Lafzullah

Tafsir Al-Sam'ani — النمل 27:1 – لقمان 31:34

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Sam'ani

المحتويات
  1. النمل 27:1
  2. النمل 27:2
  3. النمل 27:3
  4. النمل 27:4
  5. النمل 27:5
  6. النمل 27:6
  7. النمل 27:7
  8. النمل 27:8
  9. النمل 27:9
  10. النمل 27:10
  11. النمل 27:11
  12. النمل 27:12
  13. النمل 27:13
  14. النمل 27:14
  15. النمل 27:15
  16. النمل 27:16
  17. النمل 27:17
  18. النمل 27:18
  19. النمل 27:19
  20. النمل 27:20
  21. النمل 27:21
  22. النمل 27:22
  23. النمل 27:23
  24. النمل 27:24
  25. النمل 27:25
  26. النمل 27:26
  27. النمل 27:27
  28. النمل 27:28
  29. النمل 27:29
  30. النمل 27:30
  31. النمل 27:31
  32. النمل 27:32
  33. النمل 27:33
  34. النمل 27:34
  35. النمل 27:35
  36. النمل 27:36
  37. النمل 27:37
  38. النمل 27:38
  39. النمل 27:39
  40. النمل 27:40
  41. النمل 27:41
  42. النمل 27:42
  43. النمل 27:43
  44. النمل 27:44
  45. النمل 27:45
  46. النمل 27:46
  47. النمل 27:47
  48. النمل 27:48
  49. النمل 27:49
  50. النمل 27:50
  51. النمل 27:51
  52. النمل 27:52
  53. النمل 27:53
  54. النمل 27:54
  55. النمل 27:55
  56. النمل 27:56
  57. النمل 27:57
  58. النمل 27:58
  59. النمل 27:59
  60. النمل 27:60
  61. النمل 27:61
  62. النمل 27:62
  63. النمل 27:63
  64. النمل 27:64
  65. النمل 27:65
  66. النمل 27:66
  67. النمل 27:67
  68. النمل 27:68
  69. النمل 27:69
  70. النمل 27:70
  71. النمل 27:71
  72. النمل 27:72
  73. النمل 27:73
  74. النمل 27:74
  75. النمل 27:75
  76. النمل 27:76
  77. النمل 27:77
  78. النمل 27:78
  79. النمل 27:79
  80. النمل 27:80
  81. النمل 27:81
  82. النمل 27:82
  83. النمل 27:83
  84. النمل 27:84
  85. النمل 27:85
  86. النمل 27:86
  87. النمل 27:87
  88. النمل 27:88
  89. النمل 27:89
  90. النمل 27:90
  91. النمل 27:91
  92. النمل 27:92
  93. النمل 27:93
  94. القصص 28:1
  95. القصص 28:2
  96. القصص 28:3
  97. القصص 28:4
  98. القصص 28:5
  99. القصص 28:6
  100. القصص 28:7
  101. القصص 28:8
  102. القصص 28:9
  103. القصص 28:10
  104. القصص 28:11
  105. القصص 28:12
  106. القصص 28:13
  107. القصص 28:14
  108. القصص 28:15
  109. القصص 28:16
  110. القصص 28:17
  111. القصص 28:18
  112. القصص 28:19
  113. القصص 28:20
  114. القصص 28:21
  115. القصص 28:22
  116. القصص 28:23
  117. القصص 28:24
  118. القصص 28:25
  119. القصص 28:26
  120. القصص 28:27
  121. القصص 28:28
  122. القصص 28:29
  123. القصص 28:30
  124. القصص 28:31
  125. القصص 28:32
  126. القصص 28:33
  127. القصص 28:34
  128. القصص 28:35
  129. القصص 28:36
  130. القصص 28:37
  131. القصص 28:38
  132. القصص 28:39
  133. القصص 28:40
  134. القصص 28:41
  135. القصص 28:42
  136. القصص 28:43
  137. القصص 28:44
  138. القصص 28:45
  139. القصص 28:46
  140. القصص 28:47
  141. القصص 28:48
  142. القصص 28:49
  143. القصص 28:50
  144. القصص 28:51
  145. القصص 28:52
  146. القصص 28:53
  147. القصص 28:54
  148. القصص 28:55
  149. القصص 28:56
  150. القصص 28:57
  151. القصص 28:58
  152. القصص 28:59
  153. القصص 28:60
  154. القصص 28:61
  155. القصص 28:62
  156. القصص 28:63
  157. القصص 28:64
  158. القصص 28:65
  159. القصص 28:66
  160. القصص 28:67
  161. القصص 28:68
  162. القصص 28:69
  163. القصص 28:70
  164. القصص 28:71
  165. القصص 28:72
  166. القصص 28:73
  167. القصص 28:74
  168. القصص 28:75
  169. القصص 28:76
  170. القصص 28:77
  171. القصص 28:78
  172. القصص 28:79
  173. القصص 28:80
  174. القصص 28:81
  175. القصص 28:82
  176. القصص 28:83
  177. القصص 28:84
  178. القصص 28:85
  179. القصص 28:86
  180. القصص 28:87
  181. القصص 28:88
  182. العنكبوت 29:1
  183. العنكبوت 29:2
  184. العنكبوت 29:3
  185. العنكبوت 29:4
  186. العنكبوت 29:5
  187. العنكبوت 29:6
  188. العنكبوت 29:7
  189. العنكبوت 29:8
  190. العنكبوت 29:9
  191. العنكبوت 29:10
  192. العنكبوت 29:11
  193. العنكبوت 29:12
  194. العنكبوت 29:13
  195. العنكبوت 29:14
  196. العنكبوت 29:15
  197. العنكبوت 29:16
  198. العنكبوت 29:17
  199. العنكبوت 29:18
  200. العنكبوت 29:19
  201. العنكبوت 29:20
  202. العنكبوت 29:21
  203. العنكبوت 29:22
  204. العنكبوت 29:23
  205. العنكبوت 29:24
  206. العنكبوت 29:25
  207. العنكبوت 29:26
  208. العنكبوت 29:27
  209. العنكبوت 29:28
  210. العنكبوت 29:29
  211. العنكبوت 29:30
  212. العنكبوت 29:31
  213. العنكبوت 29:32
  214. العنكبوت 29:33
  215. العنكبوت 29:34
  216. العنكبوت 29:35
  217. العنكبوت 29:36
  218. العنكبوت 29:37
  219. العنكبوت 29:38
  220. العنكبوت 29:39
  221. العنكبوت 29:40
  222. العنكبوت 29:41
  223. العنكبوت 29:42
  224. العنكبوت 29:43
  225. العنكبوت 29:44
  226. العنكبوت 29:45
  227. العنكبوت 29:46
  228. العنكبوت 29:47
  229. العنكبوت 29:48
  230. العنكبوت 29:49
  231. العنكبوت 29:50
  232. العنكبوت 29:51
  233. العنكبوت 29:52
  234. العنكبوت 29:53
  235. العنكبوت 29:54
  236. العنكبوت 29:55
  237. العنكبوت 29:56
  238. العنكبوت 29:57
  239. العنكبوت 29:58
  240. العنكبوت 29:59
  241. العنكبوت 29:60
  242. العنكبوت 29:61
  243. العنكبوت 29:62
  244. العنكبوت 29:63
  245. العنكبوت 29:64
  246. العنكبوت 29:65
  247. العنكبوت 29:66
  248. العنكبوت 29:67
  249. العنكبوت 29:68
  250. العنكبوت 29:69
  251. الروم 30:1
  252. الروم 30:2
  253. الروم 30:3
  254. الروم 30:4
  255. الروم 30:5
  256. الروم 30:6
  257. الروم 30:7
  258. الروم 30:8
  259. الروم 30:9
  260. الروم 30:10
  261. الروم 30:11
  262. الروم 30:12
  263. الروم 30:13
  264. الروم 30:14
  265. الروم 30:15
  266. الروم 30:16
  267. الروم 30:17
  268. الروم 30:18
  269. الروم 30:19
  270. الروم 30:20
  271. الروم 30:21
  272. الروم 30:22
  273. الروم 30:23
  274. الروم 30:24
  275. الروم 30:25
  276. الروم 30:26
  277. الروم 30:27
  278. الروم 30:28
  279. الروم 30:29
  280. الروم 30:30
  281. الروم 30:31
  282. الروم 30:32
  283. الروم 30:33
  284. الروم 30:34
  285. الروم 30:35
  286. الروم 30:36
  287. الروم 30:37
  288. الروم 30:38
  289. الروم 30:39
  290. الروم 30:40
  291. الروم 30:41
  292. الروم 30:42
  293. الروم 30:43
  294. الروم 30:44
  295. الروم 30:45
  296. الروم 30:46
  297. الروم 30:47
  298. الروم 30:48
  299. الروم 30:49
  300. الروم 30:50
  301. الروم 30:51
  302. الروم 30:52
  303. الروم 30:53
  304. الروم 30:54
  305. الروم 30:55
  306. الروم 30:56
  307. الروم 30:57
  308. الروم 30:58
  309. الروم 30:59
  310. الروم 30:60
  311. لقمان 31:1
  312. لقمان 31:2
  313. لقمان 31:3
  314. لقمان 31:4
  315. لقمان 31:5
  316. لقمان 31:6
  317. لقمان 31:7
  318. لقمان 31:8
  319. لقمان 31:9
  320. لقمان 31:10
  321. لقمان 31:11
  322. لقمان 31:12
  323. لقمان 31:13
  324. لقمان 31:14
  325. لقمان 31:15
  326. لقمان 31:16
  327. لقمان 31:17
  328. لقمان 31:18
  329. لقمان 31:19
  330. لقمان 31:20
  331. لقمان 31:21
  332. لقمان 31:22
  333. لقمان 31:23
  334. لقمان 31:24
  335. لقمان 31:25
  336. لقمان 31:26
  337. لقمان 31:27
  338. لقمان 31:28
  339. لقمان 31:29
  340. لقمان 31:30
  341. لقمان 31:31
  342. لقمان 31:32
  343. لقمان 31:33
  344. لقمان 31:34

النمل 27:1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة النَّمْل وَهِي مَكِّيَّة قَوْله تَعَالَى: ﴿طس﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ فِي السُّورَة الْمُتَقَدّمَة. وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْقُرْآن﴾ أَي: هَذِه آيَات الْقُرْآن. ﴿وَكتاب﴾ أَي: وآيات كتاب مُبين، وَأما اشتقاق الْقُرْآن وَالْكتاب قد بَينا، قَالَ أهل الْمعَانِي: أظهر الْآيَات بِالْقِرَاءَةِ تَارَة، وبالكتبة تَارَة أُخْرَى، فالآيات مظهرة بِكَوْنِهَا كتابا، وبكونها قُرْآنًا.

النمل 27:2

قَوْله تَعَالَى: ﴿هدى وبشرى للْمُؤْمِنين﴾ أَي: هدى من الضَّلَالَة، وبشرى بالثواب وَهُوَ الْجنَّة، وَيُقَال: الْآيَات هادية مبشرة. وَقَوله: ﴿للْمُؤْمِنين﴾ أَي: للمصدقين.

النمل 27:3

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة﴾ إِقَامَة الصَّلَاة أَدَاؤُهَا بفرائضها وسننها، وَقيل: إِقَامَة الصَّلَاة حفظ مواقيتها. وَقَوله: (وَيُؤْتونَ الزَّكَاة) أَي: يُعْطون الزَّكَاة، وَالزَّكَاة هِيَ زَكَاة المَال، وَقيل: زَكَاة الْفطر. وَقَوله: (وَهُوَ بِالآخِرَة هُوَ يوقنون) أَي: يصدقون.

النمل 27:4

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة زينا لَهُم أَعْمَالهم﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنَّهَا أَعمال الْمعْصِيَة، وَقيل: أَعمال الطَّاعَات وَذَلِكَ بِإِقَامَة الدَّلِيل على حسنها. وَقَوله: ﴿فهم يعمهون﴾ أَي: يتحيرون ويترددون، وَيُقَال: يعمون.

النمل 27:5

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين لَهُم سوء الْعَذَاب﴾ أَي: أشده. وَقَوله: ﴿وهم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون﴾ أَي: حظا ونصيبا.

النمل 27:6

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّك لتلقي الْقُرْآن من لدن حَكِيم عليم﴾ أَي: تؤتي الْقُرْآن، وَقيل: تَأْخُذ الْقُرْآن، وَقيل: تلقن. وَقَوله: ﴿من لدن حَكِيم عليم﴾ أَي: من عِنْده.

النمل 27:7

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا قَالَ مُوسَى لأَهله إِنِّي آنست نَارا﴾ أَي: أَبْصرت نَارا، وَمِنْه الْإِنْس سموا إنسا؛ لأَنهم مرئيون مبصرون، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى كَانَ أَخطَأ الطَّرِيق، وَذكر بَعضهم أَن مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - كَانَ يرْعَى أغنامه على شَفير الْوَادي، فرأت الأغنام النَّار فَفَزِعت، وَتَفَرَّقَتْ وَلم يكن مُوسَى راءها، فصاح بهَا مُوسَى بالأغنام حَتَّى اجْتمعت ثمَّ تَفَرَّقت ثَانِيًا، فصاح بهَا حَتَّى اجْتمعت ثمَّ تَفَرَّقت ثَالِثا، فَنظر مُوسَى فَرَأى النَّار فَذهب مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - فِي طلبَهَا. قَوْله تَعَالَى: ﴿سآتيكم مِنْهَا بِخَبَر﴾ أَي: بِخَبَر عَن الطَّرِيق. وَقَوله: ﴿أَو آتيكم بشهاب قبس﴾ قرئَ بِالتَّنْوِينِ، وَقُرِئَ على الْإِضَافَة: " بشهاب قبس " والشهاب والقبس مَعْنَاهُمَا متقاربان، فالعود إِذا كَانَ فِي أحد طَرفَيْهِ نَار، وَلَيْسَ فِي الطّرف الآخر نَار سمي: شهابا، وَيُسمى: قبسا، وَقَالَ بَعضهم: الشهَاب هُوَ شَيْء ذُو نور مثل العمود، وَالْعرب تسمي كل أَبيض ذِي نور: شهابا، والقبس هُوَ الْقطعَة من النَّار، قَالَ الشَّاعِر: (فِي كَفه صعدة مثقفة (لَهَا) سِنَان كشعلة القبس) وَأما قِرَاءَة التَّنْوِين فقد جعل القبس نعتا لِلشِّهَابِ، وَأما قِرَاءَة الْإِضَافَة هُوَ إِضَافَة لشَيْء إِلَى نَفسه، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ولدار الْآخِرَة﴾ وَمثل قَوْلهم: يَوْم الْجُمُعَة، وَمَا أشبه ذَلِك. وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تصطلون﴾ فِيهِ دَلِيل على أَنهم كَانُوا شَاتين، وَإنَّهُ أَصَابَهُ الْبرد وَالْعرب تَقول: هَلُمَّ إِلَى الصلى والقرى.

النمل 27:8

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءها نُودي أَن بورك من فِي النَّار﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لم يكن مَا رَآهُ نَارا، بل كَانَ نورا، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ نَارا؛ لِأَن النَّار لَا تَخْلُو من النُّور؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي ظن مُوسَى أَنه نَار. وَقَوله: ﴿من فِي النَّار﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَكثر الْمُفَسّرين على أَنه نور الرب، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَغَيرهم، وَذكر أَبُو بكر الْهُذلِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه الله تَعَالَى، وَذكر الْفراء أَن من فِي النَّار هُوَ الْمَلَائِكَة، وَمن حولهَا الْمَلَائِكَة أَيْضا (على القَوْل الأول، وَمن حولهَا الْمَلَائِكَة أَيْضا) . وَفِي الْآيَة قَوْله رَابِع: وَهُوَ أَن من فِي النَّار مُوسَى، فَإِن قيل: لم يكن مُوسَى فِي النَّار. قُلْنَا: قد كَانَ قَرِيبا من النَّار، وَالْعرب تسمي من قرب من الشَّيْء فِي الشَّيْء يَقُولُونَ: إِذا بلغت ذَات عرق فَأَنت فِي مَكَّة، قَالُوا هَذَا لأجل الْقرب من مَكَّة، ومُوسَى قد كَانَ قرب من النَّار فَجعله كَأَنَّهُ فِي النَّار. وَفِي الْآيَة قَول خَامِس: وَهُوَ أَن " من " بِمَعْنى " مَا " وَمعنى الْآيَة: أَن بوركت النَّار وَمَا حولهَا، وَذكر بَعضهم، أَن فِي قِرَاءَة أبي: " بوركت النَّار وَمن حولهَا " وَالْعرب تَقول: بَارك الله، وَبَارك الله عَلَيْك، وبورك فِيك بِمَعْنى وَاحِد. وَقَوله: ﴿وَسُبْحَان الله رب الْعَالمين﴾ نزه الله نَفسه، وَهُوَ المنزه عَن كل سوء وعيب.

النمل 27:9

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّه أَنا الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: إِنِّي أَنا الله الْعَزِيز الْحَكِيم. قَالَ الْفراء: الْهَاء عماد فِي هَذَا الْموضع.

النمل 27:10

قَوْله تَعَالَى: ﴿وألق عصاك فَلَمَّا رَآهَا تهتز﴾ أَي: تتحرك. وَقَوله: ﴿كَأَنَّهَا جآن﴾ الجآن هِيَ الْحَيَّة الصَّغِيرَة الَّتِي يكثر اضطرا بهَا، وَقد بَينا التَّوْفِيق بَين هَذِه الْآيَة وَبَين قَوْله: ﴿فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ . وَقَوله: ﴿ولى مُدبرا﴾ : أَي: هرب، وَيُقَال: رَجَعَ إِلَى الطَّرِيق الَّتِي جَاءَ مِنْهَا. وَقَوله: ﴿وَلم يعقب﴾ أَي: لم يلْتَفت. وَقَوله: ﴿يَا مُوسَى لَا تخف﴾ (فِي بعض التفاسير: أَن مُوسَى لما فزع وهرب قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: ﴿أقبل﴾ فَلم يرجع، فَقَالَ: ﴿لَا تخف﴾ إِنَّك من الْآمنينَ) فَلم يرجع، فَقَالَ: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ فَلم يرجع حَتَّى جعلهَا عَصا كَمَا كَانَت، ثمَّ رَجَعَ وَأَخذهَا، وَالله أعلم. قَوْله: ﴿إِنِّي لَا يخَاف لَدَى المُرْسَلُونَ﴾ يَعْنِي: إِذا أمنتهم، وَقيل: لَا يخَافُونَ من عقوبتي، فَإِنِّي لَا أعاقبهم. فَإِن قيل: أَلَيْسَ أَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء خَافُوا الله، وَقد كَانَ النَّبِي يخْشَى الله، وَقد قَالَ: " أَنا أخشاكم "؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْخَوْف الَّذِي هُوَ شَرط الْإِيمَان لَا يجوز إِلَى أَن يَخْلُو أحد مِنْهُ، فَأَما هَذَا الْخَوْف من الْعقُوبَة على الْكفْر والكبائر، وَالله تَعَالَى قد عصم الْأَنْبِيَاء من الْكفْر والكبائر.

النمل 27:11

وَقَوله: ﴿إِلَّا من ظلم﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: وَلَا من ظلم ﴿ثمَّ بدل حسنا بعد سوء﴾ أَي: تَابَ وَنَدم، وَهَذَا القَوْل ضَعِيف عِنْد أهل النَّحْو، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى الْآيَة: إِنِّي لَا يخَاف لَدَى المُرْسَلُونَ وَإِنَّمَا يخَاف غير الْمُرْسلين، إِلَّا من ظلم ثمَّ بدل حسنا بعد سوء فَإِنَّهُ لَا يخَاف، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الِاسْتِثْنَاء هَا هُنَا مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن من ظلم فخاف فَإِن بدل حسنا بعد سوء فَإِنَّهُ لَا يخَاف. وَفِي بعض التفاسير: أَن المُرَاد بقوله: ﴿إِلَّا من ظلم﴾ هُوَ مُوسَى بقتْله القبطي، وَأما تبديله الْحسن بعد السوء تَوْبَته وندامته، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ .

النمل 27:12

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأدْخل يَديك فِي جيبك تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾ قد بَينا، وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا كَانَت تلألأ مثل الْبَرْق. وَقَوله: ﴿فِي تسع آيَات﴾ أَي: مَعَ تسع آيَات، وَقيل: من تسع آيَات، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: [وَهل] ينعمن من كَانَ آخر عَهده ... [ثَلَاثِينَ] شهرا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال أَي: من ثَلَاثَة أَحْوَال. وَقَوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وَقَومه إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين﴾ أَي: خَارِجين من الطَّاعَة.

النمل 27:13

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم آيَاتنَا مبصرة﴾ أَي: بنية وَاضِحَة. قَوْله: ﴿قَالُوا هَذَا سحر مُبين﴾ أى: سحر ظَاهر.

النمل 27:14

قَوْله تَعَالَى: ﴿وجحدوا بهَا﴾ أَي: جحدوها، وَالْبَاء صلَة، وَقيل: جَحَدُوا بِالدّلَالَةِ الَّتِي ظَهرت مِنْهُمَا. وَقَوله: ﴿واستيقنتها أنفسهم﴾ يَعْنِي: وَقد علمُوا أَنَّهَا من قبل الله تَعَالَى. وَقَوله: ﴿ظلما وعلوا﴾ أَي: شركا وتكبرا. وَقَوله: ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

النمل 27:15

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُد وَسليمَان علما﴾ أَي: علم الْقَضَاء وَعلم منطق الطير ومنطق الدَّوَابّ، وَعَن بَعضهم: علم الكيمياء، وَهُوَ قَول شَاذ. وَقَوله: ﴿وَقَالا الْحَمد لله الَّذِي فضلنَا على كثير من عباده الْمُؤمنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

النمل 27:16

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ وراثة المَال، وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ إِرْث الْملك والنبوة، وَكَانَ دَاوُد ملكا نَبيا، [وَكَذَلِكَ] سُلَيْمَان ملكا نَبيا، وَأعْطى سُلَيْمَان مَا أعْطى دَاوُد من الْملك، وَزيد لَهُ تسخير الرّيح، وَلم يكن هَذَا لِأَبِيهِ، وَكَذَلِكَ تسخير الشَّيَاطِين. قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ لداود تِسْعَة عشر ولدا ذكرا، وَورث ملكه ونبوته سُلَيْمَان من بَينهم. وَفِي بعض المسانيد: عَن أبي هُرَيْرَة أَن الله تَعَالَى أَمر دَاوُد أَن يسْأَل سُلَيْمَان عَن عشر مسَائِل: فَإِن أجَاب فَهُوَ خَلِيفَته. وروى أَن الله تَعَالَى بعث إِلَى دَاوُد بِصَحِيفَة مختومة فِيهَا جَوَاب الْمسَائِل فَجمع دَاوُد الْأَحْبَار والرهبان، وأحضر سُلَيْمَان وَسَأَلَهُ عَن الْمسَائِل، وَكَانَت الْمسَائِل الْعشْر أَن دَاوُد سَأَلَ سُلَيْمَان - صلوَات الله عَلَيْهِمَا - فَقَالَ: مَا أقرب الْأَشْيَاء؟ وَمَا أبعد الْأَشْيَاء؟ وَمَا آنس الْأَشْيَاء؟ وَمَا أوحش الْأَشْيَاء؟ وَمَا الشيئان القائمان؟ وَمَا الشيئان المختلفان؟ وَمَا الشيئان المتباغضان؟ [وَمَا الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء حمد فِي آخِره؟] وَمَا الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء ذمّ فِي آخِره؟ فَقَالَ: أما أقرب الْأَشْيَاء فالآخرة، وَأما أبعد الْأَشْيَاء فَالَّذِي فاتك من الدُّنْيَا، وَأما آنس الْأَشْيَاء فجسد فِيهِ روحه، وَأما أوحش الْأَشْيَاء فجسد لَا روح فِيهِ، وَأما الشيئان القائمان فالسماء وَالْأَرْض، وَأما الشيئان المختلفان فالليل وَالنَّهَار، وَأما الشيئان المتباغضان فالحياة وَالْمَوْت، وَأما الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء حمد فِي آخِره، فالحلم عِنْد الْغَضَب، وَأما الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء ذمّ فِي آخِره فالحدة عِنْد الْغَضَب، فَلَمَّا أجَاب سُلَيْمَان بِهَذِهِ الْأَجْوِبَة، فك الْخَتْم عَن الصَّحِيفَة الَّتِي بعثها الله تَعَالَى، فَإِذا الْأَجْوِبَة على وفْق مَا قَالَ سُلَيْمَان صلوَات الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِي هَذَا الْخَبَر: أَن سُلَيْمَان لما أجَاب بِهَذِهِ الْأَجْوِبَة سَأَلته الْأَحْبَار عَن مَسْأَلَة أُخْرَى فَقَالُوا: مَا الشَّيْء الَّذِي إِذا صلح صلح الْجَسَد كُله، وَإِذا فسد فسد الْجَسَد كُله؟ فَقَالَ: هُوَ الْقلب. فَقَالَت الْأَحْبَار لَهُ: حق لَك الْخلَافَة يَا سُلَيْمَان، فَحِينَئِذٍ اسْتَخْلَفَهُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام. فَإِن قيل: إِذا كَانَ دَاوُد اسْتَخْلَفَهُ، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ ؟ قُلْنَا: المُرَاد من الْإِرْث هَاهُنَا هُوَ قِيَامه مقَام دَاوُد فِي الْملك والنبوة وَالْعلم، وَلَيْسَ المُرَاد من الْإِرْث الَّذِي يعلم فِي الْأَمْوَال، وَهَذَا مثل قَوْلهم: الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَالْمرَاد مِنْهُ مَا بَينا. {علمنَا منطق الطير وَقَوله: ﴿وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس علمنَا منطق الطير﴾ سمى صَوته منطقا لحُصُول الْفَهم بِمَعْنَاهُ، كَمَا يفهم معنى كَلَام النَّاس، إِلَّا أَن صَوت الطير على صِيغَة وَاحِدَة، وأصوات النَّاس على صِيغ مُخْتَلفَة، وَيحْتَمل أَن ذَلِك فِي زمَان سُلَيْمَان خَاصَّة معْجزَة لَهُ أَنه جعل لأصواتهم مَعَاني مفهومة كَمَا يفهم النَّاس بَعضهم من بعض. وَقد روى نَافِع، عَن ابْن عمر أَن النَّبِي قَالَ: " الديك الْأَبْيَض صديقي، وصديق صديقي وعدو عدوى، فَقيل: يَا رَسُول الله، وماذا يَقُول؟ قَالَ: يَقُول اذْكروا الله يَا غافلين ". وَهَذَا خبر غَرِيب. وَفِي بعض المسانيد: أَن جمَاعَة من الْيَهُود أَتَوا عبد الله بن عَبَّاس: فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا سائلوك عَن أَشْيَاء فَإِن أجبتنا أسلمنَا، فَقَالَ: سلوا تفقها، وَلَا تسألوا تعنتا، فَقَالُوا: مَاذَا يَقُول القس فِي صفيره؟ والديك فِي صقيعه؟ والضفدع فِي نقيقه؟ وَالْحمار فِي نهيقه؟ وَالْفرس فِي صهيله؟ وماذا يَقُول الزرزور أَو الدراج؟ فَقَالَ: أما القس يَقُول: اللَّهُمَّ الْعَن مبغضي مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد، وَأما الديك يَقُول: اذْكروا الله يَا غافلين، وَأما الضفدع يَقُول: سُبْحَانَ المعبود فِي لجج الْبحار، وَأما الْحمار فَيَقُول: اللَّهُمَّ الْعَن العشارين، وَأما الْفرس إِذا حمحم عِنْد التقاء الصفين فَإِنَّهُ يَقُول: سبوح قدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح، وَأما الزرزور فَإِنَّهُ يَقُول: اللَّهُمَّ أَسأَلك قوت يَوْم بِيَوْم يارزاق، وَأما الدراج فَيَقُول: الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى، قَالَ: فَأسلم الْيَهُود. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي الْحمار: " إِذا نهق فَإِنَّهُ قد رأى شَيْطَانا ". وَقَوله: ﴿وأوتينا من كل شَيْء﴾ أَي: من كل شَيْء يُؤْتى الْأَنْبِيَاء والملوك، وَقيل: إِنَّه قَالَ هَذَا على طَرِيق الْكَثْرَة وَالْمُبَالغَة، مثل قَول الْقَائِل: كلمت كل أحد فِي حَاجَتك. وَقَوله: ﴿إِن هَذَا لَهو الْفضل الْمُبين﴾ أَي: الزِّيَادَة الظَّاهِرَة على جَمِيع الْخلق.

النمل 27:17

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحشر لِسُلَيْمَان جُنُوده﴾ قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: كَانَ مُعَسْكَره مائَة فَرسَخ: خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للإنس، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للجن، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للوحوش، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للطيور. وَعَن سعيد بن جُبَير: كَانَ يوضع لِسُلَيْمَان سِتّمائَة ألف كرْسِي، يجلس الْإِنْس فِيمَا يَلِيهِ، ثمَّ يليهن الْجِنّ، ثمَّ تظلهم الطير ثمَّ تقلهم الرّيح. قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الشَّافِعِي، أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس، أخبرنَا الديبلي، أخبرنَا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن سَلام، عَن سعيد بن جُبَير ... الْأَثر. وَقَوله: ﴿فهم يُوزعُونَ﴾ أَي: يساقون، وَقيل: يجمعُونَ، وَالْقَوْل الْمَعْرُوف: يكفون، وَمَعْنَاهُ: يكف أَوَّلهمْ حَتَّى يلْحق آخِرهم، قَالَ الشَّاعِر: (على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا ... فَقلت ألما أصح والشيب وازع) وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لابد للنَّاس من وزعة. قَالَ هَذَا حِين ولى الْقَضَاء، وازدحم عَلَيْهِ النَّاس. وَعَن عُثْمَان قَالَ: مَا يَزع السُّلْطَان أَكثر مِمَّا يَزع الْقُرْآن. وَمَعْنَاهُ: مَا يمْتَنع النَّاس مِنْهُ خوفًا من السُّلْطَان أَكثر مِمَّا يمْتَنع النَّاس مِنْهُ خوفًا من الْقُرْآن. {حَتَّى إِذا أَتَوا على وَاد النَّمْل قَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل أدخلُوا مَسَاكِنكُمْ وَعَن بَعضهم فِي الْفرق بَين عمر وَعُثْمَان: أَن عمر أَسَاءَ الظَّن فَشدد فِي الْأَمر فصلحت رَعيته، وَعُثْمَان أحسن الظَّن فساهل الْأَمر ففسدت رَعيته. وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ على كل صنف من الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير وَالدَّوَاب لِسُلَيْمَان صلوَات الله عَلَيْهِ، وزعة.

النمل 27:18

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا أَتَوا على وَاد النَّمْل﴾ يُقَال: هُوَ وَاد بِالشَّام، وَقَالَ كَعْب: وَاد بِالطَّائِف. وَقَالَ بَعضهم: وَاد كَانَ سكنه الْجِنّ، وَأُولَئِكَ النَّمْل مراكبهم وَهِي كالذئاب. وَقيل: كالبخاتي، وَالْمَشْهُور أَنه النَّمْل الصَّغِير، وَسميت نملا لتنملها أَي: لِكَثْرَة حركتها. وَعَن عدي بن حَاتِم انه كَانَ يفت الْخبز للنمل. قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهِ أَبُو على الشَّافِعِي بذلك الْإِسْنَاد، وَالَّذِي بَينا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن مَسْعُود، عَن رجل، عَن عدي بن حَاتِم. وَقَوله: ﴿قَالَت نملة﴾ يحْتَمل أَن الله تَعَالَى خلق للنمل فِي ذَلِك الْوَقْت كلَاما مفهوما، والنمل عِنْد الْعَرَب من الحكل، والحكل مَالا صَوت لَهُ، قَالَ الشَّاعِر: (علم سُلَيْمَان الحكل) وَقَوله: ﴿يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ﴾ وَلم يقل: ادخلي، وَحقّ اللُّغَة أَن يَقُول: ادخلي، وَإِنَّمَا يُقَال: ادخُلُوا لبني آدم، لكِنهمْ لما تكلمُوا بِمثل كَلَام الْآدَمِيّين خوطبوا مثل خطاب الْآدَمِيّين. وَقَوله: ﴿لَا يحطمنكم﴾ أَي: لَا يسكرنكم كسر الْهَلَاك ، ﴿سُلَيْمَان وَجُنُوده﴾ (وَقيل: لَا يطأنكم، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا، وَإِنَّمَا الرّيح كَانَت تحمل سُلَيْمَان ? فَإِنَّهُ روى أَن سُلَيْمَان وَجُنُوده كَانُوا يَجْتَمعُونَ على بِسَاط، وَالرِّيح تحمل الْبسَاط؛ وَالْجَوَاب: يحْتَمل أَنه كَانَ فيهم مشَاة، وَكَانَت الأَرْض تطوى لَهُم، وَيحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل تسخير الرّيح لِسُلَيْمَان وَالله أعلم. فَإِن قيل: لم يكن النَّمْل من الطير، وَهُوَ كَانَ تعلم منطق الطير؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ الشّعبِيّ: كَانَت نملا لَهَا أَجْنِحَة فَيكون طيراً. وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: علم النَّمْل أَن سُلَيْمَان ملك لَيْسَ لَهُ جبرية وظلم، وَمعنى الْآيَة: أَنكُمْ لَو لم تدْخلُوا المساكن وطئوكم، وَلم يشعروا بكم، وَلَو عرفُوا لم يطئوا، وَفِي الْقِصَّة [أَيْضا] : أَن سُلَيْمَان لما بلغ وَادي النَّمْل حبس جنده حَتَّى دخل النَّمْل بُيُوتهم، وَفِي الْقِصَّة أَيْضا: أَن سُلَيْمَان سمع كَلَام النَّمْل على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَكَانَ الله تَعَالَى أَمر الرّيح أَن تَأتيه بِكُل خبر وكل كَلَام، وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن النَّمْل يكره قَتلهَا، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ قَالَ: هم الَّذين لَا يؤدون الذَّر، وَهُوَ صغَار النَّمْل. فَإِن قيل: كَيفَ يَصح أَن يثبت للنمل مثل هَذَا الْعلم؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: يجوز أَن يخلق الله تَعَالَى فِيهِ هَذَا النَّوْع من الْفَهم وَالْعلم، وَيُقَال: إِنَّه أسْرع جسة إدراكا، وَهُوَ إِذا أَخذ الْحبَّة من الْحِنْطَة قطعهَا بنصفين لِئَلَّا تنْبت، وَإِذا أَخذ الكزبرة قطعهَا أَربع قطع؛ لِأَن الكزبرة إِذا قطعت قطعتين تنْبت، فَإِذا قطعت أَربع قطع لم تنْبت.

النمل 27:19

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا من قَوْلهَا﴾ قَالَ الزّجاج: ضحك الْأَنْبِيَاء التبسم. وَقَوله: ﴿ضَاحِكا﴾ أَي: مُتَبَسِّمًا، وَيُقَال: كَانَ أَوله التبسم وَآخره الضحك، فَإِن قيل: لم ضحك؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: فَرحا بثناء النملة عَلَيْهِ، وَالْآخر: سمع عجبا، وَمن سمع عجبا يضْحك، وَرُبمَا يغلب فِي ذَلِك. وَقَوله: ﴿وَقَالَ رب أوزعني﴾ أَي: ألهمني. وَقَوله: ﴿أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت على﴾ يُقَال: الشُّكْر انفتاح الْقلب لرؤية الْمِنَّة، وَيُقَال: هُوَ الثَّنَاء على الله تَعَالَى بإنعامه. قَوْله: ﴿وعَلى وَالِدي﴾ أَي: أَبَاهُ دَاوُد وَأمه آيسا. وَقَوله: ﴿وَأَن أعمل صَالحا ترضاه﴾ أَي: من طَاعَتك. وَقَوله: ﴿وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين﴾ أَي: مَعَ عِبَادك الصَّالِحين الْجنَّة.

النمل 27:20

قَوْله تَعَالَى: ﴿وتفقد الطير﴾ التفقد هُوَ طلب مَا قد فقد. وَقَوله: ﴿مَا لي لَا أرى الهدهد﴾ الهدهد طير مَعْرُوف، فَإِن قيل: لم طلبه؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الطير كَانَت تظل سُلَيْمَان وجنده من الشَّمْس، فَنظر فَرَأى مَوضِع الهدهد خَالِيا تصبيه الشَّمْس مِنْهُ، فَطلب لهَذَا، وَالثَّانِي: مَا روى عَن ابْن عَبَّاس أَن الهدهد كَانَ يعرف مَوضِع المَاء فِي الأَرْض، وَكَانَ يبصر المَاء فِيهَا كَمَا يبصر فِي الزجاجة، وَكَانَ يذكر قدر قرب المَاء وَبعده، فَاحْتَاجَ سُلَيْمَان إِلَى المَاء فِي مسيره، فَطلب الهدهد لذَلِك. فروى أَن نَافِع بن الْأَزْرَق كَانَ عِنْد ابْن عَبَّاس وَهُوَ يذكر هَذَا فَقَالَ: يَا وصاف انْظُر مَا تَقول، فَإِن الصَّبِي منا يضع الفخ ويحثو عَلَيْهِ التُّرَاب، فيجئ الهدهد فَيَقَع فِي الفخ. فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: إِن الْقدر يحول دون الْبَصَر، وروى أَنه قَالَ: إِذا جَاءَ الْقَضَاء وَالْقدر ذهب اللب وَالْبَصَر. وَقَوله: ﴿أم كَانَ من الغائبين﴾ يَعْنِي: أَكَانَ من الغائبين؟ وَالْمِيم فِيهِ صلَة، كَأَنَّهُ أعرض عَن الْكَلَام الأول، وَذكر هَذَا على طَرِيق الِاسْتِفْهَام، وَيُقَال: إِنَّه لما قَالَ: ﴿مَالِي لَا أرى الهدهد﴾ دخله شكّ، فَقَالَ: أحاضر هُوَ أم غَائِب؟ .

النمل 27:21

قَوْله تَعَالَى: ﴿لأعذبنه عذَابا شَدِيدا﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا - وَهُوَ الْأَشْهر - أَنه نتف ريشه وإلقاؤه فِي الشَّمْس فيأكله النَّمْل، وَيُقَال: هُوَ حَبسه مَعَ الضِّدّ، وَيُقَال: إِخْرَاجه من جنسه إِلَى غير جنسه، فَهُوَ الْعَذَاب الشَّديد. وَقَوله: ﴿أَو لأذبحنه﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿أَو ليأتيني بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: بِعُذْر ظَاهر، وَيُقَال: بِحجَّة بَيِّنَة، وَفِي الْقِصَّة: أَن أَمِير الطير كَانَ هُوَ الكركر، فَسَأَلَهُ سُلَيْمَان عِنْد الهدهد أَنه حَاضر أم غَائِب؟ .

النمل 27:22

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَكثَ غير بعيد﴾ أَي: غير طَوِيل. وَقَوله: ﴿فَقَالَ أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ فِيهِ حذف، وَمَعْنَاهُ: أَن الهدهد جَاءَ وَسَأَلَهُ سُلَيْمَان - عَلَيْهِ السَّلَام - عَن غيبته فَقَالَ: ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ . وَفِي الْقِصَّة: أَن الهدهد قَالَ لما أخبر بمقالة سُلَيْمَان: ﴿لأعذبنه عذَابا شَدِيدا أَو لأذبحنه﴾ قَالَ الهدهد: هَل اسْتثْنى نَبِي الله؟ قَالُوا: نعم، قد قَالَ: (أَو ليأتيني بسُلْطَان مُبين) قَالَ: فنجوت إِذا. فَإِن قَالَ قَائِل: التعذيب إِنَّمَا يكون بعد التَّكْلِيف، والهدهد لم يكن مُكَلّفا، وَإِذا لم يكن مُكَلّفا لم يكن عَاصِيا بالغيبة، وَإِذا لم يكن عصيا لَا يسْتَحق الْعَذَاب؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: يحْتَمل أَن الطير أَعْطَاهَا الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْوَقْت مَا يعْقلُونَ بِهِ الْأَمر، فصح نهيهم عَن الْغَيْبَة والإخلال بمركز الْخدمَة، فَإِذا غبن استحققن الْعَذَاب. وَأما قَوْله: ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ الْإِحَاطَة هُوَ الْعلم بالشَّيْء من جَمِيع جهاته. وَقَوله: ﴿وجئتك من سبأ﴾ وَقُرِئَ: " سبأ " بِغَيْر صرف، فَمن صرف سبأ صرفه على أَنه اسْم رجل، وَفِي بعض التفاسير: عَن النَّبِي أَنه سُئِلَ عَن سبأ فَقَالَ: " هُوَ رجل ولد عشرَة من الْبَنِينَ تيامن مِنْهُم سِتَّة وتشاءم مِنْهُم أَرْبَعَة، فَأَما الَّذِي تيامنوا فهم كِنْدَة، والأشعر، والأزد، وحمير، ومذحج، وأنمار، وَأما الَّذين تشاءموا فهم: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان ". وَمن لم يصرفهُ جعله اسْما للبقعة، وَاعْلَم أَن الْعَرَب قد صرفت سبأ مرّة وَلم تصرفه مرّة، قَالَ الشَّاعِر فِي صرف سبأ: (الواردون وتيم فِي ذرى سبأ ... قد عض أَعْنَاقهم جلد الجواميس} وَقَالَ آخر: فِي ترك صرفه: (من سبأ الْحَاضِرين مأرب إِذْ ... يبنون من دون سيله العرما) وَقَوله: ﴿بِنَبَأٍ يَقِين﴾ أَي: بِخَبَر حق.

النمل 27:23

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنِّي وجدت امْرَأَة تملكهم﴾ هَذِه الْمَرْأَة هِيَ بلقيس بنت شرَاحِيل. قَالَ مُجَاهِد: وَلَدهَا أَرْبَعُونَ ملكا، آخِرهم أَبوهَا. وَعَن قَتَادَة قَالَ: كَانَ أحد أَبَوَيْهَا من الْجِنّ. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: ولوا أَمرهم علجة يضطرب ثدياها. وَقد ثَبت عَنهُ بِرِوَايَة أبي بكرَة حِين بلغه أَن الْعَجم ولوا عَلَيْهِم بنت كسْرَى، ) . وَعَن خَالِد بن صَفْوَان فِي ذمّ الْيمن: هم من بَين دابغ جلد ، وسايس قرد ، وحائك برد ، ملكتهم امْرَأَة ، وَدلّ عليم هدهد وغرقتهم فَأْرَة. وَاعْلَم أَن أهل الْيمن ممدوحون على لِسَان النَّبِي، وَإِنَّمَا الذَّم الَّذِي ذكرنَا لأهل الشّرك مِنْهُم. وَقَوله: ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ أَي: من كل شَيْء يُؤْتى مثلهَا. وَقَوله: ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾ أَي: سَرِير ضخم، وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ طول السرير [ثَمَانِينَ] ذِرَاعا فِي عرض ثَمَانِينَ، وَقيل: أقل من ذَلِك، وَالله أعلم. قَالُوا: وَكَانَ مكللا بالجواهر واليواقيت والزبرجد، وَمَا أشبه ذَلِك.

النمل 27:24

وَقَوله: ﴿وَجدتهَا وقومها يَسْجُدُونَ للشمس من دون الله وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل﴾ أَي: عَن سَبِيل الْإِسْلَام. وَقَوله: ﴿فهم لَا يَهْتَدُونَ﴾ أَي: الطَّرِيق الْحق.

