوا شَيْئًا وكَذَّبُوا في شَيْءٍ ؟ بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْنا أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ لَوْ جاءَنا رَسُولٌ لا نُنْكِرُهُ، وإنَّما نُنْكِرُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ رَسُولًا مِن حَيْثُ إنَّهُ كاذِبٌ، ولَوْ صَحَّ كَوْنُهُ رَسُولًا لَآمَنّا.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ فَلَمّا صَحَّ لَهم مَجِيئُهُ بِالمُعْجِزَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أهْدى﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أهْدى مِمّا نَحْنُ عَلَيْهِ وعَلى هَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ لِلتَّبْيِينِ كَما يَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ أيْ صارُوا أضَلَّ مِمّا كانُوا، وكانُوا يَقُولُونَ: نَكُونُ أهْدى.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ نَكُونَ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ أوْلى مِن عَمْرٍو.
وفِي الأُمَمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ العُمُومَ أيْ أهْدى مِن أيِّ إحْدى الأُمَمِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَعْرِيفَ العَهْدِ أيْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ومُوسى وعِيسى، ومَن كانَ في زَمانِهِمْ.
صفحة ٣١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ﴾ ونَصْبُهُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ حالًا أيْ مُسْتَكْبِرِينَ في الأرْضِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِلِاسْتِكْبارِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ النُّفُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَكْرَ السَّيِّئِ﴾ إضافَةُ الجِنْسِ إلى نَوْعِهِ، كَما يُقالُ: عِلْمُ الفِقْهِ، وحِرْفَةُ الحِدادَةِ؛ وتَحْقِيقُهُ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ ومَكَرُوا مَكْرًا سَيِّئًا، ثُمَّ عُرِّفَ لِظُهُورِ مَكْرِهِمْ، ثُمَّ تُرِكَ التَّعْرِيفُ بِاللّامِ، وأُضِيفَ إلى السَّيِّئِ لِكَوْنِ السُّوءِ أبْيَنَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّ المَكْرَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ العَمَلِ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ (فاطِرٍ: ١٠) أيْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، ومَكْرُهُمُ السَّيِّئَ، وهو جَمِيعُ ما كانَ يَصْدُرُ مِنهم مَنِ القَصْدِ إلى الإيذاءِ ومَنعِ النّاسِ مِنَ الدُّخُولِ في الإيمانِ وإظْهارِ الإنْكارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ أيْ لا يُحِيطُ إلّا بِفاعِلِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِيقُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِأهْلِهِ﴾ فَوائِدُ:
أمّا في قَوْلِهِ: ﴿يَحِيقُ﴾ فَهي أنَّها تُنْبِئُ عَنِ الإحاطَةِ الَّتِي هي فَوْقَ اللُّحُوقِ، وفِيهِ مِنَ التَّحْذِيرِ ما لَيْسَ في قَوْلِهِ: ولا يَلْحَقُ أوْ ولا يَصِلُ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿بِأهْلِهِ﴾ فَفِيهِ ما لَيْسَ في قَوْلِ القائِلِ: ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِالماكِرِ، كَيْ لا يَأْمَنَ المُسِيءُ فَإنَّ مَن أساءَ ومَكْرُهُ سَيِّئٌ آخَرُ قَدْ يَلْحَقُهُ جَزاءً عَلى سَيِّئَةٍ، وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ سَيِّئًا فَلا يَكُونُ أهْلًا فَيَأْمَنُ المَكْرَ السَّيِّئَ، وأمّا في النَّفْيِ والإثْباتِ فَفائِدَتُهُ الحَصْرُ بِخِلافِ ما يَقُولُ القائِلُ: المَكْرُ السَّيِّئُ يَحِيقُ بِأهْلِهِ، فَلا يُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الحَيْقِ بِغَيْرِ أهْلِهِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَثِيرًا ما نَرى أنَّ الماكِرَ يَمْكُرُ ويُفِيدُهُ المَكْرُ ويَغْلِبُ الخَصْمَ بِالمَكْرِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ المَكْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو المَكْرُ الَّذِي مَكَرُوهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ العَزْمِ عَلى القَتْلِ، والإخْراجِ ولَمْ يَحِقْ إلّا بِهِمْ، حَيْثُ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: هو أنْ نَقُولَ: المَكْرُ السَّيِّئُ عامٌّ وهو الأصَحُّ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهى عَنِ المَكْرِ، وأخْبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”لا تَمْكُرُوا ولا تُعِينُوا ماكِرًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾“» .
