Tafsir Al-Razi — الفتح 48:1 – الحجرات 49:18
المحتويات
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
الفتح 48:1
صفحة ٦٧
[ سُورَةُ الفَتْحِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَدَنِيَّةٍ
﷽
﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ .
﷽
: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الفَتْحِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ وهو ظاهِرٌ.
وثانِيها: فَتْحُ الرُّومِ وغَيْرِها.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ الفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ.
ورابِعُها: فَتْحُ الإسْلامِ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، والسَّيْفِ والسِّنانِ.
وخامِسُها: المُرادُ مِنهُ الحُكْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعْرافِ: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦] والمُخْتارُ مِنَ الكُلِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ.
والثّانِي: فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ.
والثّالِثُ: فَتْحُ الإسْلامِ بِالآيَةِ والبَيانِ والحُجَّةِ والبُرْهانِ.
والأوَّلُ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] إلى أنْ قالَ: ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ فَتَحَ لَهم مَكَّةَ وغَنِمُوا دِيارَهم وحَصَلَ لَهم أضْعافُ ما أنْفَقُوا ولَوْ بَخِلُوا لَضاعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ بُخْلُهم إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ.
ثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وقالَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] بَيَّنَ بُرْهانَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَإنَّهم كانُوا هُمُ الأعْلَوْنَ.
ثالِثُها: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وكانَ مَعْناهُ لا تَسْألُوا الصُّلْحَ مِن عِنْدِكم، بَلِ اصْبِرُوا فَإنَّهم يَسْألُونَ الصُّلْحَ ويَجْتَهِدُونَ فِيهِ كَما كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ وهو المُرادُ بِالفَتْحِ في أحَدِ الوُجُوهِ، وكَما كانَ فَتْحُ مَكَّةَ حَيْثُ أتى صَنادِيدَ قُرَيْشٍ مُسْتَأْمِنِينَ ومُؤْمِنِينَ ومُسْلِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ، فَمَكَّةُ لَمْ تَكُنْ قَدْ فُتِحَتْ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بِلَفْظِ الماضِي ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فَتَحْنا في حُكْمِنا وتَقْدِيرِنا ثانِيهِما: ما
صفحة ٦٨
قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ، فَأخْبَرَ بِصِيغَةِ الماضِي إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رافِعَ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ الفَتْحِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، والفَتْحُ لا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما قِيلَ إنَّ الفَتْحَ لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وحْدَها، بَلْ هو سَبَبٌ لِاجْتِماعِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهي: المَغْفِرَةُ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ والنُّصْرَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ ويَهْدِيَكَ ويَنْصُرَكَ، ولا شَكَّ أنَّ الِاجْتِماعَ لَمْ يَثْبُتْ إلّا بِالفَتْحِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ بِهِ تَمَّتْ، والنُّصْرَةَ بَعْدَهُ قَدْ عَمَّتْ.
الثّانِي: هو أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مِن رِجْسِ الأوْثانِ، وتَطْهِيرُ بَيْتِهِ صارَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ عَبْدِهِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ بِالفَتْحِ يَحْصُلُ الحَجُّ، ثُمَّ بِالحَجِّ تَحْصُلُ المَغْفِرَةُ، ألا تَرى إلى دُعاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ في الحَجِّ: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا» “ .
الرّابِعُ: المُرادُ مِنهُ التَّعْرِيفُ تَقْدِيرُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ لِيُعْرَفَ أنَّكَ مَغْفُورٌ مَعْصُومٌ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا عَلِمُوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ أنَّ مَكَّةَ لا يَأْخُذُها عَدُوُّ اللَّهِ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ، وإنَّما يَدْخُلُها ويَأْخُذُها حَبِيبُ اللَّهِ المَغْفُورُ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَنْبٌ، فَماذا يُغْفَرُ لَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا مِن وُجُوهٍ
أحَدُها: المُرادُ ذَنْبُ المُؤْمِنِينَ.
ثانِيها: المُرادُ تَرْكُ الأفْضَلِ.
ثالِثُها: الصَّغائِرُ فَإنَّها جائِزَةٌ عَلى الأنْبِياءِ بِالسَّهْوِ والعَمْدِ، وهو يَصُونُهم عَنِ العَجَبِ.
رابِعُها: المُرادُ العِصْمَةُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في سُورَةِ القِتالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما تَأخَّرَ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ
أحَدُها: أنَّهُ وعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُذْنِبُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
ثانِيها: ما تَقَدَّمَ عَلى الفَتْحِ، وما تَأخَّرَ عَنِ الفَتْحِ.
ثالِثُها: العُمُومُ يُقالُ: اضْرِبْ مَن لَقِيتَ ومَن لا تَلْقاهُ، مَعَ أنَّ مَن لا يَلْقى لا يُمْكِنُ ضَرْبُهُ إشارَةً إلى العُمُومِ.
رابِعُها: مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ ومِن بَعْدِها، وعَلى هَذا فَما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِالعَفْوِ وما بَعْدَها بِالعِصْمَةِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ساقِطَةٌ، مِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ مارِيَةَ، وما تَأخَّرَ مِن أمْرِ زَيْنَبَ، وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ وأسْقَطُها لِعَدَمِ التِئامِ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: هو أنَّ التَّكالِيفَ عِنْدَ الفَتْحِ تَمَّتْ حَيْثُ وجَبَ الحَجُّ، وهو آخِرُ التَّكالِيفِ، والتَّكالِيفُ نِعَمٌ.
ثانِيها: يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإخْلاءِ الأرْضِ لَكَ عَنْ مُعانِدِيكَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدُوٌّ ذُو اعْتِبارٍ، فَإنَّ بَعْضَهم كانُوا أُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ والباقُونَ آمَنُوا واسْتَأْمَنُوا يَوْمَ الفَتْحِ.
ثالِثُها: ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ في الدُّنْيا بِاسْتِجابَةِ دُعائِكَ في طَلَبِ الفَتْحِ، وفي الآخِرَةِ بِقَوْلِ شَفاعَتِكَ في الذُّنُوبِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ القُبْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: (أظْهَرُها): يُدِيمُكَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ حَتّى لا يَبْقى مَن يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِ مِنَ المُضِلِّينَ، أوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى الإكْراهِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائِدَةِ: ٣] حَيْثُ أهْلَكْتُ المُجادِلِينَ فِيهِ، وحَمَلْتُهم عَلى الإيمانِ.
وثانِيها: أنْ يُقالَ: جَعَلَ الفَتْحَ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، لِأنَّهُ سَهَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ الجِهادَ لِعِلْمِهِمْ بِالفَوائِدِ العاجِلَةِ بِالفَتْحِ والآجِلَةِ بِالوَعْدِ، والجِهادُ سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يُقالُ لِلْغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ مُجاهِدٌ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ التَّعْرِيفُ، أيْ لِيُعْرَفَ أنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، مِن حَيْثُ إنَّ الفَتْحَ لا يَكُونُ إلّا عَلى يَدِ مَن يَكُونُ عَلى صِراطِ اللَّهِ بِدَلِيلِ حِكايَةِ الفِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ظاهِرٌ، لِأنَّ بِالفَتْحِ ظَهَرَ النَّصْرُ واشْتَهَرَ الأمْرُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ إحْداهُما لَفْظِيَّةٌ والأُخْرى مَعْنَوِيَّةٌ:
صفحة ٦٩
أمّا المَسْألَةُ اللَّفْظِيَّةُ: فَهي أنَّ اللَّهَ وصَفَ النَّصْرَ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا، والعَزِيزُ مَن لَهُ النَّصْرُ: (والجَوابُ): مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
الأوَّلُ: مَعْناهُ: نُصِرَ إذْ عَزَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١] أيْ ذاتُ رِضًى.
الثّانِي: وصْفُ النَّصْرِ بِما يُوصَفُ بِهِ المَنصُورُ إسْنادًا مَجازِيًّا، يُقالُ: لَهُ كَلامٌ صادِقٌ، كَما يُقالُ لَهُ: صادِقٌ.
الثّالِثُ: وصْفُ النَّصْرِ عَزِيزًا صاحِبُهُ. الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّما يَلْزَمُنا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّقْدِيراتِ إذا قُلْنا: العِزَّةُ مِنَ الغَلَبَةِ، والعَزِيزُ الغالِبُ، وأمّا إذا قُلْنا: العَزِيزُ هو النَّفِيسُ القَلِيلُ النَّظِيرِ، أوِ المُحْتاجُ إلَيْهِ القَلِيلُ الوُجُودِ، يُقالُ: عَزَّ الشَّيْءُ إذا قَلَّ وُجُودُهُ مَعَ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فالنَّصْرُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ لَمْ يُوجَدْ وهو أخْذُ بَيْتِ اللَّهِ مِنَ الكُفّارِ المُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ.
أمّا المَسْألَةُ المَعْنَوِيَّةُ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أبْرَزَ الفاعِلَ وهو اللَّهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمَّ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِيَكَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ في الكَلامِ، وهو أنَّ الأفْعالَ الكَثِيرَةَ إذا صَدَرَتْ مِن فاعِلٍ يَظْهَرُ اسْمُهُ في الفِعْلِ الأوَّلِ، ولا يَظْهَرُ فِيما بَعْدَهُ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وتَكَلَّمَ وقامَ وراحَ، ولا تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وقَعَدَ زَيْدٌ اخْتِصارًا لِلْكَلامِ بِالِاقْتِصارِ عَلى الأوَّلِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ ويَنْصُرَكَ نَصْرًا، بَلْ أعادَ لَفْظَ اللَّهِ، فَنَقُولُ هَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ النَّصْرِ، ولِهَذا قَلَّما ذَكَرَ اللَّهُ النَّصْرَ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ [الرُّومِ: ٥] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ يَنْصُرُ، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ، وقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النَّصْرِ: ١] وقالَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ نَصْرٌ وفَتْحٌ، وقالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٦] وهَذا أدَلُّ الآياتِ عَلى مَطْلُوبِنا، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ، والصَّبْرَ بِاللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٧] وذَلِكَ لِأنَّ الصَّبْرَ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ، وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَلَمّا قالَ هَهُنا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ، أظْهَرَ لَفْظَ اللَّهِ ذِكْرًا لِلتَّعْلِيمِ أنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَحْصُلُ اطْمِئْنانُ القُلُوبِ، وبِهِ يَحْصُلُ الصَّبْرُ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ النَّصْرُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا فَتَحْنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنّا فَتَحْنا لِنَغْفِرَ لَكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الفَتْحِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً لَكِنَّها عامَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] وقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ولَئِنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ مِنَ المَغْفِرَةِ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِصْمَةُ، فَذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِنَبِيِّنا، بَلْ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ كانَ مَعْصُومًا، وإتْمامُ النِّعْمَةِ كَذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائِدَةِ: ٣] وقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] وكَذَلِكَ الهِدايَةُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرَّعْدِ:٢٧] فَعَمَّمَ، وكَذَلِكَ النَّصْرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧١، ١٧٢] وأمّا الفَتْحُ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا﴾ وفِيهِ التَّعْظِيمُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: إنّا.
وثانِيهِما: لَكَ أيْ لِأجْلِكَ عَلى وجْهِ المِنَّةِ.
الفتح 48:2
صفحة ٦٧
[ سُورَةُ الفَتْحِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَدَنِيَّةٍ
﷽
﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ .
﷽
: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الفَتْحِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ وهو ظاهِرٌ.
وثانِيها: فَتْحُ الرُّومِ وغَيْرِها.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ الفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ.
ورابِعُها: فَتْحُ الإسْلامِ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، والسَّيْفِ والسِّنانِ.
وخامِسُها: المُرادُ مِنهُ الحُكْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعْرافِ: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦] والمُخْتارُ مِنَ الكُلِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ.
والثّانِي: فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ.
والثّالِثُ: فَتْحُ الإسْلامِ بِالآيَةِ والبَيانِ والحُجَّةِ والبُرْهانِ.
والأوَّلُ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] إلى أنْ قالَ: ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ فَتَحَ لَهم مَكَّةَ وغَنِمُوا دِيارَهم وحَصَلَ لَهم أضْعافُ ما أنْفَقُوا ولَوْ بَخِلُوا لَضاعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ بُخْلُهم إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ.
ثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وقالَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] بَيَّنَ بُرْهانَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَإنَّهم كانُوا هُمُ الأعْلَوْنَ.
ثالِثُها: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وكانَ مَعْناهُ لا تَسْألُوا الصُّلْحَ مِن عِنْدِكم، بَلِ اصْبِرُوا فَإنَّهم يَسْألُونَ الصُّلْحَ ويَجْتَهِدُونَ فِيهِ كَما كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ وهو المُرادُ بِالفَتْحِ في أحَدِ الوُجُوهِ، وكَما كانَ فَتْحُ مَكَّةَ حَيْثُ أتى صَنادِيدَ قُرَيْشٍ مُسْتَأْمِنِينَ ومُؤْمِنِينَ ومُسْلِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ، فَمَكَّةُ لَمْ تَكُنْ قَدْ فُتِحَتْ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بِلَفْظِ الماضِي ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فَتَحْنا في حُكْمِنا وتَقْدِيرِنا ثانِيهِما: ما
صفحة ٦٨
قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ، فَأخْبَرَ بِصِيغَةِ الماضِي إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رافِعَ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ الفَتْحِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، والفَتْحُ لا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما قِيلَ إنَّ الفَتْحَ لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وحْدَها، بَلْ هو سَبَبٌ لِاجْتِماعِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهي: المَغْفِرَةُ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ والنُّصْرَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ ويَهْدِيَكَ ويَنْصُرَكَ، ولا شَكَّ أنَّ الِاجْتِماعَ لَمْ يَثْبُتْ إلّا بِالفَتْحِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ بِهِ تَمَّتْ، والنُّصْرَةَ بَعْدَهُ قَدْ عَمَّتْ.
الثّانِي: هو أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مِن رِجْسِ الأوْثانِ، وتَطْهِيرُ بَيْتِهِ صارَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ عَبْدِهِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ بِالفَتْحِ يَحْصُلُ الحَجُّ، ثُمَّ بِالحَجِّ تَحْصُلُ المَغْفِرَةُ، ألا تَرى إلى دُعاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ في الحَجِّ: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا» “ .
الرّابِعُ: المُرادُ مِنهُ التَّعْرِيفُ تَقْدِيرُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ لِيُعْرَفَ أنَّكَ مَغْفُورٌ مَعْصُومٌ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا عَلِمُوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ أنَّ مَكَّةَ لا يَأْخُذُها عَدُوُّ اللَّهِ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ، وإنَّما يَدْخُلُها ويَأْخُذُها حَبِيبُ اللَّهِ المَغْفُورُ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَنْبٌ، فَماذا يُغْفَرُ لَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا مِن وُجُوهٍ
أحَدُها: المُرادُ ذَنْبُ المُؤْمِنِينَ.
ثانِيها: المُرادُ تَرْكُ الأفْضَلِ.
ثالِثُها: الصَّغائِرُ فَإنَّها جائِزَةٌ عَلى الأنْبِياءِ بِالسَّهْوِ والعَمْدِ، وهو يَصُونُهم عَنِ العَجَبِ.
رابِعُها: المُرادُ العِصْمَةُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في سُورَةِ القِتالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما تَأخَّرَ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ
أحَدُها: أنَّهُ وعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُذْنِبُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
ثانِيها: ما تَقَدَّمَ عَلى الفَتْحِ، وما تَأخَّرَ عَنِ الفَتْحِ.
ثالِثُها: العُمُومُ يُقالُ: اضْرِبْ مَن لَقِيتَ ومَن لا تَلْقاهُ، مَعَ أنَّ مَن لا يَلْقى لا يُمْكِنُ ضَرْبُهُ إشارَةً إلى العُمُومِ.
رابِعُها: مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ ومِن بَعْدِها، وعَلى هَذا فَما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِالعَفْوِ وما بَعْدَها بِالعِصْمَةِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ساقِطَةٌ، مِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ مارِيَةَ، وما تَأخَّرَ مِن أمْرِ زَيْنَبَ، وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ وأسْقَطُها لِعَدَمِ التِئامِ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: هو أنَّ التَّكالِيفَ عِنْدَ الفَتْحِ تَمَّتْ حَيْثُ وجَبَ الحَجُّ، وهو آخِرُ التَّكالِيفِ، والتَّكالِيفُ نِعَمٌ.
ثانِيها: يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإخْلاءِ الأرْضِ لَكَ عَنْ مُعانِدِيكَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدُوٌّ ذُو اعْتِبارٍ، فَإنَّ بَعْضَهم كانُوا أُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ والباقُونَ آمَنُوا واسْتَأْمَنُوا يَوْمَ الفَتْحِ.
ثالِثُها: ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ في الدُّنْيا بِاسْتِجابَةِ دُعائِكَ في طَلَبِ الفَتْحِ، وفي الآخِرَةِ بِقَوْلِ شَفاعَتِكَ في الذُّنُوبِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ القُبْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: (أظْهَرُها): يُدِيمُكَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ حَتّى لا يَبْقى مَن يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِ مِنَ المُضِلِّينَ، أوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى الإكْراهِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائِدَةِ: ٣] حَيْثُ أهْلَكْتُ المُجادِلِينَ فِيهِ، وحَمَلْتُهم عَلى الإيمانِ.
وثانِيها: أنْ يُقالَ: جَعَلَ الفَتْحَ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، لِأنَّهُ سَهَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ الجِهادَ لِعِلْمِهِمْ بِالفَوائِدِ العاجِلَةِ بِالفَتْحِ والآجِلَةِ بِالوَعْدِ، والجِهادُ سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يُقالُ لِلْغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ مُجاهِدٌ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ التَّعْرِيفُ، أيْ لِيُعْرَفَ أنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، مِن حَيْثُ إنَّ الفَتْحَ لا يَكُونُ إلّا عَلى يَدِ مَن يَكُونُ عَلى صِراطِ اللَّهِ بِدَلِيلِ حِكايَةِ الفِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ظاهِرٌ، لِأنَّ بِالفَتْحِ ظَهَرَ النَّصْرُ واشْتَهَرَ الأمْرُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ إحْداهُما لَفْظِيَّةٌ والأُخْرى مَعْنَوِيَّةٌ:
صفحة ٦٩
أمّا المَسْألَةُ اللَّفْظِيَّةُ: فَهي أنَّ اللَّهَ وصَفَ النَّصْرَ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا، والعَزِيزُ مَن لَهُ النَّصْرُ: (والجَوابُ): مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
الأوَّلُ: مَعْناهُ: نُصِرَ إذْ عَزَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١] أيْ ذاتُ رِضًى.
الثّانِي: وصْفُ النَّصْرِ بِما يُوصَفُ بِهِ المَنصُورُ إسْنادًا مَجازِيًّا، يُقالُ: لَهُ كَلامٌ صادِقٌ، كَما يُقالُ لَهُ: صادِقٌ.
الثّالِثُ: وصْفُ النَّصْرِ عَزِيزًا صاحِبُهُ. الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّما يَلْزَمُنا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّقْدِيراتِ إذا قُلْنا: العِزَّةُ مِنَ الغَلَبَةِ، والعَزِيزُ الغالِبُ، وأمّا إذا قُلْنا: العَزِيزُ هو النَّفِيسُ القَلِيلُ النَّظِيرِ، أوِ المُحْتاجُ إلَيْهِ القَلِيلُ الوُجُودِ، يُقالُ: عَزَّ الشَّيْءُ إذا قَلَّ وُجُودُهُ مَعَ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فالنَّصْرُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ لَمْ يُوجَدْ وهو أخْذُ بَيْتِ اللَّهِ مِنَ الكُفّارِ المُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ.
أمّا المَسْألَةُ المَعْنَوِيَّةُ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أبْرَزَ الفاعِلَ وهو اللَّهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمَّ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِيَكَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ في الكَلامِ، وهو أنَّ الأفْعالَ الكَثِيرَةَ إذا صَدَرَتْ مِن فاعِلٍ يَظْهَرُ اسْمُهُ في الفِعْلِ الأوَّلِ، ولا يَظْهَرُ فِيما بَعْدَهُ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وتَكَلَّمَ وقامَ وراحَ، ولا تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وقَعَدَ زَيْدٌ اخْتِصارًا لِلْكَلامِ بِالِاقْتِصارِ عَلى الأوَّلِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ ويَنْصُرَكَ نَصْرًا، بَلْ أعادَ لَفْظَ اللَّهِ، فَنَقُولُ هَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ النَّصْرِ، ولِهَذا قَلَّما ذَكَرَ اللَّهُ النَّصْرَ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ [الرُّومِ: ٥] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ يَنْصُرُ، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ، وقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النَّصْرِ: ١] وقالَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ نَصْرٌ وفَتْحٌ، وقالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٦] وهَذا أدَلُّ الآياتِ عَلى مَطْلُوبِنا، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ، والصَّبْرَ بِاللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٧] وذَلِكَ لِأنَّ الصَّبْرَ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ، وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَلَمّا قالَ هَهُنا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ، أظْهَرَ لَفْظَ اللَّهِ ذِكْرًا لِلتَّعْلِيمِ أنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَحْصُلُ اطْمِئْنانُ القُلُوبِ، وبِهِ يَحْصُلُ الصَّبْرُ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ النَّصْرُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا فَتَحْنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنّا فَتَحْنا لِنَغْفِرَ لَكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الفَتْحِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً لَكِنَّها عامَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] وقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ولَئِنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ مِنَ المَغْفِرَةِ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِصْمَةُ، فَذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِنَبِيِّنا، بَلْ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ كانَ مَعْصُومًا، وإتْمامُ النِّعْمَةِ كَذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائِدَةِ: ٣] وقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] وكَذَلِكَ الهِدايَةُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرَّعْدِ:٢٧] فَعَمَّمَ، وكَذَلِكَ النَّصْرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧١، ١٧٢] وأمّا الفَتْحُ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا﴾ وفِيهِ التَّعْظِيمُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: إنّا.
وثانِيهِما: لَكَ أيْ لِأجْلِكَ عَلى وجْهِ المِنَّةِ.
الفتح 48:3
صفحة ٦٧
[ سُورَةُ الفَتْحِ ]
وهِيَ عِشْرُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَدَنِيَّةٍ
﷽
﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ .
﷽
: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الفَتْحِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ وهو ظاهِرٌ.
وثانِيها: فَتْحُ الرُّومِ وغَيْرِها.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ الفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ.
ورابِعُها: فَتْحُ الإسْلامِ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، والسَّيْفِ والسِّنانِ.
وخامِسُها: المُرادُ مِنهُ الحُكْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعْرافِ: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦] والمُخْتارُ مِنَ الكُلِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ.
والثّانِي: فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ.
والثّالِثُ: فَتْحُ الإسْلامِ بِالآيَةِ والبَيانِ والحُجَّةِ والبُرْهانِ.
والأوَّلُ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] إلى أنْ قالَ: ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ فَتَحَ لَهم مَكَّةَ وغَنِمُوا دِيارَهم وحَصَلَ لَهم أضْعافُ ما أنْفَقُوا ولَوْ بَخِلُوا لَضاعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ بُخْلُهم إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ.
ثانِيها: لَمّا قالَ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وقالَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] بَيَّنَ بُرْهانَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَإنَّهم كانُوا هُمُ الأعْلَوْنَ.
ثالِثُها: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وكانَ مَعْناهُ لا تَسْألُوا الصُّلْحَ مِن عِنْدِكم، بَلِ اصْبِرُوا فَإنَّهم يَسْألُونَ الصُّلْحَ ويَجْتَهِدُونَ فِيهِ كَما كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ وهو المُرادُ بِالفَتْحِ في أحَدِ الوُجُوهِ، وكَما كانَ فَتْحُ مَكَّةَ حَيْثُ أتى صَنادِيدَ قُرَيْشٍ مُسْتَأْمِنِينَ ومُؤْمِنِينَ ومُسْلِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ، فَمَكَّةُ لَمْ تَكُنْ قَدْ فُتِحَتْ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بِلَفْظِ الماضِي ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فَتَحْنا في حُكْمِنا وتَقْدِيرِنا ثانِيهِما: ما
صفحة ٦٨
قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ، فَأخْبَرَ بِصِيغَةِ الماضِي إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رافِعَ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ الفَتْحِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، والفَتْحُ لا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما قِيلَ إنَّ الفَتْحَ لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وحْدَها، بَلْ هو سَبَبٌ لِاجْتِماعِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهي: المَغْفِرَةُ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ والنُّصْرَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ ويَهْدِيَكَ ويَنْصُرَكَ، ولا شَكَّ أنَّ الِاجْتِماعَ لَمْ يَثْبُتْ إلّا بِالفَتْحِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ بِهِ تَمَّتْ، والنُّصْرَةَ بَعْدَهُ قَدْ عَمَّتْ.
الثّانِي: هو أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مِن رِجْسِ الأوْثانِ، وتَطْهِيرُ بَيْتِهِ صارَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِ عَبْدِهِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ بِالفَتْحِ يَحْصُلُ الحَجُّ، ثُمَّ بِالحَجِّ تَحْصُلُ المَغْفِرَةُ، ألا تَرى إلى دُعاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ في الحَجِّ: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا» “ .
الرّابِعُ: المُرادُ مِنهُ التَّعْرِيفُ تَقْدِيرُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ لِيُعْرَفَ أنَّكَ مَغْفُورٌ مَعْصُومٌ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا عَلِمُوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ أنَّ مَكَّةَ لا يَأْخُذُها عَدُوُّ اللَّهِ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ، وإنَّما يَدْخُلُها ويَأْخُذُها حَبِيبُ اللَّهِ المَغْفُورُ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَنْبٌ، فَماذا يُغْفَرُ لَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا مِن وُجُوهٍ
أحَدُها: المُرادُ ذَنْبُ المُؤْمِنِينَ.
ثانِيها: المُرادُ تَرْكُ الأفْضَلِ.
ثالِثُها: الصَّغائِرُ فَإنَّها جائِزَةٌ عَلى الأنْبِياءِ بِالسَّهْوِ والعَمْدِ، وهو يَصُونُهم عَنِ العَجَبِ.
رابِعُها: المُرادُ العِصْمَةُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في سُورَةِ القِتالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما تَأخَّرَ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ
أحَدُها: أنَّهُ وعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُذْنِبُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
ثانِيها: ما تَقَدَّمَ عَلى الفَتْحِ، وما تَأخَّرَ عَنِ الفَتْحِ.
ثالِثُها: العُمُومُ يُقالُ: اضْرِبْ مَن لَقِيتَ ومَن لا تَلْقاهُ، مَعَ أنَّ مَن لا يَلْقى لا يُمْكِنُ ضَرْبُهُ إشارَةً إلى العُمُومِ.
رابِعُها: مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ ومِن بَعْدِها، وعَلى هَذا فَما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِالعَفْوِ وما بَعْدَها بِالعِصْمَةِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ساقِطَةٌ، مِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ مارِيَةَ، وما تَأخَّرَ مِن أمْرِ زَيْنَبَ، وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ وأسْقَطُها لِعَدَمِ التِئامِ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: هو أنَّ التَّكالِيفَ عِنْدَ الفَتْحِ تَمَّتْ حَيْثُ وجَبَ الحَجُّ، وهو آخِرُ التَّكالِيفِ، والتَّكالِيفُ نِعَمٌ.
ثانِيها: يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإخْلاءِ الأرْضِ لَكَ عَنْ مُعانِدِيكَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدُوٌّ ذُو اعْتِبارٍ، فَإنَّ بَعْضَهم كانُوا أُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ والباقُونَ آمَنُوا واسْتَأْمَنُوا يَوْمَ الفَتْحِ.
ثالِثُها: ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ في الدُّنْيا بِاسْتِجابَةِ دُعائِكَ في طَلَبِ الفَتْحِ، وفي الآخِرَةِ بِقَوْلِ شَفاعَتِكَ في الذُّنُوبِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ القُبْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: (أظْهَرُها): يُدِيمُكَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ حَتّى لا يَبْقى مَن يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِ مِنَ المُضِلِّينَ، أوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى الإكْراهِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائِدَةِ: ٣] حَيْثُ أهْلَكْتُ المُجادِلِينَ فِيهِ، وحَمَلْتُهم عَلى الإيمانِ.
وثانِيها: أنْ يُقالَ: جَعَلَ الفَتْحَ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، لِأنَّهُ سَهَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ الجِهادَ لِعِلْمِهِمْ بِالفَوائِدِ العاجِلَةِ بِالفَتْحِ والآجِلَةِ بِالوَعْدِ، والجِهادُ سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يُقالُ لِلْغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ مُجاهِدٌ.
وثالِثُها: ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ التَّعْرِيفُ، أيْ لِيُعْرَفَ أنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، مِن حَيْثُ إنَّ الفَتْحَ لا يَكُونُ إلّا عَلى يَدِ مَن يَكُونُ عَلى صِراطِ اللَّهِ بِدَلِيلِ حِكايَةِ الفِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ظاهِرٌ، لِأنَّ بِالفَتْحِ ظَهَرَ النَّصْرُ واشْتَهَرَ الأمْرُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ إحْداهُما لَفْظِيَّةٌ والأُخْرى مَعْنَوِيَّةٌ:
صفحة ٦٩
أمّا المَسْألَةُ اللَّفْظِيَّةُ: فَهي أنَّ اللَّهَ وصَفَ النَّصْرَ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا، والعَزِيزُ مَن لَهُ النَّصْرُ: (والجَوابُ): مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
الأوَّلُ: مَعْناهُ: نُصِرَ إذْ عَزَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١] أيْ ذاتُ رِضًى.
الثّانِي: وصْفُ النَّصْرِ بِما يُوصَفُ بِهِ المَنصُورُ إسْنادًا مَجازِيًّا، يُقالُ: لَهُ كَلامٌ صادِقٌ، كَما يُقالُ لَهُ: صادِقٌ.
الثّالِثُ: وصْفُ النَّصْرِ عَزِيزًا صاحِبُهُ. الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّما يَلْزَمُنا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ التَّقْدِيراتِ إذا قُلْنا: العِزَّةُ مِنَ الغَلَبَةِ، والعَزِيزُ الغالِبُ، وأمّا إذا قُلْنا: العَزِيزُ هو النَّفِيسُ القَلِيلُ النَّظِيرِ، أوِ المُحْتاجُ إلَيْهِ القَلِيلُ الوُجُودِ، يُقالُ: عَزَّ الشَّيْءُ إذا قَلَّ وُجُودُهُ مَعَ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فالنَّصْرُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ لَمْ يُوجَدْ وهو أخْذُ بَيْتِ اللَّهِ مِنَ الكُفّارِ المُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ.
أمّا المَسْألَةُ المَعْنَوِيَّةُ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أبْرَزَ الفاعِلَ وهو اللَّهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمَّ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِيَكَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ في الكَلامِ، وهو أنَّ الأفْعالَ الكَثِيرَةَ إذا صَدَرَتْ مِن فاعِلٍ يَظْهَرُ اسْمُهُ في الفِعْلِ الأوَّلِ، ولا يَظْهَرُ فِيما بَعْدَهُ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وتَكَلَّمَ وقامَ وراحَ، ولا تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وقَعَدَ زَيْدٌ اخْتِصارًا لِلْكَلامِ بِالِاقْتِصارِ عَلى الأوَّلِ، وهَهُنا لَمْ يَقُلْ ويَنْصُرَكَ نَصْرًا، بَلْ أعادَ لَفْظَ اللَّهِ، فَنَقُولُ هَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ النَّصْرِ، ولِهَذا قَلَّما ذَكَرَ اللَّهُ النَّصْرَ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ [الرُّومِ: ٥] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ يَنْصُرُ، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] ولَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ، وقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النَّصْرِ: ١] وقالَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ نَصْرٌ وفَتْحٌ، وقالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٦] وهَذا أدَلُّ الآياتِ عَلى مَطْلُوبِنا، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ، والصَّبْرَ بِاللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٧] وذَلِكَ لِأنَّ الصَّبْرَ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ، وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَلَمّا قالَ هَهُنا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ، أظْهَرَ لَفْظَ اللَّهِ ذِكْرًا لِلتَّعْلِيمِ أنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَحْصُلُ اطْمِئْنانُ القُلُوبِ، وبِهِ يَحْصُلُ الصَّبْرُ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ النَّصْرُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا فَتَحْنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنّا فَتَحْنا لِنَغْفِرَ لَكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الفَتْحِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً لَكِنَّها عامَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] وقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ولَئِنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ مِنَ المَغْفِرَةِ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِصْمَةُ، فَذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِنَبِيِّنا، بَلْ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ كانَ مَعْصُومًا، وإتْمامُ النِّعْمَةِ كَذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائِدَةِ: ٣] وقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] وكَذَلِكَ الهِدايَةُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرَّعْدِ:٢٧] فَعَمَّمَ، وكَذَلِكَ النَّصْرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧١، ١٧٢] وأمّا الفَتْحُ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا﴾ وفِيهِ التَّعْظِيمُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: إنّا.
وثانِيهِما: لَكَ أيْ لِأجْلِكَ عَلى وجْهِ المِنَّةِ.
الفتح 48:4
صفحة ٧٠
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ بَيَّنَ وجْهَ النَّصْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَنْصُرُ رُسُلَهُ بِصَيْحَةٍ يُهْلِكُ بِها أعْداءَهم، أوْ رَجْفَةٍ تَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالفَناءِ، أوْ جُنْدٍ يُرْسِلُهُ مِنَ السَّماءِ، أوْ نَصْرٍ وقُوَّةٍ وثَباتِ قَلْبٍ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِيَكُونَ لَهم بِذَلِكَ الثَّوابُ الجَزِيلُ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيْ تَحْقِيقًا لِلنَّصْرِ، وفي السَّكِينَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هو السُّكُونُ.
الثّانِي: الوَقارُ لِلَّهِ ولِرَسُولِ اللَّهِ وهو مِنَ السُّكُونِ.
الثّالِثُ: اليَقِينُ والكُلُّ مِنَ السُّكُونِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السَّكِينَةُ هُنا غَيْرُ السَّكِينَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٨] في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ ويَحْتَمِلُ هي تِلْكَ المَقْصُودُ مِنها عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ اليَقِينُ وثَباتُ القُلُوبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السَّكِينَةُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ هي سَبَبُ ذِكْرِهِمُ اللَّهَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ الكافِرِينَ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ﴾ [الأحْزابِ: ٢٦] بِلَفْظِ القَذْفِ المُزْعِجِ وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ بِلَفْظِ الإنْزالِ المُثْبَتِ، وفِيهِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ وهو أنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا مِن قَبْلُ وتَذَكَّرَهُ واسْتَدامَ تَذَكُّرُهُ فَإذا وقَعَ لا يَتَغَيَّرُ، ومَن كانَ غافِلًا عَنْ شَيْءٍ فَيَقَعُ دُفْعَةً يَرْجُفُ فُؤادُهُ، ألا تَرى أنَّ مَن أُخْبِرَ بِوُقُوعِ صَيْحَةٍ وقِيلَ لَهُ لا تَنْزَعِجْ مِنها فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ لا يَرْجُفُ، ومَن لَمْ يُخْبَرْ بِها أوْ أُخْبِرَ وغَفَلَ عَنْها يَرْتَجِفُ إذا وقَعَتْ، فَكَذَلِكَ الكافِرُ أتاهُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقَذَفَ في قَلْبِهِ فارْتَجَفَ، والمُؤْمِنُ أتاهُ مِن حَيْثُ كانَ يَذْكُرُهُ فَسَكَنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أمَرَهم بِتَكالِيفِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ فَآمَنُوا بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، مَثَلًا أُمِرُوا بِالتَّوْحِيدِ فَآمَنُوا وأطاعُوا، ثُمَّ أُمِرُوا بِالقِتالِ والحَجِّ فَآمَنُوا وأطاعُوا، فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ.
ثانِيها: أنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ فَصَبَرُوا فَرَأوْا عَيْنَ اليَقِينِ بِما عَلِمُوا مِنَ النَّصْرِ عِلْمَ اليَقِينِ إيمانًا بِالغَيْبِ فازْدادُوا إيمانًا مُسْتَفادًا مِنَ الشَّهادَةِ مَعَ إيمانِهِمُ المُسْتَفادِ مِنَ الغَيْبِ. ثالِثُها: ازْدادُوا بِالفُرُوعِ مَعَ إيمانِهِمْ بِالأُصُولِ، فَإنَّهم آمَنُوا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ والحَشْرَ كائِنٌ وآمَنُوا بِأنَّ كُلَّ ما يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ صِدْقٌ وكُلَّ ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ واجِبٌ. رابِعُها: ازْدادُوا إيمانًا اسْتِدْلالِيًّا مَعَ إيمانِهِمُ الفِطْرِيِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ نُبَيِّنُ لَطِيفَةً وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ الكافِرِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨] ولَمْ يَقُلْ مَعَ كُفْرِهِمْ لِأنَّ كُفْرَهم عِنادِيٌّ ولَيْسَ في الوُجُودِ كُفْرٌ فِطْرِيٌّ لِيَنْضَمَّ إلَيْهِ الكُفْرُ العِنادِيُّ بَلِ الكُفْرُ لَيْسَ إلّا عِنادِيًّا، وكَذَلِكَ الكُفْرُ بِالفُرُوعِ لا يُقالُ انْضَمَّ إلى الكُفْرِ بِالأُصُولِ لِأنَّ مِن ضَرُورَةِ الكُفْرِ بِالأُصُولِ الكُفْرَ بِالفُرُوعِ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الإيمانِ بِالأُصُولِ الإيمانُ بِالفُرُوعِ بِمَعْنى الطّاعَةِ والِانْقِيادِ فَقالَ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى إهْلاكِ عَدُّوِهِ بِجُنُودِهِ بَلْ بِصَيْحَةٍ ولَمْ يَفْعَلْ بَلْ أنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِيَكُونَ إهْلاكُ أعْدائِهِمْ بِأيْدِيهِمْ فَيَكُونَ لَهُمُ الثَّوابُ، وفي جُنُودِ السَّماواتِ والأرْضِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَلائِكَةُ السَّماواتِ والأرْضِ
ثانِيها: مَن في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ ومَن في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ والجِنِّ.
وثالِثُها: الأسْبابُ السَّماوِيَّةُ والأرْضِيَّةُ حَتّى يَكُونَ
صفحة ٧١
سُقُوطُ كِسْفٍ مِنَ السَّماءِ والخَسْفُ مِن جُنُودِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وعَدَدُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ، أثْبَتَ العِلْمَ إشارَةً إلى أنَّهُ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سَبَأٍ: ٣] وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ أمْرَ القُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ والإيمانُ مِن عَمَلِ القُلُوبِ ذَكَرَ العِلْمَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، وقَوْلُهُ: (حَكِيمًا) بَعْدَ قَوْلِهِ: (عَلِيمًا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَفْعَلُ عَلى وفْقِ العِلْمِ فَإنَّ الحَكِيمَ مَن يَعْمَلُ شَيْئًا مُتْقَنًا ويَعْلَمُهُ، فَإنَّ مَن يَقَعُ مِنهُ صُنْعٌ عَجِيبٌ اتِّفاقًا لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ ومَن يَعْلَمُ ويَعْمَلُ عَلى خِلافِ العِلْمِ لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ.
الفتح 48:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
يَسْتَدْعِي فِعْلًا سابِقًا: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ فَإنَّ مَن قالَ ابْتِداءً: لِتُكْرِمَنِي لا يَصِحُّ ما لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ جِئْتُكَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ، وفي ذَلِكَ الفِعْلِ وُجُوهٌ، وضَبْطُ الأحْوالِ فِيهِ بِأنْ تَقُولَ: ذَلِكَ الفِعْلُ إمّا أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا بِصَرِيحِهِ أوْ لا يَكُونَ، وحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَفْهُومًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَفْهُومًا مَن لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ فُهِمَ بِقَرِينَةٍ حالِيَّةٍ فَإنْ كانَ مَذْكُورًا فَهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحُدُها: قَوْلُهُ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ السَّكِينَةَ لِيَزْدادُوا إيمانًا بِسَبَبِ الإنْزالِ لِيُدْخِلَهم بِسَبَبِ الإيمانِ جَنّاتٍ، فَإنْ قِيلَ فَقَوْلُهُ: ﴿ويُعَذِّبَ﴾ [الفَتْحِ: ٦] عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ وازْدِيادُ إيمانِهِمْ لا يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَعْذِيبِهِمْ، نَقُولُ: بَلى وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ التَّعْذِيبَ مَذْكُورٌ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: بِسَبَبِ ازْدِيادِكم في الإيمانِ يُدْخِلُكم في الآخِرَةِ جَنّاتٍ ويُعَذِّبُ بِأيْدِيكم في الدُّنْيا الكُفّارَ والمُنافِقِينَ.
الثّانِي: تَقْدِيرُهُ ويُعَذِّبُ بِسَبَبِ ما لَكم مِنَ الِازْدِيادِ، يُقالُ: فَعَلْتُهُ لِأُجَرِّبَ بِهِ العَدُوَّ والصَّدِيقَ، أيْ لِأعْرِفَ بِوُجُودِهِ الصَّدِيقَ وبِعَدَمِهِ العَدُوَّ فَكَذَلِكَ لِيَزْدادَ المُؤْمِنُ إيمانًا فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ ويَزْدادَ الكافِرُ كُفْرًا فَيُعَذِّبَهُ بِهِ.: (ووَجْهٌ آخَرُ) ثالِثٌ: وهو أنْ سَبَبَ زِيادَةِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ فَيَعْيى المُنافِقُ والكافِرُ مَعَهُ ويَتَعَذَّبُ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ويَنْصُرُكَ اللَّهُ بِالمُؤْمِنِينَ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ جَنّاتٍ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ عَلى قَوْلِنا المُرادُ ذَنْبُ المُؤْمِنِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ ذَنْبَ المُؤْمِنِينَ، لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ جَنّاتٍ، وأمّا إنْ قُلْنا: هو مَفْهُومٌ مِن لَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ فَيَحْتَمِلُ وُجُوهًا أيْضًا أحَدُها: قَوْلُهُ ”حَكِيمًا“ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اللَّهُ حَكِيمٌ، فَعَلَ ما فَعَلَ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ جَنّاتٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَسْتَجِيبُ دُعاءَكَ في الدُّنْيا ويَقْبَلُ شَفاعَتَكَ في العُقْبى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ . ثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ ووَجْهُهُ هو أنَّهُ «رُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَنِيئًا لَكَ إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ فَماذا لَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ، وفَتَحْنا لِلْمُؤْمِنِينَ لِيُدْخِلَهم جَنّاتٍ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِن غَيْرِ مَقالٍ بَلْ مِن قَرِينَةِ الحالِ، فَنَقُولُ: هو الأمْرُ بِالقِتالِ لِأنَّ مِن ذِكْرِ الفَتْحِ والنَّصْرِ عُلِمَ أنَّ الحالَ حالُ القِتالِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالقِتالِ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، أوْ نَقُولُ: عُرِفَ مِن قَرِينَةِ الحالِ أنَّ اللَّهَ اخْتارَ المُؤْمِنِينَ لِيُدْخِلَهم جَنّاتٍ.
صفحة ٧٢
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هَهُنا وفي بَعْضِ المَواضِعِ: ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وفي بَعْضِ المَواضِعِ اكْتَفى بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ودَخَلَتِ المُؤْمِناتُ فِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحْزابِ: ٤٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونُ: ١] فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: في المَواضِعِ الَّتِي فِيها ما يُوهِمُ اخْتِصاصَ المُؤْمِنِينَ بِالجَزاءِ المَوْعُودِ بِهِ مَعَ كَوْنِ المُؤْمِناتِ يَشْتَرِكْنَ مَعَهم ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ صَرِيحًا، وفي المَواضِعِ الَّتِي لَيْسَ فِيها ما يُوهِمُ ذَلِكَ اكْتَفى بِدُخُولِهِمْ في المُؤْمِنِينَ فَقَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] العُمُومُ لا يُوهِمُ خُرُوجَ المُؤْمِناتِ عَنِ البِشارَةِ، وأمّا هَهُنا فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِفِعْلٍ سابِقٍ وهو إمّا الأمْرُ بِالقِتالِ أوِ الصَّبْرُ فِيهِ أوِ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ أوِ الفَتْحُ بِأيْدِيهِمْ عَلى ما كانَ يُتَوَهَّمُ؛ لِأنَّ إدْخالَ المُؤْمِنِينَ كانَ لِلْقِتالِ، والمَرْأةُ لا تُقاتِلُ فَلا تَدْخُلُ الجَنَّةَ المَوْعُودَ بِها، صَرَّحَ اللَّهُ بِذِكْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ في المُنافِقاتِ والمُشْرِكاتِ، والمُنافِقَةُ والمُشْرِكَةُ لَمْ تُقاتِلْ فَلا تُعَذَّبُ فَصَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّساءِ وأحْوالِهِنَّ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، ﴿وأقِمْنَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، ﴿وآتِينَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، ﴿وأطِعْنَ﴾ [الأحْزابِ: ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٣٤] فَكانَ ذِكْرُهُنَّ هُناكَ أصْلًا، لَكِنَّ الرِّجالَ لَمّا كانَ لَهم ما لِلنِّساءِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ذَكَرَهم وذَكَرَهُنَّ بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ مِن غَيْرِ تَبَعِيَّةٍ لِما بَيَّنّا أنَّ الأصْلَ ذِكْرُهُنَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الإدْخالِ مَعَ أنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ قَبْلَ الإدْخالِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: الواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
الثّانِي: تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ والمَغْفِرَةُ وغَيْرُهُما مِن تَوابِعِ كَوْنِ المُكَلَّفِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَقَدَّمَ الإدْخالَ في الذِّكْرِ بِمَعْنى أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: وهو أنَّ التَّكْفِيرَ يَكُونُ بِإلْباسِ خُلَعِ الكَرامَةِ وهي في الجَنَّةِ، وكانَ الإنْسانُ في الجَنَّةِ تُزالُ عَنْهُ قَبائِحُ البَشَرِيَّةِ الجِرْمِيَّةِ كالفَضَلاتِ، والمَعْنَوِيَّةِ كالغَضَبِ والشَّهْوَةِ وهو التَّكْفِيرُ، وتَثْبُتُ فِيهِ الصِّفاتُ المَلَكِيَّةُ وهي أشْرَفُ أنْواعِ الخُلَعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما مَشْهُورٌ: وهو أنَّ الإدْخالَ والتَّكْفِيرَ في اللَّهِ فَوْزٌ عَظِيمٌ، يُقالُ: عِنْدِي هَذا الأمْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، أيْ في اعْتِقادِي.
وثانِيهِما: أغْرَبُ مِنهُ وأقْرَبُ مِنهُ عَقْلًا، وهو أنْ يُجْعَلَ عِنْدَ اللَّهِ كالوَصْفِ لِذَلِكَ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُوصَفُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزٌ عَظِيمٌ حَتّى إنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُرْبٌ مِنَ اللَّهِ بِالعِنْدِيَّةِ لَما كانَ فَوْزًا.
الفتح 48:6
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
صفحة ٧٣
واعْلَمْ أنَّهُ قَدَّمَ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في الذِّكْرِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ لِأُمُورٍ أحَدُها: أنَّهم كانُوا أشَدَّ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِ المُجاهِرِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَتَوَقّى المُشْرِكَ المُجاهِرَ وكانَ يُخالِطُ المُنافِقَ لِظَنِّهِ بِإيمانِهِ، وهو كانَ يُفْشِي أسْرارَهُ، وإلى هَذا أشارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ”«أعْدى عَدُوِّكَ نَفْسُكُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ» “ والمُنافِقُ عَلى صُورَةِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ لا يَأْتِي الإنْسانَ عَلى أنِّي عَدُوُّكَ، وإنَّما يَأْتِيهِ عَلى أنِّي صَدِيقُكَ، والمُجاهِرُ عَلى خِلافِ الشَّيْطانِ مِن وجْهٍ، ولِأنَّ المُنافِقَ كانَ يَظُنُّ أنْ يَتَخَلَّصَ لِلْمُخادَعَةِ، والكافِرُ لا يَقْطَعُ بِأنَّ المُؤْمِنَ إنْ غَلَبَ يَفْدِيهِ، فَأوَّلُ ما أخْبَرَ اللَّهُ أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هَذا الظَّنُّ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحُدُها: هو الظَّنُّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ [الفَتْحِ: ١٢] .
ثانِيها: ظَنُّ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ في الإشْراكِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] إلى أنْ قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النَّجْمِ: ٢٨] . ثالِثُها: ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ لا يَرى ولا يَعْلَمُ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] والأوَّلُ أصَحُّ أوْ نَقُولُ: المُرادُ جَمِيعُ ظُنُونِهِمْ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ ظَنُّهُمُ الَّذِي ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ العالَمَ خَلْقُهُ باطِلٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ الألِفُ واللّامُ الَّذِي في السُّوءِ وسَنَذْكُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ما اخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ الأُدَباءِ، وهو أنَّ السُّوءَ صارَ عِبارَةً عَنِ الفَسادِ، والصِّدْقَ عِبارَةً عَنِ الصَّلاحِ يُقالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ سُوءٍ أيْ فاسِدٍ، وسُئِلْتُ عَنْ رَجُلِ صِدْقٍ أيْ صالِحٍ، فَإذا كانَ مَجْمُوعُ قَوْلِنا رَجُلُ سَوْءٍ يُؤَدِّي مَعْنى قَوْلِنا فاسِدٌ، فالسُّوءُ وحْدَهُ يَكُونُ بِمَعْنى الفَسادِ، وهَذا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الخَلِيلُ والزَّجّاجُ واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَحْقِيقُ هَذا أنَّ السَّوْءَ في المَعانِي كالفَسادِ في الأجْسادِ، يُقالُ: ساءَ مِزاجُهُ، وساءَ خُلُقُهُ، وساءَ ظَنُّهُ، كَما يُقالُ: فَسَدَ اللَّحْمُ وفَسَدَ الهَواءُ، بَلْ كُلُّ ما ساءَ فَقَدْ فَسَدَ وكُلُّ ما فَسَدَ فَقَدْ ساءَ غَيْرَ أنَّ أحَدَهُما كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في المَعانِي والآخَرَ في الأجْرامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الرُّومِ: ٤١] وقالَ: ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩] هَذا ما يَظْهَرُ لِي مِن تَحْقِيقِ كَلامِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ دائِرَةُ الفَسادِ وحاقَ بِهِمُ الفَسادُ بِحَيْثُ لا خُرُوجَ لَهم مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ زِيادَةٌ في الإفادَةِ لِأنَّ مَن كانَ بِهِ بَلاءٌ فَقَدْ يَكُونُ مُبْتَلًى بِهِ عَلى وجْهِ الِامْتِحانِ فَيَكُونُ مُصابًا لِكَيْ يَصِيرَ مُثابًا، وقَدْ يَكُونُ مُصابًا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ فَقَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي حاقَ بِهِمْ عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ زِيادَةُ إفادَةٍ لِأنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَقْنَعُ الغاضِبُ بِالعَتَبِ والشَّتْمِ أوِ الضَّرْبِ، ولا يُفْضِي غَضَبُهُ إلى إبْعادِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِن جَنابِهِ وطَرْدِهِ مِن بابِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُفْضِي إلى الطَّرْدِ والإبْعادِ فَقالَ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ لِكَوْنِ الغَضَبِ شَدِيدًا، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَهم في الدُّنْيا بَيَّنَ مَآلَهم في العُقْبى قالَ: ﴿وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ساءَتْ﴾ إشارَةٌ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ في جَهَنَّمَ يُقالُ: هَذِهِ الدّارُ نِعْمَ المَكانُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وبَقِيَ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في الإعادَةِ ؟ نَقُولُ: لِلَّهِ جُنُودُ الرَّحْمَةِ وجُنُودُ العَذابِ أوْ جُنُودُ اللَّهِ إنْزالُهم قَدْ يَكُونُ لِلرَّحْمَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِلْعَذابِ، فَذَكَرَهم أوَّلًا لِبَيانِ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٣] . وثانِيًا: لِبَيانِ إنْزالِ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ.
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١٧] وهُنا: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِمُ الإشارَةُ إلى شِدَّةِ العَذابِ فَذَكَرَ العِزَّةَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ:٢٣] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ جُنُودَ السَّماواتِ والأرْضِ قَبْلَ إدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، وذَكَرَهم هَهُنا بَعْدَ ذِكْرِ تَعْذِيبِ الكُفّارِ وإعْدادِ جَهَنَّمَ، نَقُولُ: فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ جُنُودَ الرَّحْمَةِ فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مُكَرَّمِينَ مُعَظَّمِينَ الجَنَّةَ ثُمَّ يُلْبِسُهم خِلَعَ الكَرامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ كَما بَيَّنّا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ القُرْبى والزُّلْفى بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وبَعْدَ حُصُولِ القُرْبِ والعِنْدِيَّةِ لا تَبْقى واسِطَةُ الجُنُودِ، فالجُنُودُ في الرَّحْمَةِ أوَّلًا يَنْزِلُونَ ويُقَرَّبُونَ آخِرًا. وأمّا في الكافِرِ فَيُغْضَبُ عَلَيْهِ أوَّلًا فَيُبْعَدُ ويُطْرَدُ إلى البِلادِ النّائِيَةِ عَنْ ناحِيَةِ الرَّحْمَةِ وهي جَهَنَّمُ ويُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ وهم جُنُودُ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ولِذَلِكَ ذَكَرَ جُنُودَ الرَّحْمَةِ أوَّلًا والقُرْبَةِ بِقَوْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ آخِرًا. وقالَ هَهُنا: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهُمْ﴾ وهو الإبْعادُ أوَّلًا وجُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ آخِرًا.
الفتح 48:7
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
صفحة ٧٣
واعْلَمْ أنَّهُ قَدَّمَ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في الذِّكْرِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ لِأُمُورٍ أحَدُها: أنَّهم كانُوا أشَدَّ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِ المُجاهِرِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَتَوَقّى المُشْرِكَ المُجاهِرَ وكانَ يُخالِطُ المُنافِقَ لِظَنِّهِ بِإيمانِهِ، وهو كانَ يُفْشِي أسْرارَهُ، وإلى هَذا أشارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ”«أعْدى عَدُوِّكَ نَفْسُكُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ» “ والمُنافِقُ عَلى صُورَةِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ لا يَأْتِي الإنْسانَ عَلى أنِّي عَدُوُّكَ، وإنَّما يَأْتِيهِ عَلى أنِّي صَدِيقُكَ، والمُجاهِرُ عَلى خِلافِ الشَّيْطانِ مِن وجْهٍ، ولِأنَّ المُنافِقَ كانَ يَظُنُّ أنْ يَتَخَلَّصَ لِلْمُخادَعَةِ، والكافِرُ لا يَقْطَعُ بِأنَّ المُؤْمِنَ إنْ غَلَبَ يَفْدِيهِ، فَأوَّلُ ما أخْبَرَ اللَّهُ أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هَذا الظَّنُّ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحُدُها: هو الظَّنُّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ [الفَتْحِ: ١٢] .
