Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Jawzi — يوسف 12:87 – إبراهيم 14:52

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Jawzi

المحتويات
  1. يوسف 12:87
  2. يوسف 12:88
  3. يوسف 12:89
  4. يوسف 12:90
  5. يوسف 12:91
  6. يوسف 12:92
  7. يوسف 12:93
  8. يوسف 12:94
  9. يوسف 12:95
  10. يوسف 12:96
  11. يوسف 12:97
  12. يوسف 12:98
  13. يوسف 12:99
  14. يوسف 12:100
  15. يوسف 12:101
  16. يوسف 12:102
  17. يوسف 12:103
  18. يوسف 12:104
  19. يوسف 12:105
  20. يوسف 12:106
  21. يوسف 12:107
  22. يوسف 12:108
  23. يوسف 12:109
  24. يوسف 12:110
  25. يوسف 12:111
  26. الرعد 13:1
  27. الرعد 13:2
  28. الرعد 13:3
  29. الرعد 13:4
  30. الرعد 13:5
  31. الرعد 13:6
  32. الرعد 13:7
  33. الرعد 13:8
  34. الرعد 13:9
  35. الرعد 13:10
  36. الرعد 13:11
  37. الرعد 13:12
  38. الرعد 13:13
  39. الرعد 13:14
  40. الرعد 13:15
  41. الرعد 13:16
  42. الرعد 13:17
  43. الرعد 13:18
  44. الرعد 13:19
  45. الرعد 13:20
  46. الرعد 13:21
  47. الرعد 13:22
  48. الرعد 13:23
  49. الرعد 13:24
  50. الرعد 13:25
  51. الرعد 13:26
  52. الرعد 13:27
  53. الرعد 13:28
  54. الرعد 13:29
  55. الرعد 13:30
  56. الرعد 13:31
  57. الرعد 13:32
  58. الرعد 13:33
  59. الرعد 13:34
  60. الرعد 13:35
  61. الرعد 13:36
  62. الرعد 13:37
  63. الرعد 13:38
  64. الرعد 13:39
  65. الرعد 13:40
  66. الرعد 13:41
  67. الرعد 13:42
  68. الرعد 13:43
  69. إبراهيم 14:1
  70. إبراهيم 14:2
  71. إبراهيم 14:3
  72. إبراهيم 14:4
  73. إبراهيم 14:5
  74. إبراهيم 14:6
  75. إبراهيم 14:7
  76. إبراهيم 14:8
  77. إبراهيم 14:9
  78. إبراهيم 14:10
  79. إبراهيم 14:11
  80. إبراهيم 14:12
  81. إبراهيم 14:13
  82. إبراهيم 14:14
  83. إبراهيم 14:15
  84. إبراهيم 14:16
  85. إبراهيم 14:17
  86. إبراهيم 14:18
  87. إبراهيم 14:19
  88. إبراهيم 14:20
  89. إبراهيم 14:21
  90. إبراهيم 14:22
  91. إبراهيم 14:23
  92. إبراهيم 14:24
  93. إبراهيم 14:25
  94. إبراهيم 14:26
  95. إبراهيم 14:27
  96. إبراهيم 14:28
  97. إبراهيم 14:29
  98. إبراهيم 14:30
  99. إبراهيم 14:31
  100. إبراهيم 14:32
  101. إبراهيم 14:33
  102. إبراهيم 14:34
  103. إبراهيم 14:35
  104. إبراهيم 14:36
  105. إبراهيم 14:37
  106. إبراهيم 14:38
  107. إبراهيم 14:39
  108. إبراهيم 14:40
  109. إبراهيم 14:41
  110. إبراهيم 14:42
  111. إبراهيم 14:43
  112. إبراهيم 14:44
  113. إبراهيم 14:45
  114. إبراهيم 14:46
  115. إبراهيم 14:47
  116. إبراهيم 14:48
  117. إبراهيم 14:49
  118. إبراهيم 14:50
  119. إبراهيم 14:51
  120. إبراهيم 14:52

يوسف 12:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: واللَّهِ، وجَوابُ هَذا القَسَمِ " لا " المُضْمَرَةُ الَّتِي تَأْوِيلُها: تاللَّهِ لا تَفْتَأُ، فَلَمّا كانَ مَوْضِعُها مَعْلُومًا خَفَّفَ الكَلامَ بِسُقُوطِها مِن ظاهِرِهِ، كَما تَقُولُ العَرَب: واللَّهِ أقْصِدُكَ أبَدًا، يَعْنُونَ: لا أقْصِدُكَ، قالَ امْرُؤ القَيْسِ:(p-٢٧٢) ؎ فَقُلْت يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي يُرِيدُ: لا أبْرَحُ، وقالَتِ الخَنْساءُ: ؎ فَأقْسَمْتُ آسى عَلى هالِكٍ ∗∗∗ أوْ أسْألُ نائِحَةً مالَها أرادَتْ: لا آسى، وقالَ الآخَرُ: ؎ لَمْ يَشْعُرِ النَّعْشُ ما عَلَيْهِ مِنَ الـ ∗∗∗ ـعُرْفِ ولا الحامِلُونَ ما حَمَلُوا ∗∗∗ تاللَّهِ أنْسى مُصِيبَتِي أبَدًا ∗∗∗ ما أسْمَعَتْنِي حَنِينَها الإبِلُ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: " قالُوا بِاللَّهِ " بِالباءِ، وكَذَلِكَ كَلُّ قَسَمٍ في القُرْآنِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَفْتَأُ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى " تَفْتَأُ " تَزالُ، فَمَعْنى الكَلامِ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎ فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ وَأنْشَدَ ابْنُ القاسِمِ: ؎ فَما فَتِئَتْ مِنّا رِعالٌ كَأنَّها ∗∗∗ رِعالُ القَطا حَتّى احْتَوَيْنَ بَنِي صَخْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدَّنِفُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: (p-٢٧٣)أحْرَضَهُ الحُزْنُ، أيْ: أدْنَفَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَرْضُ: الَّذِي قَدْ أذابَهُ الحُزْنُ أوِ الحُبُّ، وهي في مَوْضِعِ مُحْرَضٍ. وأنْشَدَ: ؎ إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ أيْ: أذابَنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَضُ: الفاسِدُ في جِسْمِهِ، والمَعْنى: حَتّى تَكُونَ مُدْنَفًا مَرِيضًا. والثّانِي: أنَّهُ الذّاهِبُ العَقْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ العَقْلِ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ يَكُونُ الحَرَضُ: الفاسِدُ في أخْلاقِهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ الفاسِدُ في جِسْمِهِ وعَقْلِهِ، يُقالُ: رَجُلٌ حارِضٌ وحَرَضٌ، فَحارِضٌ يُثَنَّي ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ، وحَرَضٌ لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قالَهُ الفَرّاءُ. والرّابِع: أنَّهُ الهَرَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ يَعْنُونَ المَوْتى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَلَفُوا عَلى شَيْءٍ يَجُوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ ؟ فالجَوابُ: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: إنَّ هَذا في تَقْدِيرِنا وظَنِّنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَثُّ: أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ صاحِبَهُ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتّى يَبُثَّهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ﴾ المَعْنى: إنِّي لا أشْكُو إلَيْكم، وذَلِكَ لَمّا عَنَّفُوهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ورَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أنَس ِبْنِ (p-٢٧٤)مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «كانَ لِيَعْقُوبَ أخٌ مُؤاخٍ، فَقالَ لَهُ ذاتَ يَوْمٍ: يا يَعْقُوبُ، ما الَّذِي أذْهَبَ بَصَرَكَ ؟ وما الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرَكَ ؟ قالَ: أمّا الَّذِي أذْهَبَ بَصَرِي، فالبُكاءُ عَلى يُوسُفَ، وأمّا الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرِي، فالحُزْنُ عَلى بِنْيامِينَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا يَعْقُوبُ إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: أما تَسْتَحِي أنْ تَشْكُوَ إلى غَيْرِي ؟ فَقالَ: إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَشْكُو، ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ: أيْ رَبِّ، أما تَرْحَمُ الشَّيْخَ الكَبِيرَ ؟ أذْهَبْتَ بَصَرِي، وقَوَّسْتَ ظَهْرِي، فارْدُدْ عَلَيَّ رَيْحانِي أشُمُّهُ شَمَّةً قَبْلَ المَوْتِ، ثُمَّ اصْنَعْ بِي يا رَبِّ ما شِئْتَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا يَعْقُوبُ، إنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ ويَقُولُ: أبْشِرْ، فَوَعِزَّتِي لَوْ كانا مَيِّتَيْنِ لَنَشْرْتُهُما لَكَ، اصْنَعْ طَعامًا لِلْمَساكِينِ، فَإنْ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ المَساكِينُ، وتَدْرِي لِمَ أذْهَبْتُ بَصَرَكَ، وقَوَّسْتُ ظَهْرَكَ، وصَنَعَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِيُوسُفَ ما صَنَعُوا، لِأنَّكم ذَبَحْتُمْ شاةً، فَأتاكم فُلانٌ المِسْكِينُ وهو صائِمٌ، فَلَمْ تُطْعِمُوهُ مِنها. فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أرادَ الغَداءَ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: ألا مَن أرادَ الغَداءَ مِنَ المَساكِينِ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وإذا كانَ صائِمًا، أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: مَن كانَ صائِمًا فَلْيُفْطِرْ مَعَ يَعْقُوبَ» . وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يَعْقُوبَ: أتُدْرِي لِمَ عاقَبْتُكَ وحَبَسْتُ عَنْكَ يُوسُفُ ثَمانِينَ سَنَةً ؟ قالَ: لا، (p-٢٧٥)قالَ: لِأنَّكَ شَوَيْت عَناقًا وقَتَّرْتَ عَلى جارِكَ، وأكَلْتَ ولَمْ تُطْعِمْهُ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ ذَبَحَ عِجْلَ بَقَرَةٍ بَيْنَ يَدَيْها، وهي تَخُورُ فَلَمْ يَرْحَمْها. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَبَرَ يُوسُفُ عَنْ أبِيهِ بَعْدَ أنْ صارَ مَلِكًا ؟ فَقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ ثَلاثَةَ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهو الأظْهَرُ. والثّانِي: لِئَلّا يَظُنُّ المَلِكُ بِتَعْجِيلِ اسْتِدْعائِهِ أهْلَهُ، شِدَّةَ فاقَتِهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ أنْ يُدَرِّجَ نَفْسَهُ إلى كَمالِ السُّرُورِ. والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، لِيَرْفَعَ دَرَجَةَ يَعْقُوبَ بِالصَّبْرِ عَلى البَلاءِ. وكانَ يُوسُفُ يُلاقِي مِنَ الحُزْنِ لِأجْلِ حُزْنِ أبِيهِ عَظِيمًا، ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ سَبَبِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنّا سَنَسْجُدُ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْلَمُ مِن سَلامَةِ يُوسُفَ ما لا تَعْلَمُونَ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: وذَلِكَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ أتاهُ، فَقالَ لَهُ يَعْقُوبُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ ابْنِي يُوسُف ؟ قالَ: لا. والثّالِثُ: أعْلَمُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ مالا تَعْلَمُونَ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ بَنُوهُ بِسِيرَةِ العَزِيزِ، طَمِعَ أنْ يَكُونَ هو يُوسُفَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ قالَ لَهُمُ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ . وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا قالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: ما قَبَضْتُ رُوحَ يُوسُفَ، تَباشَرَ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أصْبَحَ، فَقالَ لِبَنِيهِ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " تَحَسَّسُوا " أيْ: تَخَبَّرُوا والتَمِسُوا في المَظانِّ. (p-٢٧٦)فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿مِن يُوسُفَ﴾ والغالِبُ أنْ يُقالَ: تَحَسَّسْتُ عَنْ كَذا ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: عَنْ يُوسُفَ، ولَكِنْ نابَتْ عَنْها " مِن " كَما تَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنِي فُلانٌ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّ " مِن " أُوثِرَتْ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: تَحَسَّسُوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والثّانِي: مِن فَرَجِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: مِن تَوْسِعَةِ اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ القاسِمِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ: الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: لا تَيْأسُوا مِن الرَّوْحِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ اللَّهُ، " إنَّهُ لا يَيْأسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ " لِأنَّ المُؤْمِنَ يَرْجُو اللَّهَ في الشَّدائِدِ.

يوسف 12:88

(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ . وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ. والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا. والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ. وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٨) ؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها. والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: ؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ. والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ. والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ. (p-٢٧٩)والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟ فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا. وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ (p-٢٨٠)الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " . والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ. والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى. والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا. (p-٢٨١)واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ. والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ. والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ (p-٢٨٢)عَلى العَزْبَةِ. والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ. وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها. وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ. والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ (p-٢٨٣)فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا. فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

يوسف 12:89

(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ . وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ. والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا. والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ. وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٨) ؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها. والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: ؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ. والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ. والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ. (p-٢٧٩)والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟ فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا. وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ (p-٢٨٠)الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " . والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ. والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى. والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا. (p-٢٨١)واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ. والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ. والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ (p-٢٨٢)عَلى العَزْبَةِ. والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ. وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها. وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ. والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ (p-٢٨٣)فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا. فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

يوسف 12:90

(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ . وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ. والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا. والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ. وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٨) ؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها. والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: ؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ. والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ. والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ. (p-٢٧٩)والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟ فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا. وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ (p-٢٨٠)الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " . والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ. والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى. والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا. (p-٢٨١)واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ. والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ. والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ (p-٢٨٢)عَلى العَزْبَةِ. والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ. وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها. وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ. والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ (p-٢٨٣)فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا. فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

يوسف 12:91

(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ . وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ. والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا. والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ. وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٨) ؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها. والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: ؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ. والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ. والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ. (p-٢٧٩)والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟ فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا. وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ (p-٢٨٠)الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " . والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ. والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى. والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا. (p-٢٨١)واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ. والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ. والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ (p-٢٨٢)عَلى العَزْبَةِ. والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ. وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها. وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ. والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ (p-٢٨٣)فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا. فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

يوسف 12:92

(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ . وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ. والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا. والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ. وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٨) ؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها. والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: ؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ. والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ. والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ. (p-٢٧٩)والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟ فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا. وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ (p-٢٨٠)الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " . والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ. والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى. والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا. (p-٢٨١)واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ. والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ. والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ (p-٢٨٢)عَلى العَزْبَةِ. والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ. وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها. وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ. والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ (p-٢٨٣)فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا. فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

يوسف 12:93

(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ . وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ. والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا. والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ. وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٨) ؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها. والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: ؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ. والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ. والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ. (p-٢٧٩)والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ. قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟ فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا. وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ ابْنُ (p-٢٨٠)الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " . والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ. والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى. والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا. (p-٢٨١)واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ. والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ. والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ (p-٢٨٢)عَلى العَزْبَةِ. والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ. وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها. وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ. والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً. وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ (p-٢٨٣)فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا. فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

يوسف 12:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ: خَرَجَتْ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى كَنْعانَ. وكانَ الَّذِي حَمَلَ القَمِيصَ يَهُوذا. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ يَهُوذا لِيُوسُفَ: أنا الَّذِي حَمَلْتُ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ بِدَمٍ كَذِبٍ فَأحْزَنْتُهُ، وأنا الآنَ أحْمِلُ قَمِيصَكَ لِأُسِرَّهُ، فَحَمَلَهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَخَرَجَ حافِيًا حاسِرًا يَعْدُو، ومَعَهُ سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أكْلَها. (p-٢٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ يَعْنِي يَعْقُوبَ لِمَن حَضَرَهُ مِن أهْلِهِ وقَرابَتِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ . ومَعْنى أجِدُ: أشُمُّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ولَيْسَ صَرِيرُ النَّعْشِ ما تَسْمَعُونَهُ ولَكِنَّها أصْلابُ قَوْمٍ تَقَصُّفُ ∗∗∗ ولَيْسَ فَتِيقُ المِسْكِ ما تَجِدُونَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ ذاكَ الثَّناءُ المُخَلَّفُ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ وهو بِمِصْرَ ؟ ولِمَ يَجِدْ رِيحَهُ مِنَ الجُبِّ وبَعْدَ خُرُوجِهِ مِنهُ، والمَسافَةُ هُناكَ أقْرَبُ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى أمْرَ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ في بِدايَةِ الأمْرِ لِتَقَع البَلِيَّةُ الَّتِي يَتَكامَلُ بِها الأجْرُ، وأوْجَدَهُ رِيحَهُ مِنَ المَكانِ النّازِحِ عند تَقَضِّي البَلاءِ ومَجِيءِ الفَرَجِ. والثّانِي: أنَّ هَذا القَمِيصَ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ، فَلَمّا نَشَرَهُ فاحَتْ رَوائِحُ الجِنانِ في الدُّنْيا فاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ، فَعَلِمَ أنَّ الرّائِحَةَ مِن جِهَةِ ذَلِكَ القَمِيصِ. قالَ مُجاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَضَرَبَتِ القَمِيص، فَفاحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، فَمِن ثَمَّ قالَ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ . وقِيلَ: إنَّ رِيحَ الصَّبا اسْتَأْذَنَتْ رَبَّها في أنْ تَأْتِيَ يَعْقُوبَ بِرِيحِ يُوسُفَ قَبْلَ البَشِيرِ فَأذِنَ لَها، فَلِذَلِكَ يَسْتَرْوِحُ كُلُّ مَحْزُونٍ إلى رِيحِ الصَّبا، ويَجِدُ المَكْرُوبُونَ لَها رَوْحًا، وهي رِيحٌ لَيِّنَةٌ تَأْتِي مِن ناحِيَةِ المَشْرِقِ، قالَ أبُو صَخْرٍ الهُذَلِيُّ: ؎ إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يَهِيِجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ يَطَّلِعُ الفَجْرُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِ لَيالٍ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. (p-٢٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تُجَهِّلُونِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّانِي: تُسَفِّهُونِ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي الهُذَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: لَوْلا أنْ تَقُولُوا: ذَهَبَ عَقْلُكَ والثّالِثُ: تُكَذِّبُونِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ. والرّابِعُ: تُهَرِّمُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ. قالَ ابْنُ فارِس: الفَنَدُ: إنْكارُ العَقْلِ مِن هَرَمٍ. والخامِسُ: تُعَجِّزُونِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُسَفِّهُونِ وتُعَجِّزُونِ وتَلُومُونِ، وأنْشَدَ: ؎ يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرٍ بِمَرْدُودِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ التَّفْنِيدِ: الإفْسادُ، وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ تَتَقارَبُ مَعانِيها، وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ ابْنَ الخَشّابِ يَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: لَأخْبَرْتُكم أنَّهُ حَيٌّ.

يوسف 12:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو بَنِيهِ خاطَبُوهُ بِهَذا، وكَذَلِكَ قالَ السُّدِّيُّ: هَذا قَوْلُ بَنِي بَنِيهِ، لِأنَّ بَنِيهِ كانُوا بِمِصْرَ. وَفِي مَعْنى هَذا الضَّلالِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٢٨٦)أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الخَطَإ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ الجُنُونُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: الشَّقاءُ والعَناءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. يُرِيدُ بِذَلِكَ شَقاءَ الدُّنْيا.

يوسف 12:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ هاهُنا: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ:٨٩] . فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ لِقُرَيْشٍ خاطَبَهم اللَّهُ بِهِما جَمِيعًا، فَدُخُولُ " أنْ " لِتَوْكِيدِ مُضِيِّ الفِعْلِ، وسُقُوطُها لِلِاعْتِمادِ عَلى إيضاحِ الماضِي بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقاهُ﴾ يَعْنِي القَمِيصَ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ يَعْنِي يَعْقُوبَ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، الِارْتِدادُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ ارْتَدَّ، ولَمْ يَقُلْ: رُدَّ، لِأنَّ هَذا مِنَ الأفْعالِ المَنسُوبَةِ إلى المَفْعُولِينَ، كَقَوْلِهِمْ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ أطالَها، وتَحَرَّكَتِ الشَّجَرَةُ، واللَّهُ حَرَّكَها: قالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، وقُوَّتُهُ بَعْدَ الضَّعْفِ، وشَبابُهُ بَعْدَ الهَرَمِ، وسُرُورُهُ بَعْدَ الحُزْنِ. وَرَوى يَحْيى بْنُ يَمانٍ عَنْ سُفْيانَ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ يَعْقُوبَ، قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. (p-٢٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها قَبْلَ هَذا بِقَلِيلٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ سَألُوهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم ما أتَوْا، لِأنَّهُ نَبِيٌّ مُجابُ الدَّعْوَةِ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ في سَبَبِ تَأْخِيرِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَّرَهم لِانْتِظارِ الوَقْتِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الإجابَةِ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّهُ أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ وهْبٌ: كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم كُلَّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. والثّانِي: إلى وقْتِ السَّحَرِ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ طاوُوسُ: فَوافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عاشُوراءَ. والثّالِثُ: إلى وقْتِ السَّحَرِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما أرادَ الوَقْتَ الَّذِي هو أخْلَقُ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ ضَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وهَذا أشْبَهُ بِأخْلاقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ دَفَعَهم عَنِ التَّعْجِيلِ بِالوَعْدِ. قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ وإلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . والثّالِثُ: أنَّهُ أخَّرَهم لِيَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهم، اسْتَغْفَرَ لَهم، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهم قالُوا: يا أبانا إنْ عَفا اللَّهُ عَنّا، وإلّا فَلا (p-٢٨٨)قُرَّةَ عَيْنٍ لَنا في الدُّنْيا، فَدَعا يَعْقُوبُ وأمَّنَ يُوسُفُ، فَلَمْ يُجِبْ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ، وعَفا عَمّا صَنَعُوا بِهِ، واعْتَقَدَ مَواثِيقَهم مِن بَعْدُ عَلى النُّبُوَّةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُوسُفُ قَدْ بَعَثَ مَعَ البَشِيرِ إلى يَعْقُوبَ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ، وسَألَهُ أنْ يَأْتِيَهُ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَلَمّا ارْتَحَلَ يَعْقُوبُ ودَنا مِن مِصْرَ، اسْتَأْذَنَ يُوسُفُ المَلِكَ الَّذِي فَوْقَهُ في تَلَقِّي يَعْقُوبَ، فَأذِنَ لَهُ، وأمَرَ المَلَأ مِن أصْحابِهِ بِالرُّكُوبِ مَعَهُ، فَخَرَجَ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ، وخَرَجَ مَعَهم أهْلُ مِصْرَ. وَقِيلَ: إنَّ المَلِكَ خَرَجَ مَعَهم أيْضًا. فَلَمّا التَقى يَعْقُوبُ ويُوسُفُ، بَكَيا جَمِيعًا فَقالَ يُوسُفُ: يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، أما عَلِمْتَ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنِي وإيّاكَ ؟ قالَ: أيْ بُنَيَّ، خَشِيْتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ فَلا نَجْتَمِعُ. وَقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ابْتَدَأهُ بِالسَّلامِ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.