النمل 27:25

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا يسجدوا لله﴾ وَقُرِئَ: " أَلا يسجدوا " مخففا، فَأَما من قَرَأَ: ﴿إِلَّا﴾ مشددا فَمَعْنَاه: فصدهم عَن السَّبِيل أَلا يسجدوا يَعْنِي: لِئَلَّا يسجدوا، وَقيل مَعْنَاهُ: وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم أَلا يسجدوا، وعَلى هَذِه الْقِرَاءَة لَا سُجُود عِنْد تِلَاوَته، هَكَذَا ذكره أهل التَّفْسِير، وَأما قِرَاءَة التَّخْفِيف فَمَعْنَى قَوْله: " أَلا يسجدوا " أَي: أَلا يَا هَؤُلَاءِ اسجدوا. (أَلا يسلمى يادارمي على البلى ... وَلَا زَالَ منهلا بجرعائك الْقطر} وَمَعْنَاهُ: أَلا يَا اسلمى يَا دَار. وَقَالَ آخر: (أَلا يسلمى يَا هِنْد هِنْد بنى ... بدر وَإِن كَانَ حيانا غَدا آخر الدَّهْر) وَمَعْنَاهُ: أَلا يَا اسلمى هِنْد، وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا من قَول الهدهد، وَيحْتَمل أَن يكون من قَول الله تَعَالَى ابْتِدَاء، قَالَ أهل التَّفْسِير: وعَلى هَذِه الْقِرَاءَة يسن السَّجْدَة؛ لِأَنَّهُ أَمر بِالسُّجُود وَقَالَ بَعضهم: على الْقِرَاءَة الأولى يسْجد أَيْضا مُخَالفَة للْمُشْرِكين. وَقَوله: ﴿الله الَّذِي يخرج الخبء﴾ أَي: مَا غَابَ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَالَّذِي غَابَ فِي السَّمَاء هُوَ الْمَطَر، وَالَّذِي غَابَ فِي الأَرْض هُوَ النَّبَات، وَقيل: [كل] مَا غَابَ. وَقَوله: ﴿وَيعلم مَا تخفون وَمَا تعلنون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

النمل 27:26

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ ذكر الْعَرْش هَا هُنَا، لِأَنَّهُ أخبر أَنه كَانَ لَهَا عرش عَظِيم، وَفَائِدَة الذّكر [أَن] عرشها صَغِير حقير فِي جنب عرش الله تَعَالَى.

النمل 27:27

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سننظر أصدقت أم كنت من الْكَاذِبين﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُلُوك يجب عَلَيْهِم التثبت فِيمَا يخبرون. وَقَوله: ﴿أم كنت من الْكَاذِبين﴾ أَي: أم أَنْت من الْكَاذِبين.

النمل 27:28

قَوْله تَعَالَى: ﴿اذْهَبْ بكتابي هَذَا فألقه إِلَيْهِم ثمَّ تول عَنْهُم﴾ قَالُوا: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ: ألقه إِلَيْهِم فَانْظُر مَاذَا يرجعُونَ ثمَّ تول عَنْهُم، وَقيل مَعْنَاهُ: تول عَنْهُم أَي: تَنَح عَنْهُم ثمَّ أنظر مَاذَا يرجعُونَ. قَالَ بَعضهم: علم الهدهد أدب الدُّخُول على الْمُلُوك يَعْنِي: إِذا دخل الدَّاخِل على الْملك يَنْبَغِي أَن لَا يقف، بل يذهب فِي الْحَال ثمَّ يرجع وَيطْلب الْجَواب.

النمل 27:29

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت يَا أَيهَا الْمَلأ﴾ فِي الْآيَة حذف، وَهُوَ أَن الهدهد ذهب وَحمل الْكتاب، وَفِي الْقِصَّة: أَنه دخل عَلَيْهَا من جِهَة الكوة، وَكَانَت هِيَ فِي خلْوَة مستلقية على سريرها، فَطرح الْكتاب على صدرها، وَقيل: كَانَت نَائِمَة فَوَضعه بجنبها، وَيُقَال: ذهب بِالْكتاب وَطَرحه على حجرها، فِي مَلأ من النَّاس، وَأما الْمَلأ فهم أَشْرَاف الْقَوْم وكبراؤهم. وَيُقَال: كَانَ لَهَا ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر قائدا، كل قَائِد على اثْنَي عشر ألفا، وَيُقَال: كَانَ لَهَا اثْنَا عشر ألف قَائِد، كل قَائِد على ألف رجل. وَقَوله: ﴿إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم﴾ أَي: حسن، وَيُقَال: مختوم. وَفِي الْأَخْبَار عَن النَّبِي بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس: " من كَرَامَة الْكتاب خَتمه "، وَالْقَوْل الثَّالِث: كتاب كريم أَي: كريم كَاتبه ومرسله.

النمل 27:30

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان﴾ فِي التَّفْسِير: أَن سُلَيْمَان كَانَ قد كتب: من عبد الله سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَى بلقيس بنت شرَاحِيل {بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَلا تعلوا على وأتوني مُسلمين) . قَالَ أهل الْعلم: وَهَذَا الْكتاب أوجز مَا يكون من الْكتب، فَإِنَّهُ جمع العنوان وَالْكتاب وَالْمَقْصُود فِي سطرين، وَكتب الْأَنْبِيَاء على غَايَة الإيجاز. وَعَن الشّعبِيّ: " كَانَ رَسُول يكْتب أَولا بِاسْمِك اللَّهُمَّ، فَلَمَّا أنزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿بِسم الله مجريها وَمرْسَاهَا﴾ كتب بِسم الله، فَلَمَّا أنزل الله تَعَالَى: ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ كتب بِسم الله الرَّحْمَن، فَلَمَّا أنزل الله تَعَالَى فِي سُورَة النَّمْل: ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ كتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ". قَالَ عَاصِم: قلت لِلشَّعْبِيِّ: رَأَيْت كتابا للنَّبِي فِي ابْتِدَائه بِسم الله الرَّحْمَن، فَقَالَ: ذَلِك هُوَ الْكتاب الثَّالِث. وَعَن بُرَيْدَة - رَضِي الله عَنهُ - أَن رَسُول الله قَالَ لَهُ: " إِنِّي أعلم آيَة أنزلت عَليّ لم تنزل على نَبِي بعد سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَالله لَا أخرج من الْمَسْجِد حَتَّى أخْبرك بهَا. قَالَ: فَقَامَ وَأخرج إِحْدَى رجلَيْهِ من الْمَسْجِد، فَقلت فِي نَفسِي: إِنَّه قد حلف، فَالْتَفت إِلَيّ، وَقَالَ لي: بِمَ تفتتح صَلَاتك ? يَعْنِي قراءتك؟ قلت: بِسم الله الرَّحْمَن لرحيم قَالَ: هِيَ هِيَ، ثمَّ خرج ".

النمل 27:31

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا تعلوا عَليّ﴾ أَي: لَا تتعظموا على، وَقيل: لَا تتكبروا على، وَمَعْنَاهُ: لَا تمتنعوا وتتركوا الْإِجَابَة، فَإِن الِامْتِنَاع وَترك الْإِجَابَة من الْعُلُوّ والتكبر. وَقَوله: ﴿وأتوني مُسلمين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: هُوَ من الْإِسْلَام، وَالْآخر: من الاستسلام.

النمل 27:32

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت يَا أَيهَا الْمَلأ أفتوني فِي أَمْرِي﴾ قَالَت هَذَا على طَرِيق الاستشارة؛ لِأَنَّهَا علمت أَن ملك سُلَيْمَان أعظم من ملكهَا، وَقَوله: ﴿أفتوني فِي أَمْرِي﴾ . أَي: أجيبوني فِي أَمْرِي. وَقَوله: ﴿مَا كنت قَاطِعَة أمرا﴾ أَي: قاضية ومبرمة أمرا ﴿حَتَّى تَشْهَدُون﴾ أَي: تحضرون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " مَا كنت قاضية أمرا ".

النمل 27:33

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا نَحن أولو قُوَّة وأولو بَأْس شَدِيد﴾ أخبروا بكثرتهم وشجاعتهم. وَقَوله: ﴿وَالْأَمر إِلَيْك﴾ ثمَّ ردوا الْأَمر إِلَيْهَا لتقاتل أَو تتْرك الْقِتَال، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فانظري مَاذَا تأمرين﴾ .

النمل 27:34

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَت إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها﴾ أَي: خربوها. وَقَوله: ﴿وَجعلُوا أعزة أَهلهَا أَذِلَّة﴾ الأعزة هُوَ الْقَوْم الَّذين يمتنعون من قبُول الذل بقوتهم وقدرتهم، فجعلهم أَذِلَّة فِي هَذَا الْموضع إِنَّمَا هُوَ بالاستعباد والاستسخار. وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن هَذَا من قَول الله تَعَالَى على طَرِيق التَّصْدِيق لَهَا، لَا على طَرِيق الْحِكَايَة عَنْهَا.

النمل 27:35

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي مُرْسلَة إِلَيْهِم بهدية﴾ الْهَدِيَّة هِيَ الْعَطِيَّة على طَرِيق المثامنة، والهدايا بَين الإخوان مُسْتَحبَّة، وَقد روى عَن النَّبِي: " تهادوا تحَابوا ". وَقد ثَبت عَن النَّبِي: " كَانَ يقبل الْهَدِيَّة، وَيرد الصَّدَقَة ". وروى عَنهُ أَنه قَالَ: " هَدَايَا الْأُمَرَاء غلُول ". وروى أَن رجلا أهْدى إِلَى عمر - رَضِي الله عَنهُ - رجل جزور، وَكَانَ بَينه وَبَين نسان خُصُومَة، فَلَمَّا ارتفعا إِلَيْهِ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، افصل بيني وَبَينه كَمَا يفصل من الْجَزُور رجله، فَقَالَ: أَنْت ذَاك، ثمَّ إِنَّه رد عَلَيْهِ رجل الْجَزُور، وَقضى عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ﴾ روى أَنَّهَا قَالَت: إِن كَانَ سُلَيْمَان ملكا فأرضيه بِالْمَالِ، وَإِن كَانَ نَبيا فَلَا يرضى بِالْمَالِ. وَأما الْهَدِيَّة الَّتِي بعثتها إِلَى سُلَيْمَان، فَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كَانَت مائَة وصيف وَمِائَة وصيفة. وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: مِائَتَا غُلَام وَمِائَتَا جَارِيَة. وَكَانَ بَعضهم يشبه الْبَعْض فِي الصُّورَة وَالصَّوْت والهيئة، وَقَالَت للرسول: قل لَهُ: ليميز بَين الغلمان [والجواري] . وَعَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: أَهْدَت إِلَيْهِ لبنة من ذهب ملفوفة فِي الدبياج. وروى أَنَّهَا أَهْدَت إِلَيْهِ من الْحَرِير والكافور والمسك وَالطّيب شَيْئا كثيرا. وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا بعثت إِلَيْهِ بخرزتين، أَحدهمَا لَا ثقب لَهَا، وَالْأُخْرَى لَهَا ثقب معوج، وَطلبت أَن يدْخل الْخَيط فِي الثقب المعوج من غير علاج إنس وَلَا جن، وَأَن يثقب الخرزة الْأُخْرَى من غير علاج إنس وَلَا جن، وَبعثت إِلَيْهِ بقدح، وَطلبت مِنْهُ أَن يملأه من مَاء لم ينزل من السَّمَاء وَلَا نبع من الأَرْض.

النمل 27:36

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَان قَالَ أتمدونن بِمَال﴾ الْإِمْدَاد إِلْحَاق الثواني بالأوائل، وَقيل: أَن يلْحق الثَّانِي بِالْأولِ، وَالثَّالِث بِالثَّانِي، وَالرَّابِع بالثالث إِلَى أَن يَنْتَهِي. وَقَوله: ﴿فَمَا آتَانِي الله خير مِمَّا آتَاكُم﴾ مَا أَعْطَانِي الله من النُّبُوَّة وَالْملك وَالْمَال أفضل مِمَّا آتَاكُم. وَقَوله: ﴿بل أَنْتُم بهديتكم تفرحون﴾ مَعْنَاهُ: أَن بَعْضكُم يفرح بالإهداء إِلَى بعض، فَأَما أَنا فَلَا أفرح بهداياكم. وَفِي الْقِصَّة: أَن الْمَرْأَة كَانَت قَالَت للرسل: إِن كَانَ سُلَيْمَان ملكا فَلَا يجلسكم، وَإِن كَانَ نَبيا فيجلسكم، فروى أَن (الرَّسُول) لما جَاءُوا وقربوا من سُلَيْمَان، جَاءَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَأخْبرهُ بمجيئهم وَمَا مَعَهم، فَأمر سُلَيْمَان بلبنات من ذهب وَفِضة، حَتَّى جعلت تَحت أرجل الدَّوَابّ، وَجعلت الدَّوَابّ تروث وتبول عَلَيْهَا؟ ، فَلَمَّا رأى الرُّسُل ذَلِك استحقروا مَا عِنْدهم. وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لما دخلُوا قَامُوا قيَاما، فَقَالَ لَهُم سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام: إِن الله تَعَالَى رفع السَّمَاء وَبسط الأَرْض، فَمن شَاءَ جلس وَمن شَاءَ قَامَ. وروى أَنه أَمرهم بِالْجُلُوسِ ودعا بالغلمان والجواري بِأَن يتوضئوا، فَمن صب المَاء على بطن ساعده قَالَ: هِيَ جَارِيَة، وَمن صب المَاء على ظهر ساعده قَالَ: هُوَ غُلَام. وروى انه جعل من بَدَأَ بالمرفق فِي الْغسْل غُلَاما، وَمن بَدَأَ بالزند فِي الْغسْل جَارِيَة، وروى أَنه جعل من أغرف الأناء غُلَاما، وَمن صب على يَده جَارِيَة. ودعا بالخرزتين فَجَاءَت دودة تكون فِي الرّطبَة، وَقيل: فِي الصفصاف، فَقَالَت: أَنا أَدخل الْخَيط فِي هَذَا الثقب على أَن يكون رِزْقِي فِي الصفصاف، فَجعل لَهَا ذَلِك فَربط الْخَيط عَلَيْهَا، وَقيل: أخذت الْخَيط بفيها وَدخلت فِي الثقب [فَخرجت] من الْجَانِب الآخر. وَأما الخرزة الْأُخْرَى فَجَاءَت دودة تكون فِي الْفَوَاكِه، وثقبت الخرزة على أَن يكون رزقها فِي الْفَوَاكِه، فَجعل لَهَا ذَلِك، ثمَّ دَعَا بالقدح وَأمر بإجراء الْخَيل، وملأ الْقدح من عرقها، ثمَّ رد الْهَدَايَا على الرُّسُل حَتَّى ردوهَا على الْمَرْأَة. قَالَ أهل الْعلم: وَقد كَانَ الْأَنْبِيَاء لَا يقبلُونَ هَدَايَا الْمُشْركين.

النمل 27:37

قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا﴾ . أَي: لَا طَاقَة لَهُم بهَا. وَقَوله: ﴿ولنخرجهم مِنْهَا أَذِلَّة﴾ أَي: من بِلَادهمْ. وَقَوله: ﴿وهم صاغرون﴾ أَي: نخرجهم على وَجه الذلة وَالصغَار، وَذَلِكَ يكون بالأسر والاستعباد، وَمَا أشبه ذَلِك.

النمل 27:38

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يأيها الْمَلأ﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن سُلَيْمَان قَالَ هَذَا بعد أَن أرجع الرَّسُول ورد الْهَدَايَا، فَإِن قَالَ قَائِل: لما رد الْهَدَايَا كَيفَ طلب عرشها وسريرها؟ وَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: أَنه أحب أَن يكون ذَلِك السرير لَهُ، وَكَانَ قد وصف. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه أحب أَن يرَاهُ فَإِنَّهُ كَانَ قيل لَهُ: إِنَّه من ذهب وقوائمه من جَوْهَر وَهُوَ مكلل بِاللُّؤْلُؤِ. وَالْوَجْه الثَّالِث: أَنه أَرَادَ أَن يريها معْجزَة عَظِيمَة، فَإِنَّهُ روى أَنَّهَا جعلت ذَلِك الْعَرْش فِي سَبْعَة أَبْيَات بَعْضهَا دَاخل فِي الْبَعْض، وغلقت الْأَبْوَاب واستوثقت مِنْهَا، فَأَرَادَ أَن يريها عرشها عِنْده حَتَّى إِذا رَأَتْ هَذِه المعجزة الْعَظِيمَة آمَنت. وَقَوله: ﴿أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿قبل أَن يأتوني مُسلمين﴾ أَي: مستسلمين، وَقيل: هُوَ من الْإِسْلَام. وَفِي الْقِصَّة: أَن بلقيس أَقبلت فِي جنودها إِلَى سُلَيْمَان - عَلَيْهِ السَّلَام - طلبا للصلح ودخولا فِي طَاعَته.

النمل 27:39

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ عفريت من الْجِنّ﴾ قرئَ فِي الشاذ: " قَالَ عفرية من الْجِنّ " والعفريت والعفريت هُوَ الشَّديد الْقوي، وَفِي بعض التفاسير: أَنه كَانَ صَخْر الجني، وروى أَنه كَانَ بِمَنْزِلَة جبل، وَكَانَ يضع قدمه عِنْد مُنْتَهى طرفه. وَقَوله: ﴿أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن تقوم من مقامك﴾ يَعْنِي: قبل أَن تقوم من مجلسك {قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْك طرفك لذى جلسته للْقَضَاء بَين النَّاس، وَقد كَانَ مَجْلِسه غدْوَة إِلَى قريب من نصف النَّهَار، وَفِي الْقِصَّة: أَن الْمَرْأَة كَانَت قد وصلت إِلَى قريب من فَرسَخ، فَلَمَّا سمع سُلَيْمَان ذَلِك قَالَ فِي طلب الْعَرْش. وَقَوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لقوي أَمِين﴾ على حمل الْعَرْش، أَمِين على مَا عَلَيْهِ من الْجَوَاهِر.

النمل 27:40

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب﴾ روى أَن هَذَا العفريت لما قَالَ هَكَذَا قَالَ سُلَيْمَان: أُرِيد أسْرع من ذَلِك، فَحِينَئِذٍ قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب: ﴿أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْك طرفك﴾ . وَاخْتلف القَوْل فِي الَّذِي كَانَ عِنْده علم من الْكتاب، فأشهر الْأَقَاوِيل: أَنه آصف ابْن برخيا بن سمعيا، وَكَانَ رجلا صديقا فِي بني إِسْرَائِيل، وَكَانَ يعلم اسْم الله الْأَعْظَم. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه الْخضر، ذكره ابْن لَهِيعَة، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه ملك من الْمَلَائِكَة، أوردهُ ابْن بخر، وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنه سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام، وَهَذَا قَول مَعْرُوف، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول. وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه بِمَاذَا دَعَا الله؟ فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه قَالَ: يَا إلهي وإله الْخلق إِلَهًا وَاحِدًا، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، ائْتِ بِهِ، وروى أَنه قَالَ: يَا حَيّ يَا قيوم، وروى أَنه قَالَ: يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام، وَالله أعلم. وَقَوله: ﴿قبل أَن يرْتَد إِلَيْك طرفك﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَن يرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء، فَقبل أَن يردهُ إِلَى الأَرْض يرى الْعَرْش عِنْده، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَن يطرف طرفَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَن ينظر إِلَى رجل يَأْتِي، فَقبل أَن يصل إِلَيْهِ ذَلِك الرجل، يكون قد وصل الْعَرْش إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَن ينظر إِلَى رجل يذهب، فَقبل أَن يرْتَد طرفه من ذَلِك الذَّاهِب، يكون قد وصل إِلَيْهِ. وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما دَعَا الله خرق الله الأَرْض عِنْد عرشها، فساخ الْعَرْش فِي الأَرْض، وَظهر عِنْد سَرِير سُلَيْمَان، وَكَانَت الْمسَافَة مِقْدَار شَهْرَيْن، وَقَالَ بَعضهم: إِن الله تَعَالَى أعدم ذَلِك الْعَرْش، وأوجد مثله على هَيئته عِنْد سُلَيْمَان، وَالْقَوْل الأول أولى. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقرًّا عِنْده﴾ قَالَ السّديّ: جزع سُلَيْمَان حِين رأى ذَلِك، وَكَانَ جزعه أَنه كَيفَ قدر ذَلِك الرجل على مَا لم يقدر هُوَ عَلَيْهِ؟ ثمَّ إِنَّه رَجَعَ إِلَى نَفسه، فَقَالَ: ﴿هَذَا من فضل رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أم أكفر﴾ . وَقَوله: ﴿وَمن شكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ وَمن كفر فَإِن رَبِّي غَنِي كريم﴾ أَي: غنى عَن شكره، كريم فِي قبُول شكره وإثابته عَلَيْهِ.

النمل 27:41

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ نكروا لَهَا عرشها﴾ مَعْنَاهُ: غيروا لَهَا عرشها. وَقَوله: ﴿نَنْظُر أتهتدي أم تكون من الَّذين لَا يَهْتَدُونَ﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْجِنّ كَانُوا قَالُوا لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام: إِن فِي عقلهَا شَيْئا، وَقَالُوا لَهُ أَيْضا: إِن قدمهَا كحافر الْحمار، وعَلى سَاقهَا شعر كثير. وَإِنَّمَا غير عرشها ليعرف بذلك عقلهَا، وروى أَنه جعل أَعْلَاهُ أَسْفَله، وأسفله أَعْلَاهُ، وروى أَنه جعل مَكَان الْجَوَاهِر الْأَحْمَر أَخْضَر، وَمَكَان الْأَخْضَر أَحْمَر، وروى أَنه زَاد فِيهِ وَنقص مِنْهُ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿نَنْظُر أتهتدي أم تكون من الَّذين لَا يَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي: أتعرف عرشها أم لَا تعرف؟

النمل 27:42

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَت قيل أهكذا عرشك قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لم تقل: لَا خوفًا من الْكَذِب، وَلم تقل: نعم خوفًا من الْكَذِب، وَلكنهَا قَالَت: كَأَنَّهُ هُوَ. وَقَالَ مقَاتل: شبهوا عَلَيْهَا فشبهت عَلَيْهِم، وَقد كَانَت عَرفته. وروى أَنه إِنَّمَا أشبه عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَت خلفت الْعَرْش فِي بيوتها، فرأته أمامها عِنْد سُلَيْمَان، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهَا الْأَمر، وَقَالَت مَا قَالَت. وَقَوله: ﴿وأوتينا الْعلم من قبلهَا﴾ هَذَا من قَول سُلَيْمَان أَي: علمنَا حَالهَا وأمرها وَحَال عرشها قبل أَن تعلم. قَوْله: ﴿وَكُنَّا مُسلمين﴾ أَي: مُسلمين لله طائعين لَهُ.

النمل 27:43

قَوْله تَعَالَى: ﴿وصدها مَا كَانَت تعبد من دون الله﴾ (أَي: صدها عَن عبَادَة الله مَا كَانَت تعبد من دون الله) . وَقَوله: ﴿إِنَّهَا كَانَت من قوم كَافِرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقد كَانَت عَرَبِيَّة من مُلُوك الْيمن. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (أَنَّهَا كَانَت من قوم كَافِرين) قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّهَا كَانَت من قوم مجوس يعْبدُونَ الشَّمْس. وَعَن بَعضهم: قَالَ معنى قَوْله: ﴿وصدها مَا كَانَت تعبد من وَدون الله﴾ أَي: صدها عَن عبَادَة الله نُقْصَان عقلهَا، بل مَا كَانَت تعبد من دون الله، لِأَن الْجِنّ كَانُوا قَالُوا لِسُلَيْمَان: إِن فِي عقلهَا [شَيْئا] .

النمل 27:44

قَوْله تَعَالَى: ﴿قيل لَهَا ادخلي الصرح﴾ الصرح فِي أصل اللُّغَة هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع، ذكره أَبُو عبيد فِي غَرِيب المُصَنّف وَغَيره. وَأما الصرح هَاهُنَا فَفِيهِ أَقْوَال: قَالَ مُجَاهِد: هُوَ بركَة من المَاء ألبس قَوَارِير. وَقَالَ الزّجاج: الصرح والصرحة والساحة والباحة بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ الصحن. وَعَن بَعضهم: أَن الصرح هُوَ الْقصر، وَقيل: هُوَ الْبَيْت. وَفِي الْقِصَّة: أَن الْجِنّ قَالُوا لِسُلَيْمَان: إِن مُؤخر رجلهَا كحافر الْحمار، وَهِي هلباء شعراء، وَكَانُوا خَشوا أَن يَتَزَوَّجهَا سُلَيْمَان فتطلعه على أسرار الْجِنّ، وَكَانَت أمهَا جنية، فَأَرَادَ سُلَيْمَان - عَلَيْهِ السَّلَام - أَن يرى رجلهَا، فَأمر باتخاذ بركَة عَظِيمَة، وَجعل فِيهَا من الْحيتَان والضفادع وَمَا أشبههَا شَيْئا كثيرا، ثمَّ أَمر أَن يلبس المَاء غشاء من قَوَارِير. وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنه اتخذ صحنا من قَوَارِير، وَجعل تَحْتَهُ تماثيل من الْحيتَان والضفادع، وَكَانَ الْوَاحِد إِذا رَآهُ ظَنّه مَاء. وروى أَن سُلَيْمَان - عَلَيْهِ السَّلَام - أَمر بسريره حَتَّى وضع فِي وسط الصرح، ثمَّ دَعَاهَا إِلَى مَجْلِسه، فَلَمَّا وصلت إِلَى الصرح وَنظرت ظنت أَنه مَاء، فَكشفت عَن سَاقيهَا لتدخل فِي المَاء، فصاح سُلَيْمَان: ﴿إِنَّه صرح ممرد من قَوَارِير﴾ وَرَأى سَاقيهَا، وَكَانَ عَلَيْهَا شعر كثير. وَذكر بَعضهم: أَنه رأى قدما لطيفا وساقا حسنا وَعَلِيهِ شعر. فَإِن قَالَ قَائِل: لم طلب سُلَيْمَان هَذِه الرُّؤْيَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ أَن يعرف صدق الْجِنّ وكذبهم، وَالْآخر: أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج بهَا، فقصد أَن ينظر إِلَى سَاقيهَا، وَقد كَانُوا قَالُوا: إِن عَلَيْهِ شعرًا. وَقد ذكر أهل التَّفْسِير: أَن سُلَيْمَان - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ للشياطين: مَا الَّذِي يذهب الشّعْر؟ فاتخذوا النورة، وَهُوَ أول من اتخذ الْحمام والنورة. [وَقَوله: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وكشفت عَن سَاقيهَا قَالَ إِنَّه صرح] ممرد﴾ . أَي: مملس، وَقيل: الممرد هُوَ الْوَاسِع طولا وعرضا، قَالَ الشَّاعِر: (غَدَوْت صباحا باكرا فوجدتهم ... قبيل الضحا والبابلي الممرد) أَي: وَقَوله: ﴿ [من قَوَارِير] . قَالَت رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ أَي: بالشرك، وَيُقَال: إِنَّهَا لما بلغت الصرح وظنته لجة، وَهُوَ مَاء لَهُ عمق، قَالَت فِي نَفسهَا: إِن سُلَيْمَان يُرِيد أَن يغرقني، وَقد كَانَ الْقِتَال أَهْون من هَذَا. وَقَوله: ﴿ظلمت نَفسِي﴾ يَعْنِي، بِذَاكَ الظَّن. وَقَوله: ﴿وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وكل من أسلم بِنَبِي فَهُوَ مَعَ ذَلِك النَّبِي فِي الْإِسْلَام بِاللَّه. وَقد ذكر بَعضهم: أَنه تزوج بهَا. وروى أَن عبد الله بن عتبَة سُئِلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: انْتهى إِلَى قَوْله: ﴿وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين﴾ يَعْنِي: أَنه لَا علم وَرَاء ذَلِك. وَأما مُدَّة ملك سُلَيْمَان: اخْتلفُوا فِيهِ، فروى أَن الْملك وصل إِلَيْهِ وَهُوَ ابْن ثَلَاث [عشرَة] سنة، وَمَات وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين، وَفِي بعض الرِّوَايَات عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ: أَنه ملك سَبْعمِائة سنة، وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة.

النمل 27:45

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا أَن اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله. وَقَوله: ﴿فَإِذا هم فريقان يختصمون﴾ أَي: مُؤمن وَكَافِر، وَعَن قَتَادَة: مُصدق ومكذب.

النمل 27:46

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قوم لم تَسْتَعْجِلُون بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة﴾ أَي: بِالْعَذَابِ قبل الرَّحْمَة، وَقد كَانُوا قَالُوا لصالح: إِن كنت صَادِقا فأتنا بِالْعَذَابِ. وَقَوله: ﴿لَوْلَا تستغفرون لله﴾ أَي: هلا تستغفرون الله، وَالِاسْتِغْفَار هَاهُنَا بِمَعْنى التَّوْبَة. قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ ظَاهر [الْمَعْنى] .

النمل 27:47

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا طيرنا بك وبمن مَعَك﴾ أَي: تشاءمنا بك وبمن مَعَك، وَفِي سَبَب قَوْلهم هَذَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم قَالُوا ذَلِك؛ لتفرق كلمتهم، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم قَالُوا ذَلِك؛ لأَنهم أَصَابَهُم الجدب والقحط، فَقَالُوا فَقَالُوا لصالح: هَذَا من شؤمك. وَاعْلَم أَن الطَّيرَة مَنْهِيّ عَنْهَا، وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " لَا عدوى وَلَا طيرة ". وَعنهُ: " أَنه كَانَ يحب الفأل وَيكرهُ الطَّيرَة ". ووفي بعض المسانيد عَن النَّبِي قَالَ: " لَا ينج ابْن آدم من ثَلَاث: من الظَّن، والحسد، والطيرة، فَإِذا ظَنَنْت فَلَا تحقق، وَإِذا حسدت فَلَا تَبْغِ، وَإِذا تطيرت فامضه ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: {لَا ينجو من الطَّيرَة أحد، ويذهبها التَّوَكُّل على الله ". وَقد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة، يَتَطَيَّرُونَ، وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا خرج لحَاجَة فطار طَائِر، أَو لَقِي شَيْئا، أَو سمع كلَاما يتطير بِذَاكَ، إِمَّا فِي الِامْتِنَاع من ذَلِك الْفِعْل، أَو فِي الدُّخُول فِي ذَلِك الْفِعْل، وَقد قَالَ بعض الشُّعَرَاء شعرًا: (لعمرك مَا تدرى الطوارق بالحصى ... وَلَا زاجرات الطير مَا الله صانع} وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد فِي النُّجُوم: (أبلغوا عني المنجم أَنِّي ... كَافِر بِالَّذِي قضته الْكَوَاكِب) (عَالم أَن مَا يكون وَمَا كَانَ ... حتم من الْمُهَيْمِن وَاجِب) وَقَوله: ﴿قَالَ طائركم عِنْد الله﴾ أَي: مَا يُصِيبكُم من الْخَيْر وَالشَّر من الله، وَيُسمى ذَلِك طائرا؛ لسرعة نُزُوله بالإنسان، فَإِنَّهُ لَا شَيْء أسْرع نزولا من قَضَاء محتوم، وَقيل: ﴿طائركم عِنْد الله﴾ أَي: عَمَلكُمْ عِنْد الله، وَسمي ذَلِك طائرا، لسرعة صُعُوده إِلَى السَّمَاء. وَقَوله: ﴿بل أَنْتُم قوم تفتنون﴾ أَي: تبتلون وتختبرون، وَقيل: تعذبون.

النمل 27:48

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط﴾ هَؤُلَاءِ التِّسْعَة هم الَّذين اتَّفقُوا على عقر النَّاقة، وَكَانَ رَأْسهمْ فِي ذَلِك قدار بن سالف وَهُوَ الَّذِي تولى عقرهَا. وَقَوله: ﴿يفسدون فِي الأَرْض وَلَا يصلحون﴾ قَالَ سعيد بن الْمسيب: بِكَسْر الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير. وَعَن قَتَادَة: بتتبع عورات النَّاس. وَقيل: بِالْمَعَاصِي وَفعل الْمَنَاكِير.

النمل 27:49

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تقاسموا بِاللَّه﴾ أَي: احلفوا بِاللَّه. وَقَوله: ﴿لنبيتنه﴾ أَي: لنقتلته بياتا أَي: لَيْلًا، قَالُوا ذَلِك لصالح. وَقَوله: ﴿وَأَهله﴾ أَي: وَقَومه الَّذين أَسْلمُوا مَعَه. وَقَوله: ﴿ثمَّ لنقولن لوَلِيِّه مَا شَهِدنَا مهلك أَهله﴾ وَقُرِئَ: " مهلك " بِنصب الْمِيم: فَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الإهلاك، وَيجوز أَن المُرَاد مِنْهُ مَوضِع الْهَلَاك. وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لصادقون﴾ أَي: ننكر قتل صَالح، وَقَالُوا ذَلِك؛ لأَنهم خَافُوا من عشيرته.

النمل 27:50

قَوْله تَعَالَى: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا﴾ أَي: دبروا تدبيرا ودبرنا تدبيرا، فَروِيَ أَن الله تَعَالَى بعث بِالْمَلَائِكَةِ حَتَّى شدخوا رُءُوسهم بالأحجار. وَقَالَ الضَّحَّاك: كَانَ صَالح يدْخل كهفا فِي الْجَبَل يعبد الله، فدبروا أَن يدخلُوا إِلَيْهِ ويقتلوه غيلَة، فَذَهَبُوا وَجعلُوا يترصدون ذَلِك، فأهوت حِجَارَة من أَعلَى الْجَبَل، فَهَرَبُوا ودخلوا، فَوَقع الْحجر على بَاب الْغَار وأطبق عَلَيْهِم، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿ومكرنا مكرا﴾ . وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ كَيفَ مكرنا بهم.

النمل 27:51

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة مَكْرهمْ﴾ أَي: مَا آل إِلَيْهِ مَكْرهمْ. وَقَوله: ﴿أَنا دمرناهم وقومهم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: أهلكنام وقومهم أَجْمَعِينَ.

النمل 27:52

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتلك بُيُوتهم خاوية بِمَا ظلمُوا﴾ أَي: خَالِيَة بِمَا كفرُوا. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعلمُونَ﴾ أَي: يعلمُونَ تدبيرنا ومكرنا بالكفار.

النمل 27:53

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأنجينا الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ قد بَينا. وَفِي الْقِصَّة: أَن قوم صَالح لما أهلكهم الله تَعَالَى جَاءَ صَالح إِلَى مَكَّة وَتُوفِّي بهَا، وَكَذَلِكَ هود عَلَيْهِ السَّلَام.

النمل 27:54

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولوطا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أتأتون الْفَاحِشَة وَأَنْتُم تبصرون﴾ أَي: تعلمُونَ أَنَّهَا فَاحِشَة. وَقيل معنى قَوْله: ﴿وَأَنْتُم تبصرون﴾ أَي: يَرَاهَا بَعْضكُم من بعض فَلَا تستترون عَنْهَا.

النمل 27:55

وَقَوله: ﴿أئنكم لتأتون الرِّجَال شَهْوَة من دون النِّسَاء بل أَنْتُم قوم تجهلون﴾ قد بَينا.

النمل 27:56

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا أخرجُوا آل لوط من قريتكم إِنَّهُم أنَاس يتطهرون﴾ قد بَينا.

النمل 27:57

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنجيناه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته قدرناها من الغابرين﴾ أَي: جعلناها من البَاقِينَ فِي الْعَذَاب.

النمل 27:58

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فسَاء مطر الْمُنْذرين﴾ فِي الْقِصَّة: أَن قوم لوط خسف بهم، وتتبع الْحجر الشذاذ مِنْهُم فأهلكهم. وَقَوله: ﴿فسَاء مطر الْمُنْذرين﴾ أَي: بئس مطر الْمُنْذرين، والمنذرون هم الَّذين خوفوا بِالْهَلَاكِ.

النمل 27:59

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى﴾ قَوْله: ﴿عباده الَّذين اصْطفى﴾ . فِيهِ أَقْوَال: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هم أَصْحَاب رَسُول الله، وَعنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: هم أمة مُحَمَّد، وَعنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: كل الْمُؤمنِينَ من السَّابِقين والخالفين. وَقَوله: ﴿آللَّهُ خير أما يشركُونَ﴾ أَي: عبَادَة الله خير أم عبَادَة مَا يشركُونَ؟ فَإِن قيل: لَيْسَ فِي عبَادَة غير الله خير أصلا، فَكيف يَسْتَقِيم معنى الْآيَة؟ وَالْجَوَاب: أَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن فِي ذَلِك خيرا، فَخرجت الْآيَة على ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الْأَصْنَام آلِهَة، وَلَوْلَا اعْتِقَادهم لم يستقم قَوْله: ﴿آللَّهُ خير أما يشركُونَ﴾ . وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ أَن الْعَرَب تَقول: أَيهَا الرجل، الشقاوة خير أم السَّعَادَة؟ وَهُوَ يعلم أَن لَا خير فِي الشقاوة، وَأَن كل الْخَيْر فِي السَّعَادَة. وَقَالَ حسان بن ثَابت: (أتهجوه وَلست لَهُ بند ... فشركما لخيركما الْفِدَاء) وَقَالَ بَعضهم: آللَّهُ خير أما يشركُونَ مَعْنَاهُ: الْخَيْر فِي هَذَا أم فِي هَذَا الَّذِي تشركون بِهِ مَعَ الله؟ وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: ثَوَاب الله خير أَو ثَوَاب مَا تشركون بِهِ؟ .

النمل 27:60

قَوْله: ﴿أَمن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأنزل لكم من السَّمَاء مَاء﴾ مَعْنَاهُ: الْخَيْر فِيمَا تَقولُونَ وتدعون من الْآلهَة، أم فِيمَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ أَي: أنشأهما وَقَوله: ﴿وَأنزل لكم من السَّمَاء مَاء فَأَنْبَتْنَا بِهِ حدائق ذَات بهجة﴾ كل بُسْتَان محوط عَلَيْهِ فَهُوَ حديقة. وَقَوله: ﴿ذَات بهجة﴾ أَي: ذَات منظر حسن، وَقيل: الْبَهْجَة مَا يبتهج بِهِ. وَقَوله: ﴿مَا كَانَ لكم أَن تنبتوا شَجَرهَا﴾ أَي: مَا يَنْبَغِي لكم أَن تَفعلُوا ذَلِك؛ لأنكم لَا تقدرون عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿أإله مَعَ الله﴾ اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِنْكَار أَي: لَا إِلَه مَعَ الله. وَقَوله: ﴿بل هم قوم يعدلُونَ﴾ أَي: عَن الْحق، وَقيل: يشركُونَ مَعَه غَيره، ويجعلونه عدلا لَهُ أَي: مثلا

النمل 27:61

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن جعل الأَرْض قرارا﴾ أَي: موضعا يستقرون عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وَجعل خلالها أَنهَارًا﴾ أَي: خلال الأَرْض. وَقَوله: ﴿وَجعل لَهَا رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت. وَقَوله: ﴿وَجعل بَين الْبَحْرين حاجزا﴾ اخْتلف القَوْل فِي الْبَحْرين، (مِنْهُم من قَالَ: بَحر السَّمَاء وَالْأَرْض) ، وَمِنْهُم من قَالَ: بَحر فَارس وَالروم، وَمِنْهُم من قَالَ: الْبَحْر المالح والعذب. وَقَوله: ﴿حاجزا﴾ قد بَينا معنى الحاجز، وَيُقَال: يكف الْملح عَن العذب، والعذب عَن المالح بقدرته، وَهَذَا دَلِيل على أَنه يجوز أَن يكف النَّار عَن الإحراق، وَالسيف عَن الْقطع. وَقَوله: ﴿أإله مَعَ الله﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ مَالهم وَعَلَيْهِم.

النمل 27:62

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ﴾ إِنَّمَا ذكر الْمُضْطَر، وَإِن كَانَ يُجيب دُعَاء الْمُضْطَر وَغير الْمُضْطَر؛ لِأَن رَغْبَة الْمُضْطَر أقوى، ودعاؤه أخضع. وَقَوله: ﴿ويكشف السوء﴾ أَي: الضّر. وَقَوله: ﴿ويجعلكم خلفاء الأَرْض﴾ أَي: يَجْعَل بَعْضكُم خلفاء بعض، وَقيل: يَجْعَل أَوْلَادكُم خلفاءكم، وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: يجعلكم خلفاء الْجِنّ فِي الأَرْض. وَقَوله: ﴿أإله مَعَ الله قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ وَقُرِئَ: " يذكرُونَ) فَقَوله: ﴿تذكرُونَ﴾ ، على المخاطبة. وَقَوله: " يذكرُونَ " على المغايبة.

النمل 27:63

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن يهديكم فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾ أَي: يرشدكم. وَقَوله: ﴿وَمن يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته﴾ أَي: مبشرة، قرئَ: " نشرا " أَي: نَاشِزَة. وَقَوله: ﴿بَين يَدي رَحمته﴾ أَي: الْمَطَر. وَقَوله: ﴿أإله مَعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يشركُونَ﴾ أَي: تقدس وارتفع عَمَّا يشركُونَ.

النمل 27:64

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ فَقَوله: ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَي: يعيدهم أَحيَاء بعد مَوْتهمْ. وَقَوله: ﴿وَمن يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: من السَّمَاء بالمطر، وَمن الأَرْض بالنبات. وَقَوله: ﴿أإله مَعَ الله قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: مَعَ الله إِلَهًا آخر؟ .

النمل 27:65

قَوْله تَعَالَى: {قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يبعثون) أَي مَتى يبعثون؟ .

النمل 27:66

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل ادارك﴾ وَقُرِئَ: " بل أدْرك "، فَمنهمْ من قَالَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَمِنْهُم من قَالَ: " ادارك " أَي: تتَابع وتلاحق، وَقَوله ((أدْرك)) أى: فصل وَلحق، وَأما معنى الْآيَة: قَالَ السدى: أى صَارُوا عُلَمَاء فِي الْآخِرَة بِمَا لم يعلمُوا فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ وَعَن (ابْن) سعيد الضَّرِير قَالَ: " بل أدْرك " أَي: علمُوا فِي الْآخِرَة أَن الَّذِي كَانُوا يوعدون حق. وَهَذَا قريب من الأول، وأنشدوا (للأخطل) : (وَأدْركَ علمي فِي سواءة أَنَّهَا ... تقيم على الأوتار وَالْمشْرَب الكدر) أَي: أحَاط علمي بهَا أَنَّهَا هَكَذَا. وَذكر عَليّ بن عِيسَى: أَن معنى بل هَاهُنَا هُوَ: لَو أدركوا فِي الدُّنْيَا مَا أدركوا فِي الْآخِرَة لم يشكوا. وَقَالَ الْفراء: قَوْله: ﴿بل أدْرك علمهمْ فِي الْآخِرَة﴾ أَي: غَابَ علمهمْ وَسقط فِي الدُّنْيَا، على معنى أَنهم لم يعلمُوا. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " بلَى ادارك " على طَرِيق الِاسْتِفْهَام: أَي لم يتدارك، وَهَذَا يُؤَيّد قَول الْفراء. وَقَوله: ﴿بل هم فِي شكّ مِنْهَا﴾ أَي: هم فِي شكّ مِنْهَا الْيَوْم. وَقَوله: ﴿بل هم مِنْهَا عمون﴾ أَي: لَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهَا، وَيُقَال: بل الأولى بِمَعْنى لَو على مَا بَينا، وبل الثَّانِيَة على معنى أم، وبل الثَّالِثَة على حَقِيقَتهَا. وَذكر بعض أهل الْعلم أَن قَوْله: ﴿بل ادارك علمهمْ﴾ أَي: تدارك ظنهم فِي الْآخِرَة (وتتابع) بالْقَوْل بِالظَّنِّ والحدس. وَقَوله: ﴿بل هم مِنْهَا عمون﴾ أَي: هم جهلة بِالآخِرَة.

النمل 27:67

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا أئذا كُنَّا تُرَابا وآباؤنا أئنا لمخرجون﴾ قد بَينا.

النمل 27:68

وَقَوله: ﴿لقد وعدنا﴾ إِلَى آخر الْآيَة قد سبق.

النمل 27:69

قَوْله: ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُجْرمين﴾ أَي: من قوم صَالح، وَقوم لوط، وَأَصْحَاب الْحجر، وَغَيرهم.

النمل 27:70

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم وَلَا تكن فِي ضيق﴾ أَي: لَا يضيق قَلْبك مِمَّا يمكرون، ومكرهم وحيلتم بِالْبَاطِلِ.

النمل 27:71

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: الْقِيَامَة.

النمل 27:72

وَقَوله: ﴿قل عَسى أَن يكون ردف لكم﴾ وردفكم بِمَعْنى وَاحِد، وَيُقَال: ردف لكم، وردفكم أَي: دنا لكم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: جَاءَ بعدكم، وَقَالَ القتيبي: تبعكم، وَمِنْه ردف الْمَرْأَة الرجل، قَالَ الشَّاعِر: (عَاد السوَاد بَيَاضًا فِي مفارقه ... لَا مرْحَبًا ببياض الشيب إِذْ ردفا) وَقَوله: ﴿بعض الَّذِي تَسْتَعْجِلُون﴾ يُقَال: هُوَ الْقَتْل يَوْم بدر، وَيُقَال: إِنَّه عَذَاب الْآخِرَة.