ثانِيها: ظَنُّ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ في الإشْراكِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] إلى أنْ قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النَّجْمِ: ٢٨] . ثالِثُها: ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ لا يَرى ولا يَعْلَمُ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] والأوَّلُ أصَحُّ أوْ نَقُولُ: المُرادُ جَمِيعُ ظُنُونِهِمْ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ ظَنُّهُمُ الَّذِي ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ العالَمَ خَلْقُهُ باطِلٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ الألِفُ واللّامُ الَّذِي في السُّوءِ وسَنَذْكُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ما اخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ الأُدَباءِ، وهو أنَّ السُّوءَ صارَ عِبارَةً عَنِ الفَسادِ، والصِّدْقَ عِبارَةً عَنِ الصَّلاحِ يُقالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ سُوءٍ أيْ فاسِدٍ، وسُئِلْتُ عَنْ رَجُلِ صِدْقٍ أيْ صالِحٍ، فَإذا كانَ مَجْمُوعُ قَوْلِنا رَجُلُ سَوْءٍ يُؤَدِّي مَعْنى قَوْلِنا فاسِدٌ، فالسُّوءُ وحْدَهُ يَكُونُ بِمَعْنى الفَسادِ، وهَذا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الخَلِيلُ والزَّجّاجُ واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَحْقِيقُ هَذا أنَّ السَّوْءَ في المَعانِي كالفَسادِ في الأجْسادِ، يُقالُ: ساءَ مِزاجُهُ، وساءَ خُلُقُهُ، وساءَ ظَنُّهُ، كَما يُقالُ: فَسَدَ اللَّحْمُ وفَسَدَ الهَواءُ، بَلْ كُلُّ ما ساءَ فَقَدْ فَسَدَ وكُلُّ ما فَسَدَ فَقَدْ ساءَ غَيْرَ أنَّ أحَدَهُما كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في المَعانِي والآخَرَ في الأجْرامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الرُّومِ: ٤١] وقالَ: ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩] هَذا ما يَظْهَرُ لِي مِن تَحْقِيقِ كَلامِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ دائِرَةُ الفَسادِ وحاقَ بِهِمُ الفَسادُ بِحَيْثُ لا خُرُوجَ لَهم مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ زِيادَةٌ في الإفادَةِ لِأنَّ مَن كانَ بِهِ بَلاءٌ فَقَدْ يَكُونُ مُبْتَلًى بِهِ عَلى وجْهِ الِامْتِحانِ فَيَكُونُ مُصابًا لِكَيْ يَصِيرَ مُثابًا، وقَدْ يَكُونُ مُصابًا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ فَقَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي حاقَ بِهِمْ عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ زِيادَةُ إفادَةٍ لِأنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَقْنَعُ الغاضِبُ بِالعَتَبِ والشَّتْمِ أوِ الضَّرْبِ، ولا يُفْضِي غَضَبُهُ إلى إبْعادِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِن جَنابِهِ وطَرْدِهِ مِن بابِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُفْضِي إلى الطَّرْدِ والإبْعادِ فَقالَ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ لِكَوْنِ الغَضَبِ شَدِيدًا، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَهم في الدُّنْيا بَيَّنَ مَآلَهم في العُقْبى قالَ: ﴿وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ساءَتْ﴾ إشارَةٌ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ في جَهَنَّمَ يُقالُ: هَذِهِ الدّارُ نِعْمَ المَكانُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وبَقِيَ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في الإعادَةِ ؟ نَقُولُ: لِلَّهِ جُنُودُ الرَّحْمَةِ وجُنُودُ العَذابِ أوْ جُنُودُ اللَّهِ إنْزالُهم قَدْ يَكُونُ لِلرَّحْمَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِلْعَذابِ، فَذَكَرَهم أوَّلًا لِبَيانِ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٣] . وثانِيًا: لِبَيانِ إنْزالِ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ.
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١٧] وهُنا: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِمُ الإشارَةُ إلى شِدَّةِ العَذابِ فَذَكَرَ العِزَّةَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ:٢٣] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ جُنُودَ السَّماواتِ والأرْضِ قَبْلَ إدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، وذَكَرَهم هَهُنا بَعْدَ ذِكْرِ تَعْذِيبِ الكُفّارِ وإعْدادِ جَهَنَّمَ، نَقُولُ: فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ جُنُودَ الرَّحْمَةِ فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مُكَرَّمِينَ مُعَظَّمِينَ الجَنَّةَ ثُمَّ يُلْبِسُهم خِلَعَ الكَرامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ كَما بَيَّنّا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ القُرْبى والزُّلْفى بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وبَعْدَ حُصُولِ القُرْبِ والعِنْدِيَّةِ لا تَبْقى واسِطَةُ الجُنُودِ، فالجُنُودُ في الرَّحْمَةِ أوَّلًا يَنْزِلُونَ ويُقَرَّبُونَ آخِرًا. وأمّا في الكافِرِ فَيُغْضَبُ عَلَيْهِ أوَّلًا فَيُبْعَدُ ويُطْرَدُ إلى البِلادِ النّائِيَةِ عَنْ ناحِيَةِ الرَّحْمَةِ وهي جَهَنَّمُ ويُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ وهم جُنُودُ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ولِذَلِكَ ذَكَرَ جُنُودَ الرَّحْمَةِ أوَّلًا والقُرْبَةِ بِقَوْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ آخِرًا. وقالَ هَهُنا: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهُمْ﴾ وهو الإبْعادُ أوَّلًا وجُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ آخِرًا.
الفتح 48:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: ”شاهِدًا“ عَلى أُمَّتِكَ بِما يَفْعَلُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفَتْحِ: ٨] وعَلَيْهِ يَشْهَدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا مِن عِنْدِهِ وعَلَّمَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ فاشْهَدْ وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ لِمَن قَبِلَ شَهادَتَهُ وعَمِلَ بِها ويُوافِقُهُ فِيها: (ونَذِيرًا) لِمَن رَدَّ شَهادَتَهُ ويُخالِفُهُ فِيها.
ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ الإرْسالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَقالَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مُرَتَّبَةً عَلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن قَبْلُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ لِأنَّ كَوْنَهُ مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ المُكَلَّفُ بِاللَّهِ المُرْسِلِ وبِالمُرْسَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُعَزِّرَ اللَّهُ ويُقَوِّيَ دِينَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شاهِدًا﴾ عَلى ما بَيَّنّا مَعْناهُ أنَّهُ يَشْهَدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو فَدِينُهُ هو الحَقُّ وأحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُوَقِّرَ اللَّهَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهَ عِنْدَهُ عَلى شَبَهِ تَعْظِيمِ اللَّهِ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ونَذِيرًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُنَزَّهَ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَخافَةَ عَذابِهِ الألِيمِ وعِقابِهِ الشَّدِيدِ، وأصْلُ الإرْسالَ مُرَتَّبٌ عَلى أصْلِ الإيمانِ ووَصْفُ الرَّسُولِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وصْفُ المُؤْمِنِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مُقْتَضِيًا لِلْأُمُورِ الأرْبَعَةِ فَكَوْنُهُ مُرْسَلًا يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ المُكَلَّفُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ
صفحة ٧٥
ويُعَزِّرَهُ ويُوَقِّرَهُ ويُسَبِّحَهُ، وكَذَلِكَ كَوْنُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ بِالوَحْدانِيَّةِ يَقْتَضِي الأُمُورَ المَذْكُورَةَ، وكَذَلِكَ كَوْنُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ لا يُقالُ: إنَّ اقْتِرانَ اللّامِ بِالفِعْلِ يَسْتَدْعِي فِعْلًا مُقَدَّمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ ولا يَتَعَلَّقُ بِالوَصْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ يَسْتَدْعِي فِعْلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ فَكَيْفَ تَتَرَتَّبُ الأُمُورُ عَلى كَوْنِهِ: ﴿شاهِدًا ومُبَشِّرًا﴾ ؟ لِأنّا نَقُولُ: يَجُوزُ التَّرْتِيبُ عَلَيْهِ مَعْنًى لا لَفْظًا، كَما أنَّ القائِلَ إذا قالَ: بَعَثْتُ إلَيْكَ عالِمًا لِتُكْرِمَهُ فاللَّفْظُ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ البَعْثِ سَبَبَ الإكْرامِ، وفي المَعْنى كَوْنُهُ عالِمًا هو السَّبَبُ لِلْإكْرامِ، ولِهَذا لَوْ قالَ بَعَثْتُ إلَيْكَ جاهِلًا لِتُكْرِمَهُ كانَ حَسَنًا، وإذا أرَدْنا الجَمْعَ بَيْنَ اللَّفْظِ والمَعْنى نَقُولُ: الإرْسالُ الَّذِي هو إرْسالُ حالِ كَوْنِهِ شاهِدًا كَما تَقُولُ: بَعْثُ العالَمِ سَبَبُ جَعْلِهِ سَبَبًا لا مُجَرَّدُ البَعْثِ ولا مُجَرَّدُ العالَمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الأحْزابِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٥، ٤٦] وهَهُنا اقْتَصَرَ عَلى الثَّلاثَةِ مِنَ الخَمْسَةِ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ المَقامَ كانَ مَقامَ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ السُّورَةِ في ذِكْرِ الرَّسُولِ ﷺ وأحْوالِهِ وما تَقَدَّمَهُ مِنَ المُبايَعَةِ والوَعْدِ والدُّخُولِ فَفُصِّلَ هُنالِكَ، ولَمْ يُفَصَّلْ هَهُنا. ثانِيهِما: أنْ نَقُولَ: الكَلامُ مَذْكُورٌ هَهُنا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شاهِدًا﴾ لَمّا لَمْ يَقْتَضِ أنْ يَكُونَ داعِيًا لِجَوازِ أنْ يَقُولَ مَعَ نَفْسِهِ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا يَدْعُو النّاسَ قالَ هُناكَ وداعِيًا لِذَلِكَ، وهَهُنا لَمّا لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ مُنْبِئًا عَنْ كَوْنِهِ داعِيًا قالَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ سِراجًا لِأنَّهُ أتى بِما يَجِبُ مِنَ التَّعْظِيمِ والِاجْتِنابِ عَمّا يَحْرُمُ مِنَ السُّوءِ والفَحْشاءِ بِالتَّنْزِيهِ وهو التَّسْبِيحُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اخْتِيارَ البُكْرَةِ والأصِيلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُداوَمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِخِلافِ ما كانَ المُشْرِكُونَ يَعْمَلُونَهُ فَإنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ في الكَعْبَةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً فَأُمِرُوا بِالتَّسْبِيحِ في أوْقاتٍ كانُوا يَذْكُرُونَ فِيها الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكِناياتُ المَذْكُورُةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ والأصَحُّ هو الأوَّلُ.
الفتح 48:9
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: ”شاهِدًا“ عَلى أُمَّتِكَ بِما يَفْعَلُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفَتْحِ: ٨] وعَلَيْهِ يَشْهَدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا مِن عِنْدِهِ وعَلَّمَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ فاشْهَدْ وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ لِمَن قَبِلَ شَهادَتَهُ وعَمِلَ بِها ويُوافِقُهُ فِيها: (ونَذِيرًا) لِمَن رَدَّ شَهادَتَهُ ويُخالِفُهُ فِيها.
ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ الإرْسالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَقالَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مُرَتَّبَةً عَلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن قَبْلُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ لِأنَّ كَوْنَهُ مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ المُكَلَّفُ بِاللَّهِ المُرْسِلِ وبِالمُرْسَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُعَزِّرَ اللَّهُ ويُقَوِّيَ دِينَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شاهِدًا﴾ عَلى ما بَيَّنّا مَعْناهُ أنَّهُ يَشْهَدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو فَدِينُهُ هو الحَقُّ وأحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُوَقِّرَ اللَّهَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهَ عِنْدَهُ عَلى شَبَهِ تَعْظِيمِ اللَّهِ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ونَذِيرًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُنَزَّهَ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَخافَةَ عَذابِهِ الألِيمِ وعِقابِهِ الشَّدِيدِ، وأصْلُ الإرْسالَ مُرَتَّبٌ عَلى أصْلِ الإيمانِ ووَصْفُ الرَّسُولِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وصْفُ المُؤْمِنِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مُقْتَضِيًا لِلْأُمُورِ الأرْبَعَةِ فَكَوْنُهُ مُرْسَلًا يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ المُكَلَّفُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ
صفحة ٧٥
ويُعَزِّرَهُ ويُوَقِّرَهُ ويُسَبِّحَهُ، وكَذَلِكَ كَوْنُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ بِالوَحْدانِيَّةِ يَقْتَضِي الأُمُورَ المَذْكُورَةَ، وكَذَلِكَ كَوْنُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ لا يُقالُ: إنَّ اقْتِرانَ اللّامِ بِالفِعْلِ يَسْتَدْعِي فِعْلًا مُقَدَّمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ ولا يَتَعَلَّقُ بِالوَصْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ يَسْتَدْعِي فِعْلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ فَكَيْفَ تَتَرَتَّبُ الأُمُورُ عَلى كَوْنِهِ: ﴿شاهِدًا ومُبَشِّرًا﴾ ؟ لِأنّا نَقُولُ: يَجُوزُ التَّرْتِيبُ عَلَيْهِ مَعْنًى لا لَفْظًا، كَما أنَّ القائِلَ إذا قالَ: بَعَثْتُ إلَيْكَ عالِمًا لِتُكْرِمَهُ فاللَّفْظُ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ البَعْثِ سَبَبَ الإكْرامِ، وفي المَعْنى كَوْنُهُ عالِمًا هو السَّبَبُ لِلْإكْرامِ، ولِهَذا لَوْ قالَ بَعَثْتُ إلَيْكَ جاهِلًا لِتُكْرِمَهُ كانَ حَسَنًا، وإذا أرَدْنا الجَمْعَ بَيْنَ اللَّفْظِ والمَعْنى نَقُولُ: الإرْسالُ الَّذِي هو إرْسالُ حالِ كَوْنِهِ شاهِدًا كَما تَقُولُ: بَعْثُ العالَمِ سَبَبُ جَعْلِهِ سَبَبًا لا مُجَرَّدُ البَعْثِ ولا مُجَرَّدُ العالَمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الأحْزابِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٥، ٤٦] وهَهُنا اقْتَصَرَ عَلى الثَّلاثَةِ مِنَ الخَمْسَةِ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ المَقامَ كانَ مَقامَ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ السُّورَةِ في ذِكْرِ الرَّسُولِ ﷺ وأحْوالِهِ وما تَقَدَّمَهُ مِنَ المُبايَعَةِ والوَعْدِ والدُّخُولِ فَفُصِّلَ هُنالِكَ، ولَمْ يُفَصَّلْ هَهُنا. ثانِيهِما: أنْ نَقُولَ: الكَلامُ مَذْكُورٌ هَهُنا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شاهِدًا﴾ لَمّا لَمْ يَقْتَضِ أنْ يَكُونَ داعِيًا لِجَوازِ أنْ يَقُولَ مَعَ نَفْسِهِ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا يَدْعُو النّاسَ قالَ هُناكَ وداعِيًا لِذَلِكَ، وهَهُنا لَمّا لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ مُنْبِئًا عَنْ كَوْنِهِ داعِيًا قالَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ سِراجًا لِأنَّهُ أتى بِما يَجِبُ مِنَ التَّعْظِيمِ والِاجْتِنابِ عَمّا يَحْرُمُ مِنَ السُّوءِ والفَحْشاءِ بِالتَّنْزِيهِ وهو التَّسْبِيحُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اخْتِيارَ البُكْرَةِ والأصِيلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُداوَمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِخِلافِ ما كانَ المُشْرِكُونَ يَعْمَلُونَهُ فَإنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ في الكَعْبَةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً فَأُمِرُوا بِالتَّسْبِيحِ في أوْقاتٍ كانُوا يَذْكُرُونَ فِيها الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكِناياتُ المَذْكُورُةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ والأصَحُّ هو الأوَّلُ.
الفتح 48:10
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ مُرْسَلٌ ذَكَرَ أنَّ مَن بايَعَهُ فَقَدْ بايَعَ اللَّهَ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ في المَوْضِعَيْنِ إمّا أنْ تَكُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ بِمَعْنَيَيْنِ، فَإنْ قُلْنا إنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ بِمَعْنى: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَوْقَ إحْسانِهِمْ إلى اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحُجُراتِ: ١٧] وثانِيهِما: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نُصْرَتُهُ إيّاهم أقْوى وأعْلى مِن نُصْرَتِهِمْ إيّاهُ، يُقالُ: اليَدُ لِفُلانٍ، أيِ الغَلَبَةُ والنُّصْرَةُ والقَهْرُ. وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّها بِمَعْنَيَيْنِ، فَنَقُولُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٧٦
بِمَعْنى الحِفْظِ، وفي حَقِّ المُبايِعِينَ بِمَعْنى الجارِحَةِ، واليَدُ كِنايَةٌ عَنِ الحِفْظِ مَأْخُوذٌ مِن حالِ المُتَبايِعِينَ إذا مَدَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَدَهُ إلى صاحِبِهِ في البَيْعِ والشِّراءِ، وبَيْنَهُما ثالِثٌ مُتَوَسِّطٍ لا يُرِيدُ أنْ يَتَفاسَخا العَقْدَ مِن غَيْرِ إتْمامِ البَيْعِ، فَيَضَعُ يَدَهُ عَلى يَدَيْهِما، ويَحْفَظُ أيْدِيَهُما إلى أنْ يَتِمَّ العَقْدُ، ولا يَتْرُكَ أحَدَهُما يَتْرُكُ يَدَ الآخَرِ، فَوَضْعُ اليَدِ فَوْقَ الأيْدِي صارَ سَبَبًا لِلْحِفْظِ عَلى البَيْعَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ يَحْفَظُهم عَلى البَيْعَةِ كَما يَحْفَظُ ذَلِكَ المُتَوَسِّطُ أيْدِيَ المُتَبايِعِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أمّا عَلى قَوْلِنا المُرادُ مِنَ اليَدِ النِّعْمَةُ أوِ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، فَلِأنَّ مَن نَكَثَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ الإحْسانَ الجَزِيلَ في مُقابَلَةِ العَمَلِ القَلِيلِ، فَقَدْ خَسِرَ ونَكْثُهُ عَلى نَفْسِهِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا المُرادُ الحِفْظُ، فَهو عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ يَعْنِي مَن يُبايِعُكُ أيُّها النَّبِيُّ إذا نَكَثَ لا يَكُونُ نَكْثُهُ عائِدًا إلَيْكَ؛ لِأنَّ البَيْعَةَ مَعَ اللَّهِ ولا إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَتَضَرَّرُ بِشَيْءٍ، فَضَرَرُهُ لا يَعُودُ إلّا إلَيْهِ. قالَ: ﴿ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العِظَمَ في الأجْرامِ لا يُقالُ إلّا إذا اجْتَمَعَ فِيهِ الطُّولُ البالِغُ والعَرْضُ الواسِعُ والسُّمْكُ الغَلِيظُ، فَيُقالُ في الجَبَلِ الَّذِي هو مُرْتَفِعٌ، ولا اتِّساعَ لِعَرْضِهِ جَبَلٌ عالٍ أوْ مُرْتَفِعٌ أوْ شاهِقٌ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِ الِاتِّساعُ في الجَوانِبِ يُقالُ عَظِيمٌ، والأجْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ مَآكِلَ الجَنَّةِ تَكُونُ مِن أرْفَعِ الأجْناسِ، وتَكُونُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، وتَكُونُ مُمْتَدَّةً إلى الأبَدِ لا انْقِطاعَ لَها، فَحَصَلَ فِيهِ ما يُناسِبُ أنْ يُقالَ لَهُ عَظِيمٌ، والعَظِيمُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى إشارَةٌ إلى كَمالِهِ في صِفاتِهِ، كَما أنَّهُ في الجِسْمِ إشارَةٌ إلى كَمالِهِ في جِهاتِهِ.
الفتح 48:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ حالَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ المُتَخَلِّفِينَ، فَإنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ امْتَنَعُوا عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ يُهْزَمُ، فَإنَّهم قالُوا: أهْلُ مَكَّةَ يُقاتِلُونَ عَنْ بابِ المَدِينَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا دَخَلُوا بِلادَهم وأحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ فاعْتَذَرُوا، وقَوْلُهم: ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ فِيهِ أمْرانِ يُفِيدانِ وُضُوحَ العُذْرِ أحَدُهُما: [قَوْلُهُمْ]: (أمْوالُنا) ولَمْ يَقُولُوا شَغَلَتْنا الأمْوالُ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعَ المالِ لا يَصْلُحُ عُذْرًا [لِأنَّهُ] لا نِهايَةَ لَهُ، وأمّا حِفْظُ ما جُمِعَ مِنَ الشَّتاتِ ومَنعُ الحاصِلَ مِنَ الفَواتِ يَصْلُحُ عُذْرًا، فَقالُوا: ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾ أيْ ما صارَ مالًا لَنا لا مُطْلَقَ الأمْوالِ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلُونا﴾ وذَلِكَ لَوْ أنَّ قائِلًا قالَ لَهم: المالُ لا يَنْبَغِي أنْ يَبْلُغَ إلى دَرَجَةٍ يَمْنَعُكم حِفْظُهُ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: فالأهْلُ يَمْنَعُ الِاشْتِغالُ بِهِمْ وحِفْظُهم عَنْ أهَمِّ الأُمُورِ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ العُذْرِ تَضَرَّعُوا وقالُوا: ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ يَعْنِي فَنَحْنُ مَعَ إقامَةِ العُذْرِ مُعْتَرِفُونَ بِالإساءَةِ، فاسْتَغْفِرْ لَنا واعْفُ عَنّا في أمْرِ الخُرُوجِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ وهَذا
صفحة ٧٧
يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّهم أظْهَرُوا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم مُسِيئُونَ بِالتَّخَلُّفِ حَتّى اسْتَغْفَرُوا، ولَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم بِالتَّخَلُّفِ مُحْسِنُونَ. ثانِيهِما: قالُوا: ﴿شَغَلَتْنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ امْتِناعَنا لِهَذا لا غَيْرُ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ امْتِناعَهم لِاعْتِقادِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يُقْهَرُونَ ويُغْلَبُونَ، كَما قالَ بَعْدَهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ [الفَتْحِ: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ مَعْناهُ أنَّكم تَحْتَرِزُونَ عَنِ الضُّرِّ، وتَتْرُكُونَ أمْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وتَقْعُدُونَ طَلَبًا لِلسَّلامَةِ، ولَوْ أرادَ بِكُمُ الضَّرَرَ لا يَنْفَعُكم قُعُودُكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أوْ مَعْناهُ أنَّكم تَحْتَرِزُونَ عَنْ ضَرَرِ القِتالِ والمُقاتِلِينَ وتَعْتَقِدُونَ أنَّ أهْلِيكم وبِلادَكم تَحْفَظُكم مِنَ العَدُوِّ، فَهَبْ أنَّكم حَفِظْتُمْ أنْفُسَكم عَنْ ذَلِكَ، فَمَن يَدْفَعُ عَنْكم عَذابَ اللَّهِ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ أوْلى بِالِاحْتِرازِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ يس في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ [يس: ٢٣] أنَّهُ في صُورَةِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ المُؤْمِنِ، أدْخَلَ الباءَ عَلى الضُّرِّ فَقالَ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٨] وقالَ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنْعامِ: ١٧] وفي صُورَةِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ الكافِرِ أدْخَلَ الباءَ عَلى الكافِرِ، فَقالَ هَهُنا: ﴿إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ وقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ [الأحْزابِ: ١٧] وقَدْ ذَكَرْنا الفَرْقَ الفائِقَ هُناكَ، ولا نُعِيدُهُ لِيَكُونَ هَذا باعِثًا عَلى مُطالَعَةِ تَفْسِيرِ سُورَةِ يس، فَإنَّها دُرْجُ الدُّرَرِ اليَتِيمَةِ.: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أيْ بِما تَعْمَلُونَ مِن إظْهارِ الحَرْبِ وإضْمارِ غَيْرِهِ.
الفتح 48:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ .
يَعْنِي لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُكم لِما ذَكَرْتُمْ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ ظَنَنْتُمْ أوَّلًا، فَزَيَّنَ الشَّيْطانُ ظَنَّكم عِنْدَكم حَتّى قَطَعْتُمْ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ يُزَيِّنُها الشَّيْطانُ، ويَضُمُّ إلَيْها مُخايَلَةً يَقْطَعُ بِها الغافِلُ، وإنْ كانَ لا يَشُكُّ فِيها العاقِلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا العَطْفُ عَطْفًا يُفِيدُ المُغايَرَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ غَيْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ وحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ الثّانِي مَعْناهُ: وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وعْدَهُ، أوْ ظَنَنْتُمْ أنَّ الرَّسُولَ كاذِبٌ في قَوْلِهِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن ظَنِّ أنْ لا يَنْقَلِبُوا، ويَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِ القائِلِ: عَلِمْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ وعَلِمْتُ
صفحة ٧٨
كَذا، أيْ هَذِهِ المَسْألَةُ لا غَيْرُها، وذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ: بَلْ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ. وظَنُّكم ذَلِكَ فاسِدٌ، وقَدْ بَيَّنّا التَّحْقِيقَ في ظَنِّ السُّوءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: وصِرْتُمْ بِذَلِكَ الظَّنِّ بائِرِينَ هالِكِينَ.
وثانِيهِما: أنْتُمْ في الأصْلِ بائِرُونَ وظَنَنْتُمْ ذَلِكَ الظَّنَّ الفاسِدَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى:: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ .
عَلى قَوْلِنا: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ظَنٌّ آخَرُ غَيْرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ ظاهِرٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ ظَنُّهم بِأنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وعْدَهُ أوْ ظَنُّهم بِأنَّ الرَّسُولَ كاذِبٌ فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ويَظُنُّ بِهِ خُلْفًا وبِرَسُولِهِ كَذِبًا فَإنّا أعْتَدْنا لَهُ سَعِيرًا، وفي قَوْلِهِ: (لِلْكافِرِينَ) بَدَلًا عَنْ أنْ يَقُولَ فَإنّا أعْتَدْنا لَهُ فائِدَةٌ وهي التَّعْمِيمُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ فَهو مِنَ الكافِرِينَ وإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا.
الفتح 48:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ .
يَعْنِي لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُكم لِما ذَكَرْتُمْ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ ظَنَنْتُمْ أوَّلًا، فَزَيَّنَ الشَّيْطانُ ظَنَّكم عِنْدَكم حَتّى قَطَعْتُمْ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ يُزَيِّنُها الشَّيْطانُ، ويَضُمُّ إلَيْها مُخايَلَةً يَقْطَعُ بِها الغافِلُ، وإنْ كانَ لا يَشُكُّ فِيها العاقِلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا العَطْفُ عَطْفًا يُفِيدُ المُغايَرَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ غَيْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ وحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ الثّانِي مَعْناهُ: وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وعْدَهُ، أوْ ظَنَنْتُمْ أنَّ الرَّسُولَ كاذِبٌ في قَوْلِهِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن ظَنِّ أنْ لا يَنْقَلِبُوا، ويَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِ القائِلِ: عَلِمْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ وعَلِمْتُ
صفحة ٧٨
كَذا، أيْ هَذِهِ المَسْألَةُ لا غَيْرُها، وذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ: بَلْ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ. وظَنُّكم ذَلِكَ فاسِدٌ، وقَدْ بَيَّنّا التَّحْقِيقَ في ظَنِّ السُّوءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: وصِرْتُمْ بِذَلِكَ الظَّنِّ بائِرِينَ هالِكِينَ.
وثانِيهِما: أنْتُمْ في الأصْلِ بائِرُونَ وظَنَنْتُمْ ذَلِكَ الظَّنَّ الفاسِدَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى:: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ .
عَلى قَوْلِنا: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ظَنٌّ آخَرُ غَيْرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ ظاهِرٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ ظَنُّهم بِأنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وعْدَهُ أوْ ظَنُّهم بِأنَّ الرَّسُولَ كاذِبٌ فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ويَظُنُّ بِهِ خُلْفًا وبِرَسُولِهِ كَذِبًا فَإنّا أعْتَدْنا لَهُ سَعِيرًا، وفي قَوْلِهِ: (لِلْكافِرِينَ) بَدَلًا عَنْ أنْ يَقُولَ فَإنّا أعْتَدْنا لَهُ فائِدَةٌ وهي التَّعْمِيمُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ فَهو مِنَ الكافِرِينَ وإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا.
الفتح 48:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
بَعْدَ ما ذَكَرَ مَن لَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ مِنَ المُبايِعِينَ ومِن لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ مِنَ الظّانِّينَ الضّالِّينَ، أشارَ إلى أنَّهُ يَغْفِرُ لِلْأوَّلِينَ بِمَشِيئَتِهِ ويُعَذِّبُ الآخِرِينَ بِمَشِيئَتِهِ، وغُفْرانُهُ ورَحْمَتُهُ أعَمُّ وأشْمَلُ وأتَمُّ وأكْمَلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُفِيدُ عَظَمَةَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا لِأنَّ مِن عِظَمِ مُلْكِهِ يَكُونُ أجْرُهُ وهِبَتُهُ في غايَةِ العِظَمِ وعَذابُهُ وعُقُوبَتُهُ كَذَلِكَ في غايَةِ النَّكالِ والألَمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ .
أوْضَحَ اللَّهُ كَذِبَهم بِهَذا حَيْثُ كانُوا عِنْدَما يَكُونُ السَّيْرُ إلى مَغانِمَ يَتَوَقَّعُونَها يَقُولُونَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ فَإذا كانَ أمْوالُهم وأهْلُوهم شَغَلَتْهم يَوْمَ دَعْوَتِكم إيّاهم إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَما بالُهم لا يَشْتَغِلُونَ بِأمْوالِهِمْ يَوْمَ الغَنِيمَةِ، والمُرادُ مِنَ المَغانِمِ مَغانِمُ أهْلِ خَيْبَرَ وفَتْحُها، وغَنِمَ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَكُنْ مَعَهم إلّا مَن كانَ مَعَهُ في المَدِينَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ وعَدَ المُبايِعِينَ المُوافِقِينَ بِالغَنِيمَةِ والمُتَخَلِّفِينَ المُخالِفِينَ بِالحِرْمانِ.
صفحة ٧٩
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ .
يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: هو ما قالَ اللَّهُ إنَّ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ وعاهَدَ بِها، لا غَيْرُ، وهو الأشْهَرُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ والأظْهَرُ؛ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ .
ثانِيها: يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَوِ اتَّبَعُوكم لَكانُوا في حُكْمِ بَيْعَةِ أهْلِ الرِّضْوانِ المَوْعُودِينَ بِالغَنِيمَةِ، فَيَكُونُونَ مِنَ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] فَلا يَكُونُونَ مِنَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَيَلْزَمُ تَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ.
ثالِثُها: هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا تَخَلَّفَ القَوْمُ، أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى باطِنِهِمْ، وأظْهَرَ لَهُ نِفاقَهم وأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُعاقِبَهم، وقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] فَأرادُوا أنْ يُبَدِّلُوا ذَلِكَ الكَلامَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ. لا يُقالُ: فالآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ وارِدَةٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ لا في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ: قَدْ وُجِدَ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ عَلى صِيغَةِ النَّفْيِ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: ”لا تَتَّبِعُونا“ عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ - مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنى عَلى إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُمُ النَّفْيَ لِوُثُوقِهِ وقَطْعِهِ بِصِدْقِهِ فَجَزَمَ وقالَ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ يَعْنِي لَوْ أذِنْتُكم ولَوْ أرَدْتُمْ واخْتَرْتُمْ لا يَتِمُّ لَكم ذَلِكَ؛ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾
رَدًّا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: ما قالَ اللَّهُ كَذَلِكَ مِن قَبْلُ، بَلْ تَحْسُدُونَنا. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ، والمَضْرُوبُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ في المَوْضِعَيْنِ، أمّا هَهُنا فَهو بِتَقْدِيرِ ما قالَ اللَّهُ. وكَذَلِكَ فَإنْ قِيلَ: بِماذا كانَ الحَسَدُ في اعْتِقادِهِمْ ؟ نَقُولُ: كَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ كُنّا مُصِيبِينَ في عَدَمِ الخُرُوجِ، حَيْثُ رَجَعُوا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مِن غَيْرِ حاصِلٍ ونَحْنُ اسْتَرَحْنا، فَإنْ خَرَجْنا مَعَهم ويَكُونُ فِيهِ غَنِيمَةٌ يَقُولُونَ هم غَنِمُوا مَعَنا ولَمْ يَتْعَبُوا مَعَنا.
ثُمَّ قالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما رَدُّوا: ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ لَمْ يَفْقَهُوا مِن قَوْلِكَ: لا تَخْرُجُوا، إلّا ظاهِرَ النَّهْيِ، ولَمْ يَفْهَمُوا مَن حُكْمِهِ إلّا قَلِيلًا، فَحَمَلُوهُ عَلى ما أرادُوهُ وعَلَّلُوهُ بِالحَسَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ .
لَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وقالَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] فَكانَ المُخَلَّفُونَ جَمْعًا كَثِيرًا مِن قَبائِلَ مُتَشَعِّبَةٍ، دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيانِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، فَإنَّهم لَمْ يَبْقَوْا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، بَلْ مِنهم مَن حَسُنَ حالُهُ وصَلَحَ بالُهُ، فَجَعَلَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ عَلامَةً، وهو أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى قِتالِ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ويُطِيعُونَ، بِخِلافِ حالِ ثَعْلَبَةَ حَيْثُ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ ثُمَّ أتى بِها، ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الحالُ ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، كَذَلِكَ كانَ يَسْتَمِرُّ حالُ هَؤُلاءِ لَوْلا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم يُدْعَوْنَ، فَإنْ كانُوا يُطِيعُونَ يُؤْتَوْنَ الأجْرَ الحَسَنَ وما كانَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ يَتْرُكُهم يَتَّبِعُونَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ حالِ ثَعْلَبَةَ وبَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ثَعْلَبَةَ جازَ أنْ يُقالَ: حالُهُ لَمْ يَكُنْ يَتَغَيَّرُ في عِلْمِ اللَّهِ، فَلَمْ يُبَيِّنْ لِتَوْبَتِهِ عَلامَةً، والأعْرابُ تَغَيَّرَتْ، فَإنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى النِّفاقِ أحَدٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ. وثانِيهِما: أنَّ الحاجَةَ إلى بَيانِ حالِ الجَمْعِ الكَثِيرِ والجَمِّ الغَفِيرِ أمَسُّ؛ لِأنَّهُ لَوْلا البَيانُ لَكانَ
صفحة ٨٠
يُفْضِي الأمْرُ إلى قِيامِ الفِتْنَةِ بَيْنَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وُجُوهٌ:
أشْهَرُها وأظْهَرُها أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ حَيْثُ تابَعُوا مُسَيْلِمَةَ وغَزاهم أبُو بَكْرٍ.
وثانِيها: هم فارِسُ والرُّومُ غَزاهم عُمَرُ.
ثالِثُها: هَوازِنُ وثَقِيفٌ غَزاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأقْوى الوُجُوهِ هو أنَّ الدُّعاءَ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَ الأظْهَرُ غَيْرَهُ، أمّا الدَّلِيلُ عَلى قُوَّةِ هَذا الوَجْهِ هو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ أمْرَ العَرَبِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ ظَهَرَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كافِرٌ مُجاهِرٌ، أوْ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ طاهِرٌ، وامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ عَلى مَوْتى المُنافِقِينَ، وتَرَكَ المُؤْمِنُونَ مُخالَطَتَهم، حَتّى إنَّ عُبادَةَ بْنَ كَعْبٍ مَعَ كَوْنِهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُكَلِّمْهُ المُؤْمِنُونَ مُدَّةً، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَلامَةٌ لِظُهُورِ حالِ مَن كانَ مُنافِقًا، فَإنْ كانَ ظَهَرَ حالُهم بِغَيْرِ هَذا، فَلا مَعْنى لِجَعْلِ هَذا عَلامَةً، وإنْ ظَهَرَ بِهَذا الظُّهُورِ كانَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِهِمْ لِاتِّباعِهِ لامْتَنَعَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فَإنْ قِيلَ هَذا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وقالَ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] فَكَيْفَ كانُوا يَتَّبِعُونَهُ مَعَ النَّفْيِ ؟ .
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرْبُ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ؛ فَإنَّ الرُّعْبَ اسْتَوْلى عَلى قُلُوبِ النّاسِ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شِدَّةٌ وبَأْسٌ، واتِّفاقُ الجُمْهُورِ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والظُّهُورِ، نَقُولُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا، تَقْدِيرُهُ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ويَجِبُ هَذا التَّقْيِيدُ؛ لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ بَلِ الأكْثَرُ ذَلِكَ، وما كانَ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم: لَسْتُمْ مُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ومَعَ القَوْلِ بِإسْلامِهِمْ ما كانَ يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَهم ما كانَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ وكانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا، وقَدْ تَبَيَّنَ حُسْنُ حالِهِمْ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم إلى جِهادٍ، فَأطاعَهُ قَوْمٌ وامْتَنَعَ آخَرُونَ، وظَهَرَ أمْرُهم وعُلِمَ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ مِمَّنِ اسْتَقَرَّ قَلْبُهُ عَلى الإيمانِ.
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ في هَذا القِتالِ فَحَسْبُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ كانَ في غَيْرِ هَذا وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأمّا اتِّفاقُ الجُمْهُورِ فَنَقُولُ: لا مُخالَفَةَ بَيْنَنا وبَيْنَهم؛ لِأنّا نَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ دَعاهم أوَّلًا، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا دَعاهم بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ جَوازَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما نَحْنُ نُثْبِتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم، فَإنْ قالُوا: أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعاهم، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ القَوْلَيْنِ تَنافٍ، وإنْ قالُوا: لَمْ يَدْعُهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فالنَّفْيُ والجَزْمُ بِهِ في غايَةِ البُعْدِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وكَيْفَ لا والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ مِن كَلامِ اللَّهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وقالَ: ﴿واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ومِنهم مَن أحَبَّ اللَّهَ، واخْتارَ اتِّباعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ بَقاءَ جَمْعِهِمْ عَلى النِّفاقِ والكُفْرِ بَعْدَما اتَّسَعَتْ دائِرَةُ الإسْلامِ واجْتَمَعَتِ العَرَبُ عَلى الإيمانِ بِعِيدٌ، ويَوْمَ قَوْلِهِ ﷺ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ كانَ أكْثَرُ العَرَبِ عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَبْلَ أخْذِ حُصُونٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا قَوْلُهُ: لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَرْبٌ مَعَ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ دَعاهم إلى الحَرْبِ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مُحْرِمًا ومَعَهُ الهُدَيُ؛ لِيَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّهُ لا يَطْلُبُ القِتالَ، وامْتَنَعُوا، فَقالَ: سَتُدْعَوْنَ إلى الحَرْبِ. ولا شَكَّ أنَّ مَن يَكُونُ خَصْمُهُ مُسَلَّحًا مُحارِبًا أكْثَرُ بَأْسًا مِمَّنْ يَكُونُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَكانَ قَدْ عَلِمَ مِن حالِ مَكَّةَ أنَّهم لا يُوَقِّرُونَ حاجًّا ولا مُعْتَمِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي أُولِي سِلاحٍ مِن آلَةِ الحَدِيدِ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ومَن قالَ بِأنَّ الدّاعِيَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ تَمَسَّكَ بِالآيَةِ عَلى خِلافَتِهِما، ودَلالَتُها ظاهِرَةٌ، وحِينَئِذٍ
صفحة ٨١
أتُقاتِلُونَهم ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ أحَدَهُما يَقَعُ، وقُرِئَ ”أوْ يُسْلِمُوا“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى مَعْنى ”تُقاتِلُونَهم“ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ ”أوْ“ لا تَجِيءُ إلّا بَيْنَ المُتَغايِرَيْنِ، وتُنْبِئُ عَنِ الحَصْرِ فَيُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ؛ ولِهَذا لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هو زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو؛ ولِهَذا يُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ خَمْسَةٌ أوْ غَيْرُهُما، إذا عُلِمَ هَذا فَقالَ القائِلُ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الزَّمانَ انْحَصَرَ في قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ المُلازَمَةُ، وقِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ قَضاءُ الحَقُّ، فَلا يَكُونُ بَيْنَ المُلازَمَةِ وقَضاءِ الحَقِّ زَمانٌ لا يُوجَدُ فِيهِ المُلازَمَةُ ولا قَضاءُ الحَقِّ، فَيَكُونُ في قَوْلِهِ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي، كَما حَكى في قَوْلِ القائِلِ: لَألْزَمَنَّكَ إلى أنْ تَقْضِيَنِي؛ لِامْتِدادِ زَمانِ المُلازَمَةِ إلى القَضاءِ، وهَذا ما يُضْعِفُ قَوْلَ القائِلِ: الدّاعِي هو عُمَرُ، والقَوْمُ فارِسُ والرُّومُ؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يُقِرّانِ بِالجِزْيَةِ، فالقِتالُ مَعَهم لا يَمْتَدُّ إلى الإسْلامِ لِجَوازِ أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إذا كانَ بِعُذْرٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] لا يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي عَذابٌ ألِيمٌ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ تَوَلِّيكم بِناءً عَلى الظَّنِّ الفاسِدِ والِاعْتِقادِ الباطِلِ كَما كانَ حَيْثُ قُلْتُمْ بِألْسِنَتِكم لا بِقُلُوبِكم ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾ فاللَّهُ يُعَذِّبُكم عَذابًا ألِيمًا.
الفتح 48:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
بَعْدَ ما ذَكَرَ مَن لَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ مِنَ المُبايِعِينَ ومِن لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ مِنَ الظّانِّينَ الضّالِّينَ، أشارَ إلى أنَّهُ يَغْفِرُ لِلْأوَّلِينَ بِمَشِيئَتِهِ ويُعَذِّبُ الآخِرِينَ بِمَشِيئَتِهِ، وغُفْرانُهُ ورَحْمَتُهُ أعَمُّ وأشْمَلُ وأتَمُّ وأكْمَلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُفِيدُ عَظَمَةَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا لِأنَّ مِن عِظَمِ مُلْكِهِ يَكُونُ أجْرُهُ وهِبَتُهُ في غايَةِ العِظَمِ وعَذابُهُ وعُقُوبَتُهُ كَذَلِكَ في غايَةِ النَّكالِ والألَمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ .
أوْضَحَ اللَّهُ كَذِبَهم بِهَذا حَيْثُ كانُوا عِنْدَما يَكُونُ السَّيْرُ إلى مَغانِمَ يَتَوَقَّعُونَها يَقُولُونَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ فَإذا كانَ أمْوالُهم وأهْلُوهم شَغَلَتْهم يَوْمَ دَعْوَتِكم إيّاهم إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَما بالُهم لا يَشْتَغِلُونَ بِأمْوالِهِمْ يَوْمَ الغَنِيمَةِ، والمُرادُ مِنَ المَغانِمِ مَغانِمُ أهْلِ خَيْبَرَ وفَتْحُها، وغَنِمَ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَكُنْ مَعَهم إلّا مَن كانَ مَعَهُ في المَدِينَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ وعَدَ المُبايِعِينَ المُوافِقِينَ بِالغَنِيمَةِ والمُتَخَلِّفِينَ المُخالِفِينَ بِالحِرْمانِ.
صفحة ٧٩
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ .
يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: هو ما قالَ اللَّهُ إنَّ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ وعاهَدَ بِها، لا غَيْرُ، وهو الأشْهَرُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ والأظْهَرُ؛ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ .
ثانِيها: يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَوِ اتَّبَعُوكم لَكانُوا في حُكْمِ بَيْعَةِ أهْلِ الرِّضْوانِ المَوْعُودِينَ بِالغَنِيمَةِ، فَيَكُونُونَ مِنَ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] فَلا يَكُونُونَ مِنَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَيَلْزَمُ تَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ.
ثالِثُها: هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا تَخَلَّفَ القَوْمُ، أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى باطِنِهِمْ، وأظْهَرَ لَهُ نِفاقَهم وأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُعاقِبَهم، وقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] فَأرادُوا أنْ يُبَدِّلُوا ذَلِكَ الكَلامَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ. لا يُقالُ: فالآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ وارِدَةٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ لا في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ: قَدْ وُجِدَ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ عَلى صِيغَةِ النَّفْيِ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: ”لا تَتَّبِعُونا“ عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ - مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنى عَلى إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُمُ النَّفْيَ لِوُثُوقِهِ وقَطْعِهِ بِصِدْقِهِ فَجَزَمَ وقالَ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ يَعْنِي لَوْ أذِنْتُكم ولَوْ أرَدْتُمْ واخْتَرْتُمْ لا يَتِمُّ لَكم ذَلِكَ؛ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾
رَدًّا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: ما قالَ اللَّهُ كَذَلِكَ مِن قَبْلُ، بَلْ تَحْسُدُونَنا. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ، والمَضْرُوبُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ في المَوْضِعَيْنِ، أمّا هَهُنا فَهو بِتَقْدِيرِ ما قالَ اللَّهُ. وكَذَلِكَ فَإنْ قِيلَ: بِماذا كانَ الحَسَدُ في اعْتِقادِهِمْ ؟ نَقُولُ: كَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ كُنّا مُصِيبِينَ في عَدَمِ الخُرُوجِ، حَيْثُ رَجَعُوا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مِن غَيْرِ حاصِلٍ ونَحْنُ اسْتَرَحْنا، فَإنْ خَرَجْنا مَعَهم ويَكُونُ فِيهِ غَنِيمَةٌ يَقُولُونَ هم غَنِمُوا مَعَنا ولَمْ يَتْعَبُوا مَعَنا.
ثُمَّ قالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما رَدُّوا: ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ لَمْ يَفْقَهُوا مِن قَوْلِكَ: لا تَخْرُجُوا، إلّا ظاهِرَ النَّهْيِ، ولَمْ يَفْهَمُوا مَن حُكْمِهِ إلّا قَلِيلًا، فَحَمَلُوهُ عَلى ما أرادُوهُ وعَلَّلُوهُ بِالحَسَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ .
لَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وقالَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] فَكانَ المُخَلَّفُونَ جَمْعًا كَثِيرًا مِن قَبائِلَ مُتَشَعِّبَةٍ، دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيانِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، فَإنَّهم لَمْ يَبْقَوْا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، بَلْ مِنهم مَن حَسُنَ حالُهُ وصَلَحَ بالُهُ، فَجَعَلَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ عَلامَةً، وهو أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى قِتالِ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ويُطِيعُونَ، بِخِلافِ حالِ ثَعْلَبَةَ حَيْثُ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ ثُمَّ أتى بِها، ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الحالُ ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، كَذَلِكَ كانَ يَسْتَمِرُّ حالُ هَؤُلاءِ لَوْلا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم يُدْعَوْنَ، فَإنْ كانُوا يُطِيعُونَ يُؤْتَوْنَ الأجْرَ الحَسَنَ وما كانَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ يَتْرُكُهم يَتَّبِعُونَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ حالِ ثَعْلَبَةَ وبَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ثَعْلَبَةَ جازَ أنْ يُقالَ: حالُهُ لَمْ يَكُنْ يَتَغَيَّرُ في عِلْمِ اللَّهِ، فَلَمْ يُبَيِّنْ لِتَوْبَتِهِ عَلامَةً، والأعْرابُ تَغَيَّرَتْ، فَإنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى النِّفاقِ أحَدٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ. وثانِيهِما: أنَّ الحاجَةَ إلى بَيانِ حالِ الجَمْعِ الكَثِيرِ والجَمِّ الغَفِيرِ أمَسُّ؛ لِأنَّهُ لَوْلا البَيانُ لَكانَ
صفحة ٨٠
يُفْضِي الأمْرُ إلى قِيامِ الفِتْنَةِ بَيْنَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وُجُوهٌ:
أشْهَرُها وأظْهَرُها أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ حَيْثُ تابَعُوا مُسَيْلِمَةَ وغَزاهم أبُو بَكْرٍ.
وثانِيها: هم فارِسُ والرُّومُ غَزاهم عُمَرُ.
ثالِثُها: هَوازِنُ وثَقِيفٌ غَزاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأقْوى الوُجُوهِ هو أنَّ الدُّعاءَ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَ الأظْهَرُ غَيْرَهُ، أمّا الدَّلِيلُ عَلى قُوَّةِ هَذا الوَجْهِ هو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ أمْرَ العَرَبِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ ظَهَرَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كافِرٌ مُجاهِرٌ، أوْ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ طاهِرٌ، وامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ عَلى مَوْتى المُنافِقِينَ، وتَرَكَ المُؤْمِنُونَ مُخالَطَتَهم، حَتّى إنَّ عُبادَةَ بْنَ كَعْبٍ مَعَ كَوْنِهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُكَلِّمْهُ المُؤْمِنُونَ مُدَّةً، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَلامَةٌ لِظُهُورِ حالِ مَن كانَ مُنافِقًا، فَإنْ كانَ ظَهَرَ حالُهم بِغَيْرِ هَذا، فَلا مَعْنى لِجَعْلِ هَذا عَلامَةً، وإنْ ظَهَرَ بِهَذا الظُّهُورِ كانَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِهِمْ لِاتِّباعِهِ لامْتَنَعَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فَإنْ قِيلَ هَذا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وقالَ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] فَكَيْفَ كانُوا يَتَّبِعُونَهُ مَعَ النَّفْيِ ؟ .
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرْبُ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ؛ فَإنَّ الرُّعْبَ اسْتَوْلى عَلى قُلُوبِ النّاسِ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شِدَّةٌ وبَأْسٌ، واتِّفاقُ الجُمْهُورِ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والظُّهُورِ، نَقُولُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا، تَقْدِيرُهُ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ويَجِبُ هَذا التَّقْيِيدُ؛ لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ بَلِ الأكْثَرُ ذَلِكَ، وما كانَ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم: لَسْتُمْ مُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ومَعَ القَوْلِ بِإسْلامِهِمْ ما كانَ يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَهم ما كانَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ وكانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا، وقَدْ تَبَيَّنَ حُسْنُ حالِهِمْ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم إلى جِهادٍ، فَأطاعَهُ قَوْمٌ وامْتَنَعَ آخَرُونَ، وظَهَرَ أمْرُهم وعُلِمَ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ مِمَّنِ اسْتَقَرَّ قَلْبُهُ عَلى الإيمانِ.
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ في هَذا القِتالِ فَحَسْبُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ كانَ في غَيْرِ هَذا وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأمّا اتِّفاقُ الجُمْهُورِ فَنَقُولُ: لا مُخالَفَةَ بَيْنَنا وبَيْنَهم؛ لِأنّا نَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ دَعاهم أوَّلًا، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا دَعاهم بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ جَوازَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما نَحْنُ نُثْبِتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم، فَإنْ قالُوا: أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعاهم، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ القَوْلَيْنِ تَنافٍ، وإنْ قالُوا: لَمْ يَدْعُهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فالنَّفْيُ والجَزْمُ بِهِ في غايَةِ البُعْدِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وكَيْفَ لا والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ مِن كَلامِ اللَّهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وقالَ: ﴿واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ومِنهم مَن أحَبَّ اللَّهَ، واخْتارَ اتِّباعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ بَقاءَ جَمْعِهِمْ عَلى النِّفاقِ والكُفْرِ بَعْدَما اتَّسَعَتْ دائِرَةُ الإسْلامِ واجْتَمَعَتِ العَرَبُ عَلى الإيمانِ بِعِيدٌ، ويَوْمَ قَوْلِهِ ﷺ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ كانَ أكْثَرُ العَرَبِ عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَبْلَ أخْذِ حُصُونٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا قَوْلُهُ: لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَرْبٌ مَعَ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ دَعاهم إلى الحَرْبِ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مُحْرِمًا ومَعَهُ الهُدَيُ؛ لِيَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّهُ لا يَطْلُبُ القِتالَ، وامْتَنَعُوا، فَقالَ: سَتُدْعَوْنَ إلى الحَرْبِ. ولا شَكَّ أنَّ مَن يَكُونُ خَصْمُهُ مُسَلَّحًا مُحارِبًا أكْثَرُ بَأْسًا مِمَّنْ يَكُونُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَكانَ قَدْ عَلِمَ مِن حالِ مَكَّةَ أنَّهم لا يُوَقِّرُونَ حاجًّا ولا مُعْتَمِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي أُولِي سِلاحٍ مِن آلَةِ الحَدِيدِ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ومَن قالَ بِأنَّ الدّاعِيَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ تَمَسَّكَ بِالآيَةِ عَلى خِلافَتِهِما، ودَلالَتُها ظاهِرَةٌ، وحِينَئِذٍ
صفحة ٨١
أتُقاتِلُونَهم ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ أحَدَهُما يَقَعُ، وقُرِئَ ”أوْ يُسْلِمُوا“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى مَعْنى ”تُقاتِلُونَهم“ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ ”أوْ“ لا تَجِيءُ إلّا بَيْنَ المُتَغايِرَيْنِ، وتُنْبِئُ عَنِ الحَصْرِ فَيُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ؛ ولِهَذا لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هو زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو؛ ولِهَذا يُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ خَمْسَةٌ أوْ غَيْرُهُما، إذا عُلِمَ هَذا فَقالَ القائِلُ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الزَّمانَ انْحَصَرَ في قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ المُلازَمَةُ، وقِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ قَضاءُ الحَقُّ، فَلا يَكُونُ بَيْنَ المُلازَمَةِ وقَضاءِ الحَقِّ زَمانٌ لا يُوجَدُ فِيهِ المُلازَمَةُ ولا قَضاءُ الحَقِّ، فَيَكُونُ في قَوْلِهِ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي، كَما حَكى في قَوْلِ القائِلِ: لَألْزَمَنَّكَ إلى أنْ تَقْضِيَنِي؛ لِامْتِدادِ زَمانِ المُلازَمَةِ إلى القَضاءِ، وهَذا ما يُضْعِفُ قَوْلَ القائِلِ: الدّاعِي هو عُمَرُ، والقَوْمُ فارِسُ والرُّومُ؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يُقِرّانِ بِالجِزْيَةِ، فالقِتالُ مَعَهم لا يَمْتَدُّ إلى الإسْلامِ لِجَوازِ أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إذا كانَ بِعُذْرٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] لا يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي عَذابٌ ألِيمٌ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ تَوَلِّيكم بِناءً عَلى الظَّنِّ الفاسِدِ والِاعْتِقادِ الباطِلِ كَما كانَ حَيْثُ قُلْتُمْ بِألْسِنَتِكم لا بِقُلُوبِكم ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾ فاللَّهُ يُعَذِّبُكم عَذابًا ألِيمًا.
الفتح 48:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
بَعْدَ ما ذَكَرَ مَن لَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ مِنَ المُبايِعِينَ ومِن لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ مِنَ الظّانِّينَ الضّالِّينَ، أشارَ إلى أنَّهُ يَغْفِرُ لِلْأوَّلِينَ بِمَشِيئَتِهِ ويُعَذِّبُ الآخِرِينَ بِمَشِيئَتِهِ، وغُفْرانُهُ ورَحْمَتُهُ أعَمُّ وأشْمَلُ وأتَمُّ وأكْمَلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُفِيدُ عَظَمَةَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا لِأنَّ مِن عِظَمِ مُلْكِهِ يَكُونُ أجْرُهُ وهِبَتُهُ في غايَةِ العِظَمِ وعَذابُهُ وعُقُوبَتُهُ كَذَلِكَ في غايَةِ النَّكالِ والألَمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ .
أوْضَحَ اللَّهُ كَذِبَهم بِهَذا حَيْثُ كانُوا عِنْدَما يَكُونُ السَّيْرُ إلى مَغانِمَ يَتَوَقَّعُونَها يَقُولُونَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ فَإذا كانَ أمْوالُهم وأهْلُوهم شَغَلَتْهم يَوْمَ دَعْوَتِكم إيّاهم إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَما بالُهم لا يَشْتَغِلُونَ بِأمْوالِهِمْ يَوْمَ الغَنِيمَةِ، والمُرادُ مِنَ المَغانِمِ مَغانِمُ أهْلِ خَيْبَرَ وفَتْحُها، وغَنِمَ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَكُنْ مَعَهم إلّا مَن كانَ مَعَهُ في المَدِينَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ وعَدَ المُبايِعِينَ المُوافِقِينَ بِالغَنِيمَةِ والمُتَخَلِّفِينَ المُخالِفِينَ بِالحِرْمانِ.
صفحة ٧٩
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ .
يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: هو ما قالَ اللَّهُ إنَّ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ وعاهَدَ بِها، لا غَيْرُ، وهو الأشْهَرُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ والأظْهَرُ؛ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ .
ثانِيها: يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَوِ اتَّبَعُوكم لَكانُوا في حُكْمِ بَيْعَةِ أهْلِ الرِّضْوانِ المَوْعُودِينَ بِالغَنِيمَةِ، فَيَكُونُونَ مِنَ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] فَلا يَكُونُونَ مِنَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَيَلْزَمُ تَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ.