وعَلى هَذا فَذَلِكَ الرَّجُلُ المَمْكُورُ بِهِ لا يَكُونُ أهْلًا فَلا يُرِدْ نَقْضًا.
وثالِثُها: أنَّ الأُمُورَ بِعَواقِبِها، ومَن مَكَرَ بِهِ غَيْرُهُ ونَفَذَ فِيهِ المَكْرُ عاجِلًا في الظّاهِرِ، فَفي الحَقِيقَةِ هو الفائِزُ، والماكِرُ هو الهالِكُ وذَلِكَ مِثْلُ راحَةِ الكافِرِ ومَشَقَّةِ المُسْلِمِ في الدُّنْيا، ويُبَيِّنُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ يَعْنِي: إذا كانَ لِمَكْرِهِمْ في الحالِ رَواجٌ فالعاقِبَةُ لِلتَّقْوى والأُمُورُ بِخَواتِيمِها، فَيَهْلِكُونَ كَما هَلَكَ الأوَّلُونَ.
فاطر 35:43
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم بَعْدَ هَذا إلّا انْتِظارُ الإهْلاكِ وهو سُنَّةُ الأوَّلِينَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإهْلاكُ لَيْسَ سُنَّةَ الأوَّلِينَ إنَّما هو سُنَّةُ اللَّهِ بِالأوَّلِينَ، فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَصْدَرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ يُضافُ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِما مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، فَيُقالُ فِيما إذا ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا: عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ عَمْرٍو كَيْفَ ضُرِبَ مَعَ ما لَهُ مِنَ العَزْمِ والقُوَّةِ، وعَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زَيْدٍ كَيْفَ ضَرَبَ مَعَ ما لَهُ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ ؟ فَكَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ بِهِمْ أضافَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّها سُنَّةٌ سُنَّتْ بِهِمْ، وأضافَها إلى نَفْسِهِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ:
صفحة ٣٢
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لِأنَّها سُنَّةٌ مِن سُنَنِ اللَّهِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: أضافَها في الأوَّلِ إلَيْهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ لِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ الإهْلاكُ بِالإشْراكِ، والإكْرامُ عَلى الإسْلامِ، فَلا يُعْلَمُ أنَّهم يَنْتَظِرُونَ أيَّهُما فَإذا قالَ: سُنَّةُ الأوَّلِينَ تَمَيَّزَتْ، وفي الثّانِي أضافَها إلى اللَّهِ، لِأنَّها لَمّا عُلِمَتْ فالإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعْظِيمُها، وتَبَيَّنَ أنَّها أمْرٌ واقِعٌ لَيْسَ لَها مِن دافِعٍ.
وثانِيهِما: أنَّ المُرادَ مِن سُنَّةِ الأوَّلِينَ اسْتِمْرارُهم عَلى الإنْكارِ واسْتِكْبارُهم عَنِ الإقْرارِ، وسُنَّةُ اللَّهِ اسْتِئْصالُهم بِإصْرارِهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ تُرِيدُونَ الإتْيانَ بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، واللَّهُ يَأْتِي بِسُنَّةٍ لا تَبْدِيلَ لَها، ولا تَحْوِيلَ عَنْ مُسْتَحِقِّها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّبْدِيلُ تَحْوِيلٌ فَما الحِكْمَةُ في التَّكْرارِ ؟ نَقُولُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ حَصَلَ العِلْمُ بِأنَّ العَذابَ لا تَبْدِيلَ لَهُ بِغَيْرِهِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ حَصَلَ العِلْمُ بِأنَّ العَذابَ مَعَ أنَّهُ لا تَبْدِيلَ لَهُ بِالثَّوابِ لا يَتَحَوَّلُ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ إلى غَيْرِهِ فَيَتِمُّ تَهْدِيدُ المُسِيءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عامًّا، كَأنَّهُ قالَ: فَلَنْ تَجِدَ أيُّها السّامِعُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا فَكَأنَّهُ قالَ: سُنَّةُ اللَّهِ أنَّهُ لا يُهْلِكُ ما بَقِيَ في القَوْمِ مَن كَتَبَ اللَّهُ إيمانَهُ، فَإذا آمَنَ مَن في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يُؤْمِنُ يُهْلِكُ الباقِينَ، كَما قالَ نُوحٌ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ﴾ (نُوحٍ: ٢٧) أيْ تُمْهِلُ الأمْرَ وجاءَ وقْتُ سُنَّتِكَ.
