Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Jawzi — الأعراف 7:176 – التوبة 9:106

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Jawzi

المحتويات
  1. الأعراف 7:176
  2. الأعراف 7:177
  3. الأعراف 7:178
  4. الأعراف 7:179
  5. الأعراف 7:180
  6. الأعراف 7:181
  7. الأعراف 7:182
  8. الأعراف 7:183
  9. الأعراف 7:184
  10. الأعراف 7:185
  11. الأعراف 7:186
  12. الأعراف 7:187
  13. الأعراف 7:188
  14. الأعراف 7:189
  15. الأعراف 7:190
  16. الأعراف 7:191
  17. الأعراف 7:192
  18. الأعراف 7:193
  19. الأعراف 7:194
  20. الأعراف 7:195
  21. الأعراف 7:196
  22. الأعراف 7:197
  23. الأعراف 7:198
  24. الأعراف 7:199
  25. الأعراف 7:200
  26. الأعراف 7:201
  27. الأعراف 7:202
  28. الأعراف 7:203
  29. الأعراف 7:204
  30. الأعراف 7:205
  31. الأعراف 7:206
  32. الأنفال 8:1
  33. الأنفال 8:2
  34. الأنفال 8:3
  35. الأنفال 8:4
  36. الأنفال 8:5
  37. الأنفال 8:6
  38. الأنفال 8:7
  39. الأنفال 8:8
  40. الأنفال 8:9
  41. الأنفال 8:10
  42. الأنفال 8:11
  43. الأنفال 8:12
  44. الأنفال 8:13
  45. الأنفال 8:14
  46. الأنفال 8:15
  47. الأنفال 8:16
  48. الأنفال 8:17
  49. الأنفال 8:18
  50. الأنفال 8:19
  51. الأنفال 8:20
  52. الأنفال 8:21
  53. الأنفال 8:22
  54. الأنفال 8:23
  55. الأنفال 8:24
  56. الأنفال 8:25
  57. الأنفال 8:26
  58. الأنفال 8:27
  59. الأنفال 8:28
  60. الأنفال 8:29
  61. الأنفال 8:30
  62. الأنفال 8:31
  63. الأنفال 8:32
  64. الأنفال 8:33
  65. الأنفال 8:34
  66. الأنفال 8:35
  67. الأنفال 8:36
  68. الأنفال 8:37
  69. الأنفال 8:38
  70. الأنفال 8:39
  71. الأنفال 8:40
  72. الأنفال 8:41
  73. الأنفال 8:42
  74. الأنفال 8:43
  75. الأنفال 8:44
  76. الأنفال 8:45
  77. الأنفال 8:46
  78. الأنفال 8:47
  79. الأنفال 8:48
  80. الأنفال 8:49
  81. الأنفال 8:50
  82. الأنفال 8:51
  83. الأنفال 8:52
  84. الأنفال 8:53
  85. الأنفال 8:54
  86. الأنفال 8:55
  87. الأنفال 8:56
  88. الأنفال 8:57
  89. الأنفال 8:58
  90. الأنفال 8:59
  91. الأنفال 8:60
  92. الأنفال 8:61
  93. الأنفال 8:62
  94. الأنفال 8:63
  95. الأنفال 8:64
  96. الأنفال 8:65
  97. الأنفال 8:66
  98. الأنفال 8:67
  99. الأنفال 8:68
  100. الأنفال 8:69
  101. الأنفال 8:70
  102. الأنفال 8:71
  103. الأنفال 8:72
  104. الأنفال 8:73
  105. الأنفال 8:74
  106. الأنفال 8:75
  107. التوبة 9:1
  108. التوبة 9:2
  109. التوبة 9:3
  110. التوبة 9:4
  111. التوبة 9:5
  112. التوبة 9:6
  113. التوبة 9:7
  114. التوبة 9:8
  115. التوبة 9:9
  116. التوبة 9:10
  117. التوبة 9:11
  118. التوبة 9:12
  119. التوبة 9:13
  120. التوبة 9:14
  121. التوبة 9:15
  122. التوبة 9:16
  123. التوبة 9:17
  124. التوبة 9:18
  125. التوبة 9:19
  126. التوبة 9:20
  127. التوبة 9:21
  128. التوبة 9:22
  129. التوبة 9:23
  130. التوبة 9:24
  131. التوبة 9:25
  132. التوبة 9:26
  133. التوبة 9:27
  134. التوبة 9:28
  135. التوبة 9:29
  136. التوبة 9:30
  137. التوبة 9:31
  138. التوبة 9:32
  139. التوبة 9:33
  140. التوبة 9:34
  141. التوبة 9:35
  142. التوبة 9:36
  143. التوبة 9:37
  144. التوبة 9:38
  145. التوبة 9:39
  146. التوبة 9:40
  147. التوبة 9:41
  148. التوبة 9:42
  149. التوبة 9:43
  150. التوبة 9:44
  151. التوبة 9:45
  152. التوبة 9:46
  153. التوبة 9:47
  154. التوبة 9:48
  155. التوبة 9:49
  156. التوبة 9:50
  157. التوبة 9:51
  158. التوبة 9:52
  159. التوبة 9:53
  160. التوبة 9:54
  161. التوبة 9:55
  162. التوبة 9:56
  163. التوبة 9:57
  164. التوبة 9:58
  165. التوبة 9:59
  166. التوبة 9:60
  167. التوبة 9:61
  168. التوبة 9:62
  169. التوبة 9:63
  170. التوبة 9:64
  171. التوبة 9:65
  172. التوبة 9:66
  173. التوبة 9:67
  174. التوبة 9:68
  175. التوبة 9:69
  176. التوبة 9:70
  177. التوبة 9:71
  178. التوبة 9:72
  179. التوبة 9:73
  180. التوبة 9:74
  181. التوبة 9:75
  182. التوبة 9:76
  183. التوبة 9:77
  184. التوبة 9:78
  185. التوبة 9:79
  186. التوبة 9:80
  187. التوبة 9:81
  188. التوبة 9:82
  189. التوبة 9:83
  190. التوبة 9:84
  191. التوبة 9:85
  192. التوبة 9:86
  193. التوبة 9:87
  194. التوبة 9:88
  195. التوبة 9:89
  196. التوبة 9:90
  197. التوبة 9:91
  198. التوبة 9:92
  199. التوبة 9:93
  200. التوبة 9:94
  201. التوبة 9:95
  202. التوبة 9:96
  203. التوبة 9:97
  204. التوبة 9:98
  205. التوبة 9:99
  206. التوبة 9:100
  207. التوبة 9:101
  208. التوبة 9:102
  209. التوبة 9:103
  210. التوبة 9:104
  211. التوبة 9:105
  212. التوبة 9:106

الأعراف 7:176

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ في هاءِ الكِنايَةِ في "رَفَعْناهُ" قَوْلانِ. (p-٢٩٠)أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْنا مَنزِلَةَ هَذا الإنْسانِ بِما عَلِمْناهُ. والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الكُفْرِ بِالآَياتِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْنا عَنْهُ الكُفْرَ بِآَياتِنا، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْ شِئْنا لَحُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أيْ: رَكَنَ إلى الدُّنْيا وسَكَنَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أخْلَدَ وخُلِّدَ، والأوَّلُ أكْثَرُ في اللُّغَةِ. والأرْضُ هاهُنا عِبارَةٌ عَنِ الدُّنْيا، لِأنَّ الدُّنْيا هي الأرْضُ بِما عَلَيْها. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَكَنَ إلى أهْلِ الدُّنْيا، ويُقالُ: إنَّهُ أرْضى امْرَأتَهُ بِذَلِكَ، لِأنَّها حَمَلَتْهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: أُرْضِي بَنِي عَمِّهِ وقَوْمِهِ. والثّانِي: أنَّهُ رَكَنَ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ انْقادَ لَمّا دَعاهُ إلَيْهِ الهَوى. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ هَواهُ مَعَ قَوْمِهِ. وهَذِهِ الآَيَةُ مِن أشَدِّ الآَياتِ عَلى أهْلِ العِلْمِ إذْ مالُوا عَنِ العِلْمِ إلى الهَوى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ مَعْناهُ: أنَّ هَذا الكافِرَ، إنْ زَجَرْتَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ، فالحالَتانِ عِنْدَهُ سَواءٌ كَحالَتَيِ الكَلْبِ، فَإنَّهُ إنْ طُرِدَ وحُمِلَ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ كانَ لاهِثًا، وإنْ تُرِكَ ورُبِضَ كانَ أيْضًا لاهِثًا، والتَّشْبِيهُ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ خاصَّةً؛ فالمَعْنى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ لاهِثًا؛ وإنَّما شَبَّهَهُ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ، لِأنَّهُ أخَسُّ الأمْثالِ عَلى أخَسِّ الحالاتِ وأبْشَعِها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ لاهِثٍ إنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ، إلّا الكَلْبُ، فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ راحَتِهِ وحالِ كَلالِهِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن كَذَّبَ بِآَياتِهِ، فَقالَ: إنْ (p-٢٩١)وَعَظْتَهُ فَهو ضالٌّ، وإنْ لَمْ تَعِظْهُ فَهو ضالٌّ، كالكَلْبِ إنْ طَرَدْتَهُ وزَجَرْتَهُ فَسَعى لَهَثَ، أوْ تَرَكْتَهُ عَلى حالِهِ رابِضًا لَهَثَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرَ في مَنامِهِ عَنِ الدُّعاءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، وخاطَبَتْهُ أتانُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَضَرَبَ لَهُ هَذا المَثَلَ ولِسائِرِ الكُفّارِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِأنَّ الكافِرَ إنْ وعَظْتَهُ فَهو ضالٌّ، وإنْ تَرَكْتَهُ فَهو ضالٌّ؛ وهو مَعَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِ كَمَن لَمْ يَأْتِهِ رَسُولٌ ولا بَيِّنَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ قالَ عَطاءٌ قَصَصُ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم.

الأعراف 7:177

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلا﴾ يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ: إذا قَبُحَ، والمَعْنى: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، فَحَذَفَ المُضافَ، فَنَصَبَ "مَثَلًا" عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَ بِالمَعْصِيَةِ.

الأعراف 7:178

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلا﴾ يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ: إذا قَبُحَ، والمَعْنى: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، فَحَذَفَ المُضافَ، فَنَصَبَ "مَثَلًا" عَلى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَ بِالمَعْصِيَةِ.

الأعراف 7:179

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ أيْ: خَلَقْنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ ذُرِّيَّةُ الرَّجُلِ، إنَّما هي الخَلْقُ مِنهُ، ولَكِنْ هَمْزُها يَتْرُكُهُ أكْثَرُ العَرَبِ. (p-٢٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: لَجَهَنَّمَ هَذِهِ اللّامُ يُسَمِّيها بَعْضُ أهْلِ المَعانِي لامَ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصِ:٨] ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ أمْوالُنا لِذَوِي المِيراثِ نَجْمَعُها ودُورُنا لَخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيها وَدَخْلَ رَجُلٌ عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ يُعَزِّيهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَقالَ: ؎ تَعَزَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ ∗∗∗ لِما قَدْ تَرى يُغَذّى الصَّغِيرُ ويُولَدُ وَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآَيَةِ بِنَفاذِ عِلْمِهِ فِيهِمْ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ لَمّا أعْرَضَ القَوْمُ عَنِ الحَقِّ والتَّفَكُّرِ فِيهِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَفْقَهْ ولَمْ يُبْصِرْ ولَمْ يَسْمَعْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ: أرادَ بِهَذا كُلِّهِ أمْرَ الآَخِرَةِ، فَإنَّهم يَعْقِلُونَ أمْرَ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ شَبَّهَهم بِالأنْعامِ لِأنَّها تَسْمَعُ وتُبْصِرُ ولا تَعْتَبِرُ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ لِأنَّ الأنْعامَ تُبْصِرُ مَنافِعَها ومَضارَّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ يَعْلَمُ أكْثَرُهم أنَّهُ مُعانِدٌ، فَيُقَدَّمُ عَلى النّارِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ عَنْ أمْرِ الآَخِرَةِ.

الأعراف 7:180

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَجُلًا دَعا اللَّهَ في صَلاتِهِ، ودَعا الرَّحْمَنَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ألَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا، فَما بالُ هَذا يَدْعُو اثْنَيْنِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَأمّا الحُسْنى، فَهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ. ومَعْنى الآَيَةِ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ حُسْنى، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ فِيها ما لَيْسَ (p-٢٩٣)بِحُسْنٍ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ما مالَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ مِن ذِكْرِهِ بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ دُونَ السُّخْطِ والنِّقْمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ أيْ: نادُوهُ بِها، كَقَوْلِكَ: يا اللَّهُ، يا رَحْمَنُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ، وكَذَلِكَ في [النَّحْلِ:١٠٣] و[السَّجْدَةِ ][فُصِّلَتْ:٤٠] . وقَرَأ حَمْزَةُ: "يُلْحِدُونَ " بِفَتْحِ الحاءِ والياءِ فِيهِنَّ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ، وخَلْفٌ في [النَّحْلِ:١٠٣] . قالَ الأخْفَشُ: ألْحَدَ ولَحَدَ: لُغَتانِ؛ فَمَن قَرَأ بِهِما أرادَ الأخْذَ بِاللُّغَتَيْنِ، فَكَأنَّ الإلْحادَ: العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَجُورُونَ عَنِ الحَقِّ ويَعْدِلُونَ؛ [فَيَقُولُونَ: اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ وأشْباهُ ذَلِكَ] ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ، لِأنَّهُ في جانِبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَدْعُوَهُ بِما لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: يا جَوادُ، ولا يَقُولُ: يا سَخِيُّ؛ ويَقُولُ: يا قَوِيُّ، ولا يَقُولُ: يا جَلْدُ، ويَقُولُ: يا رَحِيمُ، ولا يَقُولُ: يا رَفِيقُ، لِأنَّهُ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِذَلِكَ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطابِيُّ: ودَلِيلٌ هَذِهِ الآَيَةِ أنَّ الغَلَطَ في أسْمائِهِ والزَّيْغَ عَنْها إلْحادٌ، ومِمّا يُسْمَعُ عَلى ألْسِنَةِ العامَّةِ قَوْلُهُمْ: يا سُبْحانُ، يا بُرْهانُ، وهَذا مَهْجُورٌ مُسْتَهْجَنٌ لا قُدْوَةَ فِيهِ، ورُبَّما قالَ بَعْضُهُمْ: يا رَبِّ طَهَ ويَسِ. وقَدْ أنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى رَجُلٍ قالَ: يا رَبَّ القُرْآَنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إلْحادَهم في أسْمائِهِ أنَّهم سَمَّوْا بِها أوْثانَهم، وزادُوا فِيها ونَقَصُوا مِنها، فاشْتَقُّوا اللّاتَ مِنَ اللَّهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، ومَناةَ مِنَ المَنّانِ. فَصْلٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَحْكَمَةٌ، لِأنَّها خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي (p-٢٩٤)وَمَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المُدَّثِرِ:١١]، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ القِتالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الكُفّارِ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ.

الأعراف 7:181

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: وبِالعَمَلِ بِهِ يَعْدِلُونَ. وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وكانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "هَذِهِ أُمَّتِي، بِالحَقِّ يَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ ويَقْضُونَ" .» وقالَ قَتادَةُ: «بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآَيَةَ قالَ: "هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِي القَوْمُ مِثْلَها" ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعْرافِ:١٥٩] .» والثّانِي: أنَّهم مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ العُلَماءُ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

الأعراف 7:182

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هم أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ قالَ الخَلِيلُ ابْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ (p-٢٩٥)مِنهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ في خِفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا ولا يَهْجُمُ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَ الرّاقِي والنّازِلُ يَرْقى ويَنْزِلُ مَرْقاةً مَرْقاةً؛ ومِنهُ: دَرَجَ الكِتابُ: إذا طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ ودَرَجَ القَوْمُ: إذا ماتُوا بَعْضَهم في أثَرِ بَعْضٍ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَأْتِيَهُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُباغِتُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم. وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما يَغْتَبِطُهم بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُونَ. قالَ الضَّحّاكُ: كُلَّما جَدَّدُوا لَنا مَعْصِيَةً جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مِن حَيْثُ لا يُعْلِمُونَ بِالِاسْتِدْراجِ. والثّانِي: بِالهَلَكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الإمْلاءُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَيْدُ: المَكْرُ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ عالَجْتَهُ فَأنْتَ تَكِيدُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكْرُ اللَّهِ وكَيْدُهُ: مُجازاةُ أهْلِ المَكْرِ والكَيْدِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] و[آَلِ عِمْرانَ:٥٤] مِن ذَكْرِ الِاسْتِهْزاءِ والخِداعِ والمَكْرِ.

الأعراف 7:183

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هم أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ قالَ الخَلِيلُ ابْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ (p-٢٩٥)مِنهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ في خِفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا ولا يَهْجُمُ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَ الرّاقِي والنّازِلُ يَرْقى ويَنْزِلُ مَرْقاةً مَرْقاةً؛ ومِنهُ: دَرَجَ الكِتابُ: إذا طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ ودَرَجَ القَوْمُ: إذا ماتُوا بَعْضَهم في أثَرِ بَعْضٍ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَأْتِيَهُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُباغِتُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم. وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما يَغْتَبِطُهم بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُونَ. قالَ الضَّحّاكُ: كُلَّما جَدَّدُوا لَنا مَعْصِيَةً جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مِن حَيْثُ لا يُعْلِمُونَ بِالِاسْتِدْراجِ. والثّانِي: بِالهَلَكَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الإمْلاءُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَيْدُ: المَكْرُ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ عالَجْتَهُ فَأنْتَ تَكِيدُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكْرُ اللَّهِ وكَيْدُهُ: مُجازاةُ أهْلِ المَكْرِ والكَيْدِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] و[آَلِ عِمْرانَ:٥٤] مِن ذَكْرِ الِاسْتِهْزاءِ والخِداعِ والمَكْرِ.

الأعراف 7:184

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

الأعراف 7:185

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

الأعراف 7:186

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

الأعراف 7:187

(p-٢٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةٌ، فَبَيِّنْ لَنا مَتى السّاعَةُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ عُرْوَةُ: الَّذِي سَألَهُ عَنَ السّاعَةِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. والمُرادُ بِالسّاعَةِ هاهُنا الَّتِي يَمُوتُ فِيها الخَلْقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مَتى مَرْساها؟ أيْ: مُنْتَهاها. ومَرَسا السَّفِينَةِ: حَيْثُ تَنْتَهِي. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "أيّانَ" بِمَعْنى: مَتى؛ و"مَتى" بِمَعْنى: أيْ حِينَ، ونَرى أنَّ أصْلَها: أيْ أوانُ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ [والواوُ]، وجُعِلَ الحَرْفانِ واحِدًا، ومَعْنى الآَيَةِ: مَتى ثُبُوتُها؟ يُقالُ: رَسا في الأرْضِ، أيْ: ثَبَتَ، ومِنهُ قِيلَ لَلْجِبالِ: رَواسِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: مَتى وُقُوعُها؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ: قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها ﴿لا يُجَلِّيها﴾ أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هو. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٩٨)أحَدُها: ثَقُلَ وُقُوعُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَجْهُهُ أنَّ الكُلَّ يَخافُونَها، مُحْسِنُهم ومُسِيئُهم. والثّانِي: عَظُمَ شَأْنُها في السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والثّالِثُ: خَفِيَ أمَرُها، فَلَمْ يَعْلَمْ مَتى كَوْنُها، قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: أنَّ "فِي" بِمَعْنى "عَلى" فالمَعْنى: ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ أيْ. فَجْأةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، فَتَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: بَرٌّ بِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ:٤٧] . قالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْباطُ عَنِ السُّدِّيُّ: كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم. والثّانِي: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤالِهِمْ، مُجِيبٌ لَهم. قالَ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَأنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤالُهم. وقالَ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ: كَأنَّكَ تُحِبُّ أنْ يَسْألُوكَ عَنْها. وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّكَ فَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ. والثّالِثُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ. (p-٢٩٩)والرّابِعُ: كَأنَّكَ اسْتَحْفَيْتَ السُّؤالَ عَنْها حَتّى عَلِمْتَها، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كَأنَّكَ سَؤُولٌ عَنْها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّكَ مَعْنِيٌّ بِطَلَبِ عِلْمِها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، والحَفِيُّ في كَلامِ العَرَبِ: المَعْنِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُها إلّا هو ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ: المُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا أهْلُ مَكَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ أنَّها كائِنَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

الأعراف 7:188

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ، فَتَشْتَرِيَ فَتَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تَجْدُبَ، فَتَرْتَحِلَ عَنْها إلى ما قَدْ أُخْصِبَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي المُرادِ بِالنَّفْعِ والضَّرِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ ما يَنْفَعُ ويَضُرُّ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّ النَّفْعَ: الهُدى، والضُّرُّ: الضَّلالَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا ما أرادَ أنْ أُمَلِّكَهُ بِتَمْلِيكِهِ إيّايَ؛ ومَن هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَكَيْفَ يَعْلَمُ عِلْمَ السّاعَةِ. ! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٣٠٠)أحَدُها: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ بِجَدْبِ الأرْضِ وقَحْطِ المَطَرِ قَبْلَ كَوْنِ ذَلِكَ لَهَيَّأْتُ لِسَنَةِ الجَدْبِ ما يَكْفِيها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ما أرْبَحُ فِيهِ إذا اشْتَرَيْتُهُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى أمُوتُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما أسْألُ عَنْهُ مِنَ الغَيْبِ لِأجَبْتُ عَنْهُ. ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ: لَمْ يَلْحَقْنِي تَكْذِيبٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا الغَيْبُ، فَهو كُلُّ ما غابَ عَنْكَ. ويَخْرُجُ في المُرادِ بِالخَيْرِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ. والثّانِي: المالُ. والثّالِثُ: الرِّزْقُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ ما يَسُوءُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: الجُنُونُ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: التَّكْذِيبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَعَلى قَوْلِ الحَسَنِ، يَكُونُ هَذا الكَلامُ مُبْتَدَأ، والمَعْنى: وما بِي مِن جُنُونٍ إنَّما أنا نَذِيرٌ، وعَلى باقِي الأقْوالِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ.

الأعراف 7:189

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: آَدَمَ، (p-٣٠١)وَبِزَوْجِها: حَوّاءُ. ومَعْنى ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾: لَيَأْنَسَ بِها ويَأْوِي إلَيْها. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ: جامَعَها. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أحْسَنُ كِنايَةٍ عَنِ الجِماعِ. والحَمْلُ، بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ، أوْ أخْرَجَتْهُ شَجَرَةٌ. والحَمْلُ، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ. والمُرادُ بِالحَمْلِ الخَفِيفِ: الماءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قَعَدَتْ وقامَتْ ولَمْ يُثْقِلْها. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وقَرَأ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَوْنَيُّ " اسْتَمارَّتْ بِهِ " بِزِيادَةِ ألِفٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ بِألِفٍ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: فَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، أيْ: شَكَتْ وتَمارَتْ أحَمَلَتْ، أمْ لا؟ ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَ حَمْلُها ثَقِيلًا. وقالَ الأخْفَشُ: صارَتْ ذا ثِقَلٍ. يُقالُ: أثْمَرْنا، أيْ: صِرْنا ذَوِي ثَمَرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آَدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ وفي المُرادِ بِالصّالِحِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْسانُ المُشابِهُ لَهُما، وخافا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الغُلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. شَرْحُ السَّبَبِ في دُعائِهِما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ حَوّاءَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ حِمارٌ؛ وما يُدْرِيكَ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، أيَشُقُّ بَطْنَكِ، أمْ يَخْرُجُ مِن فِيكِ، أوْ مِن مِنخَرَيْكِ؟ فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَدَعَوا اللَّهَ حِينَئِذٍ، فَجاءَ إبْلِيسُ (p-٣٠٢)فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: ما أسْتَطِيعُ القِيامَ إذا قَعَدْتُ، قالَ: أفَرَأيْتِ إنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلَهُ إنْسانًا مِثْلَكِ ومِثْلَ آَدَمَ، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَلَمّا ولَدَتْهُ سَوِيًّا، جاءَها إبْلِيسُ فَقالَ: لِمَ لا تُسَمِّينَهُ بِي كَما وعَدْتِنِي؟ فَقالَتْ: وما اسْمُكَ؟ قالَ: الحارِثُ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثُ، فَسَمَّتْهُ: عُبِدَ الحارِثِ، وقِيلَ: عَبَدُ شَمْسٍ بِرِضى آَدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " شُرَكاءُ " بِضَمِّ الشِّينِ والمَدِّ، جَمْعُ شَرِيكٍ. وقَرَأ نافِعٌ. وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " شِرْكًا " مَكْسُورَةَ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ، لا عَلى الجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " شِرْكًا " حَذَفَ المُضافَ، كَأنَّهُ أرادَ: جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ، وذَوِي شَرِيكٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا، لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلا لَهُ ذَوِي شِرْكٍ، فالمَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا؛ وهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ "شُرَكاءَ" وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى "شُرَكاءَ": شَرِيكًا، فَأوْقَعَ الجَمْعَ مَوْقِعَ الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٧٣] . والمُرادُ بِالشَّرِيكِ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُما أطاعاهُ في الِاسْمِ، فَكانَ الشِّرْكُ في الطّاعَةِ، لا في العِبادَةِ؛ ولَمْ (p-٣٠٣)يَقْصِدا أنَّ الحارِثَ رَبَّهُما، لَكِنْ قَصَدا أنَّهُ سَبَبُ نَجاةِ ولَدِهِما؛ وقَدْ يُطْلَقُ العَبْدُ عَلى مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا وما فِيَّ إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لا يَعِيشُ لِآَدَمَ ولَدٌ، فَقالَ الشَّيْطانُ: إذا وُلِدَ لَكُما ولَدٌ فَسَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأطاعاهُ في الِاسْمِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْرَكَ آَدَمُ، إنَّ أوَّلَ الآَيَةِ لَشُكْرٌ، وآَخِرُها مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن يَعْبُدُهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ . ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، رَزَقَهُمُ اللهُ أوْلادًا فَهَوَّدُوهم ونَصَّرُوهم. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ قالا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ عائِدٌ إلى النَّفْسِ وزَوْجِهِ مِن ولَدِ آَدَمَ، لا إلى آَدَمَ وحَوّاءَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوَلَدِ الصّالِحِ، وهو السَّلِيمُ الخَلْقِ؛ فالمَعْنى: جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ الوَلَدُ شُرَكاءَ. وإنَّما قِيلَ: "جَعَلا" لِأنَّ حَوّاءَ كانْتْ تَلِدُ في كُلِّ (p-٣٠٤)بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أوْلادُ آَدَمَ وحَوّاءَ. فَتَأْوِيلُ الآَيَةِ: فَلَمّا آَتاهُما صالِحًا، جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ، فَحَذَفَ الأوْلادَ وأقامَهُما مَقامَهم كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ:٨٢] . وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في مُشْرِكِي العَرَبِ خاصَّةً، وأنَّها مَفْصُولَةً عَنْ قِصَّةِ آَدَمَ وحَوّاءَ.

الأعراف 7:190

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: آَدَمَ، (p-٣٠١)وَبِزَوْجِها: حَوّاءُ. ومَعْنى ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾: لَيَأْنَسَ بِها ويَأْوِي إلَيْها. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ: جامَعَها. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أحْسَنُ كِنايَةٍ عَنِ الجِماعِ. والحَمْلُ، بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ، أوْ أخْرَجَتْهُ شَجَرَةٌ. والحَمْلُ، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ. والمُرادُ بِالحَمْلِ الخَفِيفِ: الماءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قَعَدَتْ وقامَتْ ولَمْ يُثْقِلْها. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وقَرَأ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَوْنَيُّ " اسْتَمارَّتْ بِهِ " بِزِيادَةِ ألِفٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ بِألِفٍ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: فَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، أيْ: شَكَتْ وتَمارَتْ أحَمَلَتْ، أمْ لا؟ ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَ حَمْلُها ثَقِيلًا. وقالَ الأخْفَشُ: صارَتْ ذا ثِقَلٍ. يُقالُ: أثْمَرْنا، أيْ: صِرْنا ذَوِي ثَمَرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آَدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ وفي المُرادِ بِالصّالِحِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْسانُ المُشابِهُ لَهُما، وخافا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الغُلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. شَرْحُ السَّبَبِ في دُعائِهِما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ حَوّاءَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ حِمارٌ؛ وما يُدْرِيكَ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، أيَشُقُّ بَطْنَكِ، أمْ يَخْرُجُ مِن فِيكِ، أوْ مِن مِنخَرَيْكِ؟ فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَدَعَوا اللَّهَ حِينَئِذٍ، فَجاءَ إبْلِيسُ (p-٣٠٢)فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: ما أسْتَطِيعُ القِيامَ إذا قَعَدْتُ، قالَ: أفَرَأيْتِ إنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلَهُ إنْسانًا مِثْلَكِ ومِثْلَ آَدَمَ، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَلَمّا ولَدَتْهُ سَوِيًّا، جاءَها إبْلِيسُ فَقالَ: لِمَ لا تُسَمِّينَهُ بِي كَما وعَدْتِنِي؟ فَقالَتْ: وما اسْمُكَ؟ قالَ: الحارِثُ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثُ، فَسَمَّتْهُ: عُبِدَ الحارِثِ، وقِيلَ: عَبَدُ شَمْسٍ بِرِضى آَدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " شُرَكاءُ " بِضَمِّ الشِّينِ والمَدِّ، جَمْعُ شَرِيكٍ. وقَرَأ نافِعٌ. وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " شِرْكًا " مَكْسُورَةَ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ، لا عَلى الجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " شِرْكًا " حَذَفَ المُضافَ، كَأنَّهُ أرادَ: جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ، وذَوِي شَرِيكٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا، لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلا لَهُ ذَوِي شِرْكٍ، فالمَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا؛ وهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ "شُرَكاءَ" وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى "شُرَكاءَ": شَرِيكًا، فَأوْقَعَ الجَمْعَ مَوْقِعَ الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٧٣] . والمُرادُ بِالشَّرِيكِ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُما أطاعاهُ في الِاسْمِ، فَكانَ الشِّرْكُ في الطّاعَةِ، لا في العِبادَةِ؛ ولَمْ (p-٣٠٣)يَقْصِدا أنَّ الحارِثَ رَبَّهُما، لَكِنْ قَصَدا أنَّهُ سَبَبُ نَجاةِ ولَدِهِما؛ وقَدْ يُطْلَقُ العَبْدُ عَلى مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا وما فِيَّ إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لا يَعِيشُ لِآَدَمَ ولَدٌ، فَقالَ الشَّيْطانُ: إذا وُلِدَ لَكُما ولَدٌ فَسَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأطاعاهُ في الِاسْمِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْرَكَ آَدَمُ، إنَّ أوَّلَ الآَيَةِ لَشُكْرٌ، وآَخِرُها مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن يَعْبُدُهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ . ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، رَزَقَهُمُ اللهُ أوْلادًا فَهَوَّدُوهم ونَصَّرُوهم. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ قالا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ عائِدٌ إلى النَّفْسِ وزَوْجِهِ مِن ولَدِ آَدَمَ، لا إلى آَدَمَ وحَوّاءَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوَلَدِ الصّالِحِ، وهو السَّلِيمُ الخَلْقِ؛ فالمَعْنى: جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ الوَلَدُ شُرَكاءَ. وإنَّما قِيلَ: "جَعَلا" لِأنَّ حَوّاءَ كانْتْ تَلِدُ في كُلِّ (p-٣٠٤)بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أوْلادُ آَدَمَ وحَوّاءَ. فَتَأْوِيلُ الآَيَةِ: فَلَمّا آَتاهُما صالِحًا، جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ، فَحَذَفَ الأوْلادَ وأقامَهُما مَقامَهم كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ:٨٢] . وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في مُشْرِكِي العَرَبِ خاصَّةً، وأنَّها مَفْصُولَةً عَنْ قِصَّةِ آَدَمَ وحَوّاءَ.

الأعراف 7:191

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ لِآَدَمَ وحَوّاءَ حَيْثُ سَمَّيا ولَدَهُما عَبْدَ شَمْسٍ، والشَّمْسُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا. وقالَ غَيْرُهُ: هَذا راجَعٌ إلى الكَفّارِ حَيْثُ أشْرَكُوا بِاللَّهِ الأصْنامَ، وهي لا تَخْلُقُ شَيْئًا. وقَوْلُهُ: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ أيْ: وهي مَخْلُوقَةٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: "ما" ثُمَّ قالَ: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ؛ وإنَّما قالَ: وهَمّ وهو يَعْنِي الأصْنامَ، لِأنَّ عابِدِيها ادَّعَوْا أنَّها تَعْقِلُ وتُمَيِّزُ، فَأُجْرِيتْ مَجْرى النّاسِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ:١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، قالَ الشّاعِرُ: ؎ تَمَزَّزْتُها والدِّيكُ يَدْعُو صَباحَهُ إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا وَأنْشَدَ ثَعْلَبٌ لِعَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ: ؎ إذْ أشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعُو بَعْضَ أُسْرَتِهِ ∗∗∗ لَدى الصَّباحِ وهم قَوْمٌ مَعازِيلُ (p-٣٠٥)لَمّا جَعَلَهُ يَدْعُو، جَعَلَ الدِّيَكَةَ قَوْمًا، وجَعَلَهم مَعازِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ لا سِلاحَ مَعَهم، وجَعَلَهم أُسْرَةً؛ وأُسْرَةُ الرَّجُلِ: رَهْطُهُ وقَوْمُهُ.

الأعراف 7:192

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يَقُولُ: إنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ نَصْرَ مَن عَبَدَها، ولا تَمْنَعَ مِن نَفْسِها.

الأعراف 7:193

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأصْنامِ، فالمَعْنى: وإنْ دَعَوْتُمْ أيُّها المُشْرِكُونَ أصْنامَكم إلى سَبِيلِ رَشادٍ لا يَتَّبِعُوكم، لِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى: وإنْ تَدَعْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إلى الهُدى، لا يَتَّبِعُوكم، فَدُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سَواءٌ، لِأنَّهم لا يَنْقادُونَ إلى الحَقِّ. وقَرَأ نافِعٌ ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ.

الأعراف 7:194

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: فَلْيُجِيبُوكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ لَكِنَّ عِنْدَهم نَفْعًا وثَوابًا. ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في المَصالِحِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ في دَفْعٍ ما يُؤْذِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَبْطِشُونَ" بِضَمِّ الطّاءِ هاهُنا وفي [القَصَصِ:١٩] و[الدُّخانِ:١٦] . ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ المَنافِعُ مِنَ المَضارِّ ﴿أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ تَضَرُّعَكم ودُعاءَكُمْ؟ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى تَفْضِيلِ العابِدِينَ عَلى المَعْبُودِينَ، وتَوْبِيخٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هم أفْضَلُ مِنهُ. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُخَوِّفُونَهُ بِآَلِهَتِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهم ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: لا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَقْرَؤُونَ " ثُمَّ كيدون " بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ في رِوايَةِ ابْنُ حَمّادٍ بِالياءِ في الوَصْلِ. ورَوى ورْشٌ، وقالُونُ، والمُسَيِّبِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ، ولا وقْفٍ. فَأمّا "تَنْظُرُونَ" فَأثْبَتَ فِيها الياءَ يَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناصِرِيَّ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهو القُرْآَنُ، أيْ: كَما أيَّدَنِي بِإنْزالِ الكِتابِ يَنْصُرُنِي.

الأعراف 7:195

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: فَلْيُجِيبُوكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ لَكِنَّ عِنْدَهم نَفْعًا وثَوابًا. ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في المَصالِحِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ في دَفْعٍ ما يُؤْذِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَبْطِشُونَ" بِضَمِّ الطّاءِ هاهُنا وفي [القَصَصِ:١٩] و[الدُّخانِ:١٦] . ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ المَنافِعُ مِنَ المَضارِّ ﴿أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ تَضَرُّعَكم ودُعاءَكُمْ؟ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى تَفْضِيلِ العابِدِينَ عَلى المَعْبُودِينَ، وتَوْبِيخٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هم أفْضَلُ مِنهُ. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُخَوِّفُونَهُ بِآَلِهَتِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهم ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: لا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَقْرَؤُونَ " ثُمَّ كيدون " بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ في رِوايَةِ ابْنُ حَمّادٍ بِالياءِ في الوَصْلِ. ورَوى ورْشٌ، وقالُونُ، والمُسَيِّبِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ، ولا وقْفٍ. فَأمّا "تَنْظُرُونَ" فَأثْبَتَ فِيها الياءَ يَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناصِرِيَّ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهو القُرْآَنُ، أيْ: كَما أيَّدَنِي بِإنْزالِ الكِتابِ يَنْصُرُنِي.

الأعراف 7:196

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: فَلْيُجِيبُوكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ لَكِنَّ عِنْدَهم نَفْعًا وثَوابًا. ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في المَصالِحِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ في دَفْعٍ ما يُؤْذِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَبْطِشُونَ" بِضَمِّ الطّاءِ هاهُنا وفي [القَصَصِ:١٩] و[الدُّخانِ:١٦] . ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ المَنافِعُ مِنَ المَضارِّ ﴿أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ تَضَرُّعَكم ودُعاءَكُمْ؟ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى تَفْضِيلِ العابِدِينَ عَلى المَعْبُودِينَ، وتَوْبِيخٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هم أفْضَلُ مِنهُ. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُخَوِّفُونَهُ بِآَلِهَتِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهم ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: لا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَقْرَؤُونَ " ثُمَّ كيدون " بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ في رِوايَةِ ابْنُ حَمّادٍ بِالياءِ في الوَصْلِ. ورَوى ورْشٌ، وقالُونُ، والمُسَيِّبِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ، ولا وقْفٍ. فَأمّا "تَنْظُرُونَ" فَأثْبَتَ فِيها الياءَ يَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناصِرِيَّ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهو القُرْآَنُ، أيْ: كَما أيَّدَنِي بِإنْزالِ الكِتابِ يَنْصُرُنِي.

الأعراف 7:197

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِمَّنْ أرادَكم بِسُوءٍ ولا يَمْنَعُونَ أنْفُسَهم مِن سُوءٍ أُرِيدَ بِهِمْ.

الأعراف 7:198

(p-٣٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ في المُرادِ بِهَؤُلاءِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأصْنامُ. ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما يُواجِهُونَكَ، تَقُولُ العَرَبُ: دارِي تَنْظُرُ إلى دارِكَ، ﴿وَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ أرْواحٌ. والثّانِي: وتَراهم كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، لِأنَّ لَهم أعْيُنًا مَصْنُوعَةً، فَأسْقَطَ كافَ التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى﴾ [الحَجِّ:٢] أيْ: كَأنَّهم سُكارى، ﴿وَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ في الحَقِيقَةِ. وإنَّما أخْبَرَ عَنْهم بِالهاءِ والمِيمِ، لِأنَّهم عَلى هَيْئَةِ بَنِي آَدَمَ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فالمَعْنى: وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ بِأعْيُنِهِمْ ولا يُبْصِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ.

الأعراف 7:199

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ العَفْوُ: المَيْسُورُ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:٢١٩] . وفي الَّذِي أمَرَ بِأخْذِ العَفْوِ مِنهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أخْلاقُ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، فَيَكُونُ (p-٣٠٨)المَعْنى: أقْبَلُ المَيْسُورَ مِن أخْلاقِ النّاسِ، ولا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَتَظْهَرُ مِنهُمُ البَغْضاءُ. والثّانِي: أنَّهُ المالُ، وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِعَفْوِ المالِ: الزَّكاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. والثّانِي: أنَّها صَدَقَةٌ كانَتْ تُؤْخَذُ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ: مُساهَلَةُ المُشْرِكِينَ والعَفْوُ عَنْهم، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ: بِالمَعْرُوفِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآَيَةِ السَّيْفِ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ فِيمَن جَهِلَ، أمَرَ بِصِيانَةِ النَّفْسِ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ عَلى سَفَهِهِمْ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ الآَيَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ كُلِّها مُحْكَمَةٌ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّ وسَطَها مُحْكَمٌ، وطَرَفَيْها مَنسُوخانِ عَلى ما بَيَّنّا.

الأعراف 7:200

قَوْلُهُ تَعالى: ( إذا مَسَّهم طَيْف ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "طَيْفٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ" بِألِفٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ: "طَيَّفٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وهَلِ الطّائِفُ والطَّيْفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما ما كانَ كالخَيالِ والشَّيْءِ يُلِمُّ بِكَ، حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: الطَّيْفُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ الطّائِفِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألا بِالقَوْمِ لَطَيْفُ الخَيالِ أرَقُّ مِن نازِحٍ ذِي دَلالِ والثّانِي: أنَّ الطّائِفَ: ما يَطُوفُ حَوْلَ الشَّيْءِ، والطَّيْفُ اللَّمَّةُ والوَسْوَسَةُ (p-٣١٠)والخَطِرَةُ، حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ، والطَّيْفُ: الغَضَبُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطّائِفُ: الفاعِلُ مِنَ الطَّيْفِ؛ والطَّيْفِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: اللَّمَمُ مِنَ الشَّيْطانِ؛ وزَعَمَ مُجاهِدٌ أنَّهُ الغَضَبُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَذَكَّرُوا اللَّهَ إذا هَمُّوا بِالمَعاصِي فَتَرَكُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: تُفَكِّرُوا فِيما أوْضَحَ اللَّهُ لَهم مِنَ الحُجَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ؛ والمَعْنى: إذا جَرَّأهُمُ الشَّيْطانُ عَلى ما لا يَحِلُّ، تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ، أمْسَكُوا، فَإذا هم مُبْصِرُونَ لَمَواضِعِ الخَطَإ بِالتَّفَكُّرِ.

الأعراف 7:201

قَوْلُهُ تَعالى: ( إذا مَسَّهم طَيْف ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "طَيْفٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ" بِألِفٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ: "طَيَّفٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وهَلِ الطّائِفُ والطَّيْفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما ما كانَ كالخَيالِ والشَّيْءِ يُلِمُّ بِكَ، حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: الطَّيْفُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ الطّائِفِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألا بِالقَوْمِ لَطَيْفُ الخَيالِ أرَقُّ مِن نازِحٍ ذِي دَلالِ والثّانِي: أنَّ الطّائِفَ: ما يَطُوفُ حَوْلَ الشَّيْءِ، والطَّيْفُ اللَّمَّةُ والوَسْوَسَةُ (p-٣١٠)والخَطِرَةُ، حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ، والطَّيْفُ: الغَضَبُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطّائِفُ: الفاعِلُ مِنَ الطَّيْفِ؛ والطَّيْفِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: اللَّمَمُ مِنَ الشَّيْطانِ؛ وزَعَمَ مُجاهِدٌ أنَّهُ الغَضَبُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَذَكَّرُوا اللَّهَ إذا هَمُّوا بِالمَعاصِي فَتَرَكُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: تُفَكِّرُوا فِيما أوْضَحَ اللَّهُ لَهم مِنَ الحُجَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ؛ والمَعْنى: إذا جَرَّأهُمُ الشَّيْطانُ عَلى ما لا يَحِلُّ، تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ، أمْسَكُوا، فَإذا هم مُبْصِرُونَ لَمَواضِعِ الخَطَإ بِالتَّفَكُّرِ.

الأعراف 7:202

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإخْوانُهُمْ﴾ في هَذِهِ الهاءِ والمِيمِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عائِدَةٌ عَلى المُشْرِكِينَ؛ فَتَكُونُ هَذِهِ الآَيَةُ مُقَدَّمَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ، وإخْوانُ الجاهِلِينَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قَرَأ نافِعٌ: "يَمُدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ. والباقُونَ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: عامَّةٌ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ فِيما يُحْمَدُ ويُسْتَحَبُّ: أُمْدِدْتُ، عَلى أُفْعِلْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ [النَّمْلِ:٣٦] ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ:٥٥] ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ [الطُّورِ:٢٢]، وما كانَ عَلى خِلافٍ يَجِيءُ عَلى: مَدَدْتُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥]؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَجْهَ فَتْحُ الياءِ، إلّا أنَّ وجْهَ قِراءَةِ نافِعٍ بِمَنزِلَةِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "يَمُدُّونَهم في الغَيِّ" أيْ: يُزَيِّنُونَهُ لَهم، (p-٣١١)وَيُرِيدُونَ مِنهم لُزُومَهُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: أنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا جَرَّهُمُ الشَّيْطانُ إلى خَطِيئَةٍ، تابُوا مِنها، وإخْوانُ الجاهِلِينَ، وهُمُ الشَّياطِينُ، يَمُدُّونَهم في الغَيِّ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الهاءُ والمِيمُ تَرْجِعُ إلى الشَّياطِينِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهم لَقَوْلِهِ: "مِنَ الشَّيْطانِ "فالمَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهم. والثّانِي: أنَّ الهاءَ والمِيمَ تَرْجِعُ إلى المُتَّقِينَ؛ فالمَعْنى: وإخْوانُ المُتَّقِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: مِنَ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهم في الغَيِّ، أيْ: يُرِيدُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَدْخُلُوا مَعَهم في الكُفْرِ، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: "وَإخْوانُهُمْ" ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ؟ فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا إخْوانَهم في النَّسَبِ، أوْ في كَوْنِهِمْ مِن بَنِي آَدَمَ، أوْ لَكَوْنِهِمْ يُظْهِرُونَ النُّصْحَ كالإخْوانِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ الشَّياطِينُ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا لِكَوْنِهِمْ مُصاحِبِينَ لَهم، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَقْصُرُونَ" بِالتَّشْدِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أقْصَرَ يُقَصِّرُ، وقَصَرَ يُقَصِّرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا الإنْسُ يُقْصِرُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُقَصِّرُ عَنْهُمْ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: "يُقْصِرُونَ" مِن فِعْلِ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ؛ ويَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الثّانِي أنْ يَكُونَ هَذا وصْفًا لِلْإخْوانِ فَقَطْ.