ثالِثُها: هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا تَخَلَّفَ القَوْمُ، أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى باطِنِهِمْ، وأظْهَرَ لَهُ نِفاقَهم وأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُعاقِبَهم، وقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] فَأرادُوا أنْ يُبَدِّلُوا ذَلِكَ الكَلامَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ. لا يُقالُ: فالآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ وارِدَةٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ لا في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ: قَدْ وُجِدَ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ عَلى صِيغَةِ النَّفْيِ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: ”لا تَتَّبِعُونا“ عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ - مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنى عَلى إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُمُ النَّفْيَ لِوُثُوقِهِ وقَطْعِهِ بِصِدْقِهِ فَجَزَمَ وقالَ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ يَعْنِي لَوْ أذِنْتُكم ولَوْ أرَدْتُمْ واخْتَرْتُمْ لا يَتِمُّ لَكم ذَلِكَ؛ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾
رَدًّا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: ما قالَ اللَّهُ كَذَلِكَ مِن قَبْلُ، بَلْ تَحْسُدُونَنا. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ، والمَضْرُوبُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ في المَوْضِعَيْنِ، أمّا هَهُنا فَهو بِتَقْدِيرِ ما قالَ اللَّهُ. وكَذَلِكَ فَإنْ قِيلَ: بِماذا كانَ الحَسَدُ في اعْتِقادِهِمْ ؟ نَقُولُ: كَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ كُنّا مُصِيبِينَ في عَدَمِ الخُرُوجِ، حَيْثُ رَجَعُوا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مِن غَيْرِ حاصِلٍ ونَحْنُ اسْتَرَحْنا، فَإنْ خَرَجْنا مَعَهم ويَكُونُ فِيهِ غَنِيمَةٌ يَقُولُونَ هم غَنِمُوا مَعَنا ولَمْ يَتْعَبُوا مَعَنا.
ثُمَّ قالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما رَدُّوا: ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ لَمْ يَفْقَهُوا مِن قَوْلِكَ: لا تَخْرُجُوا، إلّا ظاهِرَ النَّهْيِ، ولَمْ يَفْهَمُوا مَن حُكْمِهِ إلّا قَلِيلًا، فَحَمَلُوهُ عَلى ما أرادُوهُ وعَلَّلُوهُ بِالحَسَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ .
لَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وقالَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] فَكانَ المُخَلَّفُونَ جَمْعًا كَثِيرًا مِن قَبائِلَ مُتَشَعِّبَةٍ، دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيانِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، فَإنَّهم لَمْ يَبْقَوْا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، بَلْ مِنهم مَن حَسُنَ حالُهُ وصَلَحَ بالُهُ، فَجَعَلَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ عَلامَةً، وهو أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى قِتالِ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ويُطِيعُونَ، بِخِلافِ حالِ ثَعْلَبَةَ حَيْثُ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ ثُمَّ أتى بِها، ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الحالُ ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، كَذَلِكَ كانَ يَسْتَمِرُّ حالُ هَؤُلاءِ لَوْلا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم يُدْعَوْنَ، فَإنْ كانُوا يُطِيعُونَ يُؤْتَوْنَ الأجْرَ الحَسَنَ وما كانَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ يَتْرُكُهم يَتَّبِعُونَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ حالِ ثَعْلَبَةَ وبَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ثَعْلَبَةَ جازَ أنْ يُقالَ: حالُهُ لَمْ يَكُنْ يَتَغَيَّرُ في عِلْمِ اللَّهِ، فَلَمْ يُبَيِّنْ لِتَوْبَتِهِ عَلامَةً، والأعْرابُ تَغَيَّرَتْ، فَإنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى النِّفاقِ أحَدٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ. وثانِيهِما: أنَّ الحاجَةَ إلى بَيانِ حالِ الجَمْعِ الكَثِيرِ والجَمِّ الغَفِيرِ أمَسُّ؛ لِأنَّهُ لَوْلا البَيانُ لَكانَ
صفحة ٨٠
يُفْضِي الأمْرُ إلى قِيامِ الفِتْنَةِ بَيْنَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وُجُوهٌ:
أشْهَرُها وأظْهَرُها أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ حَيْثُ تابَعُوا مُسَيْلِمَةَ وغَزاهم أبُو بَكْرٍ.
وثانِيها: هم فارِسُ والرُّومُ غَزاهم عُمَرُ.
ثالِثُها: هَوازِنُ وثَقِيفٌ غَزاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأقْوى الوُجُوهِ هو أنَّ الدُّعاءَ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَ الأظْهَرُ غَيْرَهُ، أمّا الدَّلِيلُ عَلى قُوَّةِ هَذا الوَجْهِ هو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ أمْرَ العَرَبِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ ظَهَرَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كافِرٌ مُجاهِرٌ، أوْ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ طاهِرٌ، وامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ عَلى مَوْتى المُنافِقِينَ، وتَرَكَ المُؤْمِنُونَ مُخالَطَتَهم، حَتّى إنَّ عُبادَةَ بْنَ كَعْبٍ مَعَ كَوْنِهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُكَلِّمْهُ المُؤْمِنُونَ مُدَّةً، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَلامَةٌ لِظُهُورِ حالِ مَن كانَ مُنافِقًا، فَإنْ كانَ ظَهَرَ حالُهم بِغَيْرِ هَذا، فَلا مَعْنى لِجَعْلِ هَذا عَلامَةً، وإنْ ظَهَرَ بِهَذا الظُّهُورِ كانَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِهِمْ لِاتِّباعِهِ لامْتَنَعَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فَإنْ قِيلَ هَذا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وقالَ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] فَكَيْفَ كانُوا يَتَّبِعُونَهُ مَعَ النَّفْيِ ؟ .
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرْبُ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ؛ فَإنَّ الرُّعْبَ اسْتَوْلى عَلى قُلُوبِ النّاسِ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شِدَّةٌ وبَأْسٌ، واتِّفاقُ الجُمْهُورِ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والظُّهُورِ، نَقُولُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا، تَقْدِيرُهُ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ويَجِبُ هَذا التَّقْيِيدُ؛ لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ بَلِ الأكْثَرُ ذَلِكَ، وما كانَ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم: لَسْتُمْ مُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ومَعَ القَوْلِ بِإسْلامِهِمْ ما كانَ يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَهم ما كانَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ وكانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا، وقَدْ تَبَيَّنَ حُسْنُ حالِهِمْ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم إلى جِهادٍ، فَأطاعَهُ قَوْمٌ وامْتَنَعَ آخَرُونَ، وظَهَرَ أمْرُهم وعُلِمَ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ مِمَّنِ اسْتَقَرَّ قَلْبُهُ عَلى الإيمانِ.
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ في هَذا القِتالِ فَحَسْبُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ كانَ في غَيْرِ هَذا وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأمّا اتِّفاقُ الجُمْهُورِ فَنَقُولُ: لا مُخالَفَةَ بَيْنَنا وبَيْنَهم؛ لِأنّا نَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ دَعاهم أوَّلًا، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا دَعاهم بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ جَوازَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما نَحْنُ نُثْبِتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعاهم، فَإنْ قالُوا: أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعاهم، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ القَوْلَيْنِ تَنافٍ، وإنْ قالُوا: لَمْ يَدْعُهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فالنَّفْيُ والجَزْمُ بِهِ في غايَةِ البُعْدِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وكَيْفَ لا والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ مِن كَلامِ اللَّهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وقالَ: ﴿واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ومِنهم مَن أحَبَّ اللَّهَ، واخْتارَ اتِّباعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ بَقاءَ جَمْعِهِمْ عَلى النِّفاقِ والكُفْرِ بَعْدَما اتَّسَعَتْ دائِرَةُ الإسْلامِ واجْتَمَعَتِ العَرَبُ عَلى الإيمانِ بِعِيدٌ، ويَوْمَ قَوْلِهِ ﷺ: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ كانَ أكْثَرُ العَرَبِ عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَبْلَ أخْذِ حُصُونٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا قَوْلُهُ: لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَرْبٌ مَعَ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ دَعاهم إلى الحَرْبِ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مُحْرِمًا ومَعَهُ الهُدَيُ؛ لِيَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّهُ لا يَطْلُبُ القِتالَ، وامْتَنَعُوا، فَقالَ: سَتُدْعَوْنَ إلى الحَرْبِ. ولا شَكَّ أنَّ مَن يَكُونُ خَصْمُهُ مُسَلَّحًا مُحارِبًا أكْثَرُ بَأْسًا مِمَّنْ يَكُونُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَكانَ قَدْ عَلِمَ مِن حالِ مَكَّةَ أنَّهم لا يُوَقِّرُونَ حاجًّا ولا مُعْتَمِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي أُولِي سِلاحٍ مِن آلَةِ الحَدِيدِ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ومَن قالَ بِأنَّ الدّاعِيَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ تَمَسَّكَ بِالآيَةِ عَلى خِلافَتِهِما، ودَلالَتُها ظاهِرَةٌ، وحِينَئِذٍ
صفحة ٨١
أتُقاتِلُونَهم ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ أحَدَهُما يَقَعُ، وقُرِئَ ”أوْ يُسْلِمُوا“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى مَعْنى ”تُقاتِلُونَهم“ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ ”أوْ“ لا تَجِيءُ إلّا بَيْنَ المُتَغايِرَيْنِ، وتُنْبِئُ عَنِ الحَصْرِ فَيُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ؛ ولِهَذا لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هو زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو؛ ولِهَذا يُقالُ: العَدَدُ زَوْجٌ أوْ خَمْسَةٌ أوْ غَيْرُهُما، إذا عُلِمَ هَذا فَقالَ القائِلُ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الزَّمانَ انْحَصَرَ في قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ المُلازَمَةُ، وقِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ قَضاءُ الحَقُّ، فَلا يَكُونُ بَيْنَ المُلازَمَةِ وقَضاءِ الحَقِّ زَمانٌ لا يُوجَدُ فِيهِ المُلازَمَةُ ولا قَضاءُ الحَقِّ، فَيَكُونُ في قَوْلِهِ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي، كَما حَكى في قَوْلِ القائِلِ: لَألْزَمَنَّكَ إلى أنْ تَقْضِيَنِي؛ لِامْتِدادِ زَمانِ المُلازَمَةِ إلى القَضاءِ، وهَذا ما يُضْعِفُ قَوْلَ القائِلِ: الدّاعِي هو عُمَرُ، والقَوْمُ فارِسُ والرُّومُ؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يُقِرّانِ بِالجِزْيَةِ، فالقِتالُ مَعَهم لا يَمْتَدُّ إلى الإسْلامِ لِجَوازِ أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إذا كانَ بِعُذْرٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] لا يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي عَذابٌ ألِيمٌ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ تَوَلِّيكم بِناءً عَلى الظَّنِّ الفاسِدِ والِاعْتِقادِ الباطِلِ كَما كانَ حَيْثُ قُلْتُمْ بِألْسِنَتِكم لا بِقُلُوبِكم ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾ فاللَّهُ يُعَذِّبُكم عَذابًا ألِيمًا.
الفتح 48:17
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ بَيَّنَ مَن يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ وتَرْكُ الجِهادِ، وما بِسَبَبِهِ يَجُوزُ تَرْكُ الجِهادِ وهو ما يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِبَيانِ ثَلاثَةِ أصْنافٍ: الأوَّلُ: (الأعْمى) فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإقْدامُ عَلى العَدُوِّ والطَّلَبِ، ولا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ والهَرَبُ، والأعْرَجُ كَذَلِكَ، والمَرِيضُ كَذَلِكَ، وفي مَعْنى الأعْرَجِ: الأقْطَعُ والمُقْعَدُ، بَلْ ذَلِكَ أوْلى بِأنْ يُعْذَرَ، ومَن بِهِ عَرَجٌ لا يَمْنَعُهُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ لا يُعْذَرُ، وكَذَلِكَ المَرَضُ القَلِيلُ الَّذِي لا يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ كالطُّحالِ والسُّعالِ إذْ بِهِ يَضْعُفُ، وبَعْضُ أوْجاعِ المَفاصِلِ لا يَكُونُ عُذْرًا. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذِهِ أعْذارٌ تَكُونُ في نَفْسِ المُجاهِدِ، ولَنا أعْذارٌ خارِجَةٌ كالفَقْرِ الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ صاحِبُهُ مِنِ اسْتِصْحابِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَن لَوْلاهُ لَضاعَ كَطِفْلٍ أوْ مَرِيضٍ، والأعْذارُ تُعْلَمُ مِنَ الفِقْهِ، ونَحْنُ نَبْحَثُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ في بَيانِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذِكْرُ الأعْذارِ الَّتِي في السَّفَرِ؛ لِأنَّ غَيْرَها مُمْكِنُ الإزالَةِ بِخِلافِ العَرَجِ والعَمى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اقْتُصِرَ مِنها عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العُذْرَ إمّا أنْ يَكُونَ بِإخْلالٍ في عُضْوٍ أوْ بِاخْتِلالٍ في القُوَّةِ، والَّذِي بِسَبَبِ إخْلالِ العُضْوِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ اخْتِلالٍ في العُضْوِ الَّذِي بِهِ الوُصُولُ إلى العَدُوِّ
صفحة ٨٢
والِانْتِقالُ في مَواضِعِ القِتالِ، أوْ في العُضْوِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ فائِدَةُ الحُصُولِ في المَعْرِفَةِ والوُصُولِ، والأوَّلُ: هو الرِّجْلُ، والثّانِي: هو العَيْنُ؛ لِأنَّ بِالرِّجْلِ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ، وبِالعَيْنِ يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ في الطَّلَبِ والهَرَبِ. وأمّا الأُذُنُ والأنْفُ واللِّسانُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، فَلا مَدْخَلَ لَها في شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. بَقِيَتِ اليَدُ، فَإنَّ المَقْطُوعَ اليَدَيْنِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عُذْرٌ واضِحٌ ولَمْ يَذْكُرْهُ، نَقُولُ: لِأنَّ فائِدَةَ الرِّجْلِ وهي الِانْتِقالُ تَبْطُلُ بِالخَلَلِ في إحْداهُما، وفائِدَةُ اليَدِ وهي الضِّرابُ والبَطْشُ لا تَبْطُلُ إلّا بِبُطْلانِ اليَدَيْنِ جَمِيعًا، ومَقْطُوعُ اليَدَيْنِ لا يُوجَدُ إلّا نادِرًا، ولَعَلَّ في جَماعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، أوْ لِأنَّ المَقْطُوعَ يُنْتَفَعُ بِهِ في الجِهادِ، فَإنَّهُ يُنْظَرُ ولَوْلاهُ لاسْتَقَلَّ بِهِ مُقاتِلٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقاتِلَ، وهو غَيْرُ مَعْذُورٍ في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ المُجاهِدِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِخِلافِ الأعْمى، فَإنْ قِيلَ: كَما أنَّ مَقْطُوعَ اليَدِ الواحِدَةِ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ بَطْشِهِ، كَذَلِكَ الأعْوَرُ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ رُؤْيَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَ الأعْمى، وما ذَكَرَ الأشَلَّ وأقْطَعَ اليَدَيْنِ ؟ قُلْنا: لِما بَيَّنّا أنَّ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرُ الوُجُودِ، والآفَةُ النّازِلَةُ بِإحْدى اليَدَيْنِ لا تَعُمُّهُما، والآفَةُ النّازِلَةُ بِالعَيْنِ الواحِدَةِ تَعُمُّ العَيْنَيْنِ؛ لِأنَّ مَنبَعَ النُّورِ واحِدٌ وهُما مُتَجاذِبانِ، والوُجُودُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما، فَإنَّ الأعْمى كَثِيرُ الوُجُودِ، ومَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الآفَةَ في الآلَةِ عَلى الآفَةِ في القُوَّةِ؛ لِأنَّ الآفَةَ في القُوَّةِ تَزُولُ وتَطْرَأُ، والآفَةَ في الآلَةِ إذا طَرَأتْ لا تَزُولُ، فَإنَّ الأعْمى لا يَعُودُ بَصِيرًا فالعُذْرُ في مَحَلِّ الآلَةِ أتَمُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدَّمَ الأعْمى عَلى الأعْرَجِ؛ لِأنَّ عُذْرَ الأعْمى يَسْتَمِرُّ ولَوْ حَضَرَ القِتالَ، والأعْرَجُ إنْ حَضَرَ راكِبًا أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ يَقْدِرُ عَلى القِتالِ بِالرَّمْيِ وغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّ طاعَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما طاعَةٌ لِلْآخَرِ، فَجُمِعَ بَيْنَهُما بَيانًا لِطاعَةِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ قالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ كانَ لِبَعْضِ النّاسِ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ لا نَرى اللَّهَ ولا نَسْمَعُ كَلامَهُ، فَمِن أيْنَ نَعْلَمُ أمْرَهُ حَتّى نُطِيعَهُ ؟ فَقالَ: طاعَتُهُ في طاعَةِ رَسُولِهِ، وكَلامُهُ يُسْمَعُ مِن رَسُولِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ بِقَلْبِهِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] عادَ إلى بَيانِ حالِهِمْ، وقالَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الصِّدْقِ كَما عَلِمَ ما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ مِنَ المَرَضِ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ حَتّى بايَعُوا عَلى المَوْتِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ فَجَعَلَ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ عَلامَةً لِإدْخالِ اللَّهِ الجَنَّةَ في تِلْكَ الآيَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ وُجِدَتْ مِن أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، أمّا طاعَةُ اللَّهِ فالإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ فَبِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ بَقِيَ المَوْعُودُ بِهِ وهو إدْخالُ الجَنَّةِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الرِّضا يَكُونُ مَعَهُ إدْخالُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وعِلْمُ اللَّهِ قَبْلَ الرِّضا لِأنَّهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ
صفحة ٨٣
الصِّدْقِ، فَرَضِيَ عَنْهم فَكَيْفَ يُفْهَمُ التَّعْقِيبُ في العِلْمِ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ كَما يَقُولُ القائِلُ: فَرِحْتُ أمْسِ إذْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَقامَ إلَيَّ، أوْ إذْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأكْرَمَنِي، فَيَكُونُ الفَرَحُ بَعْدَ الإكْرامِ تَرْتِيبًا، كَذَلِكَ هَهُنا قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الصِّدْقِ، إشارَةً إلى أنَّ الرِّضا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُبايَعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ عِنْدَ المُبايَعَةِ الَّتِي كانَ مَعَها عِلْمُ اللَّهِ بِصِدْقِهِمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَإنَّهُ تَعالى رَضِيَ عَنْهم، فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وفي ”عَلِمَ“ بَيانُ وصْفِ المُبايِعَةِ بِكَوْنِها مُعَقَّبَةً بِالعِلْمِ بِالصِّدْقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وهَذا تَوْفِيقٌ لا يَتَأتّى إلّا لِمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَعانِي كِتابِهِ الكَرِيمِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ مَغانِمُها، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ كامِلَ القُدْرَةِ غَنِيًّا عَنْ إعانَتِكم إيّاهُ (حَكِيمًا) حَيْثُ جَعَلَ هَلاكَ أعْدائِهِ عَلى أيْدِيكم لِيُثِيبَكم عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّ في ذَلِكَ إعْزازَ قَوْمٍ وإذْلالَ آخَرِينَ، فَإنَّهُ يُذِلُّ مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ ويُعِزُّ مَن يَشاءُ بِحِكْمَتِهِ.
الفتح 48:18
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ بَيَّنَ مَن يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ وتَرْكُ الجِهادِ، وما بِسَبَبِهِ يَجُوزُ تَرْكُ الجِهادِ وهو ما يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِبَيانِ ثَلاثَةِ أصْنافٍ: الأوَّلُ: (الأعْمى) فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإقْدامُ عَلى العَدُوِّ والطَّلَبِ، ولا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ والهَرَبُ، والأعْرَجُ كَذَلِكَ، والمَرِيضُ كَذَلِكَ، وفي مَعْنى الأعْرَجِ: الأقْطَعُ والمُقْعَدُ، بَلْ ذَلِكَ أوْلى بِأنْ يُعْذَرَ، ومَن بِهِ عَرَجٌ لا يَمْنَعُهُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ لا يُعْذَرُ، وكَذَلِكَ المَرَضُ القَلِيلُ الَّذِي لا يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ كالطُّحالِ والسُّعالِ إذْ بِهِ يَضْعُفُ، وبَعْضُ أوْجاعِ المَفاصِلِ لا يَكُونُ عُذْرًا. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذِهِ أعْذارٌ تَكُونُ في نَفْسِ المُجاهِدِ، ولَنا أعْذارٌ خارِجَةٌ كالفَقْرِ الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ صاحِبُهُ مِنِ اسْتِصْحابِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَن لَوْلاهُ لَضاعَ كَطِفْلٍ أوْ مَرِيضٍ، والأعْذارُ تُعْلَمُ مِنَ الفِقْهِ، ونَحْنُ نَبْحَثُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ في بَيانِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذِكْرُ الأعْذارِ الَّتِي في السَّفَرِ؛ لِأنَّ غَيْرَها مُمْكِنُ الإزالَةِ بِخِلافِ العَرَجِ والعَمى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اقْتُصِرَ مِنها عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العُذْرَ إمّا أنْ يَكُونَ بِإخْلالٍ في عُضْوٍ أوْ بِاخْتِلالٍ في القُوَّةِ، والَّذِي بِسَبَبِ إخْلالِ العُضْوِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ اخْتِلالٍ في العُضْوِ الَّذِي بِهِ الوُصُولُ إلى العَدُوِّ
صفحة ٨٢
والِانْتِقالُ في مَواضِعِ القِتالِ، أوْ في العُضْوِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ فائِدَةُ الحُصُولِ في المَعْرِفَةِ والوُصُولِ، والأوَّلُ: هو الرِّجْلُ، والثّانِي: هو العَيْنُ؛ لِأنَّ بِالرِّجْلِ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ، وبِالعَيْنِ يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ في الطَّلَبِ والهَرَبِ. وأمّا الأُذُنُ والأنْفُ واللِّسانُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، فَلا مَدْخَلَ لَها في شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. بَقِيَتِ اليَدُ، فَإنَّ المَقْطُوعَ اليَدَيْنِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عُذْرٌ واضِحٌ ولَمْ يَذْكُرْهُ، نَقُولُ: لِأنَّ فائِدَةَ الرِّجْلِ وهي الِانْتِقالُ تَبْطُلُ بِالخَلَلِ في إحْداهُما، وفائِدَةُ اليَدِ وهي الضِّرابُ والبَطْشُ لا تَبْطُلُ إلّا بِبُطْلانِ اليَدَيْنِ جَمِيعًا، ومَقْطُوعُ اليَدَيْنِ لا يُوجَدُ إلّا نادِرًا، ولَعَلَّ في جَماعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، أوْ لِأنَّ المَقْطُوعَ يُنْتَفَعُ بِهِ في الجِهادِ، فَإنَّهُ يُنْظَرُ ولَوْلاهُ لاسْتَقَلَّ بِهِ مُقاتِلٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقاتِلَ، وهو غَيْرُ مَعْذُورٍ في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ المُجاهِدِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِخِلافِ الأعْمى، فَإنْ قِيلَ: كَما أنَّ مَقْطُوعَ اليَدِ الواحِدَةِ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ بَطْشِهِ، كَذَلِكَ الأعْوَرُ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ رُؤْيَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَ الأعْمى، وما ذَكَرَ الأشَلَّ وأقْطَعَ اليَدَيْنِ ؟ قُلْنا: لِما بَيَّنّا أنَّ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرُ الوُجُودِ، والآفَةُ النّازِلَةُ بِإحْدى اليَدَيْنِ لا تَعُمُّهُما، والآفَةُ النّازِلَةُ بِالعَيْنِ الواحِدَةِ تَعُمُّ العَيْنَيْنِ؛ لِأنَّ مَنبَعَ النُّورِ واحِدٌ وهُما مُتَجاذِبانِ، والوُجُودُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما، فَإنَّ الأعْمى كَثِيرُ الوُجُودِ، ومَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الآفَةَ في الآلَةِ عَلى الآفَةِ في القُوَّةِ؛ لِأنَّ الآفَةَ في القُوَّةِ تَزُولُ وتَطْرَأُ، والآفَةَ في الآلَةِ إذا طَرَأتْ لا تَزُولُ، فَإنَّ الأعْمى لا يَعُودُ بَصِيرًا فالعُذْرُ في مَحَلِّ الآلَةِ أتَمُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدَّمَ الأعْمى عَلى الأعْرَجِ؛ لِأنَّ عُذْرَ الأعْمى يَسْتَمِرُّ ولَوْ حَضَرَ القِتالَ، والأعْرَجُ إنْ حَضَرَ راكِبًا أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ يَقْدِرُ عَلى القِتالِ بِالرَّمْيِ وغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّ طاعَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما طاعَةٌ لِلْآخَرِ، فَجُمِعَ بَيْنَهُما بَيانًا لِطاعَةِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ قالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ كانَ لِبَعْضِ النّاسِ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ لا نَرى اللَّهَ ولا نَسْمَعُ كَلامَهُ، فَمِن أيْنَ نَعْلَمُ أمْرَهُ حَتّى نُطِيعَهُ ؟ فَقالَ: طاعَتُهُ في طاعَةِ رَسُولِهِ، وكَلامُهُ يُسْمَعُ مِن رَسُولِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ بِقَلْبِهِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] عادَ إلى بَيانِ حالِهِمْ، وقالَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الصِّدْقِ كَما عَلِمَ ما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ مِنَ المَرَضِ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ حَتّى بايَعُوا عَلى المَوْتِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ فَجَعَلَ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ عَلامَةً لِإدْخالِ اللَّهِ الجَنَّةَ في تِلْكَ الآيَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ وُجِدَتْ مِن أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، أمّا طاعَةُ اللَّهِ فالإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ فَبِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ بَقِيَ المَوْعُودُ بِهِ وهو إدْخالُ الجَنَّةِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الرِّضا يَكُونُ مَعَهُ إدْخالُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وعِلْمُ اللَّهِ قَبْلَ الرِّضا لِأنَّهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ
صفحة ٨٣
الصِّدْقِ، فَرَضِيَ عَنْهم فَكَيْفَ يُفْهَمُ التَّعْقِيبُ في العِلْمِ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ كَما يَقُولُ القائِلُ: فَرِحْتُ أمْسِ إذْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَقامَ إلَيَّ، أوْ إذْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأكْرَمَنِي، فَيَكُونُ الفَرَحُ بَعْدَ الإكْرامِ تَرْتِيبًا، كَذَلِكَ هَهُنا قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الصِّدْقِ، إشارَةً إلى أنَّ الرِّضا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُبايَعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ عِنْدَ المُبايَعَةِ الَّتِي كانَ مَعَها عِلْمُ اللَّهِ بِصِدْقِهِمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَإنَّهُ تَعالى رَضِيَ عَنْهم، فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وفي ”عَلِمَ“ بَيانُ وصْفِ المُبايِعَةِ بِكَوْنِها مُعَقَّبَةً بِالعِلْمِ بِالصِّدْقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وهَذا تَوْفِيقٌ لا يَتَأتّى إلّا لِمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَعانِي كِتابِهِ الكَرِيمِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ مَغانِمُها، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ كامِلَ القُدْرَةِ غَنِيًّا عَنْ إعانَتِكم إيّاهُ (حَكِيمًا) حَيْثُ جَعَلَ هَلاكَ أعْدائِهِ عَلى أيْدِيكم لِيُثِيبَكم عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّ في ذَلِكَ إعْزازَ قَوْمٍ وإذْلالَ آخَرِينَ، فَإنَّهُ يُذِلُّ مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ ويُعِزُّ مَن يَشاءُ بِحِكْمَتِهِ.
الفتح 48:19
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ بَيَّنَ مَن يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ وتَرْكُ الجِهادِ، وما بِسَبَبِهِ يَجُوزُ تَرْكُ الجِهادِ وهو ما يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِبَيانِ ثَلاثَةِ أصْنافٍ: الأوَّلُ: (الأعْمى) فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإقْدامُ عَلى العَدُوِّ والطَّلَبِ، ولا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ والهَرَبُ، والأعْرَجُ كَذَلِكَ، والمَرِيضُ كَذَلِكَ، وفي مَعْنى الأعْرَجِ: الأقْطَعُ والمُقْعَدُ، بَلْ ذَلِكَ أوْلى بِأنْ يُعْذَرَ، ومَن بِهِ عَرَجٌ لا يَمْنَعُهُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ لا يُعْذَرُ، وكَذَلِكَ المَرَضُ القَلِيلُ الَّذِي لا يَمْنَعُ مِنَ الكَرِّ والفَرِّ كالطُّحالِ والسُّعالِ إذْ بِهِ يَضْعُفُ، وبَعْضُ أوْجاعِ المَفاصِلِ لا يَكُونُ عُذْرًا. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذِهِ أعْذارٌ تَكُونُ في نَفْسِ المُجاهِدِ، ولَنا أعْذارٌ خارِجَةٌ كالفَقْرِ الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ صاحِبُهُ مِنِ اسْتِصْحابِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَن لَوْلاهُ لَضاعَ كَطِفْلٍ أوْ مَرِيضٍ، والأعْذارُ تُعْلَمُ مِنَ الفِقْهِ، ونَحْنُ نَبْحَثُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ في بَيانِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذِكْرُ الأعْذارِ الَّتِي في السَّفَرِ؛ لِأنَّ غَيْرَها مُمْكِنُ الإزالَةِ بِخِلافِ العَرَجِ والعَمى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اقْتُصِرَ مِنها عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العُذْرَ إمّا أنْ يَكُونَ بِإخْلالٍ في عُضْوٍ أوْ بِاخْتِلالٍ في القُوَّةِ، والَّذِي بِسَبَبِ إخْلالِ العُضْوِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ اخْتِلالٍ في العُضْوِ الَّذِي بِهِ الوُصُولُ إلى العَدُوِّ
صفحة ٨٢
والِانْتِقالُ في مَواضِعِ القِتالِ، أوْ في العُضْوِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ فائِدَةُ الحُصُولِ في المَعْرِفَةِ والوُصُولِ، والأوَّلُ: هو الرِّجْلُ، والثّانِي: هو العَيْنُ؛ لِأنَّ بِالرِّجْلِ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ، وبِالعَيْنِ يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ في الطَّلَبِ والهَرَبِ. وأمّا الأُذُنُ والأنْفُ واللِّسانُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، فَلا مَدْخَلَ لَها في شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. بَقِيَتِ اليَدُ، فَإنَّ المَقْطُوعَ اليَدَيْنِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عُذْرٌ واضِحٌ ولَمْ يَذْكُرْهُ، نَقُولُ: لِأنَّ فائِدَةَ الرِّجْلِ وهي الِانْتِقالُ تَبْطُلُ بِالخَلَلِ في إحْداهُما، وفائِدَةُ اليَدِ وهي الضِّرابُ والبَطْشُ لا تَبْطُلُ إلّا بِبُطْلانِ اليَدَيْنِ جَمِيعًا، ومَقْطُوعُ اليَدَيْنِ لا يُوجَدُ إلّا نادِرًا، ولَعَلَّ في جَماعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، أوْ لِأنَّ المَقْطُوعَ يُنْتَفَعُ بِهِ في الجِهادِ، فَإنَّهُ يُنْظَرُ ولَوْلاهُ لاسْتَقَلَّ بِهِ مُقاتِلٌ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقاتِلَ، وهو غَيْرُ مَعْذُورٍ في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ المُجاهِدِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِخِلافِ الأعْمى، فَإنْ قِيلَ: كَما أنَّ مَقْطُوعَ اليَدِ الواحِدَةِ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ بَطْشِهِ، كَذَلِكَ الأعْوَرُ لا تَبْطُلُ مَنفَعَةُ رُؤْيَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَ الأعْمى، وما ذَكَرَ الأشَلَّ وأقْطَعَ اليَدَيْنِ ؟ قُلْنا: لِما بَيَّنّا أنَّ مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرُ الوُجُودِ، والآفَةُ النّازِلَةُ بِإحْدى اليَدَيْنِ لا تَعُمُّهُما، والآفَةُ النّازِلَةُ بِالعَيْنِ الواحِدَةِ تَعُمُّ العَيْنَيْنِ؛ لِأنَّ مَنبَعَ النُّورِ واحِدٌ وهُما مُتَجاذِبانِ، والوُجُودُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما، فَإنَّ الأعْمى كَثِيرُ الوُجُودِ، ومَقْطُوعَ اليَدَيْنِ نادِرٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الآفَةَ في الآلَةِ عَلى الآفَةِ في القُوَّةِ؛ لِأنَّ الآفَةَ في القُوَّةِ تَزُولُ وتَطْرَأُ، والآفَةَ في الآلَةِ إذا طَرَأتْ لا تَزُولُ، فَإنَّ الأعْمى لا يَعُودُ بَصِيرًا فالعُذْرُ في مَحَلِّ الآلَةِ أتَمُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدَّمَ الأعْمى عَلى الأعْرَجِ؛ لِأنَّ عُذْرَ الأعْمى يَسْتَمِرُّ ولَوْ حَضَرَ القِتالَ، والأعْرَجُ إنْ حَضَرَ راكِبًا أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ يَقْدِرُ عَلى القِتالِ بِالرَّمْيِ وغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّ طاعَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما طاعَةٌ لِلْآخَرِ، فَجُمِعَ بَيْنَهُما بَيانًا لِطاعَةِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ قالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ كانَ لِبَعْضِ النّاسِ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ لا نَرى اللَّهَ ولا نَسْمَعُ كَلامَهُ، فَمِن أيْنَ نَعْلَمُ أمْرَهُ حَتّى نُطِيعَهُ ؟ فَقالَ: طاعَتُهُ في طاعَةِ رَسُولِهِ، وكَلامُهُ يُسْمَعُ مِن رَسُولِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ بِقَلْبِهِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] عادَ إلى بَيانِ حالِهِمْ، وقالَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الصِّدْقِ كَما عَلِمَ ما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ مِنَ المَرَضِ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ حَتّى بايَعُوا عَلى المَوْتِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ فَجَعَلَ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ عَلامَةً لِإدْخالِ اللَّهِ الجَنَّةَ في تِلْكَ الآيَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ وُجِدَتْ مِن أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، أمّا طاعَةُ اللَّهِ فالإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ فَبِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ بَقِيَ المَوْعُودُ بِهِ وهو إدْخالُ الجَنَّةِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الرِّضا يَكُونُ مَعَهُ إدْخالُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وعِلْمُ اللَّهِ قَبْلَ الرِّضا لِأنَّهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ
صفحة ٨٣
الصِّدْقِ، فَرَضِيَ عَنْهم فَكَيْفَ يُفْهَمُ التَّعْقِيبُ في العِلْمِ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ كَما يَقُولُ القائِلُ: فَرِحْتُ أمْسِ إذْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَقامَ إلَيَّ، أوْ إذْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأكْرَمَنِي، فَيَكُونُ الفَرَحُ بَعْدَ الإكْرامِ تَرْتِيبًا، كَذَلِكَ هَهُنا قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الصِّدْقِ، إشارَةً إلى أنَّ الرِّضا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُبايَعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ عِنْدَ المُبايَعَةِ الَّتِي كانَ مَعَها عِلْمُ اللَّهِ بِصِدْقِهِمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَإنَّهُ تَعالى رَضِيَ عَنْهم، فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وفي ”عَلِمَ“ بَيانُ وصْفِ المُبايِعَةِ بِكَوْنِها مُعَقَّبَةً بِالعِلْمِ بِالصِّدْقِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وهَذا تَوْفِيقٌ لا يَتَأتّى إلّا لِمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى مَعانِي كِتابِهِ الكَرِيمِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ مَغانِمُها، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ كامِلَ القُدْرَةِ غَنِيًّا عَنْ إعانَتِكم إيّاهُ (حَكِيمًا) حَيْثُ جَعَلَ هَلاكَ أعْدائِهِ عَلى أيْدِيكم لِيُثِيبَكم عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّ في ذَلِكَ إعْزازَ قَوْمٍ وإذْلالَ آخَرِينَ، فَإنَّهُ يُذِلُّ مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ ويُعِزُّ مَن يَشاءُ بِحِكْمَتِهِ.
الفتح 48:20
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
إشارَةً إلى أنَّ ما أتاهم مِنَ الفَتْحِ والمَغانِمِ لَيْسَ هو كُلَّ الثَّوابِ، بَلِ الجَزاءُ قُدّامَهم، وإنَّما هي العاجِلَةُ عَجَّلَ بِها، وفي المَغانِمِ المَوْعُودِ بِها أقْوالٌ، أصَحُّها أنَّهُ وعَدَهم مَغانِمَ كَثِيرَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وكُلُّ ما غَنِمُوهُ كانَ مِنها واللَّهُ كانَ عالِمًا بِها، وهَذا كَما يَقُولُ المَلِكُ الجَوادُ لِمَن يَخْدِمُهُ: يَكُونُ لَكَ مِنِّي عَلى ما فَعَلْتَهُ الجَزاءُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ولا يُرِيدُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ كَلُّ ما يَأْتِي بِهِ ويُؤْتِيهِ يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، غَيْرَ أنَّ المَلِكَ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ ما يَصِلُ إلَيْهِ وقْتَ الوَعْدِ، واللَّهَ عالِمٌ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ لِإتْمامِ المِنَّةِ، كَأنَّهُ قالَ: رَزَقْتُكم غَنِيمَةً بارِدَةً مِن غَيْرِ مَسِّ حَرِّ القِتالِ، ولَوْ تَعِبْتُمْ فِيهِ لَقُلْتُمْ: هَذا جَزاءُ تَعَبِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَفْهُومٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ واللّامُ يُنْبِئُ عَنِ النَّفْعِ كَما أنَّ ”عَلى“ يُنْبِئُ عَنِ الضُّرِّ القائِلِ: لا عَلَيَّ ولا لِيّا، بِمَعْنى لا ما أتَضَرَّرُ بِهِ ولا ما أنْتَفِعُ بِهِ ولا أضُرُّ بِهِ ولا أنْفَعُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ لِتَنْفَعَكم ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ المَغانِمَ المَوْعُودَ بِها كُلُّ ما يَأْخُذُهُ المُسْلِمُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لِيَنْفَعَكم بِها، ولِيَجْعَلَها لِمَن بَعْدَكم آيَةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ كَما وصَلَ إلَيْكم، أوْ نَقُولُ: مَعْناهُ: لِتَنْفَعَكم في الظّاهِرِ وتَنْفَعَكم في الباطِنِ، حَيْثُ يَزْدادُ يَقِينُكم إذا رَأيْتُمْ صِدْقَ الرَّسُولِ في إخْبارِهِ عَنِ الغُيُوبِ، فَتَجْمُلُ أخْبارُكم ويَكْمُلُ اعْتِقادُكم، وقَوْلُهُ: ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ، والِاعْتِزازُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ .
صفحة ٨٤
قِيلَ: غَنِيمَةُ هَوازِنَ، وقِيلَ: غَنائِمُ فارِسَ والرُّومِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في أُخْرى ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿قَدْ أحاطَ﴾ و﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ صِفَةً لِأُخْرى، كَأنَّهُ يَقُولُ: وغَنِيمَةً أُخْرى غَيْرَ مَقْدُورَةٍ ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ .
ثانِيها: أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً، وخَبَرُها ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ وحَسُنَ جَعْلُها مُبْتَدَأً مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً؛ لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِ ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ .
وثالِثُها: الجَرُّ بِإضْمارِ ”رُبَّ“ . ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَنصُوبَةٌ بِالعَطْفِ عَلى مَنصُوبٍ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ وأُخْرى ما قَدَرْتُمْ عَلَيْها، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أُخْرى لَمْ يُعَجِّلْ بِها.
وثانِيهُما: عَلى مَغانِمَ كَثِيرَةٍ تَأْخُذُونَها، وأُخْرى أيْ وعَدَكُمُ اللَّهَ أُخْرى، وحِينَئِذٍ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ تَأْخُذُونَها ومَغانِمَ لا تَأْخُذُونَها أنْتُمْ ولا تَقْدِرُونَ عَلَيْها، وإنَّما يَأْخُذُها مَن يَجِيءُ بَعْدَكم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وعَلى هَذا تَبَيَّنَ لِقَوْلِ الفَرّاءِ حُسْنٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ: حَفِظَها لِلْمُؤْمِنِينَ لا يَجْرِي عَلَيْها هَلاكٌ إلى أنْ يَأْخُذَها المُسْلِمُونَ كَإحاطَةِ الحُرّاسِ بِالخَزائِنِ.
الفتح 48:21
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
إشارَةً إلى أنَّ ما أتاهم مِنَ الفَتْحِ والمَغانِمِ لَيْسَ هو كُلَّ الثَّوابِ، بَلِ الجَزاءُ قُدّامَهم، وإنَّما هي العاجِلَةُ عَجَّلَ بِها، وفي المَغانِمِ المَوْعُودِ بِها أقْوالٌ، أصَحُّها أنَّهُ وعَدَهم مَغانِمَ كَثِيرَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وكُلُّ ما غَنِمُوهُ كانَ مِنها واللَّهُ كانَ عالِمًا بِها، وهَذا كَما يَقُولُ المَلِكُ الجَوادُ لِمَن يَخْدِمُهُ: يَكُونُ لَكَ مِنِّي عَلى ما فَعَلْتَهُ الجَزاءُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ولا يُرِيدُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ كَلُّ ما يَأْتِي بِهِ ويُؤْتِيهِ يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، غَيْرَ أنَّ المَلِكَ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ ما يَصِلُ إلَيْهِ وقْتَ الوَعْدِ، واللَّهَ عالِمٌ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ لِإتْمامِ المِنَّةِ، كَأنَّهُ قالَ: رَزَقْتُكم غَنِيمَةً بارِدَةً مِن غَيْرِ مَسِّ حَرِّ القِتالِ، ولَوْ تَعِبْتُمْ فِيهِ لَقُلْتُمْ: هَذا جَزاءُ تَعَبِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَفْهُومٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ واللّامُ يُنْبِئُ عَنِ النَّفْعِ كَما أنَّ ”عَلى“ يُنْبِئُ عَنِ الضُّرِّ القائِلِ: لا عَلَيَّ ولا لِيّا، بِمَعْنى لا ما أتَضَرَّرُ بِهِ ولا ما أنْتَفِعُ بِهِ ولا أضُرُّ بِهِ ولا أنْفَعُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ لِتَنْفَعَكم ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ المَغانِمَ المَوْعُودَ بِها كُلُّ ما يَأْخُذُهُ المُسْلِمُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لِيَنْفَعَكم بِها، ولِيَجْعَلَها لِمَن بَعْدَكم آيَةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ كَما وصَلَ إلَيْكم، أوْ نَقُولُ: مَعْناهُ: لِتَنْفَعَكم في الظّاهِرِ وتَنْفَعَكم في الباطِنِ، حَيْثُ يَزْدادُ يَقِينُكم إذا رَأيْتُمْ صِدْقَ الرَّسُولِ في إخْبارِهِ عَنِ الغُيُوبِ، فَتَجْمُلُ أخْبارُكم ويَكْمُلُ اعْتِقادُكم، وقَوْلُهُ: ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ، والِاعْتِزازُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ .
صفحة ٨٤
قِيلَ: غَنِيمَةُ هَوازِنَ، وقِيلَ: غَنائِمُ فارِسَ والرُّومِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في أُخْرى ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿قَدْ أحاطَ﴾ و﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ صِفَةً لِأُخْرى، كَأنَّهُ يَقُولُ: وغَنِيمَةً أُخْرى غَيْرَ مَقْدُورَةٍ ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ .
ثانِيها: أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً، وخَبَرُها ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ وحَسُنَ جَعْلُها مُبْتَدَأً مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً؛ لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِ ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ .
وثالِثُها: الجَرُّ بِإضْمارِ ”رُبَّ“ . ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَنصُوبَةٌ بِالعَطْفِ عَلى مَنصُوبٍ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ وأُخْرى ما قَدَرْتُمْ عَلَيْها، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أُخْرى لَمْ يُعَجِّلْ بِها.
وثانِيهُما: عَلى مَغانِمَ كَثِيرَةٍ تَأْخُذُونَها، وأُخْرى أيْ وعَدَكُمُ اللَّهَ أُخْرى، وحِينَئِذٍ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ تَأْخُذُونَها ومَغانِمَ لا تَأْخُذُونَها أنْتُمْ ولا تَقْدِرُونَ عَلَيْها، وإنَّما يَأْخُذُها مَن يَجِيءُ بَعْدَكم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وعَلى هَذا تَبَيَّنَ لِقَوْلِ الفَرّاءِ حُسْنٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ: حَفِظَها لِلْمُؤْمِنِينَ لا يَجْرِي عَلَيْها هَلاكٌ إلى أنْ يَأْخُذَها المُسْلِمُونَ كَإحاطَةِ الحُرّاسِ بِالخَزائِنِ.
الفتح 48:22
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ .
وهُوَ يَصْلُحُ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: كَفُّ الأيْدِي عَنْهم كانَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا، ولَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ العَرَبُ كَما عَزَمُوا لَمَنَعُوهم مِن فَتْحِ خَيْبَرَ واغْتِنامِ غَنائِمِها، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا لا يُنْصَرُونَ، والغَلَبَةُ واقِعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ أمْرُهم أمْرًا اتِّفاقِيًّا، بَلْ هو إلَهِيٌّ مَحْكُومٌ بِهِ مَحْتُومٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الشَّخْصِ إمّا أنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ يَنْفَعُ بِاللُّطْفِ، أوْ بِنَصِيرٍ يَدْفَعُ بِالعُنْفِ، ولَيْسَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (ثَّمَ) لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ مَن يُوَلِّي دُبُرَهُ يَطْلُبُ الخَلاصَ مِنَ القَتْلِ بِالِالتِحاقِ بِما يُنْجِيهِ، فَقالَ: ولَيْسَ إذا ولَّوُا الأدْبارَ يَتَخَلَّصُونَ، بَلْ بَعْدَ التَّوَلِّي الهَلاكُ لاحِقٌ بِهِمْ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ .
جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ آخَرَ يَقُومُ مَقامَ الجِهادِ: وهو أنَّ الطَّوالِعَ لَها تَأْثِيراتٌ، والِاتِّصالاتِ لَها تَغَيُّراتٌ، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، [ بَلْ ] سُنَّةُ اللَّهِ نُصْرَةُ رَسُولِهِ وإهْلاكُ عَدُوِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ بِشارَةٌ ودَفْعُ وهْنٍ يَقَعُ بِسَبَبِ وهْمٍ، وهو أنَّهُ إذا قالَ اللَّهُ تَعالى لَيْسَ هَذا بِالتَّأْثِيراتِ فَلا يَجِبُ وُقُوعُهُ، بَلِ اللَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، ولَوْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ العِبادَ لَأهْلَكَهم، بِخِلافِ قَوْلِ المُنَجِّمِ بِأنَّ الغَلَبَ لِمَن لَهُ طالِعٌ وشَواهِدُ تَقْتَضِي غَلَبَتَهُ قَطْعًا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ مُخْتارٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَقْدِرُ عَلى إهْلاكِ أصْدِقائِهِ، ولَكِنْ لا يُبَدِّلُ سُنَّتَهُ ولا يُغَيِّرُ عادَتَهُ.
الفتح 48:23
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ .
وهُوَ يَصْلُحُ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: كَفُّ الأيْدِي عَنْهم كانَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا، ولَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ العَرَبُ كَما عَزَمُوا لَمَنَعُوهم مِن فَتْحِ خَيْبَرَ واغْتِنامِ غَنائِمِها، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا لا يُنْصَرُونَ، والغَلَبَةُ واقِعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ أمْرُهم أمْرًا اتِّفاقِيًّا، بَلْ هو إلَهِيٌّ مَحْكُومٌ بِهِ مَحْتُومٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الشَّخْصِ إمّا أنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ يَنْفَعُ بِاللُّطْفِ، أوْ بِنَصِيرٍ يَدْفَعُ بِالعُنْفِ، ولَيْسَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (ثَّمَ) لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ مَن يُوَلِّي دُبُرَهُ يَطْلُبُ الخَلاصَ مِنَ القَتْلِ بِالِالتِحاقِ بِما يُنْجِيهِ، فَقالَ: ولَيْسَ إذا ولَّوُا الأدْبارَ يَتَخَلَّصُونَ، بَلْ بَعْدَ التَّوَلِّي الهَلاكُ لاحِقٌ بِهِمْ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ .
جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ آخَرَ يَقُومُ مَقامَ الجِهادِ: وهو أنَّ الطَّوالِعَ لَها تَأْثِيراتٌ، والِاتِّصالاتِ لَها تَغَيُّراتٌ، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، [ بَلْ ] سُنَّةُ اللَّهِ نُصْرَةُ رَسُولِهِ وإهْلاكُ عَدُوِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ بِشارَةٌ ودَفْعُ وهْنٍ يَقَعُ بِسَبَبِ وهْمٍ، وهو أنَّهُ إذا قالَ اللَّهُ تَعالى لَيْسَ هَذا بِالتَّأْثِيراتِ فَلا يَجِبُ وُقُوعُهُ، بَلِ اللَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، ولَوْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ العِبادَ لَأهْلَكَهم، بِخِلافِ قَوْلِ المُنَجِّمِ بِأنَّ الغَلَبَ لِمَن لَهُ طالِعٌ وشَواهِدُ تَقْتَضِي غَلَبَتَهُ قَطْعًا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ مُخْتارٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَقْدِرُ عَلى إهْلاكِ أصْدِقائِهِ، ولَكِنْ لا يُبَدِّلُ سُنَّتَهُ ولا يُغَيِّرُ عادَتَهُ.
الفتح 48:24
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ .
تَبْيِينًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ هو بِتَقْدِيرِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم بِالفِرارِ، وأيْدِيَكم عَنْهم بِالرُّجُوعِ عَنْهم وتَرْكِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى أمْرٍ كانَ هُناكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الكَفِّ، ومَعَ ذاكَ وُجِدَ كَفُّ الأيْدِي، وذَلِكَ الأمْرُ هو دُخُولُ المُسْلِمِينَ بِبَطْنِ مَكَّةَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَصْبِرَ المَكْفُوفُ عَلى القِتالِ لِكَوْنِ العَدُوِّ دَخَلَ دارَهم طالِبِينَ ثَأْرَهم، وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ اجْتِهادَ البَلِيدِ في الذَّبِّ عَنِ الحَرِيمِ، ويَقْتَضِي أنْ يُبالِغَ المُسْلِمُونَ في الِاجْتِهادِ في الجِهادِ لِكَوْنِهِمْ لَوْ قَصَّرُوا لَكُسِرُوا وأُسِرُوا لِبُعْدِ مَأْمَنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى بُعْدِ الكَفِّ، ومَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ صالِحٌ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّ الظَّفَرَ كانَ لَكم، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ كانَ يَسْتَدْعِي كَوْنَ الظَّفَرِ لَهم؛ لِكَوْنِ البِلادِ لَهم، ولِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَكَرَ أمْرَيْنِ مانِعَيْنِ مِنَ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ حَقَّقَهُما مَعَ المُنافِقِينَ، أمّا كَفُّ أيْدِي الكُفّارِ فَكانَ بَعِيدًا؛ لِكَوْنِهِمْ في بِلادِهِمْ ذابِّينَ عَنْ أهْلِيهِمْ وأوْلادِهِمْ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ . وأمّا كَفُّ أيْدِي المُسْلِمِينَ، فَلِأنَّهُ كانَ بَعْدَ أنْ ظَفِرُوا بِهِمْ، ومَتى ظَفِرَ الإنْسانُ بِعَدُوِّهِ الَّذِي لَوْ ظَفِرَ هو بِهِ لاسْتَأْصَلَهُ يَبْعُدُ انْكِفافُهُ عَنْهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ كَفَّ اليَدَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ .
يَعْنِي: كانَ اللَّهُ يَرى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وإنْ كُنْتُمْ لا تَرَوْنَ ذَلِكَ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] يَعْنِي: كانَ الكَفُّ مُحافَظَةً عَلى ما في مَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ لِيَخْرُجُوا مِنها ويَدْخُلُوها عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ فِيهِ إيذاءُ مَن فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ الكَفِّ، مِنهم مَن قالَ: المُرادُ ما كانَ عامَ الفَتْحِ، ومِنهم مَن قالَ: ما كانَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ فَإنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا جَيْشَ الكُفّارِ حَتّى أدْخَلُوهم بُيُوتَهم، وقِيلَ: إنَّ الحَرْبَ كانَ بِالحِجارَةِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ .
صفحة ٨٦
إشارَةٌ إلى أنَّ الكَفَّ لَمْ يَكُنْ لِأمْرٍ فِيهِمْ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا وصَدُّوا وأُحْصِرُوا، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي قِتالَهم، فَلا يَقَعُ لِأحَدٍ أنَّ الفَرِيقَيْنِ اتَّفَقُوا ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما خِلافٌ واصْطَلَحُوا ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما نِزاعٌ، بَلِ الِاخْتِلافُ باقٍ والنِّزاعُ مُسْتَمِرٌّ؛ لِأنَّهم ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ﴾ ومَنَعُوا فازْدادُوا كُفْرًا وعَداوَةً، وإنَّما ذَلِكَ لِلرِّجالِ المُؤْمِنِينَ والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، وقَوْلُهُ: (والهَدْيَ) مَنصُوبٌ عَلى العَطْفِ عَلى ”كَمْ“ في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ ويَجُوزُ الجَرُّ عَطْفًا عَلى المَسْجِدِ، أيْ: وعَنِ الهَدْيِ. ﴿مَعْكُوفًا﴾ حالٌ و﴿أنْ يَبْلُغَ﴾ تَقْدِيرُهُ عَلى أنْ يَبْلُغَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ مَعْكُوفًا بُلُوغُهُ مَحِلَّهُ، كَما يُقالُ: رَأيْتُ زَيْدًا شَدِيدًا بِأْسُهُ. ومَعْكُوفًا أيْ مَمْنُوعًا، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ”عَنْ“ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وصْفُ الرِّجالِ والنِّساءِ، يَعْنِي لَوْلا رِجالٌ ونِساءٌ يُؤْمِنُونَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: رِجالٌ غَيْرُ مَعْلُومِي الوَطْءِ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ - عَيْبٌ أوْ إثْمٌ - وذَلِكَ لِأنَّكم رُبَّما تَقْتُلُونَهم فَتَلْزَمُكُمُ الكَفّارَةُ وهي دَلِيلُ الإثْمِ، أوْ يَعِيبُكُمُ الكُفّارُ بِأنَّهم فَعَلُوا بِإخْوانِهِمْ ما فَعَلُوا بِأعْدائِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ يَعْنِي تَطَئُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، وجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: يَكُونُ هَذا تَكْرارًا؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِنا: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَلْزَمُ تَكْرارُ ”بِغَيْرِ عِلْمٍ“ الحُصُولُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ فالأوْلى أنْ يُقالَ: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) هو في مَوْضِعِهِ تَقْدِيرُهُ: لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، مَن يُعِرُّكم ويَعِيبُ عَلَيْكم، يَعْنِي: إنْ وطَأْتُمُوهم غَيْرَ عالِمِينَ يُصِبْكم مَسَبَّةُ الكُفّارِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أيْ بِجَهْلٍ لا يَعْلَمُونَ أنَّكم مَعْذُورُونَ فِيهِ، أوْ نَقُولُ: تَقْدِيرُهُ لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ فَتَقْتُلُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ تُؤْذُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ الوَطْءُ سَبَبَ القَتْلِ، والوَطْءُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَكم، والقَتْلُ الَّذِي هو بِسَبَبِ المَعَرَّةِ وهو الوَطْءُ الَّذِي يَحْصُلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ. أوْ نَقُولُ: المَعَرَّةُ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: ما يَحْصُلُ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ مِمَّنْ هو غَيْرُ العالِمِ بِحالِ المَحَلِّ.