النمل 27:73

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك لذُو فضل على النَّاس﴾ أَي: أفضال على النَّاس، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " يحْشر الْخلق يَوْم الْقِيَامَة فَيُؤتى بِقوم فَيُقَال لَهُم: لم عَبدْتُمْ ربكُم؟ فَيَقُولُونَ: يَا رب، وعدتنا بِالْجنَّةِ فعبدناك طَمَعا فِيهَا وشوقا إِلَيْهَا، فيدخلهم الْجنَّة، ثمَّ يُؤْتى بِقوم فَيُقَال لَهُم: لم عَبدْتُمْ ربكُم؟ فَيَقُولُونَ: يَا رب، خوفتنا من النَّار فعبدناك خوفًا مِنْهَا، فينجيكم الله من النَّار ويدخلهم الْجنَّة، ثمَّ يُؤْتى بِقوم فَيُقَال لَهُم: لم عَبدْتُمْ ربكُم؟ فَيَقُولُونَ محبَّة لَك، فيتجلى لَهُم الرب تَعَالَى فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَذَلِك قَوْله: ﴿وَإِن رَبك لذُو فضل على النَّاس﴾ . وَالْخَبَر غَرِيب جدا. وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يشكرون﴾ أَي: نعم الله.

النمل 27:74

قَوْله تَعَالَى) : ﴿وَإِن رَبك ليعلم مَا تكن صُدُورهمْ﴾ أَي: تخفى صُدُورهمْ. وَقَوله: ﴿وَمَا يعلنون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

النمل 27:75

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا من غَائِبَة فِي السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ أَي: جملَة غَائِبَة من جَمِيع الغائبات، وَقيل: وَمَا من خبر غَائِب. وَقَوله: ﴿إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ هُوَ: اللَّوْح الْمَحْفُوظ.

النمل 27:76

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يقص على بني إِسْرَائِيل أَكثر الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَي: يبين لبني إِسْرَائِيل أَكثر الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

النمل 27:77

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الرَّسُول، وَالْآخر: أَنه الْقُرْآن.

النمل 27:78

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن رَبك يقْضِي بَينهم بِحكمِهِ﴾ أَي: يفصل بَينهم بِحكمِهِ الْحق. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: المنيع فِي ملكه، الْعَلِيم بِأَمْر خلقه.

النمل 27:79

قَوْله تَعَالَى: ﴿فتوكل على الله﴾ أَي: ثق بِاللَّه. ﴿إِنَّك على الْحق الْمُبين﴾ أَي: الْحق الْمُبين.

النمل 27:80

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ المُرَاد من الْمَوْتَى هَاهُنَا: هم الْكفَّار، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أموات غير أَحيَاء﴾ فسماهم موتى؛ لأَنهم ميتوا الْقلب؛ وَلِأَنَّهُم لم ينتفعوا صَارُوا كالموتى. وَأنْشد بَعضهم: (لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن (أنادي)) وَقَوله: ﴿وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء﴾ وَقُرِئَ: " لَا يسمع الصم الدُّعَاء " فَقَوله: ﴿لَا تسمع﴾ على مُخَاطبَة النَّبِي، وَقَوله: " لَا يسمع الصم الدُّعَاء " على الْخَبَر. وَقَوله: ﴿إِذا ولوا مُدبرين﴾ أَي: معرضين، فَإِن قيل: إِذا كَانُوا صمًّا، فَمَا معنى قَوْله: ﴿إِذا ولوا مُدبرين﴾ فَإِذا كَانُوا صمًّا فهم لَا يسمعُونَ، سَوَاء ولوا مُدبرين أَو لم يولوا؟ قُلْنَا: الْأَصَم إِذا كَانَ حَاضرا فقد يسمع إِذا شدد فِي الصَّوْت، وَقد يعلم بِنَوْع إِشَارَة؛ فَإِذا ولى مُدبرا لم يسمع أصلا، وَيجوز ن يكون ذكره على طَرِيق التَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة.

النمل 27:81

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بهادي لعمى عَن ضلالتهم إِن تسمع إِلَّا من يُؤمن بِآيَاتِنَا﴾ أَي: جَاءَ قَاصِدا للْإيمَان بِآيَاتِنَا، وَقيل: لَا تسمع إِلَّا الْمُؤمنِينَ. وَقَوله: ﴿فهم مُسلمُونَ﴾ أَي: لله.

النمل 27:82

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا وَقع القَوْل عَلَيْهِم﴾ أَي: حق الْعَذَاب عَلَيْهِم، وَقَالَ قَتَادَة: إِذا غضب الله عَلَيْهِم. وَعَن ابْن عمر: إِذا لم يأمروا بِمَعْرُوف، وَلم ينهوا عَن مُنكر. وَقَوله: ﴿أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض﴾ رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: لَيست بِدَابَّة لَهَا ذَنْب، وَلَكِن لَهَا لحية. كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنه رجل وَلَيْسَت بِدَابَّة، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهَا دَابَّة، (وَهِي) تخرج فِي آخر الزَّمَان. وَيُقَال: إِن أول أَشْرَاط السَّاعَة طُلُوع لشمس من مغْرِبهَا وَخُرُوج دَابَّة الأَرْض. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَهَا زغب وَرِيش وَأَرْبع قَوَائِم. وَعَن ابْن الزبير قَالَ: هِيَ دَابَّة رَأسهَا من رَأس ثَوْر، وعينها عين خِنْزِير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن إبل، وعنقها عنق نعَامَة، وصدرها صدر أَسد، وجلدها جلد نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وقوائمها قَوَائِم بعير، بَين كل مفصلين مِنْهَا اثْنَا عشر ذِرَاعا. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: تخرج من الصَّفَا تجْرِي كجري الْفرس ثَلَاثَة أَيَّام لَا يخرج إِلَّا ثلثهَا، ويبلغ رَأسهَا السَّمَاء. وَفِي بعض المسانيد: عَن النَّبِي أَنه قَالَ: (" بئس الشّعب شعب جِيَاد، قيل: وَلم يَا رَسُول الله؟ قَالَ) : تخرج مِنْهُ الدَّابَّة، وتصرخ ثَلَاث صرخات يسْمعهَا من بَين الْخَافِقين ". وَعَن حُذَيْفَة بن أسيد قَالَ: تخرج الدَّابَّة ثَلَاثًا، تخرج الخرجة الأولى بِبَعْض الأودية، ثمَّ تكمن، ثمَّ تخرج فِي قبائل الْعَرَب، ثمَّ تخرج فِي جَوف، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا تخرج فِي الْمَسْجِد الْحَرَام. وَعَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه صعد الصَّفَا وقرع بعصاه الْحجر وَقَالَ: إِن الدَّابَّة لتسمع قرع عصاي هَذِه. وروى قَرِيبا من هَذَا عَن عبد الله بن عَمْرو. وَقد روى حَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَليّ بن زيد، عَن خَالِد بن أَوْس، عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " تخرج الدَّابَّة وَمَعَهَا عَصا مُوسَى وَخَاتم سُلَيْمَان، فتجلو وَجه الْمُؤمن، وتحطم وَجه الْكَافِر، حَتَّى إِن الْقَوْم يَجْتَمعُونَ على الخوان فَتَقول: هَذَا لهَذَا يَا كَافِر، وَتقول: هَذَا لهَذَا يَا مُؤمن ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الْخَبَر أَبُو عبد الله عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس بن سراج، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس بن مَحْبُوب، أخبرنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ، أخبرنَا عبد بن حميد، عَن روح بن عبَادَة، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، الحَدِيث. وَفِي التَّفْسِير: أَن دَابَّة الأَرْض تسم وَجه الْمُؤمن بنكتة بَيْضَاء، فيبيض بهَا وَجهه، وَتَسِم وَجه الْكَافِر بنكتة سَوْدَاء، فيسود بهَا وَجهه. وَعَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا وَقع لقَوْل عَلَيْهِم﴾ ثمَّ قَالَ: طوفوا بِالْبَيْتِ قبل أَن يرفع، واقرءوا الْقُرْآن قبل أَن يرفع، وَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله قبل أَن تنسى، ثمَّ ذكر أَنه يَأْتِي زمَان ينسى النَّاس فِيهِ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَتَقَع النَّاس فِي أشعار الْجَاهِلِيَّة. وَقَوله: ﴿تكلمهم﴾ وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَعَاصِم الجحدري: " تكلمهم " أَي: تجرحهم، والكلم هُوَ الْجراحَة، وَيُقَال: تسمهم، قَالَ الشَّاعِر: ((فِي الْكَلم مطرقا يكذب عَن إعرابه ... بِنَقص الْآيَة الْكَلم إِذا الْكَلم التَّام)) وَالْقِرَاءَة لمعروفة: ﴿تكلمهم﴾ وَقَالَ بعض أهل لعلم: ظُهُور الْآيَة مِنْهَا كَلَام، ونطق على وَجه الْمجَاز لَا أَنَّهَا تَتَكَلَّم، وَالأَصَح أَنَّهَا تَتَكَلَّم، وَاخْتلف القَوْل أَنَّهَا بِمَاذَا تَتَكَلَّم؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَن كَلَامهَا أَن هَذَا مُؤمن وَهَذَا كَافِر، وَالْقَوْل الآخر: أَنَّهَا تَتَكَلَّم بِمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون﴾ . وَقُرِئَ: " أَن " و " إِن " بِنصب الْألف وكسره، فَمن قَرَأَ " أَن " بِنصب الْألف فَمَعْنَاه: بِأَن، وَمن قَرَأَ: " إِن " فعلى الِاسْتِئْنَاف، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: " دَابَّة تنبئهم "، وَفِي بعض الْقِرَاءَة: " تحدثهم " وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " تكلمهم بِأَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون ".

النمل 27:83

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم نحْشر من كل أمة فوجا﴾ لَهُ من كل قرن فوجا. وَقَوله: ﴿مِمَّن يكذب بِآيَاتِنَا﴾ . أَي: من المكذبين، وَلَيْسَ " من " هَاهُنَا للتعبيض؛ لِأَن جَمِيع المكذبين يحشرون. وَقَوله: ﴿فهم يُوزعُونَ﴾ أَي: يساقون إِلَى النَّار، فَإِن قيل: وَغير المكذبين أَيْضا يحشرون؟ قُلْنَا: الْحَشْر الَّذِي يساق فِيهِ إِلَى النَّار إِنَّمَا يكون للمكذبين.

النمل 27:84

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا جَاءُوا قَالَ أكذبتم بآياتي وَلم تحيطوا بهَا علما﴾ أَي: جاهلين بِالْأَمر، وَقيل: بعاقبة لتكذيب. وَقَوله: ﴿أماذا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ اسْتِفْهَام على طَرِيق الْإِنْكَار.

النمل 27:85

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَقع القَوْل عَلَيْهِم بِمَا ظلمُوا﴾ أَي: وَجب الْعَذَاب عَلَيْهِم بِمَا أشركوا. وَقَوله: ﴿فهم لَا ينطقون﴾ قَالَ قَتَادَة: كَيفَ ينطقون وَلَا حجَّة لَهُم؟

النمل 27:86

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يرَوا أَنا جعلنَا اللَّيْل ليسكنوا فِيهِ﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿وَالنَّهَار مبصرا﴾ أَي: ذَا إبصار، قَالَ الشَّاعِر: (كلينى لَهُم [يَا أُمَيْمَة] ناصب ... ) أَي: ذَا نصب، وَقيل: مبصرا أَي: تبصر فِيهِ، كَمَا يُقَال: ليل نَائِم أَي: ينَام فِيهِ قَالَ الشَّاعِر: (تَقول سليمى لَا تعرض ببلغة ... وليلك عَن ليل الصعاليك نَائِم) أَي: تنام فِيهِ. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

النمل 27:87

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم ينْفخ فِي الصُّور﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿فَفَزعَ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض﴾ أَي: فَصعِقَ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض، وَإِنَّمَا ذكر الْفَزع يؤد بهم إِلَى الصعقة، وَيُقَال: ينْفخ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث نفخات: نفخة الْفَزع، ونفخة الصَّعق، ونفخة الْقيام لرب الْعَالمين، وَقد ذكر أَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: الصُّور هُوَ الصُّور، وَأول بَعضهم كَلَامه، وَقَالَ: إِن الْأَرْوَاح تجْعَل فِي [الْقرن] ثمَّ ينْفخ فِيهِ، فتذهب الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد، وتحيا الأجساد. وَقَوله: ﴿إِلَّا من شَاءَ الله﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد من ذَلِك جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت صلوَات الله عَلَيْهِم، وَالْقَوْل الآخر: أَن المُرَاد مِنْهُ الشُّهَدَاء. وَفِي بعض الْآثَار: الشُّهَدَاء ثنية الله أَي: الَّذين استثناهم الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء فيهم؛ لأَنهم أَحيَاء كَمَا قَالَ الله تَعَالَى. وَفِي بعض الْأَخْبَار: " هم أَحيَاء متقلدوا السيوف يدورون حول الْعَرْش. وَقَوله: ﴿وكل آتوه داخرين﴾ أَي: صاغرين وَقُرِئَ: " وكل أَتَوْهُ " على الْمَاضِي، وَالْمعْنَى مُتَقَارب.

النمل 27:88

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَترى الْجبَال تحسبها جامدة﴾ أَي: واقفة. وَقَوله: ﴿وَهِي تمر مر السَّحَاب﴾ أَي: تسير سير السَّحَاب، وَهَذَا كَمَا أَن سير السَّحَاب لَا يرى لعظمه، كَذَلِك سير الْجبَال يَوْم الْقِيَامَة لَا يرى لكثرتها، قَالَ الشَّاعِر: (بأرعن مثل الطود تحسب أَنهم ... وقُوف لحاج والركاب تهملج) أَي: تتهملج. وَقَوله: ﴿صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء﴾ أَي: أحكم كل شَيْء. وَقَوله: ﴿إِنَّه لخبير بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أَي: بِمَا تَصْنَعُونَ.

النمل 27:89

قَوْله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ أَي: لَهُ مِنْهَا خير، وَقَالَ بَعضهم: لَهُ خير يصل إِلَيْهِ مِنْهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: خير مِنْهَا أَي: أَنْفَع مِنْهَا، وَأما الْحَسَنَة فَفِي قَول عَامَّة الْمُفَسّرين هِيَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَقيل: هِيَ كل طَاعَة، وَعَن أبي ذَر أَنه سُئِلَ وَقيل لَهُ: قَول لَا إِلَه إِلَّا الله حَسَنَة؟ فَقَالَ: هِيَ أحسن الْحَسَنَات. وَقَوله: ﴿وهم فِي فزع يَوْمئِذٍ آمنون﴾ قد بَينا معنى الْفَزع من قبل، وَقُرِئَ: " فزع يَوْمئِذٍ " على الْإِضَافَة، وَقُرِئَ: " فزع يَوْمئِذٍ " على التَّنْوِين، قَالَ أَبُو على الفارسى: ((فزع يَوْمئِذٍ)) على التَّنْوِين، يدل على التكثير، و: " فزع يَوْمئِذٍ " على الْإِضَافَة لَا يدل على التكثير.

النمل 27:90

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فكبت وُجُوههم فِي النَّار﴾ وَقَوله: ﴿هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله: ﴿خير مِنْهَا﴾ : إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَن جَزَاء الْحَسَنَات مضاعف أَي: أَن يبلغ الْعشْر وَزِيَادَة فَقَوله: ﴿خير مِنْهَا﴾ أَي: أَكثر مِنْهَا.

النمل 27:91

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أمرت أَن أعبد رب هَذِه الْبَلدة الَّذِي حرمهَا﴾ وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: " الَّتِي حرمهَا " فَقَوله: ﴿الَّتِي حرمهَا﴾ ينْصَرف إِلَى الْبَلدة، (وَقَوله: ﴿الَّذِي﴾ ينْصَرف إِلَى الله، وَهُوَ الْمَعْرُوف، وَأما التَّحْرِيم فَهُوَ تَحْرِيم الصَّيْد، وَكَانَ مَا ذَكرْنَاهُ من قبل) . وَقَوله: ﴿وَله كل شَيْء﴾ أَي: وَللَّه كل شَيْء. وَقَوله: ﴿وَأمرت أَن أكون من الْمُسلمين﴾ . أَي: من الْمُسلمين لله.

النمل 27:92

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن أتلو الْقُرْآن﴾ أَي: وَأمرت أَن أتلو الْقُرْآن، قَالَ أهل الْعلم: نتلوا ونعمل بِهِ، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: أَمر النَّاس أَن يعملوا بِالْقُرْآنِ، فاتخذوا تِلَاوَته عملا. وَقَوله: ﴿فَمن اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ﴾ أَي: نفع اهتدائه رَاجع إِلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وَمن ضل فَقل إِنَّمَا أَنا من الْمُنْذرين﴾ أَي: المخوفين.

النمل 27:93

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل الْحَمد لله﴾ هُوَ خطاب للنَّبِي وَسَائِر الْمُؤمنِينَ. وَقَوله: ﴿سيريكم آيَاته﴾ أَي: دلالاته. وَقَوله: ﴿فتعرفونها﴾ أَي: تعرفُون الدلالات. وَقَوله: ﴿وَمَا رَبك بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقد ورد خبر فِي الْآيَة الْمُتَقَدّمَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة﴾ ، فَإِن أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد من الْحَسَنَة الْإِيمَان، وَمن السَّيئَة الشّرك، وَقد روى صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي، أَن النَّبِي قَالَ: " يَأْتِي الْإِيمَان والشرك يَوْم الْقِيَامَة (فيجثوان بَين يَدي الرَّحْمَن، وَيطْلب كل وَاحِد مِنْهُمَا أَهله) ، فَيَقُول الله تَعَالَى للْإيمَان: انْطلق بأهلك إِلَى الْجنَّة، وَيَقُول الله تَعَالَى للشرك: انْطلق بأهلك إِلَى النَّار، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ الْآيَة ". وَالْخَبَر غَرِيب، وَالله أعلم.

القصص 28:1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة الْقَصَص وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا نبتغي الْجَاهِلين﴾ . وَفِي هَذِه السُّورَة آيَة لَيست بمكية وَلَا مَدَنِيَّة، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ نزلت هَذِه الْآيَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَرَسُول الله بِالْجُحْفَةِ، وَهُوَ منزل من الْمنَازل، وَذَلِكَ حِين هَاجر النَّبِي من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله تَعَالَى: ﴿طسم﴾ قَالَ قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: هُوَ اسْم من أَسمَاء السُّورَة، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة قَالَ: هُوَ اسْم الله الْأَعْظَم، وَقد بَينا غير هَذَا.

القصص 28:2

وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب الْمُبين﴾ يُقَال: بَان وَأَبَان بِمَعْنى وَاحِد، وَكَذَلِكَ قَوْلهم: بيّنت الشَّيْء وأبينه. وَقَالَ الزّجاج: الْمُبين للْحَلَال من الْحَرَام، وَالْحق من الْبَاطِل.

القصص 28:3

قَوْله تَعَالَى: ﴿نتلو عَلَيْك من نبأ مُوسَى وَفرْعَوْن بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالصّدقِ. وَقَوله: ﴿لقوم يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون، والنبأ اسْم للْخَبَر.

القصص 28:4

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِرْعَوْن علا فِي الأَرْض﴾ أَي: تكبر وتجبر، وَيُقَال: طَغى وقهر، وَالْأَرْض هِيَ أَرض مصر. ﴿وَجعل أَهلهَا شيعًا﴾ أَي: فرقا. وَقَوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يستضعف طَائِفَة مِنْهُم﴾ المُرَاد من الطَّائِفَة: بَنو إِسْرَائِيل، وَتَفْسِير الاستضعاف: مَا يذكر من بعد، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يذبح أَبْنَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ﴾ وَقُرِئَ فِي الشاذ: " يذبح أَبْنَاءَهُم " بِغَيْر التَّشْدِيد، وَسمي هَذَا استضعافا؛ لأَنهم عجزوا وضعفوا عَن دفع هَذَا عَن أنفسهم، وَذكر وهب بن مُنَبّه وَغَيره: أَن فِرْعَوْن رأى فِي مَنَامه كَأَن نَارا خرجت من جَانب الشَّام حَتَّى أحاطت بِمصْر، وأحرقت القبط، وَتركت بني إِسْرَائِيل، فَلَمَّا أصبح دَعَا الكهنة، وَأخْبرهمْ برؤياه، فَقَالُوا: يخرج رجل من بني إِسْرَائِيل يكون هلاكك وهلاك القبط على يَده. وَبَعْضهمْ روى أَنهم قَالُوا: يُولد مَوْلُود؛ فَحِينَئِذٍ أَمر فِرْعَوْن بِذبح الذُّكُور من أَوْلَاد بني إِسْرَائِيل واستبقاء إناثهم. قَالَ الزّجاج: وَهَذَا من حمقه؛ لِأَنَّهُ إِن كَانَت الكهنة صَادِقين فَمَا يُغني الْقَتْل، وَإِن كَانُوا كاذبين فَلَا معنى للْقَتْل أَيْضا. قَالَ وهب: فَلَمَّا فعلوا ذَلِك فِي ولدان بني إِسْرَائِيل، وتسارع الْمَوْت إِلَى شيوخهم، فَاجْتمع الْأَشْرَاف من القبط إِلَى فِرْعَوْن، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّك تقتل أَوْلَاد بني إِسْرَائِيل، وَقد تسارع الْمَوْت إِلَى شيوخهم، فَعَن قريب لَا يبْقى مِنْهُم [أحد] ، وَترجع الْأَعْمَال إِلَيْنَا، وَقد كَانُوا يستعملون بني إِسْرَائِيل فِي الْأَعْمَال الشاقة. قَالَ السّديّ فِي قَوْله: ﴿وَجعل أَهلهَا شيعًا﴾ كَانُوا جعلُوا بني إِسْرَائِيل فرقا، ففرقة يبنون، وَفرْقَة يحرثون ويزرعون، وَفرْقَة يغرسون، وَفرْقَة يرعون الدَّوَابّ، إِلَى مثل هَذَا من الْأَعْمَال، وَمن لم يُمكنهُ أَن يعْمل عملا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة، فَلَمَّا سمع فِرْعَوْن قَوْلهم أَمر أَن يقتلُوا الْأَوْلَاد سنة وَلَا يقتلُون سنة، فولد هَارُون عَلَيْهِ السَّلَام فِي السّنة الَّتِي لَا يقتل فِيهَا الْأَوْلَاد، وَولد مُوسَى فِي السّنة الَّتِي يقتل فِيهَا الْأَوْلَاد. وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ من المفسدين﴾ أَي: فِي الأَرْض.

القصص 28:5

قَوْله تَعَالَى: ﴿ونريد أَن نمن﴾ أَي: ننعم. وَقَوله: ﴿على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض﴾ أَي: بني إِسْرَائِيل. وَقَوله: ﴿ونجعلهم أَئِمَّة﴾ أَي: وُلَاة. وَقَوله: ﴿ونجعلهم الْوَارِثين﴾ أَي: الْوَارِثين لملك فِرْعَوْن والقبط، وَقد رُوِيَ أَن فِرْعَوْن لما أغرقه الله، رَجَعَ بَنو إِسْرَائِيل إِلَى مصر، واستعبدوا من بَقِي من القبط.

القصص 28:6

قَوْله تَعَالَى: ﴿ونمكن لَهُم فِي الأَرْض﴾ أَي: نجْعَل لَهُم مصرا مَكَانا يستقرون فِيهِ. وَقَوله: ﴿ونرى فِرْعَوْن وهامان وجنودهما مِنْهُم مَا كَانُوا يحذرون﴾ الحذر هُوَ التوقي من الضَّرَر.

القصص 28:7

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى﴾ فِي الْقِصَّة: أَن أم مُوسَى لما حبلت بمُوسَى لم يظْهر عَلَيْهَا الْحمل كَمَا يظْهر على النِّسَاء، وَولدت وَلم يعلم بولادتها أحد، وَجعلت ترْضِعه فِي خُفْيَة، ثمَّ إِنَّهَا خشيت أَن يطلع عَلَيْهِ النَّاس ويذبح، فَألْقى الله تَعَالَى فِي قَلبهَا مَا ذكره فِي هَذِه الْآيَة. وَالْوَحي هُوَ الْإِعْلَام فِي خُفْيَة، فَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن معنى قَوْله: ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى﴾ هُوَ إلهامها، وَألقى هَذَا الْمَعْنى فِي قَلبهَا، وَقَالَ بَعضهم: رَأَتْ ذَلِك رُؤْيا، [وَقَالَ] بَعضهم: هُوَ الْوَحْي حَقِيقَة، وأتاها الْملك بِهَذَا من الله، إِلَّا أَنَّهَا لم تكن نبية. وَقَوله: ﴿أَن أرضعيه﴾ اخْتلف القَوْل فِي مُدَّة الرَّضَاع، مِنْهُم من قَالَ: ثَمَانِيَة أشهر، وَمِنْهُم من قَالَ: أَرْبَعَة أشهر، وَمِنْهُم من قَالَ: ثَلَاثَة أشهر. وَقَوله: ﴿فَإِذا خفت عَلَيْهِ فألقيه فِي اليم﴾ الْخَوْف عَلَيْهِ هُوَ لخوف من الذّبْح. وَقَوله: ﴿فألقيه فِي اليم﴾ اليم: الْبَحْر، وَالْمرَاد مِنْهُ هَاهُنَا على قَول جَمِيع الْمُفَسّرين هُوَ النّيل، قَالَ ابْن عَبَّاس: دعت بنجار واتخذت تابوتا، فَذهب ذَلِك النجار وَأخْبر فِرْعَوْن، وَجَاء بالأعوان، فطمس الله على عينه حَتَّى لم يهتد إِلَى شَيْء، فعاهد مَعَ الله إِن رد عَلَيْهِ بَصَره ليصرفن الأعوان عَنهُ، فَرد الله بَصَره عَلَيْهِ، فصرف الأعوان، ثمَّ إِنَّه آمن بمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام من بعد، وَهُوَ مُؤمن آل فِرْعَوْن، واسْمه حزقيل. وَقَوله: ﴿وَلَا تخافي وَلَا تحزني﴾ أَي: لَا تخافي عَلَيْهِ من الْغَرق، وَقيل: من الضَّيْعَة، وَقَوله: ﴿وَلَا تحزني﴾ أَي: وَلَا تحزني على فِرَاقه. وَقَوله: ﴿إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد اشْتَمَلت الْآيَة على أَمريْن ونهيين وخبرين وبشارتين، أما الْأَمْرَانِ: فَقَوله: ﴿أَن أرضعيه﴾ ، وَقَوله: ﴿فألقيه فِي اليم﴾ ، وَأما النهيان: فَقَوله: ﴿وَلَا تخافي وَلَا تحزني﴾ ، وَأما الخبران: فَقَوله: ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فَإِذا خفت عَلَيْهِ﴾ وَأما البشارتان: فَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ ، الْآيَة تعد من فصيح الْقُرْآن.

القصص 28:8

قَوْله تَعَالَى: ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن﴾ الِالْتِقَاط هُوَ وجود الشَّيْء من غير طلب. وَفِي الْقِصَّة: أَن أم مُوسَى وضعت مُوسَى فِي التابوت، وَجَاءَت بِهِ وألقته فِي النّيل، فَمر بِهِ المَاء إِلَى جَانب دَار فِرْعَوْن، وَقد كَانَت الْجَوَارِي خرجن لاستقاء المَاء، فَرد المَاء التابوت فِي المشرعة الَّتِي يستقون مِنْهَا، وَيُقَال: تعلق التابوت بِالشَّجَرِ الَّتِي كَانَت ثمَّ، ومُوسَى هُوَ بالعبرية موشى، و " مو " هُوَ المَاء، و " شى " هُوَ الشّجر، وَسمي موشى؛ لِأَنَّهُ وجد بَين المَاء وَالشَّجر، فَأخذت الْجَوَارِي التابوت، وذهبن بِهِ إِلَى امْرَأَة فِرْعَوْن، وَهِي آسِيَة بنت مُزَاحم، وَيُقَال: إِنَّهَا كَانَت من بني إِسْرَائِيل، وَكَانَ فِرْعَوْن نكح مِنْهُم هَذِه الْمَرْأَة. وَقَوله: ﴿ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ (هَذِه اللَّام لَام الْعَاقِبَة، وَقيل: لَام الصيرورة، فَإِنَّهُم مَا التقطوه ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا) ، وَلَكِن صَار أَمرهم إِلَى هَذَا، فَذكر اللَّام على معنى الصيرورة، وَهَذَا كَقَوْل الشَّاعِر: (أَمْوَالنَا لِذَوي الْمِيرَاث نجمعها ... ودورنا لخراب الدَّهْر نبنيها) وَقَوله: ﴿إِن فِرْعَوْن وهامان وجنودهما كَانُوا خاطئين﴾ أَي: تاركين طَرِيق الْحق.

القصص 28:9

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت امْرَأَة فِرْعَوْن قُرَّة عين لي وَلَك﴾ فِي الْخَبَر: أَن امْرَأَة فِرْعَوْن حملت الصَّبِي إِلَى فِرْعَوْن، وَقَالَت: قُرَّة عين لي وَلَك، فَقَالَ فِرْعَوْن: قُرَّة عين لَك، فَأَما لي فَلَا. وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " لَو قَالَ فِرْعَوْن قُرَّة عين لي، لهداه الله تَعَالَى كَمَا هدى امْرَأَته " وَالْخَبَر غَرِيب. وَفِي بعض التفاسير: أَن فِرْعَوْن قصد قَتله، وَقَالَ: لَعَلَّه من الْأَعْدَاء، فاستوهبته امْرَأَته فوهبه لَهَا. وَقَوله: ﴿لَا تقتلوه عَسى أَن ينفعنا أَو نتخذه ولدا﴾ رُوِيَ أَن آسِيَة لم يكن لَهَا ولد، وَقيل: كَانَ يَمُوت أَوْلَادهَا، فَقَالَت: أَو نتخذه ولدا لهَذَا. وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ حَقِيقَة الْأَمر.

القصص 28:10

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأصْبح﴾ قيل: وَأصْبح أَي: صَار، وَيُقَال: هُوَ على حَقِيقَته، واستعماله فِي هَذَا الْموضع على طَرِيق الْمجَاز، وَمَعْنَاهُ: أَصبَحت أم مُوسَى وفؤادها فَارغًا، وَاخْتلف القَوْل فِي قَوْله ﴿فَارغًا﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد بِهِ فَارغًا من كل شَيْء إِلَّا من ذكر مُوسَى والوجد عَلَيْهِ، هَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيرهم. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿فَارغًا﴾ أَي: فَارغًا من الْحزن عَلَيْهِ لعلمها بِصدق وعد الله تَعَالَى، وَهَذَا قَول أبي عُبَيْدَة، وَأنكر القتيبي وَغَيره هَذَا القَوْل، وَقَالُوا: كَيفَ يَصح هَذَا وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِن كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا﴾ ؟ وَالْقَوْل الثَّالِث: " فَارغًا " أَي: نَاسِيا للوحي الَّذِي أنزل عَلَيْهَا، والعهد الَّذِي أَخذ عَلَيْهَا بألا تحزني من شدَّة البلية عَلَيْهِ، وَهَذَا معنى قَول الْحسن، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " فَزعًا "، وَقد بَينا أَن معنى قَوْله: ﴿فَأصْبح﴾ أَي: صَار، وأنشدوا فِي هَذَا شعرًا: (مضى الْخُلَفَاء بِالْأَمر الرشيد ... وأصبحت المذمة للوليد) وَقَوله: ﴿إِن كَادَت لتبدي بِهِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَادَت تَقول: يَا إبناه. وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا﴾ أَي: بِالصبرِ، وَقيل: بِالْإِيمَان بالوعد، وَقيل: بالعصمة. وَقَوله: ﴿لتَكون من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: من المصدقين،

القصص 28:11

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت لأخته قصيه﴾ فِي الْقِصَّة: أَن اسْم [أُخْته] كَانَت مَرْيَم، وَقَوله: ﴿قصيه﴾ أَي: اتبعي أَثَره، وَمِنْه الْقَصَص؛ لِأَنَّهَا رِوَايَة يتبع بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَوله: ﴿فبصرت بِهِ عَن جنب﴾ أَي: [عَن بعد] ، وَقيل: عَن جَانب، وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا كَانَت تمشي جانبا، وَتنظر مختلسة وتري النَّاس أَنَّهَا لَا تنظر. وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يَشْعُرُونَ أَن هلاكهم على يَد مُوسَى، وَقيل: وهم لَا يعلمُونَ أَن الصَّبِي مُوسَى، وَأَن طَالبه أمه وَأُخْته، وأنشدوا قَول الشَّاعِر عَن جنب بِمَعْنى بعد: (فَلَا تَسْأَلنِي نائلا عَن جَنَابَة ... فَإِن امْرُؤ وسط القباب غَرِيب)

القصص 28:12

قَوْله تَعَالَى: ﴿وحرمنا عَلَيْهِ المراضع من قبل﴾ أَي: منعناه من قبُول الرَّضَاع، وَلَيْسَ المُرَاد من التَّحْرِيم هُوَ التَّحْرِيم الشَّرْعِيّ؛ وَإِنَّمَا المُرَاد من التَّحْرِيم هُوَ الْمَنْع، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس شعرًا: (جالت لتصرعني فَقلت لَهَا اقصري ... إِنِّي امْرُؤ صرعى عَلَيْك حرَام) أَي: مُمْتَنع، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى مكث ثَمَان لَيَال لَا يقبل ثديا، ويصيح وهم فِي طلب مُرْضِعَة لَهُ. وَقَوله: ﴿فَقَالَت هَل أدلكم﴾ يَعْنِي: قَالَت أُخْت مُوسَى: هَل أدلكم ﴿على أهل بَيت يكفلونه لكم﴾ ؟ . وَقَوله: ﴿وهم لَهُ ناصحون﴾ أَي: عَلَيْهِ مشفقون، والنصح ضد الْغِشّ، وَقيل: النصح تصفية الْعَمَل من شوائب الْفساد، وَمِنْه قَوْله: " إِلَّا إِن الدّين النَّصِيحَة. قيل: لمن؟ قَالَ: لله وَلِرَسُولِهِ وَكتابه وَالْمُؤمنِينَ " وَالْخَبَر ثَابت، رَوَاهُ تَمِيم الدَّارِيّ. وَفِي لقصة: أَن قوم فِرْعَوْن استرابوا بقول أُخْت مُوسَى فَقَالُوا: [إِنَّك] تعرفينه، وَإِلَّا فَمَا معنى نصحك لَهُ؟ فألهمها الله تَعَالَى حَتَّى قَالَت: قلت هَذَا رَغْبَة فِي سرُور الْملك واتصالنا بِهِ، وَرُوِيَ أَن أم مُوسَى لما أُتِي بهَا، وَوجد مُوسَى رِيحهَا، (نزا) إِلَى ثديها فَجعل يمصه حَتَّى امْتَلَأَ جنباه ريا، وَقَالَ السّديّ: كَانُوا يعطونها كل يَوْم دِينَارا.

القصص 28:13

وَقَوله: ﴿فرددناه إِلَى أمه كي تقر عينهَا﴾ أَي: تقر عينهَا برد مُوسَى إِلَيْهَا ﴿وَلَا تحزن﴾ أَي: وَلِئَلَّا تحزن. وَقَوله: ﴿ولتعلم أَن وعد الله حق﴾ لِأَنَّهُ كَانَ قد وعدها أَنه يردهُ إِلَيْهَا. وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَن وعد الله حق.

القصص 28:14

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما بلغ أشده﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الأشد: ثَلَاثُونَ سنة، وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ: أَربع وَثَلَاثُونَ سنة، وَقيل: ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة، وَقيل خمس وَعِشْرُونَ سنة، وَقيل: عشرُون سنة، وَقيل: [ثَمَانِي عشرَة] سنة. وَقَوله: ﴿واستوى﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرْبَعُونَ سنة، وَعَن غَيره: ﴿اسْتَوَى﴾ أَي: انْتهى شبابه. وَقَوله: ﴿آتيناه حكما وعلما﴾ أَي: الْفِقْه وَالْعقل وَالْعلم. وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

القصص 28:15

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدخل الْمَدِينَة﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْمَدِينَة كَانَت مَدِينَة عين شمس، وَقيل: مَدِينَة منف، وَعَن السّديّ قَالَ: كَانَ مُوسَى يركب من مراكب فِرْعَوْن، ويلبس من ملابسه، وَكَانَ يُسمى ابْن فِرْعَوْن، فَركب فِرْعَوْن مرّة فِي حشمه إِلَى بعض الْمَدَائِن، وَكَانَ مُوسَى غَائِبا فَرجع وَقد ركب فِرْعَوْن، فَركب فِي أَثَره، فوصل إِلَى الْمَدِينَة وَقت القائلة، وَقد اشْتغل النَّاس بالقيلولة، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا﴾ أَي: غفلوا عَن ذكر مُوسَى. وَقَوله: ﴿فَوجدَ فِيهَا رجلَيْنِ يقتتلان﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه وجد قبطيا يسخر إِسْرَائِيلِيًّا فِي حمل الْحَطب إِلَى مطبخ فِرْعَوْن، وَقَوله: ﴿يقتتلان﴾ أَي: يختصمان ويتنازعان، وَقَوله: ﴿هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾ أى: الإسرائيلي من شيعته، والقبطي من عدوه، وَكَانَت بَنو إِسْرَائِيل قد عزوا بمَكَان مُوسَى؛ لأَنهم كَانُوا يعلمُونَ أَنه مِنْهُم، وَيُقَال: ﴿هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾ أَي: هَذَا مُؤمن وَهَذَا كَافِر. وَقَوله: ﴿فاستغاثه الَّذِي من شيعته﴾ الاستغاثة: طلب المعونة، وَقَوله: ﴿فوكزه مُوسَى﴾ قَرَأَ (ابْن مَسْعُود) : " فلكزه مُوسَى " واللكز والوكز (وَاحِد، وَهُوَ الضَّرْب بِجمع الْكَفّ، وَقيل الوكز هُوَ الضَّرْب فِي الصَّدْر، واللكز) هُوَ الضَّرْب فِي الظّهْر. وَفِي بعض التفاسير: (أَن مُوسَى) عقد ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ وضربه ضَرْبَة بِهِ فِي صَدره، وَكَانَ شَدِيد الْبَطْش، فَقتل الرجل، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَقضى عَلَيْهِ﴾ أَي: قَتله، يُقَال: قضى فلَان أَي: مَاتَ. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز هَذَا على مُوسَى؟ قُلْنَا: وَهُوَ لم يقْصد الْقَتْل، وَإِنَّمَا وَقع الْقَتْل خطأ، وَكَانَ قَصده استنقاذ الإسرائيلي من ظلمه. وَقَوله: ﴿قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان﴾ أَي: من تزيينه، وَقَوله: ﴿إِنَّه عَدو مضل مُبين﴾ أَي: مضل بَين الضَّلَالَة،

القصص 28:16

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ يَعْنِي: بقتل القبطي من غير أمره ﴿فَاغْفِر لي﴾ أَي: فَاغْفِر لي بِمَا عملت. وَقَوله: ﴿فغفر لَهُ إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ أَي: غفر الله لَهُ، إِن الله غَفُور رَحِيم.

القصص 28:17

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ﴾ مننت عَليّ بالمغفرة. وَقَوله: ﴿فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ أَي: معاونا للمجرمين، وَفِي بعض التفاسير: أَن قَوْله: ﴿فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ كَانَت زلَّة من مُوسَى حِين لم يقرن بِهِ مَشِيئَة الله أَو الاستغاثة من الله، وقلما يَقُول الْإِنْسَان هَذَا القَوْل، وَيُطلق هَذَا الْإِطْلَاق إِلَّا ابتلى، فَابْتلى مُوسَى فِي الْيَوْم الثَّانِي مَا ذكره الله تَعَالَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:

القصص 28:18

﴿فَأصْبح فِي الْمَدِينَة خَائفًا يترقب﴾ . قَالَ سعيد بن جُبَير: يلْتَفت وَيُقَال: ينْتَظر الطّلب، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى حِين قتل ذَلِك الرجل لم يره أحد، وَدفن لرجل فِي الرمل. وَرُوِيَ أَن قومه وجدوه قَتِيلا، فَجَاءُوا إِلَى فِرْعَوْن وَذكروا لَهُ ذَلِك. فَقَالَ: اطْلُبُوا قَاتله لأقيده بِهِ، فَجعلُوا يطلبونه ومُوسَى يخَاف. وَقَوله: ﴿فَإِذا الَّذِي استنصره بالْأَمْس يستصرخه﴾ أَي: يستغيث بِهِ ويصيح بِهِ من بعد، وَكَانَ ذَلِك الإسرائيلي سَخَّرَهُ قبْطِي آخر، فَبَصر بِهِ مُوسَى فَطلب مِنْهُ المعونة. وَقَوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّك لغوى مُبين﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن هَذَا قَالَه مُوسَى للإسرائيلي، فَإِنَّهُ كَانَ أغواه أمس أَي: أوقعه فِي الغواية، فَمَعْنَى قَوْله: ﴿غوى﴾ : موقع فِي الغواية. وَقَوله: ﴿مُبين﴾ أَي: بَين، وَيُقَال: إِن هَذَا قَالَه للقبطي، وَالأَصَح هُوَ الأول.

القصص 28:19

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَن أَرَادَ أَن يبطش بِالَّذِي هُوَ عَدو لَهما﴾ فِي التَّفْسِير: إِن مُوسَى أَدْرَكته الرقة وَالرَّحْمَة للإسرائيلي، فقصد أَن يبطش بالقبطي، فَظن الإسرائيلي أَنه يُرِيد أَن يبطش بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَالَ لَهُ: " إِنَّك لغوى مُبين ". وَقَوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تقتلني﴾ يَعْنِي: قَالَ الإسرائيلي: ﴿كَمَا قتلت نفسا بالْأَمْس إِن تُرِيدُ﴾ أَي: مَا تُرِيدُ ﴿إِلَّا أَن تكون جبارا فِي الأَرْض﴾ ، أَي: تقتل على الْغَضَب، وكل من قتل على الْغَضَب فَهُوَ جَبَّار، وَيُقَال: من قتل نفسين بِغَيْر حق فَهُوَ من جبابرة الأَرْض. وَقَوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تكون من المصلحين﴾ أَي: الرافقين بِالنَّاسِ، وَفِي الْقِصَّة: أَن الإسرائيلي لما قَالَ هَذَا وسَمعه القبطي، عرف أَن الَّذِي قتل بالْأَمْس إِنَّمَا قَتله مُوسَى، فَمر إِلَى فِرْعَوْن وَذكر لَهُ ذَلِك، فَبعث فِي طلب مُوسَى ليَقْتُلهُ بِهِ.

القصص 28:20

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء رجل من أقْصَى الْمَدِينَة يسْعَى﴾ يُقَال: كَانَ اسْمه شَمْعُون، وَيُقَال: شمعان، وَقيل: هُوَ (حزقيل) مُؤمن [من] آل فِرْعَوْن. وَقَوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك﴾ أَي: يتشاورون فِي قَتلك، وَقيل: يَأْمر بَعضهم بَعْضًا بقتلك، وَقيل: إِن فِرْعَوْن قَالَ: أَيْن وجدتموه فَاقْتُلُوهُ. وَقَوله: ﴿فَاخْرُج إِنِّي لَك من الناصحين﴾ أَي: من الناصحين لَك فِي الْأَمر بِالْخرُوجِ، والنصح للْإنْسَان هُوَ الْإِشَارَة عَلَيْهِ بِمَا يصلح أمره، وَقد كَانَ السّلف يطْلب هَذَا بَعضهم من بعض. قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ حِين خطب: إِن أَحْسَنت فَأَعِينُونِي، وَإِن زِغْت فقوموني. وَرُوِيَ أَن رجلا قَالَ لعمر: اتَّقِ الله يَا عمر، فَأنْكر عَلَيْهِ بَعضهم، فَقَالَ عمر: دَعه، فَمَا نزال بِخَير مَا قيل لنا هَذَا. وَعَن بَعضهم أَنه قيل لَهُ: أَتُرِيدُ أَن تنصح؟ قَالَ: أما سرا فَنعم، وَأما جَهرا فَلَا.