فاطر 35:44
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ .
لَمّا ذَكَرَ أنَّ لِلْأوَّلِينَ سُنَّةً وهي الإهْلاكُ نَبَّهَهم بِتَذْكِيرِ حالِ الأوَّلِينَ، فَإنَّهم كانُوا مارِّينَ عَلى دِيارِهِمْ رائِينَ لِآثارِهِمْ، وأمَلُهم كانَ فَوْقَ أمَلِهِمْ، وعَمَلُهم كانَ دُونَ عَمَلِهِمْ، أمّا الأوَّلُ فَلِطُولِ أعْمارِهِمْ وشِدَّةِ اقْتِدارِهِمْ، وأمّا عَمَلُهم فَلِأنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا مِثْلَ مُحَمَّدٍ ولا مُحَمَّدًا وأنْتُمْ يا أهْلَ مَكَّةَ كَذَّبْتُمْ مُحَمَّدًا ومَن تَقَدَّمَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الرُّومِ، بَقِيَ فِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قالَ هُناكَ: ﴿كانُوا أشَدَّ﴾ مِن غَيْرِ واوٍ، وقالَ هَهُنا بِالواوِ فَما الفَرْقُ ؟ نَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: أما رَأيْتَ زَيْدًا كَيْفَ أكْرَمَنِي، وأعْظَمُ مِنكَ، يُفِيدُ أنَّ القائِلَ يُخْبِرُهُ بِأنَّ زَيْدًا أعْظَمُ، وإذا قالَ: أما رَأيْتَهُ كَيْفَ أكْرَمَنِي هو أعْظَمُ مِنكَ يُفِيدُ أنَّهُ تَقَرَّرَ أنَّ كِلا المَعْنَيَيْنِ حاصِلٌ عِنْدَ السّامِعِ، كَأنَّهُ رَآهُ أكْرَمَهُ، ورَآهُ أكْبَرَ مِنهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ الأخِيرَةَ تُفِيدُ كَوْنَ الأمْرِ الثّانِي في الظُّهُورِ مِثْلَ الأوَّلِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى إعْلامٍ مِنَ المُتَكَلِّمِ ولا إخْبارٍ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَذْكُورُ هَهُنا كَوْنُهم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً لا غَيْرَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ ظاهِرًا عِنْدَهم، فَقالَ بِالواوِ أيْ نَظَرُكم كَما يَقَعُ عَلى عاقِبَةِ أمْرِهِمْ يَقَعُ عَلى قُوَّتِهِمْ، وأمّا هُناكَ فالمَذْكُورُ أشْياءُ كَثِيرَةٌ فَإنَّهُ قالَ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها﴾ (الرُّومِ: ٩) وفي مَوْضِعٍ آخَرَ قالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ (غافِرٍ: ٨٢) ولَعَلَّ عِلْمَهم لَمْ يَحْصُلْ
صفحة ٣٣
بِإثارَتِهِمُ الأرْضَ أوْ بِكَثْرَتِهِمْ ولَكِنْ نَفْسُ القُوَّةِ ورُجْحانُهم فِيما عَلَيْهِمْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَعْتَقِدُ فِيمَن تَقَدَّمَهم أنَّهم أقْوى مِنهم ولا نِزاعَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَيانًا لَهم أيْ أنَّ الأوَّلِينَ مَعَ شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ ما أعْجَزُوا اللَّهَ وما فاتُوهُ فَهم أوْلى بِأنْ لا يُعْجِزُوهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَطْعًا لِأطْماعِ الجُهّالِ، فَإنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: هَبْ أنَّ الأوَّلِينَ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأطْوَلَ أعْمارًا لَكِنّا نَسْتَخْرِجُ بِذَكائِنا ما يَزِيدُ عَلى قُواهم، ونَسْتَعِينُ بِأُمُورٍ أرْضِيَّةٍ لَها خَواصُّ أوْ كَواكِبَ سَماوِيَّةٍ لَها آثارٌ فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا﴾ بِأفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ: ﴿قَدِيرًا﴾ عَلى إهْلاكِهِمْ واسْتِئْصالِهِمْ.