والثّانِي: ما يَحْصُلُ مِنَ القَتْلِ خَطَأً، وهو غَيْرُ عَدَمِ العِلْمِ، فَقالَ: تُصِيبُكم مِنهم مَعَرَّةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، لا الَّتِي تَكُونُ عَنِ العِلْمِ (وجَوابُ) لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْلا ذَلِكَ لَما كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم. هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو حَسَنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: (جَوابُهُ) ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي قَدِ اسْتَحَقُّوا أنْ لا يُهْمَلُوا، ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ لَوَقَعَ ما اسْتَحَقُّوهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هو سارِقٌ ولَوْلا فُلانٌ لَقَطَعْتُ يَدَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ ”لَوْلا“ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، وامْتِناعُ الشَّيْءِ لا يَكُونُ إلّا إذا وُجِدَ المُقْتَضِي لَهُ فَمَنَعَهُ الغَيْرُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا المُقْتَضِيَ التّامَّ البالِغَ، وهو الكُفْرُ والصَّدُّ والمَنعُ، وذَكَرَ ما امْتَنَعَ لِأجْلِهِ مُقْتَضاهُ وهو وُجُودُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: في الفِعْلِ الَّذِي يَسْتَدْعِي اللّامَ الَّذِي بِسَبَبِهِ يَكُونُ الإدْخالُ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يُقالَ هو قَوْلُهُ: ﴿كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ لِيُدْخِلَ، لا يُقالُ بِأنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّ المانِعَ وُجُودُ رِجالٍ مُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: كَفَّ
صفحة ٨٧
أيْدِيَكم لِئَلّا تَطَئُوا، فَكَيْفَ يَكُونُ لِشَيْءٍ آخَرَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ نَقُولَ: كَفَّ أيْدِيَكم لِئَلّا تَطَئُوا لِتَدْخُلُوا كَما يُقالُ: أطْعَمْتُهُ لِيَشْبَعَ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لِي أيِ الإطْعامُ لِلشّابِعِ كانَ لِيَغْفِرَ.
الثّانِي: هو أنّا بَيَّنّا أنَّ لَوْلا جَوابُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَحَقُّوا التَّعَجُّلَ في إهْلاكِهِمْ، ولَوْلا رِجالٌ لَعَجَّلَ بِهِمْ، ولَكِنْ كَفَّ أيْدِيَكم لِيُدْخِلَ.
ثانِيها: أنْ يُقالَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِيُدْخِلَ؛ لِأنَّ هُناكَ أفْعالًا مِنَ الألْطافِ والهِدايَةِ وغَيْرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ لِيُؤْمِنَ مِنهم مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُؤْمِنُ في تِلْكَ السَّنَةِ، أوْ لِيَخْرُجَ مِن مَكَّةَ ويُهاجِرَ، فَيُدْخِلَهم في رَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ لَوْ تَمَيَّزُوا، والضَّمِيرُ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: هو ضَمِيرُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا، وقَدْ قُلْتُمْ بِأنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ وهو قَوْلُهُ لَمّا كَفَّ أوْ لَعَجَّلَ، ولَوْ كانَ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ راجِعًا إلى الرِّجالِ لَكانَ لَعَذَّبْنا جَوابَ لَوْلا ؟ نَقُولُ: وقَدْ قالَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ ”لَوْلا“ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَعَذَّبْنا جَوابَ ”لَوْلا“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو ضَمِيرُ مَن يَشاءُ، كَأنَّهُ قالَ: لِيُدْخِلَ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ لَوْ تَزَيَّلُوا هم وتَمَيَّزُوا وآمَنُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: وهو عَلى تَقْدِيرٍ نَفْرِضُهُ، فالكَلامُ يُفِيدُ أنَّ العَذابَ الألِيمَ انْدَفَعَ عَنْهم، إمّا بِسَبَبِ عَدَمِ التَّزْيِيلِ، أوْ بِسَبَبِ وُجُودِ الرِّجالِ وعُلِمَ تَقْدِيرُ وُجُودِ الرِّجالِ، والعَذابُ الألِيمُ لا يَنْدَفِعُ عَنِ الكافِرِ، نَقُولُ: المُرادُ عَذابًا عاجِلًا بِأيْدِيكم يَبْتَدِئُ بِالجِنْسِ، إذْ كانُوا غَيْرَ مُقْرِنِينَ ولا مُنْقَلِبِينَ إلَيْهِمْ فَيَظْهَرُونَ ويَقْتَدِرُونَ يَكُونُ ألِيمًا.
البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مَعَ أنَّ المُؤَنَّثَ يَدْخُلُ في ذِكْرِ المُذَكَّرِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ يَعْنِي أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ وهْمِ اخْتِصاصِ الرِّجالِ بِالحُكْمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَطَئُوهم فَتُصِيبَكُمْ﴾ مَعْناهُ تُهْلِكُوهم والمُرادُ: لا تُقاتِلْ ولا تَقْتُلْ، فَكانَ المانِعَ وهو وُجُودُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: والنِّساءُ المُؤْمِناتُ أيْضًا؛ لِأنَّ تَخْرِيبَ بُيُوتِهِنَّ ويُتْمَ أوْلادِهِنَّ بِسَبَبِ رِجالِهِنَّ وطْأةٌ شَدِيدَةٌ.
وثانِيهِما: أنَّ في مَحَلِّ الشَّفَقَةِ تُعَدُّ المَواضِعُ لِتَرْقِيقِ القَلْبِ، يُقالُ لِمَن يُعَذِّبُ شَخْصًا: لا تُعَذِّبْهُ وارْحَمْ ذُلَّهُ وفَقْرَهُ وضَعْفَهُ، ويُقالُ: أوْلادُهُ وصِغارُهُ وأهْلُهُ الضُّعَفاءُ العاجِزُونَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ لِتَرْقِيقِ قُلُوبِ المُؤْمِناتِ ورِضاهم بِما جَرى مِنَ الكَفِّ بَعْدَ الظَّفَرِ.
الفتح 48:25
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ .
تَبْيِينًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ هو بِتَقْدِيرِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم بِالفِرارِ، وأيْدِيَكم عَنْهم بِالرُّجُوعِ عَنْهم وتَرْكِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى أمْرٍ كانَ هُناكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الكَفِّ، ومَعَ ذاكَ وُجِدَ كَفُّ الأيْدِي، وذَلِكَ الأمْرُ هو دُخُولُ المُسْلِمِينَ بِبَطْنِ مَكَّةَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَصْبِرَ المَكْفُوفُ عَلى القِتالِ لِكَوْنِ العَدُوِّ دَخَلَ دارَهم طالِبِينَ ثَأْرَهم، وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ اجْتِهادَ البَلِيدِ في الذَّبِّ عَنِ الحَرِيمِ، ويَقْتَضِي أنْ يُبالِغَ المُسْلِمُونَ في الِاجْتِهادِ في الجِهادِ لِكَوْنِهِمْ لَوْ قَصَّرُوا لَكُسِرُوا وأُسِرُوا لِبُعْدِ مَأْمَنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى بُعْدِ الكَفِّ، ومَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ صالِحٌ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّ الظَّفَرَ كانَ لَكم، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ كانَ يَسْتَدْعِي كَوْنَ الظَّفَرِ لَهم؛ لِكَوْنِ البِلادِ لَهم، ولِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَكَرَ أمْرَيْنِ مانِعَيْنِ مِنَ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ حَقَّقَهُما مَعَ المُنافِقِينَ، أمّا كَفُّ أيْدِي الكُفّارِ فَكانَ بَعِيدًا؛ لِكَوْنِهِمْ في بِلادِهِمْ ذابِّينَ عَنْ أهْلِيهِمْ وأوْلادِهِمْ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ . وأمّا كَفُّ أيْدِي المُسْلِمِينَ، فَلِأنَّهُ كانَ بَعْدَ أنْ ظَفِرُوا بِهِمْ، ومَتى ظَفِرَ الإنْسانُ بِعَدُوِّهِ الَّذِي لَوْ ظَفِرَ هو بِهِ لاسْتَأْصَلَهُ يَبْعُدُ انْكِفافُهُ عَنْهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ كَفَّ اليَدَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ .
يَعْنِي: كانَ اللَّهُ يَرى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وإنْ كُنْتُمْ لا تَرَوْنَ ذَلِكَ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] يَعْنِي: كانَ الكَفُّ مُحافَظَةً عَلى ما في مَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ لِيَخْرُجُوا مِنها ويَدْخُلُوها عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ فِيهِ إيذاءُ مَن فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ الكَفِّ، مِنهم مَن قالَ: المُرادُ ما كانَ عامَ الفَتْحِ، ومِنهم مَن قالَ: ما كانَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ فَإنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا جَيْشَ الكُفّارِ حَتّى أدْخَلُوهم بُيُوتَهم، وقِيلَ: إنَّ الحَرْبَ كانَ بِالحِجارَةِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ .
صفحة ٨٦
إشارَةٌ إلى أنَّ الكَفَّ لَمْ يَكُنْ لِأمْرٍ فِيهِمْ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا وصَدُّوا وأُحْصِرُوا، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي قِتالَهم، فَلا يَقَعُ لِأحَدٍ أنَّ الفَرِيقَيْنِ اتَّفَقُوا ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما خِلافٌ واصْطَلَحُوا ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما نِزاعٌ، بَلِ الِاخْتِلافُ باقٍ والنِّزاعُ مُسْتَمِرٌّ؛ لِأنَّهم ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ﴾ ومَنَعُوا فازْدادُوا كُفْرًا وعَداوَةً، وإنَّما ذَلِكَ لِلرِّجالِ المُؤْمِنِينَ والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، وقَوْلُهُ: (والهَدْيَ) مَنصُوبٌ عَلى العَطْفِ عَلى ”كَمْ“ في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ ويَجُوزُ الجَرُّ عَطْفًا عَلى المَسْجِدِ، أيْ: وعَنِ الهَدْيِ. ﴿مَعْكُوفًا﴾ حالٌ و﴿أنْ يَبْلُغَ﴾ تَقْدِيرُهُ عَلى أنْ يَبْلُغَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ مَعْكُوفًا بُلُوغُهُ مَحِلَّهُ، كَما يُقالُ: رَأيْتُ زَيْدًا شَدِيدًا بِأْسُهُ. ومَعْكُوفًا أيْ مَمْنُوعًا، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ”عَنْ“ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وصْفُ الرِّجالِ والنِّساءِ، يَعْنِي لَوْلا رِجالٌ ونِساءٌ يُؤْمِنُونَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: رِجالٌ غَيْرُ مَعْلُومِي الوَطْءِ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ - عَيْبٌ أوْ إثْمٌ - وذَلِكَ لِأنَّكم رُبَّما تَقْتُلُونَهم فَتَلْزَمُكُمُ الكَفّارَةُ وهي دَلِيلُ الإثْمِ، أوْ يَعِيبُكُمُ الكُفّارُ بِأنَّهم فَعَلُوا بِإخْوانِهِمْ ما فَعَلُوا بِأعْدائِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ يَعْنِي تَطَئُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، وجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: يَكُونُ هَذا تَكْرارًا؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِنا: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَلْزَمُ تَكْرارُ ”بِغَيْرِ عِلْمٍ“ الحُصُولُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ فالأوْلى أنْ يُقالَ: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) هو في مَوْضِعِهِ تَقْدِيرُهُ: لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، مَن يُعِرُّكم ويَعِيبُ عَلَيْكم، يَعْنِي: إنْ وطَأْتُمُوهم غَيْرَ عالِمِينَ يُصِبْكم مَسَبَّةُ الكُفّارِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أيْ بِجَهْلٍ لا يَعْلَمُونَ أنَّكم مَعْذُورُونَ فِيهِ، أوْ نَقُولُ: تَقْدِيرُهُ لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ فَتَقْتُلُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ تُؤْذُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ الوَطْءُ سَبَبَ القَتْلِ، والوَطْءُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَكم، والقَتْلُ الَّذِي هو بِسَبَبِ المَعَرَّةِ وهو الوَطْءُ الَّذِي يَحْصُلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ. أوْ نَقُولُ: المَعَرَّةُ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: ما يَحْصُلُ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ مِمَّنْ هو غَيْرُ العالِمِ بِحالِ المَحَلِّ.
والثّانِي: ما يَحْصُلُ مِنَ القَتْلِ خَطَأً، وهو غَيْرُ عَدَمِ العِلْمِ، فَقالَ: تُصِيبُكم مِنهم مَعَرَّةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، لا الَّتِي تَكُونُ عَنِ العِلْمِ (وجَوابُ) لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْلا ذَلِكَ لَما كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم. هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو حَسَنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: (جَوابُهُ) ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي قَدِ اسْتَحَقُّوا أنْ لا يُهْمَلُوا، ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ لَوَقَعَ ما اسْتَحَقُّوهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هو سارِقٌ ولَوْلا فُلانٌ لَقَطَعْتُ يَدَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ ”لَوْلا“ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، وامْتِناعُ الشَّيْءِ لا يَكُونُ إلّا إذا وُجِدَ المُقْتَضِي لَهُ فَمَنَعَهُ الغَيْرُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا المُقْتَضِيَ التّامَّ البالِغَ، وهو الكُفْرُ والصَّدُّ والمَنعُ، وذَكَرَ ما امْتَنَعَ لِأجْلِهِ مُقْتَضاهُ وهو وُجُودُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: في الفِعْلِ الَّذِي يَسْتَدْعِي اللّامَ الَّذِي بِسَبَبِهِ يَكُونُ الإدْخالُ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يُقالَ هو قَوْلُهُ: ﴿كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ لِيُدْخِلَ، لا يُقالُ بِأنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّ المانِعَ وُجُودُ رِجالٍ مُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: كَفَّ
صفحة ٨٧
أيْدِيَكم لِئَلّا تَطَئُوا، فَكَيْفَ يَكُونُ لِشَيْءٍ آخَرَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ نَقُولَ: كَفَّ أيْدِيَكم لِئَلّا تَطَئُوا لِتَدْخُلُوا كَما يُقالُ: أطْعَمْتُهُ لِيَشْبَعَ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لِي أيِ الإطْعامُ لِلشّابِعِ كانَ لِيَغْفِرَ.
الثّانِي: هو أنّا بَيَّنّا أنَّ لَوْلا جَوابُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَحَقُّوا التَّعَجُّلَ في إهْلاكِهِمْ، ولَوْلا رِجالٌ لَعَجَّلَ بِهِمْ، ولَكِنْ كَفَّ أيْدِيَكم لِيُدْخِلَ.
ثانِيها: أنْ يُقالَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِيُدْخِلَ؛ لِأنَّ هُناكَ أفْعالًا مِنَ الألْطافِ والهِدايَةِ وغَيْرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ لِيُؤْمِنَ مِنهم مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُؤْمِنُ في تِلْكَ السَّنَةِ، أوْ لِيَخْرُجَ مِن مَكَّةَ ويُهاجِرَ، فَيُدْخِلَهم في رَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ لَوْ تَمَيَّزُوا، والضَّمِيرُ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: هو ضَمِيرُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا، وقَدْ قُلْتُمْ بِأنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ وهو قَوْلُهُ لَمّا كَفَّ أوْ لَعَجَّلَ، ولَوْ كانَ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ راجِعًا إلى الرِّجالِ لَكانَ لَعَذَّبْنا جَوابَ لَوْلا ؟ نَقُولُ: وقَدْ قالَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ ”لَوْلا“ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَعَذَّبْنا جَوابَ ”لَوْلا“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو ضَمِيرُ مَن يَشاءُ، كَأنَّهُ قالَ: لِيُدْخِلَ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ لَوْ تَزَيَّلُوا هم وتَمَيَّزُوا وآمَنُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: وهو عَلى تَقْدِيرٍ نَفْرِضُهُ، فالكَلامُ يُفِيدُ أنَّ العَذابَ الألِيمَ انْدَفَعَ عَنْهم، إمّا بِسَبَبِ عَدَمِ التَّزْيِيلِ، أوْ بِسَبَبِ وُجُودِ الرِّجالِ وعُلِمَ تَقْدِيرُ وُجُودِ الرِّجالِ، والعَذابُ الألِيمُ لا يَنْدَفِعُ عَنِ الكافِرِ، نَقُولُ: المُرادُ عَذابًا عاجِلًا بِأيْدِيكم يَبْتَدِئُ بِالجِنْسِ، إذْ كانُوا غَيْرَ مُقْرِنِينَ ولا مُنْقَلِبِينَ إلَيْهِمْ فَيَظْهَرُونَ ويَقْتَدِرُونَ يَكُونُ ألِيمًا.
البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مَعَ أنَّ المُؤَنَّثَ يَدْخُلُ في ذِكْرِ المُذَكَّرِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ يَعْنِي أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ وهْمِ اخْتِصاصِ الرِّجالِ بِالحُكْمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَطَئُوهم فَتُصِيبَكُمْ﴾ مَعْناهُ تُهْلِكُوهم والمُرادُ: لا تُقاتِلْ ولا تَقْتُلْ، فَكانَ المانِعَ وهو وُجُودُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: والنِّساءُ المُؤْمِناتُ أيْضًا؛ لِأنَّ تَخْرِيبَ بُيُوتِهِنَّ ويُتْمَ أوْلادِهِنَّ بِسَبَبِ رِجالِهِنَّ وطْأةٌ شَدِيدَةٌ.
وثانِيهِما: أنَّ في مَحَلِّ الشَّفَقَةِ تُعَدُّ المَواضِعُ لِتَرْقِيقِ القَلْبِ، يُقالُ لِمَن يُعَذِّبُ شَخْصًا: لا تُعَذِّبْهُ وارْحَمْ ذُلَّهُ وفَقْرَهُ وضَعْفَهُ، ويُقالُ: أوْلادُهُ وصِغارُهُ وأهْلُهُ الضُّعَفاءُ العاجِزُونَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ لِتَرْقِيقِ قُلُوبِ المُؤْمِناتِ ورِضاهم بِما جَرى مِنَ الكَفِّ بَعْدَ الظَّفَرِ.
الفتح 48:26
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .
”إذْ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا فَلا بُدَّ مِن فِعْلٍ يَقَعُ فِيهِ ويَكُونُ عامِلًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ ظَرْفٌ فالفِعْلُ الواقِعُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مَذْكُورٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مَفْهُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَإنْ قُلْنا: هو مَذْكُورٌ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدُّوكُمْ﴾ أيْ وصَدُّوكم حِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ.
صفحة ٨٨
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ لَعَذَّبْناهم حِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ. والثّانِي أقْرَبُ لِقُرْبِهِ لَفْظًا، وشَدَّةِ مُناسَبَتِهِ مَعْنًى؛ لِأنَّهم إذا جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ لا يَرْجِعُونَ إلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ، والمُؤْمِنُونَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ لا يَتْرُكُونَ الِاجْتِهادَ في الجِهادِ واللَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَيُعَذِّبُونَهم عَذابًا ألِيمًا أوْ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَفِظَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَطَئُوهم وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ جَعَلَ في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ.
وثانِيها: أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكم إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الإحْسانِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فالعامِلُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أيْ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ، كَما تَقُولُ: أتَذْكُرُ إذْ قامَ زَيْدٌ، أيْ: أتَذْكُرُ وقْتَ قِيامِهِ، كَما تَقُولُ: أتَذْكُرُ زَيْدًا، وعَلى هَذا يَكُونُ الظَّرْفُ المُضافُ إلَيْهِ عامِلًا فِيهِ، وفِيهِ لَطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ ولَفْظِيَّةٌ: الأُولى: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أبانَ غايَةَ البَوْنِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَأشارَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: أحَدُها:
جَعَلَ ما لِلْكافِرِينَ بِجَعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجَعَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِجَعْلِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ﴾ وبَيْنَ الفاعِلَيْنِ ما لا يَخْفى.
ثانِيها: جَعَلَ لِلْكافِرِينَ الحَمِيَّةَ، ولِلْمُؤْمِنِينَ السَّكِينَةَ، وبَيْنَ المَفْعُولَيْنِ تَفاوُتٌ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ. ثالِثُها: أضافَ الحَمِيَّةَ إلى الجاهِلِيَّةِ، وأضافَ السَّكِينَةَ إلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾، وقالَ: ﴿سَكِينَتَهُ﴾، وبَيْنَ الإضافَتَيْنِ ما لا يُذْكَرُ. الثّانِيَةُ: زادَ المُؤْمِنِينَ خَيْرًا بَعْدَ حُصُولِ مُقابَلَةِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، فِعْلُهم بِفِعْلِ اللَّهِ، والحَمِيَّةُ بِالسَّكِينَةِ، والإضافَةُ إلى الجاهِلِيَّةِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وسَنَذْكُرُ مَعْناهُ. وأمّا اللَّفْظِيَّةُ فَثَلاثُ لَطائِفَ:
الأُولى: قالَ في حَقِّ الكافِرِ: (جَعَلَ ) وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ: (أنْزَلَ) ولَمْ يَقُلْ خَلَقَ، ولا جَعَلَ سَكِينَتَهُ، إشارَةً إلى أنَّ الحَمِيَّةَ كانَتْ مَجْعُولَةً في الحالِ في العَرَضِ الَّذِي لا يَبْقى، وأمّا السَّكِينَةُ فَكانَتْ كالمَحْفُوظَةِ في خِزانَةِ الرَّحْمَةِ، مُعَدَّةً لِعِبادِهِ فَأنْزَلَها. الثّانِيَةُ: قالَ: الحَمِيَّةَ ثُمَّ أضافَها بِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ لِأنَّ الحَمِيَّةَ في نَفْسِها صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، وبِالإضافَةِ إلى الجاهِلِيَّةِ تَزْدادُ قُبْحًا، ولِلَحَمِيَّةِ في القُبْحِ دَرَجَةٌ لا يُعْتَبَرُ مَعَها قُبْحُ القَبائِحِ كالمُضافِ إلى الجاهِلِيَّةِ. وأمّا السَّكِينَةُ في نَفْسِها وإنْ كانَتْ حَسَنَةً لَكِنَّ الإضافَةَ إلى اللَّهِ فِيها مِنَ الحُسْنِ ما لا يَبْقى مَعَهُ لِحُسْنٍ اعْتِبارٌ، فَقالَ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ اكْتِفاءً بِحُسْنِ الإضافَةِ. الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (فَأنْزَلْ) بِالفاءِ لا بِالواوِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ كالمُقابَلَةِ، تَقُولُ: أكْرَمَنِي فَأكْرَمْتُهُ، لِلْمُجازاةِ والمُقابَلَةِ، ولَوْ قُلْتَ: أكْرَمَنِي وأكْرَمْتُهُ لا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ عِنْدَ اشْتِدادِ غَضَبِ أحَدِ العَدُوَّيْنِ فالعَدُوُّ الآخَرُ إمّا أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا أوْ قَوِيًّا، فَإنْ كانَ ضَعِيفًا يَنْهَزِمُ ويَنْقَهِرُ، وإنْ كانَ قَوِيًّا فَيُورِثُ غَضَبُهُ فِيهِ غَضَبًا، وهَذا سَبَبُ قِيامِ الفِتَنِ والقِتالِ، فَقالَ في نَفْسِ الحَرَكَةِ عِنْدَ حَرَكَتِهِمْ: ما أقْدَمْنا وما انْهَزَمْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأنْزَلَ اللَّهُ) بِالفاءِ يَدُلُّ، تَعَلُّقُ الإنْزالِ بِالفاءِ عَلى تَرْتِيبِهِ عَلى شَيْءٍ، نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا مِن أنَّ ”إذْ“ ظَرْفٌ كَأنَّهُ قالَ: أحْسَنَ اللَّهُ ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقَوْلُهُ: (فَأنْزَلَ) تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الإحْسانِ كَما يُقالُ: أكْرَمَنِي فَأعْطانِي لِتَفْسِيرِ الإكْرامِ. وثانِيهِما: أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ إنْزالِ السَّكِينَةِ بِجَعْلِهِمُ الحَمِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ عَلى مَعْنى المُقابَلَةِ، تَقُولُ: أكْرَمَنِي فَأثْنَيْتُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا فِعْلَيْنِ واقِعَيْنِ مِن غَيْرِ مُقابَلَةٍ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ وخَرَجَ عَمْرٌو، وهو هُنا كَذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ فالمُسْلِمُونَ عَلى مَجْرى العادَةِ لَوْ نَظَرْتَ إلَيْهِمْ لَزِمَ أنْ يُوجَدَ مِنهم أحَدُ الأمْرَيْنِ: إمّا إقْدامٌ، وإمّا
صفحة ٨٩
انْهِزامٌ؛ لِأنَّ أحَدَ العَدُوَّيْنِ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ فالعَدُوُّ الآخَرُ إنْ كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ يَغْضَبُ أيْضًا وهَذا يُثِيرُ الفِتَنَ، وإنْ كانَ أضْعَفَ مِنهُ يَنْهَزِمُ أوْ يَنْقادُ لَهُ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ في مُقابَلَةِ حَمِيَّةِ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَكِينَتَهُ حَتّى لَمْ يَغْضَبُوا ولَمْ يَنْهَزِمُوا بَلْ يَصْبِرُوا، وهو بَعِيدٌ في العادَةِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ تَعالى: (﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّهُ هو الَّذِي أجابَ الكافِرِينَ إلى الصُّلْحِ، وكانَ في نَفْسِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَرْجِعُوا إلّا بِأحَدِ الثَّلاثَةِ بِالنَّحْرِ في المَنحَرِ، وأبَوْا أنْ لا يَكْتُبُوا مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ وبِسْمِ اللَّهِ، فَلَمّا سَكَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَنَ المُؤْمِنُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ فِيهِ وُجُوهٌ، أظْهَرُها أنَّهُ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنَّ بِها يَقَعُ الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: هو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ومُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإنَّ الكافِرِينَ أبَوْا ذَلِكَ والمُؤْمِنُونَ التَزَمُوهُ، وقِيلَ: هي الوَفاءُ بِالعَهْدِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ونَحْنُ نُوَضِّحُ فِيهِ ما يَتَرَجَّحُ بِالدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: ﴿وألْزَمَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، يَعْنِي ألْزَمَ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ التَّقْوى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ فَحَسْبُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ عائِدٌ إلَيْهِما جَمِيعًا نَقُولُ: هو الأمْرُ بِالتَّقْوى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] والأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ حَتّى تُذْهِلَهُ تَقْواهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ، كَما قالَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وقالَ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ حالَ مَن صَدَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقالَ: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] وإنْ قُلْنا بِأنَّهُ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (واتَّقُوا اللَّهَ) وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ عَلى هَذا مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ تَعالى إذا قالَ: (اتَّقُوا) يَكُونُ الأمْرُ وارِدًا، ثُمَّ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقْبَلُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ويَلْتَزِمُهُ ومِنهم مَن لا يَلْتَزِمُهُ، ومَنِ التَزَمَهُ فَقَدِ التَزَمَهُ بِإلْزامِ اللَّهِ إيّاهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وفي هَذا المَعْنى رُجْحانٌ مِن حَيْثُ إنَّ التَّقْوى وإنْ كانَ كامِلًا ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى الكَلِمَةِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا عِنْدَ اللَّهِ أكْرَمَ النّاسِ فَأُلْزِمُوا تَقْواهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ مَن يَكُونُ تَقْواهُ أكْثَرَ يُكْرِمُهُ اللَّهُ أكْثَرَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ مَن سَيَكُونُ أكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ وأقْرَبَ إلَيْهِ كانَ أتْقى، كَما في قَوْلِهِ: ”والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ“ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا أحَقَّ بِها﴾ لِأنَّهم كانُوا أعْلَمَ بِاللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأهْلَها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يُفْهَمُ مِن مَعْنى الأحَقِّ أنَّهُ يُثْبِتُ رُجْحانًا عَلى الكافِرِينَ إنْ لَمْ يُثْبِتِ الأهْلِيَّةَ، كَما لَوِ اخْتارَ المَلِكُ اثْنَيْنِ لَشُغْلٍ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ صالِحٍ لَهُ، ولَكِنَّ أحَدَهُما أبْعَدُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ، فَقالَ في الأقْرَبِ إلى الِاسْتِحْقاقِ: إذا كانَ ولا بُدَّ فَهَذا أحَقُّ، كَما يُقالُ: الحَبْسُ أهْوَنُ مِنَ القَتْلِ مَعَ أنَّهُ لا هَيِّنَ هُناكَ، فَقالَ: ﴿وأهْلَها﴾ دَفَعًا لِذَلِكَ.
الثّانِي: وهو أقْوى، وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلَها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ نُبَيِّنُها بَعْدَما نُبَيِّنُ مَعْنى الأحَقِّ، فَنَقُولُ: هو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الأحَقُّ بِمَعْنى الحَقِّ لا لِلتَّفْضِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾
صفحة ٩٠
﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] إذْ لا خَيْرَ في غَيْرِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ، أيِ: المُؤْمِنُونَ أحَقُّ مِنَ الكافِرِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلِمَةِ التَّقْوى مِن كَلِمَةٍ أُخْرى غَيْرِ تَقْوى، تَقُولُ: زِيدٌ أحَقُّ بِالإكْرامِ مِنهُ بِالإهانَةِ، كَما إذا سَألَ شَخْصٌ عَنْ زَيْدٍ إنَّهُ بِالطِّبِّ أعْلَمُ أوْ بِالفِقْهِ، تَقُولُ: هو بِالفِقْهِ أعْلَمُ، أيْ: مِنَ الطِّبِّ.
الفتح 48:27
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ .
بَيانٌ لِفَسادِ ما قالَهُ المُنافِقُونَ بَعْدَ إنْزالِ اللَّهِ السَّكِينَةَ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ووُقُوفِهِمْ عِنْدَ ما أُمِرُوا بِهِ مِن عَدَمِ الإقْبالِ عَلى القِتالِ، وذَلِكَ قَوْلُهم: ما دَخَلْنا المَسْجِدَ الحَرامَ ولا حَلَقْنا ولا قَصَّرْنا، حَيْثُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ رَأى في مَنامِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ ويُتِمُّونَ الحَجَّ، ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ وقْتًا، فَقَصَّ رُؤْياهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَقَطَعُوا بِأنَّ الأمْرَ كَما رَأى النَّبِيُّ ﷺ في مَنامِهِ، وظَنُّوا أنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عامَ الفَتْحِ، فَلَمّا صالَحُوا ورَجَعُوا قالَ المُنافِقُونَ اسْتِهْزاءً: ما دَخَلْنا ولا حَلَقْنا، فَقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ وتَعْدِيَةُ صَدَقَ إلى مَفْعُولَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ، وكَوْنُهُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ كَكَلِمَةِ جَعَلَ وخَلَقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: عُدِّيَ إلى الرُّؤْيا بِحَرْفٍ تَقْدِيرُهُ: صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ في الرُّؤْيا، وعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: جَعَلَها واقِعَةً بَيْنَ صِدْقِ وعْدِهِ إذْ وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ وأتى بِهِ، وعَلى الثّانِي مَعْناهُ: ما أراهُ اللَّهُ لَمْ يَكْذِبْ فِيهِ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى في مَنامِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: سَتَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (صَدَقَ) ظاهِرًا لِأنَّ اسْتِعْمالَ الصِّدْقِ في الكَلامِ ظاهِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ أتى بِما يُحَقِّقُ المَنامَ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا، يُقالُ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ مَثَلًا، وفِيما إذا حَقَّقَ الأمْرَ الَّذِي يُرِيهِ مِن نَفْسِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ إذا قِيلَ لَهُ: هِدَعْ، سَكَنَ، فَحَقَّقَ كَوْنَهُ مِن صِغارِ الإبِلِ، فَإنَّ ”هِدَعْ“ كَلِمَةٌ يُسَكَّنُ بِها صِغارُ الإبِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (بِالحَقِّ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ أوْ قَسَمٌ أوْ صِفَةُ صِدْقٍ، وعَلى كَوْنِهِ حالًا تَقْدِيرُهُ صَدَقَهُ الرُّؤْيا مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً تَقْدِيرُهُ: صَدَقَهُ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ قَسَمًا إمّا أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِاللَّهِ فَإنَّ الحَقَّ مِن أسْمائِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالحَقِّ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. هَذا ما قالَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: [ إنَّ ] فِيهِ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالحَقِّ الرُّؤْيا، أيِ الرَّسُولَ الَّذِي هو رَسُولٌ بِالحَقِّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ الكَذِبِ في الرُّؤْيا؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ رَسُولًا بِالحَقِّ فَلا يَرى في مَنامِهِ الباطِلَ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ إنْ قُلْنا بِأنَّ الحَقَّ قَسَمٌ، فَأمْرُ اللّامِ ظاهِرٌ، وإنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ فَتَقْدِيرُهُ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ، وقَوْلُهُ: واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ، جازَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلرُّؤْيا، يَعْنِي الرُّؤْيا هي:
صفحة ٩١
واللَّهِ لَتُدْخُلُنَّ، وعَلى هَذا تَبَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ كانَ في الكَلامِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيا كانَتْ كَلامًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ﴾ يَعْنِي واللَّهِ لَيَقَعَنَّ الدُّخُولُ، ولَيَظْهَرَنَّ الصِّدْقُ، فَ ”لَتَدْخُلُنَّ“ ابْتِداءُ كَلامٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَهُ تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ الأدَبَ وتَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] .
الثّانِي: هو أنَّ الدُّخُولَ لَمّا لَمْ يَقَعْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يُرِيدُونَ الدُّخُولَ ويَأْبَوْنَ الصُّلْحَ قالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ ولَكِنْ لا بِجَلادَتِكم ولا بِإرادَتِكم، إنَّما تَدْخُلُونَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. الثّالِثُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ ذَكَرَ أنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ وعْدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ولا حَقٌّ واجِبٌ، ومَن وعَدَ بِشَيْءٍ لا يُحَقِّقُهُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وإلّا فَلا يُلْزِمُهُ بِهِ أحَدٌ، وإذا كانَ هَذا حالَ المَوْعُودِ بِهِ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ صَرِيحًا في اليَقَظَةِ، فَما ظَنُّكم بِالوَحْيِ بِالمَنامِ، وهو يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أكْثَرَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، فَإذا تَأخَّرَ الدُّخُولُ لِمَ يَسْتَهْزِئُونَ ؟
الرّابِعُ: هو أنَّ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلدُّخُولِ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: لا تَدْخُلُوها إلّا بِإرادَتِنا، ولا نُرِيدُ دُخُولَكم في هَذِهِ السَّنَةِ، ونَخْتارُ دُخُولَكم في السَّنَةِ القابِلَةِ، والمُؤْمِنُونَ أرادُوا الدُّخُولَ في عامِهِمْ ولَمْ يَقَعْ، فَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَقِيَ الأمْرُ مَوْقُوفًا عَلى مَشِيئَةِ أهْلِ مَكَّةَ إنْ أرادُوا في السَّنَةِ الآتِيَةِ يَتْرُكُونَنا نَدْخُلُها. وإنْ كَرِهُوا لا نَدْخُلُها، فَقالَ: لا تُشْتَرَطُ إرادَتُهم ومَشِيئَتُهم، بَلْ تَمامُ الشَّرْطِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّكم تُتِمُّونَ الحَجَّ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ إشارَةٌ إلى الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى الآخَرِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ حالُ الدّاخِلِينَ. والدّاخِلُ لا يَكُونُ إلّا مُحْرِمًا، والمُحْرِمُ لا يَكُونُ مُحَلِّقًا، فَقَوْلُهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ يُنْبِئُ عَنِ الدَّوامِ فِيهِ إلى الحَلْقِ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَدْخُلُونَها آمِنِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن أنْ تُتِمُّوا الحَجَّ مُحَلِّقِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخافُونَ﴾ أيْضًا حالٌ مَعْناهُ غَيْرُ خائِفِينَ، وذَلِكَ حَصَلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ في إعادَتِها ؟ نَقُولُ: فِيهِ بَيانُ كَمالِ الأمْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ الحَلْقِ يَخْرُجُ الإنْسانُ عَنِ الإحْرامِ فَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِ القِتالُ، وكانَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ يَحْرُمُ قِتالُ مَن أحْرَمَ ومَن دَخَلَ الحَرَمَ فَقالَ: تَدْخُلُونَ آمِنِينَ، وتُحَلِّقُونَ، ويَبْقى أمْنُكم بَعْدَ خُرُوجِكم عَنِ الإحْرامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ مِنَ المَصْلَحَةِ، وكَوْنِ دُخُولِكم في سَنَتِكم سَبَبًا لِوَطْءِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوْ ﴿فَعَلِمَ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، ﴿فَعَلِمَ﴾ وقَعَ عَقِيبَ ماذا ؟ نَقُولُ: إنْ قُلْنا: المُرادُ مِن ﴿فَعَلِمَ﴾ وقْتُ الدُّخُولِ فَهو عَقِيبَ صَدَقَ، وإنْ قُلْنا: المُرادُ فَعِلْمَ المَصْلَحَةَ فالمَعْنى عِلْمُ الوُقُوعِ والشَّهادَةِ لا عِلْمُ الغَيْبِ، والتَّقْدِيرُ يَعْنِي حَصَلَتِ المَصْلَحَةُ في العامِ القابِلِ ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ مِنَ المَصْلَحَةِ المُتَجَدِّدَةِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ إمّا صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وإمّا فَتْحُ خَيْبَرَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يَدْفَعُ وهْمَ حُدُوثِ عِلْمِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يُفِيدُ سَبْقَ عِلْمِهِ العامِّ لِكُلِّ عِلْمٍ مُحْدَثٍ.
الفتح 48:28
صفحة ٩٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ .
تَأْكِيدًا لِبَيانِ صِدْقِ اللَّهِ في رَسُولِهِ الرُّؤْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُرْسِلًا لِرَسُولِهِ لِيَهْدِيَ، لا يُرِيدُ ما لا يَكُونُ مُهْدِيًا لِلنّاسِ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ، فَيَقَعُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلضَّلالِ، ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا أقْوى مِن ذَلِكَ، وهو أنَّ الرُّؤْيا بِحَيْثُ تُوافِقُ الواقِعَ لِغَيْرِ الرُّسُلِ، لَكِنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها في اليَقَظَةِ لا تَقَعُ لِكُلِّ أحَدٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ وحَكى لَهُ ما سَيَكُونُ في اليَقَظَةِ، ولا يَبْعُدُ مِن أنْ يُرِيَهُ في المَنامِ ما يَقَعُ فَلا اسْتِبْعادَ في صِدْقِ رُؤْياهُ، وفِيها أيْضًا بَيانُ وُقُوعِ الفَتْحِ ودُخُولِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ مَن يُقَوِّيهِ عَلى الأدْيانِ لا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ فَتْحُ مَكَّةَ لَهُ و(الهُدى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وعَلى هَذا ﴿دِينَ الحَقِّ﴾ هو ما فِيهِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الهُدى هو المُعْجِزَةُ، أيْ أرْسَلَهُ بِالحَقِّ أيْ مَعَ الحَقِّ إشارَةً إلى ما شَرَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الهُدى هو الأُصُولَ و﴿دِينَ الحَقِّ﴾ هو الأحْكامَ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ الرُّسُلِ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ أحْكامٌ بَلْ بَيَّنَ الأُصُولَ فَحَسْبُ، والألِفُ واللّامُ في (الهُدى) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ كُلُّ ما هو هُدًى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] وهو إمّا القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ﴾ [الزمر: ٢٣] إلى أنْ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣]، وإمّا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] والكُلُّ مِن بابٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ ما في القُرْآنِ مُوافِقٌ لِما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الحَقُّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: بِالهُدى ودِينِ اللَّهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ الحَقُّ نَقِيضَ الباطِلِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: ودِينِ الأمْرِ الحَقِّ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِانْقِيادَ إلى الحَقِّ والتِزامَهُ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ أرْسَلَهُ بِالهُدى وهو المُعْجِزُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ جِنْسِ الدِّينِ، فَيَنْسَخُ الأدْيانَ دُونَ دِينِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ راجِعَةٌ إلى الرَّسُولِ، والأظْهَرُ أنَّهُ راجِعٌ إلى دِينِ الحَقِّ، أيْ أرْسَلَ الرَّسُولَ بِالدِّينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ، أيْ لِيُظْهِرَ الدِّينَ الحَقَّ عَلى الأدْيانِ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ لِلْإظْهارِ هو اللَّهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ أيْ لِيُظْهِرَ النَّبِيُّ دِينَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهَذا مِمّا يُسَلِّي قَلْبَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم تَأذَّوْا مِن رَدِّ الكُفّارِ عَلَيْهِمُ العَهْدَ المَكْتُوبَ، وقالُوا: لا نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَلا تَكْتُبُوا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، بَلِ اكْتُبُوا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ قَوْلَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ كافٍ في كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ في الرِّسالَةِ أظْهَرُ كِفايَةً؛ لِأنَّ
صفحة ٩٣
الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا بِقَوْلِ المُرْسِلِ، فَإذا قالَ مَلِكٌ: هَذا رَسُولِي، لَوْ أنْكَرَ كُلُّ مَن في الدُّنْيا أنَّهُ رَسُولٌ فَلا يُفِيدُ إنْكارُهم، فَقالَ تَعالى أيُّ خَلَلٍ في رِسالَتِهِ بِإنْكارِهِمْ مَعَ تَصْدِيقِي إيّاهُ بِأنَّهُ رَسُولِي، وقَوْلُهُ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو مُحَمَّدٌ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ ورَسُولُ اللَّهِ عَطْفُ بَيانٍ.
وثانِيها: أنَّ مُحَمَّدًا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ رَسُولُ اللَّهِ وهَذا تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ ولا تَتَوَقَّفُ رِسالَتُهُ إلّا عَلى شَهادَتِهِ، وقَدْ شَهِدَ لَهُ بِها مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وثالِثُها: وهو مُسْتَنْبَطٌ وهو أنْ يُقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ سِيقَ لِلْمَدْحِ لا لِلتَّمْيِيزِ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى: مُحَمَّدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أشِدّاءُ﴾ خَبَرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ جَمِيعُهم ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّ وصْفَ الشِّدَّةِ والرَّحْمَةِ وُجِدَ في جَمِيعِهِمْ، أمّا في المُؤْمِنِينَ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وأمّا في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فَكَما في قَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وقالَ في حَقِّهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿تَراهُمْ﴾ لا يَكُونُ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ عامًّا أُخْرِجَ مَخْرَجَ الخَطّابِ تَقْدِيرُهُ: أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كانَ، كَما قُلْنا: إنَّ الواعِظَ يَقُولُ انْتَبِهْ قَبْلَ أنْ يَقَعَ الِانْتِباهُ، ولا يُرِيدُ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ لِتَمْيِيزِ رُكُوعِهِمْ وسُجُودِهِمْ عَنْ رُكُوعِ الكُفّارِ وسُجُودِهِمْ، ورُكُوعِ المُرائِي وسُجُودِهِ، فَإنَّهُ لا يَبْتَغِي بِهِ ذَلِكَ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: الرّاكِعُونَ والسّاجِدُونَ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وقالَ: الرّاكِعُ يَبْتَغِي الفَضْلَ ولَمْ يَذْكُرِ الأجْرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ لَكم أجْرٌ كانَ ذَلِكَ مِنهُ تَفَضُّلًا، وإشارَةً إلى أنَّ عَمَلَكم جاءَ عَلى ما طَلَبَ اللَّهُ مِنكم؛ لِأنَّ الأُجْرَةَ لا تُسْتَحَقُّ إلّا عَلى العَمَلِ المُوافِقِ لِلطَّلَبِ مِنَ المالِكِ، والمُؤْمِنُ إذا قالَ أنا أبْتَغِي فَضْلَكَ يَكُونُ مِنهُ اعْتِرافًا بِالتَّقْصِيرِ فَقالَ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ أجْرًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقالَ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى﴾ [التحريم: ٨] وعَلى هَذا فَنَقُولُ: نُورُهم في وُجُوهِهِمْ بِسَبَبِ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ومَن يُحاذِي الشَّمْسَ يَقَعُ شُعاعُها عَلى وجْهِهِ، فَيَتَبَيَّنُ عَلى وجْهِهِ النُّورَ مُنْبَسِطًا، مَعَ أنَّ الشَّمْسَ لَها نُورٌ عارِضِيٌّ يَقْبَلُ الزَّوالَ، واللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ فَمَن يَتَوَجَّهُ إلى وجْهِهِ يَظْهَرُ في وجْهِهِ نُورٌ يُبْهِرُ الأنْوارَ.
وثانِيهُما: أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ ما يَظْهَرُ في الجِباهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ السُّجُودِ.
والثّانِي: ما يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعالى في وُجُوهِ السّاجِدِينَ لَيْلًا مِنَ الحُسْنِ نَهارًا، وهَذا مُحَقَّقٌ لِمَن يَعْقِلُ فَإنَّ رَجُلَيْنِ يَسْهَرانِ بِاللَّيْلِ، أحَدُهُما قَدِ اشْتَغَلَ بِالشَّرابِ واللَّعِبِ، والآخَرُ قَدِ اشْتَغَلَ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ واسْتِفادَةِ العِلْمِ، فَكُلُّ أحَدٍ في اليَوْمِ الثّانِي يُفَرِّقُ بَيْنَ السّاهِرِ في الشُّرْبِ واللَّعِبِ، وبَيْنَ السّاهِرِ في الذِّكْرِ والشُّكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ مَذْكُورَةٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأً، و﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ خَبَرًا لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، ومَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ خَبَرُ ذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كَزَرْعٍ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ أُوضِحَتْ
صفحة ٩٤
بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لَهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَذا الظّاهِرُ في وُجُوهِهِمْ ذَلِكَ يُقالُ ظَهَرَ في وجْهِهِ أثَرُ الضَّرْبِ، فَنَقُولُ: أيْ واللَّهِ ذَلِكَ أيْ هَذا ذَلِكَ الظّاهِرُ، أوِ الظّاهِرُ الَّذِي تَقُولُهُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ .
أيْ وُصِفُوا في الكِتابَيْنِ بِهِ ومُثِّلُوا بِذَلِكَ، وإنَّما جُعِلُوا كالزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَخْرُجُ يَكُونُ ضَعِيفًا ولَهُ نُمُوٌّ إلى حَدِّ الكَمالِ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، والشَّطْءُ: الفَرْخُ، و﴿فَآزَرَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أخْرَجَ الشَّطْءَ وآزَرَ الشَّطْءَ، وهو أقْوى وأظْهَرُ، والكَلامُ يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ أيْ تَنْمِيَةُ اللَّهِ ذَلِكَ لِيَغِيظَ أوْ يَكُونُ الفِعْلَ المُعَلَّلَ هو.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ وعَدَ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ يُقالُ: رَغْمًا لِأنْفِكَ أنْعَمَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ: لِيَغِيظَ الكُفّارَ والَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ لَهُمُ الأجْرُ العَظِيمُ، والعَظِيمُ والمَغْفِرَةُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ الرّاكِعِينَ والسّاجِدِينَ إنَّهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ وقالَ: لَهم أجْرٌ، ولَمْ يَقُلْ لَهم ما يَطْلُبُونَهُ مِن ذَلِكَ الفَضْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ العَمَلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى عَمَلِهِ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ أجْرًا يَعْتَدُّ بِهِ، فَقالَ: لا أبْتَغِي إلّا فَضْلَكَ، فَإنَّ عَمَلِي نَزْرٌ لا يَكُونُ لَهُ أجْرٌ، واللَّهُ تَعالى آتاهُ ما آتاهُ مِنَ الفَضْلِ، وسَمّاهُ أجْرًا إشارَةً إلى قَبُولِ عَمَلِهِ ووَقْعِهِ المَوْقِعَ، وعَدَمُ كَوْنِهِ عِنْدَ اللَّهِ نَزْرًا لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ المُؤْمِنُ أجْرًا، وقَدْ عُلِمَ بِما ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِبَيانِ تَرَتُّبِ المَغْفِرَةِ عَلى الإيمانِ فَإنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُغْفَرُ لَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والأجْرُ العَظِيمُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الفتح 48:29
صفحة ٩٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ .
تَأْكِيدًا لِبَيانِ صِدْقِ اللَّهِ في رَسُولِهِ الرُّؤْيا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُرْسِلًا لِرَسُولِهِ لِيَهْدِيَ، لا يُرِيدُ ما لا يَكُونُ مُهْدِيًا لِلنّاسِ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ، فَيَقَعُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلضَّلالِ، ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا أقْوى مِن ذَلِكَ، وهو أنَّ الرُّؤْيا بِحَيْثُ تُوافِقُ الواقِعَ لِغَيْرِ الرُّسُلِ، لَكِنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها في اليَقَظَةِ لا تَقَعُ لِكُلِّ أحَدٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ وحَكى لَهُ ما سَيَكُونُ في اليَقَظَةِ، ولا يَبْعُدُ مِن أنْ يُرِيَهُ في المَنامِ ما يَقَعُ فَلا اسْتِبْعادَ في صِدْقِ رُؤْياهُ، وفِيها أيْضًا بَيانُ وُقُوعِ الفَتْحِ ودُخُولِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ مَن يُقَوِّيهِ عَلى الأدْيانِ لا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ فَتْحُ مَكَّةَ لَهُ و(الهُدى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وعَلى هَذا ﴿دِينَ الحَقِّ﴾ هو ما فِيهِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الهُدى هو المُعْجِزَةُ، أيْ أرْسَلَهُ بِالحَقِّ أيْ مَعَ الحَقِّ إشارَةً إلى ما شَرَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الهُدى هو الأُصُولَ و﴿دِينَ الحَقِّ﴾ هو الأحْكامَ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ الرُّسُلِ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ أحْكامٌ بَلْ بَيَّنَ الأُصُولَ فَحَسْبُ، والألِفُ واللّامُ في (الهُدى) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ كُلُّ ما هو هُدًى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] وهو إمّا القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ﴾ [الزمر: ٢٣] إلى أنْ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣]، وإمّا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] والكُلُّ مِن بابٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ ما في القُرْآنِ مُوافِقٌ لِما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الحَقُّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: بِالهُدى ودِينِ اللَّهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ الحَقُّ نَقِيضَ الباطِلِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: ودِينِ الأمْرِ الحَقِّ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِانْقِيادَ إلى الحَقِّ والتِزامَهُ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ أرْسَلَهُ بِالهُدى وهو المُعْجِزُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ جِنْسِ الدِّينِ، فَيَنْسَخُ الأدْيانَ دُونَ دِينِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ راجِعَةٌ إلى الرَّسُولِ، والأظْهَرُ أنَّهُ راجِعٌ إلى دِينِ الحَقِّ، أيْ أرْسَلَ الرَّسُولَ بِالدِّينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ، أيْ لِيُظْهِرَ الدِّينَ الحَقَّ عَلى الأدْيانِ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ لِلْإظْهارِ هو اللَّهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيَّ أيْ لِيُظْهِرَ النَّبِيُّ دِينَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهَذا مِمّا يُسَلِّي قَلْبَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم تَأذَّوْا مِن رَدِّ الكُفّارِ عَلَيْهِمُ العَهْدَ المَكْتُوبَ، وقالُوا: لا نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَلا تَكْتُبُوا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، بَلِ اكْتُبُوا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ قَوْلَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ كافٍ في كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ في الرِّسالَةِ أظْهَرُ كِفايَةً؛ لِأنَّ
صفحة ٩٣
الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا بِقَوْلِ المُرْسِلِ، فَإذا قالَ مَلِكٌ: هَذا رَسُولِي، لَوْ أنْكَرَ كُلُّ مَن في الدُّنْيا أنَّهُ رَسُولٌ فَلا يُفِيدُ إنْكارُهم، فَقالَ تَعالى أيُّ خَلَلٍ في رِسالَتِهِ بِإنْكارِهِمْ مَعَ تَصْدِيقِي إيّاهُ بِأنَّهُ رَسُولِي، وقَوْلُهُ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو مُحَمَّدٌ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ ورَسُولُ اللَّهِ عَطْفُ بَيانٍ.
وثانِيها: أنَّ مُحَمَّدًا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ رَسُولُ اللَّهِ وهَذا تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ ولا تَتَوَقَّفُ رِسالَتُهُ إلّا عَلى شَهادَتِهِ، وقَدْ شَهِدَ لَهُ بِها مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وثالِثُها: وهو مُسْتَنْبَطٌ وهو أنْ يُقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ سِيقَ لِلْمَدْحِ لا لِلتَّمْيِيزِ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى: مُحَمَّدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أشِدّاءُ﴾ خَبَرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ جَمِيعُهم ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّ وصْفَ الشِّدَّةِ والرَّحْمَةِ وُجِدَ في جَمِيعِهِمْ، أمّا في المُؤْمِنِينَ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وأمّا في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فَكَما في قَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وقالَ في حَقِّهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿تَراهُمْ﴾ لا يَكُونُ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ عامًّا أُخْرِجَ مَخْرَجَ الخَطّابِ تَقْدِيرُهُ: أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كانَ، كَما قُلْنا: إنَّ الواعِظَ يَقُولُ انْتَبِهْ قَبْلَ أنْ يَقَعَ الِانْتِباهُ، ولا يُرِيدُ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ لِتَمْيِيزِ رُكُوعِهِمْ وسُجُودِهِمْ عَنْ رُكُوعِ الكُفّارِ وسُجُودِهِمْ، ورُكُوعِ المُرائِي وسُجُودِهِ، فَإنَّهُ لا يَبْتَغِي بِهِ ذَلِكَ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: الرّاكِعُونَ والسّاجِدُونَ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] وقالَ: الرّاكِعُ يَبْتَغِي الفَضْلَ ولَمْ يَذْكُرِ الأجْرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ لَكم أجْرٌ كانَ ذَلِكَ مِنهُ تَفَضُّلًا، وإشارَةً إلى أنَّ عَمَلَكم جاءَ عَلى ما طَلَبَ اللَّهُ مِنكم؛ لِأنَّ الأُجْرَةَ لا تُسْتَحَقُّ إلّا عَلى العَمَلِ المُوافِقِ لِلطَّلَبِ مِنَ المالِكِ، والمُؤْمِنُ إذا قالَ أنا أبْتَغِي فَضْلَكَ يَكُونُ مِنهُ اعْتِرافًا بِالتَّقْصِيرِ فَقالَ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ أجْرًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقالَ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى﴾ [التحريم: ٨] وعَلى هَذا فَنَقُولُ: نُورُهم في وُجُوهِهِمْ بِسَبَبِ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ومَن يُحاذِي الشَّمْسَ يَقَعُ شُعاعُها عَلى وجْهِهِ، فَيَتَبَيَّنُ عَلى وجْهِهِ النُّورَ مُنْبَسِطًا، مَعَ أنَّ الشَّمْسَ لَها نُورٌ عارِضِيٌّ يَقْبَلُ الزَّوالَ، واللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ فَمَن يَتَوَجَّهُ إلى وجْهِهِ يَظْهَرُ في وجْهِهِ نُورٌ يُبْهِرُ الأنْوارَ.
وثانِيهُما: أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ ما يَظْهَرُ في الجِباهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ السُّجُودِ.
والثّانِي: ما يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعالى في وُجُوهِ السّاجِدِينَ لَيْلًا مِنَ الحُسْنِ نَهارًا، وهَذا مُحَقَّقٌ لِمَن يَعْقِلُ فَإنَّ رَجُلَيْنِ يَسْهَرانِ بِاللَّيْلِ، أحَدُهُما قَدِ اشْتَغَلَ بِالشَّرابِ واللَّعِبِ، والآخَرُ قَدِ اشْتَغَلَ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ واسْتِفادَةِ العِلْمِ، فَكُلُّ أحَدٍ في اليَوْمِ الثّانِي يُفَرِّقُ بَيْنَ السّاهِرِ في الشُّرْبِ واللَّعِبِ، وبَيْنَ السّاهِرِ في الذِّكْرِ والشُّكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ مَذْكُورَةٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأً، و﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ خَبَرًا لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، ومَثَلُهم في التَّوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ خَبَرُ ذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كَزَرْعٍ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ أُوضِحَتْ
صفحة ٩٤
بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لَهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَذا الظّاهِرُ في وُجُوهِهِمْ ذَلِكَ يُقالُ ظَهَرَ في وجْهِهِ أثَرُ الضَّرْبِ، فَنَقُولُ: أيْ واللَّهِ ذَلِكَ أيْ هَذا ذَلِكَ الظّاهِرُ، أوِ الظّاهِرُ الَّذِي تَقُولُهُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ .
أيْ وُصِفُوا في الكِتابَيْنِ بِهِ ومُثِّلُوا بِذَلِكَ، وإنَّما جُعِلُوا كالزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَخْرُجُ يَكُونُ ضَعِيفًا ولَهُ نُمُوٌّ إلى حَدِّ الكَمالِ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، والشَّطْءُ: الفَرْخُ، و﴿فَآزَرَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أخْرَجَ الشَّطْءَ وآزَرَ الشَّطْءَ، وهو أقْوى وأظْهَرُ، والكَلامُ يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ أيْ تَنْمِيَةُ اللَّهِ ذَلِكَ لِيَغِيظَ أوْ يَكُونُ الفِعْلَ المُعَلَّلَ هو.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ وعَدَ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ يُقالُ: رَغْمًا لِأنْفِكَ أنْعَمَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ: لِيَغِيظَ الكُفّارَ والَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ لَهُمُ الأجْرُ العَظِيمُ، والعَظِيمُ والمَغْفِرَةُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ الرّاكِعِينَ والسّاجِدِينَ إنَّهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ وقالَ: لَهم أجْرٌ، ولَمْ يَقُلْ لَهم ما يَطْلُبُونَهُ مِن ذَلِكَ الفَضْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ العَمَلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى عَمَلِهِ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ أجْرًا يَعْتَدُّ بِهِ، فَقالَ: لا أبْتَغِي إلّا فَضْلَكَ، فَإنَّ عَمَلِي نَزْرٌ لا يَكُونُ لَهُ أجْرٌ، واللَّهُ تَعالى آتاهُ ما آتاهُ مِنَ الفَضْلِ، وسَمّاهُ أجْرًا إشارَةً إلى قَبُولِ عَمَلِهِ ووَقْعِهِ المَوْقِعَ، وعَدَمُ كَوْنِهِ عِنْدَ اللَّهِ نَزْرًا لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ المُؤْمِنُ أجْرًا، وقَدْ عُلِمَ بِما ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِبَيانِ تَرَتُّبِ المَغْفِرَةِ عَلى الإيمانِ فَإنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُغْفَرُ لَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والأجْرُ العَظِيمُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الحجرات 49:1
صفحة ٩٥
[ سُورَةُ الحُجُراتِ ]
ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً
﷽
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﷽
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
فِي بَيانِ حُسْنِ التَّرْتِيبِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا جَرى مِنهم مَيْلٌ إلى الِامْتِناعِ، مِمّا أجازَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصُّلْحِ وتَرْكِ آيَةِ التَّسْمِيَةِ والرِّسالَةِ، وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى، كَأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهم عَلى سَبِيلِ العُمُومِ: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا تَتَجاوَزُوا ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ.
الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مَحَلَّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُلُوَّ دَرَجَتِهِ بِكَوْنِهِ رَسُولَهُ الَّذِي يُظْهِرُ دِينَهُ، وذَكَرَهُ بِأنَّهُ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] قالَ: لا تَتْرُكُوا مِنِ احْتِرامِهِ شَيْئًا لا بِالفِعْلِ ولا بِالقَوْلِ، ولا تَغْتَرُّوا بِرَأْفَتِهِ، وانْظُرُوا إلى رِفْعَةِ دَرَجَتِهِ.
الثّالِثُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِهِمْ أشِدّاءَ ورُحَماءَ فِيما بَيْنَهم، راكِعِينَ ساجِدِينَ، نَظَرًا إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ أنَّ لَهم مِنَ الحُرْمَةِ عِنْدَ اللَّهِ ما أوْرَثَهم حُسْنَ الثَّناءِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] فَإنَّ المَلِكَ العَظِيمَ لا يَذْكُرُ أحَدًا في غَيْبَتِهِ إلّا إذا كانَ عِنْدَهُ مُحْتَرَمًا، ووَعَدَهم بِالأجْرِ العَظِيمِ، فَقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ لا تَفْعَلُوا ما يُوجِبُ انْحِطاطَ دَرَجَتِكم وإحْباطَ حَسَناتِكم، و﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ . وقِيلَ: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهٌ: قِيلَ: نَزَلَتْ في صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في التَّضْحِيَةِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةٍ قَتَلُوا اثْنَيْنِ مِن سَلِيمٍ ظَنُّوهُما مِن بَنِي عامِرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ أكْثَرُوا مِنَ السُّؤالِ، وكانَ قَدْ قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وُفُودٌ. والأصَحُّ أنَّهُ إرْشادٌ عامٌّ يَشْمَلُ الكُلَّ، ومَنعٌ مُطْلَقٌ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ إثْباتٍ وتَقَدُّمٍ واسْتِبْدادٍ بِالأمْرِ، وإقْدامٍ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ مِن غَيْرِ مُشاوَرَةٍ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيمِ الَّذِي هو
صفحة ٩٦
مُتَعَدٍّ، وعَلى هَذا فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَرْكُ مَفْعُولِهِ بِرَأْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقَوْلُ القائِلِ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، ولا يُرِيدُ بِهِما إعْطاءَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ ولا مَنعَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وإنَّما يُرِيدُ بِهِما أنَّ لَهُ مَنعًا وإعْطاءً، كَذَلِكَ هَهُنا، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِنكم تَقْدِيمٌ أصْلًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الفِعْلَ أوِ الأمْرَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ يَعْنِي فِعْلًا ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أوْ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ بِمَعْنى لا تَتَقَدَّمُوا، وعَلى هَذا فَهو مَجازٌ لَيْسَ المُرادُ هو نَفْسُ التَّقْدِيمِ، بَلِ المُرادُ: لا تَجْعَلُوا لِأنْفُسِكم تَقَدُّمًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ: فُلانٌ تَقَدَّمَ مِن بَيْنِ النّاسِ إذا ارْتَفَعَ أمَرُهُ وعَلا شَأْنُهُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مَنِ ارْتَفَعَ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا في الدُّخُولِ في الأُمُورِ العِظامِ، وفي الذِّكْرِ عِنْدَ ذِكْرِ الكِرامِ، وعَلى هَذا نَقُولُ: سَواءٌ جَعَلْناهُ مُتَعَدِّيًا أوْ لازِمًا لا يَتَعَدّى إلَيْهِ التَّقْدِيمُ في قَوْلِنا: قَدَّمْتُ زَيْدًا، فَتَقْدِيرُهُ: لا تُقَدِّمُوا أنْفُسَكم في حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ لا تَجْعَلُوا لِأنْفُسِكم تَقَدُّمًا ورَأْيًا عِنْدَهُ، ولا نَقُولُ بِأنَّ المُرادَ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا وفِعْلًا، وحِينَئِذٍ تَتَّحِدُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وهُما قِراءَةُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ بِحَضْرَتِهِما؛ لِأنَّ ما بِحَضْرَةِ الإنْسانِ فَهو بَيْنَ يَدَيْهِ وهو ناظِرٌ إلَيْهِ وهو نُصْبُ عَيْنَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ إشارَةٌ إلى كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما حاضِرًا عِنْدَ الآخَرِ مَعَ أنَّ لِأحَدِهِما عُلُوَّ الشَّأْنِ ولِلْآخَرِ دَرَجَةَ العَبِيدِ والغِلْمانِ؛ لِأنَّ مَن يَجْلِسُ بِجَنْبِ الإنْسانِ يُكَلِّفُهُ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ إلَيْهِ وتَحْرِيكَ الرَّأْسِ إلَيْهِ عِنْدَ الكَلامِ والأمْرِ، ومَن يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُكَلِّفُهُ ذَلِكَ؛ ولِأنَّ اليَدَيْنِ تُنْبِئُ عَنِ القُدْرَةِ، يَقُولُ القائِلُ: هو بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ، أيْ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ شاءَ في أشْغالِهِ كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِما يَكُونُ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ وُجُوبَ الِاحْتِرازِ مِنَ التَّقَدُّمِ وتَقْدِيمِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ كَمَتاعٍ يُقَلِّبُهُ الإنْسانُ بِيَدَيْهِ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ التَّقَدُّمُ.
وثانِيها: ذِكْرُ اللَّهِ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ احْتِرامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والِانْقِيادُ لِأوامِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ احْتِرامَ الرَّسُولِ ﷺ قَدْ يُتْرَكُ عَلى بُعْدِ المُرْسِلِ وعَدَمِ اطِّلاعِهِ عَلى ما يُفْعَلُ بِرَسُولِهِ، فَقالَ: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ أيْ أنْتُمْ بِحَضْرَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو ناظِرٌ إلَيْكم، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ يَجِبُ احْتِرامُ رَسُولِهِ. وثالِثُها: هو أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ كَما تَقَرَّرَ النَّهْيُ المُتَقَدِّمُ تَقَرَّرَ مَعْنى الأمْرِ المُتَأخِّرِ وهو قَوْلُهُ: (واتَّقُوا) لِأنَّ مَن يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الغَيْرِ كالمَتاعِ المَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ يَكُونُ جَدِيرًا بِأنْ يَتَّقِيَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (واتَّقُوا اللَّهَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَطْفًا يُوجِبُ مُغايِرَةً مِثْلَ المُغايَرَةِ الَّتِي في قَوْلِ القائِلِ: لا تَنَمْ واشْتَغِلْ، أيْ فائِدَةُ ذَلِكَ النَّهْيِ هو ما في هَذا الأمْرِ، ولَيْسَ المَطْلُوبُ بِهِ تَرْكَ النَّوْمِ كَيْفَ كانَ، بَلِ المَطْلُوبُ بِذَلِكَ الِاشْتِغالُ، فَكَذَلِكَ لا تُقَدِّمُوا أنْفُسَكم ولا تَتَقَدَّمُوا عَلى وجْهِ التَّقْوى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مُغايِرَةٌ أتَمُّ مِن ذَلِكَ، وهي الَّتِي في قَوْلِ القائِلِ: احْتَرِمْ زَيْدًا واخْدِمْهُ، أيِ ائْتِ بِأتَمِّ الِاحْتِرامِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا مَعْناهُ: لا تَتَقَدَّمُوا عِنْدَهُ، وإذا تَرَكْتُمُ التَّقَدُّمَ فَلا تَتَّكِلُوا عَلى ذَلِكَ فَلا تَنْتَفِعُوا، بَلْ مَعَ أنَّكم قائِمُونَ بِذَلِكَ مُحْتَرِمُونَ لَهُ، اتَّقُوا اللَّهَ واخْشَوْهُ، وإلّا لَمْ تَكُونُوا أتَيْتُمْ بِواجِبِ الِاحْتِرامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يُؤَكِّدُ ما تَقَدَّمَ لِأنَّهم قالُوا: آمَنّا؛ لِأنَّ الخِطابَ يُفْهَمُ بِقَوْلِهِ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) فَقَدْ يَسْمَعُ قَوْلَهم ويَعْلَمُ فِعْلَهم وما في قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّقْوى والخِيانَةِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُكم وفِعْلُكم وضَمِيرُ قَلْبِكم، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَتِمَّ ما في سَمْعِهِ مِن قَوْلِكم: آمَنّا وسَمِعْنا وأطَعْنا وما في عِلْمِهِ مِن فِعْلِكُمُ الظّاهِرِ، وهو عَدَمُ التَّقَدُّمِ، وما في قُلُوبِكم مِنَ الضَّمائِرِ وهو التَّقْوى.
الحجرات 49:2
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ نَهْيٌ عَنْ فِعْلٍ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِمْ جاعِلِينَ لِأنْفُسِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما وزْنًا ومِقْدارًا ومَدْخَلًا في أمْرٍ مِن أوامِرِهِما ونَواهِيهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَرْفَعُوا﴾ نَهْيٌ عَنْ قَوْلٍ يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ؛ لِأنَّ مَن يَرْفَعُ صَوْتَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ اعْتِبارًا وعَظَمَةً، وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ النِّداءِ، وما هَذا النَّمَطُ مِنَ الكَلامَيْنِ عَلى قَوْلِ القائِلِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾، و﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ ؟ نَقُولُ: في إعادَةِ النِّداءِ فَوائِدُ خَمْسَةٌ: مِنها أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ بَيانُ زِيادَةِ الشَّفَقَةِ عَلى المُسْتَرْشِدِ كَما في قَوْلِ لُقْمانَ لِابْنِهِ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ [لقمان: ١٦]، ﴿يابُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان: ١٧] لِأنَّ النِّداءَ لِتَنْبِيهِ المُنادى لِيُقْبِلَ عَلى اسْتِماعِ الكَلامِ ويَجْعَلَ بالَهُ مِنهُ، فَإعادَتُهُ تُفِيدُ ذَلِكَ، ومِنها أنْ لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ المُخاطَبَ ثانِيًا غَيْرُ المُخاطَبِ أوَّلًا؛ فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: يا زَيْدُ افْعَلْ كَذا، وقُلْ كَذا يا عَمْرُو، فَإذا أعادَهُ مَرَّةً أُخْرى وقالَ: يا زَيْدُ قُلْ كَذا، يُعْلَمُ مِن أوَّلِ الكَلامِ أنَّهُ هو المُخاطَبُ ثانِيًا أيْضًا، ومِنها أنْ يُعْلَمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكَلامَيْنِ مَقْصُودٌ، ولَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ، كَما تَقُولُ: يا زَيْدُ لا تَنْطِقْ ولا تَتَكَلَّمْ إلّا بِالحَقِّ، فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: يا زَيْدُ لا تَنْطِقْ يا زَيْدُ لا تَتَكَلَّمْ، كَما يَحْسُنُ عِنْدَ اخْتِلافِ المَطْلُوبَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَتَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ دَلِيلُ قِلَّةِ الِاحْتِشامِ وتَرْكِ الِاحْتِرامِ، وهَذا مِن مَسْألَةٍ حُكْمِيَّةٍ وهي أنَّ الصَّوْتَ بِالمَخارِجِ، ومَن خَشِيَ قَلْبُهُ ارْتَجَفَ وتَضْعُفُ حَرَكَتُهُ الدّافِعَةُ، فَلا يَخْرُجُ مِنهُ الصَّوْتُ بِقُوَّةٍ، ومَن لَمْ يَخَفْ ثَبَتَ قَلْبُهُ وقَوِيَ، فَرَفْعُ الهَواءِ دَلِيلُ عَدَمِ الخَشْيَةِ.
ثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ المَنعَ مِن كَثْرَةِ الكَلامِ؛ لِأنَّ مَن يُكْثِرُ الكَلامَ يَكُونُ مُتَكَلِّمًا عَنْ سُكُوتِ الغَيْرِ، فَيَكُونُ في وقْتِ سُكُوتِ الغَيْرِ لِصَوْتِهِ ارْتِفاعٌ، وإنْ كانَ خائِفًا إذا نَظَرْتَ إلى حالِ غَيْرِهِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَلامٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبَلِّغٌ، فالمُتَكَلِّمُ عِنْدَهُ إنْ أرادَ الإخْبارَ لا يَجُوزُ، وإنِ اسْتَخْبَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِ البَيانُ، فَهو لا يَسْكُتُ عَمّا يُسْألُ وإنْ لَمْ يُسْألْ، ورُبَّما يَكُونُ في السُّؤالِ حَقِيدَةٌ بِرَدِّ جَوابٍ لا يَسْهُلُ عَلى المُكَلَّفِ الإتْيانُ بِهِ، فَيَبْقى في ورْطَةِ العِقابِ، ثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ رَفْعَ الكَلامِ بِالتَّعْظِيمِ أيْ لا تَجْعَلُوا لِكَلامِكُمُ ارْتِفاعًا عَلى كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ في الخِطابِ، كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أمَرْتُكَ مِرارًا بِكَذا عِنْدَما يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ: مُرْنِي بِأمْرٍ مِثْلِهِ، فَيَكُونُ أحَدُ الكَلامَيْنِ أعْلى وأرْفَعَ مِنَ الآخَرِ، والأوَّلُ أصَحُّ، والكُلُّ يَدْخُلُ في حُكْمِ المُرادِ؛ لِأنَّ المَنعَ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ لا يَكُونُ إلّا لِلِاحْتِرامِ وإظْهارِ الِاحْتِشامِ، ومَن بَلَغَ احْتِرامُهُ إلى حَيْثُ تَنْخَفِضُ الأصْواتُ عِنْدَهُ مِن هَيْبَتِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ لا يَكْثُرُ عِنْدَهُ الكَلامُ، ولا يَرْجِعُ المُتَكَلِّمُ مَعَهُ في الخِطابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ فِيهِ فَوائِدُ:
صفحة ٩٨
إحْداها: أنْ بِالأوَّلِ حَصَلَ المَنعُ مِن أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ كَلامَهُ أوْ صَوْتَهُ أعْلى مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ وصَوْتِهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَما مَنَعَتْ مِنَ المُساواةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ﴾ كَما تَجْهَرُونَ لِأقْرانِكم ونُظَرائِكم، بَلِ اجْعَلُوا كَلِمَتَهُ عُلْيا.
والثّانِيَةُ: أنَّ هَذا أفادَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَتَكَلَّمُ العَبْدُ عِنْدَ سَيِّدِهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ لِأنَّهُ لِلْعُمُومِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَجْهَرَ المُؤْمِنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَما يَجْهَرُ العَبْدُ لِلسَّيِّدِ، وإلّا لَكانَ قَدْ جَهَرَ لَهُ كَما يَجْهَرُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، لا يُقالُ: المَفْهُومُ مِن هَذا النَّمَطِ أنْ لا تَجْعَلُوهُ كَما يَتَّفِقُ بَيْنَكم، بَلْ تُمَيِّزُوهُ بِأنْ لا تَجْهَرُوا عِنْدَهُ أبَدًا وفِيما بَيْنَكم لا تُحافِظُونَ عَلى الِاحْتِرامِ؛ لِأنّا نَقُولُ: ما ذَكَرْنا أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، وفِيهِ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ المَعْنى وزِيادَةٌ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] والسَّيِّدُ لَيْسَ أوْلى عِنْدَ عَبْدِهِ مِن نَفْسِهِ حَتّى لَوْ كانا في مَخْمَصَةٍ ووَجَدَ العَبْدُ ما لَوْ لَمْ يَأْكُلْهُ لَماتَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لِسَيِّدِهِ، ويَجِبُ البَذْلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولَوْ عَلِمَ العَبْدُ أنَّ بِمَوْتِهِ يَنْجُو سَيِّدُهُ لا يَلْزَمُهُ أنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ في التَّهْلُكَةِ لِإنْجاءِ سَيِّدِهِ، ويَجِبُ لِإنْجاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ ذَكَرْنا حَقِيقَتَهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآيَةِ، وأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ كَما أنَّ العُضْوَ الرَّئِيسَ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّ عِنْدَ خَلَلِ القَلْبِ مَثَلًا لا يَبْقى لِلْيَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ اسْتِقامَةٌ، فَلَوْ حَفِظَ الإنْسانُ نَفْسَهُ وتَرَكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهَلَكَ هو أيْضًا بِخِلافِ العَبْدِ والسَّيِّدِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ لَمّا كانَ مِن جِنْسِ (لا تَجْهَرُوا) لَمْ يَسْتَأْنِفِ النِّداءَ، ولَمّا كانَ هو يُخالِفُ التَّقَدُّمَ لَكِوْنِ أحَدِهِما فِعْلًا والآخَرِ قَوْلًا اسْتَأْنَفَ، كَما في قَوْلِ لُقْمانَ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿يابُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان: ١٧] لِكَوْنِ الأوَّلِ مِن عَمَلِ القَلْبِ، والثّانِي مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، وقَوْلِهِ: ﴿يابُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] مِن غَيْرِ اسْتِئْنافِ النِّداءِ؛ لِأنَّ الكُلَّ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ.
واعْلَمْ أنّا إنْ قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ أيْ لا تُكْثِرُوا الكَلامَ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْهَرُوا﴾ يَكُونُ مَجازًا عَنِ الإتْيانِ بِالكَلامِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَدْرِ ما يُؤْتى بِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ، أيْ لا تُكْثِرُوا وقَلِّلُوا غايَةَ التَّقْلِيلِ، وكَذَلِكَ إنْ قُلْنا: المُرادُ بِالرَّفْعِ الخِطابُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: (لا تَجْهَرُوا) أيْ لا تُخاطِبُوهُ كَما تُخاطِبُونَ غَيْرَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ مَشْهُورانِ:
أحَدُهُما: لِئَلّا تَحْبَطَ.
والثّانِي: كَراهَةَ أنْ تَحْبَطَ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وأمْثالَهُ، ويَحْتَمِلُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يُقالَ مَعْناهُ: واتَّقُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أنَّ الإضْمارَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ فَما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي هو فِيهِ أوْلى أنْ يُضْمَرَ، والأمْرُ بِالتَّقْوى قَدْ سَبَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: (واتَّقُوا) وأمّا المَعْنى فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَحْبَطَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّكم إنْ رَفَعْتُمْ أصْواتَكم وتَقَدَّمَتْكم تَتَمَكَّنْ مِنكم هَذِهِ الرَّذائِلُ وتُؤَدِّي إلى الِاسْتِحْقارِ، وأنَّهُ يُفْضِي إلى الِانْفِرادِ والِارْتِدادِ المُحْبِطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الرِّدَّةَ تَتَمَكَّنُ مِنَ النَّفْسِ بِحَيْثُ لا يَشْعُرُ الإنْسانُ، فَإنَّ مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا لَمْ يَرْتَكِبْهُ في عُمُرِهِ تَراهُ نادِمًا غايَةَ النَّدامَةِ خائِفًا غايَةَ الخَوْفِ، فَإذا ارْتَكَبَهُ مِرارًا يَقِلُّ الخَوْفُ والنَّدامَةُ ويَصِيرُ عادَةً مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ، وهَذا كانَ لِلتَّمَكُّنِ في المَرَّةِ الأُولى أوِ الثّانِيَةِ أوِ الثّالِثَةِ أوْ غَيْرِها، وهَذا كَما أنَّ مَن بَلَغَهُ خَبَرٌ فَإنَّهُ لا يَقْطَعُ بِقَوْلِ المُخْبِرِ
صفحة ٩٩
فِي المَرَّةِ الأُولى، فَإذا تَكَرَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وبَلَغَ حَدَّ التَّواتُرِ يَحْصُلُ لَهُ اليَقِينُ ويَتَمَكَّنُ الِاعْتِقادُ، ولا يَدْرِي مَتى كانَ ذَلِكَ، وعِنْدَ أيِّ خَبَرٍ حَصَلَ هَذا اليَقِينُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمَنعِ، أيْ لا تَقُولُوا بِأنَّ المَرَّةَ الواحِدَةَ تُعْفِي ولا تُوجِبُ رَدَّهُ؛ لِأنَّ الأمْرَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فاحْسِمُوا البابَ، وفِيهِ بَيانٌ آخَرُ وهو أنَّ المُكَلَّفَ إذا لَمْ يَحْتَرِمِ النَّبِيَّ ﷺ ويَجْعَلْ نَفْسَهُ مِثْلَهُ فِيما يَأْتِي بِهِ بِناءً عَلى أمْرِهِ يَكُونُ كَما يَأْتِي بِهِ بِناءً عَلى أمْرِ نَفْسِهِ، لَكِنْ ما تَأْمُرُ بِهِ النَّفْسُ لا يُوجِبُ الثَّوابَ، وهو مُحْبِطٌ حابِطٌ، كَذَلِكَ ما يَأْتِي بِهِ بِغَيْرِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَئِذٍ حابِطٌ مُحْبِطٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِاحْتِرامِ النَّبِيِّ ﷺ وإكْرامِهِ وتَقْدِيمِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى كُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى أمْرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، وأنْ يَكُونَ أرْأفَ بِهِمْ مِنَ الوالِدِ، كَما قالَ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] وقالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] وقالَ: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ لِئَلّا تَكُونَ خِدْمَتُهُ خِدْمَةَ الجَبّارِينَ الَّذِينَ يَسْتَعْبِدُونَ الأحْرارَ بِالقَهْرِ، فَيَكُونُ انْقِيادُهم لِوَجْهِ اللَّهِ.
الحجرات 49:3
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ .
وفِيهِ الحَثُّ عَلى ما أرْشَدَهم إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ وبَيانُهُ هو أنَّ مَن يُقَدِّمُ نَفْسَهُ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ يُرِيدُ إكْرامَ نَفْسِهِ واحْتِرامَ شَخْصِهِ، فَقالَ تَعالى تَرْكُ هَذا الِاحْتِرامِ يَحْصُلُ بِهِ حَقِيقَةُ الِاحْتِرامِ، وبِالإعْراضِ عَنْ هَذا الإكْرامِ يَكْمُلُ الإكْرامُ؛ لِأنَّ بِهِ تَتَبَيَّنُ تَقْواكم، و﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ومِنَ القَبِيحِ أنْ يَدْخُلَ الإنْسانُ حَمّامًا فَيَتَخَيَّرُ لِنَفْسِهِ فِيهِ مَنصِبًا ويُفَوِّتُ بِسَبَبِهِ مَنصِبَهُ عِنْدَ السُّلْطانِ، ويُعَظِّمُ نَفْسَهُ في الخَلاءِ والمُسْتَراحِ وبِسَبَبِهِ يَهُونُ في الجَمْعِ العَظِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: امْتَحَنَها لِيَعْلَمَ مِنها التَّقْوى، فَإنَّ مَن يُعَظِّمُ واحِدًا مِن أبْناءِ جِنْسِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولًا مُرْسَلًا يَكُونُ تَعْظِيمُهُ لِلْمُرْسِلِ أعْظَمَ وخَوْفُهُ مِنهُ أقْوى، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أيْ تَعْظِيمُ أوامِرِ اللَّهِ مِن تَقْوى اللَّهِ فَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ رَسُولِ اللَّهِ مِن تَقْواهُ.
الثّانِي: امْتَحَنَ أيْ عَلِمَ وعَرَفَ؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ تَعَرُّفُ الشَّيْءِ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في مَعْناهُ، وعَلى هَذا فاللّامُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: عَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم صالِحَةً، أيْ كائِنَةً لِلتَّقْوى، كَما يَقُولُ القائِلُ: أنْتَ لِكَذا أيْ صالِحٌ أوْ كائِنٌ.
الثّالِثُ: امْتَحَنَ: أيْ أخْلَصَ يُقالُ لِلذَّهَبِ: مُمْتَحَنٌ، أيْ مُخْلَصٌ في النّارِ وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مَذْكُورَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ امْتَحَنَها لِلتَّقْوى اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا يَجْرِي مَجْرى بَيانِ السَّبَبِ المُتَقَدِّمِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: جِئْتُكَ لِإكْرامِكَ لِي أمْسِ، أيْ صارَ ذَلِكَ الإكْرامُ السّابِقُ سَبَبَ المَجِيءِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا يَجْرِي مَجْرى بَيانِ غايَةِ المَقْصُودِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يَكُونُ لاحِقًا لا سابِقًا، كَما يَقُولُ القائِلُ: جِئْتُكَ لِأداءِ الواجِبِ، فَإنْ قُلْنا بِالأوَّلِ فَتَحْقِيقُهُ هو أنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِن تَقْواهُ، وامْتَحَنَ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى الَّتِي كانَتْ فِيها، ولَوْلا أنَّ قُلُوبَهم كانَتْ
صفحة ١٠٠
مَمْلُوءَةً مِنَ التَّقْوى لَما أمَرَهم بِتَعْظِيمِ رَسُولِهِ وتَقْدِيمِ نَبِيِّهِ عَلى أنْفُسِهِمْ، بَلْ كانَ يَقُولُ لَهم: آمِنُوا بِرَسُولِي ولا تُؤْذُوهُ ولا تُكَذِّبُوهُ، فَإنَّ الكافِرَ أوَّلَ ما يُؤْمِنُ يُؤْمِنُ بِالِاعْتِرافِ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ صادِقًا، وبَيْنَ مَن قِيلَ لَهُ: لا تَسْتَهْزِئْ بِرَسُولِ اللَّهِ، ولا تُكَذِّبْهُ، ولا تُؤْذِهِ، وبَيْنَ مَن قِيلَ لَهُ: لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عِنْدَهُ ولا تَجْعَلْ لِنَفْسِكَ وزْنًا بَيْنَ يَدَيْهِ، ولا تَجْهَرْ بِكَلامِكَ الصّادِقِ بَيْنَ يَدَيْهِ بَوْنٌ عَظِيمٌ.
واعْلَمْ أنَّ بِقَدْرِ تَقْدِيمِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى نَفْسِكَ في الدُّنْيا يَكُونُ تَقْدِيمُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاكَ في العُقْبى، فَإنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ الجَنَّةَ ما لَمْ يُدْخِلِ اللَّهُ أُمَّتَهُ المُتَّقِينَ الجَنَّةَ، فَإنْ قُلْنا بِالثّانِي فَتَحْقِيقُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَحَنَ قُلُوبَهم بِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ رَسُولِهِ بِالتَّقْوى، أيْ لِيَرْزُقَهُمُ اللَّهُ التَّقْوى الَّتِي هي حَقُّ التُّقاةِ، وهي الَّتِي لا تَخْشى مَعَ خَشْيَةِ اللَّهِ أحَدًا، فَتَراهُ آمِنًا مِن كُلِّ مُخِيفٍ لا يَخافُ في الدُّنْيا بَخْسًا، ولا يَخافُ في الآخِرَةِ نَحْسًا، والنّاظِرُ العاقِلُ إذا عَلِمَ أنَّ بِالخَوْفِ مِنَ السُّلْطانِ يَأْمَنُ جَوْرَ الغِلْمانِ، وبِتَجَنُّبِ الأراذِلِ يَنْجُو مِن بَأْسِ السُّلْطانِ، فَيَجْعَلُ خَوْفَ السُّلْطانِ جُنَّةً، فَكَذَلِكَ العالِمُ لَوْ أمْعَنَ النَّظَرَ لَعَلِمَ أنَّ بِخَشْيَةِ اللَّهِ النَّجاةَ في الدّارَيْنِ، وبِالخَوْفِ مِن غَيْرِهِ الهَلاكَ فِيهِما، فَيَجْعَلُ خَشْيَةَ اللَّهِ جُنَّتَهُ الَّتِي يُحِسُّ بِها نَفْسَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَغْفِرَةَ إزالَةُ السَّيِّئاتِ الَّتِي هي في الدُّنْيا لازِمَةٌ لِلنَّفْسِ، والأجْرُ العَظِيمُ إشارَةٌ إلى الحَياةِ الَّتِي هي بَعْدَ مُفارَقَةِ الدُّنْيا عَنِ النَّفْسِ، فَيُزِيلُ اللَّهُ عَنْهُ القَبائِحَ البَهِيمِيَّةَ ويُلْبِسُهُ المَحاسِنَ المَلَكِيَّةَ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .
بَيانًا لِحالِ مَن كانَ في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ فَإنَّ الأوَّلَ غَضَّ صَوْتَهُ والآخَرَ رَفْعَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَرْكٌ لِأدَبِ الحُضُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وعَرْضُ الحاجَةِ عَلَيْهِ، وأمّا قَوْلُ القائِلِ لِلْمَلِكِ: يا فُلانُ مِن سُوءِ الأدَبِ، فَإنْ قُلْتَ: كُلُّ أحَدٍ يَقُولُ: يا اللَّهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أكْبَرُ، نَقُولُ: النِّداءُ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَنْبِيهِ المُنادى، وثانِيهِما: لِإظْهارِ حاجَةِ المُنادِي، مِثالُ الأوَّلِ: قَوْلُ القائِلِ لِرَفِيقِهِ أوْ غُلامِهِ: يا فُلانُ، ومِثالُ الثّانِي: قَوْلُ القائِلِ في النُّدْبَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِناهُ أوْ يا زَيْداهُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ زَيْدٌ بِالمَشْرِقِ لا تَنْبِيهَ فَإنَّهُ مُحالٌ، فَكَيْفَ يُنادِيهِ وهو مَيِّتٌ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُنا: يا اللَّهُ لِإظْهارِ حاجَةِ الأنْفُسِ لا لِتَنْبِيهِ المُنادى، وإنَّما كانَ في النِّداءِ الأمْرانِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ المُنادِيَ لا يُنادِي إلّا لِحاجَةٍ في نَفْسِهِ يَعْرِضُها، ولا يُنادِي في الأكْثَرِ إلّا مُعْرِضًا أوْ غافِلًا، فَحَصَلَ في النِّداءِ الأمْرانِ، ونِداؤُهم كانَ لِلتَّنْبِيهِ، وهو سُوءُ أدَبٍ، وأمّا قَوْلُ أحَدِنا لِلْكَبِيرِ: يا سَيِّدِي ويا مَوْلايَ، فَهو جارٍ مَجْرى الوَصْفِ والإخْبارِ. الثّانِي: النِّداءُ مِن وراءِ الحُجُراتِ، فَإنَّ مَن يُنادِي غَيْرَهُ ولا حائِلَ بَيْنَهُما لا يُكَلِّفُهُ المَشْيَ والمَجِيءَ، بَلْ يُجِيبُهُ مِن مَكانِهِ ويُكَلِّمُهُ، ولا يَطْلُبُ المُنادِي إلّا لِالتِفاتِ المُنادى إلَيْهِ، ومَن يُنادِي غَيْرَهُ مِن وراءِ الحائِلِ فَكَأنَّهُ يُرِيدُ مِنهُ حُضُورَهُ، كَمَن يُنادِي صاحِبَ البُسْتانِ مِن خارِجِ البُسْتانِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿الحُجُراتِ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في خَلْوَتِهِ الَّتِي لا يَحْسُنُ في الأدَبِ إتْيانُ المُحْتاجِ إلَيْهِ في حاجَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، بَلِ الأحْسَنُ التَّأْخِيرُ وإنْ كانَ في ورْطَةِ الحاجَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فِيهِ بَيانُ المَعايِبِ بِقَدْرِ ما في سُوءِ أدَبِهِمْ مِنَ القَبائِحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ مِن خَواصِّ الإنْسانِ، وهو أعْلى مَرْتَبَةً مِن غَيْرِهِ، ولَيْسَ لِمَن دُونَهُ كَلامٌ، لَكِنَّ النِّداءَ في المَعْنى كالتَّنْبِيهِ، وقَدْ يَحْصُلُ بِصَوْتٍ يُضْرَبُ شَيْءٌ عَلى شَيْءٍ، وفي الحَيَواناتِ العُجْمُ ما يَظْهَرُ
صفحة ١٠١
لِكُلِّ أحَدٍ كالنِّداءِ، فَإنَّ الشّاةَ تَصِيحُ وتَطْلُبُ ولَدَها، وكَذَلِكَ غَيْرُها مِنَ الحَيَواناتِ، والسَّخْلَةُ كَذَلِكَ، فَكَأنَّ النِّداءَ حَصَلَ في المَعْنى لِغَيْرِ الآدَمِيِّ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي النِّداءَ الصّادِرَ مِنهم لَمّا لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِحُسْنِ الأدَبِ كانُوا فِيهِ خارِجِينَ عَنْ دَرَجَةِ مَن يَعْقِلُ، وكانَ نِداؤُهم كَصِياحٍ صَدَرَ مِن بَعْضِ الحَيَوانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (أكْثَرُهم) فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الأكْثَرَ وتُرِيدُ الكُلَّ، وإنَّما تَأْتِي بِالأكْثَرِ احْتِرازًا عَنِ الكَذِبِ واحْتِياطًا في الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَذِبَ مِمّا يَحْبَطُ بِهِ عَمَلُ الإنْسانِ في بَعْضِ الأشْياءِ، فَيَقُولُ الأكْثَرَ وفي اعْتِقادِهِ الكُلُّ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَ إحاطَةِ عِلْمِهِ بِالأُمُورِ أتى بِما يُناسِبُ كَلامَهم، وفِيهِ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أنا مَعَ إحاطَةِ عِلْمِي بِكُلِّ شَيْءٍ جَرَيْتُ عَلى عادَتِكُمُ اسْتِحْسانًا لِتِلْكَ العادَةِ، وهي الِاحْتِرازُ عَنِ الكَذِبِ، فَلا تَتْرُكُوها، واجْعَلُوا اخْتِيارِي ذَلِكَ في كَلامِي دَلِيلًا قاطِعًا عَلى رِضائِي بِذَلِكَ.
وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم في أكْثَرِ أحْوالِهِمْ لا يَعْقِلُونَ، وتَحْقِيقُ هَذا هو أنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَبَرَ مَعَ وصْفٍ ثُمَّ اعْتَبَرَ مَعَ وصْفٍ آخَرَ يَكُونُ المَجْمُوعُ الأوَّلُ غَيْرَ المَجْمُوعِ الثّانِي، مِثالُهُ الإنْسانُ يَكُونُ جاهِلًا وفَقِيرًا فَيَصِيرُ عالِمًا وغَنِيًّا، فَيُقالُ في العُرْفِ: زَيْدٌ لَيْسَ هو الَّذِي رَأيْتُهُ مِن قَبْلُ، بَلِ الآنَ عَلى أحْسَنِ حالٍ، فَيَجْعَلُهُ كَأنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا. إذا عُلِمَ هَذا فَهم في بَعْضِ الأحْوالِ إذا اعْتَبَرْتَهم مَعَ تِلْكَ الحالَةِ مُغايِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ إذا اعْتَبَرْتَهم مَعَ غَيْرِها، فَقالَ تَعالى: (أكْثَرُهم) إشارَةً إلى ما ذَكَرْناهُ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يُقالَ: لَعَلَّ مِنهم مَن رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الأهْواءِ، ومِنهم مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى تِلْكَ العادَةِ الرَّدِيئَةِ، فَقالَ أكْثَرُهم إخْراجًا لِمَن نَدِمَ مِنهم عَنْهم.
الحجرات 49:4
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ .
وفِيهِ الحَثُّ عَلى ما أرْشَدَهم إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ وبَيانُهُ هو أنَّ مَن يُقَدِّمُ نَفْسَهُ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ يُرِيدُ إكْرامَ نَفْسِهِ واحْتِرامَ شَخْصِهِ، فَقالَ تَعالى تَرْكُ هَذا الِاحْتِرامِ يَحْصُلُ بِهِ حَقِيقَةُ الِاحْتِرامِ، وبِالإعْراضِ عَنْ هَذا الإكْرامِ يَكْمُلُ الإكْرامُ؛ لِأنَّ بِهِ تَتَبَيَّنُ تَقْواكم، و﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ومِنَ القَبِيحِ أنْ يَدْخُلَ الإنْسانُ حَمّامًا فَيَتَخَيَّرُ لِنَفْسِهِ فِيهِ مَنصِبًا ويُفَوِّتُ بِسَبَبِهِ مَنصِبَهُ عِنْدَ السُّلْطانِ، ويُعَظِّمُ نَفْسَهُ في الخَلاءِ والمُسْتَراحِ وبِسَبَبِهِ يَهُونُ في الجَمْعِ العَظِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: امْتَحَنَها لِيَعْلَمَ مِنها التَّقْوى، فَإنَّ مَن يُعَظِّمُ واحِدًا مِن أبْناءِ جِنْسِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولًا مُرْسَلًا يَكُونُ تَعْظِيمُهُ لِلْمُرْسِلِ أعْظَمَ وخَوْفُهُ مِنهُ أقْوى، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أيْ تَعْظِيمُ أوامِرِ اللَّهِ مِن تَقْوى اللَّهِ فَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ رَسُولِ اللَّهِ مِن تَقْواهُ.
الثّانِي: امْتَحَنَ أيْ عَلِمَ وعَرَفَ؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ تَعَرُّفُ الشَّيْءِ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في مَعْناهُ، وعَلى هَذا فاللّامُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: عَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم صالِحَةً، أيْ كائِنَةً لِلتَّقْوى، كَما يَقُولُ القائِلُ: أنْتَ لِكَذا أيْ صالِحٌ أوْ كائِنٌ.
الثّالِثُ: امْتَحَنَ: أيْ أخْلَصَ يُقالُ لِلذَّهَبِ: مُمْتَحَنٌ، أيْ مُخْلَصٌ في النّارِ وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مَذْكُورَةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ امْتَحَنَها لِلتَّقْوى اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا يَجْرِي مَجْرى بَيانِ السَّبَبِ المُتَقَدِّمِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: جِئْتُكَ لِإكْرامِكَ لِي أمْسِ، أيْ صارَ ذَلِكَ الإكْرامُ السّابِقُ سَبَبَ المَجِيءِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا يَجْرِي مَجْرى بَيانِ غايَةِ المَقْصُودِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يَكُونُ لاحِقًا لا سابِقًا، كَما يَقُولُ القائِلُ: جِئْتُكَ لِأداءِ الواجِبِ، فَإنْ قُلْنا بِالأوَّلِ فَتَحْقِيقُهُ هو أنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِن تَقْواهُ، وامْتَحَنَ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى الَّتِي كانَتْ فِيها، ولَوْلا أنَّ قُلُوبَهم كانَتْ
صفحة ١٠٠
مَمْلُوءَةً مِنَ التَّقْوى لَما أمَرَهم بِتَعْظِيمِ رَسُولِهِ وتَقْدِيمِ نَبِيِّهِ عَلى أنْفُسِهِمْ، بَلْ كانَ يَقُولُ لَهم: آمِنُوا بِرَسُولِي ولا تُؤْذُوهُ ولا تُكَذِّبُوهُ، فَإنَّ الكافِرَ أوَّلَ ما يُؤْمِنُ يُؤْمِنُ بِالِاعْتِرافِ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ صادِقًا، وبَيْنَ مَن قِيلَ لَهُ: لا تَسْتَهْزِئْ بِرَسُولِ اللَّهِ، ولا تُكَذِّبْهُ، ولا تُؤْذِهِ، وبَيْنَ مَن قِيلَ لَهُ: لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عِنْدَهُ ولا تَجْعَلْ لِنَفْسِكَ وزْنًا بَيْنَ يَدَيْهِ، ولا تَجْهَرْ بِكَلامِكَ الصّادِقِ بَيْنَ يَدَيْهِ بَوْنٌ عَظِيمٌ.
واعْلَمْ أنَّ بِقَدْرِ تَقْدِيمِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى نَفْسِكَ في الدُّنْيا يَكُونُ تَقْدِيمُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاكَ في العُقْبى، فَإنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ الجَنَّةَ ما لَمْ يُدْخِلِ اللَّهُ أُمَّتَهُ المُتَّقِينَ الجَنَّةَ، فَإنْ قُلْنا بِالثّانِي فَتَحْقِيقُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَحَنَ قُلُوبَهم بِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ رَسُولِهِ بِالتَّقْوى، أيْ لِيَرْزُقَهُمُ اللَّهُ التَّقْوى الَّتِي هي حَقُّ التُّقاةِ، وهي الَّتِي لا تَخْشى مَعَ خَشْيَةِ اللَّهِ أحَدًا، فَتَراهُ آمِنًا مِن كُلِّ مُخِيفٍ لا يَخافُ في الدُّنْيا بَخْسًا، ولا يَخافُ في الآخِرَةِ نَحْسًا، والنّاظِرُ العاقِلُ إذا عَلِمَ أنَّ بِالخَوْفِ مِنَ السُّلْطانِ يَأْمَنُ جَوْرَ الغِلْمانِ، وبِتَجَنُّبِ الأراذِلِ يَنْجُو مِن بَأْسِ السُّلْطانِ، فَيَجْعَلُ خَوْفَ السُّلْطانِ جُنَّةً، فَكَذَلِكَ العالِمُ لَوْ أمْعَنَ النَّظَرَ لَعَلِمَ أنَّ بِخَشْيَةِ اللَّهِ النَّجاةَ في الدّارَيْنِ، وبِالخَوْفِ مِن غَيْرِهِ الهَلاكَ فِيهِما، فَيَجْعَلُ خَشْيَةَ اللَّهِ جُنَّتَهُ الَّتِي يُحِسُّ بِها نَفْسَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَغْفِرَةَ إزالَةُ السَّيِّئاتِ الَّتِي هي في الدُّنْيا لازِمَةٌ لِلنَّفْسِ، والأجْرُ العَظِيمُ إشارَةٌ إلى الحَياةِ الَّتِي هي بَعْدَ مُفارَقَةِ الدُّنْيا عَنِ النَّفْسِ، فَيُزِيلُ اللَّهُ عَنْهُ القَبائِحَ البَهِيمِيَّةَ ويُلْبِسُهُ المَحاسِنَ المَلَكِيَّةَ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .
بَيانًا لِحالِ مَن كانَ في مُقابَلَةِ مَن تَقَدَّمَ فَإنَّ الأوَّلَ غَضَّ صَوْتَهُ والآخَرَ رَفْعَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَرْكٌ لِأدَبِ الحُضُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وعَرْضُ الحاجَةِ عَلَيْهِ، وأمّا قَوْلُ القائِلِ لِلْمَلِكِ: يا فُلانُ مِن سُوءِ الأدَبِ، فَإنْ قُلْتَ: كُلُّ أحَدٍ يَقُولُ: يا اللَّهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أكْبَرُ، نَقُولُ: النِّداءُ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَنْبِيهِ المُنادى، وثانِيهِما: لِإظْهارِ حاجَةِ المُنادِي، مِثالُ الأوَّلِ: قَوْلُ القائِلِ لِرَفِيقِهِ أوْ غُلامِهِ: يا فُلانُ، ومِثالُ الثّانِي: قَوْلُ القائِلِ في النُّدْبَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِناهُ أوْ يا زَيْداهُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ زَيْدٌ بِالمَشْرِقِ لا تَنْبِيهَ فَإنَّهُ مُحالٌ، فَكَيْفَ يُنادِيهِ وهو مَيِّتٌ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُنا: يا اللَّهُ لِإظْهارِ حاجَةِ الأنْفُسِ لا لِتَنْبِيهِ المُنادى، وإنَّما كانَ في النِّداءِ الأمْرانِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ المُنادِيَ لا يُنادِي إلّا لِحاجَةٍ في نَفْسِهِ يَعْرِضُها، ولا يُنادِي في الأكْثَرِ إلّا مُعْرِضًا أوْ غافِلًا، فَحَصَلَ في النِّداءِ الأمْرانِ، ونِداؤُهم كانَ لِلتَّنْبِيهِ، وهو سُوءُ أدَبٍ، وأمّا قَوْلُ أحَدِنا لِلْكَبِيرِ: يا سَيِّدِي ويا مَوْلايَ، فَهو جارٍ مَجْرى الوَصْفِ والإخْبارِ. الثّانِي: النِّداءُ مِن وراءِ الحُجُراتِ، فَإنَّ مَن يُنادِي غَيْرَهُ ولا حائِلَ بَيْنَهُما لا يُكَلِّفُهُ المَشْيَ والمَجِيءَ، بَلْ يُجِيبُهُ مِن مَكانِهِ ويُكَلِّمُهُ، ولا يَطْلُبُ المُنادِي إلّا لِالتِفاتِ المُنادى إلَيْهِ، ومَن يُنادِي غَيْرَهُ مِن وراءِ الحائِلِ فَكَأنَّهُ يُرِيدُ مِنهُ حُضُورَهُ، كَمَن يُنادِي صاحِبَ البُسْتانِ مِن خارِجِ البُسْتانِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿الحُجُراتِ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في خَلْوَتِهِ الَّتِي لا يَحْسُنُ في الأدَبِ إتْيانُ المُحْتاجِ إلَيْهِ في حاجَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، بَلِ الأحْسَنُ التَّأْخِيرُ وإنْ كانَ في ورْطَةِ الحاجَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فِيهِ بَيانُ المَعايِبِ بِقَدْرِ ما في سُوءِ أدَبِهِمْ مِنَ القَبائِحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ مِن خَواصِّ الإنْسانِ، وهو أعْلى مَرْتَبَةً مِن غَيْرِهِ، ولَيْسَ لِمَن دُونَهُ كَلامٌ، لَكِنَّ النِّداءَ في المَعْنى كالتَّنْبِيهِ، وقَدْ يَحْصُلُ بِصَوْتٍ يُضْرَبُ شَيْءٌ عَلى شَيْءٍ، وفي الحَيَواناتِ العُجْمُ ما يَظْهَرُ
صفحة ١٠١
لِكُلِّ أحَدٍ كالنِّداءِ، فَإنَّ الشّاةَ تَصِيحُ وتَطْلُبُ ولَدَها، وكَذَلِكَ غَيْرُها مِنَ الحَيَواناتِ، والسَّخْلَةُ كَذَلِكَ، فَكَأنَّ النِّداءَ حَصَلَ في المَعْنى لِغَيْرِ الآدَمِيِّ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي النِّداءَ الصّادِرَ مِنهم لَمّا لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِحُسْنِ الأدَبِ كانُوا فِيهِ خارِجِينَ عَنْ دَرَجَةِ مَن يَعْقِلُ، وكانَ نِداؤُهم كَصِياحٍ صَدَرَ مِن بَعْضِ الحَيَوانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (أكْثَرُهم) فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الأكْثَرَ وتُرِيدُ الكُلَّ، وإنَّما تَأْتِي بِالأكْثَرِ احْتِرازًا عَنِ الكَذِبِ واحْتِياطًا في الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَذِبَ مِمّا يَحْبَطُ بِهِ عَمَلُ الإنْسانِ في بَعْضِ الأشْياءِ، فَيَقُولُ الأكْثَرَ وفي اعْتِقادِهِ الكُلُّ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَ إحاطَةِ عِلْمِهِ بِالأُمُورِ أتى بِما يُناسِبُ كَلامَهم، وفِيهِ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أنا مَعَ إحاطَةِ عِلْمِي بِكُلِّ شَيْءٍ جَرَيْتُ عَلى عادَتِكُمُ اسْتِحْسانًا لِتِلْكَ العادَةِ، وهي الِاحْتِرازُ عَنِ الكَذِبِ، فَلا تَتْرُكُوها، واجْعَلُوا اخْتِيارِي ذَلِكَ في كَلامِي دَلِيلًا قاطِعًا عَلى رِضائِي بِذَلِكَ.
وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم في أكْثَرِ أحْوالِهِمْ لا يَعْقِلُونَ، وتَحْقِيقُ هَذا هو أنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَبَرَ مَعَ وصْفٍ ثُمَّ اعْتَبَرَ مَعَ وصْفٍ آخَرَ يَكُونُ المَجْمُوعُ الأوَّلُ غَيْرَ المَجْمُوعِ الثّانِي، مِثالُهُ الإنْسانُ يَكُونُ جاهِلًا وفَقِيرًا فَيَصِيرُ عالِمًا وغَنِيًّا، فَيُقالُ في العُرْفِ: زَيْدٌ لَيْسَ هو الَّذِي رَأيْتُهُ مِن قَبْلُ، بَلِ الآنَ عَلى أحْسَنِ حالٍ، فَيَجْعَلُهُ كَأنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا. إذا عُلِمَ هَذا فَهم في بَعْضِ الأحْوالِ إذا اعْتَبَرْتَهم مَعَ تِلْكَ الحالَةِ مُغايِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ إذا اعْتَبَرْتَهم مَعَ غَيْرِها، فَقالَ تَعالى: (أكْثَرُهم) إشارَةً إلى ما ذَكَرْناهُ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يُقالَ: لَعَلَّ مِنهم مَن رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الأهْواءِ، ومِنهم مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى تِلْكَ العادَةِ الرَّدِيئَةِ، فَقالَ أكْثَرُهم إخْراجًا لِمَن نَدِمَ مِنهم عَنْهم.
الحجرات 49:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إشارَةً إلى حُسْنِ الأدَبِ الَّذِي عَلى خِلافِ ما أتَوْا بِهِ مِن سُوءِ الأدَبِ، فَإنَّهم لَوْ صَبَرُوا لَما احْتاجُوا إلى النِّداءِ، وإذا كُنْتَ تَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَلا يَصِحُّ إتْيانُهم في وقْتِ اخْتِلائِكَ بِنَفْسِكَ أوْ بِأهْلِكَ أوْ بِرَبِّكَ، فَإنَّ لِلنَّفْسِ حَقًّا ولِلْأهْلِ حَقًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ هو الحَسَنُ والخَيْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤].
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أنَّ بِالنِّداءِ وعَدَمِ الصَّبْرِ يَسْتَفِيدُونَ تَنْجِيزَ الشُّغْلِ ودَفْعَ الحاجَةِ في الحالِ، وهو مَطْلُوبٌ، ولَكِنَّ المُحافَظَةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمَهُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَدْفَعُ الحاجَةَ الأصْلِيَّةَ الَّتِي في الآخِرَةِ، وحاجاتُ الدُّنْيا فَضْلِيَّةٌ، والمَرْفُوعُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلِمَةُ ”كانَ“ إمّا الصَّبْرُ وتَقْدِيرُهُ: لَوْ أنَّهم صَبَرُوا لَكانَ الصَّبْرُ خَيْرًا، أوِ الخُرُوجُ مِن غَيْرِ نِداءٍ وتَقْدِيرُهُ: لَوْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خُرُوجُكَ مِن غَيْرِ نِداءٍ خَيْرًا لَهم، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِلْحِكايَةِ؛ لِأنَّهم طَلَبُوا خُرُوجَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَأْخُذُوا ذَرارِيَّهم، فَخَرَجَ وأعْتَقَ نِصْفَهم وأخَذُوا نَصْفَهم، ولَوْ صَبَرُوا لَكانَ يَعْتِقُ كُلُّهم، والأوَّلُ أصَحُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَحْقِيقًا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في التَّعَجُّلِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أتى بِقَبِيحٍ ولا يُعاقِبُهُ المَلِكُ أوِ السَّيِّدُ يُقالُ: ما أحْلَمَ سَيِّدَهُ لا لِبَيانِ حِلْمِهِ، بَلْ لِبَيانِ عَظِيمِ جِنايَةِ العَبْدِ. وثانِيهِما: لِحُسْنِ الصَّبْرِ يَعْنِي بِسَبَبِ إتْيانِهِمْ بِما هو خَيْرٌ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم سَيِّئاتِهِمْ ويَجْعَلُ هَذِهِ الحَسَنَةَ كَفّارَةً
صفحة ١٠٢
لِكَثِيرٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، كَما يُقالُ لِلْآبِقِ إذا رَجَعَ إلى بابِ سَيِّدِهِ: أحْسَنْتَ في رُجُوعِكَ وسَيِّدُكَ رَحِيمٌ، أيْ لا يُعاقِبُكَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ بِسَبَبِ ما أتَيْتَ بِهِ مِنَ الحَسَنَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ ذَلِكَ حَثٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى الصَّفْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ كالعُذْرِ لَهم، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في بَعْضِ المَواضِعِ الغُفْرانَ قَبْلَ الرَّحْمَةِ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ، وذَكَرَ الرَّحْمَةَ قَبْلَ المَغْفِرَةِ في سُورَةِ سَبَأٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢] فَحَيْثُ قالَ: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) أيْ يَغْفِرُ سَيِّئاتِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَيَراهُ عارِيًا مُحْتاجًا فَيَرْحَمُهُ ويُلْبِسُهُ لِباسَ الكَرامَةِ، وقَدْ يَراهُ مَغْمُورًا في السَّيِّئاتِ فَيَغْفِرُ سَيِّئاتِهِ، ثُمَّ يَرْحَمُهُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ، فَتارَةً تَقَعُ الإشارَةُ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي بَعْدَ المَغْفِرَةِ فَيُقَدِّمُ المَغْفِرَةَ، وتارَةً تَقَعُ الرَّحْمَةُ قَبْلَ المَغْفِرَةِ فَيُؤَخِّرُها، ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ واسِعَةً تُوجَدُ قَبْلَ المَغْفِرَةِ وبَعْدَها ذَكَرَها قَبْلَها وبَعْدَها.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾
هَذِهِ السُّورَةُ فِيها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهي إمّا مَعَ اللَّهِ تَعالى أوْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِن أبْناءِ الجِنْسِ، وهم عَلى صِنْفَيْنِ؛ لِأنَّهم إمّا أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ وداخِلِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ، أوْ خارِجًا عَنْها وهو الفاسِقُ، والدّاخِلُ في طائِفَتِهِمُ السّالِكُ لِطَرِيقَتِهِمْ إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهم أوْ غائِبًا عَنْهم، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ: أحَدُها:
يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ.