القصص 28:21

قَوْله: ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب﴾ أَي: ينْتَظر الطّلب، وَفِي الْقِصَّة: أَن فِرْعَوْن بعث لطلبه حِين أخبر بهربه، وَقَالَ: اركبوا ثنيات الطَّرِيق، فَإِنَّهُ لَا يعرف كَيفَ الطَّرِيق. وَرُوِيَ أَنه خرج متوهجا لَا يدْرِي أَيْن ذهب، فَبعث الله تَعَالَى ملكا حَتَّى هداه إِلَى الطَّرِيق، وَفِي بعض التفاسير: أَنه خرج حافيا يعدو ثَمَان لَيَال لَيْسَ مَعَه زَاد، قَالَ ابْن عَبَّاس: وَهُوَ أول ابتلاء من الله لمُوسَى يسْقط خف قدمه، وَجعل يَأْكُل البقل حَتَّى كَانَ يرى خضرته فِي بَطْنه. وَقَوله: ﴿قَالَ رب نجني من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

القصص 28:22

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما توجه تِلْقَاء مَدين﴾ أَي: قبل مَدين. وَقَوله: ﴿قَالَ عَسى رَبِّي أَن يهديني﴾ أَي: يرشدني رَبِّي ﴿سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: وسط الطَّرِيق، ووسط الطَّرِيق هُوَ السَّبِيل الَّذِي يُوصل إِلَى الْمَقْصُود، ومدين اسْم رجل نسبت الْبَلدة إِلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِر فِي الْمَدَائِن: (رُهْبَان مَدين لَو رأوك تنزلوا ... والعصم من شعف الْعُقُول الفادر) وَقَالَ أهل الْمعَانِي: التَّوَجُّه إِلَى جِهَة من الْجِهَات. وَقَوله: ﴿تِلْقَاء مَدين﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نَحْو مَدين. وَقَوله: ﴿عَسى رَبِّي أَن يهديني سَوَاء السَّبِيل﴾ قَالَ مُجَاهِد: طَرِيق مَدين.

القصص 28:23

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما ورد مَاء مَدين﴾ يَعْنِي: لما ورد مُوسَى مَاء مَدين، وَهُوَ بِئْر كَانُوا يسقون مِنْهَا أغنامهم ومواشيهم. وَقَوله: ﴿وجد عَلَيْهِ أمة من النَّاس يسقون﴾ أَي: جمَاعَة. وَقَوله: ﴿وَوجد من دونهم امْرَأتَيْنِ﴾ أَي: سوى الْجَمَاعَة امْرَأتَيْنِ، وَقيل: بَعيدا من الْجَمَاعَة امْرَأتَيْنِ. وَقَوله: ﴿تذودان﴾ أَي: تحبسان وتكفان أغنامهما من مُخَالطَة أَغْنَام النَّاس. وَقَالَ قَتَادَة: تزودان أَي: تكفان النَّاس عَن أغنامهما، قَالَ الشَّاعِر: (فقد سلبت عصاك بَنو تَمِيم ... فَلَا أَدْرِي بِأَيّ عَصا تذود) وَأنْشد قطرب شعرًا: (أَبيت على بَاب القوافي كَأَنَّمَا ... أذود بهَا سربا من الْوَحْش نزعا) وَقَوله: ﴿مَا خطبكما﴾ أَي: قَالَ مُوسَى للمرأتين: مَا خطبكما؟ أَي: مَا شأنكما؟ والخطب: الْأَمر المهم، وَإِنَّمَا سَأَلَ هَذَا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا تسقيان الْغنم مَعَ النَّاس. وَقَوله: ﴿قَالَتَا لَا نسقي﴾ يَعْنِي: لَا نسقي غنمنا، وَقَوله: ﴿حَتَّى يصدر الرعاء﴾ (وَقُرِئَ: " حَتَّى يصدر الرعاء " فَقَوله: ﴿حَتَّى يصدر الرعاء﴾ أَي: يرجع الرعاء بأغنامهم، وَقَوله: ﴿حَتَّى يصدر الرعاء﴾ ) . أَي: يصدر الرعاء أغنامهم، قَالَ قَتَادَة. كَانَتَا تسقيان أغنامهما مَا تفضل من مياه الْقَوْم. وَقَالَ بَعضهم: لم تسقيا أغنامهما كَرَاهَة مزاحمة الرِّجَال. وَقَوله: ﴿وأبونا شيخ كَبِير﴾ لَا يقدر على سقِِي الْغنم، كَأَنَّهُمَا جعلتا ذَلِك عذرا لَهما، وَقيل: إِنَّمَا قَالَتَا ذَلِك استعطافا لقلب مُوسَى حَتَّى يسقيهما، قَالَ ابْن عَبَّاس: وصل مُوسَى أَي: مَاء مَدين وخضرة البقل يرى فِي أمعائه من الهزال.

القصص 28:24

وَقَوله: ﴿فسقى لَهما﴾ فِي الْقِصَّة: أَن الْقَوْم رجعُوا بأغنامهم، وغطوا رَأس الْبِئْر بِحجر، لَا يرفعهُ إِلَّا عشرَة نفر، فجَاء مُوسَى وَرفع الْحجر وَحده، وَسَقَى غنم الْمَرْأَتَيْنِ. وَيُقَال: إِنَّه نزع ذنوبا ودعا فِيهِ بِالْبركَةِ، فروى مِنْهُ جَمِيع الْغنم. وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَن مُوسَى زاحم الْقَوْم وأخرهم، ونحاهم عَن رَأس الْبِئْر وَسَقَى غنم الْمَرْأَتَيْنِ. وَقَوله: ﴿ثمَّ تولى إِلَى الظل﴾ يُقَال: كَانَ ظلّ شَجَرَة، وَيُقَال: كَانَ ظلّ حَائِط بِلَا سقف. وَقَوله: ﴿فَقَالَ رب إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير﴾ أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَنه طلب من الله الطَّعَام لجوعه، قَالَ ابْن عَبَّاس فلقَة خبز، أَو قَبْضَة تمر. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: لم يكن على وَجه الأَرْض أكْرم مِنْهُ، وَكَانَ مُحْتَاجا إِلَى شقّ تَمْرَة. وَقَالَ مُجَاهِد: طلب الْخبز. وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى أخرج للخبز بَرَكَات السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَعَن بَعضهم: لَوْلَا الْخبز مَا عبد الله. وَالْعرب تسمي الْخبز جَابِرا، قَالَ بَعضهم شعرًا: (لَا تلوموني ولوموا جَابِرا ... فجابر كلفني الهواجرا) يَعْنِي: الْعَمَل بالهاجرة.

القصص 28:25

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهمَا﴾ فِي الْآيَة حذف، وَهُوَ أَن الْمَرْأَتَيْنِ رجعتا إِلَى أَبِيهِمَا، وَأكْثر أهل التَّفْسِير أَن أباهما كَانَ هُوَ: شُعَيْب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ رجل مِمَّن آمن بشعيب، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ ابْن أخي شُعَيْب، فَلَمَّا رجعتا إِلَى أَبِيهِمَا بِسُرْعَة أنكر رجوعهما، فذكرتا لَهُ قصَّة الرجل، فَبعث إِحْدَاهمَا فِي طلبه. وَقَوله: ﴿تمشي على استحياء﴾ روى عَمْرو بن مَيْمُون، عَن عمر أَنه قَالَ: ليبست بسلفع من النِّسَاء، وَلَا خراجة وَلَا ولاجة، وَلَكِن وضعت كمها على وَجههَا استحياء. وَقَوله: ﴿قَالَت إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ أَي: ليطعمك ويثيبك أجر مَا سقيت لنا أَي: عوض مَا سقيت لنا. قَالَ أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار: لما سمع مُوسَى هَذَا أَرَادَ أَلا يذهب وَلَكِن كَانَ جائعا، فَلم يجد بدا من الذّهاب، فمشت الْمَرْأَة وَمَشى مُوسَى خلفهَا، فَجعلت الرّيح تضرب ثوبها، وتصف عجيزتها، فكره مُوسَى ذَلِك، فَقَالَ: يَا أمة الله، امشي خَلْفي وصفي لي الطَّرِيق، فَفعلت كَذَلِك، فَلَمَّا وصل مُوسَى إِلَى دَار شُعَيْب، فَإِذا الْعشَاء تهَيَّأ، فَقَالَ: يَا شَاب، اجْلِسْ، فَكل، فَقَالَ: معَاذ الله، إِنَّا أهل بَيت لَا نطلب على عمل من أَعمال الْآخِرَة عوضا من الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ شُعَيْب: إِن هَذَا عاداتي وعادات آبَائِي، نقري الضَّيْف ونطعم الطَّعَام، فَجَلَسَ وَأكل. هَذَا كُله قَول أبي حَازِم. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وقص عَلَيْهِ الْقَصَص﴾ يَعْنِي: مَا لَقِي من فِرْعَوْن وَأمره من أَوله إِلَى آخِره. وَقَوله: ﴿لَا تخف نجوت من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لم يكن لفرعون سُلْطَان على مَدين، والظالمين: فِرْعَوْن وَقَومه.

القصص 28:26

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت إِحْدَاهمَا يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ﴾ أَي: اسْتَأْجرهُ لرعي الْغنم. وَفِي الْقِصَّة: أَن شعيبا قَالَ لابنته: وَمَا علمك بقوته وأمانته؟ فَقَالَت: أما قوته فَلِأَنَّهُ حمل حجرا لَا يحملهُ إِلَّا عشرَة من الرِّجَال، وَأما أَمَانَته فَإِنَّهُ قَالَ لي: امش خَلْفي لِئَلَّا تصف الرّيح بدنك، وَيُقَال: القوى فِيمَا مَا يَلِي، والأمين فِيمَا يستودع.

القصص 28:27

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير: أَنه زوجه الصُّغْرَى مِنْهُمَا، وَاسْمهَا صفوراء، وَهِي الَّتِي ذهبت لطلب مُوسَى. وَقَوله: ﴿على أَن تَأْجُرنِي﴾ أَي: تكون أجيري، وَقيل: على أَن تثيبني. ﴿ثَمَانِي حجج﴾ أَي: ثَمَان سِنِين. قَوْله: ﴿فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك﴾ يَعْنِي: هُوَ تبرع من عنْدك. وَقَوله: ﴿وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك﴾ أَي: مَا ألزمك تَمام الْعشْرَة إِلَّا أَن تتبرع. وَقَوله: ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين﴾ أَي: الرافقين بك، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اخلفني فِي قومِي وَأصْلح﴾ أَي: ارْفُقْ.

القصص 28:28

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ ذَلِك بيني وَبَيْنك﴾ أَي: هَذَا الشَّرْط بيني وَبَيْنك. ﴿أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت﴾ أَي: أَي الْأَجَليْنِ قضيت، و " مَا " صلَة. وَقَوله: ﴿فَلَا عدوان عَليّ﴾ أَي: لَا أطلب بِالزِّيَادَةِ، وَقَوله: ﴿وَالله على مَا نقُول وَكيل﴾ أَي: شَاهد، وَقيل: حفيظ. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أجر مُوسَى نَفسه بطعمة بَطْنه وعفة فُرْجَة ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي سُئِلَ: أَي الْأَجَليْنِ وفى مُوسَى؟ قَالَ: " أكملهما وأتمهما ". وروى شَدَّاد بن أَوْس عَن النَّبِي: " أَن شعيبا بَكَى حَتَّى عمي فَرد الله عَلَيْهِ بَصَره، (ثمَّ بَكَى حَتَّى عمي، فَرد الله عَلَيْهِ بَصَره) ، ثمَّ بَكَى حَتَّى عمي، فَقَالَ الله تَعَالَى: لم تبك يَا شُعَيْب؟ أخوفاً من النَّار أَو طَمَعا فِي الْجنَّة؟ فَقَالَ: لَا يَا رب، وَلَكِن أحبك وَقَالَ بَعضهم: شوقا إِلَى لقائك قَالَ: يَا شُعَيْب، وَلذَلِك أخدمتك مُوسَى كليمي " وَالْخَبَر غَرِيب. وَأما قصَّة الْعَصَا: إِن شعيبا قَالَ لابنته: أعطي مُوسَى عَصا ليتقوى بهَا على رعي الْغنم، وَكَانَ عِنْده عَصا أودعها ملك مِنْهُ، فَدخلت بنت شُعَيْب، وَوَقعت هَذِه الْعَصَا بِيَدِهَا وَخرجت بهَا، فَقَالَ شُعَيْب: ردي هَذِه الْعَصَا، وخذي عَصا أُخْرَى، فَردَّتهَا، وأرادت أَن تَأْخُذ عَصا أُخْرَى فَوَقَعت بِيَدِهَا هَذِه الْعَصَا، هَكَذَا ثَلَاث مَرَّات، فَسلم ﴿مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله آنس من جَانب الطّور نَارا قَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا﴾ شُعَيْب الْعَصَا إِلَى مُوسَى، وَخرج مُوسَى بالعصا، ثمَّ إِن الشَّيْخ نَدم فَذهب فِي أَثَره، وَطلب مِنْهُ أَن يرد الْعَصَا إِلَيْهِ، وأبى مُوسَى، فَقَالَا: نَتَحَاكَم إِلَى أول من يَلْقَانَا، فلقيهما ملك فِي صُورَة رجل، (فَحكم بِأَن يطْرَح) الْعَصَا، فَمن أطَاق حملهَا فَهِيَ لَهُ، فَطرح مُوسَى الْعَصَا، فجَاء شُعَيْب ليأخذها فَلم يطق حملهَا، وَجَاء مُوسَى فَأَخذهَا وَذهب بالعصا. أورد هَذَا وهب وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهمَا.

القصص 28:29

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله﴾ فِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى لما أتم الْأَجَل وَسلم شُعَيْب ابْنَته إِلَيْهِ، قَالَ مُوسَى للْمَرْأَة: اطلبي من أَبِيك ليجعل بعض الْغنم لنا، فطلبت من أَبِيهَا ذَلِك، فَقَالَ شُعَيْب: كل مَا ولدت هَذَا الْعَام على غير شيتها، وَقيل: كلما ولدت بلقاء فَهِيَ لَكمَا، فجَاء مُوسَى إِلَى المَاء الَّذِي تشرب مِنْهُ الْغنم، وَوضع الْعَصَا فِي المَاء، وَرُوِيَ أَنه كلما شربت شَاة من الْغنم فَجعل يضْرب جنبها بالعصا، فَولدت ذَلِك الْعَام كلهَا على غير شيتها، وَقَالَ: ولدت بلقاء، ثمَّ إِن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام اسْتَأْذن من شُعَيْب ليرْجع إِلَى مصر، يزور والدته وأخاه، فَأذن لَهُ، فَسَار بأَهْله إِلَى جَانب مصر. وَقَوله: ﴿آنس من جَانب الطّور نَارا﴾ رُوِيَ أَن مُوسَى كَانَ رجلا غيورا، وَكَانَ يصحب الرّفْقَة بِاللَّيْلِ، ويفارقهم بِالنَّهَارِ، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي أَرَادَ الله كرامته فِيهَا، أَخطَأ الطَّرِيق؛ لِأَن الظلمَة اشتدت وَاشْتَدَّ الْبرد، وَانْقطع عَن الرّفْقَة فَجعل يقْدَح الزند فَلَا يورى، ثمَّ إِنَّه أبْصر نَارا من قبل الطّور، وَكَانَ نورا وَلم تكن نَارا، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿آنس من جَانب الطّور نَارا﴾ أَي: أبْصر. وَقَوله: ﴿قَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا﴾ أَي: أَبْصرت نَارا. قَوْله تَعَالَى: ﴿لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر﴾ أَي: بِخَبَر عَن الطَّرِيق؛ لِأَنَّهُ قد أَخطَأ الطَّرِيق، وَقَوله: ﴿أَو جذوة من النَّار﴾ أَي: قِطْعَة من النَّار، وَقيل: عود فِي رَأسه نَار. وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تصطلون﴾ أَي: (تصطلون) بهَا فتذهب عَنْكُم الْبرد، وَيُقَال: أحسن من الصلى فِي لشتاء.

القصص 28:30

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن﴾ أَي: يَمِين مُوسَى، والشاطئ هُوَ الْجَانِب. وَقَوله: ﴿فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة﴾ سمى الْبقْعَة الْمُبَارَكَة لِأَن الله تَعَالَى كلم مُوسَى فِيهَا، فَإِن قيل: فَلم لم يسم الشَّجَرَة مباركة وَقد قَالَ: ﴿من الشَّجَرَة﴾ ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ إِذا ذكرت الْبركَة فِي الْبقْعَة، فقد ذكرت فِي الشَّجَرَة، فَذكر الْبقْعَة؛ لِأَنَّهَا أَعم. وَقَوله: ﴿من الشَّجَرَة﴾ قَالُوا: كَانَت شَجَرَة العوسج هِيَ أول شَجَرَة غرست فِي الأَرْض، وَقيل: شجر العليق. وَقَوله: ﴿أَن ياموسى إِنِّي انا الله رب الْعَالمين﴾ أى: رب الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْمَلَائِكَة وَالْخَلَائِق أَجْمَعِينَ. وَقَوله: ﴿من الشَّجَرَة﴾ قَالَ الزّجاج والنحاس وَغَيرهمَا: كلم الله مُوسَى من الشَّجَرَة بِلَا كَيفَ. وَعَن الضَّحَّاك: من نَحْو الشَّجَرَة. وَعند الْمُعْتَزلَة: أَن الله تَعَالَى خلق كلَاما فِي الشَّجَرَة، فَسمع مُوسَى ذَلِك الْكَلَام، وَهَذَا عندنَا بَاطِل، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى على مَا ورد بِهِ النَّص، وَإِذا كَانَ على هَذَا الْوَجْه الَّذِي قَالُوا فَيكون الله خَالِقًا لَا مكلما؛ لِأَنَّهُ يُقَال: خلق فَهُوَ خَالق، وَلَا يُقَال: خلق فَهُوَ مُكَلم. وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى لما رأى النَّار، ترك أَهله وَولده، وَتوجه نَحْو النَّار، فَبَقيَ أَهله فِي ذَلِك الْمَكَان ثَلَاثِينَ سنة، حَتَّى مر بهَا رَاع فرآها حزينة باكية، فَردهَا إِلَى أَبِيهَا، ذكره النقاش فِي تَفْسِيره. وَقَوله: ﴿إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾ قد بَينا من قبل،

القصص 28:31

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن ألق عصاك﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن الْعَصَا كَانَ من آس الْجنَّة، وَقعت إِلَى آدم، ثمَّ من آدم إِلَى نوح، ثمَّ من نوح إِلَى إِبْرَاهِيم، ثمَّ من إِبْرَاهِيم إِلَى شُعَيْب، وَكَانَ لَا يَأْخُذهَا غير نَبِي إِلَّا أَكلته، وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بالسُّرْيَانيَّة أَنا الأول أَنا الآخر أَنا الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت أبدا. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تهتز﴾ أَي: تتحرك ﴿كَأَنَّهَا جَان﴾ الجان: الْحَيَّة الصَّغِيرَة، والثعبان: الْحَيَّة الْعَظِيمَة. وَقد ذكرنَا التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ، قد قَالَ بَعضهم: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر حَيَّة صَغِيرَة، ثمَّ صَارَت تعظم حَتَّى صَارَت ثعبانا. وَقَوله: ﴿ولى مُدبرا﴾ أَي: من الْخَوْف، فَإِن قيل: لم خَافَ مُوسَى وَهُوَ فِي مثل ذَلِك الْمقَام؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ رأى شَيْئا بِخِلَاف الْعَادة، وَمن رأى شَيْئا بِخِلَاف الْعَادة فخاف عذر، وَقد رُوِيَ أَنَّهَا لما صَارَت حَيَّة ابتلعت مَا حولهَا من لصخور وَالْأَشْجَار، وَسمع مُوسَى لأسنانها صريفا عَظِيما، فهرب. وَقَوله: ﴿وَلم يعقب﴾ أَي: لم يلْتَفت، وَقَوله: ﴿يَا مُوسَى أقبل وَلَا تخف إِنَّك من الْآمنينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

القصص 28:32

قَوْله تَعَالَى: ﴿اسلك يدك فِي جيبك﴾ أَي: أَدخل يدك فِي جيبك، وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَت عَلَيْهِ مدرعة مصرية من صوف. وَقَوله: ﴿تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾ يُقَال: خرجت وَلها شُعَاع كضوء الشَّمْس. وَقَوله: ﴿واضمم إِلَيْك جناحك من الرهب﴾ حكى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن مَعْنَاهُ: ضع يدك على صدرك. والجناح: الْيَد، قَالَ: وَمَا من خَائِف بعد مُوسَى إِلَّا إِذا وضع يَده على صَدره زَالَ خَوفه. وَذكر الْفراء فِي كِتَابه: أَن الْجنَاح هَاهُنَا هُوَ لعصا، وَمَعْنَاهُ: اضمم إِلَيْك عصاك. وَمن الْمَعْرُوف أَن الْجنَاح هُوَ الْعَضُد، وَقيل: جَمِيع الْيَد، وَقيل: مَا تَحت الْإِبِط، والخائف إِذا ضم إِلَيْهِ يَده خف خَوفه. وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَن الرهب هُوَ الْكمّ بِهِ، فَيكون معنى الْآيَة على هَذَا: واضمم إِلَيْك عصاك ويدك الَّتِي فِي كمك فقد جعلناها آيَتَيْنِ لَك، وَيقْرَأ: " من الرهب " وَقيل: الرهب والرهب بِمَعْنى وَاحِد كالرشد والرشد، وَالْمعْنَى الظَّاهِر فِيهِ أَنه الْخَوْف. وَقَوله: ﴿فذاناك برهانان من رَبك﴾ أَي: آيتان وحجتان من رَبك. وَقَوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وملئه﴾ يَعْنِي: وَأَتْبَاعه. وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين﴾ أَي: خَارِجين عَن الطَّاعَة.

القصص 28:33

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي قتلت مِنْهُم نفسا فَأَخَاف أَن يقتلُون﴾ يَعْنِي: القبطي.

القصص 28:34

وَقَوله: ﴿وَأخي هَارُون هُوَ أفْصح مني لِسَانا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانَ فِي لِسَان مُوسَى عقدَة من الْوَقْت الَّذِي أَخذ بلحية فِرْعَوْن، وَأخذ الْجَمْرَة بعد ذَلِك وألقاه فِي فِيهِ على مَا ذكرنَا من قبل. وَقَوله: ﴿فَأرْسلهُ معي ردْءًا﴾ أَي: عونا. ﴿يصدقني﴾ أَي مُصدقا لي، وَقُرِئَ: " يصدقني " بِسُكُون الْقَاف أَي: إِن كَذَّبُونِي هُوَ يصدقني. وَقَوله: ﴿إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْن وَقَومه.

القصص 28:35

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سنشد عضدك بأخيك﴾ وَهَذَا على طَرِيق التَّمْثِيل؛ لِأَن قُوَّة الْيَد بالعضد. وَفِي الْكَلَام الْمَنْقُول من الْعَرَب أَن رجلا قيل لَهُ: مَاتَ أَبوك، قَالَ: ملكت نَفسِي، قيل لَهُ: مَاتَ ولدك، قَالَ: تفرغ قلبِي، قيل: مَاتَت زَوجتك، قَالَ: تجدّد فِرَاشِي، قيل: مَاتَ أَخُوك، قَالَ: وانفصام ظهراه، وَقَالَ الشَّاعِر: (أَخَاك أَخَاك إِن من لَا أَخا لَهُ ... كساع إِلَى لهيجا بِغَيْر سلَاح) (وَإِن ابْن عَم الْمَرْء فَاعْلَم جنَاحه ... وَهل ينْهض الْبَازِي بِغَيْر جنَاح؟ !) وَقدم الله الْأَخ على سَائِر الْأَقَارِب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه﴾ لِأَن الْإِنْسَان إِلَى أَخِيه أميل، وَبِه آنس، وَإِلَيْهِ أسكن. وَقَوله: ﴿ونجعل لكم سُلْطَانا﴾ أَي: حجَّة. وَقَوله: ﴿فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: لَا يصلونَ إلَيْكُمَا لمَكَان آيَاتنَا، وَيُقَال: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: ونجعل لَكمَا سُلْطَانا بِآيَاتِنَا فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا. وَقَوله: ﴿أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون﴾ الغالبون لفرعون وَقَومه.

القصص 28:36

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات﴾ أَي: واضحات. وَقَوله: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سحر مفترى﴾ أَي: مختلق. وَقَوله: ﴿مَا سمعنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلين﴾ أَي: الَّذين مضوا.

القصص 28:37

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أعلم بِمن جَاءَ بِالْهدى من عِنْده﴾ يَعْنِي: أعلم بِمن جَاءَ بِالْهدى، فَأَنا الَّذِي جِئْت بِالْهدى من عِنْده. وَقَوله: ﴿وَمن تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار﴾ أَي: وَأعلم بِمن تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار، وَهِي الْجنَّة. وَقَوله: ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ أَي: لَا يسْعد من أشرك بِاللَّه.

القصص 28:38

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا أَيهَا الْمَلأ مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي﴾ يُقَال: إِنَّه كَانَ بَين قَول هَذَا وَبَين قَوْله: ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ أَرْبَعُونَ سنة. وَقَوله: ﴿فَأوقد لي يَا هامان على الطين﴾ أَي: اطبخ لي الطين حَتَّى يصير آجرا، وَيُقَال: إِنَّه أول من اتخذ الْآجر. وَقَوله: ﴿فَاجْعَلْ لي صرحا﴾ أَي: قصرا عَالِيا، وَقيل: مَنَارَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿لعَلي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ أَي: أناله وأصيبه. وَفِي الْقِصَّة: أَن طول الصرح كَانَ شَيْئا كَبِيرا. ذكر فِي بعض التفاسير: أَن صرح فِرْعَوْن كَانَ طوله خَمْسَة آلَاف ذِرَاع وَخمسين ذِرَاعا، وَعرضه ثَلَاثَة آلَاف ذِرَاع ونيف. وَكَانَ فِرْعَوْن لَا يقدر أَن يقوم على أَعْلَاهُ؛ مَخَافَة أَن تنسفه الرّيح، وَذكر السّديّ أَن فِرْعَوْن علا ذَلِك الصرح، وَرمى بنشابة إِلَى السَّمَاء، فَرَجَعت إِلَيْهِ متلطخة بِالدَّمِ، فَقَالَ: قد قتلت إِلَه مُوسَى. وَقَوله: ﴿وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين﴾ أَي: لأظنه من الْكَاذِبين فِي زَعمه أَن للْأَرْض والخلق إِلَهًا غَيْرِي.

القصص 28:39

قَوْله تَعَالَى: ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُوده فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وظنوا أَنهم إِلَيْنَا لَا يرجعُونَ﴾ أَي: لَا يَنْقَلِبُون.

القصص 28:40

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأخذناه وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم﴾ أَي: طرحناهم فِي الْبَحْر. وَقَوله: ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْن وَقَومه.

القصص 28:41

قَوْله تَعَالَى: ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ أَي: قادة. وَقَوله: ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ﴾ أَي: لَا يمْنَعُونَ من الْعَذَاب.

القصص 28:42

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة﴾ أَي: أتبعنا الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا لعنة. وَقَوله: ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين﴾ أَي: الْمُعَذَّبين، وَيُقَال من المشبوهين أَي: بسواد الْوَجْه وزرقة الْعين.

القصص 28:43

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ أَي: التَّوْرَاة، وَقَوله: ﴿من بعد مَا أهلكنا الْقُرُون الأولى﴾ وهم قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَقوم لوط وَقوم شُعَيْب وَغَيرهم. وَقَوله: ﴿بصائر للنَّاس﴾ أَي: دلالات للآخرين. وَقَوله: ﴿وَهدى وَرَحْمَة لَعَلَّهُم يتذكرون﴾ أَي: يتعظون بالدلالات. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كنت بِجَانِب الغربي﴾ أَي: مَا كنت بِنَاحِيَة الْجَبَل مِمَّا يَلِي الغرب، وَقَوله: ﴿إِذا قضينا إِلَى مُوسَى الْأَمر﴾ أَي: أحكمنا مَعَ مُوسَى الْأَمر، وَذَلِكَ بإرساله إِلَى فِرْعَوْن وَقَومه.

القصص 28:44

وَقَوله: ﴿وَمَا كنت من الشَّاهِدين﴾ أَي: الْحَاضِرين ذَلِك الْمقَام، وَمعنى هَذَا: أَنَّك لم تكن تكن شَاهدا وَلَا حَاضرا ذَلِك الْمقَام، وَهَذَا الْعلم لَك من قبلنَا.

القصص 28:45

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكنَّا أنشأنا قرونا فتطاول عَلَيْهِم الْعُمر﴾ رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: مَا اهلك الله تَعَالَى أمة من الْأُمَم بعد إنزاله التَّوْرَاة على مُوسَى غير الْقرْيَة الَّتِي اعْتدت فِي السبت، فمسخوا، يَعْنِي: أهل الْقرْيَة. وَقَوله: ﴿وَمَا كنت ثاويا﴾ أَي: مُقيما ﴿فِي أهل مَدين﴾ . وَقَوله: ﴿تتلوا عَلَيْهِم آيَاتنَا﴾ وَقَالَ هَذَا لِأَن شعيبا كَانَ يَتْلُوا عَلَيْهِم آيَات الله، وَقيل: هَذَا كَانَ مُوسَى، وَالْأول أظهر، وَقَوله: ﴿وَلَكنَّا كُنَّا مرسلين﴾ أَي: نَحن الَّذين أرسلناهم.

القصص 28:46

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كنت بِجَانِب الطّور إِذْ نادينا﴾ رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ فِي معنى هَذِه الْآيَة: إِن الله تَعَالَى قَالَ: يَا أمة مُحَمَّد، أَعطيتكُم قبل أَن تَسْأَلُونِي، وأجبتكم قبل أَن تَدعُونِي، وغفرت لكم قبل أَن تستغفروني. فَهَذَا هُوَ معنى النداء، وَنقل بَعضهم هَذَا مُسْندًا إِلَى النَّبِي. وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان: معنى قَوْله: ﴿نادينا﴾ هُوَ أَنه قَالَ لهَذِهِ الْأمة، وهم فِي أصلاب آبَائِهِم: آمنُوا بِمُحَمد إِذا بعثته. وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى لما سمع هَذَا من الله تَعَالَى: قَالَ: يَا رب، إِنَّمَا جِئْت لوفادة أمة مُحَمَّد. وَقَوله: ﴿وَلَكِن رَحْمَة من رَبك﴾ قد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله تَعَالَى كتب كتابا قبل أَن يخلق آدم بألفي عَام، وَهُوَ عِنْده فَوق عَرْشه: سبقت رَحْمَتي غَضَبي ". وَقَوله تَعَالَى: ﴿لتنذر قوما مَا أَتَاهُم من نَذِير من قبلك لَعَلَّهُم يتذكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

القصص 28:47

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن تصيبهم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم فيقولوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ معنى الْآيَة: أَنهم لَوْلَا قَوْلهم هَذَا، واحتجاجهم بترك إرْسَال الرُّسُل، وَإِلَّا لعاجلناهم بالعقوبة، وَمِنْهُم من قَالَ: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِير الْآيَة: وَلَوْلَا أَنهم يَقُولُونَ: لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك، ونكون من الْمُؤمنِينَ، لأصابتهم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم، والمصيبة: الْعقُوبَة.

القصص 28:48

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم الْحق من عندنَا﴾ فِي الْحق قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه مُحَمَّد، وَالْآخر: أَنه الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: قَالَ الْمُشْركُونَ ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أَي: هلا أُوتِيَ ﴿مثل مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ أَي: من الْعَصَا، وَالْيَد الْبَيْضَاء. وَقَوله: ﴿أَو لم يكفروا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى من قبل﴾ يَعْنِي: أَن الْمُشْركين كفرُوا بمُوسَى. وَقَوله: ﴿قَالُوا ساحران تظاهرا﴾ يَعْنِي: مُوسَى ومحمدا، وَقَالَ مُجَاهِد: مُوسَى وَهَارُون. وَقُرِئَ: " سحران تظاهرا " وَاخْتلف القَوْل فِي لسحرين، أحد الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُمَا التَّوْرَاة وَالْقُرْآن، وَالْآخر: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. وَقَوله: ﴿تظاهرا﴾ أَي: تعاونا، وَهَذَا فِي الساحرين حَقِيقَة، وَفِي السحرين على طَرِيق التَّوَسُّع، وَقَوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِكُل كافرون﴾ أَي: جاحدون.

القصص 28:49

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله هُوَ أهْدى مِنْهُمَا﴾ يَعْنِي: من التَّوْرَاة وَالْقُرْآن. وَقَوله: ﴿أتبعه﴾ يَعْنِي: اتبع (الْكتاب) الَّذِي جئْتُمْ بِهِ من عِنْد الله. وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ مَعْنَاهُ: أَن الْحق مَعكُمْ.

القصص 28:50

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك﴾ أَي: لم يَأْتُوا بِمَا طلبت، وَقَوله: ﴿فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم﴾ وَاتفقَ أهل الْمعرفَة أَن الْهوى مرد مهلك. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم شحا مُطَاعًا، وَهوى مُتبعا، وَإِعْجَاب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ ". وَقَوله: ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ أَي: بِغَيْر بَيَان من الله، وَفِي الْآيَة دلَالَة على أَنه يجوز أَن يكون الْهوى مُوَافقا للحق، وَإِن كَانَ نَادرا. وَرُوِيَ أَن بعض الْمَشَايِخ سُئِلَ عَن هوى وَافق حَقًا، فَقَالَ: هُوَ الزّبد بالنرسيان، والنرسيان نوع من التَّمْر بِالْبَصْرَةِ أَجود مَا يكون. وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: الْمُشْركين، وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن النَّبِي طلب مِنْهُم أَن يَأْتُوا بِكِتَاب مثل كِتَابه، وتحداهم بذلك مرَارًا، وَلم يَأْتُوا بِهِ، وَلَو قدرُوا لأتوا بِهِ، وَلَو ببذل النُّفُوس وَالْأَمْوَال، وَلَو أَتَوا بِهِ لعرف ذَلِك، وسارت بِهِ الركْبَان.

القصص 28:51

قَوْله: ﴿وَلَقَد وصلنا لَهُم القَوْل﴾ أَي: ذكرنَا لَهُم إهلاك الْأُمَم الْمَاضِيَة، فاتصل بَعضهم بِبَعْض من الْكفْر، واتصل عَذَاب بَعضهم بِبَعْض. وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُم يتذكرون﴾ أَي: [يتعظون] .

القصص 28:52

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: هَؤُلَاءِ قوم من مؤمني الْحَبَشَة، آمنُوا بِالنَّبِيِّ، وَقدمُوا الْمَدِينَة، وَجَاهدُوا مَعَه. وَعَن [ابْن] عَبَّاس قَالَ: نزلت الْآيَة فِي ثَمَانِينَ من أهل الْكتاب، وَأَرْبَعُونَ من نَجْرَان، وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ من الْحَبَشَة، وَثَمَانِية من الشَّام. وَقَالَ بَعضهم: نزلت الْآيَة فِي قوم كَانُوا يطْلبُونَ الدّين قبل لنَبِيّ، فَلَمَّا بعث آمنُوا بِهِ، وَقَالُوا: كَانَ فيهم عبد الله بن سَلام، وسلمان، والجارود الْعَبدَرِي وَغَيرهم. وَقَوله: ﴿هم بِهِ يُؤمنُونَ﴾ بِالْكتاب، وَقيل: بِمُحَمد.

القصص 28:53

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن {قَالُوا آمنا بِهِ إِنَّه الْحق من رَبنَا إِنَّا كُنَّا من قبله مُسلمين) أَي: مُوَحِّدين.

القصص 28:54

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ يَعْنِي: أجر الْإِيمَان بِالْكتاب الأول، وَأجر الْإِيمَان بِالْكتاب الثَّانِي. وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: ((ثَلَاثَة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ: رجل آمن بِالْكتاب الأول، وَالثَّانِي عبد أدّى حق الله وَحقّ موَالِيه، وَرجل لَهُ جَارِيَة فأدبها وَأحسن تأديبها،، وَعلمهَا وَأحسن تعليمها، ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا ". وَفِي التَّفْسِير: أَن أهل الْكتاب الَّذين آمنُوا فاخروا أَصْحَاب النَّبِي بِهَذِهِ الْآيَة، وَقَالُوا: إِن الله تَعَالَى يُؤْتِي أجرنا مرَّتَيْنِ، ويؤتيكم الْأجر مرّة، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ الْآيَة. وَقَوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أَي: صَبَرُوا على الْحق، وَلم يزيغوا عَنهُ، وَقَوله: ﴿ويدرءون بِالْحَسَنَة السَّيئَة﴾ أَي: بقول لَا إِلَه إِلَّا الله الشّرك، وَيُقَال: بِالْمَعْرُوفِ الْمُنكر، وبالخير الشَّرّ، وَيُقَال: وبالحلم جهل الْجَاهِل. وَقَوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ أَي: يُنْفقُونَ فِي طَاعَة الله. وَرُوِيَ أَن الْقَوْم الَّذين آمنُوا من الْحَبَشَة لما قدمُوا الْمَدِينَة، وَجَاهدُوا، واستئذنوا من النَّبِي أَن يرجِعوا إِلَى الْحَبَشَة، ويحملوا أَمْوَالهم، فَأذن لَهُم، فَذَهَبُوا وحملوا الْأَمْوَال، وأنفقوا.

القصص 28:55

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ﴾ أَي: الْكَلَام الْبَاطِل، وَقيل: إِن الْمُشْركين كَانُوا يسبون مؤمني أهل الْكتاب، وَيَقُولُونَ: تَبًّا لكم، تركْتُم دينكُمْ واتبعتم غُلَاما منا. فَهُوَ معنى اللَّغْو الْمَذْكُور فِي الْآيَة. وَقَوله: ﴿وَقَالُوا لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم﴾ أَي: لنا ديننَا، وَلكم دينكُمْ، وَقيل: لكم سفهكم، وَلنَا حلمنا. وَقَوله: ﴿سَلام عَلَيْكُم﴾ لَيْسَ المُرَاد من السَّلَام هَاهُنَا هُوَ التَّحِيَّة، وَلَكِن هَذَا السَّلَام هُوَ سَلام المتاركة، وَيُقَال مَعْنَاهُ: سلمتم من معارضتنا لكم بِالْجَهْلِ والسفه. وَعَن بعض السّلف أَنه كَانَ يسب فَيَقُول: سَلام سَلام، وَعَن بَعضهم: أَي قَالُوا قولا يسلمُونَ مِنْهُ. وَقَوله: ﴿لَا نبتغي الْجَاهِلين﴾ أَي: لَا ندخل فِي جهل الْجَاهِلين.

القصص 28:56

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير أَن الْآيَة فِي أبي طَالب، وَقد صَحَّ بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَن أَبَا طَالب لما حَضَره الْمَوْت، دخل النَّبِي وَعِنْده أَبُو جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة وَغَيرهمَا، فَقَالَ رَسُول الله: " يَا عَم، قل لَا إِلَه إِلَّا الله، كلمة أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله، فَقَالَ لَهُ أَبُو جهل وَعبد الله بن [أبي] أُميَّة: أزغت عَن مِلَّة الْأَشْيَاخ؟ فَمَا زَالَ رَسُول الله يَقُول ذَلِك، وهم يَقُولُونَ، حَتَّى كَانَ كلمة قَالَهَا: أَنا على مِلَّة الْأَشْيَاخ)) . وَالْمعْنَى بالأشياخ: عبد الْمطلب، وهَاشِم، وَعبد منَاف. وَهَذَا الْخَبَر فِي الصَّحِيحَيْنِ، [وروى] مُسلم فِي صَحِيحه: أَن النَّبِي دخل على أبي طَالب وَقد حَضَره الْمَوْت، فَقَالَ: " يَا عَم، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله؛ أشفع لَك يَوْم الْقِيَامَة ". فَقَالَ: لَوْلَا أَن تعيرني نسَاء قُرَيْش، فيقلن: جزع عِنْد الْمَوْت، لأقررت بهَا عَيْنَيْك ". وَفِي رِوَايَة: " لَوْلَا أَن تعيرك نسَاء قُرَيْش، وَيكون سبه عَلَيْك، لأقررت بهَا عَيْنَيْك ". وَالْأول فِي الصَّحِيح، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ أَي: من أَحْبَبْت أَن يَهْتَدِي، وَقيل: من أحببته لِقَرَابَتِهِ ﴿وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ أَي: يهدي لدينِهِ من يَشَاء. وَعَن [سعيد بن أبي رَاشد] : أَن هِرقل بعث رَسُولا من تنوخ إِلَى رَسُول الله: فجَاء إِلَيْهِ وَهُوَ بتبوك يحمل كتاب هِرقل، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: " يَا أَخا تنوخ، أسلم. فَقَالَ: إِنِّي رَسُول ملك جِئْت من عِنْده؛ فأكره أَن أرجع إِلَيْهِ بِخِلَاف مَا جِئْت، فَضَحِك النَّبِي، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ ". وَقَوله: ﴿وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ وَهُوَ أعلم بِمن قدر لَهُ الْهِدَايَة.

القصص 28:57

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِن نتبع الْهدى مَعَك نتخطف من أَرْضنَا﴾ الاختطاف هُوَ الاستلاب بِسُرْعَة. وَيُقَال: إِن الْقَائِل لهَذَا القَوْل هُوَ الْحَارِث بن نَوْفَل بن عبد منَاف، قَالَ للنَّبِي: إِنَّا نعلم مَا جِئْت بِهِ حق، وَلَكنَّا إِن أسلمنَا مَعَك لم نطق الْعَرَب؛ فَإنَّا أَكلَة رَأس، ويقصدنا الْعَرَب من كل نَاحيَة، فَلَا نطيقهم. وَقَوله: ﴿أَو لم نمكن لَهُم حرما أمنا﴾ أَي: ذَا أَمن، وَمن الْمَعْرُوف أَنه يَأْمَن فِيهِ الظباء من الذئاب، وَالْحمام من الحدأة. وَقَوله: ﴿يجبي إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شئ﴾ أَي: يجمع إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شئ؛ يُقَال: جبيت المَاء فِي الْحَوْض أَي: جمعته. وَقَوله: ﴿رزقا من لدنا﴾ أَي: رَزَقْنَاهُمْ رزقا من لدنا. وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ أَي: مَا أقوله حق. وَمعنى الْآيَة: أَنا مَعَ كفركم أمناكم فِي الْحرم، فَكيف نخوفكم إِذا أسلمتم؟ . وَقَالَ مُجَاهِد: وجد عِنْد الْمقَام كتاب فِيهِ: أَنا الله ذُو بكة، صغتها يَوْم خلقت الشَّمْس وَالْقَمَر، وحرمتها يَوْم خلقت السَّمَوَات وَالْأَرْض، حففتها بسبعة أَمْلَاك حنفَاء، يَأْتِيهَا رزقها من ثَلَاثَة سبل، مبارك لَهَا فِي اللَّحْم وَالْمَاء، أول من يحلهَا أَهلهَا. وَقد بَينا من قبل، أَن الرجل كَانَ من أهل الْحرم يخرج فَلَا يتَعَرَّض لَهُ، وَيُقَال: هَؤُلَاءِ أهل الله.

القصص 28:58

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم أهلكنا من قَرْيَة﴾ أَي: من أهل قَرْيَة ﴿بطرت معيشتها﴾ أَي: بطرت فِي معيشتها. وَقَالَ الْفراء: أبطرتها معيشتها. وَقَوله: ﴿فَتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهمْ إِلَّا قَلِيلا﴾ أَي: خربنا أَكْثَرهَا. وَيُقَال: معنى الْقَلِيل هَاهُنَا أَن الْمُسَافِر ينزل مسكنا خرابا، فيمكث فِيهِ يَوْمًا أَو بعض يَوْم. وَقَوله: ﴿وَكُنَّا نَحن الْوَارِثين﴾ قد بَينا.

القصص 28:59

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبك مهلك الْقرى حَتَّى يبْعَث فِي أمهَا رَسُولا﴾ أَي: مَكَّة، وَيُقَال: فِي أمهَا رَسُولا أَي: فِي أَكْثَرهَا من سَائِر الدُّنْيَا رَسُولا. وَقَوله: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِم آيَاتنَا﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿وَمَا كُنَّا مهلكي الْقرى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ﴾ أَي: لم نهلك أهل قَرْيَة إِلَّا بعد أَن أذنبوا.

القصص 28:60

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من شئ فمتاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ الْمَتَاع على مَعْنيين: أحد الْمَعْنيين: هُوَ الْمُتْعَة وَالْمعْنَى الآخر: مَا يتأثث بِهِ. وَقَوله: ﴿وَزينتهَا﴾ أَي: وزينة الدُّنْيَا. وَقَوله: ﴿وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى أَفلا يعْقلُونَ﴾ أَي: أَفلا ينظرُونَ، ليعقلوا أَن الْبَاقِي خير من الفاني.