الأعراف 7:203

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ يَعْنِي بِهِ المُشْرِكِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ، سَألُوها تَعَنُّتًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣١٢)والثّانِي: إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ لَإبْطاءِ الوَحْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: العَرَبُ تَقُولُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ، واخْتَلَقْتُهُ، وارْتَجَلْتُهُ: إذا افْتَعَلْتُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ. والثّانِي: هَلّا طَلَبْتَها لَنا قَبْلَ مَسْألَتِكَ؟ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ لِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَصائِرُ بِمَعْنى الحُجَجِ والبُرْهانِ والبَيانِ، واحِدَتُها: بَصِيرَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى البَصائِرِ: ظُهُورُ الشَّيْءِ وبَيانُهُ.

الأعراف 7:204

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، فَقَرَأ أصْحابُهُ وراءَهُ رافِعِينَ أصْواتَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ إذا صَلّى، فَيَقُولُ بَعْضُهم لَبَعْضٍ: لا تَسْمَعُوا لَهَذا القُرْآَنِ والغُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ. (p-٣١٣)والثّالِثُ: «أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ كُلَّما قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، قَرَأ هو، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في صَلاتِهِمْ أوَّلَ ما فُرِضَتْ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لَصاحِبِهِ: كَمْ صَلَّيْتُمْ؟ فَيَقُولُ: كَذا وكَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ تَأْمُرُ بِالإنْصاتِ لِلْإمامِ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ في آَخَرِينَ.

الأعراف 7:205

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ في هَذا الذِّكْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ القِراءَةُ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، أمَرَ أنْ يَقْرَأ في نَفْسِهِ في صَلاةِ الإسْرارِ. والثّانِي: أنَّهُ القِراءَةُ خَلْفَ الإمامِ سِرًّا في نَفْسِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسانِ. والرّابِعُ: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِاسْتِدامَةِ الفِكْرِ، لا يَغْفُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ. وفي المُخاطَبِ بِهَذا الذَّكَرِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُسْتَمِعُ لَلْقُرْآَنِ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا مِنَ الخَطِيبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابُ النَّبِيِّ ﷺ، ومَعْناهُ عامٌّ في جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. (p-٣١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ التَّضَرُّعُ: الخُشُوعُ في تَواضُعٍ؛ والخِيفَةُ الحَذَرُ مِن عِقابِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ الجَهْرُ: الإعْلانُ بِالشَّيْءِ؛ ورَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ: إذا كانَ صَوْتُهُ عالِيًا. وفي هَذا نَصَّ عَلى أنَّهُ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ؛ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: قِراءَةُ القُرْآَنِ. والثّانِي: الدُّعاءُ، وكَلاهُما مَندُوبٌ إلى إخْفائِهِ، إلّا أنَّ صَلاةَ الجَهْرِ قَدْ بَيَّنَ أدَبُها في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ﴾ [الإسْراءُ: ١١٠] . بِها فَأمّا الغُدُوُّ فَهو جَمْعُ غُدْوَةٍ؛ والآَصالُ جَمْعُ أصْلٍ، والأصْلُ جَمْعُ أصِيلٍ؛ فالآَصالُ جَمْعُ الجَمْعِ، والآَصالُ: العَشِيّاتُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي ما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ؛ وأنْشَدَ: ؎ لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أهْلَهُ وأقْعُدُ في أفْيائِهِ بِالأصائِلِ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي بِالغُدُوِّ: صَلاةَ الفَجْرِ؛ والآَصالِ: صَلاةَ العَصْرِ.

الأعراف 7:206

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: لا يَتَكَبَّرُونَ ويَتَعَظَّمُونَ (عَنْ عِبادَتِهِ) وفي هَذِهِ العِبادَةِ قَوْلانِ. (p-٣١٥)أحَدُهُما: الطّاعَةُ. والثّانِي: الصَّلاةُ والخُضُوعُ فِيها. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُنَزِّهُونَهُ عَنِ السُّوءِ. والثّانِي: يَقُولُونَ: سُبْحانَ اللَّهَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ: يَصِلُونَ. وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا: أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ تُخْبِرُ أنَّ المَلائِكَةَ وهم أكْبَرُ شَأْنًا مِنكم، لا يَتَكَبَّرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا قَرَأ ابْنُ آَدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي ويَقُولُ: يا ويْلَهُ، أمَرَ هَذا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ، وأُمْرِتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِي النّارُ"» .

الأنفال 8:1

(p-٣١٦)سُورَةُ الأنْفالِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ فِيها سَبْعَ آَياتٍ مَكِّيّاتٍ، أوَّلُها: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ:٣٠] . ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا"، فَأمّا المَشْيَخَةُ، فَثَبَتُوا تَحْتَ الرّاياتِ، وأمّا الشُّبّانُ، فَسارَعُوا إلى القَتْلِ والغَنائِمِ، فَقالَ المَشْيَخَةُ لَلشُّبّانِ: أشْرِكُونا مَعَكم، فَإنّا كُنّا لَكم رِدَءًا؛ فَأبَوْا، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ سُورَةُ [الأنْفال]» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣١٧)والثّانِي: «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ أصابَ سَيْفًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْهُ لِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى «عَنْ سَعْدٍ قالَ: قَتَلْتُ سَعْدَ بْنَ العاصِ، وأخَذْتُ سَيْفَهُ فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: "اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبْضِ" فَرَجَعْتُ، وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ فَما جاوَزْتُ إلّا قَرِيبًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ (الأنْفال)، فَقالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ" .» وَقالَ السُّدِّيُّ: «اخْتَصَمَ سَعْدٌ وناسٌ آَخَرُونَ في ذَلِكَ السَّيْفِ، فَسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» والثّالِثُ: أنَّ الأنْفالَ كانَتْ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ، فَسَألُوهُ أنْ يُعْطِيَهم مِنها شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي المُرادِ بِالأنْفالِ سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣١٨)أحَدُها: أنَّها الغَنائِمُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ. وواحِدُ الأنْفالِ: نَفْلٌ، قالَ لَبِيدٌ: ؎ إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفْلٍ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلِ والثّانِي: أنَّها ما نَفَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القاتِلُ مَن سَلَبَ قَتِيلَهُ. والثّالِثُ: أنَّها ما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ مِن عَبْدٍ أوْ دابَّةٍ بِغَيْرِ قِتالٍ، قالَهُ عَطاءٌ. وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والرّابِعُ: أنَّهُ الخَمْسُ الَّذِي أخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَنائِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهُ أنْفالُ السَّرايا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ. وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي السَّرايا الَّتِي تَتَقَدَّمُ أمامَ الجُيُوشِ. والسّادِسُ: أنَّها زِياداتٌ يُؤْثِرُ بِها الإمامُ بَعْضَ الجَيْشِ لِما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وفي "عَنْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ الأنْفالَ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ: "يَسْألُونَكَ الأنْفالَ" بِحَذْفِ "عَنْ" والثّانِي: أنَّها أصْلٌ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ لِمَن هِيَ؟ أوْ عَنْ حُكْمِ الأنْفالِ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِها ما يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلَيْنِ. وذَكَرَ أنَّهم إنَّما سَألُوا عَنْ حُكْمِها لِأنَّها كانَتْ حَرامًا عَلى الأُمَمِ قَبْلَهم. (p-٣١٩)* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها ناسِخَةٌ مِن وجْهٍ، مَنسُوخَةٌ مِن وجْهٍ، وذَلِكَ أنَّ الغَنائِمَ كانَتْ حَرامًا في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآَيَةِ، وجَعَلَ الأمْرَ في الغَنائِمِ إلى ما يَراهُ الرَّسُولُ ﷺ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ:٤١] . وقالَ آَخَرُونَ: المُرادُ بِالأنْفالِ شَيْئانِ. أحَدُهُما: ما يَجْعَلُهُ الرَّسُولُ ﷺ لَطائِفَةٍ مِن شُجْعانِ العَسْكَرِ ومُتَقَدِّمِيهِ، يَسْتَخْرِجُ بِهِ نُصْحَهم، ويُحَرِّضُهم عَلى القِتالِ. والثّانِي: ما يُفْضُلُ مِنَ الغَنائِمِ بَعْدَ قِسْمَتِها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ، فَغَنِمْنا إبِلًا، فَأصابَ كُلُّ واحِدٍ مِنّا اثْنا عَشَرَ بَعِيرًا، ونَفَلْنا بَعِيرًا بَعِيرًا؛ فَعَلى هَذا هي مَحْكَمَةٌ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ باقٍ إلى وقْتِنا هَذا.» فَصْلٌ وَيَجُوزُ النَّفْلُ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، وهو أنْ يَقُولَ الإمامُ: مَن أصابَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. فَأمّا بَعْدَ إحْرازِها، فَفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ. وهَلْ يَسْتَحِقُّ القاتِلُ سَلْبَ المَقْتُولِ إذا لَمْ يَشْرُطْهُ لَهُ الإمامُ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَسْتَحِقُّهُ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ، والشّافِعِيُّ. والثّانِي: لا يَسْتَحِقُّهُ، ويَكُونُ غَنِيمَةً لَلْجَيْشِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ؛ وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كالقَوْلَيْنِ. (p-٣٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ يَحْكُمانِ فِيها ما أرادا، ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ مُخالَفَتِهِ ﴿وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "ذاتَ بَيْنِكُمْ" حَقِيقَةُ وصْلِكم. والبَيْنُ: الوَصْلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ:٩٤] . ثُمَّ في المُرادِ بِالكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ يَرُدَّ القَوِيُّ عَلى الضَّعِيفِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّانِي: تَرَكَ المُنازَعَةَ تَسْلِيمًا لَلَّهِ ورَسُولِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيِ: اقْبَلُوا ما أمَرْتُمْ بِهِ في الغَنائِمِ وغَيْرِها.

الأنفال 8:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذَكَرْتَ عَظَمَتَهُ وقُدْرَتَهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، فَزِعَتْ قُلُوبُهم، قالَ الشّاعِرُ: ؎ لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ يُقالُ: وجِلَ يَوْجَلُ وياجَلُ ويَيْجَلُ ويِيجَلُ، هَذِهِ أرْبَعُ لُغاتٍ حَكاها سِيبَوَيْهِ. وأجْوَدُها: يَوْجَلُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهِمُّ بِالمَعْصِيَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَنْزِعُ عَنْها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيْ: آَياتُ القُرْآَنِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَصْدِيقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والمَعْنى: أنَّهم كُلَّما جاءَهم شَيْءٌ عَنِ اللَّهِ آَمَنُوا بِهِ فَيَزْدادُوا إيمانًا بِزِيادَةِ الآَياتِ. والثّانِي: يَقِينًا، قالَهُ الضَّحّاكُ. (p-٣٢١)والثّالِثُ: خَشْيَةُ اللَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى التَّوَكُّلِ في (آَلِ عِمْرانَ:١٢٢) .

الأنفال 8:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي الزَّكاةَ.

الأنفال 8:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "حَقًّا" مَنصُوبٌ بِمَعْنًى دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ، والجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾، فالمَعْنى: أُحِقُّ ذَلِكَ حَقًّا: وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ لا شَكَّ في إيمانِهِمْ كَشَكِّ المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ عَطاءٌ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ، والرِّزْقُ الكَرِيمُ: ما أعَدَّ لَهم فِيها.

الأنفال 8:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ في مُتَعَلِّقٍ هَذِهِ الكافِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالأنْفالِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ: امْضِ لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ وإنْ كَرِهُوا، كَما مَضَيْتَ في خُرُوجِكَ مَن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّ الأنْفالَ لَلَّهِ والرَّسُولِ ﷺ بِالحَقِّ الواجِبِ، كَما (p-٣٢٢)أخْرَجَكَ رَبُّكَ بِالحَقِّ، وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: يَسْألُوكَ عَنِ الأنْفالِ مُجادَلَةً، كَما جادَلُوكَ في خُرُوجِكَ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا﴾، والمَعْنى: إنَّ التَّقْوى والإصْلاحَ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا خَيْرًا لَكم وإنْ كَرِهَهُ بَعْضُكم، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ. والثّالِثُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، فالمَعْنى: مُجادَلَتُهم إيّاكَ في الغَنائِمِ كَإخْراجِ اللَّهِ إيّاكَ إلى بَدْرٍ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ. والرّابِعُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى: وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ. والخامِسُ: أنْ "كَما" في مَوْضِعِ قَسَمٍ، مَعْناها: والَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ بِأنَّ "ما" في مَوْضِعِ "الَّذِي" ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [اللَّيْلِ:٣] قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي هَذا القَوْلِ بَعْدَ؛ لِأنَّ الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الإقْسامِ. وفي هَذا الخُرُوجِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ خُرُوجُهُ إلى بَدْرٍ، وكَرِهَ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِالغَنِيمَةِ إلّا بِالقِتالِ. والثّانِي: أنَّهُ خُرُوجُهُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لَلْهِجْرَةِ. وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: "بِالحَقِّ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّكَ خَرَجْتَ ومَعَكَ الحَقُّ. والثّانِي: أنَّكَ خَرَجْتَ بِالحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قَوْلانِ أحَدُهُما: كارِهُونَ خُرُوجَكَ. (p-٣٢٣)والثّانِي: كارِهُونَ صَرْفَ الغَنِيمَةِ عَنْهم، وهَذِهِ كَراهَةُ الطَّبْعِ لَمَشَقَّةِ السَّفَرِ والقِتالِ، ولَيْسَتْ كَراهَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ يَعْنِي في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ عِدَّةٍ، فَقالُوا: هَلّا أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لِنَأْخُذَ العُدَّةَ، فَجادَلُوهُ طَلَبًا لَلرُّخْصَةِ في تَرْكِ القِتالِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿بُعْدما تَبَيَّنَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَبَيَّنَ لَهم فَرْضُهُ. والثّانِي: تَبَيَّنَ لَهم صَوابُهُ. والثّالِثُ: تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَفْعَلُ إلّا ما أُمِرْتَ بِهِ. وفي "المُجادِلِينَ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ جِدالُهم في الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، لا في القِتالِ. فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ أيْ: في لَقاءِ العَدُوِّ ﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾، لِأنَّ أشَدَّ حالٍ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ أنْ يَكُونَ ناظِرًا إلَيْهِ، وعالِمًا بِهِ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى الإسْلامِ لَكَراهَتِهِمْ إيّاهُ.

الأنفال 8:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ في مُتَعَلِّقٍ هَذِهِ الكافِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالأنْفالِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ: امْضِ لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ وإنْ كَرِهُوا، كَما مَضَيْتَ في خُرُوجِكَ مَن بَيْتِكَ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّ الأنْفالَ لَلَّهِ والرَّسُولِ ﷺ بِالحَقِّ الواجِبِ، كَما (p-٣٢٢)أخْرَجَكَ رَبُّكَ بِالحَقِّ، وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: يَسْألُوكَ عَنِ الأنْفالِ مُجادَلَةً، كَما جادَلُوكَ في خُرُوجِكَ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا﴾، والمَعْنى: إنَّ التَّقْوى والإصْلاحَ خَيْرٌ لَكم، كَما كانَ إخْراجُ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا خَيْرًا لَكم وإنْ كَرِهَهُ بَعْضُكم، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ. والثّالِثُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾، فالمَعْنى: مُجادَلَتُهم إيّاكَ في الغَنائِمِ كَإخْراجِ اللَّهِ إيّاكَ إلى بَدْرٍ وهم كارِهُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ. والرّابِعُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى: وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ. والخامِسُ: أنْ "كَما" في مَوْضِعِ قَسَمٍ، مَعْناها: والَّذِي أخْرَجَكَ مِن بَيْتِكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ بِأنَّ "ما" في مَوْضِعِ "الَّذِي" ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [اللَّيْلِ:٣] قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي هَذا القَوْلِ بَعْدَ؛ لِأنَّ الكافُ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الإقْسامِ. وفي هَذا الخُرُوجِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ خُرُوجُهُ إلى بَدْرٍ، وكَرِهَ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِالغَنِيمَةِ إلّا بِالقِتالِ. والثّانِي: أنَّهُ خُرُوجُهُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لَلْهِجْرَةِ. وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: "بِالحَقِّ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّكَ خَرَجْتَ ومَعَكَ الحَقُّ. والثّانِي: أنَّكَ خَرَجْتَ بِالحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قَوْلانِ أحَدُهُما: كارِهُونَ خُرُوجَكَ. (p-٣٢٣)والثّانِي: كارِهُونَ صَرْفَ الغَنِيمَةِ عَنْهم، وهَذِهِ كَراهَةُ الطَّبْعِ لَمَشَقَّةِ السَّفَرِ والقِتالِ، ولَيْسَتْ كَراهَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ يَعْنِي في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ عِدَّةٍ، فَقالُوا: هَلّا أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لِنَأْخُذَ العُدَّةَ، فَجادَلُوهُ طَلَبًا لَلرُّخْصَةِ في تَرْكِ القِتالِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿بُعْدما تَبَيَّنَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَبَيَّنَ لَهم فَرْضُهُ. والثّانِي: تَبَيَّنَ لَهم صَوابُهُ. والثّالِثُ: تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَفْعَلُ إلّا ما أُمِرْتَ بِهِ. وفي "المُجادِلِينَ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ جِدالُهم في الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، لا في القِتالِ. فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ أيْ: في لَقاءِ العَدُوِّ ﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾، لِأنَّ أشَدَّ حالٍ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ أنْ يَكُونَ ناظِرًا إلَيْهِ، وعالِمًا بِهِ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى الإسْلامِ لَكَراهَتِهِمْ إيّاهُ.

الأنفال 8:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: «أقْبَلَ أبُو سُفْيانَ مِنَ الشّامِ في عِيرٍ لَقُرَيْشٍ، حَتّى إذا دَنا مِن بَدْرٍ، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ يُرِيدُهم، فَبَلَّغَهم ذَلِكَ فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ ضَمْضَمٍ الغِفارِيَّ إلى مَكَّةَ مُسْتَغِيثًا، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِلْمَنعِ عَنْها، ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ (p-٣٢٤)بِساحِلِ البَحْرِ، فَفاتَ رَسُولُ اللَّهِ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾» والمَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ. والطّائِفَتانِ: أبُو سُفْيانَ وما مَعَهُ مِنَ المالِ، وأبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ؛ فَلَمّا سَبَقَ أبُو سُفْيانَ بِما مَعَهُ، كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ لَتُحْرِزُوا: رَكائِبَكم، فَقَدْ أحْرَزْتُها لَكم. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ. وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ القَوْمَ، فَكِرَهَ أصْحابُهُ ذَلِكَ ووَدُّوا أنْ لَوْ نالُوا الطّائِفَةَ الَّتِي فِيها الغَنِيمَةُ دُونَ القِتالِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أيْ: ذاتُ السِّلاحِ. يُقالُ: فُلانٌ شاكِي السِّلاحَ؛ بِالتَّخْفِيفِ، وشاكٌّ في السِّلاحِ؛ بِالتَّشْدِيدِ، وشائِكُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُ الشَّوْكَةِ الحَدُّ؛ يُقالُ: ما أشَدَّ شَوْكَةَ بَنِي فُلانٍ، أيْ: حَدُّهم. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما أنَّثَ "ذاتَ الشَّوْكَةِ" لِأنَّهُ يَعْنِي الطّائِفَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، والمَعْنى: يَحِقُّ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآَنِ. قَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِماتِهِ" أيْ: بِعِداتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن إعْزازِ الدِّينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يَجْتَثُّ أصْلَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٤٥) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ المَعْنى: ويُرِيدُ أنْ يَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ كَيْما يَحِقُّ الحَقَّ. وفي هَذا الحَقِّ القَوْلانِ المُتَقَدِّمانِ. فَأمّا الباطِلُ، فَهو الشِّرْكُ؛ والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

الأنفال 8:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: «أقْبَلَ أبُو سُفْيانَ مِنَ الشّامِ في عِيرٍ لَقُرَيْشٍ، حَتّى إذا دَنا مِن بَدْرٍ، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ يُرِيدُهم، فَبَلَّغَهم ذَلِكَ فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ ضَمْضَمٍ الغِفارِيَّ إلى مَكَّةَ مُسْتَغِيثًا، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِلْمَنعِ عَنْها، ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ (p-٣٢٤)بِساحِلِ البَحْرِ، فَفاتَ رَسُولُ اللَّهِ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾» والمَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ. والطّائِفَتانِ: أبُو سُفْيانَ وما مَعَهُ مِنَ المالِ، وأبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ؛ فَلَمّا سَبَقَ أبُو سُفْيانَ بِما مَعَهُ، كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ لَتُحْرِزُوا: رَكائِبَكم، فَقَدْ أحْرَزْتُها لَكم. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ. وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ القَوْمَ، فَكِرَهَ أصْحابُهُ ذَلِكَ ووَدُّوا أنْ لَوْ نالُوا الطّائِفَةَ الَّتِي فِيها الغَنِيمَةُ دُونَ القِتالِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أيْ: ذاتُ السِّلاحِ. يُقالُ: فُلانٌ شاكِي السِّلاحَ؛ بِالتَّخْفِيفِ، وشاكٌّ في السِّلاحِ؛ بِالتَّشْدِيدِ، وشائِكُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُ الشَّوْكَةِ الحَدُّ؛ يُقالُ: ما أشَدَّ شَوْكَةَ بَنِي فُلانٍ، أيْ: حَدُّهم. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما أنَّثَ "ذاتَ الشَّوْكَةِ" لِأنَّهُ يَعْنِي الطّائِفَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، والمَعْنى: يَحِقُّ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآَنِ. قَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِماتِهِ" أيْ: بِعِداتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن إعْزازِ الدِّينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٣] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يَجْتَثُّ أصْلَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٤٥) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ المَعْنى: ويُرِيدُ أنْ يَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ كَيْما يَحِقُّ الحَقَّ. وفي هَذا الحَقِّ القَوْلانِ المُتَقَدِّمانِ. فَأمّا الباطِلُ، فَهو الشِّرْكُ؛ والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

الأنفال 8:9

(p-٣٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: "إذْ" قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي مِن صِلَةِ "يُبْطِلُ" . وفي قَوْلِهِ: ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: تَسْتَنْصِرُونَ. والثّانِي: تَسْتَجِيرُونَ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُسْتَنْصِرَ يَطْلُبُ الظَّفْرَ، والمُسْتَجِيرَ يَطْلُبُ الخَلاصَ. وفي المُسْتَغِيثِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. فَأمّا الإمْدادُ فَقَدْ سَبَقَ في (p-٣٢٦)[آَلِ عِمْرانَ:١٢٤] . وقَوْلُهُ: بِألْف قَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "بِآَلافٍ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وبِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "بِأُلُوفٍ" بِرَفْعِ الهَمْزَةِ واللّامِ وبِواوٍ بَعْدَها عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ حَذْلَمَ، والجَحْدَرِيُّ: "بِأُلُفٍ" بِضَمِّ الألِفِ واللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَيَلِفٍ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مُرْدِفِينَ" بِكَسْرِ الدّالِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ: هُمُ المُتَتابِعُونَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا مُرْدَفِينَ مِثْلَهم، تَقُولُ أرْدَفْتُ زَيْدًا دابَّتِي؛ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا في الآَيَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونُوا جاؤُوا بَعْدَهُمْ؛ تَقُولُ العَرَبُ: بَنُو فُلانٍ مَرْدُوفُونا، أيْ: هم يَجِيؤُونَ بَعْدَنا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُرْدَفِينَ: جاؤُوا بَعْدُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُرْدِفِينَ" بِفَتْحِ الدّالِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: فِعْلَ ذَلِكَ بِهِمْ، أيْ: إنَّ اللَّهَ أرْدَفَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ: "مُرَدَّفِينَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والدّالِ مَعَ التَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "مُرُدِفِينَ" بِرَفْعِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وأرْدَفْتُهُ: إذا أرْكَبْتُهُ خَلْفِي. ويُقالُ: هَذِهِ دابَّةٌ لا تُرادِفُ، ولا يُقالُ: لا تُرْدِفُ. ويُقالُ: أرْدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا جِئْتُ بَعْدَهُ. فَمَعْنى "مُرْدِفِينَ" يَأْتُونَ فِرْقَةً. بَعْدَ فِرْقَةٍ ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: مُرَدِّفِينَ ومُرُدِّفِينَ ومُرِدِّفِينَ، فالدّالُ مَكْسُورَةٌ مُشَدِّدَةٌ عَلى كُلِّ حالِ، والرّاءُ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والضَّمُّ والكَسْرُ. قالَ (p-٣٢٧)سِيبَوَيْهِ: الأصْلُ مُرْتَدِفِينِ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَصارَتْ مُرَدِّفِينَ لِأنَّكَ طَرَحْتَ حَرَكَةَ التّاءِ عَلى الرّاءِ؛ وإنْ شِئْتَ لَمْ تَطْرَحْ حَرَكَةَ التّاءِ، وكَسَرْتَ الرّاءَ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والَّذِينَ ضَمُّوا الرّاءَ، جَعَلُوها تابِعَةً لَضَمَّةِ المِيمِ. وقَدْ سَبَقَ في (آَل عِمْرانَ) تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٢٦]، وكانَ مُجاهِدٌ يَقُولُ: ما أمَدَّ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأكْثَرِ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذُكِرَتْ في [الأنْفالِ:١٠]، وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ إلّا بُشْرى، ولَمْ يَمُدُّوا بِها؛ والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَهم في عَدَدِ المَلائِكَةِ في [آَلِ عِمْرانَ:١٢٦] .

الأنفال 8:10

(p-٣٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: "إذْ" قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي مِن صِلَةِ "يُبْطِلُ" . وفي قَوْلِهِ: ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: تَسْتَنْصِرُونَ. والثّانِي: تَسْتَجِيرُونَ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُسْتَنْصِرَ يَطْلُبُ الظَّفْرَ، والمُسْتَجِيرَ يَطْلُبُ الخَلاصَ. وفي المُسْتَغِيثِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ قالَهُ الزُّهْرِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. فَأمّا الإمْدادُ فَقَدْ سَبَقَ في (p-٣٢٦)[آَلِ عِمْرانَ:١٢٤] . وقَوْلُهُ: بِألْف قَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "بِآَلافٍ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وبِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "بِأُلُوفٍ" بِرَفْعِ الهَمْزَةِ واللّامِ وبِواوٍ بَعْدَها عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ حَذْلَمَ، والجَحْدَرِيُّ: "بِأُلُفٍ" بِضَمِّ الألِفِ واللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَيَلِفٍ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ واوٍ ولا ألِفٍ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مُرْدِفِينَ" بِكَسْرِ الدّالِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ: هُمُ المُتَتابِعُونَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا مُرْدَفِينَ مِثْلَهم، تَقُولُ أرْدَفْتُ زَيْدًا دابَّتِي؛ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا في الآَيَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونُوا جاؤُوا بَعْدَهُمْ؛ تَقُولُ العَرَبُ: بَنُو فُلانٍ مَرْدُوفُونا، أيْ: هم يَجِيؤُونَ بَعْدَنا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُرْدَفِينَ: جاؤُوا بَعْدُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُرْدِفِينَ" بِفَتْحِ الدّالِ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: فِعْلَ ذَلِكَ بِهِمْ، أيْ: إنَّ اللَّهَ أرْدَفَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ: "مُرَدَّفِينَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والدّالِ مَعَ التَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "مُرُدِفِينَ" بِرَفْعِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وأرْدَفْتُهُ: إذا أرْكَبْتُهُ خَلْفِي. ويُقالُ: هَذِهِ دابَّةٌ لا تُرادِفُ، ولا يُقالُ: لا تُرْدِفُ. ويُقالُ: أرْدَفْتُ الرَّجُلَ: إذا جِئْتُ بَعْدَهُ. فَمَعْنى "مُرْدِفِينَ" يَأْتُونَ فِرْقَةً. بَعْدَ فِرْقَةٍ ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: مُرَدِّفِينَ ومُرُدِّفِينَ ومُرِدِّفِينَ، فالدّالُ مَكْسُورَةٌ مُشَدِّدَةٌ عَلى كُلِّ حالِ، والرّاءُ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والضَّمُّ والكَسْرُ. قالَ (p-٣٢٧)سِيبَوَيْهِ: الأصْلُ مُرْتَدِفِينِ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَصارَتْ مُرَدِّفِينَ لِأنَّكَ طَرَحْتَ حَرَكَةَ التّاءِ عَلى الرّاءِ؛ وإنْ شِئْتَ لَمْ تَطْرَحْ حَرَكَةَ التّاءِ، وكَسَرْتَ الرّاءَ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والَّذِينَ ضَمُّوا الرّاءَ، جَعَلُوها تابِعَةً لَضَمَّةِ المِيمِ. وقَدْ سَبَقَ في (آَل عِمْرانَ) تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٢٦]، وكانَ مُجاهِدٌ يَقُولُ: ما أمَدَّ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأكْثَرِ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذُكِرَتْ في [الأنْفالِ:١٠]، وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ إلّا بُشْرى، ولَمْ يَمُدُّوا بِها؛ والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَهم في عَدَدِ المَلائِكَةِ في [آَلِ عِمْرانَ:١٢٦] .

الأنفال 8:11

قَوْلُهُ تَعالى: " إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَة مِنهُ " قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى مَعْنى: وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى، في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "إذْ يَغْشاكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وألِفِ "النُّعاسُ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُغَشِّيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ مُشَدَّدَةَ الشِّينِ مَكْسُورَةً "النُّعاسَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ نافِعٌ "يُغْشِيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وكَسْرِ الشِّينِ النُّعاسَ بِالنَّصْبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الكَلامُ راجِعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ. قالَ الزَّجّاجُ: "وَأمَنَةً" مَنصُوبٌ: مَفْعُولٌ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَعَلْتَ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ. يُقالُ: أمِنتَ آَمَنَ أمْنًا وأمانًا وأمَنَةً. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أمَنَةً مِنهُ" بِسُكُونِ المِيمِ. (p-٣٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ رَمْلَةٌ، وغَلَبَهُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَأصابَ المُسْلِمِينَ الظَّمَأُ، وجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، وألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الوَسْوَسَةَ، يَقُولُ: تَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ، وقَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، فَشَرِبُوا وتَطَهَّرُوا، واشْتَدَّ الرَّمْلُ حِينَ أصابَهُ المَطَرُ، وأزالَ اللَّهُ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وهو وسْواسُهُ، حَيْثُ قالَ: قَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ.» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِجْزُ الشَّيْطانِ: كَيْدُهُ، حَيْثُ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ساءَهم عَدَمُ الماءِ عِنْدَ فَقْرِهِمْ إلَيْهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ السَّماءَ، فَزالَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ الَّتِي تُكْسِبُ عَذابَ اللَّهِ وغَضَبَهُ، إذِ الرِّجْزُ: العَذابُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ الرَّبْطُ: الشَّدُّ. و"عَلى" في قَوْلِ بَعْضِهِمْ صِلَةٌ، فالمَعْنى: ولِيَرْبِطَ قُلُوبَكم. وفي الَّذِي رَبَطَ بِهِ قُلُوبَهم وقَوّاها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ المَطَرُ الَّذِي أرْسَلَهُ يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَهم بَعْدَ اضْطِرابِها بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الماءِ؛ فَإنَّ الأرْضَ كانَتْ رَمَلَةً، فاشْتَدَّتْ بِالمَطَرِ، وثَبَتَتْ عَلَيْها الأقْدامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّبْطِ، فالمَعْنى: ويُثَبِّتُ بِالرَّبْطِ الأقْدامَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

الأنفال 8:12

(p-٣٢٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ. ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟ كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ. (p-٣٣٠)والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ. والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ. والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا. وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ. فَإذا ألْقَيْتَ (p-٣٣١)الباءَ، نَصَبْتَ. وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

الأنفال 8:13

(p-٣٢٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ. ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟ كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ. (p-٣٣٠)والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ. والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ. والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا. وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ. فَإذا ألْقَيْتَ (p-٣٣١)الباءَ، نَصَبْتَ. وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

الأنفال 8:14

(p-٣٢٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ. ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟ كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ. (p-٣٣٠)والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ. والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ. والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا. وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ. فَإذا ألْقَيْتَ (p-٣٣١)الباءَ، نَصَبْتَ. وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

الأنفال 8:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزَّحْفُ: جَماعَةٌ يَزْحَفُونَ إلى عَدْوِّهِمْ؛ قالَهُ اللَّيْثُ. والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، قالَ الأعْشى: لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزْحَفُ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: إذا واقَفْتُمُوهم لَلْقِتالِ فَلا تُدْبِرُوا (وَمَن يُوَلِّهِمْ) يَوْمَ حَرْبِهِمْ (دُبُرَهُ) إلّا أنْ يَتَحَرَّفَ لَيُقاتِلَ، أوْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ؛ فَ "مُتَحَرِّفًا" و"مُتَحَيِّزًا" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُما عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا وأصْلُ مُتَحَيِّزٍ: مُتَحْيْوِزٍ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ إلَيْها؛ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى التَّخْلِيدِ. فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في أهْلِ بَدْرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ. وقالَ آَخَرُونَ: هي عَلى عُمُومِها في كُلِّ ِمُنْهَزِمٍ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ آَخَرُونَ هي عَلى عُمُومِها، غَيْرِ أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنْفالِ:٦٦] فَلَيْسَ لَلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفِرُّوا مِن مِثْلَيْهِمْ، وبِهِ قالَ (p-٣٣٢)عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. ورَوى أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ: لا يَفِرُّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَإنْ كانُوا ثَلاثَةً، فَلا بَأْسَ. وقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إذا بَلَغَ الجَيْشُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ، وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم. ونُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنْ مالِكٍ؛ ووَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما هُزِمَ قَوْمٌ إذا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ" إذا صَبَرُوا وصَدَّقُوا.»

الأنفال 8:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزَّحْفُ: جَماعَةٌ يَزْحَفُونَ إلى عَدْوِّهِمْ؛ قالَهُ اللَّيْثُ. والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، قالَ الأعْشى: لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزْحَفُ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: إذا واقَفْتُمُوهم لَلْقِتالِ فَلا تُدْبِرُوا (وَمَن يُوَلِّهِمْ) يَوْمَ حَرْبِهِمْ (دُبُرَهُ) إلّا أنْ يَتَحَرَّفَ لَيُقاتِلَ، أوْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ؛ فَ "مُتَحَرِّفًا" و"مُتَحَيِّزًا" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُما عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا وأصْلُ مُتَحَيِّزٍ: مُتَحْيْوِزٍ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ إلَيْها؛ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى التَّخْلِيدِ. فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في أهْلِ بَدْرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ. وقالَ آَخَرُونَ: هي عَلى عُمُومِها في كُلِّ ِمُنْهَزِمٍ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ آَخَرُونَ هي عَلى عُمُومِها، غَيْرِ أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنْفالِ:٦٦] فَلَيْسَ لَلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفِرُّوا مِن مِثْلَيْهِمْ، وبِهِ قالَ (p-٣٣٢)عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. ورَوى أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ: لا يَفِرُّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَإنْ كانُوا ثَلاثَةً، فَلا بَأْسَ. وقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إذا بَلَغَ الجَيْشُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ، وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم. ونُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنْ مالِكٍ؛ ووَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما هُزِمَ قَوْمٌ إذا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ" إذا صَبَرُوا وصَدَّقُوا.»

الأنفال 8:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ" "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى" بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِما. وسَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَجَعُوا عَنْ بَدْرٍ جَعَلُوا يَقُولُونَ: قَتَلْنا وقَتَلْنا، هَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ فَفي سَبَبِ نُزُولِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِّيٍّ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ، فَرَمى بِهِ في وُجُوهِ القَوْمِ، فَما بَقِيَ مِنهم أحَدٌ إلّا وقَعَتْ في عَيْنِهِ حَصاةٌ" .» وقِيلَ: «أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَرَمى بِها، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" فَما بَقِيَ مُشْرِكٌ إلّا شَغَلَ بِعَيْنِهِ يُعالِجُ التُّرابَ الَّذِي فِيها، فَنَزَلَتْ ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ (p-٣٣٣)رَمى﴾ وذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ؛» هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُ شاهَتْ: قُبِّحَتْ؛ يُقالُ: شاهَ وجْهُهُ يَشُوهُ شَوْهًا وشُوهَةً، ويُقالُ: رَجُلٌ أُشْوَهُ، وامْرَأةٌ شَوْهاءُ: إذا كانا قَبِيحَيْنِ. والثّانِي: «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أقْبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُهُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخُلُّوا سَبِيلَهُ، وطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَرْبَتِهِ، فَسَقَطَ أبِي عَنْ فَرَسِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأتاهُ أصْحابُهُ وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: إنَّما هو خَدْشٌ، فَقالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ المَجازِ لَماتُوا أجْمَعُونَ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُقْدُمَ مَكَّةَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ. والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمى يَوْمَ خَيْبَرٍ بِسَهْمٍ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مَعْنى إضافَةِ قَتْلِهِمْ إلَيْهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أرْسَلَهم. والثّانِي: أنَّهُ أضافَ القَتْلَ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَوَلّى نَصْرَهم. والثّالِثُ: لِأنَّهُ ساقَهم إلى المُؤْمِنِينَ، وأمْكَنَهم مِنهم. والرّابِعُ: لِأنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وما ظَفِرْتَ أنْتَ ولا أصَبْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ وأيَّدَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٣٤)والثّانِي: وما بَلَغَ رَمْيُكَ كَفًّا مِن تُرابٍ أوْ حَصًى أنْ تَمْلَأ عُيُونَ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَثِيرِ، إنَّما اللَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: لَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والأجْرِ. إنَّ اللَّهَ سَمِيع لَدُعائِهِمْ عَلِيم بِنِيّاتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكم قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ؛ والمَعْنى: الأمْرُ ذَلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: "ذَلِكُمْ" إشارَةً إلى القَتْلِ والرَّمْيِ والبَلاءِ الحَسَنِ. وأنَّ اللَّهَ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ. والَّذِي ذَكَرْناهُ في فَتْحِ "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ هو مَذْكُورٌ في فَتْحِ "أنْ" هَذِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُوهِنُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ "مُوَهِّنٌ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الهاءِ مُنَوَّنَةً "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ" ساكِنَةَ الواوِ "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ كَيْدَ" مُضافٌ. والمُوهِنُ: المُضَعَّفُ، والكَيْدُ: المَكْرُ.

الأنفال 8:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ" "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى" بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِما. وسَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَجَعُوا عَنْ بَدْرٍ جَعَلُوا يَقُولُونَ: قَتَلْنا وقَتَلْنا، هَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ فَفي سَبَبِ نُزُولِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: « "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِّيٍّ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ، فَرَمى بِهِ في وُجُوهِ القَوْمِ، فَما بَقِيَ مِنهم أحَدٌ إلّا وقَعَتْ في عَيْنِهِ حَصاةٌ" .» وقِيلَ: «أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَرَمى بِها، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" فَما بَقِيَ مُشْرِكٌ إلّا شَغَلَ بِعَيْنِهِ يُعالِجُ التُّرابَ الَّذِي فِيها، فَنَزَلَتْ ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ (p-٣٣٣)رَمى﴾ وذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ؛» هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُ شاهَتْ: قُبِّحَتْ؛ يُقالُ: شاهَ وجْهُهُ يَشُوهُ شَوْهًا وشُوهَةً، ويُقالُ: رَجُلٌ أُشْوَهُ، وامْرَأةٌ شَوْهاءُ: إذا كانا قَبِيحَيْنِ. والثّانِي: «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أقْبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُهُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخُلُّوا سَبِيلَهُ، وطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَرْبَتِهِ، فَسَقَطَ أبِي عَنْ فَرَسِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأتاهُ أصْحابُهُ وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: إنَّما هو خَدْشٌ، فَقالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ المَجازِ لَماتُوا أجْمَعُونَ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُقْدُمَ مَكَّةَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ. والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمى يَوْمَ خَيْبَرٍ بِسَهْمٍ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مَعْنى إضافَةِ قَتْلِهِمْ إلَيْهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أرْسَلَهم. والثّانِي: أنَّهُ أضافَ القَتْلَ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَوَلّى نَصْرَهم. والثّالِثُ: لِأنَّهُ ساقَهم إلى المُؤْمِنِينَ، وأمْكَنَهم مِنهم. والرّابِعُ: لِأنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وما ظَفِرْتَ أنْتَ ولا أصَبْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ وأيَّدَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٣٤)والثّانِي: وما بَلَغَ رَمْيُكَ كَفًّا مِن تُرابٍ أوْ حَصًى أنْ تَمْلَأ عُيُونَ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَثِيرِ، إنَّما اللَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: لَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والأجْرِ. إنَّ اللَّهَ سَمِيع لَدُعائِهِمْ عَلِيم بِنِيّاتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكم قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ؛ والمَعْنى: الأمْرُ ذَلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: "ذَلِكُمْ" إشارَةً إلى القَتْلِ والرَّمْيِ والبَلاءِ الحَسَنِ. وأنَّ اللَّهَ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ. والَّذِي ذَكَرْناهُ في فَتْحِ "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ هو مَذْكُورٌ في فَتْحِ "أنْ" هَذِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُوهِنُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ "مُوَهِّنٌ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الهاءِ مُنَوَّنَةً "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ" ساكِنَةَ الواوِ "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ كَيْدَ" مُضافٌ. والمُوهِنُ: المُضَعَّفُ، والكَيْدُ: المَكْرُ.

الأنفال 8:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وسَألُوهُ الفَتْحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ. (p-٣٣٥)والثّانِي: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى عِنْدَكَ فانْصُرْهُ اليَوْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ أخَذُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، فَقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأكْرَمَ القَبِيلَتَيْنِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا لا نَعْرِفُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فافْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالحَقِّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّهم قالُوا بِمَكَّةَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ الآَيَةُ[الأنْفالِ:٣٢]، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَخَرَجَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: "إنْ تَسْتَفْتِحُوا" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ؛ وهو الأشْهَرُ. وَفِي الِاسْتِفْتاحِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِنْصارُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، كانَ المَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ؛ احْتَمَلَ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ عَلَيْكم. والثّانِي: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّهِ، فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ. والثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْتاحَ: طَلَبُ الحُكْمِ، والمَعْنى: إنْ تَسْألُوا الحُكْمَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ جاءَكُمُ الحُكْمُ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَهو خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ. وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكَفْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٣٦)والثّانِي: إنْ تَنْتَهُوا عَنِ اسْتِفْتاحِكم، فَهو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ، لا لَهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى القِتالِ، نَعُدْ إلى هَزِيمَتِكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى الِاسْتِفْتاحِ، نَعُدْ إلى الفَتْحِ لَمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أيْ: جَماعَتُكم وإنْ كَثُرَتْ، ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالعَوْنِ والنَّصْرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَإنَّ اللَّهَ" بِكَسْرِ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألِفِ فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ "أنْ" اسْتَأْنَفَ. قالَ الفَرّاءُ: وهو أحَبُّ إلَيَّ مِن فَتْحِها. ومَن فَتَحَها، أرادَ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تُوَلُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: لا تُوَلُّوا عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآَنِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الأنفال 8:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وسَألُوهُ الفَتْحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ. (p-٣٣٥)والثّانِي: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى عِنْدَكَ فانْصُرْهُ اليَوْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ أخَذُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، فَقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأكْرَمَ القَبِيلَتَيْنِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا لا نَعْرِفُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فافْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالحَقِّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّهم قالُوا بِمَكَّةَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ الآَيَةُ[الأنْفالِ:٣٢]، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَخَرَجَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: "إنْ تَسْتَفْتِحُوا" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ؛ وهو الأشْهَرُ. وَفِي الِاسْتِفْتاحِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِنْصارُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، كانَ المَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ؛ احْتَمَلَ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ عَلَيْكم. والثّانِي: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّهِ، فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ. والثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْتاحَ: طَلَبُ الحُكْمِ، والمَعْنى: إنْ تَسْألُوا الحُكْمَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ جاءَكُمُ الحُكْمُ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَهو خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ. وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكَفْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٣٦)والثّانِي: إنْ تَنْتَهُوا عَنِ اسْتِفْتاحِكم، فَهو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ، لا لَهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى القِتالِ، نَعُدْ إلى هَزِيمَتِكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى الِاسْتِفْتاحِ، نَعُدْ إلى الفَتْحِ لَمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أيْ: جَماعَتُكم وإنْ كَثُرَتْ، ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالعَوْنِ والنَّصْرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَإنَّ اللَّهَ" بِكَسْرِ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألِفِ فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ "أنْ" اسْتَأْنَفَ. قالَ الفَرّاءُ: وهو أحَبُّ إلَيَّ مِن فَتْحِها. ومَن فَتَحَها، أرادَ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تُوَلُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: لا تُوَلُّوا عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآَنِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الأنفال 8:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. (p-٣٣٧)أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصِيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: في اليَهُودِ، قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ، ومُقاتِلٌ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما سَمِعُوا، فَكانُوا كَمَن لَمْ يَسْمَعْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا سَماعَ مَن يُقْبَلُ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارَ بْنِ قَصِّيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ. والدَّوابُّ: اسْمُ كُلِّ حَيَوانٍ يَدِبُّ؛ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٨) مَعْنى الصُّمِّ والبُكْمِ، ولِمَ سَمّاهم بِذَلِكَ.

الأنفال 8:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. (p-٣٣٧)أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصِيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: في اليَهُودِ، قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ، ومُقاتِلٌ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما سَمِعُوا، فَكانُوا كَمَن لَمْ يَسْمَعْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا سَماعَ مَن يُقْبَلُ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارَ بْنِ قَصِّيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ. والدَّوابُّ: اسْمُ كُلِّ حَيَوانٍ يَدِبُّ؛ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٨) مَعْنى الصُّمِّ والبُكْمِ، ولِمَ سَمّاهم بِذَلِكَ.