وثانِيها: بِجانِبِ الرَّسُولِ.
وثالِثُها: بِجانِبِ الفُسّاقِ.
ورابِعُها: بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ.
وخامِسُها: بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) وأرْشَدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مَعَ قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وذِكْرُ الرَّسُولِ كانَ لِبَيانِ طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، وقالَ ثانِيًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ احْتِرامِ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ ثالِثًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى أقْوالِهِمْ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَ الفِتْنَةِ بَيْنَكم وبَيْنَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقالَ رابِعًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وقالَ: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ [الحجرات: ١١] لِبَيانِ وُجُوبِ تَرْكِ إيذاءِ المُؤْمِنِينَ في حُضُورِهِمْ والِازْدِراءِ بِحالِهِمْ ومَنصِبِهِمْ، وقالَ خامِسًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ إهانَةِ جانِبِ المُؤْمِنِ حالَ غَيْبَتِهِ، وذِكْرِ ما لَوْ كانَ حاضِرًا لَتَأذّى، وهو في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ التَّرْتِيبِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِنَ قَبْلَ الفاسِقِ لِتَكُونَ المَراتِبُ مُتَدَرِّجَةَ الِابْتِداءِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، ثُمَّ بِالفاسِقِ ؟ نَقُولُ: قَدَّمَ اللَّهُ ما هو الأهَمُّ عَلى ما دُونَهُ، فَذَكَرَ جانِبَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ جانِبَ الرَّسُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفْضِي إلى الِاقْتِتالِ بَيْنَ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الإصْغاءِ إلى كَلامِ الفاسِقِ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ كُلَّ ما كانَ أشَدَّ نِفارًا لِلصُّدُورِ، وأمّا المُؤْمِنُ الحاضِرُ أوِ الغائِبُ، فَلا يُؤْذِي المُؤْمِنَ إلى حَدٍّ يُفْضِي إلى القَتْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ نَبَأِ الفاسِقِ آيَةَ الِاقْتِتالِ، فَقالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وهو أخُو عُثْمانَ لِأُمِّهِ
صفحة ١٠٣
إلى بَنِي المُصْطَلِقِ ولِيًّا ومُصَدِّقًا فالتَقَوْهُ، فَظَنَّهم مُقاتِلِينَ، فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالَ: إنَّهُمُ امْتَنَعُوا ومَنَعُوا، فَهَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِالإيقاعِ بِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا، وهَذا جَيِّدٌ إنْ قالُوا بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا إنْ قالُوا بِأنَّها نَزَلَتْ لِذَلِكَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ومُتَعَدِّيًا إلى غَيْرِهِ فَلا، بَلْ نَقُولُ: هو نَزَلَ عامًّا لِبَيانِ التَّثْبِيتِ، وتَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلى قَوْلِ الفاسِقِ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ لِكَذا، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنِّي أنْزَلْتُها لِكَذا، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّ الآيَةَ ورَدَتْ لِبَيانِ ذَلِكَ فَحَسْبُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو مِثْلُ التّارِيخِ لِنُزُولِ الآيَةِ، ونَحْنُ نُصَدِّقُ ذَلِكَ، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفاسِقِ عَلى الوَلِيدِ شَيْءٌ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ وظَنَّ فَأخْطَأ، والمُخْطِئُ لا يُسَمّى فاسِقًا، وكَيْفَ والفاسِقُ في أكْثَرِ المَواضِعِ المُرادُ بِهِ مَن خَرَجَ عَنْ رِبْقَةِ الإيمانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ المُؤْمِنَ كانَ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ شَدِيدٌ عَلى الكافِرِ غَلِيظٌ عَلَيْهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ الفاسِقُ مِن أنْ يُخْبِرَهُ بِنَبَأٍ، فَإنْ تَمَكَّنَ مِنهُ يَكُونُ نادِرًا، فَقالَ: ﴿إنْ جاءَكُمْ﴾ بِحَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي لا يُذْكَرُ إلّا مَعَ التَّوَقُّعِ، إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: إنِ احْمَرَّ البُسْرُ، وإنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّكِرَةُ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تَعُمُّ إذا كانَتْ في جانِبِ الثُّبُوتِ، كَما أنَّها تَعُمُّ في الإخْبارِ إذا كانَتْ في جانِبِ النَّفْيِ، وتَخُصُّ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ إذا كانَتْ في جانِبِ النَّفْيِ، كَما تَخُصُّ في الإخْبارِ إذا كانَتْ في جانِبِ الثُّبُوتِ، فَلْنَذْكُرْ بَيانَهُ بِالمِثالِ ودَلِيلَهُ، أمّا بَيانُهُ بِالمِثالِ فَنَقُولُ: إذا قالَ قائِلٌ لِعَبْدِهِ: إنْ كَلَّمْتُ رَجُلًا فَأنْتَ حُرٌّ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: لا أُكَلِّمُ رَجُلًا حَتّى يعْتِقَ بِتَكَلُّمِ كُلِّ رَجُلٍ، وإذا قالَ: إنْ لَمْ أُكَلِّمِ اليَوْمَ رَجُلًا فَأنْتَ حُرٌّ، يَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: لا أُكَلِّمُ اليَوْمَ رَجُلًا حَتّى لا يَعْتِقَ العَبْدُ بِتَرْكِ كَلامِ كُلِّ رَجُلٍ، كَما لا يَظْهَرُ الحَلِفُ في كَلامِهِ بِكَلامِ كُلِّ رَجُلٍ إذا تَرَكَ الكَلامَ مَعَ رَجُلٍ واحِدٍ، وأمّا الدَّلِيلُ فَلِأنَّ النَّظَرَ أوَّلًا إلى جانِبِ الإثْباتِ، ألا تَرى أنَّهُ مِن غَيْرِ حَرْفِ ”لَمّا“ أنَّ الوَضْعَ لِلْإثْباتِ والنَّفْيِ بِحَرْفٍ، فَقَوْلُ القائِلِ: زَيْدٌ قائِمٌ، وُضِعَ أوَّلًا ولَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُقالَ مَعَ ذَلِكَ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ القِيامِ لِزَيْدٍ، وفي جانِبِ النَّفْيِ احْتَجْنا إلى أنْ نَقُولَ: زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ، ولَوْ كانَ الوَضْعُ والتَّرْكِيبُ أوَّلًا لِلنَّفْيِ، لَما احْتَجْنا إلى الحَرْفِ الزّائِدِ اقْتِصارًا أوِ اخْتِصارًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ القائِلِ: رَأيْتُ رَجُلًا، يَكْفِي فِيهِ ما يُصَحِّحُ القَوْلَ وهو رُؤْيَةُ واحِدٍ، فَإذا قُلْتَ: ما رَأيْتُ رَجُلًا، وهو وُضِعَ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: رَأيْتُ رَجُلًا، ورُكِّبَ لِتِلْكَ المُقابَلَةِ، والمُتَقابِلانِ يَنْبَغِي أنْ لا يَصْدُقا، فَقَوْلُ القائِلِ: ما رَأيْتُ رَجُلًا، لَوْ كَفى فِيهِ انْتِفاءُ الرُّؤْيَةِ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ لَصَحَّ قَوْلُنا: رَأيْتُ رَجُلًا، وما رَأيْتُ رَجُلًا، فَلا يَكُونانِ مُتَقابِلَيْنِ، فَيَلْزَمُنا مِنَ الِاصْطِلاحِ الأوَّلِ الِاصْطِلاحُ الثّانِي، ولَزِمَ مِنهُ العُمُومُ في جانِبِ النَّفْيِ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّرْطِيَّةُ وُضِعَتْ أوَّلًا، ثُمَّ رُكِّبَتْ بَعْدَ الجَزْمِيَّةِ، بِدَلِيلِ زِيادَةِ الحَرْفِ وهو في مُقابَلَةِ الجَزْمِيَّةِ، وكانَ قَوْلُ القائِلِ: إذا لَمْ تَكُنْ أنْتَ حُرًّا ما كَلَّمْتُ رَجُلًا، يَرْجِعُ إلى مَعْنى النَّفْيِ، وكَما عُلِمَ عُمُومُ القَوْلِ في الفاسِقِ عُلِمَ عُمُومُهُ في النَّبَأِ، فَمَعْناهُ: أيُّ فاسِقٍ جاءَكم بِأيِّ نَبَأٍ، فالتَّثَبُّتُ فِيهِ واجِبٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُتَمَسَّكُ أصْحابِنا في أنَّ خَبَرَ الواحِدِ حُجَّةٌ، وشَهادَةَ الفاسِقِ لا تُقْبَلُ، أمّا في المَسْألَةِ
صفحة ١٠٤
الأُولى فَقالُوا: عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّوَقُّفِ بِكَوْنِهِ فاسِقًا، ولَوْ كانَ خَبَرُ الواحِدِ العَدْلِ لا يُقْبَلُ لَما كانَ لِلتَّرْتِيبِ عَلى الفاسِقِ فائِدَةٌ، وهو مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالمَفْهُومِ. وأمّا في الثّانِيَةِ فَلِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، فَلَوْ قَبِلَ قَوْلَهُ لَما كانَ الحاكِمُ مَأْمُورًا بِالتَّبَيُّنِ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ الفاسِقِ مَقْبُولًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ في الخَبَرِ والنَّبَأِ، وبابُ الشَّهادَةِ أضْيَقُ مِن بابِ الخَبَرِ.
والثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ والجَهْلُ فَوْقَ الخَطَأِ؛ لِأنَّ المُجْتَهِدَ إذا أخْطَأ لا يُسَمّى جاهِلًا، والَّذِي يَبْنِي الحُكْمَ عَلى قَوْلِ الفاسِقِ إنْ لَمْ يُصِبْ جَهِلَ فَلا يَكُونُ البِناءُ عَلى قَوْلِهِ جائِزًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿أنْ تُصِيبُوا﴾ ذَكَرْنا فِيها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ المُرادَ لِئَلّا تُصِيبُوا.
وثانِيها: مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وهو أنَّ المُرادَ: كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ: فَتَبَيَّنُوا واتَّقُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ يُبَيِّنُ ما ذَكَرْنا أنْ يَقُولَ الفاسِقُ: تَظْهَرُ الفِتَنُ بَيْنَ أقْوامٍ، ولا كَذَلِكَ بِالألْفاظِ المُؤْذِيَةِ في الوَجْهِ، والغِيبَةِ الصّادِرَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ يَمْنَعُهُ دِينُهُ مِنَ الإفْحاشِ والمُبالَغَةِ في الإيحاشِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ في تَقْدِيرِ حالٍ، أيْ أنْ تُصِيبُوهم جاهِلِينَ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ الإصابَةَ تُسْتَعْمَلُ في السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] لَكِنَّ الأكْثَرَ أنَّها تُسْتَعْمَلُ فِيما يَسُوءُ، لَكِنَّ الظَّنَّ السُّوءَ يُذْكَرُ مَعَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٨] ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ بَيانًا لِأنَّ الجاهِلَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ عَلى فِعْلِهِ نادِمًا، وقَوْلُهُ ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ مَعْناهُ تَصِيرُوا، قالَ النُّحاةُ: أصْبَحَ يُسْتَعْمَلُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: بِمَعْنى دُخُولِ الرَّجُلِ في الصَّباحِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أصْبَحْنا نَقْضِي عَلَيْهِ.
وثانِيها: بِمَعْنى كانَ الأمْرُ وقْتَ الصَّباحِ كَذا وكَذا، كَما يَقُولُ: أصْبَحَ اليَوْمَ مَرِيضُنا خَيْرًا مِمّا كانَ، غَيْرَ أنَّهُ تَغَيَّرَ ضَحْوَةَ النَّهارِ، ويُرِيدُ كَوْنَهُ في الصُّبْحِ عَلى حالِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: كانَ المَرِيضُ وقْتَ الصُّبْحِ خَيْرًا وتَغَيَّرَ ضَحْوَةَ النَّهارِ.
وثالِثُها: بِمَعْنى صارَ، يَقُولُ القائِلُ: أصْبَحَ زَيْدٌ غَنِيًّا، ويُرِيدُ بِهِ صارَ مِن غَيْرِ إرادَةِ وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، والمُرادُ هَهُنا هو المَعْنى الثّالِثُ وكَذَلِكَ أمْسى وأضْحى، ولَكِنْ لِهَذا تَحْقِيقٌ وهو أنْ نَقُولَ: لا بُدَّ في اخْتِلافِ الألْفاظِ مِنِ اخْتِلافِ المَعانِي واخْتِلافِ الفَوائِدِ، فَنَقُولُ: الصَّيْرُورَةُ قَدْ تَكُونُ مِنِ ابْتِداءِ أمْرٍ وتَدُومُ، وقَدْ تَكُونُ في آخَرَ بِمَعْنى: آلَ الأمْرُ إلَيْهِ، وقَدْ تَكُونُ مُتَوَسِّطَةً.
مِثالُ الأوَّلِ: قَوْلُ القائِلِ: صارَ الطِّفْلُ فاهِمًا، أيْ أخَذَ فِيهِ وهو في الزِّيادَةِ.
مِثالُ الثّانِي: قَوْلُ القائِلِ: صارَ الحَقُّ بَيِّنًا واجِبًا، أيِ انْتَهى حَدُّهُ وأخَذَ حَقَّهُ.
مِثالُ الثّالِثِ: قَوْلُ القائِلِ: صارَ زَيْدٌ عالِمًا وقَوِيًّا إذا لَمْ يُرِدْ أخْذَهُ فِيهِ، ولا بُلُوغَهُ نِهايَتَهُ، بَلْ كَوْنَهُ مُتَلَبِّسًا بِهِ مُتَّصِفًا بِهِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَأصْلُ اسْتِعْمالِ أصْبَحَ فِيما يَصِيرُ الشَّيْءُ آخِذًا في وصْفٍ ومُبْتَدِئًا في أمْرٍ، وأصْلُ أمْسى فِيما يَصِيرُ الشَّيْءُ بالِغًا في الوَصْفِ نِهايَتَهُ، وأصْلُ أضْحى التَّوَسُّطُ، لا يُقالُ: أهْلُ الِاسْتِعْمالِ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأُمُورِ ويَسْتَعْمِلُونَ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَقُولُ: إذا تَقارَبَتِ المَعانِي جازَ الِاسْتِعْمالُ، وجَوازُ الِاسْتِعْمالِ لا يُنافِي الأصْلَ، وكَثِيرٌ مِنَ الألْفاظِ أصْلُهُ مُضِيٌّ واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالًا شائِعًا فِيما لا يُشارِكُهُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ أيْ فَتَصِيرُوا آخِذِينَ في النَّدَمِ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ ثُمَّ تَسْتَدِيمُونَهُ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أيْ أخَذْتُمْ في الأُخُوَّةِ وأنْتُمْ فِيها زائِدُونَ ومُسْتَمِرُّونَ، وفي الجُمْلَةِ اخْتارَ في القُرْآنِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ؛ لِأنَّ الأمْرَ المَقْرُونَ بِهِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إمّا في الثَّوابِ أوْ في العِقابِ، وكِلاهُما
صفحة ١٠٥
فِي الزِّيادَةِ، ولا نِهايَةَ لِلْأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نادِمِينَ﴾ النَّدَمُ هَمٌّ دائِمٌ، والنُّونُ والدّالُ والمِيمُ في تَقالِيبِها لا تَنْفَكُّ عَنْ مَعْنى الدَّوامِ، كَما في قَوْلِ القائِلِ: أدْمَنَ في الشُّرْبِ، ومُدْمِنٌ أيْ أقامَ، ومِنهُ المَدِينَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: تَقْرِيرُ التَّحْذِيرِ وتَأْكِيدُهُ، ووَجْهُهُ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنِّي أصَبْتُ قَوْمًا فَماذا عَلَيَّ ؟ بَلْ عَلَيْكم مِنهُ الهَمُّ الدّائِمُ والحُزْنُ المُقِيمُ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ واجِبُ الِاحْتِرازِ مِنهُ.
والثّانِيَةُ: مَدْحُ المُؤْمِنِينَ، أيْ لَسْتُمْ مِمَّنْ إذا فَعَلُوا سَيِّئَةً لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها بَلْ تُصْبِحُونَ نادِمِينَ عَلَيْها.
الحجرات 49:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إشارَةً إلى حُسْنِ الأدَبِ الَّذِي عَلى خِلافِ ما أتَوْا بِهِ مِن سُوءِ الأدَبِ، فَإنَّهم لَوْ صَبَرُوا لَما احْتاجُوا إلى النِّداءِ، وإذا كُنْتَ تَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَلا يَصِحُّ إتْيانُهم في وقْتِ اخْتِلائِكَ بِنَفْسِكَ أوْ بِأهْلِكَ أوْ بِرَبِّكَ، فَإنَّ لِلنَّفْسِ حَقًّا ولِلْأهْلِ حَقًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ هو الحَسَنُ والخَيْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤].
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أنَّ بِالنِّداءِ وعَدَمِ الصَّبْرِ يَسْتَفِيدُونَ تَنْجِيزَ الشُّغْلِ ودَفْعَ الحاجَةِ في الحالِ، وهو مَطْلُوبٌ، ولَكِنَّ المُحافَظَةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمَهُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَدْفَعُ الحاجَةَ الأصْلِيَّةَ الَّتِي في الآخِرَةِ، وحاجاتُ الدُّنْيا فَضْلِيَّةٌ، والمَرْفُوعُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلِمَةُ ”كانَ“ إمّا الصَّبْرُ وتَقْدِيرُهُ: لَوْ أنَّهم صَبَرُوا لَكانَ الصَّبْرُ خَيْرًا، أوِ الخُرُوجُ مِن غَيْرِ نِداءٍ وتَقْدِيرُهُ: لَوْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خُرُوجُكَ مِن غَيْرِ نِداءٍ خَيْرًا لَهم، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِلْحِكايَةِ؛ لِأنَّهم طَلَبُوا خُرُوجَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَأْخُذُوا ذَرارِيَّهم، فَخَرَجَ وأعْتَقَ نِصْفَهم وأخَذُوا نَصْفَهم، ولَوْ صَبَرُوا لَكانَ يَعْتِقُ كُلُّهم، والأوَّلُ أصَحُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَحْقِيقًا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في التَّعَجُّلِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أتى بِقَبِيحٍ ولا يُعاقِبُهُ المَلِكُ أوِ السَّيِّدُ يُقالُ: ما أحْلَمَ سَيِّدَهُ لا لِبَيانِ حِلْمِهِ، بَلْ لِبَيانِ عَظِيمِ جِنايَةِ العَبْدِ. وثانِيهِما: لِحُسْنِ الصَّبْرِ يَعْنِي بِسَبَبِ إتْيانِهِمْ بِما هو خَيْرٌ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم سَيِّئاتِهِمْ ويَجْعَلُ هَذِهِ الحَسَنَةَ كَفّارَةً
صفحة ١٠٢
لِكَثِيرٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، كَما يُقالُ لِلْآبِقِ إذا رَجَعَ إلى بابِ سَيِّدِهِ: أحْسَنْتَ في رُجُوعِكَ وسَيِّدُكَ رَحِيمٌ، أيْ لا يُعاقِبُكَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ بِسَبَبِ ما أتَيْتَ بِهِ مِنَ الحَسَنَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ ذَلِكَ حَثٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى الصَّفْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ كالعُذْرِ لَهم، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في بَعْضِ المَواضِعِ الغُفْرانَ قَبْلَ الرَّحْمَةِ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ، وذَكَرَ الرَّحْمَةَ قَبْلَ المَغْفِرَةِ في سُورَةِ سَبَأٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢] فَحَيْثُ قالَ: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) أيْ يَغْفِرُ سَيِّئاتِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَيَراهُ عارِيًا مُحْتاجًا فَيَرْحَمُهُ ويُلْبِسُهُ لِباسَ الكَرامَةِ، وقَدْ يَراهُ مَغْمُورًا في السَّيِّئاتِ فَيَغْفِرُ سَيِّئاتِهِ، ثُمَّ يَرْحَمُهُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ، فَتارَةً تَقَعُ الإشارَةُ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي بَعْدَ المَغْفِرَةِ فَيُقَدِّمُ المَغْفِرَةَ، وتارَةً تَقَعُ الرَّحْمَةُ قَبْلَ المَغْفِرَةِ فَيُؤَخِّرُها، ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ واسِعَةً تُوجَدُ قَبْلَ المَغْفِرَةِ وبَعْدَها ذَكَرَها قَبْلَها وبَعْدَها.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾
هَذِهِ السُّورَةُ فِيها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهي إمّا مَعَ اللَّهِ تَعالى أوْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِن أبْناءِ الجِنْسِ، وهم عَلى صِنْفَيْنِ؛ لِأنَّهم إمّا أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ وداخِلِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ، أوْ خارِجًا عَنْها وهو الفاسِقُ، والدّاخِلُ في طائِفَتِهِمُ السّالِكُ لِطَرِيقَتِهِمْ إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهم أوْ غائِبًا عَنْهم، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ: أحَدُها:
يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ.
وثانِيها: بِجانِبِ الرَّسُولِ.
وثالِثُها: بِجانِبِ الفُسّاقِ.
ورابِعُها: بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ.
وخامِسُها: بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) وأرْشَدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مَعَ قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وذِكْرُ الرَّسُولِ كانَ لِبَيانِ طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، وقالَ ثانِيًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ احْتِرامِ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ ثالِثًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى أقْوالِهِمْ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَ الفِتْنَةِ بَيْنَكم وبَيْنَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقالَ رابِعًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وقالَ: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ [الحجرات: ١١] لِبَيانِ وُجُوبِ تَرْكِ إيذاءِ المُؤْمِنِينَ في حُضُورِهِمْ والِازْدِراءِ بِحالِهِمْ ومَنصِبِهِمْ، وقالَ خامِسًا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ إهانَةِ جانِبِ المُؤْمِنِ حالَ غَيْبَتِهِ، وذِكْرِ ما لَوْ كانَ حاضِرًا لَتَأذّى، وهو في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ التَّرْتِيبِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِنَ قَبْلَ الفاسِقِ لِتَكُونَ المَراتِبُ مُتَدَرِّجَةَ الِابْتِداءِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، ثُمَّ بِالفاسِقِ ؟ نَقُولُ: قَدَّمَ اللَّهُ ما هو الأهَمُّ عَلى ما دُونَهُ، فَذَكَرَ جانِبَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ جانِبَ الرَّسُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفْضِي إلى الِاقْتِتالِ بَيْنَ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الإصْغاءِ إلى كَلامِ الفاسِقِ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ كُلَّ ما كانَ أشَدَّ نِفارًا لِلصُّدُورِ، وأمّا المُؤْمِنُ الحاضِرُ أوِ الغائِبُ، فَلا يُؤْذِي المُؤْمِنَ إلى حَدٍّ يُفْضِي إلى القَتْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ نَبَأِ الفاسِقِ آيَةَ الِاقْتِتالِ، فَقالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وهو أخُو عُثْمانَ لِأُمِّهِ
صفحة ١٠٣
إلى بَنِي المُصْطَلِقِ ولِيًّا ومُصَدِّقًا فالتَقَوْهُ، فَظَنَّهم مُقاتِلِينَ، فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالَ: إنَّهُمُ امْتَنَعُوا ومَنَعُوا، فَهَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِالإيقاعِ بِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا، وهَذا جَيِّدٌ إنْ قالُوا بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا إنْ قالُوا بِأنَّها نَزَلَتْ لِذَلِكَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ومُتَعَدِّيًا إلى غَيْرِهِ فَلا، بَلْ نَقُولُ: هو نَزَلَ عامًّا لِبَيانِ التَّثْبِيتِ، وتَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلى قَوْلِ الفاسِقِ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ لِكَذا، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنِّي أنْزَلْتُها لِكَذا، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّ الآيَةَ ورَدَتْ لِبَيانِ ذَلِكَ فَحَسْبُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو مِثْلُ التّارِيخِ لِنُزُولِ الآيَةِ، ونَحْنُ نُصَدِّقُ ذَلِكَ، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفاسِقِ عَلى الوَلِيدِ شَيْءٌ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ وظَنَّ فَأخْطَأ، والمُخْطِئُ لا يُسَمّى فاسِقًا، وكَيْفَ والفاسِقُ في أكْثَرِ المَواضِعِ المُرادُ بِهِ مَن خَرَجَ عَنْ رِبْقَةِ الإيمانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ المُؤْمِنَ كانَ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ شَدِيدٌ عَلى الكافِرِ غَلِيظٌ عَلَيْهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ الفاسِقُ مِن أنْ يُخْبِرَهُ بِنَبَأٍ، فَإنْ تَمَكَّنَ مِنهُ يَكُونُ نادِرًا، فَقالَ: ﴿إنْ جاءَكُمْ﴾ بِحَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي لا يُذْكَرُ إلّا مَعَ التَّوَقُّعِ، إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: إنِ احْمَرَّ البُسْرُ، وإنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّكِرَةُ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تَعُمُّ إذا كانَتْ في جانِبِ الثُّبُوتِ، كَما أنَّها تَعُمُّ في الإخْبارِ إذا كانَتْ في جانِبِ النَّفْيِ، وتَخُصُّ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ إذا كانَتْ في جانِبِ النَّفْيِ، كَما تَخُصُّ في الإخْبارِ إذا كانَتْ في جانِبِ الثُّبُوتِ، فَلْنَذْكُرْ بَيانَهُ بِالمِثالِ ودَلِيلَهُ، أمّا بَيانُهُ بِالمِثالِ فَنَقُولُ: إذا قالَ قائِلٌ لِعَبْدِهِ: إنْ كَلَّمْتُ رَجُلًا فَأنْتَ حُرٌّ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: لا أُكَلِّمُ رَجُلًا حَتّى يعْتِقَ بِتَكَلُّمِ كُلِّ رَجُلٍ، وإذا قالَ: إنْ لَمْ أُكَلِّمِ اليَوْمَ رَجُلًا فَأنْتَ حُرٌّ، يَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: لا أُكَلِّمُ اليَوْمَ رَجُلًا حَتّى لا يَعْتِقَ العَبْدُ بِتَرْكِ كَلامِ كُلِّ رَجُلٍ، كَما لا يَظْهَرُ الحَلِفُ في كَلامِهِ بِكَلامِ كُلِّ رَجُلٍ إذا تَرَكَ الكَلامَ مَعَ رَجُلٍ واحِدٍ، وأمّا الدَّلِيلُ فَلِأنَّ النَّظَرَ أوَّلًا إلى جانِبِ الإثْباتِ، ألا تَرى أنَّهُ مِن غَيْرِ حَرْفِ ”لَمّا“ أنَّ الوَضْعَ لِلْإثْباتِ والنَّفْيِ بِحَرْفٍ، فَقَوْلُ القائِلِ: زَيْدٌ قائِمٌ، وُضِعَ أوَّلًا ولَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُقالَ مَعَ ذَلِكَ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ القِيامِ لِزَيْدٍ، وفي جانِبِ النَّفْيِ احْتَجْنا إلى أنْ نَقُولَ: زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ، ولَوْ كانَ الوَضْعُ والتَّرْكِيبُ أوَّلًا لِلنَّفْيِ، لَما احْتَجْنا إلى الحَرْفِ الزّائِدِ اقْتِصارًا أوِ اخْتِصارًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ القائِلِ: رَأيْتُ رَجُلًا، يَكْفِي فِيهِ ما يُصَحِّحُ القَوْلَ وهو رُؤْيَةُ واحِدٍ، فَإذا قُلْتَ: ما رَأيْتُ رَجُلًا، وهو وُضِعَ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: رَأيْتُ رَجُلًا، ورُكِّبَ لِتِلْكَ المُقابَلَةِ، والمُتَقابِلانِ يَنْبَغِي أنْ لا يَصْدُقا، فَقَوْلُ القائِلِ: ما رَأيْتُ رَجُلًا، لَوْ كَفى فِيهِ انْتِفاءُ الرُّؤْيَةِ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ لَصَحَّ قَوْلُنا: رَأيْتُ رَجُلًا، وما رَأيْتُ رَجُلًا، فَلا يَكُونانِ مُتَقابِلَيْنِ، فَيَلْزَمُنا مِنَ الِاصْطِلاحِ الأوَّلِ الِاصْطِلاحُ الثّانِي، ولَزِمَ مِنهُ العُمُومُ في جانِبِ النَّفْيِ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّرْطِيَّةُ وُضِعَتْ أوَّلًا، ثُمَّ رُكِّبَتْ بَعْدَ الجَزْمِيَّةِ، بِدَلِيلِ زِيادَةِ الحَرْفِ وهو في مُقابَلَةِ الجَزْمِيَّةِ، وكانَ قَوْلُ القائِلِ: إذا لَمْ تَكُنْ أنْتَ حُرًّا ما كَلَّمْتُ رَجُلًا، يَرْجِعُ إلى مَعْنى النَّفْيِ، وكَما عُلِمَ عُمُومُ القَوْلِ في الفاسِقِ عُلِمَ عُمُومُهُ في النَّبَأِ، فَمَعْناهُ: أيُّ فاسِقٍ جاءَكم بِأيِّ نَبَأٍ، فالتَّثَبُّتُ فِيهِ واجِبٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُتَمَسَّكُ أصْحابِنا في أنَّ خَبَرَ الواحِدِ حُجَّةٌ، وشَهادَةَ الفاسِقِ لا تُقْبَلُ، أمّا في المَسْألَةِ
صفحة ١٠٤
الأُولى فَقالُوا: عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّوَقُّفِ بِكَوْنِهِ فاسِقًا، ولَوْ كانَ خَبَرُ الواحِدِ العَدْلِ لا يُقْبَلُ لَما كانَ لِلتَّرْتِيبِ عَلى الفاسِقِ فائِدَةٌ، وهو مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالمَفْهُومِ. وأمّا في الثّانِيَةِ فَلِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، فَلَوْ قَبِلَ قَوْلَهُ لَما كانَ الحاكِمُ مَأْمُورًا بِالتَّبَيُّنِ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ الفاسِقِ مَقْبُولًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ في الخَبَرِ والنَّبَأِ، وبابُ الشَّهادَةِ أضْيَقُ مِن بابِ الخَبَرِ.
والثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ والجَهْلُ فَوْقَ الخَطَأِ؛ لِأنَّ المُجْتَهِدَ إذا أخْطَأ لا يُسَمّى جاهِلًا، والَّذِي يَبْنِي الحُكْمَ عَلى قَوْلِ الفاسِقِ إنْ لَمْ يُصِبْ جَهِلَ فَلا يَكُونُ البِناءُ عَلى قَوْلِهِ جائِزًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿أنْ تُصِيبُوا﴾ ذَكَرْنا فِيها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ المُرادَ لِئَلّا تُصِيبُوا.
وثانِيها: مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وهو أنَّ المُرادَ: كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ: فَتَبَيَّنُوا واتَّقُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ يُبَيِّنُ ما ذَكَرْنا أنْ يَقُولَ الفاسِقُ: تَظْهَرُ الفِتَنُ بَيْنَ أقْوامٍ، ولا كَذَلِكَ بِالألْفاظِ المُؤْذِيَةِ في الوَجْهِ، والغِيبَةِ الصّادِرَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ يَمْنَعُهُ دِينُهُ مِنَ الإفْحاشِ والمُبالَغَةِ في الإيحاشِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ في تَقْدِيرِ حالٍ، أيْ أنْ تُصِيبُوهم جاهِلِينَ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ الإصابَةَ تُسْتَعْمَلُ في السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] لَكِنَّ الأكْثَرَ أنَّها تُسْتَعْمَلُ فِيما يَسُوءُ، لَكِنَّ الظَّنَّ السُّوءَ يُذْكَرُ مَعَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٨] ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ بَيانًا لِأنَّ الجاهِلَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ عَلى فِعْلِهِ نادِمًا، وقَوْلُهُ ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ مَعْناهُ تَصِيرُوا، قالَ النُّحاةُ: أصْبَحَ يُسْتَعْمَلُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: بِمَعْنى دُخُولِ الرَّجُلِ في الصَّباحِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أصْبَحْنا نَقْضِي عَلَيْهِ.
وثانِيها: بِمَعْنى كانَ الأمْرُ وقْتَ الصَّباحِ كَذا وكَذا، كَما يَقُولُ: أصْبَحَ اليَوْمَ مَرِيضُنا خَيْرًا مِمّا كانَ، غَيْرَ أنَّهُ تَغَيَّرَ ضَحْوَةَ النَّهارِ، ويُرِيدُ كَوْنَهُ في الصُّبْحِ عَلى حالِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: كانَ المَرِيضُ وقْتَ الصُّبْحِ خَيْرًا وتَغَيَّرَ ضَحْوَةَ النَّهارِ.
وثالِثُها: بِمَعْنى صارَ، يَقُولُ القائِلُ: أصْبَحَ زَيْدٌ غَنِيًّا، ويُرِيدُ بِهِ صارَ مِن غَيْرِ إرادَةِ وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، والمُرادُ هَهُنا هو المَعْنى الثّالِثُ وكَذَلِكَ أمْسى وأضْحى، ولَكِنْ لِهَذا تَحْقِيقٌ وهو أنْ نَقُولَ: لا بُدَّ في اخْتِلافِ الألْفاظِ مِنِ اخْتِلافِ المَعانِي واخْتِلافِ الفَوائِدِ، فَنَقُولُ: الصَّيْرُورَةُ قَدْ تَكُونُ مِنِ ابْتِداءِ أمْرٍ وتَدُومُ، وقَدْ تَكُونُ في آخَرَ بِمَعْنى: آلَ الأمْرُ إلَيْهِ، وقَدْ تَكُونُ مُتَوَسِّطَةً.
مِثالُ الأوَّلِ: قَوْلُ القائِلِ: صارَ الطِّفْلُ فاهِمًا، أيْ أخَذَ فِيهِ وهو في الزِّيادَةِ.
مِثالُ الثّانِي: قَوْلُ القائِلِ: صارَ الحَقُّ بَيِّنًا واجِبًا، أيِ انْتَهى حَدُّهُ وأخَذَ حَقَّهُ.
مِثالُ الثّالِثِ: قَوْلُ القائِلِ: صارَ زَيْدٌ عالِمًا وقَوِيًّا إذا لَمْ يُرِدْ أخْذَهُ فِيهِ، ولا بُلُوغَهُ نِهايَتَهُ، بَلْ كَوْنَهُ مُتَلَبِّسًا بِهِ مُتَّصِفًا بِهِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَأصْلُ اسْتِعْمالِ أصْبَحَ فِيما يَصِيرُ الشَّيْءُ آخِذًا في وصْفٍ ومُبْتَدِئًا في أمْرٍ، وأصْلُ أمْسى فِيما يَصِيرُ الشَّيْءُ بالِغًا في الوَصْفِ نِهايَتَهُ، وأصْلُ أضْحى التَّوَسُّطُ، لا يُقالُ: أهْلُ الِاسْتِعْمالِ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأُمُورِ ويَسْتَعْمِلُونَ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَقُولُ: إذا تَقارَبَتِ المَعانِي جازَ الِاسْتِعْمالُ، وجَوازُ الِاسْتِعْمالِ لا يُنافِي الأصْلَ، وكَثِيرٌ مِنَ الألْفاظِ أصْلُهُ مُضِيٌّ واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالًا شائِعًا فِيما لا يُشارِكُهُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ أيْ فَتَصِيرُوا آخِذِينَ في النَّدَمِ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ ثُمَّ تَسْتَدِيمُونَهُ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أيْ أخَذْتُمْ في الأُخُوَّةِ وأنْتُمْ فِيها زائِدُونَ ومُسْتَمِرُّونَ، وفي الجُمْلَةِ اخْتارَ في القُرْآنِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ؛ لِأنَّ الأمْرَ المَقْرُونَ بِهِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إمّا في الثَّوابِ أوْ في العِقابِ، وكِلاهُما
صفحة ١٠٥
فِي الزِّيادَةِ، ولا نِهايَةَ لِلْأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نادِمِينَ﴾ النَّدَمُ هَمٌّ دائِمٌ، والنُّونُ والدّالُ والمِيمُ في تَقالِيبِها لا تَنْفَكُّ عَنْ مَعْنى الدَّوامِ، كَما في قَوْلِ القائِلِ: أدْمَنَ في الشُّرْبِ، ومُدْمِنٌ أيْ أقامَ، ومِنهُ المَدِينَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: تَقْرِيرُ التَّحْذِيرِ وتَأْكِيدُهُ، ووَجْهُهُ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنِّي أصَبْتُ قَوْمًا فَماذا عَلَيَّ ؟ بَلْ عَلَيْكم مِنهُ الهَمُّ الدّائِمُ والحُزْنُ المُقِيمُ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ واجِبُ الِاحْتِرازِ مِنهُ.
والثّانِيَةُ: مَدْحُ المُؤْمِنِينَ، أيْ لَسْتُمْ مِمَّنْ إذا فَعَلُوا سَيِّئَةً لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها بَلْ تُصْبِحُونَ نادِمِينَ عَلَيْها.
الحجرات 49:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ .
ولْنَذْكُرْ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما قِيلَ وما يَجُوزُ أنْ يُقالَ، أمّا ما قِيلَ فَلْنَخْتَرْ أحْسَنَهُ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنَّهُ بَحَثَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بَحْثًا طَوِيلًا، فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ لَيْسَ كَلامًا مُسْتَأْنِفًا لِأدائِهِ إلى تَنافُرِ النَّظْمِ، إذْ لا تَبْقى مُناسِبَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ ثُمَّ وجْهُ التَّعَلُّقِ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ في تَقْدِيرِ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ: (فِيكم) كانَ التَّقْدِيرُ: كائِنٌ فِيكم، أوْ مَوْجُودٌ فِيكم، عَلى حالٍ تُرِيدُونَ أنْ يُطِيعَكم أوْ يَفْعَلَ بِاسْتِصْوابِكم، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ أوْ لَوَقَعْتُمْ في شِدَّةٍ، أوْ أُولِمْتُمْ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ خِطابًا مَعَ بَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اكْتَفى بِالتَّغايُرِ في الصِّفَةِ واخْتَصَرَ، ولَمْ يَقُلْ حَبَّبَ إلى بَعْضِكُمُ الإيمانَ، وقالَ أيْضًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ دُونَ أطاعَكم يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ اسْتِمْرارَ تِلْكَ الحالَةِ، ودَوامَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى العَمَلِ بِاسْتِصْوابِهِمْ، ولَكِنْ يَكُونُ ما بَعْدَها عَلى خِلافِ ما قَبْلَها، وهَهُنا كَذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ تَحْصُلُ المُخالَفَةُ بِتَصْرِيحِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ المُخاطَبِينَ في الوَصْفِ يَدُلُّنا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْمَلُ بِمُرادِهِمْ، والمُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ هُمُ الَّذِينَ أرادُوا عَمَلَهم بِمُرادِ النَّبِيِّ ﷺ هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، واخْتارَهُ وهو حَسَنٌ، والَّذِي يَجُوزُ أنْ يُقالَ - وكَأنَّهُ هو الأقْوى -: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ فَتَثَبَّتُوا واكْشِفُوا قالَ بَعْدَهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيِ الكَشْفُ سَهْلٌ عَلَيْكم بِالرُّجُوعِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ فِيكم مُبِينٌ مُرْشِدٌ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ عِنْدَ اخْتِلافِ تَلامِيذِ شَيْخٍ في مَسْألَةٍ: هَذا الشَّيْخُ قاعِدٌ لا يُرِيدُ بَيانَ قُعُودِهِ، وإنَّما يُرِيدُ أمْرَهم بِالمُراجَعَةِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ لا يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْخَ فِيما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِ
صفحة ١٠٦
لَوْ كانَ يَعْتَمِدُ عَلى قَوْلِ التَّلامِيذِ لا تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ، أمّا إذا كانَ لا يَذْكُرُ إلّا مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ، ويُقَرِّرُهُ بِالدَّلِيلِ القَوِيِّ يُراجِعُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: اسْتَرْشِدُوهُ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ ولا يُطِيعُ أحَدًا، فَلا يُوجَدُ فِيهِ حَيْفٌ ولا يُرَوَّجُ عَلَيْهِ زَيْفٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ بَيانُ أنَّهُ لا يُطِيعُكم هو أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ تَرِدُ لِبَيانِ امْتِناعِ الشَّرْطِ لِامْتِناعِ الجَزاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ سُؤالٍ يَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وهو أنْ يَقَعَ لِواحِدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى المُراجَعَةِ وعُقُولُنا كافِيَةٌ، بِها أدْرَكْنا الإيمانَ وتَرَكْنا العِصْيانَ، فَكَذَلِكَ نَجْتَهِدُ في أُمُورِنا، فَقالَ: لَيْسَ إدْراكُ الإيمانِ بِالِاجْتِهادِ، بَلِ اللَّهُ بَيَّنَ البُرْهانَ وزَيَّنَ الإيمانَ حَتّى حَصَلَ اليَقِينُ، وبَعْدَ حُصُولِ اليَقِينِ لا يَجُوزُ التَّوَقُّفُ، واللَّهُ إنَّما أمَرَكم بِالتَّوَقُّفِ عِنْدَ تَقْلِيدِ قَوْلِ الفاسِقِ، وما أمَرَكم بِالعِنادِ بَعْدَ ظُهُورِ البُرْهانِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: تَوَقَّفُوا فِيما يَكُونُ مَشْكُوكًا فِيهِ لَكِنَّ الإيمانَ حَبَّبَهُ إلَيْكم بِالبُرْهانِ فَلا تَتَوَقَّفُوا في قَبُولِهِ، وعَلى قَوْلِنا: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ﴾ هو المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ إذا عَلِمْتَ مَعْنى الآيَةِ جُمْلَةً، فاسْمَعْهُ مُفَصَّلًا ولْنُفَصِّلْهُ في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَوْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ الرُّجُوعَ إلَيْهِ والِاعْتِمادَ عَلى قَوْلِهِ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ فَتَبَيَّنُوا وراجِعُوا النَّبِيَّ ﷺ ؟ وما الفائِدَةُ في العُدُولِ إلى هَذا المَجازِ ؟ نَقُولُ: الفائِدَةُ زِيادَةُ التَّأْكِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ فِيما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِ: هَذا الشَّيْخُ قاعِدٌ آكَدُ في وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: راجِعُوا شَيْخَكم، وذَلِكَ لِأنَّ القائِلَ يَجْعَلُ وُجُوبَ المُراجَعَةِ إلَيْهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، ويَجْعَلُ سَبَبَ عَدَمِ الرُّجُوعِ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِقُعُودِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّكم لا تَشُكُّونَ في أنَّ الكاشِفَ هو الشَّيْخُ، وأنَّ الواجِبَ مُراجَعَتُهُ، فَإنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قُعُودَهُ فَهو قاعِدٌ، فَيَجْعَلُ حُسْنَ المُراجَعَةِ أظْهَرَ مِن أمْرِ القُعُودِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: خَفِيَ عَلَيْكم قُعُودُهُ فَتَرَكْتُمْ مُراجَعَتَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْكم حُسْنُ مُراجَعَتِهِ، فَيَجْعَلُ حُسْنَ مُراجَعَتِهِ أظْهَرَ مِنَ الأمْرِ الحِسِّيِّ، بِخِلافِ ما لَوْ قالَ راجِعُوهُ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قائِلًا بِأنَّكم ما عَلِمْتُمْ أنَّ مُراجَعَتَهُ هو الطَّرِيقُ، وبَيْنَ الكَلامَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي لا يَخْفى عَلَيْكم وُجُوبُ مُراجَعَتِهِ، فَإنْ كانَ خَفِيَ عَلَيْكم كَوْنُهُ فِيكم، فاعْلَمُوا أنَّهُ فِيكم، فَيَجْعَلُ حُسْنَ المُراجَعَةِ أظْهَرَ مِن كَوْنِهِ فِيهِمْ حَيْثُ تَرَكَ بَيانَهُ وأخَذَ في بَيانِ كَوْنِهِ فِيهِمْ، وهَذا مِنَ المَعانِي العَزِيزَةِ الَّتِي تُوجَدُ في المَجازاتِ ولا تُوجَدُ في الصَّرِيحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ بَيانَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُطِيعٍ لِأحَدٍ بَلْ هو مُتَّبِعٌ لِلْوَحْيِ فَلِمَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ؟ نَقُولُ: بَيانُ نَفْيِ الشَّيْءِ مَعَ بَيانِ دَلِيلِ النَّفْيِ أتَمُّ مِن بَيانِهِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَيانُ النَّفْيِ مَعَ بَيانِ دَلِيلِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ”لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ“ لَوْ قالَ قائِلٌ: لِمَ قُلْتَ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ يَجِبُ أنْ يَذْكُرَ الدَّلِيلَ، فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَكَذَلِكَ هَهُنا لَوْ قالَ: لا يُطِيعُكم، وقالَ قائِلٌ: لِمَ لا يُطِيعُ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: لَوْ أطاعَكم لَأطاعَكم لِأجْلِ مَصْلَحَتِكم، لَكِنْ لا مَصْلَحَةَ لَكم فِيهِ لِأنَّكم تَعْنَتُونَ وتَأْثَمُونَ وهو يَشُقُّ عَلَيْهِ عَنَتُكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فَإنَّ طاعَتَكم لا تُفِيدُهُ شَيْئًا فَلا
صفحة ١٠٧
يُطِيعُكم، فَهَذا نَفْيُ الطّاعَةِ بِالدَّلِيلِ، وبَيْنَ نَفْيِ الشَّيْءِ بِدَلِيلٍ، ونَفْيِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَرْقٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ يُوافِقُهم ويَفْعَلُ بِمُقْتَضى مَصْلَحَتِهِمْ تَحْقِيقًا لِفائِدَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾، فَلا تَتَوَقَّفُوا، فَلِمَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ؟ قُلْنا: لِما بَيَّنّاهُ مِنَ الإشارَةِ إلى ظُهُورِ الأمْرِ، يَعْنِي أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اليَقِينَ لا يَتَوَقَّفُ فِيهِ، إذْ لَيْسَ بَعْدَهُ مَرْتَبَةٌ حَتّى يَتَوَقَّفَ إلى بُلُوغِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ إلى دَرَجَةِ الظَّنِّ فَإنَّهُ يَتَوَقَّفُ إلى أنْ يَبْلُغَ دَرَجَةَ اليَقِينِ، فَلَمّا كانَ عَدَمُ التَّوَقُّفِ في اليَقِينِ مَعْلُومًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لَمْ يَقُلْ: فَلا تَتَوَقَّفُوا، بَلْ قالَ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾، أيْ بَيَّنَهُ وزَيَّنَهُ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ﴾ أيْ قَرَّبَهُ وأدْخَلَهُ في قُلُوبِكم، ثُمَّ زَيَّنَهُ فِيها بِحَيْثُ لا تُفارِقُونَهُ ولا يَخْرُجُ مِن قُلُوبِكم، وهَذا لِأنَّ مَن يُحِبُّ أشْياءَ فَقَدْ يَمَلُّ شَيْئًا مِنها إذا حَصَلَ عِنْدَهُ وطالَ لَبْثُهُ، والإيمانُ كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُ حُسْنًا، ولَكِنْ مَن كانَتْ عِبادَتُهُ أكْثَرَ وتَحَمُّلُهُ لِمَشاقِّ التَّكْلِيفِ أتَمَّ، تَكُونُ العِبادَةُ والتَّكالِيفُ عِنْدَهُ ألَذَّ وأكْمَلَ؛ ولِهَذا قالَ في الأوَّلِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ﴾ وقالَ ثانِيًا: ﴿وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ ثُمَّ أقامَهُ في قُلُوبِهِمْ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهي الكُفْرُ والفُسُوقُ والعِصْيانُ ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ في مُقابَلَةِ الإيمانِ الكامِلِ؛ لِأنَّ الإيمانَ الكامِلَ المُزَيَّنَ هو أنْ يَجْمَعَ التَّصْدِيقَ بِالجَنانِ والإقْرارَ بِاللِّسانِ والعَمَلَ بِالأرْكانِ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ وهو التَّكْذِيبُ في مُقابَلَةِ التَّصْدِيقِ بِالجَنانِ، والفُسُوقُ هو الكَذِبُ.
وثانِيها: هو ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ سَمّى مَن كَذَبَ فاسِقًا، فَيَكُونُ الكَذِبُ فُسُوقًا.
ثالِثُها: ما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١] فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفُسُوقَ أمْرٌ قَوْلِيٌّ لِاقْتِرانِهِ بِالِاسْمِ، وسَنُبَيِّنُ تَفْسِيرَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ورابِعُها: وجْهٌ مَعْقُولٌ وهو أنَّ الفُسُوقَ هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ عَلى ما عُلِمَ في قَوْلِ القائِلِ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خَرَجَتْ، وغَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفُسُوقَ هو الخُرُوجُ، زِيدَ في الِاسْتِعْمالِ كَوْنُهُ الخُرُوجَ عَنِ الطّاعَةِ، لَكِنَّ الخُرُوجَ لا يَكُونُ لَهُ ظُهُورٌ بِالأمْرِ القَلْبِيِّ، إذْ لا اطِّلاعَ عَلى ما في القُلُوبِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى، ولا يَظْهَرُ بِالأفْعالِ لِأنَّ الأمْرَ قَدْ يُتْرَكُ إمّا لِنِسْيانٍ أوْ سَهْوٍ، فَلا يُعْلَمُ حالُ التّارِكِ والمُرْتَكِبِ أنَّهُ مُخْطِئٌ أوْ مُتَعَمِّدٌ، وأمّا الكَلامُ فَإنَّهُ حُصُولُ العِلْمِ بِما عَلَيْهِ حالُ المُتَكَلِّمِ، فالدُّخُولُ في الإيمانِ والخُرُوجُ مِنهُ يَظْهَرُ بِالكَلامِ، فَتَخْصِيصُ الفُسُوقِ بِالأمْرِ القَوْلِي أقْرَبُ، وأمّا العِصْيانُ فَتَرْكُ الأمْرِ وهو بِالفِعْلِ ألْيَقُ، فَإذا عُلِمَ هَذا فَفِيهِ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وهو أنَّهُ تَعالى كَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ، وهو الأمْرُ الأعْظَمُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والفُسُوقَ﴾ يَعْنِي ما يُظْهِرُ لِسانُكم أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿والعِصْيانَ﴾ وهو دُونَ الكُلِّ، ولَمْ يَتْرُكْ عَلَيْكُمُ الأمْرَ الأدْنى وهو العِصْيانُ، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: الكُفْرُ ظاهِرٌ والفُسُوقُ هو الكَبِيرَةُ، والعِصْيانُ هو الصَّغِيرَةُ، وما ذَكَرْناهُ أقْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ .
صفحة ١٠٨
خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى في أوَّلِ الأمْرِ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ هو مُرْشِدٌ لَكم، فَخِطابُ المُؤْمِنِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى شَفَقَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ في الأوَّلِ: كَفى النَّبِيُّ مُرْشِدًا لَكم ما تَسْتَرْشِدُونَهُ، فَأشْفَقَ عَلَيْهِمْ وأرْشَدَهم، وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿الرّاشِدُونَ﴾ أيِ المُوافِقُونَ لِلرُّشْدِ يَأْخُذُونَ ما يَأْتِيهِمْ ويَنْتَهُونَ عَمّا يَنْهاهم.
الحجرات 49:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نَصَبَ فَضْلًا لِأجْلِ أُمُورٍ، إمّا لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العامِلَ فِيهِ هو الفِعْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الرّاشِدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَضْلُ اللَّهِ الَّذِي هو فِعْلُ اللَّهِ مَفْعُولًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّشْدِ الَّذِي هو فِعْلُ العَبْدِ ؟ نَقُولُ: لَمّا كانَ الرُّشْدُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ كانَ كَأنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أرْشَدَهم فَضْلًا، أيْ يَكُونُ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ مُنْعِمًا في حَقِّهِمْ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ العامِلَ فِيهِ هو قَوْلُهُ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ فَضْلًا، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ جُمْلَةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ يَكُونُ العامِلُ فِعْلًا مُقَدَّرًا، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: جَرى ذَلِكَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن غَيْرِ اللَّفْظِ؛ ولِأنَّ الرُّشْدَ فَضْلٌ فَكَأنَّهُ قالَ: أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ رُشْدًا.
وثانِيهُما: هو أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وكَرَّهَ إلَيْكُمِ الكُفْرَ، فَأفْضَلَ فَضْلًا وأنْعَمَ نِعْمَةً، والقَوْلُ بِكَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وهو المَصْدَرُ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَضْلًا مَفْعُولًا بِهِ، والفِعْلُ مُضْمَرًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ أيْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَضْلِ والنِّعْمَةِ في الآيَةِ ؟ نَقُولُ: فَضْلُ اللَّهِ إشارَةٌ إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ وهو مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، والنِّعْمَةُ إشارَةٌ إلى ما يَصِلُ إلى العَبْدِ وهو مُحْتاجٌ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الفَضْلَ في الأصْلِ يُنْبِئُ عَنِ الزِّيادَةِ، وعِنْدَهُ خَزائِنُ مِنَ الرَّحْمَةِ لا لِحاجَةٍ إلَيْها، ويُرْسِلُ مِنها عَلى عِبادِهِ ما لا يَبْقَوْنَ مَعَهُ في ورْطَةِ الحاجَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والنِّعْمَةُ تُنْبِئُ عَنِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، وهو مِن جانِبِ العَبْدِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو تَأْكِيدُ الإعْطاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُحْتاجَ يَقُولُ لِلْغَنِيِّ: أعْطِنِي ما فَضَلَ عَنْكَ وعِنْدَكَ، وذَلِكَ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ وأنابَهُ قِيامِي وبَقائِي، فَإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما هو مِن جانِبِ اللَّهِ الغَنِيِّ، والنِّعْمَةُ إشارَةٌ إلى ما هو مِن جانِبِ العَبْدِ مِنِ انْدِفاعِ الحاجَةِ، وهَذا مِمّا يُؤَكِّدُ قَوْلَنا: فَضْلًا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وهو الِابْتِغاءُ والطَّلَبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَتْمُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فِيهِ مُناسَباتٌ عِدَّةٌ ”مِنها“ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ نَبَأ الفاسِقِ، قالَ: إنْ يَشْتَبِهْ عَلى المُؤْمِنِ كَذِبُ الفاسِقِ فَلا تَعْتَمِدُوا عَلى تَرْوِيجَهِ عَلَيْكُمُ الزُّورَ، فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ، ولا تَقُولُوا كَما كانَ عادَةُ المُنافِقِ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ، فَإنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ.
وثانِيها: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ بِمَعْنى لا يُطِيعُكم، بَلْ يَتَّبِعُ الوَحْيَ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ مَن كَوْنِهِ عَلِيمًا يُعْلِمُهُ، ومَن كَوْنِهِ حَكِيمًا يَأْمُرُهُ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فاتَّبِعُوهُ. ثالِثُها: المُناسَبَةُ الَّتِي بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ أيْ حَبَّبَ بِعِلْمِهِ الإيمانَ لِأهْلِ الإيمانِ، واخْتارَ لَهُ مَن يَشاءُ بِحِكْمَتِهِ. رابِعُها: وهو الأقْرَبُ، وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ ولَمّا كانَ الفَضْلُ هو ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَيْرِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، قالَ تَعالى: هو عَلِيمٌ بِما في خَزائِنِ رَحْمَتِهِ مِنَ الخَيْرِ، وكانَتِ النِّعْمَةُ
صفحة ١٠٩
هُوَ ما يَدْفَعُ بِهِ حاجَةَ العَبْدِ، قالَ: هو حَكِيمٌ يُنَزِّلُ الخَيْرَ بِقَدْرِ ما يَشاءُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.
الحجرات 49:9
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ .
لَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ النَّبَأِ الصّادِرِ مِنَ الفاسِقِ، أشارَ إلى ما يَلْزَمُ مِنهُ اسْتِدْراكًا لِما يَفُوتُ، فَقالَ: فَإنِ اتَّفَقَ أنَّكم تَبْنُونَ عَلى قَوْلِ مَن يُوقِعُ بَيْنَكم، وآلَ الأمْرُ إلى اقْتِتالِ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأزِيلُوا ما أثْبَتَهُ ذَلِكَ الفاسِقُ وأصْلِحُوا بَيْنَهُما ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ أيِ الظّالِمُ يَجِبُ عَلَيْكم دَفْعُهُ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ الظّالِمَ إنْ كانَ هو الرَّعِيَّةَ، فالواجِبُ عَلى الأمِيرِ دَفْعُهم، وإنْ كانَ هو الأمِيرَ فالواجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ مَنعُهُ بِالنَّصِيحَةِ فَما فَوْقَها، وشَرْطُهُ أنْ لا يُثِيرَ فِتْنَةً مِثْلَ الَّتِي في اقْتِتالِ الطّائِفَتَيْنِ أوْ أشَدَّ مِنها، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: (وإنْ) إشارَةٌ إلى نُدْرَةِ وُقُوعِ القِتالِ بَيْنَ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَرى أكْثَرَ الِاقْتِتالِ بَيْنَ طَوائِفِهِمْ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: (وإنْ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ إلّا نادِرًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ما يَنْبَغِي، وكَذَلِكَ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مَجِيءَ الفاسِقِ بِالنَّبَأِ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ قَلِيلًا، مَعَ أنَّ مَجِيءَ الفاسِقِ بِالنَّبَأِ كَثِيرٌ، وقَوْلُ الفاسِقِ صارَ عِنْدَ أُولِي الأمْرِ أشَدَّ قَبُولًا مِن قَوْلِ الصّادِقِ الصّالِحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنْ فِرْقَتانِ تَحْقِيقًا لِلْمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو التَّقْلِيلُ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ دُونَ الفِرْقَةِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: (مِنَ المُؤْمِنِينَ) ولَمْ يَقُلْ مِنكم، مَعَ أنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ لِسَبْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ذَلِكَ وتَبْعِيدًا لَهم عَنْهم، كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنْ رَأيْتَ أحَدًا مِن غِلْمانِي يَفْعَلُ كَذا فامْنَعْهُ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مانِعًا لِلْمُخاطَبِ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِالطَّرِيقِ الحَسَنِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أنْتَ حاشاكَ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ، فَإنْ فَعَلَ غَيْرُكَ فامْنَعْهُ، كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنكم لِما ذَكَرْنا مِنَ التَّنْبِيهِ مَعَ أنَّ المَعْنى واحِدٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنِ اقْتَتَلَ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ اتِّصالُها بِالفِعْلِ أوْلى، وذَلِكَ لِيَكُونَ الِابْتِداءُ بِما يَمْنَعُ مِنَ القِتالِ، فَيَتَأكَّدُ مَعْنى النَّكِرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكَلِمَةِ ”إنْ“ وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُما طائِفَتَيْنِ مُؤْمِنَتَيْنِ يَقْتَضِي أنْ لا يَقَعَ القِتالُ مِنهُما، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ فاسْقٌ جاءَكم، أوْ إنْ أحَدٌ مِنَ الفُسّاقِ جاءَكم، لِيَكُونَ الِابْتِداءُ بِما يَمْنَعُهم
صفحة ١١٠
مِنَ الإصْغاءِ إلى كَلامِهِ، وهو كَوْنُهُ فاسِقًا ؟ نَقُولُ: المَجِيءُ بِالنَّبَأِ الكاذِبِ يُورِثُ كَوْنَ الإنْسانِ فاسِقًا، أوْ يَزْدادُ بِسَبَبِهِ فِسْقُهُ، فالمَجِيءُ بِهِ سَبَبُ الفِسْقِ فَقَدَّمَهُ. وأمّا الِاقْتِتالُ فَلا يَقَعُ سَبَبًا لِلْإيمانِ أوِ الزِّيادَةِ، فَقالَ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ﴾ أيْ سَواءٌ كانَ فاسِقًا أوْ لا، أوْ جاءَكم بِالنَّبَأِ فَصارَ فاسِقًا بِهِ، ولَوْ قالَ: وإنْ أحَدٌ مِنَ الفُسّاقِ جاءَكم، كانَ لا يَتَناوَلُ إلّا مَشْهُورَ الفِسْقِ قَبْلَ المَجِيءِ إذا جاءَهم بِالنَّبَأِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ تَعالى: (اقْتَتَلُوا) ولَمْ يَقُلْ: يَقْتَتِلُوا؛ لِأنَّ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ تُنْبِئُ عَنِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنْ تَمادى الِاقْتِتالُ بَيْنَهُما فَأصْلِحُوا، وهَذا لِأنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ تُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، يُقالُ: فُلانٌ يَتَهَجَّدُ ويَصُومُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ: (اقْتَتَلُوا) ولَمْ يَقُلْ: اقْتَتَلا، وقالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَيْنَهم، ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الِاقْتِتالِ تَكُونُ الفِتْنَةُ قائِمَةً، وكُلُّ أحَدٍ بِرَأْسِهِ يَكُونُ فاعِلًا فِعْلًا، فَقالَ: (اقْتَتَلُوا) وعِنْدَ العَوْدِ إلى الصُّلْحِ تَتَّفِقُ كَلِمَةُ كُلِّ طائِفَةٍ، وإلّا لَمْ يَكُنْ يَتَحَقَّقُ الصُّلْحُ فَقالَ: (بَيْنِهِما) لِكَوْنِ الطّائِفَتَيْنِ حِينَئِذٍ كَنَفْسَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما﴾ إشارَةً إلى نادِرَةٍ أُخْرى وهي البَغْيُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ في هَذا المَوْضِعِ كَلِمَةُ ”إنْ“ مَعَ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في الشَّرْطِ الَّذِي لا يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ، وبَغْيُ أحَدِهِما عِنْدَ الِاقْتِتالِ لا بُدَّ مِنهُ، إذْ كَلُّ واحِدٍ مِنهُما لا يَكُونُ مُحْسِنًا، فَقَوْلُهُ: (أنْ) تَكُونُ مِن قَبِيلِ قَوْلِ القائِلِ: إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، نَقُولُ: فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: الِاقْتِتالُ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ لا يَكُونُ إلّا نادِرَ الوُقُوعِ، وهو كَما تَظُنُّ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّ الأُخْرى فِيها الكُفْرُ والفَسادُ، فالقِتالُ واجِبٌ كَما سَبَقَ في اللَّيالِي المُظْلِمَةِ، أوْ يَقَعُ لِكُلِّ واحِدٍ أنَّ القِتالَ جائِزٌ بِالِاجْتِهادِ، وهو خَطَأٌ، فَقالَ تَعالى: الِاقْتِتالُ لا يَقَعُ إلّا كَذا، فَإنْ بانَ لَهُما أوْ لِأحَدِهِما الخَطَأُ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ فَهو نادِرٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ قَدْ بَغى فَقالَ: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ يَعْنِي بَعْدَ اسْتِبانَةِ الأمْرِ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ النُّدْرَةَ وقِلَّةَ الوُقُوعِ، وفِيهِ أيْضًا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ: ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ تَبْغِ لِما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: (اقْتَتَلُوا) ولَمْ يَقُلْ: يَقْتَتِلُوا.
الثّانِي: قالَ: ﴿حَتّى تَفِيءَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ القِتالَ لَيْسَ جَزاءً لِلْباغِي، كَحَدِّ الشُّرْبِ الَّذِي يُقامُ وإنْ تَرَكَ الشُّرْبَ، بَلِ القِتالُ إلى حَدِّ الفَيْئَةِ، فَإنْ فاءَتِ الفِئَةُ الباغِيَةُ حَرُمَ قِتالُهم.
الثّالِثُ: هَذا القِتالُ لِدَفْعِ الصّائِلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الفَيْئَةُ مِن إحْداهُما، فَإنْ حَصَلَتْ مِنَ الأُخْرى لا يُوجَدُ البَغْيُ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَّ القِتالُ.
الرّابِعُ: هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ بِالكَبِيرَةِ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ الباغِيَ جَعَلَهُ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وسَمّاهُما مُؤْمِنِينَ.
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: إلى طاعَةِ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
وثانِيها: إلى أمْرِ اللَّهِ، أيْ إلى الصُّلْحِ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] .
ثالِثُها: إلى أمْرِ اللَّهِ بِالتَّقْوى، فَإنَّ مَن خافَ اللَّهَ حَقَّ الخَوْفِ لا يَبْقى لَهُ عَداوَةٌ إلّا مَعَ الشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .
السّادِسُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: قَدْ ذَكَرْتُمْ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الشَّرْطِ غَيْرَ مُتَوَقَّعِ الوُقُوعِ، وقُلْتُمْ بِأنَّ القِتالَ والبَغْيَ مِنَ المُؤْمِنِ نادِرٌ، فَإذَنْ تَكُونُ الفَيْئَةُ مُتَوَقَّعَةً، فَكَيْفَ قالَ: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ [الحجرات: ٩] ؟ نَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ لِعَبْدِهِ: إنْ مِتُّ فَأنْتَ حُرٌّ، مَعَ أنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ وُقُوعُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ العَبْدُ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ بِأنْ يَكُونَ باقِيًا في مِلْكِهِ حَيًّا يَعِيشُ بَعْدَ وفاتِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا كانَ الواقِعُ فَيْئَتَهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ
صفحة ١١١
فَلَمّا لَمْ يَقَعْ دَلَّ عَلى تَأْكِيدِ الأخْذِ بَيْنَهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ بِقِتالِكم إيّاهم بَعْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ والتِحامِ الحَرْبِ فَأصْلِحُوا، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى أنَّ مَن لَمْ يَخَفِ اللَّهَ وبَغى لا يَكُونُ رُجُوعُهُ بِقِتالِكم إلّا جَبْرًا.
السّابِعُ: قالَ هَهُنا: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ العَدْلَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا﴾ نَقُولُ: لِأنَّ الإصْلاحَ هُناكَ بِإزالَةِ الِاقْتِتالِ نَفْسِهِ وذَلِكَ يَكُونُ بِالنَّصِيحَةِ أوِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ والتَّعْذِيبِ، والإصْلاحُ هَهُنا بِإزالَةِ آثارِ القَتْلِ بَعْدَ انْدِفاعِهِ مِن ضَمانِ المُتْلَفاتِ وهو حُكْمٌ، فَقالَ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: واحْكُمُوا بَيْنَهُما بَعْدَ تَرْكِهِما القِتالَ بِالحَقِّ وأصْلِحُوا بِالعَدْلِ مِمّا يَكُونُ بَيْنَهُما؛ لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى ثَوَرانِ الفِتْنَةِ بَيْنَهُما مَرَّةً أُخْرى.
الثّامِنُ: إذا قالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ فَأيَّةُ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ كانَ فِيهِ تَخْصِيصٌ بِحالٍ دُونَ حالٍ، فَعَمَّمَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ أيْ في كُلِّ أمْرٍ مُفْضٍ إلى أشْرَفِ دَرَجَةٍ وأرْفَعِ مَنزِلَةٍ وهي مَحَبَّةُ اللَّهِ، والإقْساطُ إزالَةُ القِسْطِ وهو الجَوْرُ، والقاسِطُ هو الجائِرُ، والتَّرْكِيبُ دالٌّ عَلى كَوْنِ الأمْرِ غَيْرَ مَرْضِيٍّ مِنَ القِسْطِ والقاسِطِ في القَلْبِ، وهو أيْضًا غَيْرُ مَرْضِيٍّ ولا مُعْتَدٍّ بِهِ، فَكَذَلِكَ القِسْطُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ تَتْمِيمًا لِلْإرْشادِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ كانَ لِظانٍّ أنْ يَظُنَّ أوْ لِمُتَوَهِّمٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلافِ قَوْمٍ، فَأمّا إذا كانَ الِاقْتِتالُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَلا تَعُمُّ المَفْسَدَةُ فَلا يُؤْمَرُ بِالإصْلاحِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ هُناكَ عِنْدَ الِاقْتِتالِ، وأمّا إذا كانَ دُونَ الِاقْتِتالِ كالتَّشاتُمِ والتَّسافُهِ، فَلا يَجِبُ الإصْلاحُ، فَقالَ: ﴿بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ وإنْ لَمْ تَكُنِ الفِتْنَةُ عامَّةً وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ عَظِيمًا كالقِتالِ، بَلْ لَوْ كانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ أدْنى اخْتِلافٍ فاسْعَوْا في الإصْلاحِ.
* * *
وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الإخْوَةُ جَمْعُ الأخِ مِنَ النَّسَبِ، والإخْوانُ جَمْعُ الأخِ مِنَ الصَّداقَةِ، فاللَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وإشارَةً إلى أنَّ ما بَيْنَهم ما بَيْنَ الأُخُوَّةِ مِنَ النَّسَبِ والإسْلامِ كالأبِ، قالَ قائِلُهم:
أبِي الإسْلامُ لا أبَ [ لِي ] سِواهُ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أوْ تَمِيمِ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عِنْدَ إصْلاحِ الفَرِيقَيْنِ والطّائِفَتَيْنِ لَمْ يَقُلْ: اتَّقُوا، وقالَ هَهُنا: (اتَّقُوا) مَعَ أنَّ ذَلِكَ أهَمُّ ؟ نَقُولُ: الفائِدَةُ هو أنَّ الِاقْتِتالَ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ يُفْضِي إلى أنْ تَعُمَّ المَفْسَدَةُ، ويَلْحَقَ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنها شَيْءٌ، وكُلٌّ يَسْعى في الإصْلاحِ لِأمْرِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُؤَكِّدْ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى، وأمّا عِنْدُ تَخاصُمِ رَجُلَيْنِ لا يَخافُ النّاسُ ذَلِكَ، ورُبَّما يُرِيدُ بَعْضُهم تَأكُّدَ الخِصامِ بَيْنَ الخُصُومِ لِغَرَضٍ فاسِدٍ، فَقالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أوْ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْلِحُوا﴾ إشارَةٌ إلى الصُّلْحِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) إشارَةٌ إلى ما يَصُونُهم عَنِ التَّشاجُرِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ شَغَلَهُ تَقْواهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ؛ ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«المُسْلِمُ مَن سَلِمَ النّاسُ مِن لِسانِهِ و[ يَدِهِ» ]“ لِأنَّ المُسْلِمَ يَكُونُ مُنْقادًا لِأمْرِ اللَّهِ مُقْبِلًا عَلى عِبادِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النّاسِ، ويَمْنَعُهُ أنْ يُرْهِبَ الأخَ المُؤْمِنَ، وإلَيْهِ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«المُؤْمِنُ مَن يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» “ يَعْنِي اتَّقِ اللَّهَ فَلا تَتَفَرَّغْ لِغَيْرِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (إنَّما) لِلْحَصْرِ أيْ لا أُخُوَّةَ إلّا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَلا؛ لِأنَّ الإسْلامَ هو الجامِعُ؛ ولِهَذا إذا ماتَ المُسْلِمُ ولَهُ أخٌ كافِرٌ يَكُونُ مالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا يَكُونُ لِأخِيهِ الكافِرِ، وأمّا الكافِرُ
صفحة ١١٢
فَكَذَلِكَ لِأنَّ في النَّسَبِ المُعْتَبَرَ الأبُ الَّذِي هو أبٌ شَرْعًا، حَتّى أنَّ ولَدَيِ الزِّنا مِن رَجُلٍ واحِدٍ لا يَرِثُ أحَدُهُما الآخَرُ، فَكَذَلِكَ الكُفْرُ كالجامِعِ الفاسِدِ فَهو كالجامِعِ العاجِزِ لا يُفِيدُ الأُخُوَّةَ؛ ولِهَذا مَن ماتَ مِنَ الكُفْرِ ولَهُ أخٌ مُسْلِمٌ ولا وارِثَ لَهُ مِنَ النَّسَبِ لا يُجْعَلُ مالُهُ لِلْكُفّارِ، ولَوْ كانَ الدِّينُ يَجْمَعُهم لَكانَ مالُ الكافِرِ لِلْكُفّارِ، كَما أنَّ مالَ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ الأُخُوَّةَ لِلْإسْلامِ أقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ، بِدَلِيلِ أنَّ المُسْلِمَ يَرِثُهُ المُسْلِمُونَ ولا يَرِثُهُ الأخُ الكافِرُ مِنَ النَّسَبِ، فَلِمَ لَمْ يُقَدِّمُوا الأُخُوَّةَ الإسْلامِيَّةَ عَلى الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ مُطْلَقًا حَتّى يَكُونَ مالُ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ لا لِإخْوَتِهِ مِنَ النَّسَبِ ؟ نَقُولُ: هَذا سُؤالٌ فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأخَ المُسْلِمَ إذا كانَ أخًا مِنَ النَّسَبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ أخُوَّتانِ فَصارَ أقْوى، والعُصُوبَةُ لِمَن لَهُ القُوَّةُ، ألا تَرى أنَّ الأخَ مِنَ الأبَوَيْنِ يَرِثُ ولا يَرِثُ الأخُ مِنَ الأبِ مَعَهُ فَكَذَلِكَ الأخُ المُسْلِمُ مِنَ النَّسَبِ لَهُ أخُوَّتانِ فَيُقَدَّمُ عَلى سائِرِ المُسْلِمِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ النُّحاةُ: ”ما“ في هَذا المَوْضِعِ كافَّةٌ، تَكُفُّ ”إنَّ“ عَنِ العَمَلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: إنَّما المُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] لَيْسَتْ كافَّةً. والسُّؤالُ الأقْوى هو أنَّ رُبَّ مِن حُرُوفِ الجَرِّ والباءَ وعَنْ كَذَلِكَ، و”ما“ في ”رُبَّ“ كافَّةٌ، وفي ”عَمّا“ و”بِما“ لَيْسَتْ كافَّةً، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ الكَلامَ بَعْدَ رُبَّما، وإنَّما يَكُونُ تامًّا، ويُمْكِنُ جَعْلُهُ مُسْتَقِلًّا، ولَوْ حَذَفَ ”رُبَّما“ و”إنَّما“ لَما ضَرَّ، فَنَقُولُ: رُبَّما قامَ الأمِيرُ ورُبَّما زِيدٌ في الدّارِ، ولَوْ حَذَفْتَ ”رُبَّما“ وقُلْتَ: زِيدٌ في الدّارِ وقامَ الأمِيرُ لَصَحَّ، وكَذَلِكَ في ”إنَّما“ و”لَكِنَّما“ . وأمّا ”عَمّا“ و”بِما“ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] لَوْ أذْهَبْتَ ”بِما“ وقُلْتَ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، لَما كانَ كَلامًا، فالباءُ يُعَدُّ تَعَلُّقُها بِما يُحْتاجُ إلَيْها فَهي باقِيَةٌ حَقِيقَةً، و”لَكِنَّما“ و”إنَّما“ و”رُبَّما“ لَمّا اسْتُغْنِيَ عَنْها فَكَأنَّها لَمْ يَبْقَ حُكْمُها ولا عَمَلَ لِلْمَعْدُومِ، فَإنْ قِيلَ: ”إنَّ“ إذا لَمْ تُكَفَّ بِ ”ما“ فَما بَعْدَهُ كَلامٌ تامٌّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ولَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ قائِمٌ لَكَفى وتَمَّ ؟ نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ جازَ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً، تَقُولُ: إنَّ رَجُلًا جاءَنِي وأخْبَرَنِي بِكَذا وأخْبَرَنِي بِعَكْسِهِ، وتَقُولُ: جاءَنِي رَجُلٌ وأخْبَرَنِي، ولا يَحْسُنُ إنَّما رَجُلٌ جاءَنِي كَما لَوْ لَمْ تَكُنْ هُناكَ إنَّما، وكَذَلِكَ القَوْلُ في بَيْنَما وأيْنَما فَإنَّكَ لَوْ حَذَفْتَهُما واقْتَصَرْتَ عَلى ما يَكُونُ بَعْدَهُما لا يَكُونُ تامًّا، فَلَمْ يُكَفَّ، والكَلامُ في لَعَلَّ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
الحجرات 49:10
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ .
لَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ النَّبَأِ الصّادِرِ مِنَ الفاسِقِ، أشارَ إلى ما يَلْزَمُ مِنهُ اسْتِدْراكًا لِما يَفُوتُ، فَقالَ: فَإنِ اتَّفَقَ أنَّكم تَبْنُونَ عَلى قَوْلِ مَن يُوقِعُ بَيْنَكم، وآلَ الأمْرُ إلى اقْتِتالِ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأزِيلُوا ما أثْبَتَهُ ذَلِكَ الفاسِقُ وأصْلِحُوا بَيْنَهُما ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ أيِ الظّالِمُ يَجِبُ عَلَيْكم دَفْعُهُ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ الظّالِمَ إنْ كانَ هو الرَّعِيَّةَ، فالواجِبُ عَلى الأمِيرِ دَفْعُهم، وإنْ كانَ هو الأمِيرَ فالواجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ مَنعُهُ بِالنَّصِيحَةِ فَما فَوْقَها، وشَرْطُهُ أنْ لا يُثِيرَ فِتْنَةً مِثْلَ الَّتِي في اقْتِتالِ الطّائِفَتَيْنِ أوْ أشَدَّ مِنها، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: (وإنْ) إشارَةٌ إلى نُدْرَةِ وُقُوعِ القِتالِ بَيْنَ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَرى أكْثَرَ الِاقْتِتالِ بَيْنَ طَوائِفِهِمْ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: (وإنْ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ إلّا نادِرًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ما يَنْبَغِي، وكَذَلِكَ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مَجِيءَ الفاسِقِ بِالنَّبَأِ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ قَلِيلًا، مَعَ أنَّ مَجِيءَ الفاسِقِ بِالنَّبَأِ كَثِيرٌ، وقَوْلُ الفاسِقِ صارَ عِنْدَ أُولِي الأمْرِ أشَدَّ قَبُولًا مِن قَوْلِ الصّادِقِ الصّالِحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنْ فِرْقَتانِ تَحْقِيقًا لِلْمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو التَّقْلِيلُ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ دُونَ الفِرْقَةِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: (مِنَ المُؤْمِنِينَ) ولَمْ يَقُلْ مِنكم، مَعَ أنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ لِسَبْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ذَلِكَ وتَبْعِيدًا لَهم عَنْهم، كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنْ رَأيْتَ أحَدًا مِن غِلْمانِي يَفْعَلُ كَذا فامْنَعْهُ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مانِعًا لِلْمُخاطَبِ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِالطَّرِيقِ الحَسَنِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أنْتَ حاشاكَ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ، فَإنْ فَعَلَ غَيْرُكَ فامْنَعْهُ، كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنكم لِما ذَكَرْنا مِنَ التَّنْبِيهِ مَعَ أنَّ المَعْنى واحِدٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنِ اقْتَتَلَ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ اتِّصالُها بِالفِعْلِ أوْلى، وذَلِكَ لِيَكُونَ الِابْتِداءُ بِما يَمْنَعُ مِنَ القِتالِ، فَيَتَأكَّدُ مَعْنى النَّكِرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكَلِمَةِ ”إنْ“ وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُما طائِفَتَيْنِ مُؤْمِنَتَيْنِ يَقْتَضِي أنْ لا يَقَعَ القِتالُ مِنهُما، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ فاسْقٌ جاءَكم، أوْ إنْ أحَدٌ مِنَ الفُسّاقِ جاءَكم، لِيَكُونَ الِابْتِداءُ بِما يَمْنَعُهم
صفحة ١١٠
مِنَ الإصْغاءِ إلى كَلامِهِ، وهو كَوْنُهُ فاسِقًا ؟ نَقُولُ: المَجِيءُ بِالنَّبَأِ الكاذِبِ يُورِثُ كَوْنَ الإنْسانِ فاسِقًا، أوْ يَزْدادُ بِسَبَبِهِ فِسْقُهُ، فالمَجِيءُ بِهِ سَبَبُ الفِسْقِ فَقَدَّمَهُ. وأمّا الِاقْتِتالُ فَلا يَقَعُ سَبَبًا لِلْإيمانِ أوِ الزِّيادَةِ، فَقالَ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ﴾ أيْ سَواءٌ كانَ فاسِقًا أوْ لا، أوْ جاءَكم بِالنَّبَأِ فَصارَ فاسِقًا بِهِ، ولَوْ قالَ: وإنْ أحَدٌ مِنَ الفُسّاقِ جاءَكم، كانَ لا يَتَناوَلُ إلّا مَشْهُورَ الفِسْقِ قَبْلَ المَجِيءِ إذا جاءَهم بِالنَّبَأِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ تَعالى: (اقْتَتَلُوا) ولَمْ يَقُلْ: يَقْتَتِلُوا؛ لِأنَّ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ تُنْبِئُ عَنِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنْ تَمادى الِاقْتِتالُ بَيْنَهُما فَأصْلِحُوا، وهَذا لِأنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ تُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، يُقالُ: فُلانٌ يَتَهَجَّدُ ويَصُومُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ: (اقْتَتَلُوا) ولَمْ يَقُلْ: اقْتَتَلا، وقالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَيْنَهم، ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الِاقْتِتالِ تَكُونُ الفِتْنَةُ قائِمَةً، وكُلُّ أحَدٍ بِرَأْسِهِ يَكُونُ فاعِلًا فِعْلًا، فَقالَ: (اقْتَتَلُوا) وعِنْدَ العَوْدِ إلى الصُّلْحِ تَتَّفِقُ كَلِمَةُ كُلِّ طائِفَةٍ، وإلّا لَمْ يَكُنْ يَتَحَقَّقُ الصُّلْحُ فَقالَ: (بَيْنِهِما) لِكَوْنِ الطّائِفَتَيْنِ حِينَئِذٍ كَنَفْسَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما﴾ إشارَةً إلى نادِرَةٍ أُخْرى وهي البَغْيُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ في هَذا المَوْضِعِ كَلِمَةُ ”إنْ“ مَعَ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في الشَّرْطِ الَّذِي لا يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ، وبَغْيُ أحَدِهِما عِنْدَ الِاقْتِتالِ لا بُدَّ مِنهُ، إذْ كَلُّ واحِدٍ مِنهُما لا يَكُونُ مُحْسِنًا، فَقَوْلُهُ: (أنْ) تَكُونُ مِن قَبِيلِ قَوْلِ القائِلِ: إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، نَقُولُ: فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: الِاقْتِتالُ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ لا يَكُونُ إلّا نادِرَ الوُقُوعِ، وهو كَما تَظُنُّ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّ الأُخْرى فِيها الكُفْرُ والفَسادُ، فالقِتالُ واجِبٌ كَما سَبَقَ في اللَّيالِي المُظْلِمَةِ، أوْ يَقَعُ لِكُلِّ واحِدٍ أنَّ القِتالَ جائِزٌ بِالِاجْتِهادِ، وهو خَطَأٌ، فَقالَ تَعالى: الِاقْتِتالُ لا يَقَعُ إلّا كَذا، فَإنْ بانَ لَهُما أوْ لِأحَدِهِما الخَطَأُ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ فَهو نادِرٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ قَدْ بَغى فَقالَ: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ يَعْنِي بَعْدَ اسْتِبانَةِ الأمْرِ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ النُّدْرَةَ وقِلَّةَ الوُقُوعِ، وفِيهِ أيْضًا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ: ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ تَبْغِ لِما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: (اقْتَتَلُوا) ولَمْ يَقُلْ: يَقْتَتِلُوا.
الثّانِي: قالَ: ﴿حَتّى تَفِيءَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ القِتالَ لَيْسَ جَزاءً لِلْباغِي، كَحَدِّ الشُّرْبِ الَّذِي يُقامُ وإنْ تَرَكَ الشُّرْبَ، بَلِ القِتالُ إلى حَدِّ الفَيْئَةِ، فَإنْ فاءَتِ الفِئَةُ الباغِيَةُ حَرُمَ قِتالُهم.
الثّالِثُ: هَذا القِتالُ لِدَفْعِ الصّائِلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الفَيْئَةُ مِن إحْداهُما، فَإنْ حَصَلَتْ مِنَ الأُخْرى لا يُوجَدُ البَغْيُ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَّ القِتالُ.
الرّابِعُ: هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ بِالكَبِيرَةِ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ الباغِيَ جَعَلَهُ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وسَمّاهُما مُؤْمِنِينَ.
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: إلى طاعَةِ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
وثانِيها: إلى أمْرِ اللَّهِ، أيْ إلى الصُّلْحِ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] .
ثالِثُها: إلى أمْرِ اللَّهِ بِالتَّقْوى، فَإنَّ مَن خافَ اللَّهَ حَقَّ الخَوْفِ لا يَبْقى لَهُ عَداوَةٌ إلّا مَعَ الشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .
السّادِسُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: قَدْ ذَكَرْتُمْ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الشَّرْطِ غَيْرَ مُتَوَقَّعِ الوُقُوعِ، وقُلْتُمْ بِأنَّ القِتالَ والبَغْيَ مِنَ المُؤْمِنِ نادِرٌ، فَإذَنْ تَكُونُ الفَيْئَةُ مُتَوَقَّعَةً، فَكَيْفَ قالَ: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ [الحجرات: ٩] ؟ نَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ لِعَبْدِهِ: إنْ مِتُّ فَأنْتَ حُرٌّ، مَعَ أنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ وُقُوعُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ العَبْدُ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ بِأنْ يَكُونَ باقِيًا في مِلْكِهِ حَيًّا يَعِيشُ بَعْدَ وفاتِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا كانَ الواقِعُ فَيْئَتَهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ
صفحة ١١١
فَلَمّا لَمْ يَقَعْ دَلَّ عَلى تَأْكِيدِ الأخْذِ بَيْنَهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ بِقِتالِكم إيّاهم بَعْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ والتِحامِ الحَرْبِ فَأصْلِحُوا، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى أنَّ مَن لَمْ يَخَفِ اللَّهَ وبَغى لا يَكُونُ رُجُوعُهُ بِقِتالِكم إلّا جَبْرًا.
السّابِعُ: قالَ هَهُنا: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ العَدْلَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا﴾ نَقُولُ: لِأنَّ الإصْلاحَ هُناكَ بِإزالَةِ الِاقْتِتالِ نَفْسِهِ وذَلِكَ يَكُونُ بِالنَّصِيحَةِ أوِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ والتَّعْذِيبِ، والإصْلاحُ هَهُنا بِإزالَةِ آثارِ القَتْلِ بَعْدَ انْدِفاعِهِ مِن ضَمانِ المُتْلَفاتِ وهو حُكْمٌ، فَقالَ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: واحْكُمُوا بَيْنَهُما بَعْدَ تَرْكِهِما القِتالَ بِالحَقِّ وأصْلِحُوا بِالعَدْلِ مِمّا يَكُونُ بَيْنَهُما؛ لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى ثَوَرانِ الفِتْنَةِ بَيْنَهُما مَرَّةً أُخْرى.
الثّامِنُ: إذا قالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ فَأيَّةُ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ كانَ فِيهِ تَخْصِيصٌ بِحالٍ دُونَ حالٍ، فَعَمَّمَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ أيْ في كُلِّ أمْرٍ مُفْضٍ إلى أشْرَفِ دَرَجَةٍ وأرْفَعِ مَنزِلَةٍ وهي مَحَبَّةُ اللَّهِ، والإقْساطُ إزالَةُ القِسْطِ وهو الجَوْرُ، والقاسِطُ هو الجائِرُ، والتَّرْكِيبُ دالٌّ عَلى كَوْنِ الأمْرِ غَيْرَ مَرْضِيٍّ مِنَ القِسْطِ والقاسِطِ في القَلْبِ، وهو أيْضًا غَيْرُ مَرْضِيٍّ ولا مُعْتَدٍّ بِهِ، فَكَذَلِكَ القِسْطُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ تَتْمِيمًا لِلْإرْشادِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ كانَ لِظانٍّ أنْ يَظُنَّ أوْ لِمُتَوَهِّمٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلافِ قَوْمٍ، فَأمّا إذا كانَ الِاقْتِتالُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَلا تَعُمُّ المَفْسَدَةُ فَلا يُؤْمَرُ بِالإصْلاحِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ هُناكَ عِنْدَ الِاقْتِتالِ، وأمّا إذا كانَ دُونَ الِاقْتِتالِ كالتَّشاتُمِ والتَّسافُهِ، فَلا يَجِبُ الإصْلاحُ، فَقالَ: ﴿بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ وإنْ لَمْ تَكُنِ الفِتْنَةُ عامَّةً وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ عَظِيمًا كالقِتالِ، بَلْ لَوْ كانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ أدْنى اخْتِلافٍ فاسْعَوْا في الإصْلاحِ.
* * *
وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الإخْوَةُ جَمْعُ الأخِ مِنَ النَّسَبِ، والإخْوانُ جَمْعُ الأخِ مِنَ الصَّداقَةِ، فاللَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وإشارَةً إلى أنَّ ما بَيْنَهم ما بَيْنَ الأُخُوَّةِ مِنَ النَّسَبِ والإسْلامِ كالأبِ، قالَ قائِلُهم:
أبِي الإسْلامُ لا أبَ [ لِي ] سِواهُ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أوْ تَمِيمِ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عِنْدَ إصْلاحِ الفَرِيقَيْنِ والطّائِفَتَيْنِ لَمْ يَقُلْ: اتَّقُوا، وقالَ هَهُنا: (اتَّقُوا) مَعَ أنَّ ذَلِكَ أهَمُّ ؟ نَقُولُ: الفائِدَةُ هو أنَّ الِاقْتِتالَ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ يُفْضِي إلى أنْ تَعُمَّ المَفْسَدَةُ، ويَلْحَقَ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنها شَيْءٌ، وكُلٌّ يَسْعى في الإصْلاحِ لِأمْرِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُؤَكِّدْ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى، وأمّا عِنْدُ تَخاصُمِ رَجُلَيْنِ لا يَخافُ النّاسُ ذَلِكَ، ورُبَّما يُرِيدُ بَعْضُهم تَأكُّدَ الخِصامِ بَيْنَ الخُصُومِ لِغَرَضٍ فاسِدٍ، فَقالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أوْ نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْلِحُوا﴾ إشارَةٌ إلى الصُّلْحِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) إشارَةٌ إلى ما يَصُونُهم عَنِ التَّشاجُرِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ شَغَلَهُ تَقْواهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ؛ ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«المُسْلِمُ مَن سَلِمَ النّاسُ مِن لِسانِهِ و[ يَدِهِ» ]“ لِأنَّ المُسْلِمَ يَكُونُ مُنْقادًا لِأمْرِ اللَّهِ مُقْبِلًا عَلى عِبادِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النّاسِ، ويَمْنَعُهُ أنْ يُرْهِبَ الأخَ المُؤْمِنَ، وإلَيْهِ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«المُؤْمِنُ مَن يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» “ يَعْنِي اتَّقِ اللَّهَ فَلا تَتَفَرَّغْ لِغَيْرِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (إنَّما) لِلْحَصْرِ أيْ لا أُخُوَّةَ إلّا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَلا؛ لِأنَّ الإسْلامَ هو الجامِعُ؛ ولِهَذا إذا ماتَ المُسْلِمُ ولَهُ أخٌ كافِرٌ يَكُونُ مالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا يَكُونُ لِأخِيهِ الكافِرِ، وأمّا الكافِرُ
صفحة ١١٢
فَكَذَلِكَ لِأنَّ في النَّسَبِ المُعْتَبَرَ الأبُ الَّذِي هو أبٌ شَرْعًا، حَتّى أنَّ ولَدَيِ الزِّنا مِن رَجُلٍ واحِدٍ لا يَرِثُ أحَدُهُما الآخَرُ، فَكَذَلِكَ الكُفْرُ كالجامِعِ الفاسِدِ فَهو كالجامِعِ العاجِزِ لا يُفِيدُ الأُخُوَّةَ؛ ولِهَذا مَن ماتَ مِنَ الكُفْرِ ولَهُ أخٌ مُسْلِمٌ ولا وارِثَ لَهُ مِنَ النَّسَبِ لا يُجْعَلُ مالُهُ لِلْكُفّارِ، ولَوْ كانَ الدِّينُ يَجْمَعُهم لَكانَ مالُ الكافِرِ لِلْكُفّارِ، كَما أنَّ مالَ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ الأُخُوَّةَ لِلْإسْلامِ أقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ، بِدَلِيلِ أنَّ المُسْلِمَ يَرِثُهُ المُسْلِمُونَ ولا يَرِثُهُ الأخُ الكافِرُ مِنَ النَّسَبِ، فَلِمَ لَمْ يُقَدِّمُوا الأُخُوَّةَ الإسْلامِيَّةَ عَلى الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ مُطْلَقًا حَتّى يَكُونَ مالُ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ لا لِإخْوَتِهِ مِنَ النَّسَبِ ؟ نَقُولُ: هَذا سُؤالٌ فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأخَ المُسْلِمَ إذا كانَ أخًا مِنَ النَّسَبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ أخُوَّتانِ فَصارَ أقْوى، والعُصُوبَةُ لِمَن لَهُ القُوَّةُ، ألا تَرى أنَّ الأخَ مِنَ الأبَوَيْنِ يَرِثُ ولا يَرِثُ الأخُ مِنَ الأبِ مَعَهُ فَكَذَلِكَ الأخُ المُسْلِمُ مِنَ النَّسَبِ لَهُ أخُوَّتانِ فَيُقَدَّمُ عَلى سائِرِ المُسْلِمِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ النُّحاةُ: ”ما“ في هَذا المَوْضِعِ كافَّةٌ، تَكُفُّ ”إنَّ“ عَنِ العَمَلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: إنَّما المُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] لَيْسَتْ كافَّةً. والسُّؤالُ الأقْوى هو أنَّ رُبَّ مِن حُرُوفِ الجَرِّ والباءَ وعَنْ كَذَلِكَ، و”ما“ في ”رُبَّ“ كافَّةٌ، وفي ”عَمّا“ و”بِما“ لَيْسَتْ كافَّةً، والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو أنَّ الكَلامَ بَعْدَ رُبَّما، وإنَّما يَكُونُ تامًّا، ويُمْكِنُ جَعْلُهُ مُسْتَقِلًّا، ولَوْ حَذَفَ ”رُبَّما“ و”إنَّما“ لَما ضَرَّ، فَنَقُولُ: رُبَّما قامَ الأمِيرُ ورُبَّما زِيدٌ في الدّارِ، ولَوْ حَذَفْتَ ”رُبَّما“ وقُلْتَ: زِيدٌ في الدّارِ وقامَ الأمِيرُ لَصَحَّ، وكَذَلِكَ في ”إنَّما“ و”لَكِنَّما“ . وأمّا ”عَمّا“ و”بِما“ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] لَوْ أذْهَبْتَ ”بِما“ وقُلْتَ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، لَما كانَ كَلامًا، فالباءُ يُعَدُّ تَعَلُّقُها بِما يُحْتاجُ إلَيْها فَهي باقِيَةٌ حَقِيقَةً، و”لَكِنَّما“ و”إنَّما“ و”رُبَّما“ لَمّا اسْتُغْنِيَ عَنْها فَكَأنَّها لَمْ يَبْقَ حُكْمُها ولا عَمَلَ لِلْمَعْدُومِ، فَإنْ قِيلَ: ”إنَّ“ إذا لَمْ تُكَفَّ بِ ”ما“ فَما بَعْدَهُ كَلامٌ تامٌّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ولَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ قائِمٌ لَكَفى وتَمَّ ؟ نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ جازَ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً، تَقُولُ: إنَّ رَجُلًا جاءَنِي وأخْبَرَنِي بِكَذا وأخْبَرَنِي بِعَكْسِهِ، وتَقُولُ: جاءَنِي رَجُلٌ وأخْبَرَنِي، ولا يَحْسُنُ إنَّما رَجُلٌ جاءَنِي كَما لَوْ لَمْ تَكُنْ هُناكَ إنَّما، وكَذَلِكَ القَوْلُ في بَيْنَما وأيْنَما فَإنَّكَ لَوْ حَذَفْتَهُما واقْتَصَرْتَ عَلى ما يَكُونُ بَعْدَهُما لا يَكُونُ تامًّا، فَلَمْ يُكَفَّ، والكَلامُ في لَعَلَّ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
الحجرات 49:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ .
وقَدْ بَيَّنّا أنَّ السُّورَةَ لِلْإرْشادِ بَعْدَ إرْشادٍ، فَبَعْدَ الإرْشادِ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُ مَعَ اللَّهِ تَعالى ومَعَ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَ مَن يُخالِفُهُما ويَعْصِيهُما وهو الفاسِقُ، بَيَّنَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ،
صفحة ١١٣
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُؤْمِنَ إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا وإمّا أنْ يَكُونَ غائِبًا، فَإنْ كانَ حاضِرًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يُسْخَرَ مِنهُ ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ بِما يُنافِي التَّعْظِيمَ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، وهي: السُّخْرِيَةُ واللَّمْزُ والنَّبْزُ، فالسُّخْرِيَةُ هي أنْ لا يَنْظُرَ الإنْسانُ إلى أخِيهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ ولا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ ويُسْقِطَهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَذْكُرُ ما فِيهِ مِنَ المَعايِبِ، وهَذا كَما قالَ بَعْضُ النّاسِ: تَراهم إذا ذُكِرَ عِنْدَهم عَدُوُّهم يَقُولُونَ: هو دُونَ أنْ يُذْكَرَ، وأقَلُّ مِن أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَقالَ: لا تُحَقِّرُوا إخْوانَكم ولا تَسْتَصْغِرُوهم. الثّانِي: هو اللَّمْزُ وهو ذِكْرُ ما في الرَّجُلِ مِنَ العَيْبِ في غَيْبَتِهِ وهَذا دُونَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ ولَمْ يَرْضَ بِأنْ يَذْكُرَهُ أحَدٌ، وإنَّما جَعَلَهُ مِثْلَ المَسْخَرَةِ الَّذِي لا يُغْضَبُ لَهُ ولا عَلَيْهِ. الثّالِثُ: هو النَّبْزُ وهو دُونَ الثّانِي؛ لِأنَّ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ يُضِيفُ إلَيْهِ وصْفًا ثابِتًا فِيهِ يُوجِبُ بُغْضَهُ وحَطَّ مَنزِلَتِهِ، وأمّا النَّبْزُ فَهو مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّقَبَ الحَسَنَ والِاسْمَ المُسْتَحْسَنَ إذا وُضِعَ لِواحِدٍ وعُلِّقَ عَلَيْهِ لا يَكُونُ مَعْناهُ مَوْجُودًا، فَإنَّ مَن يُسَمّى سَعْدًا وسَعِيدًا قَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وكَذا مَن لُقِّبَ إمامَ الدِّينِ وحُسامَ الدِّينِ لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ كَذَلِكَ، وإنَّما هو عَلامَةٌ وزِينَةٌ، وكَذَلِكَ النَّبْزُ بِالمَرْوانِ، ومَرْوانُ الحِمارُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ سِمَةً ونِسْبَةً، ولا يَكُونُ اللَّفْظُ مُرادًا إذا لَمْ يُرَدْ بِهِ الوَصْفُ كَما أنَّ الأعْلامَ كَذَلِكَ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ لِمَن سُمِّيَ بِعَبْدِ اللَّهِ: أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ فَلا تَعْبُدْ غَيْرَهُ، وتُرِيدُ بِهِ وصْفَهُ لا تَكُونُ قَدْ أتَيْتَ بِاسْمِ عَلَمِهِ إشارَةً، فَقالَ: لا تَتَكَبَّرُوا فَتَسْتَحْقِرُوا إخْوانَكم وتَسْتَصْغِرُوهم بِحَيْثُ لا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ أصْلًا، وإذا نَزَلْتُمْ عَنْ هَذا مِنَ النِّعَمِ إلَيْهِمْ فَلا تَعِيبُو [ هم ] طالِبِينَ حَطَّ دَرَجَتِهِمْ والغَضَّ عَنْ مَنزِلَتِهِمْ، وإذا تَرَكْتُمُ النَّظَرَ في مَعايِبِهِمْ ووَصْفِهِمْ بِما يَعِيبُهم، فَلا تُسَمُّوهم بِما يَكْرَهُونَهُ ولا تُهَوِّلُوا، هَذا لَيْسَ بِعَيْبٍ يُذْكَرُ فِيهِ، إنَّما هو اسْمٌ يُتَلَفَّظُ بِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى بَيانِ صِفَةٍ، وذَكَرَ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ القَوْمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى جَمْعٍ مِنَ الرِّجالِ، ولا يَقَعُ عَلى النِّساءِ ولا عَلى الأطْفالِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ قائِمٌ كَصَوْمٍ جَمْعُ صائِمٍ، والقائِمُ بِالأُمُورِ هُمُ الرِّجالُ فَعَلى هَذا الأقْوامُ الرِّجالُ لا النِّساءُ.
فائِدَةٌ: وهي أنَّ عَدَمَ الِالتِفاتِ والِاسْتِحْقارِ إنَّما يَصْدُرُ في أكْثَرِ الأمْرِ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرِّجالِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ في نَفْسِها ضَعِيفَةٌ، فَإذا لَمْ يَلْتَفِتِ الرِّجالُ إلَيْها لا يَكُونُ لَها أمْرٌ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«النِّساءُ لَحْمٌ عَلى وضَمٍ إلّا ما رَدَدْتَ عَنْهُ» “ وأمّا المَرْأةُ فَلا يُوجَدُ مِنها اسْتِحْقارُ الرَّجُلِ، وعَدَمُ التِفاتِها إلَيْهِ لِاضْطِرارِها في دَفْعِ حَوائِجِها [ إلَيْهِ ]، وأمّا الرِّجالُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّسْبَةِ إلى النِّساءِ، فَيُوجَدُ فِيهِمْ هَذا النَّوْعُ مِنَ القُبْحِ، وهَذا أشْهَرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الدَّرَجَةِ العالِيَةِ الَّتِي هي نِهايَةُ المُنْكَرِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ كَسْرًا لَهُ وبُغْضًا لِنُكْرِهِ، وقالَ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ جَعَلَهم كَأنْفُسِهِمْ لَمّا نَزَلُوا دَرَجَةً رَفَعَهُمُ اللَّهُ دَرَجَةً، وفي الأوَّلِ جَعَلَ المَسْخُورَ مِنهُ خَيْرًا، وفي الثّانِي جَعَلَ المَسْخُورَ مِنهُ مَثَلًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ حِكْمَةٌ وهي أنَّهُ وجَدَ مِنهُمُ النُّكْرَ الَّذِي هو مُفْضٍ إلى الإهْمالِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ خَيْرًا مِنهم، كَما فَعَلَ إبْلِيسُ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى آدَمَ وقالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦] فَصارَ هو خَيْرًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (أنْ يَكُونُوا) يَصِيرُوا فَإنَّ مَنِ اسْتَحْقَرَ إنْسانًا لِفَقْرِهِ أوْ وحْدَتِهِ أوْ ضَعْفِهِ لا يَأْمَنُ أنْ يَفْتَقِرَ هو ويَسْتَغْنِيَ الفَقِيرُ، ويَضْعُفَ هو ويَقْوى الضَّعِيفُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: نَفْسٌ مِن نَفْسٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى مَنعِ التَّكَبُّرِ، والمُتَكَبِّرُ في أكْثَرِ الأمْرِ يُرِي جَبَرُوتَهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وإذا اجْتَمَعَ في الخَلَواتِ مَعَ مَن لا يُلْتَفَتُ
صفحة ١١٤
إلَيْهِ في الجامِعِ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُتَواضِعًا، فَذَكَرَهم بِلَفْظِ القَوْمِ مَنعًا لَهم عَمّا يَفْعَلُونَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْبَ الأخِ عائِدٌ إلى الأخِ، فَإذا عابَ عائِبٌ نَفْسًا فَكَأنَّما عابَ نَفْسَهُ.
وثانِيهُما: هو أنَّهُ إذا عابَهُ وهو لا يَخْلُو مِن عَيْبٍ يُحارِبُهُ المَعِيبُ فَيَعِيبُهُ فَيَكُونُ هو بِعَيْبِهِ حامِلًا لِلْغَيْرِ عَلى عَيْبِهِ، وكَأنَّهُ هو العائِبُ نَفْسَهُ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أيْ أنَّكم إذا قَتَلْتُمْ نَفْسًا قُتِلْتُمْ فَتَكُونُوا كَأنَّكم قَتَلْتُمْ أنْفُسَكم، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ ثالِثًا وهو أنْ تَقُولَ: لا تَعِيبُوا أنْفُسَكم، أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنكم، فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ عِبْتُمْ أنْفُسَكم، أيْ كُلُّ واحِدٍ عابَ كُلَّ واحِدٍ فَصِرْتُمْ عائِبِينَ مِن وجْهٍ، مَعِيبِينَ مِن وجْهٍ، وهَذا الوَجْهُ هَهُنا ظاهِرٌ ولا كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ هَذا إرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَهُ المُؤْمِنُ عِنْدَ حُضُورِهِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى ما يَفْعَلُهُ في غَيْبَتِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا﴾ قِيلَ فِيهِ: بِأنَّهُ العَيْبُ خَلْفَ الإنْسانِ، والهَمْزُ: هو العَيْبُ في وجْهِ الإنْسانِ، نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ العَكْسُ أوْلى، وذَلِكَ لِأنّا إذا نَظَرْنا إلى قَلْبِ الحُرُوفِ دَلَلْنَ عَلى العَكْسِ؛ لِأنَّ لَمَزَ قَلْبُهُ لَزَمَ وهَمَزَ قَلْبُهُ هَزَمَ، والأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى القُرْبِ، والثّانِي: عَلى البُعْدِ، فَإنْ قِيلَ: اللَّمْزُ هو الطَّعْنُ والعَيْبُ في الوَجْهِ كانَ أوْلى مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ قِيلَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: لا تَنْبِزُوا؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّمّازَ إذا لَمَزَ فالمَلْمُوزُ قَدْ لا يَجِدُ فِيهِ في الحالِ عَيْبًا يَلْمِزُهُ بِهِ، وإنَّما يَبْحَثُ ويَتْبَعُهُ لِيَطَّلِعَ مِنهُ عَلى عَيْبٍ، فَيُوجَدُ اللَّمْزُ مِن جانِبٍ، وأمّا النَّبْزُ فَلا يَعْجِزُ كُلُّ واحِدٍ عَنِ الإتْيانِ بِهِ، فَإنَّ مَن نَبَزَ غَيْرَهُ بِالحِمارِ فَهو يَنْبِزُهُ بِالثَّوْرِ وغَيْرِهِ، فالظّاهِرُ أنَّ النَّبْزَ يُفْضِي في الحالِ إلى التَّنابُزِ ولا كَذَلِكَ اللَّمْزُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ .
قِيلَ فِيهِ: إنَّ المُرادَ: بِئْسَ أنْ يَقُولَ لِلْمُسْلِمِ: يا يَهُودِيُّ بَعْدَ الإيمانِ، أيْ بَعْدَما آمَنَ، فَبِئْسَ تَسْمِيَتُهُ بِالكافِرِ. ويَحْتَمِلُ وجْهًا أحْسَنَ مِن هَذا، وهو أنْ يُقالَ: هَذا تَمامٌ لِلزَّجْرِ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مَن قَوْمٍ، ولا تَلْمِزُوا، ولا تَنابَزُوا " فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ يَفْسُقُ بَعْدَما آمَنَ، والمُؤْمِنُ يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَ إيمانِهِ بِفُسُوقٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] بِئْسَ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ، وبِئْسَ أنَّ تَسَمَّوْا بِالفاسِقِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأفْعالِ بَعْدَما سَمَّيْتُمُوهم مُؤْمِنِينَ.
قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: هَذِهِ الأشْياءُ مِنَ الصَّغائِرِ فَمَن يُصِرَّ عَلَيْهِ يَصِيرُ ظالِمًا فاسِقًا، وبِالمَرَّةِ الواحِدَةِ لا يَتَّصِفُ بِالظُّلْمِ والفِسْقِ، فَقالَ: ومَن لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ ويَجْعَلْهُ عادَةً فَهو ظالِمٌ. وثانِيهِما: أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ﴾، ﴿ولا تَلْمِزُوا﴾ (، ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ مَنعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ﴾ أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ عَمّا مَضى وإظْهارِ النَّدَمِ عَلَيْها مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ وتَشْدِيدًا في الزَّجْرِ، والأصْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ لا تَتَنابَزُوا، أُسْقِطَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، كَما أسْقَطَ في الِاسْتِفْهامِ إحْدى الهَمْزَتَيْنِ فَقالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] والحَذْفُ هَهُنا أوْلى؛ لِأنَّ تاءَ الخِطابِ وتاءَ الفاعِلِ حَرْفانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ في كَلِمَةٍ، وهَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ كَلِمَةٌ بِرَأْسِها، وهَمْزَةَ أنْذَرْتَهم أُخْرى، واحْتِمالَ حَرْفَيْنِ في كَلِمَتَيْنِ أسْهَلُ مِنِ احْتِمالِهِ في كَلِمَةٍ؛ ولِهَذا وجَبَ الإدْغامُ في قَوْلِنا: مَدَّ،
صفحة ١١٥
ولَمْ يَجِبْ في قَوْلِنا: امْدُدْ، و[ في ] قَوْلِنا: مَرَّ، [ دُونَ ] قَوْلِهِ: امْرُرَ بِنا.
الحجرات 49:12
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ .
لِأنَّ الظَّنَّ هو السَّبَبُ فِيما تَقَدَّمَ وعَلَيْهِ تُبْنى القَبائِحُ، ومِنهُ يَظْهَرُ العَدُوُّ المُكاشِحُ، والقائِلُ إذا أوْقَفَ أُمُورَهُ عَلى اليَقِينِ فَقَلَّما يَتَيَقَّنُ في أحَدٍ عَيْبًا فَيَلْمِزُهُ بِهِ، فَإنَّ الفِعْلَ في الصُّورَةِ قَدْ يَكُونُ قَبِيحًا، وفي نَفْسِ الأمْرِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ساهِيًا أوْ يَكُونَ الرّائِي مُخْطِئًا، وقَوْلُهُ: (كَثِيرًا) إخْراجٌ لِلظُّنُونِ الَّتِي عَلَيْها تُبْنى الخَيْراتُ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ظُنُّوا بِالمُؤْمِنِ خَيْرًا» “ وبِالجُمْلَةِ كُلُّ أمْرٍ لا يَكُونُ بِناؤُهُ عَلى اليَقِينِ، فالظَّنُّ فِيهِ غَيْرُ مُجْتَنِبٍ، مِثالُهُ حُكْمُ الحاكِمِ عَلى قَوْلِ الشُّهُودِ وبَراءَةُ الذِّمَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهُودِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ إشارَةٌ إلى الأخْذِ بِالأحْوَطِ، كَما أنَّ الطَّرِيقَ المُخَوِّفَةَ لا يَتَّفِقُ كُلَّ مَرَّةٍ فِيهِ قاطِعُ طَرِيقٍ، لَكِنَّكَ لا تَسْلُكُها لِاتِّفاقِ ذَلِكَ فِيهِ مَرَّةً ومَرَّتَيْنِ إلّا إذا تَعَيَّنَ فَتَسْلُكُهُ مَعَ رُفْقَةٍ، كَذَلِكَ الظَّنُّ يَنْبَغِي بَعْدَ اجْتِهادٍ تامٍّ ووُثُوقٍ بالِغٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ إتْمامًا لِما سَبَقَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المُعْتَبَرَ اليَقِينُ فَيَقُولُ القائِلُ: أنا أكْشِفُ فُلانًا، يَعْنِي أعْلَمُهُ يَقِينًا، وأطَّلِعُ عَلى عَيْبِهِ مُشاهَدَةً فَأعِيبُ فَأكُونُ قَدِ اجْتَنَبْتُ الظَّنَّ، فَقالَ تَعالى: ولا تَبْتَغُوا الظَّنَّ، ولا تَجْتَهِدُوا في طَلَبِ اليَقِينِ في مَعايِبِ النّاسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ إشارَةً إلى وُجُوبِ حِفْظِ عِرْضِ المُؤْمِنِ في غَيْبَتِهِ وفِيهِ مَعانٍ:
أحَدُها: في قَوْلِهِ تَعالى: (بَعْضُكم بَعْضًا) فَإنَّهُ لِلْعُمُومِ في الحَقِيقَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وأمّا مَنِ اغْتابَ فالمُغْتابُ أوَّلًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فَلا يُحْمَلُ فِعْلُهُ عَلى أنْ يَغْتابَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: ولا تَغْتابُوا أنْفُسَكم؛ لِما أنَّ الغِيبَةَ لَيْسَتْ حامِلَةً لِلَعائِبَ عَلى عَيْبِهِ مَنِ اغْتابَهُ، والعَيْبُ حامِلٌ عَلى العَيْبِ.