القصص 28:61

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن وعدناه وَعدا حسنا فَهُوَ لاقيه﴾ قَالَ السّديّ: هَذَا ورد فِي حَمْزَة وَأبي جهل، وَقَالَ غَيره: فِي النَّبِي وَأبي جهل. وَقَوله: ﴿فَهُوَ لاقيه﴾ أَي: ملاقيه وصائر إِلَيْهِ، والوعد الْحسن هُوَ الْجنَّة. وَقَوله: ﴿كمن متعناه مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: متعناه مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا، ثمَّ مرجعه إِلَى النَّار؛ فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ثمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة من المحضرين﴾ أَي: من المحضرين النَّار.

القصص 28:62

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ يَعْنِي: أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ أَنهم شركائي؟ .

القصص 28:63

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل﴾ أَي: وَجَبت عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب. وَقَوله: ﴿رَبنَا هَؤُلَاءِ الَّذين أغوينا﴾ أَي: دعوناهم إِلَى الغي. وَقَوله: ﴿أغويناهم كَمَا غوينا﴾ أَي: أضللناهم كَمَا ضللنا. وَقَوله: ﴿تبرأنا إِلَيْك مَا كَانُوا إيانا يعْبدُونَ﴾ يَعْنِي: أَنهم لم يعبدونا، وَلَكِن دعوناهم فَأَجَابُوا.

القصص 28:64

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقيل ادعوا شركاءكم﴾ يَعْنِي قيل للْكفَّار: ادعوا شركاءكم أَي: الْأَصْنَام، وَمعنى قَوْله: ﴿شركاءكم﴾ أَي: شركائي فِي زعمكم. وَقَوله: ﴿فدعوهم فَلم يَسْتَجِيبُوا لَهُم﴾ أَي: لم يجيبوا لَهُم. وَقَوله: ﴿وَرَأَوا الْعَذَاب لَو أَنهم كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مَعْنَاهُ: لَو أَنهم كَانُوا يَهْتَدُونَ مَا رَأَوْا الْعَذَاب.

القصص 28:65

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ أَي: يُنَادى الْكفَّار.

القصص 28:66

وَقَوله: ﴿فعميت عَلَيْهِم الأنباء يَوْمئِذٍ﴾ أَي: الْحجَج؛ فكأنهم لما لم يَجدوا حجَّة فقد عجزوا عَنْهَا. وَقَوله: ﴿فهم لَا يتساءلون﴾ قد بَينا أَن هَذَا فِي بعض المواطن، وَيُقَال: لَا يتساءلون سُؤال التواصل والعطف، وَيُقَال: لَا يسْأَل بَعضهم بَعْضًا أَي: لَا يحمل غَيره ذَنبه؛ لِأَنَّهُ لَا يجد.

القصص 28:67

وَقَوله: ﴿فَأَما من تَابَ وآمن وَعمل صَالحا فَعَسَى أَن يكون من المفلحين﴾ أَي: من السُّعَدَاء الناجحين، وَفِي بعض التفاسير: أَن عَسى وَاجِب فِي جَمِيع الْقُرْآن، إِلَّا فِي قَوْله: ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن﴾ .

القصص 28:68

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار﴾ أَي: يخلق مَا يَشَاء من الْخلق، ويختار من يَشَاء للنبوة. وَيُقَال: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة حَيْثُ قَالَ لَوْلَا أنزل الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم، فَأَرَادَ بِهِ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة نَفسه وَعُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، والقريتين: مَكَّة والطائف، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. قَوْله: ﴿مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ يَعْنِي: أَن الِاخْتِيَار إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُم اخْتِيَار على الله، وَقيل: إِن الْآيَة نزلت فِي ذَبَائِحهم للأصنام، وَكَانُوا يجْعَلُونَ الأسمن للأصنام، ويجعلون مَا هُوَ شَرّ لله. وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا ينْسبهُ إِلَيْهِ الْمُشْركُونَ.

القصص 28:69

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ﴾ أَي: مَا تخفى صُدُورهمْ ﴿وَمَا يعلنون﴾ أَي: يظهرون.

القصص 28:70

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَيُقَال: فِي الأولى وَالْآخِرَة أَي: فِي الأَرْض وَالسَّمَاء. وَقَوله: ﴿وَله الحكم﴾ أَي: فصل الْقَضَاء بَين العبيد. وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ قد بَينا.

القصص 28:71

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: دَائِما. وَقَوله: ﴿من إِلَه غير الله يأتيكم بضياء﴾ أَي: بنهار. وَقَوله: ﴿أَفلا تَسْمَعُونَ﴾ أَي: أَفلا تعقلون، وَيُقَال: أَفلا تَسْمَعُونَ سمع تفهم.

القصص 28:72

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم النَّهَار سرمدا﴾ أَي: دَائِما، وَقَوله: ﴿من إِلَه غير الله يأتيكم بلَيْل تسكنون فِيهِ أَفلا تبصرون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تعلمُونَ، فَإِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه مصلحَة اللَّيْل فِي الدُّنْيَا، وَلَيْسَ فِي الْجنَّة ليل؟ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الدُّنْيَا لَا تَخْلُو عَن تَعب التكاليف والتكليفات، فَلَا بُد لَهُ من وَقت يفضى فِيهِ إِلَى الرَّاحَة (من التَّعَب وَأما الْجنَّة فَهُوَ مَوضِع التَّصَرُّف فِي الملاذ، وَلَيْسَ فِيهَا تَعب أصلا، فَلَا يحْتَاج إِلَى وَقت يفضى فِيهِ إِلَى الرَّاحَة) أصلا.

القصص 28:73

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ﴾ أَي: لتسكنوا فِي اللَّيْل، وَقَوله: ﴿ولتبتغوا من فَضله﴾ أَي: بِالنَّهَارِ. وَقَوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أَي: تشكرون نعم الله.

القصص 28:74

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ قد بَينا الْمَعْنى، وَيجوز أَن يُوجد نِدَاء بعد نِدَاء لزِيَادَة التقريع والتوبيخ.

القصص 28:75

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا من كل أمة شَهِيدا﴾ أَي: استخرجنا من كل أمة شَاهدا يشْهد عَلَيْهِم، وَالْأَظْهَر أَن الشَّهِيد على كل أمة نَبِيّهم. وَقَوله: ﴿فَقُلْنَا هاتوا برهانكم﴾ أَي: حجتكم وبينتكم. وَقَوله: ﴿فَعَلمُوا أَن الْحق لله﴾ أَي: عجزوا عَن إِظْهَار الْحجَّة، وَعَلمُوا أَن الْحق لله. وَقَوله: ﴿وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: ضل عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة مَا كَانُوا يفترون فِي الدُّنْيَا، وَمعنى ضل: فَاتَ وَذهب.

القصص 28:76

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن قَارون﴾ قَالَ قَتَادَة وَابْن جريح: كَانَ ابْن عَم مُوسَى لحا. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: كَانَ ابْن أخي مُوسَى غير هَارُون. وَقَوله: ﴿فبغى عَلَيْهِم﴾ قَالَ الضَّحَّاك: أَي: بالشرك. وَقَالَ شهر بن حَوْشَب: بغى عَلَيْهِم: زَاد فِي ثِيَابه شبْرًا على ثِيَاب النَّاس. وَقَالَ بَعضهم: بغى عَلَيْهِم بالتكبر ﴿من قوم مُوسَى فبغى عَلَيْهِم وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة إِذْ﴾ والعلو. وَمن الْمَعْرُوف فِي التفاسير: أَن قَارون كَانَ أَقرَأ رجل من بني إِسْرَائِيل للتوراة، وَكَانَ حسن الصَّوْت، ثمَّ إِنَّه نَافق؛ فروى أَنه قَالَ لمُوسَى: أَنْت أخذت النُّبُوَّة، وَهَارُون أَخذ المذبح والحبورة، فأيش لي؟ وَفِي الْقِصَّة: أَنه أعْطى امْرَأَة بغيا من بني إِسْرَائِيل ألفي دِرْهَم، وَطلب مِنْهَا أَن تَأتي نَادِي بني إِسْرَائِيل، ومُوسَى فيهم، فتدعي عَلَيْهِ أَنه زنا بهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: تَدعِي عَلَيْهِ أَنه دَعَاهَا إِلَى نَفسه، فَجَاءَت وَادعت عَلَيْهِ ذَلِك. وروى أَنَّهَا خَافت، وأخبرت أَن قَارون أَعْطَاهَا مَالا لتدعي ذَلِك. وَفِي الرِّوَايَة الأولى: أَنَّهَا لما ادَّعَت على مُوسَى ذَلِك تغير مُوسَى تغيرا شَدِيدا، وَقَالَ لَهَا: بِالَّذِي أنزل التَّوْرَاة وفلق الْبَحْر اصدقي، فَحِينَئِذٍ خَافت، وَذكرت الْأَمر على وَجهه، فَدَعَا الله تَعَالَى مُوسَى على قَارون، فَسَلَّطَهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَجعل الأَرْض طَوْعًا لَهُ على مَا سَنذكرُهُ. وَقَوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: خزائنه، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب﴾ أَي: خَزَائِن الْغَيْب، وَالثَّانِي: أَن المفاتح هُوَ مقاليد الخزائن. وَعَن بَعضهم: أَن كل مِفْتَاح كَانَ على قدر أصْبع، وَكَانَ يحملهَا سِتُّونَ بغلة، وَقيل: أَرْبَعُونَ بغلة، وَيُقَال: أَرْبَعُونَ رجلا، وَقَوله ﴿لتنوء﴾ أَي: تثقل الْعصبَة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هَذَا من المقلوب، وَتَقْدِيره: مَا إِن الْعصبَة لتنوء بهَا. يُقَال: ناء فلَان بِكَذَا أَي: نَهَضَ بِهِ مُثقلًا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: لتنوء بالعصبة. وَأما الْعصبَة فَفِيهَا أقاويل: أَحدهَا: أَنهم سَبْعُونَ رجلا، وَالْآخر: أَرْبَعُونَ رجلا، وَقَالَ بَعضهم: من الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَقَالَ بَعضهم: سِتَّة أَو سَبْعَة، وَقَالَ بَعضهم: عشرَة؛ لِأَن إخْوَة يُوسُف قَالُوا: وَنحن عصبَة، وَقد كَانُوا عشرَة. والعصبة فِي اللُّغَة هم الْقَوْم الَّذين يتعصب بَعضهم بِبَعْض. وَقَوله: ﴿بالعصبة أولى الْقُوَّة﴾ أَي: أولى الشدَّة. وَقَوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قومه لَا تفرح﴾ أَي: لَا تبطر وَلَا تأشر، والفرح هَاهُنَا هُوَ السرُور بِغَيْر حق. وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ ظَاهر.

القصص 28:77

قَوْله: ﴿وابتغ فِيمَا آتاك الله الدَّار الْآخِرَة﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: بِطَلَب الْحَلَال. وَقَالَ السّديّ: بِالصَّدَقَةِ وصلَة الرَّحِم. وَعَن بَعضهم قَالَ: بالتقرب إِلَى الله بِكُل وُجُوه التَّقَرُّب. وَقَوله: ﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا﴾ أَي: طلب الْآخِرَة بِالَّذِي تعْمل فِي الدُّنْيَا، وَمَعْنَاهُ: اعْمَلْ فِي الدُّنْيَا لآخرتك، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا أَي: بالاستغناء بِمَا أحل الله عَمَّا حرم الله. وَفِي بعض أدعية الصَّالِحين: اللَّهُمَّ أغنني بحلالك عَن حرامك، وبفضلك عَمَّن سواك. وَقَوله: ﴿وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾ أَي: وَأحسن بِطَاعَة الله كَمَا أحسن الله إِلَيْك بنعمه، وَيُقَال: وَأحسن بِطَلَب الْحَلَال كَمَا أحسن الله إِلَيْك بالحلال. وَقَوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفساد فِي الأَرْض﴾ أَي: بالمعصية، وكل من عصى الله فقد طلب الْفساد فِي الأَرْض. وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يحب المفسدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

القصص 28:78

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتهُ على علم عِنْدِي﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: إِن الله تَعَالَى أَعْطَانِي هَذَا المَال لفضل علمه عِنْدِي، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه علم الكيمياء. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - علم يُوشَع بن نون ثلث الكيمياء، وَعلم قَارون ثلث الكيمياء؛ وَعلم هَارُون ثلث الكيمياء؛ فَكثر بذلك مَاله. وَالْقَوْل الثَّالِث: على علم عِنْدِي بِوُجُوه المكاسب والتصرفات. وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَن قَارون وجد كنزا ليوسف، فَكَانَ مَاله من هَذَا الْوَجْه. وَقَوله: ﴿أَو لم يعلم أَن الله قد أهلك من قبله من الْقُرُون من هُوَ أَشد مِنْهُ قُوَّة وَأكْثر جمعا﴾ أَي: لِلْمَالِ. وَقَوله: ﴿وَلَا يسْأَل عَن ذنوبهم المجرمون﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة، فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ تَعَالَى: ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ﴾ وأمثال هَذَا من الْآيَات، وَهَاهُنَا قَالَ: (وَلَا يسْأَل عَن ذنوبهم المجرمون) فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب إِنَّا بَينا أَن فِي الْقِيَامَة مَوَاقِف؛ فَفِي موقف يسْأَلُون، وَفِي موقف لَا يسْأَلُون، وَيُقَال: لَا يسْأَلُون سُؤال استعلام، وَإِنَّمَا يسْأَلُون سُؤال تقريع وتوبيخ، وَيُقَال: لَا يسْأَلُون سُؤال من لَهُ عذر فِي الْجَواب، وَإِنَّمَا يسْأَلُون على معنى إِظْهَار قبائحهم ليفتضحوا على رُءُوس الْجمع. وَعَن قَتَادَة قَالَ: الْكَافِر لَا يُحَاسب، بل يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار من غير حِسَاب وَلَا سُؤال. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يسْأَل عَن ذنوبهم المجرمون؛ لأَنهم يعْرفُونَ بِسِيمَاهُمْ، قَالَ الله تَعَالَى، ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .

القصص 28:79

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخرج على قومه فِي زينته﴾ الزِّينَة بهجة الدُّنْيَا ونضارتها، وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: خرج قَارون وَقَومه فِي ثِيَاب حمر وصفر. وَعَن مقَاتل قَالَ: خرج على بغلة شهباء، عَلَيْهَا سرج من ذهب، وللسرج مثبرة من أَرْجُو، وَمَعَهُ أَرْبَعَة آلَاف من الْخَيل عَلَيْهَا الفرسان، قد تزينوا بالأرجوانات، وَمَعَهُ ثلثمِائة جَارِيَة بيض على البغال الشهب، عَلَيْهِنَّ من الحلى. وَعَن بَعضهم قَالَ: خرج مَعَ سبعين ألفا، عَلَيْهِم المعصفرات. وَفِي بعض المسانيد عَن النَّبِي قَالَ: " أَرْبَعَة أَشْيَاء من خِصَال قوم قَارون: جو نعال السيوف، وَلبس الْخفاف المتلونة، وَالثيَاب الأرجوان، وَكَانَ أحدهم لَا ينظر إِلَى وَجه خادمه تكبرا " وَعَن عَطاء قَالَ: كَانَ مُوسَى يقص لبني إِسْرَائِيل ويعظهم، فَخرج قَارون وَمَعَهُ أَرْبَعَة آلَاف على البغال فِي الأرجوانات، وَمر على مُوسَى، فَالْتَفت بَنو إِسْرَائِيل إِلَيْهِ، وشغلوا عَن مُوسَى، فشق ذَلِك على مُوسَى، فَأرْسل إِلَيْهِ: لم فعلت ذَلِك؟ فَقَالَ: فضلت بِالنُّبُوَّةِ، وفضلت بِالْمَالِ، وَإِن شِئْت دَعَوْت ودعوت. ثمَّ إِن مُوسَى دَعَا الله تَعَالَى على قَارون، فَجعل الأَرْض فِي طَاعَته. وَقَوله: ﴿قَالَ الَّذين يُرِيدُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا يَا لَيْت لنا مثل مَا أُوتِيَ قَارون إِنَّه لذُو حَظّ عَظِيم﴾ أَي: نصيب عَظِيم من الدُّنْيَا.

القصص 28:80

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم وَيْلكُمْ ثَوَاب الله خير﴾ أَي: ثَوَاب الله فِي الْآخِرَة ﴿خير لمن آمن وَعمل صَالحا وَلَا يلقاها﴾ أَي: وَلَا يُؤْتى الْعَمَل الصَّالح إِلَّا الصَّابِرُونَ، وَقيل: لَا يُؤْتى هَذِه الْكَلِمَة، والكلمة قَوْله: ﴿وَيْلكُمْ ثَوَاب الله خير لمن أَمن وَعمل صَالحا وَلَا يلقاها إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ . وَيُقَال: الصَّابِرُونَ هم الَّذين صَبَرُوا عَمَّا أُوتِيَ أَعدَاء الله من زِينَة، وَلم يتأسفوا عَلَيْهَا، وَلَا تمنوها.

القصص 28:81

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ وَفِي بعض التفاسير: أَن قَارون قَالَ لمُوسَى: سلمنَا لَك النُّبُوَّة، فَمَا بَال الحبورة ولهارون؟ وَإِذا كَانَ لَك النُّبُوَّة، ولهارون الحبورة فَمَالِي؟ فَقَالَ مُوسَى: إِنِّي لم أعْطه الحبورة، وَلَكِن الله تَعَالَى أعطَاهُ الحبورة، فَقَالَ: لَا أصدقك على ذَلِك حَتَّى تريني آيَة، فَأمر مُوسَى حَتَّى جمعُوا عصيهم، وَقَالَ: من اخضرت عَصَاهُ فالحبورة لَهُ، فاخضرت عَصا هَارُون، وَجعلت تهتز من بَين العصى، فَقَالَ قَارون: هَذَا من سحرك، وَلَيْسَ هَذَا بِأول سحر أتيت بِهِ، فَحِينَئِذٍ دَعَا الله مُوسَى على قَارون. وروى أَنه لما وَاضع الْمَرْأَة الْبَغي حَتَّى ادَّعَت على مُوسَى أَنه زنا بهَا، أَو دَعَاهَا إِلَى الْفَاحِشَة، غضب مُوسَى ودعا الله تَعَالَى. وَفِي بعض الْقَصَص: أَنه كَانَ مَعَ قَارون قوم كثير من بني لاوى، فجَاء مُوسَى إِلَيْهِم، وَقَالَ: إِن الله بَعَثَنِي إِلَى قَارون كَمَا بَعَثَنِي إِلَى فِرْعَوْن، فَمن أرادني فليعتزله، فاعتزل مِنْهُ جَمِيع قومه إِلَّا [رجلَيْنِ] بقيا مَعَه من بني أَعْمَامه، ثمَّ إِن مُوسَى خَاطب الأَرْض، وَقَالَ: خُذِيهِمْ، فَأخذت الأَرْض بأقدامهم، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ، فَأخذت إِلَى ركبهمْ، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ: فَأخذت إِلَى حقوهم، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ، فَأخذت إِلَى أَعْنَاقهم. وَفِي التَّفْسِير: أَن قَارون فِي كل ذَلِك يستغيث بمُوسَى وينشده وَالرحم، وَيَقُول: ارْحَمْنِي، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ، فأطبقت الأَرْض عَلَيْهِم. قَالَ قَتَادَة: فهم يذهبون فِي الأَرْض كل يَوْم قامة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَعَن ابْن عَبَّاس أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى: مَا أقسى قَلْبك؛ اسْتَغَاثَ بك عَبدِي، فَلم تغثه، وَلَو اسْتَغَاثَ بِي مرّة لأغثته. وَفِي بعض الْآثَار: لَا أجعَل الأَرْض بعْدك طَوْعًا لأحد. وَذكر أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي تَفْسِيره: أَن الأَرْض لما أخذت قَارون إِلَى عُنُقه نزع مُوسَى نَعْلَيْه، وَضرب بهما وَجهه، وَقَالَ: اذْهَبُوا بني لاوى، وأطبقت بهم الأَرْض. وَذكر أَيْضا أَن يُونُس بن مَتى لقِيه فِي ظلمات الأَرْض حِين يطوف بِهِ الْحُوت، فَقَالَ لَهُ قَارون: يَا يُونُس، تب إِلَى الله تَجِد الله تَعَالَى فِي أول قدم ترجع إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يُونُس: فَأَنت لم لَا تتوب؟ فَقَالَ: جعلت تَوْبَتِي إِلَى ابْن عمي. وَقَوله: ﴿وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ روى أَن بني إِسْرَائِيل قَالُوا: إِنَّمَا أهلك مُوسَى قَارون ليَأْخُذ أَمْوَاله، وَكَانَت أَرَاضِي دوره من فضَّة، وأثاث الْحِيطَان من ذهب، فَأمر مُوسَى الأَرْض حَتَّى أحضرت دوره، ثمَّ أمرهَا حَتَّى خسفت بهَا، فَانْقَطع الْكَلَام. وَقَوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَة﴾ أَي: من جمَاعَة ﴿ينصرونه﴾ أَي: يمنعونه ﴿من دون الله﴾ . وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ من المنتصرين﴾ أَي: من الممتنعين، وَمَعْنَاهُ: لم يكن يمْنَع نَفسه، وَلَا يمنعهُ أحد من عَذَاب الله.

القصص 28:82

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأصْبح الَّذين تمنوا مَكَانَهُ بالْأَمْس﴾ يَعْنِي: أَن يَكُونُوا مَكَانَهُ، وَفِي مَنْزِلَته. وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ ويكأن الله﴾ وَقَوله: ﴿ويكأن﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ الْفراء: ويكأن عِنْد الْعَرَب تَقْرِير، وَمَعْنَاهُ: ألم تَرَ أَنه؛ وَحكى الْفراء أَن أعرابية قَالَت لزَوجهَا: أَيْن ابْنك؟ فَقَالَ لَهَا: ويكأنه وَرَاء الْبَيْت، وَمَعْنَاهُ: أما ترينه وَرَاء الْبَيْت. وَقَالَ بَعضهم ويكأنه: معنى " ويك " أَي: وَيلك، وحذفت اللَّام، وَقَوله: ﴿أَنه﴾ كلمة تندم، كَأَن الْقَوْم لما رَأَوْا تِلْكَ الْحَالة تندموا على مَا تمنوا، ثمَّ قَالُوا: كَانَ الله يبسط الرزق لمن يَشَاء أَي: أَن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر أَي: يُوسع ويضيق. وأنشدوا فِيمَا قُلْنَا من الْمعَانِي: (سالتان الطَّلَاق أَن رأتاني ... قل مَالِي قد جئتماني بنكر) (وى كَأَن من يكن لَهُ نشب يحبب ... وَمن يفْتَقر يعِيش عَيْش ضرّ) وأنشدوا أَيْضا قَول عنترة فِي أَن ويك بِمَعْنى وَيلك: (وَلَقَد شفى نَفسِي وَأَبْرَأ سقمها ... قَول الفوارس ويك عنتر أقدم) وَمن الْمَعْرُوف فِي التفاسير عَن الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين: ويكأن الله: ألم تَرَ أَن الله، وَحكى مثل هَذَا عَن أبي عُبَيْدَة. وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَن من الله علينا لخسف بِنَا﴾ أَي: لَوْلَا أَن أنعم الله علينا لخسف بِنَا مثل مَا خسف بقارون. وَقَوله: ﴿ويكأنه لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ قد بَينا.

القصص 28:83

قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض﴾ أَي: استكبارا، وأصل التكبر هُوَ الشّرك بِاللَّه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَمن التكبر الاستطالة على النَّاس واستحقارهم، والتهاون بهم، وَيُقَال إِرَادَة الْعُلُوّ هُوَ ترك التَّوَاضُع. وَقيل: ﴿لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: لَا يجزعون من ذلها، وَلَا ينافسون فِي عزها. وَقَوله: ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ أَي: الْعَمَل بِالْمَعَاصِي، وَقَالَ عِكْرِمَة: هُوَ أَخذ مَال النَّاس بِغَيْر حق. وَقَوله: ﴿وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ أَي: الْجنَّة لِلْمُتقين، وَقيل: الْعَاقِبَة الْحَسَنَة لِلْمُتقين، وروى زَاذَان عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه كَانَ يمشي ويدور فِي الْأَسْوَاق، يعين الضَّعِيف، وينصر الْمَظْلُوم، ويمر بالبقال والبياع فَيفتح عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَيقْرَأ: ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض. .﴾ الْآيَة. وَعنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: من أعجبه شسع نَعله على شسع أَخِيه، فَهُوَ مِمَّن يُرِيد الْعُلُوّ فِي الأَرْض.

القصص 28:84

قَوْله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى. ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى الَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات﴾ أَي: الْمعاصِي ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ: مَا أحسن الْحَسَنَات عقيب السَّيِّئَات، وَمَا أقبح السَّيِّئَات عقيب الْحَسَنَات، وَأحسن الْحَسَنَات الْحَسَنَات عقيب الْحَسَنَات، وأقبح السَّيِّئَات السَّيِّئَات عقيب السَّيِّئَات) . وَمن الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه أوصى معَاذًا - رَضِي الله عَنهُ - فَقَالَ: " اتَّقِ الله حَيْثُمَا كنت، وأتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها، وخالق النَّاس بِخلق حسن ".

القصص 28:85

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن﴾ وَيُقَال: فرض عَلَيْك أَي: أوجب عَلَيْك الْعَمَل بِهِ. وَقَوله: ﴿لرادك إِلَى معاد﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد مِنْهُ: إِلَى مَكَّة، وَقَالُوا: هَذِه الْآيَة نزلت على رَسُول الله وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ، والجحفة منزل من الْمنَازل بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. فالآية لَيست بمكية وَلَا مَدَنِيَّة، وَفِي بعض التفاسير: " أَن النَّبِي لما هَاجر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة سَار فِي غير الطَّرِيق خوفًا من الطّلب، ثمَّ إِنَّه لما أَمن عَاد إِلَى الطَّرِيق، فوصل إِلَى الْجحْفَة، وَرَأى الطَّرِيق الشَّارِع إِلَى مَكَّة فاشتاق إِلَيْهَا، فجَاء جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: إِن رَبك يَقُول: وتشتاق إِلَى مَكَّة وتحن إِلَيْهَا؟ فال: نعم، إِنَّهَا أرضي ومولدي، فَقَالَ: إِن رَبك يَقُول: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْكُم الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ يَعْنِي: رادك إِلَى مَكَّة ظَاهرا على أَهلهَا ". وَفِي الْآيَة قَول آخر، وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿لرادك إِلَى معاد﴾ أَي: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَيُقَال: إِلَى الْجنَّة. وروى عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - كَانَ يمدح جَابر بن عبد الله ويذكره بِالْخَيرِ، فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّه يحْشر معي. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ وَقَوله: ﴿قل رَبِّي أعلم من جَاءَ بِالْهدى﴾ يَعْنِي: يعلم من جَاءَ بِالْهدى، وَأَنا الَّذِي جِئْت بِالْهدى. وَقَوله: ﴿وَمن هُوَ فِي ضلال مُبين﴾ أَي: وَيعلم من هُوَ فِي ضلال مُبين أَي: الْكفَّار.

القصص 28:86

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كنت ترجو﴾ أَي: تَأمل ﴿أَن يلقى إِلَيْك الْكتاب﴾ أَي: يوحي إِلَيْك الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿إِلَّا رَحْمَة من رَبك﴾ هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن رَبك رَحِمك فأعطاك الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿فَلَا تكونن ظهيرا﴾ أَي: معينا ﴿للْكَافِرِينَ﴾ .

القصص 28:87

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يصدنك عَن آيَات الله﴾ يَعْنِي: لَا يمنعك الْكفَّار عَن اتِّبَاع سَبِيل الله، وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: اشْدُد على الْكفَّار، وَاغْلُظْ عَلَيْهِم، وَلَا تتساهل حَتَّى يطمعوا فِي صدك عَن سَبِيل الله. وَقَوله: ﴿بعد إِذْ أنزلت إِلَيْك﴾ أَي: بعد إِذْ أنزلت إِلَيْك الْآيَات المبينة للسبيل. وَقَوله: ﴿وادع إِلَى رَبك﴾ أَي: إِلَى دين رَبك. وَقَوله: ﴿وَلَا تكونن من الْمُشْركين﴾ أَي: اثْبتْ على التَّوْحِيد.

القصص 28:88

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ أَي: لَا إِلَه غَيره. وَقَوله: ﴿كل شئ هَالك إِلَّا وَجهه﴾ قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: إِلَّا مَا أُرِيد بِهِ وَجهه وَرضَاهُ من الْعَمَل. وَيُقَال: ﴿إِلَّا وَجهه﴾ أَي: إِلَّا هُوَ. وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: كل مَا وصف الله بِهِ نَفسه فِي الْكتاب فتفسيره قِرَاءَته، لَا تَفْسِير لَهُ غَيره. وَقد ذكر الله تَعَالَى (الْوَجْه فِي أحد عشر موضعا من الْقُرْآن، قد بَينا أَنه صفة من صِفَات الله، يُؤمن بِهِ على مَا ذكره الله تَعَالَى) . وأنشدوا فِي الْوَجْه بِمَعْنى التَّوَجُّه وَطلب رِضَاهُ قَول الشَّاعِر: (اسْتغْفر الله ذَنبا لست محصيه ... رب الْعباد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل) أَي: التَّوَجُّه. وَقَوله: ﴿وَله الحكم﴾ أَي: فصل الْقَضَاء. وَحكمه أَن يبْعَث قوما إِلَى الْجنَّة، وقوما إِلَى النَّار، وَمن حكمه أَيْضا أَن يبيض وُجُوه قوم، ويسود وُجُوه قوم، ويثقل مَوَازِين قوم، ويخفف مَوَازِين قوم، وأمثال هَذَا، وَهَذَا فِي الْآخِرَة، وَأما فِي الدُّنْيَا فتنفيذ القضايا وَالْأَحْكَام على مَا علم وَأَرَادَ. وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ يَعْنِي: فِي الْآخِرَة.

العنكبوت 29:1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة العنكبوت وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول عَطاء وَالْحسن، ومدنية فِي أحد قولى ابْن عَبَّاس، وَعنهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّهَا مَكِّيَّة، فبعضها نزل بِالْمَدِينَةِ وَبَعضهَا نزل بِمَكَّة، وَعَن الشّعبِيّ أَنَّهَا مَكِّيَّة إِلَّا عشر آيَات من أَولهَا مَدَنِيَّة. وَعَن عَليّ أَنه قَالَ: نزلت بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة. قَوْله تَعَالَى: ﴿الم﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ.

العنكبوت 29:2

وَقَوله: ﴿أَحسب النَّاس﴾ الحسبان وَالظَّن قريبان، وَهُوَ تَغْلِيب أحد النقيضين على الآخر، وَالشَّكّ وقف بَين نقيضين، وَالْعلم قطع بِوُجُود أَحدهمَا. وَقَوله: ﴿أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا﴾ مَعْنَاهُ: أظنوا أَن يقنع مِنْهُم بِأَن يَقُولُوا آمنا، وَقَوله: ﴿وهم لَا يفتنون﴾ أَي: لَا يبتلون. قَالَ مُجَاهِد: لَا يبتلون فِي أَمْوَالهم وأنفسهم. وَيُقَال مَعْنَاهُ: لَا يؤمرون وَلَا ينهون، وابتلاء الله عباده بِالْأَمر وَالنَّهْي. وَقَالَ بَعضهم: إِن الله تَعَالَى أَمر النَّاس أَولا بِمُجَرَّد الْإِيمَان، ثمَّ إِنَّه فرض عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَسَائِر الشَّرَائِع فشق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَعَن الشّعبِيّ وَغَيره أَنه قَالَ: لما هَاجر أَصْحَاب رَسُول الله بَقِي قوم بِمَكَّة مِمَّن آمنُوا وَلم يهاجروا؛ فَكتب (إِلَيْهِم) من هَاجر أَن الله الله تَعَالَى لَا يقبل أَيْمَانكُم حَتَّى تهاجروا، فَهَاجرُوا، فَتَبِعهُمْ قوم من الْمُشْركين وآذوهم، (فَقتل من) قتل، وتخلص، من تخلص فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَعَن بَعضهم: أَن الْآيَة نزلت فِي عَيَّاش بن أبي ربيعَة، وَكَانَ قد هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فجَاء أَخَوَاهُ لأمه أَبُو جهل والْحَارث ابْنا هِشَام، وَقَالا لَهُ: إِن أمنا قد عَاهَدت إِن لم ترجع لَا تَأْكُل وَلَا تشرب، وَلَا يَأْوِيهَا سقف بَيت؛ وَإِن مُحَمَّدًا يَأْمر بِالْبرِّ، فَارْجِع مَعنا فَرجع مَعَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق غدراه وأوثقاه وحملاه إِلَى مَكَّة، وَجلده كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة سَوط، ثمَّ لما وصل إِلَى أمه جعلت تضربه بالسياط حَتَّى رَجَعَ عَن دينه، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَقد حسن إِسْلَامه بعد ذَلِك. وَمن الْمَشْهُور الثَّابِت: " أَن النَّبِي كَانَ يَدْعُو فِي الْقُنُوت فَيَقُول: " اللَّهُمَّ، انج سَلمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة والوليد بن الْوَلِيد وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وَاشْدُدْ وطأتك على مُضر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كسنين يُوسُف. فَدَعَا (هَكَذَا) شهرا ثمَّ ترك، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: أَلا تراهم قد قدمُوا ".

العنكبوت 29:3

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم﴾ أَي: ابتلينا الَّذين من قبلهم، يَعْنِي الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ، وَيُقَال: ابتلينا بني إِسْرَائِيل بفرعون، وَكَذَلِكَ ابتلينا كل نَبِي بعدو لَهُ. وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: حِين شكا إِلَيْهِ أَصْحَابه مَا يلقون من الْكفَّار: " إِنَّكُم تعجلون، وَقد كَانَ فِيمَن قبلكُمْ ينشر بالمناشير فَمَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه، وليتمن الله أمره ". وَقَوله: ﴿ [فليعلمن] الله الَّذين صدقُوا﴾ يَعْنِي: نبتليهم ابتلاء من يستعلم حَالهم، وَيُقَال: وليعلمن الله الَّذين صدقُوا أَي: علم الشَّيْء وَاقعا، وَهُوَ الَّذِي يجازي عَلَيْهِ، وَقيل: فليعلمن الله الَّذين صدقُوا أَي: فليظهرن الله الصَّادِقين من الْكَاذِبين. وَقَوله: ﴿ [وليعلمن] الْكَاذِبين﴾ قد ذكرنَا.

العنكبوت 29:4

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسب الَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾ والسيئة: كل خصْلَة تسوء عَاقبَتهَا، والحسنة: كل خصْلَة تسر عَاقبَتهَا. وَقَوله: ﴿أَن يسبقونا﴾ أَن يفوتونا، وَمن سبق شَيْئا فقد فَاتَهُ، وَقَوله: ﴿سَاءَ مَا يحكمون﴾ أَي: بئس الحكم حكمهم) .

العنكبوت 29:5

قَوْله تَعَالَى: ﴿من كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله﴾ قَالَ الزّجاج: يخْشَى لِقَاء الله. وَقَالَ غَيره: يأمل لِقَاء الله، وَقيل: لِقَاء الله هُوَ لِقَاء جَزَائِهِ، وَيُقَال: لِقَاء الله هُوَ الرُّجُوع إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿فَإِن أجل الله لآت﴾ مَعْنَاهُ: إِن وعد الله لآت، وَالْأَجَل هُوَ الْوَعْد الْمَضْرُوب، وَمعنى الْآيَة: أَن من يخْشَى أَو يأمل فليستعد. وَقد روى مَكْحُول: " أَن النَّبِي قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة لعَلي وَفَاطِمَة: يَا عَليّ، وَيَا فَاطِمَة، قد أنزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿من كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِن أجل الله لآت﴾ فَاسْتَعدوا ". وَالْخَبَر غَرِيب. وَقَوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

العنكبوت 29:6

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن جَاهد فَإِنَّمَا يُجَاهد لنَفسِهِ﴾ الْجِهَاد هُوَ الصَّبْر على الشدَّة، ثمَّ قد يكون الصَّبْر على الشدَّة فِي الْحَرْب على مَا أَمر بِهِ الشَّرْع، وَقد يكون الصَّبْر على الشدَّة فِي مُخَالفَة النَّفس بِأَيّ معنى كَانَ. وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهد لنَفسِهِ﴾ أَي: مَنْفَعَة ذَلِك رَاجِعَة إِلَيْهِ. وَقَوله: ﴿إِن الله لَغَنِيّ عَن الْعَالمين﴾ أَي: لَا يعود إِلَيْهِ ضرّ وَلَا نفع فِي طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة.

العنكبوت 29:7

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنكفرون عَنْهُم سيئاتهم﴾ التَّكْفِير إذهاب السَّيئَة بِالْحَسَنَة، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ والإحباط هُوَ إذهاب الْحَسَنَة بِالسَّيِّئَةِ. وَقَوله: ﴿ولنجزينهم أحسن الَّذِي كَانُوا يعلمُونَ﴾ هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ وَمَعْنَاهُ: ويعطيهم أَكثر مِمَّا عمِلُوا وَأحسن.

العنكبوت 29:8

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا﴾ مَعْنَاهُ: يفعل حسنا، وَقُرِئَ: " إحساناً " أَي: يحسن إحساناً. وَقَوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاك لتشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما﴾ أَي: فَلَا تطعهما فِي معصيتي، وَمن الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه قَالَ " لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق ". وَقَوله: ﴿مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَن الشّرك كُله عَن جهل، فَإِن الْعَالم لَا يُشْرك بِاللَّه. وَقَوله: ﴿إِلَيّ مرجعكم فأنبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى. أَكثر الْمُفَسّرين (أَن) الْآيَة نزلت فِي سعد بن أبي وَقاص، وَهُوَ سعد بن مَالك أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ، وَأمه حمْنَة من بني أُميَّة. فروى أَنه لما أسلم - وَقد كَانَ من السَّابِقين الْأَوَّلين فِي الْإِسْلَام - فَكَانَ بارا بِأُمِّهِ، فَلَمَّا سَمِعت أمه بذلك دَعَتْهُ، وَقَالَت لَهُ: مَا هَذَا الدّين الَّذِي أحدثته؟ وَالله لَا آكل وَلَا أشْرب حَتَّى ترجع عَن دينك أَو أَمُوت، فتعير بذلك أَبَد الدَّهْر، ثمَّ إِنَّهَا مكثت يَوْمًا وَلَيْلَة لم تَأْكُل، فجهدت جهدا شَدِيدا، ثمَّ مكثت يَوْمًا وليله أُخْرَى لم تَأْكُل وَلم تشرب، فجَاء سعد إِلَيْهَا، وَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، لَو كَانَ لَك مائَة نفس فَخرجت، لم أرجع عَن ديني، فَلَمَّا أَيِست مِنْهُ أكلت وشربت، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَأمره بِالْبرِّ بِوَالِديهِ، وَنَهَاهُ أَن يُشْرك طَاعَة لَهما. وَقيل: الْآيَة عَامَّة.

العنكبوت 29:9

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لندخلنهم فِي الصَّالِحين﴾ أَي: فِي زمرة الصَّالِحين.

العنكبوت 29:10

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه فَإِذا أوذي فِي الله جعل فتْنَة النَّاس كعذاب الله﴾ أَي: جزع من عَذَاب النَّاس كَمَا (يجزع] من عَذَاب الله. وَقَوله: ﴿وَلَئِن جَاءَ نصر من رَبك ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ﴾ الْآيَة فِي الْقَوْم الَّذين تخلفوا بِمَكَّة مِمَّن أَسْلمُوا، فَلَمَّا آذاهم الْمُشْركُونَ لم يصبروا، وأعطوهم مَا طلبُوا. وَقَوله: ﴿نصر من رَبك﴾ أَي: فتح من رَبك ودولة للْمُؤْمِنين. وَقَوله: ﴿ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ﴾ يَعْنِي: كُنَّا مُسلمين، وَإِنَّمَا أكرهنا حَتَّى قُلْنَا مَا قُلْنَا. وَقَوله: ﴿أَو لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالمين﴾ أَي: يعلم مَا فِي صُدُورهمْ، فيميز صدقهم من كذبهمْ.

العنكبوت 29:11

قَوْله تَعَالَى: ﴿وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ قد بَينا، وَيُقَال: آمنُوا أَي: وفوا بِمَا عهدوا، وحققوا أَقْوَالهم بأفعالهم، وَأما المُنَافِقُونَ خالفوا أَقْوَالهم بأفعالهم.

العنكبوت 29:12

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ روى أَن أَبَا سُفْيَان وَذَوِيهِ قَالُوا للَّذين أَسْلمُوا: اتبعُوا سبيلنا أَي: الطَّرِيق الَّذِي نَحن عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ أَي: وَنحن نحمل خطاياكم إِن خِفْتُمْ من عُقُوبَته، فَنحْن كفلا بكم، ونتحمل عَنْكُم الْعقُوبَة. وَقَوله: ﴿وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شئ إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ يَعْنِي: فِي ضَمَان تحمل الْخَطَايَا.

العنكبوت 29:13

قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ أَي: أوزارهم، والأوزار: الذُّنُوب. وَقَوله: ﴿وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ أَي: أوزارا مَعَ أوزارهم. فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا، وَالله تَعَالَى قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ أَي: إِثْم دُعَائِهِمْ إِلَى ترك الْإِيمَان، وَيُقَال: إِن الْأَشْرَاف فيهم [يحملون] ذنُوب الأتباع؛ لأَنهم سنوا لَهُم الضَّلَالَة ودعوهم إِلَيْهَا. وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من دَعَا إِلَى ضَلَالَة فَاتبع عَلَيْهَا، فَعَلَيهِ وزر من اتبعهُ من غير أَن ينقص من أوزارهم شئ ". وروى أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يُؤْتى بِعَبْد يَوْم الْقِيَامَة وَقد ظلم هَذَا، وَشتم هَذَا، وَأخذ مَال هَذَا، فتؤخذ حَسَنَاته ويعطون، فَيُقَال: يَا رب، قد بَقِي عَلَيْهِ سيئات، وَلم تبْق لَهُ حَسَنَات، فَيَقُول الله تَعَالَى: احملوا ذنوبهم عَلَيْهِ، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وليسألن يَوْم الْقِيَامَة عَمَّا كَانُوا يفترون﴾ أَي: يكذبُون.

العنكبوت 29:14

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ روى أنس أَن النَّبِي قَالَ: " إِن نوحًا أول نَبِي بعث إِلَى أهل الأَرْض ". وَقَوله: ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بعث نوح وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، وَمكث بعد خُرُوجه من السَّفِينَة سِتِّينَ سنة، [وتوفاه] الله تَعَالَى وَهُوَ ابْن ألف وَخمسين سنة، وَفِي رِوَايَة: أَن عمر نوح كَانَ ألف وَأَرْبَعمِائَة [وَخمسين] [سنة] ، بعث وَهُوَ ابْن مِائَتي وَخمسين سنة، وَقد قيل غير هَذَا، وَالله أعلم. وروى أَن ملك الْمَوْت لما جَاءَ إِلَى نوح ليقْبض روحه قَالَ: يَا أطول الْأَنْبِيَاء عمرا، كَيفَ وجدت الدُّنْيَا؟ وَكَانَ لَهُ دَار لَهَا بَابَانِ، فَدخل من أَحدهمَا وَخرج من الآخر، وَقَالَ: هَكَذَا وجدت. وروى أَنه كَانَ لَهُ بَيت من شعر، وَكَانَ [يُقَال] لَهُ: لَو بنيت بَيْتا من طين، فَكَانَ يَقُول: أَمُوت غَدا، أَو أَمُوت بعد غَد. فَخرج من الدُّنْيَا على ذَلِك، وَلم يبن بَيْتا. فَإِن قيل: قَوْله: ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ أيش فَائِدَة الِاسْتِثْنَاء فِي هَذِه الْآيَة؟ . وهلا قَالَ: فَلبث فيهم تِسْعمائَة وَخمسين عَاما؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن فَائِدَة الِاسْتِثْنَاء هُوَ التَّأْكِيد؛ فَإِن الْعَرَب إِذا قَالَت: جَاءَنِي اخوتك، يجوز أَن تُرِيدُ بِهِ جَمِيع الاخوة، وَيجوز أَن تُرِيدُ بِهِ الْأَكْثَر، فَإِذا قَالَ: جَاءَنِي اخوتك إِلَّا زيدا فتعلم قطعا أَنه جَاءَ كل الاخوة إِلَّا زيدا، فقد أَفَادَ الِاسْتِثْنَاء التَّأْكِيد من هَذَا الْوَجْه، وَقد قَالَ بَعضهم: قد كَانَ الله تَعَالَى جعل عمر نوح ألف سنة، فاستوهب بعض بنيه مِنْهُ خمسين عَاما فَوَهَبَهَا لَهُ، ثمَّ لما لما بلغ الْأَجَل طلب تَمام الْألف فَلم يُعْط، فَذكر الله تَعَالَى بِلَفْظ الِاسْتِثْنَاء ليدل على أَن النَّقْص كَانَ من قبله، وَهَذَا قَول غَرِيب. وَقَوله: ﴿فَأَخذهُم الطوفان﴾ الطوفان: كل شئ كثير يطِيف بِالْجَمَاعَة مثل: غرق، أَو موت، أَو غير ذَلِك. قَالَ الراجز: (أفناهم طوفان موت جارف ... ) وَقَوله: ﴿وهم ظَالِمُونَ﴾ أَي: مشركون.