يوسف 12:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ هاهُنا: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ:٨٩] . فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ لِقُرَيْشٍ خاطَبَهم اللَّهُ بِهِما جَمِيعًا، فَدُخُولُ " أنْ " لِتَوْكِيدِ مُضِيِّ الفِعْلِ، وسُقُوطُها لِلِاعْتِمادِ عَلى إيضاحِ الماضِي بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقاهُ﴾ يَعْنِي القَمِيصَ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ يَعْنِي يَعْقُوبَ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، الِارْتِدادُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ ارْتَدَّ، ولَمْ يَقُلْ: رُدَّ، لِأنَّ هَذا مِنَ الأفْعالِ المَنسُوبَةِ إلى المَفْعُولِينَ، كَقَوْلِهِمْ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ أطالَها، وتَحَرَّكَتِ الشَّجَرَةُ، واللَّهُ حَرَّكَها: قالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، وقُوَّتُهُ بَعْدَ الضَّعْفِ، وشَبابُهُ بَعْدَ الهَرَمِ، وسُرُورُهُ بَعْدَ الحُزْنِ. وَرَوى يَحْيى بْنُ يَمانٍ عَنْ سُفْيانَ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ يَعْقُوبَ، قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. (p-٢٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها قَبْلَ هَذا بِقَلِيلٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ سَألُوهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم ما أتَوْا، لِأنَّهُ نَبِيٌّ مُجابُ الدَّعْوَةِ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ في سَبَبِ تَأْخِيرِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَّرَهم لِانْتِظارِ الوَقْتِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الإجابَةِ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّهُ أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ وهْبٌ: كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم كُلَّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. والثّانِي: إلى وقْتِ السَّحَرِ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ طاوُوسُ: فَوافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عاشُوراءَ. والثّالِثُ: إلى وقْتِ السَّحَرِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما أرادَ الوَقْتَ الَّذِي هو أخْلَقُ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ ضَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وهَذا أشْبَهُ بِأخْلاقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ دَفَعَهم عَنِ التَّعْجِيلِ بِالوَعْدِ. قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ وإلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . والثّالِثُ: أنَّهُ أخَّرَهم لِيَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهم، اسْتَغْفَرَ لَهم، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهم قالُوا: يا أبانا إنْ عَفا اللَّهُ عَنّا، وإلّا فَلا (p-٢٨٨)قُرَّةَ عَيْنٍ لَنا في الدُّنْيا، فَدَعا يَعْقُوبُ وأمَّنَ يُوسُفُ، فَلَمْ يُجِبْ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ، وعَفا عَمّا صَنَعُوا بِهِ، واعْتَقَدَ مَواثِيقَهم مِن بَعْدُ عَلى النُّبُوَّةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُوسُفُ قَدْ بَعَثَ مَعَ البَشِيرِ إلى يَعْقُوبَ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ، وسَألَهُ أنْ يَأْتِيَهُ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَلَمّا ارْتَحَلَ يَعْقُوبُ ودَنا مِن مِصْرَ، اسْتَأْذَنَ يُوسُفُ المَلِكَ الَّذِي فَوْقَهُ في تَلَقِّي يَعْقُوبَ، فَأذِنَ لَهُ، وأمَرَ المَلَأ مِن أصْحابِهِ بِالرُّكُوبِ مَعَهُ، فَخَرَجَ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ، وخَرَجَ مَعَهم أهْلُ مِصْرَ. وَقِيلَ: إنَّ المَلِكَ خَرَجَ مَعَهم أيْضًا. فَلَمّا التَقى يَعْقُوبُ ويُوسُفُ، بَكَيا جَمِيعًا فَقالَ يُوسُفُ: يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، أما عَلِمْتَ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنِي وإيّاكَ ؟ قالَ: أيْ بُنَيَّ، خَشِيْتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ فَلا نَجْتَمِعُ. وَقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ابْتَدَأهُ بِالسَّلامِ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.

يوسف 12:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ هاهُنا: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ:٨٩] . فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ لِقُرَيْشٍ خاطَبَهم اللَّهُ بِهِما جَمِيعًا، فَدُخُولُ " أنْ " لِتَوْكِيدِ مُضِيِّ الفِعْلِ، وسُقُوطُها لِلِاعْتِمادِ عَلى إيضاحِ الماضِي بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْقاهُ﴾ يَعْنِي القَمِيصَ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ يَعْنِي يَعْقُوبَ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، الِارْتِدادُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ ارْتَدَّ، ولَمْ يَقُلْ: رُدَّ، لِأنَّ هَذا مِنَ الأفْعالِ المَنسُوبَةِ إلى المَفْعُولِينَ، كَقَوْلِهِمْ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ أطالَها، وتَحَرَّكَتِ الشَّجَرَةُ، واللَّهُ حَرَّكَها: قالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، وقُوَّتُهُ بَعْدَ الضَّعْفِ، وشَبابُهُ بَعْدَ الهَرَمِ، وسُرُورُهُ بَعْدَ الحُزْنِ. وَرَوى يَحْيى بْنُ يَمانٍ عَنْ سُفْيانَ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ يَعْقُوبَ، قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. (p-٢٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها قَبْلَ هَذا بِقَلِيلٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ سَألُوهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم ما أتَوْا، لِأنَّهُ نَبِيٌّ مُجابُ الدَّعْوَةِ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ في سَبَبِ تَأْخِيرِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَّرَهم لِانْتِظارِ الوَقْتِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الإجابَةِ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّهُ أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ وهْبٌ: كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم كُلَّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. والثّانِي: إلى وقْتِ السَّحَرِ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ طاوُوسُ: فَوافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عاشُوراءَ. والثّالِثُ: إلى وقْتِ السَّحَرِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما أرادَ الوَقْتَ الَّذِي هو أخْلَقُ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ ضَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وهَذا أشْبَهُ بِأخْلاقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ دَفَعَهم عَنِ التَّعْجِيلِ بِالوَعْدِ. قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ وإلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . والثّالِثُ: أنَّهُ أخَّرَهم لِيَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهم، اسْتَغْفَرَ لَهم، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهم قالُوا: يا أبانا إنْ عَفا اللَّهُ عَنّا، وإلّا فَلا (p-٢٨٨)قُرَّةَ عَيْنٍ لَنا في الدُّنْيا، فَدَعا يَعْقُوبُ وأمَّنَ يُوسُفُ، فَلَمْ يُجِبْ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ، وعَفا عَمّا صَنَعُوا بِهِ، واعْتَقَدَ مَواثِيقَهم مِن بَعْدُ عَلى النُّبُوَّةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُوسُفُ قَدْ بَعَثَ مَعَ البَشِيرِ إلى يَعْقُوبَ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ، وسَألَهُ أنْ يَأْتِيَهُ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَلَمّا ارْتَحَلَ يَعْقُوبُ ودَنا مِن مِصْرَ، اسْتَأْذَنَ يُوسُفُ المَلِكَ الَّذِي فَوْقَهُ في تَلَقِّي يَعْقُوبَ، فَأذِنَ لَهُ، وأمَرَ المَلَأ مِن أصْحابِهِ بِالرُّكُوبِ مَعَهُ، فَخَرَجَ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ، وخَرَجَ مَعَهم أهْلُ مِصْرَ. وَقِيلَ: إنَّ المَلِكَ خَرَجَ مَعَهم أيْضًا. فَلَمّا التَقى يَعْقُوبُ ويُوسُفُ، بَكَيا جَمِيعًا فَقالَ يُوسُفُ: يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، أما عَلِمْتَ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنِي وإيّاكَ ؟ قالَ: أيْ بُنَيَّ، خَشِيْتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ فَلا نَجْتَمِعُ. وَقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ابْتَدَأهُ بِالسَّلامِ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.

يوسف 12:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ يَعْنِي: يَعْقُوبَ ووَلَدَهُ. وَفِي هَذا الدُّخُولِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُخُولُ أرْضِ مِصْرَ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ يَعْنِي البَلَدَ. والثّانِي: أنَّهُ دُخُولُ مِصْرَ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أيِ: اسْتَوْطِنُوها. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أبُوهُ وخالَتُهُ، لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ قَدْ ماتَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. والثّانِي: أبُوهُ وأُمُّهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ إسْحاقَ. (p-٢٨٩)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، فالمَعْنى: سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنْ شاءَ اللَّهُ، إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ. والثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى الأمْنِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِانْصِرافِ الحَوادِثِ عَنْهم. والثّانِي: أنَّ النّاسَ كانُوا فِيما خَلا يَخافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، فَلا يَدْخُلُونَ إلّا بِجِوارِهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى دُخُولِ مِصْرَ، لِأنَّهُ قالَ لَهم هَذا حِينَ تَلَقّاهم قَبْلَ دُخُولِهِمْ، عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ. والرّابِعُ: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى: " إذْ " كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دَخَلُوا مِصْرَ يَوْمَئِذٍ وهم نَيِّفٌ وسَبْعُونَ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: دَخَلُوا وهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ، وخَرَجُوا مَعَ مُوسى وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا.

يوسف 12:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ في " أبَوَيْهِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في (p-٢٩٠)الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها. والعَرْشُ هاهُنا: سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، أجْلَسَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ يَعْنِي: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ. وَفِي هاءِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُجُودُهم كَهَيْأةِ الرُّكُوعِ كَما يَفْعَلُ الأعاجِمُ. وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَجَدُوا لَهُ عَلى جِهَةِ التَّحِيَّةِ، لا عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وكانَ أهْلُ ذَلِكَ الدَّهْرِ يُحَيِّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالسُّجُودِ والِانْحِناءِ، فَحَظَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: " «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَدُنا يَلْقى صَدِيقَهُ، أيَنْحَنِي لَهُ ؟ قالَ لا» " . والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ إذْ جَمَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ أيْ: تَصْدِيقُ ما رَأيْتُ، وكانَ قَدْ رَآهم في المَنامِ يَسْجُدُونَ لَهُ، فَأراهُ اللَّهُ ذَلِكَ في اليَقَظَةِ. واخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَ رُؤْياهُ وتَأْوِيلِها عَلى سَبْعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ. والرّابِعُ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً، (p-٢٩١)قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والخامِسُ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ. والسّادِسُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ. السّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: إلَيَّ. والبَدْوُ: البَسْطُ مِنَ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَدْوُ: البادِيَةُ، وكانُوا أهْلَ عَمُودٍ وماشِيَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: نَزَغَ بَيْنِهِمْ يَنْزَغُ، أيْ: أفْسَدَ وهَيَّجَ، وبَعْضُهم يَكْسِرُ زايَ يَنْزِغُ. ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ: عالِمٌ بِدَقائِقِ الأُمُورِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " اللَّطِيفِ " في (الأنْعامِ:١٠٢) . فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَوالَتْ عَلى يُوسُفَ نِعَمٌ خَمْسَةٌ، فَما اقْتِصارُهُ عَلى ذِكْرِ السِّجْنِ، وهَلّا ذَكَرَ الجُبَّ، وهو أصْعَبُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ الجُبِّ تَكَرُّمًا، لِئَلّا يُذَكِّرَ إخْوَتَهُ صَنِيعَهم، وقَدْ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِّقِّ، ومِنَ السِّجْنِ إلى المُلْكِ، فَكانَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أوْفى. والثّالِثُ: أنَّ طُولَ لُبْثِهِ في السِّجْنِ كانَ عُقُوبَةً، لَهُ بِخِلافِ الجُبِّ، فَشَكَرَ اللَّهَ عَلى عَفْوِهِ. قالَ العُلَماء بِالسِّيَرِ: أقامَ يَعْقُوبُ بَعْدَ قُدُومِهِ مِصْرَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً. وقالَ بَعْضُهم: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً في أهْنَإ عَيْشٍ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوْصى إلى يُوسُفَ (p-٢٩٢)أنْ يُحْمَلَ إلى الشّامِ حَتّى يَدْفِنَهُ عِنْدَ أبِيهِ إسْحاقَ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ تاقَ إلى الجَنَّةِ، وعَلِمَ أنَّ الدُّنْيا لا تَدُومُ فَتَمَنّى المَوْتَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ يَعْنِي: مُلْكَ مِصْرَ ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُها [يُوسُفَ:٦] . وَفِي " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ المُلْكِ، ولا كُلَّ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأنْعامِ:٦) . ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيِ: الَّذِي تَلِي أمْرِي. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لا تَسْلُبْنِي الإسْلامَ حَتّى تَتَوَفّانِي عَلَيْهِ. وكانَ ابْنُ عَقِيلٍ يَقُولُ: لَمْ يَتَمَنَّ يُوسُفُ المَوْتَ، وإنَّما سَألَ أنْ يَمُوتَ عَلى صِفَةٍ، والمَعْنى: تَوَفَّنِي إذا تَوَفَّيْتَنِي مُسْلِمًا، قالَ الشَّيْخُ: وهَذا الصَّحِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِدَرَجاتِهِمْ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّانِي: آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالُوا: فَلَمّا احْتُضِرَ يُوسُفُ، أوْصى إلى يَهُوذا، وماتَ، فَتَشاحَّ النّاسُ في دَفْنِهِ، كُلٌّ يُحِبُّ أنْ يُدْفَنَ في مَحِلَّتِهِ رَجاءَ البَرَكَةِ، فاجْتَمَعُوا عَلى دَفْنِهِ في النَّيْلِ لِيَمُرَّ الماءُ عَلَيْهِ ويَصِلَ إلى الجَمِيعِ، فَدَفَنُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن رُخامٍ، فَكانَ هُنالِكَ إلى أنْ حَمْلَهُ مُوسى حِينَ خَرَجَ مِن مِصْرَ ودَفَنَهُ بِأرْضِ كَنْعانَ. قالَ الحَسَنُ: ماتَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَة. وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّهُ ماتَ بَعْدَ يَعْقُوبَ بِسَنَتَيْنِ.

يوسف 12:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ في " أبَوَيْهِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في (p-٢٩٠)الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها. والعَرْشُ هاهُنا: سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، أجْلَسَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ يَعْنِي: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ. وَفِي هاءِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُجُودُهم كَهَيْأةِ الرُّكُوعِ كَما يَفْعَلُ الأعاجِمُ. وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَجَدُوا لَهُ عَلى جِهَةِ التَّحِيَّةِ، لا عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وكانَ أهْلُ ذَلِكَ الدَّهْرِ يُحَيِّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالسُّجُودِ والِانْحِناءِ، فَحَظَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: " «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَدُنا يَلْقى صَدِيقَهُ، أيَنْحَنِي لَهُ ؟ قالَ لا» " . والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ إذْ جَمَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ أيْ: تَصْدِيقُ ما رَأيْتُ، وكانَ قَدْ رَآهم في المَنامِ يَسْجُدُونَ لَهُ، فَأراهُ اللَّهُ ذَلِكَ في اليَقَظَةِ. واخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَ رُؤْياهُ وتَأْوِيلِها عَلى سَبْعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ. والرّابِعُ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً، (p-٢٩١)قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والخامِسُ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ. والسّادِسُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ. السّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: إلَيَّ. والبَدْوُ: البَسْطُ مِنَ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَدْوُ: البادِيَةُ، وكانُوا أهْلَ عَمُودٍ وماشِيَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: نَزَغَ بَيْنِهِمْ يَنْزَغُ، أيْ: أفْسَدَ وهَيَّجَ، وبَعْضُهم يَكْسِرُ زايَ يَنْزِغُ. ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ: عالِمٌ بِدَقائِقِ الأُمُورِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " اللَّطِيفِ " في (الأنْعامِ:١٠٢) . فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَوالَتْ عَلى يُوسُفَ نِعَمٌ خَمْسَةٌ، فَما اقْتِصارُهُ عَلى ذِكْرِ السِّجْنِ، وهَلّا ذَكَرَ الجُبَّ، وهو أصْعَبُ ؟ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ الجُبِّ تَكَرُّمًا، لِئَلّا يُذَكِّرَ إخْوَتَهُ صَنِيعَهم، وقَدْ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِّقِّ، ومِنَ السِّجْنِ إلى المُلْكِ، فَكانَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أوْفى. والثّالِثُ: أنَّ طُولَ لُبْثِهِ في السِّجْنِ كانَ عُقُوبَةً، لَهُ بِخِلافِ الجُبِّ، فَشَكَرَ اللَّهَ عَلى عَفْوِهِ. قالَ العُلَماء بِالسِّيَرِ: أقامَ يَعْقُوبُ بَعْدَ قُدُومِهِ مِصْرَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً. وقالَ بَعْضُهم: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً في أهْنَإ عَيْشٍ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوْصى إلى يُوسُفَ (p-٢٩٢)أنْ يُحْمَلَ إلى الشّامِ حَتّى يَدْفِنَهُ عِنْدَ أبِيهِ إسْحاقَ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ تاقَ إلى الجَنَّةِ، وعَلِمَ أنَّ الدُّنْيا لا تَدُومُ فَتَمَنّى المَوْتَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ يَعْنِي: مُلْكَ مِصْرَ ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُها [يُوسُفَ:٦] . وَفِي " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ المُلْكِ، ولا كُلَّ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأنْعامِ:٦) . ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيِ: الَّذِي تَلِي أمْرِي. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لا تَسْلُبْنِي الإسْلامَ حَتّى تَتَوَفّانِي عَلَيْهِ. وكانَ ابْنُ عَقِيلٍ يَقُولُ: لَمْ يَتَمَنَّ يُوسُفُ المَوْتَ، وإنَّما سَألَ أنْ يَمُوتَ عَلى صِفَةٍ، والمَعْنى: تَوَفَّنِي إذا تَوَفَّيْتَنِي مُسْلِمًا، قالَ الشَّيْخُ: وهَذا الصَّحِيحُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِدَرَجاتِهِمْ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّانِي: آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالُوا: فَلَمّا احْتُضِرَ يُوسُفُ، أوْصى إلى يَهُوذا، وماتَ، فَتَشاحَّ النّاسُ في دَفْنِهِ، كُلٌّ يُحِبُّ أنْ يُدْفَنَ في مَحِلَّتِهِ رَجاءَ البَرَكَةِ، فاجْتَمَعُوا عَلى دَفْنِهِ في النَّيْلِ لِيَمُرَّ الماءُ عَلَيْهِ ويَصِلَ إلى الجَمِيعِ، فَدَفَنُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن رُخامٍ، فَكانَ هُنالِكَ إلى أنْ حَمْلَهُ مُوسى حِينَ خَرَجَ مِن مِصْرَ ودَفَنَهُ بِأرْضِ كَنْعانَ. قالَ الحَسَنُ: ماتَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَة. وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّهُ ماتَ بَعْدَ يَعْقُوبَ بِسَنَتَيْنِ.

يوسف 12:102

(p-٢٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْكَ، فَأنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِكَ. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ ﴿وَهم يَمْكُرُونَ﴾ بِيُوسُفَ، وفي هَذا احْتِجاجٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا ﷺ، لِأنَّهُ لَمْ يُشاهِدْ تِلْكَ القِصَّةَ، ولا كانَ يَقْرَأُ الكِتابَ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْها بِهَذا الكَلامِ المُعْجِزِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أُخْبِرَ بِوَحْيٍ.

يوسف 12:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، فَشَرَحَها شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: وما أكْثَرُ النّاسِ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم. ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى القُرْآنِ وتِلاوَتِهِ وهِدايَتِكَ إيّاهم ﴿مِن أجْرٍ إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم لِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاتُهم.

يوسف 12:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، فَشَرَحَها شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: وما أكْثَرُ النّاسِ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم. ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى القُرْآنِ وتِلاوَتِهِ وهِدايَتِكَ إيّاهم ﴿مِن أجْرٍ إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم لِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاتُهم.

يوسف 12:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ﴾ أيْ: وكَمْ ﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: عَلامَةٍ ودَلالَةٍ تَدُلُّهم (p-٢٩٤)عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، مِن أمْرِ السَّمَواتِ والأرْضِ، ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَها غَيْر مُتَفَكِّرِينَ ولا مُعْتَبِرِينَ.

يوسف 12:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، ثُمَّ في مَعْناها المُتَعَلِّقِ بِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ورازِقُهم وهم يُشْرِكُونَ بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ، كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى، يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم، ومَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ بِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ رِئاءَ النّاسِ، وهم في الباطِنِ كافِرُونَ، قالَهُ الحَسَنُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَ المُشْرِكَ بِالإيمانِ ؟ فالجَواب: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الإيمانِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ أكْثَرَهم، مَعَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ، مُشْرِكُونَ.

يوسف 12:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغاشِيَةُ: المُجَلِّلَةُ تَغْشاهم. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: يَأْتِيهِمْ ما يَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ. والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ مِن حَيْثُ لَمْ تَتَوَقَّعُ.

يوسف 12:108

(p-٢٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ: هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها، والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها، سَبِيلِي، أيْ: سُنَّتِي ومِنهاجِي. والسَّبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في (آلِ عِمْرانَ:١٩٥) . ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ: عَلى يَقِينٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكُلُّ مُسْلِمٍ لا يَخْلُو مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ إذا تَلا القُرْآنَ فَقَدْ دَعا إلى اللَّهِ بِما فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلى اللَّهِ "، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ المَعْنى: وقُلْ: سُبْحانَ الله تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا أشْرَكُوا.

يوسف 12:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ هَذا نَزَلَ مِن أجْلِ قَوْلِهِمْ: هَلّا بَعَثَ اللَّهُ مَلِكًا، فالمَعْنى: كَيْفَ تَعَجَّبُوا مِن إرْسالِنا إيّاكَ، وسائِرُ الرُّسُلِ كانُوا عَلى مَثْلِ حالِكَ " يُوحى إلَيْهِمْ " وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نُوحِي " بِالنُّونِ. والمُرادُ بِالقُرى: المَدائِنُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ الجِنِّ، ولا مِنَ النِّساءِ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ أهْلَ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ نُبُوَّتَكَ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ إلى مَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ. ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿خَيْرٌ﴾ مِنَ الدُّنْيا ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ. قالَ الفَرّاءُ: أُضِيفَتِ الدّارُ إلى الآخِرَةِ، وهي الآخِرَةُ، لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُضِيفُ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ إذا (p-٢٩٦)اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقِعَةِ:٩٦] والحَقُّ: هو اليَقِينُ، وقَوْلِهِمْ: أتَيْتُكَ عامَ الأوَّلِ، ويَوْمَ الخَمِيسِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ، ويَعْقُوبُ: " تَعْقِلُونَ " بِالتّاءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: أفَلا يَعْقِلُونَ هَذا فَيُؤْمِنُوا.

يوسف 12:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ المَعْنى مُتَعَلِّقٌ بِالآيَةِ الأُولى، فَتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا، فَدَعَوْا قَوْمَهم، فَكَذَّبُوهم، وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اسْتَيْأسُوا مِن تَصْدِيقِ قَوْمِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مِن أنْ نُعَذِّبَ قَوْمَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. ﴿وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " كُذِّبُوا " مُشَدَّدَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، والمَعْنى: وتَيَقَّنَ الرُّسُلُ أنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهم، فَيَكُونُ الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " كُذِبُوا " خَفِيفَةً، والمَعْنى: ظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا فِيما وُعِدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ، لِأنَّ الرُّسُلَ لا يَظُنُّونَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: " كَذَبُوا " بِفَتْحِ الكافِ والذّالِ خَفِيفَةً، والمَعْنى: ظَنَّ قَوْمُهم أيْضًا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ " فَنُنْجِي مَن نَشاءُ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَنُنْجِي " بِنُونَيْنِ، الأُولى (p-٢٩٧)مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ والياءُ ساكِنَةٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ، جَمِيعًا عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: " فَنُجِّيَ " مُشَدَّدَةَ الجِيمِ مَفْتُوحَةَ الياءِ بِنُونٍ واحِدَةٍ، يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، نَجَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ.

يوسف 12:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ أيْ: في خَبَرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ كَسْرَ القافِ، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وأبِي الجَوْزاءِ. " عِبْرَةٌ " أيْ: عِظَةٌ " لِأُولِي الألْبابِ " أيْ: لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما جَرى لِيُوسُفَ مِن إعْزازِهِ وتَمْلِيكِهِ بَعْدَ اسْتِعْبادِهِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، قادِرٌ عَلى إعْزازِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَعْلِيَةِ كَلِمَتِهِ. والثّانِي: أنَّ مَن تَفَكَّرَ، عَلِمَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى مُوافَقَةِ ما في التَّوْراةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ " وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ " يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ ﴿وَهُدًى﴾ بَيانًا (p-٢٩٨)﴿وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وعَلى القَوْلِ الثّانِي وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ مِن نَبَإ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ.