الأنفال 8:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ولَوْ عَلِمَ فِيهِمْ صِدْقًا وإسْلامًا. والثّانِي: لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا في سابِقِ القَضاءِ. والثّالِثُ: لَوْ عَلِمَ أنَّهم يَصْلُحُونَ. والرّابِعُ: لَوْ عَلِمَ أنَّهم يُصْغُونَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٣٣٨)أحَدُها: لَأُسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: لَرَزَقَهُمُ الفَهْمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مُكَذِّبُونَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: وهم مُعْرِضُونَ عَمّا أسْمَعُهم لِمُعانَدَتِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ:

الأنفال 8:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أيْ: أجِيبُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ (لِما يُحْيِيكُمْ) وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الَّذِي يُحْيِيكُمْ: كُلُّ ما يَدْعُو الرَّسُولُ إلَيْهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي أفْرادِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنْتُ أصْلِّي في المَسْجِدِ، فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ أجِبْهُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أصْلِّي، فَقالَ "ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: اسْتَجِيبُوا لَلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ؟" قُلْتُ: بَلى، ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ.» والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ، رَواهُ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، رَواهُ ورْقاءُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. (p-٣٣٩)والرّابِعُ: أنَّهُ اتِّباعُ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: أنَّهُ الجِهادُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الجِهادُ الَّذِي يُحْيِي دِينَهم ويُعْلِيهِمْ. والسّادِسُ: أنَّهُ إحْياءُ أُمُورِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ. فَيَخْرُجُ في إحْيائِهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها أنَّهُ إصْلاحُ أُمُورِهِمْ في الدُّنْيا والآَخِرَةِ. والثّانِي: بَقاءُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ لَهم في الدُّنْيا، وحَياةِ الأبَدِ في الآَخِرَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ دَوامُ نَعِيمِهِمْ في الآَخِرَةِ. والرّابِعُ: أنَّهُ كَوْنُهم مُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الكافِرَ كالمَيِّتِ. والخامِسُ: أنَّهُ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وهو عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو الجِهادُ، لِأنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، ولِأنَّ الجِهادَ يُعِزُّهم بَعْدَ ذُلِّهِمْ، فَكَأنَّهم صارُوا بِهِ أحْياءً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وفِيهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكُفْرِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ مَعْصِيَتِهِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ طاعَتِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ. والثّالِثُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى لا يَتْرُكَهُ يَعْقِلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ، فَبادِرُوا الأعْمالَ، فَإنَّكم تَأْمَنُونَ زَوالَ العُقُولِ، فَتَحْصُلُونَ عَلى ما قَدَّمْتُمْ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هو قَرِيبٌ مِنَ المَرْءِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سِرِّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ. (p-٣٤٠)والخامِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ إيمانًا ولا كُفْرًا إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والسّادِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ هَواهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والسّابِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ما يَتَمَنّى بِقَلْبِهِ مِن طُولِ العُمْرِ والنَّصْرِ وغَيْرِهِ. والثّامِنُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِالمَوْتِ، فَبادِرُوا الأعْمالَ قَبْلَ وُقُوعِهِ. والتّاسِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِعَمَلِهِ، فَلا يُضْمِرُ العَبْدُ شَيْئًا في نَفْسِهِ إلّا واللَّهُ عالِمٌ بِهِ، لا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيبِهِ عَنْهُ. والعاشِرُ: يَحُولُ بَيْنَ ما يُوقِعُهُ في قَلْبِهِ مِن خَوْفٍ أوْ أمْنٍ، فَيَأْمَنُ بَعْدَ خَوْفِهِ، ويَخافُ بَعْدَ أمْنِهِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذِهِ الأقْوالِ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وَحَكى الزَّجّاجُ أنَّهم لَمّا فَكَّرُوا في كَثْرَةِ عَدْوِهِمْ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَدَخَلَ الخَوْفُ قُلُوبَهم، أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يُبْدِلَهُ بِالخَوْفِ الأمْنَ، ويُبْدِلُ عَدُوَّهُ بِالقُوَّةِ الضَّعْفَ؛ وقَدْ أعْلَمَتْ هَذِهِ الآَيَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُقَلِّبُ لَلْقُلُوبِ، المُتَصَرِّفُ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: لَلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكم.

الأنفال 8:25

(p-٣٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ قَرَأْناها زَمانًا، وما نُرى أنّا مِن أهْلِها، فَإذًا نَحْنُ المَعْنِيُّونَ بِها. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُسَمِّهِما. والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ، قالَ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في هَذِهِ الآَيَةِ، أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَيَعُمَّهُمُ اللهُ بِالعَذابِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآَيَةُ لَكم أيْضًا. والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ، وعَمّارٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً، فَأصابَتْهم يَوْمَ الجَمَلِ. وَفِي الفِتْنَةِ هاهُنا سَبْعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: القِتالُ. والثّانِي: الضَّلالَةُ. والثّالِثُ: السُّكُوتُ عَنْ إنْكارِ المُنْكَرِ. والرّابِعُ: الِاخْتِبارُ. والخامِسُ: الفِتْنَةُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ. والسّادِسُ: البَلاءُ. والسّابِعُ: ظُهُورُ البِدَعِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: أمَرَهم، ثُمَّ نَهاهم، وفِيهِ طَرَفٌ مِنَ الجَزاءِ. وإنْ كانَ نَهْيًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ [النَّمْلِ:١٨] أمَرَهم، ثُمَّ نَهاهُمْ؛ وفِيهِ تَأْوِيلُ الجَزاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: "لا تُصِيبَنَّ" لَيْسَ بِجَوابٍ، وإنَّما هو نَهْيٌ (p-٣٤٢)بَعْدَ نَهْيٍ؛ ولَوْ كانَ جَوابًا ما دَخَلَتِ النُّونُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيها قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ الكَلامَ تَأْوِيلُهُ تَأْوِيلَ الخَبَرِ، إذْ كانَ المَعْنى: إنَّ لا يَتَّقُوها، تُصِبِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، أيْ: وغَيْرُهم، أيْ: لا تَقَعُ بِالظّالِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ لَكِنَّها تَقَعُ بِالصّالِحِينَ والطّالِحِينَ؛ فَلَمّا ظَهَرَ الفِعْلُ ظُهُورَ النَّهْيِ، والنَّهْيُ راجِعٌ إلى مَعْنى الأمْرِ، إذِ القائِلُ يَقُولُ: لا تَقُمْ، يُرِيدُ: دَعِ القِيامَ، ووَقَّعَ مَعَ هَذا جَوابًا لَلْأمْرِ، أوْ كالجَوابِ لَهُ فَأُكِّدَ لَهُ شِبْهُ النَّهْيِ، فَدَخَلَتِ النُّونُ المَعْرُوفُ دُخُولُها في النَّهْيِ وما يُضارِعُهُ. والثّانِي: أنَّها نَهْيٌ مَحْضٌ، مَعْناهُ: لا يَقْصِدَنَّ الظّالِمُونَ هَذِهِ الفِتْنَةَ، فَيَهْلَكُوا؛ فَدَخَلَتِ النُّونُ لِتَوْكِيدِ الِاسْتِقْبالِ، كَقَوْلِهِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" . ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا تُصِيبَنَّ الفِتْنَةُ الَّذِينَ ظَلَمُوا. والثّانِي: لا يُصِيبَنَّ عِقابُ الفِتْنَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَما ذَنْبُ مَن لَمْ يَظْلِمْ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ بِمُوافَقَتِهِ لَلْأشْرارِ، أوْ بِسُكُوتِهِ عَنِ الإنْكارِ، أوْ بِتَرْكِهِ لَلْفِرارِ، اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ. وقَدْ قَرَأ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا" بِغَيْرِ ألِفٍ.

الأنفال 8:26

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: فارِسٌ والرُّومُ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَضَرُوا بَدْرًا، والمُسْلِمُونَ قَلِيلُونَ يَوْمَئِذٍ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: فَآَواكم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَآَواكم إلى المَدِينَةِ بِالهِجْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والأكْثَرُونَ. والثّانِي: جَعَلَ لَكم مَأْوى تَسْكُنُونَ فِيهِ آَمِنِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: عَضَّدَكم بِنَصْرِهِ في بَدْرٍ وغَيْرِها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الغَنائِمُ الَّتِي أحَلَّها لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّها الخَيْراتُ الَّتِي مَكَّنَهم مِنها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

الأنفال 8:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ وذاكَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا حاصَرَ قُرَيْظَةَ سَألُوهُ أنْ يُصالِحَهم عَلى ما صالَحَ عَلَيْهِ بَنِي النَّضِيرِ، عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى أرْضِ الشّامِ، فَأبى أنْ يُعْطِيَهم ذَلِكَ إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأبَوْا، (p-٣٤٤)وَقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ، وكانَ مُناصِحًا لَهم، لِأنَّ ولَدَهُ وأهْلَهُ كانُوا عِنْدَهم، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما تَرى، أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ؟ فَأشارَ أبُو لُبابَةَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا، فَأطاعُوهُ، فَكانَتْ تِلْكَ خِيانَتَهُ؛ قالَ أبُو لُبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَرَفْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ونَزَلْتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأكْثَرِينَ. ورُوِيَ «أنَّ أبا لُبابَةَ رَبَطَ نَفْسَهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقالَ: واللَّهِ لا أحِلُّ نَفْسِي حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحِلُّنِي، فَجاءَ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ، فَقالَ: أبُو لُبابَةَ: إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمِيَ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُجْزِئُكَ الثُّلُثَ" .» والثّانِي: أنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنْ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ "اخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا" فَكَتَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم، فَخُذُوا حِذْرَكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَتْلِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، قالَهُ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. والرّابِعُ: «أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْمَعُونَ الحَدِيثَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيُفْشُونَهُ حَتّى يَبْلُغَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي خِيانَةِ اللَّهِ قَوْلانِ. (p-٣٤٥)أحَدُهُما: تَرْكُ فَرائِضِهِ. والثّانِي: مَعْصِيَةُ رَسُولِهِ. وفي خِيانَةِ الرَّسُولِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مُخالَفَتُهُ في السِّرِّ بَعْدَ طاعَتِهِ في الظّاهِرِ. والثّانِي: تَرْكُ سُنَّتِهِ. وَفِي المُرادِ بِالأماناتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الفَرائِضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وفي خِيانَتِها قَوْلانِ. أحْداهُما: تَنْقِيصُها. والثّانِي: تَرْكُها. والثّانِي: أنَّها الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: لا تُظْهِرُوا الإيمانَ وتُبْطِنُوا الكُفْرَ. والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في خِيانَةِ كُلِّ مُؤْتَمَنٍ، ويُؤَكِّدُهُ نُزُولُها في ما جَرى لِأبِي لَبابَةَ.

الأنفال 8:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا خِطابٌ لِأبِي لُبابَةَ، لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أمْوالٌ وأوْلادٌ عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأمّا الفِتْنَةُ، فالمُرادُ بِها: الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ الَّذِي يُظْهِرُ ما في النَّفْسِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أوْ تَجَنُّبِهِ ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ. (p-٣٤٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، واجْتِنابِ الخِيانَةِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ المَخْرَجُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: يَجْعَلُ لَكم مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ. والثّانِي: أنَّهُ النَّجاةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ. والرّابِعُ: أنَّهُ هُدًى في قُلُوبِهِمْ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

الأنفال 8:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا خِطابٌ لِأبِي لُبابَةَ، لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أمْوالٌ وأوْلادٌ عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأمّا الفِتْنَةُ، فالمُرادُ بِها: الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ الَّذِي يُظْهِرُ ما في النَّفْسِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أوْ تَجَنُّبِهِ ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ. (p-٣٤٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، واجْتِنابِ الخِيانَةِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ المَخْرَجُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: يَجْعَلُ لَكم مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ. والثّانِي: أنَّهُ النَّجاةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ. والرّابِعُ: أنَّهُ هُدًى في قُلُوبِهِمْ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

الأنفال 8:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذِهِ الآَيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأعْرافِ: ٨٦] فالمَعْنى: أذْكِرِ المُؤْمِنِينَ ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ مَكْرِهِمْ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: «لَمّا بُويِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وأمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَلْحَقُوا بِالمَدِينَةِ، أشْفَقَتْ قُرَيْشٌ أنْ يَعْلُوَ أمْرُهُ، وقالُوا: واللَّهِ لَكَأنَّكم بِهِ قَدْ كَرَّ عَلَيْكم بِالرِّجالِ، فاجْتَمَعَ جَماعَةٌ مِن أشْرافِهِمْ لَيَدْخُلُوا دارَ النَّدْوَةِ فَيَتَشاوَرُوا في أمْرِهِ، فاعْتَرَضَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ، فَقالُوا: مَن أنْتَ؟ قالَ أنا شَيْخٌ مِن (p-٣٤٧)أهْلِ نَجْدٍ، سَمِعْتُ ما اجْتَمَعْتُمْ لَهُ، فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكم، ولَنْ تُعْدَمُوا مِن رَأْيِي نُصْحًا، فَقالُوا: ادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهم، فَقالُوا: انْظُرُوا في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: احْبِسُوهُ في وِثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ. فَقالَ إبْلِيسُ: ما هَذا بِرَأْيٍ، يُوشِكُ أنْ يَثِبَ أصْحابُهُ فَيَأْخُذُوهُ مِن أيْدِيكم. فَقالَ قائِلٌ: أخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم. فَقالَ: ما هَذا بِرَأْيٍ، يُوشِكُ أنْ يَجْمَعَ عَلَيْكم ثُمَّ يَسِيرُ إلَيْكم. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: نَأْخُذُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ غُلامًا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ غُلامٍ سَيْفًا فَيَضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَيُفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَما ظَنُّ هَذا الحَيِّ مِن قُرَيْشٍ يَقْوى عَلى ضَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَقْبَلُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ. فَقالَ إبْلِيسُ: هَذا واللَّهِ الرَّأْيُ. فَتَفَرَّقُوا عَنْ ذَلِكَ. وأتى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ، وأخْبَرَهُ بِمَكْرِ القَوْمِ، فَلَمْ يَبِتْ في مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وأمَرَ عَلِيًّا فَباتَ في مَكانِهِ، وباتَ المُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَهُ، فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أذِنَ لَهُ اللَّهُ في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وجاءَ المُشْرِكُونَ لَمّا أصْبَحُوا، فَرَأوْا عَلِيًّا، فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ؟ قالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ حَتّى بَلَغُوا الجَبَلَ، فَمَرُّوا بِالغارِ، فَرَأوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ، فَقالُوا: لَوْ دَخَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ.» فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: لِيَحْبِسُوكَ. يُقالُ: فُلانٌ مُثْبِتٌ وجَعًا: إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الحَرَكَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ. (p-٣٤٨)أحَدُهُما: لِيُثْبِتُوكَ في الوَثاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في آَخَرِينَ. والثّانِي: لِيُثْبِتُوكَ في الحَبْسِ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. وكانَ القَوْمُ أرادُوا أنْ يَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ ويَشُدُّوا عَلَيْهِ بابَهُ ويُلْقُوا إلَيْهِ الطَّعامَ والشَّرابَ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ المَكْرِ في [آَلِ عِمْرانَ:٥٤] .

الأنفال 8:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآَيَهَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كِلْدَةَ، وأنَّهُ لَمّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ قَصَصَ القُرُونِ الماضِيَةِ، قالَ: لَوْ شِئْتَ لَقُلْتَ مِثْلَ هَذا. وفي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: قَدْ سَمِعْنا مِنكَ ولا نُطِيعُكَ. والثّانِي: قَدْ سَمِعْنا قَبْلَ هَذا مِثْلَهُ، وكانَ النَّضْرُ يَخْتَلِفُ إلى فارِسٍ تاجِرًا، فَيَسْمَعُ العِبادَ يَقْرَؤُونَ الإنْجِيلَ. وقَدْ بَيَّنَ التَّحَدِّي كَذِبَ مَن قالَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الأساطِيرِ في [الأنْعامِ:٢٥]

الأنفال 8:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ أيْضًا، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ. (p-٣٤٩)والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، فَهو القائِلُ لِهَذا؛ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وهو مُخَرَّجٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" . والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، قالُوا هَذا، ثُمَّ نَدِمُوا فَقالُوا: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، رَواهُ أبُو مَعْشَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وفي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ هَذا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: كُلُّ ما يَقُولُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ إكْرامُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالنُّبُوَّةِ مِن بَيْنِ قُرَيْشٍ.

الأنفال 8:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَهم وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ قَرْيَةٌ حَتّى يَخْرُجَ نَبِيُّها والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ. والثّانِي: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَهم وأنْتَ حَيٌّ؛ قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. والثّانِي: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَ المُؤْمِنِينَ بِضَرْبٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي أهْلَكَ بِهِ مَن قَبْلَهم وأنْتَ حَيٌّ؛ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَصْلٌ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ (p-٣٥٠)اللَّهُ﴾ [الأنْفالِ:٣٤]، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ النَّسَخَ لا يَدْخُلُ عَلى الأخْبارِ. وقالَ ابْنُ أبْزى: كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فَخَرَجَ إلى المَدِينَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وكانَ أُولَئِكَ البَقِيَّةُ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمّا خَرَجُوا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ . وجَمِيعُ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآَيَةُ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ، قالُوا: واللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنا ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وفي مَعْنى هَذا الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ، وفِيهِمْ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ؛ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والثّانِي: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَإنَّهم كانُوا يُلَبُّونَ ويَقُولُونَ: غُفْرانَكَ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ اسْتِغْفارَ المُشْرِكِ لا أثَرَ لَهُ في القَبُولِ. والثّالِثُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وهُمْ- يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ- يَسْتَغْفِرُونَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وُصِفُوا بِصِفَةِ بَعْضِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَأُوقَعَ (p-٣٥١)العُمُومَ عَلى الخُصُوصِ، كَما يُقالُ: قَتَلَ أهْلُ المَسْجِدِ رَجُلًا، وأخَذَ أهْلُ البَصْرَةِ فَلانًا، ولَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ. والرّابِعُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ مَعْنى تَعْذِيبِهِمْ: إهْلاكُهُمْ؛ فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَهم، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يَكُونُ لَهم أوْلادٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ؛ فَوَصَفَهم بِصِفَةِ ذَرارِيهِمْ، وغَلَبُوا عَلَيْهِمْ كَما غَلَبَ بَعْضُهم عَلى كُلِّهِمْ في الجَوابِ الَّذِي قَبْلَهُ. والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَما عَذَّبَهُمُ اللهُ، ولَكِنَّهم لَمْ يَسْتَغْفِرُوا فاسْتَحَقُّوا العَذابَ؛ وهَذا كَما تَقُولُالعَرَبُ: ما كُنْتَ لِأُهِينَكَ وأنْتَ تُكْرِمُنِي؛ يُرِيدُونَ: ما كُنْتُ لِأُهِينَكَ لَوْ أكْرَمْتَنِي؛ فَأمّا إذا لَسْتَ تُكْرِمُنِي، فَإنَّكَ مُسْتَحِقٌّ لِإهانَتِي، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهو اخْتِيارُ اللُّغَوِيِّينَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذا الِاسْتِغْفارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الِاسْتِغْفارُ المَعْرُوفُ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الصَّلاةِ؛ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الإسْلامِ رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيح عَنْ مُجاهِدٌ وبِهِ قالَ عِكْرِمَة.

الأنفال 8:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ أجازَتْ تَعْذِيبَهم، والأُولى (p-٣٥٢)نَفَتْ ذَلِكَ. وهَلِ المُرادُ بِهَذا: العَذابُ الأوَّلُ، أمْ لا فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما أنَّهُ هو الأوَّلُ إلّا أنَّ الأوَّلَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ. أحَدُهُما: كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ. والثّانِي: كَوْنُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَغْفِرِينَ بَيْنَهُمْ؛ فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ، وقَعَ العَذابُ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ. والثّانِي: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ، وفي ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ العَذابَ الثّانِي قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، والأوَّلَ اسْتِئْصالُ الكُلِّ؛ فَلَمْ يَقَعِ الأوَّلُ لِما قَدْ عُلِمَ مِن إيمانِ بَعْضِهِمْ، وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، ووَقْعِ الثّانِي. والثّانِي: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ عَذابُ الدُّنْيا. والثّانِي: عَذابُ الآَخِرَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا، وما لَهُمُ ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ في الآَخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَصُدُّونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وهم يَصُدُّونَ ﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أوْلِياءَهُ. وفي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى "المَسْجِدِ" وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: نَحْنُ أوْلِياءُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذا. والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ﴾ أيْ: ما أوْلِياؤُهُ ﴿إلا المُتَّقُونَ﴾ لَلشِّرْكِ والمَعاصِي، ولَكِنَّ أكْثَرَ أهْلِ مَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ مَنِ الأوْلى بِبَيْتِ اللَّهِ.

الأنفال 8:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَضَعُونَ خُدُودَهم بِالأرْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. فَأمّا المُكاءُ، فَفِيهِ قَوْلانِ. (p-٣٥٣)أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: مَكا الطّائِرُ [يَمْكُو] مُكاءً: إذا صَفَّرَ، ويُقالُ: مَكِيَتْ يَدُهُ [تَمْكى] مَكًى، مَقْصُورٌ، أيْ: غَلُظَتْ وخَشُنَتْ، ويُقالُ: تَمَكّى: إذا تَوَضَّأ. وأنْشَدُوا: ؎ أنَّكَ والجَوْرُ عَلى سَبِيلِ كالمُتَمَكِّي بِدَمِ القَتِيلِ وَسُئِلَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنَ عَنِ المُكاءِ، فَجَمَعَ كَفَّيْهِ، وجَعَلَ يَصْفِرُ فِيهِما. والثّانِي: أنَّهُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ يَخْلِطُونَ بِهِ وبِالتَّصْدِيَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاتَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أهْلُ اللُّغَةِ يُنْكَرُونَ أنْ يَكُونَ المُكاءُ إدْخالَ الأصابِعِ في الأفْواهِ، وقالُوا: لا يَكُونُ إلّا الصَّفِيرُ. وفي التَّصْدِيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها التَّصْفِيقُ، قالَهُ [ابْنُ] عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: صَدى: إذا صَفَّقَ بِيَدَيْهِ. قالَ الرّاجِزُ: ؎ ضَنَّتْ بِخَدٍّ وجَلَّتْ عَنْ خَدٍّ ∗∗∗ وأنا مِن غَرْوِ الهَوى أُصْدِّي الغَرْوُ: العَجَبُ، يُقالُ: لا غَرْوَ مِن كَذا، أيْ: لا عَجَبَ. والثّانِي: أنَّ التَّصْدِيَةَ: صَدَّهُمُ النّاسُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ودِينِهِ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ، قامَ رَجُلانِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ عَنْ (p-٣٥٤)يَمِينِهِ فَيَصْفِرانِ، ورَجُلانِ عَنْ يَسارِهِ فَيُصَفِّقانِ، فَتَخْتَلِطُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ صَلاتُهُ وقِراءَتُهُ، فَقَتَلَهُمُ اللهُ بِبَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.» فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمّى المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ صَلاةً؟ فَعَنْهُ: جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. أحَدُهُما: أنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ مَكانَ الصَّلاةِ، ومَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلَ: زُرْتُ عَبْدَ اللهِ، فَجَعَلَ جَفائِي صِلَتِي، أيْ: أقامَ الجَفاءَ مَقامَ الصِّلَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ قُلْتُ لَهُ أطْعِمْنِي عَمِيمُ تَمْرًا ∗∗∗ فَكانَ تَمْرِي كَهْرَةً وزَبْرًا أيْ: أقامَ الصِّياحَ عَلَيَّ مَقامَ التَّمْرِ. والثّانِي: أنَّ مَن كانَ المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ صَلاتَهُ، فَلا صَلاةَ لَهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ما لِفُلانٍ عَيْبٌ إلّا السَّخاءُ، يُرِيدُونَ: مِنَ السَّخاءِ عَيْبُهُ، فَلا عَيْبَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَتًى كَمُلَتْ خَيْراتُهُ غَيْرَ أنَّهُ ∗∗∗ جَوادٌ فَلا يُبْقِي مِنَ المالِ باقِيًا

الأنفال 8:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. (p-٣٥٥)أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ بِبَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يُطْعِمُونَ النّاسَ الطَّعامَ، كُلُّ رَجُلٍ يُطْعِمُ يَوْمًا، وهُمْ: عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، ومُنَبِّهٌ ونَبِيَّةُ ابْنا الحَجّاجِ، وأبُو البُخْتُرِيِّ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو جَهْلٍ، وأخُوهُ الحارِثُ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الأُسُودِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ لَقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقَةِ أبِي سُفْيانَ عَلى الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. فَأمّا سَبِيلُ اللَّهِ، فَهو دِينُ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أيْ: تَكُونُ عاقِبَةُ نَفَقَتِهِمْ نَدامَةً، لِأنَّهم لَمْ يَظْفَرُوا.

الأنفال 8:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، "لِيَمِيزَ" خَفِيفَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "لِيُمَيِّزَ" بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ: مِزْتُهُ ومَيَّزْتُهُ. وفي لامِ "لِيُمَيِّزَ" قَوْلانِ. (p-٣٥٦)أحَدُهُما: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "فَسَيُنْفِقُونَها" قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ"، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. وفي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لَيُمَيِّزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاءِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: يُمَيِّزُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ. والثّانِي: لَيُمَيِّزَ العَمَلَ الطَّيِّبَ مِنَ العَمَلِ الخَبِيثِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لَيُمَيِّزَ الإنْفاقَ الطَّيِّبَ في سَبِيلِهِ، مِنَ الإنْفاقِ الخَبِيثِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَجْمَعُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وهو قَوْلُهُ: فَيَرْكُمُهُ قالَ الزَّجّاجُ: الرُّكَمُ: أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ الشَّيْءِ عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: رَكَمْتُ الشَّيْءَ أرَكُمُهُ رَكْمًا؛ والرُّكامُ: الِاسْمُ؛ فَمَن قالَ: المُرادُ بِالخَبِيثِ: الكُفّارُ، فَإنَّهم في النّارِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ ومَن قالَ: أمْوالُهم، فَلَهُ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها أُلْقِيَتْ في النّارِ لَيُعَذِّبَ بِها أرْبابَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٥] . والثّانِي: أنَّهم لَمّا عَظَّمُوها في الدُّنْيا، أراهم هَوانَها بِإلْقائِها في النّارِ كَما تُلْقى الشَّمْسُ والقَمَرُ في النّارِ، لَيَرى مَن عَبْدَهُما ذُلَّهُما.

الأنفال 8:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ. (p-٣٥٧)أحَدُهُما: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ المُحارَبَةِ، يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِن حَرْبِهِمْ، فَلا يُؤاخَذُونَ بِهِ؛ وإنْ يَعُودُوا إلى المُحارَبَةِ، فَقَدْ مَضَتْ سَنَةٌ الأوَّلِينَ في نَصْرِ اللَّهِ أوْلِياءَهُ وقِيلَ: في قَتْلِ مَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُسِرَ. والثّانِي: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ، يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الإثْمِ؛ وإنْ يَعُودُوا إلَيْهِ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ حِينَ أُخِذُوا بِالعَذابِ المُسْتَأْصَلِ. قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ في هَذِهِ الآَيَةِ: إنَّ تَوْحِيدًا لَمْ يَعْجِزْ عَنْ هَدْمِ ما قَبْلَهُ مِن كَفْرٍ، لا يَعْجِزُ عَنْ هَدْمِ ما بَعْدَهُ مِن ذَنْبٍ.

الأنفال 8:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: شِرْكٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَتّى لا يُفْتَنَ النّاسُ فِتْنَةَ كَفْرٍ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والقِتالِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا رَوْحًا "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتّاءِ.

الأنفال 8:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ وعادُوا إلى القِتالِ. (p-٣٥٨)﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: ولِيُّكم وناصِرُكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ أيْ: نِعْمَ الوَلِيُّ ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أيِ: النّاصِرُ، مِثْلُ قَدِيرٍ وقادِرٍ، وسَمِيعٍ وسامِعٍ.

الأنفال 8:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلِ الغَنِيمَةُ والفَيْءُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ. ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الغَنِيمَةَ: ما ظُهِرَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ، والفَيْءِ: ما ظُهِرَ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِينَ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والثّانِي: أنَّ الغَنِيمَةَ: ما أُخِذَ عُنْوَةً والفَيْءُ، ما أُخِذَ عَنْ صُلْحٍ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. وقِيلَ: بَلِ الفَيْءُ: ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بَخِيلٍ ولا رِكابٍ، كالعُشُورِ، والجِزْيَةِ، وأمْوالِ المُهادَنَةِ، والصُّلْحِ، وما هَرَبُوا عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُما واحِدٌ، وهُما: كُلُّ ما نِيلَ مِنَ المُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الأمْوالُ ثَلاثَةُ أصْنافٍ؛ فَما صارَ إلى المُسْلِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ في حالِ الحَرْبِ، فَقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى: أنْفالًا وغَنائِمَ؛ وما صارَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن خَراجٍ أوْ جِزْيَةٍ مِمّا لَمْ يُؤْخَذْ في الحَرْبِ، فَقَدْ سَمّاهُ: فَيْئًا؛ وما خَرَجَ مِن أمْوالِ المُسْلِمِينَ، كالزَّكاةِ والنُّذُرِ، والقِرَبِ، سَمّاهُ: صَدَقَةً. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ بِهِ: كُلُّ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَخِيطُ مِنَ الشَّيْءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ: "خُمْسَهُ" بِسُكُونِ المِيمِ. وفي المُرادِ بِالكَلامِ قَوْلانِ. (p-٣٥٩)أحَدُهُما: أنَّ نَصِيبَ اللَّهِ مُسْتَحَقٌّ يُصْرَفُ إلى بَيْتِهِ. قالَ أبُو العالِيَةِ: كانَ يُجاءُ بِالغَنِيمَةِ فَيُقَسِّمُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، فَيُقَسِّمُ أرْبَعَةً بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مِنَ السَّهْمِ الخامِسَ لَلْكَعْبَةِ؛ وهَذا مِمّا انْفَرَدَ بِهِ أبُو العالِيَةِ فِيما يُقالُ. والثّانِي: أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هاهُنا لِأحَدِ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: لِأنَّهُ المُتَحَكِّمُ فِيهِ، والمالِكُ لَهُ، والمَعْنى: فَإنَّ لَلرَّسُولِ خَمْسَةٌ ولِذِي القُرْبى، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ:١] . والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ الخُمْسَ مَصْرُوفٌ في وُجُوهِ القُرْبِ إلى اللَّهِ، تَعالى، وهَذَّ قَوْلُ الجُمْهُورِ. فَعَلى هَذا، تَكُونُ الواوُ زائِدَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ﴾ بِالصّافّاتِ:١٠٣] المَعْنى: نادَيْناهُ؛ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. فَصْلٌ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِأهْلِ الحَرْبِ خاصَّةً؛ فَأمّا الخُمْسُ الخامِسُ، فَكَيْفَ يُقَسَّمُ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يُقَسَّمُ مِنهُ لَلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِمَن ذُكِرَ في الآَيَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا مِمّا انْفَرَدَ بِهِ أبُو العالِيَةِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يُقَسِّمَ عَلى سِتَّةِ أسْهُمٍ. والثّانِي: أنَّهُ مَقْسُومٌ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلرَّسُولِ وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ، وسَهْمٌ لِأبْناءِ السَّبِيلِ، عَلى ظاهِرِ الآَيَةِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. والثّالِثُ: أنَّهُ يُقَسَّمُ عَلى أرْبَعَةِ أسْهُمٍ. فَسَهْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسَهْمُ رَسُولِهِ عائِدٌ عَلى ذَوِي القُرْبى، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا، وهَذا المَعْنى رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٦٠)* فَصْلٌ فَأمّا سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ كانَ يَصْنَعُ فِيهِ ما بَيَّنّا، وهَلْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ، أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ في آَخَرِينَ. وفِيما يَصْنَعُ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ يَصْرِفُ في المَصالِحِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ كَما يَسْقُطُ الصَّفِّيُّ، فَيَرْجِعُ إلى جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وأمّا ذَوُو القُرْبى، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ قُرَيْشٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنّا نَقُولُ: نَحْنُ هُمْ؛ فَأبى عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى. والثّانِي: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المَطَّلِبِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ، قالَهُ أبُو حَنَفِيةَ. وبِماذا يَسْتَحِقُّونَ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِالقَرابَةِ، وإنْ كانُوا أغْنِياءَ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. والثّانِي: بِالفَقْرِ، لا بِالِاسْمِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. وقَدْ سَبَقَ في [البَقَرَةِ:١٧٧] مَعْنى اليَتامى والمَساكِينَ وابْنِ السَّبِيلِ. ويَنْبَغِي أنْ تُعْتَبَرَ في اليَتِيمِ أرْبَعَةُ أوْصافٍ: مَوْتُ الأبِ، وإنْ كانَتِ الأُمُّ باقِيَةً. والصِّغَرُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ"» والإسْلامِ، لِأنَّهُ مالٌ لِلْمُسْلِمِينَ. والحاجَةُ، لِأنَّهُ مُعَدٌّ لَلْمَصالِحِ. (p-٣٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ هو يَوْمُ بَدْرٍ، فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِنْصُرُ المُؤْمِنِينَ. والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنْفالِ:١] نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفُوا فِيها، فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آَمَنتُمْ بِذَلِكَ، فاصْدُرُوا عَنْ أمْرِ الرَّسُولِ في هَذا أيْضًا.

الأنفال 8:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "بِالعِدْوَةِ" و"العِدْوَةِ" العَيْنُ فِيهِما مَكْسُورَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما. قالَ الأخْفَشُ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ إلّا الكَسْرُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: بَلِ الضَّمُّ أكْثَرُ اللُّغَتَيْنِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عُدْوَةُ الوادِي وعِدْوَتُهُ: جانِبُهُ؛ والجَمْعُ: عِدًى وعُدًى. والدُّنْيا: تَأْنِيثُ الأدْنى؛ وضِدُّها القُصْوى، وهي تَأْنِيثُ الأقْصى؛ وما كانَ مِنَ النُّعُوتِ عَلى "فَعَلى" مِن ذَواتِ الواوِ، فَإنَّ العَرَبَ تُحَوِّلُهُ إلى الياءِ، نَحْوُ: الدُّنْيا، مِن: دَنَوْتُ؛ والعُلْيا، مِن: عَلَوْتُ؛ لِأنَّهم يَسْتَثْقِلُونَ الواوَ مَعَ ضَمٍّ الأوَّلِ، ولَيْسَ في هَذا اخْتِلافٌ، إلّا أنَّ (p-٣٦٢)أهْلَ الحِجازِ قالُوا: القُصْوى، فَأظْهَرُوا الواوَ، وهو نادِرٌ؛ وغَيْرُهم يَقُولُ: القُصْيا قالَ المُفَسِّرُونَ: إذْ أنْتُمْ بِشَفِيرِ الوادِي الأدْنى مِنَ المَدِينَةِ، وعَدْوِكم بِشَفِيرِهِ الأقْصى مِن مَكَّةَ، وكانَ الجَمْعانِ قَدْ نَزَلا وادِي بَدْرٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، والرَّكْبُ: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ "أسْفَلَ" أرادَ: والرَّكْبُ مَكانًا أسْفَلَ مِنكم، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: والرَّكْبُ أشَدُّ تَسَفُّلًا مِنكم. قالَ قَتادَةُ: وكانَ المُسْلِمُونَ أعْلى الوادِي، والمُشْرِكُونَ أسْفَلَهُ. وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَوْ تَواعَدْتُمْ، ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَتُهم، لَتَأخَّرْتُمْ عَنِ المِيعادِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ والثّانِي: لَوْ تَواعَدْتُمْ عَلى الِاجْتِماعِ في المَكانِ الَّذِي اجْتَمَعْتُمْ فِيهِ مِن عِدْوَتِي وادِي بَدْرٍ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَتْ تَقَعُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، أوِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ وهو إعْزازُ الإسْلامِ وإذْلالُ الشِّرْكِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ . ورَوى خَلْفٌ عَنْ يَحْيى: "لِيُهْلَكَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مِن حَيَّ" بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهَذِهِ رِوايَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "حَيِيَ" بِياءَيْنِ، الأُولى مَكْسُورَةٌ، والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ. فَمَن قَرَأ بِياءَيْنِ، بَيَّنَ ولَمْ يُدْغِمْ. ومَن أدْغَمَ ياءَ "حَيِّيَ" فَلِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. (p-٣٦٣)أحَدُهُما: لَيَقْتُلَ مَن قَتَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ حُجَّةٍ، ويَبْقى مَن بَقِيَ مِنهم عَنْ حُجَّةٍ. والثّانِي: لِيَكْفُرَ مَن كَفَرَ بَعْدَ حُجَّةٍ، ويُؤْمِنَ مَن آَمَنَ عَنْ حُجَّةٍ.

الأنفال 8:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَأى عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ في المَنامِ قَبْلَ لِقائِهِمْ في قِلَّةٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أخْبَرَ أصْحابَهُ بِأنَّهُ رَآَهم في المَنامِ قَلِيلًا، كانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، فالمَعْنى: وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ أصْحابُكَ، عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ، إذْ حَدَّثْتُهم بِما رَأيْتَ في مَنامِكَ. والثّانِي: إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ بِعَيْنِكَ الَّتِي تَنامُ بِها، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ الزَّجّاجُ: وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُونَ إلى هَذا المَذْهَبِ. ومَعْناهُ عِنْدَهم إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَوْضِعِ مَنامِكَ، أيْ: بِعَيْنِكَ؛ ثُمَّ حَذَفَ المَوْضِعَ، وأقامَ المَنامَ مَقامَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ أيْ: لَجَبُنْتُمْ وتَأخَّرْتُمْ عَنْ حَرْبِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَفَشَلَ أصْحابُكَ، ولَرَأوْا ذَلِكَ في وجْهِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ: لاخْتَلَفْتُمْ في حَرْبِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِن دَواعِي هَزِيمَتِكم، ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ المُخالَفَةِ والفَشَلِ.

الأنفال 8:44

(p-٣٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَدَقَ اللَّهُ رُؤْيا رَسُولِهِ الَّتِي أخْبَرَ بِها المُؤْمِنِينَ عَنْ قِلَّةٍ عَدُوِّهِمْ قَبْلَ لِقائِهِمْ، بِأنَّ قَلَّلَهم وقْتَ اللِّقاءِ في أعْيُنِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا، حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جانِبِي: أتَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ أراهم مِائَةً؛ حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم، فَسَألْناهُ، فَقالَ: كُنّا ألْفًا. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اسْتَقَلَّ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ، والمُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ، فاجْتَرَأ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ الرُّؤْيَةِ هاهُنا، وقَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ الأُولى كانَتْ في المَنامِ، والثّانِيَةَ في اليَقَظَةِ. والثّانِي: أنَّ الأُولى لَلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، والثّانِيَةَ لَهُ ولِأصْحابِهِ: فَإنْ قِيلَ: تَكْثِيرُ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ الكافِرِينَ أوْلى، لِمَكانِ إعْزازِهِمْ. فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهم لَوْ كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ، لَمْ يُقْدُمُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ؛ والقِتالُ سَبَبُ النَّصْرِ، فَقَلَّلَهم لِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ قَلَّلَهم لِئَلّا يَتَأهَّبَ المُشْرِكُونَ كُلَّ التَّأهُّبِ؛ فَإذا تَحَقَّقَ القِتالُ، وجَدَهُمُ المُسْلِمُونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ، فَظَفِرُوا بِهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَلَّلَهم لَيَحْمِلَ الأعْداءُ عَلَيْهِمْ في كَثْرَتِهِمْ، فَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آَيَةً لَلْمُشْرِكِينَ ومُنَبِّهًا عَلى نُصْرَةِ الحَقِّ.

الأنفال 8:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ الفِئَةُ: الجَماعَةُ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ والنَّصْرُ. والثّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ التَّنازُعِ والفَشَلِ آَنِفًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ورَوى أبانُ: "وَيَذْهَبُ" بِالياءِ والجَزْمِ. وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَذْهَبُ شِدَّتُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِدَّتُكم وجِدُّكم. وقالَ الزَّجّاجُ: صَوْلَتُكم وقُوَّتُكم. والثّانِي: يَذْهَبُ نَصْرُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: تَتَقَطَّعُ دَوْلَتُكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: هَبَّتْ لَهُ رِيحُ النَّصْرِ: إذا كانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ. ويُقالُ لَهُ الرِّيحُ اليَوْمَ، أيِ: الدَّوْلَةُ. والرّابِعُ: أنَّها رِيحٌ حَقِيقَةٌ، ولَمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ فَتَضْرِبَ وُجُوهَ العَدُوِّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ"،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

الأنفال 8:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ الفِئَةُ: الجَماعَةُ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ والنَّصْرُ. والثّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ التَّنازُعِ والفَشَلِ آَنِفًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ورَوى أبانُ: "وَيَذْهَبُ" بِالياءِ والجَزْمِ. وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَذْهَبُ شِدَّتُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِدَّتُكم وجِدُّكم. وقالَ الزَّجّاجُ: صَوْلَتُكم وقُوَّتُكم. والثّانِي: يَذْهَبُ نَصْرُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: تَتَقَطَّعُ دَوْلَتُكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: هَبَّتْ لَهُ رِيحُ النَّصْرِ: إذا كانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ. ويُقالُ لَهُ الرِّيحُ اليَوْمَ، أيِ: الدَّوْلَةُ. والرّابِعُ: أنَّها رِيحٌ حَقِيقَةٌ، ولَمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ فَتَضْرِبَ وُجُوهَ العَدُوِّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ"،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

الأنفال 8:47

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (p-٣٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هم أبُو جَهْلٍ ومَن خَرَجَ مَعَهُ مِن مَكَّةَ، خَرَجُوا لَيَدْفَعُوا عَنْ عِيرِهِمُ الَّتِي كانَتْ مَعَ أبِي سُفْيانَ، ومَعَهُمُ القِيانُ والمَعازِفُ، وهم يَشْرَبُونَ الخُمُورَ. فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ أنَّهُ قَدْ أحْرَزَ ما مَعَهُ، كَتَبَ إلَيْهِمْ: إنِّي قَدْ أحْرَزْتُ أمْوالَكم فارْجِعُوا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَفْعَلُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنُقِيمُ ثَلاثًا، ونَنْحَرُ الجُزُرَ، ونُطْعِمُ الطَّعامَ، ونَسْقِي الخُمُورَ، وتَسْمَعُ بِنا العَرَبُ، فَلا يَزالُونَ يَهابُونا. فَسارُوا إلى بَدْرٍ، فَكانَتِ الوَقْعَةُ؛ فَسُقُوا كُؤُوسَ المَنايا مَكانَ الخَمْرِ، وناحِتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ مَكانَ القِيانِ. فَأمّا البَطَرُ، فَهو الطُّغْيانُ في النِّعَمِ، وتَرْكُ شُكْرِها. والرِّياءُ: العَمَلُ مِن أجْلِ رُؤْيَةِ النّاسِ. وسَبِيلُ اللَّهِ هاهُنا: دِينُهُ.

الأنفال 8:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أجْمَعَتْ قُرَيْشٌ المَسِيرَ إلى بَدْرٍ، ذَكَرُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ، فَتَبَدّى لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وكانَ مِن أشْرافِ بَنِي كِنانَةَ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ﴾ مِن أنْ تَأْتِيَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِراعًا. وفي المُرادِ بِأعْمالِهِمْ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: شِرْكُهم. والثّانِي: مَسِيرُهم إلى بَدْرٍ. والثّالِثُ: قِتالُهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ: صارَتا بِحَيْثُ رَأتْ إحْداهُما الأُخْرى. (p-٣٦٧)وَفِي المُرادِ بِالفِئَتَيْنِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فِئَةُ المُسْلِمِينَ، وفِئَةُ المُشْرِكِينَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: فِئَةُ المُسْلِمِينَ، وفِئَةُ المَلائِكَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَجَعَ القَهْقَرى. قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ إبْلِيسُ في صَفِّ المُشْرِكِينَ عَلى صُورَةِ سُراقَةَ، آَخِذًا بِيَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؛ فَرَأى المَلائِكَةَ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: أفِرارًا مِن غَيْرِ قِتالٍ؟ فَقالَ ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ فَلَمّا هُزِمَ المُشْرِكُونَ، قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما شَعُرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم. قالَ قَتادَةُ: صَدَقَ عِدَّةُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾، ذَكَرَ لَنا أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ ومَعَهُ المَلائِكَةُ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا يَدَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ، وكَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾، واللَّهِ ما بِهِ مَخافَةُ اللَّهِ، ولَكِنْ عَلِمَ أنَّهُ لا قُوَّةَ لَهُ بِهِمْ. وقالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ: إنِّي أخافُ اللَّهَ أنْ يُهْلِكَنِيَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ، خافَ أنْ تَكُونَ القِيامَةَ، فَيَكُونُ انْتِهاءَ إنْظارِهِ، فَيَقَعُ بِهِ العَذابُ. ومَعْنى "نَكَصَ" رَجَعَ هارِبًا بِخِزْيٍ وذُلٍّ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ، أوْ تَمامُ الحِكايَةِ عَنْ إبْلِيسَ، عَلى قَوْلَيْنِ.

الأنفال 8:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا قَدْ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ بِمَكَّةَ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٣٦٨)مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ كُرْهًا؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةَ المُشْرِكِينَ، ارْتابُوا ونافَقُوا، وقالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ في آَخَرِينَ. وعَدَّهم مُقاتِلٌ، فَقالَ: كانُوا سَبْعَةً: قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةَ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مَنِيَّةَ بْنِ الحَجّاجِ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، لَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، قالُوا": "غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ" رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مُرْتابُونَ، لَمْ يُظْهِرُوا عَداوَةَ النَّبِيِّ ﷺ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والمَرَضُ هاهُنا: الشَّكُّ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "هَؤُلاءِ" إلى المُسْلِمِينَ؛ وإنَّما قالُوا هَذا، لِأنَّهم رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَشُكُّوا في أنَّ قُرَيْشًا تَغْلِبُهم.