فاطر 35:45
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ .
لَمّا خَوَّفَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِمَن مَضى، وكانُوا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وفَسادِ اعْتِقادِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ويَقُولُونَ: عَجِّلْ لَنا عَذابَنا، فَقالَ اللَّهُ: لِلْعَذابِ أجَلٌ واللَّهُ لا يُؤاخِذُ النّاسَ بِنَفْسِ الظُّلْمِ فَإنَّ الإنْسانَ ظَلُومٌ جَهُولٌ، وإنَّما يُؤاخِذُ بِالإصْرارِ وحُصُولِ يَأْسِ النّاسِ عَنْ إيمانِهِمْ ووُجُودِ الإيمانِ مِمَّنْ كَتَبَ اللَّهُ إيمانَهُ فَإذا لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ يُهْلِكُ المُكَذِّبِينَ ولَوْ آخَذَهم بِنَفْسِ الظُّلْمِ لَكانَ لِكُلِّ يَوْمٍ إهْلاكٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إذا كانَ اللَّهُ يُؤاخِذُ النّاسَ بِما كَسَبُوا فَما بالُ الدَّوابِّ يَهْلِكُونَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ خَلْقَ الدَّوابِّ نِعْمَةٌ، فَإذا كَفَرَ النّاسُ يُزِيلُ اللَّهُ النِّعَمَ، والدَّوابُّ أقْرَبُ النِّعَمِ؛ لِأنَّ المُفْرَدَ أوَّلًا ثُمَّ المُرَكَّبَ، والمُرَكَّبُ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْدِنِيًّا، وإمّا أنْ يَكُونَ نامِيًا، والنّامِي إمّا أنْ يَكُونَ حَيَوانًا وإمّا أنْ يَكُونَ نَباتًا، والحَيَوانُ إمّا إنْسانٌ وإمّا غَيْرُ إنْسانٍ، فالدَّوابُّ أعْلى دَرَجاتِ المَخْلُوقاتِ في عالَمِ العَناصِرِ لِلْإنْسانِ.