الرعد 13:1

(p-٢٩٩)سُورَةُ الرَّعْدِ فَصْلٌ في نُزُولِها اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ. .﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ [الرَّعْدُ:٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ [الرَّعْدِ:٤٣] . والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ جابِرُ ابْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِمَكَّةَ، وهُما قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ. .﴾ إلى آخِرِها [الرَّعْدِ:٣١] . وقالَ بَعْضُهم: المَدَنِيُّ مِنها قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرَّعْدِ:١٤] . قَوْلُهُ تَعالى: " آلمر " قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) جُمْلَةً مِنَ الكَلامِ في مَعانِي هَذِهِ الحُرُوفِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنْهُ. والثّانِي: أنا اللَّهُ أرى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ. والثّالِثُ: أنا اللَّهُ المَلِكُ الرَّحْمَنُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ في " تِلْكَ " قَوْلانِ، وفي " الكِتابِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في أوَّلِ (يُونُسَ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ وغَيْرَهُ مِنَ الوَحْيِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَرَّفَ الدَّلِيلَ الَّذِي يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِالخالِقِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمَدُ: مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ بِالفَتْحَةِ، وبَعْضُهم يُحَرِّكُها بِالضَّمَّةِ، لِأنَّها جَمْعُ عَمُودٍ، وهو القِياسُ، لِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ هِجاؤُها أرْبَعَةُ أحْرُفٍ الثّالِثُ مِنها ألِفٌ أوْ ياءٌ أوْ واوٌ، فَجَمِيعُهُ مَضْمُومُ الحُرُوفِ، نَحْوُ رَسُولٍ، والجَمْعُ: رُسُلٌ، وحِمارٌ، والجَمْعُ: حُمُرٌ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ جاءَتْ أسامٍ اسْتَعْمَلُوا جَمِيعَها بِالحَرَكَةِ والفَتْحَةِ، نَحْوُ عَمُودٍ، وأدِيمٍ، وإهابٍ، قالُوا: أدَمٌ، (p-٣٠١)وَأهَبٌ. ومَعْنى " عَمَدٍ ": سَوارٍ، ودَعائِمُ، وما يَعْمِدُ البِناءَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: " بِغَيْرِ عُمُدٍ " بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَرَوْنَها﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هاءَ الكِنايَةِ تَرْجِعُ إلى السَّمَواتِ، فالمَعْنى: تَرَوْنَها بِغَيْرِ عَمَدٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَرَوْنَها " خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى: رَفَعَ السَّمَواتِ بِلا دِعامَةٍ تُمْسِكُها، ثُمَّ قالَ: " تَرَوْنَها " أيْ: ما تُشاهِدُونَ مِن هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، يُغْنِيكم عَنْ إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَمَدِ، فالمَعْنى: إنَّها بِعَمْدٍ لا تَرَوْنَها، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ: لَها عَمَدٌ عَلى قافٍ، ولَكِنَّكم لا تَرَوْنَ العَمَدَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما لِما يُرادُ مِنهُما ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، وهو فَناءُ الدُّنْيا. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: يُصَرِّفُهُ بِحِكْمَتِهِ. ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ لِكَيْ تُوقِنُوا بِذَلِكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ: " نُدَبِّرُ الأمْرَ نُفَصِّلُ الآياتِ " بِالنُّونِ فِيهِما.

الرعد 13:2

(p-٢٩٩)سُورَةُ الرَّعْدِ فَصْلٌ في نُزُولِها اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ. .﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ [الرَّعْدُ:٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ [الرَّعْدِ:٤٣] . والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ جابِرُ ابْنُ زَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِمَكَّةَ، وهُما قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ. .﴾ إلى آخِرِها [الرَّعْدِ:٣١] . وقالَ بَعْضُهم: المَدَنِيُّ مِنها قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرَّعْدِ:١٤] . قَوْلُهُ تَعالى: " آلمر " قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) جُمْلَةً مِنَ الكَلامِ في مَعانِي هَذِهِ الحُرُوفِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناها: أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنْهُ. والثّانِي: أنا اللَّهُ أرى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ. والثّالِثُ: أنا اللَّهُ المَلِكُ الرَّحْمَنُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنْهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ في " تِلْكَ " قَوْلانِ، وفي " الكِتابِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في أوَّلِ (يُونُسَ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ وغَيْرَهُ مِنَ الوَحْيِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَرَّفَ الدَّلِيلَ الَّذِي يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِالخالِقِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمَدُ: مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ بِالفَتْحَةِ، وبَعْضُهم يُحَرِّكُها بِالضَّمَّةِ، لِأنَّها جَمْعُ عَمُودٍ، وهو القِياسُ، لِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ هِجاؤُها أرْبَعَةُ أحْرُفٍ الثّالِثُ مِنها ألِفٌ أوْ ياءٌ أوْ واوٌ، فَجَمِيعُهُ مَضْمُومُ الحُرُوفِ، نَحْوُ رَسُولٍ، والجَمْعُ: رُسُلٌ، وحِمارٌ، والجَمْعُ: حُمُرٌ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ جاءَتْ أسامٍ اسْتَعْمَلُوا جَمِيعَها بِالحَرَكَةِ والفَتْحَةِ، نَحْوُ عَمُودٍ، وأدِيمٍ، وإهابٍ، قالُوا: أدَمٌ، (p-٣٠١)وَأهَبٌ. ومَعْنى " عَمَدٍ ": سَوارٍ، ودَعائِمُ، وما يَعْمِدُ البِناءَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: " بِغَيْرِ عُمُدٍ " بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَرَوْنَها﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هاءَ الكِنايَةِ تَرْجِعُ إلى السَّمَواتِ، فالمَعْنى: تَرَوْنَها بِغَيْرِ عَمَدٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَرَوْنَها " خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى: رَفَعَ السَّمَواتِ بِلا دِعامَةٍ تُمْسِكُها، ثُمَّ قالَ: " تَرَوْنَها " أيْ: ما تُشاهِدُونَ مِن هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، يُغْنِيكم عَنْ إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَمَدِ، فالمَعْنى: إنَّها بِعَمْدٍ لا تَرَوْنَها، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ: لَها عَمَدٌ عَلى قافٍ، ولَكِنَّكم لا تَرَوْنَ العَمَدَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أصَحُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما لِما يُرادُ مِنهُما ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، وهو فَناءُ الدُّنْيا. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: يُصَرِّفُهُ بِحِكْمَتِهِ. ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ لِكَيْ تُوقِنُوا بِذَلِكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ: " نُدَبِّرُ الأمْرَ نُفَصِّلُ الآياتِ " بِالنُّونِ فِيهِما.

الرعد 13:3

(p-٣٠٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَسَطَها عَلى الماءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ جِبالًا ثَوابِتَ، يُقالُ: رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو رُسُوًّا، فَهو راسٍ: إذا ثَبَتَ. و﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: نَوْعَيْنِ. والزَّوْجُ: الواحِدُ الَّذِي لَهُ قَرِيبٌ مِن جِنْسِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ويَعْنِي بِالزَّوْجَيْنِ: الحُلْوَ والحامِضَ، والعَذْبَ والمِلْحَ، والأبْيَضَ والأسْوَدَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٥٤) .

الرعد 13:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأرْضُ السَّبِخَةُ، والأرْضُ العَذْبَةُ، تُنْبِتُ هَذِهِ، وهَذِهِ إلى جَنْبِها لا تُنْبِتُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. والثّانِي: أنَّها القُرى المُتَجاوِراتُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى الأوَّلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ " رَفْعًا في الكُلِّ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ﴿وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ (p-٣٠٣)وَغَيْرُ صِنْوانٌ﴾ خَفْضًا في الكُلِّ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن رَفَعَ، فالمَعْنى: وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ، وفي الأرْضِ زَرْعٌ، ومَن خَفَضَ حَمَلَهُ عَلى الأعْنابِ، فالمَعْنى: جَنّاتٌ مِن أعْنابٍ، ومِن زَرْعٍ، ومِن نَخِيلٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ﴾ هَذا مِن صِفَةِ النَّخِيلِ. قالَ الزَّجّاجُ: الصِّنْوانُ: جَمْعُ صِنْوٍ وصِنْوٍ، ومَعْناهُ: أنْ يَكُونَ الأصْلُ واحِدًا وفِيهِ النَّخْلَتانِ والثَّلاثُ والأرْبَعُ. وكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: الصِّنْوانُ: النَّخْلُ المُجْتَمِعُ وأصْلُهُ واحِدٌ، وغَيْرُ صِنْوانٍ: المُتَفَرِّقُ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: " صُنْوانٌ " بِضَمِّ الصّادِ. قالَ الفَرّاءُ: لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ " صِنْوانٌ " بِكَسْرِ الصّادِ، وتَمِيمٌ وقَيْسٌ يَضُمُّونَ الصّادَ. قَوْلُهُ تَعالى: " تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو " تُسْقى " بِالتّاءِ، " ونُفَضِّلُ " بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، " تُسْقى " بِالتّاءِ أيْضًا، لَكِنَّهُما أمالا القافَ. وقَرَأ الحَسَنُ " ويُفَضِّلُ " بِالياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ " يُسْقى " بِالياءِ، " ونُفَضِّلُ " بِالنُّونِ، وكُلُّهم كَسَرَ الضّادَ. ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ ضَمَّ الياءِ مَن " يُفَضَّلُ " وفَتْحَ الضّادِ، " بَعْضُها " بِرَفْعِ الضّادِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ " تُسْقى " بِالتّاءِ ذَهَبَ إلى تَأْنِيثِ الزَّرْعِ، والجَنّاتِ، والنَّخِيلِ، ومَن كَسَرَ ذَهَبَ إلى النَّبْتِ، وذَلِكَ كُلُّهُ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وأُكُلُهُ مُخْتَلِفٌ حامِضٌ وحُلْوٌ، فَفي هَذا آيَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: الماءُ الواحِدُ: ماءُ المَطَرِ، والأُكُلُ: الثَّمَرُ، بَعْضُهُ أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، وبَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، وبَعْضُهُ حامِضٌ وبَعْضُهُ حُلْوٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الطَّبائِعِيِّينَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ حُدُوثُ الثَّمَرِ عَلى طَبْعِ الأرْضِ والهَواءِ والماءِ، وجَبَ أنْ يَتَّفِقَ ما يَحْدُثُ لِاتِّفاقِ ما أوْجَبَ (p-٣٠٤)الحُدُوثَ، فَلَمّا وقَعَ الِاخْتِلافُ، دَلَّ عَلى مُدَبِّرٍ قادِرٍ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أنَّهُ لا تَجُوزُ العِبادَةُ إلّا لِمَن يَقْدِرُ عَلى هَذا.

الرعد 13:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْجَبْ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِهِمْ وعِبادَتِهِمْ مالا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ بَعْدَما رَأوْا مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ الأشْياءِ، فَإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَوْضِعُ عَجَبٍ. وقِيلَ: المَعْنى وإنْ تَعْجَبْ بِما وقَفْتَ عَلَيْهِ مِنَ القِطَعِ المُتَجاوِراتِ وقُدْرَةِ رَبِّكَ في ذَلِكَ، فَعَجَبٌ جَحَدُهُمُ البَعْثَ، لِأنَّهُ قَدْ بانَ لَهم مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَعْثَ أسْهَلُ في القُدْرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " آيِذا كُنّا تُرابًا آيِنّا " جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو يَمُدُّ الهَمْزَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ. وقَرَأ نافِعٌ " آيِذا " مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، واخْتُلِفَ عَنْهُ في المَدِّ، وقَرَأ " إنّا لَفي خَلْقٍ " مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ " أإذا كُنّا " " أإنّا " بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إذا كُنّا تُرابًا " مَكْسُورَةَ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، " آإنّا " يَهْمِزُ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ عَلى وزْنِ: عاعِنّا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أيْضًا " أإذا " بِهَمْزَتَيْنِ لا ألِفَ بَيْنَهُما. والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أغْلالُ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي هي أغْلالٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الرعد 13:6

(p-٣٠٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في كَفّارِ مَكَّةَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: في مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. فَأمّا " المَثُلاتُ " فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ المِيمِ. ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العُقُوباتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَ (p-٣٠٦)مِنَ العَذابِ ما هو مِثْلُهُ وما فِيهِ نَكالٌ، لَوْ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تُبْقِي في المُعاقَبِ شِينًا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ، إذا شانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أنْفِهِ أوْ أُذُنِهِ، أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المَثُلاتِ: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آمَنُوا، وشَدِيدُ العِقابِ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنْ شِرْكِهِمْ في تَأْخِيرِ العَذابِ، وإنَّهُ لَشَدِيدُ العِقابِ إذا عَذَّبَ. فَصْلٌ وَذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّساءِ:٤٨]، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ " لَوْلا " بِمَعْنى هَلّا، والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها، مِثْلُ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِما رَأوْا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ عَذابَ اللَّهِ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الآياتِ شَيْءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣٠٧)أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالهادِي: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما إلَيْكَ الإنْذارُ، واللَّهُ الهادِي. والثّانِي: أنَّ الهادِيَ: الدّاعِي، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الهادِيَ النَّبِيُّ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يُنْذِرُهم. والرّابِعُ: أنَّ الهادِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُّحى، والمَعْنى: أنْتَ مُنْذِرٌ، وأنْتَ هادٍ. والخامِسُ: أنَّ الهادِيَ: العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والسّادِسُ: أنَّ الهادِيَ: القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ مِن طُرُقٍ لَيْسَ فِيها ما يَثْبُتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: " أنا المُنْذِرُ "، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبٍ عَلِيٍّ، فَقالَ: " أنْتَ الهادِي يا عَلِيٌّ بِكَ يُهْتَدى مِن بَعْدِي» " . قالَ المُصَنَّفُ: " وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ الرّافِضَةِ. (p-٣٠٨)ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهم عَنْ قُدْرَتِهِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ أيْ: مِن عَلَقَةٍ أوْ مُضْغَةٍ، أوْ زائِدٍ أوْ ناقِصٍ، أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، أوْ واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ أيْ: وما تَنْقُصُ، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما تَغِيضُ: بِالوَضْعِ لِأقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: بِالوَضْعِ لِأكْثَرَ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: وما تَغِيضُ: بِالسَّقْطِ النّاقِصِ، وما تَزْدادُ: بِالوَلَدِ التّامِّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. والثّالِثُ: وما تَغِيضُ: بِإراقَةِ الدَّمِ في الحَمْلِ حَتّى يَتَضاءَلَ الوَلَدُ، وما تَزْدادُ: إذا أمْسَكَتِ الدَّمَ فَيَعْظُمُ الوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: ما تَغِيضُ الأرْحامُ: مَن ولَدَتْهُ مِن قَبْلُ، وما تَزْدادُ: مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، رَوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أيْ: بِقَدَرٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِفْعالٌ مِنَ القَدَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٦) . و ﴿الكَبِيرُ﴾ بِمَعْنى: العَظِيمُ، ومَعْناهُ: يَعُودُ إلى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، فَهو أكْبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ يَصْغُرُ بِالإضافَةِ إلى عَظَمَتِهِ. ويُقالُ: " الكَبِيرُ " الَّذِي كَبُرَ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ. فَأمّا ﴿المُتَعالِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " المُتَعالِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٩)رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ ابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. والمُتَعالِي هو المُتَنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، قالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المُتَعالِي عَمّا يَقُولُ المُشْرِكُونَ.

الرعد 13:7

(p-٣٠٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في كَفّارِ مَكَّةَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: في مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. فَأمّا " المَثُلاتُ " فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ المِيمِ. ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العُقُوباتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَ (p-٣٠٦)مِنَ العَذابِ ما هو مِثْلُهُ وما فِيهِ نَكالٌ، لَوْ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تُبْقِي في المُعاقَبِ شِينًا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ، إذا شانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أنْفِهِ أوْ أُذُنِهِ، أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المَثُلاتِ: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آمَنُوا، وشَدِيدُ العِقابِ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنْ شِرْكِهِمْ في تَأْخِيرِ العَذابِ، وإنَّهُ لَشَدِيدُ العِقابِ إذا عَذَّبَ. فَصْلٌ وَذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّساءِ:٤٨]، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ " لَوْلا " بِمَعْنى هَلّا، والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها، مِثْلُ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِما رَأوْا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ عَذابَ اللَّهِ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الآياتِ شَيْءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣٠٧)أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالهادِي: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما إلَيْكَ الإنْذارُ، واللَّهُ الهادِي. والثّانِي: أنَّ الهادِيَ: الدّاعِي، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الهادِيَ النَّبِيُّ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يُنْذِرُهم. والرّابِعُ: أنَّ الهادِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُّحى، والمَعْنى: أنْتَ مُنْذِرٌ، وأنْتَ هادٍ. والخامِسُ: أنَّ الهادِيَ: العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والسّادِسُ: أنَّ الهادِيَ: القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ مِن طُرُقٍ لَيْسَ فِيها ما يَثْبُتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: " أنا المُنْذِرُ "، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبٍ عَلِيٍّ، فَقالَ: " أنْتَ الهادِي يا عَلِيٌّ بِكَ يُهْتَدى مِن بَعْدِي» " . قالَ المُصَنَّفُ: " وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ الرّافِضَةِ. (p-٣٠٨)ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهم عَنْ قُدْرَتِهِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ أيْ: مِن عَلَقَةٍ أوْ مُضْغَةٍ، أوْ زائِدٍ أوْ ناقِصٍ، أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، أوْ واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ أيْ: وما تَنْقُصُ، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما تَغِيضُ: بِالوَضْعِ لِأقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: بِالوَضْعِ لِأكْثَرَ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: وما تَغِيضُ: بِالسَّقْطِ النّاقِصِ، وما تَزْدادُ: بِالوَلَدِ التّامِّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. والثّالِثُ: وما تَغِيضُ: بِإراقَةِ الدَّمِ في الحَمْلِ حَتّى يَتَضاءَلَ الوَلَدُ، وما تَزْدادُ: إذا أمْسَكَتِ الدَّمَ فَيَعْظُمُ الوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: ما تَغِيضُ الأرْحامُ: مَن ولَدَتْهُ مِن قَبْلُ، وما تَزْدادُ: مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، رَوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أيْ: بِقَدَرٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِفْعالٌ مِنَ القَدَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٦) . و ﴿الكَبِيرُ﴾ بِمَعْنى: العَظِيمُ، ومَعْناهُ: يَعُودُ إلى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، فَهو أكْبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ يَصْغُرُ بِالإضافَةِ إلى عَظَمَتِهِ. ويُقالُ: " الكَبِيرُ " الَّذِي كَبُرَ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ. فَأمّا ﴿المُتَعالِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " المُتَعالِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٩)رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ ابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. والمُتَعالِي هو المُتَنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، قالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المُتَعالِي عَمّا يَقُولُ المُشْرِكُونَ.

الرعد 13:8

(p-٣٠٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في كَفّارِ مَكَّةَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: في مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. فَأمّا " المَثُلاتُ " فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ المِيمِ. ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العُقُوباتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَ (p-٣٠٦)مِنَ العَذابِ ما هو مِثْلُهُ وما فِيهِ نَكالٌ، لَوْ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تُبْقِي في المُعاقَبِ شِينًا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ، إذا شانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أنْفِهِ أوْ أُذُنِهِ، أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المَثُلاتِ: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آمَنُوا، وشَدِيدُ العِقابِ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنْ شِرْكِهِمْ في تَأْخِيرِ العَذابِ، وإنَّهُ لَشَدِيدُ العِقابِ إذا عَذَّبَ. فَصْلٌ وَذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّساءِ:٤٨]، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ " لَوْلا " بِمَعْنى هَلّا، والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها، مِثْلُ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِما رَأوْا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ عَذابَ اللَّهِ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الآياتِ شَيْءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣٠٧)أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالهادِي: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما إلَيْكَ الإنْذارُ، واللَّهُ الهادِي. والثّانِي: أنَّ الهادِيَ: الدّاعِي، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الهادِيَ النَّبِيُّ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يُنْذِرُهم. والرّابِعُ: أنَّ الهادِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُّحى، والمَعْنى: أنْتَ مُنْذِرٌ، وأنْتَ هادٍ. والخامِسُ: أنَّ الهادِيَ: العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والسّادِسُ: أنَّ الهادِيَ: القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ مِن طُرُقٍ لَيْسَ فِيها ما يَثْبُتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: " أنا المُنْذِرُ "، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبٍ عَلِيٍّ، فَقالَ: " أنْتَ الهادِي يا عَلِيٌّ بِكَ يُهْتَدى مِن بَعْدِي» " . قالَ المُصَنَّفُ: " وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ الرّافِضَةِ. (p-٣٠٨)ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهم عَنْ قُدْرَتِهِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ أيْ: مِن عَلَقَةٍ أوْ مُضْغَةٍ، أوْ زائِدٍ أوْ ناقِصٍ، أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، أوْ واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ أيْ: وما تَنْقُصُ، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما تَغِيضُ: بِالوَضْعِ لِأقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: بِالوَضْعِ لِأكْثَرَ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: وما تَغِيضُ: بِالسَّقْطِ النّاقِصِ، وما تَزْدادُ: بِالوَلَدِ التّامِّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. والثّالِثُ: وما تَغِيضُ: بِإراقَةِ الدَّمِ في الحَمْلِ حَتّى يَتَضاءَلَ الوَلَدُ، وما تَزْدادُ: إذا أمْسَكَتِ الدَّمَ فَيَعْظُمُ الوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: ما تَغِيضُ الأرْحامُ: مَن ولَدَتْهُ مِن قَبْلُ، وما تَزْدادُ: مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، رَوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أيْ: بِقَدَرٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِفْعالٌ مِنَ القَدَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٦) . و ﴿الكَبِيرُ﴾ بِمَعْنى: العَظِيمُ، ومَعْناهُ: يَعُودُ إلى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، فَهو أكْبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ يَصْغُرُ بِالإضافَةِ إلى عَظَمَتِهِ. ويُقالُ: " الكَبِيرُ " الَّذِي كَبُرَ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ. فَأمّا ﴿المُتَعالِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " المُتَعالِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٩)رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ ابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. والمُتَعالِي هو المُتَنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، قالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المُتَعالِي عَمّا يَقُولُ المُشْرِكُونَ.

الرعد 13:9

(p-٣٠٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في كَفّارِ مَكَّةَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: في مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. فَأمّا " المَثُلاتُ " فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ المِيمِ. ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العُقُوباتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَ (p-٣٠٦)مِنَ العَذابِ ما هو مِثْلُهُ وما فِيهِ نَكالٌ، لَوْ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تُبْقِي في المُعاقَبِ شِينًا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ، إذا شانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أنْفِهِ أوْ أُذُنِهِ، أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المَثُلاتِ: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آمَنُوا، وشَدِيدُ العِقابِ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنْ شِرْكِهِمْ في تَأْخِيرِ العَذابِ، وإنَّهُ لَشَدِيدُ العِقابِ إذا عَذَّبَ. فَصْلٌ وَذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّساءِ:٤٨]، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ " لَوْلا " بِمَعْنى هَلّا، والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها، مِثْلُ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِما رَأوْا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ عَذابَ اللَّهِ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الآياتِ شَيْءٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣٠٧)أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالهادِي: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما إلَيْكَ الإنْذارُ، واللَّهُ الهادِي. والثّانِي: أنَّ الهادِيَ: الدّاعِي، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الهادِيَ النَّبِيُّ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يُنْذِرُهم. والرّابِعُ: أنَّ الهادِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُّحى، والمَعْنى: أنْتَ مُنْذِرٌ، وأنْتَ هادٍ. والخامِسُ: أنَّ الهادِيَ: العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والسّادِسُ: أنَّ الهادِيَ: القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ مِن طُرُقٍ لَيْسَ فِيها ما يَثْبُتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: " أنا المُنْذِرُ "، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبٍ عَلِيٍّ، فَقالَ: " أنْتَ الهادِي يا عَلِيٌّ بِكَ يُهْتَدى مِن بَعْدِي» " . قالَ المُصَنَّفُ: " وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ الرّافِضَةِ. (p-٣٠٨)ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهم عَنْ قُدْرَتِهِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ أيْ: مِن عَلَقَةٍ أوْ مُضْغَةٍ، أوْ زائِدٍ أوْ ناقِصٍ، أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، أوْ واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ أيْ: وما تَنْقُصُ، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما تَغِيضُ: بِالوَضْعِ لِأقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: بِالوَضْعِ لِأكْثَرَ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: وما تَغِيضُ: بِالسَّقْطِ النّاقِصِ، وما تَزْدادُ: بِالوَلَدِ التّامِّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. والثّالِثُ: وما تَغِيضُ: بِإراقَةِ الدَّمِ في الحَمْلِ حَتّى يَتَضاءَلَ الوَلَدُ، وما تَزْدادُ: إذا أمْسَكَتِ الدَّمَ فَيَعْظُمُ الوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: ما تَغِيضُ الأرْحامُ: مَن ولَدَتْهُ مِن قَبْلُ، وما تَزْدادُ: مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، رَوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أيْ: بِقَدَرٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِفْعالٌ مِنَ القَدَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٦) . و ﴿الكَبِيرُ﴾ بِمَعْنى: العَظِيمُ، ومَعْناهُ: يَعُودُ إلى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، فَهو أكْبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ يَصْغُرُ بِالإضافَةِ إلى عَظَمَتِهِ. ويُقالُ: " الكَبِيرُ " الَّذِي كَبُرَ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ. فَأمّا ﴿المُتَعالِ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " المُتَعالِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٩)رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ ابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. والمُتَعالِي هو المُتَنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، قالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المُتَعالِي عَمّا يَقُولُ المُشْرِكُونَ.