الأنفال 8:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَتَوَفّى" بِالياءِ. ؟ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "تَتَوَفّى" بِتاءَيْنِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في الرَّهْطِ الَّذِينَ قالُوا: "غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ" . وفي المُرادِ بِالمَلائِكَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: مَلائِكَةُ العَذابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ قاتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم بِبَدْرٍ لَمّا قاتَلُوا، وأدْبارَهم لَمّا انْهَزَمُوا. (p-٣٦٩)والثّانِي: أنَّهم جاؤُوهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ، فالَّذِينَ أمامَهم ضَرَبُوا وُجُوهَهم، والَّذِينَ وراءَهم ضَرَبُوا أدْبارَهم. والثّالِثُ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا لَقُوهم، وأدْبارَهم إذا ساقُوهم إلى النّارِ. والرّابِعُ: أنَّهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم عِنْدَ المَوْتِ بِسِياطٍ مِن نارٍ. وهَلِ المُرادُ نَفْسُ الوُجُوهِ والأدْبارِ، أمِ المُرادُ ما أقْبَلَ مِن أبْدانِهِمْ وأدْبَرَ؟ فِيهِ قَوْلانِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ في الدُّنْيا؛ وفِيهِ إضْمارٌ "يَقُولُونَ" فالمَعْنى: يَضْرِبُونَ ويَقُولُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البَقَرَةِ:١٢٧] رَبَّنا أيْ: ويَقُولانِ. قالَ النّابِغَةُ: ؎ كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقِعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنٍّ والمَعْنى: كَأنَّكَ جَمَلٌ مِن جِمالِ لِبَنِي أُقَيْشٍ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّ الضَّرْبَ لَهم في الدُّنْيا، فَإذا ورَدُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلى النّارِ، قالَ خَزَنَتُها: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

الأنفال 8:51

(p-٣٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: بِما كَسَبْتُمْ مِن قَبائِحَ أعْمالِكم ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لا يَظْلِمُ عِبادَهُ بِعُقُوبَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وإنْ كانَ كُفْرُهم بِقَضائِهِ، لِأنَّهُ مالِكٌ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ في مُلْكِهِ كَما يَشاءُ، فَيَسْتَحِيلُ نِسْبَةُ الظُّلْمِ إلَيْهِ.

الأنفال 8:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: كَعادَتِهِمْ. والمَعْنى: كَذَّبَ هَؤُلاءِ كَما كَذَّبَ أُولَئِكَ، فَنَزَلَ بِهِمُ العَذابُ كَما نَزَلَ بِأُولَئِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْقَنَ آَلُ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى نَبِيُّ اللَّهِ فَكَذَّبُوهُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ،

الأنفال 8:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأخْذُ والعِقابُ بِأنَّ اللَّهَ ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا﴾ بِالكُفْرانِ وتَرْكِ الشُّكْرِ. قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالقَوْمِ هاهُنا أهْلُ مَكَّةَ، أطْعَمَهم مَن جُوعٍ وآَمَنَهم مِن خَوْفٍ، ثُمَّ بَعَثَ فِيهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَلَمْ يَعْرِفُوا المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ، فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ، فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الأنْصارِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ والقَوِيُّ يَكُونُ بِمَعْنى القادِرِ فَمَن قَوِيَ عَلى شَيْءٍ فَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ مَعْناهُ: التّامُّ القُوَّةِ (p-٣٧١)الَّذِي لا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ العَجْزُ في حالٍ، والمَخْلُوقُ، وإنْ وُصِفَ بِالقُوَّةِ، فَقَوَّتُهُ مُتَناهِيَةٌ، وعَنْ بَعْضِ الأُمُورِ قاصِرَةٌ.

الأنفال 8:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَذَّبَ أهْلُ مَكَّةَ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ، كَما كَذَّبَ آَلُ فِرْعَوْنَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَذَّبَ مَن قَبْلَهم بِأنْبِيائِهِمْ قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الكافُ مِن "كَدَأْبِ" في مَوْضِعِ نَصْبِ، نَعْتٍ لَمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: غَيَّرْنا بِهِمْ لَمّا غَيَّرُوا تَغْيِيرًا مِثْلَ عادَتِنا في آَلِ فِرْعَوْنَ، ومَثَلُها الآَيَةُ الأُولى، إلّا أنَّ الأُولى لَلْعادَةِ في العَذابِ؛ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ فِعْلًا مِثْلَ عادَتِنا في آَلِ فِرْعَوْنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ المُتَقَدِّمَةَ، بَعْضُهم بِالرَّجْفَةِ، وبَعْضُهم بِالرِّيحِ، فَكَذَلِكَ أهْلَكْنا كَفّارَ مَكَّةَ بِبَدْرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: "فَأهْلَكْناهُمْ" الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ.

الأنفال 8:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ اليَهُودِ، مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ.

الأنفال 8:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ في "مِن" أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. (p-٣٧٢)الثّانِي: أنَّها لَلتَّبْعِيضِ؛ فالمَعْنى: إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ الكُفّارُ. وشَرُّهُمُ الَّذِينَ عاهَدَتْ ونَقَضُوا. والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى "مَعَ"؛ والمَعْنى: عاهَدَتْ مَعَهم. والرّابِعُ: أنَّها دَخَلَتْ، لِأنَّ العَهْدَ أُخِذَ مِنهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ أيْ: كُلَّما عاهَدْتَهم نَقَضُوا. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَهم لا يَتَّقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَتَّقُونَ نَقْضَ العَهْدِ. والثّانِي: لا يَتَّقُونَ اللَّهَ في نَقْضِ العَهْدِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ عاهَدَ يَهُودَ قُرَيْظَةَ أنْ لا يُحارِبُوهُ ولا يُعاوِنُوا عَلَيْهِ، فَنَقَضُوا العَهْدَ وأعانُوا عَلَيْهِ مُشْرِكِي مَكَّةَ بِالسِّلاحِ، ثُمَّ قالُوا: نَسِينا وأخْطَأْنا؛ ثُمَّ عاهَدُوهُ الثّانِيَةَ، فَنَقَضُوا ومالَؤُوا الكُفّارَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وكَتَبَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ إلى مَكَّةَ يُوافِقُهم عَلى مُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .»

الأنفال 8:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: فَإنْ تَثْقَفَنَّهم. فَعَلى قَوْلِهِ، تَكُونُ "ما" زائِدَةً. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "فَإمّا" في (البَقَرَةِ:٣٨) . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَمَعْنى "تَثْقَفَنَّهُمْ" تَظْفَرُ بِهِمْ. ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيِ: افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ العُقُوبَةِ والتَّنْكِيلِ يَتَفَرَّقُ بِهِ مَن وراءَهم مِن أعْدائِكَ. قالَ: ويُقالُ: شَرِّدْ بِهِمْ، أيْ: سَمِّعْ بِهِمْ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ أطُوفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ مَخافَةَ أنْ يَشْرُدَ بِي حَكِيمٌ (p-٣٧٣)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُشَرِّدُ غَيْرَهم مِن ناقِضِي العَهْدِ، لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ النَّكالَ فَلا يَنْقُضُونَ العَهْدَ.

الأنفال 8:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الخَوْفُ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ، والمَعْنى: إنْ عَلِمْتَ مَن قَوْمٍ قَدْ عاهَدَتْهم خِيانَةً، وهي نَقْضُ عَهْدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: فَألْقِ إلَيْهِمْ نَقْضَكَ العَهْدَ لِتَكُونَ وإيّاهم في العِلْمِ بِالنَّقْضِ سَواءً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.، وأبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: فانْبِذْ إلَيْهِمْ جَهْرًا غَيْرَ سِرٍّ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ أيْضًا في آَخَرِينَ. والثّالِثُ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى مَهْلٍ، قالَهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. والرّابِعُ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى عَدْلٍ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، وأنْشَدُوا: ؎ فاضْرِبْ وُجُوهَ الغَدْرِ الأعْداءَ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَّواءِ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

الأنفال 8:59

قَوْلُهُ تَعالى: " ولا تَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "وَلا تَحْسَبْنَّ" بِالتّاءِ وكَسْرِ السِّينِ إلّا أنَّ عاصِمًا فَتَحَ السِّينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ وحَفَصٌ، عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ وفَتَحِ السِّينِ. وفي الكافِرِينَ هاهُنا قَوْلانِ. (p-٣٧٤)أحَدُهُما: جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ وغَيْرُهُ. "وَسَبَقُوا" بِمَعْنى فاتُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وذَلِكَ أنَّهم أشْفَقُوا مِن هَلَكَةٍ تَنْزِلُ بِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ؛ فَلَمّا سَلِمُوا مِنها، قِيلَ: لا تَحْسَبْنَّ أنَّهم فاتُوا بِسَلامَتِهِمُ الآَنَ، فَإنَّهم لا يُعْجِزُونا، أيْ: لا يَفُوتُونا فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الأوْقاتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِ الألِفِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِها؛ وعَلى قِراءَتِهِ اعْتِراضٌ. لَقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَ قَدْ قَرَأ "يَحْسَبْنَّ" بِالياءِ، وقَرَأ "أنَّهُمْ" بِالفَتْحِ، فَقَدْ أقَرَّهم عَلى أنَّهم لا يُعْجِزُونَ؛ ومَتى عَلِمُوا أنَّهم لا يُعْجِزُونَ، لَمْ يُلامُوا. فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: المَعْنى: "لا يَحْسَبْنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا" لا يَحْسَبْنَّ أنَّهم يُعْجِزُونَ؛ "وَلا" زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: لا يَحْسَبْنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا وآَباءَهم سَبَقُوا، لِأنَّهم لا يُفَوِّتُونَ، فَهم يُجْزَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ.

الأنفال 8:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ في المُرادِ بِالقُوَّةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الرَّمْيُ، رَواهُ عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ (p-٣٧٥)الحَكَمُ بْنُ أبانَ: هي النُّبْلُ. والثّانِي: ذُكُورُ الخَيْلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: السِّلاحُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ عَلى حَرْبِ العَدُوِّ مِن آَلَةِ الجِهادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ يَعْنِي رَبْطَها واقْتِناءَها لَلْغَزْوِ؛ وهو عامٌّ في الذُّكُورِ والإناثِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وكانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وَمِن رِباطِ الخَيْلِ" إناثُها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ رَوى رُوَيْسٌ، وعَبْدُ الوارِثِ "تُرْهِبُونَ" بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الهاءِ، أيْ: تُخِيفُونَ وتُرْعِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم، وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ وكُفّارُ العَرَبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ أيْ مِن دُونِ كُفّارِ العَرَبِ. واخْتَلَفُوا فِيهِمْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ الجِنُّ. رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "هُمُ الجِنُّ، وإنَّ الشَّيْطانَ لا يَخْبِلُ أحَدًا في دارِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ" .» والثّانِي: أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أهْلُ فارِسٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ:

الأنفال 8:61

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ "لَها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْها"؟ فالجَوابُ: أنَّ "اللّامَ" و"إلى" تَنُوبُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما عَنِ الأُخْرى. وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ، وأنَّها نُسِخَتْ بِآَيَةِ السَّيْفِ. والثّانِي: أهْلُ الكِتابِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في تَرْكِ حَرْبِهِمْ إذْ بَذَلُوا الجِزْيَةَ وقامُوا بِشَرْطِ الذِّمَّةِ، فَهي مَحْكَمَةٌ. وَإنْ قِيلَ: نَزَلَتْ في مُوادَعَتِهِمْ عَلى غَيْرِ جِزْيَةٍ، تَوَجَّهَ النَّسْخُ لَها بِآَيَةِ الجِزْيَةِ.

الأنفال 8:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَهُودَ قُرَيْظَةَ (أنْ يَخْدَعُوكَ) بِالصُّلْحِ لَتَكُفَّ عَنْهم، حَتّى إذا جاءَ مُشْرِكُو العَرَبِ، أعانُوهم عَلَيْكَ (فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّ الَّذِي يَتَوَلّى كِفايَتَكَ اللَّهُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ﴾ أيْ: قَوّاكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: قَوّاكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الأنْصارِ يَوْمَ بَدْرٍ. (p-٣٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ، وهُمُ الأنْصارُ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ. وهَذا مِن أعْجَبِ الآَياتِ، لِأنَّهم كانُوا ذَوِي أنَفَةٍ شَدِيدَةٍ؛ فَلَوْ أنَّ رَجُلًا لَطَمَ رَجُلًا، لَقاتَلَتْ عَنْهُ قَبِيلَتُهُ حَتّى تُدْرِكَ ثَأْرَهُ، فَآَلَ بِهِمُ الإسْلامُ إلى أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ ابْنَهُ وأباهُ.

الأنفال 8:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَهُودَ قُرَيْظَةَ (أنْ يَخْدَعُوكَ) بِالصُّلْحِ لَتَكُفَّ عَنْهم، حَتّى إذا جاءَ مُشْرِكُو العَرَبِ، أعانُوهم عَلَيْكَ (فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّ الَّذِي يَتَوَلّى كِفايَتَكَ اللَّهُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ﴾ أيْ: قَوّاكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: قَوّاكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الأنْصارِ يَوْمَ بَدْرٍ. (p-٣٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ، وهُمُ الأنْصارُ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ. وهَذا مِن أعْجَبِ الآَياتِ، لِأنَّهم كانُوا ذَوِي أنَفَةٍ شَدِيدَةٍ؛ فَلَوْ أنَّ رَجُلًا لَطَمَ رَجُلًا، لَقاتَلَتْ عَنْهُ قَبِيلَتُهُ حَتّى تُدْرِكَ ثَأْرَهُ، فَآَلَ بِهِمُ الإسْلامُ إلى أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ ابْنَهُ وأباهُ.

الأنفال 8:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: حَسْبُكَ اللَّهُ، وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، والأكْثَرُونَ. والثّانِي: حَسْبُكَ اللَّهُ ومُتَّبِعُوكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وعَنَ الشَّعْبِيِّ كالقَوْلَيْنِ. وَأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ الوَجْهَيْنِ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ فَصارُوا أرْبَعِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا لا يُحْفَظُ، والسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

الأنفال 8:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ حَثُّهم. (p-٣٧٨)وَتَأْوِيلُ التَّحْرِيضِ في اللُّغَةِ: أنْ يَحُثَّ الإنْسانَ عَلى الشَّيْءِ حَثًّا يَعْلَمُ مَعَهُ أنَّهُ حارِضٌ إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ. والحارِضُ:الَّذِي قَدْ قارَبَ الهَلاكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ لَفْظُ هَذا الكَلامِ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، والمُرادُ: يُقاتِلُوا مِائَتَيْنِ، وكانَ هَذا فَرْضًا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ فَفَرَضَ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَثْبُتَ لَرَجُلَيْنِ، فَإنْ زادُوا جازَ لَهُ الفِرارُ. قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا التَّشْدِيدُ كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ. واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكُمْ﴾ فَقَرَؤُوا "يَكُنْ" بِالياءِ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ( فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَة صابِرَة ) فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأهُما عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا" بِالياءِ، "فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ "بِالتّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن أنَّثَ، فَلِلَفْظِ المِائَةِ؛ ومَن ذَكَّرَ، فَلِأنَّ المِائَةَ وقَعَتْ عَلى عَدَدٍ مُذَكَّرٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ المُذَكِّرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "يَغْلِبُوا" وكَذَلِكَ المِائَةُ الصّابِرَةُ هم رِجالٌ، فَقَرَؤُوها بِالياءِ، لِمَوْضِعِ التَّذْكِيرِ. فَأمّا أبُو عَمْرٍو، فَإنَّهُ لَمّا رَأى صِفَةَ المِائَةِ مُؤَنَّثَةً بِقَوْلِهِ: "صابِرَةٌ" أنَّثَ الفِعْلَ، ولَمّا رَأى "يَغْلِبُوا" مُذَكَّرًا، ذَكَّرَ. ومَعْنى الكَلامِ: إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَثْبُتُونَ عِنْدَ اللِّقاءِ، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَحْتَسِبُونَ أفْعالَهم، وأهْلُ الشِّرْكِ يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ احْتِسابٍ ولا طَلَبِ ثَوابٍ، فَإذا صَدَقَهُمُ المُؤْمِنُونَ القِتالَ لَمْ يَثْبُتُوا؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: وعِلْم ورَوى المُفَضَّلُ "وَعُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ "أنَّ فِيكم ضَعْفًا" بِضَمِّ الضّادِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: بِفَتْحِ الضّادِ. وكَذَلِكَ خِلافُهم في [الرُّومِ:٥٥]، قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةً قُرَيْشٌ، والفَتْحُ لُغَةً تَمِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ (p-٣٧٩)واحِدٌ، يُقالُ: هو الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والمَكْثُ والمُكْثُ، والفَقْرُ والفُقْرُ، وفي اللُّغَةِ كَثِيرٌ مِن بابِ فَعْلٍ وفُعْلٍ، والمَعْنى واحِدٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "وَعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعَفاءَ" عَلى فَعَلاءَ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَهو إعْلامٌ بِأنَّ الغَلَبَةَ لا تَقَعُ إلّا بَإرادَتِهِ.

الأنفال 8:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ حَثُّهم. (p-٣٧٨)وَتَأْوِيلُ التَّحْرِيضِ في اللُّغَةِ: أنْ يَحُثَّ الإنْسانَ عَلى الشَّيْءِ حَثًّا يَعْلَمُ مَعَهُ أنَّهُ حارِضٌ إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ. والحارِضُ:الَّذِي قَدْ قارَبَ الهَلاكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ لَفْظُ هَذا الكَلامِ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، والمُرادُ: يُقاتِلُوا مِائَتَيْنِ، وكانَ هَذا فَرْضًا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ فَفَرَضَ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَثْبُتَ لَرَجُلَيْنِ، فَإنْ زادُوا جازَ لَهُ الفِرارُ. قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا التَّشْدِيدُ كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ. واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكُمْ﴾ فَقَرَؤُوا "يَكُنْ" بِالياءِ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ( فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَة صابِرَة ) فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأهُما عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا" بِالياءِ، "فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ "بِالتّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن أنَّثَ، فَلِلَفْظِ المِائَةِ؛ ومَن ذَكَّرَ، فَلِأنَّ المِائَةَ وقَعَتْ عَلى عَدَدٍ مُذَكَّرٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ المُذَكِّرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "يَغْلِبُوا" وكَذَلِكَ المِائَةُ الصّابِرَةُ هم رِجالٌ، فَقَرَؤُوها بِالياءِ، لِمَوْضِعِ التَّذْكِيرِ. فَأمّا أبُو عَمْرٍو، فَإنَّهُ لَمّا رَأى صِفَةَ المِائَةِ مُؤَنَّثَةً بِقَوْلِهِ: "صابِرَةٌ" أنَّثَ الفِعْلَ، ولَمّا رَأى "يَغْلِبُوا" مُذَكَّرًا، ذَكَّرَ. ومَعْنى الكَلامِ: إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَثْبُتُونَ عِنْدَ اللِّقاءِ، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَحْتَسِبُونَ أفْعالَهم، وأهْلُ الشِّرْكِ يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ احْتِسابٍ ولا طَلَبِ ثَوابٍ، فَإذا صَدَقَهُمُ المُؤْمِنُونَ القِتالَ لَمْ يَثْبُتُوا؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: وعِلْم ورَوى المُفَضَّلُ "وَعُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ "أنَّ فِيكم ضَعْفًا" بِضَمِّ الضّادِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: بِفَتْحِ الضّادِ. وكَذَلِكَ خِلافُهم في [الرُّومِ:٥٥]، قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةً قُرَيْشٌ، والفَتْحُ لُغَةً تَمِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ (p-٣٧٩)واحِدٌ، يُقالُ: هو الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والمَكْثُ والمُكْثُ، والفَقْرُ والفُقْرُ، وفي اللُّغَةِ كَثِيرٌ مِن بابِ فَعْلٍ وفُعْلٍ، والمَعْنى واحِدٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "وَعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعَفاءَ" عَلى فَعَلاءَ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَهو إعْلامٌ بِأنَّ الغَلَبَةَ لا تَقَعُ إلّا بَإرادَتِهِ.

الأنفال 8:67

قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ) رَوى مُسْلِمٌ في إفْرادِهِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَتَلَ مِنهم سَبْعُونَ وأسَرَ مِنهم سَبْعُونَ، اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ والإخْوانِ، وإنِّي أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهُمُ الفِدْيَةَ، فَيَكُونُ ما أخَذْنا مِنهم قُوَّةً لَنا عَلى الكُفّارِ، وعَسى أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ فَيَكُونُوا لَنا عَضُدًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ "ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ"؟ قُلْتُ: واللَّهِ ما أرى ما رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنْ أرى أنْ تُمَكِّنَنِي مِن فُلانٍ، قَرِيبٍ لِعُمَرَ، فَأضْرِبُ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ حَمْزَةُ مِن أخِيهِ فَلانٍ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، حَتّى يَعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِنا هَوادَةٌ لَلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنادِيدُهم وأئِمَّتُهم وقادَتُهم. فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، فَأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ. فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ، غَدَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو قاعِدٌ وأبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ وهُما يَبْكِيانِ. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي ماذا يُبْكِيكَ أنْتَ وصاحِبُكَ؟ فَإنْ وجَدْتَ بُكاءً بِكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ "أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابَكَ مِنَ الفِداءِ. لَقَدْ عَرَضَ عَلَيَّ عَذابَكم (p-٣٨٠)أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ" لَشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ "عَظِيمٌ" .» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أشارَ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ، وفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى "ما كانَ لِنَبِيٍّ" إلى قَوْلِهِ "حَلالًا طَيِّبًا"، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ، فَقالَ "كادَ يُصِيبُنا في خِلافِكَ بَلاءٌ" .» فَأمّا الأسْرى، فَهو جَمْعُ أسِيرٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (البَقَرَةِ:٨٥) والجُمْهُورُ قَرَؤُوا "أنْ يَكُونَ" بِالياءِ لِأنَّ الأسْرى مُذَكَّرٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "أنْ تَكُونَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُنِّثَ عَلى لَفْظِ الأسْرى، لِأنَّ الأسْرى وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّذْكِيرُ والرِّجالُ فَهو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ. والأكْثَرُونَ قَرَؤُوا "أسْرى" وكَذَلِكَ "لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى" . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والمُفَضَّلُ "أسارى" في المَوْضِعَيْنِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو، وأبانُ في الثّانِي. قالَ الزَّجّاجُ: والإثْخانُ في كُلِّ شَيْءٍ: قُوَّةُ الشَّيْءِ وشِدَّتُهُ. يُقالُ: قَدْ أثْخَنَهُ المَرَضُ: إذا اشْتَدَّتْ قُوَّتُهُ عَلَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ أعْدائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَتَمَكَّنَ في الأرْضِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الآَيَةِ: ما كانَ لَنَبِيٍّ أنْ يَحْبِسَ كافِرًا قَدَرَ عَلَيْهِ لَلْفِداءِ أوِ المَنِّ قَبْلَ الإثْخانِ في الأرْضِ. وكانَتْ غُزاةُ (p-٣٨١)بَدْرٍ أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ أثْخَنَ في الأرْضِ بَعْدُ. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ وهو المالُ. وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، قَدْ فادُوا يَوْمَئِذٍ بِأرْبَعَةِ آَلافٍ أرْبَعَةَ آَلافٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُرِيدُ لَكُمُ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُرِيدُ العَمَلَ بِما يُوجِبُ ثَوابَ الآَخِرَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ في آَ خَرِينِ: أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [مُحَمَّدٍ:٤]، ولَيْسَ لَلنَّسَخِ وجْهٌ، لِأنَّ غُزاةَ بَدْرٍ كانَتْ وفي المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ؛ فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم، نَزَلَتِ الآَيَةُ الأُخْرى، ويُبَيِّنُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾

الأنفال 8:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم فِيما تَعَجَّلْتُمْ مِنَ المَغانِمِ والفِداءِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ تُؤْمَرُوا بِذَلِكَ عَذابٌ عَظِيمٌ، رَوى هَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: تَعَجَّلَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأصابُوا الغَنائِمَ، فَنَزَلَتِ الآَيَةُ. والثّانِي: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ مَن أتى ذَنْبًا عَلى جَهالَةٍ (p-٣٨٢)لَعُوقِبْتُمْ، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: سَبَقَ أنْ لا أُعُذِّبَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ، ولَمْ يَكُنْ نَهاهم. والثّالِثُ: لَوْلا ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم، لَعُذِّبْتُمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ مِن أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَ الخَطايا ثُمَّ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فَتابَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والخامِسُ: لَوْلا القُرْآَنُ الَّذِي اقْتَضى غُفْرانَ الصَّغائِرِ، لَعُذِّبْتُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ في الكِتابِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابٌ مَكْتُوبٌ حَقِيقَةً. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما أنَّهُ ما كَتَبَهُ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ.

الأنفال 8:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لَلْجَزاءِ. والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا. والحَلالُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما أخَذْتُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ حِلِّها، رَحِيمٌ بِكم إذْ أحَلَّها لَكم. «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وخَبّابَ بْنَ الأرَتِّ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى القَبْضِ، وقَسَّمَها (p-٣٨٣)النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وانْطَلَقَ بِالأسارى، فِيهِمُ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المَطَّلِبِ. وكانَ مَعَ العَبّاسِ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، فَلَمْ تُحْسَبْ لَهُ مِن فِدائِهِ، وكُلِّفَ أنْ يَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيهِ، فَأدّى عَنْهُما ثَمانِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أضْعِفُوا عَلى العَبّاسِ الفِداءَ" فَأخَذُوا مِنهُ ثَمانِينَ أُوقِيَّةً، وكانَ فِداءُ كُلِّ أسِيرٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقالَ العَبّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ تَرَكْتَنِي ما حَيِيتُ أسْألُ قُرَيْشًا بِكَفِّي. فَقالَ لَهُ: "أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي تَرَكْتُهُ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ"؟ فَقالَ: أيِ الذَّهَبُ؟ فَقالَ: "إنَّكَ قُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ، فَهو لَكَ ولِوَلَدِكَ" فَقالَ: ابْنُ أخِي، مَن أخْبَرَكَ؟ فَقالَ: "اللَّهُ أخْبَرَنِي" فَقالَ العَبّاسُ: أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ، وما عَلِمْتُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ اليَوْمِ؛ وأمَرَ ابْنَيْ أخِيهِ فَأسْلَما. وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ الآَيَةُ.» ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أتاهُ رِجالٌ، فَقالُوا: لَوْلا أنّا نَخافُ هَؤُلاءِ القَوْمِ لَأسْلَمْنا، ولَكِنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ المُشْرِكُونَ: لا يَتَخَلَّفُ عَنّا أحَدٌ إلّا هَدَمْنا دارَهُ واسْتَحْلَلْنا مالَهُ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ القَوْمُ فَقُتِلَتْ طائِفَةٌ مِنهم وأُسِرَتْ طائِفَةٌ فَأمّا الَّذِينَ قُتِلُوا، فَهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النَّحْلِ:٢٨] . وأمّا الَّذِينَ أُسِرُوا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ تَعْلَمُ أنّا كُنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وإنَّما خَرَجْنا مَعَ هَؤُلاءِ خَوْفًا مِنهم. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾» . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ فَمَعْناهُ إسْلامًا وصِدْقًا ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ. وفِيهِ قَوْلانِ. (p-٣٨٤)أحَدُهُما: أكْثَرُ مِمّا أُخِذَ مِنكم. والثّانِي: أحَلُّ وأطْيَبُ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ" بِفَتْحِ الخاءِ؛ يُشِيرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَغْفِرُ لَكم كُفْرَكم وقِتالَكم رَسُولَ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: يَغْفِرُ لَكم خُرُوجَكم مَعَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في تَمامِ كَلامِهِ الأوَّلِ.

الأنفال 8:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لَلْجَزاءِ. والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا. والحَلالُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما أخَذْتُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ حِلِّها، رَحِيمٌ بِكم إذْ أحَلَّها لَكم. «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وخَبّابَ بْنَ الأرَتِّ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى القَبْضِ، وقَسَّمَها (p-٣٨٣)النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وانْطَلَقَ بِالأسارى، فِيهِمُ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المَطَّلِبِ. وكانَ مَعَ العَبّاسِ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، فَلَمْ تُحْسَبْ لَهُ مِن فِدائِهِ، وكُلِّفَ أنْ يَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيهِ، فَأدّى عَنْهُما ثَمانِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أضْعِفُوا عَلى العَبّاسِ الفِداءَ" فَأخَذُوا مِنهُ ثَمانِينَ أُوقِيَّةً، وكانَ فِداءُ كُلِّ أسِيرٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقالَ العَبّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ تَرَكْتَنِي ما حَيِيتُ أسْألُ قُرَيْشًا بِكَفِّي. فَقالَ لَهُ: "أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي تَرَكْتُهُ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ"؟ فَقالَ: أيِ الذَّهَبُ؟ فَقالَ: "إنَّكَ قُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ، فَهو لَكَ ولِوَلَدِكَ" فَقالَ: ابْنُ أخِي، مَن أخْبَرَكَ؟ فَقالَ: "اللَّهُ أخْبَرَنِي" فَقالَ العَبّاسُ: أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ، وما عَلِمْتُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ اليَوْمِ؛ وأمَرَ ابْنَيْ أخِيهِ فَأسْلَما. وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ الآَيَةُ.» ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أتاهُ رِجالٌ، فَقالُوا: لَوْلا أنّا نَخافُ هَؤُلاءِ القَوْمِ لَأسْلَمْنا، ولَكِنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ المُشْرِكُونَ: لا يَتَخَلَّفُ عَنّا أحَدٌ إلّا هَدَمْنا دارَهُ واسْتَحْلَلْنا مالَهُ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ القَوْمُ فَقُتِلَتْ طائِفَةٌ مِنهم وأُسِرَتْ طائِفَةٌ فَأمّا الَّذِينَ قُتِلُوا، فَهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النَّحْلِ:٢٨] . وأمّا الَّذِينَ أُسِرُوا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ تَعْلَمُ أنّا كُنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وإنَّما خَرَجْنا مَعَ هَؤُلاءِ خَوْفًا مِنهم. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾» . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ فَمَعْناهُ إسْلامًا وصِدْقًا ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ. وفِيهِ قَوْلانِ. (p-٣٨٤)أحَدُهُما: أكْثَرُ مِمّا أُخِذَ مِنكم. والثّانِي: أحَلُّ وأطْيَبُ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ" بِفَتْحِ الخاءِ؛ يُشِيرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَغْفِرُ لَكم كُفْرَكم وقِتالَكم رَسُولَ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: يَغْفِرُ لَكم خُرُوجَكم مَعَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في تَمامِ كَلامِهِ الأوَّلِ.

الأنفال 8:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ يَعْنِي: إنْ أرادَ الأُسَراءَ خِيانَتَكَ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ إذْ كَفَرُوا بِهِ قَبْلَ أسْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَقَدْ خانُوا بِخُرُوجِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى إنْ خانُوكَ أمْكَنْتُكَ مِنهم فَقَتَلْتَهم وأسَرْتَهم كَما أمْكَنْتُكَ بِبَدْرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: (واللَّهُ عَلِيمٌ) بِخِيانَةٍ إنْ خانُوها، حَكِيم في تَدْبِيرِهِ عَلَيْهِمْ ومُجازاتِهِ إيّاهم.

الأنفال 8:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا دِيارَهم وأمْوالَهم وقَوْمَهم في نُصْرَةِ الدِّينِ (p-٣٨٥)﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ يَعْنِي: الأنْصارَ، آَوَوْا رَسُولَ اللَّهِ، وأسْكَنُوا المُهاجِرِينَ، دِيارَهم ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ﴾ بَعْضٌ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في النُّصْرَةِ. والثّانِي: في المِيراثِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ، وكانَ المُؤْمِنُ الَّذِي لَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ قَرِيبَهُ المُهاجِرَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ولايَتِهِمْ بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ الواوِ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى:لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيراثٌ حَتّى يُهاجِرُوا. ومَن كَسَرَ واوَ الوِلايَةِ، فَهي بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ؛ وإذا فُتِحَتْ، فَهي مِنَ النُّصْرَةِ. وقالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ، لَلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والوِلايَةُ بِالكَسْرِ، مِن ولَيْتُ الأمْرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ، لَلْخالِقِ؛ والوِلايَةُ لَلْمَخْلُوقِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ، مَصْدَرُ الوَلِيِّ، والوِلايَةُ: مَصْدَرُ الوالِي، يُقالُ: ولِيٌّ بَيْنَ الوِلايَةِ، ووالٍ بَيْنَ الوِلايَةِ؛ فَهَذا هو الِاخْتِيارُ؛ ثُمَّ يَصْلُحُ في ذا. ما يَصْلُحُ في ذا. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ: النُّصْرَةُ، وقَدْ تُكْسَرُ. والوِلايَةُ، بِالكَسْرِ: السُّلْطانُ. فَصْلٌ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الوِلايَةِ مُوالاةُ النَّصْرِ والمَوَدَّةِ. قالُوا: ونَسَخَ هَذا الحُكْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ:٧١] . فَأمّا القائِلُونَ بِأنَّها وِلايَةُ المِيراثِ، فَقالُوا: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ.﴾ [الأنْفالِ:٧٥] . (p-٣٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ أيْ: إنِ اسْتَنْصَرَكُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فانْصُرُوهم، إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوكم عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهِدٌ، فَلا تَغْدِرُوا بِأرْبابِ العَهْدِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنْ عَلى المُهاجِرِ أنْ يَنْصُرَ مَن لَمْ يُهاجِرْ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرَهُ.

الأنفال 8:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في المِيراثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي في النُّصْرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المِيراثِ، فالمَعْنى: إلّا تَأْخُذُوا في المِيراثِ بِما أمَرْتُكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى التَّناصُرِ. فالمَعْنى: إلّا تَتَعاوَنُوا وتَتَناصَرُوا في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وبَيانُهُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَتَوَلَّ المُؤْمِنَ تُوَلِّيًا حَقًّا، ويَتَبَرَّأ مِنَ الكافِرِ جِدًّا، أدّى ذَلِكَ إلى الضَّلالِ والفَسادِ في الدِّينِ. فَإذا هَجَرَ المُسْلِمُ أقارِبَهُ الكُفّارَ، ونَصَرَ المُسْلِمِينَ، كانَ ذَلِكَ أدْعى لِأقارِبِهِ الكُفّارِ إلى الإسْلامِ وتَرَكَ الشِّرْكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "كَثِيرٍ" بِالثّاءِ. (p-٣٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ حَقَّقُوا إيمانَهم بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، بِخِلافِ مَن أقامَ بِدارِ الشِّرْكِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: هو الحَسَنُ، وذَلِكَ في الجَنَّةِ.

الأنفال 8:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في المِيراثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي في النُّصْرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المِيراثِ، فالمَعْنى: إلّا تَأْخُذُوا في المِيراثِ بِما أمَرْتُكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى التَّناصُرِ. فالمَعْنى: إلّا تَتَعاوَنُوا وتَتَناصَرُوا في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وبَيانُهُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَتَوَلَّ المُؤْمِنَ تُوَلِّيًا حَقًّا، ويَتَبَرَّأ مِنَ الكافِرِ جِدًّا، أدّى ذَلِكَ إلى الضَّلالِ والفَسادِ في الدِّينِ. فَإذا هَجَرَ المُسْلِمُ أقارِبَهُ الكُفّارَ، ونَصَرَ المُسْلِمِينَ، كانَ ذَلِكَ أدْعى لِأقارِبِهِ الكُفّارِ إلى الإسْلامِ وتَرَكَ الشِّرْكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "كَثِيرٍ" بِالثّاءِ. (p-٣٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ حَقَّقُوا إيمانَهم بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، بِخِلافِ مَن أقامَ بِدارِ الشِّرْكِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: هو الحَسَنُ، وذَلِكَ في الجَنَّةِ.

الأنفال 8:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الحُدَيْبِيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ أيْ: في المَوارِيثِ بِالهِجْرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «آَخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ، وكانُوا يَتَوارَثُونَ بِذَلِكَ الإخاءِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ - وقَدْ بَيَّنَ لَهم قِسْمَةَ المِيراثِ في سُورَةِ [النِّساءِ:١١، ١٢] . والثّالِثُ: أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

التوبة 9:1

(p-٣٨٨)سُورَةُ التَّوْبَةِ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فَصْلٌ في نُزُولِها هِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، سِوى الآَيَتَيْنِ في آَخِرِها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. رَوى البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ البَراءِ قالَ: آَخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَة وقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنِّي لَأحْسَبُ هَذِهِ مِن آَخَرِ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآَنِ. قِيلَ لَهُ: ومِن أيْنَ عَلِمْتَ! فَقالَ: إنِّي لَأسْمَعُ عُهُودًا تُنْبَذُ، ووَصايا تُنَفَّذُ. فَصْلٌ واخْتَلَفُوا في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن ﴿بَراءَةٌ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التَّوْبَةِ:٢٥]، قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-٣٨٩)والثّانِي: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التَّوْبَةِ:٤١]، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مالِكٍ. والثّالِثُ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ [التَّوْبَةِ:٤٠] قالَهُ مُقاتِلٌ. وهَذا الخِلافُ إنَّما هو في أوَّلِ ما نَزَلَ مِنها بِالمَدِينَةِ، فَإنَّهم قَدْ قالُوا: نَزَلَتِ الآَيَتانِ اللَّتانِ في آَخِرِها بِمَكَّةَ. فَصْلٌ وَلَها تِسْعَةُ أسْماءٍ. أحَدُها: سُورَةُ التَّوْبَةِ. والثّانِي: بَراءَةٌ؛ وهَذانَ مَشْهُورانِ بَيْنَ النّاسِ. والثّالِثُ: سُورَةُ العَذابِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ. والرّابِعُ: المُقَشْقَشَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والخامِسُ: سُورَةُ البُحُوثِ، لِأنَّها بَحَثَتْ عَنْ سَرائِرِ المُنافِقِينَ، قالَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ. والسّادِسُ: الفاضِحَةُ، لِأنَّها فَضَحَتِ المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والسّابِعُ: المُبَعْثَرَةُ، لِأنَّها بَعْثَرَتْ أخْبارَ النّاسِ، وكَشَفَتْ عَنْ سَرائِرِهِمْ، قالَهُ الحارِثُ بْنُ يَزِيدٍ، وابْنُ إسْحاقَ. والثّامِنُ: المُثِيرَةُ لِأنَّها أثارَتْ مَخازِيَ المُنافِقِينَ ومَثالِبَهم، قالَهُ قَتادَةُ. والتّاسِعُ: الحافِرَةُ، لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَصْلٌ وَفِي سَبَبِ امْتِناعِهِمْ مِن كِتابَةِ التَّسْمِيَةِ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ: قُلْتُ لَعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمْلُكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى (الأنْفالِ) وهي مِنَ المَثانِيَ، وإلى (بَراءَةَ) وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ؟ فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٣٩٠)إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَن يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذا في السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيها كَذا وكَذا"، وكانَتِ [الأنْفالُ] مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، (وَبَراءَةٌ) مِن آَخِرِ القُرْآَنِ، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها؛ وقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَظَنَنّا أنَّها مِنها؛ فَمِن ثَمَّ قَرَنَتْ بَيْنَهُما: ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم وذُكِرَ نَحْوُ هَذا المَعْنى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: والشَّبَهُ الَّذِي بَيْنَهُما، أنَّ في (الأنْفالِ) ذِكْرُ العُهُودِ، وفي (بَراءَةَ) نَقْضُها. وكانَ قَتادَةُ يَقُولُ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ. والثّانِي: رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، قالَ: قُلْتُ لِأبِي: لِمَ لَمْ تَكْتُبُوا في (بَراءَةَ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّ (بَراءَةَ) نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم أمانٌ. وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَذا، فَقالَ: لِأنَّ التَّسْمِيَةَ رَحْمَةٌ، والرَّحْمَةُ أمانٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَمّا كَتَبَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم لَمْ يَقْبَلُوها ورَدُّوها، فَما رَدَّها اللَّهُ عَلَيْهِمْ،» قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى المَكِّيُّ. فَصْلٌ فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَتِ العَرَبُ تَنْقُضُ عُهُودًا بِنَتْها مَعَ (p-٣٩١)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإلْقاءِ عُهُودِهِمْ إلَيْهِمْ، فَأنَزَلَ (بَراءَةً) في سَنَةِ، تِسْعٍ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ أبا بَكْرٍ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ لَيُقِيمَ لَلنّاسِ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ، وبَعَثَ مَعَهُ صَدْرًا مِن (بَراءَةَ) لَيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، فَلَمّا سارَ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، فَقالَ: "اخْرُجْ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَن صَدْرِ (بَراءَةَ) وأذِّنْ في النّاسِ بِذَلِكَ" فَخَرَجَ عَلَيٌّ عَلى ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَضْباءِ حَتّى أدْرَكَ أبا بَكْرٍ، فَرَجَعَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزِلُ في شَأْنِي شَيْءٌ؟ قالَ: "لا، ولَكِنْ لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي أما تَرْضى أنَّكَ كُنْتَ صاحِبِي في الغارِ، وأنَّكَ صاحِبِي عَلى الحَوْضِ"؟ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. فَسارَ أبُو بَكْرٍ أمِيرًا عَلى الحَجِّ، وسارَ عَلَيٌّ لِيُؤَذِّنَ بِـ (بَراءَةَ) . فَصْلٌ وَفِي عَدَدِ الآَياتِ الَّتِي بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أوَّلِ (بَراءَةَ) خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أرْبَعُونَ آَيَةً، قالَهُ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: ثَلاثُونَ آَيَةً، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. والثّالِثُ: عَشْرُ آَياتٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: سَبْعُ آَياتٍ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ. والخامِسُ: تِسْعُ آَياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَصْلٌ فَإنْ تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ في أخْذِ (بَراءَةَ) مِن أبِي بَكْرٍ، وتَسْلِيمِها إلى عَلَيٍّ، تَفْضِيلًا لِعَلِيٍّ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أجْرى العَرَبَ في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في عَقْدِ عَهْدِها ونَقْضِها، أنْ (p-٣٩٢)يَتَوَلّى ذَلِكَ عَلى القَبِيلَةِ رَجُلٌ مِنها؛ وجائِزٌ أنْ تَقُولَ العَرَبُ إذا تَلا عَلَيْها نَقْضَ العَهْدِ مَن لَيْسَ مِن رَهْطِ النَّبِيِّ ﷺ: هَذا خِلافُ ما نَعْرِفُ فِينا في نَقْضِ العُهُودِ، فَأزاحَ النَّبِيُّ ﷺ العِلَّةَ بِما فَعَلَ. وقالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ: لَيْسَ هَذا بِتَفْضِيلٍ لِعَلِيٍّ عَلى أبِي بَكْرٍ، وإنَّما عامَلَهم بِعادَتِهِمُ المُتَعارَفَةِ في حَلِّ العَقْدِ، وكانَ لا يَتَوَلّى ذَلِكَ إلّا السَّيِّدُ مِنهم، أوْ رَجُلٌ مِن رَهْطِهِ دَنِيًّا، كَأخٍ، أوْ عَمٍّ؛ وقَدْ كانَ أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحُجَّةِ الإمامَ، وعَلِيٌّ يَأْتَمُّ بِهِ وأبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ، وعَلِيٌّ يَسْمَعُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحُجَّةِ مَعَ المُؤَذِّنِينَ الَّذِينَ بَعَثَهم يُؤَذِّنُونَ بِمِنى: أنْ لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ؛ فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ بِـ (بَراءَةَ) وبِذَلِكَ الكَلامِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيًّا يُؤَذِّنُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: "ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ألا ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ألا ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُسْلِمٌ، ألا ومَن كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ مُدَّةً فَأجَلُهُ إلى مُدَّتِهِ، واللَّهُ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ" .» فَصْلٌ فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ "هَذِهِ" ومِثْلُهُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها)[النُّورِ:٢] . وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ والدِّينِ بَراءَةً، وبَرِئْتُ مِنَ المَرَضِ؛ وبَرَأْتُ أيْضًا أبْرَأُ بُرْءًا وقَدْ رَوَوْا: بَرَّأْتُ أبْرُؤُ بُرُوءًا ولَمْ نَجِدْ في ما لامُهُ هَمْزَةٌ: فَعَلْتُ أفْعَلُ، إلّا هَذا الحَرْفَ. ويُقالُ: بَرَيْتُ القَلَمَ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحَتَّهُ: أبْرِيهِ بَرْيًا، غَيْرَ مَهْمُوزٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، ومُورِقٌ، وابْنُ يَعْمُرَ: "بَراءَةً" بِالنَّصْبِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والبَراءَةُ هاهُنا: قَطَعُ المُوالاةِ، (p-٣٩٣)وارْتِفاعُ العِصْمَةِ، وزَوالُ الأمانِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهُ هو الَّذِي كانَ يَتَوَلّى المُعاهَدَةَ، وأصْحابُهُ راضُونَ؛ فَكَأنَّهم بِالرِّضا عاهَدُوا أيْضًا؛ وهَذا عامٌّ في كُلِّ مَن عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ مُقاتِلٌ: هم ثَلاثَةُ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ، وبَنُو جُذَيْمَةَ.