ثانِيها: لَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا المَعْنى كانَ حاصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: لا تَغْتابُوا مَعَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: لا، وذَلِكَ لِأنَّ المَمْنُوعَ اغْتِيابُ المُؤْمِنِ فَقالَ: ﴿بَعْضُكم بَعْضًا﴾ وأمّا الكافِرُ فَيُعْلَنُ ويُذْكَرُ بِما فِيهِ، وكَيْفَ لا والفاسِقُ يَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ بِما فِيهِ عِنْدَ الحاجَةِ.
ثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاغْتِيابَ المَمْنُوعَ اغْتِيابُ المُؤْمِنِ لا ذِكْرُ الكافِرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بِأكْلِ لَحْمِ الأخِ، وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ فَلا أُخُوَّةَ إلّا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، ولا مَنعَ إلّا مِن شَيْءٍ يُشْبِهُ أكْلَ لَحْمِ الأخِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ نَهْيٌ عَنِ اغْتِيابِ المُؤْمِنِ دُونَ الكافِرِ.
رابِعُها: ما الحِكْمَةُ في هَذا التَّشْبِيهِ ؟ نَقُولُ: هو إشارَةٌ إلى أنَّ عِرْضَ الإنْسانِ كَدَمِهِ ولَحْمِهِ، وهَذا مِن بابِ القِياسِ الظّاهِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِرْضَ المَرْءِ أشْرَفُ مِن لَحْمِهِ، فَإذا لَمْ يَحْسُنْ مِنَ العاقِلِ أكْلُ لُحُومِ النّاسِ لَمْ يَحْسُنْ مِنهُ قَرْضُ عِرْضِهِمْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ آلَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَحْمَ أخِيهِ﴾ آكَدُ في المَنعِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَحْمِلُهُ الغَضَبُ عَلى مَضْغِ لَحْمِ العَدُوِّ، فَقالَ: أصْدَقُ الأصْدِقاءِ مَن ولَدَتْهُ أُمُّكَ، فَأكْلُ لَحْمِهِ أقْبَحُ ما يَكُونُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (مَيْتًا) إشارَةٌ إلى دَفْعِ
صفحة ١١٦
وهْمٍ، وهو أنْ يُقالَ: القَوْلُ في الوَجْهِ يُؤْلِمُ فَيَحْرُمُ، وأمّا الِاغْتِيابُ فَلا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِلْمُغْتابِ فَلا يُؤْلِمُ، فَقالَ: أكْلُ لَحْمِ الأخِ وهو مَيِّتٌ أيْضًا لا يُؤْلِمُ، ومَعَ هَذا هو في غايَةِ القُبْحِ؛ لِما أنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَتَألَّمَ، كَما أنَّ المَيِّتَ لَوْ أحَسَّ بِأكْلِ لَحْمِهِ لَآلَمَهُ، وفِيهِ مَعْنًى: وهو أنَّ الِاغْتِيابَ كَأكْلِ لَحْمِ الآدَمِيِّ مَيْتًا، ولا يَحِلُّ أكْلُهُ إلّا لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ الحاجَةِ، والمُضْطَرُّ إذا وجَدَ لَحْمَ الشّاةِ المَيِّتَةِ ولَحَمَ الآدَمِيِّ المَيِّتِ، فَلا يَأْكُلُ لَحْمَ الآدَمِيِّ، فَكَذَلِكَ المُغْتابُ إنْ وجَدَ لِحاجَتِهِ مَدْفَعًا غَيْرَ الغِيبَةِ فَلا يُباحُ لَهُ الِاغْتِيابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (مَيْتًا) حالٌ عَنِ اللَّحْمِ أوْ عَنِ الأخِ، فَإنْ قِيلَ: اللَّحْمُ لا يَكُونُ مَيْتًا، قُلْنا: بَلى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ» “ فَسَمّى العَلَقَةَ مَيْتًا، فَإنْ قِيلَ: إذا جَعَلْناهُ حالًا عَنِ الأخِ، لا يَكُونُ هو الفاعِلُ ولا المَفْعُولُ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا، كَما يَقُولُ القائِلُ: مَرَرْتُ بِأخِي زَيْدٍ قائِمًا، ويُرِيدُ كَوْنَ زِيدٍ قائِمًا، قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ لَحْمَهُ فَقَدْ أكَلَ، فَصارَ الأخُ مَأْكُولًا مَفْعُولًا، بِخِلافِ المُرُورِ بِأخِي زَيْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُ وجْهَهُ آثِمًا، أيْ وهو آثِمٌ، أيْ صاحِبَ الوَجْهِ، كَما أنَّكَ إذا ضَرَبْتَ وجْهَهُ فَقَدْ ضَرَبْتَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: مَزَّقْتُ ثَوْبَهُ آثِمًا، فَتَجْعَلُ الآثِمَ حالًا مِن غَيْرِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: العائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ هو الأكْلَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ﴾ مَعْناهُ أيُحِبُّ أحَدُكُمُ الأكْلَ؛ لِأنَّ أنْ مَعَ الفِعْلِ تَكُونُ لِلْمَصْدَرِ، يَعْنِي فَكَرِهْتُمُ الأكْلَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ هو اللَّحْمَ، أيْ فَكَرِهْتُمُ اللَّحْمَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هو المَيِّتَ في قَوْلِهِ: (مَيْتًا) وتَقْدِيرُهُ: أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا مُتَغَيِّرًا فَكَرِهْتُمُوهُ، فَكَأنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَيْتًا) ويَكُونُ فِيهِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في التَّحْذِيرِ، يَعْنِي المَيْتَةَ إنْ أُكِلَتْ في النُّدْرَةِ لِسَبَبٍ كانَ نادِرًا، ولَكِنْ إذا أنْتَنَ وأرْوَحَ وتَغَيَّرَ لا يُؤْكَلُ أصْلًا، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الغِيبَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تَقْتَضِي وُجُودَ تَعَلُّقٍ، فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ جَوابِ كَلامٍ، كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أيُحِبُّ﴾ قِيلَ في جَوابِهِ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ﴾ لِلْإنْكارِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ إذًا، ولا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ هو تَعَلُّقَ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ، وتَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ ماشِيًا فَتَعِبَ؛ لِأنَّ المَشْيَ يُورِثُ التَّعَبَ، فَكَذا قَوْلُهُ: (مَيْتًا) لِأنَّ المَوْتَ يُورِثُ النَّفْرَةَ إلى حَدٍّ لا يَشْتَهِي الإنْسانُ أنْ يَبِيتَ في بَيْتٍ فِيهِ مَيِّتٌ، فَكَيْفَ يَقْرَبُهُ بِحَيْثُ يَأْكُلُ مِنهُ، فَفِيهِ إذًا كَراهَةٌ شَدِيدَةٌ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالَ الغَيْبَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، أيِ اجْتَنِبُوا واتَّقُوا، وفي الآيَةِ لِطائِفُ: مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً مُرَتَّبَةً، بَيانُها هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا﴾ أيْ لا تَقُولُوا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ما لَمْ تَعْلَمُوهُ فِيهِمْ بِناءً عَلى الظَّنِّ، ثُمَّ إذا سُئِلْتُمْ عَلى المَظْنُوناتِ، فَلا تَقُولُوا: نَحْنُ نَكْشِفُ أُمُورَهم لِنَسْتَيْقِنَها قَبْلَ ذِكْرِها، ثُمَّ إنْ عَلِمْتُمْ مِنها شَيْئًا مِن غَيْرِ تَجَسُّسٍ، فَلا تَقُولُوهُ ولا تُفْشُوهُ عَنْهم ولا تَعِيبُوا، فَفي الأوَّلِ نَهْيٌ عَمّا لَمْ يُعْلَمَ، ثُمَّ نَهْيٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ العِلْمِ، ثُمَّ نَهْيٌ عَنْ ذِكْرِ ما عَلِمَ، ومِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: اجْتَنِبُوا أنْ تَقُولُوا أمْرًا عَلى خِلافِ ما تَعْلَمُونَهُ، ولا قالَ: اجْتَنِبُوا الشَّكَّ، بَلْ أوَّلُ ما نَهى عَنْهُ هو القَوْلُ بِالظَّنِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْلَ عَلى خِلافِ العِلْمِ كَذِبٌ وافْتِراءٌ، والقَوْلُ
صفحة ١١٧
بِالشَّكِّ، والرَّجْمُ بِالغَيْبِ سَفَهٌ وهُزْءٌ، وهُما في غايَةِ القُبْحِ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ اكْتِفاءً بِقَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) لِأنَّ وصْفَهم بِالإيمانِ يَمْنَعُهم مِنَ الِافْتِراءِ والِارْتِيابِ الَّذِي هو دَأْبُ الكافِرِ، وإنَّما مَنَعَهم عَمّا يَكْثُرُ وجُودُهُ في المُسْلِمِينَ؛ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ: ﴿لا يَسْخَرْ﴾ ومِنها أنَّهُ خَتَمَ الآيَتَيْنِ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ، فَقالَ في الأُولى: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وقالَ في الأُخْرى: ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ﴾ لَكِنْ في الآيَةِ الأوْلى لَمّا كانَ الِابْتِداءُ بِالنَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ ذَكَرَ النَّفْيَ الَّذِي هو قَرِيبٌ مِنَ النَّهْيِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ لَمّا كانَ الِابْتِداءُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنِبُوا﴾ ذَكَرَ الِارْتِيابَ الَّذِي هو قَرِيبٌ مِنَ الأمْرِ.
الحجرات 49:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
تَبْيِينًا لِما تَقَدَّمَ وتَقْرِيرًا لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الغَيْرِ والعَيْبَ إنْ كانَ بِسَبَبِ التَّفاوُتِ في الدِّينِ والإيمانِ فَهو جائِزٌ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ مَنعٌ مِن عَيْبِ المُؤْمِنِ وغِيبَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ السَّبَبِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النّاسَ بَعُمُومِهِمْ كُفّارًا كانُوا أوْ مُؤْمِنِينَ يَشْتَرِكُونَ فِيما يَفْتَخِرُ بِهِ المُفْتَخِرُ غَيْرَ الإيمانِ والكُفْرِ، والِافْتِخارُ إنْ كانَ بِسَبَبِ الغِنى فالكافِرُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا، والمُؤْمِنُ فَقِيرًا وبِالعَكْسِ، وإنْ كانَ بِسَبَبِ النَّسَبِ فالكافِرُ قَدْ يَكُونُ نَسِيبًا، والمُؤْمِنُ قَدْ يَكُونُ عَبْدًا أسْوَدَ وبِالعَكْسِ، فالنّاسُ فِيما لَيْسَ مِنَ الدِّينِ والتَّقْوى مُتَساوُونَ مُتَقارِبُونَ، وشَيْءٌ مِن ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، فَإنَّ كُلَّ مَن يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ يَعْرِفُ أنَّ مَن يُوافِقُهُ في دِينِهِ أشْرَفُ مِمَّنْ يُخالِفُهُ فِيهِ، وإنْ كانَ أرْفَعَ نَسَبًا أوْ أكْثَرَ نَشَبًا، فَكَيْفَ مَن لَهُ الدِّينُ الحَقُّ وهو فِيهِ راسِخٌ، وكَيْفَ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ مَن دُونَهُ فِيهِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِن آدَمَ وحَوّاءَ. ثانِيهُما: كُلُّ واحِدٍ مِنكم أيُّها المَوْجُودُونَ وقْتَ النِّداءِ خَلَقْناهُ مِن أبٍ وأُمٍّ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ هو الأوَّلُ، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَتَفاخَرَ البَعْضُ عَلى البَعْضِ لِكَوْنِهِمْ أبْناءَ رَجُلٍ واحِدٍ وامْرَأةٍ واحِدَةٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ هو الثّانِي، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِنْسَ واحِدٌ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ خُلِقَ كَما خُلِقَ الآخَرُ مِن أبٍ وأُمٍّ، والتَّفاوُتُ في الجِنْسِ دُونَ التَّفاوُتِ في الجِنْسَيْنِ، فَإنَّ مِن سُنَنِ التَّفاوُتِ أنْ لا يَكُونَ تَقْدِيرُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الذُّبابِ والذِّئابِ، لَكِنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي بَيْنَ النّاسِ بِالكُفْرِ والإيمانِ كالتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ؛ لِأنَّ الكافِرَ جَمادٌ إذْ هو كالأنْعامِ بَلْ أضَلُّ، والمُؤْمِنُ إنْسانٌ في المَعْنى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيهِ، والتَّفاوُتُ في الإنْسانِ تَفاوُتٌ في الحِسِّ لا في الجِنْسِ، إذْ كُلُّهم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، فَلا يَبْقى لِذَلِكَ عِنْدَ هَذا اعْتِبارٌ، وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فَإنْ قِيلَ: هَذا مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ النَّسَبِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ لِلنَّسَبِ اعْتِبارًا عُرْفًا وشَرْعًا، حَتّى لا يَجُوزَ تَزْوِيجُ الشَّرِيفَةِ بِالنَّبَطِيِّ، فَنَقُولُ: إذا جاءَ الأمْرُ العَظِيمُ لا يَبْقى الأمْرُ الحَقِيرُ مُعْتَبَرًا، وذَلِكَ في الحِسِّ والشَّرْعِ والعُرْفِ، أمّا الحِسُّ فَلِأنَّ الكَواكِبَ لا تُرى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولِجَناحِ الذُّبابِ دَوِيٌّ ولا يُسْمَعُ عِنْدَما يَكُونُ رَعْدٌ قَوِيٌّ، وأمّا في العُرْفِ فَلِأنَّ مَن جاءَ مَعَ المَلِكِ لا يَبْقى لَهُ اعْتِبارٌ ولا إلَيْهِ
صفحة ١١٨
التِفاتٌ، إذا عَلِمْتَ هَذا فِيهِما فَفي الشَّرْعِ كَذَلِكَ، إذا جاءَ الشَّرَفُ الدِّينِيُّ الإلَهِيُّ، لا يَبْقى لِأمْرٍ هُناكَ اعْتِبارٌ، لا لِنَسَبٍ ولا لِنَشَبٍ، ألا تَرى أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ مِن أعْلى النّاسِ نَسَبًا، والمُؤْمِنَ وإنْ كانَ مِن أدْوَنِهِمْ نَسَبًا، لا يُقاسُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وكَذَلِكَ ما هو مَعَ غَيْرِهِ؛ ولِهَذا يَصْلُحُ لِلْمَناصِبِ الدِّينِيَّةِ كالقَضاءِ والشَّهادَةِ كُلُّ شَرِيفٍ ووَضِيعٍ إذا كانَ دَيِّنًا عالِمًا صالِحًا، ولا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنها فاسْقٌ، وإنْ كانَ قُرَشِيَّ النَّسَبِ، وقارُونِيَّ النَّشَبِ، ولَكِنْ إذا اجْتَمَعَ في اثْنَيْنِ الدِّينُ المَتِينُ، وأحَدُهُما نَسِيبٌ تَرَجَّحَ بِالنَّسَبِ عِنْدَ النّاسِ لا عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وشَرَفُ النَّسَبِ لَيْسَ مُكْتَسَبًا ولا يَحْصُلُ بِسَعْيٍ.
البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ النَّسَبِ مِن جُمْلَةِ أسْبابِ التَّفاخُرِ، ولَمْ يَذْكُرِ المالَ ؟ نَقُولُ: الأُمُورُ الَّتِي يُفْتَخَرُ بِها في الدُّنْيا وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً لَكِنَّ النَّسَبَ أعْلاها؛ لِأنَّ المالَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفَقِيرِ فَيَبْطُلُ افْتِخارُ المُفْتِخِرِ بِهِ، والحُسْنُ والسِّنُّ، وغَيْرُ ذَلِكَ غَيْرُ ثابِتٍ دائِمٍ، والنَّسَبُ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّحْصِيلِ لِمَن لَيْسَ لَهُ، فاخْتارَهُ اللَّهُ لِلذِّكْرِ وأبْطَلَ اعْتِبارَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّقْوى لِيُعْلَمَ مِنهُ بُطْلانُ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.
البَحْثُ الثّالِثُ: إذا كانَ وُرُودُ الآيَةِ لِبَيانِ عَدَمِ جَوازِ الِافْتِخارِ بِغَيْرِ التَّقْوى فَهَلْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكُمْ﴾ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ، فَإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ بِأمْرٍ فِيهِ يَلْحَقُهُ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ بِأمْرٍ هو قَبْلَهُ، والَّذِي بَعْدَهُ كالحُسْنِ والقُوَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ المَطْلُوبَةِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، والَّذِي قَبْلَهُ فَإمّا راجِعٌ إلى الأصْلِ الَّذِي مِنهُ وُجِدَ، أوْ إلى الفاعِلِ الَّذِي هو لَهُ أوْجَدَ، كَما يُقالُ في إناءَيْنِ: هَذا مِنَ النُّحاسِ وهَذا مِنَ الفِضَّةِ، ويُقالُ: هَذا عَمَلُ فُلانٍ، وهَذا عَمَلُ فُلانٍ، فَقالَ تَعالى: لا تَرْجِيحَ فِيما خَلَقْتُمْ مِنهُ؛ لِأنَّكم كُلُّكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ولا بِالنَّظَرِ إلى جاعِلِينَ؛ لِأنَّكم كُلُّكم خَلَقَكُمُ اللَّهُ، فَإنْ كانَ بَيْنَكم تَفاوُتٌ يَكُونُ بِأُمُورٍ تَلْحَقُكم وتَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِكم، وأشْرَفُها التَّقْوى والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا﴾ مُتَفَرِّقَةً لا يُدْرى مَن يَجْمَعُكم كالعَجَمِ، وقَبائِلَ يَجْمَعُكم واحِدٌ مَعْلُومٌ كالعَرَبِ وبَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيهُما: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا﴾ داخِلِينَ في قَبائِلَ، فَإنَّ القَبِيلَةَ تَحْتَها الشُّعُوبُ، وتَحْتَ الشُّعُوبِ البُطُونُ، وتَحْتَ البُطُونِ الأفْخاذُ، وتَحْتَ الأفْخاذِ الفَصائِلُ، وتَحْتَ الفَصائِلِ الأقارِبُ، وذَكَرَ الأعَمَّ لِأنَّهُ أذْهَبُ لِلِافْتِخارِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الأعَمَّ مِنها يَدْخُلُهُ فُقَراءُ وأغْنِياءُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وضُعَفاءُ وأقْوِياءُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَعْدُودَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ ذَلِكَ وهي التَّعارُفُ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ التَّناصُرُ لا التَّفاخُرُ.
وثانِيهُما: أنَّ فائِدَتَهُ التَّعارُفُ لا التَّناكُرُ، واللَّمْزُ والسُّخْرِيَةُ والغِيبَةُ تُفْضِي إلى التَّناكُرِ لا إلى التَّعارُفِ، وفِيهِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ. الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكُمْ﴾، وقالَ: (وجَعَلْناكم) لِأنَّ الخَلْقَ أصْلٌ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ الجَعْلُ شُعُوبًا فَإنَّ الأوَّلَ هو الخَلْقُ والإيجادُ، ثُمَّ الِاتِّصافُ بِما اتَّصَفُوا بِهِ، لَكِنَّ الجَعْلَ شُعُوبًا لِلتَّعارُفِ، والخَلْقَ لِلْعِبادَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] واعْتِبارُ الأصْلِ مُتَقَدِّمٌ عَلى اعْتِبارِ الفَرْعِ، فاعْلَمْ أنَّ النَّسَبَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ اعْتِبارِ العِبادَةِ كَما أنَّ الجَعْلَ شُعُوبًا يَتَحَقَّقُ بَعْدَما يَتَحَقَّقُ الخَلْقُ، فَإنْ كانَ فِيكم عِبادَةٌ تُعْتَبَرُ فِيكم أنْسابُكم وإلّا فَلا. الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (خَلَقْناكم) (وجَعَلْناكم) إشارَةٌ إلى عَدَمِ جَوازِ الِافْتِخارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِسَعْيِكم ولا قُدْرَةَ لَكم عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَفْتَخِرُونَ بِما لا مَدْخَلَ لَكم فِيهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: الهِدايَةُ والضَّلالُ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ [الشورى: ٥٢] فَنَقُولُ: أثْبَتَ اللَّهُ لَنا فِيهِ كَسْبًا
صفحة ١١٩
مَبْنِيًّا عَلى فِعْلٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وأمّا في النَّسَبِ فَلا. الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ إشارَةٌ إلى قِياسٍ خَفِيٍّ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّكم جُعِلْتُمْ قَبائِلَ لَتَعارَفُوا، وأنْتُمْ إذا كُنْتُمْ أقْرَبَ إلى شَرِيفٍ تَفْتَخِرُونَ بِهِ فَخَلَقَكم لِتَعْرِفُوا رَبَّكم، فَإذا كُنْتُمْ أقْرَبَ مِنهُ وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ كانَ الأحَقُّ بِالِافْتِخارِ هُناكَ مِنَ الكُلِّ الِافْتِخارَ بِذَلِكَ. الرّابِعَةُ: فِيهِ إرْشادٌ إلى بُرْهانٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِافْتِخارَ لَيْسَ بِالأنْسابِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَبائِلَ لِلتَّعارُفِ بِسَبَبِ الِانْتِسابِ إلى شَخْصٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ شَرِيفًا صَحَّ الِافْتِخارُ في ظَنِّكم، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيفًا لَمْ يَصِحَّ، فَشَرَفُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَفْتَخِرُونَ بِهِ هو بِانْتِسابِهِ إلى فَصِيلَةٍ أوْ بِاكْتِسابِ فَضِيلَةٍ، فَإنْ كانَ بِالِانْتِسابِ لَزِمَ الِانْتِهاءُ، وإنْ كانَ بِالِاكْتِسابِ فالدَّيِّنُ الفَقِيهُ الكَرِيمُ المُحْسِنُ صارَ مِثْلَ مَن يَفْتَخِرُ بِهِ المُفْتَخِرُ، فَكَيْفَ يَفْتَخِرُ بِالأبِ وأبِ الأبِ عَلى مَن حَصَلَ لَهُ مِنَ الحَظِّ والخَيْرِ ما فَضَّلَ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ الأبِ والجَدِّ ؟! اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَحُوزَ شَرَفَ الِانْتِسابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ أحَدًا لا يَقْرَبُ مِنَ الرَّسُولِ في الفَضِيلَةِ حَتّى يَقُولَ أنا مِثْلُ أبِيكَ، ولَكِنْ في هَذا النَّسَبِ أثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّرَفَ لِمَنِ انْتَسَبَ إلَيْهِ بِالِاكْتِسابِ، ونَفاهُ لِمَن أرادَ الشَّرَفَ بِالِانْتِسابِ، فَقالَ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» “، وقالَ: ”«العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» “ أيْ لا نُورَثُ بِالِانْتِسابِ، وإنَّما نُورَثُ بِالِاكْتِسابِ. سَمِعْتُ أنَّ بَعْضَ الشُّرَفاءِ في بِلادِ خُراسانَ كانَ في النَّسَبِ أقْرَبَ النّاسِ إلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ فاسِقًا، وكانَ هُناكَ مَوْلًى أسْوَدَ تَقَدَّمَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ومالَ النّاسُ إلى التَّبَرُّكِ بِهِ، فاتَّفَقَ أنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا مِن بَيْتِهِ يَقْصِدُ المَسْجِدَ، فاتَّبَعَهُ خَلْقٌ، فَلَقِيَهُ الشَّرِيفُ سَكْرانَ، وكانَ النّاسُ يَطْرُدُونَ الشَّرِيفَ ويُبْعِدُونَهُ عَنْ طَرِيقِهِ، فَغَلَبَهم وتَعَلَّقَ بِأطْرافِ الشَّيْخِ، وقالَ لَهُ: يا أسْوَدَ الحَوافِرِ والشَّوافِرِ، يا كافِرُ ابْنَ كافِرٍ، أنا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ، أُذَلُّ وتُجَلُّ ! وأُذَمُّ وتُكْرَمُ ! وأُهانُ وتُعانُ ! فَهَمَّ النّاسُ بِضَرْبِهِ فَقالَ الشَّيْخُ: لا هَذا مُحْتَمَلٌ مِنهُ لِجَدِّهِ، وضَرْبُهُ مَعْدُودٌ لِحَدِّهِ، ولَكِنْ يا أيُّها الشَّرِيفُ بَيَّضْتَ باطِنِي وسَوَّدْتَ باطِنَكَ، فَيَرى النّاسُ بَياضَ قَلْبِي فَوْقَ سَوادِ وجْهِي فَحَسُنْتُ، وأخَذْتُ سِيرَةَ أبِيكَ وأخَذْتَ سِيرَةَ أبِي، فَرَآنِي الخَلْقُ في سِيرَةِ أبِيكَ ورَأوْكَ في سِيرَةِ أبِي، فَظَنُّونِي ابْنَ أبِيكَ وظَنُّوكَ ابْنَ أبِي، فَعَمِلُوا مَعَكَ ما يُعْمَلُ مَعَ أبِي، وعَمِلُوا مَعِي ما يُعْمَلُ مَعَ أبِيكَ !
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مَن يَكُونُ أتْقى يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ أكْرَمَ، أيِ التَّقْوى تُفِيدُ الإكْرامَ.
ثانِيهُما: أنَّ المُرادَ أنَّ مَن يَكُونُ أكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ يَكُونُ أتْقى، أيِ الإكْرامُ يُورِثُ التَّقْوى، كَما يُقالُ: المُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، والثّانِي أظْهَرُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ ثانِيًا أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَذْكُورِ أوَّلًا في الظّاهِرِ، فَيُقالُ: الإكْرامُ لِلتُّقى، لَكِنَّ ذَوا العُمُومِ في المَشْهُورِ هو الأوَّلُ، يُقالُ: ألَذُّ الأطْعِمَةِ أحْلاها، أيِ اللَّذَّةُ بِقَدْرِ الحَلاوَةِ لا أنَّ الحَلاوَةَ بِقَدْرِ اللَّذَّةِ، وهي إثْباتٌ لِكَوْنِ التَّقْوى مُتَقَدِّمَةً عَلى كُلِّ فَضِيلَةٍ، فَإنْ قِيلَ: التَّقْوى مِنَ الأعْمالِ والعِلْمُ أشْرَفُ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«لَفَقِيهٌ واحِدٌ أشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِن ألْفِ عابِدٍ» “ نَقُولُ: التَّقْوى ثَمَرَةُ العِلْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَلا تَقْوى إلّا لِلْعالِمِ، فالمُتَّقِي العالِمُ أتَمَّ عِلْمَهُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَتَّقِي كَشَجَرَةٍ لا ثَمَرَةَ لَها، لَكِنَّ الشَّجَرَةَ المُثْمِرَةَ أشْرَفُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي لا تُثْمِرُ بَلْ هو حَطَبٌ، وكَذَلِكَ العالِمُ الَّذِي لا يَتَّقِي حَصَبَ جَهَنَّمَ، وأمّا العابِدُ الَّذِي يُفَضِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ الفَقِيهَ فَهو الَّذِي لا عِلْمَ لَهُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ عِنْدَهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ نِصابٌ كامِلٌ، ولَعَلَّهُ يَعْبُدُهُ مَخافَةَ
صفحة ١٢٠
الإلْقاءِ في النّارِ فَهو كالمُكْرَهِ، أوْ لِدُخُولِ الجَنَّةِ فَهو يَعْمَلُ كالفاعِلِ لَهُ أُجْرَةٌ ويَرْجِعُ إلى بَيْتِهِ، والمُتَّقِي هو العالِمُ بِاللَّهِ، المُواظِبُ لِبابِهِ، أيِ المُقَرَّبُ إلى جَنابِهِ عِنْدَهُ يَبِيتُ، وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الخِطابُ مَعَ النّاسِ، والأكْرَمُ يَقْتَضِي اشْتِراكَ الكُلِّ في الكَرامَةِ، ولا كَرامَةَ لِلْكافِرِ، فَإنَّهُ أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ وأذَلُّ مِنَ الهَوامِّ. نَقُولُ: ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مَعَ أنَّهُ حاصِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] لِأنَّ كُلَّ مَن خُلِقَ فَقَدِ اعْتَرَفَ بِرَبِّهِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ لَوْ زادَ زِيدَ في كَرامَتِهِ، ومَن رَجَعَ عَنْهُ أُزِيلَ عَنْهُ أثَرُ الكَرامَةِ. الثّانِي: ما حَدُّ التَّقْوى ومَنِ الأتْقى ؟ نَقُولُ: أدْنى مَراتِبِ التَّقْوى أنْ يَجْتَنِبَ العَبْدُ المَناهِيَ ويَأْتِيَ بِالأوامِرِ، ولا يَقِرَّ ولا يَأْمَنَ إلّا عِنْدَهُما، فَإنِ اتَّفَقَ أنِ ارْتَكَبَ مَنهِيًّا لا يَأْمَنُ ولا يَتَّكِلُ لَهُ بَلْ يُتْبِعُهُ بِحَسَنَةٍ ويُظْهِرُ عَلَيْهِ نَدامَةً وتَوْبَةً، ومَتى ارْتَكَبَ مَنهِيًّا وما تابَ في الحالِ واتَّكَلَ عَلى المُهْلَةِ في الأجَلِ ومَنَعَهُ عَنِ التَّذاكُرِ طُولُ الأمَلِ - فَلَيْسَ بِمُتَّقٍ. أمّا الأتْقى فَهو الَّذِي يَأْتِي بِما أُمِرَ بِهِ ويَتْرُكُ ما نُهِيَ عَنْهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ خاشٍ رَبَّهُ لا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَيُنَوِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ، فَإنِ التَفَتَ لَحْظَةً إلى نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ جَعَلَ ذَلِكَ ذَنْبَهُ، ولِلْأوَّلِينَ النَّجاةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ولِلْآخَرِينَ السَّوْقُ إلى الجَنَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَبَيْنَ مَن أعْطاهُ السُّلْطانُ بُسْتانًا وأسْكَنَهُ فِيهِ، وبَيْنَ مَنِ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ يَسْتَفِيدُ كُلَّ يَوْمٍ بِسَبَبِ القُرْبِ مِنهُ بَساتِينَ وضِياعًا بَوْنٌ عَظِيمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أيْ عَلِيمٌ بِظَواهِرِكم، يَعْلَمُ أنْسابَكم، خَبِيرٌ بِبَواطِنِكم لا تَخْفى عَلَيْهِ أسْرارُكم، فاجْعَلُوا التَّقْوى عَمَلَكم، وزِيدُوا في التَّقْوى كَما زادَكم.
الحجرات 49:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
لَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ والأتْقى لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ التَّقْوى، وأصْلُ الإيمانِ هو الِاتِّقاءُ مِنَ الشِّرْكِ، قالَتِ الأعْرابُ: لَنا النَّسَبُ الشَّرِيفُ، وإنَّما يَكُونُ لَنا الشَّرَفُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: لَيْسَ الإيمانُ بِالقَوْلِ، إنَّما هو بِالقَلْبِ، فَما آمَنتُمْ، لِأنَّهُ خَبِيرٌ يَعْلَمُ ما في الصُّدُورِ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ انْقَدْنا واسْتَسْلَمْنا، قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ، أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ طالِبِينَ الصَّدَقَةَ ولَمْ يَكُنْ قَلْبُهم مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ كالتّارِيخِ لِلنُّزُولِ لا لِلِاخْتِصاصِ بِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أظْهَرَ فِعْلَ المُتَّقِينَ وأرادَ أنْ يَصِيرَ لَهُ ما لِلْأتْقِياءِ مِنَ الإكْرامِ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّقْوى مِن عَمَلِ القَلْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ في تَفْسِيرِهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وقالَ هَهُنا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ مَعَ أنَّهم ألْقَوْا إلَيْهِمُ السَّلامَ، نَقُولُ: إشارَةٌ إلى أنَّ عَمَلَ القَلْبِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، واجْتِنابَ الظَّنِّ واجِبٌ، وإنَّما يُحْكَمُ بِالظّاهِرِ - فَلا يُقالُ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلًا: هو مُرائِي، ولا لِمَن أسْلَمَ هو مُنافِقٌ، ولَكِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما في الصُّدُورِ،
صفحة ١٢١
إذا قالَ: فُلانٌ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَصَلَ الجَزْمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فَهو الَّذِي جَوَّزَ لَنا ذَلِكَ القَوْلَ، وكانَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى الغَيْبِ وضَمِيرِ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ لَنا: أنْتُمْ لا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا؛ لِعَدَمِ عِلْمِكم بِما في قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لَمْ“ و”لَمّا“ حَرْفا نَفْيٍ، و”ما“ و”إنْ“ و”لا“ كَذَلِكَ مِن حُرُوفِ النَّفْيِ، و”لَمْ“ و”لَمّا“ يَجْزِمانِ، وغَيْرُهُما مِن حُرُوفِ النَّفْيِ لا يَجْزِمُ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: ”لَمْ“ و”لَمّا“ يَفْعَلانِ بِالفِعْلِ ما لا يَفْعَلُ بِهِ غَيْرُهُما، فَإنَّهُما يُغَيِّرانِ مَعْناهُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ، تَقُولُ: لَمْ يُؤْمِن أمْسِ وآمَنَ اليَوْمَ، ولا تَقُولُ: لا يُؤْمِنُ أمْسِ، فَلَمّا فَعَلا بِالفِعْلِ ما لَمْ يَفْعَلْ بِهِ غَيْرُهُما جُزِمَ بِهِما، فَإنْ قِيلَ: مَعَ هَذا لِمَ جُزِمَ بِهِما غايَةُ ما في البابِ أنَّ الفَرْقَ حَصَلَ، ولَكِنْ ما الدَّلِيلُ عَلى وُجُوبِ الجَزْمِ بِهِما ؟ نَقُولُ: لِأنَّ الجَزْمَ والقَطْعَ يَحْصُلُ في الأفْعالِ الماضِيَةِ، فَإنَّ مَن قالَ: قامَ، حَصَلَ القَطْعُ بِقِيامِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما قامَ. والأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ إمّا مُتَوَقَّعَةُ الحُصُولِ وإمّا مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ، ولا يَحْصُلُ القَطْعُ والجَزْمُ فِيهِ، فَإذا كانَ ”لَمْ“ و”لَمّا“ يَقْلِبانِ اللَّفْظَ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ كانا يُفِيدانِ الجَزْمَ والقَطْعَ في المَعْنى، فَجَعَلَ لَهُما تَناسُبًا بِالمَعْنى وهو الجَزْمُ لَفْظًا، وعَلى هَذا نَقُولُ: السَّبَبُ في الجَزْمِ ما ذَكَرْنا، وهَذا في الأمْرِ يَجْزِمُ، كَأنَّهُ جَزَمَ عَلى المَأْمُورِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ ولا يَتْرُكُهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في أنَّ اللَّفْظَ يُجْزَمُ مَعَ أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ وأنَّ في الشَّرْطِ تَغَيُّرًا، وذَلِكَ لِأنَّ ”إنْ“ تُغَيِّرُ مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُضِيِّ إلى الِاسْتِقْبالِ إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ، تَقُولُ: إنْ جِئْتَنِي جِئْتُكَ، وإنْ أكْرَمْتَنِي أكْرَمْتُكَ، فَلَمّا كانَ ”إنْ“ مِثْلُ ”لَمْ“ في كَوْنِهِ حَرْفًا، وفي لُزُومِ الدُّخُولِ عَلى الأفْعالِ، وتَغْيِيرِهِ مَعْنى الفِعْلِ - صارَ جازِمًا لِشَبَهٍ لَفْظِيٍّ، أمّا الجَزاءُ فَجَزْمٌ لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى، فَإنَّ الجَزاءَ يَجْزِمُ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فالجَزْمُ إذًا إمّا لِمَعْنًى أوْ لِشَبَهٍ لَفْظِيٍّ، كَما أنَّ الجَزاءَ كَذَلِكَ في الإضافَةِ وفي الجَرِّ بِحَرْفٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قُولُوا﴾ يَقْتَضِي قَوْلًا سابِقًا مُخالِفًا لِما بَعْدَهُ، كَقَوْلِنا: ”لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا“ وفي تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِهِ إرْشادٌ وتَأْدِيبٌ، كَأنَّهُ تَعالى لَمْ يَجُزِ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) فَلَمْ يَقُلْ: لا تَقُولُوا آمَنّا، وأرْشَدَهم إلى الِامْتِناعِ عَنِ الكَذِبِ، فَقالَ: (لَمْ تُؤْمِنُوا) فَإنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ شَيْئًا فَقُولُوا أمْرًا عامًّا لا يَلْزَمُ مِنهُ كَذِبُكم وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿أسْلَمْنا﴾ فَإنَّ الإسْلامَ بِمَعْنى الِانْقِيادِ حَصَلَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُؤْمِنُ والمُسْلِمُ واحِدٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ ذَلِكَ مَعَ هَذا ؟ نَقُولُ: بَيْنَ العامِّ والخاصِّ فَرْقٌ، فالإيمانُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالقَلْبِ وقَدْ يَحْصُلُ بِاللِّسانِ، والإسْلامُ أعَمُّ لَكِنَّ العامَّ في صُورَةِ الخاصِّ مُتَّحِدٌ مَعَ الخاصِّ، ولا يَكُونُ أمْرًا آخَرَ غَيْرَهُ، مِثالُهُ الحَيَوانُ أعَمُّ مِنَ الإنْسانِ، لَكِنَّ الحَيَوانَ في صُورَةِ الإنْسانِ لَيْسَ أمْرًا يَنْفَكُّ عَنِ الإنْسانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَيَوانُ حَيَوانًا ولا يَكُونُ إنْسانًا، فالعامُّ والخاصُّ مُخْتَلِفانِ في العُمُومِ مُتَّحِدانِ في الوُجُودِ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ والمُسْلِمُ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ هَلْ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ، الأوَّلُ: هو أنَّهم لَمّا قالُوا: آمَنّا وقِيلَ لَهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ قالُوا: إذا أسْلَمْنا فَقَدْ آمَنّا، قِيلَ: لا، فَإنَّ الإيمانَ مِن عَمَلِ القَلْبِ لا غَيْرِهِ، والإسْلامُ قَدْ يَكُونُ عَمَلَ اللِّسانِ، وإذا كانَ ذَلِكَ
صفحة ١٢٢
عَمَلَ القَلْبِ ولَمْ يَدْخُلْ في قُلُوبِكُمُ الإيمانُ لَمْ تُؤْمِنُوا. الثّانِي: لَمّا قالُوا: آمَنّا وقِيلَ لَهم: لَمْ تُؤْمِنُوا، قالُوا جَدَلًا: قَدْ آمَنّا عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ، مُؤَكِّدِينَ لِما أخْبَرُوا، فَقالَ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ لِأنَّ ”لَمّا يَفْعَلْ“ يُقالُ في مُقابَلَةِ ”قَدْ فَعَلَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الآيَةَ فِيها إشارَةٌ إلى حالِ المُؤَلَّفَةِ إذا أسْلَمُوا، ويَكُونُ إيمانُهم بَعْدُ ضَعِيفًا قالَ لَهم: (لَمْ تُؤْمِنُوا) لِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، وذَلِكَ بَعْدُ لَمْ يَدْخُلْ في قُلُوبِكم، وسَيَدْخُلُ بِاطِّلاعِكم عَلى مَحاسِنِ الإسْلامِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يُكْمِلْ لَكُمُ الأجْرَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّ لَمّا فِيها مَعْنى التَّوَقُّعِ والِانْتِظارِ، والإيمانُ إمّا أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ المُؤْمِنِ واكْتِسابِهِ ونَظَرِهِ في الدَّلائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ إلْهامًا يَقَعُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ ما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ ولا دَخْلَ الإيمانُ في قَلْبِكم إلْهامًا مِن غَيْرِ فِعْلِكم، فَلا إيمانَ لَكم حِينَئِذٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عِنْدَ فِعْلِهِمْ قالَ: (لَمْ تُؤْمِنُوا) بِحَرْفٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الِانْتِظارِ؛ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وفُتُورِ فِكْرِهِمْ، وعِنْدَ فِعْلِ الإيمانِ قالَ: (لَمّا يَدْخُلِ) بِحَرْفٍ فِيهِ مَعْنى التَّوَقُّعِ؛ لِظُهُورِ قُوَّةِ الإيمانِ، كَأنَّهُ يَكادُ يَغْشى القُلُوبَ بِأسْرِها.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ﴾ أيْ لا يُنْقِصْكم، والمُرادُ أنَّكم إذا أتَيْتُمْ بِما يَلِيقُ بِضَعْفِكم مِنَ الحَسَنَةِ فَهو يُؤْتِيكم ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ؛ وهَذا لِأنَّ مَن حَمَلَ إلى مَلِكٍ فاكِهَةً طَيِّبَةً يَكُونُ ثَمَنُها في السُّوقِ دِرْهَمًا، وأعْطاهُ المَلِكُ دِرْهَمًا أوْ دِينارًا يَنْسِبُ المَلِكَ إلى قِلَّةِ العَطاءِ بَلِ البُخْلِ، فَلَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يُعْطِي مِثْلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَقْصٍ، بَلِ المَعْنى يُعْطِي ما تَتَوَقَّعُونَ بِأعْمالِكم مِن غَيْرِ نَقْصٍ. وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ الصّادِقِ، لِأنَّ مَن أتى بِفِعْلٍ مِن غَيْرِ صِدْقِ نِيَّةٍ يَضِيعُ عَمَلُهُ ولا يُعْطى عَلَيْهِ أجْرًا، فَقالَ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا﴾ وتُصَدِّقُوا لا يَنْقُصُ عَلَيْكم، فَلا تُضَيِّعُوا أعْمالَكم بِعَدَمِ الإخْلاصِ، وفِيهِ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِقُلُوبِ مِن تَأخَّرَ إيمانُهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: غَيْرِي سَبَقَنِي وآمَنَ حِينَ كانَ النَّبِيُّ وحِيدًا، وآواهُ حِينَ كانَ ضَعِيفًا، ونَحْنُ آمَنّا عِنْدَما عَجَزْنا عَنْ مُقاوَمَتِهِ وغَلَبَنا بِقُوَّتِهِ، فَلا يَكُونُ لِإيمانِنا وقْعٌ ولا لَنا عَلَيْهِ أجْرٌ، فَقالَ تَعالى: إنَّ أجْرَكم لا يَنْقُصُ وما تَتَوَقَّعُونَ تُعْطَوْنَ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّقَدُّمَ يَزِيدُ في أُجُورِهِمْ، وماذا عَلَيْكم إذا أرْضاكُمُ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَ غَيْرَكم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ رَحْمَةً واسِعَةً، وما حالُكم في ذَلِكَ إلّا حالُ مَلِكٍ أعْطى واحِدًا شَيْئًا وقالَ لِغَيْرِهِ: ماذا تَتَمَنّى ؟ فَتَمَنّى عَلَيْهِ بَلْدَةً واسِعَةً وأمْوالًا، فَأعْطاهُ ووَفّاهُ، ثُمَّ زادَ ذَلِكَ الأوَّلَ أشْياءً أُخْرى مِن خَزائِنِهِ، فَإنْ تَأذّى مِن ذَلِكَ يَكُونُ بُخْلًا وحَسَدًا، وذَلِكَ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ، وفي الدُّنْيا هو مِن صِفَةِ الأراذِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أيْ يَغْفِرُ لَكم ما قَدْ سَلَفَ ويَرْحَمُكم بِما أتَيْتُمْ بِهِ.
الحجرات 49:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
صفحة ١٢٣
إرْشادًا لِلْأعْرابِ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا إلى حَقِيقَةِ الإيمانِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ فالمُؤْمِنُونَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، يَعْنِي أيْقَنُوا بِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي في الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آمَنُوا، ثُمَّ أقُولُ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ يَرْتابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّراخِي في الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا فِيما قالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيْ أيْقَنُوا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا، فَجاهَدُوا طالِبِينَ العُقْبى، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في إيمانِهِمْ، لا الأعْرابُ الَّذِينَ قالُوا قَوْلًا ولَمْ يُخْلِصُوا عَمَلًا.
﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ .
فَإنَّهُ عالِمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وأنْتُمْ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا لا لِلَّهِ، فَلا يَقْبَلُ مِنكم ذَلِكَ.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
يُقَرِّرُ ذَلِكَ ويُبَيِّنُ أنَّ إسْلامَهم لِمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وفِيهِ لَطائِفُ: الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِقَبِيحِ فِعْلِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ لَهُ شَرَفانِ، أحَدُهُما: بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الشِّرْكِ وتَوْحِيدُهُ في العَظَمَةِ، وثانِيهِما: بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يُنَزِّهُ النَّفْسَ عَنِ الجَهْلِ ويُزَيِّنُها بِالحَقِّ والصِّدْقِ، فَهم لا يَطْلُبُونَ بِإسْلامِهِمْ جانِبَ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُونَ شَرَفَ أنْفُسِهِمْ بَلْ مَنُّوا، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ فِيهِ شَرَفَهم لَما مَنُّوا بِهِ بَلْ شَكَرُوا.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيِ الَّذِي عِنْدَكم إسْلامٌ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لِئَلّا يَكُونَ تَصْدِيقًا لَهم في الإسْلامِ أيْضًا كَما لَمْ يَصْدُقُوا في الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَصْدُقُوا في إسْلامِهِمْ، والإسْلامُ هو الِانْقِيادُ، وقَدْ وُجِدَ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا وإنْ لَمْ يُوجَدِ اعْتِقادًا وعِلْمًا، وذَلِكَ القَدْرُ كافٍ في صِدْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: التَّكْذِيبُ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يُوجَدَ نَفْسُ المُخْبَرِ عَنْهُ.
وثانِيهِما: أنْ لا يُوجَدَ كَما أخْبَرَ في نَفْسِهِ فَقَدْ يَقُولُ: ما جِئْتَنا بَلْ جاءَتْ بِكَ الحاجَّةُ، فاللَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في قَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ ما آمَنتُمْ أصْلًا، ولَمْ يَصْدُقُوا في الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَإنَّهُمُ انْقادُوا لِلْحاجَةِ وأخْذِ الصَّدَقَةِ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي لا مِنَّةَ لَكم، ومَعَ ذَلِكَ لا تُسْلِمُونَ رَأْسًا بِرَأْسٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَكم عَلَيْنا ولا لَنا عَلَيْكم مِنَّةٌ، بَلِ المِنَّةُ عَلَيْكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ حُسْنُ أدَبٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بَلْ لِيَ المِنَّةُ عَلَيْكم حَيْثُ بَيَّنَتْ لَكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، ثُمَّ في مُقابَلَةِ هَذا الأدَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .
اللَّطِيفَةُ الرّابِعَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ أسْلَمْتُمْ بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ لِأنَّ إسْلامَهم كانَ ضَلالًا حَيْثُ كانَ نِفاقًا فَما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا ؟ نَقُولُ:
صفحة ١٢٤
الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ رَزَقَكُمُ الإيمانَ، بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ وإرْسالُ الرُّسُلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ هِدايَةٌ.
ثانِيها: هو أنَّهُ تَعالى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِما زَعَمُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ قُلْتُمْ آمَنّا، فَذَلِكَ نِعْمَةٌ في حَقِّكم، حَيْثُ تَخَلَّصْتُمْ مِنَ النّارِ، فَقالَ: هُداكم في زَعْمِكم.
ثالِثُها: وهو الأصَحُّ، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرْطًا فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
الحجرات 49:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
صفحة ١٢٣
إرْشادًا لِلْأعْرابِ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا إلى حَقِيقَةِ الإيمانِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ فالمُؤْمِنُونَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، يَعْنِي أيْقَنُوا بِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي في الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آمَنُوا، ثُمَّ أقُولُ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ يَرْتابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّراخِي في الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا فِيما قالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيْ أيْقَنُوا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا، فَجاهَدُوا طالِبِينَ العُقْبى، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في إيمانِهِمْ، لا الأعْرابُ الَّذِينَ قالُوا قَوْلًا ولَمْ يُخْلِصُوا عَمَلًا.
﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ .
فَإنَّهُ عالِمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وأنْتُمْ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا لا لِلَّهِ، فَلا يَقْبَلُ مِنكم ذَلِكَ.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
يُقَرِّرُ ذَلِكَ ويُبَيِّنُ أنَّ إسْلامَهم لِمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وفِيهِ لَطائِفُ: الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِقَبِيحِ فِعْلِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ لَهُ شَرَفانِ، أحَدُهُما: بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الشِّرْكِ وتَوْحِيدُهُ في العَظَمَةِ، وثانِيهِما: بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يُنَزِّهُ النَّفْسَ عَنِ الجَهْلِ ويُزَيِّنُها بِالحَقِّ والصِّدْقِ، فَهم لا يَطْلُبُونَ بِإسْلامِهِمْ جانِبَ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُونَ شَرَفَ أنْفُسِهِمْ بَلْ مَنُّوا، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ فِيهِ شَرَفَهم لَما مَنُّوا بِهِ بَلْ شَكَرُوا.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيِ الَّذِي عِنْدَكم إسْلامٌ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لِئَلّا يَكُونَ تَصْدِيقًا لَهم في الإسْلامِ أيْضًا كَما لَمْ يَصْدُقُوا في الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَصْدُقُوا في إسْلامِهِمْ، والإسْلامُ هو الِانْقِيادُ، وقَدْ وُجِدَ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا وإنْ لَمْ يُوجَدِ اعْتِقادًا وعِلْمًا، وذَلِكَ القَدْرُ كافٍ في صِدْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: التَّكْذِيبُ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يُوجَدَ نَفْسُ المُخْبَرِ عَنْهُ.
وثانِيهِما: أنْ لا يُوجَدَ كَما أخْبَرَ في نَفْسِهِ فَقَدْ يَقُولُ: ما جِئْتَنا بَلْ جاءَتْ بِكَ الحاجَّةُ، فاللَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في قَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ ما آمَنتُمْ أصْلًا، ولَمْ يَصْدُقُوا في الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَإنَّهُمُ انْقادُوا لِلْحاجَةِ وأخْذِ الصَّدَقَةِ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي لا مِنَّةَ لَكم، ومَعَ ذَلِكَ لا تُسْلِمُونَ رَأْسًا بِرَأْسٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَكم عَلَيْنا ولا لَنا عَلَيْكم مِنَّةٌ، بَلِ المِنَّةُ عَلَيْكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ حُسْنُ أدَبٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بَلْ لِيَ المِنَّةُ عَلَيْكم حَيْثُ بَيَّنَتْ لَكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، ثُمَّ في مُقابَلَةِ هَذا الأدَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .
اللَّطِيفَةُ الرّابِعَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ أسْلَمْتُمْ بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ لِأنَّ إسْلامَهم كانَ ضَلالًا حَيْثُ كانَ نِفاقًا فَما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا ؟ نَقُولُ:
صفحة ١٢٤
الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ رَزَقَكُمُ الإيمانَ، بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ وإرْسالُ الرُّسُلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ هِدايَةٌ.
ثانِيها: هو أنَّهُ تَعالى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِما زَعَمُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ قُلْتُمْ آمَنّا، فَذَلِكَ نِعْمَةٌ في حَقِّكم، حَيْثُ تَخَلَّصْتُمْ مِنَ النّارِ، فَقالَ: هُداكم في زَعْمِكم.
ثالِثُها: وهو الأصَحُّ، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرْطًا فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
الحجرات 49:17
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
صفحة ١٢٣
إرْشادًا لِلْأعْرابِ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا إلى حَقِيقَةِ الإيمانِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ فالمُؤْمِنُونَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، يَعْنِي أيْقَنُوا بِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي في الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آمَنُوا، ثُمَّ أقُولُ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ يَرْتابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّراخِي في الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا فِيما قالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيْ أيْقَنُوا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا، فَجاهَدُوا طالِبِينَ العُقْبى، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في إيمانِهِمْ، لا الأعْرابُ الَّذِينَ قالُوا قَوْلًا ولَمْ يُخْلِصُوا عَمَلًا.
﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ .
فَإنَّهُ عالِمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وأنْتُمْ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا لا لِلَّهِ، فَلا يَقْبَلُ مِنكم ذَلِكَ.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
يُقَرِّرُ ذَلِكَ ويُبَيِّنُ أنَّ إسْلامَهم لِمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وفِيهِ لَطائِفُ: الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِقَبِيحِ فِعْلِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ لَهُ شَرَفانِ، أحَدُهُما: بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الشِّرْكِ وتَوْحِيدُهُ في العَظَمَةِ، وثانِيهِما: بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يُنَزِّهُ النَّفْسَ عَنِ الجَهْلِ ويُزَيِّنُها بِالحَقِّ والصِّدْقِ، فَهم لا يَطْلُبُونَ بِإسْلامِهِمْ جانِبَ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُونَ شَرَفَ أنْفُسِهِمْ بَلْ مَنُّوا، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ فِيهِ شَرَفَهم لَما مَنُّوا بِهِ بَلْ شَكَرُوا.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيِ الَّذِي عِنْدَكم إسْلامٌ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لِئَلّا يَكُونَ تَصْدِيقًا لَهم في الإسْلامِ أيْضًا كَما لَمْ يَصْدُقُوا في الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَصْدُقُوا في إسْلامِهِمْ، والإسْلامُ هو الِانْقِيادُ، وقَدْ وُجِدَ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا وإنْ لَمْ يُوجَدِ اعْتِقادًا وعِلْمًا، وذَلِكَ القَدْرُ كافٍ في صِدْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: التَّكْذِيبُ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يُوجَدَ نَفْسُ المُخْبَرِ عَنْهُ.
وثانِيهِما: أنْ لا يُوجَدَ كَما أخْبَرَ في نَفْسِهِ فَقَدْ يَقُولُ: ما جِئْتَنا بَلْ جاءَتْ بِكَ الحاجَّةُ، فاللَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في قَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ ما آمَنتُمْ أصْلًا، ولَمْ يَصْدُقُوا في الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَإنَّهُمُ انْقادُوا لِلْحاجَةِ وأخْذِ الصَّدَقَةِ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي لا مِنَّةَ لَكم، ومَعَ ذَلِكَ لا تُسْلِمُونَ رَأْسًا بِرَأْسٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَكم عَلَيْنا ولا لَنا عَلَيْكم مِنَّةٌ، بَلِ المِنَّةُ عَلَيْكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ حُسْنُ أدَبٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بَلْ لِيَ المِنَّةُ عَلَيْكم حَيْثُ بَيَّنَتْ لَكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، ثُمَّ في مُقابَلَةِ هَذا الأدَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .
اللَّطِيفَةُ الرّابِعَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ أسْلَمْتُمْ بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ لِأنَّ إسْلامَهم كانَ ضَلالًا حَيْثُ كانَ نِفاقًا فَما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا ؟ نَقُولُ:
صفحة ١٢٤
الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ رَزَقَكُمُ الإيمانَ، بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ وإرْسالُ الرُّسُلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ هِدايَةٌ.
ثانِيها: هو أنَّهُ تَعالى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِما زَعَمُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ قُلْتُمْ آمَنّا، فَذَلِكَ نِعْمَةٌ في حَقِّكم، حَيْثُ تَخَلَّصْتُمْ مِنَ النّارِ، فَقالَ: هُداكم في زَعْمِكم.
ثالِثُها: وهو الأصَحُّ، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرْطًا فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
الحجرات 49:18
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ أسْرارُكم، وأعْمالُ قُلُوبِكُمُ الخَفِيَّةُ، وقالَ: ﴿بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يُبْصِرُ أعْمالَ جَوارِحِكُمُ الظّاهِرَةَ، وآخِرُ السُّورَةِ مَعَ التِئامِهِ بِما قَبْلَهُ فِيهِ تَقْرِيرُ ما في أوَّلِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ، فَلا تَتْرُكُوا خَوْفَهُ في السِّرِّ ولا يَخْفى عَلَيْهِ عَلَنٌ، فَلا تَأْمَنُوهُ في العَلانِيَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَن لا نَبِيَّ بَعْدَهُ.