الرعد 13:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ مِنكُمْ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نابَ " سَواءٌ " عَنْ مُسْتَوٍ، والمَعْنى: مُسْتَوٍ مِنكم ﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ أيْ: أخْفاهُ وكَتَمَهُ ﴿وَمَن جَهَرَ بِهِ﴾ أعْلَنَهُ وأظْهَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ السِّرَّ والجَهْرَ سَواءٌ عِنْدَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَخْفِيَ: هو المُسْتَتِرُ المُتَوارِي في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، والسّارِبُ بِالنَّهارِ: الظّاهِرُ المُتَصَرِّفُ في حَوائِجِهِ. يُقالُ: سَرَبَتِ الإبِلُ تَسْرِبُ: إذا مَضَتْ في الأرْضِ ظاهِرَةً، وأنْشَدُوا: ؎ أرى كُلَّ قَوْمٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ونَحْنُ خَلَعْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سارِبُ (p-٣١٠)أيْ: ذاهِبٌ. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ الظّاهِرَ والخَفِيَّ عِنْدَهُ سَواءٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وَمَن هو مُسْتَخْفٍ﴾ قالَ: صاحِبُ رِيبَةٍ بِاللَّيْلِ، فَإذا خَرَجَ بِالنَّهارِ، أرى النّاسَ أنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الإثْمِ. والثّانِي: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَّيْلِ: الظّاهِرُ، والسّارِبُ بِالنَّهارِ: المُسْتَتِرُ، يُقالُ: انْسَرَبَ الوَحْشُ: إذا دَخَلَ في كِناسِهِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، وذَكَرَهُ قُطْرُبٌ أيْضًا، واحْتَجَّ لَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِمْ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ: إذا أظْهَرْتَهُ، ومِنهُ ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طَه:١٥] بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: أُظْهِرُها، قالَ: وإنَّما قِيلَ لِلْمُتَوارِي: سارِبٌ، لِأنَّهُ صارَ في السَّرَبِ مُسْتَخْفِيًا.

الرعد 13:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ في هاءِ لَهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: إلى المَلِكِ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: إلى الإنْسانِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وَفِي المُعَقِّباتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَلائِكَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لِلْإنْسانِ مَلائِكَةٌ يَعْتَقِبُونَ، يَأْتِي بَعْضُهم بِعَقِبِ بَعْضٍ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هُمُ الحَفَظَةُ، اثْنانِ بِالنَّهارِ (p-٣١١)واثْنانِ بِاللَّيْلِ، إذا مَضى فَرِيقٌ، خَلَفَ بَعْدَهُ فَرِيقٌ، ويَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ والفَجْرِ. وقالَ قَوْمٌ، مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَزَمَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ عَلى قَتْلِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُما، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُعَقِّباتِ حُرّاسُ المُلُوكِ الَّذِينَ يَتَعاقَبُونَ الحَرَسَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: هُمُ السَّلاطِينُ المُشْرِكُونَ المُحْتَرِسُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَحْرُسُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ولا يَقْدِرُونَ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي في المُشْرِكِينَ المُحْتَرِسِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: حِفْظُهم لَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: هَذا الحِفْظُ مِمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ. والثّالِثُ: يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: والباءُ تَقُومُ مَقامَ " مِن "، وحُرُوفُ الصِّفاتِ يَقُومُ بَعْضُها مَقامَ بَعْضٍ. (p-٣١٢)والرّابِعُ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيِّ. وقالَ كَعْبٌ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى وكَلَ بِكم مَلائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكم في مَطْعَمِكم ومَشْرَبِكم وعَوْراتِكم، إذًا لَتَخَطَّفَتْكُمُ الجِنُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ومَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ يَحْفَظُهُ في نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والهَوامِّ، فَإذا أرادَهُ شَيْءٌ، قالَ: وراءَكَ وراءَكَ، إلّا شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ لَهُ أنْ يُصِيبَهُ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: جاءَ رَجُلٌ مِن مُرادٍ إلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: احْتَرِسْ فَإنَّ ناسًا مِن مُرادٍ يُرِيدُونَ قَتْلَكَ، فَقالَ: إنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظانِهِ مِمّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإذا جاءَ القَدَرُ خَلَّيا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وإنَّ الأجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ. والخامِسُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ. والسّادِسُ: يَحْفَظُونَهُ لِأمْرِ اللَّهِ فِيهِ حَتّى يُسَلِّمُوهُ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، واسْتَدَلَّ بِما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، حَتّى إذا جاءَ القَدَرُ خَلَّوْا عَنْهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْفَظُونَهُ لِأمْرِ اللَّهِ. والسّابِعُ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما أنَّثَ المُعَقِّباتِ لِكَثْرَةٍ ذَلِكَ مِنها، نَحْوُ النَّسّابَةِ، والعَلّامَةِ، ثُمَّ ذَكَّرَ في قَوْلِهِ: " يَحْفَظُونَهُ " لِأنَّ المَعْنى مُذَكَّرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ أيْ: يَسْلُبُهم نِعَمَهُ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ فَيَعْمَلُوا بِمَعاصِيهِ. قالَ مُقاتِلٌ: ويَعْنِي بِذَلِكَ كُفّارَ مَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ. والثّانِي: البَلاءُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ أيْ: لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا تَنْفَعُهُ المُعَقِّباتُ. (p-٣١٣)﴿وَما لَهم مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: مِن دُونِ اللَّهِ ﴿مِن والٍ﴾ أيْ: مِن ولِيٍّ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ والبَلاءَ.

الرعد 13:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ: فالمُسافِرُ خافَ أذاهُ ومَشَقَّتَهُ والمُقِيمُ يَرْجُو مَنفَعَتَهُ. والثّانِي: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. والثّالِثُ: خَوْفًا لِلْبَلَدِ الَّذِي يَخافُ ضَرَرَ المَطَرِ وطَمَعًا لِمَن يَرْجُو الِانْتِفاعَ بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: خَوْفًا مِنَ العُقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ يَقُولُ: إنَّ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِأهْلِ الأرْضِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ أيْ: ويَخْلُقُ السَّحابَ الثِّقالَ بِالماءِ. قالَ الفَرّاءُ: السَّحابُ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ واحِدًا، فَإنَّهُ جَمْعٌ واحِدَتُهُ سَحابَةٌ، جُعِلَ نَعْتُهُ عَلى الجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٦] ولَمْ يَقُلْ: أخْضَرَ، ولا حَسَنٍ.

الرعد 13:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٣١٤)أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ المَلَكِ الَّذِي يَزْجُرُ السَّحابَ، وصَوْتُهُ: تَسْبِيحُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ الصَّوْتُ المَسْمُوعُ. وإنَّما خُصَّ الرَّعْدُ بِالتَّسْبِيحِ، لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ الأصْواتِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإخْبارُهُ عَنِ الصَّوْتِ بِالتَّسْبِيحِ مَجازٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: قَدْ غَمَّنِي كَلامُكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو الأظْهَرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَخافُونَ اللَّهَ، ولَيْسَ كَخَوْفِ ابْنِ آدَمَ، لا يَعْرِفُ أحَدُهم مَن عَلى يَمِينِهِ ومَن عَلى يَسارِهِ، ولا يَشْغَلُهُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّعْدِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في «أرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ، وعامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، أتَيا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدانِ الفَتْكَ بِهِ، فَقالَ: " اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِما بِما شِئْتَ "، فَأمّا أرْبَدُ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صاعِقَةً في يَوْمٍ صائِفٍ صاحٍ فَأحْرَقَتْهُ، وأمّا عامِرٌ فَأصابَتْهُ غُدَّةٌ فَهَلَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، مِنهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأرْبَدُ هو أخُو لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمِّهِ. (p-٣١٥)والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: حَدِّثْنِي يا مُحَمَّدُ عَنْ إلَهِكَ: أياقُوتٌ هو ؟ أذَهَبٌ هو ؟ فَنَزَلَتْ عَلى السّائِلِ صاعِقَةٌ فَأحْرَقَتْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ يَهُودِيًّا. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَعْضِ فَراعِنَةِ العَرَبِ يَدْعُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِلرَّسُولِ: وما اللَّهُ، أمِن ذَهَبٍ هو، أمْ مِن فِضَّةٍ، أمْ مِن نُحاسٍ ؟ فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: " ارْجِعْ إلَيْهِ فادْعُهُ " فَرَجَعَ، فَأعادَ عَلَيْهِ الكَلامَ، إلى أنْ رَجَعَ إلَيْهِ ثالِثَةً، فَبَيْنَما هُما يَتَراجَعانِ الكَلامَ، إذْ بَعَثَ اللَّهُ سَحابَةً حِيالَ رَأْسِهِ، فَرَعَدَتْ ووَقَعَتْ مِنها صاعِقَةٌ فَذَهَبَتْ بِقِحْفٍ رَأسِهِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والثّالِثُ: أنَّها في رَجُلٍ أنْكَرَ القُرْآنَ وكَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صاعِقَةً فَأهْلَكَتْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُكَذِّبُونَ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُخاصِمُونَ في اللَّهِ، حَيْثُ قالَ قائِلُهم: أهُوَ مِن ذَهَبٍ، أمْ مِن فِضَّةٍ ؟ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: (p-٣١٦)أحَدُها: شَدِيدُ الأخْذِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: شَدِيدُ المَكْرِ، شَدِيدُ العَداوَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: شَدِيدُ العُقُوبَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: شَدِيدُ الِانْتِقامِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَدِيدُ العُقُوبَةِ والمَكْرِ والنَّكالِ، وأنْشَدَ لِلْأعْشى: ؎ فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصْنٍ المَجْـ ـدِ، غَزِيرُ النَّدى، شَدِيدُ المِحالِ ؎ إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ ∗∗∗ ـطِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شَدِيدُ المَكْرِ واليَدِ، وأصْلُ المِحالِ: الحِيلَةُ والرّابِعُ: شَدِيدُ القُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ماحَلْتُهُ مِحالًا: إذا قاوَيْتَهُ حَتّى تُبَيِّنَ لَهُ أيُّكُما الأشُدُّ، والمَحَلُ في اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ. والخامِسُ: شَدِيدُ الحِقْدِ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِيما سَمِعْناهُ عَنْهُ مُسْنَدًا مِن طُرُقٍ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، والنَّقّاشُ، ولا يَجُوزُ هَذا في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. قالَ النَّقّاشُ: هَذا قَوْلٌ مُنْكَرٌ عِنْدَ أهْلِ الخَبَرِ والنَّظَرِ في اللُّغَةِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صِفَةً مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والَّذِي أخْتارُهُ في هَذا ما قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: شَدِيدُ الأخْذِ، يَعْنِي: أنَّهُ إذا أخَذَ الكافِرَ والظّالِمَ لَمْ يُفْلِتْهُ مِن عُقُوباتِهِ.

الرعد 13:14

(p-٣١٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وهي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ، فالمَعْنى: لَهُ مِن خَلْقِهِ الدَّعْوَةُ الحَقُّ، فَأُضِيفَتِ الدَّعْوَةُ إلى الحَقِّ، لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ، فَمَن دَعاهُ دَعا الحَقَّ، قالَهُ الحَسَنُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ يَدْعُونَها آلِهَةً. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: والَّذِينَ يَدْعُونَ غَيْرَهُ مِن دُونِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا يُجِيبُونَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَطْشانُ يَمُدُّ يَدَهُ إلى البِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الماءُ إلَيْهِ وما هو بِبالِغِهِ، قالَهُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَطاءٍ. والثّانِي: أنَّهُ الرَّجُلُ العَطْشانُ قَدْ وضَعَ كَفَّيْهِ في الماءِ وهو لا يَرْفَعُهُما، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ العَطْشانُ يَرى خَيالَهُ في الماءِ مِن بَعِيدٍ، فَهو يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَهُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّجُلُ يَدْعُو الماءَ بِلِسانِهِ ويُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ فَلا يَأْتِيهِ أبَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهُ الباسِطُ كَفَّيْهِ لِيَقْبِضَ عَلى الماءِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ إلى فِيهِ، لا يَتِمُّ (p-٣١٨)لَهُ ذَلِكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَن طَلَبَ ما لا يَجِدُ فَهو القابِضُ عَلى الماءِ، وأنْشَدُوا: ؎ وإنِّي وإيّاكم وشَوْقًا إلَيْكُمُ كَقابِضِ ماءٍ لَمْ تَسِقْهُ أنامِلُهْ أيْ: لَمْ تَحْمِلْهُ، والوَسْقُ: الحِمْلُ، وقالَ آخَرُ: ؎ فَأصْبَحْتُ مِمّا كانَ بَيْنِي وبَيْنَها ∗∗∗ مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وما دُعاءُ الكافِرِينَ رَبَّهم إلّا في ضَلالٍ، لِأنَّ أصْواتَهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ اللَّهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: وما عِبادَةُ الكافِرِينَ الأصْنامَ إلّا في خُسْرانٍ وباطِلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرعد 13:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ، ومَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ . وَفِي مَعْنى سُجُودِ السّاجِدِينَ كَرْهًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُجُودُ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ سُجُودُ ظِلِّ الكافِرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٣١٩)والثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ الكارِهِ تَذَلُّلُهُ وانْقِيادُهُ لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهُ مِن عافِيَةٍ ومَرَضٍ وغِنًى وفَقْرٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظِلالُهُمْ﴾ أيْ: وتَسْجُدُ ظِلالُ السّاجِدِينَ طَوْعًا وكَرْهًا، وسُجُودُها: تَمايُلُها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وانْقِيادُها لِلتَّسْخِيرِ بِالطُّولِ والقِصَرِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الظِّلُّ ما كانَ بِالغَدَواتِ قَبْلَ انْبِساطِ الشَّمْسِ، والفَيْءُ ما كانَ بَعْدَ انْصِرافِ الشَّمْسِ، وإنَّما سُمِّيَ فَيْئًا، لِأنَّهُ فاءَ، أيْ: رَجَعَ إلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ تَنْبَسِطَ الشَّمْسُ، وما كانَ سِوى ذَلِكَ فَهو ظِلٌّ، نَحْوُ ظِلِّ الإنْسانِ، وظِلِّ الجِدارِ، وظِلِّ الثَّوْبِ، وظِلِّ الشَّجَرَةِ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: ؎ فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وَقالَ لَبِيَدٌ: ؎ بَيْنَما الظِّلُّ ظَلِيلٌ مُونِقٌ ∗∗∗ طَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْهِ فاضْمَحَلَّ وَقالَ آخَرُ: ؎ أيا أثَلاتِ القاعِ مِن بَطْنٍ تُوضِحٍ ∗∗∗ حَنِينِي إلى أظِلالِكُنَّ طَوِيلُ وَقِيلَ: إنَّ الكافِرَ يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وظِلُّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الغُدُوِّ والآصالِ في (الأعْرافِ:٧) .

الرعد 13:16

(p-٣٢٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ إنَّما جاءَ السُّؤالُ والجَوابُ مِن جِهَةٍ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمّا لَمْ يُنْكِرُوا،كانَ كَأنَّهم أجابُوا. ثُمَّ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ تَوَلَّيْتُمُوهم فَعَبَدْتُمُوهم وهم لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فَكَيْفَ لِغَيْرِهِمْ ؟ ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلَّذِي يَعْبُدُ الأصْنامَ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ يَعْنِي المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَسْتَوِي " بِالتّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " يَسْتَوِي " بِالياءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّأْنِيثُ حَسَنٌ، لِأنَّهُ فِعْلُ مُؤَنَّثٍ، والتَّذْكِيرُ سائِغٌ، لِأنَّهُ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ويَعْنِي بِالظُّلُماتِ والنُّورِ: الشِّرْكَ والإيمانَ. ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشابَهَ خَلْقُ اللَّهِ بِخَلْقِ هَؤُلاءِ ؟ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى هَذا، بَلْ إذا فَكَّرُوا عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ هو المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ، وغَيْرُهُ لا يَخْلُقُ شَيْئًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قُلْ ذَلِكَ وبَيِّنْهُ بِما أُخْبِرْتَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ ذَكَرْنا في (يُوسُفَ:٣٩) مَعْنى الواحِدِ القَهّارِ.

الرعد 13:17

(p-٣٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ وهي جَمْعُ وادٍ، وهو كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ ماءُ المَطَرِ فَيَسِيلُ ﴿بِقَدَرِها﴾ أيْ: بِمَبْلَغِ ما تَحْمِلُ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي، قَلَّ الماءُ، وإنْ هو اتَّسَعَ، كَثُرَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " بِقَدَرِها " بِإسْكانِ الدّالِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ تَوَسُّعٌ في الكَلامِ، والمَعْنى: سالَتْ مِياهُها، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِقَدَرِها﴾ أيْ: بِقَدَرِ مِياهِها. ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ أيْ: عالِيًا فَوْقَ الماءِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " بِالتّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفاتَّخَذْتُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِلْكافَّةِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ذِكْرَ الغَيْبَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ . (p-٣٢٢)وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " ما يَدْخُلُ إلى النّارِ فَيُذابُ مِنَ الجَواهِرِ " ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ " يَعْنِي: الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴿أوْ مَتاعٍ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ والصُّفْرَ والنُّحاسَ والرُّصاصَ تُتَّخَذُ مِنهُ الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: لَهُ زَبَدٌ إذا أُذِيبَ مِثْلَ زَبَدٍ السَّيْلِ، فَهَذا مَثَلٌ آخَرُ. وَفِيما ضُرِبَ لَهُ هَذانِ المَثَلانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، شَبَّهَ نُزُولَهُ مِنَ السَّماءِ بِالماءِ، وشَبَّهَ قُلُوبَ العِبادِ بِالأوْدِيَةِ تَحْمِلُ مِنهُ عَلى قَدْرِ اليَقِينِ والشَّكِّ، والعَقْلِ والجَهْلِ، فَيَسْتَكِنُّ فِيها، فَيَنْتَفِعُ المُؤْمِنُ بِما في قَلْبِهِ كانْتِفاعِ الأرْضِ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيها المَطَرُ، ولا يَنْتَفِعُ الكافِرُ بِالقُرْآنِ لِمَكانِ شَكِّهِ وكُفْرِهِ، فَيَكُونُ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ القُرْآنِ كالزَّبَدِ وكَخَبَثِ الحَدِيدِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والباطِلُ، فالحَقُّ شُبِّهَ بِالماءِ الباقِي الصّافِي، والباطِلُ مُشَبَّهٌ بِالزَّبَدِ الذّاهِبِ، فَهو وإنْ عَلا عَلى الماءِ فَإنَّهُ سَيُمْحَقُ، كَذَلِكَ الباطِلُ، وإنْ ظَهَرَ عَلى الحَقِّ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ. والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَثَلُ المُؤْمِنِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالماءِ المُنْتَفِعِ بِهِ، ومَثَلُ الكافِرِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالزَّبَدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما ذُكِرَ هَذا، يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كَذَلِكَ يُمَثِّلُ اللَّهُ الحَقَّ ويُمَثِّلُ الباطِلَ. فَأمّا الجُفاءُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو ما رَمى بِهِ الوادِي إلى جَنَباتِهِ، يُقالُ: أجَفَأتِ القِدْرُ بِزَبَدِها: إذا ألْقَتْهُ عَنْها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الجُفاءُ: ما نَفاهُ السَّيْلُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ الجَفاءِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿جُفاءً﴾ أيْ: بالِيًا مُتَفَرِّقًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مُسَّ الزَّبَدُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. (p-٣٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ مِنَ الماءِ والجَواهِرِ الَّتِي زالَ زَبَدُها ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ فَيُنْتَفَعُ بِهِ ﴿كَذَلِكَ﴾ يَبْقى الحَقُّ لِأهْلِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْتَجَبْتُ لَكَ واسْتَجَبْتُكَ سَواءٌ، وهو بِمَعْنى: أجَبْتُ. وَفِي الحُسْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها الحَياةُ والرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ الجَنَّةِ فَما دُونَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لافْتَدَوْا بِهِ﴾ أيْ: لَجَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يُقْبَلُ مِنهم. وفي سُوءِ الحِسابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها المُناقَشَةُ بِالأعْمالِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ النَّخَعِيُّ: هو أنْ يُحاسَبَ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، فَلا يُغْفَرُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ. والثّانِي: أنْ لا تُقْبَلَ مِنهم حَسَنَةٌ، ولا يُتَجاوَزُ لَهم عَنْ سَيِّئَةٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ عِنْدَ الحِسابِ.

الرعد 13:18

(p-٣٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ وهي جَمْعُ وادٍ، وهو كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ ماءُ المَطَرِ فَيَسِيلُ ﴿بِقَدَرِها﴾ أيْ: بِمَبْلَغِ ما تَحْمِلُ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي، قَلَّ الماءُ، وإنْ هو اتَّسَعَ، كَثُرَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " بِقَدَرِها " بِإسْكانِ الدّالِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ تَوَسُّعٌ في الكَلامِ، والمَعْنى: سالَتْ مِياهُها، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِقَدَرِها﴾ أيْ: بِقَدَرِ مِياهِها. ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ أيْ: عالِيًا فَوْقَ الماءِ، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " بِالتّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفاتَّخَذْتُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِلْكافَّةِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ذِكْرَ الغَيْبَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ . (p-٣٢٢)وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: " ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ " ما يَدْخُلُ إلى النّارِ فَيُذابُ مِنَ الجَواهِرِ " ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ " يَعْنِي: الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴿أوْ مَتاعٍ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ والصُّفْرَ والنُّحاسَ والرُّصاصَ تُتَّخَذُ مِنهُ الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: لَهُ زَبَدٌ إذا أُذِيبَ مِثْلَ زَبَدٍ السَّيْلِ، فَهَذا مَثَلٌ آخَرُ. وَفِيما ضُرِبَ لَهُ هَذانِ المَثَلانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، شَبَّهَ نُزُولَهُ مِنَ السَّماءِ بِالماءِ، وشَبَّهَ قُلُوبَ العِبادِ بِالأوْدِيَةِ تَحْمِلُ مِنهُ عَلى قَدْرِ اليَقِينِ والشَّكِّ، والعَقْلِ والجَهْلِ، فَيَسْتَكِنُّ فِيها، فَيَنْتَفِعُ المُؤْمِنُ بِما في قَلْبِهِ كانْتِفاعِ الأرْضِ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيها المَطَرُ، ولا يَنْتَفِعُ الكافِرُ بِالقُرْآنِ لِمَكانِ شَكِّهِ وكُفْرِهِ، فَيَكُونُ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ القُرْآنِ كالزَّبَدِ وكَخَبَثِ الحَدِيدِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والباطِلُ، فالحَقُّ شُبِّهَ بِالماءِ الباقِي الصّافِي، والباطِلُ مُشَبَّهٌ بِالزَّبَدِ الذّاهِبِ، فَهو وإنْ عَلا عَلى الماءِ فَإنَّهُ سَيُمْحَقُ، كَذَلِكَ الباطِلُ، وإنْ ظَهَرَ عَلى الحَقِّ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ. والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَثَلُ المُؤْمِنِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالماءِ المُنْتَفِعِ بِهِ، ومَثَلُ الكافِرِ واعْتِقادِهِ وعَمَلِهِ كالزَّبَدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما ذُكِرَ هَذا، يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كَذَلِكَ يُمَثِّلُ اللَّهُ الحَقَّ ويُمَثِّلُ الباطِلَ. فَأمّا الجُفاءُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو ما رَمى بِهِ الوادِي إلى جَنَباتِهِ، يُقالُ: أجَفَأتِ القِدْرُ بِزَبَدِها: إذا ألْقَتْهُ عَنْها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الجُفاءُ: ما نَفاهُ السَّيْلُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ الجَفاءِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿جُفاءً﴾ أيْ: بالِيًا مُتَفَرِّقًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مُسَّ الزَّبَدُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. (p-٣٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ مِنَ الماءِ والجَواهِرِ الَّتِي زالَ زَبَدُها ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ فَيُنْتَفَعُ بِهِ ﴿كَذَلِكَ﴾ يَبْقى الحَقُّ لِأهْلِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ، ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْتَجَبْتُ لَكَ واسْتَجَبْتُكَ سَواءٌ، وهو بِمَعْنى: أجَبْتُ. وَفِي الحُسْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها الحَياةُ والرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ الجَنَّةِ فَما دُونَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لافْتَدَوْا بِهِ﴾ أيْ: لَجَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يُقْبَلُ مِنهم. وفي سُوءِ الحِسابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها المُناقَشَةُ بِالأعْمالِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ النَّخَعِيُّ: هو أنْ يُحاسَبَ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، فَلا يُغْفَرُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ. والثّانِي: أنْ لا تُقْبَلَ مِنهم حَسَنَةٌ، ولا يُتَجاوَزُ لَهم عَنْ سَيِّئَةٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ عِنْدَ الحِسابِ.