العنكبوت 29:15

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنجيناه وَأَصْحَاب السَّفِينَة﴾ قد بَينا عدد من كَانَ فِي السَّفِينَة. وَقَوله: ﴿وجعلناها آيَة للْعَالمين﴾ أَي: جعلنَا عقوبتنا إِيَّاهَا بِالْغَرَقِ آيَة للْعَالمين، وَيُقَال: جعلنَا السَّفِينَة آيَة للْعَالمين، فَإِنَّهَا كَانَت ملقاه على الجودى مُدَّة (مديدة) .

العنكبوت 29:16

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيم﴾ مَعْنَاهُ: وَأَرْسَلْنَا إِبْرَاهِيم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه﴾ أَي: أطِيعُوا الله واحذروا مَعْصِيَته. وَقَوله: ﴿ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ أَي: عبَادَة الله وتقواه خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ، وَقد قيل: إِن قَوْله: ﴿اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله، وكل عبَادَة فِي الْقُرْآن بِمَعْنى التَّوْحِيد.

العنكبوت 29:17

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا تَعْبدُونَ من دون الله أوثانا﴾ أَي: أصناما. وَقَوله: ﴿وتخلقون إفكا﴾ أَي: وتصنعون كذبا، وَقَالَ قَتَادَة: تخلقون إفكا؛ أَي: أصناما. وسمى الْأَصْنَام إفكا لأَنهم سَموهَا آلِهَة. فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿وتخلقون﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ أَي: لَا خَالق غير الله، فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْخلق بِمَعْنى التَّقْدِير هَاهُنَا، قَالَ الشَّاعِر: (ولأنت تفرى مَا خلقت ... وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفرى.) وَيُقَال: وتخلقون إفكا أَي: تنحتون الْأَصْنَام بِأَيْدِيكُمْ وتعبدونها. وَحكى أَن بنى حنيفَة اتَّخذُوا صنما من الخيس - وَهُوَ التَّمْر مَعَ السّمن - ثمَّ إِنَّه أَصَابَتْهُم مجاعَة فأكلوه، قَالَ الشَّاعِر: (أكلت حنيفَة رَبهَا ... زمن التفحم والمجاعة) (لم يحذروا من رَبهم ... سوء العواقب والتباعة) قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين تَعْبدُونَ من دون الله لَا يملكُونَ لكم رزقا فابتغوا عِنْد الله الرزق﴾ أَي: فَاطْلُبُوا عِنْد الله الرزق. وَقَوله: ﴿واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

العنكبوت 29:18

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تكذبوا فقد كذب أُمَم من قبلكُمْ﴾ وهم مثل، عَاد، وَثَمُود، وَقوم لوط، وَغَيرهم. وَقَوله: ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا الإبلاغ الْوَاضِح.

العنكبوت 29:19

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا كَيفَ يُبْدِي الله الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ فَإِن قيل: أيش معنى قَوْله: ﴿أَو لم يرَوا﴾ وهم لم يرَوا إِعَادَة الْخلق؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن قَوْله: ﴿أَو لم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق﴾ قد تمّ الْكَلَام، وَقد كَانُوا يقرونَ بِهَذَا، (وَقَوله) : ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ ابْتِدَاء كَلَام. وَمِنْهُم من قَالَ: أَو لم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق بإنشاء النَّهَار، ثمَّ يُعِيد بِإِدْخَال اللَّيْل وإعادة النَّهَار بعده. حكوه عَن الرّبيع بن أنس. وَمِنْهُم من قَالَ: أَو لم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق بِالْإِحْيَاءِ ثمَّ يعيدهم بالإماتة وجعلهم تُرَابا كَمَا كَانُوا. وَقَوله: ﴿إِن ذَلِك على الله يسير﴾ أَي: هَين.

العنكبوت 29:20

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ بَدَأَ الْخلق﴾ أَي: خلق الْخلق. وَقَوله: ﴿ثمَّ الله ينشئ النشأة الْآخِرَة﴾ وَقُرِئَ: " النشاءة الْآخِرَة "، وهما بِمَعْنى وَاحِد كَقَوْلِهِم: رأفة ورآفة. وَقَوله: ﴿إِن الله على كل شئ قدير﴾ أَي: على النشأة الأولى والنشأة الْآخِرَة.

العنكبوت 29:21

قَوْله تَعَالَى: ﴿يعذب من يَشَاء وَيرْحَم من يَشَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَعَن بَعضهم: يعذب من يَشَاء بالحرص، وَيرْحَم من يَشَاء بالقناعة. وَقيل: يعذب من يَشَاء بِسوء الْخلق، وَيرْحَم من يَشَاء بِحسن الْخلق، وَيُقَال: يعذب من يَشَاء بِبَعْض النَّاس لَهُ، وَيرْحَم من يَشَاء بمحبة النَّاس لَهُ. وَيُقَال: يعذب من يَشَاء بِقبُول الْبِدْعَة، وَيرْحَم من يَشَاء بملازمة السّنة. وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ تقلبون﴾ أَي: تردون.

العنكبوت 29:22

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ (أَي: بمعجز الله عَن عذابكم، وَمَعْنَاهُ: أَنكُمْ لَا تفوتونه كَمَا يفوت عَن الْإِنْسَان مَا يعجز، فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿وَلَا فِي السَّمَاء﴾ وَالْخطاب مَعَ الْآدَمِيّين، وَلَيْسوا فِي السَّمَاء، فَكيف يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض، وَلَا فِي السَّمَاء معجز. قَالَ الْفراء: وَهَذَا من غامض الْعَرَبيَّة. قَالَ حسان بن ثَابت شعرًا: (وَمن يهجو رَسُول الله مِنْكُم ... ويمدحه وينصره سَوَاء) أَي: وَمن يمدحه وينصره مِنْكُم سَوَاء، وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿وَلَا فِي السَّمَاء﴾ أَي: لَو كُنْتُم فِي السَّمَاء لم تعجزوه أَيْضا كَالرّجلِ يَقُول: مَا أَنْت هَاهُنَا بمعجزي وَلَا بِالْبَصْرَةِ أَي: وَلَو كنت بِالْبَصْرَةِ لم تعجزني أَيْضا. وَقَوله: ﴿وَمَا لكم من دون الله من ولي وَلَا نصير﴾ أَي: من وَال وَلَا مَانع.

العنكبوت 29:23

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله ولقائه﴾ قَالَ قَتَادَة: ذمّ الله أَقْوَامًا هانوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: موجع مؤلم.

العنكبوت 29:24

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا﴾ اعْلَم أَن الْآيَات الَّتِي تقدّمت مُعْتَرضَة من قصَّة إِبْرَاهِيم ودعائه قومه إِلَى الله وجوابهم لَهُ، وَتلك الْآيَات فِي النَّبِي وحجاجه مَعَ الْمُشْركين، ثمَّ وَقع الْعود فِي هَذِه الْآيَة إِلَى جَوَاب قوم إِبْرَاهِيم لَهُ. وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَو حرقوه فأنجاه الله من لنار﴾ قَالَ مُجَاهِد: حرقت النَّار وثَاقه وَلم تحرقه. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون.

العنكبوت 29:25

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم من دون الله أوثانا﴾ أَي: أصناما، وَقَوله: ﴿مَوَدَّة بَيْنكُم﴾ أَي: هِيَ مَوَدَّة (بَيْنكُم) ، أَو تِلْكَ مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمَعْنَاهُ: أَن تواخيكم وتوادكم فِي الدُّنْيَا خَاصَّة، وَيَنْقَطِع إِذا جَاءَت الْآخِرَة، وَقيل: إِن كل خلة تَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا خلة الْمُتَّقِينَ. وَقُرِئَ: " مَوَدَّة بَيْنكُم " بِالنّصب بإيقاع الْفِعْل عَلَيْهِ أَي: اتخذتموها للمودة، وَقُرِئَ على غير هَذَا، والمعاني مُتَقَارِبَة. وَقَوله: ﴿ثمَّ يَوْم الْقِيَامَة يكفر بَعضهم بِبَعْض ويلعن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ وَمعنى الْجمع: هُوَ وُقُوع التبرؤ بَين القادة والأتباع. وَقَوله: ﴿ومأواكم النَّار وَمَا لكم من ناصرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

العنكبوت 29:26

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَآمن لَهُ لوط﴾ وَقد تُقَام اللَّام مقَام الْبَاء. وَقَوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي﴾ أَي: مُتَوَجّه إِلَى رَبِّي أطلب رِضَاهُ. وَقد بَينا أَن هجرته كَانَت من كوثى إِلَى الشَّام، وكوثى قَرْيَة من سَواد الْكُوفَة. وَفِي الْقِصَّة: أَنه هَاجر بعد أَن مَضَت [خمس] وَسَبْعُونَ سنة من عمره؛ وَهَاجَر مَعَه لوط وَسَارة. وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب فِي أمره ﴿الْحَكِيم﴾ فِي تَدْبيره.

العنكبوت 29:27

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَجَعَلنَا فِي ذُريَّته النُّبُوَّة وَالْكتاب﴾ يُقَال: إِن الله تَعَالَى لم يبْعَث نَبيا بعد إِبْرَاهِيم إِلَّا من نَسْله، فَإِن قيل: كَيفَ لم يذكر إِسْمَاعِيل، وَذكر إِسْحَاق وَيَعْقُوب، وَقد كَانَ إِسْمَاعِيل نَبيا مثل إِسْحَاق؟ قُلْنَا: قد دخل إِسْمَاعِيل فِي قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا فِي ذُريَّته النُّبُوَّة وَالْكتاب﴾ وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى يذكر الْبَعْض، وَيتْرك الْبَعْض اختصارا وإيجازا، وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي الْكل وَاحِد. وَقَوله: ﴿وآتينا أجره فِي الدُّنْيَا﴾ أَي: الثَّنَاء الْحسن. وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ قبُول كل أهل الْأَدْيَان لَهُ ورضاهم بِهِ. وَقَالَ السدى: هُوَ الْوَلَد الصَّالح. وَقيل: هُوَ أَنه أرِي مَكَانَهُ فِي الْجنَّة، وَقيل: إِنَّه جعل الْأَنْبِيَاء من أَوْلَاده. وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ أَي: فِي زمرة الصَّالِحين.

العنكبوت 29:28

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولوطا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُم لتأتون الْفَاحِشَة مَا سبقكم بهَا من أحد من الْعَالمين﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط،

العنكبوت 29:29

قَوْله تَعَالَى: ﴿أئنكم لتأتون الرِّجَال وتقطعون السَّبِيل﴾ أَي: لتأتون الرِّجَال بالفاحشة، وتقطعون السَّبِيل: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: تقطعون سَبِيل النَّسْل بإيثار الرِّجَال على النِّسَاء. وَالْقَوْل الثَّانِي: وتقطعون السَّبِيل أَي: الطَّرِيق، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ الغرباء والمسافرين ويرتكبون مِنْهُم الْفَاحِشَة. وَقَوله: ﴿وتأتون فِي ناديكم الْمُنكر﴾ النادي هُوَ الْمجْلس، وَأما الْمُنكر الَّذِي أَتَوا بِهِ فَفِيهِ أَقْوَال: أَحدهمَا: هُوَ ارْتِكَاب الْفَاحِشَة من الرِّجَال فِي مجَالِسهمْ، قَالَه مُجَاهِد. وَعَن عَائِشَة قَالَت: كَانُوا يتضارطون فِيمَا بَينهم. وَعَن عبد الله بن سَلام: كَانَ بَعضهم يبزق على بعض. وَفِي بعض الْأَخْبَار مُسْندًا إِلَى النَّبِي: " أَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ على الطَّرِيق، ويخذفون النَّاس ويسخرون مِنْهُم ". وَعَن بَعضهم هُوَ لصفير وَالرَّمْي بالجلاهق، واللعب بالحمام، وبالشرك فِي الطَّرِيق، وَحل الْإِزَار. وَقَوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا ائتنا بِعَذَاب الله إِن كنت من لصادقين﴾ أَي: فِيمَا تَقوله

العنكبوت 29:30

قَوْله: ﴿قَالَ رب انصرني على الْقَوْم المفسدين﴾ وفسادهم كَمَا بَينا.

العنكبوت 29:31

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَت رسلنَا إِبْرَاهِيم بالبشرى﴾ قد بَينا معنى الْبُشْرَى فِي سُورَة هود. وَقَوله: ﴿إِنَّا مهلكوا أهل هَذِه الْقرى﴾ أَي: سدوم، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ وَبَين يَدي كل وَاحِد مِنْهُم قَعْب فِيهِ حَصى فَإِذا مر بهم إِنْسَان خذفه كل وَاحِد مِنْهُم بحصاة، فَمن أَصَابَهُ كَانَ أولى بِهِ، فَكَانَ يَأْخُذ مَا مَعَه وينكحه ويغرمه ثَلَاث دَرَاهِم، وَلَهُم قَاض يقْضِي بذلك. وَقَوله: ﴿إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين﴾ قد بَينا ظلمهم.

العنكبوت 29:32

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن فِيهَا لوطا قَالُوا نَحن أعلم بِمن فِيهَا﴾ أَي: قَالَت الْمَلَائِكَة نَحن أعلم بِمن فِيهَا. وَقَوله: ﴿لننجينه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته كَانَت من الغابرين﴾ أَي: البَاقِينَ فِي الْعَذَاب.

العنكبوت 29:33

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما أَن جَاءَت رسلنَا لوطا سيء بهم﴾ أَي: سيء بِالْمَلَائِكَةِ، وَمَعْنَاهُ: أَنه سَاءَهُ مَجِيء الْمَلَائِكَة أضيافا لما علم من خبث قومه. وَقَوله: ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ أَي: ضَاقَ ذرعا بمجيئهم. يُقَال: ضَاقَ فلَان ذرعا بِكَذَا إِذا كرهه. وَقَوله: ﴿قَالُوا لَا تخف وَلَا تحزن﴾ لَا تخف من قَوْمك علينا، وَلَا تحزن بإهلاكنا إيَّاهُم. وَقَوله: ﴿إِنَّا منجوك وَأهْلك إِلَّا امْرَأَتك كَانَت من الغابرين﴾ أَي: البَاقِينَ فِي الْعَذَاب.

العنكبوت 29:34

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا منزلون على أهل هَذِه الْقرْيَة﴾ أَي: سدوم. وَقَوله: ﴿رجزا من السَّمَاء﴾ أَي: عذَابا من السَّمَاء. وَقَوله: ﴿بِمَا كَانَ يفسقون﴾ أَي: يعصون.

العنكبوت 29:35

قَوْله: ﴿وَلَقَد تركنَا مِنْهَا آيَة بَيِّنَة﴾ أَي: من قريات قوم لوط. قَالَ قَتَادَة: الْآيَة الْبَيِّنَة (هِيَ [الْأَحْجَار] الَّتِي أهلكوا بهَا، وَقد كَانَ قد بَقِي بَعْضهَا حَتَّى أَدْرَكته أَوَائِل هَذِه الْأمة. وَقَالَ مُجَاهِد: الْآيَة الْبَيِّنَة) : ظُهُور المَاء الْأسود من قراهم. وَقَوله: ﴿لقوم يعْقلُونَ﴾ أَي: يتدبرون الْآيَات تدبر ذَوي الْعُقُول.

العنكبوت 29:36

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا﴾ مَعْنَاهُ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا. وَقَوله: ﴿فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله وارجوا الْيَوْم الآخر﴾ أَي: وخشوا الْيَوْم الآخر، وَيُقَال: الرَّجَاء على حَقِيقَته، وَهُوَ الأمل. وَقَوله: ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ أَي: لَا تفسدوا فِي الأَرْض. [والعيث] أَشد الْفساد.

العنكبوت 29:37

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَكَذبُوهُ فَأَخَذتهم الرجفة﴾ الرجفة: زعزعة تُؤدِّي إِلَى الْهَلَاك. وَقَوله: ﴿فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين﴾ أَي: ميتين، وَقيل: خامدين.

العنكبوت 29:38

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعادا وَثَمُود﴾ أَي: وأهلكنا عادا وَثَمُود. وَقَوله: ﴿وَقد تبين لكم من مساكنهم﴾ أَي: الْمنَازل الَّتِي سكنوها. وَقَوله: ﴿وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل﴾ أَي: صدهم عَن سَبِيل الْحق. وَقَوله: ﴿وَكَانُوا مستبصرين﴾ أَي: ارتكبوا مَا ارتكبوا وَقد علمُوا أَن عَاقِبَة أَمرهم بوار.

العنكبوت 29:39

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَارُون وَفرْعَوْن وهامان﴾ أَي: وأهلكنا قَارون وَفرْعَوْن وهامان. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن فِرْعَوْن كَانَ يَبِيع الْبِطِّيخ فِي ابْتِدَاء أمره، وهامان كَانَ طيانا. وَقَوله: ﴿وَلَقَد جَاءَهُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات. قَوْله: ﴿فاستكبروا فِي الأَرْض وَمَا كَانُوا سابقين﴾ أَي: فائتين عَن عذابنا، كالسابق على الشَّيْء فَيكون قد فَاتَهُ.

العنكبوت 29:40

قَوْله تَعَالَى: ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ أَي: أَخذنَا كل هَؤُلَاءِ بذنبهم. وَقَوله: ﴿فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا﴾ الحاصب هِيَ الرّيح الَّتِي تحمل الْحَصْبَاء، والحصباء: الْحَصَى (الصغار) ، وَالَّذين أهلكوا بالحصباء قوم لوط. وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة﴾ يَعْنِي: قوم صَالح، وهم ثَمُود. وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض﴾ أَي: قَارون. وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من أغرقنا﴾ أَي: قوم نوح وَقوم فِرْعَوْن. وَقَوله: ﴿ [وَمَا] كَانَ الله ليظلمهم﴾ أَي: مَا ظلمهم الله ﴿وَلَكِن هم اللَّذين ظلمُوا أنفسهم﴾ .

العنكبوت 29:41

قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله﴾ الْمثل: كَلَام سَائِر يتَضَمَّن تَشْبِيه حَال الآخر بِالْأولِ. وَقَوله: ﴿أَوْلِيَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام. وَقَوله: ﴿كَمثل العنكبوت﴾ العنكبوت: دَابَّة [أَعْطَاهَا] الله تَعَالَى آلَة تنسج بهَا بَيْتا تأوي إِلَيْهِ، (وبيته) فِي غَايَة الضعْف والوهاء، وَإِنَّمَا مثل عبَادَة الْأَصْنَام بِبَيْت العنكبوت؛ لِأَن بَيت العنكبوت لَا يقي حرا وَلَا بردا، وَكَذَلِكَ عبَادَة الْأَصْنَام لَا تجلب نفعا، وَلَا تدفع ضرا. وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي أَنه قَالَ: " العنكبوت شَيْطَان مسخ فَاقْتُلُوهُ " وَالْخَبَر غَرِيب. وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه أَمر أَلا يتْرك نَسِيج العنكبوت فِي الْبَيْت، وَقَالَ: تَركه يُورث الْفقر. وَقد بَينا أَن الله تَعَالَى جعل العنكبوت جند النَّبِي فِي الْغَار. وَقَوله: ﴿وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ أَي: لَو كَانُوا يعلمُونَ أَن عبَادَة الْأَصْنَام لَا تغني شَيْئا، كَمَا علمُوا أَن بَيت العنكبوت لَا يدْفع شَيْئا.

العنكبوت 29:42

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يعلم مَا يدعونَ من دونه من شَيْء﴾ أَي: يعلم مَا يدعونَ من دونه من الْأَصْنَام وَغَيرهَا. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز بالانتقام من أعدائه، الْحَكِيم فِي تَدْبِير خلقه.

العنكبوت 29:43

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس﴾ أَي: الْأَشْبَاه الَّتِي يَقع بهَا التَّمْثِيل. وَقَوله: ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ (أَي: الْعَالمُونَ بمعاني كَلَامي، وَعَن بعض السّلف قَالَ: يسْتَحبّ أَن يقف عِنْد كل مثل فِي الْقُرْآن، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ .

العنكبوت 29:44

قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ أَي: بالحكمة. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك (لآيَة﴾ للْمُؤْمِنين) أَي: لعبرة للْمُؤْمِنين.

العنكبوت 29:45

قَوْله تَعَالَى: ﴿اتل مَا أوحى إِلَيْك من الْكتاب﴾ أَي: الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ الْفَحْشَاء كل قَبِيح من الْأَفْعَال، وَالْمُنكر كل مَا يُنكره الشَّرْع، (فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ وَقد رَأينَا من يُصَلِّي وَلَا يَنْتَهِي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر؟ قُلْنَا: رُوِيَ عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ: تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر مَا دَامَ فِي الصَّلَاة، وَعَن غَيره: تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر) فِيهَا وَبعدهَا. وَمعنى النَّهْي على هَذَا القَوْل أَنه يقْرَأ الْقُرْآن وَالْقِرَاءَة، تنهاه عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر. وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: لَا صَلَاة لمن لم يطع الصَّلَاة. وَفِي هَذَا اللَّفْظ إِشَارَة إِلَى مَا بَينا. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من لم تَنْهَهُ صلَاته عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر لم يَزْدَدْ من الله إِلَّا بعدا ". ( ﴿٤٥) وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمنا﴾ وَعَن الْحسن وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: من صلى وَلم ينْتَه عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، فَصلَاته وبال عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلذكر الله أفضل من كل الطَّاعَات، وَرُوِيَ عَن ثَابت الْبنانِيّ أَن رجلا أعتق أَربع رِقَاب، وَجعل آخر يذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، ثمَّ سُئِلَ عَن ذَلِك جمَاعَة من أهل الْعلم، فَقَالُوا: ذكر الله تَعَالَى أفضل؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ . وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: وَلذكر الله إيَّاكُمْ أكبر من ذكركُمْ إِيَّاه، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ إِن رجلا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: إِن فلَانا (يَقُول) فِي قَوْله: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ : إِن مَعْنَاهُ: إِذا ذكره وانْتهى عَن مَعَاصيه، فَقَالَ: هَذَا كَلَام حسن. وَلَيْسَ بِمَعْنى الْآيَة؛ وَإِنَّمَا معنى الْآيَة مَا ذكرنَا عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: وَلذكر الله إيَّاكُمْ أكبر من ذكركُمْ إِيَّاه. وَمِنْهُم من قَالَ: وَلذكر الله فِي الثَّوَاب أكبر من ذكركُمْ فِي الطَّاعَة. وَقَوله: ﴿وَالله يعلم مَا تَصْنَعُونَ﴾ أَي: تَفْعَلُونَ.

العنكبوت 29:46

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب الَّذين قبلوا الْجِزْيَة إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن، وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم﴾ المُرَاد بهم على هَذَا القَوْل أهل الْحَرْب. وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ مِنْهُم، وَمعنى النَّهْي عَن المجادلة مَعَهم بعد إِيمَانهم، هُوَ أَنهم كَانُوا يخبرون عَن أَشْيَاء فِي كتبهمْ لم يعلمهَا الْمُؤْمِنُونَ، [فَنهى] عَن مجادلتهم فِيهَا، فلعلها صَحِيحَة. وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم﴾ هم الَّذين لم يُؤمنُوا. وَعَن قَتَادَة قَالَ: الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف. وَقَوله: ﴿وَقُولُوا آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم﴾ (رُوِيَ عَن النَّبِي هم أَنه قَالَ: " إِذا أخْبركُم أهل الْكتاب بِشَيْء لم تعرفوه فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم، وَلَكِن قُولُوا: ﴿آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم﴾ وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ ") ".

العنكبوت 29:47

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب﴾ أَي: كَمَا بعثناك بِالْحَقِّ أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب. وَقَوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُم الْكتاب يُؤمنُونَ بِهِ﴾ أَي: يصدقون بِهِ، وَقَوله: ﴿وَمن هَؤُلَاءِ من يُؤمن بِهِ﴾ أَي: وَمن الْمُشْركين من يصدق بِهِ، فَقَوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إِشَارَة إِلَى الْمُشْركين الَّذين كَانُوا بِمَكَّة. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

العنكبوت 29:48

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب﴾ أَي: من قبل بعثنَا إياك، وإنزال الْقُرْآن عَلَيْك. وَقَوله: ﴿وَلَا تخطه بيمينك﴾ أَي: لم تكن تقْرَأ وَلَا تكْتب. وَقَوله: ﴿إِذا لارتاب المبطلون﴾ أَي: إِذا لشك الْكَافِرُونَ لَو قَرَأت وكتبت، أما أهل الشّرك وَكَانُوا يَزْعمُونَ أَنه قَرَأَ من كتب الْأَوَّلين وانتسخ مِنْهَا، وَأما أهل الْكتاب فقد كَانَ من نَعته فِي كتبهمْ أَنه أُمِّي لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب، فَلَو قَرَأَ وَكتب وَقع لَهُم الشَّك. وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: لم يخرج النَّبِي من الدُّنْيَا حَتَّى كتب وَقَرَأَ. وَهُوَ قَول ضَعِيف لَا يعْتَمد عَلَيْهِ، [وأظن] أَنه لَا يَصح عَن الشّعبِيّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَالما كَبِيرا.

العنكبوت 29:49

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ أَي: الْقُرْآن آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أَن مُحَمَّدًا ذُو آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " (إِن الله تَعَالَى) قَالَ لي: بَعَثْتُك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عَلَيْك كتابا لَا يغسلهُ المَاء، تَقْرَأهُ نَائِما ويقظانا " وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا بَينا أَن الْقُرْآن فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ لَا ينسخه وَلَا يغسلهُ شَيْء. وَقَوله: ﴿وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أَي: الْكَافِرُونَ.

العنكبوت 29:50

قَوْله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ يَعْنِي: مثل مَا أنزل على عِيسَى من الْمَائِدَة، وَأعْطِي صَالح من النَّاقة، ومُوسَى من الْيَد والعصا ﴿قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله﴾ يَعْنِي: إِن الْآيَات عِنْد الله يُعْطِيهَا بمشيئته وإرادته. وَقَوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنا نَذِير مُبين﴾ قد بَينا. وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى قد أعْطى رَسُوله مُحَمَّدًا المعجزات الْكَثِيرَة، وَلكنه لم يُعْطه على مَا اقترحوا، وَقد كَانُوا يطْلبُونَ أَن تكون الْآيَات على وفْق إقتراحاتهم.

العنكبوت 29:51

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يَكفهمْ﴾ الْكِفَايَة: بُلُوغ (غَايَة) تنَافِي الْحَاجة. وَقَوله: ﴿إِنَّا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب﴾ أَي: الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ أَي: يقْرَأ عَلَيْهِم. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لرحمة﴾ أَي: لنعمة لمن آمن بِهِ. وَقَوله: ﴿وذكرى﴾ أَي: موعظة وتذكيرا، وَقد بَينا وَجه الإعجاز فِي الْقُرْآن من حَيْثُ النّظم وَالْمعْنَى والإخبار عَن الغيوب وَغَيره.

العنكبوت 29:52

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل كفى بِاللَّه بيني وَبَيْنكُم شَهِيدا﴾ الشَّهَادَة: خبر عَن مُشَاهدَة يَبْنِي عَلَيْهِ حكم شَرْعِي، وَالله تَعَالَى شَهِيد على أَفعَال الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار جَمِيعًا. وَقَوله: ﴿يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿وَالَّذين آمنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ أَي: بِغَيْر الله. وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " أصدق كلمة قَالَت الْعَرَب قَول لبيد: (أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل) ثمَّ قَالَ: إِلَّا نعيم الْجنَّة ". وَاعْلَم أَن الْإِيمَان إِذا أطلق يُرَاد بِهِ الْإِيمَان بِاللَّه، وَإِذا قيد يجوز أَن يُقَال: آمن بإبليس، وآمن بالطاغوت، وَمَا أشبه ذَلِك، وَهَذَا كَمَا إِذا قيل: فلَان قَائِم، وَأطلق يُرَاد بِهِ المتصف، فَإِذا قيل: يجوز أَن يُقَال: قَائِم بِالتَّدْبِيرِ قَائِم بِالْملكِ. وَقَالَ يحيى بن سَلام: الْبَاطِل هَاهُنَا: إِبْلِيس. وَقَوله: ﴿وَكَفرُوا بِاللَّه﴾ أَي: جَحَدُوا بِاللَّه. وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ الخاسرون: من خسر رَأس المَال، فالكفار لما فعلوا فعلا عرضوا أنفسهم للهلاك سماهم الله خاسرين.

العنكبوت 29:53

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستعجلونك بِالْعَذَابِ﴾ قد بَينا أَن النَّضر بن الْحَارِث قَالَ: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء﴾ الْآيَة فَهَذَا هُوَ الاستعجال بِالْعَذَابِ. وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا أجل مُسَمّى﴾ أَي: وعد الْقِيَامَة، وَقيل: النفخة فِي الصُّور وَيُقَال: الْوَقْت الَّذِي عين لعذابهم. وَقَوله: ﴿لجاءهم الْعَذَاب وليأتينهم بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ بمجيئها. وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الرجل ليرْفَع لقمته فَلَا يَضَعهَا فِي فِيهِ حَتَّى تقوم السَّاعَة ".

العنكبوت 29:54

وَقَوله تَعَالَى: ﴿يستعجلونك بِالْعَذَابِ﴾ يُقَال: المُرَاد بِهِ هُوَ المُرَاد بِالْآيَةِ الأولى، أَعَادَهُ للتَّأْكِيد، وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت على قوم من جهال هَذِه الْأمة، وَالْقَوْل الأول أولى. وَقَوله: ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ أَي: جَامِعَة لعذابهم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: لَا بُد أَن يدخلوها.

العنكبوت 29:55

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يَغْشَاهُم الْعَذَاب من فَوْقهم﴾ يَعْنِي: يصيبهم الْعَذَاب من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى: ﴿لَهُم من فَوْقهم ظلل من النَّار وَمن تَحْتهم ظلل﴾ وَقَوله: ﴿وَيَقُول ذوقوا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قد بَينا معنى الذَّوْق من قبل. وَقَوله: ﴿مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: جَزَاء بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ.

العنكبوت 29:56

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا عبَادي الَّذين آمنُوا إِن أرضي وَاسِعَة﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي هَذِه الْآيَة: كَانُوا إِذا ظَهرت الْمعْصِيَة بِأَرْض خَرجُوا مِنْهَا. وَعَن سعيد بن جُبَير وَعَطَاء أَنَّهُمَا قَالَا: إِذا أمرت بالمعصية فِي (بَلْدَة) فَأخْرج مِنْهَا (وَفِي رِوَايَة: " إِذا ظَهرت الْمعْصِيَة فِي بَلْدَة فَأخْرج مِنْهَا) . وَذكر أهل الْعلم أَنه إِذا لم يُمكنهُ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر خرج أَيْضا، وَالْآيَة نزلت فِي قوم تخلفوا عَن الْهِجْرَة بِمَكَّة، وَقَالُوا: نخشى إِن هاجرنا من الْجُوع وضيق الْمَعيشَة؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَلم يعذرهم فِي ترك الْخُرُوج، وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿إِن أرضي وَاسِعَة﴾ أَي: رِزْقِي وَاسع، ذكره مطرف ابْن عبد الله ابْن الشخير. وَقَوله: ﴿فإياي فاعبدون﴾ أَي: وحدوني وأطيعوني.

العنكبوت 29:57

قَوْله: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ مَعْنَاهُ: أَن تخلفهم (عَن) الْهِجْرَة لَا ينجيهم من الْمَوْت، وَقد روى جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ " أَن النَّبِي لما توفى سمعُوا حس شخص وَلم يروه، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم أهل الْبَيْت وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ الْآيَة، إِن فِي الله عزاء من كل مُصِيبَة، وخلفا من كل هَالك، ودرجا من كل فَائت، أَلا بِاللَّه فثقوا، وإياه فارجوا، والمصاب من حرم الثَّوَاب ". وَقَوله: ﴿ثمَّ إِلَيْنَا ترجعون﴾ أَي: تردون.

العنكبوت 29:58

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنبوئنهم من الْجنَّة غرفا﴾ أَي: لنسكننهم من الْجنَّة غرفا، أَي: علالي، وروى أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ: " إِن لله غرفا فِي الْجنَّة، يرى ظُهُورهَا من بطونها، وبطونها من ظُهُورهَا، قيل: لمن هِيَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لما أطاب الْكَلَام، وَأطْعم الطَّعَام، وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام ". وَقُرِئَ: " لنثوينهم " والثوى هُوَ الْإِقَامَة، والتبوؤ هُوَ النُّزُول فِي الْموضع الَّذِي يسكن فِيهِ، وَفِي أَخْبَار الْجَاهِلِيَّة: أَن المهلهل لما قتل ابْن الْحَارِث بن عباد فِي حَرْب بكر وتغلب قَالَ: تبوء بشسع نعل كُلَيْب. وَمن الْمَعْرُوف عَن الْحُسَيْن أَنه قَالَ لِلْحسنِ فِي قتل أبي ملجم: لَا تَجْعَلهُ ثوى بأبينا أَي: لَا ننزله منزلَة أَبينَا. وَقَوله: ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نعم أجر العاملين﴾ أَي: العاملين بِالطَّاعَةِ.

العنكبوت 29:59

قَوْله تَعَالَى: ﴿ [الَّذين] صَبَرُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَي: صَبَرُوا على ( ﴿٥٩) وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها الله يرزقها وَإِيَّاكُم وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ الشدائد، وَقَوله: ﴿وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَي: يعتمدون.

العنكبوت 29:60

قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأين من دَابَّة﴾ أَي: وَكم من حَيَوَان يدب على الأَرْض. وَقَوله: ﴿لَا تحمل رزقها﴾ أَي: لَا تحمل رزقها مَعهَا، وَقيل: لَا تدخر رزقها للغد. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَالْمَعْرُوف أَنه عَن سُفْيَان الثَّوْريّ: " لَيْسَ من الْحَيَوَان مَا يدّخر شَيْئا للغد سوى ابْن آدم والفأرة والنملة والعقعق. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن المُرَاد من قَوْله: ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها﴾ أَي: مُحَمَّد: وَكَانَ لَا يدّخر شَيْئا للغد، وَقد ثَبت بِرِوَايَة أنس: " أَن النَّبِي كَانَ لَا يدّخر شَيْئا لغد ". قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو مَنْصُور بكر بن مُحَمَّد بن حميد النَّيْسَابُورِي بِبَغْدَاد من لَفظه، أخبرنَا أَبُو الْحسن الْخفاف، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس السراج، عَن قُتَيْبَة، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعِي، عَن ثَابت، عَن أنس ... الْخَبَر. وَفِي بعض الْأَخْبَار بِرِوَايَة ابْن عمر أَنه قَالَ: " دخلت مَعَ رَسُول الله يلتقط التَّمْر ويأكله، فكدت لَا آكله، فَقَالَ لي: أَلا تَأْكُله يَا ابْن عمر؟ فَقلت: لَا أشتهيه. فَقَالَ: لكني أشتهيه، وَهَذَا صبح رَابِع أربعو أَيَّام وَلم أذق طَعَاما، وَلَو طلبت من الله لأعطاني مثل ملك كسْرَى وَقَيْصَر، ثمَّ قَالَ: كَيفَ بك يَا ابْن عمر إِذا بقيت فِي قوم يدخرون الرزق لسنتهم، ويضعف الْيَقِين؟ ! قَالَ: فَلم نَبْرَح من ذَلِك الْموضع حَتَّى أنزل الله تَعَالَى: ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها﴾ . " وَالْخَبَر غَرِيب. وَقَوله: ﴿الله يرزقها وَإِيَّاكُم﴾ يَعْنِي: يرْزق تِلْكَ الدَّابَّة وَإِيَّاكُم. وَقَوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَمن الْمَشْهُور عَن النَّبِي قَالَ: " لَو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كَمَا ترزق الطير، تَغْدُو خماصا، وَتَروح بطانا ". وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي، أَن لن تَمُوت نفس حَتَّى تستكمل رزقها، فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب ".

العنكبوت 29:61

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ أَي: وذلل الشَّمْس وَالْقَمَر. وَقَوله: ﴿ليَقُولن الله فَأنى يؤفكون﴾ أَي: يصرفون عَن الْحق.

العنكبوت 29:62

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يبسط الرزق لمن يَشَاء من عباده وَيقدر لَهُ﴾ أَي: يُوسع على من يَشَاء، ويضيق على من يَشَاء. وَقَوله: ﴿إِن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

العنكبوت 29:63

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من نزل من السَّمَاء مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض من بعد مَوتهَا ليَقُولن الله قل الْحَمد لله﴾ يَعْنِي: على أَن الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء هُوَ الله. وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَن الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء هُوَ الله تَعَالَى.

العنكبوت 29:64

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا لَهو وَلعب﴾ اللَّهْو هُوَ الِاسْتِمْتَاع بلذات الدُّنْيَا، وَسمي لهوا؛ لِأَنَّهَا فانية بِخِلَاف لذات الْآخِرَة. وَقَوله: ﴿وَلعب﴾ أَي: وعبث، وَيُقَال: إِنَّمَا سمي ذَلِك لهوا وَلَعِبًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَعْمل بهَا من لَا يتفكر فِي العواقب. وَقَوله: ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان﴾ أَي: لهي الْحَيَاة الدائمة. وَقَالَ أهل اللُّغَة: الْحَيَوَان والحياة بِمَعْنى وَاحِد، يحْكى هَذَا عَن أبي عُبَيْدَة وَأبي. وَمعنى الْآيَة: أَن فِي الْآخِرَة الْحَيَاة الدائمة. وَقَوله: ﴿لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ أَي: لَو كَانُوا يعلمُونَ أَن الدُّنْيَا تفنى، وَالْآخِرَة تبقى.

العنكبوت 29:65

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا ركبُوا فِي الْفلك دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ أَي: دعوا الله وَتركُوا دُعَاء الْأَصْنَام، وَحكي عَن عِكْرِمَة قَالَ: لَو كَانُوا يركبون الْبَحْر ويحملون أصنامهم مَعَهم، فَإِذا هَاجَتْ الْبَحْر وخافوا الْغَرق، طرحوا أصنامهم فِي الْبَحْر، وقواول: يَا رب، يَا رب. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر إِذا هم يشركُونَ﴾ أَي: عَادوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.

العنكبوت 29:66

وَقَوله: ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم وليتمتعوا فَسَوف يعلمُونَ﴾ على طَرِيق التهديد.

العنكبوت 29:67

وَقَوله: ﴿أَو لم يرَوا أَنا جعلنَا حرما آمنا﴾ أَي: ذَا أَمن، وَقَوله: ﴿وَيُتَخَطَّف النَّاس من حَولهمْ﴾ الاختطاف هُوَ الاستلاب بِسُرْعَة، وَقد بَينا هَذَا الْمَعْنى من قبل. وَقَوله: ﴿أفبالباطل يُؤمنُونَ﴾ يَعْنِي: أفغير الله يُؤمنُونَ؟ وَهُوَ لفظ اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِنْكَار. وَقَوله: ﴿وبنعمة الله يكفرون﴾ أَي: يجحدون.

العنكبوت 29:68

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا﴾ أَي: كذب على الله، وَادّعى أَنه أنزل مَا لم ينزله. وَقَوله: ﴿أَو كذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن، وَقيل: مُحَمَّدًا. وَقَوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للْكَافِرِينَ﴾ أَي: مقَام ومستقر للْكَافِرِينَ.

العنكبوت 29:69

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا﴾ رُوِيَ عَن الْحسن أَنه قَالَ: أفضل الْجِهَاد مُخَالفَة الْهوى. وَيُقَال: الْجِهَاد هَاهُنَا هُوَ الْعَمَل بِمَا علمه، وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ لإِبْرَاهِيم بن أدهم: أَلا تَأْتِينَا فَتَتَعَلَّمُ منا؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت حديثين فَإِذا فرغت مِنْهُمَا تعلمت الثَّالِث، ثمَّ رُوِيَ بِإِسْنَاد أَن النَّبِي قَالَ: " من زهد فِي الدُّنْيَا نور الله قلبه ". وَيُقَال: المجاهدة: هُوَ الصَّبْر على الطَّاعَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي، وَيُقَال: قتال الْكفَّار، وَيُقَال: تَحْقِيق الْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال، وَهُوَ حَقِيقَة قَوْله تَعَالَى: ﴿فِينَا﴾ . وَقَوله: ﴿لنهدينهم سبلنا﴾ لنزيدنهم هدى، وَيُقَال: لنرشدهم إِلَى (الطّرق) المستقيمة، والطرق المستقيمة هِيَ الَّتِي توصل إِلَى رضى الله تَعَالَى. وَعَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ: قَالَ لي سُفْيَان بن عُيَيْنَة: إِذا اخْتلف النَّاس فَعَلَيْك بِمَا قَالَه لأهل الْجِهَاد والثغور، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ . وَقَوله: ﴿وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي: بالنصرة والمعونة.

الروم 30:1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة الرّوم وَهِي مَكِّيَّة قَوْله تَعَالَى: ﴿الم﴾ قد بَينا، ولأصح أَن مَعْنَاهُ هَاهُنَا هُوَ الْقسم.

الروم 30:2

وَقَوله: ﴿غلبت الرّوم﴾ أَي: قد غلبت الرّوم، فَوَقع الْقسم على هَذَا، وَقد تحذف قد عِنْد أهل اللُّغَة فِي الْكَلَام، قَالَ الشَّاعِر: (أكلفتني ذَنْب امْرِئ وَتركته ... كذى العر [يكوي] غَيره وَهُوَ راتع) أَي: لقد كلفتني.

الروم 30:3

وَقَوله: ﴿فِي أدنى الأَرْض﴾ الْأَدْنَى بِمَعْنى الْأَقْرَب، وَمَعْنَاهُ: الْأَدْنَى إِلَى أَرض فَارس من أَرض الرّوم، قَالَ مُجَاهِد. هِيَ لجزيرة، وَهِي بِلَاد بَين دجلة والفرات تسمى الجزيرة مِنْهَا حران، ورحبة مَالك بن طوق، والرقة، والرهى، وَغير ذَلِك. وَقَوله: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ مَعْنَاهُ: أَن الرّوم من بعد غَلَبَة فَارس عَلَيْهِم سيغلبون. فَإِن قيل: قَالَ: ﴿من بعد غلبهم﴾ وهم غلبوا وَلم يغلبوا؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر غلبتهم، وَالْمرَاد مِنْهُ غَلَبَة غَيرهم عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا أضَاف الْغَلَبَة إِلَيْهِم لاتصال تِلْكَ الْغَلَبَة بهم، واتصال الْغَلَبَة بهم وُقُوع الْغَلَبَة عَلَيْهِم، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ويطعمون الطَّعَام على حبه﴾ وَالطَّعَام لَا يكون صَاحب الْحبّ، وَإِنَّمَا الْإِنْسَان هُوَ صَاحب الْحبّ، وَلَكِن إِضَافَة إِلَى الطَّعَام لاتصال الْحبّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾ وَالْمقَام للْعَبد إِلَّا أَنه [أَضَافَهُ] إِلَى الله؛ لِأَنَّهُ يقوم بَين يَدي الله، فيتصل بِاللَّه من هَذَا الْوَجْه.