التوبة 9:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ أيِ: انْطَلِقُوا فِيها آَمِنِينَ، لا يَقَعُ بِكم مِنّا مَكْرُوهٌ. إنْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ مُخاطَبَةُ شاهِدٍ، والآَيَةُ الأُولى إخْبارٌ عَنْ غائِبٍ، فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ الرُّجُوعُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. قالَ عَنْتَرَةُ: ؎ شَطَّتْ مَزارُ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَيَّ طِلابُكَ ابْنَةَ مَخْرَمِ هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: فَقُلْ لَهُمْ: سِيحُوا في الأرْضِ، أيِ: اذْهَبُوا فِيها، وأقْبِلُوا، وأدْبِرُوا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. واخْتَلَفُوا فِيمَن جُعِلَتْ لَهُ هَذِهِ الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. (p-٣٩٤)أحَدُها: أنَّها أمانٌ لِأصْحابِ العَهْدِ، فَمَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِنها حُطَّ إلَيْها، ومَن كانَ عَهْدُهُ أقَلَّ مِنها رُفِعَ إلَيْها، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأُجَلُهُ انْسِلاخُ المُحَرَّمِ خَمْسُونَ لَيْلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّها لَلْمُشْرِكِينَ كافَّةً، مَن لَهُ عَهْدٌ، ومَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّها أجْلٌ لِمَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمَّنَهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، أوْ كانَ أمانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ؛ فَأمّا مَن لا أمانَ لَهُ، فَهو حَرْبٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ: والرّابِعُ: أنَّها أمانٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ أمانٌ ولا عَهْدٌ؛ فَأمّا أرْبابُ العُهُودِ، فَهم عَلى عُهُودِهِمْ إلى حِينِ انْقِضاءِ مُدَدِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. ويُؤَكِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا نادى يَوْمَئِذٍ: ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ، فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ. وفي بَعْضِ الألْفاظِ: فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ. واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ: رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ أوَّلَها يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وهو يَوْمُ النَّحْرِ، وآَخِرُها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الآَخِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والقُرَظِيُّ. والثّالِثُ: أنَّها شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، لِأنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ في شَوّالٍ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ إعْلامِهِمْ بِهِ إلى ذِي الحِجَّةِ إذْ كانَ لا يَلْزَمُهُمُ الأمْرُ إلّا بَعْدَ الإعْلامِ. والرّابِعُ: أنَّ أوَّلَها العاشِرُ مِن ذِي القِعْدَةِ، وآَخِرَها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في العَشْرِ (p-٣٩٥)مِن ذِي الحِجَّةِ، وفِيها حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: « "إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ"،» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيْ: وإنْ أُجِّلْتُمْ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهَرَ فَلَنْ تَفُوتُوا اللَّهَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ فَتْحُ "أنْ" عَلى مَعْنى: اعْلَمُوا أنَّ، ويَجُوزُ كَسْرُها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وهَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ نُصْرَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ.

التوبة 9:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى النّاسِ﴾ أيْ: لِلنّاسِ. يُقالُ: هَذا إعْلامٌ لَكَ، وإلَيْكَ. والنّاسُ هاهُنا عامٌّ في المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ. وفي يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو جُحَيْفَةَ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ. والثّانِي: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوْفى، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. وعَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، كالقَوْلَيْنِ. والثّالِثُ أنَّهُ أيّامُ الحَجِّ كُلِّها، فَعَبَّرَ عَنِ الأيّامِ بِاليَوْمِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. قالَ سُفْيانُ: كَما يُقالُ: يَوْمُ بُعاثٍ، ويَوْمُ الجُمَلِ ويَوْمُ صِفِّينَ يُرادُ بِهِ: أيّامٌ ذَلِكَ، لا كُلُّ حَرْبٍ مِن هَذِهِ الحُرُوبِ دامَتْ أيّامًا. وعَنْ مُجاهِدٍ، كالأقْوالِ الثَّلاثَةِ. وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ اتَّفَقَ في سَنَةٍ حَجَّ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، ووافَقَ ذَلِكَ عِيدُ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ: هو الحَجُّ، والأصْغَرُ: هو العُمْرَةُ، قالَهُ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ: القُرْآَنُ، والأصْغَرُ الإفْرادُ قالَهُ مُجاهِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمُرَ إنَّ اللَّهَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ أيْ مِن عَهْدِ المُشْرِكِينَ فَحَذَفَ المُضافَ. (p-٣٩٧)"وَرَسُولُهُ" رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ عَلى مَعْنى: ورَسُولُهُ أيْضًا بَرِيءٌ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَرَسُولَهُ" بِالنَّصْبِ. ثُمَّ رَجَعَ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: عَنِ الإيمانِ

التوبة 9:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلَمّا قَرَأ عَلَيٌّ "بَراءَةَ" قالَتْ بَنُو ضَمْرَةَ: ونَحْنُ مِثْلُهم أيْضًا؟ قالَ: لا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اسْتَثْناكُمْ؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ ومُدَّةٌ، فَأمَرَ أنْ يَفِيَ لَهم. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: وقَعَتِ البَراءَةُ مِنَ المُعاهِدِينَ النّاقِضِينَ لِلْعُهُودِ، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ثُمَّ لَمَّ يَنْقُضُوكم، فَلَيْسُوا داخِلِينَ في البَراءَةِ ما لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفَصْلُ الخِطابِ في هَذا البابِ: أنَّهُ قَدْ كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ عَهْدٌ عامٌّ، وهو أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ، ولا يُخافُ أحَدٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقْوامٍ مِنهم عُهُودٌ إلى آَجالٍ مُسَمّاةٍ، فَأمَرَ بِالوَفاءِ لَهم، وإتْمامِ مُدَّتِهِمْ إذا لَمْ يَخْشَ غَدْرَهم.

التوبة 9:5

(p-٣٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: أنَّها الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم فِيها السِّياحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ في آَخَرِينَ، فَعَلى هَذا، سُمِّيَتْ حَرَمًا لِأنَّ دِماءَ المُشْرِكِينَ حُرِّمَتْ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ حَيْثُ (وَجَدْتُمُوهُمْ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الحِلِّ والحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أيِ: ائْسِرُوهُمْ؛ والأخِيذُ: الأسِيرُ. ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ أيِ: احْبِسُوهُمْ؛ والحَصْرُ: الحَبْسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تَحَصَّنُوا فاحْصُرُوهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أيْ: عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ؛ فَألْقى "عَلى" وأعْمَلَ الفِعْلَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ نُغالِي اللَّحْمَ لَلْأضْيافِ نِيئًا ونُرَخِّصُهُ إذا نَضِجَ القُدُورُ المَعْنى: نُغالِي بِاللَّحْمِ فَحَذَفَ الباءَ كَما حَذَفَ "عَلى" . وقالَ الزَّجّاجُ: "كُلُّ مَرْصَدٍ" ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، فَلَسْتَ تَحْتاجُ أنْ تَقُولَ في هَذِهِ الآَيَةِ إلّا ما تَقُولُهُ في الظُّرُوفِ، مِثْلُ: خَلْفٌ وقُدّامٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: مِن شِرْكِهِمْ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ. والثّانِي: فَعَلُوهُ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. (p-٣٩٩)أحَدُها: أنَّ حُكْمَ الأسارى كانَ وُجُوبُ قَتْلِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [مُحَمَّدٌ:٤]، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ في آَخَرِينَ. والثّانِي: بِالعَكْسِ، وأنَّهُ كانَ الحُكْمُ في الأسارى: أنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُهم صَبْرًا، وإنَّما يَجُوزُ المَنُّ أوِ الفِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ثُمَّ نَسَخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الآَيَتَيْنِ مَحْكَمَتانِ، والأسِيرُ إذا حَصَلَ في يَدِ الإمامِ فَهو مُخَيَّرٌ، إنْ شاءَ مَنَّ عَلَيْهِ، وإنْ شاءَ فاداهُ، وإنْ شاءَ قَتَلَهُ صَبْرًا، أيْ ذَلِكَ رَأيٌ فِيهِ المَصْلَحَةُ لَلْمُسْلِمِينَ فِعْلُ هَذا، قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وعَلَيْهِ عامَّةُ الفُقَهاءِ، وهو قَوْلُ الإمامِ أحْمَدَ.

التوبة 9:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرْتُكَ بِقَتْلِهِمُ اسْتَأْمَنَكَ يَبْتَغِي أنْ يَسْمَعَ القُرْآَنَ ويَنْظُرَ فِيما أُمِرَ بِهِ ونُهِيَ عَنْهُ، فَأجِرْهُ، ثُمَّ أبْلِغْهُ المَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: ذَلِكَ الَّذِي أمَرْناكَ بِهِ مِن أنْ يُعَرَّفُوا ويُجارُوا لَجَهْلِهِمْ بِالعِلْمِ. والثّانِي: ذَلِكَ الَّذِي أمَرْناكَ بِهِ مِن رَدِّهِ إلى مَأْمَنِهِ إذا امْتَنَعَ مِنَ الإيمانِ، لِأنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِخِطابِ اللَّهِ.

التوبة 9:7

(p-٤٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم ذَلِكَ، ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم بَنُو ضَمْرَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ قَتادَةُ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عاهَدَهُمُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَنَكَثُوا وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ. والثّالِثُ: أنَّهم خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسَّيْرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا صالَحَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، كُتِبَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ: "هَذا ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، اصْطَلَحا عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ، ويَكُفُّ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، عَلى أنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ، وأنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وأنَّهُ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ وعَقْدِهِ فِعْلٌ، ومَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ وعَقْدِها فِعْلٌ، وأنَّهُ مَن أتى مُحَمَّدًا مِنهم بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّهِ رَدَّهُ إلَيْهِ، وأنَّهُ مَن أتى قُرَيْشًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ عَنّا عامَهُ هَذا بِأصْحابِهِ ويَدْخُلُ عَلَيْنا في قابِلٍ في أصْحابِهِ، فَيُقِيمُ بِها ثَلاثًا لا يَدْخُلُ عَلَيْنا بِسِلاحٍ، إلّا سِلاحُ المُسافِرِ، السُّيُوفُ في القُرُبِ" فَوَثَبَتْ خُزاعَةُ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ وعَقْدِهِ، ووَثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَهْدِ قُرَيْشٍ وعَقْدِها. ثُمَّ إنْ قُرَيْشًا أعانَتْ بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ بِالرِّجالِ والسِّلاحِ فَبَيَّتُوا خُزاعَةَ لَيْلًا، فَقَتَلُوا مِنهم عِشْرِينَ رَجُلًا. ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا نَدِمَتْ عَلى ما صَنَعَتْ، وعَلِمُوا أنَّ هَذا نَقْضٌ لَلْعَهْدِ والمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخَرَجَ قَوْمٌ مِن خُزاعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبَرُوهُ بِما أصابَهم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وكانَتْ غُزاةَ الفَتْحِ.» قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإسْلالُ: السَّرِقَةُ، والإغْلالُ: الخِيانَةُ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وقَوْلُهُ: "وَأنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً" مَثَلٌ، أرادَ: أنَّ صُلْحَنا (p-٤٠١)مُحْكَمٌ مُسْتَوْثَقٌ مِنهُ، كَأنَّهُ عَيْبَةٌ مُشَرَّجَةٌ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] .

التوبة 9:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ وأنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم، فَحَذَفَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى فَكَيْفَ وهَذِي هَضْبَةٌ وقَلِيبٌ أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ بِقَرْيَةٍ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: ؎ فَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهم خَذَلُوكم ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ ولا أدِيمَكم قَدُّوا أيْ: فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِ قَوْمٍ؟ واسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ جَرى في القَصِيدَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما أُضْمِرَ. وقَوْلُهُ: يَظْهَرُوا يَعْنِي: يُقْدِرُوا ويَظْفَرُوا. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يَحْفَظُوا. والثّانِي: لا يَخافُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: لا يُراعُوا، قالَهُ قُطْرُبٌ. وَفِي الإلِّ خَمْسَةُ أقْوالٍ. (p-٤٠٢)أحَدُها: أنَّهُ القَرابَةُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأنْشَدُوا: ؎ إنَّ الوُشاةَ كَثِيرٌ إنْ أطَعْتَهم ∗∗∗ لا يَرْقُبُونَ بِنا إلًّا ولا ذِمَمًا وَقالَ الآَخَرُ: ؎ لَعَمْرُكَ إنَّ إلْكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ والثّانِي: أنَّهُ الجِوارُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: أنَّهُ العَهْدُ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ. والخامِسُ: أنَّهُ الحِلْفُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "إيلًا" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: "ألًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ. وفي المُرادِ بِالذِّمَّةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها العَهْدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ في آَخَرِينَ. والثّانِي: التَّذَمُّمُ مِمَّنْ لا عَهْدَ لَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ: ؎ لا يَرْقُبُونَ بِنا إلًّا ولا ذِمَمًا والثّالِثُ: الأمانُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: « "وَيَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهُمْ" .» (p-٤٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في الوَفاءِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا الغَدْرَ. والثّانِي: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في العُدَّةِ بِالإيمانِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا الشِّرْكَ. والثّالِثُ: يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ في الطّاعَةِ، وتَأْبى قُلُوبُهُمُ إلّا المَعْصِيَةَ، ذَكَرَهُنَّ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خارِجُونَ عَنِ الصِّدْقِ، ناكِثُونَ لَلْعَهْدِ.

التوبة 9:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. فَعَلى الأوَّلِ، آَياتُ اللَّهِ: حُجَجُهُ. وعَلى الثّانِي: هي آَياتُ التَّوْراةِ. والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما حَصَّلُوهُ بَدَلًا مِنَ الآَياتِ. وفي وصْفِهِ بِالقَلِيلِ وجْهانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهُ حَرامٌ، والحَرامُ قَلِيلٌ. والثّانِي لِأنَّهُ مِن عَرَضِ الدُّنْيا الَّذِي بَقاؤُهُ قَلِيلٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: عَنْ بَيْتِهِ، وذَلِكَ حِينَ مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ دُخُولَ مَكَّةَ. والثّانِي: عَنْ دِينِهِ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ. والثّالِثُ: عَنْ طاعَتِهِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ.

التوبة 9:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. فَعَلى الأوَّلِ، آَياتُ اللَّهِ: حُجَجُهُ. وعَلى الثّانِي: هي آَياتُ التَّوْراةِ. والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما حَصَّلُوهُ بَدَلًا مِنَ الآَياتِ. وفي وصْفِهِ بِالقَلِيلِ وجْهانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهُ حَرامٌ، والحَرامُ قَلِيلٌ. والثّانِي لِأنَّهُ مِن عَرَضِ الدُّنْيا الَّذِي بَقاؤُهُ قَلِيلٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: عَنْ بَيْتِهِ، وذَلِكَ حِينَ مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ دُخُولَ مَكَّةَ. والثّانِي: عَنْ دِينِهِ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ. والثّالِثُ: عَنْ طاعَتِهِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ.

التوبة 9:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. فَعَلى الأوَّلِ، آَياتُ اللَّهِ: حُجَجُهُ. وعَلى الثّانِي: هي آَياتُ التَّوْراةِ. والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما حَصَّلُوهُ بَدَلًا مِنَ الآَياتِ. وفي وصْفِهِ بِالقَلِيلِ وجْهانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهُ حَرامٌ، والحَرامُ قَلِيلٌ. والثّانِي لِأنَّهُ مِن عَرَضِ الدُّنْيا الَّذِي بَقاؤُهُ قَلِيلٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: عَنْ بَيْتِهِ، وذَلِكَ حِينَ مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ دُخُولَ مَكَّةَ. والثّانِي: عَنْ دِينِهِ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ. والثّالِثُ: عَنْ طاعَتِهِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ.

التوبة 9:12

(p-٤٠٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعِكْرِمَةَ ابْنِ أبِي جَهِلٍ، وسائِرِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ حِينَ أعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَسِيرَ إلَيْهِمْ فَيَنْصُرُ خُزاعَةَ، وهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .» فَأمّا النَّكْثُ، فَمَعْناهُ: النَّقْضُ. والإيمانُ هاهُنا: العُهُودُ. والطَّعْنُ في الدِّينِ: أنْ يُعابَ، وهَذا يُوجِبُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ، لِأنَّ المَأْخُوذَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطْعَنَ فِيهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "أئِمَّةٌ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ. والمُرادُ بِأئِمَّةِ الكُفْرِ: رُؤُوسُ المُشْرِكِينَ وقادَتُهم. ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا عُهُودَ لَهم صادِقَةً؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الألِفَ، وهُمُ الأكْثَرُونَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "لا إيمانَ لَهُمْ" بِالكَسْرِ؛ وفِيها وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ. أحَدُهُما: أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالكُفْرِ ونَفْيُ الإيمانِ، والثّانِي: لا أمانَ لَهم، تَقُولُ: آَمَنتُهُ إيمانًا، والمَعْنى: فَقَدْ بَطَلَ أمانُكم لَهم بِنَقْضِهِمْ. (p-٤٠٥)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنِ الشِّرْكِ. والثّانِي عَنْ نَقْضِ العُهُودِ. وَفِي "لَعَلَّ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى التَّرَجِّي، المَعْنى لَيُرْجى مِنهُمُ الِانْتِهاءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: "كَيْ" قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

التوبة 9:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا نَزَلَ في نَقْضِ قُرَيْشٍ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي عاهَدَهم بِالحُدَيْبِيَةَ حَيْثُ أعانُوا عَلى خُزاعَةَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أبُو سُفْيانَ في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كانُوا فِيمَن هَمَّ بِإخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، غَدَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونَقَضُوا عَهْدَهُ وهَمُّوا بِمُعاوَنَةِ المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بَدَؤُوكم بِإعانَتِهِمْ عَلى حُلَفائِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِن قِتالِهِمْ مَكْرُوهٌ؟! فَمَكْرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُخْشى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِعَذابِهِ وثَوابِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يَعْنِي خُزاعَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: كَرْبُها ووَجْدُها بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مُسْتَأْنَفٌ، ولَيْسَ بِجَوابٍ "قاتِلُوهُمْ" وفِيمَن عُنِيَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بَنُو خُزاعَةَ، والمَعْنى: ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن بَنِي خُزاعَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في المُشْرِكِينَ كَما تابَ عَلى أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وسُهَيْلٌ. والله عَلِيم بِنِيّاتِ المُؤْمِنِينَ، "حَكِيمٌ" فِيما قَضى.

التوبة 9:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا نَزَلَ في نَقْضِ قُرَيْشٍ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي عاهَدَهم بِالحُدَيْبِيَةَ حَيْثُ أعانُوا عَلى خُزاعَةَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أبُو سُفْيانَ في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كانُوا فِيمَن هَمَّ بِإخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، غَدَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونَقَضُوا عَهْدَهُ وهَمُّوا بِمُعاوَنَةِ المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بَدَؤُوكم بِإعانَتِهِمْ عَلى حُلَفائِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِن قِتالِهِمْ مَكْرُوهٌ؟! فَمَكْرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُخْشى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِعَذابِهِ وثَوابِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يَعْنِي خُزاعَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: كَرْبُها ووَجْدُها بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مُسْتَأْنَفٌ، ولَيْسَ بِجَوابٍ "قاتِلُوهُمْ" وفِيمَن عُنِيَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بَنُو خُزاعَةَ، والمَعْنى: ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن بَنِي خُزاعَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في المُشْرِكِينَ كَما تابَ عَلى أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وسُهَيْلٌ. والله عَلِيم بِنِيّاتِ المُؤْمِنِينَ، "حَكِيمٌ" فِيما قَضى.

التوبة 9:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا نَزَلَ في نَقْضِ قُرَيْشٍ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي عاهَدَهم بِالحُدَيْبِيَةَ حَيْثُ أعانُوا عَلى خُزاعَةَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أبُو سُفْيانَ في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كانُوا فِيمَن هَمَّ بِإخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، غَدَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونَقَضُوا عَهْدَهُ وهَمُّوا بِمُعاوَنَةِ المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بَدَؤُوكم بِإعانَتِهِمْ عَلى حُلَفائِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِن قِتالِهِمْ مَكْرُوهٌ؟! فَمَكْرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُخْشى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِعَذابِهِ وثَوابِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يَعْنِي خُزاعَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: كَرْبُها ووَجْدُها بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مُسْتَأْنَفٌ، ولَيْسَ بِجَوابٍ "قاتِلُوهُمْ" وفِيمَن عُنِيَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بَنُو خُزاعَةَ، والمَعْنى: ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن بَنِي خُزاعَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في المُشْرِكِينَ كَما تابَ عَلى أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وسُهَيْلٌ. والله عَلِيم بِنِيّاتِ المُؤْمِنِينَ، "حَكِيمٌ" فِيما قَضى.

التوبة 9:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، خُوطِبُوا بِهَذا حِينَ شَقَّ عَلى بَعْضِهِمُ القِتالُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الخُرُوجَ مَعَهُ إلى الجِهادِ تَعْذِيرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وإنَّما دَخَلَتِ المِيمُ في الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ (p-٤٠٧)مُعْتَرِضٌ في وسَطِ الكَلامِ، فَدَخَلَتْ لَتُفَرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِفْهامِ المُبْتَدَإ. قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِداءُ، لَكانَ إمّا بِالألِفِ، أوْ بِـ "هَلْ"، ومَعْنى الكَلامِ: أنْ تُتْرَكُوا بِغَيْرِ امْتِحانٍ يَبِينُ بِهِ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أيْ: ولَمْ تُجاهِدُوا فَيَعْلَمُ اللَّهُ وُجُودَ ذَلِكَ مِنكُمْ؛ وقَدْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْبًا، فَأرادَ إظْهارَ ما عُلِمَ لَيُجازِيَ عَلى العَمَلِ. فَأمّا الوَلِيجَةُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي البِطانَةُ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وهو أنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ مِنَ المُسْلِمِينَ دَخِيلًا مِنَ المُشْرِكِينَ وخَلِيطًا ووادًّا؛ وأصْلُهُ مِنَ الوُلُوجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وكُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةُ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم فَهو ولِيجَةٌ فِيهِمْ.

التوبة 9:17

قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرَوا مَسْجِدَ اللَّهِ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "مَسْجِدُ اللَّهِ" عَلى التَّوْحِيدِ، "إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى الجَمْعِ فِيهِما. وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جَماعَةً مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيهِمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَيَّرُوهم بِالشِّرْكِ، وجَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يُوَبِّخُ العَبّاسَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقالَ العَبّاسُ: ما لَكم تَذْكُرُونَ مَساوِئَنا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا؟ فَقالُوا وهَلْ لَكَمَ مِن مَحاسِنَ؟ قالُوا: (p-٤٠٨)نَعَمْ، لَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا؛ إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ، ونَسْقِيَ الحَجِيجَ، ونَفُكَّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ في جَماعَةٍ. وَفِي المُرادِ بِالعِمارَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دُخُولُهُ والجُلُوسُ فِيهِ. والثّانِي: البِناءُ لَهُ وإصْلاحُهُ؛ فَكِلاهُما مَحْظُورٌ عَلى الكافِرِ. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ مَنعُهم مِن ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: شاهِدَيْنِ حالٌ. المَعْنى: ما كانَتْ لَهم عِمارَتُهُ في حالِ إقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ، ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ لِأنَّ كُفْرَهم أذْهَبَ ثَوابَها. فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الصَّوابِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اليَهُودِيِّ: أنا يَهُودِيٌّ: وقَوْلُ النَّصْرانِيِّ: أنا نَصْرانِيٌّ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهم ثَبَتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِعُدُولِهِمْ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو حَقٌّ لا يَخْفى عَلى مُمَيَّزٍ، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والثّالِثُ: أنَّهم آَمَنُوا بِأنْبِياءٍ شَهِدُوا لَمُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّصْدِيقِ، وحَرَّضُوا عَلى اتِّباعِهِ، فَلَمّا آَمَنُوا بِهِمْ وكَذَّبُوهُ، دَلُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ هي تَبْيِينٌ وإظْهارٌ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الرَّسُولَ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ؟ فالجَوابُ: أنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى الرَّسُولِ، لَقَوْلِهِ: ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ أيِ: الصَّلاةُ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَإنْ قِيلَ: (فَعَسى) تَرَجٍّ، وفاعِلُ هَذِهِ الخِصال مُهْتَدٍ بِلا شَكٍّ. فالجَوابُ: أنْ "عَسى" (p-٤٠٩)مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ. فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، كانَ مَن أهْلِ عِمارَتِها؛ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن عَمَّرَها كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

التوبة 9:18

قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرَوا مَسْجِدَ اللَّهِ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "مَسْجِدُ اللَّهِ" عَلى التَّوْحِيدِ، "إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى الجَمْعِ فِيهِما. وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جَماعَةً مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيهِمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَيَّرُوهم بِالشِّرْكِ، وجَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يُوَبِّخُ العَبّاسَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقالَ العَبّاسُ: ما لَكم تَذْكُرُونَ مَساوِئَنا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا؟ فَقالُوا وهَلْ لَكَمَ مِن مَحاسِنَ؟ قالُوا: (p-٤٠٨)نَعَمْ، لَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا؛ إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ، ونَسْقِيَ الحَجِيجَ، ونَفُكَّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ في جَماعَةٍ. وَفِي المُرادِ بِالعِمارَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: دُخُولُهُ والجُلُوسُ فِيهِ. والثّانِي: البِناءُ لَهُ وإصْلاحُهُ؛ فَكِلاهُما مَحْظُورٌ عَلى الكافِرِ. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ مَنعُهم مِن ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: شاهِدَيْنِ حالٌ. المَعْنى: ما كانَتْ لَهم عِمارَتُهُ في حالِ إقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ، ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ لِأنَّ كُفْرَهم أذْهَبَ ثَوابَها. فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الصَّوابِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اليَهُودِيِّ: أنا يَهُودِيٌّ: وقَوْلُ النَّصْرانِيِّ: أنا نَصْرانِيٌّ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهم ثَبَتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِعُدُولِهِمْ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو حَقٌّ لا يَخْفى عَلى مُمَيَّزٍ، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والثّالِثُ: أنَّهم آَمَنُوا بِأنْبِياءٍ شَهِدُوا لَمُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّصْدِيقِ، وحَرَّضُوا عَلى اتِّباعِهِ، فَلَمّا آَمَنُوا بِهِمْ وكَذَّبُوهُ، دَلُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ هي تَبْيِينٌ وإظْهارٌ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الرَّسُولَ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ؟ فالجَوابُ: أنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى الرَّسُولِ، لَقَوْلِهِ: ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ أيِ: الصَّلاةُ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَإنْ قِيلَ: (فَعَسى) تَرَجٍّ، وفاعِلُ هَذِهِ الخِصال مُهْتَدٍ بِلا شَكٍّ. فالجَوابُ: أنْ "عَسى" (p-٤٠٩)مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ. فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، كانَ مَن أهْلِ عِمارَتِها؛ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن عَمَّرَها كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

التوبة 9:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» (p-٤١٠)والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ. وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ. والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ. والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟ فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ (p-٤١١)الحاجَّ في المَوْسِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً. والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ. فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.

التوبة 9:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» (p-٤١٠)والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ. وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ. والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ. والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟ فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ (p-٤١١)الحاجَّ في المَوْسِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً. والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ. فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.

التوبة 9:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» (p-٤١٠)والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ. وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ. والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ. والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟ فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ (p-٤١١)الحاجَّ في المَوْسِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً. والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ. فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.

التوبة 9:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» (p-٤١٠)والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ. وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ. والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ. والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟ فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ (p-٤١١)الحاجَّ في المَوْسِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً. والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ. فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.

التوبة 9:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، جَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِأهْلِهِ: إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالهِجْرَةِ، فَمِنهم مَن يُسْرِعُ إلى ذَلِكَ، ومِنهم مَن يَتَعَلَّقُ بِهِ عِيالُهُ وزَوْجَتُهُ فَيَقُولُونَ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أنْ تَدَعَنا إلى غَيْرِ شَيْءٍ، فَيَرِقُّ قَلْبُهُ فَيَجْلِسُ مَعَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالهِجْرَةِ، قالَ المُسْلِمُونَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن خالَفَنا في الدِّينِ، قَطَعْنا آَباءَنا وعَشائِرَنا، وذَهَبَتْ تِجارَتُنا، وخَرِبْتْ دِيارُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا أحْجُبُ الكَعْبَةَ فَلا نُهاجِرُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي قَبْلَها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ مُجاهِدٍ. والرّابِعُ: أنَّ نَفَرًا ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ وِلايَتِهِمْ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٤١٢)والخامِسُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أمَرَ النّاسَ بِالجِهادِ لِنُصْرَةِ خُزاعَةَ عَلى قُرَيْشٍ، قالَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُعاوِنُهم عَلى قَوْمِنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

التوبة 9:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم. . .﴾ الآَيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا مَعَ عِيالِهِمْ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقالَ لِقَوْمٍ: ألّا تُهاجِرُونَ؟ فَقالُوا: نُقِيمُ مَعَ إخْوانِنا وعَشائِرِنا ومَساكِنِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآَيَةُ الَّتِي قَبْلَها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن خالَفَنا في الدِّينِ، قَطَعْنا آَباءَنا وعَشِيرَتَنا، وذَهَبَتْ تِجارَتُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآَيَةِ، وذَكَرَهُ بَعْضُهم في الآَيَةِ الأُولى كَما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَأمّا العَشِيرَةُ، فَهُمُ الأقارِبُ الأدْنَوْنَ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "وَعَشِيراتُكُمْ" عَلى الجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لَهُ عَشِيرَةٌ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: عَشِيراتُكُمْ؛ وحُجَّةُ مَن أفْرَدَ: أنَّ العَشِيرَةَ واقِعَةٌ عَلى الجَمْعِ فاسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنْ جَمْعِها. وقالَ الأخْفَشُ: لا تَكادُ (p-٤١٣)العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً: عَشِيراتٌ، إنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ. والِاقْتِرافُ بِمَعْنى الِاكْتِسابُ. والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ والأكْثَرُونَ، ومَعْنى الآَيَةِ: إنْ كانَ المَقامُ في أهالِيكم، وكانَتِ الأمْوالُ الَّتِي اكْتَسَبْتُمُوها ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ لَفِراقِكم بَلَدَكم ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ الهِجْرَةِ، فَأقِيمُوا غَيْرَ مُثابِينَ حَتّى تُفْتَحَ مَكَّةُ، فَيَسْقُطَ فَرْضُ الهِجْرَةِ. والثّانِي أنَّهُ العِقابُ، قالَهُ الحَسَنُ.

التوبة 9:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ: في أماكِنَ. قالَ الفَرّاءُ: وكُلُّ جَمْعٍ كانَتْ فِيهِ ألِفٌ قَبْلَها حَرْفانِ وبَعْدَها حَرْفانِ لَمْ يُجْرَ، مِثْلُ، صَوامِعَ، ومَساجِدَ. وجُرِيَ "حُنَيْنٌ" لِأنَّهُ اسْمٌ لَمُذَكِّرٍ، وهو وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وإذا سَمَّيْتَ ماءً أوْ وادِيًا أوْ جَبَلًا بِاسْمٍ مُذَكَّرٍ لا عِلَّةَ فِيهِ، أجْرَيْتَهُ مِن ذَلِكَ: حَنِينَ، وبَدْرَ، وحِراءَ، وثَبِيرَ، ودابِقَ. ومَعْنى الآَيَةِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمَهم أنَّهم إنَّما يَغْلِبُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لا بِكَثْرَتِهِمْ. وفي عَدَدِهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَشْرَةُ آَلافٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤١٤)والثّالِثُ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ، والواقِدَيُّ. والرّابِعُ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقالَ ذَلِكَ اليَوْمَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ، وقَدْ عَجِبَ لَكَثْرَةِ النّاسِ: لَنْ تُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ فَساءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَلامُهُ، ووُكِلُوا إلى كَلِمَةِ الرَّجُلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: القائِلُ لِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ القائِلَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: بَلِ العَبّاسُ. وقِيلَ: رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحْبِها. قالَ الفَرّاءُ: والباءُ هاهُنا بِمَنزِلَةِ "فِي" كَما تَقُولُ: ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ في رَحْبِها وبِرَحْبِها. الإشارَةُ إلى القِصَّةِ قالَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ: «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ تَآَمَرَ عَلَيْهِ أشْرافُ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، فَجاؤُوا حَتّى نَزَلُوا أوْطاسَ، وأجْمَعُوا المَسِيرَ إلَيْهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا التَقَوْا أعْجَبَتْهم كَثْرَتُهم فَهُزِمُوا.» وَقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: «لَمّا حَمَلْنا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأكْبَبْنا عَلى الغَنائِمِ، فَأقْبَلُوا بِالسِّهامِ، فانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وبَعْضُهم يَقُولُ: (p-٤١٥)ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ جَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ مِنهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ. وَبَعْضُهم يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوى العَبّاسُ وأبِي سُفْيانَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَقُولُ لِلْعَبّاسِ: "نادِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، يا أصْحابَ السُّمْرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ" فَنادى، وكانَ صَيِّتًا، فَأقْبَلُوا كَأنَّهُمُ الإبِلُ إذا حَنَّتْ إلى أوْلادِها، يَقُولُونَ: يا لَبَّيْكَ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِتالِهِمْ، فَقالَ: "الآَنَ حَمِيَ الوَطِيسُ" أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ" ثُمَّ قالَ لَلْعَبّاسِ: "ناوِلْنِي الحَصَياتِ" فَناوَلَهُ، فَقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" ورَمى بِها، وقالَ: "انْهَزِمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ"، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا. وقِيلَ: أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفّا مِن تُرابٍ، فَرَماهم بِهِ فانْهَزَمُوا. وكانُوا يَقُولُونَ: ما بَقِيَ مِنّا أحَدٌ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ بِالتُّرابِ.»

التوبة 9:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: بَعْدَ الهَزِيمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وأنْشَدَ:(p-٤١٦) ؎ لِلَّهِ قَبْرُ غالَها ماذا يُجِنُّ لَقَدْ أجَنَّ سَكِينَةً ووَقارًا وَكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: الأمْنُ والطُّمَأْنِينَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي المَلائِكَةَ. وفي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: خَمْسَةُ آَلافٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي ثَمانِيَةُ آَلافٍ. وهَلْ قاتَلَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بِالقَتْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: بِالقَتْلِ والهَزِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ أبْزى، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بِالخَوْفِ والحَذَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والرّابِعُ: بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وسَبْيِ الأوْلادِ، وأخْذِ الأمْوالِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهُ لَلتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

التوبة 9:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: بَعْدَ الهَزِيمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وأنْشَدَ:(p-٤١٦) ؎ لِلَّهِ قَبْرُ غالَها ماذا يُجِنُّ لَقَدْ أجَنَّ سَكِينَةً ووَقارًا وَكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: الأمْنُ والطُّمَأْنِينَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي المَلائِكَةَ. وفي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: خَمْسَةُ آَلافٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي ثَمانِيَةُ آَلافٍ. وهَلْ قاتَلَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بِالقَتْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: بِالقَتْلِ والهَزِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ أبْزى، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بِالخَوْفِ والحَذَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والرّابِعُ: بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وسَبْيِ الأوْلادِ، وأخْذِ الأمْوالِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهُ لَلتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

التوبة 9:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: قَذَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَقْذَرٍ: نَجِسٌ. وقالَ الفَرّاءُ: لا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ: نَجَسٌ، إلّا وقَبْلَها رِجْسٌ، فَإذا أفْرَدُوها قالُوا: نَجَسٌ. (p-٤١٧)وَفِي المُرادِ بِكَوْنِهِمْ نَجِسًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم أنْجاسُ الأبْدانِ، كالكَلْبِ والخِنْزِيرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ. والثّانِي: أنَّهم كالأنْجاسِ لَتَرْكِهِمْ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن غُسْلِ الجَنابَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ أبْدانُهم أنْجاسًا، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ عَلَيْنا اجْتِنابُهم، كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ، صارُوا بِحُكْمِ الِاجْتِنابِ كالأنْجاسِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّحِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: يُرِيدُ جَمِيعَ الحَرَمِ. (بَعْدَ عامِهِمْ هَذا) وهو سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهي السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيها أبُو بَكْرٍ وقُرِئَتْ (بَراءَةٌ) . وقَدْ أخَذَ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِظاهِرِ الآَيَةِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ دُخُولُ الحَرَمِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيُّ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ في دُخُولِهِمْ غَيْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ المَساجِدِ، فَرُوِيَ عَنْهُ المَنعُ أيْضًا إلّا لَحاجَةٍ، كالحَرَمِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. ورُوِيَ عَنْهُ جَوازُ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لَهم دُخُولُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "عايِلَةً" . قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا؟ وكانُوا يَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالتِّجارَةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً. .﴾ الآَيَةُ. قالَ الأخْفَشُ: العَيْلَةُ الفَقْرُ. يُقالُ: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ إعالَةً فَهو (p-٤١٨)يُعِيلُ: إذا صارَ صاحِبَ عِيالٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَيْلَةُ هاهُنا مَصْدَرُ عالَ فَلانٌ: إذا افْتَقَرَ وأنْشَدَ: ؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: "وَإنْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لَلشَّرْطِ، وهو الأظْهَرُ. والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى "وَإذْ"، قالَهُ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ. قالُوا: وإنَّما خافَ المُسْلِمُونَ الفَقْرَ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْمِلُونَ التِّجاراتِ إلَيْهِمْ، ويَجِيئُونَ بِالطَّعامِ وغَيْرِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ عِنْدَ انْقِطاعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم، فَكَثُرَ خَيْرُهم، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّهُ أغْناهم بِالجِزْيَةِ المَأْخُوذَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ نَجْدٍ، وجَرْشٍ، وأهْلَ صَنْعاءَ أسْلَمُوا، فَحَمَلُوا الطَّعامَ إلى مَكَّةَ عَلى الظَّهْرِ، فَأغْناهُمُ اللهُ بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُكم، (حَكِيمٌ) فِيما حَكَمَ في المُشْرِكِينَ.

التوبة 9:29

(p-٤١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانَ المُوَحِّدِينَ، لِأنَّهم أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُهم وأنَّهُ لَهُ ولَدٌ، وكَذَلِكَ إيمانُهم بِالبَعْثِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: إقْرارُهم بِاليَوْمِ الآَخِرِ يُوجِبُ الإقْرارَ بِحُقُوقِهِ، وهم لا يُقِرُّونَ بِها، فَكانُوا كَمَن لا يُقِرُّ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي الخَمْرَ والخِنْزِيرَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ في الحَقِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ، فالمَعْنى: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ صِفَةٌ لَلدِّينِ: والمَعْنى ولا يَدِينُونَ الدِّينَ الحَقَّ؛ فَأضافَ الِاسْمَ إلى الصِّفَةِ. وفي مَعْنى "يَدِينُونَ" قَوْلانِ. (p-٤٢٠)أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الطّاعَةِ، والمَعْنى: لا يُطِيعُونَ اللَّهَ طاعَةَ حَقٍّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ مِن دانَ: الرَّجُلُ يَدِينُ كَذا: إذا التَزَمَهُ. ثُمَّ في جُمْلَةِ الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ ناسِخٌ لِما قَبْلَهُ. والثّانِي: لا يَعْمَلُونَ بِما في التَّوْراةِ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجِزْيَةُ الخَراجُ المَجْعُولُ عَلَيْهِمْ؛ سُمِّيَتْ جِزْيَةً، لِأنَّها قَضاءٌ لِما عَلَيْهِمْ: أُخِذَ مِن قَوْلِهِمْ: جَزى يَجْزِي: إذا قَضى؛ ومِنهُ؛ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ:٤٨]، وقَوْلُهُ "وَلا تَجْزِي عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ" . وفي قَوْلِهِ: (عَنْ يَدٍ) سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: عَنْ قَهْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَنْ قَهْرٍ وذُلٍّ. والثّانِي: أنَّهُ النَّقْدُ العاجِلُ، قالَهُ شَرِيكٌ، وعُثْمانُ بْنُ مُقْسِمٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ إعْطاءُ المُبْتَدِئِ بِالعَطاءِ، لا إعْطاءُ المُكافِئِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: عَنِ اعْتِرافٍ لَلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ أيْدِيَهم فَوْقَ أيْدِيهِمْ. والخامِسُ: عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم إنْعامٌ عَلَيْهِمْ، حَكاهُما الزَّجّاجُ. والسّادِسُ: يُؤَدُّونَها بِأيْدِيهِمْ، ولا يُنَفِّذُونَها مَعَ رُسُلِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. (p-٤٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ الصّاغِرُ: الذَّلِيلُ الحَقِيرُ. وَفِي ما يُكَلَّفُونَهُ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُوجِبُ صِغارَهم خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنْ يَمْشُوا بِها مُلَبِّبِينَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنْ لا يُحْمَدُوا عَلى إعْطائِهِمْ، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونُوا قِيامًا والآَخِذُ جالِسًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: أنَّ دَفْعَ الجِزْيَةِ هو الصَّغارُ. والخامِسُ: أنَّ إجْراءَ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ هو الصَّغارُ. فَصْلٌ واخْتَلَفَ في الَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ مِنَ الكُفّارِ، فالمَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّها لا تُقْبَلُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. ونَقَلَ الحَسَنُ بْنُ ثَوابٍ عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ مِن سُبِيَ مِن أهْلِ الأدْيانِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، فالعَرَبُ إنْ أسْلَمُوا، وإلّا السَّيْفُ، وأُولَئِكَ إنْ أسْلَمُوا، وإلّا الجِزْيَةُ؛ فَظاهِرُ هَذا أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الكُلِّ، إلّا مِن عابِدِي الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ فَقَطْ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ. فَصْلٌ فَأمّا صِفَةُ الَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، فَهم أهْلُ القِتالِ. فَأمّا الزَّمِنُ، والأعْمى، والمَفْلُوجُ، والشَّيْخُ الفانِي، والنِّساءُ، والصِّبْيانُ، والرّاهِبُ الَّذِي لا يُخالِطُ، النّاسَ فَلا تُؤْخَذُ مِنهم. (p-٤٢٢)* فَصْلٌ فَأمّا مِقْدارُها، فَقالَ أصْحابُنا: عَلى المُوسِرِ: ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وعَلى المُتَوَسِّطِ: أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، وعَلى الفَقِيرِ المُعْتَمِلِ: اثْنا عَشَرَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وقَوْلُ مالِكٍ: عَلى أهْلِ الذَّهَبِ أرْبَعَةُ دَنانِيرَ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وسَواءٌ في ذَلِكَ الغَنِيُّ والفَقِيرُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ دِينارٌ. وهَلْ تَجُوزُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ مِمّا يُؤْخَذُ؟ مِنهم نَقَلَ الأثْرَمُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّها تُزادُ وتُنْقَصُ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ، فَظاهِرُ هَذا: أنَّها عَلى اجْتِهادِ الإمامِ ورَأْيِهِ. ونَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بِخِتانَ: أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإمِامِ أنْ يُنْقِصَ مِن ذَلِكَ، ولَهُ أنْ يَزِيدَ. فَصْلٌ وَوَقْتُ وُجُوبِ الجِزْيَةِ: آَخِرُ الحَوْلِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ في أوَّلِ الحَوْلِ. فَأمّا إذا دَخَلَتْ سَنَةً، في سَنَةٍ فَهَلْ تَسْقُطُ جِزْيَةُ السَّنَةِ الماضِيَةِ؟ عِنْدَنا لا تَسْقُطُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ. فَأمّا إذا أسْلَمَ، فَإنَّها تَسْقُطُ بِالإسْلامِ. فَأمّا إنْ ماتَ؛ فَكانَ ابْنُ حامِدٍ يَقُولُ: لا تَسْقُطُ. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يُحْتَمَلُ أنْ تَسْقُطَ.