الرعد 13:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وأبِي جَهْلٍ. ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ ذَوُو العُقُولِ. والتَّذَكُّرُ: الِاتِّعاظُ.

الرعد 13:20

(p-٣٢٤)قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: " في هَذا العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ. والثّانِي: ما أمَرَهم بِهِ وفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ. وفي الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، عَزَّ وجَلَّ، أنْ يُوصَلَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ قَدْ نَسَبْناها إلى قائِلِها في أوَّلِ سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٧)، وقَدْ ذَكَرْنا سُوءَ الحِسابِ آنِفًا.

الرعد 13:21

(p-٣٢٤)قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: " في هَذا العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ. والثّانِي: ما أمَرَهم بِهِ وفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ. وفي الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، عَزَّ وجَلَّ، أنْ يُوصَلَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ قَدْ نَسَبْناها إلى قائِلِها في أوَّلِ سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٧)، وقَدْ ذَكَرْنا سُوءَ الحِسابِ آنِفًا.

الرعد 13:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُمِرُوا بِهِ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أتَمُّوها ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالصَّلاةِ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وبِالإنْفاقِ: الزَّكاةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ . وفي المُرادِ بِهِما خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الشَّرَّ مِنَ العَمَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَدْفَعُونَ بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: بِالعَفْوِ الظُّلْمَ، قالَهُ (p-٣٢٥)جُوَيْبِرٌ. والرّابِعُ: بِالحِلْمِ السَّفَهَ، كَأنَّهم إذا سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والخامِسُ: بِالتَّوْبَةِ الذَّنْبَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: عُقْباهُمُ الجَنَّةُ، أيْ: تَصِيرُ الجَنَّةُ آخِرَ أمْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن صَلَحَ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " صَلُحَ " بِضَمِّ اللّامِ. ومَعْنى " صَلَحَ ": آمَنَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْحَقَ المُؤْمِنَ أهْلَهُ المُؤْمِنِينَ إكْرامًا لَهُ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِمْ. " والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالتَّحِيَّةِ مِنَ اللَّهِ والتُّحْفَةِ والهَدايا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وفي هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّحِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، يَدْخُلُ المَلَكُ فَيُسَلِّمُ ويَنْصَرِفُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي قَوْلِ المُسْلِمِ: سَلامٌ عَلَيْكم، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّلامَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: اللَّهُ عَلَيْكم، أيْ: عَلى حِفْظِكم. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: السَّلامَةُ عَلَيْكم، فالسَّلامُ جَمْعُ سَلامَةٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: إنَّما سَلَّمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْوالِ القِيامَةِ وشَرِّها بِصَبْرِكم في الدُّنْيا. وَفِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرُ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: فُضُولُ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الدِّينُ. والرّابِعُ: الفَقْرُ، رُوِيا عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ. والخامِسُ: أنَّهُ فَقْدُ المَحْبُوبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرعد 13:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُمِرُوا بِهِ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أتَمُّوها ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالصَّلاةِ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وبِالإنْفاقِ: الزَّكاةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ . وفي المُرادِ بِهِما خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الشَّرَّ مِنَ العَمَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَدْفَعُونَ بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: بِالعَفْوِ الظُّلْمَ، قالَهُ (p-٣٢٥)جُوَيْبِرٌ. والرّابِعُ: بِالحِلْمِ السَّفَهَ، كَأنَّهم إذا سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والخامِسُ: بِالتَّوْبَةِ الذَّنْبَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: عُقْباهُمُ الجَنَّةُ، أيْ: تَصِيرُ الجَنَّةُ آخِرَ أمْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن صَلَحَ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " صَلُحَ " بِضَمِّ اللّامِ. ومَعْنى " صَلَحَ ": آمَنَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْحَقَ المُؤْمِنَ أهْلَهُ المُؤْمِنِينَ إكْرامًا لَهُ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِمْ. " والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالتَّحِيَّةِ مِنَ اللَّهِ والتُّحْفَةِ والهَدايا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وفي هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّحِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، يَدْخُلُ المَلَكُ فَيُسَلِّمُ ويَنْصَرِفُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي قَوْلِ المُسْلِمِ: سَلامٌ عَلَيْكم، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّلامَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: اللَّهُ عَلَيْكم، أيْ: عَلى حِفْظِكم. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: السَّلامَةُ عَلَيْكم، فالسَّلامُ جَمْعُ سَلامَةٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: إنَّما سَلَّمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْوالِ القِيامَةِ وشَرِّها بِصَبْرِكم في الدُّنْيا. وَفِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرُ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: فُضُولُ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الدِّينُ. والرّابِعُ: الفَقْرُ، رُوِيا عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ. والخامِسُ: أنَّهُ فَقْدُ المَحْبُوبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرعد 13:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُمِرُوا بِهِ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أتَمُّوها ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالصَّلاةِ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وبِالإنْفاقِ: الزَّكاةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ . وفي المُرادِ بِهِما خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الشَّرَّ مِنَ العَمَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَدْفَعُونَ بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: بِالعَفْوِ الظُّلْمَ، قالَهُ (p-٣٢٥)جُوَيْبِرٌ. والرّابِعُ: بِالحِلْمِ السَّفَهَ، كَأنَّهم إذا سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والخامِسُ: بِالتَّوْبَةِ الذَّنْبَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: عُقْباهُمُ الجَنَّةُ، أيْ: تَصِيرُ الجَنَّةُ آخِرَ أمْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن صَلَحَ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " صَلُحَ " بِضَمِّ اللّامِ. ومَعْنى " صَلَحَ ": آمَنَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْحَقَ المُؤْمِنَ أهْلَهُ المُؤْمِنِينَ إكْرامًا لَهُ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِمْ. " والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالتَّحِيَّةِ مِنَ اللَّهِ والتُّحْفَةِ والهَدايا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وفي هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّحِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، يَدْخُلُ المَلَكُ فَيُسَلِّمُ ويَنْصَرِفُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي قَوْلِ المُسْلِمِ: سَلامٌ عَلَيْكم، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّلامَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: اللَّهُ عَلَيْكم، أيْ: عَلى حِفْظِكم. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: السَّلامَةُ عَلَيْكم، فالسَّلامُ جَمْعُ سَلامَةٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: إنَّما سَلَّمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْوالِ القِيامَةِ وشَرِّها بِصَبْرِكم في الدُّنْيا. وَفِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرُ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: فُضُولُ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الدِّينُ. والرّابِعُ: الفَقْرُ، رُوِيا عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ. والخامِسُ: أنَّهُ فَقْدُ المَحْبُوبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرعد 13:25

(p-٣٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٧) . وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيْ: عَلَيْهِمْ.

الرعد 13:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿وَفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مُشْرِكِي مَكَّةَ، فَرِحُوا بِما نالُوا مِنَ الدُّنْيا فَطَغَوْا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالقِياسِ إلَيْها ﴿إلا مَتاعٌ﴾ أيْ: كالشَّيْءِ الَّذِي يُتَمَتَّعُ بِهِ، ثُمَّ يَفْنى.

الرعد 13:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ آياتِ الأنْبِياءِ. ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يَرُدُّهُ عَنِ الهُدى كَما رَدَّكم بَعْدَما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ وحَرَمَكُمُ الِاسْتِدْلالَ بِها. ﴿وَيَهْدِي (p-٣٢٧)إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ: رَجَعَ إلى الحَقِّ، وإنَّما يَرْجِعُ إلى الحَقِّ مَن شاءَ اللَّهُ رُجُوعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

الرعد 13:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنابَ﴾، والمَعْنى: يَهْدِي الَّذِينَ آمَنُوا، " وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ " في هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ. والثّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. وَفِي مَعْنى هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحُبُّ لَهُ والأُنْسُ بِهِ. والثّانِي: السُّكُونُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ، بِخِلافِ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " ألا " حَرْفُ تَنْبِيهٍ وابْتِداءٍ، والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ الَّتِي هي قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُطْمَئِنِّ القَلْبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ. رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما طُوبى، قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» "، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: طُوبى: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَها: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمّا شاءَ، فَتَتَفَتَّقُ لَهُ عَنْ (p-٣٢٨)الخَيْلِ بِسُرُوجِها ولُجُمِها، وعَنِ الإبِلِ بِأزِمَّتِها، وعَمّا شاءَ مِنَ الكُسْوَةِ. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: طُوبى: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ مِنها أغْصانُها، مِن وراءِ سُورِ الجَنَّةِ، وهَذا مَذْهَبُ عَطِيَّةَ، وشَمَّرَ بْنِ عَطِيَّةَ، ومُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ وأبِي صالِحٍ. والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ الجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ المُصَنَّفُ: وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْجُوحٍ قالَ: طُوبى: اسْمُ الجَنَّةِ بِالهِنْدِيَّةِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْمُ الجَنَّةِ عِكْرِمَةُ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى طُوبى لَهم: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ لَهم، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: نُعْمى لَهم، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: نَعِمَ ما لَهم. والخامِسُ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ. والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ: خَيْرٌ لَهم، قالَهُ النَّخَعِيُّ في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى عَنْهُ قالَ: الخَيْرُ والكَرامَةُ اللَّذانِ أعْطاهُمُ اللَّهُ. ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: طُوبى لَكَ، أيْ: أصَبْتَ خَيْرًا، وهي كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ. والسّابِعُ: حُسْنى لَهم، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ. والثّامِنُ: أنَّ المَعْنى: العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم. و " طُوبى " عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: فُعْلى مِنَ الطِّيبِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَأْوِيلُها: الحالُ (p-٣٢٩)المُسْتَطابَةُ، والخَلَّةُ المُسْتَلَذَّةُ، وأصْلُها: " طُيْبى " فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وانْضِمامِ ما قَبْلَها كَما صارَتْ في " مُوقِنٍ " والأصْلُ فِيهِ " مُيْقِنٌ " لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ اليَقِينِ، فَغَلَبَتِ الضَّمَّةُ فِيهِ الياءَ فَجَعَلَتْها واوًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَآبُ: المِرْجِعُ والمُنْقَلَبُ.

الرعد 13:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنابَ﴾، والمَعْنى: يَهْدِي الَّذِينَ آمَنُوا، " وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ " في هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ. والثّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. وَفِي مَعْنى هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحُبُّ لَهُ والأُنْسُ بِهِ. والثّانِي: السُّكُونُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ، بِخِلافِ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " ألا " حَرْفُ تَنْبِيهٍ وابْتِداءٍ، والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ الَّتِي هي قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُطْمَئِنِّ القَلْبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ. رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما طُوبى، قالَ: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِن أكْمامِها» "، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: طُوبى: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَها: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمّا شاءَ، فَتَتَفَتَّقُ لَهُ عَنْ (p-٣٢٨)الخَيْلِ بِسُرُوجِها ولُجُمِها، وعَنِ الإبِلِ بِأزِمَّتِها، وعَمّا شاءَ مِنَ الكُسْوَةِ. وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: طُوبى: شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ مِنها أغْصانُها، مِن وراءِ سُورِ الجَنَّةِ، وهَذا مَذْهَبُ عَطِيَّةَ، وشَمَّرَ بْنِ عَطِيَّةَ، ومُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ وأبِي صالِحٍ. والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ الجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ المُصَنَّفُ: وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْجُوحٍ قالَ: طُوبى: اسْمُ الجَنَّةِ بِالهِنْدِيَّةِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْمُ الجَنَّةِ عِكْرِمَةُ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى طُوبى لَهم: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ لَهم، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: نُعْمى لَهم، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: نَعِمَ ما لَهم. والخامِسُ: غِبْطَةٌ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ. والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ: خَيْرٌ لَهم، قالَهُ النَّخَعِيُّ في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى عَنْهُ قالَ: الخَيْرُ والكَرامَةُ اللَّذانِ أعْطاهُمُ اللَّهُ. ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: طُوبى لَكَ، أيْ: أصَبْتَ خَيْرًا، وهي كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ. والسّابِعُ: حُسْنى لَهم، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ. والثّامِنُ: أنَّ المَعْنى: العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم. و " طُوبى " عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: فُعْلى مِنَ الطِّيبِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَأْوِيلُها: الحالُ (p-٣٢٩)المُسْتَطابَةُ، والخَلَّةُ المُسْتَلَذَّةُ، وأصْلُها: " طُيْبى " فَصارَتِ الياءُ واوًا لِسُكُونِها وانْضِمامِ ما قَبْلَها كَما صارَتْ في " مُوقِنٍ " والأصْلُ فِيهِ " مُيْقِنٌ " لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ اليَقِينِ، فَغَلَبَتِ الضَّمَّةُ فِيهِ الياءَ فَجَعَلَتْها واوًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ المَآبُ: المِرْجِعُ والمُنْقَلَبُ.

الرعد 13:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ﴾ أيْ: كَما أرْسَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قالَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ، قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقِيلَ لَهم: إنَّ الرَّحْمَنَ الَّذِي أنْكَرْتُمْ هو رَبِّي، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا أرادُوا كِتابَ الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا مُسَيْلِمَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَوْمًا في الحِجْرِ يَدْعُو، وأبُو جَهْلٍ يَسْتَمِعُ إلَيْهِ وهو يَقُولُ: يا رَحْمَنُ، فَوَلّى مُدْبِرًا إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَيْهِ مَتابِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَصْدَرُ تُبْتُ إلَيْهِ.

الرعد 13:31

(p-٣٣٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ وسَّعْتَ لَنا أوْدِيَةَ مَكَّةَ بِالقُرْآنِ، وسَيَّرْتَ جِبالَها فاحْتَرَثْناها، وأحْيَيْتَ مَن ماتَ مِنّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يُسَيِّرَ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ ويُفَجِّرَ لَنا الأرْضَ أنْهارًا فَنَزْرَعَ، أوْ يُحْيِيَ لَنا مَوْتانا فَنُكَلِّمَهم، أوْ يُصَيِّرَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ ذَهَبًا فَتُغْنِيَنا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَقَدْ كانَ لِلْأنْبِياءِ آياتٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسْراءِ:٥٩] . ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ: شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا، ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ: أُحْيُوا حَتّى كُلِّمُوا. واخْتَلَفُوا في جَوابِ " لَوْ " عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ. وفي تَقْدِيرِ الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ فُعِلَ هَذا بِقُرْآنٍ غَيْرِ قُرْآنِكم لَفُعِلَ بِقُرْآنِكم. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لَوْ كانَ هَذا كُلُّهُ لَما آمَنُوا. (p-٣٣١)وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ. . .﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ [الأنْعامِ:١١١]، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّ جَوابَ " لَوْ " مُقَدَّمٌ، والمَعْنى: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، ولَوْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ ما سالُوا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا، وإذا لَمْ يَشَأْ، لَمْ يَنْفَعْ ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أفَلَمَّ يَتَبَيَّنْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، ويَقُولُ: أظُنُّ الكاتِبَ كَتَبَها وهو ناعِسٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مالِكٍ، ومُقاتِلٍ. والثّانِي: أفَلَمْ يَعْلَمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: هي لُغَةٌ لِلنَّخَعِ " يَيْأسُ " بِمَعْنى " يَعْلَمُ " قالَ الشّاعِرُ: ؎ أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسَ زَهْدَمِ وَإنَّما وقَعَ اليَأْسُ في مَكانِ العِلْمِ، لِأنَّ في عِلْمِكَ الشَّيْءَ وتَيَقُّنِكَ بِهِ يَأْسَكَ مِن غَيْرِهِ. (p-٣٣٢)والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا واحِدًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والرّابِعُ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يُؤْمِنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عِنْدِي: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: كُفّارُ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَأمّا القارِعَةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هي في اللُّغَةِ: النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ تَنْـزِلُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ. وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: السَّرايا والطَّلائِعُ الَّتِي كانَ يُنْفِذُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فالمَعْنى: أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها القارِعَةُ، قالَهُ الحَسَنُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: القِيامَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرعد 13:32

(p-٣٣٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ وسَّعْتَ لَنا أوْدِيَةَ مَكَّةَ بِالقُرْآنِ، وسَيَّرْتَ جِبالَها فاحْتَرَثْناها، وأحْيَيْتَ مَن ماتَ مِنّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يُسَيِّرَ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ ويُفَجِّرَ لَنا الأرْضَ أنْهارًا فَنَزْرَعَ، أوْ يُحْيِيَ لَنا مَوْتانا فَنُكَلِّمَهم، أوْ يُصَيِّرَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ ذَهَبًا فَتُغْنِيَنا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَقَدْ كانَ لِلْأنْبِياءِ آياتٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسْراءِ:٥٩] . ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ: شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا، ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ أيْ: أُحْيُوا حَتّى كُلِّمُوا. واخْتَلَفُوا في جَوابِ " لَوْ " عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ. وفي تَقْدِيرِ الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ فُعِلَ هَذا بِقُرْآنٍ غَيْرِ قُرْآنِكم لَفُعِلَ بِقُرْآنِكم. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لَوْ كانَ هَذا كُلُّهُ لَما آمَنُوا. (p-٣٣١)وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ. . .﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ [الأنْعامِ:١١١]، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّ جَوابَ " لَوْ " مُقَدَّمٌ، والمَعْنى: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، ولَوْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ ما سالُوا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا، وإذا لَمْ يَشَأْ، لَمْ يَنْفَعْ ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أفَلَمَّ يَتَبَيَّنْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، ويَقُولُ: أظُنُّ الكاتِبَ كَتَبَها وهو ناعِسٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مالِكٍ، ومُقاتِلٍ. والثّانِي: أفَلَمْ يَعْلَمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: هي لُغَةٌ لِلنَّخَعِ " يَيْأسُ " بِمَعْنى " يَعْلَمُ " قالَ الشّاعِرُ: ؎ أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسَ زَهْدَمِ وَإنَّما وقَعَ اليَأْسُ في مَكانِ العِلْمِ، لِأنَّ في عِلْمِكَ الشَّيْءَ وتَيَقُّنِكَ بِهِ يَأْسَكَ مِن غَيْرِهِ. (p-٣٣٢)والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَهْدُوا واحِدًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والرّابِعُ: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ يُؤْمِنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عِنْدِي: أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ الكُفّارِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: كُفّارُ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَأمّا القارِعَةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هي في اللُّغَةِ: النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ تَنْـزِلُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ. وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عَذابٌ مِنَ السَّماءِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: السَّرايا والطَّلائِعُ الَّتِي كانَ يُنْفِذُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فالمَعْنى: أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها القارِعَةُ، قالَهُ الحَسَنُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: القِيامَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرعد 13:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ يَعْنِي: نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ. ومَعْنى القِيامِ هاهُنا: التَّوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ، والتَّدْبِيرُ لِأرْزاقِهِمْ وآجالِهِمْ، وإحْصاءُ أعْمالِهِمْ لِلْجَزاءِ، والمَعْنى: أفَمَن هو مُجازِي كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، يُثِيبُها إذا أحْسَنَتْ، ويَأْخُذُها بِما جَنَتْ، كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الأصْنامِ ؟ قالَ الفَرّاءُ: فَتُرِكَ جَوابُهُ، لِأنَّ المَعْنى مَعْلُومٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَشُرَكائِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ: بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الصِّفاتِ وإضافَةِ الأفْعالِ إلَيْهِمْ إنْ كانُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما يُسَمّى اللَّهُ بِالخالِقِ، والرّازِقِ، والمُحْيِي، والمُمِيتِ، ولَوْ سَمَّوْهم بِشَيْءٍ مِن هَذا لَكَذَبُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مُنْقَطِعٌ مِمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَإنْ سَمَّوْهم بِصِفاتِ اللَّهِ، فَقُلْ لَهم: أتُنَبِّئُونَهُ، أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِشَرِيكٍ لَهُ في الأرْضِ وهو لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولَوْ كانَ لَعَلِمَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أمْ بِظَنٍّ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: بِباطِلٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: بِكَلامٍ لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ الكُفْرَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " وصَدُّوا " بِفَتْحِ الصّادِ، ومِثْلُهُ في (حم المُؤْمِنِ) [غافِرٍ:٣٧] . وقَرَأ (p-٣٣٤)عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " وصُدُّوا " بِالضَّمِّ فِيهِما. فَمَن فَتَحَ، أرادَ صَدُّوا المُسْلِمِينَ، إمّا عَنِ الإيمانِ، أوْ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ. ومَن ضَمَّ، أرادَ: صَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْ سَبِيلِ الهُدى.

الرعد 13:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو القَتْلُ، والأسْرُ، والسَّقَمُ، فَهو لَهم في الدُّنْيا عَذابٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ كَفّارَةٌ، " ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ " أيْ: أشَدُّ ﴿وَما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ واقٍ﴾ أيْ: مانِعٌ يَقِيهِمْ عَذابَهُ.

الرعد 13:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: صِفَتُها أنَّ الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: خَبَرُ المَثَلِ مُضْمَرٌ قَبْلَهُ، والمَعْنى: فِيما نَصِفُ لَكم مَثَلُ الجَنَّةِ، وفِيما نَقُصُّهُ عَلَيْكم خَبَرُ الجَنَّةِ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: يُرِيدُ أنَّ ثِمارَها لا تَنْقَطِعُ كَثِمارِ الدُّنْيا " وظِلُّها " لِأنَّهُ لا يَزُولُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: عاقِبَةُ أمْرِهِمُ المَصِيرُ إلَيْها.