الروم 30:4

وَقَوله: ﴿فِي بضع سِنِين﴾ فِي الْبضْع قَولَانِ: أَحدهمَا: من الْوَاحِد إِلَى الْعشْر، وَالْقَوْل الثَّانِي: من الثَّلَاث إِلَى السَّبع. وَكَذَلِكَ اخْتلف القَوْل فِي النيف، فَمنهمْ من قَالَ: من الْوَاحِد إِلَى الثَّلَاث، وَمِنْهُم من قَالَ: من الْوَاحِد إِلَى الْعَاشِر. وَأما سَبَب نزُول الْآيَة فروى سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: " أَنه كَانَ بَين فَارس وَالروم قتال قَائِم، فَكَانَ الْمُشْركُونَ يُؤْذونَ أَن تغلب فَارس الرّوم، والمسلمون يودون أَن تغلب الرّوم فَارس، لأَنهم كَانُوا أهل الْكتاب، قَالَ: فغلب فَارس الرّوم مرّة، فشمت الْمُشْركُونَ بِالْمُسْلِمين، وَقَالُوا: إِنَّا سنغلبكم كَمَا غلبت فَارس الرّوم، فجَاء الْمُسلمُونَ إِلَى النَّبِي وَذكروا لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أما إِن الرّوم سيغلبون فَارس. فَقَالَ أَصْحَاب النَّبِي: مَتى ذَلِك؟ فَقَالَ: إِلَى بضع سِنِين، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. قَالَ: فجَاء أَبُو بكر إِلَى أبي بن خلف، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا تغلب الرّوم فَارس أبدا، ثمَّ قَالَ لأبي بكر: أخاطرك؟ قَالَ: نعم فخاطره على قَلَائِص من الْإِبِل. وَاخْتلفُوا فِي عدد القلائص مِنْهُم من قَالَ: كَانَ سِتا، وَقيل: كَانَ سبعا. وَقيل: غير ذَلِك، ووضعا الْمدَّة إِلَى خمس سِنِين. قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ ذَلِك فِي وَقت لم يكن حوم الْقمَار بعد. فجَاء أَبُو بكر إِلَى النَّبِي، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: يَا أَبَا بكر، زد فِي الْخطر، وَأبْعد فِي الْأَجَل " فَزَاد فِي عدد القلائص، وَجعل الْمدَّة إِلَى سبع سِنِين ". ثمَّ إِن الرّوم ظَهرت على فَارس، واسترجعوا ديار الجزيرة وَالشَّام وَغير ذَلِك من فَارس، وَكَانَ فَارس قد استولوا على الْكل، وَأخذُوا صليبهم الْأَعْظَم، فاستردوا هَذِه الديار، واستردوا صليبهم، وهزموا فَارس. وَاخْتلفُوا فِي وَقت ذَلِك، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ يَوْم بدر، وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ عَام الْحُدَيْبِيَة. وَفِي بعض التفاسير: أَن أَبَا بكر لما قصد الْهِجْرَة جَاءَ إِلَى أبي بن خلف، وَطلب مِنْهُ كَفِيلا بالقلائص، فكفل بهَا ابْنه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، ثمَّ لما خرج أبي بن خلف إِلَى أحد طلب عبد الرَّحْمَن مِنْهُ كَفِيلا، فكفل بالقلائص ابْنه، ثمَّ انه لما ظَهرت الرّوم على فَارس أَخذ أَبُو بكر القلائص. وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن الْمدَّة كَانَت إِلَى خمس سِنِين لَا زِيَادَة، وَمَضَت الْخمس وَلم تغلب الرّوم على فَارس، واخذ أبي بن خلف القلائص، ثمَّ بعد ذَلِك ظَهرت الرّوم على فَارس. وَهَذِه الْآيَة من معجزات النَّبِي؛ لِأَنَّهُ أخبر عَن غيب لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، وَكَانَ الْأَمر على مَا أخبر. وَقَوله: ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ أَي: من قبل غلبهم، وَمن بعد غلبهم. وَقَوله: ﴿ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾ أَي: ينصر الله أهل الْكتاب على غير أهل الْكتاب، وَإِنَّمَا فرحوا بذلك لصدق وعد الله تَعَالَى؛ وَلِأَنَّهُم قَالُوا: كَمَا نصر الله أهل الْكتاب على غير أهل الْكتاب، وَكَذَلِكَ ينصرنا عَلَيْكُم.

الروم 30:5

وَقَوله: ﴿ينصر من يَشَاء﴾ أَي: من يَشَاء من عباده. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب على أمره، الْمُنعم على عباده.

الروم 30:6

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعد الله لَا يخلف الله وعده﴾ أَي: هَذِه النُّصْرَة من وعد الله، وَلَا يخلف الله وعده ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ أَن وعد الله حق.

الروم 30:7

قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَمر مَعَايشهمْ ومعالجهم فِي الدُّنْيَا يَعْنِي: مَتى يزرعون وَمَتى يحصدون، وَمَتى يغرسون، وَمَتى يبنون. وَقَالَ الضَّحَّاك: بُنيان الدّور، وغرس الْأَشْجَار، وتشقيق الْأَنْهَار، وَعمل التِّجَارَات. وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِن أحدهم لينقد الدَّرَاهِم بِطرف ظفره، وَيذكر وَزنه فَلَا يُخطئ، وَهُوَ لَا يحسن أَن يُصَلِّي. وَقَوله: ﴿وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون﴾ فهم الأول ابْتِدَاء، وهم الثَّانِي ابْتِدَاء آخر، وَمَعْنَاهُ: أَنهم غافلون ساهون عَن الْآخِرَة.

الروم 30:8

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي: للعدل، وَيُقَال: لإِقَامَة الْحق، وَقيل: للحق. وَقد رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي مر على قوم وهم يتفكرون، فَقَالَ: تَفَكَّرُوا فِي خلق الله، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الله ". وَهَذَا خبر غَرِيب. وَقَوله: ﴿وَأجل مُسَمّى﴾ أَي: وَمُدَّة مُسَمَّاهُ، وَاخْتلفُوا فِي الْمدَّة المسماه، فَقَالَ بَعضهم: هِيَ السَّاعَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْوَقْت الَّذِي قدر هلاكهم فِيهِ. وَقَوله: ﴿وَإِن كثيرا من النَّاس بلقاء رَبهم لكافرون﴾ أَي: جاحدون، ولقاء رَبهم هُوَ الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة.

الروم 30:9

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم﴾ يَعْنِي: الْأُمَم الَّذين مضوا. وَقَوله: ﴿كَانُوا أَشد مِنْهُم قُوَّة﴾ أَي: أَكثر مِنْهُم قُوَّة. وَقَوله: ﴿وأثاروا الأَرْض﴾ أَي: حرثوا الأَرْض. وَقَوله: ﴿وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها﴾ أَي: عمروا الأَرْض أَكثر مِمَّا عمرها أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ لم يكن لأهل مَكَّة حرث. وَقَوله: ﴿وجاءتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات. وَقَوله: ﴿فَمَا كَانَ الله ليظلمهم﴾ أَي: لينقص حُقُوقهم، وَلَكنهُمْ نَقَصُوا وبخسوا حُقُوقهم. [وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ ] .

الروم 30:10

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا﴾ أَي: كفرُوا، وَقَوله: ﴿السوأى﴾ هِيَ جَهَنَّم، ونعوذ بِاللَّه، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا السوء ". وَقيل: السوأى: قبح الْعَاقِبَة. وَمِنْه قَوْله: " سَوَاء ولود خير من حسناء عقيم ". يَعْنِي: قبيحة ولود خير من حسناء عقيم. وَقَوله: ﴿أَن كذبُوا بآيَات الله﴾ أَي: لِأَن كذبُوا بآيَات الله. وَقَوله: ﴿وَكَانُوا بهَا يستهزئون﴾ أَي: بآيَات الله يستهزئون.

الروم 30:11

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا.

الروم 30:12

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يبلس المجرمون﴾ أَي: ييأس المجرمون، وَيُقَال: (يسكتون) وتنقطع حجتهم، قَالَ الشَّاعِر: (يَا صَاح هَل تعرف رسما مكرسا ... قَالَ نعم أعرفهُ وأبلسا) وَقَالَ مُجَاهِد: يبلس المجرمون: يفتضحون. وَقيل: يتحيرون.

الروم 30:13

وَقَوله: ﴿وَلم يكن لَهُم من شركائهم شُفَعَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام الَّتِي اتَّخَذُوهَا شُرَكَاء لله. وَقَوله: ﴿وَكَانُوا بشركائهم كَافِرين﴾ أَي: كفرُوا بالأصنام، وتبرءوا مِنْهَا يَوْم الْقِيَامَة، وَمعنى كَانُوا: صَارُوا.

الروم 30:14

قَوْله: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يَوْمئِذٍ يتفرقون﴾ يَعْنِي: يتَمَيَّز أهل الْجنَّة من أهل النَّار، وَقيل مَعْنَاهُ: أَنه يفرق بَين أهل الْمعْصِيَة و [أهل] الطَّاعَة؛ فيعاقب أهل الْمعاصِي، وينعم على المطيعين، وَعَن قَتَادَة قَالَ: هُوَ افْتِرَاق لَا اجْتِمَاع بعده.

الروم 30:15

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فهم فِي رَوْضَة يحبرون﴾ الرَّوْضَة: هِيَ لبستان الَّذِي هُوَ فِي غَايَة النضارة وَالْحسن. قَالَ الطَّائِي: ((إِنَّمَا الْبشر رَوْضَة فَإِذا ... كَانَ [ربوة] فروضة وغدير)) قَوْله: ﴿يحبرون﴾ أَي: يكرمون وينعمون، وَمِنْه ثوب الْخِبْرَة لحسنة، وَعَن يحيى ابْن كثير قَالَ: يحبرون: هُوَ السماع فِي الْجنَّة. وَذكر ابْن قُتَيْبَة معنى قَوْله: ﴿يحبرون﴾ أَي: يسرون.

الروم 30:16

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما الَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا ولقاء لآخرة﴾ أَي: الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك فِي الْعَذَاب محضرون﴾ أَي: معذبون.

الروم 30:17

قَوْله: ﴿فسبحان الله﴾ بَينا أَن سُبْحَانَ الله: تَنْزِيه الله، وتبرئته عَن كل سوء. وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: هُوَ اسْم مُمْتَنع لَا يَنْتَحِلهُ مَخْلُوق. وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله﴾ أَي: سبحوا الله، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كل سبْحَة فِي الْقُرْآن فَهِيَ فِي معنى الصَّلَاة. وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن لنَبِيّ سُئِلَ عَن أفضل الْكَلَام فَقَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " كلمتان خفيفتان على اللِّسَان، ثقيلتان فِي الْمِيزَان، حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيم ". وَهَذَا آخر خبر ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح. قَالَ رَضِي الله عَنهُ: حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث من لَفظهَا كَرِيمَة بنت أَحْمد بِمَكَّة، قَالَت: أخبرنَا أَبُو الْهَيْثَم، أخبرنَا الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة. . الْخَبَر. وَفِي بعض الْآثَار: " أَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ صَلَاة أهل السَّمَوَات وَصَلَاة الْخلق كلهم ". وَقَوله: ﴿حِين تمسون﴾ أَي: تدخلون فِي الْمسَاء. وَقَوله: ﴿وَحين تُصبحُونَ﴾ أَي: تدخلون فِي الصَّباح.

الروم 30:18

وَقَوله: ﴿وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ الضَّحَّاك: الْحَمد لله رِدَاء الرَّحْمَن. وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي لما رفع رَأسه من الرُّكُوع قَالَ: " سمع الله لمن حَمده، رَبنَا لَك الْحَمد، ملْء السَّمَوَات وملء الأَرْض، وملء مَا بَينهمَا، وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد، أهل الثَّنَاء وَالْمجد، أَحَق مَا قَالَ العَبْد، وكلنَا لَك عبد، لَا مَانع لما أَعْطَيْت، وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد ". وَقَوله: ﴿وعشيا﴾ أَي: صلوا لله عشيا. وَقَوله: ﴿وَحين تظْهرُونَ﴾ أَي: تدخلون فِي الظّهْر، وَفِي الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَوْقَات الصَّلَاة الْخمس، فَقَوله: ﴿حِين تمسون﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَوله: ﴿حِين تُصبحُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الصُّبْح، وَقَوله: ﴿وعشيا﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر. وَقَوله: ﴿وَحين تظْهرُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الظّهْر.

الروم 30:19

قَوْله تَعَالَى: ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ من قبل؛ وَهُوَ إِخْرَاج الْبَيْضَة من الدَّجَاجَة، وَإِخْرَاج الدَّجَاجَة من الْبيض، وَإِخْرَاج الْكَافِر من الْمُؤمن، وَالْمُؤمن من الْكَافِر، وَغير ذَلِك. وَقَوله: ﴿ويحيي الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ أَي: كَمَا أَحْيَا الأَرْض بعد مَوتهَا كَذَلِك يُحْيِيكُمْ بعد موتكم، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ تخرجُونَ﴾ . وَقَالَ بَعضهم: يخرج البليد من الفطن، والفطن من البليد. وروى الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار: " أَن النَّبِي دخل على بعض نِسَائِهِ وَعِنْدهَا خالدة بنت الْأسود بن عبد يَغُوث: فَقَالَ: من هَذِه؟ قَالُوا: هِيَ خالدة بنت الْأسود بن يَغُوث. فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت، وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ "، وَكَانَت الْمَرْأَة صَالِحَة، وأبوها كَانَ كَافِرًا.

الروم 30:20

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خَلقكُم من تُرَاب﴾ أَي: خلق أصلكم من تُرَاب؛ وَهُوَ آدم صلوَات الله عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ أَي: تجيئون وَتَذْهَبُونَ، وَيُقَال: (تنتشطون) .

الروم 30:21

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: خلق حَوَّاء من ضلع آدم، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: خلق من أمثالكم أَزْوَاجًا لكم، وَالنِّسَاء من جنس الرِّجَال؛ لأَنهم جَمِيعًا من بني آدم. وَقَوله: ﴿لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخلق مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا﴾ أَي: ليأنس بهَا. وَقَوله: ﴿وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾ الْمَوَدَّة: الْحبّ والعطف، وَقد يتَّفق بَين الزَّوْجَيْنِ من الْعَطف والمودة مَا لَا يتَّفق بَين الْأَقَارِب. وَعَن مُجَاهِد وَالْحسن وَعِكْرِمَة أَنهم قَالُوا: الْمَوَدَّة: الوطئ، وَالرَّحْمَة: الْوَلَد. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ التفكر: هُوَ طلب الْمَعْنى من الْأَشْيَاء فِيمَا يتَعَلَّق بِالْقَلْبِ.

الروم 30:22

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة هُوَ اخْتِلَاف اللُّغَات؛ فللفرس لُغَة، وللروم لُغَة، وللترك لُغَة، وللعرب لُغَة، وَمَا أشبه هَذَا. وَذكر كَعْب الْأَحْبَار أَن الله تَعَالَى قسم اثْنَتَيْنِ وَسبعين لُغَة بَين النَّاس، فلولد سَام [تسع عشرَة] لُغَة ولولد حام [سبع عشرَة] لُغَة، وَالْبَاقِي لولد يافث. وَأما اخْتِلَاف الألوان فَهُوَ أَن هَذَا أَحْمَر، وَهَذَا أسود، وَهَذَا أَبيض، مَا أشبه هَذَا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة هُوَ اخْتِلَاف النغمات، فَلَا يتَّفق لاثْنَيْنِ نَغمَة وَاحِدَة، وَاخْتِلَاف الألوان مَعْلُوم بَين النَّاس، وَإِن كَانَ كلهم بيضًا أَو سُودًا، فَلَا يتَّفق لونان من جَمِيع الْوُجُوه. وَفِيه حِكْمَة عَظِيمَة، وَهُوَ أَنه لَو اتّفقت الألوان والأسنة [لبطل] التَّمْيِيز، فَلم يعرف الْأَب ابْنه، وَالِابْن أَبَاهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْأُخوة والأزواج وَجَمِيع النَّاس. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾ قَرَأَ حَفْص بن عَاصِم: " للْعَالمين " هُوَ جمع عَالم، وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: " للْعَالمين " يَعْنِي: الْجِنّ وَالْإِنْس وَجَمِيع الْخلق.

الروم 30:23

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته منامكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وابتغاؤكم من فَضله﴾ أَي: منامكم بِاللَّيْلِ، وابتغاؤكم من فَضله بِالنَّهَارِ. وَيُقَال مَعْنَاهُ: وَمن آيَاته منامكم [واشتغالكم] من فضل الله بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يسمعُونَ﴾ أَي: يسمعُونَ مَا يذكر لَهُم من هَذِه الْآيَات.

الروم 30:24

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق﴾ مَعْنَاهُ: من آيَاته أَنه يريكم الْبَرْق، وَقد بَينا وَجه القَوْل فِي الْبَرْق. وَعَن بَعضهم قَالَ: إِذا أبرقت السَّمَاء أَرْبَعِينَ برقة فَلَا يخلفه أَي: لَا يتَأَخَّر الْمَطَر، قَالَ الشَّاعِر: (لَا يكن (برقا كبرق) خلبا ... إِن خير الْبَرْق [مَا] الْغَيْث مَعَه) وَقَوله: ﴿خوفًا وَطَمَعًا﴾ أَي: خوفًا للْمُسَافِر، وَطَمَعًا للحاضر، وَيُقَال: خوفًا من الصَّوَاعِق، وَطَمَعًا فِي الْغَيْث. وَقَوله: ﴿وَينزل من السَّمَاء مَاء فيحيي بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

الروم 30:25

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: تَكُونَا بأَمْره، وَالْقَوْل الثَّانِي: يَدُوم قيامهما بأَمْره) . وَقد أَقَامَ السَّمَاء بِغَيْر عمد ودام ذَلِك إِلَى وقته الْمُسَمّى، وَهُوَ بأَمْره. وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض﴾ قيل: إِن الدعْوَة من صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، وَيُقَال: هِيَ من السَّمَاء. والدعوة: هِيَ دَعْوَة إسْرَافيل. وَقَوله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: يدعوكم أَن تخْرجُوا من الأَرْض، وَهَذَا على القَوْل الَّذِي يَقُول إِن الدعْوَة من السَّمَاء. وَقَوله: ﴿إِذا أَنْتُم تخرجُونَ﴾ قد ذكرنَا.

الروم 30:26

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون﴾ أَي: مطيعون، وَيُقَال: مقربون بالعبودية. وَقَوله: ﴿وَله﴾ أَي: وَله ملكا وخلقا. فَإِن قيل: إِذا حملنَا الْقُنُوت على الطَّاعَة فَلَيْسَ كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يطيعونه! وَالْجَوَاب: أَنه لَيست الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى طَاعَة الْعِبَادَة، إِنَّمَا الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى الانقياد بذل كل شَيْء لما خلق لَهُ.

الروم 30:27

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق﴾ أَي: ينشئ الْخلق ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَي: يُحْيِيكُمْ بعد مَا يميتهم. وَقَوله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ وَالله لَا يشْتَد عَلَيْهِ شَيْء؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ أَي: هُوَ هَين عَلَيْهِ. وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَهُوَ عَلَيْهِ هَين ". قَالَ الفرزدق شعرًا: (إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول) ((بَيت) زُرَارَة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشل) وَقَوله: أعز وأطول أَي عزيزة طَوِيلَة، وَقَالَ آخر: (لعمرك لَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول) أَي: (لوجل) . وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن مَعْنَاهُ: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ على مَا يَقع فِي عُقُولهمْ؛ فَإِن الَّذِي يَقع فِي عقول الْخلق أَن الْإِعَادَة أَهْون من الْإِنْشَاء، وَيُقَال مَعْنَاهُ: هُوَ أَهْون على الْخلق؛ لِأَن من ابْتَدَأَ شَيْئا مِمَّا يشق عَلَيْهِ، فَإِذا (أعَاد) ثَانِيًا يكون أسهل وأهون. وَقَوله: ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى﴾ أَي: الصّفة الْأَعْلَى، وَالصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا شريك لَهُ وَلَيْسَ كمثله شَيْء، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ قَتَادَة: الصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: هَذِه صفة لَهُ عِنْد أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز من حَيْثُ الانتقام، الْحَكِيم من حَيْثُ التَّدْبِير.

الروم 30:28

قَوْله تَعَالَى: ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم﴾ أَي: شبها من مثالكم، ثمَّ ذكر الشّبَه فَقَالَ: ﴿هَل لكم من مَا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم﴾ وَمَعْنَاهُ: هَل لكم فِي أَمْوَالكُم شُرَكَاء من عبيدكم يساونكم فِيهَا؟ فَإِذا لم ترضوا بِهَذَا لأنفسكم فَكيف ترضونه لي وتصفونني بِهِ؟ . وَقَوله: ﴿فِيمَا رزقناكم﴾ أَي: فِيمَا أعطيناكم من الرزق وَالْمَال. وَقَوله: ﴿فَأنْتم فِيهِ سَوَاء﴾ إِشَارَة إِلَى مَا قُلْنَا. وَقَوله: ﴿تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم﴾ أَي: تخافون من مشاركتهم لكم فِي أَمْوَالكُم كَمَا تخافون من أمثالكم، وَهُوَ الشَّرِيك الْحر من الشَّرِيك الْحر، وَأَنْفُسكُمْ هُنَا بِمَعْنى أمثالكم، وَفِيه قَول آخر قَالَه سعيد بن جُبَير، وَهُوَ أَن الْآيَة نزلت فِي تَلْبِيَة الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك، لَا شريك لَك إِلَّا شَرِيكا هُوَ لَك، تملكه وَمَا ملك. وَقَوله: ﴿تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم﴾ أَي: تخافونهم فِي اللائمة كَمَا تخافون لائمة أمثالكم. وَقَوله: ﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ أَي: ينظرُونَ إِلَى هَذِه الدَّلَائِل بعقولهم.

الروم 30:29

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم﴾ الْأَهْوَاء جمع الْهوى، والهوى مَا يهواه الْإِنْسَان، وَعَن بَعضهم: الْهوى أعظم معبود. وَقَوله: ﴿بِغَيْر علم﴾ أَي: اتبعُوا أهواءهم جهلا بِمَا لَا [يجب] عَلَيْهِم. وَقَوله: ﴿فَمن يهدي من أضلّ الله﴾ أَي: أضلّهُ الله. ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطرت الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ أَي: يمنعهُم من عذابنا.

الروم 30:30

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا﴾ أَي: أخْلص دينك لله، وَإِقَامَة الْوَجْه هُوَ إِقَامَة الدّين، وَقد بَينا معنى الحنيف. وَقَوله: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ أما نصب الْفطْرَة على الإغراء أَي: الزم فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا، وَاخْتلفُوا فِي هَذِه الْفطْرَة، فَمنهمْ من قَالَ: إِن الْفطْرَة هَاهُنَا بِمَعْنى الدّين. وَقَوله: ﴿فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ أَي: خلق النَّاس عَلَيْهَا، وَيُقَال هَذَا القَوْل عَن ابْن عَبَّاس والكلبي وَمُقَاتِل وَغَيرهم. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ". وَثَبت أَيْضا عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِيمَا يحْكى عَن ربه أَنه قَالَ: " خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين عَن دينهم ". فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا على أصولكم، وعندكم أَن الله تَعَالَى خلق النَّاس صنفين: مُؤمنين، وكافرين؟ هَذِه الْآيَة وَالْأَخْبَار تدل على أَن الله تَعَالَى خلق عباده مُؤمنين؛ وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن الله تَعَالَى أخرج ذُرِّيَّة آدم من صلبه، وخاطبهم بقوله: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ فأقروا بالعبودية وَالْإِيمَان، فَالنَّاس يولدون على ذَلِك، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن أهل الْعلم اخْتلفُوا فِي هَذَا، فَحكى النّحاس فِي تَفْسِيره عَن ابْن الْمُبَارك: أَن الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ خَاصَّة، وَحكى أَبُو (عبيد) فِي غَرِيب الحَدِيث عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه قَالَ: هَذَا قبل نزُول الْأَحْكَام وَالْأَمر بِالْجِهَادِ، كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن الْآيَة مَنْسُوخَة، ثمَّ ذكر النّحاس أَن كلا الْمَعْنيين ضَعِيف. أما [مَا] ذكره ابْن الْمُبَارك فَهُوَ مُجَرّد تَخْصِيص، وَلَيْسَ عَلَيْهِم دَلِيل، وَأما مَا ذكره مُحَمَّد بن الْحسن فَهُوَ إِثْبَات النّسخ فِي الْأَخْبَار، وَالْأَخْبَار لَا يرد عَلَيْهَا النّسخ، وَالصَّحِيح فِي معنى الْآيَة وَالْخَبَر أَن معنى الْفطْرَة هُوَ أَن كل إِنْسَان يُولد على أَنه مَتى سُئِلَ: من خلقك؟ فَيَقُول: الله خلقني، هُوَ الْمعرفَة الَّتِي تقع فِي أصل الْخلقَة. قَالَ أَبُو (عبيد) الْهَرَوِيّ: وَهُوَ معرفَة الغريزة والطبيعة، وَإِلَى هَذَا وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خَلقكُم ليقولون الله﴾ وَبِهَذَا الْقدر لَا يحصل الْإِيمَان الْمَأْمُور بِهِ، فَالنَّاس خلقُوا على هَذِه الْفطْرَة، وَأما حَقِيقَة الْإِيمَان وَحَقِيقَة الْكفْر فَالنَّاس من ذَلِك على قسمَيْنِ على مَا ورد بِهِ الْكتاب وَالسّنة. قَالَ الزّجاج والنحاس: وَهَذَا قَول أهل السّنة. وَهَذَا القَوْل اخْتِيَار ابْن قُتَيْبَة أَيْضا. وَقَوله: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ على هَذَا القَوْل أَي: لَا أحد يرجع إِلَى نَفسه إِلَّا وَيعلم أَن لَهُ إِلَهًا وخالقا. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: هُوَ أَن فطْرَة الله هَاهُنَا بِمَعْنى دين الله، فالخلق يولدون على الْعَهْد الَّذِي أَخذ عَلَيْهِم يَوْم لميثاق، وَهُوَ فطْرَة الله، وَهَذَا القَوْل حُكيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة. وَقد ورد فِي الْخَبَر الَّذِي روينَا، وَهُوَ قَوْله: " كل مَوْلُود يُولد على افطرة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء "؟ ! قَالَ: اقْرَءُوا إِن شِئْتُم: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ . قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث على الْفظ مُحَمَّد بن. عبد الله بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد، قَالَ: أخبرنَا أَبُو سهل عبد الصَّمد بن عبد الرَّحْمَن الْبَزَّار، أخبرنَا الغدافري، أخبرنَا الدبرِي، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي. . الحَدِيث. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ مَا روى أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ فِي الغريبين عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: قَوْله: " على الْفطْرَة " أَي: على ابْتِدَاء الْخلقَة الَّتِي فطر عَلَيْهَا الْإِنْسَان فِي الرَّحِم من سَعَادَة أَو شقاوة، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ يَعْنِي: فِي حكم الدُّنْيَا. وَقد صحّح كثير من أهل الْمعَانِي مَا ذَكرْنَاهُ من قبل، وَهُوَ أَن الْآيَة فِي الْمُسلمين خَاصَّة، وَهُوَ عُمُوم بِمَعْنى الْخُصُوص. وَقَوله: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: مَا بَينا من قبل، وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا تَبْدِيل لخلق الله أَي: لَا يَنْقَلِب السعيد شقيا، وَلَا الشقي سعيدا إِذا خلق على أَحدهمَا. وَالْقَوْل الثَّالِث: لَا تَبْدِيل لخلق الله أَي: لَا أحد يَثِق مثل خلق الله، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا خَالق غَيره. وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: لَا تَبْدِيل لخلق الله: هُوَ تَحْرِيم الإخصاء. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، مِنْهُم من حرم فِي الْكل، وَمِنْهُم من أَبَاحَ فِي جَمِيع الْبَهَائِم سوى الْآدَمِيّ، وَمِنْهُم من أَبَاحَ فِي جَمِيع الْبَهَائِم سوى الْفرس؛ لِأَن فِيهِ قطع النَّسْل، والنسل يقْصد فِي الْخَيل مَا لَا يقْصد فِي غَيره. وروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " خير المَال سكَّة مأبورة، وَفرس مأمورة ". وَالسِّكَّة الْمَأْبُورَة هِيَ النّخل المصطفة الَّتِي قد أبرت، وَالْفرس الْمَأْمُورَة كَثِيرَة النِّتَاج. وَأما إِذا حملنَا الْفطْرَة على الدّين فَقَوله: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ خبر بِمَعْنى الْأَمر، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تبدلوا دين الله. وَقد ورد فِي الْخَيْر: الْفطْرَة بِمَعْنى كلمة الْإِسْلَام. روى الْبَراء بن عَازِب أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا أَخذ أحدكُم مضجعه ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إِلَيْك، وفوضت امري إِلَيْك، وألجأت ظَهْري إِلَيْك، لَا ملْجأ وَلَا منجا مِنْك إِلَّا إِلَيْك، آمَنت بكتابك الَّذِي أنزلت، وبنبيك الَّذِي أرْسلت، قَالَ: فَإِن مَاتَ مَاتَ على الْفطْرَة ". وَقد وَردت الْفطْرَة بِمَعْنى السّنة، وَذَلِكَ فِي الْخَبَر الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عشر من الْفطْرَة " أَي: من السّنة الْخَبَر. وَقَوله: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ أَي: الدّين الْمُسْتَقيم، وَيُقَال: الْحساب الْمُسْتَقيم. وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وأنشدوا فِي الْفطْرَة قَول كَعْب بن مَالك شعرًا: (إِن تقتلونا فدين الله فطرتنا ... وَالْقَتْل فِي الْحق عِنْد الله تَفْضِيل)

الروم 30:31

قَوْله تَعَالَى: ﴿منيبين إِلَيْهِ أَي: اتبعُوا دين الله {منيبين إِلَيْهِ﴾ أَي: رَاجِعين [إِلَيْهِ] . قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: رَاجِعين إِلَى الله بصلاتكم وَأَعْمَالكُمْ. وَعَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ أَنه قَالَ: الْمُنِيب هُوَ الَّذِي يمشي على الأَرْض وَقَلبه عِنْد الله. فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿منيبين﴾ وَقد خَاطب غب الِابْتِدَاء وَاحِدًا، وَهُوَ الرَّسُول بقوله: ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا﴾ ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ، أَن قَوْله: ﴿فأقم وَجهك﴾ أَي: فأقم وَجهك وَأمتك مَعَك منيبين إِلَى الله، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: اتبعُوا الدّين الْقيم منيبين إِلَى الله. وَقَوله: ﴿واتقوه وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين﴾ أَي: الجاحدين.

الروم 30:32

قَوْله تَعَالَى: ﴿من الَّذين فارقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا﴾ أَي: تركُوا دينهم، وَقُرِئَ: " فرقوا دينهم " أَي: تفَرقُوا فِي دينهم. وَفِي الْآيَة أَقُول، أظهر الْأَقَاوِيل: أَن المُرَاد مِنْهُم الْيَهُود وَالنَّصَارَى. وَقد روى فِي بعض الْأَخْبَار: " أَن الْيَهُود افْتَرَقُوا على إِحْدَى وَسبعين فرقة، وَالنَّصَارَى افْتَرَقُوا على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة، وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة، كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة ". وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من الْآيَة هم الْخَوَارِج، حكى هَذَا عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن المُرَاد من الْآيَة أهل الْأَهْوَاء والبدع، وَقد روى هَذَا فِي خبر مُسْند عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن النَّبِي قَالَ لَهَا: " إِن الَّذين فارقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا هم أهل الْأَهْوَاء والبدع من هَذِه الْأمة، يَا عَائِشَة، إِن لكل قوم تَوْبَة إِلَّا أهل الْأَهْوَاء والبدع فَلَيْسَ لَهُم تَوْبَة، أَنا مِنْهُم برِئ، وهم مني برَاء ". وَقَوله: ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ أَي: راضون بِمَا عِنْدهم. وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: الحزب بِمَعْنى النَّاصِر، قَالَ الشَّاعِر: (أم كَيفَ أخنوا وبلال حزبي ... ) أَي: ناصري

الروم 30:33

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مس النَّاس ضرّ﴾ أَي: شدَّة. وَقَوله: ﴿دعوا رَبهم منيبين إِلَيْهِ﴾ أَي: منقلبين إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ، وَمَعْنَاهُ: أَنهم إِذا وَقَعُوا فِي الشدَّة تركُوا دُعَاء الْأَصْنَام، ودعوا الله وَحده. وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا أذاقهم مِنْهُ رَحْمَة﴾ أَي: كشف الشدَّة عَنْهُم برحمته. وَقَوله: ﴿إِذا فريق مِنْهُم برَبهمْ يشركُونَ﴾ أَي: عَادوا إِلَى رَأس شركهم.

الروم 30:34

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم﴾ قد بَينا من قبل. وَقَوله: ﴿فتمتعوا فَسَوف تعلمُونَ﴾ صُورَة أَمر بِمَعْنى التهديد، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وليتمتعوا فَسَوف يعلمُونَ ".

الروم 30:35

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا﴾ أَي: حجَّة وعذرا، وَيُقَال: أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا أَي: كتابا ينْطق بشركهم، وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُوَ يتَكَلَّم بِمَا كَانُوا بِهِ يشركُونَ﴾ .

الروم 30:36

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة﴾ أَي: الخصب وَكَثْرَة الْمَطَر، وَيُقَال: الْأَمْن والعافية. وَقَوله: ﴿فرحوا بهَا﴾ الْفَرح هَاهُنَا فَرح البطر وَترك الشُّكْر. وَقَوله: ﴿إِن تصبهم سَيِّئَة﴾ أَي: الجدب وَقلة الْمَطَر، وَيُقَال: الْخَوْف وَالْبَلَاء. وَقَوله: ﴿بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ يَعْنِي: من الذُّنُوب. وَقَوله: ﴿إِذا هم يقنطون﴾ أَي: ييأسون، وَهَذَا عَلامَة غير الْمُؤمنِينَ، فَأَما عَلامَة الْمُؤمنِينَ فَهُوَ شكر الله عِنْد النِّعْمَة، ورجاء الْكَشْف عِنْد الشدَّة.

الروم 30:37

وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا أَن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء﴾ . وَقَوله: ﴿وَيقدر﴾ أَي: يضيق. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون.

الروم 30:38

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد من إيتَاء ذِي الْقُرْبَى هَاهُنَا صلَة الرَّحِم بِالْعَطِيَّةِ والهدية، وَقَالَ قَتَادَة: من لم يُعْط قرَابَته، وَيَمْشي إِلَيْهِ برجليه فقد قطع رَحمَه. وَقد حمل بَعضهم الْآيَة على إِعْطَاء ذَوي قربى الرَّسُول. قَوْله: ﴿والمسكين﴾ أَي: الطّواف. وَقَوله: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ أَي: الْمُسَافِر، وَقيل: الضَّيْف. وَقد صَحَّ أَن النَّبِي قَالَ: " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه ". وروى عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ: " الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام، وجائزته يَوْم وَلَيْلَة ". قَالَ مَالك: وَمعنى الْجَائِزَة أَنه يتَكَلَّف لَهُ فِي يَوْم وَلَيْلَة، وَأما مَا سوى ذَلِك فَيقدم إِلَيْهِ مَا حضر. وَقَوله: ﴿ذَلِك خير للَّذين يُرِيدُونَ وَجه الله﴾ أَي: يطْلبُونَ رضَا الله عَنهُ. وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي: الفائزون.

الروم 30:39

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتيتم من رَبًّا ليربوا فِي أَمْوَال النَّاس﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير أَن المُرَاد من الْآيَة هُوَ أَن يُعْطي الرجل غَيره عَطِيَّة ليعطيه أَكثر مِنْهَا، وَهَذَا جَائِز للنَّاس أَن يَفْعَلُوا غير أَنه فِي الْقِيَامَة لَا يُثَاب عَلَيْهِ، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَلَا يربوا عِنْد الله﴾ وَقد كَانَ هَذَا الْفِعْل حَرَامًا على النَّبِي، قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: ﴿وَلَا تمنن تستكثر﴾ أَي: لَا تعط وتطلب أَن تُعْطى أَكثر مِمَّا أَعْطَيْت. وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: كَانَ الرجل يعْطى صديقه مَالا ليكْثر مَال الصّديق، وَلَا (يرد) بِهِ وَجه الله، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة. وَقُرِئَ " لتربوا فِي أَمْوَال النَّاس " من أَمْوَال النَّاس " فَلَا يربوا عِنْد الله " أَي: لَا يكثر عِنْد الله. وَقَوله: ﴿وَمَا آتيتم من زَكَاة﴾ أَي: صَدَقَة. وَقَوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجه الله﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك هم المضعفون﴾ أَي: ذُو الْأَضْعَاف. تَقول الْعَرَب: الْقَوْم مسمنون ومهزلون وملبنون، وَالْمعْنَى مَا بَينا. قَالَ الشَّاعِر: ((يُخْبِرهُمْ على حذر وَقَالَت ... بنى (معلكم) بِظِل مسيف) أَي: ذُو سيف.

الروم 30:40

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الْآيَة ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿هَل من شركائكم من يفعل من ذَلِكُم من شئ﴾ أَي: مثل ذَلِكُم من شئ. وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ قد بَينا من قبل.

الروم 30:41

قَوْله تَعَالَى: ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ فِي الْآيَة أَقُول: أَحدهَا: مَا روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْفساد فِي الْبر هُوَ قتل أحد ابْني آدم أَخَاهُ، وَالْفساد فِي الْبَحْر هُوَ غصب الْملك السَّفِينَة، فكلاهما فِي الْقُرْآن. وَعَن الضَّحَّاك قَالَ: كَانَت الأَرْض خضرَة زهرَة نَضرة مؤنقة، وَكَانَ لَا يَأْتِي ابْن آدم شَجَرَة إِلَّا وجد عَلَيْهَا ثَمَرَة، وَكَانَ مَاء الْبَحْر عذبا، وَكَانَ لَا يقْصد الْأسد الْبَقر وَالْغنم، وَلَا السنور الْفَأْرَة، وَمَا أشبه ذَلِك، فَلَمَّا قتل أحد بني آدم أَخَاهُ اقشعرت الأَرْض وشاكت الْأَشْجَار، وَصَارَ مَاء الْبَحْر ملحا زعاقا، وَقصد الْحَيَوَانَات بَعْضهَا بَعْضًا. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن المُرَاد من الْفساد فِي الْبر هُوَ الجدوبة والقحط، وَالْفساد فِي الْبَحْر قلَّة الْمَطَر، فَإِن قيل: وَأي فَسَاد بقلة الْمَطَر فِي الْبَحْر وَالْبر؟ قُلْنَا: أما فِي الْبر فظهور الشدَّة والقحط، وَأما فِي الْبَحْر فقد قَالُوا: إِنَّه إِذا لم يَأْتِ الْمَطَر فِي الْبَحْر عميت دَوَاب الْبَحْر، وَيُقَال: إِذا لم يَأْتِ الْمَطَر فِي الْبَحْر خلت أَجْوَاف الأصداف من اللُّؤْلُؤ، فَإِن الصدف إِذا جَاءَ الْمَطَر يرْتَفع إِلَى وَجه الْبَحْر، وَيفتح فَاه، فَمَا يَقع فِيهِ يصير لؤلؤا. وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْآيَة - وَهُوَ الْأَظْهر - أَن الْبر هُوَ الْبَوَادِي والمفازة، وَالْبَحْر هُوَ الْقرى والأمصار، وَالْعرب تسمى كل قَرْيَة أَو مصر على مَاء جَار بحرا. وَقَوله: ﴿بِمَا كسبت أَيدي النَّاس﴾ أَي: بِمَا أذنبوا، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء﴾ . وَقَوله: ﴿ليذيقهم بعض الَّذِي عمِلُوا لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: يرجعُونَ إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ.

الروم 30:42

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبل﴾ أَي: آخر أَمر الَّذين كَانُوا من قبل. وَقَوله: ﴿كَانَ أَكْثَرهم مُشْرِكين﴾ أَي: بِاللَّه.

الروم 30:43

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأقم وَجهك للدّين الْقيم﴾ أَي: اقصد جِهَة الدّين الْقيم، وَقيل: سدد عَمَلك للدّين الْقيم، وَيُقَال: اسْتَقِم على الدّين الْقيم. وَقَوله: ﴿من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا مرد لَهُ﴾ أَي: الْقِيَامَة لَا يقدر أحد على رده من الله. وَقَوله: ﴿يَوْمئِذٍ يصدعون﴾ أَي: يتفرقون فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير. قَالَ الشَّاعِر: (وَكُنَّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا) أَي: لن يَتَفَرَّقَا.

الروم 30:44

وَقَوله تَعَالَى: ﴿من كفر فَعَلَيهِ كفره﴾ أَي: وبال كفره. وَقَوله: ﴿وَمن عمل صَالحا فلأنفسهم يمهدون﴾ أَي: موطئون الْمضَاجِع، وَيُقَال: يبسطون الْفرش، قَالَ الشَّاعِر: (أمهد لنَفسك حَان السقم والتلف ... وَلَا تضيعن نفسا مَا لَهَا خلف)

الروم 30:45

وَقَوله: ﴿ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات من فَضله إِنَّه لَا يحب الْكَافرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

الروم 30:46

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن يُرْسل الرِّيَاح مُبَشِّرَات﴾ الرّيح: جسم رَقِيق يجْرِي فِي الجو يَمِينا وَشمَالًا على مَا دبر من حركاته فِي جهاته مُمْتَنع الْقَبْض عَلَيْهِ للطفه. وَعَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: الرِّيَاح أَرْبَعَة للرحمة، وَأَرْبَعَة للعذاب، وجملتها ثَمَانِيَة: فالتي للرحمة: الْمُبَشِّرَات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، وَالَّتِي للعذاب: الْعَقِيم، والصرصر فِي الْبر، والعاصف، والقاصف فِي الْبَحْر. وَقَوله: ﴿وليذيقكم من رَحمته﴾ أَي: الْمَطَر، وَيُقَال: طيب الرّيح ولذتها. وَقَوله: ﴿ولتجري الْفلك بأَمْره﴾ أَي: لتجري الْفلك فِي الْبَحْر بِهَذِهِ الرِّيَاح بأَمْره. وَقَوله: ﴿ولتبتغوا من فَضله﴾ أَي: لتطلبوا من فضل الله تَعَالَى بالتجارات فِي الْبَحْر. وَقَوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ يَعْنِي: تشكرون الله تَعَالَى.

الروم 30:47

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا من قبلك رسلًا إِلَى قَومهمْ فجاءوهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات. وَقَوله: ﴿فانتقمنا من الَّذين أجرموا﴾ أَي: أجرموا بالتكذيب. وَقَوله: ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: نصْرَة الْمُؤمنِينَ بإنجائهم، وَقيل: نصْرَة الْمُؤمنِينَ بالذب عَنْهُم، وَدفع الْعَذَاب [عَنْهُم] . وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة أم الدَّرْدَاء أَن النَّبِي قَالَ: " من ذب عَن غَرَض أَخِيه الْمُسلم كَانَ حَقًا على الله أَن يرد عَنهُ النَّار يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ ".

الروم 30:48

وَقَوله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح فتثير سحابا﴾ أَي: ينشر السَّحَاب، وَفِي بعض التفاسير أَن الله تَعَالَى يُرْسل ريحًا فتقم الأَرْض قما، ثمَّ يُرْسل ريحًا فتدر السَّحَاب بالمطر، فَهَذَا معنى الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فيبسطه فِي السَّمَاء كَيفَ يَشَاء﴾ أَي: مسيرَة يَوْم ومسيرة يَوْمَيْنِ وَأكْثر على مَا يَشَاء. وَقَوله: ﴿ويجعله كسفا﴾ أَي: قطعا. وَقَوله: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ قَرَأَ الضَّحَّاك " " من خلله "، والودق: الْمَطَر، قَالَ الشَّاعِر: (فَلَا مزنة ودقت ودقها ... وَلَا أَرض أبقل إبقالها) وَقيل: الودق: هُوَ الْبَرْق، وَالْأول أظهر. وَقَوله: ﴿فَإِذا أصَاب بِهِ من يَشَاء من عباده إِذا هم يستبشرون﴾ أَي: يبشر بَعضهم بَعْضًا.

الروم 30:49

وَقَوله: ﴿وَإِن كَانُوا من قبل أَن ينزل عَلَيْهِم من قبله لمبلسين﴾ أَي: آيسين. وَفِي حرف ابْن مَسْعُود: " وَإِن كَانُوا من قبل أَن ننزل عَلَيْهِم من قبله لمبلسين ". فَإِن قيل: فَمَا معنى تكْرَار قَوْله: ﴿من قبل﴾ هَاهُنَا، وَأي فَائِدَة فِيهِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه على طَرِيق التَّأْكِيد وَهُوَ قَول أَكثر أهل النَّحْو، وَالْعرب تفعل كثيرا مثل هَذَا. وَالثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: من قبل: السَّحَاب، " وَمن قبل، إِنْزَال الْمَطَر؛ فأحدهما يرجع إِلَى إِنْزَال الْمَطَر، والأخر يرجع إِلَى إنْشَاء السَّحَاب.