التوبة 9:30

٤٢٣ (p-٤٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مُنَوَّنًا. قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مِن نَوَّنَ عُزَيْرًا رَفَعَهُ عَلى الِابْتِداءِ، "وابْنُ" خَبَرُهُ. ولا يَحْسُنُ حَذْفُ التَّنْوِينِ عَلى هَذا مِن "عُزَيْرٍ" لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ولا تُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، ويُكْسَرُ التَّنْوِينُ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ومَن لَمْ يُنَوِّنْ "عُزَيْرًا" جَعَلَهُ أيْضًا مُبْتَدَأ، و"ابْنُ" صِفَةٌ لَهُ؛ فَيُحْذَفُ التَّنْوِينُ عَلى هَذا اسْتِخْفافًا لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولِأنَّ الصِّفَةَ مَعَ المَوْصُوفِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وتُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ نَبِيُّنا وصاحِبُنا. وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ سَلامَ بْنَ مُشْكِمٍ، ونُعْمانَ بْنَ أوْفى، وشاسَ بْنَ قَيْسٍ، ومالِكَ بْنَ الصَّيْفِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَ القائِلَ لِذَلِكَ فِنْحاصُ. فَأمّا العُزَيْرُ، فَقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وإنْ وافَقَ لَفْظَ العَرَبِيَّةِ، فَهو عِبْرانِيٌّ؛ كَذا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العُزَيْرُ عِنْدَ كُلِّ النَّحْوِيِّينَ: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِ: يُعَزِّرُوهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، أنْساهُمُ اللهُ التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ اللَّهَ تَعالى؛ فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِن صُدُورِهِمْ، ونَزَلَ نُورٌ مِنَ السَّماءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَأذِنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: قَدْ آَتانِيَ اللَّهُ التَّوْراةَ؛ فَقالُوا: ما أُوتِيَها إلّا لِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بُخْتِنْصَّرَ (p-٤٢٤)لَمّا ظَهَرَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَتَلَ مَن قَرَأ التَّوْراةَ، كانَ عُزَيْرٌ غُلامًا، فَتَرَكَهُ. فَلَمّا تُوُفِّيَ عُزَيْرٌ بِبابِلَ، ومَكَثَ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ: أنا عُزَيْرٌ؛ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا: قَدْ حَدَّثَنا آَباؤُنا أنَّ عُزَيْرًا ماتَ بِبابِلَ، فَإنْ كُنْتَ عُزَيْرًا فَأمْلِلْ عَلَيْنا التَّوْراةَ؛ فَكَتَبَها لَهُمْ؛ فَقالُوا: هَذا ابْنُ اللَّهِ. وَفِي الَّذِينَ قالُوا هَذا عَنْ عُزَيْرٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طائِفَةٌ مِن سَلَفِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: جَماعَةٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فِنْحاصُ وحْدَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ جُرَيْجٍ. والثّانِي: الَّذِينَ ذَكَرْناهم في أوَّلِ الآَيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ، فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ إيقاعَ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُ مِنَ البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنْ كانَ لَمْ يَرْكَبْ إلّا بَغْلًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ، لَمْ يُنْكِرْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذا قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ. والثّانِي: لِأنَّهُ أحْيى المَوْتى، وأبْرَأ الكُمْهَ والبُرْصَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (المائِدَةِ:١١٠) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ إنَّ قالَ قائِلٌ: هَذا مَعْلُومٌ، فَما فائِدَتُهُ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ قَوْلٌ بِالفَمِ، لا بَيانَ فِيهِ، ولا بُرْهانَ، ولا تَحْتَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: " يُضاهُونَ " قَرَأ الجُمْهُورُ: مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ عاصِمٌ: (p-٤٢٥)"يُضاهِئُونَ" . قالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يُتابِعْ عاصِمًا أحَدٌ عَلى الهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: "يُضاهُونَ" يُشابِهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم مِن كَفَرَتِهِمْ، فَإنَّما قالُوهُ اتِّباعًا لِمُتَقَدِّمِيهِمْ. وأصْلُ المُضاهاةِ في اللُّغَةِ: المُشابِهَةُ؛ والأكْثَرُ تَرْكُ الهَمْزِ؛ واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ ضَهْياءُ، وهي الَّتِي لا يَنْبُتُ لَها ثَدْيٌ. وقِيلَ: هي الَّتِي لا تَحِيضُ، والمَعْنى: أنَّها قَدْ أشْبَهَتِ الرِّجالَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: ضاهَيْتُ، وضاهَأْتُ: إذا شَبَّهْتَ. وفي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فالمَعْنى أنَّ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، شابَهُوا اليَهُودَ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهم أسْلافُهم، تابَعُوهم في أقْوالِهِمْ تَقْلِيدًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَعَنَهُمُ اللهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قَتَلَهُمُ اللهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: عاداهُمُ اللهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: مِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ في (المائِدَةِ:٤٤) مَعْنى الأحْبارِ والرُّهْبانِ. وقَدْ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ "أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" .» فَعَلى هَذا المَعْنى: أنَّهم جَعَلُوهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهم أرْبابٌ. (p-٤٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّخَذُوهُ رَبًّا.

التوبة 9:31

٤٢٣ (p-٤٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مُنَوَّنًا. قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مِن نَوَّنَ عُزَيْرًا رَفَعَهُ عَلى الِابْتِداءِ، "وابْنُ" خَبَرُهُ. ولا يَحْسُنُ حَذْفُ التَّنْوِينِ عَلى هَذا مِن "عُزَيْرٍ" لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ولا تُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، ويُكْسَرُ التَّنْوِينُ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ومَن لَمْ يُنَوِّنْ "عُزَيْرًا" جَعَلَهُ أيْضًا مُبْتَدَأ، و"ابْنُ" صِفَةٌ لَهُ؛ فَيُحْذَفُ التَّنْوِينُ عَلى هَذا اسْتِخْفافًا لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولِأنَّ الصِّفَةَ مَعَ المَوْصُوفِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وتُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ نَبِيُّنا وصاحِبُنا. وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ سَلامَ بْنَ مُشْكِمٍ، ونُعْمانَ بْنَ أوْفى، وشاسَ بْنَ قَيْسٍ، ومالِكَ بْنَ الصَّيْفِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَ القائِلَ لِذَلِكَ فِنْحاصُ. فَأمّا العُزَيْرُ، فَقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وإنْ وافَقَ لَفْظَ العَرَبِيَّةِ، فَهو عِبْرانِيٌّ؛ كَذا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العُزَيْرُ عِنْدَ كُلِّ النَّحْوِيِّينَ: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِ: يُعَزِّرُوهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، أنْساهُمُ اللهُ التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ اللَّهَ تَعالى؛ فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِن صُدُورِهِمْ، ونَزَلَ نُورٌ مِنَ السَّماءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَأذِنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: قَدْ آَتانِيَ اللَّهُ التَّوْراةَ؛ فَقالُوا: ما أُوتِيَها إلّا لِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بُخْتِنْصَّرَ (p-٤٢٤)لَمّا ظَهَرَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَتَلَ مَن قَرَأ التَّوْراةَ، كانَ عُزَيْرٌ غُلامًا، فَتَرَكَهُ. فَلَمّا تُوُفِّيَ عُزَيْرٌ بِبابِلَ، ومَكَثَ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ: أنا عُزَيْرٌ؛ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا: قَدْ حَدَّثَنا آَباؤُنا أنَّ عُزَيْرًا ماتَ بِبابِلَ، فَإنْ كُنْتَ عُزَيْرًا فَأمْلِلْ عَلَيْنا التَّوْراةَ؛ فَكَتَبَها لَهُمْ؛ فَقالُوا: هَذا ابْنُ اللَّهِ. وَفِي الَّذِينَ قالُوا هَذا عَنْ عُزَيْرٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طائِفَةٌ مِن سَلَفِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: جَماعَةٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فِنْحاصُ وحْدَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ جُرَيْجٍ. والثّانِي: الَّذِينَ ذَكَرْناهم في أوَّلِ الآَيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ، فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ إيقاعَ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُ مِنَ البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنْ كانَ لَمْ يَرْكَبْ إلّا بَغْلًا واحِدًا. والثّانِي: أنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ، لَمْ يُنْكِرْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذا قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ. والثّانِي: لِأنَّهُ أحْيى المَوْتى، وأبْرَأ الكُمْهَ والبُرْصَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (المائِدَةِ:١١٠) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ إنَّ قالَ قائِلٌ: هَذا مَعْلُومٌ، فَما فائِدَتُهُ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ قَوْلٌ بِالفَمِ، لا بَيانَ فِيهِ، ولا بُرْهانَ، ولا تَحْتَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: " يُضاهُونَ " قَرَأ الجُمْهُورُ: مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ عاصِمٌ: (p-٤٢٥)"يُضاهِئُونَ" . قالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يُتابِعْ عاصِمًا أحَدٌ عَلى الهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: "يُضاهُونَ" يُشابِهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم مِن كَفَرَتِهِمْ، فَإنَّما قالُوهُ اتِّباعًا لِمُتَقَدِّمِيهِمْ. وأصْلُ المُضاهاةِ في اللُّغَةِ: المُشابِهَةُ؛ والأكْثَرُ تَرْكُ الهَمْزِ؛ واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ ضَهْياءُ، وهي الَّتِي لا يَنْبُتُ لَها ثَدْيٌ. وقِيلَ: هي الَّتِي لا تَحِيضُ، والمَعْنى: أنَّها قَدْ أشْبَهَتِ الرِّجالَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: ضاهَيْتُ، وضاهَأْتُ: إذا شَبَّهْتَ. وفي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فالمَعْنى أنَّ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، شابَهُوا اليَهُودَ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهم أسْلافُهم، تابَعُوهم في أقْوالِهِمْ تَقْلِيدًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَعَنَهُمُ اللهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قَتَلَهُمُ اللهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: عاداهُمُ اللهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: مِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ في (المائِدَةِ:٤٤) مَعْنى الأحْبارِ والرُّهْبانِ. وقَدْ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ "أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" .» فَعَلى هَذا المَعْنى: أنَّهم جَعَلُوهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهم أرْبابٌ. (p-٤٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّخَذُوهُ رَبًّا.

التوبة 9:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْمِدُوا دِينَ اللَّهِ بِتَكْذِيبِهِمْ، يَعْنِي: أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: نُورُ اللَّهِ: القُرْآَنُ والإسْلامُ. فَأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالأفْواهِ، فَلَمّا ذَكَرْناهُ في الآَيَةِ قَبْلَها. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِالأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وهو زُورٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما دَخَلَتْ "إلّا" هاهُنا، لِأنَّ في الإباءِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ، ألا تَرى أنْ "أبَيْتَ" كَقَوْلِكَ: "لَمْ أفْعَلْ"، "وَلا أفْعَلْ"، فَكَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ما ذَهَبَ إلّا زَيْدٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُها إنْ تَرَكْتُها أبى اللَّهُ إلّا أنْ أكُونَ لَها ابْنَما وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا إتْمامَ نُورِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: "يَتِمُّ نُورَهُ" أيْ: يُظْهِرُ دِينَهُ.

التوبة 9:33

(p-٤٢٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ (بِالهُدى) وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: القُرْآَنُ. والثّالِثُ: تِبْيانُ الفَرائِضِ. فَأمّا دِينُ الحَقِّ، فَهو الإسْلامُ. وفي قَوْلِهِ: (لِيُظْهِرَهُ) قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الهاءَ عائِدَةٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالمَعْنى: لَيُعَلِّمَهُ شَرائِعَ الدِّينِ كُلِّها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى الدِّينِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيُظْهِرَ هَذا الدِّينَ عَلى سائِرِ المِلَلِ. ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟ (p-٤٢٨)فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُ أهْلُ كُلِّ دِينٍ، وتَصِيرُ المِلَلُ واحِدَةً، فَلا يَبْقى أهْلُ دِينٍ إلّا دَخَلُوا في الإسْلامِ أوْ أدُّوا الجِزْيَةَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ خُرُوجِ المَهْدِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ إظْهارَ الدِّينِ إنَّما هو بِالحُجَجِ الواضِحَةِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلِ النّاسُ فِيهِ.

التوبة 9:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى. وفي الباطِلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الرِّشا في الحُكْمِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الكَذِبُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. والرّابِعُ: أخَذَهُ مِنَ الجِهَةِ المَحْظُورَةِ، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى. والمُرادُ: أخْذُ الأمْوالِ، وإنَّما ذَكَرَ الأكْلُ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ مِنَ المالِ. وفي المُرادِ بِسَبِيلِ اللَّهِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والحُكْمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً في أهْلِ الكِتابِ والمُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والضَّحّاكُ. (p-٤٢٩)والثّانِي أنَّها خاصَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ. والثّالِثُ: أنَّها في المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. وَفِي الكَنْزِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلُّ مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ وإنْ كانَ تَحْتَ سَبْعِ أرْضِينَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وكُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ وإنْ كانَ ظاهِرًا عَلى وجْهِ الأرْضِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، مَعْنى الإنْفاقِ: إخْراجُ الزَّكاةِ. والثّانِي: أنَّهُ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ آَلافٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: أرْبَعَةُ آَلافِ نَفَقَةً، وما فَوْقَها كَنْزٌ. والثّالِثُ: ما فَضُلَ عَنِ الحاجَةِ، وكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إخْراجُ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكاةِ. فَإنَّ قِيلَ كَيْفَ قالَ: "يُنْفِقُونَها" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: يَرْجِعُ إلى الكُنُوزِ والأمْوالِ. والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الفِضَّةِ، وحَذْفِ الذَّهَبِ، لِأنَّهُ داخِلٌ في الفِضَّةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ يُرِيدُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ. (p-٤٣٠)وَقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ اكْتَفَيْتَ بِأحَدِ المَذْكُورَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النِّساءِ:١١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وأنْشَدَ: ؎ إنِّي ضَمِنتُ لِمَن أتانِيَ ما جَنى ∗∗∗ وأبى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ وَلَمْ يَقُلْ: غَدُورِينَ، وإنَّما اكْتَفى بِالواحِدِ لاتِّفاقِ المَعْنى. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَرَبُ إذا أشْرَكُوا بَيْنَ اثْنَيْنِ قَصَرُوا، فَخَبَّرُوا عَنْ أحَدِهِما اسْتِغْناءً بِذَلِكَ، وتَحْقِيقًا؛ لِمَعْرِفَةِ السّامِعِ بِأنَّ الآَخَرَ قَدْ شارَكَهُ، ودَخَلَ مَعَهُ في ذَلِكَ الخَبَرِ، وأنْشَدَ: ؎ فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ والنُّصْبُ في "قَيّارُ" أجْوَدُ، وقَدْ يَكُونُ الرَّفْعُ. وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: إنَّ ؎ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا وَلَمْ يَقُلْ يُعاصِيا

التوبة 9:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: عَلى الأمْوالِ. قالَ ابْنُ (p-٤٣١)مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما مِن رَجُلٍ يُكْوى بِكَنْزٍ، فَيُوضَعُ دِينارٌ عَلى دِينارٍ ولا دِرْهَمٌ عَلى دِرْهَمٍ ولَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدَهُ، فَيُوضَعُ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي حَيَّةٌ تَنْطَوِي عَلى جَنْبَيْهِ وجَبْهَتِهِ، فَتَقُولُ: أنا مالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لَهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ: عَذابُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ الجِباهَ والجُنُوبَ والظُّهُورَ مِن بَقِيَّةِ البَدَنِ؟ فالجَوابُ: أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ مُجَوَّفَةٌ، فَيَصِلُ الحَرُّ إلى أجْوافِها، بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ. وكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: بَشِّرِ الكَنّازِينَ بِكَيٍّ في الجِباهِ وكَيٍّ في الجُنُوبِ وكَيٍّ في الظُّهُورِ، حَتّى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجْوافِهِمْ. وجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّ الغَنِيَّ إذا رَأى الفَقِيرَ، انْقَبَضَ؛ وإذا ضَمَّهُ وإيّاهُ مَجْلِسٌ، ازْوَرَّ عَنْهُ ووَلّاهُ ظَهْرَهُ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

التوبة 9:36

(p-٤٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ مِن أجْلِ النَّسِيءِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَرُبَّما وقَعَ حَجَّهم في رَمَضانَ، ورُبَّما وقَعَ في شَوّالَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وكانُوا يَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ عامًا، ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ صَفَرُ، وتارَةً يُحَرِّمُونَ المُحَرَّمَ ويَسْتَحِلُّونَ صَفَرَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ عَدَدَ شُهُورِ المُسْلِمِينَ الَّتِي تُعُبِّدُوا بِأنْ يَجْعَلُوهُ لِسَنَتِهِمُ: اثْنا عَشَرَ شَهْرًا عَلى مَنازِلِ القَمَرِ؛ فَجُعِلَ حَجُّهم وأعْيادُهم عَلى هَذا العَدَدِ، فَتارَةً يَكُونُ الحَجُّ والصَّوْمُ في الشِّتاءِ، وتارَةً في الصَّيْفِ، بِخِلافِ ما يَعْتَمِدُهُ أهْلُ الكِتابِ، فَإنَّهم يَعْمَلُونَ عَلى أنَّ السَّنَةَ ثَلاثُمِائَةِ يَوْمٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا وبَعْضُ يَوْمٍ. وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ "عَيْنِ اثْنا عَشَرَ" . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: اثْنا عَشَرَ، وأحَدَ عَشَرَ، وتِسْعَةَ عَشَرَ، بِسُكُونِ العَيْنِ فِيهِنَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الإمامِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ كُتُبُهُ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: إنَّما سَمّاها حَرَمًا لِمَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما: تَحْرِيمُ القِتالِ فِيها، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ أيْضًا. والثّانِي: لَتَعْظِيمُ انْتِهاكِ المَحارِمِ فِيها أشَدُّ مِن تَعْظِيمِهِ في غَيْرِها، وكَذَلِكَ تَعْظِيمُ الطّاعاتِ فِيها. (p-٤٣٣)والثّانِي: أنَّها الأشْهُرُ الَّتِي أُجِّلَ المُشْرِكُونَ فِيها لَلسِّياحَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: ذَلِكَ القَضاءُ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ذَلِكَ الحَسابُ الصَّحِيحُ والعَدَدُ المُسْتَوِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في كِنايَةِ "فِيهِنَّ" عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الِاثْنى عَشَرَ، شَهْرًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا حَرامَها حَلالًا، ولا حَلالَها حَرامًا، كَفِعْلِ أهْلِ النَّسِيءِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والفَرّاءِ؛ واحْتَجَّ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ: لَثَلاثُ لَيالٍ خَلَوْنَ، وأيّامٌ خَلَوْنَ؛ فَإذا جُزْتَ العَشْرَةَ قالُوا: خَلَتْ ومَضَتْ؛ ويَقُولُونَ لِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ: هُنَّ، وهَؤُلاءِ، فَإذا جُزَّتِ العَشْرَةُ، قالُوا: هي، وهَذِهِ؛ إرادَةَ أنْ تَعْرِفَ سِمَةَ القَلِيلِ مِنَ الكَثِيرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُعِيدُ الهاءَ والنُّونَ عَلى القَلِيلِ مِنَ العَدَدِ، والهاءَ والألِفَ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ؛ والقِلَّةُ: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، والكَثْرَةُ: ما جاوَزَ العَشْرَةَ. يَقُولُونَ: وجَّهْتُ إلَيْكَ أكْبُشًا فاذْبَحْهُنَّ، وكِباشًا فاذْبَحْها؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وقالَ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ لِأنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ "فِيهِنَّ" الأرْبَعَةَ. وَمَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: "فِيهِنَّ" الِاثْنَيْ عَشَرَ، فَإنَّهُ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما جَعَلَتْ عَلامَةَ القَلِيلِ لِلْكَثِيرِ، وعَلامَةَ الكَثِيرِ لِلْقَلِيلِ. وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: تَرْجِعُ "فِيهِنَّ" إلى الأرْبَعَةِ؛ يَخْرُجُ في مَعْنى الظُّلْمِ فِيهِنَّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٤٣٤)أحَدُها: أنَّهُ المَعاصِي؛ فَتَكُونُ فائِدَةَ تَخْصِيصِ النَّهْيِ عَنْهُ بِهَذِهِ الأشْهُرِ، أنَّ شَأْنَ المَعاصِي يُعَظَّمُ فِيها أشَدُّ مِن تَعْظِيمِهِ في غَيْرِها، وذَلِكَ لِفَضْلِها عَلى ما سِواها، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ:٩٨] وإنْ كانا قَدْ دَخَلا في جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرَّحْمَنُ:٦٨] وإنْ كانا قَدْ دَخَلا في جُمْلَةِ الفاكِهَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ:١٩٧] وإنْ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ في غَيْرِ الحَجِّ، وكَما أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ الوُسْطى وإنْ كانَ مَأْمُورًا بِالمُحافَظَةِ عَلى غَيْرِها، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ فِيهِنَّ فِعْلُ النَّسِيءِ، وهو تَحْلِيلُ شَهْرِ مُحَرَّمٍ وتَحْرِيمُ شَهْرِ حَلالٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: أنَّهُ البِدايَةُ بِالقِتالِ فِيهِنَّ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم بِالقِتالِ فِيهِنَّ إلّا أنْ تَبْدَؤُوا بِالقِتالِ قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَرْكُ القِتالِ فِيهِنَّ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم بِتَرْكِ المُحارِبَةِ لِعَدُوِّكم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وهو عَكْسُ قَوْلِ مُقاتِلٍ. والسِّرُّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى عَظَّمَ بَعْضَ الشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ، لِيَكُونَ الكَفُّ عَنِ الهَوى فِيها ذَرِيعَةً إلى اسْتِدامَةِ الكَفِّ في غَيْرِها تَدْرِيجًا لِلنَّفْسِ إلى فِراقِ مَأْلُوفِها المَكْرُوهِ شَرْعًا.

التوبة 9:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى هَمْزِ النَّسِيءِ ومَدِّهِ وكَسْرِ سِينِهِ. وَرَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "النَّسْءُ" عَلى وزْنِ النَّسْعِ. وُفي (p-٤٣٥)رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ شِبْلٍ: "النَّسْيُ" مُشَدَّدَةَ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ؛ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ التَّأْخِيرُ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: النَّسِيءُ: تَأْخِيرُ الشَّيْءِ. وكانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الأرْبَعَةَ، وكانَ هَذا مِمّا تَمَسَّكَتْ بِهِ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ فَرُبَّما احْتاجُوا إلى تَحْلِيلِ المُحَرَّمِ لَلْحَرْبِ تَكُونُ بَيْنَهم، فَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ، ثُمَّ يَحْتاجُونَ إلى تَأْخِيرِ صَفَرٍ أيْضًا إلى الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ ثُمَّ تَتَدافَعُ الشُّهُورُ شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ حَتّى يَسْتَدِيرَ التَّحْرِيمُ عَلى السَّنَةِ كُلِّها، فَكَأنَّهم يَسْتَنْسِؤُونَ الشَّهْرَ الحَرامَ ويَسْتَقْرِضُونَهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في كُفْرِهِمْ، لِأنَّهم أحَلُّوا الحَرامَ، وحَرَّمُوا الحَلالَ (لِيُواطِؤُوا) أيْ: لِيُوافِقُوا (عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) فَلا يَخْرُجُونَ مِن تَحْرِيمِ أرْبَعَةٍ، ويَقُولُونَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، ولا يُبالُونَ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ، وتَحْرِيمِ الحَلالِ. وكانَ القَوْمُ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلّا في ذِي الحِجَّةِ إذا اجْتَمَعَتِ العَرَبُ لَلْمَوْسِمِ، قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ إذا أرادُوا الصَّدْرَ عَنْ مِنى، قامَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: نَعِيمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وكانَ رَئِيسُ المَوْسِمِ، فَيَقُولُ: أنا الَّذِي لا أُعابُ ولا أُجابُ ولا يُرَدُّ لِي قَضاءٌ؛ فَيَقُولُونَ: أنْسِئْنا شَهْرًا؛ يُرِيدُونَ: أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ، واجْعَلْها في صَفَرٍ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ. وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ تَوالِي ثَلاثَةِ أشْهُرٍ حُرُمٍ لا يُغَيِّرُونَ فِيها، وإنَّما كانَ مَعاشُهم مِنَ الإغارَةِ، فَتَسْتَدِيرُ الشُّهُورُ كَما بَيَّنّا. وقِيلَ: إنَّما كانُوا يَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ عامًا، فَإذا كانَ مِن قابِلٍ رَدُّوهُ إلى تَحْرِيمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أحَبُّ إلَيَّ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِدارَةٌ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ أوَّلُ مَن أظْهَرَ النَّسِيءَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ، فَوافَقَتْ حُجَّةٌ أبِي بَكْرٍ ذا القِعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ في العامِ القابِلِ في ذِي الحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ قالَ: « "ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ (p-٤٣٦)والأرْضِ" .» وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ، والمَعْنى: أنَّهم يَكْتَسِبُونَ الضَّلالَ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ويَعْقُوبُ إلّا الوَلِيدُ: "يَضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ. والثّانِي: يُضِلُّ الشَّيْطانُ بِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ القاسِمِ. والثّالِثُ: يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا النّاسَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَنُّوهُ لَهم. قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ: يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا تابِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: الهاءُ في "بِهِ" راجِعَةٌ إلى النَّسِيءِ، وأصْلُ النَّسِيءِ: المَنسُوءُ، أيِ: المُؤَخَّرُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ "مَفْعُولٍ" إلى "فَعِيلٍ" كَما قِيلَ: مَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، ومَقْدُورٌ وقَدِيرٌ، قالَ: وقِيلَ: الهاءُ راجِعَةٌ إلى الظُّلْمِ، لِأنَّ النَّسِيءَ كَشَفَ تَأْوِيلَ الظُّلْمِ، فَجَرى مَجْرى المُظْهَرِ؛ والأوَّلُ اخْتِيارُنا.

التوبة 9:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «لَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ في زَمَنِ عُسْرَةٍ وجَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ، وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، (p-٤٣٧)عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المَقامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وَقَوْلُهُ: "ما لَكُمْ" اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. وقَوْلُهُ: (انْفِرُوا) مَعْناهُ: اخْرُجُوا. وأصْلُ النَّفَرِ: مُفارَقَةُ مَكانٍ إلى مَكانٍ آَخَرَ لِأمْرٍ هاجَ إلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ: تَثاقَلْتُمْ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الثّاءِ، وأحْدَثَتِ الألِفَ لِيَسْكُنَ ما بَعْدَها، وأرادَ: قَعَدْتُمْ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأعْمَشِ: "تَثاقَلْتُمْ" . وَفِي مَعْنى (إلى الأرْضِ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: تَثاقَلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا، حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثَمَرَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: اطْمَأْنَنْتُمْ إلى الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: تَثاقَلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها مِن نَعِيمِ الآَخِرَةِ، فَما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى ما يَتَمَتَّعُ بِهِ الأوْلِياءُ في الجَنَّةِ.

التوبة 9:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا حَثَّهم (p-٤٣٨)عَلى غَزْوِ الرُّومِ تَثاقَلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في مَنِ اسْتَنْفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْفِرْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيًّا مِنَ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرَ فَكانَ عَذابَهَمْ.» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ يَسْتَبْدِلُ لَنَصْرِ نَبِيِّهِ قَوْمًا غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ. ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهم إنْ تَرَكُوا نَصْرَهُ لَمْ يَضُرُّوهُ، كَما لَمْ يَضْرُرْهُ ذَلِكَ إذْ كانَ بِمَكَّةَ. وفي هاءِ "تَضُرُّوهُ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، والمَعْنى: لا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ النَّفِيرِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالمَعْنى: لا تَضُرُّوهُ بِتَرْكِ نَصْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، قالُوا: نُسِخَ قَوْلُهُ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ:١٢٢]، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَيْسَ هَذا مِنَ المَنسُوخِ، إذْ لا تَنافِيَ بَيْنَ الآَيَتَيْنِ، وإنَّما حُكْمُ كُلِّ آَيَةٍ قائِمٌ في مَوْضِعِها. وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهم قالُوا: لَيْسَ هاهُنا نَسْخٌ، ومَتى لَمْ يُقاوِمْ أهْلُ الثُّغُورِ العَدُوَّ، فَفَرْضٌ عَلى النّاسِ النَّفِيرُ إلَيْهِمْ، ومَتى اسْتَغْنَوْا عَنْ إعانَةِ مَن وراءَهم، عُذِّرَ القاعِدُونَ عَنْهم. وقالَ قَوْمٌ هَذا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَفُرِضَ عَلى النّاسِ النَّفِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

التوبة 9:40

(p-٤٣٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ أيْ: بِالنَّفِيرِ مَعَهُ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ إعانَةٌ عَلى أعْدائِهِ؛ ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حِينَ قَصَدُوا إهْلاكَهُ عَلى ما شَرَحْنا في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ:٣٠] فَأعْلَمَهم أنَّ نَصْرَهُ لَيْسَ بِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ العَرَبُ تَقُولُ: هو ثانِيَ اثْنَيْنِ، أيْ: أحَدُ الِاثْنَيْنِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، أيْ: أحَدُ الثَّلاثَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: قَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أحَدَ اثْنَيْنِ، أيْ: نَصَرَهُ مُنْفَرِدًا إلّا مِن أبِي بَكْرٍ. وَهَذا مَعْنى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: عاتَبَ اللَّهُ أهْلَ الأرْضِ جَمِيعًا في هَذِهِ الآَيَةِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ. وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أخْرَجُوهُ وهو أحَدُ الِاثْنَيْنِ، وهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ. فَأمّا الغارُ، فَهو ثُقْبٌ في الجَبَلِ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الغارُ: الكَهْفُ، والغارُ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ، والغارُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، والغارانِ: البَطْنُ والفَرْجُ، وهُما الأجْوَفانِ، يُقالُ: إنَّما هو عَبْدُ غارَيْهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألَمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ وأنَّ الفَتى يَسْعى لَغارَيْهِ دائِبًا قالَ قَتادَةُ: وهَذا الغارُ في جَبَلٍ بِمَكَّةَ يُقالُ لَهُ: ثَوْرٌ. قالَ مُجاهِدٌ: مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا. وقَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَ الهِجْرَةِ في كِتابِ "الحَدائِقِ" . قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: (p-٤٤٠)أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَتَرَتْهُ، وأمَرَ العَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ في وجْهِهِ، وأمَرَ حَمامَتَيْنِ وحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتا في فَمِ الغارِ، فَلَمّا دَنَوْا مِنَ الغارِ، عَجِلَ بَعْضُهم لَيَنْظُرَ، فَرَأى حَمامَتَيْنِ، فَرَجَعَ فَقالَ: رَأيْتُ حَمامَتَيْنِ عَلى فَمِ الغارِ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَ القائِفُ فَنَظَرَ إلى الأقْدامِ فَقالَ: هَذِهِ قَدَمُ ابْنِ أبِي قُحافَةَ، والأُخْرى لا أعْرِفُها، إلّا أنَّها تُشْبِهُ القَدَمَ الَّتِي في المَقامِ. وصاحَبَهُ في هَذِهِ الآَيَةِ أبُو بَكْرٍ، وكانَ أبُو بَكْرٍ قَدْ بَكى لَمّا مَرَّ المُشْرِكُونَ عَلى بابِ الغارِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ "ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما"؟ وَفِي السِّكِّينَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الرَّحْمَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الوَقارُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو أصْحُّ. وَفِي هاءِ "عَلَيْهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى أبِي بَكْرٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ. واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مُطَمْئِنًا. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٤٤١)والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ هاهُنا في مَعْنى تَثْنِيَةٍ، والتَّقْدِيرُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما، فاكْتَفى بِإعادَةِ الذِّكْرِ عَلى أحَدِهِما مِن إعادَتِهِ عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التَّوْبَةِ:٦٢]، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأيَّدَهُ﴾ أيْ: قَوّاهُ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِلا خِلافٍ. ﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ. ومَتى كانَ ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَوْمُ بَدْرٍ، ويَوْمُ الأحْزابِ، ويَوْمُ حُنَيْنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَمّا كانَ في الغارِ، صَرَفَتِ المَلائِكَةُ وُجُوهَ الكُفّارِ وأبْصارَهم عَنْ رُؤْيَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَإنْ قِيلَ: إذا وقَعَ الِاتِّفاقُ أنَّ هاءَ الكِنايَةِ في "أيَّدَهُ" تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَكَيْفَ تُفارِقُها هاءُ "عَلَيْهِ" وهُما مُتَّفِقَتانِ في نَظْمِ الكَلامِ؟ فالجَوابُ: أنَّ كُلَّ حَرْفٍ يُرَدُّ إلى الألْيَقِ بِهِ، والسَّكِينَةُ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْها المُنْزَعِجُ، ولَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مُنْزَعِجًا. فَأمّا التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ إلّا لَلنَّبِيِّ ﷺ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفَتْحُ:٨] يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ (وَتُسَبِّحُوهُ) يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ كَلِمَةَ الكافِرِينَ الشِّرْكُ، جَعَلَها اللَّهُ السُّفْلى لِأنَّها مَقْهُورَةٌ، وكَلِمَةُ اللَّهِ وهي التَّوْحِيدُ، هي العُلْيا، لِأنَّها ظَهَرَتْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ الكافِرِينَ ما قَدَّرُوا بَيْنَهم في الكَيْدِ بِهِ لَيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ أنَّهُ ناصِرُهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ويَعْقُوبُ: "وَكَلِمَةَ اللَّهِ" بِالنَّصْبِ. (p-٤٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أيْ: في انْتِقامِهِ مِنَ الكافِرِينَ (حَكِيمٌ) في تَدْبِيرِهِ.

التوبة 9:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ المِقْدادَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ» قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي مَعْنى "خِفافًا وثِقالًا" أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: شُيُوخًا وشَبابًا، رَواهُ أنَسٌ عَنْ أبِي طَلْحَةَ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ. والثّانِي: رَجّالَةً ورُكْبانًا، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ. والثّالِثُ: نِشاطًا وغَيْرَ نِشاطٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والرّابِعُ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ في مَعْنى هَذا الوَجْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الخِفافَ: ذَوُو العُسْرَةِ وقِلَّةُ العِيالِ، والثِّقالُ: ذَوُو العِيالِ والمَيْسَرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّ الخِفافَ: أهْلُ المَيْسَرَةِ، والثِّقالُ: أهْلُ العُسْرَةِ، حُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ. والخامِسُ: ذَوِي عِيالٍ، وغَيْرِ عِيالٍ. قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والسّادِسُ: ذَوِي ضَياعٍ، وغَيْرُ ذَوِي ضَياعٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والسّابِعُ: ذَوِي أشْغالٍ، وغَيْرِ ذَوِي أشْغالٍ، قالَهُ الحَكَمُ. (p-٤٤٣)والثّامِنُ: أصِحّاءُ، ومَرْضى، قالَهُ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وجُوَيْبِرٌ. والتّاسِعُ: عُزّابًا ومُتَأهِّلِينَ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رَيّابٍ. والعاشِرُ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ، وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والحادِيَ عَشَرَ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ، وثِقالًا بِالِاسْتِكْثارِ مِنهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَصْلٌ رَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ:١٢٢] . وقالَ السُّدِّيُّ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ [التَّوْبَةِ:٩١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: أوْجَبَ الجِهادَ بِالمالِ والنَّفْسِ جَمِيعًا، فَمَن كانَ لَهُ مالٌ وهو مَرِيضٌ أوْ مُقْعَدٌ أوْ ضَعِيفٌ لا يَصْلُحُ لَلْقِتالِ، فَعَلَيْهِ الجِهادُ بِمالِهِ، بِأنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ فَيَغْزُو بِهِ، كَما يَلْزَمُهُ الجِهادُ بِنَفْسِهِ إذا كانَ قَوِيًّا. وإنْ كانَ لَهُ مالٌ وقُوَّةٌ، فَعَلَيْهِ الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ. ومَن كانَ مَعْدُمًا عاجِزًا، فَعَلَيْهِ الجِهادُ بِالنُّصْحِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٩١] . (p-٤٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: ذَلِكم خَيْرٌ لَكم مِن تَرْكِهِ والتَّثاقُلِ عَنْهُ. والثّانِي: ذَلِكُمُ الجِهادُ خَيْرُ حاصِلٍ لَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما لَكم مِنَ الثَّوابِ.

التوبة 9:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. ومَعْنى الآَيَةِ: لَوْ كانَ ما دَعَوْا إلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا. والعَرَضُ: كُلُّ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، فالمَعْنى: لَوْ كانَتْ غَنِيمَةً، قَرِيبَةً، أوْ كانَ سَفَرًا قاصِدًا، أيْ: سَهْلًا قَرِيبًا لاتَّبَعُوكَ طَمَعًا في المالِ ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الشُّقَّةُ: السَّفَرُ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: الشُّقَّةُ: الغايَةُ الَّتِي تُقْصَدُ؛ وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشُّقَّةُ: مَصِيرٌ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، تَقُولُ: شُقَّةٌ شاقَّةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ (لَوِ اسْتَطَعْنا) وقَرَأ زائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ، والأصْمَعِيِّ عَنْ نافِعٍ: "لَوُ اسْتَطَعْنا" بِضَمِّ الواوِ، وكَذا أيْنَ وقَعَ، مِثْلُ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الكَهْفِ:١٨]، كَأنَّهُ لَمّا احْتِيجَ إلى حَرَكَةِ الواوِ، حُرِّكَتْ بِالضَّمِّ لِأنَّها أُخْتُ الواوِ، والمَعْنى: لَوْ قَدَرْنا وكانَ لَنا سِعَةٌ في المالِ. (يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ) بِالكَذِبِ والنِّفاقِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ ولَمْ يَخْرُجُوا.

التوبة 9:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ كانَ ﷺ قَدْ أذِنَ لَقَوْمٍ مِنَ (p-٤٤٥)المُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ لَمّا خَرَجَ إلى تَبُوكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ يَعْرِفُ المُنافِقِينَ. قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُؤْمَرْ بِهِما: إذْنُهُ لَلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأسارى؛ فَعاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ. قالَ مُورِقٌ: عاتَبَهُ رَبُّهُ بِهَذا. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرْ إلى هَذا اللُّطْفِ، بَدَأهُ بِالعَفْوِ قَبْلَ أنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ يُخاطَبْ بِهَذا لَجُرْمٍ أجْرَمَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ وقَّرَهُ ورَفَعَ مِن شَأْنِهِ حِينَ افْتَتَحَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمُخاطِبِهِ إذا كانَ كَرِيمًا عَلَيْهِ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ، ما صَنَعْتَ في حاجَتِي؟ ورِضى اللَّهِ عَنْكَ، هَلّا زُرْتَنِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: حَتّى تَعْرِفَ ذَوِي العُذْرِ في التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ. والثّانِي: لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم، لَقَعَدُوا وبانَ لَكَ كَذِبُهم في اعْتِذارِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ هَذِهِ الآَيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النُّورِ:٦٢] .

التوبة 9:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَعْيِيرٌ لَلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الوَقْتِ الِاسْتِئْذانُ. (p-٤٤٦)* فَصْلٌ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ. . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ[النُّورِ:٦٢] . قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ولَيْسَ لَلنَّسْخِ هاهُنا مَدْخَلٌ لَإمْكانِ العَمَلِ بِالآَيَتَيْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ إنَّما عابَ عَلى المُنافِقِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوهُ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، وأجازَ لَلْمُؤْمِنِينَ الِاسْتِئْذانَ لِما يَعْرِضُ لَهم مِن حاجَةٍ، وكانَ المُنافِقُونَ إذا كانُوا مَعَهُ فَعُرِضَتْ لَهم حاجَةٌ، ذَهَبُوا مِن غَيْرِ اسْتِئْذانِهِ.

التوبة 9:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَعْيِيرٌ لَلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الوَقْتِ الِاسْتِئْذانُ. (p-٤٤٦)* فَصْلٌ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ. . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ[النُّورِ:٦٢] . قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ولَيْسَ لَلنَّسْخِ هاهُنا مَدْخَلٌ لَإمْكانِ العَمَلِ بِالآَيَتَيْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ إنَّما عابَ عَلى المُنافِقِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوهُ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، وأجازَ لَلْمُؤْمِنِينَ الِاسْتِئْذانَ لِما يَعْرِضُ لَهم مِن حاجَةٍ، وكانَ المُنافِقُونَ إذا كانُوا مَعَهُ فَعُرِضَتْ لَهم حاجَةٌ، ذَهَبُوا مِن غَيْرِ اسْتِئْذانِهِ.

التوبة 9:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ يَعْنِي المُسْتَأْذِنِينَ لَهُ في القُعُودِ. وَفِي المُرادِ بِالعُدَّةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النِّيَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: السِّلاحُ، والمَرْكُوبُ، وما يَصْلُحُ لَلْخُرُوجِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ. والتَّثَبُّطُ: رَدُّكَ الإنْسانَ عَنِ الشَّيْءِ يَفْعَلُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ في القائِلِ لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ أُلْهِمُوا ذَلِكَ خُذْلانًا لَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَهُ غَضَبًا عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَبَعْضٍ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. (p-٤٤٧)وَفِي المُرادِ بِالقاعِدِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِعُذْرٍ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى. وَقالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَ كَرِهَ خُرُوجَهم، فَقالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ والخَبالُ: الفَسادُ وذَهابُ الشَّيْءِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَبالُ: الشَّرُّ. فَإنْ قِيلَ: كَأنَّ الصَّحابَةَ كانَ فِيها خَبالٌ حَتّى قِيلَ: (ما زادُوكُمُ إلّا خَبالًا)؟ فالجَوابُ: أنَّهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، والمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً، لَكِنْ أوْقَعُوا بَيْنَكم خَبالًا. وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ، ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وخَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى أسْفَلِ مِن ذَلِكَ؛ فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، تَخَلَّفَ ابْنُ أُبَيٍّ فِيمَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإيضاعُ: السَّيْرُ بَيْنَ القَوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم، وأصْلُهُ مِنَ التَّخَلُّلِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أوْضَعْتُ في السَّيْرِ: أسْرَعْتُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. وفي الفِتْنَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: الكُفْرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. (p-٤٤٨)والثّانِي: تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، وشَتاتُ الكَلِمَةِ. قالَ الحَسَنُ: لَأوْضَعُوا خِلالَكم بالنَّمِيمَةِ لَإفْسادِ ذاتِ بَيْنِكم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عُيُونٌ يَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويُطِيعُهم، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

التوبة 9:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ يَعْنِي المُسْتَأْذِنِينَ لَهُ في القُعُودِ. وَفِي المُرادِ بِالعُدَّةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النِّيَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: السِّلاحُ، والمَرْكُوبُ، وما يَصْلُحُ لَلْخُرُوجِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ. والتَّثَبُّطُ: رَدُّكَ الإنْسانَ عَنِ الشَّيْءِ يَفْعَلُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ في القائِلِ لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ أُلْهِمُوا ذَلِكَ خُذْلانًا لَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَهُ غَضَبًا عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَبَعْضٍ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. (p-٤٤٧)وَفِي المُرادِ بِالقاعِدِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: أنَّهُمُ القاعِدُونَ بِعُذْرٍ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى. وَقالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَ كَرِهَ خُرُوجَهم، فَقالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ والخَبالُ: الفَسادُ وذَهابُ الشَّيْءِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَبالُ: الشَّرُّ. فَإنْ قِيلَ: كَأنَّ الصَّحابَةَ كانَ فِيها خَبالٌ حَتّى قِيلَ: (ما زادُوكُمُ إلّا خَبالًا)؟ فالجَوابُ: أنَّهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، والمَعْنى: ما زادُوكم قُوَّةً، لَكِنْ أوْقَعُوا بَيْنَكم خَبالًا. وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ، ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وخَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى أسْفَلِ مِن ذَلِكَ؛ فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، تَخَلَّفَ ابْنُ أُبَيٍّ فِيمَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإيضاعُ: السَّيْرُ بَيْنَ القَوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم، وأصْلُهُ مِنَ التَّخَلُّلِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أوْضَعْتُ في السَّيْرِ: أسْرَعْتُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَبْغُونَها لَكم. وفي الفِتْنَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: الكُفْرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. (p-٤٤٨)والثّانِي: تَفْرِيقُ الجَماعَةِ، وشَتاتُ الكَلِمَةِ. قالَ الحَسَنُ: لَأوْضَعُوا خِلالَكم بالنَّمِيمَةِ لَإفْسادِ ذاتِ بَيْنِكم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عُيُونٌ يَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويُطِيعُهم، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

التوبة 9:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ في الفِتْنَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الشِّرْكُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى طَرِيقِهِ لَيْلًا لَيَفْتِكُوا بِهِ، فَسَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم. والثّانِي: احْتالُوا في تَشَتُّتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهم ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ. والرّابِعُ أنَّهُ مَيْلُهم إلَيْكَ في الظّاهِرِ، ومُمالَأةُ المُشْرِكِينَ في الباطِنِ. والخامِسُ: أنَّهُ حَلَّفَهم بِاللَّهِ (لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ) ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ يَعْنِي النَّصْرَ (وَظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) يَعْنِي الإسْلامَ.

التوبة 9:49

(p-٤٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: "يا جَدُّ، هَلْ لَكَ في جَلّادِ بَنِي الأصْفَرِ، لَعَلَّكَ أنْ تَغْنَمَ بَعْضَ بَناتِ الأصْفَرِ" فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فَأُقِيمُ، ولا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرٍ. فَأعْرَضَ عَنْهُ، وقالَ: "قَدْ أذِنْتُ لَكَ" ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهَذِهِ الآَيَةُ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ومِنهم يَعْنِي المُنافِقِينَ (مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي) أيْ: في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، وهو الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: لا تُكْسِبْنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٌ لِي، فَآَثَمُ بِالمُخالَفَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: لا تُكَفِّرُنِي بِإلْزامِكَ إيّايَ الخُرُوجَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ في هَذِهِ الفِتْنَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الكُفْرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: الحَرَجُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الإثْمُ، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: العَذابُ في جَهَنَّمَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

التوبة 9:50

(p-٤٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيْ: نَصْرٌ وغَنِيمَةٌ. والمُصِيبَةُ: القَتْلُ والهَزِيمَةُ. (يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا) أيْ: عَمِلْنا بِالحَزْمِ فَلَمْ نَخْرُجْ. (وَيَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ) بِمُصابِكَ وسَلامَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما قَضى عَلَيْنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ما بَيَّنَ لَنا في كُتُبِهِ مِن أنّا نَظْفَرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُسْنى لَنا، أوْ نُقْتَلُ فَتَكُونُ الشَّهادَةُ حُسْنى لَنا أيْضًا، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: لَنْ يُصِيبَنا في عاقِبَةِ أمْرِنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا مِنَ النَّصْرِ الَّذِي وعَدَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ: ناصِرُنا.

التوبة 9:51

(p-٤٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيْ: نَصْرٌ وغَنِيمَةٌ. والمُصِيبَةُ: القَتْلُ والهَزِيمَةُ. (يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا) أيْ: عَمِلْنا بِالحَزْمِ فَلَمْ نَخْرُجْ. (وَيَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ) بِمُصابِكَ وسَلامَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ما قَضى عَلَيْنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ما بَيَّنَ لَنا في كُتُبِهِ مِن أنّا نَظْفَرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُسْنى لَنا، أوْ نُقْتَلُ فَتَكُونُ الشَّهادَةُ حُسْنى لَنا أيْضًا، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: لَنْ يُصِيبَنا في عاقِبَةِ أمْرِنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا مِنَ النَّصْرِ الَّذِي وعَدَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ: ناصِرُنا.

التوبة 9:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ أيْ: تَنْتَظِرُونَ. والحُسْنَيانِ: النَّصْرُ والشَّهادَةُ. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ في هَذا العَذابِ قَوْلانِ. (p-٤٥١)أحَدُهُما: الصَّواعِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ يَعْنِي: القَتْلَ.