الثّانِي: هو أنَّ ذَلِكَ بَيانٌ لِشِدَّةِ العَذابِ وعُمُومِهِ فَإنَّ بَقاءَ الأشْياءِ بِالإنْسانِ كَما أنَّ بَقاءَ الإنْسانِ بِالأشْياءِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يُدَبِّرُ الأشْياءَ ويُصْلِحُها فَتَبْقى الأشْياءُ ثُمَّ يَنْتَفِعُ بِها الإنْسانُ فَإذا كانَ الهَلاكُ عامًّا لا يَبْقى مِنَ الإنْسانِ مَن يُعَمِّرُ، فَلا تَبْقى الأبْنِيَةُ والزُّرُوعُ، ولا تَبْقى الحَيَواناتُ الأهْلِيَّةُ؛ لِأنَّ بَقاءَها بِحِفْظِ الإنْسانِ إيّاها عَنِ التَّلَفِ والهَلاكِ بِالسَّقْيِ والعَلْفِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ إنْزالَ المَطَرِ هو إنْعامٌ مِنَ اللَّهِ في حَقِّ العِبادِ، فَإذا لَمْ يَسْتَحِقُّوا الإنْعامَ قُطِعَتِ الأمْطارُ عَنْهم فَيَظْهَرُ الجَفافُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَتَمُوتُ جَمِيعُ الحَيَواناتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ: لِأنَّ بِسَبَبِ انْقِطاعِ الأمْطارِ تَمُوتُ حَيَواناتُ البَرِّ، أمّا حَيَواناتُ البَحْرِ، فَتَعِيشُ بِماءِ البِحارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ظَهْرِها﴾ كِنايَةٌ عَنِ الأرْضِ وهي غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، فَكَيْفَ عُلِمَ ؟ نَقُولُ: مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا تَأخَّرَ، أمّا ما تَقَدَّمَ فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فَهو أقْرَبُ
صفحة ٣٤
المَذْكُوراتِ الصّالِحَةِ لِعَوْدِ الهاءِ إلَيْها، وأمّا ما تَأخَّرَ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ لِأنَّ الدَّوابَّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ لِما عَلَيْهِ الخَلْقُ مِنَ الأرْضِ وجْهُ الأرْضِ وظَهْرُ الأرْضِ، مَعَ أنَّ الوَجْهَ مُقابِلُ الظَّهْرِ كالمُضادِّ ؟ نَقُولُ: مِن حَيْثُ إنَّ الأرْضَ كالدّابَّةِ الحامِلَةِ لِلْأثْقالِ، والحَمْلُ يَكُونُ عَلى الظَّهْرِ يُقالُ لَهُ: ظَهْرُ الأرْضِ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ هو المُقابِلُ لِلْخَلْقِ المُواجِهُ لَهم يُقالُ لَهُ: وجْهُها، عَلى أنَّ الظَّهْرَ في مُقابَلَةِ البَطْنِ، والظَّهْرُ والظّاهِرُ مِن بابٍ والبَطْنُ والباطِنُ مِن بابٍ، فَوَجْهُ الأرْضِ ظَهْرٌ لِأنَّهُ هو الظّاهِرُ وغَيْرُهُ مِنها باطِنٌ وبَطْنٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو مُسَمًّى مَذْكُورٌ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.
ثانِيها: يَوْمَ لا يُوجَدُ في الخَلْقِ مَن يُؤْمِنُ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثالِثُها: لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ولِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ، وأجَلُ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيّامُ القَتْلِ والأسْرِ كَيَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ وقالَ: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ (الأنْفالِ: ٢٥) قالَ: فَإذا جاءَ الهَلاكُ فاللَّهُ بِالعِبادِ بَصِيرٌ، إمّا أنْ يُنَجِّيهِمْ أوْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ تَقْرِيبًا مِنَ اللَّهِ لا تَعْذِيبًا، لا يُقالُ: قَدْ ذَكَرْتَ أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ بِمُجَرَّدِ الظُّلْمِ، وإنَّما يُؤاخِذُ حِينَ يَجْتَمِعُ النّاسُ عَلى الضَّلالِ، ونَقُولُ بِأنَّهُ تَعالى عِنْدَ الإهْلاكِ يُهْلِكُ المُؤْمِنَ فَكَيْفَ هَذا ؟ نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإماتَةَ والإفْناءَ إنْ كانَ لِلتَّعْذِيبِ فَهو مُؤاخَذَةٌ بِالذَّنْبِ وإهْلاكٌ، وإنْ كانَ لِإيصالِ الثَّوابِ فَلَيْسَ بِإهْلاكٍ ولا بِمُؤاخَذَةٍ، واللَّهُ لا يُؤاخِذُ النّاسَ إلّا عِنْدَ عُمُومِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: (بَصِيرٌ) اللَّفْظُ أتَمُّ في التَّسْلِيَةِ مِنَ العَلِيمِ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّ البَصِيرَ بِالشَّيْءِ النّاظِرَ إلَيْهِ أوْلى بِالإنْجاءِ مِنَ العالِمِ بِحالَةٍ دُونَ أنْ يَراهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.