الروم 30:50

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْظُر إِلَى آثَار رَحْمَة الله﴾ وَقُرِئَ: " أثر رَحْمَة الله " والْآثَار جمع الْأَثر، والأثر بِمَعْنى الْآثَار. وَقَوله: ﴿كَيفَ يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ أَي: كَيفَ يحيي الله الأَرْض بالمطر بعد مَوتهَا؟ فَهُوَ يحيي الْمَوْتَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقد قَالَ بَعضهم: يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا أَي: الْقُلُوب الغافلة بِنور الْعلم وَالْيَقِين وَالتَّفْسِير. وَقَوله: ﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ أَي: قَادر.

الروم 30:51

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أرسلنَا ريحًا فرأوه مصفرا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: رَأَوْا الرّيح مصفرا، وَإِذا كَانَ الرّيح على هَذَا الْوَجْه لم ينفع. وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ الْمَعْرُوف فرأوه مصفرا أَي: رَأَوْا الزَّرْع مصفرا. وَقَوله: ﴿لظلوا من بعده يكفرون﴾ يُقَال: ظلّ فلَان يفعل كَذَا أَي: جعل يفعل كَذَا وَهُوَ مثل قَوْلهم: أضحى فلَان يفعل كَذَا، إِلَّا أَن قَوْله ظلّ يفعل فِي الْعَادة تسْتَعْمل فِي جَمِيع النَّهَار، وَقَوله أضحى تسْتَعْمل فِي أول النَّهَار. وَقَوله: ﴿يكفرون﴾ أَي: يجحدون، وَقيل: يكفرون النِّعْمَة.

الروم 30:52

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ أَي: الْكفَّار، وجعلهم بِمَنْزِلَة الْمَيِّت؛ لأَنهم لم ينتفعوا بحياتهم. وَقَوله: ﴿وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء﴾ جعلهم بِمَنْزِلَة الصم؛ لأَنهم لم ينتفعوا بأسماعهم. وَقَوله: ﴿إِذا ولوا مُدبرين﴾ أَي: معرضين، فَإِن قيل: الْأَصَم لَا يسمع سَوَاء أقبل أَو أدبر، فأيش معنى هَذَا الْكَلَام؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: إِذا كَانَ مُقبلا إِن لم يسمع يفهم بِالْإِشَارَةِ، وَإِذا كَانَ مُدبرا لم يسمع وَلَا يفهم بِالْإِشَارَةِ.

الروم 30:53

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بهاد الْعمي عَن ضلالتهم﴾ أَي: بصارف الْعمي عَن ضلالتهم، والعمي هم الْكفَّار. وَيُقَال: بمرشد الْعَمى من ضلالتهم. وَقَوله: ﴿إِن تسمع إِلَّا من يُؤمن بِآيَاتِنَا﴾ أَي: مَا تسمع إِلَّا من يُؤمن بِآيَاتِنَا. وَقَوله: ﴿فهم مُسلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

الروم 30:54

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف﴾ وَقُرِئَ: " من ضعف " بِالْفَتْح وَالضَّم جَمِيعًا، وهما بِمَعْنى وَاحِد. وَالْأولَى " من ضعف " بِالضَّمِّ لما رُوِيَ عَن عَطِيَّة أَنه قَالَ: " قَرَأت على عبد الله بن عمر هَذِه الْآيَة، فقرات: " من ضعف " بِالنّصب، فَقَالَ: " من ضعف " بِالضَّمِّ، وَقَالَ: أَخذ على رَسُول الله كَمَا أَخَذته عَلَيْك ". وَقَوله: ﴿من ضعف﴾ أَي: من مَاء مهين، وَقيل: من ذِي ضعف. وَقَوله: ﴿ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة﴾ أَي: شبَابًا، وَهُوَ وَقت الْقُوَّة. وَقَوله: ﴿ثمَّ جعل من بعد قُوَّة ضعفا وَشَيْبَة﴾ وَهُوَ الْهَرم والشيب، [والشيب] : نَذِير الْمَوْت، قَالَ الشَّاعِر: (رَأَيْت الشيب من نذر المنايا ... لصَاحبه وحسبك من نَذِير) وَقَوله: ﴿يخلق مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيم الْقَدِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

الروم 30:55

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يقسم المجرمون﴾ أَي: يحلف المجرمون. وَقَوله: ﴿مَا لَبِثُوا غير سَاعَة﴾ أَي: فِي قُبُورهم، وَقيل: فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك من هول مَا رَأَوْا من الْقِيَامَة؛ فنسوا مَا كَانَ قبل ذَلِك. وَقَوله: ﴿كَذَلِك كَانُوا يؤفكون﴾ أَي: يصرفون عَن الْحق.

الروم 30:56

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم وَالْإِيمَان لقد لبثتم فِي كتاب الله﴾ أَي: فِي حكم الله وَعلمه، قَالَ الشَّاعِر: (وَمَال لولاء بالبلاء فملتم ... وَمَا ذَاك قَالَ الله [إِذْ] هُوَ يكْتب) أَي: يحكم، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ: وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم فِي كتاب الله وَالْإِيمَان لقد لبثتم إِلَى يَوْم الْبَعْث. وَقَوله: ﴿فَهَذَا يَوْم الْبَعْث﴾ أَي: الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ أَي: لَا تعلمُونَ أَن الْقِيَامَة حق.

الروم 30:57

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَوْمئِذٍ لَا ينفع الَّذين ظلمُوا معذرتهم﴾ أَي: عذرهمْ، والمعذرة: إِظْهَار مَا يسْقط اللائمة. وَقَوله: ﴿وَلَا هم يستعتبون﴾ أَي: لَا يستبانون. وَقيل: لَا يطْلب مِنْهُم العتبى.

الروم 30:58

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد ضربنا للنَّاس فِي هَذَا الْقُرْآن من كل مثل﴾ أَي: من كل شبه. وَقَوله: ﴿وَلَئِن جئتهم بِآيَة ليَقُولن الَّذين كفرُوا إِن أَنْتُم إِلَّا مبطلون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

الروم 30:59

وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ الطَّبْع والختم بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ الَّذِي يمْنَع الْقلب من الْبَصَر. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: ً " أعوذ بِاللَّه من طمع يدني إِلَى طبع "، قَالَ الأعشي: (لَهُ أكاليل بالياقوت فَضلهَا) صواعها لَا ترى عَيْبا وَلَا طبعا)

الروم 30:60

قَوْله تَعَالَى: ﴿فاصبر إِن وعد الله حق﴾ يَعْنِي: وعد الْقِيَامَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يستخفنك الَّذين لَا يوقنون﴾ أَي: لَا يستهجلنك؛ فَإِن الخفة تُؤدِّي إِلَى الْجَهْل، وَمَعْنَاهُ: لَا يحملنك الَّذين لَا يوقنون وأتباعهم فِي الغي، فَأمره الله تَعَالَى بِالصبرِ على الْحق وَترك أتباعهم فِي الضلالات، وَأَن لَا يصغي إِلَى أَقْوَالهم. وَقد رُوِيَ أَن عليا رَضِي الله عَنهُ كَانَ يُصَلِّي مرّة فناداه رجل، وَقَالَ: لَا حكم إِلَّا لله، وَكَانَ الرجل من الْخَوَارِج؛ فَقَرَأَ عَليّ فِي صلَاته: ﴿فاصبر إِن وعد الله حق وَلَا يستخفنك الَّذين لَا يوقنون﴾ .

لقمان 31:1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة لُقْمَان كلهَا مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات نبينها إِذا وصلنا إِلَيْهَا، وَالله أعلم. قَوْله تَعَالَى: ﴿الم تِلْكَ آيَات الْكتاب الْحَكِيم﴾ أَي: الْمُحكم بالحلال وَالْحرَام وَذكر الْأَحْكَام، وَيُقَال: بالوعد والوعيد، وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب. وَقَالَ بَعضهم: الْحَكِيم الَّذِي يبين الْحِكْمَة، كالحكيم الَّذين ينْطق بالحكمة.

لقمان 31:2

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة لُقْمَان كلهَا مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات نبينها إِذا وصلنا إِلَيْهَا، وَالله أعلم. قَوْله تَعَالَى: ﴿الم تِلْكَ آيَات الْكتاب الْحَكِيم﴾ أَي: الْمُحكم بالحلال وَالْحرَام وَذكر الْأَحْكَام، وَيُقَال: بالوعد والوعيد، وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب. وَقَالَ بَعضهم: الْحَكِيم الَّذِي يبين الْحِكْمَة، كالحكيم الَّذين ينْطق بالحكمة.

لقمان 31:3

وَقَوله: ﴿هدى وَرَحْمَة﴾ الْأَكْثَرُونَ قرءوا بِالنّصب، قَالَ الزّجاج: هُوَ نصب على الْحَال. وقرا حَمْزَة: " هدى وَرَحْمَة " أَي: هُوَ هدى وَرَحْمَة، وَمَعْنَاهُ: بَيَان من الضَّلَالَة، وَرَحْمَة من الْعَذَاب. وَقَوله: ﴿للمحسنين﴾ أَي: للْمُسلمين، وَالْمُسلم محسن إِلَى نَفسه، وَقد صَحَّ الْخَبَر أَن النَّبِي سُئِلَ عَن الْإِحْسَان فَقَالَ: " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك ". وَيُقَال: المحسن هُوَ الَّذِي يحب للنَّاس مَا يحب لنَفسِهِ.

لقمان 31:4

وَقَوله: ﴿الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم بِالآخِرَة هم يوقنون﴾ قد بَينا.

لقمان 31:5

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ على هدى من رَبهم﴾ وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي: السُّعَدَاء، وَيُقَال: الناجون، وَقيل: هم الَّذين أدركوا مَا أملوا، ونجوا مِمَّا عَنهُ هربوا.

لقمان 31:6

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ ذكر الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل أَن الْآيَة نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث بن كلدة، وَكَانَ يَأْتِي الْحيرَة فيشتري أَحَادِيث الْعَجم، وَكَانَ النَّبِي إِذا قَرَأَ الْقُرْآن، قَامَ وَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِن مُحَمَّدًا يحدث عَن عَاد وَثَمُود، وَأَنا أحدثكُم عَن رستم واسفنديار والعجم، فَأَنا أحسن حَدِيثا مِنْهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ هَذِه الْآيَة. وروى أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَن لنَبِيّ أَنه قَالَ: " حرَام تَعْلِيم الْمُغَنِّيَات وبيعهن وشرائهن وَأَثْمَانُهُنَّ حرَام، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ وَقَالَ: مَا من رجل رفع عقيرته بِالْغنَاءِ إِلَّا وَيَأْتِي شيطانان، فيقعد أَحدهمَا على كتفه الْأَيْمن، وَالْآخر على كتفه الْأَيْسَر، ويضربان برجلهما على ظَهره وصدره حَتَّى يكون هُوَ يسكت ". وَعَن عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَمُجاهد وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَأكْثر الْمُفَسّرين أَن الْآيَة نزلت فِي الْغناء، وَكَانَ عبد الله بن مَسْعُود يحلف على ذَلِك. وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب. قَالَ إِبْرَاهِيم: وَكَانُوا يسدون أَفْوَاه السكَك ويخرقون الدفوف. وَعَن الضَّحَّاك قَالَ: ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ هِيَ الشّرك بِاللَّه. وَعَن ابْن جريج: هُوَ الطبل. وَفِي الْأَخْبَار المسندة أَن النَّبِي قَالَ: " هُوَ المعازف والقيان ". وَعَن سهل بن عبد الله التسترِي قَالَ: لَهو الحَدِيث هُوَ الْجِدَال فِي الدّين، والخوض فِي الْبَاطِل. وَقَوله: ﴿ليضل عَن سَبِيل الله﴾ أَي: دين الله، وَقُرِئَ " ليضل عَن سَبِيل الله ". بِفَتْح الْيَاء، فَقَوله: ﴿ليضل﴾ أَي: ليضل غَيره. وَقَوله: ﴿ليضل﴾ أَي: ليصير إِلَى الضلال. وَقَوله: ﴿بِغَيْر علم ويتخذها هزوا﴾ أَي: يتَّخذ آيَات الله هزوا، وَيُقَال: يتَّخذ سَبِيل الله هزوا، والسبيل يذكر وَيُؤَنث، قَالَ الشَّاعِر: (تمنى رجال أَن أَمُوت وَإِن أمت ... فَتلك سَبِيل لست فِيهَا بأوحد) وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب مهين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا من قبل.

لقمان 31:7

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا ولى مستكبرا كَأَن لم يسْمعهَا﴾ أَي: كَأَن لم يسمع الْآيَات. وَقَوله: ﴿كَأَن فِي أُذُنَيْهِ وقرا﴾ أَي: صمما، وَإِنَّمَا جعله كَذَلِك؛ لِأَنَّهُ لم ينْتَفع بِمَا يسمع، فَصَارَ بِمَنْزِلَة الْأَصَم، والوقر هُوَ الثّقل فِي الْأذن. وَقَوله: ﴿فبشرناه بِعَذَاب أَلِيم﴾ أَي: مؤلم، وَمعنى المؤلم: هُوَ الموجع.

لقمان 31:8

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا لصالحات لَهُم جنَّات النَّعيم خَالِدين فِيهَا وعد الله حَقًا﴾ وَمَعْنَاهُ: مقيمين فِي الْجنَّة كَمَا وعد الله. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ والعزيز هُوَ المنتقم من أعدائه، والحكيم هُوَ الْمُصِيب فِي تَدْبِير خلقه.

لقمان 31:9

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا لصالحات لَهُم جنَّات النَّعيم خَالِدين فِيهَا وعد الله حَقًا﴾ وَمَعْنَاهُ: مقيمين فِي الْجنَّة كَمَا وعد الله. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ والعزيز هُوَ المنتقم من أعدائه، والحكيم هُوَ الْمُصِيب فِي تَدْبِير خلقه.

لقمان 31:10

قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق السَّمَوَات بِغَيْر عمد﴾ أَي: بِغَيْر عمد كَمَا، ترونها، والمعنمى الثَّانِي: أَي بِغَيْر عمد تَرَوْنَهُ، وَثمّ عمد لَا ترونها، وَذَلِكَ الْعمد هُوَ قدرَة الله تَعَالَى، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله يمسك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا﴾ . وَقَوله: ﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت، وَذكر السّديّ أَن الله تَعَالَى خلق الأَرْض فَجعلت تميل؛ فَقَالَت الْمَلَائِكَة: يَا رَبنَا، هَذِه الأَرْض لَا يسْتَقرّ على ظهرهَا أحد، فَأَصْبحُوا وَقد أرسى الله تَعَالَى بالجبال. فَقَالُوا: يَا رَبنَا، هَل خلقت شَيْئا أَشد من الْجبَال؟ قَالَ: نعم؛ الْحَدِيد. قَالُوا: يَا رَبنَا، وَهل خلقت شَيْئا أَشد من الْحَدِيد؟ قَالَ: نعم؛ النَّار. قَالُوا: وَهل خلقت شَيْئا أَشد من النَّار؟ قَالَ: نعم؛ المَاء. قَالُوا: وَهل خلقت شَيْئا أَشد من المَاء؟ قَالَ: نعم؛ الرّيح. قَالُوا: وَهل خلقت شَيْئا أَشد من الرّيح؟ قَالَ: نعم؛ الْآدَمِيّ. وَقد أسْند هَذَا بَعضهم إِلَى رَسُول الله، وَفِي آخر الْخَبَر: " الْآدَمِيّ يتَصَدَّق فيخفي صدقته حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تَصَدَّقت يَمِينه، فَهُوَ أقوى من الْجَمِيع ". وَقَوله: ﴿أَن تميد بكم﴾ أَي: لِئَلَّا تميد بكم، وَيُقَال: كَرَاهَة أَن تميد بكم، والميد: هُوَ الْميل. وَقَوله: ﴿وَبث فِيهَا من كل دَابَّة﴾ أَي: فرق فِيهَا من كل دَابَّة، وَالدَّابَّة كل حَيَوَان يدب على الأَرْض. وَقَوله: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا من كل زوج كريم﴾ أَي: صنف حسن.

لقمان 31:11

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا خلق الله فأروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه﴾ أَي: الَّذين يعْبدُونَ من دونه، وهم الْأَصْنَام، وَقد رُوِيَ عَن بعض السّلف قَالَ: مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا وَرَأَيْت الله فِيهِ. وَذكر بَعضهم هَذَا عَن عَامر بن عبد قيس وَهُوَ عَامر بن عبد الله، وَهُوَ تلو أويس الْقَرنِي فِي زهاد التَّابِعين رَضِي الله عَنْهُم ورءوس الزهاد من التَّابِعين ( ﴿١١) وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة أَن اشكر لله وَمن يشْكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ وَمن كفر﴾ ثَمَانِيَة نفر: أَوَّلهمْ أويس، ثمَّ عَامر بن عبد قيس، ثمَّ هرم بن حَيَّان، ثمَّ أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ، ثمَّ الْأسود، ثمَّ مَسْرُوق بن الأجدع، ثمَّ الرّبيع بن خثيم، ثمَّ الْحسن. وَقَوله: ﴿بل لظالمون فِي ضلال مُبين﴾ أَي: فِي خطأ بَين.

لقمان 31:12

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة﴾ اخْتلفُوا فِي لُقْمَان. هَل كَانَ نَبيا أَو لم يكن نَبيا؟ فَذهب أَكثر أهل الْعلم أَنه لم يكن نَبيا. وَقَالَ الشّعبِيّ وَعِكْرِمَة: إِنَّه كَانَ نَبيا. وَعَن بَعضهم: أَن الله تَعَالَى خَيره بَين النُّبُوَّة وَالْحكمَة، فَاخْتَارَ الْحِكْمَة؛ نَام نومَة فذريت الْحِكْمَة على لِسَانه، فانتبه ينْطق بالحكمة. وَذكر بَعضهم أَنه سُئِلَ: لم اخْتَرْت الْحِكْمَة على النُّبُوَّة؟ فَقَالَ: خشيت أَن أَضْعَف عَنْهَا، وَلَو كَانَ الله أعطانيها ابْتِدَاء وَلم يُخْبِرنِي أعانني عَلَيْهَا، فَلَمَّا خيرني خشيت الضعْف. وَعَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: كَانَ لُقْمَان عبدا أسود من سودان مصر. وَعَن غَيره قَالَ: كَانَ عبدا حَبَشِيًّا غليظ الشفتين متشقق الْقَدَمَيْنِ، وَحكي أَن عبدا أسود سَأَلَ سعيد بن الْمسيب عَن مَسْأَلَة فَأجَاب، ثمَّ قَالَ لَهُ: لَا يحزنك سوادك، فقد كَانَ قبلك ثَلَاثَة من السودَان هم من خير النَّاس، ثمَّ ذكر لُقْمَان الْحَكِيم، وبلالا مُؤذن رَسُول الله، وَمهجع مولى عمر بن الْخطاب، وَهُوَ أول شَهِيد فِي الْإِسْلَام، اسْتشْهد يَوْم بدر. وَاخْتلفُوا فِي صناعَة لُقْمَان؛ فَقَالَ بَعضهم: كَانَ خياطا. وَقَالَ بَعضهم: كَانَ نجارا. وَقَالَ بَعضهم: كَانَ راعي غنم. فَروِيَ أَن بَعضهم لقِيه وَهُوَ يتَكَلَّم بالحكمة فَقَالَ: أَلَسْت فلَانا الرَّاعِي! فَبِمَ بلغت مَا بلغت؟ فَقَالَ: بِصدق الحَدِيث، وَأَدَاء الْأَمَانَة، وتركي مَا لَا يعنيني. وَمن (حكمه) المنقولة: أَن مَوْلَاهُ دفع إِلَيْهِ شَاة وَقَالَ: اذْبَحْهَا وائتني بأطيب مضغتين مِنْهَا، فَجَاءَهُ بلسانها وقلبها، فَسَأَلَهُ مَوْلَاهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: لَا شَيْء أطيب مِنْهُمَا إِذا طابا، وَلَا أَخبث مِنْهُمَا إِذا خبثا. وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: تكلم لُقْمَان بِاثْنَيْ عشر ألف بَاب من الْحِكْمَة، أدخلها النَّاس فِي كَلَامهم ووصاياهم. وَمعنى الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْآيَة هُوَ الْفِقْه والإصابة فِي القَوْل. وَيُقَال: الْعقل الْكَامِل. وَقَوله: ﴿أَن اشكر لله﴾ أَي: على نعمه. وَقَوله: ﴿وَمن شكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ﴾ أَي: مَنْفَعَة الشُّكْر تعود إِلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وَمن كفر فَإِن الله غَنِي حميد﴾ أَي: غَنِي عَن خلقه، مَحْمُود فِي فعله.

لقمان 31:13

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه﴾ يُقَال: كَانَ اسْم ابْنه مشْكم، وَيُقَال: أنعم، وَقيل: غَيره. وَقَوله: ﴿يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ أَي: لَا تعدل بِاللَّه أحدا فِي الربوبية. وَقَوله: ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ الظُّلم هُوَ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، من أشرك مَعَ الله غَيره فقد وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه.

لقمان 31:14

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حَملته أمه وَهنا على وَهن﴾ أَي: ضعفا على ضعف، وَيُقَال: مشقة على مشقة. قَالَ الزّجاج: الْمَرْأَة اذا حملت توالى عَلَيْهَا الضعْف وَالْمَشَقَّة. وَيُقَال: الْحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. وَقَوله: ﴿وفصاله فِي عَاميْنِ﴾ أَي: فطامه فِي عَاميْنِ، والحولان نِهَايَة مُدَّة الْفِطَام. وَقَوله: ﴿أَن اشكر لي ولوالديك﴾ قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: من صلى الصَّلَوَات الْخمس فِي مواقيتها فقد شكر الله تَعَالَى، وَمن اسْتغْفر لِأَبَوَيْهِ فِي كل صَلَاة فقد شكر أَبَوَيْهِ. وَقَوله: ﴿إِلَى الْمصير﴾ أَي: إِلَى الْمرجع.

لقمان 31:15

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جَاهَدَاك على أَن تشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ قد بَينا معنى هَذِه الْآيَة، وَذكرنَا أَنَّهَا نزلت فِي سعد بن أبي وَقاص، وَقَالَ بَعضهم: الْآيَة عَامَّة فِي الْجَمِيع. وَقَوله: ﴿فَلَا تطعهما﴾ أَي: فَلَا تطعهما فِي الشّرك ومعصيتي. وَقَوله: ﴿وصاحبهما فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾ أَي: صَاحبهَا فِي الدُّنْيَا بِالْبرِّ والصلة، وَهُوَ الْمَعْرُوف من غير أَن تطيعهما فِي معصيتي. وَقَوله: ﴿وَاتبع سَبِيل من أناب إِلَيّ﴾ الْأَكْثَرُونَ أَنه مُحَمَّد. وَقَوله: ﴿ثمَّ إِلَيّ مرجعكم فأنبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَرُوِيَ [عَن] عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿وَاتبع سَبِيل من أناب إِلَيّ﴾ أَن المُرَاد مِنْهُ أَبُو بكرالصديق رَضِي الله عَنهُ قَالَ ابْن عَبَّاس: لما أسلم أَبُو بكر، رَضِي الله عَنهُ جَاءَ عُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَى أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنْهُم فَقَالُوا: يَا أَبَا بكر، قد صدقت هَذَا لرجل، وَآمَنت بِهِ؟ قَالَ: نعم، هُوَ صَادِق فآمنوا بِهِ، [و] حملهمْ إِلَى النَّبِي حَتَّى أَسْلمُوا، فَهَؤُلَاءِ الْقَوْم لَهُم سَابِقَة الْإِسْلَام، وَأَسْلمُوا بإرشاد أبي بكر رَضِي الله عَنْهُم وَأنزل الله تَعَالَى فِي أبي بكر، ﴿وَاتبع سَبِيل من أناب إِلَيّ﴾ . وَقَوله: ﴿أناب﴾ أَي: رَجَعَ إِلَيّ، وعَلى هَذَا القَوْل هُوَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ.

لقمان 31:16

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِنَّهَا إِن تَكُ﴾ فَإِن قيل: قَوْله: ﴿إِنَّهَا﴾ هَذِه كِنَايَة، وَالْكِنَايَة لَا بُد لَهَا من مكنى، فأيش المكنى؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه رُوِيَ أَن ابْن لُقْمَان قَالَ: يَا (أبه) ، أَرَأَيْت لَو وَقع شَيْء فِي مقل الْبَحْر ومقل الْبَحْر مغاصيه أَي: وَسطه أيعلم الله تَعَالَى مَوْضِعه؟ فَقَالَ: يَا بني، إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل، يَعْنِي: إِن وَقعت حَبَّة على هَذَا الْوَزْن على [هَذَا] الْبَحْر فَالله تَعَالَى يعلم موضعهَا. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن لُقْمَان ألْقى خردلة فِي عرض نهر اليرموك، وَقعد على شطه وَبسط يَده، فغاصت ذُبَابَة وحملت الخردلة فَوَضَعتهَا على كَفه. وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن قَوْله تَعَالَى: (إِنَّهَا إِن تَكُ) يرجع إِلَى الْخَطِيئَة، يَعْنِي: إِن تكن الْخَطِيئَة كمثقال حَبَّة من خَرْدَل يَأْتِ بهَا الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة أَي: يجازك بهَا. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: معنى الْآيَة: هُوَ الْإِحَاطَة بالأشياء صغيرها وكبيرها. وَقَوله: ﴿فتكن فِي صَخْرَة﴾ أَي: فِي جبل، وَقَالَ السّديّ: هِيَ الصَّخْرَة الَّتِي عَلَيْهَا الأرضون السَّبع، وَهِي صَخْرَة خضراء، خضرَة السَّمَاء مِنْهَا. وَقَوله: ﴿أَو فِي السَّمَوَات أَو فِي الأَرْض يَأْتِ بهَا الله﴾ . وَقَوله: ﴿إِن الله لطيف خَبِير﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: لطيف باستخراج الخردلة، خَبِير بمكانها، وَفِي بعض التفاسير: أَن هَذِه الْحِكْمَة آخر حِكْمَة تكلم بهَا لُقْمَان، فَلَمَّا تكلم بهَا انشقت مرارته من هيبتها فتوفى.

لقمان 31:17

قَوْله: ﴿يَا بني أقِم الصَّلَاة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر﴾ قد بَينا معنى الْمَعْرُوف وَمعنى الْمُنكر من قبل. وَقَوله: ﴿واصبر على مَا أَصَابَك﴾ أَي: من الْأَذَى. وَقَوله: ﴿إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ أَي: من الْأُمُور الَّتِي يُؤمر بهَا ويعزم عَلَيْهَا، وَقد روى حُذَيْفَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَيْسَ لِلْمُؤمنِ أَن يذل نَفسه، فَقيل: وَكَيف يذل نَفسه؟ قَالَ: يتَحَمَّل من الْبلَاء مَا لَا يُطيق ". وَفِي هَذَا الْخَبَر رخصَة فِي ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ على السلاطين والظلمة إِذا خشِي الْهَلَاك، وَإِن أَمر بِالْمَعْرُوفِ فَقتل فَهُوَ شَهِيد. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر ". وَرُوِيَ عَن الني أَنه قَالَ: " سيد الشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة حَمْزَة بن عبد الْمطلب، ثمَّ رجل قَامَ إِلَى سُلْطَان يخَاف مِنْهُ ويرجو، فَأمره بِمَعْرُوف أَو نَهَاهُ عَن مُنكر، فَقتله على ذَلِك ".

لقمان 31:18

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾ أيك لَا تعرض عَنْهُم تكبرا. والصعر هُوَ الْميل. وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " يَأْتِي عل النَّاس زمَان لَا يبْقى إِلَّا من هُوَ أصعر ". يَعْنِي: مَا يَدعِي الدّين ". وَيُقَال: إِن قَوْله: ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾ نهى عَن التشدق فِي الْكَلَام، وَعَن الرّبيع بن أنس قَالَ: ليكن الْغَنِيّ وَالْفَقِير عنْدك سَوَاء. وَقَوله: ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا﴾ أَي: لَا تمشي فِي الأَرْض مختالا. وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ أَي: مختال على الأَرْض، فخور بالدنيا.

لقمان 31:19

قَوْله تَعَالَى: ﴿واقصد فِي مشيك﴾ يَعْنِي: أسْرع فِي مشيك، وَيُقَال مَعْنَاهُ: واقصد فِي مشيك أَي: لَا تسرع فِي مشيتك، وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي قَالَ: " سرعَة الْمَشْي تذْهب بهَا الْوَجْه ". وَقَوله: ﴿واغضض من صَوْتك﴾ أَي: لَا تجْهر، وَمعنى اغضض أَي: انقص. يُقَال: غض فلَان من فلَان أَي: نقص من حَقه. وَقَوله: ﴿إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير﴾ أَي: أقبح الْأَصْوَات لصوت الْحمير. يُقَال: جَاءَنِي فلَان بِوَجْه مُنكر أَي: قَبِيح، فَإِن قَالَ قَائِل: لم جعل صَوت الْحمار أقبح الْأَصْوَات؟ وَالْجَوَاب عَنهُ إِنَّمَا جعله أقبح الْأَصْوَات، لِأَن أَوله زفير، وَآخره شهيق، والزفير والشهيق: صَوت أهل النَّار. وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: كل شَيْء يسبح إِلَّا الْحمار؛ فَلهَذَا جعل صَوته أقبح الْأَصْوَات. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يتنافسون فِي شدَّة الصَّوْت، وَكَانُوا يَقُولُونَ: من كَانَ أَجْهَر صَوتا فَهُوَ أعز عِنْد الله. وَكَانُوا يجهرون بأصواتهم ويرفعونها بغاية الْإِمْكَان، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيست الْعِزَّة فِي شدَّة الصَّوْت، وَلَو كَانَ من هُوَ أَشد أعز، لَكَانَ الْحمار أعز من الْكل. وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الصَّادِق أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير﴾ : هِيَ العطسة القبيحة الْمُنكرَة. وَمن حكم لُقْمَان سوى مَا ذكرنَا مَا رُوِيَ أَنه قَالَ: لَا مَال كصحة الْبدن، وَلَا نعيم كطيب النَّفس. وَمن حكمه أَيْضا أَنه قَالَ: أدب الْوَالِد لوَلَده كالسماد للزَّرْع. وَحكى عِكْرِمَة أَن لُقْمَان دخل على دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ يصنع درعا، فَلم يدر مَا يصنع؛ فَأَرَادَ أَن يسْأَله، وَكَانَ (حكمه) تَمنعهُ مِنْهُ، فَلَمَّا أتم دَاوُد الدرْع لبسهَا، وَقَالَ: نعم جُبَّة الْحَرْب هِيَ. فَقَالَ لُقْمَان: الصمت حكم وَقَلِيل فَاعله. وَحكى أَيْضا عِكْرِمَة أَن مَوْلَاهُ خاطر قوما على شرب مَاء الْبَحْر فِي حَال سكره، فَدَعَا لُقْمَان وَقَالَ: لمثل هَذَا الْيَوْم كنت أعدك، وَذكر لَهُ الْقِصَّة. فَقَالَ: اجْمَعْ الْقَوْم الَّذين خاطرتهم؛ فَجَمعهُمْ، فَقَالَ لَهُم: احْبِسُوا مواد الْبَحْر حَتَّى يشرب مَاء الْبَحْر. فَقَالُوا: كَيفَ نحبس مواد الْبَحْر؟ فَقَالَ: كَيفَ يشرب مَاء الْبَحْر ومواده غير مُنْقَطِعَة؟ فخلص مَوْلَاهُ. وَحكى أَيْضا عِكْرِمَة أَنه كَانَ لمولى لُقْمَان عبيد سواهُ، وَلم يكن فيهم أخس مِنْهُ عِنْده، فبعثهم إِلَى بُسْتَان لَهُ ليحملوا لَهُ فَاكِهَة، فَذَهَبُوا وأكلوا الْفَاكِهَة؛ فَلَمَّا رجعُوا أحالوا على لُقْمَان أَنه هُوَ الَّذِي أكل، وَصدقهمْ مَوْلَاهُ لخسة لُقْمَان عِنْده، وَأَرَادَ أَن يُؤْذِيه، فَقَالَ لُقْمَان لمَوْلَاهُ: إِن ذَا اللسانين وَذَا الْوَجْهَيْنِ لَا يكون وجيها عِنْد الله، فاسقني مَاء حميما، واسق هَؤُلَاءِ العبيد مَاء حميما؛ فسقاهم، فقاء سَائِر العبيد مَا أكلُوا من الْفَاكِهَة، وقاء هُوَ مَاء بحتا، فَعرف صدقه وكذبهم.

لقمان 31:20

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تروا أَن الله سخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ أَي: ذلل. وَقَوله: ﴿وأسبغ عَلَيْهِم نعْمَة﴾ أَي: أتم عَلَيْكُم وأكمل نعمه ظَاهِرَة وباطنة، قَالَ ابْن عَبَّاس: النِّعْمَة الظَّاهِرَة هِيَ الْإِسْلَام وَحسن الْخلق، وَالنعْمَة الْبَاطِنَة هِيَ مَا يستر من الْعُيُوب. وَقَالَ بَعضهم: النِّعْمَة الظَّاهِرَة هِيَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، والباطنة هِيَ الِاعْتِقَاد ﴿وأسبع عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب منيروإذا قيل لَهُم إتبعوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَو لَو كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم إِلَى عَذَاب السعير وَمن يسلم وَجهه إِلَى اللهوهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور وَمن كفر فَلَا﴾ بِالْقَلْبِ. وَيُقَال النِّعْمَة الظَّاهِرَة: نعْمَة الدُّنْيَا، والباطنة: نعْمَة العقبى. وَقيل النِّعْمَة الظَّاهِرَة: نعْمَة الْأَبدَان، والباطنة: نعْمَة الْأَدْيَان. وَيُقَال: النِّعْمَة الظَّاهِرَة: تَمام الرزق، وَالنعْمَة الْبَاطِنَة: حسن الْخلق، وَيُقَال النِّعْمَة الظَّاهِرَة: الزى والرياش الْحسن. وَالنعْمَة الْبَاطِنَة: مَا أخْفى من الْمعْصِيَة وسترها. وَقَالَ بَعضهم: النِّعْمَة الظَّاهِرَة: الْوَلَد، والباطنة: الْوَطْء. وَقَوله: ﴿وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير﴾ نزلت هَذِه الْآيَة فِي أُميَّة بن خلف وَأبي بن خلف وَأبي جهل بن هِشَام وَالنضْر بن الْحَارِث وأشباههم؛ كَانُوا يجادلون النَّبِي بِالْبَاطِلِ فِي الله وَفِي صِفَاته.

لقمان 31:21

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿أَو لَو كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم﴾ هَذَا جَوَاب عَن مَحْذُوف ، والمحذوف: أيتبعون الشَّيْطَان، وَإِن كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم إِلَى عَذَاب السعير.

لقمان 31:22

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن يسلم وَجهه إِلَى الله﴾ أى: وَمن يخلص دينه لله، وَقيل: يسلم نَفسه وَعَمله إِلَى الله. وَقَرَأَ أَبُو عبد الحمن السلمى: ((يسلم)) بِالتَّشْدِيدِ، وَقَوله: ﴿يسلم﴾ من التَّسْلِيم ، وَقَوله: ((يسلم)) من الإنقياد. وَقَوله: ﴿ [وَهُوَ محسن] فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ : قَول لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقيل العروة الوثقى: السَّبَب الَّذِي يُوصل إِلَى رضَا الله تَعَالَى. والوثقى تَأْنِيث الأوثق. والعهد الوثيق، هوالعهد الْمُحكم الشَّديد، والأوثق الأشد. وَقَوله: ﴿وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور﴾ أى: خَاتِمَة الْأُمُور. ﴿يحزنك كفره إِلَيْنَا مرجعهم فننبئهم بِمَا عمِلُوا إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور نمتعهم قَلِيلا ثمَّ نطرهم إِلَى عَذَاب غليظ وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله قل الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعد سَبْعَة أبحر مَا نفدت كلما ت الله إِن الله عَزِيز حَكِيم مَا خَلقكُم﴾

لقمان 31:23

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كفر فَلَا يحزنك كفره﴾ أى: لَا تحزن بِكُفْرِهِ. وَقَوله: ﴿إِلَيْنَا مرجعهم﴾ أى: مصيرهم. وَقَوله: ﴿فننبئهم بِمَا عمِلُوا﴾ أى: نخبرهم بِمَا عمِلُوا. وَقَوله: ﴿إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ أى: عَالم بِمَا فِي الصُّدُور.

لقمان 31:24

قَوْله تَعَالَى: ﴿نمتعهم قَلِيلا﴾ الإمتاع هُوَ التَّمَتُّع بِمَا فِي الدُّنْيَا من نعيمها. وَقَوله: ﴿ثمَّ نضطرهم إِلَى عَذَاب غليظ﴾ أى: نلجئهم إِلَى عَذَاب غليظ.

لقمان 31:25

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله قل الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ قد بَينا.

لقمان 31:26

قَوْله تَعَالَى: ﴿لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِن الله هُوَ الْغنى الحميد﴾ أى: الْغنى عَن خلقه، الْمَحْمُود فِي فعله.

لقمان 31:27

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ روى أَن الْمُشْركين قَالُوا: إِن مَا أَتَى بِهِ مُحَمَّد من الْكَلَام يَنْقَطِع ويفنى، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، بِمَعْنى: أَن جَمِيع أَشجَار الْعَالم ونباتها لَو بريت أقلاما، وَصَارَت البحور مدادا مَا نفدت كَلِمَات الله أى: كَلَام الله وَعلمه. وَقَوله: ﴿إِن الله عَزِيز حَكِيم﴾ قد بَينا.

لقمان 31:28

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة﴾ مَعْنَاهُ: مَا خَلقكُم إِلَّا كخلق نفس وَاحِدَة، وَلَا بعثكم إِلَّا كبعث نفس وَاحِدَة، يَعْنِي: فِي قدرته. وَقَوله: ﴿إِن الله سميع بَصِير﴾ سميع لأقوال الْعباد، بَصِير بأفعالهم. وَالْآيَة الَّتِي تلِي هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا قد بَينا مَعْنَاهَا، وَأما الْآيَات الثَّلَاث الَّتِي نزلت بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث. قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الْفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بِنِعْمَة الله﴾ أَي: بإنعام الله.

لقمان 31:29

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة﴾ مَعْنَاهُ: مَا خَلقكُم إِلَّا كخلق نفس وَاحِدَة، وَلَا بعثكم إِلَّا كبعث نفس وَاحِدَة، يَعْنِي: فِي قدرته. وَقَوله: ﴿إِن الله سميع بَصِير﴾ سميع لأقوال الْعباد، بَصِير بأفعالهم. وَالْآيَة الَّتِي تلِي هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا قد بَينا مَعْنَاهَا، وَأما الْآيَات الثَّلَاث الَّتِي نزلت بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث. قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الْفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بِنِعْمَة الله﴾ أَي: بإنعام الله.

لقمان 31:30

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة﴾ مَعْنَاهُ: مَا خَلقكُم إِلَّا كخلق نفس وَاحِدَة، وَلَا بعثكم إِلَّا كبعث نفس وَاحِدَة، يَعْنِي: فِي قدرته. وَقَوله: ﴿إِن الله سميع بَصِير﴾ سميع لأقوال الْعباد، بَصِير بأفعالهم. وَالْآيَة الَّتِي تلِي هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا قد بَينا مَعْنَاهَا، وَأما الْآيَات الثَّلَاث الَّتِي نزلت بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث. قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الْفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بِنِعْمَة الله﴾ أَي: بإنعام الله.

لقمان 31:31

وَقَوله: ﴿ليريكم من آيَاته﴾ أَي: من عجائب صنعه وَقدرته. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الصَّبْر نصف الْإِيمَان، وَالشُّكْر نصف الْإِيمَان، وَالْيَقِين هُوَ الْإِيمَان كُله ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن أحب الْعباد إِلَى الله من يصبر عِنْد الْبلَاء، ويشكر عِنْد النعماء، ويرضى بِالْقضَاءِ.

لقمان 31:32

قَوْله: ﴿وَإِذا غشيهم موج كالظلل﴾ الظلل: جمع الظلة، والظلة: هِيَ الْجَبَل. وَقَوله: ﴿دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ أَي: أَخْلصُوا فِي الدُّعَاء، وَفِي التَّفْسِير: أَن الْآيَة نزلت فِي عِكْرِمَة بن أبي جهل حِين هرب من مَكَّة يَوْم فتحهَا رَسُول الله، وَكَانَ رَسُول الله أَمن جَمِيع النَّاس إِلَّا نَفرا مِنْهُم عِكْرِمَة بن أبي جهل، فهرب عِكْرِمَة إِلَى الْبَحْر، فَجَاءَهُمْ ريح عاصف، فَقَالَ صَاحب السَّفِينَة: أَخْلصُوا، فَإِنَّهُ لَا ينجيكم إِلَّا الْإِخْلَاص. وَرُوِيَ أَنه قَالَ لَهُم: لَا تدعوا آلِهَتكُم؛ فَإِن آلِهَتكُم لَا تغني عَنْكُم شَيْئا، وَادعوا الله وَحده. فَقَالَ عِكْرِمَة: إِنَّمَا هربت من هَذَا، وَلَئِن نجاني الله من هَذَا لأرجعن إِلَى مُحَمَّد، ولأضعن يَدي فِي يَده. ثمَّ سكن الرّيح، وَخرج عِكْرِمَة وَرجع إِلَى مَكَّة، وَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَاسْتشْهدَ يَوْم اليرموك بِالشَّام. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر فَمنهمْ مقتصد﴾ أَي: عدل فِي فعله على معنى الْوَفَاء بِمَا وعده، وَمِنْهُم من قَالَ: مقتصد أَي: مقتصد فِي القَوْل لَا يسرف، وَمِنْهُم من يسرف. وَقَوله: ﴿وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا كل ختار كفور﴾ الختر: هُوَ أَشد الْغدر. قَالَ الشَّاعِر: (فَإنَّك لَو رَأَيْت أَبَا عُمَيْر ... مَلَأت يَديك من ختر وغد)

لقمان 31:33

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم واخشوا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده﴾ أَي: لَا يُغني وَالِد عَن وَلَده، قَالَ ابْن عَبَّاس: كل امرء تهمه نَفسه. وَقَوله: ﴿وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن وَالِده شَيْئا﴾ أَي: مُغنِي عَن وَالِده شَيْئا. وَقَوله: ﴿إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾ يَعْنِي: الشَّيْطَان، وتغريره للْإنْسَان هُوَ تزيينه للمعاصي وتمنيه الْمَغْفِرَة من الله، وَعبر عَنهُ بتزيينه لَهُ الْمعاصِي وتمنيه الْمَغْفِرَة. وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " الْكيس من دَان نَفسه، وَعمل لما بعد الْمَوْت (أَي حاسب نَفسه) والفاجر من أتبع نَفسه هَواهَا، وَتمنى على الله (الْمَغْفِرَة) ".

لقمان 31:34

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث﴾ الْآيَة. فِي التَّفْسِير: أَن رجلا من بني محَارب بن خصفة أَتَى النَّبِي وَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن أَرْضنَا أجدبت، فَمَتَى ينزل الْغَيْث؟ وَإِنِّي تركت امْرَأَتي حُبْلَى، فَمَاذَا تَلد؟ وَقد علمت مَا أعمل الْيَوْم، فَمَاذَا أعمل غَدا؟ وَأَخْبرنِي أَنى بِأَيّ أَرض أَمُوت؟ وَأَخْبرنِي مَتى السَّاعَة؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا. وَقد روينَا بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " مَفَاتِيح الْغَيْب خَمْسَة، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا ". وَهُوَ خبر مَشْهُور. وَقَوله: ﴿ [وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا] وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ يُقَال مَعْنَاهُ: على أَي قدم تَمُوت. فَإِنَّهُ مَا من قدم يرفعها ويضعها إِلَّا وَيجوز أَن تَمُوت قبل ذَلِك ﴿بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ أَي: على أَي صفة تَمُوت من الشقاوة والسعادة. وَقَوله: ﴿إِن الله عليم خَبِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.