التوبة 9:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ قالَ لَلنَّبِيِّ ﷺ لَمّا عَرَضَ عَلَيْهِ غَزْوَ الرُّومِ: إذا رَأيْتُ النِّساءَ افْتُتِنْتُ، ولَكِنْ هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، ومَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، المَعْنى: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم. ومَثَلُهُ في الشِّعْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ لَمْ يَأْمُرْها بِالإساءَةِ، ولَكِنْ أعْلَمَها أنَّها إنْ أساءَتْ أوْ أحْسَنَتْ فَهو عَلى عَهْدِها. قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٨٠] .

التوبة 9:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "تُقْبَلَ" بِالتّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُقْبَلَ" (p-٤٥٢)بِالياءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن أنَّثَ، فَلِأنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى مُؤَنَّثٍ في اللَّفْظِ؛ ومَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّهُ لَيْسَ بِتَأْنِيثٍ حَقِيقِيٍّ، فَجازَ تَذْكِيرُهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البَقَرَةِ:٢٧٥] . وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أنْ يَقْبَلَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "نَفَقاتِهِمْ" بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "نَفَقَتُهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ، مَرْفُوعَةَ التّاءِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: "أنْ يَقْبَلَ" بِالياءِ "نَفَقَتَهُمْ" بِنَصْبِ التّاءِ عَلى التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "أنَّ" هاهُنا مَفْتُوحَةٌ، لِأنَّها بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ مُرْتَفِعَةً بِـ مَنَعَهم والتَّقْدِيرُ وما مَنَعَهم قَبُولَ النَّفَقَةِ مِنهم إلّا كُفْرُهم بِاللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا وهم كُسالى﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ (النِّساءِ:١٤٢) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ لِأنَّهم يَعُدُّونَ الإنْفاقَ مَغْرَمًا.

التوبة 9:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ أيْ: لا تَسْتَحْسِنْ ما أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ. وفي مَعْنى الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: فَلا تُعْجِبُكُ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآَخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. فَعَلى هَذا، في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، ويَكُونُ تَعْذِيبُهم في الآَخِرَةِ بِما صَنَعُوا في كَسْبِ الأمْوالِ وإنْفاقِها. والثّانِي: أنَّها عَلى نَظْمِها، والمَعْنى: لِيُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا بِالمَصائِبِ في الأمْوالِ والأوْلادِ، فَهي لَهم عَذابٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ أجْرٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٤٥٣)والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لِيُعَذِّبَهم بِأخْذِ الزَّكاةِ مِن أمْوالِهِمْ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. فَعَلى هَذا، تَرْجِعُ الكِنايَةُ إلى الأمْوالِ وحْدَها. والرّابِعُ: لِيُعَذِّبَهم بِسَبْيِ أوْلادِهِمْ وغَنِيمَةِ أمْوالِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَعَلى هَذا تَكُونُ في المُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: تَخْرُجَ، يُقالُ: زَهَقَ السَّهْمُ: إذا جاوَزَ الهَدَفَ.

التوبة 9:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ، و(يُفَرِّقُونَ) بِمَعْنى يَخافُونَ. فَأمّا المَلْجَأُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَلْجَأُ واللَّجَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ، وهو المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ. والمَغاراتُ: جَمْعُ مَغارَةٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ الإنْسانُ، أيْ: يَسْتَتِرُ فِيهِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أوْ مَغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أغَرْتُ وغُرْتُ: إذا دَخَلَتَ الغَوْرَ. وأصْلُ مُدَّخَلٍ: مُدْتَخِلٌ، ولَكِنَّ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الدّالِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، والتّاءَ والدّالَ مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَكانَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ أخَفُّ. وقَرَأ أُبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "أوْ مُتَدَخِّلًا" بِرَفْعِ المِيمِ، وبِتاءٍ ودالٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، مُشَدَّدَةَ الخاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "مُنْدَخَلًا" بِنُونٍ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، ويَعْقُوبُ: "مُدْخَلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وسُكُونِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن دَخَلَ يَدْخُلُ مَدْخَلًا؛ ومَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن أدْخَلْتُهُ مَدْخَلًا، قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٥٤) ؎ الحَمْدُ لَلَّهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا بِالخَيْرِ صَبَّحَنا رَبِّي ومَسّانا وَمَعْنى مُدَّخَلٍ: أنَّهم لَوْ وجَدُوا قَوْمًا يَدْخُلُونَ في جُمْلَتِهِمْ (لَوَلَّوْا) إلَيْهِ، أيْ: إلى أحَدِ هَذِهِ الأشْياءَ ( وهم يَجْمَحُونَ) أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ فِيهِ وُجُوهَهم شَيْءٌ. يُقالُ: جَمَحَ وطَمَحَ: إذا أسْرَعَ ولَمْ يَرُدَّ وجْهَهُ شَيْءٌ؛ ومِنهُ قِيلَ: فَرَسٌ جَمُوحٌ لِلَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ.

التوبة 9:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ، و(يُفَرِّقُونَ) بِمَعْنى يَخافُونَ. فَأمّا المَلْجَأُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَلْجَأُ واللَّجَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ، وهو المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ. والمَغاراتُ: جَمْعُ مَغارَةٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ الإنْسانُ، أيْ: يَسْتَتِرُ فِيهِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أوْ مَغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أغَرْتُ وغُرْتُ: إذا دَخَلَتَ الغَوْرَ. وأصْلُ مُدَّخَلٍ: مُدْتَخِلٌ، ولَكِنَّ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الدّالِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، والتّاءَ والدّالَ مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَكانَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ أخَفُّ. وقَرَأ أُبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "أوْ مُتَدَخِّلًا" بِرَفْعِ المِيمِ، وبِتاءٍ ودالٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، مُشَدَّدَةَ الخاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "مُنْدَخَلًا" بِنُونٍ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، ويَعْقُوبُ: "مُدْخَلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وسُكُونِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن دَخَلَ يَدْخُلُ مَدْخَلًا؛ ومَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن أدْخَلْتُهُ مَدْخَلًا، قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٥٤) ؎ الحَمْدُ لَلَّهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا بِالخَيْرِ صَبَّحَنا رَبِّي ومَسّانا وَمَعْنى مُدَّخَلٍ: أنَّهم لَوْ وجَدُوا قَوْمًا يَدْخُلُونَ في جُمْلَتِهِمْ (لَوَلَّوْا) إلَيْهِ، أيْ: إلى أحَدِ هَذِهِ الأشْياءَ ( وهم يَجْمَحُونَ) أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ فِيهِ وُجُوهَهم شَيْءٌ. يُقالُ: جَمَحَ وطَمَحَ: إذا أسْرَعَ ولَمْ يَرُدَّ وجْهَهُ شَيْءٌ؛ ومِنهُ قِيلَ: فَرَسٌ جَمُوحٌ لِلَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ.

التوبة 9:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: «أنَّهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، قالَ لَلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» ويُقالُ: أبُو الخَواصِرِ. ويُقالُ: ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ. والثّانِي: أنَّهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ مَن يَشاءُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "يَلْمِزُكَ" يَعِيبُكَ ويَطْعَنُ عَلَيْكَ. يُقالُ: هَمَزْتُ فُلانًا ولَمَزْتُهُ: إذا اغْتَبْتُهُ وعِبْتُهُ؛ والأكْثَرُونَ عَلى كَسْرِ مِيمِ "يَلْمِزُكَ" . وقَرَأ يَعْقُوبُ، ونَظِيفٌ عَنْ قُنْبُلٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "يَلْمِزُونَ"[التَّوْبَةِ:٧٩] "وَيَلْمِزُكَ" ولا "تَلْمِزُوا"[الحُجُراتِ:١١] بِضَمِّ المِيمِ فِيهِنَّ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: "يُلامِزُكَ" مِثْلُ: يُفاعِلُكَ. وقَدْ رَواها حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ فاعَلْتَ في هَذا مِن أحَدٍ، ونَحْوُ: طارَقْتُ النَّعْلَ، وعافاهُ اللَّهُ، لِأنَّ هَذا لا يَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وقَرَأ الأعْمَشُ: "يَلْمِزُكَ" بِتَشْدِيدِ المِيمِ مِن (p-٤٥٥)غَيْرِ ألِفٍ، مِثْلُ: يُفْعِلُكَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ ألْمِزُهُ وألْمُزُهُ، بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها: إذا عَبْتَهُ، وكَذَلِكَ: هَمَزْتُهُ أهْمِزُهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ إذا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكاشَرَةً وإنْ تَغَيَّبْتَ كُنْتَ الهامِزَ اللِّمِزَهْ

التوبة 9:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: قَنِعُوا بِما أُعْطُوا. ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في الزِّيادَةِ، أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم. وهَذا جَوابُ "لَوْ" وهو مَحْذُوفٌ في اللَّفْظِ. ثُمَّ بَيَّنَ المُسْتَحِقِّ لَلصَّدَقاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ اخْتَلَفُوا في صِفَةِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ: المُتَعَفِّفُ عَنِ السُّؤالِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْألُ وبِهِ رَمَقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والزُّهْرِيُّ، والحَكَمُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ الفَقِيرَ: المُحْتاجُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ: المُحْتاجُ الَّذِي لا زَمانَةَ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. (p-٤٥٦)والثّالِثُ: الفَقِيرُ: المُهاجِرُ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَمَّ يُهاجِرْ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، والنَّخَعِيُّ. والرّابِعُ: الفَقِيرُ: فَقِيرُ المُسْلِمِينَ، والمِسْكِينُ: مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ الفَقِيرَ: مَن لَهُ البُلْغَةُ مِنَ الشَّيْءِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ويَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرّاعِي: ؎ أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَدُ فَسَمّاهُ فَقِيرًا، ولَهُ حَلُوبَةٌ تَكْفِيهِ وعِيالُهُ. وقالَ يُونُسَ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ؟ قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ مِسْكِينٌ؛ يُرِيدُ: أنَّهُ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ. والسّادِسُ: أنَّ الفَقِيرَ أمْسُّ حاجَةً مِنَ المِسْكِينِ، وهَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ، لِأنَّ الفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنِ انْكِسارِ الفَقارِ، والمَسْكَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والخُشُوعِ، وذَلِكَ أبْلَغُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُرْوى عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، لِأنَّ الفَقِيرَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: المَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَهُ مِن فِقَرِ ظَهْرِهِ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ ظَهْرُهُ مِن شِدَّةِ الفَقْرِ؛ فَصَرَّهُ عَنْ مَفْقُورٍ إلى فَقِيرٍ، كَما قِيلَ: مَجْرُوحٌ وجَرِيحٌ، ومَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٤٥٧)لَمّا رَأى لُبَدَ ؎ النُّسُورِ تَطايَرَتْ ∗∗∗ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ قالَ: ومِنَ الحُجَّةِ لَهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ [الكَهْفِ:٧٩]، فَوُصِفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ تُساوِي مالًا؛ قالَ: وهو الصَّحِيحُ عِنْدَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ وهُمُ السُّعاةُ لَجِبايَةِ الصَّدَقَةِ، يُعْطُونَ مِنها بِقَدْرِ أُجُورِ أمْثالِهِمْ، ولَيْسَ ما يَأْخُذُونَهُ بِزَكاةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم قَوْمٌ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ بِما يُعْطِيهِمْ، وكانُوا ذَوِي شَرَفٍ، وهم صِنْفانِ: مُسْلِمُونَ وكافِرُونَ. فَأمّا المُسْلِمُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم في الإسْلامِ ضَعِيفَةً، فَتَأْلَفُهم تَقْوِيَةً لَنِيّاتِهِمْ، كَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعِ؛ وصِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم حَسَنَةً، فَأُعْطَوْا تَألُّفًا لِعَشائِرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِثْلُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ. وأمّا المُشْرِكُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ يَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ بِالأذى، فَتَأْلَفُهم دَفْعًا لِأذاهم، مِثْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ؛ وصِنْفٌ كانَ لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ، تَأْلَفُهم بِالعَطِيَّةِ لَيُؤْمِنُوا، كَصَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ. وقَدْ ذَكَرْتُ عَدَدَ المُؤَلَّفَةِ في كِتابِ "التَّلْقِيحِ" . وحُكْمُهم باقٍ عِنْدِ أحْمَدَ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: حُكْمُهم مَنسُوخٌ. قالَ الزُّهْرِيُّ: لا أعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَ حُكْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) . (p-٤٥٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والغارِمِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَزِمَهُمُ الدِّينُ ولا يَجِدُونَ القَضاءَ. قالَ قَتادَةُ: هم ناسٌ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ مِن غَيْرِ فَسادٍ ولا إسْرافٍ ولا تَبْذِيرٍ، وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ لا يُؤْمَنُ في حَقِّ المُفْسِدِ إذا قَضى دَيْنَهُ أنْ يَعُودَ إلى الِاسْتِدانَةِ لِذَلِكَ؛ ولا خِلافَ في جَوازِ قَضاءِ دَيْنِهِ ودَفْعِ الزَّكاةِ إلَيْهِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ قالَهُ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الغُزاةَ والمُرابِطِينَ. ويَجُوزُ عِنْدَنا أنَّ نُعْطِيَ الأغْنِياءَ مِنهم والفُقَراءَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُعْطى إلّا الفَقِيرُ مِنهم. وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ مِنَ الزَّكاةِ إلى الحَجِّ، أمْ لا؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ، وإنْ كانَ لَهُ مالٌ في بَلَدِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ. فَأمّا إذا أرادَ أنْ يُنْشِئَ سَفَرًا، فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُعْطى؟ قالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) فِيهِ أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ هَذا. فَصْلٌ وَحَدُّ الغَنِيِّ الَّذِي يَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ عِنْدَ أصْحابِنا بِأحَدِ شَيْئَيْنِ: أنْ يَكُونَ مالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أوْ عِدْلَها مِنَ الذَّهَبِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ يَقُومُ بِكِفايَتِهِ، أوْ لا يَقُومُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ لَهُ كِفايَةٌ إمّا مِن صِناعَةٍ، أوْ أُجْرَةِ عَقارٍ، أوْ عَرُوضٍ (p-٤٥٩)لِلتِّجارَةِ يَقُومُ رِبْحُها بِكِفايَتِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الِاعْتِبارُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مالِكًا لِنِصابٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ. فَأمّا ذَوُو القُرْبى الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ عَلى ولَدِ هاشِمٍ، ولا تَحْرُمُ عَلى ولَدِ المُطَّلِبِ. ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ عَلى الصَّدَقَةِ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ ويَأْخُذُ عِمالَتَهُ مِنها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. فَأمّا مَوالِيَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، خِلافًا لِمالِكٍ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَ صَدَقَتَهُ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ وبِهِ قالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يُعْطِي والِدًا وإنْ عَلا، ولا ولَدًا وإنْ سَفَلَ، ولا زَوْجَهُ، ويُعْطِي مَن عَداهم. فَأمّا الذِّمِّيُّ؛ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاؤُهُ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إذا لَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا، أُعْطِيَ الذِّمِّيُّ. ولا يَجِبُ اسْتِيعابُ الأصْنافِ، ولا اعْتِبارُ عَدَدٍ مِن كُلِّ صِنْفٍ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجِبُ الِاسْتِيعابُ مِن كُلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةٌ. فَأمّا إذا أرادَ نَقْلَ الصَّدَقَةِ مِن بَلَدِ المالِ إلى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ نَقْلَها لَمْ يُجْزِئْهُ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ نَقْلُها، وتُجْزِئْهُ. قالَ أحْمَدُ: ولا يُعْطِي الفَقِيرَ أكْثَرَ مِن خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْرَهُ أنْ يُعْطِيَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ الزَّكاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وإنْ أعْطَيْتَهُ أجْزَأكَ. فَأمّا الشّافِعِيُّ، فاعْتَبَرَ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ مِن غَيْرِ حَدٍّ. فَإنْ أُعْطِيَ مَن يَظُنُّهُ فَقِيرًا، فَبانَ أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَلْ يُجْزِئُ؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

التوبة 9:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: قَنِعُوا بِما أُعْطُوا. ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في الزِّيادَةِ، أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم. وهَذا جَوابُ "لَوْ" وهو مَحْذُوفٌ في اللَّفْظِ. ثُمَّ بَيَّنَ المُسْتَحِقِّ لَلصَّدَقاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ اخْتَلَفُوا في صِفَةِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ: المُتَعَفِّفُ عَنِ السُّؤالِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْألُ وبِهِ رَمَقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والزُّهْرِيُّ، والحَكَمُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّ الفَقِيرَ: المُحْتاجُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ: المُحْتاجُ الَّذِي لا زَمانَةَ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. (p-٤٥٦)والثّالِثُ: الفَقِيرُ: المُهاجِرُ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَمَّ يُهاجِرْ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، والنَّخَعِيُّ. والرّابِعُ: الفَقِيرُ: فَقِيرُ المُسْلِمِينَ، والمِسْكِينُ: مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّ الفَقِيرَ: مَن لَهُ البُلْغَةُ مِنَ الشَّيْءِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ويَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرّاعِي: ؎ أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَدُ فَسَمّاهُ فَقِيرًا، ولَهُ حَلُوبَةٌ تَكْفِيهِ وعِيالُهُ. وقالَ يُونُسَ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ؟ قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ مِسْكِينٌ؛ يُرِيدُ: أنَّهُ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ. والسّادِسُ: أنَّ الفَقِيرَ أمْسُّ حاجَةً مِنَ المِسْكِينِ، وهَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ، لِأنَّ الفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنِ انْكِسارِ الفَقارِ، والمَسْكَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والخُشُوعِ، وذَلِكَ أبْلَغُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُرْوى عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، لِأنَّ الفَقِيرَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: المَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَهُ مِن فِقَرِ ظَهْرِهِ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ ظَهْرُهُ مِن شِدَّةِ الفَقْرِ؛ فَصَرَّهُ عَنْ مَفْقُورٍ إلى فَقِيرٍ، كَما قِيلَ: مَجْرُوحٌ وجَرِيحٌ، ومَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٤٥٧)لَمّا رَأى لُبَدَ ؎ النُّسُورِ تَطايَرَتْ ∗∗∗ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ قالَ: ومِنَ الحُجَّةِ لَهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ [الكَهْفِ:٧٩]، فَوُصِفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ تُساوِي مالًا؛ قالَ: وهو الصَّحِيحُ عِنْدَنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ وهُمُ السُّعاةُ لَجِبايَةِ الصَّدَقَةِ، يُعْطُونَ مِنها بِقَدْرِ أُجُورِ أمْثالِهِمْ، ولَيْسَ ما يَأْخُذُونَهُ بِزَكاةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم قَوْمٌ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ بِما يُعْطِيهِمْ، وكانُوا ذَوِي شَرَفٍ، وهم صِنْفانِ: مُسْلِمُونَ وكافِرُونَ. فَأمّا المُسْلِمُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم في الإسْلامِ ضَعِيفَةً، فَتَأْلَفُهم تَقْوِيَةً لَنِيّاتِهِمْ، كَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعِ؛ وصِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم حَسَنَةً، فَأُعْطَوْا تَألُّفًا لِعَشائِرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِثْلُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ. وأمّا المُشْرِكُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ يَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ بِالأذى، فَتَأْلَفُهم دَفْعًا لِأذاهم، مِثْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ؛ وصِنْفٌ كانَ لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ، تَأْلَفُهم بِالعَطِيَّةِ لَيُؤْمِنُوا، كَصَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ. وقَدْ ذَكَرْتُ عَدَدَ المُؤَلَّفَةِ في كِتابِ "التَّلْقِيحِ" . وحُكْمُهم باقٍ عِنْدِ أحْمَدَ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: حُكْمُهم مَنسُوخٌ. قالَ الزُّهْرِيُّ: لا أعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَ حُكْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) . (p-٤٥٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والغارِمِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَزِمَهُمُ الدِّينُ ولا يَجِدُونَ القَضاءَ. قالَ قَتادَةُ: هم ناسٌ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ مِن غَيْرِ فَسادٍ ولا إسْرافٍ ولا تَبْذِيرٍ، وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ لا يُؤْمَنُ في حَقِّ المُفْسِدِ إذا قَضى دَيْنَهُ أنْ يَعُودَ إلى الِاسْتِدانَةِ لِذَلِكَ؛ ولا خِلافَ في جَوازِ قَضاءِ دَيْنِهِ ودَفْعِ الزَّكاةِ إلَيْهِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ قالَهُ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الغُزاةَ والمُرابِطِينَ. ويَجُوزُ عِنْدَنا أنَّ نُعْطِيَ الأغْنِياءَ مِنهم والفُقَراءَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُعْطى إلّا الفَقِيرُ مِنهم. وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ مِنَ الزَّكاةِ إلى الحَجِّ، أمْ لا؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ، وإنْ كانَ لَهُ مالٌ في بَلَدِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ. فَأمّا إذا أرادَ أنْ يُنْشِئَ سَفَرًا، فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُعْطى؟ قالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) فِيهِ أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ هَذا. فَصْلٌ وَحَدُّ الغَنِيِّ الَّذِي يَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ عِنْدَ أصْحابِنا بِأحَدِ شَيْئَيْنِ: أنْ يَكُونَ مالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أوْ عِدْلَها مِنَ الذَّهَبِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ يَقُومُ بِكِفايَتِهِ، أوْ لا يَقُومُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ لَهُ كِفايَةٌ إمّا مِن صِناعَةٍ، أوْ أُجْرَةِ عَقارٍ، أوْ عَرُوضٍ (p-٤٥٩)لِلتِّجارَةِ يَقُومُ رِبْحُها بِكِفايَتِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الِاعْتِبارُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مالِكًا لِنِصابٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ. فَأمّا ذَوُو القُرْبى الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ عَلى ولَدِ هاشِمٍ، ولا تَحْرُمُ عَلى ولَدِ المُطَّلِبِ. ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ عَلى الصَّدَقَةِ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ ويَأْخُذُ عِمالَتَهُ مِنها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. فَأمّا مَوالِيَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، خِلافًا لِمالِكٍ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَ صَدَقَتَهُ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ وبِهِ قالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يُعْطِي والِدًا وإنْ عَلا، ولا ولَدًا وإنْ سَفَلَ، ولا زَوْجَهُ، ويُعْطِي مَن عَداهم. فَأمّا الذِّمِّيُّ؛ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاؤُهُ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إذا لَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا، أُعْطِيَ الذِّمِّيُّ. ولا يَجِبُ اسْتِيعابُ الأصْنافِ، ولا اعْتِبارُ عَدَدٍ مِن كُلِّ صِنْفٍ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجِبُ الِاسْتِيعابُ مِن كُلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةٌ. فَأمّا إذا أرادَ نَقْلَ الصَّدَقَةِ مِن بَلَدِ المالِ إلى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ نَقْلَها لَمْ يُجْزِئْهُ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ نَقْلُها، وتُجْزِئْهُ. قالَ أحْمَدُ: ولا يُعْطِي الفَقِيرَ أكْثَرَ مِن خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْرَهُ أنْ يُعْطِيَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ الزَّكاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وإنْ أعْطَيْتَهُ أجْزَأكَ. فَأمّا الشّافِعِيُّ، فاعْتَبَرَ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ مِن غَيْرِ حَدٍّ. فَإنْ أُعْطِيَ مَن يَظُنُّهُ فَقِيرًا، فَبانَ أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَلْ يُجْزِئُ؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

التوبة 9:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٤٦٠)أحَدُها: «أنَّ خِذامَ بْنَ خالِدٍ، والجُلّاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، وعُبَيْدَ بْنَ هِلالٍ في آَخَرِينَ، كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَفْعَلُوا، فَإنّا نَخافُ أنْ يُبَلِّغَهُ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الجُلّاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا، فَإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ «رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، كانَ يَنُمُّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ؛ فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنُ، مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا، صَدَّقَهُ؛ نَقُولُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: «أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم جُلّاسُ بْنُ سُوِيدٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، اجْتَمَعُوا، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ ﷺ، وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرَ بْنَ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ، فَتَكَلَّمُوا وقالُوا: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَغَضِبَ الغُلامُ، وقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وإنَّكم لَشَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَدَعاهم فَسَألَهم فَحَلَفُوا أنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ أنَّهم كَذَبُوا، وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقْ بَيْنَنا حَتّى تُبَيِّنَ صِدْقَ الصّادِقِ، وكَذِبَ الكاذِبِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾، قالَهُ السُّدِّيُّ. فَأمّا الأذى، فَهو عَيْبُهُ ونَقْلُ حَدِيثِهِ. ومَعْنى (أُذُنٌ) يَقْبَلُ كُلَّ ما قِيلَ (p-٤٦١)لَهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأصْلُ في هَذا أنَّ الأُذُنَ هي السّامِعَةُ، فَقِيلَ لَكُلِّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ خَبَرٍ يَسْمَعُهُ: أُذُنٌ. وجُمْهُورُ القُرّاءِ يَقْرَؤُونَ (هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ) بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ نافِعٌ "هُوَ أُذْنٌ قُلْ أذْنٌ خَيْرٌ" بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. ومَعْنى "أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ" أيْ: أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ؛ يَسْمَعُ الخَيْرَ فَيَعْمَلُ بِهِ، ولا يَعْمَلُ بِالشَّرِّ إذا سَمِعَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "أُذُنٌ" بِالتَّنْوِينِ "خَيْرٌ" بِالرَّفْعِ. والمَعْنى: إنْ كانَ كَما قُلْتُمْ، يَسْمَعُ مِنكم ويُصَدِّقُكم، خَيْرٌ لَكم مِن أنْ يُكَذِّبَكم. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تُطْلِقَ الأُذُنَ عَلى الجُمْلَةِ كَما قالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمِّيَتِ النّابُ مِنَ الإبِلِ، لِمَكانِ النّابِ البازِلِ، فَسُمِّيَتِ الجُمْلَةُ كُلُّها بِهِ، فَأجْرَوْا عَلى الجُمْلَةِ اسْمَ الجارِحَةِ لِإرادَتِهِمْ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِهِ لَها في الإصْغاءِ بِها. ثُمَّ بَيَّنَ مِمَّنْ يَقْبَلُ، فَقالَ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الباءُ واللّامُ زائِدَتانِ؛ والمَعْنى: يُصْدِّقُ اللَّهَ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْمَعُ ما يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَدِّقُ بِهِ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ. ورَحْمَةٌ أيْ وهو رَحْمَةٌ، لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ "وَرَحْمَةٍ" بِالخَفْضِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ. والمَعْنى: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ.

التوبة 9:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. والثّانِي: بِتَرْكِ الطَّعْنِ والعَيْبِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: "يُرْضُوهُ" ولَمْ يَقُلْ: يُرْضَوْهُما؟ فَقَدْ شَرَحْنا هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٤] .

التوبة 9:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ رَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ. ﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مَن يُخالِفُ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مَن يُعادِي، اللَّهَ، كَقَوْلِكَ: مَن يُجانِبُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، أيْ: يَكُونُ في حَدٍّ، واللَّهُ ورَسُولُهُ في حَدٍّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها. فَمَن كَسَرَ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ الفاءِ، كَما تَقُولُ: فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ. ودَخَلَتْ "إنَّ" مُؤَكِّدَةً. ومَن قالَ: (p-٤٦٣)"فَإنَّ لَهُ" فَإنَّما أعادَ "أنْ" الأُولى تَوْكِيدًا؛ لِأنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ، كانَ إعادَتُها أوْكَدُ.

التوبة 9:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما بَيْنَهم، ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِي سِرَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ: لَوَدِدْتُ أنِّي جُلِدْتُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا لَلنَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ لَيَفْتِكُوا بِهِ، فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ حالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ القاسِمِ. والثّانِي: أنَّهُ أمَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهم بِالحَذَرِ، فَتَقْدِيرُهُ: لِيَحْذَرَ المُنافِقُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ رُبَّما أخْرَجَتِ الأمْرَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، فَيَقُولُونَ: يَرْحَمُ اللَّهُ المُؤْمِنَ، ويُعَذِّبُ الكافِرَ؛ يُرِيدُونَ: لَيَرْحَمَ ولِيُعَذِّبَ، فَيُسْقِطُونَ اللّامَ، ويُجْرُونَهُ مَجْرى الخَبَرِ في الرَّفْعِ، وهم لا يَنْوُونَ إلّا الدُّعاءَ؛ والدُّعاءُ مُضارِعٌ لِلْأمْرِ. (p-٤٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ هَذا وعِيدٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ تَهْدِيدًا. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ وجْهانِ. أحَدُهُما: مُظْهِرٌ ما تُسِرُّونَ. والثّانِي: ناصِرٌ مَن تَخْذُلُونَ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

التوبة 9:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ بْنَ خُذامٍ، والجَهِيرَ بْنَ خَمِيرٍ، كانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعُهُ مِن تَبُوكَ، فَجَعَلَ رَجُلانِ مِنهم يَسْتَهْزِآَنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والثّالِثُ يَضْحَكُ مِمّا يَقُولانِ ولا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ؛ فَقالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ "اذْهَبْ" فَسَلْهم عَمّا كانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ، وقُلْ لَهُمْ: أحْرَقَكُمُ اللهُ" فَلَمّا سَألَهم، وقالَ: أحْرَقَكُمُ اللهُ؛ عَلِمُوا أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآَنٌ فاقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ الجَهِيرُ: واللَّهِ ما تَكَلَّمَتُ بِشَيْءٍ، وإنَّما ضَحِكْتُ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي الجَهِيرَ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ يَعْنِي الجَدَّ ووَدِيعَةَ،» هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، ولا أرْغَبُ بُطُونًا، ولا أكْذِبُ، ولا أجْبُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، لَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرْنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ (p-٤٦٥)فَذَهَبَ لَيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآَنَ قَدْ سَبَقَهُ؛ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، والقُرَظِيِّ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ هَذا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ما قالُوا، ونَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدُ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا؛ وما يَدْرِيهِ ما الغَيْبُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: يَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ؛ فَأطْلَعَ اللَّهَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأتاهم، "فَقالَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا مَعَهُ، كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ وأصْحابِهِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لَهم ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ: نَلْهُو بِالحَدِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ( إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم ) قَرَأ الأكْثَرُونَ "إنْ يَعْفُ" (p-٤٦٦)بِالياءِ، "تُعَذَّبْ" بِالتّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ غَيْرَ أبانَ "إنْ نَعْفُ"، "نُعَذِّبْ" . بِالنُّونِ فِيهِما ونُصْبِ "طائِفَةً"، والمَعْنى: إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم بِالتَّوْفِيقِ لَلتَّوْبَةِ، نُعَذِّبْ طائِفَةً بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وقِيلَ: الطّائِفَتانِ هاهُنا ثَلاثَةٌ؛ فاسْتَهْزَأ اثْنانِ، وضَحِكَ واحِدٌ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ ما سَمِعَ. وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أسْماءَ الثَّلاثَةِ، وأنَّ الضّاحِكَ اسْمُهُ الجَهِيرُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَخْشِيُّ بْنُ خَمِيرٍ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الطّائِفَةُ: الواحِدُ فَما فَوْقَهُ. وَقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الطّائِفَةِ في اللُّغَةِ: الجَماعَةُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْواحِدِ: طائِفَةٌ، يُرادُ بِهِ: نَفْسَ طائِفَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا أُرِيدَ بِالطّائِفَةِ الواحِدَ، كانَ أصْلُها طائِفًا، عَلى مِثالِ: قائِمٍ وقاعِدٍ، فَتَدْخُلُ الهاءُ لَلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كَما يُقالُ: رِوايَةٌ، عَلامَةٌ، نَسّابَةٌ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما فَرَغَ مِن تَنْزِيلِ (بَراءَةَ) حَتّى ظَنَنّا أنْ لَنْ يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا يَنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ.

التوبة 9:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ بْنَ خُذامٍ، والجَهِيرَ بْنَ خَمِيرٍ، كانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعُهُ مِن تَبُوكَ، فَجَعَلَ رَجُلانِ مِنهم يَسْتَهْزِآَنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والثّالِثُ يَضْحَكُ مِمّا يَقُولانِ ولا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ؛ فَقالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ "اذْهَبْ" فَسَلْهم عَمّا كانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ، وقُلْ لَهُمْ: أحْرَقَكُمُ اللهُ" فَلَمّا سَألَهم، وقالَ: أحْرَقَكُمُ اللهُ؛ عَلِمُوا أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآَنٌ فاقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ الجَهِيرُ: واللَّهِ ما تَكَلَّمَتُ بِشَيْءٍ، وإنَّما ضَحِكْتُ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي الجَهِيرَ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ يَعْنِي الجَدَّ ووَدِيعَةَ،» هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، ولا أرْغَبُ بُطُونًا، ولا أكْذِبُ، ولا أجْبُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، لَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرْنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ (p-٤٦٥)فَذَهَبَ لَيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآَنَ قَدْ سَبَقَهُ؛ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، والقُرَظِيِّ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ هَذا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ما قالُوا، ونَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدُ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا؛ وما يَدْرِيهِ ما الغَيْبُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: يَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ؛ فَأطْلَعَ اللَّهَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأتاهم، "فَقالَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا مَعَهُ، كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ وأصْحابِهِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لَهم ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ: نَلْهُو بِالحَدِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ( إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم ) قَرَأ الأكْثَرُونَ "إنْ يَعْفُ" (p-٤٦٦)بِالياءِ، "تُعَذَّبْ" بِالتّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ غَيْرَ أبانَ "إنْ نَعْفُ"، "نُعَذِّبْ" . بِالنُّونِ فِيهِما ونُصْبِ "طائِفَةً"، والمَعْنى: إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم بِالتَّوْفِيقِ لَلتَّوْبَةِ، نُعَذِّبْ طائِفَةً بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وقِيلَ: الطّائِفَتانِ هاهُنا ثَلاثَةٌ؛ فاسْتَهْزَأ اثْنانِ، وضَحِكَ واحِدٌ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ ما سَمِعَ. وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أسْماءَ الثَّلاثَةِ، وأنَّ الضّاحِكَ اسْمُهُ الجَهِيرُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَخْشِيُّ بْنُ خَمِيرٍ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الطّائِفَةُ: الواحِدُ فَما فَوْقَهُ. وَقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الطّائِفَةِ في اللُّغَةِ: الجَماعَةُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْواحِدِ: طائِفَةٌ، يُرادُ بِهِ: نَفْسَ طائِفَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا أُرِيدَ بِالطّائِفَةِ الواحِدَ، كانَ أصْلُها طائِفًا، عَلى مِثالِ: قائِمٍ وقاعِدٍ، فَتَدْخُلُ الهاءُ لَلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كَما يُقالُ: رِوايَةٌ، عَلامَةٌ، نَسّابَةٌ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما فَرَغَ مِن تَنْزِيلِ (بَراءَةَ) حَتّى ظَنَنّا أنْ لَنْ يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا يَنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ.

التوبة 9:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ. (p-٤٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

التوبة 9:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ. (p-٤٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

التوبة 9:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ. (p-٤٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

التوبة 9:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ. (p-٤٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

التوبة 9:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم يُوالِي بَعْضًا، فَهم يَدٌ واحِدَةٌ، يَأْمُرُونَ بِالإيمانِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ الكُفْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في جَنّاتِ خُلْدٍ، يُقالُ: عَدَنَ فُلانٌ بِأرْضِ كَذا، أيْ: أقامَ؛ ومِنهُ: المَعْدِنُ، وهو في مَعْدِنِ صِدْقٍ، أيْ: في أصْلٍ ثابِتٍ. قالَ الأعْشى: ؎ وإنْ تَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ تُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ (p-٤٦٩)أيْ: رَزِينٍ لا يَسْتَخِفُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ، هي بُطْنانُ الجَنَّةِ، وبُطْنانُها: وسَطُها، وهي أعْلى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، وهي دارُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، وسَقْفُها عَرْشُهُ، خَلَقَها بِيَدِهِ، وفِيها عَيْنُ التَّسْنِيمِ، والجِنانُ حَوْلَها مُحْدِقَةٌ بِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أكْبَرُ مِمّا يُوصَفُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أكْبَرُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الرِّضْوانُ أكْبَرَ مِنَ النَّعِيمِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ سُرُورَ القَلْبِ بِرِضى الرَّبِّ نَعِيمٌ يَخْتَصُّ بِالقَلْبِ، وذاكَ أكْبَرُ مِن نَعِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ. وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا وما لَنا لا نَرْضى، وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أفَلا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» والثّانِي: أنَّ المُوجِبَ لِلنَّعِيمِ الرِّضْوانُ، والمُوجَبُ ثَمَرَةُ المُوجِبِ، فَهو الأصْلُ.

التوبة 9:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم يُوالِي بَعْضًا، فَهم يَدٌ واحِدَةٌ، يَأْمُرُونَ بِالإيمانِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ الكُفْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في جَنّاتِ خُلْدٍ، يُقالُ: عَدَنَ فُلانٌ بِأرْضِ كَذا، أيْ: أقامَ؛ ومِنهُ: المَعْدِنُ، وهو في مَعْدِنِ صِدْقٍ، أيْ: في أصْلٍ ثابِتٍ. قالَ الأعْشى: ؎ وإنْ تَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ تُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ (p-٤٦٩)أيْ: رَزِينٍ لا يَسْتَخِفُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ، هي بُطْنانُ الجَنَّةِ، وبُطْنانُها: وسَطُها، وهي أعْلى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، وهي دارُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، وسَقْفُها عَرْشُهُ، خَلَقَها بِيَدِهِ، وفِيها عَيْنُ التَّسْنِيمِ، والجِنانُ حَوْلَها مُحْدِقَةٌ بِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أكْبَرُ مِمّا يُوصَفُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أكْبَرُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الرِّضْوانُ أكْبَرَ مِنَ النَّعِيمِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ سُرُورَ القَلْبِ بِرِضى الرَّبِّ نَعِيمٌ يَخْتَصُّ بِالقَلْبِ، وذاكَ أكْبَرُ مِن نَعِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ. وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا وما لَنا لا نَرْضى، وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أفَلا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» والثّانِي: أنَّ المُوجِبَ لِلنَّعِيمِ الرِّضْوانُ، والمُوجَبُ ثَمَرَةُ المُوجِبِ، فَهو الأصْلُ.

التوبة 9:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ أمّا جِهادُ الكُفّارِ، فَبِالسَّيْفِ. وفي جِهادِ المُنافِقِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِاللِّسانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّانِي: جِهادُهم بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ. (p-٤٧٠)فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمَرَ بِجِهادِهِمْ وهو يَعْلَمُ أعْيانَهم، فَكَيْفَ تَرَكَهم بَيْنَ أظْهُرِ أصْحابِهِ فَلَمْ يَقْتُلْهُمْ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ إنَّما أمَرَ بِقِتالِ مَن أظْهَرَ كَلِمَةَ الكُفْرِ وأقامَ عَلَيْها، فَأمّا مَن إذا اطَّلَعَ عَلى كُفْرِهِ، أنْكَرَ وحَلَفَ وقالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَإنَّهُ أمَرَ أنْ يَأْخُذَهُ بِظاهِرِ أمْرِهِ، ولا يُبْحَثُ عَنْ سِرِّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ شِدَّةَ الِانْتِهارِ لَهم، والنَّظَرِ بِالبُغْضَةِ والمَقْتِ. وفي الهاءِ والمِيمِ مِن "عَلَيْهِمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الفَرِيقَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: إلى المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

التوبة 9:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ المُنافِقِينَ فَعابَهُمْ؛ فَقالَ الجَلّاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: إنْ كانَ ما يَقُولُ عَلى إخْوانِنا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ: واللَّهِ إنَّهُ لَصادِقٌ، ولْأنْتَمُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ وأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَأتى الجُلّاسُ فَقالَ: ما قَلْتُ شَيْئًا، فَحَلَفا عِنْدَ المِنبَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ. (p-٤٧١)والثّانِي: «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، لَيُخْرِجْنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: «أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَلَوْا سَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، وطَعَنُوا في الدِّينِ؛ فَنَقَلَ حُذَيْفَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ ذَلِكَ، فَحَلَفُوا ما قالُوا شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ الضَّحّاكُ. فَأمّا كَلِمَةُ الكُفْرِ، فَهي سَبُّهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وطَعْنُهم في الدِّينِ. وفي سَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: والَّذِي هم رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: الأسْوَدُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، هَمُّوا بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ وقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ. لَأنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، هَمَّ المُنافِقُ بِقَتْلِهِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والرّابِعُ: أنَّهم قالُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ: إذا قَدِمْنا المَدِينَةَ، عَقَدْنا عَلى رَأْسِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ تاجًا نُباهِي بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَمْ يَنالُوا ما هَمُّوا بِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ يَنْقِمُونَ شَيْئًا، ولا يَتَعَرَّفُونَ مِنَ اللَّهِ إلّا الصُّنْعَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ ما نَقَمَ النّاسُ مِن أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا ∗∗∗ (p-٤٧٢)وَأنَّهم سادَةُ المُلُوكِ ولا ∗∗∗ تُصْلِحُ إلّا عَلَيْهِمُ العَرَبُ وَهَذا لَيْسَ مِمّا يَنْقِمُ، وإنَّما أرادَ أنَّ النّاسَ لا يَنْقِمُونَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، وكَقَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ عَيْبٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ في ضَنْكٍ مِن مَعاشِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ، غَنِمُوا، وصارَتْ لَهُمُ الأمْوالُ. فَعَلى هَذا، يَكُونُ الكَلامُ عامّا. وقالَ قَتادَةُ: هَذا في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ. وقالَ عُرْوَةُ: هو الجَلّاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، قُتِلَ لَهُ مَوْلًى، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ، فاسْتَغْنى؛ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قالَ الجَلّاسُ: أنا أتُوبُ إلى اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: يُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَما تَوَلّى عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ، وفي الآَخِرَةِ بِالنّارِ.

التوبة 9:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ الأنْصارِيَّ، أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَقالَ: "وَيْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ" قالَ: ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى، فَقالَ: "أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ؟ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ شِئْتُ أنْ تَسِيرَ مَعِيَ الجِبالُ (p-٤٧٣)ذَهَبًا وفِضَّةً، لَسارَتْ" فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَئِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، لَأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مالًا" فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ فَضاقَتْ عَلَيْهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى عَنْها، ونَزَلَ وادِيًا مِن أوْدِيَتِها، حَتّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ في جَماعَةٍ، ويَتْرُكُ ما سِواهُما. ثُمَّ نَمَتْ، حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلى الجُمْعَةِ، ثُمَّ نَمَتْ، فَتَرَكَ الجُمْعَةَ. فَسَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرَ خَبَرَهُ، فَقالَ: "يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ، يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ" وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التَّوْبَةِ:٩]، وأنْزَلَ فَرائِضَ الصَّدَقَةِ؛ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ عَلى الصَّدَقَةِ، وكُتَبَ لَهُما كِتابًا يَأْخُذانِ الصَّدَقَةَ، وقالَ: "مَرّا بِثَعْلَبَةَ، وبِفُلانٍ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِيمٍ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا ثَعْلَبَةَ، فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ، وأقْرَآَهُ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، ما أدْرِي ما هَذا، انْطَلِقا حَتّى تَفْرَغا ثُمَّ تَعُودا إلَيَّ. فانْطَلَقا؛ فَأخْبَرَ السُّلَمِيَّ، فاسْتَقْبَلَهُما بِخِيارِ مالِهِ، فَقالا: لا يَجِبُ هَذا عَلَيْكَ؛ فَقالَ: خُذاهُ، فَإنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ؛ فَأخَذا مِنهُ. فَلَمّا فَرَغا مِن صَدَقَتِهِما، مَرّا بِثَعْلَبَةَ فَقالَ: أرُونِي كِتابَكُما، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِيَ، فانْطَلَقا، فَأخْبَرا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِما كانَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وكانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِن أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَخَرَجَ إلى ثَعْلَبَةَ، فَأخْبَرَهُ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: "إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ صَدَقَتَكَ"؟ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ. فَقالَ: "هَذا عَمَلُكَ، قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي" . فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ، ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولِيَ أبُو بَكْرٍ، سَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ، فَأبى. فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ، سَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ، فَأبى. فَلَمّا ولِيَ عُثْمانُ، سَألَهُ أنْ يَقْبَلَها؛ فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْها؛ (p-٤٧٤)وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.» رَوى هَذا الحَدِيثَ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرَّ ثَعْلَبَةُ عَلى مَجْلِسٍ، فَأشْهَدَهم عَلى نَفْسِهِ: لَئِنْ آَتانِيَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، آَتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقٍّ، حَقَّهُ وفَعَلْتُ كَذا وكَذا. فَآَتاهُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَأخْلَفَ ما وعَدَ؛ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا شَأْنَهُ. والثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ، كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ، فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لَهُ جُهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ آَتانا مِن فَضْلِهِ، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ، ولَأصِلَنَّ، فَأتاهُ ذَلِكَ المالُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: والرَّجُلُ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. والثّالِثُ: أنَّ ثَعْلَبَةَ، ومُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، خَرَجا عَلى مَلَإٍ، فَقالا: واللَّهِ لَئِنْ رَزَقَنا اللَّهُ لَنَصَّدَّقَنَّ. فَلَمّا رَزَقَهُما، بِخِلا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنْ نَبْتَلَ بْنَ الحارِثِ، وجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، ومُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، قالُوا: لَئِنْ آَتانا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ. فَلَمّا آَتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهُمْ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيْ: قالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ (لَنَصَّدَّقَنَّ) الأصْلُ: لَنَتَصَدَّقَنَّ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ لِقُرْبِها مِنها. (p-٤٧٥)﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: لَنَعْمَلَنَّ ما يَعْمَلُ أهْلُ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ. وقَدْ رَوى كَهْمَسٌ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ ؟

التوبة 9:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: ما طَلَبُوا مِنَ المالِ ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ ولَمْ يَفُوا بِما عاهَدُوا ﴿وَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ عَنْ عَهْدِهِمْ.