الرعد 13:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٣٣٥)أحَدُها: أنَّهم مُسْلِمُو اليَهُودِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: مُؤْمِنُو أهْلٍ الكِتابَيْنِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِ: القُرْآنُ، فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ وصَدَّقُوهُ، وفَرِحَ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهُ صَدَّقَ ما عِنْدَهم. وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ، ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ في التَّوْراةِ. فَلَمّا نَزَلَ ذِكْرُهُ فَرِحُوا، وكَفَرَ المُشْرِكُونَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأمّا الأحْزابُ، فَهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمُعاداةِ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي بَعْضِهِ الَّذِي أنْكَرُوهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ والبَعْثِ ومُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوا بَعْثَةَ الرَّسُولِ في كُتُبِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ. والثّالِثُ: أنَّهم عَرَفُوا صِدْقَهُ، وأنْكَرُوا تَصْدِيقَهُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

الرعد 13:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾ أيْ: وكَما أنْزَلَنا الكُتُبَ عَلى الأنْبِياءِ (p-٣٣٦)بِلُغاتِهِمْ، أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما فِيهِ مِنَ الفَرائِضِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَيْنًا عَرَبِيًّا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: في صَلاتِكَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ " بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ " أنَّ قِبْلَتَكَ الكَعْبَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: في قَبُولِ ما دَعَوْكَ إلَيْهِ مِن مِلَّةِ آبائِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ﴾ أيْ: ما لَكَ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن قَرِيبٍ يَنْفَعُكَ ﴿وَلا واقٍ﴾ يَقِيكَ.

الرعد 13:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ. . .﴾ الآيَةُ، سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ عَيَّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَثْرَةِ التَّزْوِيجِ، وقالُوا: لَوْ كانَ نَبِيًّا كَما يَزْعُمُ، شَغَلَتْهُ النُّبُوَّةُ عَنْ تَزْوِيجِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَكَ كانُوا بَشَرًا لَهم أزْواجٌ، يَعْنِي النِّساءَ، وذُرِّيَّةٌ، يَعْنِي الأوْلادَ. " ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾: " أيْ: بِأمْرِهِ، وهَذا جَوابٌ لِلَّذِينِ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِكُلِّ أجَلٍ مِن آجالِ الخَلْقِ كِتابٌ عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، والمَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أجَلٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ. (p-٣٣٧)والثّالِثُ: لِكُلِّ أجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولِكُلِّ أمْرٍ قَضاهُ، كِتابٌ أُثْبِتَ فِيهِ، ولا تَكُونُ آيَةٌ ولا غَيْرُها إلّا بِأجَلٍ قَدْ قَضاهُ اللَّهُ في كِتابٍ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.

الرعد 13:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: " ويُثْبِتُ " ساكِنَةَ الثّاءِ خَفِيفَةَ الباء. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويُثَبِّتُ " مُشَدَّدَةَ الباءِ مَفْتُوحَةَ الثّاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: ويُثَبِّتُهُ، فاسْتَغْنى بِتَعْدِيَةِ الأوَّلِ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثّانِي. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالَّذِي يَمْحُو ويُثْبِتُ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في الرِّزْقِ، والأجَلِ، والسَّعادَةِ، والشَّقاوَةِ، وهَذا مَذْهَبُ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي وائِلٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ. والثّانِي: أنَّهُ النّاسِخُ والمَنسُوخُ، فَيَمْحُو المَنسُوخَ، ويُثْبِتُ النّاسِخَ، رَوى هَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَنْسَخُ مِنَ القُرْآنِ ما يَشاءُ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ أيْ: يَدَعُهُ ثابِتًا لا يَنْسَخُهُ، وهو المُحْكَمُ. والثّالِثُ: أنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ، إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، والحَياةَ والمَوْتَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ ما رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إذا مَضَتْ عَلى النُّطْفَةِ خَمْسٌ وأرْبَعُونَ لَيْلَةً، يَقُولُ المَلَكُ المُوَكَّلُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ فَيَقْضِي (p-٣٣٨)اللَّهُ تَعالى، ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَيَقُولُ: أشَقِىٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَيَقُولُ: عَمَلُهُ وأجَلُهُ ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ،ثُمَّ تُطْوى الصَّحِيفَةُ، فَلا يُزادُ فِيها ولا يُنْقَصُ مِنها» " . والرّابِعُ: يَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ لا يُغَيَّرانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: يَمْحُو مَن جاءَ أجْلُهُ، ويُثْبِتُ مَن لَمْ يَجِئْ أجْلُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. والسّادِسُ: يَمْحُو مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ما يَشاءُ فَيَغْفِرُها، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُها، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والسّابِعُ: يَمْحُو ما يَشاءُ بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتُ مَكانَها حَسَناتٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّامِنُ: يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، ويَثْبُتُ ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: القَوْلُ كُلُّهُ يُكْتَبُ، حَتّى إذا كانَ في يَوْمِ الخَمِيسِ، طُرِحَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، مِثْلُ قَوْلِكَ: أكَلْتُ، شَرِبْتُ، دَخَلْتُ، خَرَجْتُ، ونَحْوُهُ، وهو صادِقٌ، ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الكِتابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٣٣٩)وَهُوَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ ما يَكُونُ ويَحْدُثُ. ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى في ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ» " . ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هُما كِتابانِ، كِتابٌ سِوى أُمِّ الكِتابِ يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ لا يُغَيَّرُ مِنهُ شَيْءٌ.

الرعد 13:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ وأنْتَ حَيٌّ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ، ﴿وَعَلَيْنا الحِسابُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الجَزاءَ. ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ وفَرْضِ الجِهادِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

الرعد 13:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: (p-٣٤٠)أحَدُها: أنَّهُ ما يَفْتَحُ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ مِنَ الأرْضِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. قالَ مُقاتِلٌ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ يَعْنِي: كَفّارَ مَكَّةَ، " أنّا نَأْتِي الأرْضَ " يَعْنِي: أرْضَ مَكَّةَ ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ يَعْنِي: ما حَوْلَها. والثّانِي: أنَّها القَرْيَةُ تُخَرَّبُ حَتّى تَبْقى الأبْياتُ في ناحِيَتِها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أنَّهُ نَقْصُ أهْلِها وبَرَكَتِها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الشَّعْبِيُّ نَقْصُ الأنْفُسِ والثَّمَراتِ. والرّابِعُ: أنَّهُ ذَهابُ فُقَهائِها وخِيارِ أهْلِها، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخامِسُ: أنَّهُ مَوْتُ أهْلِها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَتَعَقَّبُهُ أحَدٌ بِتَغْيِيرٍ ولا نَقْصٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى سُرْعَةِ الحِسابِ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٠٢) .

الرعد 13:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، (p-٣٤١)مَكَرُوا بِأنْبِيائِهِمْ يَقْصِدُونَ قَتْلَهم، كَما مَكَرَتْ قُرَيْشٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَقْتُلُوهُ. ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: أنَّ مَكْرَ الماكِرِينَ مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَضُرُّ إلّا بِإرادَتِهِ؛ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَسْكِينٌ لَهُ. ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ولا يَقَعُ ضَرَرٌ إلّا بِإذْنِهِ. " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكافِرُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " الكُفّارُ " عَلى الجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ: لِمَنِ الجَنَّةُ آخِرَ الأمْرِ.

الرعد 13:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. والثّانِي: كُفّارُ قُرَيْشٍ. ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: شاهِدًا ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ بِما أظْهَرَ مِنَ الآياتِ، وأبانَ مِنَ الدَّلالاتِ عَلى نُبُوَّتِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وتَمِيمٌ الدّارِيُّ، قالَهُ قَتادَةُ. (p-٣٤٢)والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. والسّادِسُ: أنَّهُ بِنْيامِينُ، قالَهُ شَمَّرُ. والسّابِعُ: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ واحْتَجَّ لَهُ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ: " ومِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ " وهي قِراءَةُ ابْنِ السَّمَيْفَعِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، ومُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ. ورِوايَةِ ابْنِ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: " ومِن " بِكَسْرِ المِيمِ " عِنْدِهِ " بِكَسْرِ الدّالِ " عُلِمَ " بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المِيمِ. " الكِتابُ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ الحَسَنُ " ومِن " بِكَسْرِ المِيمِ " عِنْدِهِ " بِكَسْرِ الدّالِ " عِلْمُ " بِكَسْرِ العَيْنِ وضَمِّ المِيمِ " الكِتابِ " مُضافٌ، كَأنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

إبراهيم 14:1

(p-٣٤٣)سُورَةُ إبْراهِيمَ [ عَلَيْهِ السَّلامُ ] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ بَيْنَهم، إلّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: سِوى آيَتَيْنِ مِنها، وهُما قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ والَّتِي بَعْدَها [إبْراهِيمَ: ٢٨،٢٩] . قَوْلُهُ تَعالى: " آلر " قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يُونُسَ:١] . وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا كِتابٌ، والكِتابُ: القُرْآنُ. وَفِي المُرادِ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الظُّلُماتِ: الكُفْرُ، والنُّورَ: الإيمانُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: الضَّلالَةُ، والنُّورَ: الهُدى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. (p-٣٤٤)والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الشَّكُّ، والنُّورَ: اليَقِينُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِأمْرِ رَبِّهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. والثّالِثُ: أنَّهُ الإذْنُ نَفْسُهُ، فالمَعْنى: بِما أذِنَ لَكَ مِن تَعْلِيمِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ثُمَّ بَيَّنَ ما النُّورُ ؟، فَقالَ: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: جَلَسْتُ إلى زَيْدٍ، إلى العاقِلِ الفاضِلِ، وإنَّما تُعادُ " إلى " بِمَعْنى التَّعْظِيمِ لِلْأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ إذا خَدِرَتْ رِجْلِي تَذَكَّرْتُ مَن لَها فَنادَيْتُ لُبْنى بِاسْمِها ودَعَوْتُ ؎ دَعَوْتُ الَّتِي لَوْ أنَّ نَفْسِي تُطِيعُنِي ∗∗∗ لَألْقَيْتُها مِن حُبِّها وقَضَيْتُ فَأعادَ " دَعَوْتُ " لِتَفْخِيمِ الأمْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " الحَمِيدِ اللَّهِ " عَلى البَدَلِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ: " الحَمِيدِ اللَّهُ " رَفْعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ألْفاظِ الآيَةِ.

إبراهيم 14:2

(p-٣٤٣)سُورَةُ إبْراهِيمَ [ عَلَيْهِ السَّلامُ ] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ بَيْنَهم، إلّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: سِوى آيَتَيْنِ مِنها، وهُما قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ والَّتِي بَعْدَها [إبْراهِيمَ: ٢٨،٢٩] . قَوْلُهُ تَعالى: " آلر " قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يُونُسَ:١] . وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا كِتابٌ، والكِتابُ: القُرْآنُ. وَفِي المُرادِ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الظُّلُماتِ: الكُفْرُ، والنُّورَ: الإيمانُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: الضَّلالَةُ، والنُّورَ: الهُدى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. (p-٣٤٤)والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الشَّكُّ، والنُّورَ: اليَقِينُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِأمْرِ رَبِّهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. والثّالِثُ: أنَّهُ الإذْنُ نَفْسُهُ، فالمَعْنى: بِما أذِنَ لَكَ مِن تَعْلِيمِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ثُمَّ بَيَّنَ ما النُّورُ ؟، فَقالَ: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: جَلَسْتُ إلى زَيْدٍ، إلى العاقِلِ الفاضِلِ، وإنَّما تُعادُ " إلى " بِمَعْنى التَّعْظِيمِ لِلْأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ إذا خَدِرَتْ رِجْلِي تَذَكَّرْتُ مَن لَها فَنادَيْتُ لُبْنى بِاسْمِها ودَعَوْتُ ؎ دَعَوْتُ الَّتِي لَوْ أنَّ نَفْسِي تُطِيعُنِي ∗∗∗ لَألْقَيْتُها مِن حُبِّها وقَضَيْتُ فَأعادَ " دَعَوْتُ " لِتَفْخِيمِ الأمْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " الحَمِيدِ اللَّهِ " عَلى البَدَلِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ: " الحَمِيدِ اللَّهُ " رَفْعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ألْفاظِ الآيَةِ.

إبراهيم 14:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يُؤْثِرُونَها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذُونَ ما تَعَجَّلَ لَهم مِنها تَهاوُنًا بِأمْرِ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ أيَّ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِهِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:٩٩) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ مِنَ الصَّوابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ أيْ: بِلُغَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى اللُّغَةِ عِنْدَ العَرَبِ: الكَلامُ المَنطُوقُ بِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو: إذا صَوَّتَ في الغَلَسِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ: " إلّا بِلُسُنِ قَوْمِهِ " بِرَفْعِ اللّامِ والسِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " بِلِسْنِ قَوْمِهِ " بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ فَيَفْهَمُونَهُ عَنْهُ. وهَذا نَزَلَ، لِأنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ، وهَذا عَرَبِيٌّ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " أنْ " مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الظُّلُماتِ والنُّورِ [البَقَرَةِ:٢٥٧] . (p-٣٤٦)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نِعَمُ اللَّهِ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: أنَّها وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأيّامُ نِقَمِهِ مِمَّنْ كَفَرَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: التَّذْكِيرَ ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِأنْعُمِهِ. والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ، والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالآياتِ لِانْتِفاعِهِ بِها. وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في سُورَةِ (البَقَرَةِ: ٤٩) .

إبراهيم 14:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يُؤْثِرُونَها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذُونَ ما تَعَجَّلَ لَهم مِنها تَهاوُنًا بِأمْرِ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ أيَّ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِهِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:٩٩) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ مِنَ الصَّوابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ أيْ: بِلُغَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى اللُّغَةِ عِنْدَ العَرَبِ: الكَلامُ المَنطُوقُ بِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو: إذا صَوَّتَ في الغَلَسِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ: " إلّا بِلُسُنِ قَوْمِهِ " بِرَفْعِ اللّامِ والسِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " بِلِسْنِ قَوْمِهِ " بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ فَيَفْهَمُونَهُ عَنْهُ. وهَذا نَزَلَ، لِأنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ، وهَذا عَرَبِيٌّ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " أنْ " مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الظُّلُماتِ والنُّورِ [البَقَرَةِ:٢٥٧] . (p-٣٤٦)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نِعَمُ اللَّهِ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: أنَّها وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأيّامُ نِقَمِهِ مِمَّنْ كَفَرَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: التَّذْكِيرَ ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِأنْعُمِهِ. والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ، والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالآياتِ لِانْتِفاعِهِ بِها. وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في سُورَةِ (البَقَرَةِ: ٤٩) .

إبراهيم 14:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يُؤْثِرُونَها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذُونَ ما تَعَجَّلَ لَهم مِنها تَهاوُنًا بِأمْرِ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ أيَّ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِهِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:٩٩) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ مِنَ الصَّوابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ أيْ: بِلُغَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى اللُّغَةِ عِنْدَ العَرَبِ: الكَلامُ المَنطُوقُ بِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو: إذا صَوَّتَ في الغَلَسِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ: " إلّا بِلُسُنِ قَوْمِهِ " بِرَفْعِ اللّامِ والسِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " بِلِسْنِ قَوْمِهِ " بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ فَيَفْهَمُونَهُ عَنْهُ. وهَذا نَزَلَ، لِأنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ، وهَذا عَرَبِيٌّ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " أنْ " مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الظُّلُماتِ والنُّورِ [البَقَرَةِ:٢٥٧] . (p-٣٤٦)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نِعَمُ اللَّهِ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: أنَّها وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأيّامُ نِقَمِهِ مِمَّنْ كَفَرَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: التَّذْكِيرَ ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِأنْعُمِهِ. والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ، والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالآياتِ لِانْتِفاعِهِ بِها. وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في سُورَةِ (البَقَرَةِ: ٤٩) .

إبراهيم 14:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يُؤْثِرُونَها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذُونَ ما تَعَجَّلَ لَهم مِنها تَهاوُنًا بِأمْرِ الآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ أيَّ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِهِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:٩٩) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿بَعِيدٍ﴾ مِنَ الصَّوابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ أيْ: بِلُغَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى اللُّغَةِ عِنْدَ العَرَبِ: الكَلامُ المَنطُوقُ بِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو: إذا صَوَّتَ في الغَلَسِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ: " إلّا بِلُسُنِ قَوْمِهِ " بِرَفْعِ اللّامِ والسِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " بِلِسْنِ قَوْمِهِ " بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ فَيَفْهَمُونَهُ عَنْهُ. وهَذا نَزَلَ، لِأنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ، وهَذا عَرَبِيٌّ ؟ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " أنْ " مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الظُّلُماتِ والنُّورِ [البَقَرَةِ:٢٥٧] . (p-٣٤٦)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نِعَمُ اللَّهِ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: أنَّها وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأيّامُ نِقَمِهِ مِمَّنْ كَفَرَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: التَّذْكِيرَ ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِأنْعُمِهِ. والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ، والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالآياتِ لِانْتِفاعِهِ بِها. وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في سُورَةِ (البَقَرَةِ: ٤٩) .

إبراهيم 14:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ. (p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٤٩)والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ. رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎ وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ. وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] . ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في (p-٣٥٠)تَوْحِيدِهِ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقَّةِ:٤٧]، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ. ﴿قالُوا﴾ لِلرُّسُلِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا. والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ. وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ الإسْكانُ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقِعَةِ:٨٢] أيْ: رِزْقِي إيّاكم. (p-٣٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

إبراهيم 14:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ يَعْنِي: اسْتَنْصَرُوا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " واسْتَفْتِحُوا " بِكَسْرِ التّاءِ عَلى الأمْرِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ، واسْتِفْتاحُهم: سُؤالُهُمُ العَذابَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص:١٦] وقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ. . .﴾ الآيَةُ [الأنْفالِ:٣٢]، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: خَسِرَ عِنْدَ الدُّعاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَسِرَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَئِسَ مِنَ الإجابَةِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجَبّارِ والعَنِيدِ في (هُودٍ:٥٩) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى القُدّامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ، أمامَهُ جَهَنَّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مِن ورائِهِ﴾ أيْ: قُدّامَهُ وأمامَهُ، يُقالُ: المَوْتُ مِن ورائِكَ، وأنْشَدَ:(p-٣٥٢) ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: " بَعْدَ " قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿مِن ورائِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ يَأْسِهِ، فَدَلَّ " خابَ " عَلى اليَأْسِ، فَكَنّى عَنْهُ، وحُمِلَتْ " وراءٌ " عَلى مَعْنى: " بَعْدَ " كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎ حَلَفْتَ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أرادَ: لَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والوَراءُ يَكُونُ بِمَعْنى الخَلْفِ والقُدّامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيْكَ وما قُدّامَكَ إذا تَوارى عَنْكَ فَقَدْ صارَ وراءَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ قالَ: ولَيْسَ الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ كَما يَقُولُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، وسُئِلَ ثَعْلَبٌ: لِمَ قِيلَ: الوَراءُ لِلْأمامِ ؟ فَقالَ: الوَراءُ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْ عَيْنِكَ، سَواءٌ أكانَ أمامَكَ أوْ خَلْفَكَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما يَجُوزُ هَذا في المَواقِيتِ مِنَ الأيّامِ واللَّيالِي والدَّهْرِ، تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلرَّجُلِ وهو بَيْنَ يَدَيْكَ: هو وراءَكَ، ولا لِلرَّجُلِ: وراءَكَ: هو بَيْنَ يَدَيْكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، واللُّغَوِيُّونَ: الصَّدِيدُ: القَيْحُ والدَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو ما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ جِلْدِ الكافِرِ ولَحْمِهِ. (p-٣٥٣)وَقالَ القُرَظِيُّ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: يُسْقى الصَّدِيدَ مَكانَ الماءِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ: ما يُسْقى ماءٌ كَأنَّهُ صَدِيدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ والتَّجَرُّعُ: تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً، لا في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِ لَهُ، وإنَّما يُكْرَهُ عَلى شُرْبِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْدِرُ عَلى ابْتِلاعِهِ، تَقُولُ: ساغَ لِيَ الشَّيْءُ، وأسَغْتُهُ. ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ» " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ: هَمُّ المَوْتِ وكَرْبُهُ وألَمُهُ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مِن كُلِّ عِرْقٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَتَعَلَّقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ، فَلا تَخْرُجُ مِن فِيهِ فَتَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَكانِها فَتَجِدُ راحَةً. (p-٣٥٤)والثّانِي: مِن كُلِّ جِهَةٍ، مِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وخَلْفَهُ وقُدّامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّها البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في النّارِ، سَمّاها مَوْتًا، قالَهُ الأخْفَشُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: مَوْتًا تَنْقَطِعُ مَعَهُ الحَياةُ. ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ هَذا العَذابِ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: مِن بَعْدِ الصَّدِيدِ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: بَعْدَ الخُلُودِ في النّارِ. والغَلِيظُ: الشَّدِيدُ.

إبراهيم 14:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ يَعْنِي: اسْتَنْصَرُوا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " واسْتَفْتِحُوا " بِكَسْرِ التّاءِ عَلى الأمْرِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ، واسْتِفْتاحُهم: سُؤالُهُمُ العَذابَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص:١٦] وقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ. . .﴾ الآيَةُ [الأنْفالِ:٣٢]، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: خَسِرَ عِنْدَ الدُّعاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَسِرَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَئِسَ مِنَ الإجابَةِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجَبّارِ والعَنِيدِ في (هُودٍ:٥٩) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى القُدّامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ، أمامَهُ جَهَنَّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مِن ورائِهِ﴾ أيْ: قُدّامَهُ وأمامَهُ، يُقالُ: المَوْتُ مِن ورائِكَ، وأنْشَدَ:(p-٣٥٢) ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: " بَعْدَ " قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿مِن ورائِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ يَأْسِهِ، فَدَلَّ " خابَ " عَلى اليَأْسِ، فَكَنّى عَنْهُ، وحُمِلَتْ " وراءٌ " عَلى مَعْنى: " بَعْدَ " كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎ حَلَفْتَ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أرادَ: لَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والوَراءُ يَكُونُ بِمَعْنى الخَلْفِ والقُدّامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيْكَ وما قُدّامَكَ إذا تَوارى عَنْكَ فَقَدْ صارَ وراءَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ قالَ: ولَيْسَ الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ كَما يَقُولُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، وسُئِلَ ثَعْلَبٌ: لِمَ قِيلَ: الوَراءُ لِلْأمامِ ؟ فَقالَ: الوَراءُ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْ عَيْنِكَ، سَواءٌ أكانَ أمامَكَ أوْ خَلْفَكَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما يَجُوزُ هَذا في المَواقِيتِ مِنَ الأيّامِ واللَّيالِي والدَّهْرِ، تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلرَّجُلِ وهو بَيْنَ يَدَيْكَ: هو وراءَكَ، ولا لِلرَّجُلِ: وراءَكَ: هو بَيْنَ يَدَيْكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، واللُّغَوِيُّونَ: الصَّدِيدُ: القَيْحُ والدَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو ما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ جِلْدِ الكافِرِ ولَحْمِهِ. (p-٣٥٣)وَقالَ القُرَظِيُّ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: يُسْقى الصَّدِيدَ مَكانَ الماءِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ: ما يُسْقى ماءٌ كَأنَّهُ صَدِيدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ والتَّجَرُّعُ: تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً، لا في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِ لَهُ، وإنَّما يُكْرَهُ عَلى شُرْبِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْدِرُ عَلى ابْتِلاعِهِ، تَقُولُ: ساغَ لِيَ الشَّيْءُ، وأسَغْتُهُ. ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ» " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ: هَمُّ المَوْتِ وكَرْبُهُ وألَمُهُ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مِن كُلِّ عِرْقٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَتَعَلَّقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ، فَلا تَخْرُجُ مِن فِيهِ فَتَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَكانِها فَتَجِدُ راحَةً. (p-٣٥٤)والثّانِي: مِن كُلِّ جِهَةٍ، مِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وخَلْفَهُ وقُدّامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّها البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في النّارِ، سَمّاها مَوْتًا، قالَهُ الأخْفَشُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: مَوْتًا تَنْقَطِعُ مَعَهُ الحَياةُ. ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ هَذا العَذابِ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: مِن بَعْدِ الصَّدِيدِ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: بَعْدَ الخُلُودِ في النّارِ. والغَلِيظُ: الشَّدِيدُ.

إبراهيم 14:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ يَعْنِي: اسْتَنْصَرُوا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " واسْتَفْتِحُوا " بِكَسْرِ التّاءِ عَلى الأمْرِ. وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ، واسْتِفْتاحُهم: سُؤالُهُمُ العَذابَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص:١٦] وقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ. . .﴾ الآيَةُ [الأنْفالِ:٣٢]، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: خَسِرَ عِنْدَ الدُّعاءِ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَسِرَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَئِسَ مِنَ الإجابَةِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجَبّارِ والعَنِيدِ في (هُودٍ:٥٩) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى القُدّامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ، أمامَهُ جَهَنَّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مِن ورائِهِ﴾ أيْ: قُدّامَهُ وأمامَهُ، يُقالُ: المَوْتُ مِن ورائِكَ، وأنْشَدَ:(p-٣٥٢) ؎ أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: " بَعْدَ " قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿مِن ورائِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ يَأْسِهِ، فَدَلَّ " خابَ " عَلى اليَأْسِ، فَكَنّى عَنْهُ، وحُمِلَتْ " وراءٌ " عَلى مَعْنى: " بَعْدَ " كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎ حَلَفْتَ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أرادَ: لَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والوَراءُ يَكُونُ بِمَعْنى الخَلْفِ والقُدّامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيْكَ وما قُدّامَكَ إذا تَوارى عَنْكَ فَقَدْ صارَ وراءَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ قالَ: ولَيْسَ الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ كَما يَقُولُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، وسُئِلَ ثَعْلَبٌ: لِمَ قِيلَ: الوَراءُ لِلْأمامِ ؟ فَقالَ: الوَراءُ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْ عَيْنِكَ، سَواءٌ أكانَ أمامَكَ أوْ خَلْفَكَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما يَجُوزُ هَذا في المَواقِيتِ مِنَ الأيّامِ واللَّيالِي والدَّهْرِ، تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلرَّجُلِ وهو بَيْنَ يَدَيْكَ: هو وراءَكَ، ولا لِلرَّجُلِ: وراءَكَ: هو بَيْنَ يَدَيْكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، واللُّغَوِيُّونَ: الصَّدِيدُ: القَيْحُ والدَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو ما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ جِلْدِ الكافِرِ ولَحْمِهِ. (p-٣٥٣)وَقالَ القُرَظِيُّ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ، وذَلِكَ ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: يُسْقى الصَّدِيدَ مَكانَ الماءِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ: ما يُسْقى ماءٌ كَأنَّهُ صَدِيدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ والتَّجَرُّعُ: تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً، لا في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِ لَهُ، وإنَّما يُكْرَهُ عَلى شُرْبِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْدِرُ عَلى ابْتِلاعِهِ، تَقُولُ: ساغَ لِيَ الشَّيْءُ، وأسَغْتُهُ. ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ» " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ: هَمُّ المَوْتِ وكَرْبُهُ وألَمُهُ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مِن كُلِّ عِرْقٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَتَعَلَّقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ، فَلا تَخْرُجُ مِن فِيهِ فَتَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَكانِها فَتَجِدُ راحَةً. (p-٣٥٤)والثّانِي: مِن كُلِّ جِهَةٍ، مِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وخَلْفَهُ وقُدّامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّها البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في النّارِ، سَمّاها مَوْتًا، قالَهُ الأخْفَشُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: مَوْتًا تَنْقَطِعُ مَعَهُ الحَياةُ. ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ هَذا العَذابِ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: مِن بَعْدِ الصَّدِيدِ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: بَعْدَ الخُلُودِ في النّارِ. والغَلِيظُ: الشَّدِيدُ.

إبراهيم 14:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضافَ المَثَلَ إلَيْهِمْ، وإنَّما المَثَلُ لِلْأعْمالِ، فالمَعْنى: مَثَلُ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا. ومِثْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزُّمَرِ:٦٠]، أيْ: تَرى وُجُوهَهم. وجَعَلَ العُصُوفَ تابِعًا لِلْيَوْمِ في إعْرابِهِ، وإنَّما العُصُوفُ لِلرِّيحِ، وذَلِكَ جائِزٌ عَلى جِهَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّ العُصُوفَ، وإنْ كانَ لِلرِّيحِ، فَإنَّ اليَوْمَ يُوصَفُ بِهِ، لِأنَّ الرِّيحَ فِيهِ تَكُونُ، فَجازَ أنْ تَقُولَ: يَوْمٌ عاصِفٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ بارِدٌ، ويَوْمٌ حارٌّ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تُرِيدَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ، فَتَحْذِفَ الرِّيحَ، لِأنَّها قَدْ ذُكِرَتْ في أوَّلِ الكَلامِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ ويُضْحِكُ عِرْفانُ الدُّرُوعِ جُلُودَنا إذا كانَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كاسِفُ (p-٣٥٥)يُرِيدُ: كاسِفَ الشَّمْسِ. ورُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، والمَعْنى: ومِمّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينِ اليَوْمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ كُلَّ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ المُشْرِكُونَ يُحْبَطُ ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، كالرَّمادِ الَّذِي سَفَتْهُ الرِّيحُ فَلا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، فَهم لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا عَلى شَيْءٍ في الآخِرَةِ، أيْ: لا يَجِدُونَ ثَوابَهُ، ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ مِنَ النَّجاةِ.

إبراهيم 14:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُنَّ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَهُنَّ لِأمْرٍ عَظِيمٍ. ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: يُمِيتُكم يا مَعْشَرَ الكُفّارِ ويَخْلُقُ قَوْمًا غَيْرَكم خَيْرًا مِنكم وأطْوَعَ، وهَذا خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ مُتَعَذِّرٍ.

إبراهيم 14:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُنَّ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَهُنَّ لِأمْرٍ عَظِيمٍ. ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: يُمِيتُكم يا مَعْشَرَ الكُفّارِ ويَخْلُقُ قَوْمًا غَيْرَكم خَيْرًا مِنكم وأطْوَعَ، وهَذا خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ مُتَعَذِّرٍ.

إبراهيم 14:21

(p-٣٥٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الماضِي، ومَعْناهُ المُسْتَقْبَلُ، والمَعْنى: خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ البَعْثِ، واجْتَمَعَ التّابِعُ والمَتْبُوعُ، ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ وهُمُ الأتْباعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهُمُ المَتْبُوعُونَ: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ تابِعٍ، يُقالُ: تابِعٌ، وتَبَعٌ، مِثْلُ: غائِبٍ، وغَيَبٍ، والمَعْنى: تَبِعْناكم فِيما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: دافِعُونَ عَنّا ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ القادَةَ: ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: لَوْ أرْشَدَنا في الدُّنْيا لَأرْشَدْناكم، يُرِيدُونَ: أنَّ اللَّهَ أضَلَّنا فَدَعَوْناكم إلى الضَّلالِ، ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ أهْلَ النّارِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: تَعالَوْا نَبْكِي ونَضْرَعُ، فَإنَّما أدْرَكَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ بِبُكائِهِمْ وتَضَرُّعِهِمْ، فَبَكَوْا وتَضَرَّعُوا، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم، قالُوا: تَعالَوْا نَصْبِرُ، فَإنّما أدْرَكَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ بِالصَّبْرِ، فَصَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، فَعِنْدَها قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ . ورَوى مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: جَزِعُوا مِائَةَ سَنَةٍ، وصَبَرُوا مِائَةَ سَنَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَزِعُوا خَمْسَ مِائَةِ عامٍ، وصَبَرُوا خَمْسَ مِائَةِ عامٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى المَحِيصِ في سُورَةِ (النِّساءِ:١٢١)

إبراهيم 14:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في (يُونُسَ:١٠) .

إبراهيم 14:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في (يُونُسَ:١٠) .

إبراهيم 14:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألَمْ تَرَ بِعَيْنِ (p-٣٥٨)قَلْبِكَ فَتَعْلَمَ بِإعْلامِي إيّاكَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، أيْ: بَيَّنَ شَبَهًا، ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ: طَيِّبَةِ الثَّمَرَةِ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّمَرَةِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وَفِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها النَّخْلَةُ، وهو في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ. والثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها المُؤْمِنُ، وأصْلُهُ الثّابِتُ أنَّهُ يَعْمَلُ في الأرْضِ ويَبْلُغُ عَمَلُهُ السَّماءَ. وقَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ فالمُؤْمِنُ يَذْكُرُ اللَّهَ كُلَّ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ: في الأرْضِ، ﴿وَفَرْعُها﴾ أعْلاها عالٍ ﴿فِي السَّماءِ﴾ أيْ: نَحْوَ السَّماءِ، وأُكُلُها: ثَمَرُها، وفي الحِينِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣٥٩)أحَدُها: أنَّهُ ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: سِتَّةُ أشْهُرٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّهُ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ السَّنَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: أنَّهُ شَهْرانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ. والسّادِسُ: أنَّهُ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ وكُلُّ ساعَةٍ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. فَمَن قالَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، أشارَ إلى مُدَّةِ حَمْلِها باطِنًا وظاهِرًا، ومَن قالَ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَهي مُدَّةُ حَمْلِها إلى حِينِ صِرامِها، ومَن قالَ: بُكْرَةٌ وعَشِيَّةٌ، أشارَ إلى الِاجْتِناءِ مِنها، ومَن قالَ: سَنَةٌ، أشارَ إلى أنَّها لا تَحْمِلُ في السَّنَةِ إلّا مَرَّةً، ومَن قالَ: شَهْرانِ، فَهو مُدَّةُ صَلاحِها. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لا يَكُونُ في النَّخْلَةِ أُكُلُها إلّا شَهْرَيْنِ. ومَن قالَ: كُلُّ ساعَةٍ، أشارَ إلى أنَّ ثَمَرَتَها تُؤْكَلُ دائِمًا. قالَ قَتادَةُ: تُؤْكَلُ ثَمَرَتُها في الشِّتاءِ والصَّيْفِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الطَّلْعُ في الشِّتاءِ مِن أُكُلِها، والبَلَحُ والبُسْرُ والرُّطَبِ والتَّمْرِ في الصَّيْفِ. فَأمّا الحِكْمَةُ في تَمْثِيلِ الإيمانِ بِالنَّخْلَةِ، فَمِن أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها شَدِيدَةُ الثُّبُوتِ، فَشُبِّهَ ثَباتُ الإيمانِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ بِثَباتِها. والثّانِي: أنَّها شَدِيدَةُ الِارْتِفاعِ، فَشُبِّهَ ارْتِفاعُ عَمَلِ المُؤْمِنِ بِارْتِفاعِ فُرُوعِها. والثّالِثُ: أنَّ ثَمَرَتَها تَأْتِي في كُلِّ حِينٍ، فَشُبِّهَ ما يَكْسِبُ المُؤْمِنُ مِن بَرَكَةِ الإيمانِ وثَوابِهِ في كُلِّ وقْتٍ بِثَمَرَتِها المُجْتَناةِ في كُلِّ حِينٍ عَلى اخْتِلافِ صُنُوفِها، فالمُؤْمِنُ كُلَّما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، صَعِدَتْ إلى السَّماءِ، ثُمَّ جاءَهُ خَيْرُها ومَنفَعَتُها. (p-٣٦٠)والرّابِعُ: أنَّها أشْبَهُ الشَّجَرِ بِالإنْسانِ، فَإنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ يُقْطَعُ رَأْسُها تَتَشَعَّبُ غُصُونُها مِن جَوانِبِها، إلّا هي، إذا قُطِعَ رَأْسُها يَبِسَتْ، ولِأنَّها لاتَحْمِلُ حَتّى تُلَقَّحَ، ولِأنَّها فَضْلَةُ تُرْبَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُرْوى.

إبراهيم 14:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألَمْ تَرَ بِعَيْنِ (p-٣٥٨)قَلْبِكَ فَتَعْلَمَ بِإعْلامِي إيّاكَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، أيْ: بَيَّنَ شَبَهًا، ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ: طَيِّبَةِ الثَّمَرَةِ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّمَرَةِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وَفِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها النَّخْلَةُ، وهو في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ. والثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها المُؤْمِنُ، وأصْلُهُ الثّابِتُ أنَّهُ يَعْمَلُ في الأرْضِ ويَبْلُغُ عَمَلُهُ السَّماءَ. وقَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ فالمُؤْمِنُ يَذْكُرُ اللَّهَ كُلَّ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ: في الأرْضِ، ﴿وَفَرْعُها﴾ أعْلاها عالٍ ﴿فِي السَّماءِ﴾ أيْ: نَحْوَ السَّماءِ، وأُكُلُها: ثَمَرُها، وفي الحِينِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ: (p-٣٥٩)أحَدُها: أنَّهُ ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: سِتَّةُ أشْهُرٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّهُ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ السَّنَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: أنَّهُ شَهْرانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ. والسّادِسُ: أنَّهُ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ وكُلُّ ساعَةٍ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. فَمَن قالَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، أشارَ إلى مُدَّةِ حَمْلِها باطِنًا وظاهِرًا، ومَن قالَ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَهي مُدَّةُ حَمْلِها إلى حِينِ صِرامِها، ومَن قالَ: بُكْرَةٌ وعَشِيَّةٌ، أشارَ إلى الِاجْتِناءِ مِنها، ومَن قالَ: سَنَةٌ، أشارَ إلى أنَّها لا تَحْمِلُ في السَّنَةِ إلّا مَرَّةً، ومَن قالَ: شَهْرانِ، فَهو مُدَّةُ صَلاحِها. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لا يَكُونُ في النَّخْلَةِ أُكُلُها إلّا شَهْرَيْنِ. ومَن قالَ: كُلُّ ساعَةٍ، أشارَ إلى أنَّ ثَمَرَتَها تُؤْكَلُ دائِمًا. قالَ قَتادَةُ: تُؤْكَلُ ثَمَرَتُها في الشِّتاءِ والصَّيْفِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الطَّلْعُ في الشِّتاءِ مِن أُكُلِها، والبَلَحُ والبُسْرُ والرُّطَبِ والتَّمْرِ في الصَّيْفِ. فَأمّا الحِكْمَةُ في تَمْثِيلِ الإيمانِ بِالنَّخْلَةِ، فَمِن أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها شَدِيدَةُ الثُّبُوتِ، فَشُبِّهَ ثَباتُ الإيمانِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ بِثَباتِها. والثّانِي: أنَّها شَدِيدَةُ الِارْتِفاعِ، فَشُبِّهَ ارْتِفاعُ عَمَلِ المُؤْمِنِ بِارْتِفاعِ فُرُوعِها. والثّالِثُ: أنَّ ثَمَرَتَها تَأْتِي في كُلِّ حِينٍ، فَشُبِّهَ ما يَكْسِبُ المُؤْمِنُ مِن بَرَكَةِ الإيمانِ وثَوابِهِ في كُلِّ وقْتٍ بِثَمَرَتِها المُجْتَناةِ في كُلِّ حِينٍ عَلى اخْتِلافِ صُنُوفِها، فالمُؤْمِنُ كُلَّما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، صَعِدَتْ إلى السَّماءِ، ثُمَّ جاءَهُ خَيْرُها ومَنفَعَتُها. (p-٣٦٠)والرّابِعُ: أنَّها أشْبَهُ الشَّجَرِ بِالإنْسانِ، فَإنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ يُقْطَعُ رَأْسُها تَتَشَعَّبُ غُصُونُها مِن جَوانِبِها، إلّا هي، إذا قُطِعَ رَأْسُها يَبِسَتْ، ولِأنَّها لاتَحْمِلُ حَتّى تُلَقَّحَ، ولِأنَّها فَضْلَةُ تُرْبَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُرْوى.

إبراهيم 14:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الشِّرْكُ. وَقَوْلُهُ: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الحَنْظَلَةُ، رَواهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وبِهِ قالَ أنَسٌ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّها الكافِرُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكافِرُ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ، ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الأرْضِ ثابِتٌ، ولا فَرْعٌ في السَّماءِ. والثّالِثُ: أنَّها الكَشُوثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ولَيْسَتْ بِشَجَرَةٍ مَخْلُوقَةٍ، رَواهُ أبُو ظِبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٦١)والخامِسُ: أنَّها الثُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتُؤْصِلَتْ وقُطِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى اجْتَثَثْتُ الشَّيْءَ في اللُّغَةِ: أخَذْتُ جُثَّتَهُ بِكَمالِها. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما لَها مِن أصْلٍ، لَمْ تَضْرِبْ في الأرْضِ عِرْقًا. والثّانِي: ما لَها مِن ثَباتٍ. وَمَعْنى تَشْبِيهِ الكافِرِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ أنَّهُ لا يَصْعَدُ لِلْكافِرِ عَمَلٌ صالِحٌ، ولا قَوْلٌ طَيِّبٌ، ولا لِقَوْلِهِ أصْلٌ ثابِتٌ.

إبراهيم 14:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: يُثَبِّتُهم عَلى الحَقِّ بِالقَوْلِ الثّابِتِ، وهو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا: زَمانُ الحَياةِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والآخِرَةُ: زَمانُ المُساءَلَةِ في القَبْرِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وفِيهِ أحادِيثُ تُعَضِّدُهُ. والثّانِي: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا: زَمَنُ السُّؤالِ في القَبْرِ، والآخِرَةُ: السُّؤالُ في القِيامَةِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ طاوُوسُ، وقَتادَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في فِتْنَةِ القَبْرِ، وسُؤالِ المَلَكَيْنِ، وتَلْقِينِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ الحَقِّ عِنْدَ السُّؤالِ، وتَثْبِيتِهِ إيّاهُ عَلى الحَقِّ. ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، يُضِلُّهم عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِن هِدايَةِ المُؤْمِنِ وإضْلالِ الكافِرِ.

إبراهيم 14:28

(p-٣٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. والثّانِي: أنَّهم مُنافِقُو قُرَيْشٍ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ. والثّالِثُ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، ورُؤَساءُ أهْلِ بَدْرٍ الَّذِينَ ساقُوا أهْلَ بَدْرٍ إلى بَدْرٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ. والسّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَبْدِيلُهم نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرَسُولِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ودَعَوْا قَوْمَهم إلى الكُفْرِ بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيِ: الهَلاكِ. ثُمَّ فَسَّرَ الدّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ أيْ: يُقاسُونَ حَرَّها ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المَقَرُّ هي.

إبراهيم 14:29

(p-٣٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. والثّانِي: أنَّهم مُنافِقُو قُرَيْشٍ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ. والثّالِثُ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، ورُؤَساءُ أهْلِ بَدْرٍ الَّذِينَ ساقُوا أهْلَ بَدْرٍ إلى بَدْرٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ. والسّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَبْدِيلُهم نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرَسُولِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ودَعَوْا قَوْمَهم إلى الكُفْرِ بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيِ: الهَلاكِ. ثُمَّ فَسَّرَ الدّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ أيْ: يُقاسُونَ حَرَّها ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المَقَرُّ هي.

إبراهيم 14:30

(p-٣٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ قَدْ بَيَّناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٢)، واللّامُ في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ لامُ العاقِبَةِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها (يُونُسَ:٨٨)، ومَن قَرَأ " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: لِيُضِلُّوا النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: في حَياتِكُمُ الدُّنْيا، وهَذا وعِيدٌ لَهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ كانَ الكافِرُ مَرِيضًا لا يَنامُ، جائِعًا لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، لَكانَ هَذا نَعِيمًا يَتَمَتَّعُ بِهِ بِالقِياسِ إلى ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، ولَوْ كانَ المُؤْمِنُ في أنْعَمِ عَيْشٍ، لَكانَ بُؤْسًا عِنْدَما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ.

إبراهيم 14:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: (p-٣٦٤)أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ. ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿والنَّهارَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ. والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا (p-٣٦٥)وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها. " إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

إبراهيم 14:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: (p-٣٦٤)أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ. ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿والنَّهارَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ. والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا (p-٣٦٥)وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها. " إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

إبراهيم 14:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: (p-٣٦٤)أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ. ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿والنَّهارَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ. والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا (p-٣٦٥)وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها. " إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

إبراهيم 14:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: (p-٣٦٤)أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ. ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿والنَّهارَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ. والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا (p-٣٦٥)وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها. " إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

إبراهيم 14:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: (p-٣٦٤)أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ. ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿والنَّهارَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ. والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا (p-٣٦٥)وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها. " إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

إبراهيم 14:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: (p-٣٦٤)أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ. ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿والنَّهارَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ. والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا (p-٣٦٥)وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها. " إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

إبراهيم 14:37

(p-٣٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ في " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، قالَهُ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ. والمَعْنى: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، ولَمْ يَكُنْ فِيها حَرْثٌ ولا ماءٌ عِنْدَ ﴿بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ إنَّما سُمِّيَ مُحَرَّمًا، لِأنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِحْلالُ مُحَرَّماتِهِ والِاسْتِخْفافُ بِحَقِّهِ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْتٌ حِينَئِذٍ، إنَّما بَناهُ إبْراهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ؟ فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي كانَ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ أيّامَ الطُّوفانِ. والثّالِثُ: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي قَدْ جَرى في سابِقِ عِلْمِكَ أنَّهُ يَحْدُثُ هاهُنا ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. وكانَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ يَقُولُ: ظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ إنَّما كانَ بَعْدَ أنْ بُنِيَ البَيْتُ وصارَتْ مَكَّةُ بَلَدًا. والمُفَسِّرُونَ عَلى خِلافِ ما قالَ. ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ إبْراهِيمَ خَرَجَ مِنَ الشّامِ ومَعَهُ ابْنُهُ إسْماعِيلُ وأُمُّهُ هاجَرُ ومَعَهُ جِبْرِيلُ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ وبِها ناسٌ يُقالُ لَهُمُ: العَمالِيقُ، خارِجًا مِن (p-٣٦٧)مَكَّةَ، والبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْراءُ، فَقالَ إبْراهِيمُ لِجِبْرِيلَ: أهاهُنا أُمِرْتُ أنْ أضَعَهُما ؟ قالَ: نَعَمْ؛ فَأنْزَلَهُما في مَكانٍ مِنَ الحِجْرِ، وأمَرَ هاجَرَ أنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي. . .﴾ الآيَةُ. وفَتَحَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو ياءَ " إنِّيَ أسْكَنْتُ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ في مُتَعَلَّقِ هَذِهِ اللّامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ فالمَعْنى: جَنِّبْهُمُ الأصْنامَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّانِي: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: " أسْكَنْتُ " فالمَعْنى: أسْكَنْتُهم عِنْدَ بَيْتِكَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، لِأنَّ البَيْتَ قِبْلَةُ الصَّلَواتِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: قُلُوبُ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُلُوبِ بِالأفْئِدَةِ، لِقُرْبِ القَلْبِ مِنَ الفُؤادِ ومُجاوَرَتِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ غَداةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنْتَصِرْ وَقالَ آخَرُ: ؎ كَأنَّ فُؤادِي كُلَّما مَرَّ راكِبٌ ∗∗∗ جَناحُ غُرابٍ رامَ نَهْضًا إلى وِكْرِ وَقالَ آخَرُ: ؎ وإنَّ فُؤادًا قادَنِي لِصَبابَةٍ ∗∗∗ إلَيْكِ عَلى طُولِ الهَوى لَصَبُورُ يَعْنُونَ: بِالفُؤادِ: القَلْبَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَحِنُّ إلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: (p-٣٦٨)تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وقالَ الفَرّاءُ: تُرِيدُهم، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا يَهْوِي نَحْوَكَ، أيْ: يُرِيدُكَ. وقَرَأ بَعْضُهم: " تَهْوى إلَيْهِمْ " بِمَعْنى: تَهْواهم، كَقَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النَّمْلِ:٧٢] . أيْ: رَدِفَكم. و " إلى " تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَهْوِي إلَيْهِمْ ": تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ. وَفِي مَعْنى هَذا المَيْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَيْلُ إلى الحَجِّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: أنَّهُ حُبُّ سُكْنى مَكَّةَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ قالَ: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، لَحَجَّهَ اليَهُودُ والنَّصارى، ولَكِنَّهُ قالَ: مِنَ النّاسِ.

إبراهيم 14:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِمُفارَقَةِ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ الحُبِّ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالَ هَذا لَمّا نَزَلَ إسْماعِيلُ الحَرَمَ، وأرادَ فِراقَهُ.