التوبة 9:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيْ: صَيَّرَ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ النِّفاقَ. وَفِي الضَّمِيرِ في "أعْقَبَهُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: جازاهُمُ اللهُ بِالنِّفاقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى البُخْلِ، فالمَعْنى: أعْقَبَهم بُخْلَهم بِما نَذَرُوا نِفاقًا، قالَهُ الحَسَنُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما في نُفُوسِهِمْ (وَنَجْواهُمْ) حَدِيثُهم بَيْنَهم.

التوبة 9:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيْ: صَيَّرَ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ النِّفاقَ. وَفِي الضَّمِيرِ في "أعْقَبَهُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: جازاهُمُ اللهُ بِالنِّفاقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى البُخْلِ، فالمَعْنى: أعْقَبَهم بُخْلَهم بِما نَذَرُوا نِفاقًا، قالَهُ الحَسَنُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما في نُفُوسِهِمْ (وَنَجْواهُمْ) حَدِيثُهم بَيْنَهم.

التوبة 9:79

(p-٤٧٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آَيَةُ الصَّدَقَةِ، جاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصاعٍ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو مَسْعُودٍ. والثّانِي: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جاءَ بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِصاعٍ مِن طَعامٍ؛ فَقالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: واللَّهِ ما جاءَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِما جاءَ بِهِ إلّا رِياءً، وإنَّ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ هَذا الصّاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَفِي هَذا الأنْصارِيِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أبُو خَيْثَمَةَ، قالَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ. والثّانِي: أنَّهُ أبُو عَقِيلٍ. وَفِي اسْمِ أبِي عَقِيلٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِيجانَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ويُقالُ: ابْنُ بَيْحانَ؛ ويُقالُ سَيْحانَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو عَقِيلِ بْنُ قَيْسٍ. والثّانِي: أنَّ اسْمَهُ الحَبْحابُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: الحُبابُ. قالَ قَتادَةُ: جاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِأرْبَعَةِ آَلافٍ، وجاءَ عاصِمٌ (p-٤٧٧)بْنُ عَدِيِّ بْنِ العَجْلانِ بِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ. (وَيَلْمِزُونَ) بِمَعْنى يَعِيبُونَ. (والمُطَّوِّعِينَ) أيِ: المُتَطَوِّعِينَ، قالَ الفَرّاءُ: أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، فَصارَتْ طاءً مُشَدَّدَةً. والجُهْدُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ولُغَةُ غَيْرِهِمُ الجَهْدُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَهْدُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ سَواءٌ، ومَجازُهُ: طاقَتُهم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الجُهْدُ: الطّاقَةُ؛ والجَهْدُ: المَشَقَّةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَنى بِالمُطَّوِّعِينَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وعاصِمَ، وبِالَّذِينِ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ: أبُو عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ) أيْ: جازاهم عَلى فِعْلِهِمْ، وقَدْ سَبَقَ هَذا المَعْنى.

التوبة 9:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ وعِيدُ اللّامِزِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لَنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَهم أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ"؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المُنافِقُونَ:٦]،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ" الأمْرَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إنَّما المَعْنى: إنِ اسْتَغْفَرْتَ، وإنْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ، لا يُغْفَرُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا المَعْنى هُناكَ، هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يُعْطِي أنَّهُ إنْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ، رُجِيَ لَهُمُ الغُفْرانُ. ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّهم كَفَرُوا؟ فالجَوابُ: أنَّهُ إنَّما اسْتَغْفَرَ لِقَوْمٍ مِنهم عَلى ظاهِرِ إسْلامِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَقَّقَ خُرُوجَهم عَنِ الإسْلامِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَلِمَ كُفْرَهم ثُمَّ اسْتَغْفَرَ. (p-٤٧٨)فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى حَصَرَ العَدَدَ بِسَبْعِينَ؟ فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ تَسْتَكْثِرُ في الآَحادِ مِن سَبْعَةٍ، وفي العَشَراتِ مِن سَبْعِينَ.

التوبة 9:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. والمُخَلَّفُ: المَتْرُوكُ خَلْفَ مَن مَضى. "بِمَقْعَدِهِمْ" أيْ: بِقُعُودِهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: مُخالَفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، فالمَعْنى: بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ"، ومَعْناها: أنَّهم تَأخَّرُوا عَنِ الجِهادِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَبَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ لَلْمُؤْمِنِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَإنَّما قالُوا هَذا، لِأنَّ الزَّمانَ كانَ حِينَئِذٍ شَدِيدَ الحَرِّ. ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ لِمَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ مَعْناهُ: يَعْلَمُونَ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الفِقْهُ: العِلْمُ بِالشَّيْءِ. تَقُولُ: فَقِهْتُ الحَدِيثَ أفْقَهُهُ؛ وكُلُّ عِلْمٍ بِشَيْءٍ: فِقْهٌ ثُمَّ اخْتُصَّ بِهِ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، فَقِيلَ لَكُلِّ عالِمٍ بِها: فَقِيهٌ. قالَ المُصَنَّفُ: وقالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: الفِقْهُ في إطْلاقِ اللُّغَةِ: الفَهْمُ، وفي عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِأفْعالِ (p-٤٧٩)المُكَلَّفِينَ، بِنَحْوِ التَّحْلِيلِ، والتَّحْرِيمِ، والإيجابِ، والإجْزاءِ، والصِّحَّةِ، والفَسادِ، والغُرْمِ، والضَّمانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وبَعْضُهم يَخْتارُ أنْ يُقالَ: الفِقْهُ: فَهُمُ الشَّيْءِ. وبَعْضُهم يَخْتارُ أنْ يُقالَ: عِلْمُ الشَّيْءِ.

التوبة 9:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ. وَفِي قِلَّةِ ضِحْكِهِمْ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ الضَّحِكَ في الدُّنْيا، لِكَثْرَةِ حُزْنِها وهُمُومِها، قَلِيلٌ، وضَحِكُهم فِيهِ أقَلُّ، لِما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ. والثّانِي: أنَّهم إنَّما يَضْحَكُونَ في الدُّنْيا، وبَقاؤُها قَلِيلٌ. (وَلِيَبْكُوا كَثِيرًا) في الآَخِرَةِ. قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: إنَّ أهْلَ النّارِ لَيَبْكُونَ الدُّمُوعَ في النّارِ، حَتّى لَوْ أُجْرِيَتِ السُّفُنُ في دُمُوعِهِمْ لَجَرَتْ، ثُمَّ إنَّهم لَيَبْكُونَ الدَّمَ بَعْدَ الدُّمُوعِ، فَلِمِثْلِ ما هم فِيهِ فَلْيَبْكِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ النِّفاقِ والمَعاصِي.

التوبة 9:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: رَدَّكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ إلى المَدِينَةِ (إلى طائِفَةٍ) مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ. وإنَّما قالَ: (إلى طائِفَةٍ) لِأنَّهُ لَيْسَ كُلٌّ مَن تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ كانَ مُنافِقًا. (فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) مَعَكَ إلى الغَزْوِ. (p-٤٨٠)﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ إلى غُزاةٍ، (إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ) عَنِّي (أوَّلَ مَرَّةٍ) حِينَ لَمْ تَخْرُجُوا إلى تَبُوكَ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في قَوْلِهِ: (أوَّلَ مَرَّةٍ) قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أوَّلُ مَرَّةٍ دُعِيتُمْ. والثّانِي: قَبْلَ اسْتِئْذانِكم. فَأمّا الخالِفُونَ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخالِفُ: الَّذِي خَلَفَ بَعْدَ شاخِصٍ، فَقَعَدَ في رَحْلِهِ، وهو الَّذِي يَتَخَلَّفُ عَنِ القَوْمِ. وَفِي المُرادِ بِالخالِفِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا لِأعْذارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

التوبة 9:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، جاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: أعْطِنِي قَمِيصَكَ حَتّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ، وصَلَّ عَلَيْهِ، واسْتَغْفَرَ لَهُ. فَأعْطاهُ قَمِيصَهُ؛ فَقالَ: آَذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآَذَنَهُ؛ فَلَمّا أرادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، جَذَبَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وقالَ: ألَيْسَ قَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصْلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ؟ فَقالَ: "أنا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٨١] فَصَلّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: "ما يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنِّي لَأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِهِ ألْفٌ مِن قَوْمِهِ" .» قالَ الزَّجّاجُ: فَيُرْوى أنَّهُ أسْلَمَ ألْفٌ مِنَ الخَزْرَجِ (p-٤٨١)لَمّا رَأوْهُ يَطْلُبُ الِاسْتِشْفاءَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأرادَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ. فَأمّا قَوْلُهُ: "مِنهُمْ" فَإنَّهُ يَعْنِي المُنافِقِينَ. وقَوْلُهُ: (وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا دُفِنَ المَيِّتُ، وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ؛ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ في حَقِّ المُنافِقِينَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ: لا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ؛ وهو مِن قَوْلِكَ: قامَ فَلانٌ بِأمْرِ فُلانٍ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

التوبة 9:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ[التَّوْبَةِ: ٥٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ هَذا عامٌ في كُلِّ سُورَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِها سُورَةُ (بَراءَةَ) . (p-٤٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: بِأنْ آَمَنُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ. والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آَمَنَ. والثّالِثُ: آَمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آَمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ (أُولُو الطَّوْلِ) يَعْنِي الغَنِيَّ، وهُمُ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ. وَفِي "الخَوالِفِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الخَوالِفُ هاهُنا النِّساءَ، ولا يَكادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجالَ عَلى تَقْدِيرِ فَواعِلَ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ قالُوا: فارِسٌ، والجَمِيعُ: فَوارِسُ، وهالِكٌ [فِي قَوْمٍ] هَوالِكُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَوالِفُ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّساءِ، إذِ العَرَبُ تَجْمَعُ فاعِلَةً: فَواعِلَ؛ فَيَقُولُونَ: ضارِبَةٌ، وضَوارِبُ، وشاتِمَةٌ، وشَواتِمُ؛ ولا يَجْمَعُونَ فاعِلًا: فَواعِلَ، إلّا في حَرْفَيْنِ: فَوارِسُ، وهَوالِكُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ الخَوالِفِ: المُتَخَلِّفاتِ في المَنازِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ المُخالَفاتِ العاصِياتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللّاتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخَوالِفَ: خِساسُ النّاسِ وأدْنِياؤُهُمْ؛ يُقالُ: فَلانٌ خالِفَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ دُونَهم، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فَأمّا "طُبِعَ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: خَتَمَ. و"الخَيْراتُ" جَمْعُ خِيرَةٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالخَيْراتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الفاضِلاتُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: الجَوارِي الفاضِلاتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّالِثُ: غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

التوبة 9:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ[التَّوْبَةِ: ٥٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ هَذا عامٌ في كُلِّ سُورَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِها سُورَةُ (بَراءَةَ) . (p-٤٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: بِأنْ آَمَنُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ. والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آَمَنَ. والثّالِثُ: آَمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آَمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ (أُولُو الطَّوْلِ) يَعْنِي الغَنِيَّ، وهُمُ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ. وَفِي "الخَوالِفِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الخَوالِفُ هاهُنا النِّساءَ، ولا يَكادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجالَ عَلى تَقْدِيرِ فَواعِلَ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ قالُوا: فارِسٌ، والجَمِيعُ: فَوارِسُ، وهالِكٌ [فِي قَوْمٍ] هَوالِكُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَوالِفُ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّساءِ، إذِ العَرَبُ تَجْمَعُ فاعِلَةً: فَواعِلَ؛ فَيَقُولُونَ: ضارِبَةٌ، وضَوارِبُ، وشاتِمَةٌ، وشَواتِمُ؛ ولا يَجْمَعُونَ فاعِلًا: فَواعِلَ، إلّا في حَرْفَيْنِ: فَوارِسُ، وهَوالِكُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ الخَوالِفِ: المُتَخَلِّفاتِ في المَنازِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ المُخالَفاتِ العاصِياتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللّاتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخَوالِفَ: خِساسُ النّاسِ وأدْنِياؤُهُمْ؛ يُقالُ: فَلانٌ خالِفَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ دُونَهم، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فَأمّا "طُبِعَ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: خَتَمَ. و"الخَيْراتُ" جَمْعُ خِيرَةٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالخَيْراتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الفاضِلاتُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: الجَوارِي الفاضِلاتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّالِثُ: غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

التوبة 9:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ[التَّوْبَةِ: ٥٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ هَذا عامٌ في كُلِّ سُورَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِها سُورَةُ (بَراءَةَ) . (p-٤٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: بِأنْ آَمَنُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ. والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آَمَنَ. والثّالِثُ: آَمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آَمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ (أُولُو الطَّوْلِ) يَعْنِي الغَنِيَّ، وهُمُ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ. وَفِي "الخَوالِفِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الخَوالِفُ هاهُنا النِّساءَ، ولا يَكادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجالَ عَلى تَقْدِيرِ فَواعِلَ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ قالُوا: فارِسٌ، والجَمِيعُ: فَوارِسُ، وهالِكٌ [فِي قَوْمٍ] هَوالِكُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَوالِفُ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّساءِ، إذِ العَرَبُ تَجْمَعُ فاعِلَةً: فَواعِلَ؛ فَيَقُولُونَ: ضارِبَةٌ، وضَوارِبُ، وشاتِمَةٌ، وشَواتِمُ؛ ولا يَجْمَعُونَ فاعِلًا: فَواعِلَ، إلّا في حَرْفَيْنِ: فَوارِسُ، وهَوالِكُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ الخَوالِفِ: المُتَخَلِّفاتِ في المَنازِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ المُخالَفاتِ العاصِياتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللّاتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخَوالِفَ: خِساسُ النّاسِ وأدْنِياؤُهُمْ؛ يُقالُ: فَلانٌ خالِفَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ دُونَهم، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فَأمّا "طُبِعَ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: خَتَمَ. و"الخَيْراتُ" جَمْعُ خِيرَةٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالخَيْراتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الفاضِلاتُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: الجَوارِي الفاضِلاتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّالِثُ: غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

التوبة 9:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ[التَّوْبَةِ: ٥٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ هَذا عامٌ في كُلِّ سُورَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِها سُورَةُ (بَراءَةَ) . (p-٤٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: بِأنْ آَمَنُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ. والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آَمَنَ. والثّالِثُ: آَمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آَمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ (أُولُو الطَّوْلِ) يَعْنِي الغَنِيَّ، وهُمُ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ. وَفِي "الخَوالِفِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الخَوالِفُ هاهُنا النِّساءَ، ولا يَكادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجالَ عَلى تَقْدِيرِ فَواعِلَ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ قالُوا: فارِسٌ، والجَمِيعُ: فَوارِسُ، وهالِكٌ [فِي قَوْمٍ] هَوالِكُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَوالِفُ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّساءِ، إذِ العَرَبُ تَجْمَعُ فاعِلَةً: فَواعِلَ؛ فَيَقُولُونَ: ضارِبَةٌ، وضَوارِبُ، وشاتِمَةٌ، وشَواتِمُ؛ ولا يَجْمَعُونَ فاعِلًا: فَواعِلَ، إلّا في حَرْفَيْنِ: فَوارِسُ، وهَوالِكُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ الخَوالِفِ: المُتَخَلِّفاتِ في المَنازِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ المُخالَفاتِ العاصِياتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللّاتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخَوالِفَ: خِساسُ النّاسِ وأدْنِياؤُهُمْ؛ يُقالُ: فَلانٌ خالِفَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ دُونَهم، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فَأمّا "طُبِعَ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: خَتَمَ. و"الخَيْراتُ" جَمْعُ خِيرَةٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالخَيْراتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الفاضِلاتُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: الجَوارِي الفاضِلاتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّالِثُ: غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

التوبة 9:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ[التَّوْبَةِ: ٥٥] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ هَذا عامٌ في كُلِّ سُورَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِها سُورَةُ (بَراءَةَ) . (p-٤٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: بِأنْ آَمَنُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: اسْتَدِيمُوا الإيمانَ. والثّانِي: افْعَلُوا فِعْلَ مَن آَمَنَ. والثّالِثُ: آَمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آَمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ (أُولُو الطَّوْلِ) يَعْنِي الغَنِيَّ، وهُمُ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ. وَفِي "الخَوالِفِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الخَوالِفُ هاهُنا النِّساءَ، ولا يَكادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجالَ عَلى تَقْدِيرِ فَواعِلَ، غَيْرَ أنَّهم قَدْ قالُوا: فارِسٌ، والجَمِيعُ: فَوارِسُ، وهالِكٌ [فِي قَوْمٍ] هَوالِكُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَوالِفُ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّساءِ، إذِ العَرَبُ تَجْمَعُ فاعِلَةً: فَواعِلَ؛ فَيَقُولُونَ: ضارِبَةٌ، وضَوارِبُ، وشاتِمَةٌ، وشَواتِمُ؛ ولا يَجْمَعُونَ فاعِلًا: فَواعِلَ، إلّا في حَرْفَيْنِ: فَوارِسُ، وهَوالِكُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ الخَوالِفِ: المُتَخَلِّفاتِ في المَنازِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ المُخالَفاتِ العاصِياتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مَعَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللّاتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخَوالِفَ: خِساسُ النّاسِ وأدْنِياؤُهُمْ؛ يُقالُ: فَلانٌ خالِفَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ دُونَهم، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فَأمّا "طُبِعَ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: خَتَمَ. و"الخَيْراتُ" جَمْعُ خِيرَةٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالخَيْراتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الفاضِلاتُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: الجَوارِي الفاضِلاتُ، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّالِثُ: غَنائِمُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الجِهادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

التوبة 9:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المُعْتَذِرُونَ" . وَقَرَأ ابْنُ (p-٤٨٣)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، ويَعْقُوبُ "المُعَذِّرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "المُعاذِرُونَ" بِألْفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُعَذِّرُونَ مَن يَعْذُرُ ولَيْسَ بِجادٍّ، وإنَّما يُعَرِّضُ بِما لا يَفْعَلُهُ، أوْ يُظْهِرُ غَيْرَ ما في نَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ عَذَرْتُ في الأمْرِ: إذا قَصَرَتْ، وأعْذَرَتْ: جَدَّدَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "المُعَذِّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ، فَتَأْوِيلُهُ: المُعْتَذِرُونَ الَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ، كانَ لَهم عُذْرٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ، وهو هاهُنا أشْبَهُ بِأنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ، وأنْشَدُوا: ؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ أيْ: فَقَدْ جاءَ بِعُذْرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "المُعَذِّرُونَ" الَّذِينَ يُعَذِّرُونَ، يُوهِمُونَ أنَّ لَهم عُذْرًا، ولا عُذْرَ لَهم. ويَجُوزُ في النَّحْوِ: المُعِذِّرُونَ؛ بِكَسْرِ العَيْنِ، والمُعَذِّرُونَ؛ بِضَمِّ العَيْنِ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهِما، لِأنَّ اللَّفْظَ بِهِما يَثْقُلُ. ومَن قَرَأ "المُعَذِّرُونَ" بِتَسْكِينِ العَيْنِ، فَتَأْوِيلُهُ: الَّذِينَ أعْذَرُوا وجاؤُوا بِعُذْرٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُعَذِّرُونَ هاهُنا: المُعْتَذِرُونَ بِالعُذْرِ الصَّحِيحِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ عِنْدَ أهْلِ النَّحْوِ: المُعْتَذِرُونَ، فَحُوِّلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى العَيْنِ، وأُبْدِلَتِ الذّالُ مِنَ التّاءِ، وأُدْغِمَتْ في الذّالِ الَّتِي بَعْدَها، فَصارَتا ذالًا مُشَدَّدَةً. ويُقالُ في كَلامِ العَرَبِ: اعْتَذَرَ: إذا جاءَ بِعُذْرٍ صَحِيحٍ، وإذا لَمْ يَأْتِ بِعُذْرٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ فَدَلَّ عَلى فَسادِ العُذْرِ، وقالَ لَبِيدُ: ؎ ومِن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ (p-٤٨٤)أيْ: فَقَدْ جاءَ بِعُذْرٍ صَحِيحٍ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ "المُعَذِّرُونَ" ويَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ. يُرِيدُ: لَعَنَ اللَّهُ المُقَصِّرِينَ مِنَ المُنافِقِينَ وغَيْرَهم. والمُعَذِّرُونَ: الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالعُذْرِ الصَّحِيحِ؛ فَبانَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ لَهم عُذْرًا عَلى قِراءَةِ مَن خَفَّفَ. وهَلْ يَثْبُتُ لَهم عُذْرٌ عَلى قِراءَةِ مَن شَدَّدَ؟ فِيهِ قَوْلانِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَ هَؤُلاءِ لَيُؤْذَنَ لَهم في التَّخَلُّفِ عَنْ تَبُوكَ، فَأذِنَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَعَدَ آَخَرُونَ مِنَ المُنافِقِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وإظْهارِ عِلَّةٍ، جُرْأةً عَلى اللَّهِ تَعالى.

التوبة 9:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِنَّ نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العُذْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: في ابْنِ مَكْتُومٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفِي المُرادِ بِالضُّعَفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ الزَّمْنى والمَشايِخُ الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُمُ الصِّغارُ. (p-٤٨٥)والثّالِثُ: المَجانِينُ؛ سُمُّوا ضِعافًا لَضَعْفِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ. والصَّحِيحُ أنَّهَمُ الَّذِينَ يَضْعُفُونَ لِزَمانَةٍ أوْ عَمًى، أوْ سَنٍّ، أوْ ضَعْفٍ في الجِسْمِ. والمَرْضى: الَّذِينَ بِهِمْ أعْلالٌ مانِعَةٌ مِنَ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ، ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ هُمُ المُقِلُّونَ، والحَرِجُ: الضَّيِّقُ في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ بِشَرْطِ النُّصْحِ لَلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ. والثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ الذَّرّارِي والمَنازِلِ. فَإنْ قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ. وإنْ قِيلَ بِالثّانِي، فَهو يَخُصُّ المُقِلِّينَ. وإنَّما شَرَطَ النُّصْحَ، لِأنَّ مِن تَخَلَّفَ بِقَصْدِ السَّعْيِ بِالفَسادِ، فَهو مَذْمُومٌ؛ ومِنَ النُّصْحِ لَلَّهِ: حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والسَّعْيِ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وسائِرِ ما يَعُودُ بِاسْتِقامَةِ الدِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ بِالعُقُوبَةِ، لِأنَّ المُحْسِنَ قَدْ سَدَّ بِإحْسانِهِ بابَ العِقابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ نَزَلَتْ في البَكّائِينَ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ؛ فَرَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم سِتَّةٌ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وصَخْرُ بْنُ سَلْمانَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ الأنْصارِيِّ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَنْمَةَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَهم، فَقالَ: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ" فانْصَرَفُوا باكِينَ.» وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كاتِبُ الواقِدَيِّ مَكانَ صَخْرِ بْنِ سَلْمانَ: سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، ومَكانَ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَنْمَةَ: (p-٤٨٦)عَمْرُو بْنُ عَنْمَةَ. قالَ: وقِيلَ مِنهم مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ. ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ أنَّ البَكّائِينَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وعَمْرُو بْنُ الحُمامِ بْنِ الجُمُوحِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ. وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: بَلْ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزْنِيُّ، وعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ، وهَرَمَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ أخُو بَنِي واقِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقْرِنٍ، وهم سَبْعَةٌ؛ وقَدْ ذَكَرَهم مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ مُقْرِنٍ. وقالَ أبُو خَيْثَمَةَ: هو النُّعْمانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسُوِيدُ بْنُ مُقْرِنٍ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسِنانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعُقَيْلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُقْرِنٍ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ. وَفِي الَّذِي طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْمِلَهم عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الدَّوابُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الزّادُ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. والثّالِثُ: النِّعالُ، قالَهُ الحَسَنُ.

التوبة 9:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِنَّ نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العُذْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: في ابْنِ مَكْتُومٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفِي المُرادِ بِالضُّعَفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ الزَّمْنى والمَشايِخُ الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُمُ الصِّغارُ. (p-٤٨٥)والثّالِثُ: المَجانِينُ؛ سُمُّوا ضِعافًا لَضَعْفِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ. والصَّحِيحُ أنَّهَمُ الَّذِينَ يَضْعُفُونَ لِزَمانَةٍ أوْ عَمًى، أوْ سَنٍّ، أوْ ضَعْفٍ في الجِسْمِ. والمَرْضى: الَّذِينَ بِهِمْ أعْلالٌ مانِعَةٌ مِنَ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ، ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ هُمُ المُقِلُّونَ، والحَرِجُ: الضَّيِّقُ في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ بِشَرْطِ النُّصْحِ لَلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ. والثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ الذَّرّارِي والمَنازِلِ. فَإنْ قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ. وإنْ قِيلَ بِالثّانِي، فَهو يَخُصُّ المُقِلِّينَ. وإنَّما شَرَطَ النُّصْحَ، لِأنَّ مِن تَخَلَّفَ بِقَصْدِ السَّعْيِ بِالفَسادِ، فَهو مَذْمُومٌ؛ ومِنَ النُّصْحِ لَلَّهِ: حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والسَّعْيِ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وسائِرِ ما يَعُودُ بِاسْتِقامَةِ الدِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ بِالعُقُوبَةِ، لِأنَّ المُحْسِنَ قَدْ سَدَّ بِإحْسانِهِ بابَ العِقابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ نَزَلَتْ في البَكّائِينَ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ؛ فَرَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم سِتَّةٌ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وصَخْرُ بْنُ سَلْمانَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ الأنْصارِيِّ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَنْمَةَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَهم، فَقالَ: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ" فانْصَرَفُوا باكِينَ.» وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كاتِبُ الواقِدَيِّ مَكانَ صَخْرِ بْنِ سَلْمانَ: سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، ومَكانَ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَنْمَةَ: (p-٤٨٦)عَمْرُو بْنُ عَنْمَةَ. قالَ: وقِيلَ مِنهم مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ. ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ أنَّ البَكّائِينَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وعَمْرُو بْنُ الحُمامِ بْنِ الجُمُوحِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ. وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: بَلْ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزْنِيُّ، وعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ، وهَرَمَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ أخُو بَنِي واقِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقْرِنٍ، وهم سَبْعَةٌ؛ وقَدْ ذَكَرَهم مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ مُقْرِنٍ. وقالَ أبُو خَيْثَمَةَ: هو النُّعْمانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسُوِيدُ بْنُ مُقْرِنٍ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسِنانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعُقَيْلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُقْرِنٍ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ. وَفِي الَّذِي طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْمِلَهم عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الدَّوابُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الزّادُ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. والثّالِثُ: النِّعالُ، قالَهُ الحَسَنُ.

التوبة 9:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِنَّ نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العُذْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: في ابْنِ مَكْتُومٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفِي المُرادِ بِالضُّعَفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ الزَّمْنى والمَشايِخُ الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُمُ الصِّغارُ. (p-٤٨٥)والثّالِثُ: المَجانِينُ؛ سُمُّوا ضِعافًا لَضَعْفِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ. والصَّحِيحُ أنَّهَمُ الَّذِينَ يَضْعُفُونَ لِزَمانَةٍ أوْ عَمًى، أوْ سَنٍّ، أوْ ضَعْفٍ في الجِسْمِ. والمَرْضى: الَّذِينَ بِهِمْ أعْلالٌ مانِعَةٌ مِنَ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ، ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ هُمُ المُقِلُّونَ، والحَرِجُ: الضَّيِّقُ في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ بِشَرْطِ النُّصْحِ لَلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ. والثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ الذَّرّارِي والمَنازِلِ. فَإنْ قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، فَهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ. وإنْ قِيلَ بِالثّانِي، فَهو يَخُصُّ المُقِلِّينَ. وإنَّما شَرَطَ النُّصْحَ، لِأنَّ مِن تَخَلَّفَ بِقَصْدِ السَّعْيِ بِالفَسادِ، فَهو مَذْمُومٌ؛ ومِنَ النُّصْحِ لَلَّهِ: حَثَّ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والسَّعْيِ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وسائِرِ ما يَعُودُ بِاسْتِقامَةِ الدِّينِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ بِالعُقُوبَةِ، لِأنَّ المُحْسِنَ قَدْ سَدَّ بِإحْسانِهِ بابَ العِقابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ نَزَلَتْ في البَكّائِينَ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ؛ فَرَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم سِتَّةٌ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وصَخْرُ بْنُ سَلْمانَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ الأنْصارِيِّ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَنْمَةَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَهم، فَقالَ: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ" فانْصَرَفُوا باكِينَ.» وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كاتِبُ الواقِدَيِّ مَكانَ صَخْرِ بْنِ سَلْمانَ: سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، ومَكانَ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَنْمَةَ: (p-٤٨٦)عَمْرُو بْنُ عَنْمَةَ. قالَ: وقِيلَ مِنهم مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ. ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ أنَّ البَكّائِينَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وعِلْيَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وعَمْرُو بْنُ الحُمامِ بْنِ الجُمُوحِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ. وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: بَلْ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو المُزْنِيُّ، وعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ، وهَرَمَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ أخُو بَنِي واقِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقْرِنٍ، وهم سَبْعَةٌ؛ وقَدْ ذَكَرَهم مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ مُقْرِنٍ. وقالَ أبُو خَيْثَمَةَ: هو النُّعْمانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسُوِيدُ بْنُ مُقْرِنٍ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وسِنانُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعُقَيْلُ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْرِنٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُقْرِنٍ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ. وَفِي الَّذِي طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْمِلَهم عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الدَّوابُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الزّادُ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. والثّالِثُ: النِّعالُ، قالَهُ الحَسَنُ.

التوبة 9:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلا تَعْذُرُوهم فَلَيْسَ لَهم عُذْرٌ. فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أتَوْهُ يَعْتَذِرُونَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: (قُلْ لا تَعْتَذِرُوا) لَنْ نُصَدِّقَكم، قَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ لَكم عُذْرٌ ﴿وَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ إنْ عَمِلْتُمْ خَيْرًا وتُبْتُمْ مِن (p-٤٨٧)تَخَلُّفِكم (ثُمَّ تُرَدُّونَ) بَعْدَ المَوْتِ (إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ) فَيُخْبِرُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.

التوبة 9:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: حَلَفَ مِنهم بِضْعَةٌ وثَمانُونَ رَجُلًا، مِنهم جَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِتَصْفَحُوا عَنْ ذَنْبِهِمْ. والثّانِي: لِأجْلِ إعْراضِكم وقَدْ شَرَحْنا في المائِدَةِ مَعْنى الرِّجْس ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: «حَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا أتَخَلَّفُ عَنْكَ، ولَأكُونُنَّ مَعَكَ، عَلى عَدْوِّكَ؛ وطَلَبَ مِنهُ أنْ يَرْضى عَنْهُ، وحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وجَعَلُوا يَتَرَضَّوْنَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهُمْ" .»

التوبة 9:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: حَلَفَ مِنهم بِضْعَةٌ وثَمانُونَ رَجُلًا، مِنهم جَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِتَصْفَحُوا عَنْ ذَنْبِهِمْ. والثّانِي: لِأجْلِ إعْراضِكم وقَدْ شَرَحْنا في المائِدَةِ مَعْنى الرِّجْس ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: «حَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا أتَخَلَّفُ عَنْكَ، ولَأكُونُنَّ مَعَكَ، عَلى عَدْوِّكَ؛ وطَلَبَ مِنهُ أنْ يَرْضى عَنْهُ، وحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وجَعَلُوا يَتَرَضَّوْنَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهُمْ" .»

التوبة 9:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّ الباءَ مَحْذُوفَةٌ مِن "أنْ"، المَعْنى: أجْدَرُ بِتَرْكِ العِلْمِ. تَقُولُ: جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ، وجَدِيرٌ بِأنْ تَفْعَلَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ خَلِيقٌ بِأنْ تَفْعَلَ، أيْ: هَذا الفِعْلُ مُيَسَّرٌ فِيكَ، فَإذا حَذَفْتَ الباءَ لَمْ يَصْلُحْ إلّا بِـ "أنْ" وإنْ أتَيْتَ بِالباءِ صَلُحَ بِـ "أنْ" وغَيْرِها، فَنَقُولُ: أنْتَ جَدِيرٌ بِأنْ تَقُومَ، وجَدِيرٌ بِالقِيامِ. فَإذا قُلْتَ: أنْتَ جَدِيرُ القِيامِ، كانَ خَطَأ، وإنَّما صَلُحَ مَعَ "أنْ" لِأنَّ "أنْ" تَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَكَأنَّها عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ. فَأمّا قَوْلُهُ: (حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ) فَيَعْنِي بِهِ الحَلالَ والحَرامَ والفَرائِضَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآَيَةِ أنَّ الأعَمَّ في العَرَبِ هَذا.

التوبة 9:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ إذا خَرَجَ في الغَزْوِ، وقِيلَ: ما يَدْفَعُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ (مَغْرَمًا) لِأنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَغْرَمُ: هو الغُرْمُ والخُسْرُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الغُرْمُ: ما يَلْزَمُ أداؤُهُ، والغَرامُ: اللّازِمُ، وسُمِّيَ الغَرِيمُ لِإلْحاحِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: الغُرْمُ: التِزامُ ما لا يَلْزَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾ أيْ: ويَنْتَظِرُ (بِكُمُ الدَّوائِرَ) أيْ: دَوائِرُ الزَّمانِ بِالمَكْرُوهِ؛ بِالمَوْتِ، أوِ القَتْلِ، أوِ الهَزِيمَةِ. وقِيلَ: يُنْتَظَرُ مَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، وظُهُورُ المُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ السِّينِ. (p-٤٨٩)وَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "السَّوْءِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في سُورَةِ (الفَتْحِ:٦)، والمَعْنى: عَلَيْهِمْ يَعُودُ ما يَنْتَظِرُونَهُ لَكَ مِنَ البَلاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وفَتْحُ السِّينِ مِنَ السُّوءِ هو وجْهُ الكَلامِ. فَمَن فَتَحَ، أرادَ المَصْدَرَ مِن: سُؤْتَهُ سُوءًا ومَساءَةً. ومَن رَفَعَ السِّينَ، جَعَلَهُ اسْمًا، كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ البَلاءِ. والعَذابِ ولا يَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ [مَرْيَمَ:٢٨] ولا في قَوْلِهِ: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفَتْحُ:١٢] لِأنَّهُ ضِدٌّ لِقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ. ولَيْسَ لِلسُّوءِ هاهُنا مَعْنًى في عَذابٍ ولا بَلاءٍ فَيَضُمُّ.

التوبة 9:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهم مَن أسْلَمَ مِنَ الأعْرابِ، مِثْلُ جُهَيْنَةَ، وأسْلَمَ، وغِفارٍ، وَفِي قَوْلِهِ: ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في الجِهادِ. والثّانِي: في الصَّدَقَةِ. فَأمّا القُرُباتُ، فَجَمْعُ قِرْبَةٍ، وهِيَ: ما يُقَرِّبُ العَبْدَ مِن رِضى اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ: قالَ الزَّجّاجُ: وفي القُرُباتِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ضَمُّ الرّاءِ، وفَتْحُها، وإسْكانُها. وفي المُرادِ بِصَلَواتِ الرَّسُولِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اسْتِغْفارُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: دُعاؤُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ: ؎ عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي نُوَّمًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعًا. (p-٤٩٠)قالَ إنْ شِئْتَ قُلْتَ: مِثْلَ الَّذِي، ومِثْلُ الَّذِي؛ فالأمْرُ أمْرٌ لَها بِالدُّعاءِ، كَأنَّهُ قالَ: ادْعُ لِي مِثْلَ الَّذِي دَعَوْتُ. والثّانِي بِمَعْنى: عَلَيْكَ مِثْلُ هَذا الدُّعاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قِرْبَةٌ لَهُمْ" خَفِيفَةً. ورَوى ورْشٌ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ، وأبانَ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "قِرُبَةٌ لَهُمْ" بِضَمِّ الرّاءِ. وفي المُشارِ إلَيْها وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ الهاءَ تَرْجِعُ إلى نَفَقَتِهِمْ وإيمانِهِمْ والثّانِي: إلى صَلَواتِ الرَّسُولِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في جَنَّتِهِ.

التوبة 9:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فِيهِمْ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلُّوا إلى القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ بَدْرٍ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. والرّابِعُ: أنَّهم جَمِيعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصَلَ لَهُمُ السَّبْقُ بِصُحْبَتِهِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ مُحْسِنُهم ومُسِيئُهم في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ والخامِسُ: أنَّهُمُ السّابِقُونَ بِالمَوْتِ والشَّهادَةِ، سَبَقُوا إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. (p-٤٩١)والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ قَرَأ يَعْقُوبُ: "والأنْصارِ" . بِرَفْعِ الرّاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ مَن قالَ إنَّ السّابِقَيْنِ جَمِيعُ الصَّحابَةِ، جَعَلَ هَؤُلاءِ تابِعِي الصَّحابَةِ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَصْحَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وَمَن قالَ: هُمُ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ الصَّحابَةِ، قالَ: هَؤُلاءِ تَبِعُوهم في طَرِيقِهِمْ، واقْتَدَوْا بِهِمْ في أفْعالِهِمْ، فَفَضَّلَ أُولَئِكَ بِالسَّبْقِ، وإنْ كانَتِ الصُّحْبَةُ حاصِلَةً لِلْكُلِّ. وقالَ عَطاءٌ: اتِّباعُهم إيّاهم بِإحْسانٍ: أنَّهم يَذْكُرُونَ مَحاسِنَهم ويَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن تَحْتِها" فَزادَ "مِن" وكَسَرَ التّاءَ الثّانِيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ يَعُمُّ الكُلَّ. قالَ الزَّجّاجُ: رَضِيَ اللَّهُ أفْعالَهم، ورَضُوا ما جازاهم بِهِ.

التوبة 9:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، وأشْجَعُ، كانَ فِيهِمْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ مُنافِقُونَ. قالَ مُقاتِلٌ: وكانَتْ مَنازِلُهم حَوْلَ المَدِينَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرَنُوا عَلَيْهِ وثَبَتُوا، مِنهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، والجُلّاسُ، ومُعَتِّبٌ، (p-٤٩٢)وَوَحْوَحٌ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَتَوْا ومَرَنُوا عَلَيْهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: تَمَرَّدَ فَلانٌ، ومِنهُ: شَيْطانٌ مَرِيدٌ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: (وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا)، ولَيْسَ يَجُوزُ في الكَلامِ: مَنَ القَوْمِ قَعَدُوا؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُهُنَّ: أنْ تَكُونَ "مِن" الثّانِيَةِ مَرْدُودَةٌ عَلى الأُولى؛ والتَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ "مَرَدُوا" . والثّانِي أنْ يَكُونَ في الكَلامِ "مِن" مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهَلِ المَدِينَةِ مَن مَرَدُوا؛ فَأُضْمِرَتْ "مِن"، لِدَلالَةِ "مِن" عَلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتُ:١٦٤] يُرِيدُ: إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ؛ وعَلى هَذا يَنْقَطِعُ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ "مُنافِقُونَ" والثّالِثُ: أنَّ "مَرَدُوا" مُتَعَلِّقٌ بِمُنافِقِينَ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: لا تَعْلَمُهم أنْتَ حَتّى نُعْلِمَكَ بِهِمْ. والثّانِي: لا تَعْلَمُ عَواقِبَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ في الدُّنْيا، وهو فَضِيحَتُهم بِالنِّفاقِ، والعَذابِ الثّانِي: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ: «وَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ "يا فُلانُ" اخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، ويا فُلانٌ اخْرُجْ"» فَفَضَحَهم. (p-٤٩٣)والثّانِي: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ: إقامَةُ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّ أحَدَ العَذابَيْنِ: الزَّكاةُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنهم، والآَخَرُ: الجِهادُ الَّذِي يُؤْمَرُونَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: الجُوعُ، وعَذابُ القَبْرِ، رَواهُ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: الجُوعُ والقَتْلُ، رَواهُ سُفْيانُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والسّادِسُ: القَتْلُ والسَّبْيُ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القَتْلُ والأسْرُ. والسّابِعُ: أنَّهم عُذِّبُوا بِالجُوعِ مَرَّتَيْنِ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ. والثّامِنُ: أنَّ عَذابَهم في الدُّنْيا بِالمَصائِبِ في الأمْوالِ والأوْلادِ، وفي الآَخِرَةِ بِالنّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والتّاسِعُ: أنَ الأوَّلَ: عِنْدَ المَوْتِ، تَضْرِبُ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم، والثّانِي: في القَبْرِ بِمُنْكَرٍ ونَكِيرٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. والعاشِرُ: أنَ الأوَّلَ بِالسَّيْفِ، والثّانِي: عِنْدَ المَوْتِ؛ قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ.

التوبة 9:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: «أنَّهم عَشْرَةُ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا (p-٤٩٤)دَنا رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسِوارَيِ المَسْجِدِ. فَلَمّا رَآَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ "مِن هَؤُلاءِ"؟ قالُوا: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ، فَأقْسَمُوا بِاللَّهِ لا يُطْلِقُونَ أنْفُسَهم حَتّى تُطْلِقَهم أنْتَ وتُعَذِّرَهم، فَقالَ "وَأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أُعَذِّرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَأطْلَقَهم وعَذَّرَهم،» رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى العَوْفِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا كانُوا سِتَّةً، فَأوْثَقَ أبُو لُبابَةَ نَفْسُهُ ورَجُلانِ مَعَهُ، وبَقِيَ ثَلاثَةٌ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، أطْلَقَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَذَّرَهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانُوا ثَمانِيَةً. وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم كانُوا سَبْعَةً. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبانَةَ وحْدَهُ. واخْتَلَفُوا في ذَنْبِهِ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ بِإشارَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ شاوَرُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ أنَّهُ الذَّبْحُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأنْفالِ:٢٧) . (p-٤٩٥)والثّانِي: أنَّهُ تَخَلُّفُهُ عَنْ تَبُوكَ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. فَأمّا الِاعْتِرافُ، فَهو الإقْرارُ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ. والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ أدْعى إلى صِدْقِ التَّوْبَةِ والقَبُولِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وضَعَ الواوَ مَكانَ الباءِ، والمَعْنى: بِآَخَرَ سَيِّئٍ، كَما تَقُولُ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ. وَفِي ذَلِكَ العَمَلِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ: ما سَبَقَ مِن جِهادِهِمْ، والسَّيِّئُ: التَّأخُّرُ عَنِ الجِهادِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ: تَوْبَتُهم والسَّيِّئُ: تُخَلُّفُهم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. وفي قَوْلِهِ "عَسى" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ واجِبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ تَرْدِيدٌ لَهم بَيْنَ الطَّمَعِ والإشْفاقِ، وذَلِكَ يَصُدُّ عَنِ اللَّهْوِ والإهْمالِ.

التوبة 9:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «لَمّا تابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا، فَقالَ: (p-٤٩٦)"ما أُمِرْتُ أنَّ آَخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» "وَفِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الصَّدَقَةُ الَّتِي بَذَلُوها تَطَوُّعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الزَّكاةُ،، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ "تُطَهِّرُهم بِها" بِجَزْمِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "تُطَهِّرُهُمْ" نَعْتًا لَلصَّدَقَةِ، كَأنَّهُ قالَ: خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهَّرَةً. والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ لَلنَّبِيِّ ﷺ، المَعْنى: فَإنَّكَ تُطَهِّرُهم بِها فِـ تُطَهِّرْهم. بِالجَزْمِ، عَلى جَوابِ الأمْرِ، المَعْنى: إنْ تَأْخُذْ مِن أمْوالِهِمْ، تُطَهِّرْهم. ولا يَجُوزُ في "تُزَكِّيهِمْ" إلّا إثْباتُ الياءِ، اتِّباعًا لَلْمُصْحَفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تُطَهِّرُهُمْ" مِنَ الذُّنُوبِ، "وَتُزَكِّيهِمْ": تُصْلِحُهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اسْتَغْفِرْ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ادْعُ لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: " إنَّ صَلَواتِك " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "إنَّ صَلَواتِكَ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "إنَّ صَلاتَكَ" عَلى التَّوْحِيدِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: طُمَأْنِينَةٌ لَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ مِنهم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَثْبِيتٌ وسُكُونٌ. والثّانِي: رَحْمَةٌ لَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: قُرْبَةٌ لَهم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: وقارٌ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: تَزْكِيَةٌ لَهم، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: وهَؤُلاءِ سِوى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

التوبة 9:104

(p-٤٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَعْلَمُوا" بِالياءِ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ "تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ مِن عَبِيدِهِ، تَقُولُ: أخَذْتُهُ مِنكَ، وأخَذْتُهُ عَنْكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَقْبَلُها. ومِثْلُهُ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعْرافِ:١٩٩] أيِ: اقْبَلْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا خِطابٌ لَلَّذِينِ تابُوا.

التوبة 9:105

(p-٤٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَعْلَمُوا" بِالياءِ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ "تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ مِن عَبِيدِهِ، تَقُولُ: أخَذْتُهُ مِنكَ، وأخَذْتُهُ عَنْكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَقْبَلُها. ومِثْلُهُ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعْرافِ:١٩٩] أيِ: اقْبَلْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا خِطابٌ لَلَّذِينِ تابُوا.

التوبة 9:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "مَرْجُونَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ. والآَيَةُ نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمِّيَّةَ، وكانُوا فِيمَن تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُبالِغُوا في الِاعْتِذارِ كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ، ولَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي؛ فَوَقَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَهم، ونَهى النّاسَ عَنْ كَلامِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التَّوْبَةِ:١١٨] . قالَ الزَّجّاجُ: "وَآَخَرُونَ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ"، فالمَعْنى: مِنهم مُنافِقُونَ، ومِنهم (آَخَرُونَ مُرْجَوْنَ) أيْ: مُؤَخَّرُونَ؛ "وَإمّا" (p-٤٩٨)لِوُقُوعِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرُهم، لَكِنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْلَمُونَ، فالمَعْنى: لِيَكُنْ أمْرُهم عِنْدَكم عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم، حَكِيمٌ بِما يَفْعَلُهُ بِهِمْ.