إبراهيم 14:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ: بَعْدَ الكِبَرِ " إسْماعِيلَ وإسْحاقَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. (p-٣٦٩)قَوْلُهُ تَعالى: " رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعائِي " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وهُبَيْرَةُ، عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: " وتَقَبَّلْ دُعائِي " بِياءٍ في الوَصْلِ. وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يَصِلُ ويَقِفُ بِياءٍ. وقالَ قُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُشِمُّ الياءَ في الوَصْلِ، ولا يُثْبِتُها، ويَقِفُ عَلَيْها بِالألِفِ. الباقُونَ " دُعاءِ " بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَقْفُ والوَصْلُ بِياءٍ هو القِياسُ، والإشْمامُ جائِزٌ، لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ.

إبراهيم 14:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ: بَعْدَ الكِبَرِ " إسْماعِيلَ وإسْحاقَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. (p-٣٦٩)قَوْلُهُ تَعالى: " رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعائِي " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وهُبَيْرَةُ، عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: " وتَقَبَّلْ دُعائِي " بِياءٍ في الوَصْلِ. وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يَصِلُ ويَقِفُ بِياءٍ. وقالَ قُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُشِمُّ الياءَ في الوَصْلِ، ولا يُثْبِتُها، ويَقِفُ عَلَيْها بِالألِفِ. الباقُونَ " دُعاءِ " بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَقْفُ والوَصْلُ بِياءٍ هو القِياسُ، والإشْمامُ جائِزٌ، لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ.

إبراهيم 14:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَغْفَرَ لِأبَوَيْهِ وهُما حَيّانِ، طَمَعًا في أنْ يُهْدَيا إلى الإسْلامِ. وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ: آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ: " ولِوَلَدَيَّ " يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُما قَبْلَ ذَلِكَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: " ولِوالِدِي " عَلَيَّ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ولِوُلْدِي " بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، والجَوْنِيُّ: " ولِوَلَدِي " بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ أيْ: يَظْهَرُ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الحِسابِ مِن ذِكْرِ النّاسِ إذْ كانَ المَعْنى مَفْهُومًا.

إبراهيم 14:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا وعِيدٌ لِلظّالِمِ، وتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ. (p-٣٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، " نُؤَخِّرُهم " بِالنُّونِ، أيْ: يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُ الخَلائِقِ لِظُهُورِ الأحْوالِ فَلا تَغْتَمِضُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الإهْطاعَ: النَّظَرُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ النّاظِرُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو الضُّحى. والثّانِي: أنَّهُ الإسْراعُ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أهْطَعَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ، واسْتَهْطَعَ: إذا أسْرَعَ. وَفِي ما أسْرَعُوا إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الدّاعِي، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: إلى النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّ المُهْطِعَ: الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎ أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُقْنِعُ رَأْسِهِ: الَّذِي رَفَعَهُ وأقْبَلَ بِطَرَفِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، مُلْتَصِقَةً بِأعْناقِهِمْ. و ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم مُهْطِعِينَ. (p-٣٧١)والثّانِي: ناكِسِي رُؤُوسِهِمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ المُؤَرِّجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم مِن شِدَّةِ النَّظَرِ، فَهي شاخِصَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: أنَّ نَظَرَهم إلى شَيْءٍ واحِدٍ. وقالَ الحَسَنُ: وُجُوهُ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السَّماءِ، لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى أحَدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الأفْئِدَةُ: مَساكِنُ القُلُوبِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ القُلُوبَ خَرَجَتْ مِن مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ، فَأفْئِدَتُهم هَواءٌ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ. والثّانِي: وأفْئِدَتُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: وأفْئِدَتُهم مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا، قالَهُ مُرَّةُ بْنُ شُراحْبِيلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَخَرَّقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا مِنَ الخَوْفِ. والرّابِعُ: وأفْئِدَتُهم جُوفٌ لا عُقُولَ لَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِحَسّانَ: ؎ ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خَلَتْ عَنِ العُقُولِ، لِما رَأوْا مِنَ الهَوْلِ. والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أجْوَفَ خاوٍ: هَواءً. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ أفْئِدَتُهم مَنخُوبَةٌ مِنَ الخَوْفِ والجُبْنِ.

إبراهيم 14:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا وعِيدٌ لِلظّالِمِ، وتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ. (p-٣٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، " نُؤَخِّرُهم " بِالنُّونِ، أيْ: يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُ الخَلائِقِ لِظُهُورِ الأحْوالِ فَلا تَغْتَمِضُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الإهْطاعَ: النَّظَرُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ النّاظِرُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو الضُّحى. والثّانِي: أنَّهُ الإسْراعُ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أهْطَعَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ، واسْتَهْطَعَ: إذا أسْرَعَ. وَفِي ما أسْرَعُوا إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الدّاعِي، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: إلى النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّ المُهْطِعَ: الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎ أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُقْنِعُ رَأْسِهِ: الَّذِي رَفَعَهُ وأقْبَلَ بِطَرَفِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، مُلْتَصِقَةً بِأعْناقِهِمْ. و ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم مُهْطِعِينَ. (p-٣٧١)والثّانِي: ناكِسِي رُؤُوسِهِمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ المُؤَرِّجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم مِن شِدَّةِ النَّظَرِ، فَهي شاخِصَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: أنَّ نَظَرَهم إلى شَيْءٍ واحِدٍ. وقالَ الحَسَنُ: وُجُوهُ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السَّماءِ، لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى أحَدٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الأفْئِدَةُ: مَساكِنُ القُلُوبِ. وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ القُلُوبَ خَرَجَتْ مِن مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ، فَأفْئِدَتُهم هَواءٌ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ. والثّانِي: وأفْئِدَتُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: وأفْئِدَتُهم مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا، قالَهُ مُرَّةُ بْنُ شُراحْبِيلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَخَرَّقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا مِنَ الخَوْفِ. والرّابِعُ: وأفْئِدَتُهم جُوفٌ لا عُقُولَ لَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِحَسّانَ: ؎ ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خَلَتْ عَنِ العُقُولِ، لِما رَأوْا مِنَ الهَوْلِ. والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أجْوَفَ خاوٍ: هَواءً. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ أفْئِدَتُهم مَنخُوبَةٌ مِنَ الخَوْفِ والجُبْنِ.

إبراهيم 14:44

(p-٣٧٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ أيْ: خَوِّفْهم ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ؛ وإنَّما خَصَّهُ بِذِكْرِ العَذابِ، وإنْ كانَ فِيهِ ثَوابٌ، لِأنَّ الكَلامَ خَرَجَ مُخْرِجَ التَّهْدِيدِ لِلْعُصاةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالنّاسِ هاهُنا: أهْلَ مَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ: أمْهِلْنا مُدَّةً يَسِيرَةً. وقالَ مُقاتِلٌ: سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، لِأنَّ الخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيا قَرِيبٌ. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ يَعْنِي: التَّوْحِيدَ، فَيُقالُ لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: حَلَفْتُمْ في الدُّنْيا أنَّكم لا تُبْعَثُونَ ولا تَنْتَقِلُونَ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ.

إبراهيم 14:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: نَزَلْتُمْ في أماكِنِهِمْ وقُراهم، كالحِجْرِ ومَدِينَ، والقُرى الَّتِي عُذِّبَ أهْلُها. ومَعْنى ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: ضَرُّوها بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. " وتَبَيَّنَ لَكم " وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِي " وتُبُيِّنَ " بِضَمِّ التّاءِ. ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَيْفَ عَذَّبْناهم، يَقُولُ: فَكانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَنْـزَجِرُوا عَنِ المُخالَفَةِ اعْتِبارًا بِمَساكِنِهِمْ بَعْدَما عَلِمْتُمْ فِعْلَنا بِهِمْ، ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأمْثالَ الَّتِي في القُرْآنِ.

إبراهيم 14:46

(p-٣٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَمْرُودُ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى السَّماءِ، فَأمَرَ بِفَرْخَيْ نَسْرٍ فَرُبِّيا حَتّى سَمِنا واسْتَعْلَجا، ثُمَّ أمَرَ بِتابُوتٍ فَنُحِتَ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، وجَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا شَدِيدَ الحُمْرَةِ، ثُمَّ جَوَّعَهُما ورَبَطَ أرْجُلَهُما بِأوْتارٍ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ. ودَخَلَ هو وصاحِبٌ لَهُ في التّابُوتِ وأغْلَقَ بابَهُ، ثُمَّ أرْسَلَهُما، فَجَعَلا يُرِيدانِ اللَّحْمَ، فَصَعِدا في السَّماءِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ: افْتَحْ وانْظُرْ ماذا تَرى ؟ فَفَتَحَ، فَقالَ: أرى الأرْضَ كَأنَّها الدُّخانُ، فَقالَ لَهُ: أغْلِقْ، ثُمَّ صَعِدَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فانْظُرْ، فَفَتَحَ، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ، وما نَزْدادُ مِنها إلّا بُعْدًا، قالَ: فَصَوِّبْ خَشَبَتَكَ، فَصَوَّبَها، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَتِ الجِبالُ هَدَّتَها، فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها. هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وفي رِوايَةِ عَنْهُ: كانَتِ النُّسُورُ أرْبَعَةً. ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّهُ مازالَ يَصْعَدُ إلى أنْ رَأى الأرْضَ يُحِيطُ بِها بَحْرٌ، فَكَأنَّها فَلْكَةٌ في ماءٍ، ثُمَّ صَعِدَ حَتّى وقَعَ في ظُلْمَةٍ، فَلَمْ يَرَ ما فَوْقَهُ ولَمْ يَرَ ما تَحْتَهُ، فَفَزِعَ، فَصَوَّبَ اللَّحْمَ، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ، فَلَمّا نَزَلَ أخَذَ في بِناءِ الصَّرْحِ. ثُمَّ صَعِدَ مِنهُ مَعَ النُّسُورِ، فَلَمّا لَمْ يَقْدِرْ عَلى السَّماءِ، اتَّخَذَهُ حِصْنًا، فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَواعِدِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ مَعَهُ في التّابُوتِ غُلامٌ قَدْ حَمَلَ القَوْسَ والنُّشّابَ، فَرَمى بِسَهْمٍ فَعادَ إلَيْهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقالَ: كُفِيتَ إلَهَ السَّماءِ، وذَلِكَ مِن دَمِ سَمَكَةٍ في بَحْرٍ مُعَلَّقٍ في الهَواءِ، فَلَمّا هالَهُ الِارْتِفاعُ، (p-٣٧٤)قالَ لِصاحِبِهِ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ، فَصَوَّبَها، فانْحَطَّتِ النُّسُورُ، فَظَنَّتِ الجِبالُ أنَّهُ أمْرٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَزالَتْ عَنْ مَواضِعِها. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ، فَكادَتْ تَزُولُ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بُخْتَنَصَّرُ، وأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَهُ جَرَتْ، وأنَّ النُّسُورَ لَمّا ارْتَفَعَتْ تَطْلُبُ اللَّحْمَ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، نُودِيَ: يا أيُّها الطّاغِيَةُ، أيْنَ تُرِيدُ ؟ فَفَرِقَ، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ، فَنَزَلَ، فَلَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ فَكادَتْ تَزُولُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: مَكْرُهم: شِرْكُهم. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وإخْراجِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ حَتّى يُجازِيَهم بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وقَرَأ الأكْثَرُونَ " لِتَزُولَ " بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى مِن " لِتَزُولَ " وفَتْحِ الثّانِيَةِ. أرادَ: وما كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، أيْ: هو أضْعَفُ وأوْهَنُ، كَذَلِكَ فَسَّرَها الحَسَنُ البَصَرِيُّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى وضَمِّ الثّانِيَةِ، أرادَ: قَدْ كادَتِ الجِبالُ تَزُولُ مِن مَكْرِهِمْ، كَذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ. وَفِي المُرادِ بِالجِبالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجِبالُ المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها ضُرِبَتْ مَثَلًا لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وثُبُوتُ دِينِهِ كَثُبُوتِ الجِبالِ (p-٣٧٥)الرّاسِيَةِ، والمَعْنى: لَوْ بَلَغَ كَيْدُهم إلى إزالَةِ الجِبالِ، لَما زالَ أمْرُ الإسْلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أيْ: فَقَدْ وعَدَكَ الظُّهُورَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِوَعْدِهِ: النَّصْرَ والفَتْحَ وإظْهارَ الدِّينِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ: مَنِيعٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِنَ الكافِرِينَ، وهو أنْ يُجازِيَهم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرِهِمْ.

إبراهيم 14:47

(p-٣٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَمْرُودُ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى السَّماءِ، فَأمَرَ بِفَرْخَيْ نَسْرٍ فَرُبِّيا حَتّى سَمِنا واسْتَعْلَجا، ثُمَّ أمَرَ بِتابُوتٍ فَنُحِتَ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، وجَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا شَدِيدَ الحُمْرَةِ، ثُمَّ جَوَّعَهُما ورَبَطَ أرْجُلَهُما بِأوْتارٍ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ. ودَخَلَ هو وصاحِبٌ لَهُ في التّابُوتِ وأغْلَقَ بابَهُ، ثُمَّ أرْسَلَهُما، فَجَعَلا يُرِيدانِ اللَّحْمَ، فَصَعِدا في السَّماءِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ: افْتَحْ وانْظُرْ ماذا تَرى ؟ فَفَتَحَ، فَقالَ: أرى الأرْضَ كَأنَّها الدُّخانُ، فَقالَ لَهُ: أغْلِقْ، ثُمَّ صَعِدَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فانْظُرْ، فَفَتَحَ، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ، وما نَزْدادُ مِنها إلّا بُعْدًا، قالَ: فَصَوِّبْ خَشَبَتَكَ، فَصَوَّبَها، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَتِ الجِبالُ هَدَّتَها، فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها. هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وفي رِوايَةِ عَنْهُ: كانَتِ النُّسُورُ أرْبَعَةً. ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّهُ مازالَ يَصْعَدُ إلى أنْ رَأى الأرْضَ يُحِيطُ بِها بَحْرٌ، فَكَأنَّها فَلْكَةٌ في ماءٍ، ثُمَّ صَعِدَ حَتّى وقَعَ في ظُلْمَةٍ، فَلَمْ يَرَ ما فَوْقَهُ ولَمْ يَرَ ما تَحْتَهُ، فَفَزِعَ، فَصَوَّبَ اللَّحْمَ، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ، فَلَمّا نَزَلَ أخَذَ في بِناءِ الصَّرْحِ. ثُمَّ صَعِدَ مِنهُ مَعَ النُّسُورِ، فَلَمّا لَمْ يَقْدِرْ عَلى السَّماءِ، اتَّخَذَهُ حِصْنًا، فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَواعِدِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ مَعَهُ في التّابُوتِ غُلامٌ قَدْ حَمَلَ القَوْسَ والنُّشّابَ، فَرَمى بِسَهْمٍ فَعادَ إلَيْهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقالَ: كُفِيتَ إلَهَ السَّماءِ، وذَلِكَ مِن دَمِ سَمَكَةٍ في بَحْرٍ مُعَلَّقٍ في الهَواءِ، فَلَمّا هالَهُ الِارْتِفاعُ، (p-٣٧٤)قالَ لِصاحِبِهِ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ، فَصَوَّبَها، فانْحَطَّتِ النُّسُورُ، فَظَنَّتِ الجِبالُ أنَّهُ أمْرٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَزالَتْ عَنْ مَواضِعِها. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ، فَكادَتْ تَزُولُ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بُخْتَنَصَّرُ، وأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَهُ جَرَتْ، وأنَّ النُّسُورَ لَمّا ارْتَفَعَتْ تَطْلُبُ اللَّحْمَ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، نُودِيَ: يا أيُّها الطّاغِيَةُ، أيْنَ تُرِيدُ ؟ فَفَرِقَ، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ، فَنَزَلَ، فَلَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ فَكادَتْ تَزُولُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: مَكْرُهم: شِرْكُهم. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وإخْراجِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ حَتّى يُجازِيَهم بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وقَرَأ الأكْثَرُونَ " لِتَزُولَ " بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى مِن " لِتَزُولَ " وفَتْحِ الثّانِيَةِ. أرادَ: وما كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، أيْ: هو أضْعَفُ وأوْهَنُ، كَذَلِكَ فَسَّرَها الحَسَنُ البَصَرِيُّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى وضَمِّ الثّانِيَةِ، أرادَ: قَدْ كادَتِ الجِبالُ تَزُولُ مِن مَكْرِهِمْ، كَذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ. وَفِي المُرادِ بِالجِبالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجِبالُ المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها ضُرِبَتْ مَثَلًا لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وثُبُوتُ دِينِهِ كَثُبُوتِ الجِبالِ (p-٣٧٥)الرّاسِيَةِ، والمَعْنى: لَوْ بَلَغَ كَيْدُهم إلى إزالَةِ الجِبالِ، لَما زالَ أمْرُ الإسْلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أيْ: فَقَدْ وعَدَكَ الظُّهُورَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِوَعْدِهِ: النَّصْرَ والفَتْحَ وإظْهارَ الدِّينِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ: مَنِيعٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِنَ الكافِرِينَ، وهو أنْ يُجازِيَهم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرِهِمْ.

إبراهيم 14:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ﴾ ورَوى أبانُ " يَوْمَ نُبَدِّلُ " بِالنُّونِ وكَسْرِ الدّالِ " الأرْضَ " بِالنَّصْبِ، " والسَّمَواتِ " بِخَفْضِ التّاءِ، ولا خِلافَ في نَصْبِ " غَيْرَ " . وَفِي مَعْنى تَبْدِيلِ الأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تِلْكَ الأرْضُ، وإنَّما يُزادُ فِيها ويُنْقَصُ مِنها، وتَذْهَبُ آكامُها وجِبالُها وأوْدِيَتُها وشَجَرُها، وتَمُدُّ مَدَّ الأدِيمِ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ " قالَ: يَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ» " . (p-٣٧٦)والثّانِي: أنَّها تُبَدَّلُ بِغَيْرِها. ثُمَّ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تُبَدَّلُ بِأرْضِ غَيْرِها بَيْضاءَ كالفِضَّةِ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّها تُبَدَّلُ نارًا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّالِثُ: أنَّها تُبَدَّلُ بِأرْضٍ مِن فِضَّةٍ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. والرّابِعُ: تُبَدَّلُ بِخُبْزَةٍ بَيْضاءَ، فَيَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ. وقالَ غَيْرُهم: يَأْكُلُ مِنها أهْلُ الإسْلامِ حَتّى يُفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ. فَأمّا تَبْدِيلُ السَّمَواتِ، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تُجْعَلُ مِن ذَهَبٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّها تَصِيرُ جِنانًا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّالِثُ: أنَّ تَبْدِيلَها: تَكْوِيرُ شَمْسِها وتَناثُرُ نُجُومِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ تَبْدِيلَها: اخْتِلافُ أحْوالِها، فَمَرَّةً كالمُهْلِ، ومَرَّةً تَكُونُ كالدِّهانِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والخامِسُ: أنَّ تَبْدِيلَها أنْ تُطْوى كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ. والسّادِسُ: أنْ تَنْشَقَّ فَلا تُظِلُّ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ.

إبراهيم 14:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ إلى الشَّيْءِ: إذا وصَلْتَهُ بِهِ. (p-٣٧٧)وَفِي مَعْنى " مُقَرَّنِينَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم يُقَرَّنُونَ مَعَ الشَّياطِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم قُرِنَتْ إلى رِقابِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: يُقَرَّنُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَفِي الأصْفادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الأغْلالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةِ، والزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: القُيُودُ والأغْلالُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: القُيُودُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَأمّا السَّرابِيلُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: السِّرْبالُ: كُلُّ ما لُبِسَ. وفي القَطِرانِ ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ القافِ وكَسْرُ الطّاءِ، وفَتْحُ القافِ مَعَ تَسْكِينِ الطّاءِ، وكَسْرُ القافِ مَعَ تَسْكِينِ الطّاءِ. وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النُّحاسُ المُذابُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَطِرانُ الإبِلِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ تُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما جُعِلَ لَهُمُ القَطِرانُ، لِأنَّهُ يُبالِغُ في اشْتِعالِ النّارِ في الجُلُودِ، ولَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى المُبالَغَةَ في إحْراقِهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَقَدَرَ، ولَكِنَّهُ حَذَّرَهم ما يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن قِطْرٍ " بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ والتَّنْوِينِ " آنَ " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها ومَدِّها. والقِطْرُ: النُّحاسُ، وآنَ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ. (p-٣٧٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ: تَعْلُوها. واللّامُ في " لِيَجْزِيَ " مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَرَزُوا﴾ .

إبراهيم 14:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ إلى الشَّيْءِ: إذا وصَلْتَهُ بِهِ. (p-٣٧٧)وَفِي مَعْنى " مُقَرَّنِينَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم يُقَرَّنُونَ مَعَ الشَّياطِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم قُرِنَتْ إلى رِقابِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: يُقَرَّنُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَفِي الأصْفادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الأغْلالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةِ، والزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: القُيُودُ والأغْلالُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: القُيُودُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَأمّا السَّرابِيلُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: السِّرْبالُ: كُلُّ ما لُبِسَ. وفي القَطِرانِ ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ القافِ وكَسْرُ الطّاءِ، وفَتْحُ القافِ مَعَ تَسْكِينِ الطّاءِ، وكَسْرُ القافِ مَعَ تَسْكِينِ الطّاءِ. وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النُّحاسُ المُذابُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَطِرانُ الإبِلِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ تُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما جُعِلَ لَهُمُ القَطِرانُ، لِأنَّهُ يُبالِغُ في اشْتِعالِ النّارِ في الجُلُودِ، ولَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى المُبالَغَةَ في إحْراقِهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَقَدَرَ، ولَكِنَّهُ حَذَّرَهم ما يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن قِطْرٍ " بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ والتَّنْوِينِ " آنَ " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها ومَدِّها. والقِطْرُ: النُّحاسُ، وآنَ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ. (p-٣٧٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ: تَعْلُوها. واللّامُ في " لِيَجْزِيَ " مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَرَزُوا﴾ .

إبراهيم 14:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ إلى الشَّيْءِ: إذا وصَلْتَهُ بِهِ. (p-٣٧٧)وَفِي مَعْنى " مُقَرَّنِينَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم يُقَرَّنُونَ مَعَ الشَّياطِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم قُرِنَتْ إلى رِقابِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: يُقَرَّنُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَفِي الأصْفادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الأغْلالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةِ، والزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: القُيُودُ والأغْلالُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: القُيُودُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَأمّا السَّرابِيلُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القُمُصُ، واحِدُها سِرْبالٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: السِّرْبالُ: كُلُّ ما لُبِسَ. وفي القَطِرانِ ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ القافِ وكَسْرُ الطّاءِ، وفَتْحُ القافِ مَعَ تَسْكِينِ الطّاءِ، وكَسْرُ القافِ مَعَ تَسْكِينِ الطّاءِ. وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النُّحاسُ المُذابُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قَطِرانُ الإبِلِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ تُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما جُعِلَ لَهُمُ القَطِرانُ، لِأنَّهُ يُبالِغُ في اشْتِعالِ النّارِ في الجُلُودِ، ولَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى المُبالَغَةَ في إحْراقِهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَقَدَرَ، ولَكِنَّهُ حَذَّرَهم ما يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن قِطْرٍ " بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ والتَّنْوِينِ " آنَ " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها ومَدِّها. والقِطْرُ: النُّحاسُ، وآنَ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ. (p-٣٧٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ: تَعْلُوها. واللّامُ في " لِيَجْزِيَ " مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَرَزُوا﴾ .

إبراهيم 14:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ. والثّانِي: الإنْذارُ. والبَلاغُ: الكِفايَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالنّاسِ: أهْلُ مَكَّةَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أيْ: أُنْزِلَ لِيُنْذَرُوا بِهِ، ولِيَعْلَمُوا بِما فِيهِ مِنَ الحُجَجِ " أنَما هو إلَهٌ واحِدٌ، ولِيَذَّكَّرَ " أيْ: ولِيَتَّعِظَ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ .